البداية و النهاية - ج7

- ابن كثير الدمشقي‏ المزيد...
361 /
252

عدو- و كان معاوية حازما أيضا- فكتب إليه بما صمم عليه: إني مع على إذ هو أحق بالأمر منك فلما بلغ ذلك معاوية بن أبى سفيان يئس منه و رجع ثم أشاع بعض أهل الشام أن قيس بن سعد يكاتبهم في الباطن و يمالئهم على أهل العراق، و روى ابن جرير أنه جاء من جهته كتاب مزور بمبايعته معاوية و اللَّه أعلم بصحته. و لما بلغ ذلك عليا فاتهمه و كتب له أن يغزو أهل خربتا الذين تخلفوا عن البيعة، فبعث إليه يعتذر إليه بأنهم عدد كثير، و هم وجوه الناس. و كتب إليه: إن كنت إنما أمرتنى بهذا لتختبرنى لأنك اتهمتنى، فابعث على عملك بمصر غيري، فبعث على على إمرة مصر الأشتر النخعي، فسار إليها الأشتر النخعي فلما بلغ القلزم شرب شربة من عسل فكان فيها حتفه فبلغ ذلك أهل الشام فقالوا: إن للَّه جندا من عسل، فلما بلغ عليا مهلك الأشتر بعث محمد بن أبى بكر على إمرة مصر، و قد قيل و هو الأصح إن عليا ولى محمد بن أبى بكر بعد قيس بن سعد، فارتحل قيس إلى المدينة، ثم ركب هو و سهل بن حنيف إلى على فاعتذر إليه قيس بن سعد فعذره على، و شهدا معه صفين كما سنذكره، فلم يزل محمد بن أبى بكر بمصر قائم الأمر مهيبا بالديار المصرية، حتى كانت وقعة صفين، و بلغ أهل مصر خبر معاوية و من معه من أهل الشام على قتال أهل العراق، و صاروا إلى التحكيم فطمع أهل مصر في محمد بن أبى بكر و اجترأوا عليه و بارزوه بالعداوة فكان من أمره ما سنذكره و كان عمرو بن العاص قد بايع معاوية على القيام بطلب دم عثمان، و كان قد خرج من المدينة حين أرادوا حصره لئلا يشهد مهلكه، مع أنه كان متعتبا عليه بسبب عزله له عن ديار مصر و توليته بدله عليها عبد اللَّه بن سعد بن أبى سرح، فتسرح عن المدينة على تغضب فنزل قريبا من الأردن، فلما قتل عثمان صار إلى معاوية فبايعه على ما ذكرنا.

فصل في وقعة صفين [بين أهل العراق من أصحاب على، و بين أهل الشام من أصحاب معاوية

قد تقدم ما رواه الامام أحمد عن إسماعيل بن علية عن أيوب عن محمد بن سيرين. أنه قال:

«هاجت الفتنة و أصحاب رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) عشرات الألوف فلم يحضرها منهم مائة، بل لم يبلغوا ثلاثين» و قال الامام أحمد: حدثنا أمية بن خلد قال لشعبة إن أبا شيبة روى عن الحكم عن عبد الرحمن بن أبى ليلى قال: «شهد صفين من أهل بدر سبعون رجلا، فقال: كذب أبو شيبة، و اللَّه لقد ذاكرنا الحكم في ذلك فما وجدناه شهد صفين من أهل بدر غير خزيمة بن ثابت؟ و قد قيل إنه شهدها من أهل بدر سهل بن حنيف، و كذا أبو أيوب الأنصاري. قاله شيخنا العلامة ابن تيمية في‏

253

كتاب الرّد على الرافضة- و روى ابن بطة باسناده عن بكير بن الأشج أنه قال: أما إن رجالا من من أهل بدر لزموا بيوتهم بعد قتل عثمان فلم يخرجوا إلا إلى قبورهم‏] [ (1)] و أما على بن أبى طالب رضى اللَّه عنه فإنه لما فرغ من وقعة الجمل و دخل البصرة و شيع أم المؤمنين عائشة لما أرادت الرجوع إلى مكة، سار من البصرة إلى الكوفة قال أبو الكنود عبد الرحمن بن عبيد فدخلها على يوم الاثنين لثنتى عشرة ليلة خلت من رجب سنة ست و ثلاثين‏

فقيل له: انزل بالقصر الأبيض، فقال: لا! إن عمر بن الخطاب كان يكره نزوله فأنا أكرهه لذلك،

فنزل في الرحبة و صلى في الجامع الأعظم ركعتين، ثم خطب الناس فحثهم على الخير و نهاهم عن الشر، و مدح أهل الكوفة في خطبته هذه، ثم بعث إلى جرير بن عبد اللَّه- و كان على همذان من زمان عثمان- و إلى الأشعث بن قيس- و هو على نيابة أذربيجان من زمان عثمان- أن يأخذا البيعة على من لك من الرعايا ثم يقبلا إليه، ففعلا ذلك. فلما أراد على رضى اللَّه عنه أن يبعث إلى معاوية رضى اللَّه عنه يدعوه إلى بيعته قال جرير بن عبد اللَّه: أنا أذهب إليه يا أمير المؤمنين فان بيني و بينه ودا، فآخذ لك منه البيعة،

فقال الأشتر: لا تبعثه يا أمير المؤمنين فانى أخشى أن يكون هواه معه. فقال على:

دعه،

و بعثه و كتب معه كتابا إلى معاوية يعلمه باجتماع المهاجرين و الأنصار على بيعته، و يخبره بما كان في وقعة الجمل، و يدعوه إلى الدخول فيما دخل فيه الناس. فلما انتهى إليه جرير بن عبد اللَّه أعطاه الكتاب فطلب معاوية عمرو بن العاص و رءوس أهل الشام فاستشارهم فأبوا أن يبايعوا حتى يقتل قتلة عثمان، أو أن يسلم إليهم قتلة عثمان، و إن لم يفعل قاتلوه و لم يبايعوه حتى يقتل قتلة عثمان بن عفان رضى اللَّه عنه. فرجع جرير إلى على فأخبره بما قالوا، فقال الأشتر: يا أمير المؤمنين أ لم أنهك أن تبعث جريرا؟ فلو كنت بعثتني لما فتح معاوية بابا إلا أغلقته. فقال له جرير: لو كنت ثم لقتلوك بدم عثمان. فقال الأشتر: و اللَّه لو بعثني لم يعننى جواب معاوية و لأعجلنه عن الفكرة، و لو أطاعنى قبل لحبسك و أمثالك حتى يستقيم أمر هذه الأمة، فقام جرير مغضبا و أقام بقرقيسياء، و كتب إلى معاوية يخبره بما قال و ما قيل له، فكتب إليه معاوية يأمره بالقدوم عليه. و خرج أمير المؤمنين على بن أبى طالب من الكوفة عازما على الدخول إلى الشام فعسكر بالنخيلة و استخلف على الكوفة أبا مسعود عقبة ابن عامر البدري الأنصاري و كان قد أشار عليه جماعة بأن يقيم بالكوفة و يبعث الجنود و أشار آخرون أن يخرج فيهم بنفسه، و بلغ معاوية أن عليا قد خرج بنفسه فاستشار عمرو بن العاص فقال له: اخرج أنت أيضا بنفسك، و قام عمرو بن العاص في الناس فقال: إن صناديد أهل الكوفة و البصرة قد تفانوا يوم الجمل، و لم يبق مع على إلا شرذمة قليلة من الناس، ممن قتل، و قد قتل‏

____________

[ (1)] زيادة من نسخة طوپ‏قبو بالآستانة.

254

الخليفة أمير المؤمنين عثمان بن عفان، فاللَّه اللَّه في حقكم أن تضيعوه، و في دمكم أن تطلوه، و كتب إلى أجناد الشام فحضروا، و عقدت الألوية و الرايات للأمراء، و تهيأ أهل الشام و تأهبوا، و خرجوا أيضا إلى نحو الفرات من ناحية صفين- حيث يكون مقدم على بن أبى طالب رضى اللَّه عنه- و سار على رضى اللَّه عنه بمن معه من الجنود من النخيلة قاصدا أرض الشام. قال أبو إسرائيل عن الحكم ابن عيينة: و كان في جيشه ثمانون بدريا و مائة و خمسون ممن بايع تحت الشجرة. رواه ابن ديزيل.

و قد اجتاز في طريقه براهب فكان من أمره ما ذكره الحسين بن ديزيل في كتابه فيما رواه عن يحيى ابن عبد اللَّه الكرابيسي عن نصر بن مزاحم عن عمر بن سعد حدثني مسلم الأعور عن حبة العرني قال: لما أتى على الرقة نزل بمكان يقال له البلبخ على جانب الفرات فنزل إليه راهب من صومعته‏

فقال لعلى: إن عندنا كتابا توارثناه عن آبائنا كتبه أصحاب عيسى بن مريم (عليهما السلام)، أعرضه عليك؟ فقال على: نعم! فقرأ الراهب الكتاب.

«بسم اللَّه الرحمن الرحيم الّذي قضى فيما قضى و سطر فيما سطر، و كتب فيما كتب أنه باعث في الأميين رسولا منهم يعلمهم الكتاب و الحكمة و يزكيهم و يدلهم على سبيل اللَّه، لا فظ و لا غليظ و لا صخاب في الأسواق، و لا يجزى بالسيئة السيئة، و لكن يعفو و يصفح، أمته الحمادون الذين يحمدون اللَّه على كل شرف، و في كل صعود و هبوط، تذل ألسنتهم بالتهليل و التكبير، و ينصره اللَّه على كل من ناوأه فإذا توفاه اللَّه اختلفت أمته ثم اجتمعت فلبثت بذلك ما شاء اللَّه ثم اختلفت ثم يمر رجل من أمته بشاطئ هذا الفرات يأمر بالمعروف و ينهى عن المنكر و يقضى بالحق و لا ينكس الحكم، الدنيا أهون عليه من الرماد أو قال التراب- في يوم عصفت فيه الريح- و الموت أهون عليه من شرب الماء، يخاف اللَّه في السر، و ينصح في العلانية، و لا يخاف في اللَّه، لومة لائم، فمن أدرك ذلك النبي من أهل البلاد فآمن به كان ثوابه رضواني و الجنة، و من أدرك ذلك العبد الصالح فلينصره فان القتل معه شهادة» ثم قال لعلى: فأنا أصاحبك فلا أفارقك حتى يصيبني ما أصابك.

فبكى على ثم قال: الحمد للَّه الّذي لم يجعلني عنده نسيا منسيا، و الحمد للَّه الّذي ذكرني عنده في كتب الأبرار. فمضى الراهب معه و أسلم فكان مع على حتى أصيب يوم صفين، فلما خرج الناس يطلبون قتلاهم قال على: اطلبوا الراهب،

فوجدوه قتيلا، فلما وجدوه صلى عليه و دفنه و استغفر له. و قد بعث على بين يديه زياد بن النضر الحارثي طليعة في ثمانية آلاف، و معه شريح بن هاني، في أربعة آلاف، فساروا في طريق بين يديه غير طريقه، و جاء على فقطع دجلة من جسر منبج و سارت المقدمتان،

فبلغهم أن معاوية قد ركب في أهل الشام ليلتقى أمير المؤمنين عليا فهموا بلقياه فخافوا من قلة عددهم بالنسبة إليه، فعدلوا عن طريقهم و جاءوا ليعبروا من عانات فمنعهم أهل عانات فساروا

255

فعبروا من هيت ثم لحقوا عليا- و قد سبقهم- فقال على: مقدمتي تأتى من ورائي؟

فاعتذروا إليه بما جرى لهم، فعذرهم ثم قدمهم أمامه إلى معاوية بعد أن عبر الفرات فتلقاهم أبو الأعور عمرو بن سفيان السلمي في مقدمة أهل الشام فتواقفوا، و دعاهم زياد بن النضر أمير مقدمة أهل العراق، إلى البيعة فلم يجيبوه بشي‏ء فكتب إلى على بذلك فبعث إليهم عليّ الأشتر النخعي أميرا، و على ميمنته زياد، و على ميسرته شريح، و أمره أن لا يتقدم إليهم بقتال حتى يبدءوه بالقتال، و لكن ليدعهم إلى البيعة مرة بعد مرة، فإن امتنعوا فلا يقاتلهم حتى يقاتلوه و لا يقرب منهم قرب من يريد الحرب، و لا يبتعد منهم ابتعاد من يهاب الرجال، و لكن صابرهم حتى آتينك فأنا حثيث السير وراءك إن شاء اللَّه، فتحاجزوا يومهم ذلك، فلما كان آخر النهار حمل عليهم أبو الأعور السلمي و بعث معه بكتاب الامارة على المقدمة مع الحارث بن جهمان الجعفي، فلما قدم الأشتر على المقدمة امتثل ما أمره به على، فتواقف هو و مقدمة معاوية و عليها أبو الأعور السلمي فثبتوا له و اصطبروا لهم ساعة ثم انصرف أهل الشام عند المساء، فلما كان الغد تواقفوا أيضا و تصابروا فحمل الأشتر فقتل عبد اللَّه بن المنذر التنوخي- و كان من فرسان أهل الشام- قتله رجل من أهل العراق يقال له ظبيان بن عمارة التميمي، فعند ذلك حمل عليهم أبو الأعور بمن معه، فتقدموا إليهم و طلب الأشتر من أبى الأعور أن يبارزه فلم يجبه أبو الأعور إلى ذلك، و كأنه رآه غير كف‏ء له في ذلك و اللَّه أعلم. و تحاجز القوم عن القتال عند إقبال الليل من اليوم الثاني، فلما كان صباح اليوم الثالث أقبل على رضى اللَّه عنه في جيوشه، و جاء معاوية رضى اللَّه عنه في جنوده، فتواجه الفريقان و تقابل الطائفتان فباللَّه المستعان، فتواقفوا طويلا. و ذلك بمكان يقال له: صفين و ذلك في أوائل ذي الحجة، ثم عدل علي رضى اللَّه عنه فارتاد لجيشه منزلا، و قد كان معاوية سبق بجيشه فنزلوا على مشرعة الماء في أسهل موضع و أفسحه، فلما نزل علي نزل بعيدا من الماء، و جاء سرعان أهل العراق ليردوا من الماء فمنعهم أهل الشام، فوقع بينهم مقاتلة بسبب ذلك، و قد كان معاوية وكل على الشريعة أبا الأعور السلمي، و ليس هناك مشرعة سواها، فعطش أصحاب علي عطشا شديدا فبعث علي الأشعث بن قيس الكندي في جماعة ليصلوا إلى الماء فمنعهم أولئك و قال: موتوا عطشا كما منعتم عثمان الماء، فتراموا بالنبل ساعة، ثم تطاعنوا بالرماح أخرى، ثم تقاتلوا بالسيوف بعد ذلك كله، و أمد كل طائفة أهلها، حتى جاء الأشتر النخعي من ناحية العراقيين و عمرو بن العاص من ناحية الشاميين، و اشتدت الحرب بينهم أكثر مما كانت، و قد قال رجل من أهل العراق- و هو عبد اللَّه بن عوف بن الأحمر الأزدي- و هو يقاتل.

خلوا لنا ماء الفرات الجاري‏* * * أو اثبتوا بجحفل جرار

لكل قرم مشرب تيار* * * مطاعن برمحه كرار

256

ضراب هامات العدي مغوار

ثم ما زال أهل العراق يكشفون الشاميين عن الماء حتى أزاحوهم عنه و خلوا بينهم و بينه، ثم اصطلحوا على الورود حتى صاروا يزدحمون في تلك الشريعة لا يكلم أحد أحدا، و لا يؤذى إنسان إنسانا. و في رواية أن معاوية لما أمر أبا الأعور بحفظ الشريعة وقف دونها برماح مشرعة، و سيوف مسللة، و سهام مفوقة، و قسى موترة، فجاء أصحاب على عليا فشكوا إليه ذلك فبعث صعصعة بن صوحان إلى معاوية يقول له: إنا جئنا كافين عن قتالكم حتى نقيم عليكم الحجة، فبعثت إلينا مقدمتك فقاتلتنا قبل أن نبدأكم، ثم هذه أخرى قد منعونا الماء، فلما بلغه ذلك قال معاوية للقوم:

ما ذا يريدون؟ فقال عمر و خلّ بينهم و بينه، فليس من النصف أن نكون ريانين و هم عطاش، و قال الوليد: دعهم يذوقوا من العطش ما أذاقوا أمير المؤمنين عثمان حين حصروه في داره، و منعوه طيب الماء و الطعام أربعين صباحا، و قال عبد اللَّه بن سعد بن أبى سرج: أمنعهم الماء إلى الليل فلعلهم يرجعون إلى بلادهم. فسكت معاوية فقال له صعصعة بن صوحان: ما ذا جوابك؟ فقال: سيأتيكم رأيي بعد هذا، فلما رجع صعصعة فأخبر الخبر ركب الخيل و الرجال، فما زالوا حتى أزاحوهم عن الماء و وردوه قهرا، ثم اصطلحوا فيما بينهم على ورود الماء، و لا يمنع أحد أحدا منه. و أقام على يومين لا يكاتب معاوية و لا يكاتبه معاوية، ثم دعا على بشير بن عمرو الأنصاري و سعيد بن قيس الهمدانيّ و شبيث بن ربعي السهمي فقال: ايتوا هذا الرجل فادعوه إلى الطاعة و الجماعة و اسمعوا ما يقول لكم، فلما دخلوا على معاوية قال له بشير بن عمرو: يا معاوية! إن الدنيا عنك زائلة، و إنك راجع إلى الآخرة، و اللَّه محاسبك بعملك، و مجازيك بما قدمت يداك، و إني أنشدك اللَّه أن تفرق جماعة هذه الأمة، و أن تسفك دماءها بينها. فقال له معاوية هلا أوصيت بذلك صاحبكم؟ فقال له: إن صاحبي أحق هذه البرية بالأمر في فضله و دينه و سابقته و قرابته، و إنه يدعوك إلى مبايعته فإنه أسلم لك في دنياك، و خير لك في آخرتك. فقال معاوية: و يطل دم عثمان؟ لا و اللَّه لا أفعل ذلك أبدا، ثم أراد سعيد بن قيس الهمدانيّ أن يتكلم فبدره شبيث بن ربعي فتكلم قبله بكلام فيه غلظة و جفاء في حق معاوية، فزجره معاوية و زبره في افتياته على من هو أشرف منه، و كلامه بما لا علم له به، ثم أمر بهم فأخرجوا من بين يديه، و صمم على القيام بطلب دم عثمان الّذي قتل مظلوما، فعند ذلك نشبت الحرب بينهم، و أمر على بالطلائع و الأمراء أن تتقدم للحرب، و جعل على يؤمر على كل قوم من الحرب أميرا، فمن أمرائه على الحرب الأشتر النخعي- و هو أكبر من كان يخرج للحرب- و حجر ابن عدي، و شبيث بن ربعي، و خالد بن المعتمر و زياد بن النضر، و زياد بن حفصة، و سعيد بن قيس، و معقل بن قيس، و قيس بن سعد، و كذلك كان معاوية يبعث على الحرب كل يوم أميرا،

257

فمن امرأته عبد الرحمن بن خالد بن الوليد، و أبو الأعور السلمي، و حبيب بن مسلم، و ذو الكلاع الحميري، و عبيد اللَّه بن عمر بن الخطاب، و شرحبيل بن السمط، و حمزة بن مالك الهمدانيّ، و ربما اقتتل الناس في اليوم مرتين، و ذلك في شهر ذي الحجة بكماله، و حج بالناس في هذه السنة عبد اللَّه ابن عباس عن أمر على له بذلك، فلما انسلخ ذو الحجة و دخل المحرم تداعى الناس للمتاركة، لعل اللَّه أن يصلح بينهم على أمر يكون فيه حقن دمائهم، فكان ما سنذكره‏

ثم دخلت سنة سبع و ثلاثين‏

استهلت هذه السنة و أمير المؤمنين على بن أبى طالب رضى اللَّه عنه متواقف هو و معاوية بن أبى سفيان رضى اللَّه عنه، كل منهما في جنوده بمكان يقال له صفين بالقرب من الفرات شرقى بلاد الشام، و قد اقتتلوا في مدة شهر ذي الحجة كل يوم، و في بعض الأيام ربما اقتتلوا مرتين، و جرت بينهم حروب يطول ذكرها، و المقصود أنه لما دخل شهر المحرم تحاجز القوم رجاء أن يقع بينهم مهادنة و موادعة يؤول أمرها إلى الصلح بين الناس و حقن دمائهم، فذكر ابن جرير من طريق هشام عن أبى مخنف مالك حدثني سعيد بن المجاهد الطائي عن محل بن خليفة أن عليا بعث عدي بن حاتم و يزيد ابن قيس الأرحبي، و شبيث بن ربعي و زياد بن حفصة إلى معاوية، فلما دخلوا عليه- و عمرو بن العاص إلى جانبه- قال عدي بعد حمد اللَّه و الثناء عليه: أما بعد يا معاوية فانا جئناك ندعوك إلى أمر يجمع اللَّه به كلمتنا و أمرنا، و تحقن به الدماء، و يأمن به السبل، و يصلح ذات البين، إن ابن عمك سيد المسلمين أفضلها سابقة، و أحسنها في الإسلام أثرا و قد استجمع له الناس و قد أرشدهم اللَّه بالذي رأوا فلم يبق أحد غيرك و غير من معك من شيعتك، فانته يا معاوية لا يصبك اللَّه و أصحابك مثل يوم الجمل، فقال له معاوية: كأنك إنما جئت مهددا و لم تأت مصلحا، هيهات و اللَّه يا عدي، كلام و اللَّه إني لابن حرب، لا يقعقع لي بالشنان، أما و اللَّه إنك لمن المجلبين على ابن عفان، و إنك لمن قتلته، و إني لأرجو أن تكون ممن يقتله اللَّه به، و تكلم شبيث بن ربعي و زياد بن حفصة فذكرا من فضل على و قالا: اتّق اللَّه يا معاوية و لا تخالفه فأنا و اللَّه ما رأينا رجالا قط أعمل بالتقوى، و لا أزهد في الدنيا، و لا أجمع لخصال الخير كلها منه. فتكلم معاوية فحمد اللَّه و أثنى عليه ثم قال: أما بعد فإنكم دعوتموني إلى الجماعة و الطاعة، فأما الجماعة فمعنا هي، و أما الطاعة فكيف أطيع رجلا أعان على قتل عثمان و هو يزعم أنه لم يقتله؟ و نحن لا نرد ذلك عليه و لا نتهمه به، و لكنه آوى قتلته، فيدفعهم إلينا حتى نقتلهم ثم نحن نجيبكم إلى الطاعة و الجماعة. فقال له شبيث بن ربعي: أنشدك اللَّه يا معاوية، لو تمكنت من عمار أ كنت قاتله بعثمان؟ قال معاوية: لو تمكنت من ابن سمية ما قتلته بعثمان، و لكنى كنت قتلته بغلام عثمان. فقال له شبيث بن ربعي: و إله الأرض و السماء لا تصل إلى قتل عمار حتى تندر الرءوس‏

258

عن كواهلها، و يضيق فضاء الأرض و رحبها عليك. فقال معاوية: لو قد كان ذلك كانت عليك أضيق. و خرج القوم من بين يديه فذهبوا إلى على فأخبروه بما قال. و بعث معاوية حبيب بن مسلمة الهفرى، و شرحبيل بن السمط، و معن بن يزيد بن الأخنس إلى على، فدخلوا عليه فبدأ حبيب فحمد اللَّه و أثنى عليه، ثم قال: أما بعد فان عثمان بن عفان كان خليفة مهديا عمل بكتاب اللَّه و ثبت لأمر اللَّه، فاستثقلتم حياته، و استبطأتم وفاته، فعدوتم عليه فقتلتموه فادفع إلينا قتلته إن زعمت أنك لم تقتله، ثم اعتزل أمر الناس فيكون أمرهم شورى بينهم، فيولي الناس أمرهم من جمع عليه رأيهم.

فقال له على:

و ما أنت لا أم لك، و هذا الأمر و هذا العزل، فاسكت فإنك لست هناك و لا بأهل لذاك. فقال له حبيب: أما و اللَّه لتريني حيث تكره، فقال له على: و ما أنت و لو أجلبت بخيلك و رجلك لا أبقى اللَّه عليك إن أبقيت، اذهب فصعّد و صوّب ما بدا لك.

ثم ذكر أهل السير كلاما طويلا جرى بينهم و بين على، و في صحة ذلك عنهم و عنه نظر فان في مطاوى ذلك الكلام من على ما ينتقص فيه معاوية و أباه، و إنهم انما دخلوا في الإسلام و لم يزالا في تردد فيه و غير ذلك و إنه قال في غبون ذلك: لا أقول إن عثمان قتل مظلوما و لا ظالما. فقالوا: نحن نبرأ ممن لم يقل إن عثمان قتل مظلوما، و خرجوا من عنده،

فقال على‏

: (إنك لا تسمع الموتى و لا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين و ما أنت بهادي العمى عن ضلالتهم إن تسمع إلى من يؤمن بئايتنا فهم مسلمون) ثم قال لأصحابه: لا يكن هؤلاء أولى بالجد في ضلالتهم منكم بالجد في حقكم و طاعة نبيكم، و هذا عندي لا يصح عن على رضى اللَّه عنه.

و روى ابن ديزيل من طريق عمرو بن سعد باسناده‏

أن قراء أهل العراق و قراء أهل الشام عسكروا ناحية و كانوا قريبا من ثلاثين ألفا، و أن جماعة من قراء العراق منهم عبيدة السلماني، و علقمة بن قيس، و عامر بن عبد قيس، و عبد اللَّه بن عتبة بن مسعود، و غيرهم جاءوا معاوية فقالوا له: ما تطلب؟ قال: أطلب بدم عثمان قالوا: فمن تطلب به؟ قال: عليا، قالوا: أ هو قتله؟ قال:

نعم! و آوى قتلته. فانصرفوا إلى على فذكروا له ما قال فقال: كذب! لم أقتله و أنتم تعلمون أنى لم أقتله. فرجعوا إلى معاوية فقال: إن لم يكن قتله بيده فقد أمر رجالا. فرجعوا إلى على فقال: و اللَّه لا قتلت و لا أمرت و لا ماليت. فرجعوا فقال معاوية فان كان صادقا فليقدنا من قتلة عثمان، فإنهم في عسكره و جنده فرجعوا فقال على: تأول القوم عليه القرآن في فتنة و وقعت الفرقة لأجلها و قتلوه في سلطانه و ليس لي عليهم و سبيل. فرجعوا إلى معاوية فأخبروه فقال: إن كان الأمر على ما يقول فما له أنفذ الأمر دوننا من غير مشورة منا و لا ممن هاهنا؟ فرجعوا إلى على فقال على: إنما الناس مع المهاجرين و الأنصار، فهم شهود الناس على ولايتهم و أمر دينهم، و رضوا و بايعوني، و لست أستحل‏

259

أن أدع مثل معاوية يحكم على الأمة و يشق عصاها، فرجعوا إلى معاوية فقال: ما بال من هاهنا من المهاجرين و الأنصار لم يدخلوا في هذا الأمر؟ فرجعوا فقال على: إنما هذا للبدرين دون غيرهم، و ليس على وجه الأرض بدري إلا و هو معى، و قد بايعنى و قد رضى، فلا يغرنكم من دينكم و أنفسكم،

قال: فأقاموا يتراسلون في ذلك شهر ربيع الآخر و جماديين و يقرعون في غبون ذلك القرعة بعد القرعة و يزحف بعضهم على بعض، و يحجر بينهم القراء، فلا يكون قتال قال: فقرعوا في ثلاثة أشهر خمسة و ثمانين قرعة. قال: و خرج أبو الدرداء و أبو أمامة فدخلا على معاوية فقالا له: يا معاوية على م تقاتل هذا الرجل؟ فو اللَّه إنه أقدم منك و من أبيك إسلاما، و أقرب منك إلى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و أحق بهذا الأمر منك. فقال: أقاتله على دم عثمان و إنه آوى قتلته، فاذهبا إليه فقولا له فليقدنا من قتلة عثمان ثم أنا أول من بايعه من أهل الشام، فذهبا إلى على فقالا له ذلك فقال: هؤلاء الذين تريان فخرج خلق كثير فقالوا: كلنا قتلة عثمان فمن شاء فليرمنا. قال: فرجع أبو الدرداء و أبو أمامة فلم يشهدا لهم حربا. قال عمرو بن سعد باسناده حتى إذا كان رجب و خشي معاوية أن تبايع القراء كلهم عليا كتب في سهم من عبد اللَّه الناصح: يا معشر أهل العراق! إن معاوية يريد أن يفجر عليكم الفرات ليغرقكم فخذوا حذركم، و رمى به في جيش أهل العراق. فأخذه الناس فقرءوه و تحدثوا به،

و ذكروه لعلى فقال: إن هذا ما لا يكون و لا يقع. و شاع ذلك، و بعث معاوية مائتي فاعل يحفرون في جنب الفرات و بلغ الناس ذلك فتشوش أهل العراق من ذلك و فزعوا إلى على فقال: ويحكم! إنه يريد خديعتكم ليزيلكم عن مكانكم هذا و ينزل فيه لأنه خير من مكانه.

فقالوا: لا بد من أن نخلي عن هذا الموضع فارتحلوا منه، و جاء معاوية فنزل بجيشه- و كان على آخر من ارتحل- فنزل بهم و هو يقول:

فلو أنى أطعت عصمت قومي‏* * * إلى ركن اليمامة أو شآم‏

و لكنى إذا أبرمت أمرا* * * يخالفه الطغام بنو الطغام‏

قال: فأقاموا إلى شهر ذي الحجة ثم شرعوا في المقاتلة فجعل على يؤمر على الحرب كل يوم رجلا و أكثر من كان يؤمر الأشتر. و كذلك معاوية يؤمر كل يوم أميرا فاقتتلوا شهر ذي الحجة بكماله، و ربما اقتتلوا في بعض الأيام مرتين قال ابن جرير (رحمه اللَّه): ثم لم تزل الرسل تتردد بين على و معاوية و الناس كافّون عن القتال حتى انسلخ المحرم من هذه السنة و لم يقع بينهم صلح، فأمر على ابن أبى طالب يزيد بن الحارث الجشمي فنادى أهل الشام عند غروب الشمس ألا إن أمير المؤمنين يقول لكم: إني قد استأنيتكم لتراجعوا الحق، و أقمت عليكم الحجة فلم تجيبوا، و إني قد نبذت إليكم على سواء إن اللَّه لا يحب الخائنين. ففزع أهل الشام إلى أمرائهم فأعلموهم بما سمعوا المنادي‏

260

ينادى فنهض عند ذلك معاوية و عمرو فعبيا الجيش ميمنة و ميسرة، و بات على يعبى جيشه من ليلته، فجعل على خيل أهل الكوفة الأشتر النخعي، و على رجالتهم عمار بن ياسر، و على خيل أهل البصرة سهل بن حنيف، و على رجالتهم قيس بن سعد و هاشم بن عتبة، و على قرائهم سعد بن فدكي التميمي، و تقدم على إلى الناس أن لا يبدءوا واحدا بالقتال حتى يبدأ أهل الشام، و أنه لا يذفف على جريح و لا يتبع مدبر و لا يكشف ستر امرأة و لا تهان، و إن شتمت أمراء الناس و صلحاءهم و برز معاوية صبح تلك الليلة و قد جعل على الميمنة ابن ذي الكلاع الحميري، و على الميسرة حبيب بن مسلمة الفهري، و على المقدمة أبا الأعور السلمي، و على خيل دمشق عمرو بن العاص، و على رجالتهم الضحاك بن قيس. ذكره ابن جرير.

و روى ابن ديزيل من طريق جابر الجعفي عن أبى جعفر الباقر و يزيد بن الحسن بن على و غيرهما.

قالوا: لما بلغ معاوية سير على سار معاوية نحو على و استعمل على مقدمته سفيان بن عمرو أبا الأعور السلمي و على الساقة بسر بن أبى أرطاة حتى توافقوا جميعا سائرين إلى جانب صفين. و زاد ابن الكلبي فقال: جعل على المقدمة أبا الأعور السلمي، و على الساقة بسرا، و على الخيل عبيد اللَّه بن عمر و دفع اللواء إلى عبد الرحمن بن خالد بن الوليد و جعل على الميمنة حبيب بن مسلمة، و على رجالتها يزيد بن زحر العنسيّ، و على الميسرة عبد اللَّه بن عمرو بن العاص، و على رجالتها حابس بن سعد الطائي، و على خيل دمشق الضحاك بن قيس و على رجالتهم يزيد بن لبيد بن كرز البجلي، و جعل على أهل حمص ذا الكلاع و على أهل فلسطين مسلمة بن مخلد و قام معاوية في الناس خطيبا فحمد اللَّه و أثنى عليه ثم قال: أيها الناس! و اللَّه ما أصبت الشام إلا بالطاعة و لا أضبط حرب أهل العراق إلا بالصبر و لا أكابد أهل الحجاز إلا باللطف، و قد تهيأتم و سرتم لتمنعوا الشام و تأخذوا العراق، و سار القوم ليمنعوا العراق و يأخذوا الشام و لعمري اما للشام رجال العراق و لا أموالها، و لا للعراق خبرة أهل الشام و لا بصائرها، مع أن القوم و بعدهم أعدادهم، و ليس بعدكم غيركم فان غلبتموهم لم تغلبوا إلا من أناتكم و إن غلبوكم غلبوا من بعدكم و القوم لاقوكم بكيد أهل العراق، ورقة أهل اليمن و بصائر أهل الحجاز، و قسوة أهل مصر، و إنما ينصر غدا من ينصر اليوم و اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَ اصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ‏ و قد بلغ عليا خطبة معاوية فقام في أصحابه فحرضهم على الجهاد و مدحهم بالصبر و شجعهم بكثرتهم بالنسبة إلى أهل الشام، قال جابر الجعفي عن أبى جعفر الباقر و زيد بن أنس و غيرهما قالوا:

سار على في مائة و خمسين ألفا من أهل العراق و أقبل معاوية في نحو منهم من أهل الشام. و قال غيرهم:

أقبل على في مائة ألف أو يزيدون، و أقبل معاوية في مائة ألف و ثلاثين ألفا- رواها ابن ديزيل في كتابه- و قد تعاقد جماعة من أهل الشام على أن لا يفروا فعقلوا أنفسهم بالعمائم، و كان هؤلاء خمسة

261

صفوف و معهم ستة صفوف آخرين و كذلك أهل العراق كانوا أحد عشر صفا أيضا فتواقفوا على هذه الصفة أول يوم من صفر و كان ذلك يوم الأربعاء، و كان أمير الحرب يومئذ للعراقيين الأشتر النخعي، و أمير الحرب يومئذ للشاميين حبيب بن مسلمة، فاقتتلوا ذلك اليوم قتالا شديدا ثم تراجعوا من آخر يومهم و قد انتصف بعضهم من بعض و تكافئوا في القتال ثم أصبحوا من الغد يوم الخميس و أمير حرب أهل العراق هاشم بن عتبة، و أمير الشاميين يومئذ أبا الأعور السلمي فاقتتلوا قتالا شديدا تحمل الخيل على الخيل و الرجال على الرجال ثم تراجعوا من آخر يومهم و قد صبر كل من الفريقين للآخر و تكافئوا ثم خرج في اليوم الثالث- و هو يوم الجمعة- عمار بن ياسر من ناحية أهل العراق و خرج إليه عمرو بن العاص في الشاميين فاقتتل الناس قتالا شديدا و حمل عمار على عمرو بن العاص فأزاله عن موقفه و بارز زياد بن النضر الحارثي و كان على الخيالة رجلا فلما تواقفا تعارفا فإذا هما أخوان من أم، فانصرف كل واحد منهما إلى قومه و ترك صاحبه، و تراجع الناس من العشي و قد صبر كل فريق لصاحبه، و خرج في اليوم الرابع- و هو يوم السبت- محمد بن على- و هو ابن الحنفية- و معه جمع عظيم فخرج إليه في كثير من جهة الشاميين عبيد اللَّه بن عمر، فاقتتل الناس قتالا شديدا،

و برز عبيد اللَّه بن عمر فطلب من ابن الحنفية أن يبرز إليه فبرز إليه؟ فلما كادا أن يقتربا قال على: من المبارز؟ قالوا محمد ابنك و عبيد اللَّه، فيقال إن عليا حرك دابته و أمر ابنه أن يتوقف و تقدم إلى عبيد اللَّه فقال له: تقدم إلى قال له: لا حاجة لي في مبارزتك، فقال: بلى، فقال: لا!

فرجع عنه على و تحاجز الناس يومهم ذلك ثم خرج في اليوم الخامس- و هو يوم الأحد- في العراقيين عبد اللَّه بن عباس و في الشاميين الوليد بن عقبة، و اقتتل الناس قتالا شديدا، و جعل الوليد ينال من ابن عباس، فيما ذكره أبو مخنف و يقول: قتلتم خليفتكم و لم تنالوا ما طلبتم، و و اللّه إن اللَّه ناصرنا عليكم.

فقال له ابن عباس: فابرز إلى فأبى عليه و يقال إن ابن عباس قاتل يومئذ قتالا شديدا بنفسه رضى اللَّه عنه، ثم خرج في اليوم السادس- و هو يوم الاثنين- و على الناس من جهة العراقيين قيس بن سعد، و من جهة أهل الشام بن ذي الكلاع فاقتتلوا قتالا شديدا أيضا و تصابروا ثم تراجعوا، ثم خرج الأشتر النخعي في اليوم السابع- و هو يوم الثلاثاء و خرج إليه قرنه حبيب بن مسلمة فاقتتلوا قتالا شديدا أيضا و لم يغلب أحد أحدا في هذه الأيام كلها. قال أبو مخنف:

حدثني مالك بن أعين الجهنيّ عن زيد بن وهب أن عليا قال:

حتى متى لا نناهض هؤلاء القوم بأجمعنا؟ ثم قام في الناس عشية الأربعاء بعد العصر فقال: الحمد للَّه الّذي لا يبرم ما نقض و ما أبرم لم ينقضه الناقضون، لو شاء ما اختلف اثنان من خلقه، و لا تنازعت الأمة في شي‏ء من أمره، و لا جحد المفضول ذا الفضل فضله، و قد ساقتنا و هؤلاء القوم الأقدار و ألقت بيننا في هذا المكان، فنحن من ربنا بمرأى و مسمع‏

262

فلو شاء لعجل النقمة و كان منه التعسير حتى يكذب اللَّه الظالم، و يعلم الحق أين مصيره، و لكنه جعل الدنيا دار الأعمال، و جعل الآخرة عنده هي دار القرار

لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا وَ يَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى‏

ألا و انكم لاقوا القوم غدا فأطيلوا الليلة القيام، و أكثروا تلاوة القرآن، و اسألوا اللَّه النصر و الصبر و القوة بالجد و الحزم و كونوا صادقين.

قال: فوثب الناس إلى سيوفهم و رماحهم و نبالهم يصلحونها قال: و مر بالناس و هم كذلك كعب بن جعل التغلبي فرأى ما يصفون فجعل يقول:

أصبحت الأمة في أمر عجب‏* * * و الملك مجموع غدا لمن غلب‏

فقلت قولا صادقا غير كذب‏* * * إن غدا تهلك أعلام العرب‏

قال: ثم أصبح على في جنوده قد عبأهم كما أراد، و ركب معاوية في جيشه قد عبأهم كما أراد، و قد أمر على كل قبيلة من أهل العراق أن تكفيه أختها من أهل الشام فتقاتل الناس قتالا عظيما لا يفر أحد من أحد و لا يغلب أحد أحدا، ثم تحاجزوا عند العشي، و أصبح على فصلى الفجر بغلس و باكر القتال، ثم استقبل أهل الشام فاستقبلوه بوجوههم،

فقال على فيما رواه ابن مخنف عن مالك بن أعين عن زيد بن وهب‏

: اللَّهمّ رب السقف المحفوظ المكفوف الّذي جعلته سقفا لليل و النهار، و جعلت فيه مجرى الشمس و القمر و منازل النجوم، و جعلت فيه سبطا من الملائكة لا يسأمون العبادة، و رب الأرض التي جعلتها قرارا للأنام و الهوام و الأنعام، و ما لا يحصى مما نرى و ما لا نرى من خلقك العظيم، و رب الفلك التي تجرى في البحر بما ينفع الناس، و رب السحاب المسخر بين السماء و الأرض، و رب البحر المسجور المحيط بالعالم، و رب الجبال الرواسي التي جعلتها للأرض أوتادا و للخلق متاعا، إن أظهرتنا على عدونا فجنبنا البغي و الفساد و سددنا للحق، و إن أظهرتهم علينا فارزقني الشهادة و جنب بقية أصحابى من الفتنة.

ثم تقدم على و هو في القلب في أهل المدينة و على ميمنته يومئذ عبد اللَّه بن بديل، و على الميسرة، عبد اللَّه بن عباس، و على القراء عمار بن ياسر و قيس بن سعد، و الناس على راياتهم فزحف بهم إلى القوم، و أقبل معاوية- و قد بايعه أهل الشام على الموت- فتواقف الناس في موطن مهول و أمر عظيم، و حمل عبد اللَّه بن بديل أمير ميمنة على على ميسرة أهل الشام و عليها حبيب ابن مسلمة، فاضطره حتى ألجأه إلى القلب، و فيه معاوية، و قام عبد اللَّه بن بديل خطيبا في الناس يحرّضهم على القتال و يحثهم على الصبر و الجهاد، و حرض أمير المؤمنين على الناس على الصبر و الثبات و الجهاد، و حثهم على قتال أهل الشام، و قام كل أمير في أصحابه يحرضهم، و تلا عليهم آيات القتال من أماكن متفرقة من القرآن، فمن ذلك قوله تعالى‏ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ‏ ثم قال: قدموا المدارع و أخروا الحاسر و عضوا على الأضراس، فإنه أنكى للسيوف‏

263

عن الهام، و ألبوا إلى أطراف الرماح فإنه أفوق للأسنة، و غضوا الأبصار فإنه أربط للجأش و أسكن للقلب، و أميتوا الأصوات فإنه أطرد للفشل و أولى بالوقار، راياتكم لا تميلوها و لا نزيلوها و لا تجعلوها إلا بأيدي شجعانكم.

و قد ذكر علماء التاريخ و غيرهم‏

أن عليا رضى اللَّه عنه بارز في أيام صفين و قاتل و قتل خلقا حتى ذكر بعضهم أنه قتل خمسمائة، فمن ذلك أن كريب بن الصباح قتل أربعة من أهل العراق تم وضعهم تحت قدميه ثم نادى: هل من مبارز؟ فبرز إليه على فتجاولا ساعة ثم ضربه على فقتله ثم قال على: هل من مبارز؟ فبرز إليه الحارث بن وداعة الحميري فقتله، ثم برز إليه رواد ابن الحارث الكلاعي فقتله، ثم برز إليه المطاع بن المطلب القيسي فقتله. فتلا على قوله تعالى‏

وَ الْحُرُماتُ قِصاصٌ‏

ثم نادى ويحك يا معاوية! ابرز إلى و لا تفنى العرب بيني و بينك، فقال له عمرو بن العاص: اغتنمه فإنه قد أثخن بقتل هؤلاء الأربعة،

فقال له معاوية: و اللَّه لقد علمت أن عليا لم يقهر قط، و إنما أردت قتلى لتصيب الخلافة من بعدي، اذهب إليك! فليس مثلي يخدع و ذكروا أن عليا حمل على عمرو بن العاص يوما فضربه بالرمح فألقاه إلى الأرض فبدت سوأته فرجع عنه، فقال له أصحابه: مالك يا أمير المؤمنين رجعت عنه؟ فقال: أ تدرون ما هو؟

قالوا: لا! قال: هذا عمرو بن العاص تلقاني بسوءته فذكرني بالرحم فرجعت عنه، فلما رجع عمرو إلى معاوية قال له: احمد اللَّه و احمد استك.

و قال إبراهيم بن الحسين بن ديزيل: ثنا يحيى ثنا نصر ثنا عمرو بن شمر عن جابر الجعفي عن نمير الأنصاري قال‏

: و اللّه لكأنّي أسمع عليا و هو يقول لأصحابه يوم صفين أما تخافون مقت اللَّه حتى متى، ثم انفتل إلى القبلة يدعو ثم قال: و اللَّه ما سمعنا برئيس أصاب بيده ما أصاب على يومئذ إنه قتل فيما ذكر العادون زيادة على خمسمائة رجل، يخرج فيضرب بالسيف حتى ينحنى ثم يجي‏ء فيقول معذرة إلى اللَّه و إليكم و اللَّه لقد هممت أن أقلعه و لكن يحجزني عنه أنى سمعت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يقول «لا سيف إلا ذو الفقار و لا فتى إلا على»

قال: فيأخذه فيصلحه ثم يرجع به. و هذا إسناد ضعيف و حديث منكر و حدثنا يحيى ثنا ابن وهب أخبرنى الليث عن يزيد بن حبيب أنه أخبره من حضر صفين مع على و معاوية قال ابن وهب: و أخبرنى ابن لهيعة عن يزيد بن أبى حبيب عن ربيعة بن لقيط قال: شهدنا صفين مع على و معاوية قال فمطرت السماء علينا دما عبيطا قال الليث في حديثه حتى أن كانوا ليأخذونه بالصحاف و الآنية قال ابن لهيعة: فتمتلى و نهريقها و قد ذكرنا أن عبد اللَّه بن بديل كسر الميسرة التي فيها حبيب بن مسلمة حتى أضافها إلى القلب فأمر معاوية الشجعان أن يعاونوا حبيبا على الكرة و بعث إليه معاوية يأمره بالحملة و الكرة على ابن بديل، فحمل حبيب بمن معه من الشجعان على ميمنة أهل العراق فأزالوهم عن أماكنهم و انكشفوا عن أميرهم حتى لم يبق معه إلا زهاء ثلاثمائة و انجفل بقية أهل العراق، و لم يبق مع على من تلك القبائل إلا أهل‏

264

مكة و عليهم سهل بن حنيف، و ثبت ربيعة مع على رضى اللَّه عنه و اقترب أهل الشام منه حتى جعلت نبالهم تصل إليه، و تقدم إليه مولى لبني أمية فاعترضه مولى لعلى فقتله الأموي و أقبل يريد عليا و حوله بنوه الحسن الحسين و محمد بن حنفية، فلما وصل إلى على أخذه على بيده فرفعه ثم ألقاه على الأرض فكسر عضده و منكبه و ابتدره الحسين و محمد بأسيافهما فقتلاه‏

فقال على للحسن ابنه‏

و هو واقف معه: ما منعك أن تصنع كما صنعا فقال: كفيان أمره يا أمير المؤمنين و أسرع إلى على أهل الشام فجعل على لا يزيده قربهم منه سرعة في مشيته، بل هو سائر على هينته، فقال له ابنه الحسن: يا أبة لو سعيت أكثر من مشيتك هذه فقال. يا بنى إن لأبيك يوما لن يعدوه و لا يبطئ به عنه السعي و لا يعجل به إليه المشي إن أباك و اللَّه ما يبالي وقع على الموت أو وقع عليه‏

ثم إن عليا أمر الأشتر النخعي أن يلحق المنهزمين فيردهم فسار فأسرع حتى استقبل المنهزمين من العراق فجعل يؤنبهم و يوبخهم و يحرض القبائل و الشجعان منهم على الكرة فجعل طائفة تتابعه و آخرون يستمرون في هزيمتهم فلم يزل ذلك دأبه حتى اجتمع عليه خلق عظيم من الناس فجعل لا يلقى قبيلة إلا كشفها و لا طائفة إلا ردها حتى انتهى إلى أمير الميمنة و هو عبد اللَّه بن بديل و معه نحو في ثلاثمائة قد ثبتوا في مكانهم فسألوا عن أمير المؤمنين فقالوا حي صالح فالتفوا إليه، فتقدم بهم حتى تراجع كثير من الناس و ذلك ما بين صلاة العصر إلى الغروب، و أراد ابن بديل أن يتقدم إلى أهل الشام فأمره الأشتر أن يثبت مكانه فإنه خير له فأبى عليه ابن بديل، و حمل نحو معاوية، فلما انتهى إليه وجده واقفا أمام أصحابه و في يده سيفان و حوله كتائب أمثال الجبال، فلما اقترب ابن بديل تقدم إليه جماعة منهم فقتلوه و ألقوه إلى الأرض قتيلا، و فر أصحابه منهزمين و أكثرهم مجروح فلما انهزم أصحابه قال معاوية لأصحابه انظروا إلى أميرهم، فجاءوا إليه فلم يعرفوه فتقدم معاوية إليه فإذا هو عبد اللَّه بن بديل، فقال معاوية:

هذا و اللّه كما قال الشاعر، و هو حاتم الطائي:

أخو الحرب إن عضت به الحرب عضها* * * و إن شمرت يوما به الحرب شمرا

و يحمى إذا ما الموت كان لقاؤه‏* * * كذلك ذو الأشبال يحمى إذا ما تأمرا

كليث هزبر كان يحمى ذماره‏* * * رمته المنايا سهمها فتقطرا

ثم حمل الأشتر النخعي بمن رجع معه من المنهزمين فصدق الحملة حتى خالط الصفوف الخمسة الذين تعاقدوا أن لا يفروا و هم حول معاوية، فخرق منهم أربعة و بقي بينه و بين معاوية صف، قال الأشتر فرأيت هولا عظيما، و كدت أن أفر فما ثبتني إلا قول ابن الاطنابة و هي أمه من بلقين و كان هو من الأنصار و هو جاهلى:

أبت لي عفتي و أبى بلائي‏* * * و إقدامي على البطل المشيح‏

265

و إعطائي على المكروه مالي‏* * * و ضربي هامة الرجل السميح‏

و قولي كلما جشأت و جاشت‏* * * مكانك تحمدي أو تسريحى‏

قال: فهذا الّذي ثبتني في ذلك الموقف. و العجب أن ابن ديزيل روى في كتابه أن أهل العراق حملوا حملة واحدة، فلم يبق لأهل الشام صف إلا أزالوه حتى أفضوا إلى معاوية فدعا بفرسه لينجو عليه، قال معاوية: فلما وضعت رجلي في الركاب تمثلت بأبيات عمرو بن الاطنابة:

أبت لي عفتي و أبى بلائي‏* * * و أخذى الحمل بالثمن الربيح‏

و إعطائي على المكروه مالي‏* * * و ضربي هامة البطل المشيح‏

و قولي كلما جشأت و جاشت‏* * * مكانك تحمدي أو تستريحي‏

قال: فثبت و نظر معاوية إلى عمرو بن العاص فقال: اليوم صبر و غدا فخر، فقال له عمرو: صدقت قال معاوية فأصبت خير الدنيا و أنا أرجو أن أصيب خير الآخرة، و رواه محمد بن إسحاق عن عبد اللَّه بن أبى بكر عن عبد الرحمن بن حاطب عن معاوية، و بعث معاوية إلى خالد بن المعتمر و هو أمير الخيالة لعلى فقال له: اتبعنى على ما أنت عليه و لك إمرة العراق، فطمع فيه، فلما ولى معاوية ولاه العراق فلم يصل إليها خالد (رحمه اللَّه)، ثم إن عليا لما رأى الميمنة قد اجتمعت رجع إلى الناس فأنب بعضهم و عذر بعضهم و حرض الناس و ثبتهم ثم تراجع أهل العراق فاجتمع شملهم و دارت رحى الحرب بينهم و جالوا في الشاميين و صالوا، و تبارز الشجعان فقتل خلق كثير من الأعيان من الفريقين ف إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ. و قيل ممن قتل في هذا اليوم عبيد اللَّه بن عمر بن الخطاب من الشاميين، و اختلفوا فيمن قتله من العراقيين، و قد ذكر إبراهيم بن الحسين بن ديزيل أن عبيد اللَّه لما خرج يومئذ أميرا على الحرب أحضر امرأتيه أسماء بنت عطارد بن حاجب التميمي و بحرية بنت هانئ بن قبيصة الشيباني- فوقفتا وراءه في راحلتين لينظرا إلى قتاله و شجاعته و قوته، فواجهته من جيش العراقيين ربيعة الكوفة و عليهم زياد بن حفصة التميمي، فشدوا عليه شدة رجل واحد فقتلوه بعد ما انهزم عنه أصحابه، و نزلت ربيعة فضربوا لأميرهم خيمة فبقي طنب منها لم يجدوا له وتدا فشدوه برجل عبيد اللَّه، و جاءت امرأتاه يولولان حتى وقفتا عليه و بكتا عنده، و شفعت امرأته بحرية إلى الأمير فأطلقه لهما فاحتملتاه معهما في هودجهما و قتل معه أيضا ذو الكلاع، قال الشعبي: ففي مقتل عبيد اللَّه بن عمر يقول كعب بن جعل التغلبي‏

ألا إنما تبكى العيون لفارس‏* * * بصفين ولت خيله و هو واقف‏

تبدل من أسماء أسياف وائل‏* * * و كان فتى لو أخطأته المتالف‏

تركن عبيد اللَّه بالقاع ثاويا* * * تسيل دماه و العروق نوازف‏

266

ينوء و يغشاه شآبيب من دم‏* * * كما لاح من جيب القميص الكفائف‏

و قد صبرت حول ابن عم محمد* * * لدى الموت أرباب المناقب شارف‏

فما برحوا حتى رأى اللَّه صبرهم‏* * * و حتى رقت فوق الأكف المصاحف‏

و زاد غيره فيها

معاوي لا تنهض بغير وثيقة* * * فإنك بعد اليوم بالذل عارف‏

و قد أجابه أبو جهم الأسدي بقصيدة فيها أنواع من الهجاء تركناها قصدا.

و هذا مقتل عمار بن ياسر رضى اللَّه عنه مع أمير المؤمنين على بن أبى طالب قتله أهل الشام‏

[و بان و ظهر بذلك سرّ ما أخبر به الرسول (صلى اللَّه عليه و سلم) من أنه تقتله الفئة الباغية و بان بذلك أن عليا محق و أن معاوية باغ، و ما في ذلك من دلائل النبوة] [ (1)]، ذكر ابن جرير من طريق أبى مخنف حدثني مالك بن أعين الجهنيّ عن زيد بن وهب الجهنيّ أن عمارا قال يومئذ: من يبتغى رضوان ربه و لا يلوى إلى مال و لا ولد، قال: فأتته عصابة من الناس فقال: أيها الناس اقصدوا بنا نحو هؤلاء القوم الذين يبتغون دم عثمان و يزعمون أنه قتل مظلوما و اللَّه ما قصدهم الأخذ بدمه و لا الأخذ بثأره، و لكن القوم ذاقوا الدنيا و استحلوها و استمروا الآخرة فقلوها، و علموا أن الحق إذا لزمهم حال بينهم و بين ما يتمرغون فيه من دنياهم و شهواتهم، و لم يكن للقوم سابقة في الإسلام يستحقون بها [طاعة الناس لهم و لا الولاية عليهم و لا تمكنت من قلوبهم خشية اللَّه التي تمنع من تمكنت من قلبه عن نيل الشهوات، و تعقله عن إرادة الدنيا و طلب العلو فيها، و تحمله على اتباع الحق و الميل إلى أهله‏] [ (2)] فخدعوا أتباعهم بقولهم إمامنا قتل مظلوما، ليكونوا بذلك جبابرة ملوكا، و تلك مكيدة بلغوا بها ما ترون، و لو لا ذلك ما تبعهم من الناس رجلان و لكانوا أذل و أخس و أقلّ، و لكن قول الباطل له حلاوة في أسماع الغافلين، فسيروا إلى اللَّه سيرا جميلا، و اذكروا ذكرا كثيرا ثم تقدم فلقيه عمرو بن العاص و عبيد اللَّه بن عمر فلامهما و أنبهما و وعظهما، و ذكروه من كلامه لهما ما فيه غلظة فاللَّه أعلم.

و قال الامام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر ثنا شعبة عن عمرو بن مرة سمعت عبد اللَّه بن سلمة يقول:

رأيت عمارا يوم صفين شيخا كبيرا آدم طوالا أخذ الحربة بيده و يده ترعد، فقال: و الّذي نفسي بيده لقد قاتلت بهذه الراية مع رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) ثلاث مرات و هذه الرابعة، و الّذي نفسي بيده لو ضربونا حتى يبلغوا بنا سعفات هجر لعرفت أن مصلحينا على الحق، و أنهم على الضلالة. و قال الامام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر ثنا شعبة و حجاج حدثني شعبة سمعت قتادة يحدث عن أبى نضرة قال حجاج سمعت أبا نضرة عن قيس بن عباد قال: قلت لعمار بن ياسر أ رأيت قتالكم مع على رأيا

____________

[ (1- 2)] سقط من النسخة المصرية.

267

رأيتموه، فان الرأى يخطئ و يصيب، أو عهد عهده إليكم رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)؟ فقال: ما عهد إلينا رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) شيئا لم يعهده إلى الناس كافة. و قد رواه مسلم من حديث شعبة و له تمام عن عمار عن حذيفة [في المنافقين.

و هذا كما ثبت في الصحيحين و غيرهما عن جماعة من التابعين، منهم الحارث بن سويد، و قيس ابن عبادة، و أبو جحيفة وهب بن عبد اللَّه السوائى، و يزيد بن شريك، و أبو حسان الأجرد و غيرهم أن كلا منهم قال:

قلت لعلى: هل عندكم شي‏ء عهده إليكم رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) لم يعهده إلى الناس؟ فقال:

لا و الّذي فلق الحبة و برأ النسمة، إلا فهما يؤتيه اللَّه عبدا في القرآن، و ما في هذه الصحيفة،

قلت:

و ما في هذه الصحيفة؟ فإذا فيها العقل و فكاك الأسير، و أن لا يقتل مسلم بكافر، و أن المدينة حرم ما بين ثبير إلى ثور.

و ثبت في الصحيحين أيضا من حديث الأعمش عن أبى وائل عن سفيان بن مسلم عن سهل بن حنيف أنه قال يوم صفين: يا أيها الناس! اتهموا الرأى على الدين، فلقد رأيتني يوم أبى جندل و لو أقدر لرددت على رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) أمره، و و اللَّه ما حملنا سيوفنا على عواتقنا منذ أسلمنا لأمر يقطعنا إلا أسهل بنا إلى أمر نعرفه، غير أمرنا هذا، فانا لا نسد منه خصما إلا انفتح لنا غيره لا ندري كيف نبالى له‏] [ (1)]

و قال أحمد: حدثنا وكيع ثنا سفيان عن حبيب بن أبى ثابت عن أبى البختري. قال‏

قام عمار يوم صفين فقال: ايتوني بشربة لبن، فان رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) قال «آخر شربة تشربها من الدنيا تشربها يوم تقتل»

و قال الامام أحمد: حدثنا عبد الرحمن عن سفيان عن حبيب عن أبى البختري‏

أن عمارا أتى بشربة لبن فضحك و قال: إن رسول اللَّه قال لي: «آخر شراب أشربه لبن حين أموت»

و قال إبراهيم بن الحسين بن ديزيل: ثنا يحيى بن نصر ثنا عمرو بن شمر عن جابر الجعفي قال:

سمعت الشعبي عن الأحنف بن قيس: قال ثم حمل عمار بن ياسر عليهم فحمل عليه ابن جوى السكسكي و أبو الغادية الفزاري، فأما أبو الغادية فطعنه، و أما ابن جوى فاحتز رأسه.

و قد كان ذو الكلاع سمع قول عمرو بن العاص يقول: قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) لعمار بن ياسر

«تقتلك الفئة الباغية، و آخر شربة تشربها صاع لبن»

فكان ذو الكلاع يقول لعمرو: ويحك! ما هذا يا عمرو؟! فيقول له عمرو: إنه سيرجع إلينا. قال: فلما أصيب عمار بعد ذو الكلاع قال عمرو لمعاوية: ما أدرى بقتل أيهما أنا أشد فرحا، بقتل عمار أو ذي الكلاع و اللَّه لو بقي ذو الكلاع بعد قتل عمار لمال بعامة أهل الشام و لأفسد علينا جندنا. قال: و كان لا يزال يجي‏ء رجل فيقول لمعاوية و عمرو: أنا قتلت‏

____________

[ (1)] سقط من المصرية.

268

عمارا فيقول له عمرو فما سمعته يقول فيخلطون حتى جاء جوى فقال أنا سمعته يقول:

اليوم ألقى الأحبه‏* * * محمدا و حزبه‏

فقال له عمرو: صدقت أنت إنك لصاحبه، ثم قال له: رويدا، أما و اللَّه ما ظفرت يداك و لقد أسخطت ربك [

و قد روى ابن ديزيل من طريق أبى يوسف عن محمد بن إسحاق عن عبد اللَّه بن أبى بكر عن عبد الرحمن الكندي عن أبيه عن عمرو بن العاص. أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) قال لعمار:

«تقتلك الفئة الباغية»

و رواه أيضا من حديث جماعة من التابعين أرسلوه منهم عبد اللَّه بن أبى الهذيل و مجاهد و حبيب بن أبى ثابت و حبة العرني، و ساقه من طريق أبان عن أنس مرفوعا،

و من حديث عمرو بن شمر عن جابر الجعفي عن أبى الزبير عن حذيفة مرفوعا

: «ما خير عمار بين شيئين إلا اختار أرشدهما»

] [ (1)]

و به عن عمرو بن شمر عن السري عن يعقوب بن راقط قال‏

: اختصم رجلان في سلب عمار و في قتله فأتيا عبد اللَّه بن عمرو بن العاص ليتحاكما إليه، فقال لهما: و يحكما! اخرجا عنى، فان رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) قال- و لعبت قريش بعمار-: «ما لهم و لعمار؟ عمار يدعوهم إلى الجنة و يدعونه إلى النار، قاتله و سالبه في النار»

قال: فبلغني أن معاوية قال إنما قتله من أخرجه يخدع بذلك أهل الشام.

و قال إبراهيم بن الحسين: حدثنا يحيى ثنا عدي بن عمر ثنا هشيم ثنا العوام بن حوشب بن الأسود بن مسعود عن حنظلة بن خويلد-

و كان ناس عند على و معاوية- قال: بينا هو عند معاوية إذ جاءه رجلان يختصمان في قتل عمار، فقال لهما عبد اللَّه بن عمرو: ليطب كل واحد منكما نفسا لصاحبه بقتل عمار، فانى سمعت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يقول: «تقتله الفئة الباغية» فقال معاوية لعمرو: «ألا تنهى عنا مجنونك هذا؟! ثم أقبل معاوية على عبد اللَّه فقال له: فلم تقاتل معنا؟ فقال له إن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) أمرنى بطاعة والدي ما كان حيا و أنا معكم و لست أقاتل.

و حدثنا يحيى بن نصر ثنا حفص بن عمران البرجمي حدثني نافع بن عمر الجمحيّ عن ابن أبى مليكة أن عبد اللَّه ابن عمرو قال لأبيه‏

: لو لا أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) أمرنى بطاعتك ما سرت معك هذا المسير، أما سمعت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يقول لعمار بن ياسر «تقتلك الفئة الباغية»

و حدثنا يحيى ثنا عبد الرحمن بن زياد؟

ثنا هشيم عن مجالد عن الشعبي قال: جاء قاتل عمار يستأذن على معاوية و عنده عمرو فقال: ائذن له و بشره بالنار. فقال الرجل: أو ما تسمع ما يقول عمرو. قال: صدق؟ إنما قتله الذين جاءوا به!

و هذا كما ثبت في الصحيحين و غيرهما عن جماعة من التابعين منهم الحارث بن سويد و قيس بن عبادة و أبو جحيفة وهب بن عبد اللَّه السوائى و يزيد بن شريك و أبو حسان الأجرد و غيرهم أن كلا منهم قال‏

:

قلت لعلى هل عندكم شي‏ء عهده إليكم رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) لم يعهده إلى الناس، فقال: لا! و الّذي فلق‏

____________

[ (1)] سقطا من النسخة المصرية.

269

الحبة و برأ النسمة إلا فهما يؤتيه اللَّه عبدا في القرآن و ما في هذه الصحيفة،

قلت: و ما في هذه الصحيفة؟

فإذا فيها العقل و فكاك الأسير و أن لا يقتل مسلم بكافر، و أن المدينة حرام ما بين ثبير إلى ثور، و ثبت في الصحيحين أيضا من حديث الأعمش عن أبى وائل شقيق بن سلمة عن سهل بن حنيف أنه قال يوم صفين: أيها الناس اتهموا الرأى على الدين فلقد رأيتني يوم أبى جندل و لو أقدر أن أرد على رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) أمره لرددته، و اللَّه ما حملنا سيوفنا على عواتقنا منذ أسلمنا لأمر يقطعنا إلا أسهل بنا إلى أمر نعرفه غير أمرنا هذا. و قال ابن جرير: و حدثنا أحمد بن محمد ثنا الوليد بن صالح ثنا عطاء بن مسلم عن الأعمش قال قال أبو عبد الرحمن السلمي: قال كنا مع على بصفين و كنا قد و كلنا بفرسه نفسين يحفظانه يمنعانه أن يحمل، فكان إذا حانت منهما غفلة حمل فلا يرجع حتى يخضب سيفه، و إنه حمل ذات يوم فلم يرجع حتى انثنى سيفه، فألقاه إليهم و قال: لو لا أنه انثنى ما رجعت، قال: و رأيت عمارا لا يأخذ واديا من أودية صفين إلا اتبعه من كان هناك من أصحاب رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، و رأيته جاء إلى هاشم بن عتبة و هو صاحب راية على فقال: يا هاشم تقدم! الجنة تحت ظلال السيوف، و الموت في أطراف الأسنة، و قد فتحت أبواب الجنة و تزينت الحور العين.

اليوم ألقى الأحبه‏* * * محمدا و حزبه‏

ثم حملا هو و هاشم فقتلا رحمهما اللَّه تعالى، قال: و حمل حينئذ على و أصحابه على أهل الشام حملة رجل واحد كأنهما: كان- يعنى عمارا و هاشما- عاما لهم قال: فلما كان الليل قلت لأدخلن الليلة إلى العسكر الشاميين حتى أعلم هل بلغ منهم قتل عمار ما بلغ منا؟- و كنا إذا توادعنا من القتال تحدثوا إلينا و تحدثنا إليهم- فركبت فرسي و قد هدأت الرجل، ثم دخلت عسكرهم فإذا أنا بأربعة يتسامرون، معاوية، و أبو الأعور السلمي، و عمرو بن العاص، و ابنه عبد اللَّه بن عمرو و هو خير الأربعة. قال: فأدخلت فرسي بينهم مخافة أن يفوتني ما يقول بعضهم لبعض، فقال عبد اللَّه لأبيه:

يا أبة قتلتم هذا الرجل في يومكم هذا و قد قال فيه رسول اللَّه ما قال، قال: و ما قال؟ قال: أ لم يكن معنا و نحن نبنى المسجد و الناس ينقلون حجرا حجرا، و لبنة لبنة، و عمار ينقل حجرين حجرين و لبنتين لبنتين؟

فأتاه رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فجعل يمسح التراب عن وجهه و يقول: «ويحك يا ابن سمية الناس ينقلون حجرا حجرا و لبنة لبنة و أنت تنقل حجرين حجرين و لبنتين لبنتين رغبة منك في الأجر و كنت مع ذلك ويحك تقتلك الفئة الباغية»

قال فرجع عمر و صدر فرسه ثم جذب معاوية إليه فقال:

يا معاوية أما تسمع ما يقول عبد اللَّه؟ قال: و ما يقول؟ قال: يقول و أخبره الخبر فقال معاوية إنك شيخ أخرق و لا تزال تحدث بالحديث و أنت تدحض في بولك، أو نحن قتلنا عمارا؟ إنما قتل عمارا من جاء به؟ قال: فخرج الناس من عند فساطيطهم و أخبيتهم و هم يقولون: إنما قتل عمارا من جاء

270

به، فلا أدرى من كان أعجب هو أوهم.

و قال الامام أحمد: حدثنا أبو معاوية ثنا الأعمش عن عبد الرحمن بن أبى زياد قال‏

: إني لأسير مع معاوية منصرفه من صفين بينه و بين عمرو بن العاص فقال عبد اللَّه بن عمرو: يا أبة أما سمعت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يقول لعمار: «ويحك يا ابن سمية تقتلك الفئة الباغية

قال فقال عمرو لمعاوية: ألا تسمع ما يقول عبد اللَّه هذا فقال معاوية لا يزال يأتينا بهنة بعد هنة، أ نحن قتلناه؟ إنما قتله الذين جاءوا به. ثم رواه أحمد عن أبى نعيم عن سفيان الثوري عن الأعمش به نحوه، تفرد به أحمد بهذا السياق من هذا الوجه، و هذا التأويل الّذي سلكه معاوية رضى اللَّه عنه بعيد، ثم لم ينفرد عبد اللَّه بن عمرو بهذا الحديث بل قد روى من وجوه أخر،

قال الامام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر ثنا شعبة عن خالد عن عكرمة عن أبى سعيد الخدريّ أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) قال لعمار:

«تقتلك الفئة الباغية».

و قد روى البخاري في صحيحه من حديث عبد العزيز بن المختار و عبد الوهاب الثقفي عن خالد الحذاء عن عكرمة عن أبى سعيد

في قصة بناء المسجد أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) قال لعمار: «يا ويح عمار يدعوهم إلى الجنة و يدعونه إلى النار» قال يقول عمار: أعوذ باللَّه من الفتن و في بعض نسخ البخاري يا ويح عمار تقتله الفئة الباغية يدعوهم إلى الجنة و يدعونه إلى النار،

و قال أحمد: حدثنا سليمان بن داود ثنا شعبة ثنا عمرو بن دينار عن أبى هشام عن أبى سعيد الخدريّ أن رسول اللَّه قال لعمار:

«تقتلك الفئة الباغية،

و روى مسلم من حديث شعبة عن أبى نضرة عن أبى سعيد قال: حدثني من هو خير منى- يعنى أبا قتادة- أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) قال لعمار:

«تقتلك الفئة الباغية»

و روى مسلم أيضا من حديث شعبة عن خالد الحذاء عن الحسن و سعيد ابني أبى الحسن عن أمهما حرة عن أم سلمة أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) قال لعمار:

تقتلك الفئة الباغية،

و رواه عن أبى بكر بن أبى شيبة عن ابن علية عن ابن عون عن الحسن عن أبيه عن أم سلمة به و في رواية

و قاتله في النار.

و روى البيهقي عن الحاكم و غيره عن الأصم عن أبى بكر محمد بن إسحاق الصنعاني عن أبى الجواب عن عمار بن زريق عن عمار الذهبي عن سالم بن أبى الجعد عن ابن مسعود قال: سمعت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يقول لعمار:

«إذا اختلف الناس كان ابن سمية مع الحق»

و قال إبراهيم بن الحسين بن ديزيل- في سيرة على- ثنا يحيى بن عبيد اللَّه الكرابيسي ثنا أبو كريب ثنا أبو معاوية عن عمار بن زريق عن عمار الذهبي عن سالم بن أبى الجعد قال‏

: جاء رجل إلى عبد اللَّه بن مسعود فقال: إن اللَّه قد أمننا أن يظلمنا و لو يؤمنا أن يفتننا، أ رأيت إذا نزلت فتنة كيف أصنع؟ قال:

عليك بكتاب اللَّه، قلت: أ رأيت إن جاء قوم كلهم يدعون إلى كتاب اللَّه؟ فقال سمعت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يقول: «إذا اختلف الناس كان ابن سمية مع الحق».

و روى ابن ديزيل عن عمرو بن العاص نفسه حديثا في ذكر عمار و أنه مع فرقة الحق، و إسناده غريب، و قال البيهقي: أنا على بن‏

271

أحمد بن عبدان أنا أحمد بن عبيد اللَّه الصفار ثنا الأسقاطي ثنا أبو مصعب ثنا يوسف بن الماجشون عن أبيه عن أبى عبيدة عن محمد بن عمار بن ياسر عن مولاة لعمار قالت: «اشتكى عمار شكوى أرق منها فغشى عليه، فأفاق و نحن نبكي حوله، فقال: ما تبكون؟ أ تخشون أن أموت على فراشي؟ أخبرنى حبيبي (صلى اللَّه عليه و سلم) أنه تقتلني الفئة الباغية، و أن آخر زادي من الدنيا مذقة من لبن» و قال أحمد: ثنا ابن أبى عدي عن داود عن أبى نضرة عن أبى سعيد الخدريّ قال: «أمرنا رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) ببناء المسجد فجعلنا ننقل لبنة لبنة و كان عمار ينقل لبنتين لبنتين، فتترب رأسه قال: فحدثني أصحابى و لم أسمعه من رسول اللَّه أنه جعل ينفض رأسه و يقول: ويحك يا ابن سمية تقتلك الفئة الباغية» تفرد به أحمد و ما زاده الروافض في هذا الحديث بعد قوله الباغية «لا أنا لها و اللَّه شفاعتي يوم القيامة فهو كذب و بهت على رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، فإنه قد ثبتت الأحاديث عنه (صلوات اللَّه عليه و سلامه) بتسمية الفريقين مسلمين، كما سنورده قريبا إن شاء اللَّه. قال ابن جرير و قد ذكر أن عمارا لما قتل قال على لربيعة و همدان: أنتم درعي و رمحي، فانتدب له نحو من اثنى عشر ألفا، و تقدمهم على ببلغته فحمل و حملوا معه حملة رجل واحد، فلم يبق لأهل الشام صف إلا انتقض و قتلوا كل من انتهوا إليه حتى بلغوا معاوية و على يقاتل و يقول:

أضربهم و لا أرى معاوية* * * الجاحظ العين عظيم الحاوية

قال: ثم دعي على معاوية إلى أن يبارزه فأشار عليه بالخروج إليه عمرو بن العاص فقال له معاوية: إنك لتعلم أنه لم يبارزه رجل قط إلا قتله، و لكنك طمعت فيها بعدي، ثم قدم على ابنه محمد في عصابة كثيرة من الناس، فقاتلوه قتالا شديدا ثم تبعه على في عصابة أخرى، فحمل بهم فقتل في هذا الموطن خلق كثير من الفريقين لا يعلمهم إلا اللَّه و قتل من العراقيين خلق كثير أيضا، و طارت أكف و معاصم و رءوس عن كواهلها، (رحمهم اللَّه). ثم حانت صلاة المغرب فما صلى بالناس إلا إيماء صلاتي العشاء و استمر القتال في هذه الليلة كلها و هي من أعظم الليالي شرا بين المسلمين، و تسمى هذه الليلة ليلة الهرير، و كانت ليلة الجمعة تقصفت الرماح و نفذت النبال، و صار الناس إلى السيوف، و على رضى اللَّه عنه يحرض القبائل، و يتقدم إليهم يأمر بالصبر و الثبات و هو أمام الناس في قلب الجيش، و على الميمنة الأشتر، تولاها بعد قتل عبد اللَّه بن بديل عشية الخميس ليله الجمعة- و على الميسرة ابن عباس، و الناس يقتتلون من كل جانب فذكر غير واحد من علمائنا علماء السير- أنهم اقتتلوا بالرماح حتى تقصفت، و بالنبال حتى فنيت، و بالسيوف حتى تحطمت ثم صاروا إلى أن تقاتلوا بالأيدي و الرمي بالحجارة و التراب في الوجوه، و تعاضوا بالأسنان يقتتل الرجلان حتى يثخنا ثم يجلسان يستريحان، و كل واحد منهما يهمر على الآخر و يهمر عليه ثم يقومان فيقتتلان كما كانا، ف إِنَّا لِلَّهِ‏

272

وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ. و لم يزل ذلك دأبهم حتى أصبح الناس من يوم الجمعة و هم كذلك و صلى الناس الصبح إيماء و هم في القتال حتى تضاحى النهار و توجه النصر لأهل العراق على أهل الشام، و ذلك أن الأشتر النخعي صارت إليه إمرة الميمنة، فحمل بمن فيها على أهل الشام و تبعه عليّ فتنقضت غالب صفوفهم و كادوا ينهزمون، فعند ذلك رفع أهل الشام المصاحف فوق الرماح: و قالوا، هذا بيننا و بينكم قد فنى الناس فمن للثغور؟ و من لجهاد المشركين و الكفار.

و ذكر ابن جرير و غيره من أهل التاريخ أن الّذي أشار بهذا هو عمرو بن العاص، و ذلك لما رأى، أن أهل العراق قد استظهروا في ذلك الموقف، أحب أن ينفصل الحال و أن يتأخر الأمر فان كلا من الفريقين صابر للآخر، و الناس يتفانون. فقال إلى معاوية: إني قد رأيت أمرا لا يزيدنا هذه الساعة إلا اجتماعا و لا يزيدهم إلا فرقة، أرى أن نرفع المصاحف و ندعوهم إليها، فان أجابوا كلهم إلى ذلك برد القتال، و إن اختلفوا فيما بينهم فمن قائل نجيبهم، و قائل لا نجيبهم، فشلوا و ذهب ريحهم، و قال الامام أحمد، حدثنا يعلى بن عبيد عن عبد العزيز بن سياه عن حبيب بن أبى ثابت. قال أتيت أبا وائل في مسجد أهله أسأله عن هؤلاء القوم الذين قتلهم على بالنهروان فيما استجابوا له و فيما فارقوه، و فيما استحل قتالهم فقال: كنا بصفين فلما استحر القتال بأهل الشام اعتصموا بتل‏

فقال عمرو بن العاص لمعاوية: أرسل إلى على بمصحف فأدعه إلى كتاب اللَّه فإنه لن يأبى عليك فجاء به رجل فقال: بيننا و بينكم كتاب اللَّه‏

أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ‏

...

يُدْعَوْنَ إِلى‏ كِتابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ‏

بعد ذلك‏

وَ هُمْ مُعْرِضُونَ‏

فقال على: نعم! أنا أولى بذلك بيننا و بينكم كتاب اللَّه قال فجاءته الخوارج و نحن ندعوهم يومئذ القراء و سيوفهم على عواتقهم، فقالوا: يا أمير المؤمنين ما ينتظر هؤلاء القوم الذين على التل ألا نمشي إليهم سيوفنا حتى بحكم اللَّه بيننا و بينهم؟ فتكلم سهل بن حنيف فقال: يا أيها الناس اتهموا أنفسكم فلقد رأيتنا يوم الحديبيّة- يعنى الصلح الّذي كان بين رسول اللَّه و بين المشركين- و لو نرى قتالا لقاتلنا فجاء عمر إلى رسول اللَّه فقال: يا رسول اللَّه أ لسنا على حق و هم على باطل؟

و ذكر تمام الحديث كما تقدم في موضعه.

رفع أهل الشام المصاحف‏

فلما رفعت المصاحف قال أهل العراق: نجيب إلى كتاب اللَّه و ننيب إليه. قال أبو مخنف: حدثني عبد الرحمن بن جندب الأزدي عن أبيه أن عليا قال: عباد اللَّه أمضوا إلى حقكم و صدقكم و قتال عدوكم، فان معاوية و عمرو بن العاص و ابن أبى معيط و حبيب بن مسلمة و ابن أبى سرح و الضحاك ابن قيس ليسوا بأصحاب دين و لا قرآن، أنا أعرف بهم منكم، صحبتهم أطفالا، و صحبتهم رجالا، فكانوا شر أطفال و شر رجال، ويحكم و اللَّه إنهم ما رفعوها إنهم يقرءونها و لا يعملون بما فيها و ما

273

رفعوها إلا خديعة و دهاء و مكيدة. فقالوا له: ما يسعنا أن ندعى إلى كتاب اللَّه فنأبى أن نقبله. فقال لهم: إني إنما أقاتلهم ليدينوا بحكم الكتاب فإنهم قد عصوا اللَّه فيما أمرهم به، و تركوا عهده، و نبذوا كتابه.

فقال له مسعر بن فدكي التميمي و زيد بن حصين الطائي ثم السبائى في عصابة معهما من القراء الذين صاروا بعد ذلك خوارج، يا على أجب إلى كتاب اللَّه إذ دعيت إليه و إلا دفعناك برمتك إلى القوم أو نفعل بك ما فعلنا بابن عفان، إنه غلبنا أن يعمل بكتاب اللَّه فقتلناه، و اللَّه لتفعلنها أو لنفعلنها بك. قال: فاحفظوا عنى نهيي إياكم و احفظوا مقالتكم لي، أما أنا فان تطيعوني فقاتلوا، و إن تعصوني فاصنعوا ما بدا لكم،

قالوا: فابعث إلى الأشتر فليأتك و يكف عن القتال، فبعث إليه على ليكف عن القتال، و قد ذكر الهيثم بن عدي في كتابه الّذي صنفه في الخوارج فقال: قال ابن عباس:

فحدثني محمد بن المنتشر الهمدانيّ عن من شهد صفين و عن ناس من رءوس الخوارج ممن لا يتهم على كذب أن عمار بن ياسر كره ذلك و أبى و قال في على بعض ما أكره ذكره، ثم قال: من رائح إلى اللَّه قبل أن يبتغى غير اللَّه حكما؟ فحمل فقاتل حتى قتل رحمة اللَّه عليه. و كان ممن دعا إلى ذلك سادات الشاميين عبد اللَّه بن عمرو بن العاص قام في أهل العراق فدعاهم إلى الموادعة و الكف و ترك القتال و الائتمار بما في القرآن، و ذلك عن أمر معاوية له بذلك رضى اللَّه عنهما، و كان ممن أشار على على بالقبول و الدخول في ذلك الأشعث بن قيس الكندي رضى اللَّه عنه،

فروى أبو مخنف من وجه آخر

أن عليا لما بعث إلى الأشتر قال: قل له إنه ليس هذه ساعة ينبغي أن لا تزيلني عن موقفي فيها، إني قد رجوت أن يفتح اللَّه على، فلا تعجلني،

فرجع الرسول- و هو يزيد بن هانئ- إلى على فأخبره عن الأشتر بما قال، و صمم الأشتر على القتال لينتهز الفرصة، فارتفع الهرج و علت الأصوات‏

فقال أولئك القوم لعلى: و اللَّه ما نراك إلا أمرته أن يقاتل، فقال: أ رأيتموني ساررته؟ أ لم أبعث إليه جهرة و أنتم تسمعون؟ فقالوا: فابعث إليه فليأتك و إلا و اللَّه اعتزلناك، فقال على لزيد بن هانئ:

ويحك! قل له أقبل إلى فان الفتنة قد وقعت،

فلما رجع إليه يزيد بن هانئ فأبلغه عن أمير المؤمنين أنه ينصرف عن القتال و يقبل إليه، جعل يتململ و يقول: ويحك ألا ترى إلى ما نحن فيه من النصر و لم يبق إلا القليل؟ فقلت: أيهما أحب إليك أن تقبل أو يقتل أمير المؤمنين كما قتل عثمان؟

ثم ما ذا يغنى عنك نصرتك هاهنا؟ قال: فأقبل الأشتر إلى على و ترك القتال فقال: يا أهل العراق! يا أهل الذل و الوهن أ حين علوتم القوم و ظنوا أنكم لهم قاهرون رفعوا المصاحف يدعونكم إلى ما فيها، و قد و اللَّه تركوا ما أمر اللَّه به فيها، و سنة من أنزلت عليه، فلا تجيبوهم، أمهلونى فانى قد أحسست بالفتح، قالوا: لا! قال: أمهلونى عدو الفرس فانى قد طمعت في النصر، قالوا إذا ندخل معك في خطيئتك، ثم أخذ الأشتر يناظر أولئك القراء الداعين إلى إجابة أهل الشام‏

274

بما حاصله: إن كان أول قتالكم هؤلاء حقا فاستمروا عليه، و إن كان باطلا فاشهدوا لقتلاكم بالنار، فقالوا: دعنا منك فانا لا نطيعك و لا صاحبك أبدا، و نحن قاتلنا هؤلاء في اللَّه، و تركنا قتالهم للَّه، فقال لهم الأشتر: خدعتم و اللَّه فانخدعتم، و دعيتم إلى وضع الحرب فأجبتم، يا أصحاب السوء كنا نظن صلاتكم زهادة في الدنيا و شوقا إلى لقاء اللَّه، فلا أرى فراركم إلا إلى الدنيا من الموت، يا أشباه النيب الجلالة ما أنتم بربانيين بعدها. فابعدوا كما بعد القوم الظالمون. فسبوه و سبهم فضربوا وجه دابته بسياطهم، و جرت بينهم أمور طويلة، و رغب أكثر الناس من العراقيين و أهل الشام بكمالهم إلى المصالحة و المسالمة مدة لعله يتفق أمر يكون فيه حقن لدماء المسلمين، فان الناس تفانوا في هذه المدة، و لا سيما في هذه الثلاثة الأيام المتأخرة التي آخر أمرها ليلة الجمعة و هي ليلة الهرير. كل من الجيشين فيه من الشجاعة و الصبر ما ليس يوجد في الدنيا مثله، و لهذا لم يفر أحد عن أحد، بل صبروا حتى قتل من الفريقين فيما ذكره غير واحد سبعون ألفا. خمسة و أربعون ألفا من أهل الشام، و خمسة و عشرون ألفا من أهل العراق. قاله غير واحد منهم ابن سيرين و سيف و غيره. و زاد أبو الحسن ابن البراء- و كان في أهل العراق- خمسة و عشرون بدريا، قال: و كان بينهم في هذه المدة تسعون زحفا و اختلفا في مدة المقام بصفين فقال سيف: سبعة أشهر أو تسعة أشهر. و قال أبو الحسن بن البراء مائة و عشرة أيام. قلت: و مقتضى كلام أبى مخنف أنه كان من مستهل ذي الحجة في يوم الجمعة لثلاث عشرة خلت من صفر و ذلك سبعة و سبعون يوما فاللَّه أعلم، و قال الزهري: بلغني أنه كان يدفن في القبر الواحد خمسون نفسا. هذا كله ملخص من كلام ابن جرير و ابن الجوزي في المنتظم و قد روى البيهقي من طريق يعقوب بن سفيان عن أبى اليمان عن صفوان بن عمرو كان أهل الشام ستين ألفا فقتل منهم عشرون ألفا، و كان أهل العراق مائة و عشرين ألفا فقتل منهم أربعون ألفا. و حمل البيهقي هذه الوقعة على الحديث الّذي أخرجاه في الصحيحين من طريق عبد الرزاق عن معمر عن همام بن منبه عن أبى هريرة و رواه البخاري من حديث شعيب عن الزهري عن أبى سلمة عن أبى هريرة،

و من حديث شعيب عن أبى الزناد عن الأعرج عن أبى هريرة عن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) انه قال‏

: «لا تقوم الساعة حتى تقتتل فئتان عظيمتان يقتل بينهما مقتلة عظيمة و دعواهما واحدة».

و رواه مجالد عن أبى الحواري عن أبى سعيد مرفوعا مثله‏

و رواه الثوري عن ابن جدعان عن أبى نضرة عن أبى سعيد. قال قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم):

«لا تقوم الساعة حتى تقتتل فئتان عظيمتان دعوتهما واحدة فبينما هم كذلك مرق منهما مارقة تقتلهم أولى الطائفتين بالحق»

و قد تقدم ما

رواه الامام أحمد عن مهدي و إسحاق عن سفيان عن منصور عن ربعي بن خراش عن البراء بن ناجية الكاهلي عن ابن مسعود. قال قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)

: «إن رحى الإسلام ستزول لخمس و ثلاثين أو ست‏

275

و ثلاثين، فان يهلكوا فسبيل من هلك، و إن يقم لهم دينهم يقم لهم سبعين عاما، فقال عمر: يا رسول اللَّه أ مما مضى أم مما بقي؟ قال: بل مما بقي».

و قد رواه إبراهيم بن الحسين بن ديزيل في كتاب جمعه في سيرة على عن أبى نعيم الفضل بن دكين عن شريك عن منصور به مثله.

و قال أيضا:

حدثنا أبو نعيم ثنا شريك بن عبد اللَّه النخعي عن مجالد عن عامر الشعبي عن مسروق عن عبد اللَّه. قال قال لنا رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)

«إن رحى الإسلام ستزول بعد خمس و ثلاثين سنة فان يصطلحوا فيما بينهم يأكلوا الدنيا سبعين عاما رغدا، و إن يقتتلوا يركبوا سنن من كان قبلهم»

و قال ابن ديزيل: حدثنا عبد اللَّه بن عمر ثنا عبد اللَّه بن خراش الشيباني عن العوام بن حوشب عن إبراهيم التميمي. قال قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)

: «تدور رحى الإسلام عند قتل رجل من بنى أمية»

- يعنى عثمان رضى اللَّه عنه-

و قال أيضا: حدثنا الحكم عن نافع عن صفوان بن عمرو عن الأشياخ‏

أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) دعي إلى جنازة رجل من الأنصار فقال- و هو قاعد ينتظرها- «كيف أنتم إذا راعيتم حملين [كذا] في الإسلام؟

قال أبو بكر: أو يكون ذلك في أمة إلهها واحد و نبيها واحد؟ قال: نعم! قال: أ فأدرك ذلك يا رسول اللَّه؟ قال: لا! قال عمر: أ فأدرك ذلك يا رسول اللَّه؟ قال: لا! قال عثمان: أ فأدرك ذلك يا رسول اللَّه؟

قال: نعم! بك يفتنون»

و قال أيضا عمر لابن عباس: كيف يختلفون و إلههم واحد و كتابهم واحد و ملتهم واحدة؟ فقال: إنه سيجي‏ء قوم لا يفهمون القرآن كما نفهمه، فيختلفون فيه فإذا اختلفوا فيه اقتتلوا. فأقر عمر بن الخطاب بذلك. و قال أيضا: حدثنا أبو نعيم ثنا سعيد بن عبد الرحمن- أخو أبى حمزة- ثنا محمد بن سيرين قال: لما قتل عثمان قال عدي بن حاتم: لا ينتطح في قتله عنزان. فلما كان يوم صفين فقئت عينه فقيل: لا ينتطح في قتله عنزان، فقال: بلى و تفقأ عيون كثيرة. و روى عن كعب الأحبار أنه مر بصفين فرأى حجارتها فقال: لقد اقتتل في هذا الموضع بنو إسرائيل تسع مرات، و إن العرب ستقتتل فيها العاشرة، حتى يتقاذفوا بالحجارة التي تقاذف فيها بنو إسرائيل و يتفانوا كما تفانوا.

و قد ثبت في الحديث أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) قال:

«سألت ربى أن لا يهلك أمتى بسنة عامة فأعطانيها، و سألته أن لا يسلط عليهم عدوا من سواهم فيستبيح بيضتهم فأعطانيها، و سألته أن لا يسلط بعضهم على بعض فمنعنيها»

ذكرنا ذلك عند تفسير قوله تعالى‏ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَ يُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ‏ قال رسول اللَّه: هذا أهون.

قصة التحكيم‏

ثم تراوض الفريقان بعد مكاتبات و مراجعات يطول ذكرها على التحكيم، و هو أن يحكم كل واحد من الأميرين- على و معاوية- رجلا من جهته. ثم يتفق الحكمان على ما فيه مصلحة للمسلمين. فوكّل معاوية عمرو بن العاص، و أراد عليّ أن يوكل عبد اللَّه بن عباس- وليته فعل-

276

و لكنه منعه القراء ممن ذكرنا و قالوا: لا نرضى إلا بأبي موسى الأشعري. و ذكر الهيثم بن عدي في كتاب الخوارج له أن أول من أشار بأبي موسى الأشعري الأشعث بن قيس، و تابعه أهل اليمن، و وصفوه أنه كان ينهى الناس عن الفتنة و القتال، و كان أبو موسى قد اعتزل في بعض أرض الحجاز.

قال على‏

: فانى أجعل الأشتر حكما، فقالوا: و هل سعر الحرب و شعر الأرض إلا الأشتر؟ قال:

فاصنعوا ما شئتم،

فقال الأحنف لعلى: و اللَّه لقد رميت بحجر إنه لا يصلح هؤلاء القوم إلا رجل منهم، يدنو منهم حتى يصير في أكفهم، و يبتعد حتى يصير بمنزلة النجم، فان أبيت أن تجعلني حكما فاجعلني ثانيا و ثالثا، فإنه لن يعقد عقدة إلا أحلها، و لا يحل عقدة عقدتها إلا عقدت لك أخرى مثلها أو أحكم منها. قال: فأبوا إلا أبا موسى الأشعري فذهبت الرسل إلى أبى موسى الأشعري- و كان قد اعتزل- فلما قيل له إن الناس قد اصطلحوا قال: الحمد للَّه، قيل له: و قد جعلت حكما، فقال: إنا للَّه و إنا إليه راجعون، ثم أخذوه حتى أحضروه إلى على رضى اللَّه عنه و كتبوا بينهم كتابا هذه صورته.

بسم اللَّه الرحمن الرحيم هذا ما قاضى عليه على بن أبى طالب أمير المؤمنين، فقال عمرو بن العاص: اكتب اسمه و اسم أبيه، هو أميركم و ليس بأميرنا، فقال الأحنف: لا تكتب إلا أمير المؤمنين، فقال على: امح أمير المؤمنين‏

و اكتب هذا ما قاضى عليه على بن أبى طالب ثم استشهد على بقصة الحديبيّة حين امتنع أهل مكة هذا ما قاضى عليه محمد رسول اللَّه، فامتنع المشركون من ذلك و قالوا: اكتب هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد اللَّه، فكتب الكاتب: هذا ما تقاضى عليه على بن أبى طالب و معاوية بن أبى سفيان، قاضى عليّ على أهل العراق و من معهم من شيعتهم و المسلمين، و قاضى معاوية على أهل الشام و من كان معه من المؤمنين و المسلمين إنا ننزل عند حكم اللَّه و كتابه و نحيى ما أحيى اللَّه، و نميت ما أمات اللَّه فما وجد الحكمان في كتاب اللَّه- و هما أبو موسى الأشعري و عمرو بن العاص- عملا به و ما لم يجدا في كتاب اللَّه فالسنة العادلة الجامعة غير المتفرقة ثم أخذ الحكمان من على و معاوية و من الجندين العهود و المواثيق أنهما آمنان على أنفسهما و أهلهما، و الأمة لهما أنصار على الذين يتقاضيان عليه، و على المؤمنين و المسلمين من الطائفتين كليهما عهد اللَّه و ميثاقه أنهما على ما في هذه الصحيفة، و أجلا القضاء إلى رمضان و إن أحبا أن يؤخرا ذلك على تراض منهما، و كتب في يوم الأربعاء لثلاث عشرة خلت من صفر سنة سبع و ثلاثين، على أن يوافي على و معاوية موضع الحكمين بدومة الجندل في رمضان، و مع كل واحد من الحكمين أربعمائة من أصحابه، فان لم يجتمعا لذلك اجتمعا من العام المقبل بأذرح، و قد ذكر الهيثم في كتابه في الخوارج أن الأشعث بن قيس لما ذهب إلى معاوية بالكتاب و فيه: «هذا ما قاضى عبد اللَّه على‏

277

أمير المؤمنين معاوية بن أبى سفيان» قال معاوية: لو كان أمير المؤمنين لم أقاتله، و لكن ليكتب اسمه و ليبدأ به قبل اسمى لفضله و سابقته، فرجع إلى على فكتب كما قال معاوية. و ذكر الهيثم أن أهل الشام أبوا أن يبدأ باسم على قبل معاوية، و باسم أهل العراق قبلهم، حتى كتب كتابان كتاب لهؤلاء فيه تقديم معاوية على على و كتاب آخر لأهل العراق بتقديم اسم على و أهل العراق على معاوية و أهل الشام و هذه تسمية من شهد على هذا التحكيم من جيش على: عبد اللَّه بن عباس، و الأشعث ابن قيس الكندي، و سعيد بن قيس الهمدانيّ، و عبد اللَّه بن الطفيل المعافري، و حجر بن يزيد الكندي، و ورقاء بن سمى العجليّ، و عبد اللَّه بن بلال العجليّ، و عقبة بن زياد الأنصاري، و يزيد ابن جحفة التميمي، و مالك بن كعب الهمدانيّ. فهؤلاء عشرة. و أما من الشاميين فعشرة آخرون، و هم أبو الأعور السلمي، و حبيب بن مسلمة، و عبد الرحمن بن خالد بن الوليد، و مخارق بن الحارث الزبيدي، و وائل بن علقمة العدوي، و علقمة بن يزيد الحضرميّ، و حمزة بن مالك الهمدانيّ، و سبيع بن يزيد الحضرميّ، و عتبة بن أبى سفيان أخو معاوية، و يزيد بن الحر العبسيّ. و خرج الأشعث بن قيس بذلك الكتاب يقرؤه على الناس و يعرضه على الطائفتين. ثم شرع الناس في دفن قتلاهم قال الزهري: بلغني أنه دفن في كل قبر خمسون نفسا، و كان على قد أسر جماعة من أهل الشام، فلما أراد الانصراف أطلقهم، و كان مثلهم أو قريب منهم في يد معاوية و كان قد عزم على قتلهم لظنه أنه قد قتل أسراهم، فلما جاءه أولئك الذين أطلقهم أطلق معاوية الذين في يده، و يقال إن رجلا يقال له عمرو بن أوس- من الأزد- كان من الأسارى فأراد معاوية قتله فقال: امنن على فإنك خالي، فقال: ويحك! من أين أنا خالك؟ فقال: إن أم حبيبة زوجة رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و هي أم المؤمنين و أنا ابنها و أنت أخوها و أنت خالي، فأعجب ذلك معاوية و أطلقه. و قال عبد الرحمن بن زياد بن أنعم- و ذكر أهل صفين- فقال: كانوا عربا يعرف بعضهم بعضا في الجاهلية فالتقوا في الإسلام معهم على الحمية و سنة الإسلام، فتصابروا و استحيوا من الفرار، و كانوا إذا تحاجزوا دخل هؤلاء في عسكر هؤلاء، و هؤلاء في عسكر هؤلاء، فيستخرجون قتلاهم فيدفنونهم. قال الشعبي: هم أهل الجنة، لقي بعضهم بعضا فلم يفر أحد من أحد.

خروج الخوارج‏

و ذلك أن الأشعث بن قيس مر على ملأ من بنى تميم فقرأ عليهم الكتاب فقام إليه عروة بن أذينة و هي أمه و هو عروة بن جرير من بنى ربيعة بن حنظلة و هو أخو أبى بلال بن مرداس بن جرير فقال: أ تحكمون في دين اللَّه الرجال؟ ثم ضرب بسيفه عجز دابة الأشعث بن قيس، فغضب الأشعث و قومه، و جاء الأحنف بن قيس و جماعة من رؤسائهم يعتذرون إلى الأشعث بن قيس من ذلك،

278

قال الهيثم بن عدي: و الخوارج يزعمون أن أول من حكم عبد اللَّه بن وهب الراسبي. قلت: و الصحيح الأول و قد أخذ هذه الكلمة من هذا الرجل طوائف من أصحاب عليّ من القراء و قالوا: لا حكم إلا للَّه، فسموا المحكية. و تفرق الناس إلى بلادهم من صفين، و خرج معاوية إلى دمشق بأصحابه،

و رجع على إلى الكوفة على طريق هيت فلما دخل الكوفة سمع رجلا يقول: ذهب على و رجع في غير شي‏ء.

فقال على: للذين فارقناهم خير من هؤلاء و أنشأ يقول:

أخوك الّذي إن أحرجتك ملمة* * * من الدهر لم يبرح لبثك راحما

و ليس أخوك بالذي إن تشعبت‏* * * عليك أمور ظل يلحاك لائما

ثم مضى فجعل يذكر اللَّه حتى دخل قصر الامارة من الكوفة، و لما كان قد قارب دخول الكوفة اعتزل من جيشه قريب من- اثنى عشر ألفا- و هم الخوارج، و أبوا أن يساكنوه في بلده، و نزلوا بمكان يقال له حروراء و أنكروا عليه أشياء فيما يزعمون أنه ارتكبها، فبعث إليهم على رضى اللَّه عنه عبد اللَّه بن عباس فناظرهم فرجع أكثرهم و بقي بقيتهم، فقاتلهم على بن أبى طالب و أصحابه كما سيأتي بيانه و تفصيله قريبا إن شاء اللَّه تعالى. و المقصود أن هؤلاء الخوارج هم المشار إليهم في الحديث المتفق على صحته‏

أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): «قال‏

تمرق مارقة على حين فرقة من الناس- و في رواية من المسلمين، و في رواية من أمتى- فيقتلها أولى الطائفتين».

و هذا الحديث له طرق متعددة و ألفاظ كثيرة

قال الامام أحمد: حدثنا وكيع و عفان بن القاسم بن الفضل عن أبى نضرة عن أبى سعيد.

قال قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)

: «تمرق مارقة عند فرقة من المسلمين تقتلهم أولى الطائفتين بالحق»

رواه مسلم عن شيبان بن فروخ عن القاسم بن محمد به.

و قال أحمد: حدثنا أبو عوانة عن قتادة عن أبى نضرة عن أبى سعيد الخدريّ عن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)

«تكون أمتى فرقتين تخرج بينهما مارقة تلى قتلها أولاهما»

و رواه مسلم من حديث قتادة و داود بن أبى هند عن أبى نضرة به.

و قال احمد: حدثنا ابن أبى عدي عن سليمان عن أبى نضرة عن أبى سعيد

أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) «ذكر قوما يكونون في أمته يخرجون في فرقة من الناس، سيماهم التحليق هم شر الخلق- أو من شر الخلق- يقتلهم أدنى الطائفتين من الحق»

قال أبو سعيد: فأنتم قتلتموهم يا أهل العراق.

و قال أحمد: حدثنا محمد بن جعفر ثنا عوف عن أبى نضرة عن أبى سعيد الخدريّ. قال قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)

: «تفترق أمتى فرقتين فتمرق بينهما مارقة فيقتلها أولى الطائفتين بالحق»

و رواه عن يحيى القطان عن عوف و هو الأعرابي به مثله فهذه طرق متعددة عن أبى نضرة المنذر بن مالك بن قطعة العبديّ، و هو أحد الثقات الرفعاء و رواه مسلم أيضا من حديث سفيان الثوري عن حبيب بن أبى ثابت عن الضحاك المشرقي عن أبى سعيد بنحوه‏

.

279

فهذا الحديث من دلائل النبوة إذ قد وقع الأمر طبق ما أخبر به (عليه الصلاة و السلام)، و فيه الحكم بإسلام الطائفتين أهل الشام و أهل العراق، لا كما يزعمه فرقة الرافضة و الجهلة الطغام، من تكفيرهم أهل الشام، و فيه أن أصحاب على أدنى الطائفتين إلى الحق، و هذا هو مذهب أهل السنة و الجماعة أن عليا هو المصيب و إن كان معاوية مجتهدا، و هو مأجور إن شاء اللَّه، و لكن على هو الإمام فله أجران كما

ثبت في صحيح البخاري من حديث عمرو بن العاص أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) قال:

«إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران و إذا اجتهد فأخطأ فله أجر»

و سيأتي بيان كيفية قتال على رضى اللَّه عنه للخوارج، و صفة المخدج الّذي أخبر عنه (عليه السلام) فوجد كما أخبر ففرح بذلك على رضى اللَّه عنه و سجد للشكر.

فصل‏

قد تقدم أن عليا رضى اللَّه عنه لما رجع من الشام بعد وقعة صفين، ذهب إلى الكوفة، فلما دخلها انعزل عنه طائفة من جيشه، قيل ستة عشر ألفا و قيل اثنى عشر ألفا، و قيل أقل من ذلك، فباينوه و خرجوا عليه و أنكروا أشياء، فبعث إليهم عبد اللَّه بن عباس فناظرهم فيها ورد عليهم ما توهموه شبهة، و لم يكن له حقيقة في نفس الأمر، فرجع بعضهم و استمر بعضهم على ضلالهم حتى كان منهم ما سنورده قريبا، و يقال إن عليا رضى اللَّه عنه ذهب إليهم فناظرهم فيما نقموا عليه حتى استرجعهم عما كانوا عليه، و دخلوا معه الكوفة، ثم إنهم عاهدوا فنكثوا ما عاهدوا عليه و تعاهدوا فيما بينهم على القيام بالأمر بالمعروف و النهى عن المنكر، و القيام على الناس في ذلك ثم تحيزوا إلى موضع يقال له النهروان، و هناك قاتلهم على كما سيأتي. قال الامام أحمد: حدثنا إسحاق بن عيسى الطباع حدثني يحيى بن سليم عن عبد اللَّه بن عثمان بن خثيم عن عبد اللَّه بن عياض بن عمرو القارئ قال:

جاء عبد اللَّه بن شداد فدخل على عائشة و نحن عندها مرجعه من العراق ليالي قبل على، فقالت له:

يا عبد اللَّه بن شداد هل أنت صادقي عما أسألك عنه؟ فحدثني عن هؤلاء القوم الذين قتلهم على، فقال:

و ما لي لا أصدقك؟ قالت: فحدثني عن قصتهم، قال: فان عليا لما كاتب معاوية و حكم الحكمين خرج عليه ثمانية آلاف من قراء الناس فنزلوا بأرض يقال لها حروراء من جانب الكوفة، و أنهم عتبوا عليه فقالوا: انسلخت من قميص ألبسكه اللّه، و اسم سماك به اللَّه ثم انطلقت فحكمت في دين اللَّه و لا حكم إلا للَّه،

فلما أن بلغ عليا ما عتبوا عليه و فارقوه عليه، أمر فأذن مؤذن أن لا يدخل على أمير المؤمنين رجل إلا رجلا قد حمل القرآن، فلما أن امتلأت الدار من قراء الناس دعا بمصحف إمام عظيم فوضعه بين يديه فجعل يصكه بيده و يقول: أيها المصحف! حدث الناس فناداه الناس فقالوا:

280

يا أمير المؤمنين ما تسأل عنه إنما هو مداد في ورق، و نحن نتكلم بما روينا منه، فما ذا تريد؟ قال:

أصحابكم هؤلاء الذين خرجوا بيني و بينهم كتاب اللَّه يقول اللَّه تعالى في كتابه في امرأة و رجل:

وَ إِنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَ حَكَماً مِنْ أَهْلِها إِنْ يُرِيدا إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُما

فأمة محمد (صلى اللَّه عليه و سلم) أعظم دما و حرمة من امرأة و رجل، و نقموا على أن كاتب معاوية كتبت على بن أبى طالب، و قد جاءنا سهيل بن عمرو و نحن مع رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) بالحديبية حين صالح قومه قريشا فكتب رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) بسم اللَّه الرحمن الرحيم، فقال سهيل: لا أكتب بسم اللَّه الرحمن الرحيم، قال: كيف تكتب؟ «قال أكتب باسمك اللَّهمّ! فقال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) اكتب فكتب، فقال:

اكتب هذا ما صالح عليه محمد رسول اللَّه، فقال: لو أعلم أنك رسول اللَّه لم أخالفك، فكتب هذا ما صالح عليه محمد بن عبد اللَّه قريشا، يقول اللَّه تعالى في كتابه‏

لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَ الْيَوْمَ الْآخِرَ

فبعث إليهم عبد اللَّه بن عباس فخرجت معه حتى إذا توسطت عسكرهم فقام ابن الكواء فخطب الناس فقال يا حملة القرآن هذا عبد اللَّه بن عباس فمن لم يكن يعرفه فأنا أعرفه ممن يخاصم في كتاب اللَّه بما لا يعرفه، هذا ممن نزل فيه و في قومه (بل هم قوم خصمون) فردوه إلى صاحبه و لا تواضعوه كتاب اللَّه، فقال بعضهم: و اللَّه لنواضعنه فان جاء بحق نعرفه لنتبعنه و إن جاء بباطل لنكبتنه بباطله، فواضعوا عبد اللَّه الكتاب ثلاثة أيام، فرجع منهم أربعة آلاف كلهم تائب، فيهم ابن الكواء، حتى أدخلهم على عليّ الكوفة، فبعث على إلى بقيتهم فقال: قد كان من أمرنا و أمر الناس ما قد رأيتم، فقفوا حيث شئتم حتى تجتمع أمة محمد (صلى اللَّه عليه و سلم) بيننا و بينكم أن لا تسفكوا دما حراما أو تقطعوا سبيلا أو تظلموا ذمة فإنكم إن فعلتم فقد نبذنا إليكم الحرب على سواء إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخائِنِينَ‏ فقالت له عائشة: يا ابن شداد فقتلهم فقالوا و اللَّه ما بعثت إليهم حتى قطعوا السبيل و سفكوا الدماء و استحلوا أهل الذمة، فقالت اللَّه، قال: اللَّه لا إله إلا هو قد كان ذلك! قالت: فما شي‏ء بلغني عن أهل العراق يقولون ذو الثدي و ذو الثدية؟ قال: قد رأيته و كنت مع على في القتلى فدعا الناس فقال: أ تعرفون هذا؟ فما أكثر من جاء يقول: قد رأيته في مسجد بنى فلان، و رأيته في مسجد بنى فلان يصلى و لم يأتوا فيه بثبت يعرف إلا ذلك. قالت:

فما قول على حيث قام عليه كما يزعم أهل العراق؟ قال سمعته يقول صدق اللَّه و رسوله قالت: هل سمعت منه أنه قال غير ذلك؟ قال: اللَّهمّ لا! قالت أجل! صدق اللَّه و رسوله، يرحم اللَّه عليا إنه كان لا يرى شيئا يعجبه إلا قال صدق اللَّه و رسوله، فيذهب أهل العراق يكذبون عليه و يزيدون عليه في الحديث تفرد به أحمد و إسناده صحيح و اختاره الضياء ففي هذا السياق ما يقتضي أن عدتهم كانوا ثمانية آلاف، لكن من القراء، و قد يكون واطأهم على مذهبهم آخرون من غيرهم حتى بلغوا

281

اثنى عشر ألفا، أو ستة عشر ألفا. و لما ناظرهم ابن عباس رجع منهم أربعة آلاف و بقي بقيتهم على ما هم عليه، و قد رواه يعقوب بن سفيان عن موسى بن مسعود عن عكرمة بن عمار عن سماك أبى زميل عن ابن عباس فذكر القصة و أنهم عتبوا عليه في كونه حكم الرجال، و أنه محى اسمه من الإمرة، و أنه غزا يوم الجمل فقتل الأنفس الحرام و لم يقسم الأموال و السبي، فأجاب عن الأولين بما تقدم، و عن الثالث بما قال: قد كان في السبي أم المؤمنين فان قلتم ليست لكم بأم فقد كفرتم، و إن استحللتم سبى أمهاتكم فقد كفرتم. قال: فرجع منهم ألفان و خرج سائرهم فتقاتلوا. و ذكر غيره أن ابن عباس لبس حلة لما دخل عليهم، فناظروه في لبسه إياها، فاحتج بقوله تعالى‏ قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَ الطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ‏ الآية. و ذكر ابن جرير أن عليا خرج بنفسه إلى بقيتهم فلم يزل يناظرهم حتى رجعوا معه إلى الكوفة و ذلك يوم عيد الفطر أو الأضحى شك الراويّ في ذلك، ثم جعلوا يعرضون له في الكلام و يسمعونه شتما و يتأولون بتأويل في قوله.

قال الشافعيّ (رحمه اللَّه)

: قال رجل من الخوارج لعلى و هو في الصلاة

لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ‏

فقرأ على‏

فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَ لا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ‏

.

و قد ذكر ابن جرير أن هذا كان و على في الخطبة.

و ذكر ابن جرير

أيضا أن عليا بينما هو يخطب يوما إذ قام إليه رجل من الخوارج فقال: يا على أشركت في دين اللَّه الرجال و لا حكم إلا للَّه، فتنادوا من كل جانب لا حكم إلا للَّه، لا حكم إلا للَّه، فجعل على يقول: هذه كلمة حق يراد بها باطل، ثم قال: إن لكم علينا أن لا نمنعكم فيئا ما دامت أيديكم معنا، و أن لا نمنعكم مساجد اللَّه، و أن لا نبدأكم بالقتال حتى تبدءونا.

ثم إنهم خرجوا بالكلية عن الكوفة و تحيزوا إلى النهروان على ما سنذكره بعد حكم الحكمين.

صفة اجتماع الحكمين أبى موسى و عمرو بن العاص رضى اللَّه عنهما بدومة الجندل‏

و ذلك في شهر رمضان كما تشارطوا عليه وقت التحكيم بصفين، و قال الواقدي اجتمعوا في شعبان، و ذلك أن عليا رضى اللَّه عنه لما كان مجي‏ء رمضان بعث أربعمائة فارس مع شريح بن هانئ، و معهم أبو موسى، و عبد اللَّه بن عباس، و إليه الصلاة و بعث معاوية عمرو بن العاص في أربعمائة فارس من أهل الشام و منهم عبد اللَّه بن عمر، فتوافوا بدومة الجندل بأذرح- و هي نصف [المسافة] بين الكوفة و الشام، بينها و بين كل من البلدين تسع مراحل- و شهد معهم جماعة من رءوس الناس، كعبد اللَّه ابن عمر، و عبد اللَّه بن الزبير، و المغيرة بن شعبة، و عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي.

282

و عبد الرحمن بن عبد يغوث الزهري و أبى جهم بن حذيفة. و زعم بعض الناس أن سعد بن أبى وقاص شهدهم أيضا، و أنكر حضوره آخرون. و قد ذكر ابن جرير أن عمر بن سعد خرج إلى أبيه و هو على ماء لبني سليم بالبادية معتزل: فقال يا أبة: قد بلغك ما كان من الناس بصفين، و قد حكم الناس أبا موسى الأشعري و عمرو بن العاص، و قد شهدهم نفر من قريش، فاشهدهم فإنك صاحب رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و أحد أصحاب الشورى و لم تدخل في شي‏ء كرهته هذه الأمة فاحضر إنك أحق الناس بالخلافة. فقال: لا أفعل!

إني سمعت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يقول:

«إنه ستكون فتنة خير الناس فيها الخفى التقي»

و اللَّه لا أشهد شيئا من هذا الأمر أبدا.

و قد قال الامام أحمد: حدثنا أبو بكر الحنفي عبد الكبير بن عبد المجيد ثنا بكر بن سمار عن عامر بن سعد

أن أخاه عمر انطلق إلى سعد في غنم له خارجا من المدينة فلما رآه سعد قال: أعوذ باللَّه من شر هذا الراكب، فلما أتاه قال: يا أبة أ رضيت أن تكون أعرابيا في غنمك و الناس يتنازعون في الملك بالمدينة؟ فضرب سعد صدر عمرو قال: اسكت فانى سمعت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يقول: «إن اللَّه يحب العبد التقى الغنى الخفى»

و هكذا رواه مسلم في صحيحه.

و قال أحمد أيضا: حدثنا عبد الملك بن عمرو ثنا كثير بن زيد الأسلمي عن المطلب عن عمر بن سعد عن أبيه‏

أنه جاءه ابنه عامر فقال: يا أبة: الناس يقاتلون على الدنيا و أنت هاهنا؟

فقال: يا بنى أ في الفتنة تأمرنى أن أكون رأسا؟ لا و اللَّه حتى أعطى سيفا إن ضربت به مؤمنا نبا عنه و إن ضربت به كافرا قتلته، سمعت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يقول: «إن اللَّه يحب الغنى الخفى التقى»

و هذا السياق كان عكس الأول، و الظاهر أن عمر بن سعد استعان بأخيه عامر على أبيه ليشير عليه أن يحضر أمر التحكيم لعلهم يعدلون عن معاوية و على و يولونه فامتنع سعد من ذلك و أباه أشد الإباء و قنع بما هو فيه من الكفاية و الخفاء

كما ثبت في صحيح مسلم أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) قال‏

: قد «أفلح من أسلم و رزق كفافا و قنعه اللَّه بما آتاه»

و كان عمر بن سعد هذا يحب الامارة، فلم يزل ذلك دأبه حتى كان هو أمير السرية التي قتلت الحسين بن على رضى اللَّه عنه كما سيأتي بيانه في موضعه، و لو قنع بما كان أبوه عليه لم يكن شي‏ء من ذلك. و للمقصود أن سعدا لم يحضر أمر التحكيم و لا أراد ذلك و لا هم به، و إنما حضره من ذكرنا. فلما اجتمع الحكمان تراوضا على المصلحة للمسلمين، و نظرا في تقدير أمور ثم اتفقا على أن يعزلا عليا و معاوية ثم يجعلا الأمر شورى بين الناس ليتفقوا على الأصلح لهم منهما أو من غيرهما، و قد أشار أبو موسى بتولية عبد اللَّه بن عمر بن الخطاب، فقال له عمرو: فول ابني عبد اللَّه فإنه يقاربه في العلم و العمل و الزهد. فقال له أبو موسى: إنك قد غمست ابنك في الفتن معك، و هو مع ذلك رجل صدق.

قال أبو مخنف: فحدثني محمد بن إسحاق عن نافع عن ابن عمر قال قال عمرو بن العاص: إن هذا

283

الأمر لا يصلحه إلا رجل له ضرس يأكل و يطعم. و كان ابن عمر فيه غفلة، فقال له ابن الزبير: افطن و انتبه، فقال ابن عمر: لا و اللَّه لا أرشو عليها شيئا أبدا، ثم قال: يا ابن العاص إن العرب قد أسندت إليك أمرها بعد ما تقارعت بالسيوف و تشاكت بالرماح، فلا تردنهم في فتنة مثلها أو أشد منها.

ثم إن عمرو بن العاص حاول أبا موسى على أن يقر معاوية وحده على الناس فأبى عليه، ثم حاوله ليكون ابنه عبد اللَّه بن عمرو هو الخليفة، فأبى أيضا، و طلب أبو موسى من عمرو أن يوليا عبد اللَّه بن عمر فامتنع عمرو أيضا، ثم اصطلحا على أن يخلعا معاوية و عليا و يتركا الأمر شورى بين الناس ليتفقوا على من يختاروه لأنفسهم، ثم جاءا إلى المجمع الّذي فيه الناس- و كان عمرو لا يتقدم بين يدي أبى موسى بل يقدمه في كل الأمور أدبا و إجلالا-، فقال له: يا أبا موسى قم فأعلم الناس بما اتفقنا عليه، فخطب أبو موسى الناس فحمد اللَّه و أثنى عليه ثم صلى على رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) ثم قال: أيها الناس إنا قد نظرنا في أمر هذه الأمة فلم نر أمرا أصلح لها و لا ألم لشعثها من رأى اتفقت أنا و عمرو عليه، و هو أنا نخلع عليا و معاوية و نترك الأمر شورى، و تستقبل الأمة هذا الأمر فيولوا عليهم من أحبوه، و إني قد خلعت عليا و معاوية. ثم تنحى و جاء عمرو فقام مقامه فحمد اللَّه و أثنى عليه ثم قال: إن هذا قد قال ما سمعتم، و إنه قد خلع صاحبه، و إني قد خلعته كما خلعه و أثبت صاحبي معاوية فإنه ولى عثمان بن عفان، و الطالب بدمه، و هو أحق الناس بمقامه- و كان عمرو بن العاص رأى أن ترك الناس بلا إمام و الحالة هذه يؤدى إلى مفسدة طويلة عريضة أربى مما الناس فيه من الاختلاف، فأقر معاوية لما رأى ذلك من المصلحة، و الاجتهاد يخطئ و يصيب. و يقال إن أبا موسى تكلم معه بكلام فيه غلظة و رد عليه عمرو بن العاص مثله.

و ذكر ابن جرير أن شريح بن هانئ- مقدم جيش على- وثب على عمرو بن العاص فضربه بالسوط و قام إليه ابن لعمرو فضربه بالسوط، و تفرق الناس في كل وجه إلى بلادهم، فأما عمرو و أصحابه فدخلوا على معاوية فسلموا عليه بتحية الخلافة، و أما أبو موسى فاستحيى من على فذهب إلى مكة، و رجع ابن عباس و شريح بن هانئ إلى على فأخبراه بما فعل أبو موسى و عمرو، فاستضعفوا رأى أبى موسى و عرفوا أنه لا يوازن عمرو بن العاص. فذكر أبو مخنف عن أبى حباب الكلبي أن عليا لما بلغه ما فعل عمرو كان يلعن في قنوته معاوية، و عمرو بن العاص، و أبا الأعور السلمي، و حبيب ابن مسلمة، و الضحاك بن قيس و عبد الرحمن بن خالد بن الوليد، و الوليد بن عتبة، فلما بلغ ذلك معاوية كان يلعن في قنوته عليا و حسنا و حسينا و ابن عباس و الأشتر النخعي، و لا يصح هذا و اللَّه أعلم. فأما الحديث الّذي قال البيهقي في الدلائل:

أخبرنا على بن أحمد بن عبدان أنا أحمد بن عبيد الصفار ثنا إسماعيل بن الفضل ثنا قتيبة بن سعيد عن جرير عن زكريا بن يحيى عن عبد اللَّه‏

284

ابن يزيد و حبيب بن يسار عن سويد بن غفلة قال‏

: إني لأمشى مع على بشط الفرات فقال: قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): «إن بنى إسرائيل اختلفوا فلم يزل اختلافهم بينهم حتى بعثوا حكمين فضلا و أضلّا، و إن هذه الأمة ستختلف فلا يزال اختلافهم بينهم حتى يبعثوا حكمين فيضلان و يضلان من أتبعهما»

فإنه حديث منكر و رفعه موضوع و اللَّه أعلم. إذ لو كان هذا معلوما عند على لم يوافق على تحكيم الحكمين حتى لا يكون سببا لا ضلال الناس، كما نطق به هذا الحديث. و آفة هذا الحديث هو زكريا بن يحيى و هو الكندي الحميري الأعمى قال ابن معين ليس بشي‏ء.

ذكر خروج الخوارج من الكوفة و مبارزتهم عليا رضى اللَّه عنه بالعداوة و المخالفة و قتال على إياهم و ما ورد فيهم من الأحاديث‏

لما بعث على أبا موسى و من معه من الجيش إلى دومة الجندل اشتد أمر الخوارج و بالغوا في النكير على عليّ و صرحوا بكفره، فجاء إليه رجلان منهم، و هما زرعة بن البرج الطائي، و حرقوص بن زهير السعدي فقالا: لا حكم إلا للَّه، فقال على: لا حكم إلا للَّه، فقال له حرقوص: تب من خطيئتك و اذهب بنا إلى عدونا حتى نقاتلهم حتى نلقى ربنا. فقال على: قد أردتكم على ذلك فأبيتم، و قد كتبنا بيننا و بين القوم عهودا و قد قال اللَّه تعالى:

وَ أَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذا عاهَدْتُمْ‏

الآية فقال له حرقوص:

ذلك ذنب ينبغي أن تتوب منه، فقال على: ما هو بذنب و لكنه عجز من الرأى، و قد تقدمت إليكم فيما كان منه، و نهيتكم عنه، فقال له زرعة بن البرج: أما و اللَّه يا على لئن لم تدع تحكيم الرجال في كتاب اللَّه لأقاتلنك أطلب بذلك رحمة اللَّه و رضوانه، فقال على: تبا لك ما أشقاك! كأنى بك قتيلا تسفى عليك الريح، فقال: وددت أن قد كان ذلك، فقال له على: إنك لو كنت محقا كان في الموت تعزية عن الدنيا، و لكن الشيطان قد استهواكم.

فخرجا من عنده يحكمان و فشا فيهم ذلك، و جاهروا به الناس، و تعرضوا لعلى في خطبه و أسمعوه السب و الشتم و التعريض بآيات من القرآن، و ذلك أن عليا قام خطيبا في بعض الجمع فذكر أمر الخوارج فذمه و عابه. فقام جماعة منهم كل يقول لا حكم إلا للَّه، و قام رجل منهم و هو واضع إصبعه في أذنيه يقول: وَ لَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَ إِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ‏

فجعل على يقلب يديه هكذا و هكذا و هو على المنبر و يقول: حكم اللَّه ننتظر فيكم. ثم قال: إن لكم علينا أن لا نمنعكم مساجدنا ما لم تخرجوا علينا و لا نمنعكم نصيبكم من هذا الفي‏ء ما دامت أيديكم مع أيدينا، و لا تقاتلكم حتى تقاتلونا.

و قال أبو مخنف عن عبد الملك عن أبى حرّة أن عليا لما بعث أبا موسى لإنفاذ الحكومة اجتمع الخوارج في منزل عبد اللَّه بن وهب الراسبي فخطبهم خطبة بليغة زهدهم في هذه الدنيا و رغبهم في الآخرة و الجنة،

285

و حثهم على الأمر بالمعروف و النهى عن المنكر، ثم قال: فاخرجوا بنا إخواننا من هذه القرية الظالم أهلها، إلى جانب هذا السواد إلى بعض كور الجبال، أو بعض هذه المدائن، منكرين لهذه الأحكام الجائرة. ثم قام حرقوص بن زهير فقال بعد حمد اللَّه و الثناء عليه: إن المتاع بهذه الدنيا قليل، و إن الفراق لها وشيك، فلا يدعونكم زينتها أو بهجتها إلى المقام بها، و لا تلتفت بكم عن طلب الحق و إنكار الظلم ف إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَ الَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ‏ فقال سنان بن حمزة الأسدي: يا قوم إن الرأى ما رأيتم، و إن الحق ما ذكرتم، فولوا أمركم رجلا منكم، فإنه لا بد لكم من عماد و سناد، و من راية تحفون بها و ترجعون إليها، فبعثوا إلى زيد بن حصن الطائي- و كان من رءوسهم- فعرضوا عليه الإمارة فأبى، ثم عرضوها على حرقوص بن زهير فأبى، و عرضوها على حمزة بن سنان فأبى، و عرضوها على شريح بن أبى أوفى العبسيّ فأبى و عرضوها على عبد اللَّه بن وهب الراسبي فقبلها و قال: أما و اللَّه لا أقبلها رغبة في الدنيا و لا أدعها فرقا من الموت. و اجتمعوا أيضا في بيت زيد بن حصن الطائي السنبسي فخطبهم و حثهم على الأمر بالمعروف و النهى عن المنكر، و تلا عليهم آيات من القرآن منها قوله تعالى‏ يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَ لا تَتَّبِعِ الْهَوى‏ فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ‏ الآية، و قوله تعالى: وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ‏ و كذا التي بعدها و بعدها الظالمون الفاسقون ثم قال: فأشهد على أهل دعوتنا من أهل قبلتنا أنهم قد اتبعوا الهوى، و نبذوا حكم الكتاب، و جاروا في القول و الأعمال، و أن جهادهم حق على المؤمنين، فبكى رجل منهم يقال له عبد اللَّه بن سخبرة السلمي، ثم حرض أولئك على الخروج على الناس، و قال في كلامه:

اضربوا وجوههم و جباههم بالسيوف حتى يطاع الرحمن الرحيم، فان أنتم ظفرتم و أطيع اللَّه كما أردتم أثابكم ثواب المطيعين له العاملين بأمره- و إن قتلتم فأى شي‏ء أفضل من المصير إلى رضوان اللَّه و جنته؟

قلت: و هذا الضرب من الناس من أغرب أشكال بنى آدم، فسبحان من نوع خلقه كما أراد، و سبق في قدره العظيم. و ما أحسن ما قال بعض السلف في الخوارج إنهم المذكورون في قوله تعالى: قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ هُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً. أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَ لِقائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً و المقصود أن هؤلاء الجهلة الضلال، و الأشقياء في الأقوال و الأفعال، اجتمع رأيهم على الخروج من بين أظهر المسلمين، و تواطئوا على المسير إلى المدائن ليملكوها على الناس و يتحصنوا بها و يبعثوا إلى إخوانهم و أضرابهم- ممن هو على رأيهم و مذهبهم، من أهل البصرة و غيرها- فيوافوهم إليها. و يكون اجتماعهم عليها. فقال لهم زيد بن حصن الطائي: إن المدائن لا تقدرون عليها، فإن بها جيشا لا تطيقونه و سيمنعونها منكم، و لكن واعدوا إخوانكم إلى جسر نهر جوخى، و لا تخرجوا من الكوفة جماعات،

286

و لكن أخرجوا وحدانا لئلا يفطن بكم، فكتبوا كتابا عاما إلى من هو على مذهبهم و مسلكهم من أهل البصرة و غيرها و بعثوا به إليهم ليوافوهم إلى النهر ليكونوا يدا واحدة على الناس، ثم خرجوا يتسللون وجدانا لئلا يعلم أحد بهم فيمنعوهم من الخروج فخرجوا من بين الآباء و الأمهات و الأخوال و الخالات و فارقوا سائر القرابات، يعتقدون بجهلهم و قلة علمهم و عقلهم أن هذا الأمر يرضى رب الأرض و السموات، و لم يعلموا أنه من أكبر الكبائر الموبقات، و العظائم و الخطيئات، و أنه مما زينه لهم إبليس الشيطان الرجيم المطرود عن السموات الّذي نصب العداوة لأبينا آدم ثم لذريته ما دامت أرواحهم في أجسادهم مترددات، و اللَّه المسئول أن يعصمنا منه بحوله و قوته إنه مجيب الدعوات، و قد تدارك جماعة من الناس بعض أولادهم و إخوانهم فردوهم و أنبوهم و وبخوهم فمنهم من استمر على الاستقامة، و منهم من فر بعد ذلك فلحق بالخوارج فخسر إلى يوم القيامة، و ذهب الباقون إلى ذلك الموضع و وافى إليهم من كانوا كتبوا إليه من أهل البصرة و غيرها، و اجتمع الجميع بالنهروان و صارت لهم شوكة و منعة، و هم جند مستقلون و فيهم شجاعة و عندهم أنهم متقربون بذلك.

فهم لا يصطلى لهم بنار، و لا يطمع في أن يؤخذ منهم بثأر، و باللَّه المستعان. و قال أبو مخنف عن أبى روق عن الشعبي أن عليا لما خرجت الخوارج إلى النهروان و هرب أبو موسى إلى مكة، ورد ابن عباس إلى البصرة، قام في الناس بالكوفة خطيبا فقال: الحمد للَّه و إن أتى الدهر بالخطب الفادح، و الحدثان الجليل الكادح، و أشهد أن لا إله غيره و أن محمدا رسول اللَّه، أما بعد فان المعصية تشين و تسوء و تورث الحسرة، و تعقب الندم، و قد كنت أمرتكم في هذين الرجلين و في هذه الحكومة بأمرى، و نحلتكم رأيي، فأبيتم إلا ما أردتم، فكنت أنا و أنتم كما قال أخو هوازن:

بذلت لهم نصحى بمنعرج اللوى‏* * * فلم يستبينوا الرشد إلا ضحى الغد

ثم تكلم فيما فعله الحكمان فرد عليهما ما حكما به و أنبهما، و قال ما فيه حط عليهما، ثم ندب الناس إلى الخروج إلى الجهاد في أهل الشام، و عين لهم يوم الاثنين يخرجون فيه، و كتب إلى ابن عباس و الى البصرة يستنفر له الناس إلى الخروج إلى أهل الشام، و كتب إلى الخوارج يعلمهم أن الّذي حكم به الحكمان مردود عليهما، و أنه قد عزم على الذهاب إلى الشام، فهلموا حتى نجتمع على قتالهم. فكتبوا إليه: أما بعد فإنك لم تغضب لربك، و إنما غضبت لنفسك و إن شهدت على نفسك بالكفر و استقبلت التوبة نظرنا فيما بيننا و بينك، و إلا فقد نابذناك على سواء إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخائِنِينَ‏، فلما قرأ على كتابهم يئس منهم و عزم على الذهاب إلى أهل الشام ليناجزهم، و خرج من الكوفة إلى النخيلة في عسكر كثيف- خمسة و ستين ألفا- و بعث إليه ابن عباس بثلاثة آلاف و مائتي فارس من أهل البصرة مع جارية بن قدامة ألف و خمسمائة، و مع أبى الأسود

287

الدؤلي ألف و سبعمائة، فكمل جيش على في ثمانية و ستين ألف فارس و مائتي فارس و قام على أمير المؤمنين خطيبا فحثهم على الجهاد و الصبر عند لقاء العدو، و هو عازم على الشام، فبينما هو كذلك إذ بلغه أن الخوارج قد عاثوا في الأرض فسادا و سفكوا الدماء و قطعوا السبل و استحلوا المحارم، و كان من جملة من قتلوه عبد اللَّه بن خباب صاحب رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، أسروه و امرأته معه و هي حامل فقالوا: من أنت؟ قال: أنا عبد اللَّه بن خباب صاحب رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و انكم قد روعتمونى فقالوا: لا بأس عليك،

حدثنا ما سمعت من أبيك فقال: سمعت أبى يقول: سمعت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يقول:

«ستكون فتنة القاعد فيها خير من القائم، و القائم خير من الماشي، و الماشي خير من الساعي»

فاقتادوه بيده فبينما هو يسير معهم إذ لقي بعضهم خنزيرا لبعض أهل الذمة فضربه بعضهم فشق جلده فقال له آخر: لم فعلت هذا و هو لذمي؟ فذهب إلى ذلك الذمي فاستحله و أرضاه و بينا هو معهم إذ سقطت تمرة من نخلة فأخذها أحدهم فألقاها في فمه، فقال له آخر: بغير إذن و لا ثمن؟ فألقاها ذاك من فمه، و مع هذا قدموا عبد اللَّه بن خباب فذبحوه، و جاءوا إلى امرأته فقالت: إني امرأة حبلى، ألا تتقون اللَّه، فذبحوها و بقروا بطنها عن ولدها، فلما بلغ الناس هذا من صنيعهم خافوا إن هم ذهبوا إلى الشام و اشتغلوا بقتال أهله أن يخلفهم هؤلاء في ذراريهم و ديارهم بهذا الصنع، فخافوا غائلتهم، و أشاروا على عليّ بأن يبدأ بهؤلاء، ثم إذا فرغ منهم ذهب إلى أهل الشام بعد ذلك و الناس آمنون من شر هؤلاء فاجتمع الرأى على هذا و فيه خيرة عظيمة لهم و لأهل الشام أيضا

فأرسل على إلى الخوارج رسولا من جهته و هو الحرب بن مرة العبديّ، فقال: أخبر لي خبرهم، و اعلم لي أمرهم و اكتب إلى به على الجلية،

فلما قدم عليهم قتلوه و لم ينظروه، فلما بلغ ذلك عليا عزم على الذهاب إليهم أولا قبل أهل الشام.

ذكر مسير أمير المؤمنين على رضى اللَّه عنه إلى الخوارج‏

لما عزم على و من معه من الجيش على البداءة بالخوارج، نادى مناديه في الناس بالرحيل فعبر الجسر فصلى ركعتين عنده ثم سلك على دير عبد الرحمن، ثم دير أبى موسى، ثم على شاطئ الفرات، فلقيه هنالك منجم فأشار عليه بوقت من النهار يسير فيه و لا يسير في غيره، فإنه يخشى عليه فخالفه على فسار على خلاف ما قال فأظفره اللَّه،

و قال على‏

: إنما أردت أن أبين للناس خطأه و خشيت أن يقول جاهل، إنما ظفر لكونه وافقه،

و سلك عليّ ناحية الأنبار و بعث بين يديه قيس ابن سعد، و أمره أن يأتى المدائن و أن يتلقاه بنائبها سعد بن مسعود، و هو أخو عبد اللَّه بن مسعود الثقفي- في جيش المدائن‏

فاجتمع الناس هنالك على على، و بعث إلى الخوارج: أن ادفعوا إلينا قتلة إخواننا منكم حتى أقتلهم ثم أنا تارككم و ذاهب إلى العرب- يعنى أهل الشام- ثم لعل اللَّه أن يقبل بقلوبكم و يردكم إلى خير مما أنتم عليه.

فبعثوا إلى على يقولون: كلنا قتل إخوانكم و نحن‏

288

مستحلون دماءهم و دماءكم. فتقدم إليهم قيس بن سعد بن عبادة فوعظهم فيما ارتكبوه من الأمر العظيم، و الخطب الجسيم، فلم ينفع و كذلك أبو أيوب الأنصاري أنبهم و وبخهم فلم ينجع، و تقدم أمير المؤمنين على بن أبى طالب إليهم فوعظهم و خوفهم و حذرهم و أنذرهم و توعدهم و قال: إنكم أنكرتم على أمرا أنتم دعوتموني إليه فنهيتكم عنه فلم تقبلوا و ها أنا و أنتم فارجعوا إلى ما خرجتم منه و لا ترتكبوا محارم اللَّه فإنكم قد سولت لكم أنفسكم أمرا تقتلون عليه المسلمين، و اللَّه لو قتلتم عليه دجاجة لكان عظيما عند اللَّه، فكيف بدماء المسلمين؟ فلم يكن لهم جواب إلا أن تنادوا فيما بينهم أن لا تخاطبوهم و لا تكلموهم و تهيّئوا للقاء الرب عز و جل، الرواح الرواح إلى الجنة. و تقدموا فاصطفوا للقتال و تأهبوا للنزال فجعلوا على ميمنتهم زيد بن حصن الطائي السنبسي، و على الميسرة شريح بن أوفى، و على خيالتهم حمزة بن سنان، و على الرجالة حرقوص بن زهير السعدي. و وقفوا مقاتلين لعلى و أصحابه. و جعل على على ميمنته حجر بن عدي، و على الميسرة شبيث بن ربعي و معقل بن قيس الرياحي، و على الخيل أبا أيوب الأنصاري، و على الرجالة أبا قتادة الأنصاري، و على أهل المدينة- و كانوا في سبعمائة- قيس بن سعد بن عبادة،

و أمر عليّ أبا أيوب الأنصاري أن يرفع راية أمان للخوارج و يقول لهم: من جاء إلى هذه الراية فهو آمن، و من انصرف إلى الكوفة و المدائن فهو آمن، إنه لا حاجة لنا فيكم إلا فيمن قتل إخواننا، فانصرف منهم طوائف كثيرون- و كانوا في أربعة آلاف- فلم يبق منهم إلا ألف أو أقل مع عبد اللَّه بن وهب الراسبي، فزحفوا إلى على فقدّم على بين يديه الخيل و قدم منهم الرماة و صف الرجالة وراء الخيالة، و قال لأصحابه: كفوا عنهم حتى يبدؤكم،

و أقبلت الخوارج يقولون: لا حكم إلا للَّه، الرواح الرواح إلى الجنة، فحملوا على الخيالة الذين قدمهم على، ففرقوهم حتى أخذت طائفة من الخيالة إلى الميمنة، و أخرى إلى الميسرة، فاستقبلتهم الرماة بالنبل، فرموا وجوههم، و عطفت عليهم الخيالة من الميمنة، و الميسرة و نهض إليهم الرجال بالرماح و السيوف فأناموا الخوارج فصاروا صرعى تحت سنابك الخيول، و قتل أمراؤهم عبد اللَّه بن وهب، و حرقوص بن زهير، و شريح بن أوفى، و عبد اللَّه بن سخبرة السلمي، قبحهم اللَّه. قال أبو أيوب: و طعنت رجلا من الخوارج بالرمح فأنفذته من ظهره و قلت له: أبشر يا عدو اللَّه بالنار، فقال:

ستعلم أينا أينا أولى بها صليا. قالوا: و لم يقتل من أصحاب على إلا سبعة نفر

و جعل على يمشى بين القتلى منهم و يقول: بؤسا لكم! لقد ضركم من غركم، فقالوا: يا أمير المؤمنين و من غيرهم؟ قال: الشيطان و أنفس بالسوء أمارة، غرتهم بالأماني و زينت لهم المعاصي، و نبأتهم أنهم ظاهرون ثم أمر بالجرحى من بينهم فإذا هم أربعمائة، فسلمهم إلى قبائلهم ليداووهم، و قسم ما وجد من سلاح و متاع لهم.

و قال الهيثم بن عدي في كتاب الخوارج: و حدثنا محمد بن قيس الأسدي و منصور بن دينار عن عبد الملك‏

289

ابن ميسرة عن النزال بن سبرة أن عليا لم يخمس ما أصاب من الخوارج يوم النهروان و لكن رده إلى أهله كله حتى كان آخر ذلك مرجل أتى به فرده. و قال أبو مخنف: حدثني عبد الملك بن أبى حرة أن عليا خرج في طلب ذي الثدية و معه سليمان بن ثمامة الحنفي أبو حرة و الريان بن صبرة بن هوذة فوجده الرياني في حفرة على جانب النهر في أربعين أو خمسين قتيلا، قال: فلما استخرج نظر إلى عضده فإذا لحم مجتمع على منكبه كثدي المرأة له حلمة عليها شعرات سود، فإذا مدت امتدت حتى تحاذي يده الأخرى ثم تنزل فتعود إلى منكبه كثدي المرأة،

فلما رآه على قال: أما و اللَّه ما كذبت لو لا أن تتكلوا على العمل لأخبرتكم بما قضى اللَّه في قتالهم عارفا للحق.

و قال الهيثم بن عدي في كتابه في الخوارج: و حدثني محمد بن ربيعة الأخنسي عن نافع بن مسلمة الأخنسي قال كان ذو الثدية رجلا من عرنة من بجيلة، و كان أسود شديد السواد، له ريح منتنة معروف في العسكر، و كان يرافقنا قبل ذلك و ينازلنا و ننازله. و حدثني أبو إسماعيل الحنفي عن الريان بن صبرة الحنفي. قال: شهدنا النهروان مع على، فلما وجد المخدج سجد سجدة طويلة. و حدثني سفيان الثوري عن محمد بن قيس الهمدانيّ عن رجل من قومه يكنى أبا موسى أن عليا لما وجد المخدج سجد سجدة طويلة.

و حدثني يونس بن أبى إسحاق حدثني إسماعيل عن حبة العرني. قال‏

: لما أقبل أهل النهروان جهل الناس يقولون: الحمد للَّه يا أمير المؤمنين الّذي قطع دابرهم. فقال على: كلا و اللَّه إنهم لفي أصلاب الرجال و أرحام النساء،

فإذا خرجوا من بين الشرايين فقل ما يلقون أحدا إلا ألبوا أن يظهروا عليه، قال:

و كان عبد اللَّه بن وهب الراسبي قد قحلت مواضع السجود منه من شدة اجتهاده و كثرة السجود، و كان يقال له: ذو البينات. و روى الهيثم عن بعض الخوارج أنه قال: ما كان عبد اللَّه بن وهب من بغضه عليا يسميه إلا الجاحد.

و قال الهيثم بن عدي: ثنا إسماعيل عن خالد عن علقمة بن عامر قال‏

: سئل على عن أهل النهروان أ مشركون هم؟ فقال: من الشرك فروا، قيل أ فمنافقون؟ قال:

إن المنافقين لا يذكرون اللَّه إلا قليلا: فقيل فماهم يا أمير المؤمنين؟ قال: إخواننا بغوا علينا فقاتلناهم ببغيهم علينا.

فهذا ما أورده ابن جرير و غيره في هذا المقام.

و لنذكر الآن ما ورد فيهم من الأحاديث المرفوعة إلى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)

الحديث الأول:

عن على رضى اللَّه عنه، و رواه عنه زيد بن وهب، و سويد بن غفلة، و طارق ابن زياد، و عبد اللَّه بن شداد، و عبيد اللَّه بن أبى رافع، و عبيدة بن عمرو السلماني، و كليب أبو عاصم، و أبو كثير و أبو مريم، و أبو موسى، و أبو وائل الوضى فهذه اثنتا عشرة طريقا إليه ستراها بأسانيدها و ألفاظها و مثل هذا يبلغ حد التواتر.

290

الطريق الأولى‏

قال مسلم بن الحجاج في صحيحه: حدثنا عبد بن حميد ثنا عبد الرزاق عن همام ثنا عبد الملك ابن أبى سليمان ثنا سلمة بن كهيل حدثني زيد بن وهب الجهنيّ‏

أنه كان في الجيش الذين كانوا مع الذين ساروا إلى الخوارج فقال على: يا أيها الناس إني سمعت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يقول: «يخرج قوم من أمتى يقرءون القرآن ليس قراءتكم إلى قراءتهم بشي‏ء، و لا صلاتكم إلى صلاتهم بشي‏ء، و لا صيامكم إلى صيامهم بشي‏ء، يقرءون القرآن يحسبون أنه لهم و هو عليهم، لو يعلم الجيش الذين يصيبونهم ما قضى لهم على لسان نبيهم (صلى اللَّه عليه و سلم) لا تكلوا على العمل، و آية ذلك أن فيهم رجلا له عضد ليس لها ذراع، على رأس عضده مثل حلمة الثدي، عليه شعرات بيض، فيذهبون إلى معاوية و أهل الشام و يتركون هؤلاء يخلفونكم في ذراريكم و أموالكم، و إني لأرجو أن يكونوا هؤلاء القوم، فإنهم قد سفكوا الدم الحرام و أغاروا في سرح الناس، فسيروا على اسم اللَّه.

قال سلمة: فذكر زيد بن وهب منزلا منزلا حتى مروا على قنطرة فلما التقينا- و على الخوارج يومئذ عبد اللَّه بن وهب الراسبي- فقال لهم: ألقوا الرماح و سلوا سيوفكم و كسروا جفونها فانى أخاف أن يناشدوكم كما ناشدوكم يوم حروراء، فرجعوا فوحشوا برماحهم و سلوا السيوف فشجرهم الناس برماحهم. قال: و قتل بعضهم على بعض و ما أصيب من الناس يومئذ إلا رجلان،

قال على‏

: التمسوا فيهم المخدج، فالتمسوه فلم يجدوه، فقام على بنفسه حتى أتى ناسا بعضهم إلى بعض، فقال: أخروه فوجدوه مما يلي الأرض فقال: أخروهم فوجدوهم مما يلي الأرض فكبر ثم قال: صدق اللَّه و بلغ رسوله قال: فقام إليه عبيدة السلماني فقال: يا أمير المؤمنين و اللَّه الّذي لا إله إلا هو لسمعت هذا من رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) إني و اللَّه الّذي لا إله إلا هو، فاستحلفه ثلاثا و هو يحلف له أنه سمعه من رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)»، هذا لفظ مسلم،

و قد رواه أبو داود عن الحسن بن على الخلال عن عبد الرزاق بنحوه.

طريق أخرى عن على‏

قال الامام أحمد: حدثنا وكيع ثنا الأعمش و عبد الرحمن عن سفيان عن الأعمش بن خيثمة عن سويد بن غفلة قال قال على‏

: إذا حدثتكم عن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فلأن أخر من السماء أحب إلى من أن أكذب عليه و إذا حدثتكم فيما بيني و بينكم فان الحرب خدعة، سمعت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يقول: «يخرج قوم من أمتى في آخر الزمان أحداث الأسنان، سفهاء الأحلام، يقولون من قول خير البرية يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم- قال عبد الرحمن لا يجاوز إيمانهم حناجرهم- يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، فإذا لقيتموهم فاقتلوهم فان في قتلهم أجرا لمن قاتلهم عند اللَّه يوم القيامة»

و أخرجاه في الصحيحين من طرق عن الأعمش به.

291

طريق أخرى‏

قال الامام أحمد: حدثنا أبو نعيم ثنا الوليد بن القاسم الهمدانيّ ثنا إسرائيل عن إبراهيم بن عبد الأعلى عن طارق بن زياد قال‏

: سار على إلى النهروان‏

قال الوليد في روايته:

و خرجنا معه فقتل الخوارج فقال اطلبوا المخدج فان رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) قال: «سيجي‏ء قوم يتكلمون بكلمة الحق لا تجاوز حلوقهم يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية سيماهم أو فيهم رجل أسود مخدج اليد في يده شعرات سود، إن كان فيهم فقد قتلتم شر الناس، و إن لم يكن فيهم فقد قتلتم خير الناس.

قال الوليد، في روايته: فبكينا قال: إنا وجدنا المخدج فخررنا سجودا و خر على ساجدا معنا» تفرد به أحمد من هذا الوجه.

طريق أخرى‏

رواه عبد اللَّه بن شداد عن على كما تقدم قريبا إيراده بطوله.

طريق أخرى عن على رضى اللَّه عنه‏

قال مسلم: حدثني أبو الطاهر و يونس بن عبد الأعلى ثنا عبد اللَّه بن وهب أخبرنى عمرو بن الحارث عن بكير بن الأشج عن بشر بن سعيد عن عبيد اللَّه بن أبى رافع مولى رسول اللَّه‏

أن الحرورية لما خرجت- و هو مع على بن أبى طالب- قالوا: لا حكم إلا للَّه، قال على: كلمة حق أريد بها باطل، إن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) وصف ناسا إني لأعرف صفتهم في هؤلاء، يقولون: الحق بألسنتهم لا يجاوز هذا منهم- و أشار إلى خلقة- من أبغض خلق اللَّه منهم أسود إحدى يديه طبي شاة أو حلمة ثدي» فلما قتلهم على بن أبى طالب قال: انظروا فنظروا فلم يجدوا شيئا فقال: ارجعوا فانظروا، فو اللَّه ما كذبت و لا كذبت‏

- مرتين أو ثلاثا- فوجدوه في خربة فأتوا به عليا حتى وضعوه بين يديه، قال عبيد اللَّه: و أنا حاضر ذلك من أمرهم، و قول على فيهم، زاد يونس في روايته قال بكير:

و حدثني رجل عن ابن حنين أنه قال: رأيت ذلك الأسود. تفرد به مسلم.

طريق أخرى‏

قال أحمد: حدثنا إسماعيل ثنا أيوب عن محمد عن عبيدة عن على قال‏

: ذكرت الخوارج عند على فقال: فيهم مخدج اليد أو مثدون اليد؟- أو قال مودن اليد- و لو لا أن تبطروا لحدثتكم بما وعد اللَّه الذين يقتلونهم على لسان محمد (صلى اللَّه عليه و سلم)، قال قلت: أنت سمعته من محمد؟ قال: إي و رب الكعبة إي و رب الكعبة، إي و رب الكعبة،

و قال أحمد: ثنا وكيع ثنا جرير بن حازم و أبو عمرو بن العلاء عن ابن سيرين سمعاه عن عبيدة عن على قال قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)

: «يخرج قوم فيهم رجل مودن اليد أو مثدون اليد أو مخدج اليد و لو لا أن تبطروا لأنبأتكم بما وعد اللَّه الذين يقتلونهم على لسان‏

292

نبيه (صلى اللَّه عليه و سلم)، قال عبيدة قلت لعلى: أنت سمعته من رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)؟ قال: إي و رب الكعبة إي و رب الكعبة

و قال أحمد: ثنا يزيد ثنا هشام عن محمد عن عبيدة قال قال على لأهل النهروان:

فيهم رجل مثدون اليد أو مخدوج اليد، و لو لا أن تبطروا لأخبرتكم بما قضى اللَّه على لسان نبيه (صلى اللَّه عليه و سلم) لمن قتلهم، قال عبيدة: فقلت لعلى: أنت سمعته؟ قال: إي و رب الكعبة، يحلف عليها ثلاثا.

و قال أحمد: ثنا ابن أبى عدي عن أبى بن عون عن محمد قال قال عبيدة

: لا أحدثك إلا ما سمعت منه، قال محمد، فحلف لنا عبيدة ثلاث مرات، و حلف له على قال قال: لو لا أن تبطروا لأنبأتكم ما وعد اللَّه الذين يقتلونهم على لسان محمد (صلى اللَّه عليه و سلم) قال: قلت أنت سمعته؟ قال: إي و رب الكعبة، إي و رب الكعبة، إي و رب الكعبة، فيهم رجل مخدج اليد أو مثدون اليد أحسبه قال: أو مودن اليد.

و قد رواه مسلم من حديث إسماعيل بن علية و حماد بن زيد كلاهما عن أيوب و عن محمد بن المثنى عن ابن أبى عدي عن ابن عون كلاهما عن محمد بن سيرين عن عبيدة عن على.

و قد ذكرناه من طرق متعددة تفيد القطع عند كثيرين عن محمد بن سيرين.

و قد حلف على أنه سمعه من عبيدة و حلف عبيدة أنه سمعه من على أنه سمعه من رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، و قد قال على‏

: لأن أخر من السماء إلى الأرض أحب إلى من أن أكذب على رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم).

طريق أخرى‏

قال عبد اللَّه بن الامام أحمد بن حنبل: حدثني إسماعيل أبو معمر ثنا عبد اللَّه بن إدريس ثنا عاصم بن كليب عن أبيه قال‏

: كنت جالسا عند على إذ دخل رجل عليه ثياب السفر فاستأذن على على و هو يكلم الناس فشغل عنه فقال على: إني دخلت على رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و عنده عائشة فقال:

«كيف أنت و يوم كذا و كذا؟ فقلت: اللَّه و رسوله أعلم. قال: فقال قوم يخرجون من قبل المشرق يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، فيهم رجل مخدج اليد كأن يديه يدي حبشية، أنشدكم باللَّه هل أخبرتكم أنه فيهم» فذكر الحديث بطوله،

ثم رواه عبد اللَّه ابن أحمد عن أبى خيثمة زهير بن حرب عن القاسم بن مالك عن عاصم بن كليب عن أبيه عن على،

فذكر نحوه إسناده جيد.

طريق أخرى‏

قال الحافظ أبو بكر الخطيب البغدادي: أخبرنا أبو القاسم الأزهري أنا على بن عبد الرحمن الكناني أنا محمد بن عبد اللَّه بن عطاء عن سليمان الحضرميّ أنا يحيى بن عبد الحميد الحماني أنا خالد ابن عبيد اللَّه عن عطاء بن السائب عن ميسرة قال قال أبو جحيفة: قال على حين فرغنا من الحرورية

إن فيهم رجلا ليس في عضده عظم ثم عضده كحلمة الثدي عليها شعرات طوال عقف، فالتمسوه فلم‏

293

يجدوه قال: فما رأيت عليا جزع جزعا أشد من جزعه يومئذ، فقالوا: ما نجده يا أمير المؤمنين، فقال: ويلكم ما اسم هذا المكان؟ قالوا: النهروان، قال: كذبتم إنه لفيهم، فثورنا القتلى فلم نجده فعدنا إليه فقلنا: يا أمير المؤمنين ما نجده، قال: ما اسم هذا المكان؟ قلنا: النهروان، قال: صدق اللَّه و رسوله و كذبتم، إنه لفيهم فالتمسوه، فالتمسناه فوجدناه في ساقية فجئنا به فنظرت إلى عضده ليس فيها عظم و عليها كحلمة ثدي المرأة عليها شعرات طوال عقف.

طريق أخرى‏

قال الامام أحمد: حدثنا أبو سعيد مولى بنى هاشم ثنا إسماعيل بن مسلم العبديّ ثنا أبو كثير مولى الأنصار قال‏

: كنت مع سيدي مع على بن أبى طالب حيث قتل أهل النهروان، فكأن الناس وجدوا في أنفسهم من قتلهم، فقال على: يا أيها الناس إن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) «قد حدثنا بأقوام يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ثم لا يرجعون فيه أبدا حتى يرجع السهم على فوقه، و إن آية ذلك أن فيهم رجلا أسود مخدج اليد إحدى يديه كثدي المرأة، لها حلمة كحلمة ثدي المرأة، حوله سبع هلبات فالتمسوه فانى أراه فيهم، فالتمسوه فوجدوه إلى شفير النهر تحت القتلى فأخرجوه فكبر على، فقال: اللَّه أكبر! صدق اللَّه و رسوله، و إنه لمتقلد قوسا له عربية فأخذها بيده فجعل يطعن بها في مخدجته و يقول: صدق اللَّه و رسوله.

و كبر الناس حين رأوه و استبشروا و ذهب عنهم ما كانوا يجدون» تفرد به أحمد.

طريق أخرى‏

قال عبد اللَّه بن أحمد: حدثنا أبو خيثمة ثنا شبابة بن سوار حدثني نعيم بن حكيم حدثني أبو مريم ثنا على بن أبى طالب أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) قال‏

: «إن قوما يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم، طوبى لمن قتلهم و قتلوه، علامتهم رجل مخدج»

و قال أبو داود في سننه: حدثنا بشر بن خالد ثنا شبابة بن سوار عن نعيم بن حكيم عن أبى مريم قال: إن كان ذاك المخدج لمعنا يومئذ في المسجد نجالسه الليل و النهار، و كان فقيرا، و رأيته مع المساكين يشهد طعام على مع الناس، و قد كسوته برنسا لي، قال أبو مريم: و كان المخدج يسمى نافعا ذا الثدية، و دان في يده مثل ثدي المرأة، على رأسه حلمة مثل حلمة الثدي عليه شعرات مثل سبالة السنور.

طريق أخرى‏

قال الحافظ أبو بكر البيهقي في الدلائل: أخبرنا أبو على الروذباري أنا أبو محمد عبد اللَّه بن عمرو ابن شوذب المقري الواسطي بها ثنا شعيب بن أيوب ثنا أبو الفضل بن دكين عن سفيان- هو الثوري- عن محمد بن قيس عن أبى موسى رجل من قومه قال‏

: كنت مع على فجعل يقول: التمسوا المخدج فالتمسوه فلم يجدوه، قال: فأخذ يعرق و يقول: و اللَّه ما كذبت و لا كذبت،

فوجدوه في نهر

294

أود إليه فسجد.

طريق أخرى‏

قال أبو بكر البزار: حدثني محمد بن مثنى و محمد بن معمر ثنا عبد الصمد ثنا سويد بن عبيد العجليّ ثنا أبو مؤمن. قال‏

: شهدت على بن أبى طالب يوم قتل الحرورية و أنا مع مولاي فقال: انظروا فان فيهم رجلا إحدى يديه مثل ثدي المرأة، و أخبرنى النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) أنى صاحبه، فقلبوا القتلى فلم يجدوه، و قالوا: سبعة نفر تحت النخلة لم نقلبهم بعد، قال: ويلكم انظروا، قال أبو مؤمن: فرأيت في رجليه حبلين يجرونه بهما حتى ألقوه بين يديه فخر على ساجدا و قال: أبشروا قتلاكم في الجنة و قتلاهم في النار،

ثم قال البزار: لا نعلم روى أبو موسى عن على غير هذا الحديث.

طريق أخرى‏

قال البزار: حدثنا يوسف بن موسى ثنا إسحاق بن سليمان الرازيّ سمعت أبا سفيان عن حبيب ابن أبى ثابت قال: قلت لشقيق بن سلمة- يعنى أبا وائل- حدثني عن ذي الثدية، قال‏

: لما قاتلناهم قال على: اطلبوا رجلا علامته كذا و كذا، فطلبناه فلم نجده، فبكى و قال: اطلبوه، فو اللَّه ما كذبت و لا كذبت، قال: فطلبناه فلم نجده فبكى و قال: اطلبوه فو اللَّه ما كذبت و لا كذبت، قال: فطلبناه فلم نجده قال: و ركب بغلته الشهباء فطلبناه فوجدناه تحت بردي فلما رآه سجد.

ثم قال البزار: لا نعلم روى حبيب عن شقيق عن على إلا هذا الحديث.

طريق أخرى‏

قال عبد اللَّه بن أحمد: حدثني عبيد اللَّه بن عمرو القواريري ثنا حماد بن زيد ثنا جميل بن مرة عن أبى الوضى قال‏

: شهدت عليا حين قتل أهل النهروان قال: التمسوا المخدج: فطلبوه في القتلى فقالوا ليس نجده فقال: ارجعوا فالتمسوه فو اللَّه ما كذبت و لا كذبت، فرجعوا فطلبوه فردد ذلك مرارا، كل ذلك يحلف باللَّه ما كذبت و لا كذبت، فانطلقوا فوجدوه تحت القتلى في طين فاستخرجوه فجي‏ء به، قال أبو الوضى: فكأني انظر إليه حبشي عليه ثدي قد طبق، إحدى يديه مثل ثدي المرأة، عليها شعرات مثل شعرات تكون على ذنب اليربوع»

و قد رواه أبو داود عن محمد بن عبيد بن حساب عن حماد بن زيد ثنا جميل بن مرة ثنا أبو الوضى-

و اسمه عباد بن نسيب- و لكنه اختصره‏

و قال عبد اللَّه بن أحمد أيضا: حدثنا حجاج بن يوسف الشاعر حدثني عبد الصمد بن عبد الوارث ثنا يزيد بن أبى صالح أن أبا الوضى عبادا حدثه أنه قال‏

: كنا عائدين إلى الكوفة مع على بن أبى طالب.

فلما بلغنا مسيرة ليلتين أو ثلاثا من حروراء شذ منا ناس كثيرون فذكرنا ذلك لعلى فقال: لا يهولنكم أمرهم فإنهم سيرجعون فذكر الحديث بطوله قال: فحمد اللَّه على بن أبى طالب و قال: إن خليلي أخبرنى أن قائد هؤلاء رجل مخدج اليد على حلمة ثديه شعرات كأنهن ذنب اليربوع، فالتمسوه فلم يجدوه فأتيناه‏

295

فقلنا: إنا لم نجده، فجعل يقول: اقلبوا ذا، اقلبوا ذا؟ حتى جاء رجل من أهل الكوفة فقال: هو هذا؟

فقال على: اللَّه أكبر، لا يأتيكم أحد يخبركم من أبوه، فجعل الناس يقولون: هذا مالك، هذا مالك، فقال على: ابن من؟

و قال عبد اللَّه بن أحمد أيضا: حدثني حجاج بن الشاعر حدثني عبد الصمد بن عبد الوارث ثنا يزيد بن أبى صالح أن أبا الوضى عبادا حدثه قال‏

: كنا عائدين إلى الكوفة مع على فذكر حديث المخدج قال على: «فو اللَّه ما كذبت و لا كذبت ثلاثا، ثم قال على: أما أن خليلي أخبرنى بثلاثة إخوة من الجن هذا أكبرهم و الثاني له جمع كثير، و الثالث فيه ضعف»

و هذا السياق فيه غرابة جدا. و قد يمكن أن يكون ذو الثدية من الجن؟ بل هو من الشياطين إما شياطين الانس أو شياطين الجن، إن صح هذا السياق و اللَّه تعالى أعلم. و المقصود أن هذه طرق متواترة عن على إذ قد روى من طرق متعددة عن جماعة متباينة لا يمكن تواطؤهم على الكذب، فأصل القصة محفوظ و إن كان بعض الألفاظ وقع فيها اختلاف بين الرواة و لكن معناها و أصلها الّذي تواطأت الروايات عليه صحيح لا يشك فيه عن على أنه رواه عن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) أنه أخبر عن صفة الخوارج و ذي الثدية الّذي هو علامة عليهم. و قد روى ذلك من طريق جماعة من الصحابة غير على كما تراها بأسانيدها و ألفاظها و باللَّه المستعان. و قد رواه جماعة من الصحابة منهم أنس بن مالك، و جابر بن عبد اللَّه، و رافع بن عمرو الغفاريّ، و سعد بن أبى وقاص، و أبو سعيد سعد بن مالك بن سنان الأنصاري، و سهل بن حنيف، و عبد اللَّه بن عباس، و عبد اللَّه بن عمر، و عبد اللَّه بن عمرو، و عبد اللَّه ابن مسعود، و على، و أبو ذر، و عائشة أم المؤمنين رضى اللَّه عنهم أجمعين.

و قد قدمنا حديث على بطرقه لأنه أحد الخلفاء الأربعة و أحد العشرة و صاحب القصة. و لنذكر بعده حديث ابن مسعود لتقدم وفاته على وقعة الخوارج.

الحديث الثاني عن ابن مسعود رضى اللَّه عنه‏

قال الامام أحمد: حدثنا يحيى بن أبى بكير ثنا أبو بكر بن عياش عن عاصم عن ذر عن عبد اللَّه قال قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)

: «يخرج قوم في آخر الزمان سفهاء الأحلام، أحداث- أو حدثاء- الأسنان، يقولون من خير قول الناس يقرءون القرآن بألسنتهم لا يعدو تراقيهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، فمن أدركهم فليقتلهم فان في قتلهم أجرا عظيما عند اللَّه لمن قتلهم»

و قد رواه الترمذي عن أبى كريب و أخرجه ابن ماجة عن أبى بكر بن أبى شيبة و عبد اللَّه بن عامر بن ذرارة ثلاثتهم عن أبى بكر بن عياش به،

و قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، ابن مسعود مات قبل ظهور الخوارج بنحو من خمس سنين فخبره في ذلك من أقوى الأسانيد.

296

الحديث الثالث عن أنس بن مالك رضى اللَّه عنه‏

قال الامام أحمد: حدثنا إسماعيل ثنا سليمان التميمي ثنا أنس قال: ذكر لي أن نبي اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) قال- و لم أسمعه منه-:

«إن فيكم فرقة يتعبدون و يدينون حتى يعجبوا الناس و تعجبهم أنفسهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية».

طريق أخرى‏

قال الامام أحمد: حدثنا أبو المغيرة ثنا الأوزاعي حدثني قتادة عن أنس بن مالك و أبى سعيد قال أحمد و قد حدثنا أبو المغيرة فقال عن أنس عن أبى سعيد، ثم رجع أن النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) قال‏

:

«سيكون في أمتى اختلاف و فرقة قوم يحسنون القيل و يسيئون الفعل، يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، صيامه مع، و صيامهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، ثم لا يرجعون حتى يرتد السهم على فوقه، هم شر الخلق و الخليقة، طوبى لمن قتلهم أو قتلوه، يدعون إلى كتاب اللَّه و ليسوا منه في شي‏ء، من قاتلهم كان أولى باللَّه منهم، قالوا: يا رسول اللَّه ما سيماهم؟ قال:

التحليق».

و قد رواه أبو داود في سننه عن نصر بن عاصم الأنطاكي عن الوليد بن مسلم و قيس بن إسماعيل الحلبي كلاهما عن الأوزاعي عن قتادة و أبى سعيد عن أنس به. و أخرجه أبو داود و ابن ماجة من حديث عبد الرزاق عن معمر عن قتادة عن أنس وحده.

و قد روى البزار من طريق أبى سفيان و أبو يعلى من طريق يزيد الرقاشيّ كلاهما عن أنس بن مالك حديثا في الخوارج قريبا من حديث أبى سعيد كما سيأتي إن شاء اللَّه تعالى.

الحديث الرابع عن جابر بن عبد اللَّه رضى اللَّه عنهما

قال الامام أحمد: حدثنا حسن بن موسى ثنا ابن شهاب عن يحيى بن سعيد عن أبى الزبير عن جابر بن عبد اللَّه قال‏

: كنت مع رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) عام الجعرانة و هو يقسم فضة في ثوب بلال للناس فقال رجل: يا رسول اللَّه اعدل، فقال: «ويلك و من يعدل إذا لم أعدل؟ لقد خبت إن لم أكن أعدل، فقال عمر: يا رسول اللَّه دعني أقتل هذا المنافق، فقال: معاذ اللَّه أن يتحدث الناس أنى أقتل أصحابى، إن هذا و أصحابه يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم، أو تراقيهم، يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية»

و قال أحمد: حدثنا على بن عياش ثنا إسماعيل بن عياش حدثني يحيى بن سعيد أخبرنى أبو الزبير قال: سمعت جابرا يقول‏

: بصر عيني و سمع أذنى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) بالجعرانة و في ثوب بلال فضة و رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يقبضها للناس يعطيهم، فقال رجل: اعدل فقال: «ويلك من يعدل إذا لم أكن أعدل؟ فقال عمر بن الخطاب: دعني أقتل هذا المنافق الخبيث، فقال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): معاذ اللَّه أن يتحدث الناس أنى أقتل أصحابى، هذا و أصحابه يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم،

297

يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية».

ثم رواه أحمد عن أبى المغيرة عن معاذ بن رفاعة ثنا أبو الزبير عن جابر بن عبد اللَّه قال‏

: لما قسم رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) غنائم هوازن بالجعرانة قام رجل من بنى تميم فقال: اعدل يا محمد فقال: «ويلك و من يعدل إن لم أعدل؟ لقد خبت و خسرت إن لم أعدل قال: فقال عمر: يا رسول اللَّه ألا أقوم فأقتل هذا المنافق؟ قال: معاذ اللَّه أن يتسامع الأمم أن محمدا يقتل أصحابه، ثم قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): «إن هذا و أصحابا له يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية» قال معاذ: فقال لي أبو الزبير: فعرضت هذا الحديث على الزهري فما خالفني فيه إلا أنه قال النضو و قلت القدح قال: أ لست رجلا عربيا؟.

و قد رواه مسلم عن محمد بن رمح عن الليث و عن محمد بن مثنى عن عبد الوهاب الثقفي و أخرجه النسائي من حديث الليث و مالك بن أنس كلهم عن يحيى بن سعيد الأنصاري به بنحوه حديث رافع بن عمرو الأنصاري مع حديث أبى ذر رضى اللَّه عنهما.

الحديث الخامس عن سعد بن مالك بن أهيب الزهري و هو سعد بن أبى وقاص رضى اللَّه عنه‏

قال يعقوب بن سفيان: حدثنا الحميدي ثنا سفيان- هو ابن عيينة- حدثني العلاء بن أبى عياش أنه سمع أبا الطفيل يحدث عن بكر بن قرواش عن سعد بن أبى وقاص قال‏

: «ذكر رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) ذا الثدية فقال: شيطان الردهة كراعى الخيل يحتذره رجل من بجيلة يقال له الأشهب أو ابن الأشهب علابة في قوم ظلمة»

قال سفيان: فأخبرني عمار الذهبي أنه جاء رجل يقال له: الأشهب‏

و قد روى هذا الحديث الإمام أحمد عن سفيان بن عيينة

به مختصرا و لفظه «شيطان الردهة يحتذره رجل من بجيلة»

تفرد به أحمد و حكى البخاري عن على بن المديني قال: لم أسمع بذكر بكر بن قرواش إلا في هذا الحديث. و روى يعقوب بن سفيان عن عبد اللَّه بن معاذ عن أبيه عن شعبة عن أبى إسحاق عن حامد الهمدانيّ قال: سمعت سعيد بن أبى وقاص يقول: «قتل على شيطان الردهة» قال الحافظ أبو بكر البيهقي: يريد و اللَّه أعلم قتله أصحاب على بأمره. و قال الهيثم بن عدي: حدثنا إسرائيل بن يونس عن جده أبى إسحاق السبيعي عن رجل قال: بلغ سعد بن أبى وقاص أن عليا بن أبى طالب قتل الخوارج فقال: قتل على بن أبى طالب شيطان الردهة.

الحديث السادس عن أبى سعيد سعد بن مالك بن سنان الأنصاري رضى اللَّه عنه‏

و له طرق عنه الأولى منها

قال الإمام أحمد: حدثنا بكر بن عيسى ثنا جامع بن قطر الحبطى ثنا أبو روية شداد بن عمر

298

العنسيّ عن أبى سعيد الخدريّ‏

أن أبا بكر جاء إلى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فقال يا رسول اللَّه إني مررت بوادي كذا و كذا فإذا رجل متخشع حسن الهيئة يصلى، فقال له رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): «اذهب إليه فأقتله» قال فذهب إليه أبو بكر فلما رآه على تلك الحالة كره أن يقتله. فجاء إلى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فقال النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) لعمر: «اذهب إليه فأقتله» قال: فذهب عمر فرآه على تلك الحال التي رآه أبو بكر فكره أن يقتله فرجع فقال: يا رسول اللَّه إني رأيته متخشعا فكرهت أن أقتله. قال: «يا على اذهب فأقتله» فذهب على فلم يره فرجع، فقال: يا رسول اللَّه إني لم أره فقال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) «هذا و أصحابه يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية لا يعودون فيه حتى يعود السهم في فوقه فاقتلوهم هم شر البرية» تفرد به أحمد.

و قد روى البزار في مسندة من طريق الأعمش عن أبى سفيان عن أنس بن مالك و أبو يعلى عن أبى خيثمة عن عمر بن يونس عن عكرمة بن عمار و عن يزيد الرقاشيّ عن أنس من هذه القصة

و أطول منها و فيها زيادات اخرى.

* الطريق الثاني‏

* قال الامام أحمد: حدثنا أبو أحمد ثنا سفيان عن حبيب بن أبى ثابت عن الضحاك المشرقي عن أبى سعيد الخدريّ عن النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) في حديث‏

«ذكر قوما يخرجون على فرقة من الناس مختلفة يقتلهم أقرب الطائفتين إلى الحق»

أخرجاه في الصحيحين‏

كما سيأتي في ترجمة أبى سلمة عن أبى سعيد.

الطريق الثالث‏

قال الامام أحمد: ثنا وكيع ثنا عكرمة بن عمار ثنا عاصم بن شميخ عن أبى سعيد الخدريّ قال:

كان رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) إذا حلف فاجتهد في اليمين قال «و الّذي نفس أبى القاسم بيده ليخرجن قوم من أمتى تحقرون أعمالكم عند أعمالهم يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية. قالوا: فهل من علامة يعرفون بها؟ قال: فيهم رجل ذو يدية أو ثدية محلقي رءوسهم‏

» قال أبو سعيد: فحدثني عشرون أو بضع و عشرون من أصحاب النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) ان عليا ولى قتلهم قال فرأيت أبا سعيد بعد ما كبر و يديه ترتعش و يقول: قتالهم عندي أحل من قتال عدتهم من الترك. و قد رواه أبو داود عن أحمد بن حنبل به.

الطريق الرابع‏

قال الامام أحمد: حدثنا عبد الرزاق أنا سفيان عن أبيه عن ابن أبى نعيم عن أبى سعيد الخدريّ قال: «بعث على و هو باليمن إلى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) بذهبية في تربتها فقسمها رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) بين الأقرع ابن حابس الحنظليّ ثم أحد بنى مجاشع، و بين عيينة بن بدر الفزاري و بين علقمة بن علاثة أو عامر ابن الطفيل أحد بنى كلاب، و بين زيد الخيل الطائي، ثم أحد بنى نبهان. قال: فغضبت قريش‏

299

و الأنصار قالوا تعطى صناديد أهل نجد و تدعنا؟ قال: إنما أتألفهم. قال: فأقبل رجل غائر العينين ناتئ الجبين كث اللحية مشرف الوجنتين محلوق الرأس فقال: يا محمد اتّق اللَّه فقال: من يطيع اللَّه إذا عصيته؟ يأمننى على أهل الأرض و لا تأمنونى، قال: فسأل رجل من القوم قتله النبي (صلى اللَّه عليه و سلم)- أراه خالد بن الوليد- فمنعه، فلما ولى قال: إن من ضئضئ هذا قوم يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم يمرقون من الإسلام مروق السهم من الرمية يقتلون أهل الإسلام و يدعون أهل الأوثان، لئن أنا أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد. رواه البخاري من حديث عبد الرزاق به، ثم رواه أحمد عن محمد ابن فضيل عن عمارة بن القعقاع عن عبد الرحمن بن أبى نعم عن أبى سعيد و فيه الجزم بأن خالدا سأل أن يقتل ذلك الرجل، و لا ينافي سؤال عمر بن الخطاب. و هو في الصحيحين من حديث عمارة بن القعقاع من سيرته: و قال فيه إنه سيخرج من صلبه و نسله، لأن الخوارج الذين ذكرنا لم يكونوا من سلالة هذا، بل و لا أعلم أحدا منهم من نسله و إنما أراد من ضئضئ هذا أي من شكله و على صفته فاللَّه أعلم. و هذا لرجل هو ذو الخويصرة التميمي و سماه بعضهم حرقوصا فاللَّه أعلم.

الطريق الخامس‏

قال الإمام أحمد: ثنا عفان ثنا مهدي بن ميمون ثنا محمد بن سيرين عن معبد بن سيرين عن أبى سعيد عن النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) قال‏

: «يخرج أناس من قبل المشرق يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ثم لا يعودون فيه حتى يعود السهم على فوقه، قيل: ما سيماهم؟

قال: سيماهم التحليق أو التسبيد»

و رواه البخاري عن أبى النعمان محمد بن الفضل عن مهدي بن ميمون به.

الطريق السادس‏

قال الامام أحمد: حدثنا محمد بن عبيد ثنا سويد بن نجيح عن يزيد الفقير قال‏

: قلت لأبى سعيد: إن منا رجالا هم أقرؤنا للقرآن، و أكثرنا صلاة و أوصلنا للرحم، و أكثرنا صوما، خرجوا علينا بأسيافهم. فقال أبو سعيد: سمعت النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) يقول: «يخرج قوم يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية»

تفرد به أحمد و لم يخرجوه في الكتب الستة و لا واحد منهم، و إسناده لا بأس به رجاله كلهم ثقات و سويد بن نجيح هذا مستور.

الطريق السابع‏

قال الامام أحمد: حدثنا عبد الرزاق ثنا معمر عن الزهري عن أبى سلمة بن عبد الرحمن عن أبى سعيد قال‏

بينا رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يقسم قسما إذ جاءه ابن ذي الخويصرة التميمي فقال: اعدل يا رسول اللَّه. فقال: «ويلك و من يعدل إذا لم أعدل؟ فقال عمر بن الخطاب: يا رسول اللَّه أ تأذن لي فيه فأضرب عنقه؟ فقال: دعه فان له أصحابا يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، و صيامه مع صيامهم يمرقون‏

300

من الدين كما يمرق السهم من الرمية فينظر في قذذه فلا يوجد فيه شي‏ء، ثم ينظر في نضيه فلا يوجد فيه شي‏ء، ثم ينظر في رضافه فلا يوجد فيه شي‏ء، ثم ينظر في نصله فلا يوجد فيه شي‏ء، قد سبق الفرث و الدم، آيتهم رجل أسود إحدى يديه مثل ثدي المرأة، أو مثل البضعة تدردر، يخرجون على حين فترة من الناس، فنزلت فيه (و منهم من يلمزك في الصدقات) الآية»

قال أبو سعيد: فأشهد أنى سمعت هذا من رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و أشهد أن عليا حين قتلهم و أنا معه جي‏ء بالرجل على النعت الّذي نعت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم). و رواه البخاري عن أبى بكر بن أبى شيبة عن هشام بن يوسف عن معمر، و رواه البخاري من حديث شعبة، و مسلم من حديث يونس بن يزيد عن الزهري به، لكن في رواية مسلم عن حرملة و أحمد بن عبد الرحمن كلاهما عن ابن وهب عن يونس عن الزهري عن أبى سلمة، و الضحاك الهمدانيّ عن أبى سعيد به. ثم رواه أحمد بن محمد بن مصعب عن الأوزاعي عن الزهري عن أبى سلمة و الضحاك المشرقي عن أبى سعيد فذكر نحو ما تقدم من هذا السياق، و فيه أن عمر هو استأذن في قتله، و فيه «يخرجون على حين فرقة من الناس يقتلهم أولى الطائفتين باللَّه» قال أبو سعيد: فأشهد أنى سمعت هذا من رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، و أنى شهدت عليا حين قتلهم، فالتمس في القتلى فوجد على النعت الّذي نعته رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم). و رواه البخاري عن دحيم عن الوليد عن الأوزاعي كذلك.

و قال أحمد: قرأت على عبد الرحمن بن مالك عن يحيى بن سعيد عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي عن أبى سلمة بن عبد الرحمن عن أبى سعيد أنه قال: سمعت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يقول‏

:

«يخرج فيكم قوم تحقرون صلاتكم مع صلاتهم، و صيامكم مع صيامهم، و أعمالكم مع أعمالهم، يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، ينظر في النصل فلا يرى شيئا، ثم ينظر في القدح فلا يرى شيئا، ثم ينظر في الريش فلا يرى شيئا و يتمارى في الفوق»

قال عبد الرحمن: حدثنا به مالك- يعنى هذا الحديث- و رواه البخاري عن عبد اللَّه بن يوسف عن مالك به. و رواه البخاري و مسلم عن محمد بن المثنى عن عبد الوهاب عن يحيى بن سعيد عن محمد بن إبراهيم عن أبى سلمة و عطاء بن يسار عن أبى سعيد به‏

و قال أحمد: حدثنا يزيد أنا محمد بن عمرو عن أبى سلمة قال: جاء رجل إلى أبى سعيد فقال:

هل سمعت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يذكر في الحرورية شيئا؟ فقال: سمعته يذكر قوما يتعمقون في الدين يحقر أحدكم صلاته عند صلاتهم، و صومه عند صومهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، أخذ سهمه فينظر في نصله فلم ير شيئا ثم ينظر في رضافه فلم ير شيئا، ثم ينظر في القذذ فيمارى هل يرى شيئا أم لا»

و رواه ابن ماجة عن أبى بكر بن أبى شيبة عن يزيد بن هارون به‏

.

301

الطريق الثامن‏

قال الامام أحمد: حدثنا ابن أبى عدي عن سليمان عن أبى نضرة عن أبى سعيد

أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) «ذكر قوما يكونون في أمته يخرجون في فرقة من الناس سيماهم التحليق، ثم هم شر الخلق، و من شر الخلق، تقتلهم أولى الطائفتين بالحق، قال: فضرب النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) لهم مثلا- أو قال قولا- الرجل يرمى الرمية- أو قال الغرض- فينظر في النصل فلا يرى بصيرة، و ينظر في النضي فلا يرى بصيرة، و ينظر في الفوق فلا يرى بصيرة» فقال أبو سعيد: و أنتم قتلتموهم يا أهل العراق.

و قد رواه عن محمد بن المثنى عن محمد بن أبى عدي عن سليمان- و هو ابن طرخان التيمي عن أبى نضرة و اسمه المنذر بن مالك بن قطعة عن أبى سعيد الخدريّ بنحوه.

الحديث الثامن عن سلمان الفارسي رضى اللَّه عنه‏

قال الهيثم بن عدي ثنا سليمان بن المغيرة عن حميد بن هلال قال: جاء رجل إلى قوم فقال:

لمن هذه الخباء؟ قالوا: لسلمان الفارسي، قال أ فلا تنطلقون معى فيحدثنا و نسمع منه، فانطلق معه بعض القوم فقال: يا أبا عبد اللَّه لو أدنيت خباك و كنت منا قريبا فحدثتنا و سمعنا منك؟ فقال: و من أنت؟ قال: فلان بن فلان. قال سلمان: قد بلغني عنك معروف. بلغني أنك تخف في سبيل اللَّه، و تقاتل العدو، و تخدم أصحاب رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، فان اخطأتك واحدة أن تكون من هؤلاء القوم الذين ذكرهم لنا رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم). قالوا: فوجد ذلك الرجل قتيلا في أصحاب النهروان.

الحديث التاسع عن سهل بن حنيف الأنصاري رضى اللَّه عنه‏

قال الامام أحمد! حدثنا أبو النضر ثنا حزام بن إسماعيل العامري عن أبى إسحاق الشيباني عن بسر بن عمرو قال‏

: دخلت على سهل بن حنيف فقلت حدثني ما سمعت من رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) قال في الحرورية، قال: أحدثك ما سمعت من النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) لا أزيدك عليه شيئا، سمعت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) «يذكر قوما يخرجون من هاهنا- و أشار بيده نحو العراق- يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية» قال: قلت هل ذكر لهم علامة؟ قال: هذا ما سمعت لا أزيدك عليه.

و قد أخرجاه في الصحيحين من حديث عبد الواحد بن زياد و مسلم من حديث على ابن مسهر و العوام بن حوشب و النسائي من حديث محمد بن فضيل كلهم عن أبى إسحاق الشيباني به‏

و قد رواه مسلم ثنا أبو بكر بن أبى شيبة ثنا على بن مسهر عن الشيباني عن بسر بن عمرو قال:

سألت سهل بن حنيف سمعت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يذكر الخوارج؟ فقال: سمعته- و أشار بيده نحو المشرق-