البداية و النهاية - ج7

- ابن كثير الدمشقي‏ المزيد...
361 /
302

قوم يقرءون القرآن بألسنتهم لا يعدو تراقيهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية حدثناه أبو كامل ثنا عبد الواحد ثنا سليمان الشيباني بهذا الاسناد و قال: «يخرج منه أقوام‏

» حدثنا أبو بكر بن أبى شيبة و إسحاق جميعا عن يزيد قال أبو بكر: حدثنا يزيد بن هارون عن العوام بن حوشب ثنا أبو إسحاق الشيباني عن بسر بن عمرو عن سهل بن حنيف عن النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) قال‏

: فتنة قوم قبل المشرق محلقة رءوسهم.

الحديث العاشر عن ابن عباس رضى اللَّه عنه‏

قال الحافظ أبو بكر البزار: ثنا يوسف بن موسى ثنا الحسن بن الربيع ثنا أبو الأحوص عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس قال قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)

: «يقرأ القرآن أقوام من أمتى يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية».

و رواه ابن ماجة عن أبى بكر بن أبى شيبة و سويد بن سعيد كلاهما عن أبى الأحوص باسناده مثله.

الحديث الحادي عشر عن ابن عمر رضى اللَّه عنه‏

قال الامام أحمد: حدثنا يزيد ثنا أبو حساب يحيى بن أبى حبة عن شهر بن حوشب قال: سمعت عبد اللَّه بن عمر يقول: لقد سمعت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يقول‏

: «يخرج من أمتى قوم يسيئون الأعمال يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم»

قال يزيد

: لا أعلمه إلا قال: «يحقر أحدكم عمله مع عملهم يقتلون أهل الإسلام فإذا خرجوا فاقتلوهم فطوبى لمن قتلهم و طوبى لمن قتلوه، كلما طلع منهم قرن قطعه اللَّه كلما طلع منهم قرن قطعه اللَّه، كلما طلع منهم قرن قطعه اللَّه»

فردد ذلك رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) عشرين مرة أو أكثر و أنا أسمع. تفرد به أحمد من هذا الوجه.

و قد ثبت من حديث سالم و نافع عن ابن عمر أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) قال‏

: «الفتنة من هاهنا من حيث يطلع قرن الشيطان- و أشار بيده نحو المشرق-».

الحديث الثاني عشر عن عبد اللَّه بن عمرو رضى اللَّه عنه‏

قال الامام أحمد: حدثنا عبد الرزاق أنا معمر عن قتادة عن شهر بن حوشب قال:

لما جاءتنا بيعة يزيد بن معاوية، قدمت الشام فأخبرت بمقام يقومه نوف البكالي، فجئته فجاء رجل فانتبذ الناس عليه خميصة فإذا هو عبد اللَّه بن عمرو بن العاص فلما رآه نوف أمسك عن الحديث فقال عبد اللَّه:

سمعت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يقول: «إنها ستكون هجرة بعد هجرة، ينحاز الناس إلى مهاجر إبراهيم، لا يبقى في الأرض إلا شرار أهلها، تلفظهم أرضهم، تقذرهم نفس الرحمن، تحشرهم النار مع القردة و الخنازير، تبيت معهم إذا باتوا، و تقيل معهم إذا قالوا، و تأكل من تخلف-»

قال: و سمعت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يقول‏

: «سيخرج ناس من أمتى قبل المشرق يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم كلما خرج منهم قرن قطع حتى عدها زيادة على عشر مرات، كلما خرج منهم قرن قطع حتى يخرج الدجال في‏

303

بقيتهم»

و قد روى أبو داود أوله في كتاب الجهاد من سننه عن القواريري عن معاذ بن هشام عن أبيه عن قتادة. و قد تقدم حديث عبد اللَّه بن مسعود و حديث أمير المؤمنين على بن أبى طالب رضى اللَّه عنهما.

الحديث الثالث عشر عن أبى ذر رضى اللَّه عنه‏

قال مسلم بن الحجاج: حدثنا شيبان بن فروخ ثنا سليمان بن المغيرة ثنا حبيب بن هلال عن عبد اللَّه بن الصامت عن أبى ذر. قال قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)

: «إن بعدي من أمتى- أو سيكون بعدي من أمتى- قوم يقرءون القرآن لا يجاوز حلاقيمهم يخرجون من الدين كما يخرج السهم من الرمية لا يعودون فيه شر الخلق و الخليقة

قال ابن الصامت: فلقيت زلفع بن عمرو الغفاريّ أخا الحاكم الغفاريّ قال: ما حدث سمعت من أبى ذر كذا كذا؟ فقال: و أنا سمعته من رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم). لم يروه البخاري.

الحديث الرابع عشر عن أم المؤمنين عائشة رضى اللَّه عنها

قال الحافظ البيهقي: أنا أبو عبد اللَّه الحافظ و أبو سعيد بن أبى عمرو ثنا أبو العباس الأصم ثنا السري عن يحيى ثنا أحمد بن يونس ثنا على بن عباس عن حبيب بن مسلمة. قال قال على‏

: «لقد علمت عائشة أن جيش المردة و أهل النهروان ملعونون على لسان محمد (صلى اللَّه عليه و سلم)»

قال ابن عباس:

جيش المشرق قتله عثمان رضى اللَّه عنه و قال الهيثم بن عدي: حدثني إسرائيل عن يونس عن جده أبى إسحاق السبيعي عن رجل عن عائشة قال: بلغها قتل على الخوارج فقالت: قتل على بن أبى طالب شيطان الردهة- تعنى المخدج-

و قال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا محمد بن عمارة بن صبيح ثنا سهل بن عامر البجلي ثنا أبو خالد عن مجالد عن الشعبي عن مسروق عن عائشة قالت‏

: ذكر رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) الخوارج فقال: «شرار أمتى يقتلهم خيار أمتى»

قال: و حدثناه إبراهيم بن سعيد ثنا حسين بن محمد ثنا سليمان بن قرم ثنا عطاء ابن السائب عن أبى الضحى عن مسروق عن عائشة عن النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) فذكر نحوه قال: فرأيت عليا قتلهم و هم أصحاب النهروان. ثم قال البزار:

لا نعلم روى عن عطاء عن أبى الضحى عن مسروق إلا هذا الحديث، و لا نعلم رواه عن عطاء إلا سليمان بن قرم و سليمان بن قرم قد تكلموا فيه لكن الاسناد الأول يشهد لهذا كما أن هذا يشهد للأول فهما متعاضدان، و هو غريب من حديث أم المؤمنين، و قد تقدم في حديث عبد اللَّه بن شداد عن على ما يدل على أن عائشة استغربت حديث الخوارج و لا سيما خبر ذي الثدية كما تقدم، و إنما أوردنا هذه الطرق كلها ليعلم الواقف عليها أن ذلك حق و صدق و هو من أكبر دلالات النبوة، كما ذكره غير واحد من الأئمة فيها و اللَّه تعالى أعلم. و قال: سألت عائشة رضى اللَّه عنها بعد ذلك عن خبر ذي الثدية فتيقنته من طرق متعددة. و قال الحافظ أبو بكر البيهقي في الدلائل: أنا أبو عبد اللَّه أنا الحسين بن الحسن بن عامر الكندي بالكوفة من أصل سماعه ثنا محمد بن صدقة الكاتب حدثني‏

304

أحمد بن أبان فقرأت فيه حدثني الحسن بن عيينة، و عبد اللَّه بن أبى السفر بن عامر الشعبي عن مسروق قالت عائشة: عندك علم عن ذي الثدية الّذي أصابه على في الحرورية: قلت! لا قالت:

فاكتب لي بشهادة من شهدهم، فرجعت إلى الكوفة و بها يومئذ أسباع فكتبت شهادة عشرة من كل سبع ثم أتيتها بشهادتهم فقرأتها عليها، قالت: أكل هؤلاء عاينوه؟ قلت: لقد سألتهم فأخبروني بأن كلهم قد عاينوه، فقالت: لعن اللَّه فلانا فإنه كتب إلى أنه أصابهم بنيل مصر ثم أرخت عينيها فبكت فلما سكنت عبرتها قالت: رحم اللَّه عليا لقد كان على الحق، و ما كان بيني و بينه إلا كما يكون بين المرأة و أحمائها.

حديث آخر عن رجلين مبهمين من الصحابة في ذلك‏

قال الهيثم بن عدي في كتاب الخوارج: حدثني سليمان بن المغيرة عن حبيب بن هلال قال:

أقبل رجلان من أهل الحجاز حتى قدما العراق فقيل لهما: ما أقدمكما العراق؟ قالا: رجونا أن ندرك هؤلاء القوم الذين ذكرهم لنا رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، فوجدنا على بن أبى طالب قد سبقنا إليهم- يعنيان أهل النهروان-.

حديث في مدح على رضى اللَّه عنه على قتال الخوارج قبحهم اللَّه‏

قال الامام أحمد: حدثنا حسين بن محمد ثنا مطر عن إسماعيل بن رجاء بن ربيعة الزبيدي عن أبيه قال: سمعت أبا سعيد يقول‏

: «كنا جلوسا ننتظر رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فخرج علينا من بيوت بعض نسائه قال فقمنا معه، فانقطعت نعله فتخلف عليها على يخصفها فمضى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و مضينا معه ثم قام ينتظره و قمنا معه، فقال إن منكم من يقاتل على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيل فاستشرف لها و فيهم أبو بكر، و عمر فقال: لا و لكنه خاصف النعل، قال: فجئنا نبشره قال: فكأنه قد سمعه»

و رواه أحمد عن وكيع و أبى أسامة عن قطر بن خليفة

فأما الحديث الّذي قال الحافظ أبو يعلى:

حدثنا إسماعيل بن موسى ثنا الربيع بن سهل عن سعيد بن عبيد عن على بن ربيعة قال: سمعت عليا على منبركم هذا يقول:

«عهد إلى النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) أن أقاتل الناكثين و القاسطين و المارقين»

و قد رواه أبو بكر بن المقرئ عن الجد بن عبادة البصري عن يعقوب بن عباد عن الربيع بن سهل الفزاري به،

فإنه حديث غريب و منكر، على أنه قد روى من طرق عن على و عن غيره و لا تخلو واحدة منها عن ضعف و المراد بالناكثين يعنى أهل الجمل و بالقاسطين أهل الشام و أما المارقون فالخوارج لأنهم مرقوا من الدين‏

و قد رواه الحافظ أبو أحمد بن عدي في كامله عن أحمد بن حفص البغدادي عن سليمان بن يوسف عن عبيد اللَّه بن موسى عن قطر عن حكيم بن جبير عن إبراهيم عن علقمة عن على قال‏

: أمرت بقتال الناكثين و القاسطين و المارقين.

و قال الحافظ: أبو بكر الخطيب‏

305

البغدادي: أخبرنى الأزهري ثنا محمد بن المظفر ثنا محمد بن أحمد بن ثابت قال: وجدت في كتاب جدي محمد بن ثابت ثنا شعيب بن الحسن السلمي عن جعفر الأحمر عن يونس بن الأرقم عن أبان عن خليد المصري قال: سمعت عليا أمير المؤمنين يقول يوم النهروان:

«أمرنى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) بقتال الناكثين و المارقين و القاسطين»

و قد رواه الحافظ أبو القاسم بن عساكر من حديث محمد بن فرج الجنديسابوري أنا هارون بن إسحاق ثنا أبو غسان عن جعفر- أحسبه الأحمر- عن عبد الجبار الهمدانيّ عن أنس بن عمرو عن أبيه عن على. قال‏

: «أمرت بقتال ثلاثة المارقين و القاسطين و الناكثين»

و قال الحاكم أبو عبد اللَّه أنا أبو الحسين محمد بن أحمد بن غنم الحنظليّ بقنطرة بردان ثنا محمد بن الحسن بن عطية بن سعد العوفيّ حدثني أبى حدثني عمى عن عمرو بن عطية بن سعد عن أخيه الحسن بن عطية حدثني جدي سعد بن جنادة عن على رضى اللَّه عنه قال‏

: أمرت بقتال ثلاثة، القاسطين، و الناكثين، و المارقين.

فأما القاسطون فأهل الشام، و أما الناكثون فذكرهم، و أما المارقون فأهل النهروان- يعنى الحرورية-

و قال الحافظ ابن عساكر:

أنا أبو القسم زاهر بن طاهر أنا أبو سعد الأديب أنا السيد أبو الحسن محمد بن على بن الحسين ثنا محمد بن أحمد الصوفي ثنا محمد بن عمرو الباهلي ثنا كثير بن يحيى ثنا أبو عوانة عن أبى الجارود عن زيد بن على بن الحسين بن على عن أبيه عن جده عن على قال‏

: أمرنى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) بقتال الناكثين و المارقين و القاسطين.

حديث ابن مسعود في ذلك‏

قال الحافظ: حدثنا الامام أبو بكر أحمد بن الحسن الفقيه أنا الحسن بن على ثنا زكريا بن يحيى الخراز المقرئ ثنا إسماعيل بن عباد المقرئ ثنا شريك عن منصور عن إبراهيم عن علقمة عن عن عبد اللَّه قال‏

: خرج رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فأتى منزل أم سلمة فجاء على فقال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): «يا أم سلمة هذا و اللَّه قاتل الناكثين و القاسطين و المارقين من بعدي».

حديث أبى سعيد في ذلك‏

قال الحاكم: حدثنا أبو جعفر محمد بن على بن دحيم الشيباني ثنا الحسين بن الحكم الحيريّ ثنا إسماعيل بن أبان ثنا إسحاق بن إبراهيم الأزدي عن أبى هارون العبديّ عن أبى سعيد الخدريّ قال‏

: «أمرنا رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) بقتال الناكثين و القاسطين و المارقين فقلت: يا رسول اللَّه! أمرتنا بقتال هؤلاء فمع من؟ فقال: مع على بن أبى طالب معه يقتل عمار بن ياسر».

حديث أبى أيوب في ذلك‏

قال الحاكم: أنا أبو الحسين على بن حماد المعدل ثنا إبراهيم بن الحسين بن ديزيل ثنا عبد العزيز

306

ابن الخطاب ثنا محمد بن كثير عن الحرث بن خضيرة عن أبى صادق عن مخنف بن سليمان. قال:

أتينا أبا أيوب فقلنا: قاتلت بسيفك المشركين مع رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) ثم جئت تقاتل المسلمين؟ فقال:

«أمرنى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) بقتال الناكثين و المارقين و القاسطين» قال الحاكم: و حدثنا أبو بكر محمد ابن أحمد بن بالويه ثنا الحسن بن على بن شبيب العمرى ثنا محمد بن حميد ثنا سلمة بن الفضل حدثني أبو زيد الأموي عن عتاب بن ثعلبة في خلافة عمر بن الخطاب قال: «أمرنى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) بقتال الناكثين و القاسطين و المارقين مع على بن أبى طالب و قال الخطيب البغدادي: حدثنا الحسن بن على بن عبد اللَّه المقرئ ثنا أحمد بن محمد بن يوسف ثنا محمد بن جعفر المطيري ثنا أحمد بن عبد اللَّه المؤدب بسر من راى ثنا المعلى بن عبد الرحمن ببغداد ثنا شريك عن سليمان بن مهران عن الأعمش عن علقمة و الأسود قالا: أتينا أبا أيوب الأنصاري عند منصرفه من صفين فقلنا له: يا أبا أيوب! إن اللَّه أكرمك بنزول محمد (صلى اللَّه عليه و سلم) و بمجي‏ء ناقته تفضلا من اللَّه و إكراما لك حين أناخت ببابك دون الناس ثم جئت بسيفك على عاتقك تضرب به أهل لا إله إلا اللَّه؟ فقال:

يا هذا إن الرائد لا يكذب أهله، و إن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) أمرنا بقتال ثلاثة مع على، بقتال الناكثين و القاسطين و المارقين. فأما الناكثون فقد قاتلناهم و هم أهل الجمل، طلحة و الزبير، و أما القاسطون فهذا منصرفنا من عندهم- يعنى معاوية و عمرا- و أما المارقون فهم أهل الطرفات و أهل السعيفات و أهل النخيلات و أهل النهروان، و اللَّه ما أدرى أين هم و لكن لا بد من قتالهم إن شاء اللَّه.

قال:

و سمعت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يقول لعمار:

«يا عمار تقتلك الفئة الباغية و أنت مذ ذاك مع الحق و الحق معك، يا عمار بن ياسر إن رأيت عليا قد سلك واديا و سلك الناس غيره فاسلك مع على فإنه لن يدليك في ردى و لن يخرجك من هدى، يا عمار من تقلد سيفا أعان به عليا على عدوه قلده اللَّه يوم القيامة وشاحين من در، و من تقلد سيفا أعان به عدو على عليه قلده اللَّه يوم القيامة وشاحين من نار فقلنا: يا هذا! حسبك رحمك اللَّه حسبك رحمك اللَّه»،

هذا السياق الظاهر أنه موضوع و آفته من جهة المعلى بن عبد الرحمن فإنه متروك الحديث.

فصل‏

قال الهيثم بن عدي في كتابه الّذي جمعه: في الخوارج و هو من أحسن ما صنف في ذلك قال:

و ذكر عيسى بن داب قال‏

: لما انصرف على رضى اللَّه عنه من النهروان قام في الناس خطيبا فقال:

بعد حمد اللَّه و الثناء عليه و الصلاة على رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): أما بعد فان اللَّه قد أعز نصركم فتوجهوا من فوركم هذا إلى عدوكم من أهل الشام فقاموا إليه فقالوا: يا أمير المؤمنين نفذت نبالنا و كلت سيوفنا

307

و نصلت أسنتنا، فانصرف بنا إلى مصرنا حتى نستعد بأحسن عدتنا، و لعل أمير المؤمنين يزيد في عدتنا عدة من فارقنا و هلك منا فإنه أقوى لنا على عدونا- و كان الّذي تكلم بهذا الأشعث بن قيس الكندي فبايعهم و أقبل بالناس حتى نزل بالنخيلة و أمرهم أن يلزموا معسكرهم و يوطنوا أنفسهم على جهاد عدوهم و يقلوا زيارة نسائهم و أبنائهم، فأقاموا معه أياما متمسكين برأيه و قوله، ثم تسللوا حتى لم يبق منهم أحد إلا رءوس أصحابه، فقام على فيهم خطيبا فقال: الحمد للَّه فاطر الخلق و فالق الأصباح و ناشر الموتى و باعث من في القبور، و أشهد أن لا إله إلا اللَّه و أشهد أن محمدا عبده و رسوله، و أوصيكم بتقوى اللَّه فان أفضل ما توسل به العبد الايمان و الجهاد في سبيله و كلمة الإخلاص فإنها الفطرة، و إقام الصلاة، فإنها الملة، و إيتاء الزكاة فإنها من فريضته، و صوم شهر رمضان فإنه جنة من عذابه، و حج البيت فإنه منفاة للفقر مدحضة للذنب، و صلة الرحم فإنها مثراة في المال، منسأة في الأجل، محبة في الأهل، و صدقة السر فإنها تكفر الخطيئة و تطفئ غضب الرب، و صنع المعروف فإنه يدفع ميتة السوء و يقي مصارع الهول، أفيضوا في ذكر اللَّه فإنه أحسن الذكر، و ارغبوا فيما وعد المتقون فان وعد اللَّه أصدق الوعد، و اقتدوا بهدى نبيكم (صلى اللَّه عليه و سلم) فإنه أفضل الهدى، و استسنوا بسنته فإنها أفضل السنن، و تعلموا كتاب اللَّه فأنه أفضل الحديث، و تفقهوا في الدين فإنه ربيع القلوب، و استشفوا بنوره فإنه شفاء لما في الصدور، و أحسنوا تلاوته فإنه أحسن القصص، و إذا قرئ عليكم فاستمعوا له و أنصتوا لعلكم ترحمون، و إذا هديتم لعلمه فاعملوا بما علمتم به لعلكم تهتدون، فان العالم العامل بغير علمه كالجاهل الجائر الّذي لا يستقيم عن جهله، بل قد رأيت أن الحجة أعظم، و الحسرة أدوم على هذا العالم المنسلخ من علمه على هذا الجاهل المتحير في جهله، و كلاهما مضلل مثبور، لا ترتابوا فتشكوا، و لا تشكوا فتكفروا، و لا ترخصوا لأنفسكم فتذهلوا، و لا تذهلوا في الحق فتخسروا، ألا و ان من الحزم أن تثقوا، و من الثقة أن لا تغتروا، و إن أنصحكم لنفسه أطوعكم لربه و إن أغشكم لنفسه أعصاكم لربه، من يطع اللَّه يأمن و يستبشر، و من يعص اللَّه يخف و يندم، ثم سلوا اللَّه اليقين و ارغبوا إليه في العافية، و خير ما دام في القلب اليقين، إن عوازم الأمور أفضلها، و إن محدثاتها شرارها و كل محدث بدعة و كل محدث مبتدع، و من ابتدع فقد ضيع، و ما أحدث محدث بدعة إلا ترك بها سنة، المغبون من غبن دينه، و المغبون من خسر نفسه، و إن الرياء من الشرك، و إن الإخلاص من العمل و الايمان، و مجالس اللهو تنسى القرآن و يحضرها الشيطان، و تدعو إلى كل غى، و مجالسة النساء تزيغ القلوب و تطمح إليه الأبصار، و هي مصائد الشيطان، فأصدقوا اللَّه فان اللَّه مع من صدق و جانبوا الكذب فان الكذب مجانب للايمان ألا إن الصدق على شرف منجاة و كرامة، و إن الكذب على شرف ردى و هلكة، ألا و قولوا الحق تعرفوا به‏

308

و اعملوا به تكونوا من أهله، و أدوا الأمانة إلى من ائتمنكم، و صلوا أرحام من قطعكم و عودوا بالفضل على من حرمكم، و إذ عاهدتم فأوفوا، و إذا حكمتم فاعدلوا، و لا تفاخروا بالآباء، و لا تنابزوا بالألقاب، و لا نمازحوا، و لا يغضب بعضكم بعضا، و أعينوا الضعيف و المظلوم و الغارمين و في سبيل اللَّه و ابن السبيل و السائلين و في الرقاب، و ارحموا الأرملة و اليتيم، و أفشوا السلام و ردوا التحية على أهلها بمثلها أو بأحسن منها

وَ تَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَ التَّقْوى‏ وَ لا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَ الْعُدْوانِ وَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ‏

و أكرموا الضيف، و أحسنوا إلى الجار، و عودوا المرضى، و شيعوا الجنائز، و كونوا عباد اللَّه إخوانا، أما بعد فإن الدنيا قد أدبرت و آذنت بوداع، و إن الآخرة قد أظلت و أشرفت باطلاع، و ان المضمار اليوم و غدا السباق و إن السبقة الجنة و الغاية النار، ألا و إنكم في أيام مهل من ورائها أجل يحثه عجل، فمن أخلص للَّه عمله في أيام مهلة قبل حضور أجله فقد أحسن عمله و نال أمله، و من قصر عن ذلك فقد خسر عمله و خاب أمله، و ضره أمله، فاعملوا في الرغبة و الرهبة فان نزلت بكم رغبة فاشكروا اللَّه و أجمعوا معها رهبة، و إن نزلت بكم رهبة فاذكروا اللَّه و أجمعوا معها رغبة، فان اللَّه قد تأذن المسلمين بالحسنى، و لمن شكر بالزيادة، و إني لم أر مثل الجنة نام طالبها، و لا كالنار نام هاربها، و لا أكثر مكتسبا من شي‏ء كسبه ليوم تدخر فيه الذخائر، و تبلى فيه السرائر، و تجتمع فيه الكبائر، و إنه من لا ينفعه الحق يضره الباطل، و من لا يستقيم به الهدى يجر به الضلال، و من لا ينفعه اليقين يضره الشك، و من لا ينفعه حاضره فعازبه عنه أعور، و غائبة عنه أعجز: و إنكم قد أمرتم بالظعن و دللتم على الزاد، ألا و إن أخوف ما أخاف عليكم اثنان طول الأمل و اتباع الهوى، فأما طول الأمل فينسى الآخرة، و أما اتباع الهوى فيبعد عن الحق، ألا و إن الدنيا قد ترحلت مدبرة، و إن الآخرة قد ترحلت مقبلة، و لهما بنون فكونوا من أبناء الآخرة إن استطعتم، و لا تكونوا من بنى الدنيا فان اليوم عمل و لا حساب و غدا حساب و لا عمل،

و هذه خطبة بليغة نافعة جامعة للخير ناهية عن الشر.

و قد روى لها شواهد من وجوه أخر متصلة و للَّه الحمد و المنة. و قد ذكر ابن جرير: أن عليا رضى اللَّه عنه لما نكل أهل العراق عن الذهاب إلى الشام خطبهم فوبخهم و أنبهم و توعدهم و هددهم و تلا عليهم آيات في الجهاد من سور متفرقة، و حث على المسير إلى عدوهم فأبوا من ذلك و خالفوه و لم يوافقوه، و استمروا في بلادهم، و تفرقوا عنه هاهنا و هاهنا، فدخل على الكوفة

فصل‏

و قد ذكر الهيثم بن عدي أنه خرج على على بعد النهروان رجل يقال له: الحارث بن راشد الناجي، قدم مع أهل البصرة، فقال لعلى: إنك قد قاتلت أهل النهروان في كونهم أنكروا عليك‏

309

قصة التحكيم و تزعم أنك قد أعطيت أهل الشام عهودك و مواثيقك، و أنك لست بناقضها، و هذان الحكمان قد اتفقا على خلعك ثم اختلفا في ولاية معاوية فولاه عمرو و امتنع أبو موسى من ذلك، فأنت مخلوع باتفاقهما، و أنا قد خلعتك و خلعت معاوية معك، و تبع الحارث هذا بشر كثير من قومه- بنى ناجية و غيرهم- و تحيزوا ناحية، فبعث إليهم على معقل بن قيس الرماحى في جيش كثيف فقتلهم معقل قتلا ذريعا و سبى من بنى ناجية خمسمائة أهل بيت فقدم بهم ليقدم بهم على على فتلقاه رجل يقال له: مصقلة بن هبيرة أبو المغلس- و كان عاملا لعلى على بعض الأقاليم- فتضرروا إليه و شكوا ما هم فيه من السبي، فاشتراهم مصقلة من معقل بخمسمائة ألف درهم و أعتقهم، فطالبه بالثمن فهرب منه إلى ابن عباس بالبصرة، فكتب معقل إلى ابن عباس فقال له مصقلة: إني انما جئت لأدفع ثمنهم إليك ثم هرب منه إلى على فكتب ابن عباس و معقل إلى على فطالبه على فدفع من الثمن مائتي ألف ثم انشمر هاربا فلحق بمعاوية بن أبى سفيان بالشام، فأمضى على عتقهم و قال: ما بقي من المال في ذمة مصقلة؟ و أمر بداره في الكوفة فهدمت. و قد روى الهيثم عن سفيان الثوري و إسرائيل عن عمار الذهبي عن أبى الطفيل أن بنى ناجية ارتدوا فبعث إليهم: معقل بن قيس فسباهم فاشتراهم مصقلة من على بثلاثمائة ألف فأعتقهم ثم هرب إلى معاوية. قال الهيثم و هذا قول الشيعة و لم يسمع بحيي من العرب ارتد و أبعد الردة التي كانت في أيام الصديق.

و قال الهيثم: حدثني عبد اللَّه [ (1)] بن تميم بن طرفة الطائي حدثني أبى أن عدي بن حاتم قال‏

مرة لعلى بن أبى طالب و هو يخطب: قتلت أهل النهروان على انكار الحكومة، و قتلت الحريث بن راشد على مسألتهم إياك أيضا الحكومة، و اللَّه ما بينهما موضع قدم. فقال له على: اسكت إنما كنت أعرابيا تأكل الضبع بجبل طيِّئ بالأمس. فقال له عدي: و أنت و اللَّه قد رأيناك بالأمس تأكل البلح بالمدينة.

قال الهيثم: ثم خرج على على رجل من أهل البصرة فقتل فأمر أصحابه عليهم الأشرس بن عوف الشيباني، فقتل هو و أصحابه، قال: ثم.

خرج على على الأشهب بن بشر البجلي ثم أحد عرينة من أهل الكوفة فقتل هو و أصحابه. قال: ثم خرج على على سعيد بن نغد التميمي ثم من بنى ثعلبة من أهل الكوفة فقتل بقنطرة درزيجان فوق المدائن. قال الهيثم: أخبرنى بذلك عبد اللَّه بن عياش عن مشيخته.

فصل‏

ذكر ابن جرير عن أبى مخنف لوط بن يحيى- و هو أحد أئمة هذا الشأن- أن قتال على للخوارج يوم النهروان، كان في هذه السنة- أعنى سنة سبع و ثلاثين- قال ابن جرير: و أكثر أهل السير

____________

[ (1)] كذا في الأصل و في نسخة: عبيد بن تميم.

310

على أن ذلك كان في سنة ثمان و ثلاثين و صححه ابن جرير، قلت: و هو الأشبه كما سننبه عليه في السنة الآتية إن شاء اللَّه تعالى. قال ابن جرير: و حج بالناس في هذه السنة- يعنى سنة سبع و ثلاثين- عبيد اللَّه بن عباس نائب عليّ على اليمن و مخالفيها. و كان نائب مكة قثم بن العباس، و على المدينة تمام بن عباس، و قيل سهل بن حنيف، و على البصرة عبد اللَّه بن عباس، و على قضائها أبو الأسود الدؤلي، و على مصر محمد بن أبى بكر، و على بن أبى طالب أمير المؤمنين مقيم بالكوفة، و معاوية بن أبى سفيان مستحوذ على الشام. قلت: و من نيته أن يأخذ مصر من محمد بن أبى بكر.

ذكر من توفى فيها من الأعيان‏

خباب بن الأرت بن جندلة بن سعد بن خزيمة كان قد أصابه سبى في الجاهلية فاشترته أنمار الخزاعية التي كانت تختن النساء، و هي أم سباع بن عبد العزى الّذي قتله حمزة يوم أحد و حالف بنى زهرة، أسلم خباب قديما قبل دار الأرقم، و كان ممن يؤذى في اللَّه فيصبر و يحتسب، و هاجر و شهد بدرا و ما بعدها من المشاهد. قال الشعبي: دخل يوما على عمر فأكرم مجلسه و قال: ما أحد أحق بهذا المجلس منك إلا بلال. فقال: يا أمير المؤمنين إن بلالا كان يؤذى و كان له من يمنعه، و إني كنت لا ناصر لي و اللَّه لقد سلقوني يوما في نار أججوها و وضع رجل رجله على صدري فما اتقيت الأرض إلا بظهرى، ثم كشف عن ظهره فإذا هو برص رضى اللَّه عنه، و لما مرض دخل عليه أناس من الصحابة يعودونه فقالوا: أبشر غدا تلقى الأحبة محمدا و حزبه فقال: و اللَّه إن إخواني مضوا و لم يأكلوا من دنياهم شيئا، و إنا قد أينعت لنا ثمرتها فنحن نهد بها، فهذا الّذي يهمني. قال: و توفى بالكوفة في هذه السنة عن ثلاث و ستين سنة و هو أول من دفن بظاهر الكوفة.

خزيمة بن ثابت‏

ابن الفاكه بن ثعلبة بن ساعدة الأنصاري ذو الشهادتين و كانت راية بنى حطمة معه يوم الفتح، و شهد صفين مع على، و قتل يومئذ رضى اللَّه عنه.

سفينة مولى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) قد قدمنا ترجمته في الموالي المنسوبين إليه (صلوات اللَّه و سلامه عليه).

عبد اللَّه بن الأرقم بن أبى الأرقم‏

أسلم عام الفتح و كتب بين يدي رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم). و قد تقدم مع كتاب الوحي* عبد اللَّه بن بديل بن ورقاء الخزاعي، قتل يوم صفين و كان أمير الميمنة لعلى فصارت أمرتها للأشتر النخعي* عبد اللَّه بن خباب بن الأرت. ولد في حياة النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) و كان موصوفا بالخير، قتله الخوارج كما قدمنا بالنهروان في هذه السنة،

فلما جاء على قال لهم: أعطونا قتلته ثم أنتم آمنون فقالوا: كلنا قتله فقاتلهم*

عبد اللَّه بن سعد بن أبى سرح: أحد كتاب الوحي أيضا، أسلم قديما و كتب الوحي‏

311

ثم ارتد ثم عاد إلى الإسلام عام الفتح و استأمن له عثمان- و كان أخاه لأمه- و حسن إسلامه و قد ولاه عثمان نيابة مصر بعد موت عمرو بن العاص، فغزا إفريقية و بلاد النوبة، و فتح الأندلس و غزا ذات الصواري مع الروم في البحر فقتل منهم ما صبغ وجه الماء من الدماء، ثم لما حصر عثمان تغلب عليه محمد بن أبى حذيفة و أخرجه من مصر فمات في هذه السنة و هو معتزل عليا و معاوية، في صلاة الفجر بين التسليمتين رضى اللَّه عنه.

عمار بن ياسر أبو اليقظان العبسيّ‏

من عبس اليمن، و هو حليف بنى مخزوم، أسلم قديما و كان ممن يعذب في اللَّه هو و أبوه و أمه سمية، و يقال إنه أول من اتخذ مسجدا في بيته يتعبد فيه، و قد شهد بدرا و ما بعدها و قد قدمنا كيفية مقتله يوم صفين‏

و أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) قال:

«تقتلك الفئة الباغية»

و روى الترمذي من حديث الحسن عن أنس أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) قال‏

: «إن الجنة تشتاق إلى ثلاثة، على و عمار و سلمان»

و في الحديث الآخر الّذي‏

رواه الثوري و قيس بن الربيع و شريك القاضي و غيرهم عن أبى إسحاق عن هانئ بن هانئ عن على‏

أن عمارا استأذن على رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فقال: «مرحبا بالطيب المطيب»

و قال إبراهيم ابن الحسين: حدثنا يحيى حدثني نصر ثنا سفيان الثوري عن أبى الأعمش عن أبى عمار عن عمرو ابن شرحبيل عن رجل من أصحاب رسول اللَّه أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) قال‏

: «لقد ملئ عمار إيمانا من قدمه إلى مشاشه»

و حدثنا يحيى بن معلى عن الأعمش عن مسلم عن مسروق عن عائشة أنها قالت‏

: «ما من أحد من أصحاب رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) أشاء أن أقول فيه إلا عمار بن ياسر فانى سمعت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يقول: إن عمار بن ياسر حشى ما بين أخمص قدميه إلى شحمة أذنه إيمانا»

و حدثنا يحيى ثنا عمرو بن عون أنا هشيم عن العوام بن حوشب عن سلمة بن كهيل عن علقمة قال:

أتيت أهل الشام فلقيت خالد بن الوليد فحدثني قال: كان بيني و بين عمار بن ياسر كلام في شي‏ء فشكاني إلى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فقال: «يا خالد! لا تؤذ عمارا فإنه من يبغض عمارا يبغضه اللَّه، و من يعاد عمارا يعاده اللَّه‏

«قال:

فعرضت له بعد ذلك فسللت ما في نفسه. و له أحاديث كثيرة في فضائله رضى اللَّه عنه قتل بصفين عن إحدى و قيل ثلاث و قيل أربع و تسعين سنة طعنه أبو الغادية فسقط ثم أكب عليه رجل فاحتز رأسه، ثم اختصما إلى معاوية أيهما قتله فقال لهما عمرو بن العاص: اندرا فو اللَّه إنكما لتختصمان في النار، فسمعها منه معاوية فلامه على تسميعه إياهما ذلك، فقال له عمرو: و اللَّه إنك لتعلم ذلك، و لوددت أنى مت قبل هذا اليوم بعشرين سنة. قال الواقدي، حدثني الحسن بن الحسين بن عمارة عن أبى إسحاق عن عاصم أن عليا صلى عليه و لم يغسله و صلى معه على هاشم بن عتبة، فكان عمار مما يلي عليا، و هاشم إلى نحو القبلة. قالوا، و قبر هنالك، و كان آدم اللون، طويلا بعيدا ما بين‏

312

المنكبين: أشهل العينين، رجلا لا يغير شيبة رضى اللَّه عنه.

الربيع بنت معوذ بن عفراء

أسلمت قديما و كانت تخرج مع رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) إلى الغزوات فتداوى الجرحى، و تسقى الماء للكلمى، و روت أحاديث كثيرة* و قد قتل في هذه السنة في أيام صفين خلق كثير و جم غفير، فقيل قتل من أهل الشام خمسة و أربعون ألفا و من أهل العراق خمسة و عشرون ألفا. و قيل قتل من أهل العراق أربعون ألفا- من مائة و عشرين ألفا- و قتل من أهل الشام عشرون ألفا من ستين ألفا و بالجملة فقد كان فيهم أعيان و مشاهير يطول استقصاؤهم و فيما ذكرنا كفاية و اللَّه تعالى أعلم.

ثم دخلت سنة ثمان و ثلاثين‏

فيها بعث معاوية عمرو بن العاص إلى ديار مصر فأخذها من محمد بن أبى بكر و استناب معاوية عمرا عليها، و ذلك كما سنبينه، و قد كان على رضى اللَّه عنه استناب عليها قيس بن سعد بن عبادة و انتزعها من يد محمد بن أبى حذيفة حين كان استحوذ عليها و منع عبد اللَّه بن سعد بن أبى سرح من التصرف فيها، حين حصر عثمان- و قد كان عثمان استخلفه عليها و عزل عنها عمرو بن العاص- و عمرو كان هو الّذي افتتحها كما قدمنا ذكر ذلك. ثم إن عليا عزل قيس بن سعد عنها و ولى عليها محمد بن أبى بكر و قد ندم على على عزل قيس بن سعد عنها، و ذلك أنه كان كفوا لمعاوية و عمرو، و لما ولى محمد بن أبى بكر لم يكن فيه قوة تعادل معاوية و عمرا، و حين عزل قيس بن سعد عنها رجع إلى المدينة ثم سار إلى على بالعراق فكان معه، و كان معاوية يقول: و اللَّه لقيس بن سعد عند على أبغض إلى من مائة ألف مقاتل بدله عنده، فشهد معه صفين فلما فرغ على من صفين و بلغه أن أهل مصر قد استخفوا بمحمد بن أبى بكر لكونه شاب ابن ست و عشرين سنة أو نحو ذلك عزم على رد مصر إلى قيس بن سعد و كان قد جعله على شرطته أو إلى الأشتر النخعي و قد كان نائبة على الموصل و نصيبين، فكتب إليه بعد صفين فاستقدمه عليه ثم ولاه مصر، فلما بلغ معاوية تولية على للأشتر النخعي ديار مصر بدل محمد بن أبى بكر عظم ذلك عليه، و ذلك أنه كان قد طمع في مصر و استنزاعها من يد محمد ابن أبى بكر، و علم أن الأشتر سيمنعها منه لحزمه و شجاعته، فلما سار الأشتر إليها و انتهى إلى القلزم استقبله الخانسار و هو مقدم على الخراج فقدم إليه طعاما و سقاه شرابا من عسل فمات منه، فلما بلغ ذلك معاوية و عمرا، و أهل الشام قالوا: إن للَّه جنودا من عسل. و قد ذكر ابن جرير في تاريخه أن معاوية كان قد تقدم إلى هذا الرجل في أن يحتال على الأشتر ليقتله و وعده على ذلك بأمور ففعل ذلك، و في هذا نظر، و بتقدير صحته فمعاوية يستجيز قتل الأشتر لأنه من قتلة عثمان رضى اللَّه عنه.

و المقصود أن معاوية و أهل الشام فرحوا فرحا شديدا بموت الأشتر النخعي، و لما بلغ ذلك عليا

313

تأسف على شجاعته و غنائه، و كتب إلى محمد بن أبى بكر باستقراره و استمراره بديار مصر، غير أنه ضعف جأشه مع ما كان فيه من الخلاف عليه من العثمانية الذين ببلد خربتا و قد كانوا استفحل أمرهم حين انصرف على من صفين، و حين كان من أمر التحكيم ما كان، و حين نكل أهل العراق عن قتال أهل الشام، و قد كان أهل الشام حين انقضت الحكومة بدومة الجندل سلموا على معاوية بالخلافة و قوى أمرهم جدا، فعند ذلك جمع معاوية أمراءه عمرو بن العاص، و شرحبيل بن السمط و عبد الرحمن ابن خالد بن الوليد، و الضحاك بن قيس، و بسر بن أبى أرطاة، و أبا الأعور السلمي، و حمزة بن سنان الهمدانيّ و غيرهم، فاستشارهم في المسير إلى ديار مصر فاستجابوا له و قالوا: سر حيث شئت فنحن معك، و عين معاوية نيابتها لعمرو بن العاص إذا فتحها ففرح بذلك عمرو بن العاص، ثم قال عمرو لمعاوية: أرى أن تبعث إليهم رجالا مع رجل مأمون عارف بالحرب، فان بها جماعة ممن يوالي عثمان فيساعدونه على حرب من خالفهم، فقال معاوية: لكن أرى أن أبعث إلى شيعتنا ممن هنالك كتابا يعلمهم بقدومهم عليهم، و نبعث إلى مخالفينا كتابا ندعوهم فيه إلى الصلح. و قال معاوية: إنك يا عمرو رجل بورك لك في العجلة و إني امرؤ بورك لي في التؤدة، فقال عمرو: افعل ما أراك اللَّه، فو اللَّه ما أمرك و أمرهم الا سيصير إلى الحرب العوان، فكتب عند ذلك معاوية إلى مسلمة بن مخلد الأنصاري، و إلى معاوية بن خديج السكونيّ- و هما رئيسا العثمانية ببلاد مصر ممن لم يبايع عليا و لم يأتمر بأمر نوابه بمصر في نحو من عشرة آلاف- يخبرهم بقدوم الجيش عليهم سريعا، و بعث به مع مولى له يقال له سبيع، فلما وصل الكتاب إلى مسلمة و معاوية بن خديج فرحا به و ردا جوابه بالاستبشار و المعاونة و المناصرة له و لمن يبعثه من الجيوش و الجند و المدد إن شاء اللَّه تعالى، فعند ذلك جهز معاوية عمرو بن العاص في ستة آلاف، و خرج معاوية مودعا و أوصاه بتقوى اللَّه و الرّفق و المهل و التؤدة، و إن يقتل من قاتل و يعفو عمن أدبر، و أن يدعو الناس إلى الصلح و الجماعة، فإذا أنت ظهرت فليكن أنصارك آثر الناس عندك، فسار عمرو بن العاص إلى مصر، فلما قدمها اجتمعت عليه العثمانية فقادهم، و كتب عمرو بن العاص إلى محمد بن أبى بكر: أما بعد فتنح فانى لا أحب أن يصيبك منى ظفر، فان الناس قد اجتمعوا بهذه البلاد على خلافك و رفض أمرك، و ندموا على اتباعك، فهم مسلموك لو قد التقت حلقتا البطان، فاخرج منها فانى لك لمن الناصحين و السلام. و بعث إليه عمرو أيضا بكتاب معاوية إليه: أما بعد فان غب البغي و الظلم عظيم الوبال، و إن سفك الدم الحرام لا يسلم صاحبه من النقمة في الدنيا و التبعة الموبقة في الآخرة و إنا لا نعلم أحدا كان أشد خلافا على عثمان منك حين تطعن بمشاقصك بين حشاشته و أوداجه، ثم إنك تظن أنى عنك نائم أو ناس ذلك لك، حتى تأتى فتأمر على بلاد أنت بها جاري و جل أهلها أنصارى و قد بعثت إليك بجيوش يتقربون إلى اللَّه‏

314

بجهادك و لن يسلمك اللَّه من القصاص أينما كنت و السلام. قال: فطوى محمد بن أبى بكر الكتابين و بعث بهما إلى على و أعلمه بقدوم عمرو إلى مصر في جيش من قبل معاوية، فان كانت لك بأرض مصر حاجة فابعث إلى بأموال و رجال و السلام. فكتب إليه يأمره بالصبر و بمجاهدة العدو، و أنه سيبعث إليه الرجال و الأموال، و يمده بما أمكنه من الجيوش. و كتب محمد بن أبى بكر كتابا إلى معاوية في جواب ما قال و فيه غلظة، و كذلك كتب إلى عمرو بن العاص و فيه كلام غليظ و قام محمد ابن أبى بكر في الناس فخطبهم و حثهم على الجهاد و مناجزة من قصدهم من أهل الشام، و تقدم عمرو ابن العاص إلى مصر في جيوشه، و من لحق به من العثمانية المصريين، و الجميع في قريب من ستة عشر ألفا، و ركب محمد بن أبى بكر في ألفى فارس الذين انتدبوا معه من المصريين و قدم على جيشه بين يديه كنانة بن بشر فجعل لا يلقاه أحد من الشاميين إلا قاتلهم حتى يلحقهم مغلوبين إلى عمرو ابن العاص، فبعث عمرو بن العاص إليه معاوية بن خديج فجاءه من ورائه و أقبل إليه الشاميون حتى أحاطوا به من كل جانب، فترجل عند ذلك كنانة و هو يتلو وَ ما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتاباً مُؤَجَّلًا الآية، ثم قاتل حتى قتل و تفرق أصحاب محمد بن أبى بكر عنه و رجع يمشى فرأى خربة فآوى إليها و دخل عمرو بن العاص فسطاط مصر و ذهب معاوية بن خديج في طلب محمد بن أبى بكر فمر بعلوج في الطريق فقال لهم: هل مر بكم أحد تستنكرونه؟ قالوا: لا! فقال رجل منهم:

إني رأيت رجلا جالسا في هذه الخربة، فقال: هو هو و رب الكعبة: فدخلوا عليه فاستخرجوه منها- و قد كاد يموت عطشا- فانطلق أخوه عبد الرحمن بن أبى بكر إلى عمرو بن العاص- و كان قد قدم معه إلى مصر- فقال: أ يقتل أخى صبرا؟ فبعث عمرو بن العاص إلى معاوية بن خديج أن يأتيه بمحمد بن أبى بكر و لا يقتله فقال معاوية: كلا و اللَّه، أ يقتلون كنانة بن بشر و أترك محمد بن أبى بكر، و قد كان ممن قتل عثمان و قد سألهم عثمان الماء، و قد سألهم محمد بن أبى بكر أن يسقوه شربة من الماء فقال معاوية: لا سقاني اللَّه إن سقيتك قطرة من الماء أبدا، إنكم منعتم عثمان أن يشرب الماء حتى قتلتموه صائما محرما فتلقاه اللَّه بالرحيق المختوم. و قد ذكر ابن جرير و غيره أن محمد بن أبى بكر نال من معاوية بن خديج هذا و من عمرو بن العاص و من معاوية و من عثمان بن عفان أيضا، فعند ذلك غضب معاوية بن خديج فقدمه فقتله ثم جعله في جيفة حمار فأحرقه بالنار، فلما بلغ ذلك عائشة جزعت عليه جزعا شديدا و ضمت عياله إليها، و كان فيهم ابنه القاسم و جعلت تدعو على معاوية و عمرو بن العاص دبر الصلوات.

و ذكر الواقدي أن عمرو بن العاص قدم مصر في أربعة آلاف فيهم أبو الأعور السلمي فالتقوا مع المصريين بالمسناة فاقتتلوا قتالا شديدا حتى قتل كنانة بن بشر بن عتاب التجيبي، فهرب عند

315

ذلك محمد بن أبى بكر فاختبأ عند رجل يقال له جبلة بن مسروق، فدل عليه فجاء معاوية بن خديج و أصحابه فأحاطوا به فخرج إليهم محمد بن أبى بكر فقاتل حتى قتل. قال الواقدي: و كان ذلك في صفر من هذه السنة، قال الواقدي: و لما قتل محمد بن أبى بكر بعث على الأشتر النخعي إلى مصر فمات في الطريق فاللَّه أعلم. قال: و كانت أدرخ في شعبان في هذه السنة أيضا، و كتب عمرو بن العاص إلى معاوية يخبره بما كان من الأمر و أن اللَّه قد فتح عليه بلاد مصر و رجعوا إلى اسمع و الطاعة و اجتماع الجماعة، و بما عهد لهم من الأمر. و قد زعم هشام بن محمد الكلبي أن محمد بن أبى حذيفة بن عتبة مسك بعد مقتل محمد بن أبى بكر- و كان من جملة المحرضين على قتل عثمان- فبعثه عمرو بن العاص إلى معاوية و لم يبادر إلى قتله لأنه ابن خال معاوية، فحبسه معاوية بفلسطين فهرب من السجن، فلحقه رجل يقال له عبد اللَّه بن عمرو بن ظلام بأرض البلقاء، فاختفى محمد بغار فجاءت حمر وحش لتأوى إليه فلما رأته فيه نفرت فتعجب من نفرها جماعة من الحصادين لك، فذهبوا إلى الغار فوجدوه فيه، فجاء أولئك إليه فخشي عبد اللَّه بن عمرو بن ظلام أن يرده إلى معاوية فيعفو عنه، فضرب عنقه، هكذا ذكر ذلك ابن الكلبي. و قد ذكر الواقدي و غيره أن محمد بن أبى حذيفة قتل في سنة ست و ثلاثين كما قدمنا فاللَّه أعلم.

و قال إبراهيم بن الحسين بن ديزيل في كتابه: ثنا عبد اللَّه بن صالح حدثني ابن لهيعة عن يزيد ابن أبى حبيب أن عمرو بن العاص استحل مال قبطى من قبط مصر لأنه استقر عنده أنه كان يظهر الروم على عورات المسلمين- يكتب إليهم بذلك- فاستخرج منه بضعا و خمسين أردبا دنانير، قال أبو صالح: و الإردب ست ويبات و الويبة مثل القفيز و اعتبرنا الويبة فوجدناها تسعا [ (1)] و ثلاثين ألف دينار، قلت: فعلى هذا يكون يبلغ ما كان أخذ من القبطي ما يقارب ثلاثة عشر ألف ألف دينار.

قال أبو مخنف باسناده: و لما بلغ على بن أبى طالب مقتل محمد بن أبى بكر و ما كان بمصر من الأمر، و تملك عمرو لها، و اجتماع الناس عليه و على معاوية قام في الناس خطيبا فحثهم على الجهاد و الصبر و المسير إلى أعدائهم من الشاميين و المصريين، و واعدهم الجرعة بين الكوفة و الحيرة، فلما كان الغد خرج يمشى إليها حتى نزلها فلم يخرج إليه أحد من الجيش، فلما كان العشي بعث إلى أشراف الناس فدخلوا عليه و هو حزين كئيب‏

فقام فيهم خطيبا فقال: الحمد للَّه على ما قضى من أمر و قدر من فعل و ابتلاني بكم و بمن لا يطيع إذا أمرت، و لا يجيب إذا دعوت، أو ليس عجبا أن معاوية يدعو الجفاة الطغام فيتبعونه بغير عطاء و لا معونة، و يجيبونه في السنة مرتين و الثلاث إلى أي وجه شاء؟ و أنا أدعوكم و أنتم أولو النهى و بقية الناس على المعونة و طائفة من العطاء فتفرقون عنى و تعصوننى و تختلفون على؟

____________

[ (1)] في نسخة طوب قبو: سبعا.

316

فقام إليه مالك بن كعب الأوسي فندب الناس إلى امتثال أمر على و السمع و الطاعة له فانتدب ألفان فأمر عليهم مالك بن كعب هذا فسار بهم خمسا، ثم قدم على عليّ جماعة ممن كان مع محمد بن أبى بكر بمصر فأخبروه كيف وقع الأمر و كيف قتل محمد بن أبى بكر و كيف استقر أمر عمرو بها، فبعث إلى مالك بن كعب فرده من الطريق- و ذلك أنه خشي عليهم من أهل الشام قبل وصولهم إلى مصر و استقر أمر العراقيين على مخالفة على فيما يأمرهم به و ينهاهم عنه، و الخروج عليه و البعد عن أحكامه و أقواله و أفعاله، لجهلهم و قلة عقلهم و جفائهم و غلظتهم و فجور كثير منهم، فكتب على عند ذلك إلى ابن عباس- و هو نائبة على البصرة- يشكو إليه ما يلقاه من الناس من المخالفة و المعاندة، فرد عليه ابن عباس يسليه في ذلك، و يعزيه في محمد بن أبى بكر و يحثه على تلافى الناس و الصبر على مسيئهم، فان ثواب اللَّه خير من الدنيا، ثم ركب ابن عباس من البصرة إلى على و هو بالكوفة و استخلف ابن عباس على البصرة زيادا، و في هذا الحين بعث معاوية بن أبى سفيان كتابا مع عبد اللَّه بن عمرو الحضرميّ إلى أهل البصرة يدعوهم إلى الإقرار بما حكم له عمرو بن العاص، فلما قدمها نزل على بنى تميم فأجاروه فنهض إليه زياد و بعث إليه أعين بن ضبيعة في جماعة من الناس فساروا إليهم فاقتتلوا فقتل أعين بن ضبيعة، فكتب زياد إلى على يعلمه بما وقع بالبصرة بعد خروج ابن عباس منها، فبعث عند ذلك على جارية بن قدامة التميمي في خمسين رجلا إلى قومه بنى تميم، و كتب معه كتابا إليهم فرجع أكثرهم عن ابن الحضرميّ و قصده جارية فحصره في دار هو و جماعة معه، قيل: كان عددهم أربعين، و قيل سبعين، فحرقهم بالنار بعد أن أعذر إليهم و أنذرهم فلم يقبلوا و لم يرجعوا عما جاءوا له.

فصل‏

و قد صحح ابن جرير أن قتال على لأهل النهروان كان في هذه السنة، و كذلك خروج الحريث ابن راشد الناجي كان في هذه السنة أيضا، و كان مع الحريث ثلاثمائة رجل من قومه بنى ناجية- و كان مع على بالكوفة-

فجاء إلى على فقام بين يديه و قال: و اللَّه يا على لا أطيع أمرك و لا أصلى خلفك، إني لك غدا لمفارق. فقال له على: ثكلتك أمك إذا تعصى ربك و تنقض عهدك و لا تضر إلا نفسك، و لم تفعل ذلك؟

قال: لأنك حكمت في الكتاب و ضعفت عن قيام الحق إذ جد الجد، و ركنت إلى القوم الظالمين، فانا عليك زارى و عليك ناقم، و إنا لكم جميعا مباينون. ثم رجع إلى أصحابه فسار بهم نحو بلاد البصرة فبعث إليهم معقل بن قيس ثم أردفه بخالد بن معدان الطائي- و كان من أهل الصلاح و الدين و البأس و النجدة- و أمره أن يسمع له و يطيع، فلما اجتمعوا صاروا جيشا واحدا، ثم خرجوا في آثار الحريث و أصحابه فلحقوهم- و قد أخذوا في جبال رامهرمز- قال فصففنا لهم ثم أقبلنا

317

إليهم فجعل معقل على ميمنته يزيد بن معقل، و على ميسرته منجاب بن راشد الضبيّ، و وقف الحريث فيمن معه من العرب فكانوا ميمنة، و جعل من اتبعه من الأكراد و العلوج ميسرة، قال:

و سار فينا معقل بن قيس فقال: عباد اللَّه! لا تبدءوا القوم و غضوا أبصاركم، و أقلوا الكلام، و وطنوا أنفسكم على الطعن و الضرب، و أبشروا في قتالكم بالأجر إنما تقاتلون مارقة مرقت من الدين، و علوجا كسروا الخراج، و لصوصا و أكرادا، فإذا حملت فشدوا شدة رجل واحد. ثم تقدم فحرك دابته تحريكتين ثم حمل عليهم في الثالثة و حملنا معه جميعنا فو اللَّه ما صبروا لنا ساعة واحدة حتى ولوا منهزمين، و قتلنا من العلوج و الأكراد نحوا من ثلاثمائة، و فر الحريث منهزما حتى لحق باساف- و بها جماعة من قومه كثيرة- فاتبعوه فقتلوه مع جماعة من أصحابه بسيف البحر، قتله النعمان بن صهبان، و قتل معه في المعركة مائة و سبعون رجلا. ثم ذكر ابن جرير وقعات كثيرة كانت بين أصحاب على و الخوارج فيها أيضا ثم قال: حدثني عمر بن شيبة ثنا أبو الحسن- يعنى المدائني- على بن محمد بن على بن مجاهد قال قال الشعبي: لما قتل على أهل النهر خالفه قوم كثير، و انتقضت أطرافه و خالفه بنو ناجية، و قدم ابن الحضرميّ إلى البصرة، و انتقض أهل الجبال، و طمع أهل الخراج في كسره و أخرجوا سهل بن حنيف من فارس- و كان عاملا عليها- فأشار عليه ابن عباس بزياد بن أبيه أن يوليه إياها فولاه إياها فسار إليها في السنة الآتية في جمع كثير، فوطئهم حتى أدوا الخراج قال ابن جرير و غيره: و حج بالناس في هذه السنة قثم بن العباس، نائب على على مكة، و أخوه عبيد اللَّه ابن عباس نائب اليمن، و أخوهما عبد اللَّه نائب البصرة، و أخوهم تمام بن عباس نائب المدينة، و على خراسان خالد بن قرة اليربوعي و قيل ابن أبزى، و أما مصر فقد استقرت بيد معاوية فاستناب عليها عمرو بن العاص‏

ذكر من توفى في هذه السنة من الأعيان‏

سهل بن حنيف‏

ابن واهب بن العليم بن ثعلبة الأنصاري الأوسي، شهد بدرا، و ثبت يوم أحد، و حضر بقية المشاهد، و كان صاحبا لعلى بن أبى طالب، و قد شهد معه مشاهده كلها أيضا غير الجمل فإنه كان قد استخلفه على المدينة، و مات سهل بن حنيف في سنة ثمان و ثلاثين بالكوفة، و صلى عليه على فكبر خمسا و قيل ستا و قال إنه من أهل بدر رضى اللَّه عنه.

صفوان بن بيضاء أخو سهيل بن بيضاء

شهد المشاهد كلها و توفى في هذه السنة في رمضانها و ليس له عقب.

صهيب بن سنان بن مالك‏

الرومي و أصله من اليمن أبو يحيى بن قاسط و كان أبوه أو عمه عاملا لكسرى على الايلة، و كانت‏

318

منازلهم على دجلة عند الموصل، و قيل على الفرات، فأغارت على بلادهم الروم فأسرته و هو صغير، فأقام عندهم حينا ثم اشترته بنو كلب فحملوه إلى مكة فابتاعه عبد اللَّه بن جدعان فأعتقه و أقام بمكة حينا، فلما بعث رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) آمن به، و كان ممن أسلم قديما هو و عمار في يوم واحد بعد بضعة و ثلاثين رجلا، و كان من المستضعفين الذين يعذبون في اللَّه عز و جل، و لما هاجر رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) هاجر صهيب بعده بأيام فلحقه قوم من المشركين يريدون أن يصدوه عن الهجرة، فلما أحس بهم نثل كنانته فوضعها بين يديه و قال: و اللَّه لقد علمتم أنى من أرماكم، و و اللّه لا تصلون إلى حتى أقتل بكل سهم من هذه رجلا منكم، ثم أقاتلكم بسيفي حق أقتل. و إن كنتم تريدون المال فأنا أدلكم على مالي هو مدفون في مكان كذا و كذا، فانصرفوا عنه فأخذوا ماله،

فلما قدم قال له رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم):

«ربح البيع أبا يحيى»

و أنزل اللَّه‏ وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ وَ اللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ و رواه حماد بن سلمة عن على بن زيد عن سعيد بن المسيب، و شهد بدرا و أحدا و ما بعدهما، و لما جعل عمر الأمر شورى كان هو الّذي يصلى بالناس حتى تعين عثمان، و هو الّذي ولى الصلاة على عمر- و كان له صاحبا- و كان أحمر شديد الحمرة ليس بالطويل و لا بالقصير أقرن الحاجبين كثير الشعر و كان لسانه في عجمة شديدة، و كان مع فضله و دينه فيه دعابة و فكاهة و انشراح،

روى‏

أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) رآه يأكل بقثاء رطبا و هو أرمد إحدى العينين، فقال: «أ تأكل رطبا و أنت أرمد»؟ فقال: إنما آكل من ناحية عيني الصحيحة، فضحك رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم).

و كانت وفاته بالمدينة سنة ثمان و ثلاثين، و قيل سنة تسع و ثلاثين، و قد نيف على السبعين.

محمد بن أبى بكر الصديق‏

ولد في حياة النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) في حجة الوداع تحت الشجرة عند الحرم و أمه أسماء بنت عميس، و لما احتضر الصديق أوصى أن تغسله فغسلته، ثم لما انفضت عدتها تزوجها على فنشأ في حجره، فلما صارت إليه الخلافة استنابه على بلاد مصر بعد قيس بن سعد بن عبادة كما قدمنا، فلما كانت هذه السنة بعث معاوية عمرو بن العاص فاستلب منه بلاد مصر و قتل محمد بن أبى بكر كما تقدم، و له من العمر دون الثلاثين، (رحمه اللَّه) و رضى عنه.

أسماء بنت عميس‏

ابن معبد بن الحارث الخثعمية، أسلمت بمكة و هاجرت مع زوجها جعفر بن أبى طالب إلى الحبشة و قدمت معه إلى خيبر، و لها منه عبد اللَّه، و محمد، و عون. و لما قتل جعفر بموتة تزوجها بعده أبو بكر الصديق فولدت منه محمد بن أبى بكر أمير مصر ثم لما مات الصديق تزوجها بعده على بن أبى طالب فولدت له يحيى و عونا، و هي أخت ميمونة بنت الحارث أم المؤمنين لأمها. و كذلك هي أخت أم‏

319

الفضل امرأة العباس لأمها، و كان لها من الأخوات لأمها تسع أخوات، و هي أخت سلمى بنت عميس امرأة العباس التي له منها بنت اسمها عمارة.

ثم دخلت سنة تسع و ثلاثين‏

فيها جهز معاوية بن أبى سفيان جيوشا كثيرة ففرقها في أطراف معاملات على بن أبى طالب، و ذلك أن معاوية رأى بعد أن ولاه عمرو بن العاص بعد اتفاقه مع أبى موسى على عزل على، أن ولايته وقعت الموقع، فهو الّذي يجب طاعته فيما يعتقده، و لأن جيوش على من أهل العراق لا تطيعه في كثير من الأمر و لا يأتمرون بأمره، فلا يحصل بمباشرته المقصود من الامارة و الحالة هذه، فهو يزعم أنه أولى منه إذ كان الأمر كذلك. و كان ممن بعث في هذه السنة النعمان بن بشير في ألفى فارس إلى عين التمر، و عليها مالك بن كعب الأرحبي في ألف فارس مسلحة لعلى، فلما سمعوا بقدوم الشاميين ارفضوا عنه فلم يبق مع مالك بن كعب إلا مائة رجل فكتب عند ذلك إلى على يعلمه بما كان من الأمر، فندب على الناس إلى مالك بن كعب فتثاقلوا و نكلوا عنه و لم يجيبوا إلى الخروج،

فخطبهم على عند ذلك فقال في خطبته: «يا أهل الكوفة! كلما سمعتم بمنسر من مناسر أهل الشام انجحر كل منكم في بيته، و غلق عليه بابه. انجحار الضب في جحره، و الضبع في وجاره، المغرور و اللَّه من غررتموه، و لمن فارقكم فاز بالسهم الأصيب، لا أحرار عند النداء، و لا إخوان ثقة عند النجاة،

إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ،

ما ذا منيت به منكم، عمى لا تبصرون، و بكم لا تنطقون، و صم لا تسمعون،

إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ»

و دهمهم النعمان بن بشير فاقتتلوا قتالا شديدا و ليس مع مالك بن كعب إلا مائة رجل قد كسر واجفون سيوفهم و استقتلوا، فبينا هم كذلك إذ جاءهم نجدة من جهة مخنف بن سليم مع ابنه عبد الرحمن بن مخنف في خمسين رجلا، فلما رآهم الشاميون ظنوا أنهم مدد عظيم ففروا هرابا، فاتبعهم مالك بن كعب فقتل منهم ثلاثة أنفس و ذهب الباقون على وجوههم و لم يتم لهم أمر من هذا الوجه. و فيها بعث معاوية سفيان بن عوف في ستة آلاف و أمره بأن يأتى هيت فيغير عليها، ثم يأتى الأنبار و المدائن. فسار حتى انتهى إلى هيت فلم يجد بها أحدا، ثم إلى الأنبار و فيها مسلحة لعلى نحو من خمسمائة، فتفرقوا و لم يبق منهم إلا مائة رجل، فقاتلوا مع قلتهم و صبروا حتى قتل أميرهم- و هو أشرس بن حسان البلوى- في ثلاثين رجلا من أصحابه، و احتملوا ما كان بالأنبار من الأموال و كروا راجعين إلى الشام،

فلما بلغ الخبر عليا رضى اللَّه عنه ركب بنفسه فنزل بالنخيلة فقال له الناس: نحن نكفيك ذلك يا أمير المؤمنين. فقال: و اللَّه ما تكفوننى و لا أنفسكم،

و سرح سعد بن قيس في أثر القوم فسار وراءهم حتى بلغ هيت فلم يلحقهم فرجع. و فيها بعث معاوية عبد اللَّه بن مسعدة الفزاري في ألف و سبعمائة إلى تيماء و أمره أن يصدق أهل البوادي و من‏

320

امتنع من إعطائه فليقتله ثم يأتى المدينة و مكة و الحجاز. فسار إلى تيماء و اجتمع عليه بشر كثير، فلما بلغ عليا بعث المسيب بن نجيبة الفزاري في ألفى رجل فالتقوا بتيماء فاقتتلوا قتالا شديدا عند زوال الشمس، و حمل المسيب بن نجية على ابن مسعدة فضربه ثلاث ضربات و هو لا يريد قتله بل يقول له: النجا النجا، فانحاز ابن مسعدة في طائفة من قومه إلى حصن هناك فتحصنوا به و هرب بقيتهم إلى الشام، و انتهبت الأعراب ما كان جمعه ابن نجية من إبل الصدقة، و حاصرهم المسيب بن نجية ثلاثة أيام ثم ألقى الحطب على الباب و ألهب فيه النار، فلما أحسوا بالهلاك أشرفوا من الحصن، و متوا إليه بأنهم من قومه فرق لهم و أطفأ النار، فلما كان الليل فتح باب الحصن و خرجوا هرابا إلى الشام، فقال عبد الرحمن بن شبيب للمسيب بن نجية: سر حتى ألحقهم! فقال: لا! فقال: غششت أمير المؤمنين داهنت في أمرهم. و فيها وجه معاوية الضحاك بن قيس في ثلاثة آلاف و أمره أن يغير على أطراف جيش على، فجهز على حجر بن عدي في أربعة آلاف و أنفق فيهم خمسين درهما خمسين درهما، فالتقوا بتدمر فقتل من أصحاب الضحاك تسعة عشر رجلا، و من أصحاب حجر بن عدي رجلان، و غشيهم الليل فتفرقوا، و استمر الضحاك بأصحابه فارا إلى الشام. و فيها سار معاوية بنفسه في جيش كثيف حتى بلغ دجلة ثم كر راجعا. ذكره محمد بن سعد عن الواقدي باسناده و أبو معشر أيضا و في هذه السنة ولى على بن أبى طالب زياد بن أبيه على أرض فارس، و كانوا قد منعوا الخراج و الطاعة، و سبب ذلك حين قتل ابن الحضرميّ و أصحابه بالنار حين حرقهم جارية بن قدامة في تلك الدار كما قدمنا، فلما اشتهر هذا الصنيع في البلاد تشوش قلوب كثير من الناس على على، و اختلفوا على على، و منع أكثر أهل تلك النواحي خراجهم، و لا سيما أهل فارس فإنهم تمردوا و أخرجوا عاملهم سهل بن حنيف- كما تقدم في العام الماضي- من بين أظهرهم، فاستشار على الناس فيمن يوليه عليهم،

فأشار ابن عباس و جارية بن قدامة أن يولى عليهم زياد بن أبيه، فإنه صليب الرأى، عالم بالسياسة.

فقال على: هو لها،

فولاه فارس و كرمان و جهزه إليهما في أربعة آلاف فارس، فسار إليها في هذه السنة فدوخ أهلها و قهرهم حتى استقاموا و أدوا الخراج و ما كان عليهم من الحقوق، و رجعوا إلى السمع و الطاعة، و سار فيهم بالمعدلة و الأمانة، حتى كان أهل تلك البلاد يقولون: ما رأينا سيرة أشبه بسيرة كسرى أنوشروان من سيرة هذا العربيّ في اللين و المداراة و العلم بما يأتى، و صفت له تلك البلاد بعدله و علمه و صرامته، و اتخذ للمال قلعة حصينة، فكانت تعرف بقلعة زياد، ثم لما تحصن فيها منصور اليشكري فيما بعد ذلك عرفت به فكان يقال لها قلعة منصور.

قال الواقدي: و في هذه السنة بعث على بن أبى طالب عبد اللَّه بن عباس على الموسم و بعث معاوية يزيد بن سخبرة الرهاوي ليقيم للناس الحج فلما اجتمعا بمكة تنازعا و أبى كل واحد

321

منهما أن يسلم لصاحبه فاصطلحا على شيبة بن عثمان بن أبى طلحة الحجبي فحج بالناس و صلى بهم في أيام الموسم قال أبو الحسن المدائني: لم يشهد عبد اللَّه بن عباس الموسم في أيام على حتى قتل، و الّذي نازعه يزيد بن سخبرة إنما هو قثم بن العباس حتى اصطلحا على شيبة بن عثمان. قال ابن جرير:

و كما قال أبو الحسن المدائني قال أبو مصعب. قال ابن جرير: و أما عمال على على الأمصار فهم الذين ذكرنا في السنة الماضية غير أن ابن عباس كان قد سار من البصرة الى الكوفة و استخلف على البصرة زياد بن أبيه ثم سار زياد في هذه السنة إلى فارس و كرمان كما ذكرنا.

ذكر من توفى من الأعيان في هذه السنة

سعد القرظي‏

مؤذن مسجد قبا في زمان رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، فلما ولى عمر الخلافة ولاه أذان المسجد النبوي و كان أصله مولى لعمار بن ياسر، و هو الّذي كان يحمل العنزة بين يدي أبى بكر و عمر و على إلى المصلى يوم العيد و بقي الأذان في ذريته مدة طويلة.

عقبة بن عمرو بن ثعلبة

أبو مسعود البدري سكن ماء بدر و لم يشهد الوقعة بها على الصحيح، و قد شهد العقبة، و هو من سادات الصحابة و كان ينوب لعلى بالكوفة إذا خرج لصفين و غيرها.

سنة أربعين من الهجرة النبويّة

فيها كان مقتل على بن أبى طالب رضى اللَّه عنه على ما سنذكره مفصلا

قال ابن جرير: فمما كان في هذه السنة من الأمور الجليلة توجيه معاوية بسر بن أبى أرطاة في ثلاثة آلاف من المقاتلة إلى الحجاز، فذكر عن زياد بن عبد اللَّه البكائي عن عوانة قال: أرسل معاوية بعد تحكيم الحكمين بسر بن أبى أرطاة- و هو رجل من بنى عامر بن لؤيّ- في جيش فساروا من الشام حتى قدموا المدينة- و عامل على عليها يومئذ أبو أيوب- ففر منهم أبو أيوب فأتى عليا بالكوفة، و دخل بسر المدينة و لم يقاتله أحد، فصعد منبرها فنادى على المنبر: يا دينار و يا نجار و يا رزيق شيخي شيخي عهدي به هاهنا بالأمس فأين هو؟- يعنى عثمان بن عفان- ثم قال: يا أهل المدينة و اللَّه لو لا ما عهد إلى معاوية ما تركت بها محتلما إلا قتلته، ثم بايع أهل المدينة و أرسل إلى بنى سلمة فقال: و اللَّه ما لكم عندي من أمان و لا مبايعة حتى تأتونى بجابر بن عبد اللَّه- يعنى حتى يبايعه- فانطلق جابر إلى أم سلمة فقال لها: ما ذا ترين إني خشيت أن أقتل و هذه بيعة ضلالة؟ فقالت: أرى أن تبايع فانى قد أمرت ابني عمر و ختني عبد اللَّه بن زمعة- و هو زوج ابنتها زينب- أن يبايعا فأتاه جابر فبايعه. قال: و هدم بسر دورا بالمدينة ثم مضى حتى أتى مكة فخافه أبو موسى الأشعري أن يقتله فقال‏

322

له بسر: ما كنت لأفعل بصاحب رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) ذلك، فخلى عنه، و كتب أبو موسى قبل ذلك إلى أهل اليمن أن خيلا مبعوثة من عند معاوية تقتل من أبى أن يقر بالحكومة، ثم مضى بسر إلى اليمن و عليها عبيد اللَّه بن عباس ففر إلى الكوفة حتى لحق بعلي، و استخلف على اليمن عبد اللَّه بن عبد اللَّه بن المدان الحاوي، فلما دخل بسر اليمن قتله و قتل ابنه، و لقي بسر ثقل عبيد اللَّه بن عباس و فيه ابنان صغيران له فقتلهما و هما عبد الرحمن و قثم، و يقال إن بسرا قتل خلقا من شيعة على في مسيره هذا و هذا الخبر مشهور عند أصحاب المغازي و السير، و في صحته عندي نظر و اللَّه تعالى أعلم. و لما بلغ عليا خبر بسر وجه جارية بن قدامة في ألفين، و وهب بن مسعود في ألفين، فسار جارية حتى بلغ نجران فخرق بها و قتل ناسا من شيعة عثمان، و هرب بسر و أصحابه فاتبعهم حتى بلغ مكة، فقال لهم جارية: بايعوا فقالوا: لمن نبايع و قد هلك أمير المؤمنين فلمن نبايع؟ فقال: بايعوا لمن بايع له أصحاب على، فتثاقلوا ثم بايعوا من خوف، ثم سار حتى أتى المدينة و أبو هريرة يصلى بهم فهرب منه فقال جارية: و اللَّه لو أخذت أبا سنور لضربت عنقه، ثم قال لأهل المدينة: بايعوا للحسن ابن على، فبايعوا و أقام عندهم ثم خرج منصرفا إلى الكوفة و عاد أبو هريرة يصلى بهم. قال ابن جرير: و في هذه السنة جرت بين على و معاوية المهادنة بعد مكاتبات يطول ذكرها على وضع الحرب بينهما، و أن يكون ملك العراق لعلى و لمعاوية الشام، و لا يدخل أحدهما على صاحبه في عمله بجيش و لا غارة و لا غزوة. ثم ذكر عن زياد عن ابن إسحاق ما هذا مضمونه أن معاوية كتب إلى على:

أما بعد فان الأمة قد قتل بعضها بعضا يعنى فلك العراق ولى الشام. فأقر بذلك على رضى اللَّه عنه.

و أمسك كل واحد منهما عن قتال الآخر، و بعث الجيوش إلى بلاده، و استقر الأمر على ذلك.

قال ابن جرير: و في هذه السنة خرج ابن عباس من البصرة إلى مكة و ترك العمل في قول عامة أهل السير، و قد أنكر ذلك بعضهم و زعم أنه لم يزل عاملا على البصرة حتى صالح على معاوية، و أنه كان شاهدا للصلح، ممن نص على ذلك أبو عبيدة كما سيأتي. ثم ذكر ابن جرير سبب خروج ابن عباس عن البصرة و ذلك أنه كلم أبا الأسود الدؤلي القاضي بكلام فيه غض من أبى الأسود فكتب أبو الأسود إلى على يشكو إليه ابن عباس و ينال من عرضه فإنه تناول شيئا من أموال بيت المال فبعث على إلى ابن عباس فعاتبه في ذلك و حرر عليه التبعة فغضب ابن عباس من ذلك و كتب إلى على: ابعث إلى عملك من أحببت فانى ظاعن عنه و السلام. ثم سار ابن عباس إلى مكة مع أخواله بنى هلال و تبعهم قيس كلها، و قد أخذ شيئا من بيت المال مما كان اجتمع له من العمالة و الفي‏ء، و لما سار تبعته أقوام أخر فلحقهم بنو غنم و أرادوا منعهم من المسير فكان بينهم قتال، ثم تحاجزوا و دخل ابن عباس مكة.

323

ذكر مقتل أمير المؤمنين على بن أبى طالب رضى اللَّه عنه‏

و ما ورد فيه من الأحاديث النبويّة من الأخبار بمقتله و كيفيته و ما في ذلك من دلائل النبوة و آيات المعجزة

كان أمير المؤمنين رضى اللَّه عنه قد تنغصت عليه الأمور، و اضطرب عليه جيشه، و خالفه أهل العراق، و نكلوا عن القيام معه، و استفحل أمر أهل الشام، و صالوا و جالوا يمينا و شمالا، زاعمين أن الإمرة لمعاوية بمقتضى حكم الحكمين في خلعهما عليا و تولية عمرو بن العاص معاوية عند خلو الامرة عن أحد، و قد كان أهل الشام بعد التحكيم يسمون معاوية الأمير، و كلما ازداد أهل الشام قوة ضعف جأش أهل العراق، هذا و أميرهم على بن أبى طالب خير أهل الأرض في ذلك الزمان، أعبدهم و أزهدهم، و أعلمهم و أخشاهم للَّه عز و جل، و مع هذا كله خذلوه و تخلوا عنه حتى كره الحياة و تمنى الموت، و ذلك لكثرة الفتن و ظهور المحن، فكان يكثر أن يقول: ما يحبس أشقاها، أي ما ينتظر؟ ما له لا يقتل؟

ثم يقول: و اللَّه لتخضبن هذه و يشير إلى لحيته من هذه و يشير إلى هامته، كما

قال البيهقي عن الحاكم عن الأصم عن محمد بن إسحاق الصنعاني ثنا أبو الحراب الأحوص بن حراب ثنا عمار بن زريق عن الأعمش عن حبيب بن أبى ثابت عن ثعلبة بن يزيد قال قال على‏

: «و الّذي فلق الحبة و برأ النسمة لتخضبن هذه من هذه للحيته من رأسه فما يحبس أشقاها»؟ فقال عبد اللَّه بن سبع: و اللَّه يا أمير المؤمنين لو أن رجلا فعل ذلك لأبدنا عترته: فقال أنشدكم باللَّه أن يقتل غير قاتلي. فقالوا: يا أمير المؤمنين ألا تستخلف؟ فقال: لا و لكن أترككم كما ترككم رسول اللَّه. قالوا: فما تقول لربك إذا لقيته و قد تركتنا هملا؟ قال: أقول اللَّهمّ استخلفتنى فيهم ما بدا لك ثم قبضتني و تركتك فيهم فان شئت أصلحتهم و إن شئت أفسدتهم.

طريق أخرى‏

قال أبو داود الطياليسى في مسندة: ثنا شريك عن عثمان بن المغيرة عن زيد بن وهب. قال‏

:

جاءت الخوارج إلى على فقالوا له: اتّق اللَّه فإنك ميت. قال: لا! و الّذي فلق الحبة و برأ النسمة، و لكن مقتول من ضربة على هذه تخضب هذه- و أشار بيده إلى لحيته- عهد معهود و قضى مقضي، و قد خاب من افترى.

طريق أخرى عنه‏

قال الحافظ أبو يعلى: ثنا سويد بن سعيد ثنا رشدين بن سعد عن يزيد بن عبد اللَّه بن أسامة عن عثمان بن صهيب عن أبيه. قال قال على: قال لي رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم):

«من أشقى الأولين؟ قلت:

عاقر الناقة، قال: صدقت فمن أشقى الآخرين؟ قلت: لا علم لي يا رسول اللَّه، قال: الّذي يضربك‏

324

على هذه- و أشار بيده- على يافوخه فيخضب هذه من هذه يعنى لحيته من دم رأسه قال: «فكان يقول: وددت أنه قد انبعث أشقاكم».

طريق أخرى عن على رضى اللَّه عنه‏

قال الامام أحمد: حدثنا وكيع ثنا الأعمش عن سالم بن أبى الجعد عن عبد اللَّه بن سبع. قال:

سمعت عليا يقول‏

لتخضبن هذه من هذه فما ينتظر بى إلا شقي، فقالوا: يا أمير المؤمنين أخبرنا به نبد عترته، قال: إذا تاللَّه تقتلون بى غير قاتلي، قالوا: فاستخلف علينا، قال: لا! و لكن أترككم إلى ما ترككم إليه رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، قالوا: فما تقول لربك إذا أتيته؟ قال: أقول: اللَّهمّ تركتني فيهم ما بدا لك ثم قبضتني إليك و أنت فيهم، إن شئت أصلحتهم و إن شئت أفسدتهم.

و قال الامام أحمد: حدثنا أسود بن عامر ثنا أبو بكر عن الأعمش عن سلمة بن كهيل عن عبد اللَّه ابن بسع قال‏

: خطبنا على فقال: «و الّذي فلق الحبة و برأ النسمة لتخضبن هذه من هذه، قال فقال الناس: فأعلمنا من هو و اللَّه لنبيدنه أو لنبيدن عترته. قال: أنشدكم باللَّه أن يقتل غير قاتلي، قالوا:

إن كنت علمت ذلك فاستخلف قال لا و لكن أكلكم إلى ما وكلكم إليه رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)»

تفرد به أحمد.

طريق أخرى عن على بن أبى طالب رضى اللَّه عنه‏

قال الامام أحمد: حدثنا هاشم بن القاسم ثنا محمد- يعنى ابن راشد- عن عبد اللَّه بن محمد بن عقيل عن فضالة بن أبى فضالة الأنصاري- و كان ابن فضالة من أهل بدر-: و قال‏

«خرجت مع أبى عائدا لعلى بن أبى طالب من مرض أصابه ثقل منه، قال فقال له أبى: ما يقيمك بمنزلك هذا لو أصابك أجلك الا أعراب جهينة؟ تحمل إلى المدينة فان أصابك أجلك وليك أصحابك و صلوا عليك. فقال على: إن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) عهد إلى أن لا أموت حتى أؤمر ثم تخضب هذه- يعنى ليحته- من دم هذه- يعنى هامته- قال فقتل و قتل ابن فضالة يوم صفين» تفرد به أحمد أيضا.

و قد رواه البيهقي في الدلائل عن الحاكم عن الأصم عن الحسن بن مكرم عن أبى النضر هاشم بن القاسم به.

طريق أخرى عنه‏

قال الحافظ أبو بكر البزار في مسندة: حدثنا أحمد بن أبان القرشي ثنا سفيان بن عيينة ثنا كوفى يقال له عبد الملك بن أعين عن أبى حرب بن أبى الأسود عن أبيه قال: سمعت على بن أبى طالب يقول:

«قال لي عبد اللَّه بن سلام و قد وضعت رجلي في غرز الركاب لا تأتى العراق فإنك إن أتيتها أصابك بها ذباب السيف قال: و ايم اللَّه لقد قالها و لقد قالها النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) لي قبله. قال أبو الأسود فقلت: تاللَّه ما رأيت رجلا محاربا يحدث بهذا قبلك غيرك».

ثم قال البزار: و لا نعلم رواه إلا على ابن أبى طالب بهذا الاسناد، و لا نعلم رواه إلا عبد الملك بن أعين عن أبى حرب، و لا رواه عنه‏

325

إلا ابن عيينة. هكذا قال: و قد رأيت من الطرق المتعددة خلاف ذلك. و قال البيهقي بعد ذكره طرفا من هذه الطرق: و قد روينا في كتاب السنن باسناد صحيح عن زيد بن أسلم عن أبى سنان الدؤلي عن على في إخبار النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) بقتله.

حديث آخر في ذلك‏

قال الخطيب البغدادي. أخبرنى على بن القاسم البصري ثنا على بن إسحاق المارداني أنا محمد ابن إسحاق الصنعاني ثنا إسماعيل بن أبان الوراق ثنا ناصح بن عبد اللَّه المحلمي عن سماك عن جابر ابن سمرة قال قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) لعلى:

«من أشقى الأولين، قال: عاقر الناقة، قال: فمن أشقى الآخرين؟ قال اللَّه و رسوله أعلم، قال: قاتلك».

حديث آخر في معنى ذلك‏

و روى البيهقي من طريق فطر بن خليفة و عبد العزيز بن سياه كلاهما عن حبيب بن أبى ثابت عن ثعلبة الحماني قال سمعت عليا على المنبر و هو يقول:

«و اللَّه إنه لعهد النبي الأمي إلى إن الأمة ستغدر بك بعدي»

قال البخاري: ثعلبة بن زيد الحماني في حديثه هذا نظر. قال البيهقي: و قد رويناه باسناد آخر عن على ان كان محفوظا.

أخبرنا أبو على الروذبارى أنا أبو محمد بن شوذب الواسطي بها ثنا شعيب بن أيوب ثنا عمرو بن عون عن هشيم عن إسماعيل بن سالم عن أبى إدريس الأزدي عن على.

قال‏

: «إن مما عهد إلى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) أن الأمة ستغدر بك بعدي»

قال البيهقي: فان صح فيحتمل أن يكون المراد به و اللَّه أعلم في خروج من خرج عليه ثم في قتله.

و قال الأعمش عن عمرو بن مرة ابن عبد اللَّه بن الحارث عن زهير بن الأرقم. قال‏

: خطبنا على يوم جمعة فقال نبئت أن بسرا قد طلع اليمن، و إني و اللَّه لأحسب أن هؤلاء القوم سيظهرون عليكم، و ما يظهرون عليكم إلا بعصيانكم إمامكم و طاعتهم إمامهم، و خيانتكم و أمانتهم، و إفسادكم في أرضكم و إصلاحهم، قد بعثت فلانا فخان و غدر، و بعثت فلانا فخان و غدر، و بعث المال إلى معاوية لو ائتمنت أحدكم على قدح لأخذ علاقته، اللَّهمّ سئمتهم و سئموني، و كرهتهم و كرهوني، اللَّهمّ فأرحهم منى و أرحنى منهم»

قال: فما صلى الجمعة الأخرى حتى قتل رضى اللَّه عنه و أرضاه.

صفة مقتله رضى اللَّه عنه‏

ذكر ابن جرير و غير واحد من علماء التاريخ و السير و أيام الناس: أن ثلاثة من الخوارج و هم عبد الرحمن بن عمرو المعروف بابن ملجم الحميري ثم الكندي حليف بنى حنيفة من كندة المصري و كان أسمر حسن الوجه أبلح شعره مع شحمة أذنيه و في وجهه أثر السجود. و البرك بن عبد اللَّه التميمي.

و عمرو بن بكر التميمي أيضا- اجتمعوا فتذاكروا قتل على إخوانهم من أهل النهروان فترحموا عليهم‏

326

و قالوا: ما ذا نصنع بالبقاء بعدهم؟ كانوا لا يخافون في اللَّه لومة لائم، فلو شرينا أنفسنا فأتينا أئمة الضلال فقتلناهم فأرحنا منهم البلاد و أخذنا منهم ثأر إخواننا؟ فقال ابن ملجم: أما أنا فأكفيكم على ابن أبى طالب. و قال البرك و أنا أكفيكم معاوية: و قال عمرو بن بكر و أنا أكفيكم عمرو بن العاص.

فتعاهدوا و تواثقوا أن لا ينكص رجل منهم عن صاحبه حتى يقتله أو يموت دونه فأخذوا أسيافهم فسموها و اتعدوا لسبع عشرة من رمضان أن يبيت كل واحد منهم صاحبه في بلده الّذي هو فيه فأما ابن ملجم فسار إلى الكوفة فدخلها و كتم أمره حتى عن أصحابه من الخوارج الذين هم بها، فبينما هو جالس في قوم من بنى الرباب يتذاكرون قتلاهم يوم النهروان إذ أقبلت امرأة منهم يقال لها قطام بنت الشجنة، قد قتل على يوم النهروان أباها و أخاها، و كانت فائقة الجمال مشهورة به، و كانت قد انقطعت في المسجد الجامع تتعبد فيه، فلما رآها ابن ملجم سلبت عقله و نسي حاجته التي جاء لها، و خطبها إلى نفسها فاشترطت عليه ثلاثة آلاف درهم و خادما و قينة. و أن يقتل لها على بن أبى طالب.

قال: فهو لك و و اللَّه ما جاء بى إلى هذه البلدة إلا قتل على، فتزوجها و دخل بها ثم شرعت تحرضه على ذلك و ندبت له رجلا من قومها، من تيم الرباب يقال له وردان، ليكون معه ردءا، و استمال عبد الرحمن ابن ملجم رجلا آخر يقال له شبيب بن نجدة الأشجعي الحروري قال له ابن ملجم: هل لك في شرف الدنيا و الآخرة؟ فقال: و ما ذاك: قال؟ قتل على، فقال: ثكلتك أمك، لقد جئت شيئا إدا كيف تقدر عليه؟ قال أكمن له في المسجد فإذا خرج لصلاة الغداة شددنا عليه فقتلناه، فان نجونا شفينا أنفسنا و أدركنا ثأرنا، و إن قتلنا فما عند اللَّه خير من الدنيا. فقال: ويحك لو غير على كان أهون على؟ قد عرفت سابقته في الإسلام و قرابته من رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فما أجدنى أنشرح صدرا لقتله. فقال: أما تعلم أنه قتل أهل النهروان؟ فقال: بلى قال: فنقتله بمن قتل من إخواننا.

فأجابه إلى ذلك بعد لأى و دخل شهر رمضان فواعدهم ابن ملجم ليلة الجمعة لسبع عشرة ليلة خلت، و قال: هذه الليلة التي واعدت أصحابى فيها أن يثأروا بمعاوية و عمرو بن العاص فجاء هؤلاء الثلاثة- و هم ابن ملجم، و وردان، و شبيب- و هم مشتملون على سيوفهم فجلسوا مقابل السدة التي يخرج منها على، فلما خرج جعل ينهض الناس من النوم إلى الصلاة، و يقول: الصلاة الصلاة فثار إليه شبيب بالسيف فضربه فوقع في الطاق، فضربه ابن ملجم بالسيف على قرنه فسال دمه على لحيته رضى اللَّه عنه،

و لما ضربه ابن ملجم قال: لا حكم الا للَّه ليس لك يا على و لا لأصحابك، و جعل يتلو قوله تعالى‏

وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ وَ اللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ

و نادى على:

عليكم به،

و هرب وردان فأدركه رجل من حضر موت فقتله، و ذهب شبيب فنجا بنفسه و فات الناس، و مسك ابن ملجم و قدم على جعدة بن هبيرة بن أبى وهب فصلى بالناس صلاة الفجر، و حمل‏

327

عليّ إلى منزله، و حمل إليه عبد الرحمن بن ملجم فأوقف بين يديه و هو مكتوف- قبحه اللَّه- فقال له: أي عدو اللَّه أ لم أحسن إليك؟ قال: بلى قال. فما حملك على هذا: قال؟ شحذته أربعين صباحا و سألت اللَّه أن يقتل به شر خلقه،

فقال له على‏

لا أراك إلا مقتولا به، و لا أراك إلا من شر خلق اللَّه، ثم قال: إن مت فاقتلوه و إن عشت فانا أعلم كيف أصنع به، فقال جندب بن عبد اللَّه:

يا أمير المؤمنين إن مت نبايع الحسن؟ فقال لا آمركم و لا أنهاكم، أنتم أبصر. و لما احتضر على جعل يكثر من قول لا إله إلا اللَّه، لا يتلفظ بغيرها. و قد قيل إن آخر ما تكلم به‏

فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَ مَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ‏

.

و قد أوصى ولديه الحسن و الحسين بتقوى اللَّه و الصلاة و الزكاة و كظم الغيظ و صلة الرحم و الحلم عن الجاهل و التفقه في الدين و التثبت في الأمر، و التعاهد للقرآن، و حسن الجوار، و الأمر بالمعروف و النهى عن المنكر، و اجتناب الفواحش، و وصاهما بأخيهما محمد بن الحنفية و وصاه بما وصاهما به، و أن يعظمهما و لا يقطع أمرا دونهما و كتب ذلك كله في كتاب وصيته رضى اللَّه عنه و أرضاه.

و صورة الوصية: «بسم اللَّه الرحمن الرحيم! هذا ما أوصى به على بن أبى طالب أنه يشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له و أن محمدا عبده و رسوله، أرسله بالهدى و دين الحق ليظهره على الدين كله و لو كره المشركون، إن صلاتي و نسكي و محياي و مماتي للَّه رب العالمين لا شريك له و بذلك أمرت و أنا أول المسلمين، أوصيك يا حسن و جميع ولدى و من بلغه كتابي بتقوى اللَّه ربكم و لا تموتن إلا و أنتم مسلمون، و اعتصموا بحبل اللَّه جميعا و لا تفرقوا فانى سمعت أبا القاسم (صلى اللَّه عليه و سلم) يقول: «إن صلاح ذات البين أفضل من عامة الصلاة و الصيام» انظروا إلى ذوى أرحامكم فصلوها يهون اللَّه عليكم الحساب اللَّه اللَّه في الأيتام فلا تعفو أفواههم و لا يضيعن بحضرتكم، و اللَّه اللَّه في جيرانكم فإنهم وصية نبيكم، ما زال يوصى بهم حتى ظننا أنه سيورثهم، و اللَّه اللَّه في القرآن فلا يسبقنكم إلى العمل به غيركم، و اللَّه اللَّه في الصلاة فإنها عمود دينكم، و اللَّه اللَّه في بيت ربكم فلا يخلون منكم ما بقيتم فإنه إن ترك لم تناظروا، و اللَّه اللَّه في شهر رمضان فان صيامه جنة من النار، و اللَّه اللَّه في الجهاد في سبيل اللَّه بأموالكم و أنفسكم، و اللَّه اللَّه في الزكاة فإنها تطفئ غضب الرب، و اللَّه اللَّه في ذمة نبيكم لا تظلمن بين ظهرانيكم، و اللَّه اللَّه في أصحاب نبيكم فان رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) أوصى بهم، و اللَّه اللَّه في الفقراء و المساكين فأشركوهم في معاشكم، و اللَّه اللَّه فيما ملكت أيمانكم فان آخر ما تكلم به رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) أن قال:

«أوصيكم بالضعيفين نسائكم و ما ملكت أيمانكم» الصلاة الصلاة لا تخافن في اللَّه لومة لائم يكفكم من أرادكم و بغى عليكم، و قولوا للناس حسنا كما أمركم اللَّه، و لا تتركوا الأمر بالمعروف و النهى عن المنكر، فيولي الأمر شراركم ثم تدعون فلا يستجاب لكم، و عليكم بالتواصل و التباذل، و إياكم‏

328

و التدابير و التقاطع و التفرق، و تعاونوا على البر و التقوى و لا تعاونوا على الإثم و العدوان و اتقوا اللَّه إن اللَّه شديد العقاب، حفظكم اللَّه من أهل بيت، و حفظ عليكم نبيكم، أستودعكم اللَّه و أقرأ عليكم السلام و رحمة اللَّه. ثم لم ينطق إلا بلا إله إلا اللَّه حتى قبض في شهر رمضان سنة أربعين.

و قد غسله ابناه الحسن و الحسين و عبد اللَّه بن جعفر و صلى عليه الحسن فكبر عليه تسع تكبيرات.

و قال الامام أحمد: حدثنا أبو أحمد الزبيري ثنا شريك عن عمران بن ظبيان عن أبى يحيى قال‏

: لما ضرب ابن ملجم عليا قال لهم «افعلوا به كما أراد رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) أن يفعل برجل أراد قتله فقال: اقتلوه ثم حرقوه».

و قد روى أن أم كلثوم قالت لابن ملجم و هو واقف: ويحك! لم ضربت أمير المؤمنين؟ قال: إنما ضربت أباك فقالت: إنه لا بأس عليه، فقال: لم تبكين؟ و اللَّه لقد ضربته ضربة لو أصابت أهل المصر لماتوا أجمعين، و اللَّه لقد سمعت هذا السيف شهرا و لقد اشتريته بألف و سممته بألف.

قال الهيثم بن عدي: حدثني رجل من بجيلة عن مشيخة قومه أن عبد الرحمن بن ملجم رأى امرأة من تيم الرباب يقال لها قطام كانت من أجمل النساء ترى رأى الخوارج، قد قتل على قومها على هذا الرأى فلما أبصرها عشقها فخطبها فقالت: لا أتزوجك إلا على ثلاثة آلاف و عبد و قينة، فتزوجها على ذلك فلما بنى بها قالت له: يا هذا قد فرعت فافرع فخرج ملبسا سلاحه و خرجت معه فضربت له قبة في المسجد و خرج على يقول: الصلاة الصلاة، فاتبعه عبد الرحمن فضربه بالسيف على قرن رأسه فقال الشاعر:- قال ابن جرير: هو ابن مياس المرادي.

فلم أر مهرا ساقه ذو سماحة* * * كمهر قطام بيّنا غير معجم‏

ثلاثة آلاف و عبد و قينة* * * و قتل على بالحسام المصمم‏

فلا مهر أغلا من على و إن غلا* * * و لا فتك إلا دون فتك [ (1)] ابن ملجم‏

و قد عزى ابن جرير هذه الأبيات إلى ابن شاس المرادي و أنشد له ابن جرير في قتلهم عليا:

و نحن ضربنا مالك الخير حيدرا* * * أبا حسن مأمومة فتقطرا

و نحن خلعنا ملكه من نظامه‏* * * بضربة سيف إذ علا و تجبرا

و نحن كرام في الهياج أعزة* * * إذا الموت بالموت ارتدى و تأزرا

و قد امتدح ابن ملجم بعض الخوارج المتأخرين في زمن التابعين و هو عمران بن حطان و كان أحد العباد ممن يروى عن عائشة في صحيح البخاري فقال فيه:

يا ضربة من تقى ما أراد بها* * * إلا ليبلغ من ذي العرش رضوانا

____________

[ (1)] كذا في الأصل و في نسخة: و لا قتل إلا دون قتل. فلعلها رواية.

329

إني لأذكره يوما فأحسبه‏* * * أو في البرية عند اللَّه ميزانا

و أما صاحب معاوية- و هو البرك- فإنه حمل عليه و هو خارج إلى صلاة الفجر في هذا اليوم فضربه بالسيف، و قيل بخنجر مسموم فجاءت الضربة في وركه فجرحت أليته و مسك الخارجي فقتل، و قد قال لمعاوية: اتركني فانى أبشرك ببشارة، فقال: و ما هي؟ فقال: إن أخى قد قتل في هذا اليوم على بن أبى طالب، قال: فلعله لم يقدر عليه، قال: بلى إنه، لا حرس معه، فأمر به فقتل، و جاء الطبيب فقال لمعاوية: إن جرحك مسموم فاما أن أكويك و أما أن أسقيك شربة فيذهب السم و لكن ينقطع نسلك فقال معاوية: أما النار فلا طاقة لي بها، و أما النسل ففي يزيد و عبد اللَّه ما تقر به عيني. فسقاه شربة فبرأ من ألمه و جراحة و استقل و سلم رضى اللَّه عنه. و من حينئذ عملت المقصورة في المسجد الجامع و جعل الحرس حولها في حال السجود، فكان أول من اتخذها معاوية لهذه الحادثة.

و أما صاحب عمرو بن العاص- و هو عمرو بن بكر- فإنه كمن له ليخرج إلى الصلاة فاتفق أن عرض لعمرو بن العاص مغص شديد في ذلك اليوم فلم يخرج إلا نائبة إلى الصلاة- و هو خارجة بن أبى حبيبة من بنى عامر بن لؤيّ و كان على شرطة عمرو بن العاص فحمل عليه الخارجي فقتله و هو يعتقده عمرو بن العاص، فلما أخذ الخارجي قال: أردت عمرا و أراد اللَّه خارجة، فأرسلها مثلا، و قتل قبحه اللَّه، و قد قيل إن الّذي قالها عمرو بن العاص، و ذلك حين جي‏ء بالخارجي فقال: ما هذا؟ قالوا قتل نائبك خارجة، ثم أمر به فضربت عنقه.

و المقصود أن عليا رضى اللَّه عنه لما مات صلى عليه ابنه الحسن فكبر عليه تسع تكبيرات و دفن بدار الامارة بالكوفة خوفا عليه من الخوارج أن ينبشوا عن جثته، هذا هو المشهور و من قال إنه حمل على راحلته فذهبت به فلا يدرى أين ذهب فقد أخطأ و تكلف ما لا علم له به و لا يسيغه عقل و لا شرع، و ما يعتقده كثير من جهلة الروافض من أن قبره بمشهد النجف فلا دليل على ذلك و لا أصل له، و يقال إنما ذاك قبر المغيرة بن شعبة، حكاه الخطيب البغدادي عن أبى نعيم الحافظ عن أبى بكر الطلحي عن محمد بن عبد اللَّه الحضرميّ الحافظ عن مطر أنه قال: لو علمت الشيعة قبر هذا الّذي يعظمونه بالنجف لرجموه بالحجارة، هذا قبر المغيرة بن شعبة. قال الواقدي: حدثني أبو بكر ابن عبد اللَّه بن أبى سبرة عن إسحاق بن عبد اللَّه بن أبى فروة قال: سألت أبا جعفر محمد بن على الباقر كم كان سن على يوم قتل؟ قال: ثلاثا و ستين سنة. قلت: أين دفن؟ قال: دفن بالكوفة ليلا و قد غبي عن دفنه، و في رواية عن جعفر الصادق أنه كان عمره ثمانية و خمسين سنة، و قد قيل إن عليا دفن قبلي المسجد الجامع من الكوفة. قاله الواقدي، و المشهور بدار الامارة. و قد حكى الخطيب البغدادي عن أبى نعيم الفضل بن دكين أن الحسن و الحسين حولاه فنقلاه إلى المدينة فدفناه بالبقيع‏

330

عند قبر فاطمة، و قيل إنهم لما حملوه على البعير ضل منهم فأخذته طيئ يظنونه ما لا فلما رأوا أن الّذي في الصندوق ميت و لم يعرفوه دفنوا الصندوق بما فيه فلا يعلم أحد أين قبره، حكاه الخطيب أيضا.

و روى الحافظ ابن عساكر عن الحسن قال: دفنت عليا في حجرة من دور آل جعدة. و عن عبد الملك بن عمير قال: لما حفر خالد بن عبد اللَّه أساس دار ابنه يزيد استخرجوا شيخا مدفونا أبيض الرأس و اللحية كأنما دفن بالأمس فهم بإحراقه ثم صرفه اللَّه عن ذلك فاستدعى بقباطى فلفه فيها و طيبه و تركه مكانه. قالوا و ذلك المكان بحذاء باب الوراقين مما يلي قبلة المسجد في بيت إسكاف و ما يكاد يقر في ذلك الموضع أحد إلا انتقل منه.

و عن جعفر بن محمد الصادق قال‏

: صلى على على ليلا و دفن بالكوفة و عمى موضع قبره و لكنه عند قصر الامارة.

و قال ابن الكلبي: شهد دفنه في الليل الحسن و الحسين و ابن الحنفية و عبد اللَّه بن جعفر و غيرهم من أهل بيتهم فدفنوه في ظاهر الكوفة و عموا قبره خيفة عليه من الخوارج و غيرهم، و حاصل الأمر أن عليا قتل يوم الجمعة سحرا و ذلك لسبع عشرة خلت من رمضان من سنة أربعين و قيل إنه قتل في ربيع الأول و الأول هو الأصح الأشهر و اللَّه أعلم. و دفن بالكوفة عن ثلاث و ستين سنة و صححه الواقدي و ابن جرير و غير واحد، و قيل عن خمس و ستين و قيل عن ثمان و ستين سنة رضى اللَّه عنه. و كانت خلافته أربع سنين و تسعة أشهر.

فلما مات على رضى اللَّه عنه استدعى الحسن بابن ملجم فقال له ابن ملجم: إني أعرض عليك خصلة قال: و ما هي؟ قال: إني كنت عاهدت اللَّه عند الحطيم أن أقتل عليا و معاوية أو أموت دونهما، فان خليتني ذهبت إلى معاوية على أنى إن لم أقتله أو قتله و بقيت فلله على أن أرجع إليك حتى أضع يدي في يدك. فقال له الحسن: كلا و اللَّه حتى تعاين النار،

ثم قدمه فقتله ثم أخذه الناس فأدرجوه في بواري ثم أحرقوه بالنار، و قد قيل إن عبد اللَّه بن جعفر قطع يديه و رجليه و كحلت عيناه و هو مع ذلك يقرأ سورة اقرأ باسم ربك الّذي خلق إلى آخرها ثم جاءوا ليقطعوا لسانه فجزع و قال:

إني أخشى أن تمر على ساعة لا أذكر اللَّه فيها ثم قطعوا لسانه ثم قتلوه ثم حرقوه في قوصرة و اللَّه أعلم.

و روى ابن جرير قال: حدثني الحارث ثنا ابن سعد عن محمد بن عمر قال: ضرب على يوم الجمعة فمكث يوم الجمعة، و ليلة السبت و توفى ليلة الأحد لإحدى عشرة ليلة بقيت من رمضان سنة أربعين عن ثلاث و ستين سنة. قال الواقدي: و هو المثبت عندنا و اللَّه أعلم بالصواب.

فصل في ذكر زوجاته و بنيه و بناته رضى اللَّه عنهم أجمعين‏

قال الامام أحمد: حدثنا حجاج ثنا إسرائيل عن أبى إسحاق عن هانئ بن هانئ عن على قال:

«لما ولد الحسن جاء رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فقال: أرونى ابني، ما سميتموه؟ فقلت: سميته حربا، فقال:

بل هو حسن، فلما ولد الحسين قال: أرونى ابني، ما سميتموه؟ فقلت: سميته حربا قال: بل هو

331

حسين، فلما ولد الثالث جاء النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) فقال أرونى ابني ما سميتموه؟ فقلت: حربا فقال: بل هو محسن، ثم قال: إني سميتهم باسم ولد هارون شبر و شبير و مشبر»

و قد رواه محمد بن سعد عن يحيى ابن عيسى التيمي عن الأعمش عن سالم بن أبى الجعد قال قال على‏

: كنت رجلا أحب الحرب فلما ولد الحسن هممت أن أسميه حربا،

فذكر الحديث بنحو ما تقدم لكن لم يذكر الثالث. و قد ورد في بعض الأحاديث أن عليا سمى الحسن أولا بحمزة و حسينا بجعفر فغير اسميهما رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم).

فأول زوجة تزوجها على رضى اللَّه عنه فاطمة بنت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) بنى بها بعد وقعة بدر فولدت له الحسن و حسينا و يقال و محسنا و مات و هو صغير، و ولدت له زينب الكبرى و أم كلثوم و هذه تزوج بها عمر بن الخطاب كما تقدم. و لم يتزوج على على فاطمة حتى توفيت بعد رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) بستة أشهر، فلما ماتت تزوج بعدها بزوجات كثيرة، منهن من توفيت في حياته و منهن من طلقها، و توفى عن أربع كما سيأتي، فمن زوجاته أم البنين بنت حرام و هو المحل بن خالد بن ربيعة بن كعب بن عامر ابن كلاب فولدت له العباس و جعفرا و عبد اللَّه و عثمان. و قد قتل هؤلاء مع أخيهم الحسين بكربلاء.

و لا عقب لهم سوى العباس. و منهن ليلى بنت مسعود بن خالد بن مالك بن بنى تميم فولدت له عبيد اللَّه و أبا بكر، قال هشام بن الكلبي: و قد قتلا بكربلاء أيضا. و زعم الواقدي أن عبيد اللَّه قتله المختار بن أبى عبيد يوم الدار. و منهن أسماء بنت عميس الخثعمية فولدت له يحيى و محمدا الأصغر قاله الكلبي. و قال الواقدي: ولدت له يحيى و عونا قال الواقدي: فأما محمد الأصغر فمن أم ولد. و منهن أم حبيبة بنت زمعة بن بحر بن العبد بن علقمة و هي أم ولد من السبي الذين سباهم خالد من بنى تغلب حين أغار على عين التمر فولدت له عمر- و قد عمر خمسا و ثلاثين سنة- و رقية. و منهن أم سعيد بنت عروة بن مسعود بن مغيث بن مالك الثقفي فولدت له أم الحسن و رملة الكبرى. و منهن ابنة امرئ القيس بن عدي بن أوس بن جابر بن كعب بن عليم بن كلب الكلبية فولدت له جارية فكانت تخرج مع على إلى المسجد و هي صغيرة فيقال لها: من أخوالك؟ فتقول: وه وه تعنى بنى كلب. و منهن أمامة بنت أبى العاص بن الربيع بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي و أمها زينب بنت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، و هي التي كان رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يحملها و هو في الصلاة إذا قام حملها و إذا سجد وضعها، فولدت له محمدا الأوسط، و أما ابنه محمد الأكبر فهو ابن الحنفية و هي خولة بنت جعفر بن قيس ابن مسلمة بن عبيد بن ثعلبة بن يربوع بن ثعلبة بن الدؤل بن حنيفة بن لجيم بن صعب بن على ابن بكر بن وائل سباها خالد أيام الصديق أيام الردة من بنى حنيفة فصارت لعلى بن أبى طالب فولدت له محمدا هذا، و من الشيعة من يدعى فيه الإمامة و العصمة، و قد كان من سادات المسلمين و لكن ليس بمعصوم و لا أبوه معصوم بل و لا من هو أفضل من أبيه من الخلفاء الراشدين قبله ليسوا

332

بواجبى العصمة كما هو مقرر في موضعه و اللَّه أعلم. و قد كان لعلى أولاد كثيرة آخرون من أمهات أولاد شتى فإنه مات عن أربع نسوة و تسع عشرة سرية رضى اللَّه عنه فمن أولاده رضى اللَّه عنهم ممن لا يعرف أسماء أمهاتهم أم هانئ و ميمونة و زينب الصغرى و رملة الكبرى و أم كلثوم الصغرى و فاطمة و أمامة و خديجة و أم الكرام و أم جعفر و أم سلمة و جمانة. قال ابن جرير: فجميع ولد على أربعة عشر ذكرا و سبع عشرة أنثى. قال الواقدي: و إنما كان النسل من خمسة و هم الحسن و الحسين و محمد [ابن الحنيفة و العباس بن‏] [ (1)] الكلابية و عمر بن التغلبية رضى اللَّه عنهم أجمعين.

و قد قال ابن جرير: حدثني ابن سنان القزاز ثنا أبو عاصم ثنا مسكين بن عبد العزيز أنا حفص بن خالد حدثني أبى خالد بن جابر قال‏

: «سمعت الحسن لما قتل على قام خطيبا فقال: لقد قتلتم الليلة رجلا في ليلة نزل فيها القرآن، و رفع فيها عيسى بن مريم، و فيها قتل يوشع بن نون فتى موسى و اللَّه ما سبقه أحد كان قبله و لا يدركه أحد يكون بعده، و اللَّه أن كان رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) ليبعثه في السرية جبريل عن يمينه و ميكائيل عن يساره، و اللَّه ما ترك صفراء و لا بيضاء إلا ثمانمائة أو تسعمائة أرصدها لحادثة»

و هذا غريب جدا و فيه نكارة و اللَّه أعلم.

و هكذا رواه أبو يعلى عن إبراهيم بن الحجاج عن مسكين به.

و قال الامام أحمد: حدثنا وكيع عن شريك عن أبى إسحاق عن هبيرة قال‏

: خطبنا الحسن بن على قال: «لقد فارقكم رجل بالأمس لم يسبقه الأولون بعلم و لا يدركه الآخرون، كان رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يبعثه بالراية جبريل عن يمينه و ميكائيل عن شماله لا ينصرف حتى يفتح له.

و رواه زيد العمى و شعيب ابن خالد عن أبى إسحاق به و قال‏

«ما ترك إلا سبعمائة كان أرصدها يشترى بها خادما

»: و قال الامام أحمد: حدثنا حجاج ثنا شريك عن عاصم بن كريب عن محمد بن كعب القرظي أن عليا قال:

«لقد رأيتني مع رسول اللَّه و إني لأربط الحجر على بطني من الجوع، و إن صدقتي اليوم لتبلغ أربعين ألفا»

و رواه عن أسود عن شريك به و قال‏

«إن صدقتي لتبلغ أربعين ألف دينار».

باب ذكر شي‏ء من فضائل أمير المؤمنين على بن أبى طالب رضى اللَّه عنه‏

من ذلك أنه أقرب العشرة المشهود لهم بالجنة نسبا من رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فأنه على بن أبى طالب ابن عبد المطلب و اسمه شيبة بن هاشم و اسمه عمرو بن عبد مناف و اسمه المغيرة بن قصي و اسمه زيد ابن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤيّ بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن الياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان، أبو الحسن القرشي الهاشمي فهو ابن عم رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و أمه فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف. قال الزبير بن بكار: و هي أول هاشمية ولدت هاشميا. و قد أسلمت و هاجرت، و أبوه هو العم الشقيق الرفيق أبو طالب و اسمه عبد مناف كذا

____________

[ (1)] ما بين المربعين تصحيح من ابن الأثير و بياض في الأصل.

333

نص على ذلك الامام احمد بن حنبل هو و غير واحد من علماء النسب و أيام الناس. و زعمت الروافض أن اسم أبى طالب عمران و انه المراد من قوله تعالى‏ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى‏ آدَمَ وَ نُوحاً وَ آلَ إِبْراهِيمَ وَ آلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ‏ و قد أخطأوا في ذلك خطأ كثيرا و لم يتأملوا القرآن قبل أن يقولوا هذا البهتان من القول في تفسيرهم له على غير مراد اللَّه تعالى، فإنه قد ذكر بعد هذه قوله تعالى‏ إِذْ قالَتِ امْرَأَتُ عِمْرانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما فِي بَطْنِي مُحَرَّراً فذكر ميلاد مريم بنت عمران (عليها السلام) و هذا ظاهر و للَّه الحمد. و قد كان أبو طالب كثير المحبة الطبيعية لرسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و لم يؤمن به إلى أن مات على دينه كما ثبت ذلك في صحيح البخاري من رواية سعيد بن المسيب عن أبيه في عرضه (عليه السلام) على عمه أبى طالب و هو في السياق أن يقول لا إله إلا اللَّه فقال له أبو جهل و عبد اللَّه بن أبى أمية: يا أبا طالب أ ترغب عن ملة عبد المطلب؟ فقال كان آخر ما قال هو على ملة عبد المطلب و أبى أن يقول لا إله إلا اللَّه‏

فخرج رسول اللَّه و هو يقول «أما لأستغفرن لك ما لم أنه عنك»

فنزل في ذلك قوله تعالى‏ إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَ لكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ‏ ثم نزل بالمدينة قوله تعالى‏ ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَ لَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى‏ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحابُ الْجَحِيمِ. وَ ما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْراهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ‏ و قد قررنا ذلك في أوائل المبعث و نبهنا على خطأ الرافضة في دعواهم أنه أسلم و افترائهم ذلك بلا دليل على مخالفة النصوص الصريحة. و أما على رضى اللَّه عنه فإنه أسلم قديما و هو دون البلوغ على المشهور، و يقال أنه أول من أسلم من الغلمان، كما أن خديجة أول من أسلم من النساء، و أبو بكر الصديق أول من أسلم من الرجال الأحرار، و زيد بن حارثة أول من أسلم من الموالي. و قد روى الترمذي و أبو يعلى عن إسماعيل بن السدي عن على بن عياش عن مسلم الملائى عن حبة بن جوين عن على- و حبة لا يساوى حبة- عن أنس بن مالك قال: «بعث رسول اللَّه يوم الإثنين و صلى على يوم الثلاثاء»

و رواه بعضهم عن مسلم الملائى عن حبة ابن جوين عن على- و حبة لا يساوى حبة- و قد روى سلمة بن كهيل عن حبة عن على قال‏

: عبدت اللَّه مع رسول اللَّه سبع سنين قبل أن يعبده أحد»

و هذا لا يصح أبدا و هو كذب‏

و روى سفيان الثوري و شعبة عن سلمة عن حبة عن على قال‏

: «أنا أول من أسلم»

و هذا لا يصح أيضا و حبة ضعيف‏

و قال سويد بن سعيد ثنا نوح بن قيس بن سليمان بن عبد اللَّه عن معاذة العدوية قالت سمعت على بن أبى طالب على منبر البصرة يقول‏

: «أنا الصديق الأكبر آمنت قبل أن يؤمن أبو بكر، و أسلمت قبل أن يسلم»

و هذا لا يصح قاله البخاري،

و قد ثبت عنه بالتواتر أنه قال على منبر الكوفة:

«أيها الناس! إن خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر، و لو شئت أن أسمى الثالث لسميت»

334

و قد تقدم ذلك في فضائل الشيخين رضى اللَّه عنهما و أرضاهما. قال الامام أحمد: حدثنا سليمان بن داود ثنا أبو عوانة عن أبى بلج عن عمرو بن ميمون عن ابن عباس قال: «أول من صلى- و في رواية أسلم- مع رسول اللَّه بعد خديجة على بن أبى طالب» و رواه الترمذي من حديث شعبة عن أبى بلج به و قد روى عن زيد بن أرقم و أبى أيوب الأنصاري أنه صلى قبل الناس بسبع سنين و هذا لا يصح من أي وجه كان روى عنه. و قد ورد في أنه أول من أسلم من هذه الأمة أحاديث كثيرة لا يصح منها شي‏ء، و أجود ما في ذلك ما ذكرنا. على أنه قد خولف فيه و قد اعتنى الحافظ الكبير أبو القاسم بن عساكر في تاريخه بتطريق هذه الروايات، فمن أراد كشف ذلك فعليه بكتابه التاريخ و اللَّه الموفق للصواب. و قد روى الترمذي و النسائي عن عمرو بن مرة عن طلحة بن زيد عن زيد ابن أرقم قال: «أول من أسلم على» قال الترمذي: حسن صحيح. و صحب على رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) مدة مقامه بمكة، و كان عنده في المنزل و في كفالته في حياة أبيه لفقر حصل لأبيه في بعض السنين مع كثرة العيال، ثم استمر في نفقة رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) بعد ذلك إلى زمن الهجرة، و قد خلفه رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) ليؤدى ما كان عنده (عليه السلام) من ودائع الناس، فإنه كان يعرف في قومه بالأمين، فكانوا يودعونه الأموال و الأشياء النفيسة ثم هاجر على بعد رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و صحب رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) إلى أن توفى و هو راض عنه و حضر معه مشاهده كلها و جرت له مواقف شريفة بين يديه في مواطن الحرب كما بينا ذلك في السيرة بما أغنى عن إعادته هاهنا، كيوم بدر و أحد و الأحزاب و خيبر و غيرها،

و لما استخلفه عام تبوك على أهله بالمدينة قال: «أما ترضى أن تكون منى بمنزلة هارون من موسى غير أنه لا نبي بعدي»

و قد ذكرنا تزويجه فاطمة بنت رسول اللَّه و دخوله بها بعد وقعة بدر بما أغنى عن إعادته.

و لما رجع (عليه السلام) من حجة الوداع فكان بين مكة و المدينة بمكان يقال له غدير خم خطب الناس هنالك في اليوم الثاني عشر من ذي الحجة فقال في خطبته: «من كنت مولاه فعلى مولاه» و في بعض الروايات: «اللَّهمّ وال من والاه و عاد من عاداه و انصر من نصره و اخذل من خذله»

و المحفوظ الأول، و إنما كان سبب هذه الخطبة و التنبيه على فضله ما ذكره ابن إسحاق من أن عليا لما بعثه رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) إلى اليمن أميرا هو و خالد بن الوليد و رجع على فوافى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) بمكة في حجة الوداع و قد كثرت فيه المقالة و تكلم فيه بعض من كان معه بسبب استرجاعه منهم خلعا كان خلعها نائبة عليهم لما تعجل السير إلى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، فلما تفرغ رسول اللَّه من حجة الوداع أحب أن يبرئ ساحة على مما نسب إليه من القول الّذي لا أصل له، و قد اتخذت الروافض هذا اليوم عيدا، فكانت تضرب فيه الطبول ببغداد في أيام بنى بويه في حدود الأربعمائة كما سننبه عليه إذا انتهينا إليه إن شاء اللَّه. ثم بعد ذلك بنحو من عشرين يوما تعلق المسوح على أبواب‏

335

الدكاكين و يذر التبن و الرماد، و تدور الذراري و النساء في سكك البلد تنوح على الحسين بن على يوم عاشوراء صبيحة قراءتهم المصرع المكذوب في قتله، و سنبين الحق في صفة قتله كيف وقع الأمر على الجلية إن شاء اللَّه تعالى. و قد كان بعض بنى أمية يعيب عليا بتسميته أبا تراب و هذا الاسم إنما سماه به رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) كما

ثبت في الصحيحين عن سهل بن سعد

أن عليا غاضب فاطمة فراح إلى المسجد فجاءه رسول اللَّه فوجده نائما و قد لصق التراب بجلده فجعل ينفض عنه التراب و يقول: «اجلس أبا تراب».

حديث المؤاخاة قال الحاكم حدثنا أبو بكر محمد بن عبد اللَّه الجنيد ثنا الحسين بن جعفر القرشي ثنا العلاء بن عمرو الحنفي ثنا أيوب بن مدرك عن مكحول عن أبى أمامة قال: «لما آخى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) بين الناس آخى بينه و بين على» ثم قال الحاكم لم نكتبه من حديث مكحول إلا من هذا الوجه و كان المشايخ يعجبهم هذا الحديث لكونه من رواية أهل الشام. قلت: و في صحة هذا الحديث نظر،

و ورد من طريق أنس و عمر أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) قال‏

: «أنت أخى في الدنيا و الآخرة»

و كذلك من طريق زيد بن أبى أوفى و ابن عباس و محدوج بن زيد الذهلي و جابر بن عبد اللَّه و عامر بن ربيعة و أبى ذر و على نفسه نحو ذلك و أسانيدها كلها ضعيفة لا يقوم بشي‏ء منها حجة و اللَّه أعلم.

و قد جاء من غير وجه أنه قال:

«أنا عبد اللَّه و أخو رسوله لا يقولها بعدي إلا كذاب»

و قال الترمذي: ثنا يوسف بن موسى القطان البغدادي ثنا على بن قادم ثنا على بن صالح بن حيي عن حكيم بن جبير عن جميع بن عمير التيمي عن ابن عمر قال‏

: «آخى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) بين أصحابه فجاء على تدمع عيناه فقال يا رسول اللَّه آخيت بين أصحابك و لم تواخى بيني و بين أحد، فقال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) أنت أخى في الدنيا و الآخرة»

ثم قال: هذا حديث حسن غريب و فيه عن زيد بن أبى أوفى، و قد شهد بدرا.

و قد قال رسول اللَّه لعمر:

«و ما يدريك لعل اللَّه قد اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم»؟

و بارز يومئذ كما تقدم و كانت له اليد البيضاء و دفع إليه رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) الراية يومئذ و هو ابن عشرين سنة قاله الحكم عن مقسم عن ابن عباس. قال: و كانت تكون معه راية المهاجرين في المواقف كلها، و كذلك قال سعيد بن المسيب و قتادة.

و قال خيثمة بن سليمان الا طرابلسى الحافظ: حدثنا أحمد بن حازم عن ابن أبى غرزة ثنا إسماعيل بن أبان ثنا ناصح بن عبد اللَّه المحلمي عن سماك بن حرب عن جابر بن سمرة قال‏

قالوا يا رسول اللَّه من يحمل رايتك يوم القيامة؟

قال: «و من عسى أن يحملها يوم القيامة إلا من كان يحملها في الدنيا على بن أبى طالب»؟

و هذا إسناد ضعيف. و رواه ابن عساكر عن أنس بن مالك و لا يصح أيضا.

و قال الحسن بن عرفة: حدثني عمار بن محمد عن سعيد بن محمد الحنظليّ عن أبى جعفر محمد بن على قال‏

نادى مناد في السماء يوم بدر:

336

«لا سيف إلا ذو الفقار و لا فتى إلا على‏

» قال الحافظ ابن عساكر و هذا مرسل و إنما تنفل رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) سيفه ذا الفقار يوم بدر ثم وهبه لعلى بعد ذلك. و قال الزبير بن بكار: حدثني على بن المغيرة عن معمر بن المثنى قال: كان لواء المشركين يوم بدر مع طلحة بن أبى طلحة فقتله على بن أبى طالب ففي ذلك يقول الحجاج بن علاط السلمي.

للَّه أي منذب عن حربه‏* * * أعنى ابن فاطمة المعم المخولا

جادت يداك له بعاجل طعنة* * * تركت طليحة للجبين مجندلا

و شددت شدة باسل فكشفتهم‏* * * بالحق إذ يهوون أخول أخولا

و عللت سيفك بالدماء و لم تكن‏* * * لترده حران حتى ينهلا

و شهد بيعة الرضوان و قد قال اللَّه تعالى‏ لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ

و قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)

: «لن يدخل أحد بايع تحت الشجرة النار».

و قد ثبت في الصحاح و غيرها أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) قال يوم خيبر:

«لأعطين الراية غدا رجلا يحب اللَّه و رسوله و يحبه اللَّه و رسوله، ليس بفرار يفتح اللَّه على يديه»

فبات الناس يدوكون أيهم يعطاها حتى قال عمر: ما أحببت الامارة إلا يومئذ، فلما أصبح أعطاها عليا ففتح اللَّه على يديه، و رواه جماعة منهم مالك و الحسن و يعقوب ابن عبد الرحمن و جرير بن عبد الحميد و حماد بن سلمة و عبد العزيز بن المختار و خالد بن عبد اللَّه ابن سهيل عن أبيه عن أبى هريرة أخرجه مسلم. و رواه ابن أبى حازم عن سهل بن سعد أخرجاه في الصحيحين و قال في حديثه: «فدعا به رسول اللَّه و هو أرمد فبصق في عينيه فبرأ» و رواه إياس بن سلمة بن الأكوع عن أبيه و يزيد بن أبى عبيد عن مولاه سلمة أيضا، و حديثه عنه في الصحيحين.

و قال محمد بن إسحاق: حدثني بريدة عن سفيان عن أبى فروة الأسلمي عن أبيه عن سلمة بن عمرو ابن الأكوع قال: بعث رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) إلى أبى بكر الصديق برايته إلى بعض حصون خيبر، فقاتل ثم رجع و لم يكن فتح و قد جهد، ثم بعث عمر بن الخطاب فقاتل ثم رجع و لم يكن فتح و قد جهد

فقال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)

لأعطين الراية غدا رجلا يحب اللَّه و رسوله و يحبه اللَّه و رسوله يفتح اللَّه على يديه ليس بفرار، قال سلمة: فدعا رسول اللَّه عليا و هو أرمد فتفل في عينيه ثم قال: خذ هذه الراية فامض بها حتى يفتح اللَّه عليك، قال سلمة فخرج و اللَّه بها يهرول هرولة و إنا لخلفه نتبع أثره حتى ركز رأيته في رجم من حجارة تحت الحصن فاطلع إليه يهودي من رأس الحصن فقال: من أنت؟ قال:

على بن أبى طالب، قال اليهودي: غلبتم و من أنزل التوراة على موسى قال: فما رجع حتى فتح اللَّه على يديه»

و قد رواه عكرمة بن عمار عن عطاء مولى السائب عن سلمة بن الأكوع‏

و فيه أنه هو الّذي جاء به يقوده و هو أرمد حتى بصق رسول اللَّه في عينيه فبرأ.

337

رواية بريدة بن الحصيب.

و قال الامام أحمد: حدثنا زيد [بن الحباب‏] ثنا الحسين بن وافد حدثني عبد اللَّه بن بريدة حدثني بريدة بن الحصيب قال‏

: حاصرنا خيبر فأخذ اللواء أبو بكر فانصرف و لم يفتح له، ثم أخذه من الغد عمر فخرج فرجع و لم يفتح له، و أصاب الناس يومئذ شدة و جهد فقال رسول اللَّه: إني دافع اللواء غدا إلى رجل يحبه اللَّه و رسوله و يحب اللَّه و رسوله لا يرجع حتى يفتح له- و بتنا طيبة أنفسنا أن الفتح غدا-

قال: فلما أصبح رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) صلى الغداة، ثم قام قائما فدعا باللواء و الناس على مصافهم فدعا عليا و هو أرمد فتفل في عينيه و دفع إليه اللواء ففتح له، قال بريدة: و أنا فيمن تطاول لها، و رواه النسائي من حديث الحسين بن واقد به أطول منه ثم رواه أحمد عن محمد بن جعفر و روح كلاهما عن عوف عن ميمون أبى عبد اللَّه الكردي عن عبد اللَّه ابن بريدة عن أبيه به نحوه، و أخرجه النسائي عن بندار و غند ربه و فيه الشعر.

رواية عبد اللَّه بن عمرو رواه هشيم عن العوام بن حوشب عن حبيب بن أبى ثابت عن عن ابن عمر فذكر سياق حديث بريدة

و رواه كثير النواء عن جميع بن عمير عن ابن عمر نحوه و فيه «قال على:

فما رمدت بعد يومئذ»

و رواه أحمد عن وكيع عن هشام بن سعيد عن عمر بن أسيد عن ابن عمر

كما سيأتي.

رواية ابن عباس‏

و قال أبو يعلى: حدثنا يحيى بن عبد الحميد ثنا أبو عوانة عن أبى بلج عن عمرو بن ميمون عن ابن عباس قال قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)

: «لأعطين الراية غدا رجلا يحب اللَّه و رسوله و يحبه اللَّه و رسوله، فقال أين على؟ قالوا: يطحن، قال و ما أحد منهم يرضى أن يطحن، فأتى به فدفع إليه الراية فجاء بصفية بنت حيي بن أخطب»

و هذا غريب من هذا الوجه و هو مختصر من حديث طويل، و رواه الامام أحمد عن يحيى بن حماد عن أبى عوانة عن أبى بلج عن عمرو بن ميمون عن ابن عباس فذكره بتمامه فقال الامام أحمد عن يحيى بن حماد: ثنا أبو عوانة ثنا أبو بلج ثنا عمرو بن ميمون قال: إني لجالس إلى ابن عباس إذ أتاه تسعة رهط فقالوا: يا ابن عباس إما أن تقوم معنا و إما أن تخلونا هؤلاء؟ فقال: بل أقوم معكم- و هو يومئذ صحيح قبل أن يعمى- قال:

و ابتدءوا فتحدثوا فلا ندري ما قالوا قال فجاء ينفض ثوبه و يقول: أف و تف، وقعوا في رجل له عشر وقعوا في رجل‏

قال له النبي (صلى اللَّه عليه و سلم):

«لأبعثن رجلا لا يخزيه اللَّه أبدا يحب اللَّه و رسوله قال:

فاستشرف لها من استشرف قال: أين على؟ قالوا: هو في الرحا يطحن، قال: و ما كان أحدكم ليطحن، قال فجاء و هو أرمد لا يكاد أن يبصر فنفث في عينيه ثم هز الراية ثلاثا فأعطاها إياه فجاء بصفية بنت حيي بن أخطب قال: ثم بعث فلانا بسورة التوبة فبعث عليا خلفه فأخذها ثم قال:

لا يذهب بها إلا رجل منى و أنا منه. قال و قال لبني عمه: أيكم يواليني في الدنيا و الآخرة؟ فأبوا

338

قال: و على معه جالس فقال على: أنا أواليك في الدنيا و الآخرة قال فتركه ثم أقبل على رجال منهم فقال: أيكم يواليني في الدنيا و الآخرة فأبوا فقال على: أنا أواليك في الدنيا و الآخرة فقال: أنت وليي في الدنيا و الآخرة» قال: و كان أول من أسلم من الناس بعد خديجة، قال: و أخذ رسول اللَّه ثوبه فوضعه على عليّ و فاطمة و حسن و حسين فقال:

«إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً»

قال و شرى على نفسه لبس ثوب النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) ثم نام مكانه، قال و كان المشركون يرومون رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فجاء أبو بكر و على نائم و أبو بكر يحسب أنه نبي اللَّه فقال: يا نبي اللَّه! فقال له على: إن نبي اللَّه قد انطلق نحو بئر ميمونة فأدركه، قال: فانطلق أبو بكر فدخل معه الغار قال: و جعل عليّ يرمى بالحجارة كما كان يرمى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و هو يتضرر و قد لف رأسه في الثوب لا يخرجه حتى أصبح ثم كشف عن رأسه فقالوا: إنك لئيم كان صاحبك نرميه فلا يتضرر و أنت تتضرر و قد استنكرنا ذلك، قال: و خرج- يعنى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) في غزوة تبوك- فقال له على: أخرج معك؟

فقال له النبي (صلى اللَّه عليه و سلم): لا! فبكى على فقال: «أما ترضى أن تكون منى بمنزلة هارون من موسى إلا أنك لست بنبي؟ إنه لا ينبغي أن أذهب إلا و أنت خليفتي» قال و قال له رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): «أنت ولي كل مؤمن» بعدي قال و سد أبواب المسجد غير باب على قال فيدخل المسجد جنبا و هو طريقه ليس له طريق غيره، قال و قال «من كنت مولاه فان عليا مولاه» قال: و أخبرنا اللَّه في القرآن أنه قد رضى عن أصحاب الشجرة فعلم ما في قلوبهم فهل حدثنا أنه سخط عليهم بعد. قال و قال نبي اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) لعمر حين قال ائذن لي أن أضرب عنق هذا المنافق- يعنى حاطب بن أبى بلتعة- قال:

«و ما يدريك لعل اللَّه قد اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم»

و قد روى الترمذي بعضه من طريق شعبة عن أبى بلج يحيى ابن أبى سليم و استغربه، و أخرج النسائي بعضه أيضا عن محمد بن المثنى عن يحيى بن حماد به.

و قال البخاري في التاريخ: ثنا عمر بن عبد الوهاب الرماحى ثنا معمر بن سليمان عن أبيه عن منصور عن ربعي عن عمران بن حصين. قال قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)

: «لأدفعن الراية إلى رجل يحب اللَّه و رسوله و يحبه اللَّه و رسوله فبعث إلى على و هو أرمد فتفل في عينيه و أعطاه الراية فما رد وجهه و ما اشتكاهما بعد»

و رواه أبو القاسم البغوي عن إسحاق ابن إبراهيم عن أبى موسى الهروي عن على بن هاشم عن محمد بن على عن منصور عن ربعي عن عمران فذكره. و أخرجه النسائي عن عباس العنبري عن عمر بن عبد الوهاب به.

رواية أبى سعيد في ذلك‏

قال الامام أحمد: حدثنا مصعب بن المقدام و حجين بن المثنى قالا: ثنا إسرائيل ثنا عبد اللَّه بن عصمة قال سمعت أبا سعيد الخدريّ يقول‏

: إن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) أخذ الراية فهزها ثم قال: «من يأخذها بحقها فجاء فلان فقال أنا فقال: امض ثم جاء رجل آخر فقال‏

339

أنا فقال امض ثم قال النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) و الّذي أكرم وجه محمد لأعطينها رجلا لا يفر، فجاء على فانطلق حتى فتح اللَّه عليه خيبر و فدك و جاء بعجوتهما و قديدهما».

و رواه أبو يعلى عن حسين بن محمد عن إسرائيل و قال في سياقه‏

«فجاء الزبير فقال أنا فقال: امض ثم جاء آخر فقال: امض»

و ذكره تفرد به أحمد.

رواية على بن أبى طالب في ذلك‏

و قال الإمام أحمد حدثنا وكيع عن ابن أبى ليلى عن المنهال عن عبد الرحمن بن أبى ليلى قال‏

كان أبى يسير مع على و كان على يلبس ثياب الصيف في الشتاء و ثياب الشتاء في الصيف فقيل له لو سألته فسألته فقال: «إن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) بعث إلى و أنا أرمد العين يوم خيبر فقلت يا رسول اللَّه إني أرمد العين فتفل في عيني فقال اللَّهمّ أذهب عنه الحر و البرد فما وجدت حرا و لا بردا منذ يومئذ، و قال لأعطين الراية رجلا يحب اللَّه و رسوله و يحبه اللَّه و رسوله، ليس بفرار فتشرف لها أصحاب النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) فأعطانيها» تفرد به أحمد

و قد رواه غير واحد عن محمد بن عبد الرحمن بن أبى ليلى عن أبيه عن على به مطولا.

و قال أبو يعلى: حدثنا زهير ثنا جرير عن مغيرة عن أم موسى قالت سمعت عليا يقول‏

: «ما رمدت و لا صدعت منذ مسح رسول اللَّه وجهي و تفل في عيني يوم خيبر و أعطانى الراية»

رواية سعد بن أبى وقاص في ذلك.

ثبت في الصحيحين من حديث شعبة عن سعد بن إبراهيم بن سعد بن أبى وقاص عن أبيه عن سعد بن أبى وقاص أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) قال لعلى:

«أما ترضى أن تكون منى بمنزلة هارون من موسى غير أنه لا نبي بعدي»؟

قال أحمد و مسلم و الترمذي: حدثنا قتيبة بن سعيد ثنا حاتم بن إسماعيل عن بكير بن مسمار عن عامر ابن سعد بن أبى وقاص عن أبيه قال له‏

: أمر معاوية بن أبى سفيان سعدا فقال ما يمنعك أن تسب أبا تراب؟ [فقال‏] أما ما ذكرت ثلاثا قالهن له رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)؟ لأن تكون لي واحدة منهن أحب إلى من حمر النعم سمعت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يقول- و خلفه في بعض مغازيه- فقال له على يا رسول اللَّه أ تخلفني مع النساء و الصبيان؟ فقال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): «أما ترضى أن تكون منى بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي»؟

و سمعته يقول يوم خيبر:

«لأعطين الراية رجلا يحب اللَّه و رسوله و يحبه اللَّه و رسوله قال فتطاولت لها قال ادعوا لي عليا فأتى به أرمد فبصق في عينيه و دفع الراية إليه ففتح اللَّه عليه»

و لما نزلت هذه الآية

فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَ أَبْناءَكُمْ وَ نِساءَنا وَ نِساءَكُمْ وَ أَنْفُسَنا وَ أَنْفُسَكُمْ‏

«دعا رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) عليا و فاطمة و حسنا و حسينا ثم قال اللَّهمّ هؤلاء أهلي»:

و قد رواه مسلم و الترمذي و النسائي من حديث سعيد بن المسيب عن سعد أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) قال لعلى:

«أنت منى بمنزلة هارون من موسى»

و قال الترمذي: و يستغرب من رواية سعيد عن سعد.

و قال الامام أحمد: حدثنا أحمد الزبيري ثنا عبد اللَّه بن حبيب بن أبى ثابت عن حمزة بن عبد اللَّه عن أبيه- يعنى عبد اللَّه بن عمر- عن سعد قال‏

: لما خرج رسول اللَّه إلى تبوك خلف عليا فقال:

340

أ تخلفني؟ قال: «أ ما ترضى أن تكون منى بمنزلة هارون من موسى غير أنه لا نبي بعدي»

و هذا إسناد جيد و لم يخرجوه.

و قال الحسن بن عرفة العبديّ: ثنا محمد بن حازم أبو معاوية الضرير عن موسى بن مسلم الشيباني عن عبد الرحمن بن سابط عن سعد بن أبى وقاص قال‏

: قدم معاوية في بعض حجاته فأتاه سعد بن أبى وقاص فذكروا عليا فقال سعد: له ثلاث خصال لأن تكون لي واحدة منهن أحب إلى من الدنيا و ما فيها. سمعت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يقول «من كنت مولاه فعلى مولاه، و سمعته يقول: لأعطين الراية غدا رجلا يحب اللَّه و رسوله و يحبه اللَّه و رسوله، و سمعته يقول:

أنت منى بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي»

لم يخرجوه و إسناده حسن.

و قال أبو زرعة الدمشقيّ: ثنا أحمد بن خالد الذهبي أبو سعيد ثنا محمد بن إسحاق عن عبد اللَّه بن أبى نجيح عن أبيه قال‏

: «لما حج معاوية أخذ بيد سعد بن أبى وقاص فقال يا أبا إسحاق إنا قوم قد أجفانا هذا الغزو عن الحج حتى كدنا أن ننسى بعض سننه فطف نطف بطوافك، قال: فلما فرغ أدخله دار الندوة فأجلسه معه على سريره ثم ذكر على بن أبى طالب فوقع فيه فقال: أدخلتنى دارك و أجلستنى على سريرك ثم وقعت في على تشتمه؟ و اللَّه لأن يكون فىّ إحدى خلاله الثلاث أحب إلى من أن يكون لي ما طلعت عليه الشمس، و لأن يكون لي ما قال له حين غزا تبوكا «ألا ترضى أن تكون منى بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي»؟ أحب إلى مما طلعت عليه الشمس، و لأن يكون لي ما قال له يوم خيبر: «لأعطين الراية رجلا يحب اللَّه و رسوله و يحبه اللَّه و رسوله يفتح اللَّه على يديه ليس بفرار»

أحب إلى مما طلعت عليه الشمس و لأن أكون صهره على ابنته ولى منها من الولد ما له أحبّ إلى من أن يكون لي ما طلعت عليه الشمس، لا أدخل عليك دارا بعد هذا اليوم، ثم نفض رداءه ثم خرج.

و قال أحمد: حدثنا محمد بن جعفر ثنا شعبة عن الحكم عن مصعب بن سعد عن سعد بن أبى وقاص قال‏

: خلف رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) على بن أبى طالب فقال: يا رسول اللَّه تخلفني في النساء و الصبيان؟ قال: «أما ترضى أن تكون منى بمنزلة هارون من موسى غير أنه لا نبي بعدي»؟ إسناده على شرطهما و لم يخرجاه.

و هكذا رواه أبو عوانة عن الأعمش عن الحكم بن مصعب عن أبيه و رواه ابو داود الطيالسي عن شعبة عن عاصم عن مصعب عن أبيه‏

فاللَّه أعلم.

و قال أحمد: ثنا أبو سعيد مولى بنى هاشم ثنا سليمان بن بلال حدثنا الجعد بن عبد الرحمن الجعفي عن عائشة بنت سعد عن أبيها

:

أن عليا خرج مع رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) حتى جاء ثنية الوداع و على يبكى يقول: تخلفني مع الخوالف؟

فقال: «أو ما ترضى أن تكون منى بمنزلة هارون من موسى إلا النبوة»؟ و هذا إسناد صحيح أيضا و لم يخرجوه.

و قد رواه غير واحد عن عائشة بنت سعد عن أبيها، قال الحافظ ابن عساكر: و قد روى هذا الحديث عن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) جماعة من الصحابة منهم عمرو على و ابن عباس و عبد اللَّه‏

341

ابن جعفر و معاوية و جابر بن عبد اللَّه و جابر بن سمرة و أبو سعيد و البراء بن عازب و زيد بن أرقم و زيد بن أبى أوفى و نبيط بن شريط و حبشي بن جنادة و مالك بن الحويرث و أنس بن مالك و أبو الفضل، و أم سلمة و أسماء بنت عميس، و فاطمة بنت حمزة،

و قد تقصى الحافظ ابن عساكر هذه الأحاديث في ترجمة على في تاريخه فأجاد و أفاد و برز على النظراء و الأشباه و الأنداد. رحمه رب العباد يوم التناد. رواية عمر رضى اللَّه عنه في ذلك قال أبو يعلى: حدثنا عبد اللَّه بن عمر ثنا عبد اللَّه بن جعفر أخبرنى سهل بن أبى صالح عن أبيه عن أبى هريرة قال قال عمر: لقد أعطى على بن أبى طالب ثلاث خصال لأن تكون لي خصلة منها أحب إلى من حمر النعم قيل و ما هن يا أمير المؤمنين؟

قال: تزويجه فاطمة بنت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، و سكناه المسجد مع رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يحل له فيه ما يحل له، و الراية يوم خيبر. و قد روى عن عمر من غير وجه رواية ابن عمر رضى اللَّه عنهما و قد رواه الامام أحمد عن وكيع عن هشام بن سعد عن عمر بن أسيد عن ابن عمر قال: «كنا نقول في زمان رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) خير الناس أبو بكر ثم عمر و لقد أوتى ابن أبى طالب ثلاثا لأن أكون أعطيتهن أحب إلى من حمر النعم». فذكر هذه الثلاث.

و قد روى أحمد و الترمذي من حديث عبد اللَّه بن محمد بن عقيل عن جابر أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) قال لعلى:

«أما ترضى أن تكون منى بمنزلة هارون من موسى غير أنه لا نبي بعدي»؟

و رواه أحمد من حديث عطية عن أبى سعيد عن النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) قال‏

: «أنت منى بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي».

و رواه الطبراني من طريق عبد العزيز بن حكيم عن ابن عمر مرفوعا

و رواه سلمة بن كهيل عن عامر بن سعد عن أبيه عن أم سلمة أن رسول اللَّه قال لعلى:

«أما ترضى أن تكون منى بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي»

قال سلمة و سمعت مولى لبني موهب يقول: سمعت ابن عباس يقول قال النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) مثله.

تزويجه فاطمة الزهراء رضى اللَّه عنها.

قال سفيان الثوري عن ابن أبى نجيح عن أبيه سمع رجل عليا على منبر الكوفة يقول:

«أردت أن أخطب إلى رسول اللَّه ابنته ثم ذكرت أن لا شي‏ء لي ثم ذكرت عائدته و صلته فخطبتها، فقال: هل عندك شي‏ء؟ قلت: لا! قال فأين درعك الحطمية التي أعطيتك يوم كذا و كذا؟ قلت: عندي، قال: فأعطها فأعطيتها فزوجني فلما كان ليلة دخلت عليها قال لا تحدثا شيئا حتى آتيكما، قال: فأتانا و علينا قطيفة أو كساء فتحثثنا فقال مكانكما، ثم دعا بقدح من ماء فدعا فيه ثم رشه على و عليها، فقلت: يا رسول اللَّه أنا أحب إليك أم هي؟ قال: هي أحب إلى و أنت أعز على منها».

و قد روى النسائي من طريق عبد الكريم بن سليط عن ابن بريدة عن أبيه فذكره بأبسط من هذا السياق، و فيه‏

أنه أو لم عليها بكبش من عند سعد و آصع من الذرة من عند جماعة من الأنصار، و أنه دعا لهما بعد ما صب عليهما الماء، فقال: «اللَّهمّ بارك لهما في شملهما»

- يعنى‏

342

الجماع-

و قال محمد بن كثير عن الأوزاعي عن يحيى بن أبى كثير عن أبى سلمة عن أبى هريرة قال‏

:

لما خطب على فاطمة دخل عليها رسول اللَّه فقال لها: «أي بنية! إن ابن عمك عليا قد خطبك فما ذا تقولين؟ فبكت ثم قالت: كأنك يا أبت إنما دخرتنى لفقير قريش؟ فقال: و الّذي بعثني بالحق ما تكلمت فيه حتى أذن اللَّه لي فيه من السموات، فقالت فاطمة: رضيت بما رضى اللَّه و رسوله. فخرج من عندها و اجتمع المسلمون إليه ثم قال: يا على اخطب لنفسك فقال على الحمد للَّه الّذي لا يموت و هذا محمد رسول اللَّه زوجني ابنته على صداق مبلغه أربعمائة درهم فاسمعوا ما يقول و اشهدوا، قالوا: ما تقول يا رسول اللَّه؟ قال: أشهدكم إني قد زوجته».

رواه ابن عساكر و هو منكر و قد ورد في هذا الفصل أحاديث كثيرة منكرة و موضوعة ضربنا عنها لئلا يطول الكتاب بها. و قد أورد منها طرفا جيدا الحافظ ابن عساكر في تاريخه.

و قال وكيع عن أبى خالد عن الشعبي قال قال على‏

: «ما كان لنا إلا إهاب كبش ننام على ناحيته و تعجن فاطمة على ناحيته» و في رواية مجالد عن الشعبي «و نعلف عليه الناضح بالنهار و ما لي خادم عليها غيرها».

(حديث آخر)

قال أحمد: حدثنا محمد بن جعفر ثنا عوف عن ميمون أبى عبد اللَّه عن زيد بن أرقم قال‏

: كان لنفر من أصحاب رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) أبواب شارعة في المسجد قال فقال يوما: «سدوا هذه الأبواب إلا باب على» قال فتكلم في ذلك أناس فقام رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فحمد اللَّه و أثنى عليه ثم قال: «أما بعد فانى أمرت بسد هذه الأبواب غير باب على فقال فيه قائلكم و إني و اللَّه ما سددت شيئا و لا فتحته، و لكن أمرت بشي‏ء فاتبعته».

و قد رواه أبو الأشهب عن عوف عن ميمون عن البراء بن عازب فذكره.

و قد تقدم ما رواه أحمد و النسائي من حديث أبى عوانة عن أبى بلج عن عمرو بن ميمون عن ابن عباس الحديث الطويل و فيه سد الأبواب غير باب على. و كذا رواه شعبة عن أبى بلج.

و رواه سعد بن أبى وقاص قال أبو يعلى ثنا موسى بن محمد بن حسان ثنا محمد بن إسماعيل بن جعفر الطحان ثنا غسان بن بسر الكاهلي عن مسلم عن خيثمة عن سعد

«أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) سد أبواب المسجد و فتح باب على فقال الناس في ذلك فقال: ما أنا فتحته و لكن اللَّه فتحه»

و هذا لا ينافي ما ثبت في صحيح البخاري من أمره (عليه السلام) في مرض الموت بسد الأبواب الشارعة إلى المسجد إلا باب أبى بكر الصديق لأن نفى هذا في حق على كان في حال حياته لاحتياج فاطمة إلى المرور من بيتها إلى بيت أبيها، فجعل هذا رفقا بها، و أما بعد وفاته فزالت هذه العلة فاحتيج إلى فتح باب الصديق لأجل خروجه إلى المسجد ليصلي بالناس إذا كان الخليفة عليهم بعد موته (عليه السلام) و فيه إشارة إلى خلافته.

و قال الترمذي: ثنا على بن المنذر ثنا ابن فضيل عن سالم بن أبى حفصة عن عطية عن أبى سعيد. قال قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) لعلى:

«يا على لا يحل لأحد يجنب في المسجد غيري و غيرك»

قال على بن‏

343

المنذر: قلت لضرار بن صرد: ما معنى هذا الحديث؟ قال: لا يحل لأحد يستطرقه جنبا غيري و غيرك. ثم قال الترمذي: و هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه. و قد سمع محمد ابن إسماعيل هذا الحديث. و قد رواه ابن عساكر من طريق كثير النواء عن عطية عن أبى سعيد به، ثم‏

أورده من طريق أبى نعيم ثنا عبد الملك بن أبى عيينة عن أبى الخطاب عمر الهروي عن محدوج عن جسرة بنت دجاجة أخبرتنى أم سلمة قالت‏

: خرج النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) في مرضه حتى انتهى إلى صرحة المسجد فنادى بأعلى صوته: «إنه لا يحل المسجد لجنب و لا لحائض إلا لمحمد و أزواجه و على و فاطمة بنت محمد ألا هل بينت لكم الأسماء أن تضلوا»

و هذا إسناد غريب و فيه ضعف، ثم ساقه من حديث أبى رافع بنحوه و في إسناده غرابة أيضا. (حديث آخر)

قال الحاكم و غير واحد عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن بريدة بن الحصيب: قال‏

غزوت مع على إلى اليمن فرأيت منه جفوة فقدمت على رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فذكرت عليا فتنقصته فرأيت وجه رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يتغير فقال:

«يا بريدة أ لست أولى بالمؤمنين من أنفسهم»؟ فقلت بلى يا رسول اللَّه فقال: «من كنت مولاه فعلى مولاه».

و قال الامام أحمد: حدثنا ابن نمير ثنا الأجلح الكندي عن عبد اللَّه بن بريدة عن أبيه بريدة قال‏

: «بعث رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) بعثتين إلى اليمن على إحداهما على بن أبى طالب و على الأخرى خالد بن الوليد و قال إذا التقيتما فعلى على الناس و إذا افترقتما فكل واحد منكما على جنده، قال: فلقينا بنى زيد من أهل اليمن فاقتتلنا فظهر المسلمون على المشركين فقتلنا المقاتلة و سبينا الذرية فاصطفى على امرأة من السبي لنفسه، قال بريدة: فكتب معى خالد بن الوليد إلى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يخبره بذلك، فلما أتيت رسول اللَّه دفعت إليه الكتاب فقرئ عليه فرأيت الغضب في وجه رسول اللَّه فقلت: يا رسول اللَّه هذا مكان العائذ بعثتني مع رجل و أمرتنى أن أطيعه فبلغت ما أرسلت به، فقال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) لا تقع في على فإنه منى و أنا منه، و هو وليكم بعدي»

هذه الفظة منكرة و الأجلح شيعي و مثله لا يقبل إذا تفرد بمثلها، و قد تابعه فيها من هو أضعف منه و اللَّه أعلم.

و المحفوظ في هذا رواية أحمد عن وكيع عن الأعمش عن سعد بن عبيدة عن عبد اللَّه بن بريدة عن أبيه قال قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)

: «من كنت مولاه فعلى وليه».

و رواه أحمد أيضا و الحسن بن عرفة عن الأعمش به. و رواه النسائي عن أبى كريب عن أبى معاوية به.

و قال أحمد: حدثنا روح بن على ابن سويد بن منجوف عن عبد اللَّه بن بريدة عن أبيه قال‏

: «بعث رسول اللَّه عليا إلى خالد بن الوليد ليقبض الخمس قال فأصبح و رأسه تقطر، فقال خالد لبريدة: ألا ترى ما يصنع هذا؟ قال:

فلما رجعت إلى رسول اللَّه أخبرته ما صنع على، قال:- و كنت أبغض عليا- فقال: يا بريدة أ تبغض عليا؟ فقلت: نعم! قال: لا تبغضه و أحبه فان له في الخمس أكثر من ذلك».

و قد رواه البخاري في‏

344

الصحيح عن بندار عن روح به مطولا

.

و قال أحمد: حدثنا يحيى بن سعيد ثنا عبد الجليل قال انتهيت إلى حلقة فيها أبو مجاز و ابنا بريدة فقال عبد اللَّه بن بريدة: حدثني أبى بريدة قال‏

«أبغضت عليا بغضا لم أبغضه أحدا، قال و أحببت رجلا من قريش لم أحبه إلا على بغضه عليا، قال فبعث ذلك الرجل على خيل قال فصحبته ما أصحبه إلا على بغضه عليا فأصبنا سبيا فكتبنا إلى رسول اللَّه أن البعث إلينا من يخمسه، فبعث إلينا عليا قال و في السبي وصيفة هي من أفضل السبي- فخمس و قسم فخرج و رأسه يقطر، فقلنا: يا أبا الحسن ما هذا؟ قال: أ لم تروا إلى الوصيفة التي كانت في السبي؟

فانى قسمت و خمست فصارت في الخمس ثم صارت في أهل بيت النبي (صلى اللَّه عليه و سلم)، ثم صارت في آل على فوقعت بها، قال و كتب الرجل إلى نبي اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فقلت: ابعثني؟ فبعثني مصدقا، قال: فجعلت أقرأ الكتاب و أقول صدق، قال: فأمسك النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) بيدي و الكتاب قال: أ تبغض عليا؟ قال: قلت نعم! قال: فلا تبغضه و إن كنت تحبه فازدد له حبا، فو الّذي نفسي بيده لنصيب آل على في الخمس أفضل من وصيفة، قال: فما كان في الناس أحد بعد قول رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) أحب إلى من على‏

قال عبد اللَّه: فو الّذي لا إله غيره ما بيني و بين النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) في هذا الحديث غير أبى بريدة» تفرد به أحمد و قد روى غير واحد هذا الحديث عن أبى الجواب عن يونس بن أبى إسحاق عن أبيه عن البراء بن عازب نحو رواية بريدة بن الحصيب و هذا غريب. و قد رواه الترمذي عن عبد اللَّه بن أبى زياد عن أبى الجواب الأحوص بن جواب به و قال حسن غريب لا نعرفه إلا من حديثه.

و قال الامام أحمد: حدثنا عبد الرزاق ثنا جعفر بن سليمان حدثني يزيد الرشك عن مطرف بن عبد اللَّه عن عمران بن حصين قال:

«بعث رسول اللَّه سرية و أمر عليها على بن أبى طالب فأحدث شيئا في سفره فتعاقد أربعة من أصحاب محمد أن يذكروا أمره إلى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) قال عمران. و كنا إذا قدمنا من سفر بدأنا برسول اللَّه فسلمنا عليه، قال: فدخلوا عليه فقام رجل منهم فقال: يا رسول اللَّه إن عليا فعل كذا و كذا فأعرض عنه ثم قال الثاني فقال يا رسول اللَّه إن عليا فعل كذا و كذا، فأعرض عنه ثم قام الثالث فقال: يا رسول اللَّه إن عليا فعل كذا و كذا ثم قام الرابع فقال: يا رسول اللَّه إن عليا فعل كذا و كذا، قال: فأقبل رسول اللَّه على الرابع و قد تغير وجهه و قال: دعوا عليا، دعوا عليا، دعوا عليا إن عليا منى و أنا منه و هو ولى كل مؤمن بعدي».

و قد رواه الترمذي و النسائي عن قتيبة عن جعفر بن سليمان و سياق الترمذي مطول و فيه‏

«أنه أصاب جارية من السبي» ثم قال: حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث جعفر بن سليمان.

و رواه أبو يعلى الموصلي عن عبد اللَّه بن عمر القواريري و الحسن بن عمر بن شقيق الحرمي و المعلى بن مهدي كلهم عن جعفر بن سليمان به.

و قال خيثمة بن سليمان حدثنا أحمد بن حازم أخبرنا عبيد اللَّه بن موسى بن يوسف بن صهيب عن دكين‏

345

عن وهب بن حمزة قال‏

«سافرت مع على بن أبى طالب من المدينة إلى مكة، فرأيت منه جفوة فقلت: لئن رجعت فلقيت رسول اللَّه لأنا لن منه، قال: فرجعت فلقيت رسول اللَّه فذكرت عليا فنلت منه، فقال لي رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): لا تقولن هذا لعلى فان عليا وليكم بعدي»:

و قال أبو داود الطيالسي: عن شعبة عن أبى بلج عن عمرو بن ميمون عن ابن عباس أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) قال لعلى:

«أنت ولى كل مؤمن بعدي».

و قال الامام أحمد: حدثنا يعقوب بن إبراهيم ثنا أبى عن أبى إسحاق حدثني عبد اللَّه بن عبد الرحمن بن معمر بن حزم عن سليمان بن محمد بن كعب بن عجرة عن عمته زينب بنت كعب- و كانت عند أبى سعيد الخدريّ- عن أبى سعيد قالت‏

: اشتكى عليا الناس فقام رسول اللَّه فينا خطيبا فسمعته يقول: «أيها الناس لا تشكوا عليا فو اللَّه إنه لأجيش في ذات اللَّه- أو في سبيل اللَّه».

تفرد به أحمد.

و قال الحافظ البيهقي: أخبرنا أبو الحسين بن الفضل القطان أنا أبو سهل بن زياد القطان ثنا أبو إسحاق القاضي ثنا إسماعيل بن أبى إدريس حدثني أخى عن سليمان بن بلال عن سعد بن إسحاق بن كعب بن عجرة عن عمته زينب بنت كعب بن عجرة عن أبى سعيد قال:

«بعث رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) على بن أبى طالب إلى اليمن، قال أبو سعيد: فكنت فيمن خرج معه فلما أحضر إبل الصدقة سألناه أن نركب منها و نريح إبلنا- و كنا قد رأينا في إبلنا خللا- فأبى علينا و قال: إنما لكم منها سهم كما للمسلمين، قال: فلما فرغ على و انصرف من اليمن راجعا، أمر علينا إنسانا فأسرع هو فأدرك الحج، فلما قضى حجته قال له النبي (صلى اللَّه عليه و سلم): ارجع إلى أصحابك حتى تقدم عليهم. قال أبو سعيد: و قد كنا سألنا الّذي استخلفه ما كان على منعنا إياه ففعل، فلما جاء على عرف في إبل الصدقة أنها قد ركبت- رأى أثر المراكب- فذم الّذي أمره و لامه، فقلت أما إن للَّه على إن قدمت المدينة و غدوت إلى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) لأذكرن لرسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و لأخبرته ما لقينا من الغلظة و التضييق، قال: فلما قدمنا المدينة غدوت إلى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) أريد أن أذكر له ما كنت حلفت عليه فلقيت أبا بكر خارجا من عند رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فلما رآني وقف معى و رحب بى و ساءلني و ساءلته و قال: متى قدمت؟ قلت: قدمت البارحة، فرجع معى إلى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و قال: هذا سعد بن مالك بن الشهيد، قال: ائذن، له فدخلت فحييت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و حياني و سلمت عليه و سألني عن نفسي و عن أهلي فأخفى المسألة فقلت: يا رسول اللَّه لقينا من على من الغلظة و سوء الصحبة و التضييق، فابتدر رسول اللَّه و جعلت أنا أعدد ما لقينا منه حتى إذا كنت في وسط كلامي ضرب رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) على فخذي- و كنت منه قريبا- و قال: سعد بن مالك بن الشهيد منه بعض قولك لأخيك على، فو اللَّه لقد علمت أنه جيش في سبيل اللَّه، قال فقلت في نفسي:

ثكلتك أمك سعد بن مالك ألا أرانى كنت فيما يكره منذ اليوم و ما أدرى لا جرم، و اللَّه لا أذكره‏

346

بسوء أبدا سرا و لا علانية»:

و قال يونس بن بكير. عن محمد بن إسحاق حدثني أبان بن صالح عن عبد اللَّه بن دينار الأسلمي عن خاله عمرو بن شاش الأسلمي- و كان من أصحاب الحديبيّة- قال‏

:

«كنت مع على في خيله التي بعثه فيها رسول اللَّه إلى اليمن، فجفاني على بعض الجفاء فوجدت عليه في نفسي، فلما قدمت المدينة اشتكيته في مجالس المدينة و عند من لقيته فأقبلت يوما و رسول اللَّه جالس في المسجد فلما رآني انظر إلى عينيه نظر إلى حتى جلست إليه فلما جلست إليه قال: أما إنه و اللَّه يا عمرو لقد آذيتني، فقلت:

إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ‏

أعوذ باللَّه و الإسلام أن أوذى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فقال: من آذى عليا فقد آذاني»

و قد رواه الامام أحمد عن يعقوب عن أبيه إبراهيم بن سعد عن محمد بن إسحاق عن أبان بن صالح عن الفضل بن معقل عن عبد اللَّه بن دينار عن خاله عمرو بن شاش فذكره. و كذا رواه غير واحد عن محمد بن إسحاق عن أبان بن الفضل. و كذلك رواه سيف بن عمر عن عبد اللَّه بن سعيد عن أبان بن صالح به و لفظه‏

: «فقال رسول اللَّه من آذى مسلما فقد آذاني و من آذاني فقد آذى اللَّه».

و روى عباد بن يعقوب الرواجني عن موسى بن عمير عن عقيل بن نجدة بن هبيرة عن عمرو بن شاش قال قال رسول اللَّه‏

: «يا عمرو إن من آذى عليا فقد آذاني»

و قال أبو يعلى: ثنا محمود بن خداش ثنا مروان بن معاوية ثنا فنان بن عبد اللَّه النهمي ثنا مصعب بن سعد بن أبى وقاص عن أبيه قال‏

: كنت جالسا في المسجد أنا و رجلان معى فنلنا من على فأقبل رسول اللَّه يعرف في وجهه الغضب فتعوذت باللَّه من غضبه فقال: «ما لكم و ما لي؟ من آذى عليا فقد آذاني».

(حديث غدير خم)

قال الامام أحمد: حدثنا حسين بن محمد و أبو نعيم المعنى قالا: ثنا فطر عن أبى الطفيل قال‏

: جمع على الناس في الرحبة ثم قال لهم: أنشد اللَّه كل امرئ مسلم سمع رسول اللَّه يقول يوم غدير خم ما سمع لما قام، فقام كثير من الناس قال أبو نعيم!- فقام ناس كثير- فشهدوا حين أخذ بيده فقال للناس: «أ تعلمون أنى أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟ قالوا نعم يا رسول اللَّه قال: من كنت مولاه فهذا مولاه اللَّهمّ وال من والاه و عاد من عاداه».

قال فخرجت كأن في نفسي شيئا فلقيت زيد بن أرقم فقلت له: إني سمعت عليا يقول كذا و كذا: قال. فما تنكر؟ قد سمعت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يقول ذلك له. و رواه النسائي من حديث حبيب بن أبى ثابت عن أبى الطفيل عنه أتم من ذلك،

و قال أبو بكر الشافعيّ: ثنا محمد بن سليمان بن الحارث ثنا عبيد اللَّه ابن موسى ثنا أبو إسرائيل الملائى عن الحكم عن أبى سليمان المؤذن عن زيد بن أرقم‏

أن عليا انتشد الناس: من سمع رسول اللَّه يقول: «من كنت مولاه فعلى مولاه، اللَّهمّ وال من والاه و عاد من عاداه» فقام ستة عشر رجلا فشهدوا بذلك و كنت فيهم.

و قال أبو يعلى و عبد اللَّه بن أحمد في مسند أبيه:

حدثنا القواريري ثنا يونس بن أرقم ثنا يزيد بن أبى زياد عن عبد الرحمن بن أبى ليلى قال‏

:

347

«شهدت عليا في الرحبة يناشد الناس: أنشد باللَّه من سمع رسول اللَّه يقول يوم غدير خم: من كنت مولاه فعلى مولاه لما قام فشهد قال عبد الرحمن: فقام اثنا عشر بدريا كأنى انظر إلى أحدهم عليه سراويل فقالوا: نشهد أنا سمعنا رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يقول يوم غدير خم: أ لست أولى بالمؤمنين من أنفسهم و أزواجى أمهاتهم؟ قلنا: بلى يا رسول اللَّه، قال: فمن كنت مولاه فعلى مولاه، اللَّهمّ وال من والاه و عاد من عاداه».

ثم رواه عبد اللَّه بن أحمد عن أحمد بن عمر الوكيعى عن زيد بن الحباب عن الوليد بن عقبة بن نيار عن سماك بن عبيد بن الوليد العبسيّ عن عبد الرحمن بن أبى ليلى فذكره، قال:

«فقام اثنا عشر رجلا فقالوا: قد رأيناه و سمعناه حين أخذ بيدك يقول: اللَّهمّ وال من والاه و عاد من عاداه و انصر من نصره و اخذل من خذله».

و هكذا رواه أبو داود الطهوي- و اسمه عيسى ابن مسلم- عن عمرو بن عبد اللَّه بن هند الجملي و عبد الأعلى بن عامر التغلبي كلاهما عن عبد الرحمن ابن أبى ليلى فذكره بنحوه‏

،

قال الدارقطنيّ غريب تفرد به عنهما أبو داود الطهوي. و قال الطبراني:

ثنا أحمد بن إبراهيم بن عبد اللَّه بن كيسان المديني سنة تسعين و مائتين.

حدثنا إسماعيل بن عمرو البجلي ثنا مسعر عن طلحة بن مصرف عن عميرة بن سعد قال:

شهدت عليا على المنبر يناشد أصحاب رسول اللَّه من سمع رسول اللَّه يوم غدير خم يقول ما قال؟ فقام اثنا عشر رجلا منهم أبو هريرة و أبو سعيد و أنس بن مالك فشهدوا أنهم سمعوا رسول اللَّه يقول: «من كنت مولاه فعلى مولاه اللَّهمّ وال من والاه و عاد من عاداه»

و رواه أبو العباس بن عقدة الحافظ الشيعي عن الحسن بن على بن عفان العامري عن عبد اللَّه بن موسى عن قطن عن عمرو بن مرة و سعيد بن وهب و عن زيد بن نتيع قالوا:

سمعنا عليا يقول في الرحبة فذكر نحوه‏

فقام ثلاثة عشر رجلا فشهدوا أن رسول اللَّه قال: «من كنت مولاه فعلى مولاه اللَّهمّ وال من والاه و عاد من عاداه، و أحب من أحبه و أبغض من أبغضه، و انصر من نصره و اخذل من خذله»

قال أبو إسحاق حين فرغ من هذا الحديث‏

: يا أبا بكر أي أشياخ هم؟.

و كذلك رواه عبد اللَّه بن أحمد عن على بن حكيم الأودي عن إسرائيل عن أبى إسحاق فذكر نحوه‏

.

و قال عبد الرزاق عن إسرائيل عن أبى إسحاق عن سعيد بن وهب و عبد خير قالا سمعنا عليا برحبة الكوفة يقول‏

: أنشد اللَّه رجلا سمع رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يقول: «من كنت مولاه فعلى مولاه»

فقام عدة من أصحاب رسول اللَّه فشهدوا أنهم سمعوا رسول اللَّه يقول ذلك.

و قال الامام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر ثنا شعبة عن أبى إسحاق سمعت سعيد بن وهب قال‏

: نشد على الناس فقام خمسة أو ستة من أصحاب رسول اللَّه فشهدوا أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) قال: «من كنت مولاه فعلى مولاه»

و قال أحمد: حدثنا يحيى بن آدم ثنا حسين بن الحرث بن لقيط الأشجعي عن رباح بن الحرث قال‏

: جاء رهط إلى على بالرحبة فقالوا: السلام عليك يا مولانا: فقال، كيف أكون مولاكم‏

348

و أنتم قوم عرب؟ قالوا: سمعنا رسول اللَّه يوم غدير خم يقول: «من كنت مولاه فان هذا على مولاه»

قال رباح فلما مضوا اتبعتهم فسألت من هؤلاء؟ قالوا: نفر من الأنصار فيهم أبو أيوب الأنصاري.

و قال أبو بكر بن أبى شيبة: ثنا شريك عن حنش عن رباح بن الحرث قال‏

: بينا نحن جلوس في الرحبة مع على إذ جاء رجل عليه أثر السفر فقال: السلام عليك يا مولاي قالوا: من هذا؟ فقال أبو أيوب: سمعت رسول اللَّه يقول: «من كنت مولاه فعلى مولاه»

و قال أحمد: ثنا محمد بن عبد اللَّه ثنا الربيع- يعنى ابن أبى صالح الأسلمي- حدثني زياد بن أبى زياد الأسلمي سمعت على بن أبى طالب ينشد الناس فقال أنشد اللَّه رجلا مسلما سمع رسول اللَّه يقول يوم غدير خم ما قال، فقام اثنا عشر رجلا بدريا فشهدوا.

و قال أحمد: حدثنا ابن نمير ثنا عبد الملك عن أبى عبد الرحمن الكندي عن زاذان أن ابن عمر قال‏

: سمعت عليا في الرحبة و هو ينشد الناس: من شهد رسول اللَّه يوم غدير خم و هو يقول ما قال؟ فقام ثلاثة عشر رجلا فشهدوا أنهم سمعوا رسول اللَّه يقول: «من كنت مولاه فعلى مولاه»

و قال أحمد: ثنا حجاج بن الشاعر ثنا شبابة ثنا نعيم بن حكيم حدثني أبو مريم و رجل من جلساء على عن على أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) قال يوم غدير خم:

«من كنت مولاه فعلى مولاه» قال فزاد الناس بعد «اللَّهمّ وال من والاه و عاد من عاداه».

و قد روى هذا من طرق متعددة عن على رضى اللَّه عنه، و له طرق متعددة عن زيد بن أرقم.

و قال غندر عن شعبة عن سلمة بن كهيل سمعت أبا الطفيل يحدث عن أبى مريم أو زيد بن أرقم- شعبة الشاك- قال قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)

: «من كنت مولاه فعلى مولاه»

قال سعيد بن جبير: و أنا قد سمعته قبل هذا من ابن عباس. رواه الترمذي عن بندار عن غندر

و قال حسن غريب.

و قال الامام أحمد: حدثنا عفان ثنا أبو عوانة عن المغيرة عن أبى عبيد عن ميمون بن أبى عبد اللَّه قال قال زيد بن أرقم و أنا أسمع‏

: نزلنا مع رسول اللَّه بواد يقال له و ادهم فأمر بالصلاة فصلاها بهجير قال: فخطبنا و ظلل لرسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) بثوب على شجرة سمر من الشمس فقال: «أ لستم تعلمون- أو أ لستم تشهدون- أنى أولى بكل مؤمن من نفسه؟ قالوا:

بلى! قال: فمن كنت مولاه فان عليا مولاه، اللَّهمّ عاد من عاداه و وال من والاه».

و كذا رواه أحمد عن غندر عن شعبة عن ميمون بن أبى عبد اللَّه عن زيد بن أرقم. و قد رواه عن زيد بن أرقم جماعة منهم أبو إسحاق السبيعي و حبيب الاساف و عطية العوفيّ و أبو عبد اللَّه الشامي و أبو الطفيل عامر ابن واثلة.

و قد رواه معروف بن خربوذ عن أبى الطفيل عن حذيفة بن أسيد قال‏

: لما قفل رسول اللَّه من حجة الوداع نهى أصحابه عن شجرات بالبطحاء متقاربات أن ينزلوا حولهن، ثم بعث إليهن فصلى تحتهن ثم قام فقال: «أيها الناس قد نبأنى اللطيف الخبير أنه لم يعمر نبي إلا مثل نصف عمر الّذي قبله، و إني لأظن أن يوشك أن أدعى فأجيب، و إني مسئول و أنتم مسئولون، فما ذا أنتم قائلون؟

349

قالوا: نشهد أنك قد بلغت و نصحت و جهدت فجزاك اللَّه خيرا، قال: أ لستم تشهدون أن لا إله إلا اللَّه و أن محمدا عبده و رسوله و أن جنته حق و أن ناره حق و أن الموت حق و أن الساعة آتية لا ريب فيها و أن اللَّه يبعث من في القبور؟ قالوا: بلى نشهد بذلك، قال: اللَّهمّ اشهد. ثم قال: يا أيها الناس إن اللَّه مولاي و أنا مولى المؤمنين و أنا أولى بهم من أنفسهم من كنت مولاه فهذا مولاه، اللَّهمّ وال من والاه و عاد من عاداه، ثم قال: أيها الناس إني فرطكم و إنكم واردون على الحوض حوض أعرض مما بين بصرى و صنعاء فيه آنية عدد النجوم قد حان من فضة، و إني سائلكم حين تردون على عن الثقلين فانظروا كيف تخلفوني فيهما؟ الثقل الأكبر كتاب اللَّه سبب طرفه بيد اللَّه و طرف بأيديكم فاستمسكوا به لا تضلوا و لا تبدلوا، و عترتي أهل بيتي فإنه قد نبأنى اللطيف الخبير أنهما لن يفترقا حتى يردا على الحوض».

رواه ابن عساكر بطوله من طريق معروف كما ذكرنا.

و قال عبد الرزاق:

أنا معمر عن على بن زيد بن جدعان عن عدي بن ثابت عن البراء بن عازب قال‏

: خرجنا مع رسول اللَّه حتى نزلنا غدير خم بعث مناديا ينادى، فلما اجتمعنا قال: «أ لست أولى بكم من أنفسكم؟ قلنا:

بلى يا رسول اللَّه! قال: أ لست أولى بكم من أمهاتكم؟ قلنا: بلى يا رسول اللَّه: قال: أ لست أولى بكم من آبائكم؟ قلنا بلى يا رسول اللَّه! قال: أ لست أ لست أ لست؟ قلنا: بلى يا رسول اللَّه قال: من كنت مولاه فعلى مولاه اللَّهمّ وال من والاه و عاد من عاداه» فقال عمر بن الخطاب: هنيئا لك يا ابن أبى طالب أصبحت اليوم ولى كل مؤمن.

و كذا رواه ابن ماجة من حديث حماد بن سلمة عن على بن زيد و أبى هارون العبديّ عن عدي بن ثابت عن البراء به. و هكذا رواه موسى بن عثمان الحضرميّ عن أبى إسحاق عن البراء به. و قد روى هذا الحديث عن سعد و طلحة بن عبيد اللَّه و جابر بن عبد اللَّه و له طرق عنه و أبى سعيد الخدريّ و حبشي بن جنادة و جرير بن عبد اللَّه و عمر بن الخطاب و أبى هريرة،

و له عنه طرق منها- و هي أغربها- الطريق الّذي‏

قال الحافظ أبو بكر الخطيب البغدادي:

ثنا عبد اللَّه بن على بن محمد بن بشران أنا على بن عمر الحافظ أنا أبو نصر حبشون بن موسى بن أيوب الخلال ثنا على بن سعيد الرمليّ ثنا ضمرة بن ربيعة القرشي عن ابن شوذب عن مطر الوراق عن شهر ابن حوشب عن أبى هريرة قال‏

: «من صام يوم ثماني عشرة من ذي الحجة كتب له صيام ستين شهرا و هو يوم غدير خم لما أخذ النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) بيد على بن أبى طالب فقال: «أ لست ولى المؤمنين؟

قالوا: بلى يا رسول اللَّه! قال: من كنت مولاه فعلى مولاه» فقال عمر بن الخطاب بخ بخ لك يا ابن أبى طالب أصبحت مولاي و مولى كل مسلم فأنزل اللَّه عز و جل‏

الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ‏

و من صام يوم سبعة [ (1)] و عشرين من رجب كتب له صيام ستين شهرا و هو أول يوم نزل جبريل بالرسالة.

قال‏

____________

[ (1)] في نسخة طوبقبو: ستة و عشرين.

350

الخطيب: اشتهر هذا الحديث برواية حبشون و كان يقال إنه تفرد به، و قد تابعه عليه أحمد بن عبيد اللَّه بن العباس بن سالم بن مهران المعروف بابن النبرى عن على بن سعيد الشامي، قلت و فيه نكارة من وجوه منها قوله نزل فيه‏ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ‏ و قد ورد مثله من طريق ابن هارون العبديّ عن أبى سعيد الخدريّ و لا يصح أيضا، و إنما نزل ذلك يوم عرفة كما ثبت في الصحيحين عن عمر بن الخطاب و قد تقدم. و قد روى عن جماعة من الصحابة غير من ذكرنا في‏

قوله (عليه السلام)

«من كنت مولاه»

و الأسانيد إليهم ضعيفة. (حديث الطير) و هذا الحديث قد صنف الناس فيه و له طرق متعددة و في كل منها نظر و نحن نشير إلى شي‏ء من ذلك‏

قال الترمذي:

حدثنا سفيان بن وكيع ثنا عبد اللَّه بن موسى عن عيسى بن عمر عن السري عن أنس قال‏

: «كان عند النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) طير فقال: اللَّهمّ ائتني بأحب خلقك إليك يأكل معى من هذا الطير» فجاء على فأكل معه،

ثم قال الترمذي: غريب لا نعرفه من حديث السري إلا من هذا الوجه، قال: و قد روى من غير وجه عن أنس و قد رواه أبو يعلى عن الحسين بن حماد عن شهر بن عبد الملك عن عيسى بن عمر به.

و قال أبو يعلى: ثنا قطن بن بشير ثنا جعفر بن سليمان الضبعي ثنا عبد اللَّه بن مثنى ثنا عبد اللَّه بن أنس عن أنس بن مالك قال‏

: أهدى لرسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) حجل مشوى بخبزه و ضيافه، فقال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): «اللَّهمّ ائتني بأحب خلقك إليك يأكل معى من هذا الطعام» فقالت عائشة:

اللَّهمّ اجعله أبى، و قالت حفصة: اللَّهمّ اجعله أبى، و قال أنس: و قلت: اللَّهمّ اجعله سعد بن عبادة، قال أنس: فسمعت حركة بالباب فقلت إن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) على حاجة فانصرف ثم سمعت حركة بالباب فخرجت فإذا على بالباب، فقلت: إن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) على حاجة فانصرف ثم سمعت حركة بالباب فسلم على فسمع رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) صوته فقال: انظر من هذا؟ فخرجت فإذا هو على فجئت إلى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فأخبرته فقال: «ائذن له يدخل على فأذنت له فدخل، فقال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) اللَّهمّ وال من والاه». و الى‏

و رواه الحاكم في مستدركه عن أبى على الحافظ عن محمد بن أحمد الصفار و حميد بن يونس الزيات كلاهما عن محمد بن أحمد بن عياض عن أبى غسان أحمد بن عياض عن أبى ظبية عن يحيى بن حسان عن سليمان بن بلال عن يحيى بن سعيد عن أنس فذكره،

و هذا إسناد غريب. ثم قال الحاكم: هذا الحديث على شرط البخاري و مسلم و هذا فيه نظر، فان أبا علاثة محمد بن أحمد بن عياض هذا غير معروف لكن روى هذا الحديث عنه جماعة عن أبيه، و ممن رواه عنه أبو القاسم الطبراني ثم قال: تفرد به عن أبيه و اللَّه أعلم. قال الحاكم و قد رواه عن أنس أكثر من ثلاثين نفسا قال شيخنا الحافظ الكبير أبو عبد اللَّه الذهبي فصلهم بثقة يصح الاسناد إليه ثم قال الحاكم: و صحت الرواية عن على و أبى سعيد و سفينة، قال شيخنا أبو عبد اللَّه لا و اللَّه ما صح‏

351

شي‏ء من ذلك، و رواه الحاكم من طريق إبراهيم بن ثابت القصار و هو مجهول عن ثابت البناني عن أنس قال: دخل محمد بن الحجاج فجعل يسب عليا فقال أنس: اسكت عن سب على فذكر الحديث مطولا و هو منكر سندا و متنا، لم يورد الحاكم في مستدركه غير هذين الحديثين و قد رواه ابن أبى حاتم عن عمار بن خالد الواسطي عن إسحاق الأزرق عن عبد الملك بن أبى سليمان عن أنس، و هذا أجود من إسناد الحاكم.

و رواه عبد اللَّه بن زياد أبو العلاء عن على بن زيد عن سعيد بن المسيب عن أنس بن مالك. فقال‏

: أهدى لرسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) طير مشوى فقال: «اللَّهمّ ائتني بأحب خلقك إليك يأكل معى من هذا الطير» فذكر نحوه،

و رواه محمد بن مصفى عن حفص بن عمر عن موسى ابن سعد عن الحسن عن أنس فذكره، و رواه على بن الحسن الشامي عن خليل بن دعلج عن قتادة عن أنس بنحوه، و رواه أحمد بن يزيد الورتنيس عن زهير عن عثمان الطويل عن أنس فذكره، و رواه عبيد اللَّه بن موسى عن مسكين بن عبد العزيز عن ميمون أبى خلف حدثني أنس ابن مالك فذكره، قال الدارقطنيّ: من حديث ميمون أبى خلف تفرد به مسكين بن عبد العزيز و رواه الحجاج بن يوسف بن قتيبة عن بشر بن الحسين عن الزبير بن عدي عن أنس.

و رواه ابن يعقوب إسحاق بن الفيض ثنا المضاء بن الجارود عن عبد العزيز بن زياد

أن الحجاج بن يوسف دعا أنس بن مالك من البصرة فسأله عن على بن أبى طالب فقال: أهدى للنّبيّ (صلى اللَّه عليه و سلم) طائر فأمر به فطبخ و صنع فقال: «اللَّهمّ ائتني بأحب الخلق إلى يأكل معى». فذكره.

و قال الخطيب البغدادي: أنا الحسن بن أبى بكير أنا أبو بكر محمد بن العباس بن نجيح ثنا محمد بن القاسم النحويّ أبو عبد اللَّه ثنا أبو عاصم عن أبى الهندي عن أنس فذكره. و رواه الحاكم بن محمد عن محمد بن سليم عن أنس بن مالك فذكره.

و قال أبو يعلى: حدثنا الحسن بن حماد الوراق ثنا مسهر بن عبد الملك ابن سلع ثقة ثنا عيسى بن عمر عن إسماعيل السدي‏

أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) كان عنده طائر فقال:

«اللَّهمّ ائتني بأحب خلقك إليك يأكل معى من هذا الطير، فجاء أبو بكر فرده، ثم جاء عمر فرده ثم جاء عثمان فرده ثم جاء على فأذن له».

و قال أبو القاسم بن عقدة ثنا محمد بن أحمد بن الحسن ثنا يوسف بن عدي ثنا حماد بن المختار الكوفي ثنا عبد الملك بن عمير عن أنس بن مالك قال‏

: أهدى لرسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) طائر فوضع بين يديه فقال: «اللَّهمّ ائتني بأحب خلقك إليك يأكل معى قال: فجاء على فدق الباب فقلت من ذا؟ فقال: أنا على، فقلت إن رسول اللَّه على حاجة حتى فعل ذلك ثلاثا، فجاء الرابعة فضرب الباب برجله فدخل فقال النبي (صلى اللَّه عليه و سلم): ما حبسك؟ فقال: قد جئت ثلاث مرات فيحبسني أنس، فقال النبي (صلى اللَّه عليه و سلم): ما حملك على ذلك؟ قال قلت: كنت أحب أن يكون رجلا من قومي»

و قد رواه الحاكم النيسابورىّ عن عبدان بن يزيد عن يعقوب الدقاق عن إبراهيم بن الحسين‏