تأويل الآيات الظاهرة في فضائل العترة الطاهرة

- السيد عبد الحسين شرف الدين المزيد...
845 /
70

كُلُوا وَ اشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ‏

الذي آتاكموه‏

وَ لا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ‏

أي و لا تعثوا فيها و أنتم مفسدون عاصون ثم قال(ع)قال رسول الله(ص)من أقام على موالاتنا أهل البيت سقاه الله من محبته كأسا لا يبغون به بدلا و لا يريدون سواه كافيا و لا كاليا و لا ناصرا و من وطن نفسه على احتمال المكاره في موالاتنا جعله الله يوم القيامة في عرصاتها بحيث يقصر كل من تضمنته تلك العرصات أبصارهم عما يشاهدون من درجاتهم و أن كل واحد منهم ليحيط بما له من درجاته كإحاطته في الدنيا يتلقاه بين يديه ثم يقول له وطنت نفسك على احتمال المكاره في موالاة محمد و آله الطيبين فقد جعل الله إليك و مكنك في تخليص كل من تحب تخليصه من أهل الشدائد في هذه العرصات فيمد بصره فيحيط بهم ثم ينتقد من أحسن إليه أو بره في الدنيا بقول أو فعل أو رد غيبة أو حسن محضر أو إرفاق فينتقده من بينهم كما ينتقد الدرهم الصحيح من المكسور ثم يقال له اجعل هؤلاء في الجنة حيث شئت فينزلهم جنان ربنا ثم يقال له و قد جعلنا لك و مكناك في إلقاء من تريد في نار جهنم فيراهم فيحيط بهم فينتقده من بينهم كما ينتقد الدينار من القراضة ثم يصيره في النار فقال الله تعالى لبني إسرائيل الموجودين في عصر محمد(ص)إذا كان أسلافكم إنما دعوا إلى موالاة محمد و آله الطيبين فأنتم يا من‏

71

شاهدتموه قد وصلتم إلى الغرض و المطلب و الأفضل إلى موالاة محمد و آله الطيبين ألا فتقربوا إلى الله عز و جل بالتقرب إلينا و لا تتقربوا من سخطه و تتباعدوا من رحمته بالإزورار عنا.

2/ 63

و قوله تعالى‏ وَ إِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ وَ رَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَ اذْكُرُوا ما فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ‏

قال الإمام(ع)

قال الله عز و جل لهم و اذكروا

إِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ‏

و عهودكم أن تعملوا بما في التوراة و ما في الفرقان الذي أعطيته موسى مع الكتاب المخصوص بذكر محمد و علي و الطيبين من آلهما بأنهم أفضل الخلق و القوامون بالحق و أخذنا ميثاقكم لهم أن تقروا به و أن تؤدوه إلى أخلافكم و تأمروهم أن يؤدوه إلى أخلافهم ليؤمنن بمحمد نبي الله و يسلمون له ما يأمرهم به في علي ولي الله عن الله و ما يخبرهم به من أحوال خلفائه بعده القوامون بحق الله فأبيتم قبول ذلك و استكبرتموه‏

وَ رَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ

الجبل أمرنا جبرئيل أن يقطع منه قطعة على معسكر أسلافكم فجاء بها فرفعها فوق رءوسهم فقال موسى لهم إما أن تأخذوا بما أمرتم به فيه و إلا ألقي عليكم هذا الجبل فألجئوا إلى قبوله كارهين إلا من عصمه الله من العباد فإنه قبله طائعا مختارا ثم لما قبلوه سجدوا الله و عفروا و كثير منهم عفر خديه لا لإرادة الخضوع لله و لكن نظر إلى الجبل هل يقع أم لا و آخرون سجدوا طائعين مختارين ثم‏

72

قال(ع)فقال رسول الله(ص)احمدوا الله معاشر شيعتنا على توفيقه إياكم فإنكم تعفرون في سجودكم لا كما عفره كفرة بني إسرائيل و لكن كما عفره خيارهم و قال عز و جل‏

خُذُوا ما آتَيْناكُمْ‏

أي ما آتيناكم من هذه الأوامر و النواهي من هذا الأمر الجليل من ذكر محمد و علي و آلهما الطيبين‏

بِقُوَّةٍ وَ اذْكُرُوا ما فِيهِ‏

مما آتيناكم و اذكروا جزيل ثوابنا على قيامكم به و شديد عقابنا على إبائكم‏

لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ‏

المخالفة الموجبة للعقاب فتستحقوا بذلك جزيل الثواب.

2/ 67

و قوله تعالى‏ وَ إِذْ قالَ مُوسى‏ لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً ....

القصة و مجملها

أنه كان في بني إسرائيل امرأة حسناء ذات جمال و مال و كان لها بنو أعمام ثلاثة فخطبوها اتفاقا فاختارت أفضلهم علما و شرفا فحسده عليها الآخران فقتلاه و سأل بنو إسرائيل موسى(ع)عن ذلك.

قال الإمام(ع)فألزم موسى(ع)أهل القبيلة بأمر الله عز و جل أن يحلف خمسون رجلا من أماثلهم بالله القوي الشديد إله بني إسرائيل مفضل محمد و آله الطيبين على البرايا أجمعين إنا ما قتلناه و لا علمنا له قاتلا ثم بعد ذلك أجمع أمر بني إسرائيل على أن موسى(ع)يسأل الله عز و جل أن يحيي المقتول ليسألوه من قتله و اقترحوا عليه ذلك قال الإمام(ع)فأوحى الله عز و جل إليه يا موسى أجبهم إلى ما

73

اقترحوه و سلني أن أبين لهم القاتل ليقتل و يسلم غيره من التهمة و الغرامة فإني أريد إجابتهم إلى ما اقترحوه توسعة للرزق على رجل من خيار أمتك دينه الصلاة على محمد و آله الطيبين و التفضيل لمحمد و علي(ع)بعده على سائر البرايا أن أغنيه في الدنيا ليكون ذلك بعض ثوابه عن تعظيمه لمحمد و آله فقال موسى(ع)يا رب بين لنا قاتله فأوحى الله إليه قل لبني إسرائيل إن الله يبين لكم ذلك بأن يأمركم أن تذبحوا بقرة فتضربوا ببعضها المقتول فيحيي فتسلموا لرب العالمين ذلك ثم قال الإمام(ع)فلما استقر هذا الأمر طلبوا هذه البقرة فلم يجدوها إلا عند شاب من بني إسرائيل أراه الله تعالى في منامه محمدا و عليا فقالا له إنك كنت لنا محبا و مفضلا و نحن نريد أن نسوق إليك بعض جزائك في الدنيا فإذا راموا منك شراء بقرتك فلا تبعها إلا بأمر أمك ثم قال(ع)فما زالوا يطلبون على النصف مما تقول أمه و يرجع إلى أمه فتضعف الثمن حتى بلغ مل‏ء مسك ثور أكبر ما يكون دنانير فأوجبت لهم البيع فذبحوها و أخذوا قطعة منها فضربوه بها و قالوا اللهم بجاه محمد و آله الطيبين لما أحييت هذا الميت و أنطقته ليخبرنا عن قاتله فقام سالما سويا فقال يا نبي الله قتلني هذان ابنا عمي حسداني على ابنة عمي فقتلاني فقال بعض بني إسرائيل لموسى لا ندري أيهما أعجب إحياء الله هذا و إنطاقه بما نطق أو إغناؤه لهذا الفتى بهذا المال العظيم فأوحى الله إليه يا موسى قل لبني إسرائيل من أحب منكم أن أطيب في الدنيا عيشته‏

74

و أعظم له في جناني محله و أجعل لمحمد و آله الطيبين منادمته فليفعل كما فعل هذا الفتى أنه كان قد سمع من موسى بن عمران ذكر محمد و علي و آلهما الطيبين فكان عليهم مصليا و لهم على جميع الخلائق من الملائكة و الجن و الإنس مفضلا فلذلك صرفت إليه هذا المال العظيم ثم قال(ع)فقال الفتى يا نبي الله كيف أحفظ هذه الأموال و كيف لا أحذر عداوة من يعاديني فيها و حسد من يحسدني من أجلها فقال له قل عليه من الصلاة على محمد و آله الطيبين ما كنت تقوله من قبل أن تنالها فقالها الفتى فما رامها حاسد أو لص أو غاصب إلا دفعه الله عز و جل بلطفه قال فلما قال موسى(ع)للفتى ذلك قال المقتول المنشور اللهم إني أسألك بما سألك به هذا الفتى من الصلاة على محمد و آله الطيبين و التوسل بهم أن تبقيني في الدنيا متمتعا بابنة عمي و تخزي أعدائي و حسادي و ترزقني منها ولدا كثيرا طيبا قال فأوحى الله إليه يا موسى إنه كان لهذا الفتى المنشور بعد القتل ستون سنة و قد وهبت له بمسألته و توسله بمحمد و آله الطيبين سبعين سنة تمام مائة و ثلاثين سنة صحيحة حواسه ثابت فيها جنانه و قوته و شهواته يتمتع بحلال هذه الدنيا و يعيش و لا يفارقها و لا تفارقه فإذا حان حينه حان حينها و ماتا جميعا و صارا إلى جناني و كانا زوجين فيها ناعمين ثم قال(ع)فضجوا إلى موسى(ع)و قالوا افتقرت القبيلة و دفعت إلى التلف و أسلخنا بلجاجنا عن قليلنا و كثيرنا فادع الله تعالى لنا

75

بسعة الرزق فقال موسى(ع)يا ويحكم ما أعمى قلوبكم أ ما سمعتم دعاء الفتى صاحب البقرة و ما رزقه الله تعالى من الغنى أ و ما سمعتم دعاء المقتول المنشور و ما أثمر له من العمر الطويل و السعادة و التنعم و التمتع بحواسه و سائر بدنه و عقله لم لا تدعون الله تعالى بمثل دعائهما و تتوسلون إلى الله تعالى بمثل وسيلتهما ليسد فاقتكم و يجبر كسركم و يسد خلتكم فقالوا اللهم إليك التجأنا و على فضلك اعتمدنا فأزل فقرنا و سد خلتنا بجاه محمد و علي و فاطمة و الحسن و الحسين و الطيبين من آلهم فأوحى الله تعالى إليه يا موسى قل لهم ليذهب رؤساكم إلى خربة بني فلان و يكشفوا في موضع كذا وجه الأرض قليلا و يستخرجوا ما هناك فإنه عشرة آلاف ألف دينار ليردوا على كل من دفع في ثمن البقرة ما دفع لتعود أحوالهم ثم ليتقاسموا بعد ذلك ما فضل و هو خمسة آلاف ألف دينار على قدر ما دفع كل واحد منهم في هذه المحنة لتتضاعف أموالهم جزاء على توسلهم بمحمد و آله الطيبين و اعتقادهم لتفضيلهم ثم قال عز و جل‏

وَ يُرِيكُمْ آياتِهِ‏

أي يريكم سائر آياته سوى هذه من الدلالات على توحيده و نبوة موسى(ع)نبيه و فضل محمد على الخلائق سيد إمائه و عبيده و تثبيت فضله و فضل آله الطيبين على سائر خلق الله أجمعين‏

لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ‏

و تتفكرون أن الذي يفعل هذه العجائب لا يأمر الخلق إلا بالحكمة و لا يختار محمدا و آله إلا لأنهم أفضل ذوي الألباب.

76

2/ 74

ثم قال عز و جل‏ ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَ إِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُ وَ إِنَّ مِنْها لَما يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْماءُ وَ إِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَ مَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ‏.

تأويله أن الله سبحانه لما عدد نعمه على بني إسرائيل و ذكرهم بها ذكر من جملتها قصة البقرة و ما ظهر فيها من آياته الباهرات و إحيائه للمقتول و آمنوا به و صدقوا موسى(ع)فيما قاله لهم ثم بعد ذلك انقلبوا فوبخهم الله على فعلهم فقال‏ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً لأن الحجارة كما وصفها الله سبحانه و حيث إن قلوبهم لا تؤمن بالله و لا برسوله و لا تلين لذكر الله سبحانه فصارت لذلك أشد قسوة

و قال الإمام(ع)في تأويل ذلك‏

و قلوبهم لا تتفجر منها الخيرات و لا تتشقق فيخرج منها قليل من الخيرات و إن لم يكن كثيرا ثم قال عز و جل‏

وَ إِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ‏

إذا أقسم عليها باسم الله و بأسماء أوليائه محمد و علي و فاطمة و الحسن و الحسين و الطيبين من آلهم(ص)و ليس في قلوبكم شي‏ء من هذه الخيرات ثم قال(ع)و هذا التفريع من الله تعالى لليهود و النواصب و اليهود جمعوا الأمرين و اقترفوا الخطيئتين فغلظ على اليهود ما وبخهم به رسول الله(ص)فقال جماعة من رؤسائهم يا محمد إنك مجنون تدعي على قلوبنا ما الله يعلم منها خلافه و إن فيها خيرا كثيرا نصوم و نتصدق و نواسي الفقراء

77

ثم قال(ع)فقالوا يا محمد زعمت أنه ما في قلوبنا شي‏ء من مؤاساة الفقراء و معاونة الضعفاء و أن الأحجار ألين من قلوبنا و أطوع لله منا و هذه الجبال بحضرتنا فهلم بنا إلى بعضها فاستشهده على تصديقك و تكذيبنا فقال رسول الله(ص)نعم فهلموا بنا إلى أيها شئتم أستشهده ليشهد لي عليكم قال فخرجوا إلى أوعر جبل رأوه فقالوا يا محمد هذا الجبل فاستشهده فقال رسول الله(ص)أيها الجبل إني أسألك بجاه محمد و آله الطيبين الذين بذكر أسمائهم خفف الله العرش على كواهل ثمانية من الملائكة بعد أن لم يقدروا على تحريكه و هم خلق كثير لا يعرف عددهم إلا الله عز و جل و بحق محمد و آله الطيبين الذين بذكر أسمائهم تاب الله تعالى على آدم و غفر خطيئته و أعاده إلى مرتبته و بحق محمد و آله الطيبين الذين بذكر أسمائهم و سؤال الله بهم رفع إدريس في الجنة

مَكاناً عَلِيًّا

لما شهدت لمحمد بما أودعك الله بتصديقه على هؤلاء اليهود في ذكر قساوة قلوبهم و تكذيبهم في جحودهم لقول محمد رسول الله(ص)قال فتحرك الجبل و تزلزل و فاض عنه الماء و نادى يا محمد أشهد أنك رسول رب العالمين و سيد الخلائق أجمعين و أشهد أن قلوب هؤلاء اليهود كما وصفت أقسى من الحجارة لا يخرج منها خير و قد يخرج من الحجارة الماء سيلا و تفجيرا و أشهد أن هؤلاء الكاذبون عليك بما به قذفوك من الفرية على رب العالمين ثم قال رسول الله(ص)و أسألك أيها الجبل أمرك الله بطاعتي فيما ألتمسه منك بجاه محمد و آله الطيبين الذين بهم نجى الله تعالى نوحا

مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ‏

و بهم برد النار على إبراهيم و جعلها عليه سلاما و مكنه في جوف النار على سرير و فراش و بير و أنبت حواليه من الأشجار الخضرة النضرة

78

الزهرة و غمر ما حوله من أنواع ما لا يوجد إلا في الفصول الأربعة من جميع السنة قال فقال الجبل بلى أشهد يا محمد لك بذلك و أشهد أنك لو اقترحت على ربك أن يجعل رجال الدنيا قرودا و خنازير لفعل و أن يجعلهم ملائكة لفعل و أن يقلب النيران جليدا و الجليد نيرانا لفعل و أن يحبط السماء إلى الأرض أو يرفع الأرض إلى السماء لفعل أو يصير أطراف المشارق و المغارب و الوهاد كلها ضرب طرق الكبش لفعل و أنه قد جعل الأرض و السماء طوعك و الجبال و البحار تتصرف بأمرك و سائر ما خلق الله من الرياح و الصواعق و جوارح الإنسان و أعضاء الحيوان لك مطيعة و ما أمرتها به من شي‏ء ايتمرت تم كلامه(ص)فقالت اليهود بعد أنت تلبس علينا و اقترحوا عليه أشياء أن يفعلها الجبل المشار إليه فأجابهم إليها قال الإمام(ع)فتباعد رسول الله إلى فضاء واسع ثم نادى الجبل يا أيها الجبل بحق محمد و آله الطيبين الذين بجاههم مسألة عباد الله و بهم أرسل الله على قوم عاد ريحا صرصرا عاتية

تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ

و أمر جبرئيل أن يصيح صيحة واحدة في قوم صالح حتى صاروا كالهشيم المحتظر لما انقلعت من مكانك بإذن الله و جئت إلى حضرتي قال فتزلزل الجبل و صار كالقدح الهملاج حتى من إصبعه فلصق بها

79

و وقف و نادى هنا أنا سامع لك مطيع يا رسول الله صلى الله عليك و آلك و إن رغمت أنوف هؤلاء المعاندين فمرني بأمرك فقال رسول الله إن هؤلاء المعاندين اقترحوا على أن آمرك أن تنقلع من أصلك فتصير نصفين ثم ينحط أعلاك و يرتفع أسفلك تصير ذروتك أصلك و أصلك ذروتك فقال الجبل أ فتأمرني بذلك يا رسول الله قال بلى قال فانقطع الجبل نصفين و انحط أعلاه إلى الأرض و ارتفع أسفله فوق أعلاه فصار فرعه أصله و أصله فرعه ثم نادى الجبل معاشر اليهود هذا الذي ترون دون معجزات موسى الذي تزعمون أنكم به مؤمنون فنظر اليهود بعضهم إلى بعض فقال بعضهم ما عن هذا محيص و قال آخرون منهم هذا رجل مبخوت مؤتى تتأتى له العجائب فلا يغرنكم ما تشاهدون منه فناداهم الجبل يا أعداء الله لقد أبطلتم بما تقولون نبوة موسى هلا قلتم لموسى أن قلبت العصا ثعبانا و انفلق له البحر طرقا و وقف الجبل كالظلة فوقكم إنك مؤتى تأتى لك العجائب فلا يغرنا ما نشاهده منك فألقمتهم الجبل بمقالتها الصخور و لزمتهم حجة رب العالمين.

انتهى تفسير الإمام أبي محمد العسكري (صلوات الله عليه و على آبائه) و على ولده الطيبين فانظر بعين البصر و البصيرة إلى ما فيه من تفضيل محمد و آله الطاهرين على كافة الخلق أجمعين من الأولين و الآخرين ما فيه كفاية للمتدبر و تبصرة للمتبصر جعلنا الله و إياك من المتمسكين بولايتهم الداخلين في زمرتهم‏

80

الناجين في سفينتهم الفائزين بشفاعتهم و بجاههم عند ربهم العظيم و كرامتهم.

2/ 87

و قوله تعالى‏ أَ فَكُلَّما جاءَكُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى‏ أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَ فَرِيقاً تَقْتُلُونَ‏.

تأويله‏

رواه محمد بن يعقوب الكليني (رحمه الله) عن أحمد بن إدريس عن محمد بن حسان عن محمد بن علي عن عمار بن مروان عن منخل عن جابر عن أبي جعفر(ع)أنه قال‏ أَ فَكُلَّما جاءَكُمْ‏

محمد

بِما لا تَهْوى‏ أَنْفُسُكُمُ‏

بولاية علي‏

اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً

من آل محمد

كَذَّبْتُمْ وَ فَرِيقاً تَقْتُلُونَ‏

.

2/ 81

و قوله تعالى‏ بَلى‏ مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَ أَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ‏.

تأويله هذه الآية متقدمة في الترتيب على ما قبلها للسهو

روى محمد بن يعقوب (رحمه الله) عمن روى بإسناده عن يونس بن الصباح المزني عن أبي حمزة الثمالي عن أحدهما(ص)

في قول الله عز و جل‏

بَلى‏ مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَ أَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ‏

قال إذا جحدوا إمامة أمير المؤمنين ع‏

فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ‏

.

81

2/ 90

و قوله تعالى‏ بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِما أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْياً أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلى‏ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ فَباؤُ بِغَضَبٍ عَلى‏ غَضَبٍ وَ لِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ‏.

تأويله‏

ما رواه محمد بن يعقوب (رحمه الله) عن علي بن إبراهيم عن أحمد بن محمد البرقي عن أبيه عن محمد بن سنان عن عمار بن مروان عن منخل عن جابر عن أبي جعفر(ع)قال‏

نزل جبرئيل بهذه الآية على رسول الله(ص)هكذا بئسما اشتروا به أنفسهم أن يكفروا بما أنزل الله في علي بغيا الآية.

2/ 105

و قوله تعالى‏ وَ اللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ وَ اللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ‏.

تأويله‏

ما رواه الحسن بن أبي الحسن الديلمي (رحمه الله) عمن رواه بإسناده عن ابن أبي صالح عن حماد بن عثمان عن أبي الحسن الرضا عن أبيه موسى عن أبيه جعفر عن أبي جعفر(ع)

في قوله تعالى‏

يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ

قال المختص بالرحمة نبي الله و وصيه و عترتهما إن الله تعالى خلق مائة رحمة فتسع و تسعون رحمة عنده مذخورة لمحمد و علي و عترتهما و رحمة واحدة مبسوطة على سائر الموجودين‏

82

2/ 121

و قوله تعالى‏ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ‏.

تأويله‏

ما رواه محمد بن يعقوب (رحمه الله) عن محمد بن يحيى عن أحمد بن محمد عن الحسن بن محبوب عن ولاد قال‏

سألت أبا عبد الله(ع)عن قول الله عز و جل‏

الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ...

قال هم الأئمة(ع)و الكتاب هو القرآن المجيد و إن لم يكونوا هم فمن سواهم.

2/ 124

و قوله تعالى‏ وَ إِذِ ابْتَلى‏ إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قالَ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً قالَ وَ مِنْ ذُرِّيَّتِي قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ‏.

معنى ابتلى اختبر و امتحن و تأويل الكلمات‏

ما رواه الشيخ الصدوق أبو جعفر محمد بن بابويه (رحمه الله) في كتاب النبوة بإسناده مرفوعا إلى المفضل بن عمر عن الصادق(ع)قال‏

سألته عن قول الله عز و جل‏

وَ إِذِ ابْتَلى‏ إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ‏

ما هذه الكلمات قال هي الكلمات التي تلقاها آدم من ربه‏

فَتابَ عَلَيْهِ‏

و هو أن قال يا رب بحق محمد و علي و فاطمة و الحسن و الحسين إلا تبت علي‏

فَتابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ‏

قال فقلت يا ابن رسول الله فما معنى قوله‏

فَأَتَمَّهُنَ‏

قال أتمهن إلى القائم اثني عشر إماما علي و الحسن و الحسين و تسعة من ولد الحسين ص‏

83

و أما قوله تعالى‏ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً أي إماما يقتدى به في أقواله خخخو أفعاله و يقوم بتدبير الأمة و سياستها فلما بشره ربه بذلك‏ قالَ‏ فرحا و استبشارا وَ مِنْ ذُرِّيَّتِي قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ‏ و العهد هو الإمامة و الظالم هو الكافر لقوله تعالى‏ وَ الْكافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ‏ و لذلك أن الظالم لا يكون إماما و بهذه الآية يستدل على أن الإمام لا يكون إلا معصوما عن فعل القبيح و الظالم يفعله و قد نفى الله سبحانه أن ينال عهده ظالما لنفسه أو لغيره.

و جاء في التأويل ما رواه الفقيه ابن المغازلي بإسناده عن رجاله عن عبد الله بن مسعود قال‏

قال رسول الله(ص)أنا دعوة أبي إبراهيم قال قلت كيف صرت دعوة أبيك إبراهيم قال إن الله عز و جل أوحى إلى إبراهيم‏

إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً

فاستخف به الفرح فقال يا رب‏

وَ مِنْ ذُرِّيَّتِي‏

أئمة مثلي فأوحى الله عز و جل إليه يا إبراهيم إني لا أعطيك عهدا لا أفي لك به قال يا رب و ما العهد الذي لا تفي لي به قال لا أعطيك الظالم من ذريتك عهدا فقال إبراهيم عندها

وَ اجْنُبْنِي وَ بَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ‏

ثم قال النبي(ص)فانتهت الدعوة إلي و إلى علي لم يسجد أحدنا لصنم فاتخذني نبيا و اتخذ عليا وصيا.

و في معنى هذه الدعوة قوله تعالى حكاية عن قوله إبراهيم ع‏ رَبَّنا وَ ابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ وَ يُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَ الْحِكْمَةَ وَ يُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ‏.

84

2/ 132

و قوله تعالى‏ وَ وَصَّى بِها إِبْراهِيمُ بَنِيهِ وَ يَعْقُوبُ يا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى‏ لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ‏.

تأويله‏

ذكره صاحب نهج الإمامة قال روى صاحب شرح الأخبار بإسناد يرفعه قال قال أبو جعفر الباقر(ع)

في قوله عز و جل‏

وَ وَصَّى بِها إِبْراهِيمُ بَنِيهِ وَ يَعْقُوبُ يا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى‏ لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ‏

بولاية علي ع‏

و يؤيده ما رواه الشيخ محمد بن يعقوب الكليني (رحمه الله) عن أحمد بن محمد عن الحسن بن محبوب عن محمد بن الفضيل عن أبي الحسن الرضا(ع)قال‏

ولاية علي مكتوبة في جميع صحف الأنبياء و لم يبعث الله نبيا إلا بنبوة محمد و وصية علي ص.

2/ 137- 136

و قوله تعالى‏ قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَ ما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَ ما أُنْزِلَ إِلى‏ إِبْراهِيمَ وَ إِسْماعِيلَ وَ إِسْحاقَ وَ يَعْقُوبَ وَ الْأَسْباطِ وَ ما أُوتِيَ مُوسى‏ وَ عِيسى‏ وَ ما أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَ نَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَ إِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما هُمْ فِي شِقاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ‏.

تأويله‏

ما رواه محمد بن يعقوب (رحمه الله) عن محمد بن يحيى عن أحمد بن‏

85

محمد عن الحسن بن محبوب عن محمد بن النعمان عن سلام بن أبي عمرة عن أبي جعفر(ع)

في قوله عز و جل‏

قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَ ما أُنْزِلَ إِلَيْنا

قال إنما عنى بذلك عليا و فاطمة و الحسن و الحسين(ع)و جرت بعدهم في الأئمة ثم رجع القول في الناس‏

فَإِنْ آمَنُوا

يعني الناس‏

بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ بِهِ‏

يعني عليا و فاطمة و الحسن و الحسين و الأئمة

فَقَدِ اهْتَدَوْا وَ إِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما هُمْ فِي شِقاقٍ‏

يعني الناس و معناه أن الله سبحانه أمر الأئمة(ع)أن يقولوا آمنا بالله و ما بعدها لأنهم المؤمنون بما أمروا به حقا و صدقا ثم قال مخاطبا لهم يعني الناس‏

فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا

بكم و بما آمنتم به‏

وَ إِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما هُمْ فِي شِقاقٍ‏

و منازعة و محاربة لك يا محمد

فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ‏

.

2/ 138

ثم قال سبحانه و تعالى‏ صِبْغَةَ اللَّهِ وَ مَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَ نَحْنُ لَهُ عابِدُونَ‏.

تأويله أن الذي آمن به الأئمة(ع)و المؤمنون هو صِبْغَةَ اللَّهِ‏ و هي العلامة التي يعرف بها المؤمنون من غيرهم و هي الإيمان أي ما تم شي‏ء أحسن منها مبتدأ و منتهى‏ وَ نَحْنُ لَهُ عابِدُونَ‏ أي طائعون متبعون لأوامره و نواهيه و معناه أي قولوا إن الذي آمنا به هو صبغة الله و نحن بعد ذلك له عابدون.

و اعلم أن الصبغة هي الولاية على‏

ما رواه الشيخ محمد بن يعقوب (رحمه الله) عن محمد بن يحيى عن سلمة بن الخطاب عن علي بن حسان عن عبد الرحمن بن كثير عن أبي عبد الله(ع)

في قوله عز و جل‏

صِبْغَةَ اللَّهِ وَ مَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً

قال صبغ المؤمنون بالولاية في الميثاق.

86

2/ 143

و قوله تعالى‏ وَ كَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَ يَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً ....

التأويل قوله تعالى‏ أُمَّةً وَسَطاً أي عدلا بين الرسول و بين الناس و هذا الخطاب للأئمة(ع)القائمين مقام الرسول(ص)من بعده في كل زمان منهم إمام شاهد على أهل زمانه و يكون الرسول(ص)شاهدا على ذلك الإمام‏

و يؤيده ما رواه محمد بن يعقوب الكليني (رحمه الله) عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن ابن أبي عمير عن ابن أذينة عن بريد بن معاوية العجلي قال‏

سألت أبا عبد الله(ع)عن قول الله عز و جل‏

وَ كَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَ يَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً

قال نحن الأمة الوسط و نحن شهداء الله على خلقه و حججه في أرضه‏

و روى أبو القاسم الحسكاني (رحمه الله) في شواهد التنزيل بإسناده عن سليم بن قيس عن علي(ع)

أن الله تعالى إيانا عنى بقوله‏

لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَ يَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً

فرسول الله شاهد علينا و نحن شهداء الله على خلقه و حججه في أرضه.

87

2/ 148

و قوله تعالى‏ وَ لِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيها فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ أَيْنَ ما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعاً إِنَّ اللَّهَ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ.

تأويله أن لكل أمة و أهل ملة وجهة أي طريقة و الله تعالى هو موليها لهم و هاديهم إليها و هي الإسلام و الولاية فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ‏ أي إليها على ما ذكره الشيخ المفيد (رحمه الله) في كتاب الغيبة بإسناده عن أبي جعفر عن أمير المؤمنين علي ع.

و معنى قوله تعالى‏ أَيْنَ ما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعاً

ذكره أيضا في كتاب الغيبة بإسناده عن جابر عن يزيد عن أبي جعفر(ع)أنه قال‏

المعنى بهذا الخطاب أصحاب القائم(ع)قال بعد ذكر علامات ظهوره ثم يجمع الله له أصحابه و هم ثلاثمائة و ثلاثة عشر رجلا عدة أهل بدر يجمعهم الله له على غير ميعاد قزعا كقزع الخريف و هي يا جابر الآية التي ذكرها الله تعالى في كتابه‏

أَيْنَ ما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعاً إِنَّ اللَّهَ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ

.

2/ 157- 155

و قوله تعالى‏ ... وَ بَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَ رَحْمَةٌ وَ أُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ‏.

تأويله‏

ذكره الشيخ جمال الدين (قدس الله روحه) في كتاب نهج الحق‏

88

و هو ما نقله ابن مردويه من طريق العامة بإسناده إلى ابن عباس قال‏

إن أمير المؤمنين(ع)لما وصل إليه ذكر قتل عمه حمزة(ع)قال‏

إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ‏

فنزلت هذه الآية

وَ بَشِّرِ الصَّابِرِينَ‏

الآية و هو القائل عند تلاوتها

إِنَّا لِلَّهِ‏

إقرارا بالملك‏

وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ‏

إقرارا بالهلاك.

2/ 166- 165

و قوله تعالى‏ وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْداداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَ الَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَ لَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً وَ أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذابِ إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَ رَأَوُا الْعَذابَ وَ تَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبابُ‏.

تأويله‏

ما رواه الشيخ محمد بن يعقوب (رحمه الله) عن محمد بن يحيى عن أحمد بن محمد بن عيسى عن الحسن بن محبوب عن عمرو بن ثابت عن جابر قال‏

سألت أبا جعفر(ع)عن قول الله عز و جل‏

وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْداداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ‏

قال هم أولياء فلان و فلان اتخذوهم أئمة دون الإمام الذي جعله الله للناس إماما فلذلك قال‏

وَ لَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً وَ أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذابِ إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَ رَأَوُا الْعَذابَ وَ تَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبابُ‏

ثم قال أبو جعفر(ع)يا جابر هم أئمة الضلال و أشياعهم‏

89

و ذكر الشيخ أبو جعفر الطوسي (رحمه الله) في أماليه قال أخبرنا أبو عبد الله محمد بن محمد النعمان قال حدثنا أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه قال حدثني أبي قال حدثنا سعد بن عبد الله عن أيوب بن نوح عن صفوان بن يحيى عن أبان بن عثمان عن أبي عبد الله جعفر بن محمد(ع)قال‏

إذا كان يوم القيامة نادى مناد من بطنان العرش أين خليفة الله في أرضه فيقوم داود النبي(ع)فيأتي النداء من عند الله عز و جل لسنا إياك أردنا و إن كنت لله تعالى خليفة ثم ينادي ثانية أين خليفة الله في أرضه فيقوم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(ع)فيأتي النداء من قبل الله عز و جل يا معشر الخلائق هذا علي بن أبي طالب خليفة الله في أرضه و حجته على عباده فمن تعلق بحبله في دار الدنيا فليتعلق بحبله في هذا اليوم ليستضي‏ء بنوره و ليتبعه إلى الدرجات العلى من الجنان قال فيقوم أناس قد تعلقوا بحبله في دار الدنيا فيتبعونه إلى الجنة ثم يأتي النداء من عند الله جل جلاله ألا من أتم بإمام في دار الدنيا فليتبعه إلى حيث يذهب به فحينئذ يتبرأ

الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَ رَأَوُا الْعَذابَ وَ تَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبابُ وَ قالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَما تَبَرَّؤُا مِنَّا كَذلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمالَهُمْ حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ وَ ما هُمْ بِخارِجِينَ مِنَ النَّارِ

.

بيان معنى هذا التأويل أن قوله تعالى‏ وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْداداً يعني توليا لفلان و فلان‏ مِنْ دُونِ اللَّهِ‏ أي من دون ولي الله و حذف المضاف و أقيم المضاف إليه مقامه‏ أَنْداداً مثله و هما فلان و فلان و الند هو المثل و النظير يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ‏ أي إن أولياءهم يحبون فلانا و فلانا كما يحبون الله و يتقربون بحبهم إليه مكان محبتهم له‏ وَ الَّذِينَ آمَنُوا بالله و رسوله و بالإمام من الله‏ أَشَدُّ حُبًّا لولي الله الإمام(ع)من أولياء فلان و فلان‏ وَ لَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا آل محمد حقهم‏ إِذْ يَرَوْنَ الْعَذابَ‏ عيانا أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً

90

و ليس لهم قوة وَ أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذابِ إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا و هم فلان و فلان و رؤساء الضلال‏ مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا و هم أولياؤهم و أتباعهم‏ وَ رَأَوُا الْعَذابَ‏ عين اليقين‏ وَ تَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبابُ‏ التي كانت بينهم في الدنيا و اتصل بهم سوء العذاب.

2/ 177

و قوله تعالى‏ لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَ الْمَغْرِبِ وَ لكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ وَ الْمَلائِكَةِ وَ الْكِتابِ وَ النَّبِيِّينَ وَ آتَى الْمالَ عَلى‏ حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبى‏ وَ الْيَتامى‏ وَ الْمَساكِينَ وَ ابْنَ السَّبِيلِ وَ السَّائِلِينَ وَ فِي الرِّقابِ وَ أَقامَ الصَّلاةَ وَ آتَى الزَّكاةَ وَ الْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا وَ الصَّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ وَ الضَّرَّاءِ وَ حِينَ الْبَأْسِ أُولئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَ أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ‏.

ذكر علي بن إبراهيم (رحمه الله) أن هذه الآية نزلت في أمير المؤمنين(ع)لأن هذه الشروط شروط الإيمان و صفات الكمال و هي لا توجد إلا فيه و ذريته الطيبين (صلوات الله عليهم أجمعين).

و بيان ذلك أما الإيمان‏ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ وَ الْمَلائِكَةِ وَ الْكِتابِ وَ النَّبِيِّينَ‏ فظاهر لأنه أول المؤمنين و أمير المؤمنين و آدم بين الماء و الطين و قوله تعالى‏ وَ آتَى الْمالَ عَلى‏ حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبى‏ وَ الْيَتامى‏ وَ الْمَساكِينَ‏ فهو الذي قال الله سبحانه و تعالى فيه و في زوجته و ابنيه‏ وَ يُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى‏ حُبِّهِ مِسْكِيناً وَ يَتِيماً وَ أَسِيراً وَ ابْنَ السَّبِيلِ‏ فحاله معه ظاهر وَ السَّائِلِينَ‏ فهو المتصدق على السائل بخاتمه‏

91

و هو يصلي في المحراب‏ وَ فِي الرِّقابِ‏ فقد روي عنه(ص)أنه ملك ألف رقبة و أعتقها و أما إقامة الصلاة و إيتاء الزكاة فهو الذي قال الله سبحانه فيه‏ إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَ هُمْ راكِعُونَ‏ وَ الْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا فهو الذي قال الله فيه‏ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى‏ نَحْبَهُ‏ و هو حمزة و جعفر وَ مِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ و هو هو وَ ما بَدَّلُوا تَبْدِيلًا وَ الصَّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ وَ الضَّرَّاءِ فصبره فيهما ظاهر و هو قائل‏

فصبرت و في العين قذى و في الحلق شجا أرى تراثي نهبا

وَ حِينَ الْبَأْسِ‏ أي وقت الحرب و الزحف و ملاقاة الأقران و مبارزة الشجعان و حاله في ذلك الحين لا يحتاج إلى بيان.

أُولئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا فهو الصديق الأكبر وَ أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ‏ فكيف لا و هو إمام المتقين‏ وَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ‏ على ولايته و ولاية ذريته الطيبين.

2/ 189

و قوله تعالى‏ وَ لَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها وَ لكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى‏ وَ أْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها وَ اتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ‏.

تأويله‏

ذكره صاحب كتاب الإحتجاج عن الأصبغ بن نباتة قال‏

جاء عبد الله بن الكواء إلى أمير المؤمنين(ع)فقال له أخبرني عن قول الله‏

92

عز و جل‏

لَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها وَ لكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى‏ وَ أْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها

فقال(ع)نحن البيوت التي أمر الله تعالى أن تؤتى من أبوابها و نحن باب الله و بيوته التي يؤتى فمن تابعنا و أقر بولايتنا فقد أتى البيوت من أبوابها و من خالفنا و فضل علينا غيرنا فقد أتى البيوت من ظهورها و ذلك بأن الله تعالى لو شاء عرف الناس نفسه وحده فكانوا يأتونه من بابه و لكنه جعلنا أبوابه و صراطه و سبيله و بابه التي يؤتى منها فمن عدل عن ولايتنا و فضل علينا غيرنا فإنهم‏

عَنِ الصِّراطِ لَناكِبُونَ‏

و يؤيده ما رواه محمد بن يعقوب (رحمه الله) عن معلى عن محمد بن جمهور عن سليمان بن سماعة عن عبد الله بن القاسم عن أبي بصير قال قال أبو عبد الله(ع)

الأوصياء هم أبواب الله عز و جل التي يؤتى منها و لولاهم ما عرف الله عز و جل و بهم احتج على خلقه.

و روي في معنى من يأتي البيوت من غير أبوابها

ما رواه أبو عمر الزاهد في كتابه بإسناده إلى محمد بن مسلم عن أحدهما(ع)قال‏

قلت له إنا نرى الرجل من المخالفين عليكم له عبادة و اجتهاد و خشوع فهل ينفعه ذلك فقال يا أبا محمد إنما مثلهم كمثل أهل بيت في بني إسرائيل و كان إذا اجتهد

93

واحد منهم أربعين ليلة و دعا الله أجيب و أن رجلا منهم اجتهد أربعين ليلة ثم دعا الله فلم يستجب له فأتى عيسى ابن مريم(ع)يشكو إليه ما هو فيه و يسأله الدعاء له قال فتطهر عيسى(ع)و صلى ثم دعا الله فأوحى الله إليه يا عيسى عبدي أتاني من غير الباب الذي أوتي منه إنه دعاني و في قلبه شك منك فلو دعاني حتى ينقطع عنقه و تنتثر أنامله ما استجبت له قال فالتفت عيسى(ع)إليه و قال له تدعو ربك و في قلبك شك من نبيه فقال يا روح الله و كلمته قد كان ما قلت فاسأل الله أن يذهب به عني فدعا له عيسى(ع)فتقبل الله منه و صار الرجل من جملة أهل بيته و كذلك نحن أهل البيت لا يقبل الله عمل عبد و هو يشك فينا.

2/ 199

و قوله تعالى‏ ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ وَ اسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ‏.

تأويله‏

ما رواه الشيخ محمد بن يعقوب (رحمه الله) بإسناده عن الحسن بن محبوب عن عبد الله بن غالب عن أبيه عن سعيد بن المسيب قال سمعت علي بن الحسين(ع)يقول‏

إن رجلا جاء إلى أمير المؤمنين(ع)فقال له أخبرني إن كنت عالما عن الناس و عن أشباه الناس و عن النسناس فقال أمير المؤمنين(ع)يا حسين أجب الرجل فقال له الحسين(ع)أما قولك عن الناس فنحن الناس و لذلك قال الله في كتابه‏

ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ‏

فرسول الله(ص)الذي أفاض بالناس و أما قولك عن أشباه الناس فهم شيعتنا و هم موالينا و هم منا

94

و لذلك قال إبراهيم ع‏

فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي‏

و أما قولك عن النسناس فهم السواد الأعظم و أشار بيده إلى جماعة الناس ثم قال‏

إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا

.

2/ 207

و قوله تعالى‏ وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ وَ اللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ.

تأويله و معناه‏ وَ مِنَ النَّاسِ‏ أي بعض الناس و يعني به أمير المؤمنين(ع)على ما يأتي بيانه‏ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ‏ أي يبيعها ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ‏ لأنه سبحانه هو المشتري لها لقوله‏ إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى‏ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ‏ و البيع يحتاج إلى إيجاب و قبول فالإيجاب من الله و القبول من أمير المؤمنين(ع)لعلمه بصدق وعد ربه.

و اعلم أنه لما ذكر الله سبحانه عدوه فيما تقدم و هو قوله عز و جل‏ وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ يُشْهِدُ اللَّهَ عَلى‏ ما فِي قَلْبِهِ وَ هُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ وَ إِذا تَوَلَّى سَعى‏ فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها وَ يُهْلِكَ الْحَرْثَ وَ النَّسْلَ وَ اللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ وَ إِذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَ لَبِئْسَ الْمِهادُ و ذكر حاله في فساده و أنه يهلك الحرث و النسل و هو عبارة عن عمارة الدنيا و صلاحها و صلاح العالم و في هذا كفاية و بين منزلته لخلقه عقب ذلك بذكر أمير المؤمنين و بين منزلته الرفيعة التي لم ينلها أحد من العالمين و هي مبيته على فراش رسول الله(ص)ليلة خروجه إلى الغار خوفا على نفسه الكريمة من الكفار.

95

و قد ورد في هذه القصة أخبار منها

ما رواه أحمد بن حنبل عن عمر بن ميمون قال‏

قوله عز و جل‏

وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ‏

ذاك علي بن أبي طالب شرى نفسه ابتغاء مرضات الله و ذلك حين نام على فراش رسول الله(ص)ألبسه ثوبه و جعله مكانه فكان المشركون يتوهمون أنه رسول الله ص‏

و روى الثعلبي في تفسيره قال‏

لما أراد النبي(ص)الهجرة خلف عليا(ع)لقضاء ديونه و رد الودائع التي كانت عنده و أمره ليلة خروجه إلى الغار و قد أحاط المشركون بالدار أن ينام على فراشه و قال له يا علي اتشح ببردي الحضرمي ثم نم على فراشي فإنه لا يلحق إليك منهم مكروه إن شاء الله ففعل ما أمره به فأوحى الله عز و جل إلى جبرئيل و ميكائيل إني قد آخيت بينكما و جعلت عمر أحدكما أطول من الآخر فأيكما يؤثر صاحبه بالحياة فاختار كل منهما الحياة فأوحى الله عز و جل إليهما أ لا كنتما مثل علي ابن أبي طالب آخيت بينه و بين محمد فبات على فراشه يفديه بنفسه و يؤثره بالحياة اهبطا إلى الأرض فاحفظاه من عدوه فنزلا فكان جبرئيل عند رأسه و ميكائيل عند رجليه و جبرئيل يقول بخ بخ من مثلك يا ابن أبي طالب يباهي الله بك ملائكته فأنزل الله عز و جل على رسوله(ص)و هو متوجه إلى المدينة في شأن علي بن أبي طالب ع‏

وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ‏

الآية

و روى أخطب خوارزم حديثا يرفعه بإسناده إلى النبي(ص)قال قال رسول الله(ص)

نزل علي جبرئيل صبيحة يوم‏

96

الغار فقلت حبيبي جبرئيل أراك فرحا فقال يا محمد و كيف لا أكون كذلك و قد قرت عيني بما أكرم الله به أخاك و وصيك و إمام أمتك علي بن أبي طالب فقلت و بما ذا أكرمه الله قال باهى بعبادته البارحة ملائكته و قال ملائكتي انظروا إلى حجتي في أرضي بعد نبيي قد بذل نفسه و عفر خده في التراب تواضعا لعظمتي أشهدكم أنه إمام خلقي و مولى بريتي.

اعلم أنه إنما أوحى الله الكبير الجليل إلى جبرئيل و ميكائيل أيهما يؤثر صاحبه بالعمر الطويل و هو العالم بشأنهما على الجملة و التفصيل ليتبين فضل أمير المؤمنين على الملائكة المقربين و هذا هو الفضل المبين الذي لم ينله أحد من الأولين و الآخرين.

نبأ عظيم في نفس من أنفاس النبإ العظيم ليلة مبيته على الفراش فعليه من الصلاة و التسليم‏

ورد في تفسير الإمام أبي محمد الحسن بن علي العسكري(ع)قال(ع)قال رسول الله(ص)

معاشر عباد الله عليكم بخدمة من أكرمه الله بالارتضاء و اجتباه بالاصطفاء و جعله أفضل أهل الأرض و السماء بعد محمد سيد الأنبياء علي بن أبي طالب و بموالاة أوليائه و معاداة أعدائه و قضاء حقوق إخوانكم الذين هم في موالاته و معاداة أعدائه شركاؤكم فإن رعاية علي أحسن من رعاية هؤلاء التجار الخارجين بصاحبكم الذي ذكرتموه إلى الصين الذي عرضوه للفناء و أعانوه بالثراء أما إن من شيعة علي لمن يأتي يوم القيامة و قد وضع له في كفة ميزان سيئاته من الآثام ما هو أعظم من الجبال الرواسي و البحار التيارة يقول الخلائق قد هلك هذا العبد فلا يشكون أنه من الهالكين و في عذاب الله تعالى من الخالدين فيأتيه النداء من قبل الله عز و جل يا أيها العبد الجاني هذه الذنوب الموبقات فهل لك بإزائها حسنات تكافيها فتدخل جنة الله برحمة الله أو تزيد عليها فتدخلها بوعد الله فيقول العبد لا أدري‏

97

فيقول منادي ربنا عز و جل فإن ربي يقول ناد في عرصات القيامة ألا و إني فلان بن فلان من أهل بلد كذا و كذا أو قرية كذا و كذا قد رهنت بسيئات كأمثال الجبال و البحار و لا حسنات لي بإزائها فأي أهل هذا المحشر كان لي عنده يد أو عارفة فليغشني بمجازاتي عنها فهذا أوان شدة حاجتي إليها فينادي الرجل بذلك فأول من يجيبه علي بن أبي طالب لبيك لبيك أيها الممتحن في محبتي المظلوم بعداوتي ثم يأتي هو و معه عدد كثير و جم غفير و إن كانوا أقل عددا من خصمائه الذين لهم قبله الظلامات فيقول العدد يا أمير المؤمنين نحن إخوانه المؤمنون كان بنا بارا و لنا مكرما و في معاشرته إيانا مع كثرة إحسانه إلينا متواضعا و قد نزلنا له عن جميع طاعتنا و بذلناها له فيقول علي(ع)فبما ذا تدخلون جنة ربكم فيقولون برحمته الواسعة التي لا يعدمها من والاك و والى وليك يا أخا رسول الله فيأتي النداء من قبل الله تعالى يا أخا رسول الله هؤلاء إخوانه المؤمنون قد بذلوا فأنت ما ذا تبذل فإني أنا الحكم أما ما بيني و بينه من الذنوب فقد غفرتها له بموالاته إياك و أما ما بينه و بين عبادي من الظلامات فلا بد من فصل الحكم بينه و بينهم فيقول علي(ع)يا رب افعل ما تأمرني فيقول الله تعالى يا علي اضمن لخصمائه تعويضهم عن ظلاماتهم قبله فيضمن لهم علي(ع)ذلك و يقول لهم اقترحوا على ما شئتم أعطيكم عوضا عن ظلاماتكم قبله فيقولون يا أخا رسول الله تجعل لنا بإزاء ظلاماتنا قبله ثواب نفس من أنفاسك ليلة بيتوتك على فراش محمد رسول الله(ص)فيقول علي(ع)قد وهبت ذلك لكم فيقول الله عز و جل فانظروا يا عبادي الآن إلى ما نلتموه من علي فداء لصاحبه من ظلاماتكم و يظهر لهم ثواب نفس واحد في الجنان من عجائب قصورها و خيراتها فيكون ذلك‏

98

ما يرضي الله عز و جل به خصماءه المؤمنين ثم يريهم بعد ذلك من الدرجات و المنازل ما لا عين رأت و لا أذن سمعت و لا خطر على قلب بشر فيقولون يا ربنا هل بقي من جناتك شي‏ء إذا كان هذا كله لنا فأين محل سائر عبادك المؤمنين و الأنبياء

وَ الصِّدِّيقِينَ وَ الشُّهَداءِ وَ الصَّالِحِينَ‏

و يخيل إليهم عند ذلك أن الجنة بأسرها قد جعلت لهم فيأتي النداء من قبل الله يا عبادي هذا ثواب نفس من أنفاس علي الذي اقترحتموه عليه جعلته لكم فخذوه و انظروا فتبصرونهم و هذا المؤمن الذي عوضهم علي(ع)عنه إلى تلك الجنان ثم يرون ما يضيفه الله عز و جل إلى ممالك علي(ع)في الجنان ما هو أضعاف ما بذله عن وليه الموالي له مما شاء الله عز و جل من الأضعاف التي لا يعرفها غيره ثم قال رسول الله ص‏

أَ ذلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ‏

المعدة لمخالفي أخي و وصيي علي بن أبي طالب صلى الله عليه صلاة تملأ المشارق و المغارب.

2/ 208

و قوله تعالى‏ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَ لا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ‏.

اعلم أنه لما أبان الله تعالى فضل أمير المؤمنين(ع)أنه قد شرى نفسه ابتغاء مرضات الله أمر المؤمنين أن يدخلوا في السلم كافة و السلم ولايته لما يأتي بيانه و نهى عن اتباع خطوات الشيطان و هو عدوه الذي تقدم ذكره في قوله عز و جل‏ وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا هذا معناه.

و أما تأويله قال علي بن إبراهيم في تفسيره و قوله تعالى‏ ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً نزلت في الولاية.

99

و ذكر الشيخ أبو جعفر الطوسي (رحمه الله) في أماليه عن محمد بن إبراهيم قال سمعت الصادق(ع)يقول‏

في قوله عز و جل‏

ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً

قال ادخلوا في ولاية علي بن أبي طالب‏

وَ لا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ‏

أي لا تتبعوا غيره‏

و روى الشيخ محمد بن يعقوب (رحمه الله) عن الحسين بن محمد عن معلى بن محمد عن الحسن بن علي الوشاء عن مثنى الحناط عن عبد الله بن عجلان عن أبي جعفر(ع)

في قول الله عز و جل‏

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً

قال في ولايتنا

و ذكر الحسن بن أبي الحسن الديلمي (رحمه الله) بإسناده عن جابر بن يزيد عن أبي جعفر(ع)

في قوله عز و جل‏

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً

قال السلم ولاية أمير المؤمنين و ولاية أولاده (صلوات الله عليهم أجمعين).

فانظر بعين النظر و الاعتبار إلى قول العزيز الغفار مما خص به عليا من الفخار و جعل ولايته هي السلم الذي‏ مَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً في الدنيا و الآخرة و من لم يدخله كان محاربا لله و لرسوله غير آمن في الدنيا و الآخرة و هو من أصحاب النار

لما رواه الشيخ أبو جعفر بن بابويه (رحمه الله) في أماليه عن محمد بن القطان بإسناده عن علي بن بلال عن الإمام علي بن موسى عن موسى بن جعفر عن جعفر بن محمد عن محمد بن علي عن علي بن الحسين عن الحسين بن علي عن علي بن أبي طالب عن النبي (صلوات الله عليهم أجمعين) عن جبرائيل عن ميكائيل عن إسرافيل عن اللوح عن القلم قال يقول الله تبارك و تعالى‏

ولاية علي بن أبي طالب حصني و من دخل حصني أمن ناري‏

100

2/ 251

و قوله تعالى‏ وَ لَوْ لا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَ لكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعالَمِينَ‏.

تأويله‏

ما رواه الشيخ محمد بن يعقوب (رحمه الله) عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن علي بن سعيد عن عبد الله بن القاسم عن يونس بن ظبيان عن أبي عبد الله(ع)قال‏

إن الله عز و جل يدفع بمن يصلي من شيعتنا عمن لا يصلي من شيعتنا فلو اجتمعوا على ترك الصلاة لهلكوا و إن الله ليدفع بمن يزكي من شيعتنا عمن لا يزكي و لو اجتمعوا على ترك الزكاة لهلكوا و إن الله عز و جل ليدفع بمن يحج من شيعتنا عمن لا يحج و لو اجتمعوا على ترك الحج لهلكوا و هو قول الله عز و جل‏

وَ لَوْ لا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَ لكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعالَمِينَ‏

فو الله ما نزلت إلا فيكم و ما عنى بها غيركم.

فالمعنى أن الناس المعنيون هم الشيعة الذين‏ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَ رَضُوا عَنْهُ* و قبل منهم و قبلوا منه وفقهم الله لرضوانه و أسكنهم بحبوحة جنانه بمحمد و آله و أنصاره و أعوانه.

2/ 253

و قوله تعالى‏ تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى‏ بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَ رَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ وَ آتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ وَ أَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَ لَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما

101

جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ وَ لكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَ مِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَ لَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَ لكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ.

تأويله‏

نقله صاحب كتاب الإحتجاج يرفعه إلى الأصبغ بن نباته قال‏

جاء رجل إلى أمير المؤمنين(ع)فقال يا أمير المؤمنين هؤلاء القوم الذين نقاتلهم الدعوة واحدة و الرسول واحد و الصلاة واحدة و الحج واحد فبما ذا نسميهم فقال له سمهم بما سماهم الله في كتابه فقال الرجل ما كل في كتاب الله أعلمه فقال(ع)أ ما سمعت الله يقول‏

تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى‏ بَعْضٍ‏

إلى قوله‏

وَ لكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَ مِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ

فلما وقع الاختلاف كنا نحن أولى بالله و بالنبي و بالكتاب و الحق فنحن الذين آمنوا و هم الذين كفروا و شاء الله قتالهم بمشيته و إرادته.

2/ 256

و قوله تعالى‏ لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى‏ لَا انْفِصامَ لَها وَ اللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ‏.

ذكر صاحب نهج الإيمان في تأويل هذه الآية ما هذا لفظه قال (رحمه الله)

روى أبو عبد الله الحسين بن جبير (رحمه الله) في كتابه نخب المناقب‏

102

لآل أبي طالب حديثا مسندا إلى الرضا(ع)قال قال رسول الله(ص)

من أحب أن يتمسك‏

بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى‏

فليتمسك بحب علي بن أبي طالب ع.

إذا عرفت ذلك فاعلم أنه قد تقدم في صدر الكتاب أن الطاغوت كناية عن عدو آل محمد(ع)و صح من هذا التأويل أن الذي‏ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ‏ و هو العدو المبين‏ وَ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى‏ و هي حب أمير المؤمنين (صلوات الله عليه و آله الطيبين) ثم لما بين بحبه حال المؤمن و الكافر.

2/ 257

قال الله تعالى‏ اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ‏.

تأويله‏

ما ذكره الشيخ المفيد في كتاب الغيبة عن الحسن بن محبوب عن عبد العزيز العبدي عن عبد الله بن أبي يعفور قال‏

قلت لأبي عبد الله(ع)إني أخالط الناس فيكثر عجبي من أقوام لا يتولونكم و يتولون فلانا و فلانا لهم أمانة و صدق و وفاء و أقوام يتولونكم ليس لهم تلك الأمانة و لا الصدق و لا الوفاء قال فاستوى أبو عبد الله(ع)جالسا و أقبل علي كالمغضب ثم قال لا دين لمن دان بولاية إمام جائر ليس من الله و لا عتب على من دان بولاية إمام عادل من الله قال قلت فلا دين لأولئك و لا عتب على هؤلاء فقال نعم أ ما تسمع قول الله عز و جل‏

اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ‏

103

إِلَى النُّورِ

يخرجهم من ظلمات الذنوب إلى نور التوبة و المغفرة لولايتهم كل إمام عادل من الله‏

وَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ‏

فأي نور يكون للكافرين فيخرج منه إنما عنى بهذا أنهم كانوا على نور الإسلام فلما تولوا كل إمام جائر ليس من الله خرجوا بولايتهم إياهم من نور الإسلام إلى ظلمات الكفر فأوجب لهم النار مع الكفار فقال‏

أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ‏

.

و معنى قوله يخرجهم من ظلمات الذنوب إلى نور التوبة و المغفرة أي أن الذي يكون من الشيعة و ليس له أمانه و لا صدق و لا وفاء فإن هذه و غيرها ذنوب فالله سبحانه يخرجهم من ظلماتها إلى نور التوبة منها و إلى المغفرة بعدها ف إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ‏ بولاية كل إمام عادل من الله فعليهم أفضل الصلاة و التسليم.

2/ 269

و قوله تعالى‏ يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ وَ مَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً ....

تأويله‏

ذكره الشيخ محمد بن يعقوب (رحمه الله) عن علي بن إبراهيم عن محمد بن عيسى عن يونس عن أيوب بن الحر عن أبي بصير عن أبي عبد الله(ع)

في قوله عز و جل‏

يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ

قال طاعة الله و معرفة الإمام ع.

اعلم أنهما السبب الأقوى في الإسلام لأن طاعة الله سبحانه طاعة الرسول لقوله تعالى‏ مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ‏ و معرفة الإمام تدخل‏

104

في طاعة الرسول(ص)و لا شك أن من يؤتى طاعة الله و طاعة الرسول و معرفة الإمام‏ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً و وجبت له الجنة في دار السلام.

2/ 274

و قوله تعالى‏ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَ النَّهارِ سِرًّا وَ عَلانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لا هُمْ يَحْزَنُونَ‏.

تأويله‏

قال أبو علي الطبرسي (رحمه الله) سبب النزول قال ابن عباس رضي الله عنه‏

نزلت هذه الآية في علي(ع)كانت معه أربعة دراهم فتصدق بواحد ليلا و بواحد نهارا و بواحد سرا و بواحد علانية

قال أبو علي الطبرسي و هو المروي عن أبي جعفر و أبي عبد الله ع‏

.

2/ 285

و قوله تعالى‏ آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَ الْمُؤْمِنُونَ ....

تأويله‏

رواه المقلد بن غالب (رحمه الله) عن محمد بن الحسين عن محمد بن وهبان عن محمد بن أحمد عن عبد الرحمن بن يزيد عن جابر قال سمعت أبا سلمى راعي النبي(ص)يقول سمعت رسول الله(ص)يقول‏

ليلة أسري بي إلى السماء قال الرب عز و جل‏

آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ‏

قلت‏

وَ الْمُؤْمِنُونَ‏

قال صدقت يا محمد من خلفت على أمتك قلت خيرها قال علي بن أبي طالب قلت نعم يا رب فقال يا محمد إني اطلعت إلى الأرض اطلاعة فاخترتك منها فشققت لك اسما من‏

105

أسمائي فلا أذكر في موضع إلا ذكرت معي فأنا المحمود و أنت محمد ثم اطلعت ثانية فاخترت عليا فشققت له اسما من أسمائي فأنا الأعلى و هو علي يا محمد إني خلقتك و خلقت عليا و فاطمة و الحسن و الحسين و الأئمة من ولد الحسين من نوري يا محمد إني عرضت ولايتكم على أهل السماوات و الأرضين فمن قبلها كان عندي من المؤمنين و من جحدها كان عندي من الظالمين يا محمد تحب أن تراهم قلت نعم يا رب قال التفت فالتفت عن يمين العرش فإذا أنا باسم علي و فاطمة و الحسن و الحسين و علي و محمد و جعفر و موسى و علي و محمد و علي و الحسن و المهدي في وسطهم كأنه كوكب دري فقال يا محمد هؤلاء حججي على خلقي و هذا القائم من ولدك بالسيف و المنتقم من أعدائك.

اعلم أنه قد بان لك ما في هذه السورة من الفضل المبين الذي اختص به أمير المؤمنين و ذريته الطيبين فاستمسك بولايتهم تكن من الفائزين و اركب في سفينتهم تكن من الناجين و يوم الفزع الأكبر تكن من الآمنين صلى الله عليهم صلاة دائمة في الدنيا و يوم الدين باقية في كل أوان و كل حين‏

106

سورة آل عمران و ما فيها من الآيات البينات في الأئمة الهداة

منها

3/ 7

قوله تعالى‏ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَ أُخَرُ مُتَشابِهاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَ ابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ وَ ما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا وَ ما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ‏.

تأويله الباطن‏

و هو ما رواه الشيخ محمد بن يعقوب الكليني (رحمه الله) عن الحسين بن محمد عن معلى بن محمد عن محمد بن أورمة عن علي بن حسان عن عبد الرحمن بن كثير عن أبي عبد الله(ع)

في قوله عز و جل‏

هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ‏

قال أمير المؤمنين و الأئمة ع‏

وَ أُخَرُ مُتَشابِهاتٌ‏

قال فلان و فلان‏

فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ‏

أصحابهم و أهل ولايتهم‏

فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَ ابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ وَ ما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ‏

و هم أمير المؤمنين و الأئمة ع‏

و عن أحمد بن محمد عن الحسين بن سعيد عن النضر بن سويد عن أيوب بن الحر و عمران بن علي عن أبي بصير عن أبي عبد الله(ع)قال‏

107

نحن‏

الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ‏

و نحن نعلم تأويله‏

و يؤيده ما رواه أيضا عن علي بن محمد عن عبد الله بن علي عن إبراهيم بن إسحاق عن عبد الله بن حماد عن بريد بن معاوية عن أحدهما(ع)

في قول الله عز و جل‏

وَ ما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ‏

قال فرسول الله(ص)أفضل الراسخين في العلم قد علمه الله عز و جل علم جميع ما أنزل عليه من التنزيل و التأويل و ما كان الله لينزل عليه شيئا لم يعلمه تأويله و أوصياؤه من بعده يعلمونه كله و كيف لا يعلمونه و منهم مبدأ العلم و إليهم منتهاه و هم معدنه و قراره و مأواه.

و بيان ذلك‏

ما رواه الشيخ محمد بن يعقوب عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن ابن أبي عمير عن ابن أذينة عن عبد الله بن سليمان عن حمران بن أعين عن أبي عبد الله(ع)قال‏

إن جبرئيل(ع)أتى رسول الله(ص)برمانتين فأكل رسول الله(ص)إحداهما و كسر الأخرى نصفين فأكل نصفا و أطعم عليا نصفا ثم قال رسول الله(ص)يا أخي هل تدري ما هاتان الرمانتان قال لا قال أما الأولى فالنبوة ليس لك فيها نصيب و أما الأخرى فالعلم أنت شريكي فيه فقلت أصلحك الله كيف يكون شريكه فيه قال لم يعلم الله محمدا(ص)علما إلا و أمره أن يعلمه عليا ع‏

و يؤيده ما رواه أيضا عن محمد بن يحيى عن محمد بن الحسن عن محمد بن عبد الحميد عن منصور بن يونس عن ابن أذينة عن محمد بن مسلم قال سمعت أبا جعفر(ع)يقول‏

نزل جبرئيل(ع)على محمد(ص)برمانتين من الجنة فلقيه علي(ع)فقال له ما هاتان‏

108

الرمانتان التي في يدك فقال أما هذه فالنبوة ليس لك فيها نصيب و أما هذه فالعلم ثم فلقها رسول الله(ص)نصفين فأعطاه نصفها و أخذ رسول الله(ص)نصفها ثم قال أنت شريكي فيه و أنا شريكك فيه قال فلم يعلم رسول الله(ص)حرفا مما علمه الله عز و جل إلا و قد علمه عليا(ع)ثم انتهى العلم إلينا ثم وضع يده على صدره.

و أوضح من هذا بيانا

ما رواه أيضا عن أحمد بن محمد عن عبد الله بن الحجال عن أحمد بن محمد الحلبي عن أبي بصير قال‏

دخلت على أبي عبد الله(ع)فقلت له جعلت فداك إني أسألك عن مسألة فههنا أحد يسمع كلامي قال فرفع أبو عبد الله(ع)سترا بينه و بين بيت آخر فأطلع فيه ثم قال يا أبا محمد سل عما بدا لك قال قلت جعلت فداك إن شيعتك يتحدثون أن رسول الله(ص)علم عليا(ع)بابا يفتح منه ألف باب قال فقال يا أبا محمد علم رسول الله(ص)عليا(ع)ألف باب يفتح من كل باب ألف باب قال قلت هذا و الله العلم قال فنكت ساعة في الأرض ثم قال إنه لعلم و ما هو بذاك قال ثم قال يا أبا محمد إن عندنا الجامعة و ما يدريهم ما الجامعة قال قلت جعلت فداك و ما الجامعة قال صحيفة طولها سبعون ذراعا بذراع رسول الله(ص)و إملائه من فلق فيه و خط علي بيمينه فيها كل حلال و حرام و كل شي‏ء يحتاج إليه الناس حتى الأرش في الخدش و ضرب بيده إلي فقال لي أ تأذن لي يا أبا محمد قال قلت جعلت فداك إنما أنا لك فاصنع ما شئت قال فغمزني بيده و قال حتى أرش هذا كأنه‏

109

مغضب قال قلت هذا و الله العلم قال إنه لعلم و ليس بذاك ثم سكت ساعة ثم قال إن عندنا الجفر و ما يدريهم ما الجفر قال قلت و ما الجفر قال وعاء من أدم فيه علم النبيين و الوصيين و علم العلماء الذين مضوا من بني إسرائيل قال قلت إن هذا هو العلم قال إنه لعلم و ليس بذاك ثم سكت ساعة ثم قال و إن عندنا لمصحف فاطمة(ع)و ما يدريهم ما مصحف فاطمة قال قلت و ما مصحف فاطمة(ع)قال مصحف فيه مثل قرآنكم هذا ثلاث مرات و الله ما فيه من قرآنكم حرف واحد قال قلت هذا و الله هو العلم قال إنه لعلم و ليس بذاك ثم سكت ساعة ثم قال و إن عندنا علم ما كان و علم ما هو كائن إلى أن تقوم الساعة قال قلت جعلت فداك هذا و الله هو العلم قال إنه لعلم و ليس بذاك قال قلت جعلت فداك فأي شي‏ء العلم قال ما يحدث بالليل و النهار و الأمر بعد الأمر و الشي‏ء بعد الشي‏ء إلى يوم القيامة.

و مما ورد في غزارة علمهم(ص)ما رواه أيضا (رحمه الله) قال‏

روى عدة من أصحابنا عن أحمد بن محمد عن محمد عن سنان عن يونس بن يعقوب عن الحارث بن مغيرة و عدة من أصحابنا منهم عبد الأعلى و أبو عبيدة و عبد الله بن بشير الخثعمي أنهم سمعوا أبا عبد الله(ع)يقول‏

إني لأعلم ما في السماوات و ما في الأرض و أعلم ما في الجنة و أعلم ما في النار و أعلم ما كان و ما يكون ثم سكت هنيئة فرأى أن ذلك كبر على من سمعه منه فقال علمت ذلك من كتاب الله عز و جل أن الله عز و جل يقول فيه تبيان كل شي‏ء.

110

و مما ورد في غزارة علمهم ص‏

ما رواه أيضا عن أحمد بن محمد و محمد بن يحيى عن محمد بن الحسين عن إبراهيم بن إسحاق الأحمر عن عبد الله بن حماد عن سيف التمار قال‏

كنا مع أبي عبد الله(ع)جماعة من الشيعة في الحجر فقال علينا عين فالتفتنا يمنة و يسرة فلم نر أحدا فقلنا ليس علينا عين فقال و رب الكعبة و رب البنية ثلاث مرات لو كنت بين موسى و الخضر لأخبرتهما إني أعلم منهما و لأنبأتهما بما ليس في أيديهما لأن موسى و الخضر أعطيا علم ما كان و لم يعطيا علم ما يكون و ما هو كائن حتى تقوم الساعة و قد ورثناه من رسول الله(ص)وراثة

و يؤيد هذا و يطابقه ما ذكره أصحابنا من رواة الحديث من كتاب الأربعين رواية أسعد الإربلي عن عمار بن خالد عن إسحاق الأزرق عند عبد الملك بن سليمان قال‏

وجد في ذخيرة حواري عيسى(ع)رق فيه مكتوب بالقلم السرياني منقول من التوراة و ذلك لما تشاجر موسى و الخضر في قصة السفينة و الغلام و الجدار و رجع موسى إلى قومه فسأله أخوه هارون عما استعمله من الخضر و شاهده من عجائب البحر فقال موسى(ع)بينا أنا و الخضر على شاطئ البحر إذ سقط بين أيدينا طائر فأخذ في منقاره قطرة من ماء البحر و رمى بها نحو المشرق و أخذ منه ثانية و رمى بها نحو المغرب ثم أخذ ثالثة و رمى بها نحو السماء ثم أخذ رابعة و رمى بها نحو الأرض ثم أخذ خامسة و ألقاها في البحر فبهت أنا و الخضر من ذلك و سألته عنه فقال لا أعلم فبينا نحن كذلك و إذا بصياد يصيد في البحر فنظر إلينا و قال ما لي أراكما في فكرة من أمر هذا الطائر فقلنا له هو ذاك فقال أنا رجل صياد و قد علمت إشارته و أنتما نبيان لا تعلمان فقلنا ما نعلم إلا ما علمنا الله عز و جل فقال هذا طائر في البحر يسمى مسلما لأنه إذا صاح يقول في صياحه مسلم مسلم فإشارته برمي الماء

111

من منقاره نحو المشرق و المغرب و السماء و الأرض و البحر يقول إنه يأتي في آخر الزمان نبي يكون علم أهل المشرق و المغرب و أهل السماء و الأرض عند علمه مثل هذه القطرة الملقاة في البحر و يرث علمه ابن عمه و وصيه فعند ذلك سكن ما كنا فيه من المشاجرة و استقل كل واحد منا علمه بعد أن كنا معجبين بأنفسنا ثم غاب عنا فعلمنا أنه ملك بعثه الله إلينا ليعرفنا نقصنا حيث ادعينا الكمال‏

و مما ذكر في معنى علمهم ص‏

ذكر الشيخ أبو جعفر الطوسي (رحمه الله) في كتابه مصباح الأنوار بإسناده إلى رجاله قال روي عن جعفر بن محمد الصادق عن أبيه عن جده(ع)قال قال رسول الله(ص)

أنا ميزان العلم و علي كفتاه و الحسن و الحسين حباله و فاطمة علاقته و الأئمة من بعدهم يزنون المحبين و المبغضين.

و الحمد لله الذي جعلنا من المحبين و المخلصين و لم يجعلنا من المبغضين الناصبين الذين عليهم لعنة الله و لعنة اللاعنين.

3/ 33

و قوله تعالى‏ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى‏ آدَمَ وَ نُوحاً وَ آلَ إِبْراهِيمَ وَ آلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ‏.

تأويله ذكر أبو علي الطبرسي (رحمه الله) أن آل إبراهيم هم آل محمد

112

ص المعصومون لأن الاصطفاء لا يقع إلا على المعصوم و هو الذي يكون باطنه مثل ظاهره في الطهارة و العصمة و آل محمد من هذا القبيل لا شك و لا ريب.

و ذكره علي بن إبراهيم (رحمه الله) في تفسيره قال إنه روي في الخبر المأثور

أنه نزل إن الله اصطفى آدم و نوحا و آل إبراهيم و آل عمران و آل محمد على العالمين فأسقطوا آل محمد منه‏

و ذلك عناد منهم لمحمد(ص)و صدود عنه.

و مما جاء في معنى الاصطفاء

ما رواه الشيخ أبو جعفر الطوسي (رحمه الله) قال روى أبو جعفر القلانسي قال حدثنا الحسين بن الحسن قال حدثنا عمرو بن أبي المقدام عن يونس بن حباب عن أبي جعفر محمد بن علي الباقر عن أبيه عن جده عن علي بن أبي طالب(ع)قال قال رسول الله(ص)

ما بال أقوام إذا ذكروا آل إبراهيم و آل عمران استبشروا و إذا ذكروا آل محمد اشمأزت قلوبهم و الذي نفس محمد بيده لو أن أحدهم وافى بعمل سبعين نبيا يوم القيامة ما قبل الله منه حتى يوافي بولايتي و ولاية علي بن أبي طالب ع‏

و قال أيضا

روى روح بن رواح عن رجاله عن إبراهيم النخعي عن ابن عباس رضي الله عنه قال‏

دخلت على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(ع)فقلت يا أبا الحسن أخبرني بما أوصى إليك رسول الله(ص)قال سأخبركم أن‏

اللَّهَ اصْطَفى‏ لَكُمُ الدِّينَ‏

و ارتضاه و أتم عليكم نعمته و كنتم‏

أَحَقَّ بِها وَ أَهْلَها

و أن الله أوحى إلى نبيه أن يوصي إلي فقال النبي(ص)يا علي احفظ وصيتي و ارع ذمامي و أوف بعهدي و أنجز عداتي و اقض ديني و قومهما و أحي سنتي و ادع إلى ملتي لأن الله تعالى‏

113

اصطفاني و اختارني فذكرت دعوة أخي موسى فقلت اللهم‏

اجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي‏

كما جعلت هارون من موسى فأوحى الله عز و جل إلي أن عليا وزيرك و ناصرك و الخليفة من بعدك ثم يا علي أنت من أئمة الهدى و أولادك منك فأنتم قادة الهدى و التقى و الشجر التي أنا أصلها و أنتم فرعها فمن تمسك بها فقد نجا و من تخلف عنها فقد هلك و هوى و أنتم الذين أوجب الله مودتكم و ولايتكم و الذين ذكرهم الله في كتابه و وصفهم لعباده فقال عز و جل من قائل‏

إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى‏ آدَمَ وَ نُوحاً وَ آلَ إِبْراهِيمَ وَ آلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ وَ اللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ‏

فأنتم صفوة الله من آدم و نوح و آل إبراهيم و آل عمران و أنتم الأسرة من إسماعيل و العترة الهادية من محمد (صلوات الله عليهم أجمعين).

و في هذا المعنى‏

ما ذكره الشيخ الطوسي (رحمه الله) في أماليه قال حدثنا أبو عبد الله محمد بن محمد بن النعمان (رحمه الله) قال حدثنا الشيخ أبو الحسن أحمد بن محمد بن الحسن بن الوليد قال حدثنا أبي عن محمد بن الحسن الصفار عن أحمد بن أبي عبد الله البرقي عن أبيه عن محمد بن أبي عمير عن المفضل بن عمر عن الصادق(ع)قال قال أمير المؤمنين(ع)

أعطيت تسعا لم يعطها أحد قبلي سوى رسول الله(ص)لقد فتحت لي السبل و علمت المنايا و البلايا و الأنساب‏

وَ فَصْلَ الْخِطابِ‏

و لقد نظرت إلى الملكوت بإذن ربي فما غاب عني ما كان قبلي و لا ما يأتي بعدي فإن بولايتي أكمل الله لهذه الأمة دينهم و أتم عليهم النعم و رضي لهم إسلامهم إذ يقول يوم الولاية لمحمد(ص)يا محمد أخبرهم أني أكملت لهم اليوم دينهم و أتممت‏

114

عليهم النعم و رضيت لهم إسلامهم كل ذلك من من الله علي فلله الحمد.

3/ 37

و قوله تعالى‏ كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيَّا الْمِحْرابَ وَجَدَ عِنْدَها رِزْقاً قالَ يا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هذا قالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ‏.

جاء في تأويل هذه الآية الكريمة منقبة جليلة عظيمة من مناقب مولانا أمير المؤمنين(ع)و مناقب الزهراء ذات الفضل المبين صلى الله عليهما و على ذريتها صلاة باقية إلى يوم الدين و هو

ما نقله الشيخ أبو جعفر الطوسي (رحمه الله) في كتاب مصباح الأنوار بحذف الإسناد قال روي عن أبي سعيد الخدري قال‏

أصبح علي(ع)ذات يوم ساغبا فقال لفاطمة(ع)هل عندك شي‏ء نغتذي به فقالت لا و الذي أكرم أبي بالنبوة و أكرمك بالوصية ما أصبح الغداة عندي منذ يومين إلا شي‏ء كنت أوثرك به على نفسي و على ابني الحسن و الحسين فقال أمير المؤمنين(ع)يا فاطمة أ لا كنت أعلمتني فأبغيكم شيئا فقالت يا أبا الحسن إني لأستحيي من إلهي أن تكلف نفسك ما لا تقدر به فخرج علي(ع)من عندها واثقا بالله و حسن الظن به فاستقرض دينارا فأخذه ليشتري لهم به ما يصلحهم فعرض له المقداد بن الأسود رضي الله عنه و كان يوما شديد الحر و قد لوحته الشمس من فوقه و آذته من تحته فلما رآه أمير المؤمنين(ع)أنكر شأنه فقال له يا مقداد ما أزعجك الساعة من‏

115

رحلك فقال يا أبا الحسن خل سبيلي و لا تسألني عما ورائي فقال يا أخي لا يسعني أن تجاوزني حتى أعلم علمك فقال يا أبا الحسن رغبت إلى الله و إليك أن تخلي سبيلي و لا تكشفني عن حالتي فقال يا أخي لا يسعك أن تكتمني حالك فقال يا أبا الحسن أما إذا أبيت فو الذي أكرم محمدا بالنبوة و أكرمك بالوصية ما أزعجني من رحلي إلا الجهد و قد تركت عيالي جياعا فلما سمعت بكاءهم لم تحملني الأرض خرجت مهموما راكبا رأسي هذه حالتي و قصتي فانهملت عينا علي(ع)بالبكاء حتى بلت دموعه كريمته و قال أحلف بالذي حلفت به أن ما أزعجني إلا الذي أزعجك و قد اقترضت دينارا فهاكه آثرك به على نفسي فدفع إليه الدينار و رجع فدخل المسجد فسلم على رسول الله(ص)فرد رسول الله(ص)(عليه السلام) و قال يا أبا الحسن هل عندك عشاء نتعشاه فنمضي معك فمكث أمير المؤمنين(ع)مطرقا لا يحير جوابا حياء من رسول الله(ص)و كان قد عرفه الله ما كان من أمر الدينار من أين وجهه بوحي من الله يأمره أن يتعشى عند علي تلك الليلة فلما نظر إلى سكوته قال يا أبا الحسن ما لك لا تقول لا فأنصرف عنك أو نعم فأمضي معك فقال حبا و كرامة اذهب بنا فأخذ رسول الله(ص)بيد أمير المؤمنين و انطلقا حتى دخلا على فاطمة (صلوات الله عليها و عليهم أجمعين) و هي في محرابها قد قضت صلاتها و خلفها جفنة تفور دخانا فلما سمعت كلام رسول الله(ص)خرجت من مصلاها و سلمت عليه و كانت أعز الناس عليه فرد (عليها السلام) و مسح يده على رأسها و قال يا بنتاه كيف أمسيت يرحمك الله قالت بخير

116

قال عشينا رحمك الله و قد فعل فأخذت الجفنة و وضعتها بين يدي رسول الله و علي صلوات عليهما و آلهما فلما نظر أمير المؤمنين(ع)إلى الطعام و شم ريحه رمى فاطمة ببصره رميا شحيحا فقالت له فاطمة سبحان الله ما أشح نظرك و أشده فهل أذنبت فيما بيني و بينك ذنبا أستوجب به السخطة منك فقال و أي ذنب أعظم من ذنب أصبته اليوم أ ليس عهدي بك و أنت تحلفي بالله مجتهدة أنك ما طعمت طعاما منذ يومين قال فنظرت إلى السماء و قالت إلهي يعلم ما في سمائه و أرضه إني لم أقل إلا حقا فقال لها يا فاطمة فأنى لك هذا الطعام الذي لم أنظر إلى مثل لونه و لم أشم مثل ريحه قط و لم آكل أطيب منه قال فوضع النبي(ص)كفه المباركة على كتف أمير المؤمنين علي(ع)و هزها ثم هزها ثلاث مرات ثم قال يا علي هذا بدل دينارك هذا جزاء دينارك‏

مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ‏

ثم استعبر باكيا و قال الحمد لله الذي أبى لكما أن يخرجكما من الدنيا حتى يجريك يا علي مجرى زكريا و يجريك يا فاطمة مجرى مريم بنت عمران و هو قوله تعالى‏

كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيَّا الْمِحْرابَ وَجَدَ عِنْدَها رِزْقاً قالَ يا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هذا قالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ‏

.

3/ 61

و قوله تعالى‏ فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ‏

117

أَبْناءَنا وَ أَبْناءَكُمْ وَ نِساءَنا وَ نِساءَكُمْ وَ أَنْفُسَنا وَ أَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ‏.

تأويله و سبب نزوله‏

أن وفد نجران من النصارى قدم المدينة على رسول الله(ص)و قالوا له هل رأيت ولدا بغير أب فلم يجبهم حتى نزل قوله تعالى‏

إِنَّ مَثَلَ عِيسى‏ عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ‏

الآية فلما نزلت دعاهم إلى المباهلة فأجابوه فخرج النبي(ص)آخذا بيد علي و الحسن و الحسين بين يديه و فاطمة(ع)وراءه فلما رآهم الأسقف و كان رئيسهم سأل من هؤلاء الذين معه فقيل هذا علي بن أبي طالب ابن عمه و زوج ابنته فاطمة هذه و هذان ولداهما فقال الأسقف لأصحابه إني لأرى وجوها لو سألوا الله أن يزيل جبلا من مكانه لأزاله فلا تباهلوا فتهلكوا و لا يبقى على وجه الأرض نصراني إلى يوم القيامة ثم قال الأسقف للنبي(ص)يا أبا القاسم إنا لا نباهلك و لكن نصالحك فصالحنا على ما ننهض به فصالحهم على ألفي حلة و ثلاثين رمحا و ثلاثين درعا و ثلاثين فرسا و كتب لهم بذلك كتابا و رجعوا إلى بلادهم و قال النبي(ص)و الذي نفسي بيده لو يلاعنوني لمسخوا قردة و خنازير و اضطرم الوادي عليهم نارا و لما حال الحول على النصارى حتى يهلكوا كلهم.

و اعلم أن قوله عز و جل‏ أَبْناءَنا دل على أنهما الحسن و الحسين(ع)و أنهما ابناه على الحقيقة و إن كانا ابنا بنته و نِساءَنا أن المراد بها فاطمة(ع)خاصة لأنه لم يخرج بغيرها و أَنْفُسَنا أن المراد به علي(ع)خاصة لأن الإنسان لا يجوز أن يدعوا نفسه و إذ كان لا يجوز فلم يبق‏

118

إلا أن يدعو غيره و لم يدع في المباهلة غير علي(ع)بالإجماع فتعين أن يكون هو المعنى بقوله‏ أَنْفُسَنا فيكون هو نفس رسول الله ص.

و يؤيد هذا من الروايات ما صح عنه(ص)و قد سأله سائل عن بعض أصحابه فأجابه عن كل بصفته فقال له فعلي فقال(ص)إنما سألتني عن الناس و لم تسألني عن نفسي فإذا نظرت ببصر البصيرة رأيت أن أمير المؤمنين(ع)هو الحاوي لجميع فضائل المباهلة لأن الأبناء أبناؤه و النساء نساؤه و الأنفس نفسه الزكية التي فضلت على الأنفس البشرية حيث إنها نفس محمد أفضل البرية فناهيك من فضيلة في الفضائل جلية و منقبة في المناقب سامية عليه ثم لم يسمها و لا سماها أحد من الأنام بالكلية صلى الله عليه و على صاحب النفس الأصلية محمد بن عبد الله و على الطيبين من آلهما و الذرية صلاة ترغم أنوف النواصب القالين و الزيدية و تزكى بها أنفس المحبين من الشيعة الإمامية.

3/ 68

و قوله تعالى‏ إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَ هذَا النَّبِيُّ وَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ اللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ‏.

تأويله و معناه‏ إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ‏ أي أحق به ثم بين من هو فقال‏ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ‏ في زمانه و بعده و أمدوه بالمعونة و النصرة على من لم يتبعه على ذلك‏ وَ هذَا النَّبِيُ‏ يعني محمدا ص‏ وَ الَّذِينَ آمَنُوا به و أعانوه و نصروه أولئك هم أولى به و أحق من غيرهم ثم بين سبحانه أن أولى‏

119

الناس المؤمنين به الذي ينصره و يعينه كما نصروه و أعانوه أولئك لإبراهيم(ع)و عنى بالمؤمنين عليا و الأئمة ع‏

لما روي عن أمير المؤمنين(ع)أنه قال‏

إن أولى الناس بالأنبياء أعلمهم بما جاءوا به ثم تلا هذه الآية و قال إن ولي محمد من أطاع الله و إن بعدت لحمته و إن عدو محمد من عصى الله و إن قربت قرابته.

و مما ورد في التأويل‏

ما رواه الشيخ محمد بن يعقوب (رحمه الله) عن الحسين بن محمد عن معلى بن محمد عن الوشاء عن مثنى عن عبد الله بن عجلان عن أبي جعفر(ع)

في قول الله عز و جل‏

إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَ هذَا النَّبِيُّ وَ الَّذِينَ آمَنُوا

قال هم الأئمة و من اتبعهم‏

و يؤيده ما ذكره أبو علي الطبرسي (رحمه الله) قال روى عمر بن يزيد قال‏

قال لي أبو عبد الله(ع)أنتم و الله من آل محمد قلت من أنفسهم جعلت فداك قال نعم و الله من أنفسهم قالها ثلاثا ثم نظر إلي و نظرت إليه فقال يا عمر إن الله عز و جل يقول في كتابه‏

إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَ هذَا النَّبِيُّ وَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ اللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ‏ و رواه أيضا علي بن إبراهيم عن أبيه في تفسيره‏

3/ 77

قوله تعالى‏ أُولئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَ لا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَ لا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَ لا يُزَكِّيهِمْ وَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ‏.

تأويله‏

ذكره الشيخ أبو جعفر الطوسي (رحمه الله) في كتابه مصباح الأنوار