بحار الأنوار - ج12

- العلامة المجلسي المزيد...
393 /
201

أَهْلِ مَمْلَكَتِهِ وَ عُلَمَاءَهُمْ وَ أَهْلَ دِرَاسَةِ الْكُتُبِ وَ آثَارِ النُّبُوَّةِ فَلَمَّا اجْتَمَعُوا عِنْدَهُ قَالَ ذُو الْقَرْنَيْنِ يَا مَعْشَرَ الْفُقَهَاءِ وَ أَهْلَ الْكُتُبِ وَ آثَارِ النُّبُوَّةِ هَلْ وَجَدْتُمْ فِيمَا قَرَأْتُمْ مِنْ كُتُبِ اللَّهِ وَ فِي كُتُبِ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ مِنَ الْمُلُوكِ أَنَّ لِلَّهِ عَيْناً تُدْعَى عَيْنَ الْحَيَاةِ فِيهَا مِنَ اللَّهِ عَزِيمَةٌ أَنَّهُ مَنْ يَشْرَبْ مِنْهَا لَمْ يَمُتْ حَتَّى يَكُونَ هُوَ الَّذِي يَسْأَلُ اللَّهَ الْمَوْتَ قَالُوا لَا يَا أَيُّهَا الْمَلِكُ قَالَ فَهَلْ وَجَدْتُمْ فِيمَا قَرَأْتُمْ مِنَ الْكُتُبِ أَنَّ لِلَّهِ فِي الْأَرْضِ ظُلْمَةً لَمْ يَطَأْهَا إِنْسٌ وَ لَا جَانٌّ قَالُوا لَا يَا أَيُّهَا الْمَلِكُ فَحَزِنَ عَلَيْهِ ذُو الْقَرْنَيْنِ حُزْناً شَدِيداً وَ بَكَى إِذْ لَمْ يُخْبَرْ عَنِ الْعَيْنِ وَ الظٌّلْمَةِ بِمَا يُحِبُّ وَ كَانَ فِيمَنْ حَضَرَهُ غُلَامٌ مِنَ الْغِلْمَانِ مِنْ أَوْلَادِ الْأَوْصِيَاءِ أَوْصِيَاءِ الْأَنْبِيَاءِ وَ كَانَ سَاكِتاً لَا يَتَكَلَّمُ حَتَّى إِذَا أَيِسَ ذُو الْقَرْنَيْنِ مِنْهُمْ قَالَ لَهُ الْغُلَامُ‏

(1)

أَيُّهَا الْمَلِكُ إِنَّكَ تَسْأَلُ هَؤُلَاءِ عَنْ أَمْرٍ لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ وَ عِلْمُ مَا تُرِيدُ عِنْدِي فَفَرِحَ ذُو الْقَرْنَيْنِ فَرَحاً شَدِيداً حَتَّى نَزَلَ عَنْ فِرَاشِهِ وَ قَالَ لَهُ ادْنُ مِنِّي فَدَنَا مِنْهُ فَقَالَ أَخْبِرْنِي قَالَ نَعَمْ أَيُّهَا الْمَلِكُ إِنِّي وَجَدْتُ فِي كِتَابِ آدَمَ الَّذِي كَتَبَ يَوْمَ سُمِّيَ لَهُ مَا فِي الْأَرْضِ مِنْ عَيْنٍ أَوْ شَجَرٍ فَوَجَدْتُ فِيهِ أَنَّ لِلَّهِ عَيْناً تُدْعَى عَيْنَ الْحَيَاةِ فِيهَا مِنْ أَمْرِ اللَّهِ عَزِيمَةٌ أَنَّهُ مَنْ يَشْرَبْ مِنْهَا لَمْ يَمُتْ حَتَّى يَكُونَ هُوَ الَّذِي يَسْأَلُ اللَّهَ الْمَوْتَ بِظُلْمَةٍ لَمْ يَطَأْهَا إِنْسٌ وَ لَا جَانٌّ فَفَرِحَ ذُو الْقَرْنَيْنِ وَ قَالَ ادْنُ مِنِّي يَا أَيُّهَا الْغُلَامُ تَدْرِي أَيْنَ مَوْضِعُهَا قَالَ نَعَمْ وَجَدْتُ فِي كِتَابِ آدَمَ أَنَّهَا عَلَى قَرْنِ الشَّمْسِ يَعْنِي مَطْلِعَهَا فَفَرِحَ ذُو الْقَرْنَيْنِ وَ بَعَثَ إِلَى أَهْلِ مَمْلَكَتِهِ فَجَمَعَ أَشْرَافَهُمْ وَ فُقَهَاءَهُمْ وَ عُلَمَاءَهُمْ وَ أَهْلَ الْحُكْمِ مِنْهُمْ فَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ أَلْفُ حَكِيمٍ وَ عَالِمٍ وَ فَقِيهٍ فَلَمَّا اجْتَمَعُوا عَلَيْهِ تَهَيَّأَ لِلْمَسِيرِ وَ تَأَهَّبَ لَهُ بِأَعَدِّ الْعُدَّةِ وَ أَقْوَى الْقُوَّةِ فَسَارَ بِهِمْ يُرِيدُ مَطْلِعَ الشَّمْسِ يَخُوضُ الْبِحَارَ وَ يَقْطَعُ الْجِبَالَ وَ الْفَيَافِيَ وَ الْأَرَضِينَ وَ الْمَفَاوِزَ فَسَارَ اثْنَيْ عَشَرَ سَنَةً حَتَّى انْتَهَى إِلَى طَرَفِ الظٌّلْمَةِ فَإِذَا هِيَ لَيْسَتْ بِظُلْمَةِ لَيْلٍ وَ لَا دُخَانٍ‏

(2)

وَ لَكِنَّهَا هَوَاءٌ يَفُورُ سَدَّ مَا بَيْنَ الْأُفُقَيْنِ‏

(3)

فَنَزَلَ بِطَرَفِهَا

____________

(1) في العرائس: فقال عالم من العلماء: إنى قرأت وصية آدم (عليه السلام) فوجدت فيها أن خلق اللّه في الأرض ظلمة لم يطأها انس و لا جان، و وضع فيها عين الخلد، فقال ذو القرنين: و أين وجدتها؟ قال: فى الأرض التي على قرن الشمس. و ليس فيه جملة «و كان فيمن حضره» و لا الجمل التي يأتي بعد ذلك. و الظاهر أنّه اختصر الحديث.

(2) في العرائس: فاذا ظلمة تفور مثل الدخان ليست بظلمة ليل، فعسكر هناك اه.

(3) في نسخة: ما بين الخافقين.

202

وَ عَسْكَرَ عَلَيْهَا وَ جَمَعَ عُلَمَاءَ أَهْلِ عَسْكَرِهِ وَ فُقَهَاءَهُمْ وَ أَهْلَ الْفَضْلِ مِنْهُمْ فَقَالَ يَا مَعْشَرَ الْفُقَهَاءِ وَ الْعُلَمَاءِ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَسْلُكَ هَذِهِ الظُّلْمَةَ فَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً فَقَالُوا أَيُّهَا الْمَلِكُ إِنَّكَ لَتَطْلُبُ أَمْراً مَا طَلَبَهُ وَ لَا سَلَكَهُ أَحَدٌ كَانَ قَبْلَكَ مِنَ النَّبِيِّينَ وَ الْمُرْسَلِينَ وَ لَا مِنَ الْمُلُوكِ قَالَ إِنَّهُ لَا بُدَّ لِي مِنْ طَلَبِهَا قَالُوا أَيُّهَا الْمَلِكُ إِنَّا لَوْ نَعْلَمُ أَنَّكَ إِذَا سَلَكْتَهَا ظَفِرْتَ بِحَاجَتِكَ مِنْهَا بِغَيْرِ عَنَتٍ عَلَيْكَ لَأَمَرْنَا

(1)

وَ لَكِنَّا نَخَافُ أَنْ يَعْلَقَ بِكَ‏

(2)

مِنْهَا أَمْرٌ يَكُونُ فِيهِ هَلَاكُ مُلْكِكَ وَ زَوَالُ سُلْطَانِكَ وَ فَسَادٌ مِنَ الْأَرْضِ فَقَالَ لَا بُدَّ مِنْ أَنْ أَسْلُكَهَا فَخَرُّوا سُجَّداً لِلَّهِ وَ قَالُوا إِنَّا نَتَبَرَّأُ إِلَيْكَ مِمَّا يُرِيدُ ذُو الْقَرْنَيْنِ فَقَالَ ذُو الْقَرْنَيْنِ يَا مَعْشَرَ الْعُلَمَاءِ أَخْبِرُونِي بِأَبْصَرِ الدَّوَابِّ قَالُوا الْخَيْلُ الْإِنَاثُ الْبِكَارَةُ أَبْصَرُ الدَّوَابِّ فَانْتَخَبَ مِنْ عَسْكَرِهِ فَأَصَابَ سِتَّةَ آلَافِ فَرَسٍ إِنَاثاً أَبْكَاراً

(3)

وَ انْتَخَبَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَ الْفَضْلِ وَ الْحِكْمَةِ سِتَّةَ آلَافِ رَجُلٍ فَدَفَعَ إِلَى كُلِّ رَجُلٍ فَرَساً وَ وَلَّى فَسْحَرَ

(4)

وَ هُوَ الْخَضِرُ عَلَى أَلْفَيْ فَرَسٍ فَجَعَلَهُمْ عَلَى مُقَدِّمَتِهِ وَ أَمَرَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوا الظُّلْمَةَ وَ سَارَ ذُو الْقَرْنَيْنِ فِي أَرْبَعَةِ آلَافٍ وَ أَمَرَ أَهْلَ عَسْكَرِهِ أَنْ يَلْزَمُوا مُعَسْكَرَهُ اثْنَيْ عَشَرَ سَنَةً

(5)

فَإِنْ رَجَعَ هُوَ إِلَيْهِمْ إِلَى ذَلِكَ الْوَقْتِ وَ إِلَّا تَفَرَّقُوا فِي الْبِلَادِ وَ لَحِقُوا بِبِلَادِهِمْ أَوْ حَيْثُ شَاءُوا فَقَالَ الْخَضِرُ أَيُّهَا الْمَلِكُ إِنَّا نَسْلُكَ فِي الظُّلْمَةِ لَا يَرَى بَعْضُنَا بَعْضاً كَيْفَ نَصْنَعُ بِالضَّلَالِ إِذَا أَصَابَنَا فَأَعْطَاهُ ذُو الْقَرْنَيْنِ خَرَزَةً حَمْرَاءَ

(6)

كَأَنَّهَا مَشْعَلَةٌ لَهَا ضَوْءٌ فَقَالَ خُذْ هَذِهِ الْخَرَزَةَ فَإِذَا أَصَابَكُمُ الضَّلَالُ فَارْمِ بِهَا إِلَى الْأَرْضِ فَإِنَّهَا تَصِيحُ فَإِذَا صَاحَتْ رَجَعَ أَهْلُ الضَّلَالِ إِلَى صَوْتِهَا فَأَخَذَهَا الْخَضِرُ وَ مَضَى فِي الظُّلْمَةِ وَ كَانَ الْخَضِرُ يَرْتَحِلُ وَ يَنْزِلُ ذُو الْقَرْنَيْنِ فَبَيْنَا الْخَضِرُ يَسِيرُ ذَاتَ يَوْمٍ إِذْ عَرَضَ لَهُ وَادٍ فِي الظُّلْمَةِ فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ قِفُوا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ لَا يَتَحَرَّكَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمْ‏

____________

(1) في نسخة: لاتبعناك.

(2) في نسخة: أن ينفتق عليك.

(3) في نسخة: اناثا بكارة.

(4) في نسخة: و عقد لا فسحر.

(5) في نسخة اثنتى عشرة سنة.

(6) الخرز: ما ينظم في السلك من الجذع و الودع. الحب المثقوب من الزجاج و غيره:

فصوص من حجارة. الواحدة: الخرزة. خرزات الملك: جواهر تاجه.

203

عَنْ مَوْضِعِهِ وَ نَزَلَ عَنْ فَرَسِهِ فَتَنَاوَلَ الْخَرَزَةَ فَرَمَى بِهَا فِي الْوَادِي فَأَبْطَأَتْ عَنْهُ بِالْإِجَابَةِ حَتَّى خَافَ أَنْ لَا يُجِيبَهُ ثُمَّ أَجَابَتْهُ فَخَرَجَ إِلَى صَوْتِهَا

(1)

فَإِذَا هِيَ عَلَى جَانِبِ الْعَيْنِ وَ إِذَا مَاؤُهَا أَشَدُّ بَيَاضاً مِنَ اللَّبَنِ وَ أَصْفَى مِنَ الْيَاقُوتِ وَ أَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ فَشَرِبَ مِنْهُ ثُمَّ خَلَعَ ثِيَابَهُ فَاغْتَسَلَ مِنْهَا ثُمَّ لَبِسَ ثِيَابَهُ ثُمَّ رَمَى بِالْخَرَزَةِ نَحْوَ أَصْحَابِهِ فَأَجَابَتْهُ فَخَرَجَ إِلَى أَصْحَابِهِ وَ رَكِبَ وَ أَمَرَهُمْ بِالْمَسِيرِ فَسَارُوا وَ مَرَّ ذُو الْقَرْنَيْنِ بَعْدَهُ فَأَخْطَأَ الْوَادِيَ فَسَلَكُوا تِلْكَ الظُّلْمَةَ أَرْبَعِينَ يَوْماً وَ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ خَرَجُوا بِضَوْءٍ لَيْسَ بِضَوْءِ نَهَارٍ وَ لَا شَمْسٍ وَ لَا قَمَرٍ وَ لَكِنَّهُ نُورٌ فَخَرَجُوا إِلَى أَرْضٍ حَمْرَاءَ رَمِلَةٍ خَشْخَاشَةٍ

(2)

فَرِكَةٍ كَأَنَّ حَصَاهَا اللُّؤْلُؤُ فَإِذَا هُوَ بِقَصْرٍ مَبْنِيٍّ عَلَى طُولِ فَرْسَخٍ‏

(3)

فَجَاءَ ذُو الْقَرْنَيْنِ إِلَى الْبَابِ فَعَسْكَرَ عَلَيْهِ ثُمَّ تَوَجَّهَ بِوَجْهِهِ وَحْدَهُ إِلَى الْقَصْرِ فَإِذَا طَائِرٌ وَ إِذَا حَدِيدَةٌ طَوِيلَةٌ قَدْ وُضِعَ طَرَفَاهَا عَلَى جَانِبَيِ الْقَصْرِ وَ الطَّيْرُ أَسْوَدُ مُعَلَّقٌ فِي تِلْكَ الْحَدِيدَةِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَ الْأَرْضِ كَأَنَّهُ الْخُطَّافُ أَوْ صُورَةُ الْخُطَّافِ أَوْ شَبِيهٌ بِالْخُطَّافِ أَوْ هُوَ خُطَّافٌ‏

(4)

فَلَمَّا سَمِعَ الطَّائِرُ خَشْخَشَةَ ذِي الْقَرْنَيْنِ قَالَ مَنْ هَذَا قَالَ أَنَا ذُو الْقَرْنَيْنِ فَقَالَ الطَّائِرُ يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ أَ مَا كَفَاكَ مَا وَرَاءَكَ حَتَّى وَصَلْتَ إِلَى حَدِّ بَابِي هَذَا فَفَرِقَ‏

(5)

ذُو الْقَرْنَيْنِ فَرَقاً شَدِيداً فَقَالَ يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ لَا تَخَفْ وَ أَخْبِرْنِي قَالَ سَلْ قَالَ هَلْ كَثُرَ فِي الْأَرْضِ بُنْيَانُ الْآجُرِّ وَ الْجِصِّ قَالَ نَعَمْ قَالَ فَانْتَفَضَ الطَّيْرُ وَ امْتَلَأَ حَتَّى مَلَأَ مِنَ الْحَدِيدَةِ ثُلُثَهَا فَفَرِقَ ذُو الْقَرْنَيْنِ فَقَالَ لَا تَخَفْ وَ أَخْبِرْنِي قَالَ سَلْ قَالَ هَلْ كَثُرَتِ الْمَعَازِفُ قَالَ نَعَمْ قَالَ فَانْتَفَضَ الطَّيْرُ وَ امْتَلَأَ حَتَّى مَلَأَ مِنَ الْحَدِيدَةِ ثُلُثَيْهَا فَفَرِقَ ذُو الْقَرْنَيْنِ فَقَالَ لَا تَخَفْ وَ أَخْبِرْنِي قَالَ سَلْ قَالَ هَلِ ارْتَكَبَ النَّاسُ شَهَادَةَ الزُّورِ فِي الْأَرْضِ قَالَ نَعَمْ فَانْتَفَضَ انْتِفَاضَةً وَ انْتَفَخَ فَسَدَّ مَا بَيْنَ جِدَارَيِ الْقَصْرِ قَالَ فَامْتَلَأَ ذُو الْقَرْنَيْنِ عِنْدَ ذَلِكَ فَرَقاً مِنْهُ فَقَالَ لَهُ لَا تَخَفْ وَ أَخْبِرْنِي قَالَ‏

____________

(1) في نسخة: فخرج إلى ضوئها.

(2) في نسخة: و رملة خشخاشة.

(3) في العرائس: فاذا بقصر مبنى في تلك الأرض طوله فرسخ في فرسخ عليه باب اه.

(4) في العرائس: و إذا طائر أسود يشبه الخطاف مزموما بأنفه الى الحديدة معلقا بين السماء و الأرض.

(5) أي ففزع.

204

سَلْ قَالَ هَلْ تَرَكَ النَّاسُ شَهَادَةَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ قَالَ لَا فَانْضَمَّ ثُلُثُهُ ثُمَّ قَالَ يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ لَا تَخَفْ وَ أَخْبِرْنِي قَالَ سَلْ قَالَ هَلْ تَرَكَ النَّاسُ الصَّلَاةَ الْمَفْرُوضَةَ قَالَ لَا قَالَ فَانْضَمَّ ثُلُثٌ آخَرُ ثُمَّ قَالَ يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ لَا تَخَفْ وَ أَخْبِرْنِي قَالَ سَلْ قَالَ هَلْ تَرَكَ النَّاسُ الْغُسْلَ مِنَ الْجَنَابَةِ قَالَ لَا قَالَ فَانْضَمَّ حَتَّى عَادَ إِلَى حَالِهِ الْأَوَّلِ فَإِذَا هُوَ بِدَرَجَةٍ مُدْرَجَةٍ إِلَى أَعْلَى الْقَصْرِ فَقَالَ الطَّيْرُ يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ اسْلُكْ هَذِهِ الدَّرَجَةَ فَسَلَكَهَا وَ هُوَ خَائِفٌ لَا يَدْرِي مَا يَهْجُمُ عَلَيْهِ حَتَّى اسْتَوَى عَلَى ظَهْرِهَا فَإِذَا هُوَ بِسَطْحٍ مَمْدُودٍ مَدَّ الْبَصَرِ وَ إِذَا رَجُلٌ شَابٌّ أَبْيَضُ مُضِي‏ءُ الْوَجْهِ عَلَيْهِ ثِيَابٌ بِيضٌ حَتَّى كَأَنَّهُ رَجُلٌ أَوْ فِي صُورَةِ رَجُلٍ أَوْ شَبِيهٌ بِالرَّجُلِ أَوْ هُوَ رَجُلٌ وَ إِذَا هُوَ رَافِعٌ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ يَنْظُرُ إِلَيْهَا وَاضِعٌ يَدَهُ عَلَى فِيهِ فَلَمَّا سَمِعَ خَشْخَشَةَ ذِي الْقَرْنَيْنِ قَالَ مَنْ هَذَا قَالَ أَنَا ذُو الْقَرْنَيْنِ قَالَ يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ أَ مَا كَفَاكَ مَا وَرَاءَكَ حَتَّى وَصَلْتَ إِلَيَّ قَالَ ذُو الْقَرْنَيْنِ مَا لِي أَرَاكَ وَاضِعاً يَدَكَ عَلَى فِيكَ قَالَ يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ أَنَا صَاحِبُ الصُّورِ وَ إِنَّ السَّاعَةَ قَدِ اقْتَرَبَتْ وَ أَنَا أَنْتَظِرُ أَنْ أُومَرَ بِالنَّفْخِ فَأَنْفُخَ ثُمَّ ضَرَبَ بِيَدِهِ فَتَنَاوَلَ حَجَراً فَرَمَى بِهِ إِلَى ذِي الْقَرْنَيْنِ كَأَنَّهُ حَجَرٌ أَوْ شِبْهُ حَجَرٍ أَوْ هُوَ حَجَرٌ فَقَالَ يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ خُذْهَا فَإِنْ جَاعَ جُعْتَ وَ إِنْ شَبِعَ شَبِعْتَ فَارْجِعْ فَرَجَعَ ذُو الْقَرْنَيْنِ بِذَلِكَ الْحَجَرِ حَتَّى خَرَجَ بِهِ إِلَى أَصْحَابِهِ فَأَخْبَرَهُمْ بِالطَّيْرِ وَ مَا سَأَلَهُ عَنْهُ وَ مَا قَالَ لَهُ وَ مَا كَانَ مِنْ أَمْرِهِ وَ أَخْبَرَهُمْ بِصَاحِبِ السَّطْحِ وَ مَا قَالَ لَهُ وَ مَا أَعْطَاهُ ثُمَّ قَالَ لَهُمْ إِنَّهُ أَعْطَانِي هَذَا الْحَجَرَ وَ قَالَ لِي إِنْ جَاعَ جُعْتَ وَ إِنْ شَبِعَ شَبِعْتَ قَالَ أَخْبِرُونِي بِأَمْرِ هَذَا الْحَجَرِ فَوُضِعَ فِي إِحْدَى الْكَفَّيْنِ فَوُضِعَ حَجَرٌ مِثْلُهُ فِي الْكِفَّةِ الْأُخْرَى ثُمَّ رُفِعَ الْمِيزَانُ‏

(1)

فَإِذَا الْحَجَرُ الَّذِي جَاءَ بِهِ أَرْجَحُ بِمِثْلِ الْآخَرِ

(2)

فَوَضَعُوا آخَرَ فَمَالَ بِهِ حَتَّى وَضَعُوا أَلْفَ حَجَرٍ كُلُّهَا مِثْلُهُ ثُمَّ رَفَعُوا الْمِيزَانَ فَمَالَ بِهَا وَ لَمْ يَسْتَمِلْ بِهِ الْأَلْفُ حَجَرٍ فَقَالُوا يَا أَيُّهَا الْمَلِكُ لَا عِلْمَ لَنَا بِهَذَا فَقَالَ لَهُ الْخَضِرُ أَيُّهَا الْمَلِكُ إِنَّكَ تَسْأَلُ هَؤُلَاءِ عَمَّا لَا عِلْمَ لَهُمْ بِهِ وَ قَدْ أُوتِيتُ عِلْمَ‏

____________

(1) في العرائس: فوضعت العلماء ذلك الحجر في كفة ميزان، و أخذوا حجرا مثله و وضعوه في الكفة الأخرى ثمّ رفعوا الميزان.

(2) في نسخة: يميل بالآخر.

205

هَذَا الْحَجَرِ فَقَالَ ذُو الْقَرْنَيْنِ فَأَخْبِرْنَا بِهِ وَ بَيِّنْهُ لَنَا فَتَنَاوَلَ الْخَضِرُ الْمِيزَانَ فَوَضَعَ الْحَجَرَ الَّذِي جَاءَ بِهِ ذُو الْقَرْنَيْنِ فِي كِفَّةِ الْمِيزَانِ ثُمَّ وَضَعَ حَجَراً آخَرَ فِي كِفَّةٍ أُخْرَى ثُمَّ وَضَعَ كِفَّةَ تُرَابٍ عَلَى حَجَرِ ذِي الْقَرْنَيْنِ يَزِيدُهُ ثِقْلًا ثُمَّ رَفَعَ الْمِيزَانَ فَاعْتَدَلَ وَ عَجِبُوا وَ خَرُّوا سُجَّداً لِلَّهِ تَعَالَى وَ قَالُوا أَيُّهَا الْمَلِكُ هَذَا أَمْرٌ لَمْ يَبْلُغْهُ عِلْمُنَا وَ إِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ الْخَضِرَ لَيْسَ بِسَاحِرٍ فَكَيْفَ هَذَا وَ قَدْ وَضَعْنَا مَعَهُ أَلْفَ حَجَرٍ كُلُّهَا مِثْلُهُ فَمَالَ بِهَا وَ هَذَا قَدِ اعْتَدَلَ بِهِ وَ زَادَهُ تُرَاباً قَالَ ذُو الْقَرْنَيْنِ بَيِّنْ يَا خَضِرُ لَنَا أَمْرَ هَذَا الْحَجَرِ قَالَ الْخَضِرُ أَيُّهَا الْمَلِكُ إِنَّ أَمْرَ اللَّهِ نَافِذٌ فِي عِبَادِهِ وَ سُلْطَانَهُ قَاهِرٌ وَ حُكْمَهُ فَاصِلٌ وَ إِنَّ اللَّهَ ابْتَلَى عِبَادَهُ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ وَ ابْتَلَى الْعَالِمَ بِالْعَالِمِ وَ الْجَاهِلَ بِالْجَاهِلِ وَ الْعَالِمَ بِالْجَاهِلِ وَ الْجَاهِلَ بِالْعَالِمِ وَ إِنَّهُ ابْتَلَانِي بِكَ وَ ابْتَلَاكَ بِي فَقَالَ ذُو الْقَرْنَيْنِ يَرْحَمُكَ اللَّهُ يَا خَضِرُ إِنَّمَا تَقُولُ ابْتَلَانِي بِكَ حِينَ جُعِلْتَ أَعْلَمَ مِنِّي وَ جُعِلْتَ تَحْتَ يَدِي أَخْبِرْنِي يَرْحَمُكَ اللَّهُ عَنْ أَمْرِ هَذَا الْحَجَرِ فَقَالَ الْخَضِرُ أَيُّهَا الْمَلِكُ إِنَّ هَذَا الْحَجَرَ مَثَلٌ ضَرَبَهُ لَكَ صَاحِبُ الصُّورِ يَقُولُ إِنَّ مَثَلَ بَنِي آدَمَ مَثَلُ هَذَا الْحَجَرِ الَّذِي وُضِعَ وَ وُضِعَ مَعَهُ أَلْفُ حَجَرٍ فَمَالَ بِهَا ثُمَّ إِذَا وُضِعَ عَلَيْهِ التُّرَابُ شَبِعَ وَ عَادَ حَجَراً مِثْلَهُ فَيَقُولُ كَذَلِكَ مَثَلُكَ أَعْطَاكَ اللَّهُ مِنَ الْمُلْكِ مَا أَعْطَاكَ فَلَمْ تَرْضَ بِهِ حَتَّى طَلَبْتَ أَمْراً لَمْ يَطْلُبْهُ أَبَداً مَنْ كَانَ قَبْلَكَ وَ دَخَلْتَ مَدْخَلًا لَمْ يَدْخُلْهُ إِنْسٌ وَ لَا جَانٌّ يَقُولُ كَذَلِكَ ابْنُ آدَمَ وَ لَا يَشْبَعُ حَتَّى يُحْثَى عَلَيْهِ التُّرَابُ قَالَ فَبَكَى ذُو الْقَرْنَيْنِ بُكَاءً شَدِيداً وَ قَالَ صَدَقْتَ يَا خَضِرُ يَضْرِبُ لِي هَذَا الْمَثَلَ لَا جَرَمَ أَنِّي لَا أَطْلُبُ أَثَراً فِي الْبِلَادِ بَعْدَ مَسْلَكِي هَذَا ثُمَّ انْصَرَفَ رَاجِعاً فِي الظٌّلْمَةِ فَبَيْنَا هُمْ يَسِيرُونَ إِذَا سَمِعُوا خَشْخَشَةً تَحْتَ سَنَابِكِ‏

(1)

خَيْلِهِمْ فَقَالُوا أَيُّهَا الْمَلِكُ مَا هَذَا فَقَالَ خُذُوا مِنْهُ فَمَنْ أَخَذَ مِنْهُ نَدِمَ وَ مَنْ تَرَكَهُ نَدِمَ فَأَخَذَ بَعْضٌ وَ تَرَكَ بَعْضٌ فَلَمَّا خَرَجُوا مِنَ الظُّلْمَةِ إِذَا هُمْ بِالزَّبَرْجَدِ فَنَدِمَ الْآخِذُ وَ التَّارِكُ وَ رَجَعَ ذُو الْقَرْنَيْنِ إِلَى دُومَةِ الْجَنْدَلِ وَ كَانَ بِهَا مَنْزِلُهُ فَلَمْ يَزَلْ بِهَا حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ قَالَ وَ كَانَ(ص)

(2)

إِذَا حَدَّثَ بِهَذَا الْحَدِيثِ قَالَ رَحِمَ اللَّهُ أَخِي ذَا الْقَرْنَيْنِ مَا كَانَ مُخْطِئاً إِذْ سَلَكَ مَا سَلَكَ وَ طَلَبَ مَا طَلَبَ وَ لَوْ ظَفِرَ بِوَادِي الزَّبَرْجَدِ فِي مَذْهَبِهِ لَمَا تَرَكَ فِيهِ شَيْئاً إِلَّا أَخْرَجَهُ إِلَى النَّاسِ لِأَنَّهُ كَانَ رَاغِباً

____________

(1) جمع السنبك: طرف الحافر.

(2) في نسخة: و كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم).

206

وَ لَكِنَّهُ ظَفِرَ بِهِ بَعْدَ مَا رَجَعَ فَقَدْ زَهِدَ

(1)

.

30 جَبْرَئِيلُ بْنُ أَحْمَدَ عَنْ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ رَفَعَهُ إِلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ:

إِنَّ ذَا الْقَرْنَيْنِ عَمِلَ صُنْدُوقاً مِنْ قَوَارِيرَ ثُمَّ حَمَلَ فِي مَسِيرِهِ مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ رَكِبَ الْبَحْرَ فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى مَوْضِعٍ مِنْهُ قَالَ لِأَصْحَابِهِ دُلُّونِي فَإِذَا حَرَّكْتُ الْحَبْلَ فَأَخْرِجُونِي فَإِنْ لَمْ أُحَرِّكِ الْحَبْلَ فَأَرْسِلُونِي إِلَى آخِرِهِ فَأَرْسَلُوهُ فِي الْبَحْرِ وَ أَرْسَلُوا الْحَبْلَ مَسِيرَةَ أَرْبَعِينَ يَوْماً فَإِذَا ضَارِبٌ يَضْرِبُ حَيْثُ الصُّنْدُوقُ وَ يَقُولُ يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ أَيْنَ تُرِيدُ قَالَ أُرِيدُ أَنْ أَنْظُرَ إِلَى مُلْكِ رَبِّي فِي الْبَحْرِ كَمَا رَأَيْتُهُ فِي الْبَرِّ فَقَالَ يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ هَذَا الْمَوْضِعَ الَّذِي أَنْتَ فِيهِ مَرَّ فِيهِ نُوحٌ زَمَانَ الطُّوفَانِ فَسَقَطَ مِنْهُ قَدُومٌ فَهُوَ يَهْوِي فِي قَعْرِ الْبَحْرِ إِلَى السَّاعَةِ لَمْ يَبْلُغْ قَعْرَهُ فَلَمَّا سَمِعَ ذُو الْقَرْنَيْنِ ذَلِكَ حَرَّكَ الْحَبْلَ وَ خَرَجَ‏

(2)

.

بيان: قال الفيروزآبادي الخشخشة صوت السلاح و كل شي‏ء يابس إذا حل بعضه ببعض و الدخول في الشي‏ء انتهى و قوله(ع)فركة أي كانت لينة بحيث كان يمكن فركها باليد.

31-

شي، تفسير العياشي عَنْ جَابِرٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)قَالَ قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)

تَغْرُبُ الشَّمْسُ فِي عَيْنٍ حَامِيَةٍ فِي بَحْرٍ دُونَ الْمَدِينَةِ الَّتِي مِمَّا يَلِي الْمَغْرِبَ يَعْنِي جَابَلْقَا

(3)

.

بيان: قرأ ابن عامر و حمزة و الكسائي و أبو بكر حامية أي حارة و قرأ الباقون‏ حَمِئَةٍ أي ذات حمئة و طين أسود و أولت بأن المراد أنه بلغ ساحل البحر المحيط فرآها كذلك إذ لم يكن في مطمح نظره غير الماء و لذا قال تعالى‏ وَجَدَها تَغْرُبُ‏ و لم يقل كانت تغرب.

32-

شي، تفسير العياشي عَنْ أَبِي بَصِيرٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)

فِي قَوْلِ اللَّهِ‏

لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِها سِتْراً

كَذَلِكَ قَالَ لَمْ يَعْلَمُوا صَنْعَةَ الْبُيُوتِ‏

(4)

.

إيضاح قال الرازي فيه قولان الأول أنه شاطئ بحر لا جبل و لا شي‏ء يمنع من وقوع شعاع الشمس عليهم فلهذا إذا طلعت الشمس دخلوا في أسراب واغلة (5) في الأرض‏

____________

(1) مخطوط. م.

(2) مخطوط. م.

(3) مخطوط. م.

(4) مخطوط. م.

(5) أسراب جمع السرب: الحفير تحت الأرض. و الواغلة: الملجأ.

207

أو غاصوا في الماء فيكون عند طلوع الشمس يتعذر عليهم التصرف في المعاش و عند غروبها يشتغلون بتحصيل مهمات المعاش و حالهم بالضد من أحوال سائر الخلق.

و القول الثاني أن معناه لا ثياب لهم و يكونون كسائر الحيوانات عراة أبدا و في كتب الهيئة أن حال أكثر أهل الزنج كذلك و حال كل من سكن البلاد القريبة من خط الإستواء كذلك و ذكر في بعض كتب التفسير أن بعضهم قال سافرت حتى جاوزت الصين فسألت عن هؤلاء القوم فقيل بينك و بينهم مسيرة يوم و ليلة فبلغتهم و إذا أحدهم يفرش إحدى أذنيه و يلبس الأخرى فلما قرب طلوع الشمس سمعت صوتا كهيئة الصلصلة فغشي علي ثم أفقت فلما طلعت الشمس إذا هي فوق الماء كهيئة الزيت فأدخلوني سربا لهم فلما ارتفع النهار جعلوا يصطادون السمك و يطرحون في الشمس فينضج‏ (1).

33-

شي، تفسير العياشي عَنْ جَابِرٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ:

اجْعَلْ بَيْنَنَا وَ بَيْنَهُمْ سَدّاً

فَمَا اسْطاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَ مَا اسْتَطاعُوا لَهُ نَقْباً

قَالَ هُوَ السَّدُّ التَّقِيَّةُ

(2)

.

34-

شي، تفسير العياشي عَنِ الْمُفَضَّلِ قَالَ سَأَلْتُ الصَّادِقَ(ع)

عَنْ قَوْلِهِ‏

أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَ بَيْنَهُمْ رَدْماً

قَالَ التَّقِيَّةَ

فَمَا اسْطاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَ مَا اسْتَطاعُوا لَهُ نَقْباً

قَالَ مَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْباً إِذَا عُمِلَ بِالتَّقِيَّةِ لَمْ يَقْدِرُوا فِي ذَلِكَ عَلَى حِيلَةٍ وَ هُوَ الْحِصْنُ الْحَصِينُ وَ صَارَ بَيْنَكَ وَ بَيْنَ أَعْدَاءِ اللَّهِ سَدّاً لَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُ نَقْباً قَالَ وَ سَأَلْتُهُ عَنْ قَوْلِهِ‏

فَإِذا جاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ

قَالَ رَفَعَ التَّقِيَّةَ عِنْدَ قِيَامِ الْقَائِمِ فَيَنْتَقِمُ مِنْ أَعْدَاءِ اللَّهِ‏

(3)

.

بيان: كأن هذا كلام على سبيل التمثيل و التشبيه أي جعل الله التقية لكم سدا لرفع ضرر المخالفين عنكم إلى قيام القائم(ع)و رفع التقية كما أن ذا القرنين وضع السد لرفع فتنة يأجوج و مأجوج إلى أن يأذن الله لرفعها.

تكملة قال الرازي اختلف الناس في أن ذا القرنين من هو و ذكروا أقوالا

____________

(1) مفاتيح الغيب 5: 755. م.

(2) مخطوط. م.

(3) مخطوط. م.

208

الأول أنه الإسكندر بن فيلقوس اليوناني قالوا و الدليل عليه أن القرآن دل على أن الرجل المسمى بذي القرنين بلغ ملكه إلى أقصى المغرب بدليل قوله‏ حَتَّى إِذا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَها تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ و أيضا بلغ ملكه أقصى المشرق بدليل قوله‏ حَتَّى إِذا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ‏ و أيضا بلغ ملكه أقصى الشمال بدليل أن يأجوج و مأجوج قوم من الترك و يسكنون في أقصى الشمال و بدليل أن السد المذكور في القرآن يقال في كتب التواريخ إنه في أقصى الشمال‏ (1) فهذا المسمى بذي القرنين في القرآن قد دل القرآن على أن ملكه بلغ أقصى المشرق و المغرب و الشمال و هذا هو تمام القدر المعمور (2) من الأرض و مثل ذلك الملك البسيط لا شك أنه على خلاف العادة و ما كان كذلك وجب أن يبقى ذكره مخلدا على وجه الدهر و أن لا يبقى مخفيا مستترا و الملك الذي اشتهر في كتب التواريخ أنه بلغ ملكه إلى هذا القدر ليس إلا الإسكندر و ذلك لأنه لما مات أبوه جمع ملك الروم‏ (3) بعد أن كانوا طوائف ثم قصد (4) ملوك المغرب و قهرهم و أمعن‏ (5) حتى انتهى إلى البحر الأخضر ثم عاد إلى مصر و بنى الإسكندرية و سماها باسم نفسه ثم دخل الشام و قصد بني إسرائيل‏ (6) و ورد بيت المقدس و ذبح في مذبحه ثم انعطف إلى أرمنية و باب الأبواب و دانت له العبرانيون و القبط و البربر و توجه بعد ذلك إلى دارا بن دارا و هزمه مرات إلى أن قتله صاحب حرسه و استولى الإسكندر على ملوك الفرس و قصد الهند و الصين و غزا الأمم البعيدة و رجع إلى خراسان و بنى المدن الكثيرة و رجع إلى العراق و مرض بشهرذور و مات بها فلما ثبت بالقرآن أن ذا القرنين كان رجلا ملك الأرض بالكلية أو ما يقرب منها و ثبت بعلم التواريخ أن الذي هذا شأنه ما كان إلا الإسكندر وجب القطع بأن المراد بذي القرنين هو الإسكندر بن فيلقوس اليوناني. (7)

____________

(1) في المصدر: انه بنى في اقصى الشمال اه. م.

(2) في نسخة: هو نهاية القدر المعمور.

(3) في نسخة: جمع ملوك الروم.

(4) في نسخة: ثم حصد.

(5) أمعن في الطلب: ابعد و بالغ في الاستقصاء. امعن الضب في حجره: غاب في اقصاء.

(6) في نسخة: و قهر بني إسرائيل.

(7) و به قال اليعقوبي في تاريخه، و قال الثعلبي في العرائس: به قال أكثر أهل السير.

209

ثم ذكروا في تسمية ذي القرنين بهذا الاسم وجوها الأول أنه لقب بهذا اللقب لأجل بلوغه قرني الشمس أي مطلعها و مغربها كما لقب أردشير بطول اليدين‏ (1) لنفوذ أمره حيث أراده و الثاني أن الفرس قالوا إن دارا الأكبر كان تزوج بابنة فيلقوس فلما قرب منها وجد منها رائحة منكرة فردها إلى أبيها و كانت قد حملت منه بالإسكندر فولدت الإسكندر بعد عودها إلى أبيها فيلقس فبقي الإسكندر عند فيلقس و أظهر أنه ابنه و هو في الحقيقة ابن دارا الأكبر قالوا و الدليل على ذلك أن الإسكندر لما أدرك دارا بن دارا و به رمق وضع رأسه في حجره و قال لدارا يا أخي أخبرني عمن فعل هذا لأنتقم لك منه فهذا ما قاله الفرس قالوا فعلى هذا التقدير فالإسكندر أبوه دارا الأكبر و أمه بنت فيلقس فهذا إنما تولد من أصلين مختلفين الفرس‏ (2) و الروم و هذا الذي قاله الفرس و إنما ذكروه لأنهم أرادوا أن يجعلوه من نسل ملوك العجم حتى لا يكون ملك مثله من نسب غير نسب ملوك العجم و هو في الحقيقة كذب و إنما قال الإسكندر لدارا يا أخي على سبيل التواضع و أكرم دارا بذلك الخطاب.

و القول الثاني قال أبو الريحان البيروني المنجم في كتابه الذي سماه بالآثار الباقية من القرون الخالية قيل إن ذا القرنين هو أبو كرب شمر (3) بن عمير بن أفريقش الحميري‏ (4) و هو الذي بلغ ملكه مشارق الأرض و مغاربها و هو الذي افتخر به أحد الشعراء من حمير حيث قال‏

قد كان ذو القرنين قبلي مسلما* * * ملكا علا في الأرض غير معبد.

(5)

____________

(1) في المصدر: اردشير بن بهمن. و في نسخة: بطويل اليدين. م.

(2) ذكره الثعلبي عن بعض القدماء، و قد تقدم وجه تسميته بالاسكندر.

(3) في المصدر: شمس. م.

(4) قال البغداديّ في المحبر(ص)365: يقال: الصعب بن قرين بن الهمال هو ذو القرنين الذي ذكره اللّه في كتابه. و قال في(ص)393: ذو القرنين هو هرمس بن ميطون بن رومى بن لنطى ابن كسلوحين بن يونان بن يافث بن نوح؛ و الظاهر من الثعلبي و المسعوديّ أن هرمس هو جد الاسكندر و قد ذكرا في نسبه اختلافا راجع العرائس و مروج الذهب.

(5) في نسخة: غير مقيد. و في العرائس: «ملكا تدين له الملوك و تسجد» و المصرع الثاني من البيت الآتي فيه هكذا:

«اسباب أمر من حكيم مرشد»

. و زاد:

فرأى مغيب الشمس عند غروبها* * * في عين ذى خلب وثاط حرمد

210

بلغ المشارق و المغارب يبتغي‏* * * أسباب ملك من كريم سيد.

ثم قال أبو الريحان و يشبه أن يكون هذا القول أقرب لأن الأذواء (1) كانوا من اليمن و هم الذين لا تخلو أساميهم من ذي كذي المنار و ذي نواس‏ (2) و ذي النون و ذي يزن.

و الثالث أنه كان عبدا صالحا ملكه الله الأرض و أعطاه العلم و الحكمة و ألبسه الهيبة و إن كنا لا نعرف من هو ثم ذكروا في تسميته بذي القرنين وجوها الأول‏

سَأَلَ ابْنُ الْكَوَّاءِ عَلِيّاً(ع)عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ وَ قَالَ أَ مَلِكٌ أَوْ نَبِيٌّ قَالَ لَا مَلِكٌ وَ لَا نَبِيٌّ كَانَ عَبْداً صَالِحاً ضُرِبَ عَلَى قَرْنِهِ الْأَيْمَنِ فَمَاتَ ثُمَّ بَعَثَهُ اللَّهُ فَضُرِبَ عَلَى قَرْنِهِ الْأَيْسَرِ فَمَاتَ فَبَعَثَهُ اللَّهُ فَسُمِّيَ ذَا الْقَرْنَيْنِ وَ فِيكُمْ مِثْلُهُ‏

(3)

.

. الثاني سمي بذي القرنين لأنه انقرض في وقته قرنان من الناس الثالث قيل كانت صفحتا رأسه من نحاس الرابع كان على رأسه ما يشبه القرنين الخامس كان لتاجه قرنان السادس‏

-

عَنِ النَّبِيِّ(ص)

أَنَّهُ سُمِّيَ ذَا الْقَرْنَيْنِ لِأَنَّهُ طَافَ قَرْنَيِ الدُّنْيَا يَعْنِي شَرْقَهَا وَ غَرْبَهَا.

السابع كان له قرنان أي ضفيرتان الثامن أن الله تعالى سخر له النور و الظلمة فإذا سرى يهديه النور من أمامه و يمتد الظلمة من ورائه التاسع يجوز أن يلقب بذلك لشجاعته كما سمي الشجاع بالقرن لأنه يقطع‏ (4) أقرانه العاشر أنه رأى في المنام كأنه صعد الفلك و تعلق بطرفي الشمس و قرنيها أي جانبيها فسمي لهذا السبب بذي القرنين الحادي عشر سمي بذلك لأنه دخل النور و الظلمة.

و القول الرابع أن ذا القرنين ملك من الملائكة عن عمر و أنه سمع رجلا يقول‏

____________

(1) أي الملوك الذين كان في صدر ألقابهم «ذو».

(2) في المصدر: كذى الناد. م.

(3) رواه أيضا جابر بن عبد اللّه عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)، و رواه عن عليّ (عليه السلام) أيضا الأصبغ بن نباتة و حارث بن حبيب و ابن الورقاء و أبى الطفيل و غيرهم، و رواه أبو بصير عن ابى جعفر و أبي عبد اللّه (عليهما السلام) كما تقدم.

(4) في المصدر: كما سمى الشجاع بالكبش لانه ينطح اه. م.

211

يا ذا القرنين فقال اللهم اغفر (1) أ ما رضيتم أن تسموا بأسماء الأنبياء حتى سميتم بأسماء الملائكة (2) فهذا جملة ما قيل في هذا الباب و القول الأول أظهر لأجل الدليل الذي ذكرناه و هو أن مثل هذا الملك العظيم يجب أن يكون معلوم الحال و هذا الملك العظيم هو الإسكندر فوجب أن يكون المراد بذي القرنين هو إلا أن فيه إشكالا قويا و هو أنه كان تلميذا لأرسطاطاليس الحكيم و كان على مذهبه فتعظيم الله إياه يوجب الحكم بأن مذهب أرسطاطاليس حق و صدق و ذلك مما لا سبيل إليه.

المسألة الثانية اختلفوا في أن ذا القرنين هل كان من الأنبياء أم لا منهم من قال إنه كان من الأنبياء و احتجوا عليه بوجوه الأول قوله‏ إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ‏ و الأولى حمله على التمكين في الدين و التمكين الكامل في الدين هو النبوة.

و الثاني قوله‏ وَ آتَيْناهُ مِنْ كُلِّ شَيْ‏ءٍ سَبَباً و من جملة الأشياء النبوة فمقتضى العموم في قوله‏ وَ آتَيْناهُ مِنْ كُلِّ شَيْ‏ءٍ سَبَباً هو أنه تعالى آتاه من النبوة سببا.

و الثالث قوله تعالى‏ قُلْنا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَ إِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً و الذي يتكلم الله معه لا بد و أن يكون نبيا و منهم من قال إنه كان عبدا صالحا و ما كان نبيا انتهى. (3)

أقول الظاهر من الأخبار أنه غير الإسكندر (4) و أنه كان في زمن إبراهيم(ع)(5) و أنه أول الملوك بعد نوح(ع)و أما استدلاله فلا يخفى ضعفه بعد ما قد عرفت‏

____________

(1) في نسخة: اللّهمّ غفرا.

(2) في نسخة: أن تتسموا باسماء الأنبياء حتّى تسميتم بأسماء الملائكة.

(3) مفاتيح الغيب 5: 750- 752. م.

(4) سماء في الخبر 15 الاسكندر و في الخبر 23 قال: كان غلاما من أهل الروم؛ و لكنهما مرويان من طرق العامّة، و فيما تقدم من الاخبار أن اسمه عيّاش و في الخبر 11 أنّه عبد اللّه بن ضحاك بن معد، و قدمنا قبل ذلك كلام البغداديّ و غيره في تسميته.

(5) تقدم في الخبر الثاني أنّه كان بعد موسى (عليه السلام) و في الخبر 16 أنّه كان بعد عيسى (عليه السلام) لكنهما مرويان من غير طرقنا.

212

مع أن الملوك المتقدمة لم يضبط أحوالهم بحيث لا يشذ عنهم أحد و أيضا الظاهر من كلام أهل الكتاب الذين عليهم يعولون في التواريخ عدم الاتحاد ثم الظاهر مما ذكرنا من الأخبار و غيرهما مما أورده الكليني و غيره أنه لم يكن نبيا (1) و لكنه كان عبدا صالحا مؤيدا من عنده تعالى. و أما يأجوج و مأجوج فقد ذكر الشيخ الطبرسي أن فسادهم أنهم كانوا يخرجون فيقتلونهم و يأكلون لحومهم و دوابهم و قيل كانوا يخرجون أيام الربيع فلا يدعون شيئا أخضر إلا أكلوه و لا يابسا إلا احتملوه عن الكلبي و قيل أرادوا أنهم سيفسدون في المستقبل عند خروجهم‏

وَ وَرَدَ فِي الْخَبَرِ عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ:

سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ(ص)عَنْ يَأْجُوجَ وَ مَأْجُوجَ فَقَالَ يَأْجُوجُ أُمَّةٌ وَ مَأْجُوجُ أُمَّةٌ كُلُّ أُمَّةٍ أَرْبَعُمِائَةِ أُمَّةٍ لَا يَمُوتُ الرَّجُلُ مِنْهُمْ حَتَّى يَنْظُرَ إِلَى أَلْفِ ذَكَرٍ مِنْ صُلْبِهِ كُلٌّ قَدْ حَمَلَ السِّلَاحَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ صِفْهُمْ لَنَا قَالَ هُمْ ثَلَاثَةُ أَصْنَافٍ صِنْفٌ مِنْهُمْ أَمْثَالُ الْأَرْزِ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَ مَا الْأَرْزُ قَالَ شَجَرٌ بِالشَّامِ طَوِيلٌ وَ صِنْفٌ مِنْهُمْ طُولُهُمْ وَ عَرْضُهُمْ سَوَاءٌ وَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ لَا يَقُومُ لَهُمْ جَبَلٌ وَ لَا حَدِيدٌ وَ صِنْفٌ مِنْهُمْ يَفْتَرِشُ أَحَدُهُمْ إِحْدَى أُذُنَيْهِ وَ يَلْتَحِفُ بِالْأُخْرَى وَ لَا يَمُرُّونَ بِفِيلٍ وَ لَا وَحْشٍ وَ لَا جَمَلٍ وَ لَا خِنْزِيرٍ إِلَّا أَكَلُوهُ وَ مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ أَكَلُوهُ مُقَدِّمَتُهُمْ بِالشَّامِ وَ سَاقَتُهُمْ بِخُرَاسَانَ يَشْرَبُونَ أَنْهَارَ الْمَشْرِقِ وَ بُحَيْرَةَ طَبَرِيَّةَ

(2)

.

قال وهب و مقاتل إنهم من ولد يافث بن نوح أبي الترك و قال السدي الترك سرية من يأجوج و مأجوج خرجت تغير (3) فجاء ذو القرنين فضرب السد فبقيت خارجه و قال قتادة إن ذا القرنين بنى السد على إحدى و عشرين قبيلة و بقيت منهم قبيلة دون السد فهم الترك و قال كعب هم نادرة من ولد آدم و ذلك أن آدم احتلم ذات يوم و امتزجت نطفته بالتراب فخلق الله من ذلك الماء و التراب يأجوج و مأجوج فهم متصلون بنا من جهة الأب دون الأم و هذا بعيد انتهى. (4)

____________

(1) و اما ما تقدم في الخبر 16 من انه أوحى إليه فقد عرفت أن الخبر وارد من غير طرقنا مع أنّه يمكن توجيهه.

(2) الخبر مرويّ عن العامّة راجع.

(3) أي تهجم و توقع بغيرهم.

(4) مجمع البيان 6: 494. م.

213

أقول سيأتي بيان أحوالهم في كتاب الغيبة إن شاء الله تعالى ثم اعلم أنا إنما أوردنا قصة ذي القرنين بعد قصص إبراهيم(ع)تبعا للصدوق (رحمه الله) و لما مر من أنه كان في زمنه(ع)و ذهب بعض المؤرخين إلى أنه كان متقدما على إبراهيم ع.

غريبة قال الثعلبي في العرائس يحكى أن الواثق بالله رأى في المنام كأن السد مفتوح فوجه سلاما الترجمان في خمسين رجلا و أعطاه ديته خمسة آلاف دينار و أعطى كل رجل من الخمسين ألف درهم و رزق سنة و أعطاه مائتي بغل لحمل الزاد و الماء فتوجه من سرمن‏رأى بكتاب من الواثق إلى إسحاق بن إسماعيل صاحب إرمينية و كان بتفليس و كتب له إسحاق إلى صاحب السرير ملك الأردن و كتب له ملك الأردن إلى طلخيذ فيلاذ شاه ملك الخور (1) فأقام عنده حتى وجه خمسين رجلا أدلاء فساروا خمسة و عشرين يوما حتى انتهوا إلى أرض سوداء منتنة الريح و كانوا قد حملوا خلا يشمونه من الرائحة الكريهة (2) فساروا فيها سبعة و عشرين يوما (3) فمات هاهنا قوم.

ثم ساروا في مدن خربة عشرين يوما فسألوا عن تلك المدن فقالوا إنها قد ظهرت يأجوج و مأجوج فخربوها ثم ساروا إلى حصون بالقرب من الجبل يتكلمون بالعربية و الفارسية يقرءون القرآن لهم كتاتيب‏ (4) و مساجد فقالوا من القوم قالوا رسل أمير المؤمنين فقالوا من أمير المؤمنين قالوا بالعراق فتعجبوا و قالوا شيخ أو شاب و زعموا أنه لم يبلغهم خبره ثم ساروا (5) إلى جبل أملس ليس عليه خضرة و إذا جبل مقطوع بواد عرضه مائة و خمسون ذراعا فإذا عضادتان مبنيتان مقابلتا الجبل من جنبتي الوادي كل عضادة خمسة و عشرون ذراعا (6) الظاهر من تحتها عشرة أذرع مبنية بلبن من حديد مركبة بنحاس‏

____________

(1) فيه تصحيف، و الموجود في العرائس: و كتب إسحاق الى صاحب السرير، و كتب له صاحب السرير إلى ملك اللان، و كتب له ملك اللان الى الازلى طلجند فبلاد شاه ملك الخزر. قلت: قال ياقوت في المعجم: اللان آخره نون: بلاد واسعة في طرف ارمينية قرب باب الأبواب مجاورون للخزر.

(2) في العرائس: قد حملوا شيئا يشمونه من الرائحة الذكية.

(3) في العرائس: تسعة و عشرين يوما.

(4) في المصدر: مكاتب. و هما جمع المكتب و المكتبة: موضع التعليم.

(5) في العرائس: فقالوا: من هو أمير المؤمنين؟ قلنا: من أولاد العباس ملك بالعراق، فتعجبوا منه و قالوا: شيخ أو شاب؟ و زعموا انهم لم يبلغهم خبره، ثمّ فارقوهم و ساروا.

(6) في المصدر: عضادتاه مبنيتان مقابلتا الجبل، عرض كل عضادة خمسة و عشرون ذراعا.

214

في سمك خمسين ذراعا و إذا دروند (1) من حديد طرفاه على عضادتين طوله مائة و عشرون ذراعا قد ركبت طرفاه العضادتين على كل واحدة (2) مقدار عشرة أذرع في عرض خمسة أذرع و فوق ذلك الدروند بني بذلك اللبن من الحديد المنصب في النحاس‏ (3) إلى رأس الجبل و ارتفاعه مد البصر و فوق ذلك شرف من حديد في طرف كل شرفه قرنان مبني بعضها إلى بعض كل واحد إلى صاحبه و إذا باب مصراعان منصوبان‏ (4) من حديد عرض كل باب خمسون ذراعا في ارتفاع خمسين ذراعا قائمتاهما في دورهما على قدر الدروند و على الباب قفل طوله سبعة أذرع في غلظ ذراع و ارتفاع القفل من الأرض خمسة و خمسون ذراعا و فوق القفل مقدار خمسة أذرع غلق‏ (5) و على الغلق مفتاح طوله ذراع و نصف و له اثنتا عشرة دندانجة كل واحدة كدسجدة منجل من أعظم ما يكون‏ (6) و معلق في سلسلة طولها ثمانية أذرع في استدارة أربعة أشبار و الحلقة التي في السلسلة مثل حلقة المنجنيق و عتبة الباب عشرة أذرع في وسطه مائة ذراع سوى ما تحت العضادتين و الظاهر منها (7) خمسة أذرع هذا كله بذراع السواد و رئيس تلك الحصون يركب في كل جمعة في عشرة فوارس مع كل فارس مرزبة (8) من حديد كل واحد منها خمسون منا فيضرب القفل بالمرزبات في كل يوم ثلاث ضربات يسمع من وراء الباب الصوت و يعلمون أن هناك حفظة و يعلم هؤلاء أن أولئك لم يحدثوا في الباب حدثا و إذا ضربوا أصغوا إليها بآذانهم يسمعون من داخل دويا و بالقرب من هذا الجبل حصن عظيم كبير عشرة فراسخ‏

____________

(1) معرب دربند و هو الباب الواسع.

(2) في المصدر: علو كل واحدة.

(3) في المصدر: فوق ذلك اللبن الحديد المغيب في النحاس.

(4) في المصدر: منظومة كل واحدة في صاحبتها. و إذا باب له مصراعان.

(5) الغلق: ما يغلق به الباب.

(6) هكذا في النسخ، و المصدر خال عن الجملة، و الظاهر أن دندانجة معرب دندانه. و أما دسجدة فلم نقف على معناه و المنجل: آلة من حديد عكفاء يقضب بها الزرع، يقال لها بالفارسية: داس.

(7) في المصدر: و عرض عتبة الباب عشرة أذرع في طول مائة ذراع سوى ما في العضادتين و الظاهر منها اه.

(8) بتشديد الباء و تخفيفها: عصية من حديد.

215

في عشرة فراسخ تكسيرها مائة فرسخ و مع الباب حصنان يكون كل واحد منهما مائتي ذراع‏ (1) في مائتي ذراع و على باب هذين الحصنين صخرتان و بين الحصنين عين ماء عذب و في أحد الحصنين آلة البناء التي بني بها السد من قدور الحديد و مغارف من حديد مثل قدر الصابون‏ (2) و هناك بعض اللبن من الحديد قد التصق بعضه ببعض من الصدأ (3) و اللبنة ذراع و نصف في طول شبر (4) و سألنا هل رأوا هناك أحدا من يأجوج و مأجوج فذكروا أنهم رأوا عدة منهم فوق الشرف فهبت ريح سوداء فألقتهم إلى جانبهم و كان مقدار الرجل في رأي العين شبرا و نصفا.

قال فلما انصرفنا أخذتنا الأدلاء (5) على نواحي خراسان فعدلنا إليها فوقعنا إلى القرب من سمرقند على سبع فراسخ و كان أصحاب الحصن قد زودونا الطعام ثم سرنا إلى عبد الله بن طاهر فوصلنا بمائة ألف درهم و وصل كل رجل كان معي خمسمائة درهم و أجرى‏ (6) على كل فارس خمسة دراهم و على كل راجل ثلاثة دراهم كل يوم حتى صرنا إلى الري و رجعنا إلى سرمن‏رأى بعد ثمانية و عشرين شهرا.

(7)

____________

(1) في المصدر: و مع الباب حصنان طول كل واحدة منهما مائتا ذراع.

(2) المصدر خال عن قوله: مثل قدر الصابون.

(3) الصدأ: مادة لونها يأخذ من الحمرة و الشقرة تتكون على وجه الحديد و نحوه بسبب رطوبة الهواء يقال بالفارسية لها: زنك.

(4) في المصدر: فى عرض شبر.

(5) في المصدر: أخذ بنا الادلاء.

(6) أجرى عليه الرزق: أفاضه و عينه.

(7) العرائس 229- 230. م.

216

باب 9 قصص يعقوب و يوسف على نبينا و آله و عليهما الصلاة و السلام‏

الآيات البقرة وَ وَصَّى بِها إِبْراهِيمُ بَنِيهِ وَ يَعْقُوبُ يا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى‏ لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قالَ لِبَنِيهِ ما تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قالُوا نَعْبُدُ إِلهَكَ وَ إِلهَ آبائِكَ إِبْراهِيمَ وَ إِسْماعِيلَ وَ إِسْحاقَ إِلهاً واحِداً وَ نَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ‏ آل عمران‏ كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرائِيلَ إِلَّا ما حَرَّمَ إِسْرائِيلُ عَلى‏ نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فَاتْلُوها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ‏ يوسف‏ نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ‏ إلى قوله‏ وَ هُمْ يَمْكُرُونَ‏ مريم‏ وَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَ يَعْقُوبَ وَ كُلًّا جَعَلْنا نَبِيًّا تفسير قال الطبرسي (رحمه الله) إِلَّا ما حَرَّمَ إِسْرائِيلُ‏ أي يعقوب‏ عَلى‏ نَفْسِهِ‏ اختلفوا في ذلك الطعام فقيل إن يعقوب أخذه وجع العرق الذي يقال له عرق النسا فنذر إن شفاه الله أن يحرم العروق و لحم الإبل و هو أحب الطعام إليه عن ابن عباس و غيره و قيل حرم إسرائيل على نفسه لحم الجزور تعبدا لله و سأل الله أن يجيز له فحرم الله تعالى ذلك على ولده و قيل حرم زائدة الكبد و الكليتين و الشحم إلا ما حملته الظهور و اختلف في أنه(ع)كيف حرم على نفسه فقيل بالاجتهاد و هو باطل و قيل بالنذر و قيل بنص ورد عليه و قيل حرمه كما يحرم المستظهر في دينه من الزهاد اللذة على نفسه‏ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ أي كل الطعام كان حلالا لبني إسرائيل قبل أن تنزل التوراة على موسى فإنها تضمنت تحريم ما كانت حلالا لبني إسرائيل و اختلفوا فيما حرم عليهم فقيل إنه حرم عليهم ما كانوا يحرمونه قبل نزولها اقتداء بأبيهم يعقوب و قيل لم يحرمه الله عليهم في التوراة و إنما حرم عليهم بعد التوراة بظلمهم و كفرهم و كانت بنو إسرائيل إذا أصابوا ذنبا عظيما حرم الله عليهم طعاما طيبا و صب عليهم رجزا

217

و هو الموت و ذلك قوله تعالى‏ فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا الآية و قيل لم يكن شيئا (1) من ذلك حراما عليهم في التوراة و إنما هو شي‏ء حرموه على أنفسهم اتباعا لأبيهم و أضافوا تحريمه إلى الله فكذبهم الله تعالى و احتج عليهم بالتوراة فلم يجسروا على إتيان التوراة لعلمهم بصدق النبي(ص)و كذبهم و كان ذلك دليلا ظاهرا على صحة نبوة نبينا(ص)(2).

1-

فس، تفسير القمي محمد بن جعفر عن محمد بن أحمد عن علي بن محمد عمن حدثه‏ (3) عن المنقري عن عمرو بن شمر عن إسماعيل بن السندي عن عبد الرحمن بن أسباط القرشي عن جابر بن عبد الله الأنصاري‏

في قول الله‏

إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ‏

قال في تسمية النجوم هو الطارق و حوبان و الذيال‏

(4)

و ذو الكتفين و وثاب و قابس و عمودان و فيلق‏

(5)

و مصبح و الصرح‏

(6)

و الفروغ‏

(7)

و الضياء و النور يعني الشمس و القمر و كل هذا النجوم محيطة بالسماء.

وَ فِي رِوَايَةِ أَبِي الْجَارُودِ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)قَالَ:

تَأْوِيلُ هَذِهِ الرُّؤْيَا أَنَّهُ سَيَمْلِكُ مِصْرَ وَ يَدْخُلُ عَلَيْهِ أَبَوَاهُ وَ إِخْوَتُهُ أَمَّا الشَّمْسُ فَأُمُّ يُوسُفَ رَاحِيلُ وَ الْقَمَرُ يَعْقُوبُ وَ أَمَّا أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً فَإِخْوَتُهُ فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ سَجَدُوا شُكْراً لِلَّهِ وَحْدَهُ حِينَ نَظَرُوا إِلَيْهِ وَ كَانَ ذَلِكَ السُّجُودُ لِلَّهِ.

قَالَ عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ فَحَدَّثَنِي أَبِي عَنْ عَمْرِو بْنِ شِمْرٍ عَنْ جَابِرٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)

أَنَّهُ كَانَ مِنْ خَبَرِ يُوسُفَ أَنَّهُ كَانَ لَهُ أَحَدَ عَشَرَ أَخاً وَ كَانَ لَهُ مِنْ أُمِّهِ أَخٌ وَاحِدٌ

____________

(1) كذا في النسخ.

(2) مجمع البيان 2: 475. م.

(3) في نسخة: عن حارثة.

(4) في الخصال في رواية: «جوبان» و في أخرى «حربان» و في العرائس «جريان» و فيه:

«الذبال».

(5) في نسخة: فليق.

(6) في نسخة: «الصوح» و في أخرى «الضرح» و في العرائس «الضروح» و في الخصال:

«الضروج».

(7) في نسخة: «الفروع» و في المصدر «القروع» و في العرائس «الفرع» و في الخصال:

«ذو القرع».

218

يُسَمَّى بِنْيَامِينَ‏

(1)

وَ كَانَ يَعْقُوبُ إِسْرَائِيلَ اللَّهِ وَ مَعْنَى إِسْرَائِيلِ اللَّهِ أَيْ خَالِصُ اللَّهِ ابْنُ إِسْحَاقَ نَبِيِّ اللَّهِ ابْنِ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلِ اللَّهِ فَرَأَى يُوسُفُ هَذِهِ الرُّؤْيَا وَ لَهُ تِسْعُ سِنِينَ فَقَصَّهَا عَلَى أَبِيهِ فَقَالَ يَعْقُوبُ‏

يا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى‏ إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً إِنَّ الشَّيْطانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ‏

قَوْلُهُ‏

فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً

أَيْ يَحْتَالُوا عَلَيْكَ فَقَالَ يَعْقُوبُ لِيُوسُفَ‏

وَ كَذلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَ يُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ وَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَ عَلى‏ آلِ يَعْقُوبَ كَما أَتَمَّها عَلى‏ أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْراهِيمَ وَ إِسْحاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ‏

وَ كَانَ يُوسُفُ مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ وَجْهاً وَ كَانَ يَعْقُوبُ يُحِبُّهُ وَ يُؤْثِرُهُ عَلَى أَوْلَادِهِ فَحَسَدُوهُ إِخْوَتُهُ عَلَى ذَلِكَ وَ قَالُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ مَا حَكَى اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَ‏

إِذْ قالُوا لَيُوسُفُ وَ أَخُوهُ أَحَبُّ إِلى‏ أَبِينا مِنَّا وَ نَحْنُ عُصْبَةٌ

أَيْ جَمَاعَةٌ

إِنَّ أَبانا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ‏

فَعَمَدُوا عَلَى قَتْلِ يُوسُفَ فَقَالُوا نَقْتُلُهُ حَتَّى يَخْلُوَ لَنَا وَجْهُ أَبِينَا فَقَالَ لَاوَى لَا يَجُوزُ قَتْلُهُ وَ لَكِنْ نُغَيِّبُهُ عَنْ أَبِينَا وَ نَحْنُ نَخْلُو بِهِ فَقَالُوا كَمَا حَكَى اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَ‏

يا أَبانا ما لَكَ لا تَأْمَنَّا عَلى‏ يُوسُفَ وَ إِنَّا لَهُ لَناصِحُونَ أَرْسِلْهُ مَعَنا غَداً يَرْتَعْ وَ يَلْعَبْ‏

أَيْ يَرْعَى الْغَنَمَ وَ يَلْعَبُ‏

وَ إِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ‏

فَأَجْرَى اللَّهُ عَلَى لِسَانِ يَعْقُوبَ‏

إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَ أَخافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَ أَنْتُمْ عَنْهُ غافِلُونَ‏

فَقَالُوا كَمَا حَكَى اللَّهُ‏

لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَ نَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذاً لَخاسِرُونَ‏

الْعُصْبَةُ عَشَرَةٌ إِلَى ثَلَاثَةَ عَشَرَ

فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَ أَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ وَ أَوْحَيْنا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هذا وَ هُمْ لا يَشْعُرُونَ‏

أَيْ تُخْبِرُهُمْ بِمَا هَمُّوا بِهِ.

وَ فِي رِوَايَةِ أَبِي الْجَارُودِ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)

فِي قَوْلِهِ‏

لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هذا وَ هُمْ لا يَشْعُرُونَ‏

يَقُولُ لَا يَشْعُرُونَ أَنَّكَ أَنْتَ يُوسُفُ أَتَاهُ جَبْرَئِيلُ فَأَخْبَرَهُ بِذَلِكَ‏

(2)

.

بيان: قال الطبرسي (رحمه الله) يعقوب هو إسرائيل الله و معناه عبد الله الخالص ابن إسحاق نبي الله ابن إبراهيم خليل الله‏

-

وَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ النَّبِيَّ(ص)قَالَ:

الْكَرِيمُ ابْنُ الْكَرِيمِ ابْنِ الْكَرِيمِ ابْنِ الْكَرِيمِ يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ.

و عن ابن عباس أن يوسف رأى في المنام ليلة الجمعة ليلة القدر أحد عشر كوكبا نزلت من السماء فسجدت‏

____________

(1) في نسخة و في المصدر: ابن يامين.

(2) تفسير القمّيّ: 316- 317. م.

219

له و رأى الشمس و القمر نزلا من السماء فسجدا له قال فالشمس و القمر أبواه و الكواكب إخوته الأحد عشر و قال السدي الشمس أبوه و القمر خالته و ذلك أن أمه راحيل قد ماتت و قال ابن عباس الشمس أمه و القمر أبوه و قال وهب كان يوسف رأى و هو ابن سبع سنين أن أحد عشر عصا طوالا كانت مركوزة في الأرض كهيئة الدائرة و إذا عصا صغيرة وثبت عليها حتى اقتلعتها و غلبتها فوصف ذلك لأبيه فقال له إياك أن تذكر ذلك لإخوتك ثم رأى و هو ابن اثنتي عشرة سنة أن أحد عشر كوكبا و الشمس و القمر سجدن له فقصها على أبيه فقال له‏ لا تَقْصُصْ‏ الآية و قيل إنه كان بين رؤياه و بين مصير أبيه و إخوته إلى مصر أربعون سنة و قيل ثمانون سنة.

قوله تعالى‏ وَ كَذلِكَ‏ أي كما أراك هذه الرؤيا يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ‏ أي يصطفيك و يختارك للنبوة وَ يُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ‏ أي من تعبير الرؤيا قيل و كان أعبر الناس للرؤيا أو مطلق العلوم و الأخبار السالفة و الآتية لَقَدْ كانَ فِي يُوسُفَ وَ إِخْوَتِهِ‏ كان ليعقوب اثنا عشر ولدا و قيل أسماؤهم روبيل و هو أكبرهم و شمعون و لاوي و يهودا و ريالون‏ (1) و يشجر و أمهم ليا (2) بنت ليان و هي ابنة خالة يعقوب ثم توفيت ليا فتزوج يعقوب أختها راحيل فولدت له يوسف و بنيامين‏ (3) و قيل ابن يامين و ولد له من سريتين‏ (4)

____________

(1) في اليعقوبي و الطبريّ و المحبر «يهوذا» بالذال. و في المصدر و في الطبريّ «زبالون» و في اليعقوبي «زفولون» و في المحبر «زبلون» و أمّا يشجر ففى الطبريّ «يشجر و يشحر» بالحاء المهملة و في اليعقوبي «يشاجر» و المحبر «يساخر» الا أنّه لم يعجم الياء.

(2) و به قال اليعقوبي و الطبريّ، و قال البغداديّ في المحبر: هى الية. و أمّا أبوها ففى تاريخ الطبريّ: هو ليان بن بتويل بن الياس. و في تاريخ اليعقوبي: لابان. و في المحبر. أحبن بن نتويل ابن ناحور.

(3) قال الطبريّ: هو بالعربية: شداد.

(4) في المطبوع هنا هامش نذكره بالفاظه: قوله: «و سرية» اختلف في سرية فقال بعضهم: انها مشتقة من السر الذي هو الجماع أو الذي يكتم للمناسبة المعنوية اذ الغالب أن السرية تكتم عن الحرة و قال بعضهم: انها من السراة، ثمّ القائلون بأنها من السر اختلفوا فذهب بعضهم الى أنّها فعلية منسوبة اليه وضعت سينها مع أن القياس الكسر كما قالوا دهرى في النسبة الى الدهر، و ذهب آخرون الى انها في الأصل سرّورة على وزن فعلولة من السر أيضا أبدلوا من الراء الأخيرة ياء للتضعيف ثمّ قلبوا الواو ياء و ادغموا ثمّ كسروا ما قبل الياء للمناسبة، فهى على هذا فعليلة صغيرة عن فعلولة و القائلون بأنها من السراة و هي الخيار ذهبوا إلى ذلك لأنّها لا يجعل لامة سرية إلّا بعد اختيارها لنفسه، و وزنها عندهم فعيلة فيكون الراء الواحدة و الياء الواحدة زائدة و المختار الأول و هو أنّها فعلية من السر لقوة المعنى كما تقدم و اللفظ أيضا لكثرة فعلية كحرية و قلة فعلولة و عدم فعلية، و هنا مذهب آخر و ذهب إليه الاخفش و لم يذكره المصنّف و هو أنّها فعولة من السرور لأنّها يسر بها فابدلوا من الراء الأخيرة ياء ثمّ قلبوا و ادغموا كما مر. جاربردى.

220

له اسم إحداهما زلفة و الأخرى بلهة (1) أربعة بنين دار (2) و يقنالي و حاد و أشر لَيُوسُفُ وَ أَخُوهُ‏ أي بنيامين‏ وَ نَحْنُ عُصْبَةٌ أي جماعة يتعصب بعضنا لبعض و يعين بعضنا بعضا فنحن أنفع لأبينا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ‏ أي ذهاب عن طريق الصواب الذي هو التعديل بيننا أو في خطاء من الرأي في أمور الأولاد و التدبير الدنيوي إذ نحن أقوم بأموره و أكثر المفسرين على أن إخوة يوسف كانوا أنبياء و قال بعضهم لم يكونوا أنبياء لأن الأنبياء لا يقع منهم القبائح‏ (3)

وَ رَوَى ابْنُ بَابَوَيْهِ فِي كِتَابِ النُّبُوَّةِ بِإِسْنَادِهِ عَنِ ابْنِ بَزِيعٍ عَنْ حَنَانِ بْنِ سَدِيرٍ قَالَ:

قُلْتُ لِأَبِي جَعْفَرٍ(ع)أَ كَانَ أَوْلَادُ يَعْقُوبَ أَنْبِيَاءَ فَقَالَ لَا وَ لَكِنَّهُمْ كَانُوا أَسْبَاطاً أَوْلَادَ الْأَنْبِيَاءِ وَ لَمْ يُفَارِقُوا الدُّنْيَا إِلَّا سُعَدَاءَ تَابُوا وَ تَذَكَّرُوا مَا صَنَعُوا.

. يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ‏ أَيْ تَخْلُصْ لَكُمْ مَحَبَّتُهُ‏ قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ‏ أي روبيل و قيل يهودا و قيل لاوي‏ فِي غَيابَتِ الْجُبِ‏ أي في قعر البئر و اختلف فيه فقيل هو بئر بيت المقدس و قيل بأرض الأردن و قيل بين مدين و مصر و قيل على ثلاثة فراسخ من منزل يعقوب‏ أَخافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ‏ قيل كانت أرضهم مذئبة و كانت السباع ضارية في ذلك الوقت و قيل إن يعقوب(ع)رأى في منامه كأن يوسف قد شد عليه عشرة أذؤب ليقتلوه و إذا ذئب منها يحمي عنه فكأن الأرض انشقت فدخل فيها يوسف فلم‏

____________

(1) في المحبر: بلها، و فيه و في اليعقوبي: زلفاء.

(2) في المصدر و اليعقوبي و الطبريّ و المحبر: «دان» بالنون. و في الاولين: «نفتالى» و في الآخرين «نفتالى» أما حاد ففى المصدر: «جاد» بالجيم، و في الطبريّ «جاد و حادر» و في المحبر:

«جاذ» بالذال، و في اليعقوبي: «كاذ».

(3) و به قالت أصحابنا الإماميّة، حيث انهم قالوا ان الأنبياء لا يصدر عنهم الذنوب و القبائح و هم معصومون عنها، و تقدم الكلام في ذلك في أول المجلد 11.

221

يخرج إلا بعد ثلاثة أيام فمن ثم قال هذا فلقنهم العلة و كانوا لا يدرون و

-

روي عن النبي(ص)أنه قال‏

لا تلقنوا الكذب فتكذبوا فإن بني يعقوب لم يعلموا أن الذئب يأكل الإنسان حتى لقنهم أبوهم‏

(1)

.

و قيل كنى عنهم بالذئب مساترة عنهم و قال الحسن جعل يوسف في الجب و هو ابن سبع عشرة سنة و كان في البلاء إلى أن وصل إليه أبوه ثمانين سنة و لبث بعد الاجتماع ثلاثا و عشرين سنة و مات و هو ابن مائة و عشرين سنة (2) و قيل كان له يوم ألقي في الجب عشر سنين و قيل اثنا عشر و قيل سبع و قيل تسع و جمع بينه و بين أبيه و هو ابن أربعين سنة (3).

2-

فس، تفسير القمي قَالَ عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ‏

فَقَالَ لَاوَى أَلْقُوهُ فِي هَذَا الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ فَأَدْنَوْهُ مِنْ رَأْسِ الْجُبِّ فَقَالُوا لَهُ انْزِعْ قَمِيصَكَ فَبَكَى فَقَالَ يَا إِخْوَتِي تُجَرِّدُونِّي فَسَلَّ وَاحِدٌ مِنْهُمْ عَلَيْهِ السِّكِّينَ فَقَالَ لَئِنْ لَمْ تَنْزِعْهُ لَأَقْتُلَنَّكَ فَنَزَعَهُ‏

(4)

فَدَلَّوْهُ فِي الْيَمِ‏

(5)

وَ تَنَحَّوْا عَنْهُ فَقَالَ يُوسُفُ فِي الْجُبِّ يَا إِلَهَ إِبْرَاهِيمَ وَ إِسْحَاقَ وَ يَعْقُوبَ ارْحَمْ ضَعْفِي وَ قِلَّةَ حِيلَتِي وَ صِغَرِي فَنَزَلَتْ سَيَّارَةٌ

(6)

مِنْ أَهْلِ مِصْرَ فَبَعَثُوا

____________

(1) رواه الثعلبي في العرائس بإسناده عن ابن عمر.

(2) في اليعقوبي: مائة و أربعون سنة.

(3) مجمع البيان 5: 209- 213 و 216. م.

(4) في نسخة: فنزعوه.

(5) هكذا في المصدر و نسخ من الكتاب، و في نسخة: فى الجب.

(6) قال الطبرسيّ ره: فى قوله تعالى: «وَ جاءَتْ سَيَّارَةٌ» أى جماعة مارة، قالوا: و إنّما جاءت من قبل مدين يريدون مصر فاخطئوا الطريق فانطلقوا يهيمون حتّى نزلوا قريبا من الجب و كان الجب في قفرة بعيدة من العمران و إنّما هو للرعاة و المجتازة، و كان ماؤه ملحا فعذب، و قيل: كان الجب بظهر الطريق‏ «فَأَرْسَلُوا وارِدَهُمْ» أى بعثوا من يطلب لهم الماء، قالوا: فكان رجلا يقال له مالك بن زعر «فَأَدْلى‏ دَلْوَهُ» أى أرسل دلوه في البئر ليستقى، فتعلق يوسف بالحبل، فلما خرج إذا هو بغلام أحسن ما يكون من الغلمان، قال النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله): «اعطى يوسف شطر الحسن و النصف الآخر لسائر الناس» و قال كعب: كان يوسف حسن الوجه، جعد الشعر، ضخم العين، مستوى الخلق، أبيض اللون، غليظ الساقين و العضدين، خميص البطن، صغير السرة، و كان إذا تبسم رئيت النور في ضواحكه: و إذا تكلم رئيت في كلامه شعاع النور يلتهب عن ثناياه، و لا يستطيع أحد وصفه، و كان حسنه كضوء النهار عن الليل، و كان يشبه آدم (عليه السلام) يوم خلقه اللّه و صوره و نفخ فيه من روحه قبل أن يصيب المعصية «قالَ يا بُشْرى‏» بشر نفسه؛ و قيل هو اسم رجل من أصحابه ناداه‏ «وَ أَسَرُّوهُ بِضاعَةً» أى و أسروا يوسف الذين وجدوه من رفقائهم من التجار مخافة شركتهم، فقالوا: هذه بضاعة لاهل الماء دفعوه الينا لنبيه لهم؛ و قيل: و أسر إخوته يكتمون أنّه أخوهم فقالوا: هو عبد لنا قد أبق، و قالوا بالعبرانية: «لئن قلت: أنا أخوهم قتلناك» فتابعهم على ذلك لئلا يقتلوه، عن ابن عبّاس‏ «وَ شَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ» أى ناقص قليل‏ «دَراهِمَ مَعْدُودَةٍ» أى قليلة، و ذكر العدد عبارة عن القلة، و قيل إنهم كانوا لا يزنون الدراهم ما دون الاوقية و هي الأربعون، و يزنون الاوقية فما زاد عليها «وَ كانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ» قيل: يعنى ان الذين اشتروه كانوا غير الراغبين في شرائه لانهم وجدوا عليه علامة الاحرار؛ و قيل: يعنى ان الذين باعوه من اخوته كانوا غير راغبين في يوسف و لا في ثمنه و لكنهم باعوه حتّى لا يظهر ما فعلوا به؛ و قيل: كانوا من الزاهدين فيه لم يعرفوا موضعه من اللّه و كرامته منه طاب اللّه ثراه.

222

رَجُلًا لِيَسْتَقِيَ لَهُمُ الْمَاءَ مِنَ الْجُبِّ فَلَمَّا أَدْلَى الدَّلْوَ عَلَى يُوسُفَ تَشَبَّثَ بِالدَّلْوِ فَجَرُّوهُ فَنَظَرُوا إِلَى غُلَامٍ مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ وَجْهاً فَعَدَوْا إِلَى صَاحِبِهِمْ فَقَالُوا

يا بُشْرى‏ هذا غُلامٌ‏

فَنُخْرِجُهُ وَ نَبِيعُهُ وَ نَجْعَلُهُ بِضَاعَةً لَنَا فَبَلَغَ إِخْوَتَهُ فَجَاءُوا فَقَالُوا هَذَا عَبْدٌ لَنَا أَبَقَ ثُمَّ قَالُوا لِيُوسُفَ لَئِنْ لَمْ تُقِرَّ بِالْعُبُودِيَّةِ لَنَقْتُلَنَّكَ فَقَالَتِ السَّيَّارَةُ لِيُوسُفَ مَا تَقُولُ قَالَ أَنَا عَبْدُهُمْ فَقَالَتِ السَّيَّارَةُ فَتَبِيعُوهُ‏

(1)

مِنَّا قَالُوا نَعَمْ فَبَاعُوهُ مِنْهُمْ عَلَى أَنْ يَحْمِلُوهُ إِلَى مِصْرَ

وَ شَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَراهِمَ مَعْدُودَةٍ وَ كانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ‏

قَالَ الَّذِي بِيعَ بِهَا يُوسُفُ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ دِرْهَماً وَ كَانَ عِنْدَهُمْ كَمَا قَالَ اللَّهُ‏

وَ كانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ‏

أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِدْرِيسَ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي نَصْرٍ عَنِ الرِّضَا(ع)

فِي قَوْلِ اللَّهِ‏

وَ شَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَراهِمَ مَعْدُودَةٍ

قَالَ كَانَتْ عِشْرِينَ دِرْهَماً وَ الْبَخْسُ النَّقْصُ وَ هِيَ قِيمَةُ كَلْبِ الصَّيْدِ إِذَا قُتِلَ كَانَ قِيمَتُهُ عِشْرِينَ دِرْهَماً

(2)

.

ص، قصص الأنبياء (عليهم السلام) بالإسناد عن الصدوق عن ابن الوليد عن الصفار عن ابن عيسى‏ مثله‏ (3)

____________

(1) هكذا في النسخ و في المصدر.

(2) تفسير القمّيّ: 317- 318. م.

(3) مخطوط. م.

223

بيان المشهور بين الأصحاب في كلب الغنم عشرين‏ (1) و في كلب الصيد أربعين أو القيمة فيهما و سيأتي في كتاب الديات و قال الطبرسي (رحمه الله) قيل كانت الدراهم عشرين درهما عن ابن مسعود و ابن عباس و السدي و هو المروي عن علي بن الحسين(ع)قالوا و كانوا عشرة فاقتسموها درهمين درهمين و قيل كانت اثنين و عشرين درهما عن مجاهد و قيل كانت أربعين درهما عن عكرمة و قيل ثمانية عشر درهما عن أبي عبد الله(ع)و اختلف فيمن باعه فقيل إن إخوة يوسف باعوه و كان يهودا منتبذا (2) ينظر إلى يوسف فلما أخرجوه من البئر أخبر إخوته فأتوا مالكا و باعوه منه عن ابن عباس و مجاهد و أكثر المفسرين و قيل باعه الواجدون بمصر عن قتادة و قيل إن الذين أخرجوه من الجب باعوه من السيارة عن الأصم و الأصح الأول و ذكر أبو حمزة الثمالي في تفسيره قال فلم يزل مالك بن زعر و أصحابه يتعرفون من الله الخير في سفرهم ذلك حتى فارقوا يوسف ففقدوا ذلك قال و تحرك قلب مالك ليوسف فأتاه فقال أخبرني من أنت فانتسب له يوسف و لم يكن مالك يعرفه فقال أنا يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم فالتزمه مالك و بكى و كان مالك رجلا عاقرا لا يولد له فقال ليوسف لو دعوت ربك أن يهب لي ولدا فدعا يوسف ربه أن يهب له ولدا و يجعلهم ذكورا فولد له اثنا عشر بطنا في كل بطن غلامان. (3)

و قال السيد المرتضى (رحمه الله) في كتاب تنزيه الأنبياء فإن قال قائل كيف صبر يوسف(ع)على العبودية و لم ينكرها و كيف يجوز على نبي الصبر على أن يستعبد و يسترق الجواب قيل له إن يوسف(ع)لم يكن في تلك الحال نبيا على ما قاله كثير من الناس و لما خاف على نفسه القتل جاز أن يصبر على الاسترقاق و من ذهب إلى هذا الوجه يتأول قوله تعالى‏ وَ أَوْحَيْنا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هذا وَ هُمْ لا يَشْعُرُونَ‏ على أن الوحي لم يكن في تلك الحال بل كان في غيرها و يصرف ذلك إلى الحال المستقبلة التي كان فيها نبيا.

____________

(1) كذا في النسخ.

(2) أي متنحيا عنهم.

(3) مجمع البيان 5: 220. م.

224

و وجه آخر و هو أن الله لا يمتنع أن يكون أمره بكتمان أمره و الصبر على مشقة العبودية امتحانا و تشديدا في التكليف كما امتحن أبويه إبراهيم و إسحاق أحدهما بنمرود و الآخر بالذبح.

و وجه آخر و هو أنه يجوز أن يكون(ع)قد خبرهم بأنه غير عبد و أنكر عليهم ما فعلوه من استرقاقه إلا أنهم لم يسمعوا منه و لا أصغوا إلى قوله و إن لم ينقل ذلك فليس كل ما جرى في تلك الأزمان قد اتصل بنا.

و وجه آخر و هو أن قوما قالوا إنه خاف القتل فكتم أمر نبوته و صبر على العبودية و هذا جواب فاسد لأن النبي لا يجوز أن يكتم ما أرسل به خوفا من القتل لأنه يعلم أن الله تعالى لم يبعثه للأداء إلا و هو عاصم له من القتل حتى يقع الأداء و يسمع الدعوة و إلا كان نقضا للغرض انتهى كلامه رحمة الله عليه‏ (1).

3-

فس، تفسير القمي وَ فِي رِوَايَةِ أَبِي الْجَارُودِ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)

فِي قَوْلِهِ‏

وَ جاؤُ عَلى‏ قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ‏

قَالَ إِنَّهُمْ ذَبَحُوا جَدْياً عَلَى قَمِيصِهِ وَ قَالَ عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَ رَجَعَ إِخْوَتُهُ وَ قَالُوا نَعْمِدُ إِلَى قَمِيصِهِ فَنُلَطِّخُهُ بِالدَّمِ فَنَقُولُ لِأَبِينَا إِنَّ الذِّئْبَ أَكَلَهُ فَلَمَّا فَعَلُوا ذَلِكَ قَالَ لَهُمْ لَاوَى يَا قَوْمِ أَ لَسْنَا بَنِي يَعْقُوبَ إِسْرَائِيلِ اللَّهِ بْنِ إِسْحَاقَ نَبِيِّ اللَّهِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلِ اللَّهِ أَ فَتَظُنُّونَ أَنَّ اللَّهَ يَكْتُمُ هَذَا الْخَبَرَ عَنْ أَنْبِيَائِهِ-

(2)

فَقَالُوا وَ مَا الْحِيلَةُ قَالَ نَقُومُ وَ نَغْتَسِلُ وَ نُصَلِّي جَمَاعَةً وَ نَتَضَرَّعُ إِلَى اللَّهِ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى أَنْ يَكْتُمَ ذَلِكَ عَنْ أَبِينَا فَإِنَّهُ جَوَادٌ كَرِيمٌ فَقَامُوا وَ اغْتَسَلُوا وَ كَانَ فِي سُنَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَ إِسْحَاقَ وَ يَعْقُوبَ أَنَّهُمْ لَا يُصَلُّونَ جَمَاعَةً حَتَّى يَبْلُغُوا أَحَدَ عَشَرَ رَجُلًا فَيَكُونُ وَاحِدٌ مِنْهُمْ إِمَامَ عَشَرَةٍ يُصَلُّونَ خَلْفَهُ‏

(3)

فَقَالُوا كَيْفَ نَصْنَعُ وَ لَيْسَ لَنَا إِمَامٌ فَقَالَ لَاوَى نَجْعَلُ اللَّهَ إِمَامَنَا فَصَلَّوْا وَ بَكَوْا وَ تَضَرَّعُوا وَ قَالُوا يَا رَبِّ اكْتُمْ عَلَيْنَا هَذَا ثُمَّ جَاءُوا إِلَى أَبِيهِمْ‏

عِشاءً يَبْكُونَ‏

وَ مَعَهُمُ الْقَمِيصُ قَدْ لَطَّخُوهُ بِالدَّمِ فَ

قالُوا يا أَبانا إِنَّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ‏

أَيْ نَعْدُو

(4) وَ تَرَكْنا يُوسُفَ عِنْدَ مَتاعِنا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ‏

إِلَى قَوْلِهِ‏

____________

(1) تنزيه الأنبياء: 47- 48. م.

(2) في نسخة: عن أبينا.

(3) في نسخة: فيكون واحد منهم اماما و عشرة يصلون خلفه.

(4) و قيل: أى ننتصل و نترامى. منه (رحمه الله).

225

عَلى‏ ما تَصِفُونَ‏

ثُمَّ قَالَ يَعْقُوبُ مَا كَانَ أَشَدَّ غَضَبَ ذَلِكَ الذِّئْبِ عَلَى يُوسُفَ وَ أَشْفَقَهُ عَلَى قَمِيصِهِ حَيْثُ أَكَلَ يُوسُفَ وَ لَمْ يَمْزِقْ قَمِيصَهُ قَالَ فَحَمَلُوا يُوسُفَ إِلَى مِصْرَ وَ بَاعُوهُ مِنْ عَزِيزِ مِصْرَ

(1)

فَقَالَ الْعَزِيزُ

لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْواهُ‏

أَيْ مَكَانَهُ‏

عَسى‏ أَنْ يَنْفَعَنا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً

وَ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ فَأَكْرَمُوهُ وَ رَبَّوْهُ فَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ هَوَتْهُ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ وَ كَانَتْ لَا تَنْظُرُ إِلَى يُوسُفَ امْرَأَةٌ إِلَّا هَوَتْهُ وَ لَا رَجُلٌ إِلَّا أَحَبَّهُ وَ كَانَ وَجْهُهُ مِثْلَ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ فَرَاوَدَتْهُ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ وَ هُوَ قَوْلُهُ‏

وَ راوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِها عَنْ نَفْسِهِ وَ غَلَّقَتِ الْأَبْوابَ وَ قالَتْ هَيْتَ لَكَ قالَ مَعاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوايَ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ‏

فَمَا زَالَتْ تَخْدَعُهُ حَتَّى كَانَ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى‏

وَ لَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَ هَمَّ بِها لَوْ لا أَنْ رَأى‏ بُرْهانَ رَبِّهِ‏

فَقَامَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ

وَ غَلَّقَتِ الْأَبْوابَ‏

فَلَمَّا هَمَّا

(2)

رَأَى يُوسُفُ صُورَةَ يَعْقُوبَ فِي نَاحِيَةِ الْبَيْتِ عَاضّاً عَلَى إِصْبَعِهِ يَقُولُ يَا يُوسُفُ أَنْتَ فِي السَّمَاءِ مَكْتُوبٌ فِي النَّبِيِّينَ وَ تُرِيدُ أَنْ تُكْتَبَ فِي الْأَرْضِ مِنَ الزُّنَاةِ فَعَلِمَ أَنَّهُ قَدْ أَخْطَأَ وَ تَعَدَّى.

وَ حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ بَعْضِ رِجَالِهِ رَفَعَهُ قَالَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ‏

لَمَّا هَمَّتْ بِهِ وَ هَمَّ بِهَا قَامَتْ إِلَى صَنَمٍ فِي بَيْتِهَا فَأَلْقَتْ عَلَيْهِ مُلَاءَةً لَهَا فَقَالَ لَهَا يُوسُفُ مَا تَعْمَلِينَ فَقَالَتْ أُلْقِي عَلَى هَذَا الصَّنَمِ ثَوْباً لَا يَرَانَا فَإِنِّي أَسْتَحْيِي مِنْهُ فَقَالَ يُوسُفُ أَنْتِ تَسْتَحْيِينَ مِنْ صَنَمٍ لَا يَسْمَعُ وَ لَا يُبْصِرُ وَ لَا أَسْتَحْيِي أَنَا مِنْ رَبِّي فَوَثَبَ وَ عَدَا وَ عَدَتْ مِنْ خَلْفِهِ وَ أَدْرَكَهُمَا الْعَزِيزُ عَلَى هَذِهِ الْحَالَةِ وَ هُوَ قَوْلُ اللَّهِ‏

وَ اسْتَبَقَا الْبابَ وَ قَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَ أَلْفَيا سَيِّدَها لَدَى الْبابِ‏

____________

(1) قال الطبرسيّ في قوله تعالى: «وَ قالَ الَّذِي اشْتَراهُ مِنْ مِصْرَ»: أى من أهل مصر و كان المشترى خازن فرعون مصر و خليفته، و اسمه قطفير، و قيل: اطفير، و كان يلقب بالعزيز، و باعه مالك بن زعر منه بأربعين دينارا و زوج نعل و ثوبين أبيضين، عن ابن عبّاس؛ و قيل: تزايدوا حتّى بلغ وزنه ورقا و مسكا و حريرا، و اسم امرأة العزيز راعيل و لقبها زليخا، و الملك كان الريان بن الوليد: و قيل: لم يمت حتّى آمن بيوسف، و ملك بعده قابوس بن مصعب، فدعاه يوسف إلى الإسلام فأبى، و قال ابن عبّاس: العزيز ملك مصر «وَ راوَدَتْهُ» أى طلبت منه أن يواقعها «وَ غَلَّقَتِ الْأَبْوابَ» قالوا: كانت سبعة «وَ قالَتْ هَيْتَ لَكَ» أى أقبل و بادر «إِنَّهُ رَبِّي» الضمير عائد الى زوجها فالرب بمعنى السيّد انه كان مالكه ظاهرا أو الى الرب تعالى. منه طاب ثراه.

(2) في المصدر: فلما همّ. م.

226

فَبَادَرَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ فَقَالَتْ لِلْعَزِيزِ

ما جَزاءُ مَنْ أَرادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذابٌ أَلِيمٌ‏

فَقَالَ يُوسُفُ لِلْعَزِيزِ

هِيَ راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وَ شَهِدَ شاهِدٌ مِنْ أَهْلِها (1)

فَأَلْهَمَ اللَّهُ يُوسُفَ أَنْ قَالَ لِلْمَلِكِ سَلْ هَذَا الصَّبِيَّ فِي الْمَهْدِ فَإِنَّهُ يَشْهَدُ أَنَّهَا رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي فَقَالَ الْعَزِيزُ لِلصَّبِيِّ فَأَنْطَقَ اللَّهُ الصَّبِيَّ فِي الْمَهْدِ لِيُوسُفَ حَتَّى قَالَ‏

إِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَ هُوَ مِنَ الْكاذِبِينَ وَ إِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَ هُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ‏

فَلَمَّا رَأَى الْعَزِيزُ قَمِيصَ يُوسُفَ قَدْ تَخَرَّقَ مِنْ دُبُرٍ قَالَ لِامْرَأَتِهِ‏

إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ‏

ثُمَّ قَالَ لِيُوسُفَ‏

أَعْرِضْ عَنْ هذا وَ اسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخاطِئِينَ‏

وَ شَاعَ الْخَبَرُ

____________

(1) قوله تعالى: «وَ شَهِدَ شاهِدٌ» قال ابن عبّاس و ابن جبير: انه كان صبى في المهد، قيل:

و كان الصبى ابن اخت زليخا و هو ابن ثلاثة أشهر، و قيل: شهد رجل حكيم من أهلها «وَ قالَ نِسْوَةٌ» قيل: هن أربع نسوة، امرأة ساقى الملك، و امرأة الخباز، و امرأة صاحب الدوابّ، و امرأة صاحب السجن، و زاد مقاتل امرأة الحاجب‏ «بِمَكْرِهِنَّ» سماه مكرا لان قصدهن كان ان تريهن يوسف؛ لانها استكتمهن ذلك فأظهرته‏ «وَ أَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً» أى وسائد تتكين عليها، و قيل: أراد به الطعام لان من دعى الى طعام يعدّ له المتكأ و قيل: الطعام الزماورد.

و قال عكرمة: هو كل ما يجز بسكين لانه يؤكل في الغالب على متكئا، و قيل: إنّه كان طعام و شراب على عمومه.

و روى عن ابن عبّاس و غيره «متكأ» خفيفة ساكنة التاء، و قالوا: المتك: الأترج.

أقول: لعل عليّ بن إبراهيم هكذا رواه فلذا فسره بذلك، أو فسره بمطلق الطعام، و لما كان الواقع ذلك فسره به‏ «فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ» أعظمنه و تحيرن في جماله‏ «وَ قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ» بتلك السكاكين على جهة الخطاء بدل قطع الفواكه، فما أحسن الا بالدم، لم يجدن ألم القطع لاشتغال قلوبهن بيوسف، و المعنى: جرحن أيديهن؛ و قيل: أبنها «وَ قُلْنَ حاشَ لِلَّهِ» أى صار يوسف في حشا، أي في ناحية ممّا قذف به لخوفه للّه و مراقبة أمره، أو تنزيها له عما رمته به امرأة العزيز، أو تنزيها للّه من صفات العجز و تعجبا من قدرته على خلق مثله‏ «ما هذا بَشَراً إِنْ هذا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ» أى هذا الجمال غير معهود من البشر بل ملك كريم لحسنه و لطافته أو لجمعه بين الحسن الرائق و الكمال الفائق و العصمة البالغة، و روى عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) أنّه قال:

رأيت ليلة المعراج يوسف في السماء الثانية و صورته صورة القمر ليلة البدر «ثُمَّ بَدا لَهُمْ» انما لم يقل «لهن» لانه أراد به الملك أو زليخا بأعوانها فغلب المذكر. منه رفع اللّه درجاته.

227

بِمِصْرَ وَ جَعَلَتِ النِّسَاءُ

(1)

يَتَحَدَّثْنَ بِحَدِيثِهَا-

(2)

وَ يَعْذِلْنَهَا وَ يَذْكُرْنَهَا وَ هُوَ قَوْلُهُ‏

وَ قالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُراوِدُ فَتاها عَنْ نَفْسِهِ‏

فَبَلَغَ ذَلِكَ امْرَأَةَ الْعَزِيزِ فَبَعَثَتْ إِلَى كُلِّ امْرَأَةٍ رَئِيسَةٍ فَجَمَعَتْهُنَ‏

(3)

فِي مَنْزِلِهَا وَ هَيَّأَتْ لَهُنَّ مَجْلِساً وَ دَفَعَتْ إِلَى كُلِّ امْرَأَةٍ أُتْرُجَّةً وَ سِكِّيناً فَقَالَتِ اقْطَعْنَ ثُمَّ قَالَتْ لِيُوسُفَ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ وَ كَانَ فِي بَيْتٍ فَخَرَجَ يُوسُفُ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا نَظَرْنَ‏

(4)

إِلَيْهِ أَقْبَلْنَ يَقْطَعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَ قُلْنَ كَمَا حَكَى اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَ‏

فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَ أَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً

أَيْ أُتْرُجَّةً

وَ آتَتْ‏

وَ أَعْطَتْ‏

كُلَّ واحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّيناً وَ قالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ‏

إِلَى قَوْلِهِ‏

إِنْ هذا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ‏

فَقَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ

فَذلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ‏

فِي حُبِّهِ‏

وَ لَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ‏

أَيْ دَعَوْتُهُ‏

فَاسْتَعْصَمَ‏

أَيْ امْتَنَعَ ثُمَّ قَالَتْ‏

وَ لَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ ما آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَ لَيَكُوناً مِنَ الصَّاغِرِينَ‏

فَمَا أَمْسَى يُوسُفُ فِي ذَلِكَ الْبَيْتِ‏

(5)

حَتَّى بَعَثَتْ إِلَيْهِ كُلُّ امْرَأَةٍ رَأَتْهُ تَدْعُوهُ إِلَى نَفْسِهَا فَضَجِرَ يُوسُفُ فِي ذَلِكَ الْبَيْتِ فَقَالَ‏

رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَ إِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَ أَكُنْ مِنَ الْجاهِلِينَ فَاسْتَجابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَ‏

أَيْ حِيلَتَهُنَ‏

أَصْبُ إِلَيْهِنَ‏

أَيْ أَمِيلُ إِلَيْهِنَّ وَ أَمَرَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ بِحَبْسِهِ فَحُبِسَ فِي السِّجْنِ‏

(6)

.

بيان: قال الطبرسي (رحمه الله) يسأل و يقال كيف قال يوسف‏ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ‏ و لا يجوز أن يراد السجن الذي هو المكان و إن عنى السجن الذي هو المصدر فإن السجن معصية كما أن ما دعونه إليه معصية فلا يجوز أن يريده فالجواب أنه لم يرد المحبة التي هي الإرادة و إنما أراد أن ذلك أخف علي و أسهل و وجه‏

____________

(1) في نسخة: و جعلن النساء.

(2) في نسخة: و يعيرنها.

(3) في نسخة: فجمعن.

(4) في نسخة: فلما أن نظرن إليه.

(5) في نسخة: فى ذلك اليوم. و كذا فيما بعده.

(6) تفسير القمّيّ: 318- 320. م.

228

آخر المعنى لو كان مما أريد لكان إرادتي له أشد و قيل إن معناه توطيني النفس على السجن أحب إلي من توطيني النفس على الزنا.

ثم قال فإن قيل ما معنى سؤال يوسف اللطف من الله و هو عالم بأن الله يعلمه لا محالة فالجواب أنه يجوز أن تتعلق المصلحة بالألطاف عند الدعاء المجدد و متى قيل كيف علم أنه لو لا اللطف لركب الفاحشة و إذا وجد اللطف امتنع قلنا لما وجد في نفسه من الشهوة و علم أنه لو لا لطف الله ارتكب القبيح و علم أن الله يعصم أنبياءه بالألطاف و أن من لا يكون له لطف لا يبعثه الله نبيا (1).

4-

فس، تفسير القمي وَ فِي رِوَايَةِ أَبِي الْجَارُودِ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)

فِي قَوْلِهِ‏

ثُمَّ بَدا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما رَأَوُا الْآياتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ‏

فَالْآيَاتُ شَهَادَةُ الصَّبِيِّ وَ الْقَمِيصُ الْمُخَرَّقُ مِنْ دُبُرٍ وَ اسْتِبَاقُهُمَا الْبَابَ حَتَّى سَمِعَ مُجَاذَبَتَهَا إِيَّاهُ عَلَى الْبَابِ فَلَمَّا عَصَاهَا لَمْ تَزَلْ مُولَعَةً لِزَوْجِهَا حَتَّى حَبَسَهُ‏

وَ دَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيانِ‏

يَقُولُ عَبْدَانِ لِلْمَلِكِ-

(2)

أَحَدُهُمَا خَبَّازُهُ وَ الْآخَرُ صَاحِبُ الشَّرَابِ وَ الَّذِي كَذَبَ وَ لَمْ يَرَ الْمَنَامَ هُوَ الْخَبَّازُ

(3)

.

إيضاح قال الطبرسي (رحمه الله) كان يوسف(ع)لما دخل السجن قال لأهله إني أعبر الرؤيا فقال أحد العبدين لصاحبه هلم فلنجربه فسألاه من غير أن يكون رأيا شيئا عن ابن مسعود و قيل بل رأيا على صحة و حقيقة و لكنهما كذبا في الإنكار عن مجاهد و الجبائي و قيل إن المصلوب منهما كان كاذبا و الآخر صادقا عن أبي مجاز (4) و رواه علي بن إبراهيم أيضا في تفسيره عنهم(ع)و المعنى قال أحدهما و هو الساقي رأيت أصل حبلة (5) عليها ثلاثة عناقيد من عنب فجنيتها و عصرتها في كأس الملك فسقيته إياها

____________

(1) مجمع البيان 5: 231. م.

(2) أي للملك الأكبر و اسمه الوليد بن ريان، فنمى إليه أن صاحب الطعام يريد أن يسمه، و الآخر ساعده عليه، كذا قيل. منه (رحمه الله).

(3) تفسير القمّيّ: 320- 321. م.

(4) هكذا في النسخ: و الصحيح كما في المصدر: أبى مجلز، و هو كمنبر كنية لاحق بن حميد البصرى التابعي.

(5) واحدة الحبل: شجر العنب أو قضبانه.

229

و تقديره أعصر عنب خمر أي العنب الذي يكون عصيره خمرا فحذف المضاف قال الزجاج و ابن الأنباري و العرب تسمي الشي‏ء باسم ما يئول إليه إذا وضح المعنى و لم يلتبس يقولون فلان يطبخ الآجر و يطبخ الدبس و إنما يطبخ اللبن و العصير و قال قوم إن بعض العرب يسمون العنب خمرا حكى الأصمعي عن المعتمر بن سليمان أنه لقي أعرابيا و معه عنب فقال له ما معك قال خمر و هو قول الضحاك فيكون معناه أني أعصر عنبا و روي في قراءة عبد الله و أبي جميعا إِنِّي رَأَيْتُنِي أَعْصِرُ عِنَباً و قال صاحب الطعام إني رأيت كأن فوق رأسي ثلاث سلال فيها الخبز و أنواع الأطعمة و سباع الطير تنهش منه‏ (1) و أما تعبير رؤيا الساقي فروي أنه قال أما العناقيد الثلاثة فإنها ثلاثة أيام تبقى في السجن ثم يخرجك الملك في اليوم الرابع و تعود إلى ما كنت عليه و أجرى على مالكه صفة الرب لأنه عبده فأضافه إليه كما يقال رب الدار و رب الضيعة و أما صاحب الطعام فروي أنه قال له بئسما رأيت أما السلال الثلاث فإنها ثلاثة أيام تبقى في السجن ثم يخرجك الملك فيصلبك فتأكل الطير من رأسك فقال عند ذلك ما رأيت شيئا و كنت ألعب فقال يوسف‏ قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ‏ أي فرغ من الأمر الذي تساءلان و تطلبان معرفته و ما قلته لكما فإنه نازل بكما و هو كائن لا محالة و في هذا دلالة على أنه كان يقول ذلك على جهة الإخبار عن الغيب بما يوحى إليه لا كما يعبر أحدنا الرؤيا على جهة التأويل انتهى. (2)

أقول لا يخفى أن ظاهر الآيات هو أنهما كانا رأيا في المنام ما ذكره(ع)على وجه التعبير فإن كان ما أورده علي بن إبراهيم خبرا كما فهمه (رحمه الله) فلتأويله وجه و إلا فلا (3).

5-

فس، تفسير القمي قَالَ عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ‏

وَ وَكَّلَ الْمَلِكُ بِيُوسُفَ رَجُلَيْنِ يَحْفَظَانِهِ فَلَمَّا

____________

(1) نهش اللحم: أخذه بمقدم أسنانه و نتفه.

(2) تفسير القمّيّ: 232- 234. م.

(3) يمكن استظهار كلا الموضوعين عن قوله تعالى: «قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ» و يستظهر الثاني أيضا من قوله: «ذلِكُما مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي».

230

دَخَلَ السِّجْنَ قَالُوا لَهُ مَا صِنَاعَتُكَ قَالَ أَعْبُرُ الرُّؤْيَا فَرَأَى أَحَدُ الْمُوَكَّلَينِ فِي نَوْمِهِ كَمَا قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَ‏

أَعْصِرُ خَمْراً

قَالَ يُوسُفُ تَخْرُجُ مِنَ السِّجْنِ وَ تَصِيرُ عَلَى شَرَابِ الْمَلِكِ وَ تَرْتَفِعُ مَنْزِلَتُكَ عِنْدَهُ وَ قَالَ الْآخَرُ

إِنِّي أَرانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ‏

وَ لَمْ يَكُنْ رَأَى ذَلِكَ فَقَالَ لَهُ يُوسُفُ أَنْتَ يَقْتُلُكَ الْمَلِكُ وَ يَصْلِبُكَ وَ تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ دِمَاغِكَ فَجَحَدَ الرَّجُلُ وَ قَالَ إِنِّي لَمْ أَرَ ذَلِكَ فَقَالَ يُوسُفُ كَمَا حَكَى اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَ‏

يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُما فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً وَ أَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ‏

فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)فِي قَوْلِهِ‏

إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ‏

قَالَ كَانَ يَقُومُ عَلَى الْمَرِيضِ وَ يَلْتَمِسُ الْمُحْتَاجَ وَ يُوَسِّعُ عَلَى الْمَحْبُوسِ‏

(1)

فَلَمَّا أَرَادَ مَنْ رَأَى فِي نَوْمِهِ أَنْ يَعْصِرَ خَمْراً الْخُرُوجَ مِنَ الْحَبْسِ قَالَ لَهُ يُوسُفُ‏

اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ‏

فَكَانَ كَمَا قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَ‏

فَأَنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ‏ (2)

.

أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عُمَرَ (3) عَنْ شُعَيْبٍ الْعَقَرْقُوفِيِ‏ (4) عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ:

إِنَّ يُوسُفَ أَتَاهُ جَبْرَئِيلُ(ع)فَقَالَ لَهُ يَا يُوسُفُ إِنَّ رَبَّ الْعَالَمِينَ يُقْرِئُكَ السَّلَامَ وَ يَقُولُ لَكَ مَنْ جَعَلَكَ أَحْسَنَ خَلْقِهِ قَالَ فَصَاحَ وَ وَضَعَ خَدَّهُ عَلَى الْأَرْضِ ثُمَّ قَالَ أَنْتَ يَا رَبِّ ثُمَّ قَالَ لَهُ وَ يَقُولُ لَكَ مَنْ حَبَّبَكَ إِلَى أَبِيكَ دُونَ إِخْوَتِكَ قَالَ‏

____________

(1) و قيل: أى ممن يحسن تأويل الرؤيا. منه (رحمه الله).

(2) قوله: «لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ» أى في المنام. قوله تعالى: «فَأَنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ» أى أنسى الشيطان الساقى ذكر يوسف عند الملك؛ و قيل: أنسى يوسف ذكر اللّه في تلك الحال حتّى استغاث بمخلوق، و هو مخالف للاخبار.

و قال الطبرسيّ (رحمه الله): و اختلف في البضع فقال بعضهم: ما بين الثلاث الى الخمس، و قيل:

الى السبع، و قيل: إلى التسع، و أكثر المفسرين على ان البضع في الآية سبع سنين. و قال الكلبى:

هذا السبع سوى الخمسة التي كانت قبل ذلك. منه (رحمه الله).

(3) في بعض النسخ: إسماعيل عمرو، و لعله إسماعيل بن عمر بن أبان الكلبى.

(4) في بعض النسخ: العقرقوقى و هو غلط، و العقرقوفى بفتح العين و القاف و سكون الراء و ضم القاف الثانية و سكون الواو نسبة الى عقرقوف: قرية قديمة بالقرب من بغداد.

231

فَصَاحَ وَ وَضَعَ خَدَّهُ عَلَى الْأَرْضِ وَ قَالَ أَنْتَ يَا رَبِّ قَالَ وَ يَقُولُ لَكَ مَنْ أَخْرَجَكَ مِنَ الْجُبِّ بَعْدَ أَنْ طُرِحْتَ فِيهَا وَ أَيْقَنْتَ بِالْهَلَكَةِ قَالَ فَصَاحَ وَ وَضَعَ خَدَّهُ عَلَى الْأَرْضِ ثُمَّ قَالَ أَنْتَ يَا رَبِّ قَالَ فَإِنَّ رَبَّكَ قَدْ جَعَلَ لَكَ عُقُوبَةً فِي اسْتِغَاثَتِكَ‏

(1)

بِغَيْرِهِ فَالْبَثْ‏

(2)

فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ قَالَ فَلَمَّا انْقَضَتِ الْمُدَّةُ وَ أَذِنَ اللَّهُ لَهُ فِي دُعَاءِ الْفَرَجِ وَضَعَ خَدَّهُ عَلَى الْأَرْضِ ثُمَّ قَالَ اللَّهُمَّ إِنْ كَانَتْ ذُنُوبِي قَدْ أَخْلَقَتْ وَجْهِي عِنْدَكَ فَإِنِّي أَتَوَجَّهُ إِلَيْكَ بِوَجْهِ آبَائِيَ الصَّالِحِينَ إِبْرَاهِيمَ وَ إِسْمَاعِيلَ وَ إِسْحَاقَ وَ يَعْقُوبَ فَفَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ قُلْتُ جُعِلْتُ فِدَاكَ أَ نَدْعُو نَحْنُ بِهَذَا الدُّعَاءِ فَقَالَ ادْعُ بِمِثْلِهِ اللَّهُمَّ إِنْ كَانَتْ ذُنُوبِي قَدْ أَخْلَقَتْ وَجْهِي عِنْدَكَ فَإِنِّي أَتَوَجَّهُ إِلَيْكَ بِنَبِيِّكَ نَبِيِّ الرَّحْمَةِ مُحَمَّدٍ(ص)وَ عَلِيٍّ وَ فَاطِمَةَ وَ الْحَسَنِ وَ الْحُسَيْنِ وَ الْأَئِمَّةِ(ع)

(3)

.

شي، تفسير العياشي عن العقرقوفي‏ مثله‏ (4) بيان قال الطبرسي (قدس الله روحه) بعد نقل أمثال هذه الرواية و القول في ذلك أن الاستعانة بالعباد في دفع المضار و التخلص من المكاره جائز غير منكر و لا قبيح بل ربما يجب و كان نبيا يستعين فيما ينوبه بالمهاجرين و الأنصار و غيرهم و لو كان قبيحا لم يفعله فلو صحت هذه الروايات فإنما عوتب(ع)على ترك عادته الجميلة في الصبر و التوكل على الله سبحانه في كل أموره دون غيره وقتا ما و ابتلاء و تشديدا و إنما كان يكون قبيحا لو ترك التوكل على الله سبحانه و اقتصر على غيره و في هذا ترغيب في الاعتصام بالله و الاستعانة به دون غيره في الشدائد و إن جاز أيضا أن يستعان بغيره انتهى. (5)

أقول ما ذكره (رحمه الله) من كون هذه الاستعانة جائزة غير محرمة لا ريب فيه و أما مقايستها باستعانة الرسول(ص)بالمهاجرين و الأنصار فقياس مع الفارق إذ ما كان بأمر الله لابتلاء الخلق و تكليفهم ليس من هذا الباب.

____________

(1) في نسخة: فى استعانتك.

(2) في نسخة: فلبث.

(3) تفسير القمّيّ: 321- 322. م.

(4) مخطوط. م.

(5) مجمع البيان 5: 235. م.

232

6-

فس، تفسير القمي قَالَ عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ‏

ثُمَّ إِنَّ الْمَلِكَ رَأَى رُؤْيَا فَقَالَ لِوُزَرَائِهِ‏

(1)

إِنِّي رَأَيْتُ فِي نَوْمِي‏

سَبْعَ بَقَراتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ‏

أَيْ مَهَازِيلُ وَ رَأَيْتُ‏

سَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَ أُخَرَ يابِساتٍ‏

وَ قَرَأَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)سَبْعَ سَنَابِلَ خُضْرٍ ثُمَّ قَالَ‏

يا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُءْيايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّءْيا تَعْبُرُونَ‏

فَلَمْ يَعْرِفُوا تَأْوِيلَ ذَلِكَ فَذَكَرَ الَّذِي كَانَ‏

____________

(1) قال الكلبى: ان رسول الملك جاءه فقال له: قم فان الملك يدعوك و ألق ثياب السجن عنك و البس ثيابا جددا، فأقبل يوسف و تنظف من درن السجن و لبس ثيابه و أتى الملك و هو يومئذ ابن ثلاثين سنة، فلما رآه الملك شابا حدث السن قال: يا غلام هذا تأويل رؤياى و لم تعلم السحرة و الكهنة؟ قال: نعم فأقعده قدامه و قص عليه رؤياه و رأى أن يوسف لما خرج من السجن دعا لاهله و قال: اللّهمّ اعطف عليهم بقلوب الأخيار و لا تعم عنهم الاخبار، فلذلك تكون أصحاب السجن أعرف الناس في الاخبار في كل بلدة، و كتب على باب السجن: هذا قبور الاحياء، و بيت الاحزان، و محزنة الاصدقاء و شماتة الاعداء.

قال وهب: و لما وقف بباب الملك قال: «حسبى ربى من دنياى» إلى آخر ما سيأتي برواية الثعلبي من قوله: فاشتعلت فيهن النار و احرقتهن و صرن سودا متغيرات فهذا آخر ما رأيت من الرؤيا ثمّ انتبهت من نومك مذعورا، فقال الملك: و اللّه ما شأن هذه الرؤيا بأعجب ما سمعته منك، فما ترى في رؤياى أيها الصديق؟ فقال يوسف: أرى أن تجمع الطعام و تزرع زرعا كثيرا في هذه السنين المخصبة و تبنى الاهراء و الخزائن فتجمع الطعام فيها بقصبه و سنبله ليكون قصبه و سنبله علفا للدواب، و تأمر الناس فيرفعون من طعامهم الخمس فيكفيك من الطعام الذي جمعته لاهل مصر و من حولها، و يأتيك الخلق من النواحي فيما ترون منك بحكمك، و يجتمع عندك من الكنوز ما لم يجتمع لاحد، فقال الملك: و من لي بهذا و من يجمعه و يبيعه و يكفى الشغل فيه؟ فعند ذلك قال:

«اجْعَلْنِي عَلى‏ خَزائِنِ الْأَرْضِ» أى ارضك حافظا و واليا فانى حفيظ أحفظه من الخيانة عليم بمن يستحق و من لا يستحق، و قيل: حفيظ للحساب، عالم بالالسن. منه طاب اللّه ثراه.

قال الطبرسيّ أي الوليد و العزيز وزيره‏ «يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ» أى مهازيل قد خلت السمان في بطون المهازيل حتّى لم أر منهن شيئا «وَ أُخَرَ يابِساتٍ» قد استحصدت فالتوت اليابسات على الخضر حتّى غلبن عليها «يا أَيُّهَا الْمَلَأُ» أى الاشراف، و قيل: جمع السحرة و الكهنة و قص رؤياه عليهم‏ «قالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ» أى أباطيل أحلام، أو تخاليطها، أي منامات كاذبة لا يصحّ تأويلها «وَ ما نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلامِ» أى التي هذه صفتها «وَ ادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ» أى تذكر بعد حين من الدهر و زمان طويل‏ «فَأَرْسِلُونِ» أى أرسلوني الى من عنده علم‏ «لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ» أى تأويلها أو مكانك و فضلك‏ «إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ» أى تحرزون و تدخرون لبذر الزراعة انتهى.

و اعلم أن اسم الملك مختلف في الكتب ففى بعض مواضع تفسيرى الطبرسيّ و الثعلبي الوليد ابن الريان، و في بعضها الريان بن الوليد و لذا اختلف ذكره في كتابنا، و الظاهر: الريان بن الوليد لاتفاق سائر الكتب عليه. منه (رحمه الله).

قلت: ذكر البغداديّ في المحبر(ص)466 الفراعنة و قال: الثاني الريان بن الوليد بن ليث ابن فاران بن عمرو بن عمليق بن يلمع و هو فرعون يوسف.

233

عَلَى رَأْسِ الْمَلِكِ رُؤْيَاهُ الَّتِي رَآهَا وَ ذَكَرَ يُوسُفَ بَعْدَ سَبْعِ سِنِينَ وَ هُوَ قَوْلُهُ‏

وَ قالَ الَّذِي نَجا مِنْهُما وَ ادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ

أَيْ بَعْدَ حِينٍ‏

أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ‏

فَجَاءَ إِلَى يُوسُفَ فَقَالَ‏

أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنا فِي سَبْعِ بَقَراتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ وَ سَبْعِ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَ أُخَرَ يابِساتٍ‏

فَقَالَ يُوسُفُ‏

تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَباً

أَيْ وَلْياً

(1) فَما حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ‏

أَيْ لَا تَدُوسُوهُ فَإِنَّهُ يَفْسُدُ

(2)

فِي طُولِ سَبْعِ سِنِينَ فَإِذَا كَانَ فِي سُنْبُلِهِ لَا يَفْسُدُ

ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ سَبْعٌ شِدادٌ يَأْكُلْنَ ما قَدَّمْتُمْ لَهُنَ‏

أَيْ سَبْعَ سِنِينَ مَجَاعَةٌ شَدِيدَةٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُهُمْ لَهُنَّ فِي سَبْعِ سِنِينَ الْمَاضِيَةِ

(3)

وَ قَالَ الصَّادِقُ(ع)إِنَّمَا نَزَلَ مَا قَرَّبْتُمْ لَهُنَ‏

ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عامٌ فِيهِ يُغاثُ النَّاسُ وَ فِيهِ يَعْصِرُونَ‏

أَيْ يُمْطَرُونَ وَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَرَأَ رَجُلٌ عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ ع‏

ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عامٌ فِيهِ يُغاثُ النَّاسُ وَ فِيهِ يَعْصِرُونَ‏

فَقَالَ وَيْحَكَ أَيَّ شَيْ‏ءٍ يَعْصِرُونَ أَ يَعْصِرُ الْخَمْرَ قَالَ الرَّجُلُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ كَيْفَ أَقْرَؤُهَا فَقَالَ إِنَّمَا نَزَلَتْ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَ فِيهِ يُعْصَرُونَ أَيْ يُمْطَرُونَ بَعْدَ سِنِي الْمَجَاعَةِ وَ الدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ‏

وَ أَنْزَلْنا مِنَ الْمُعْصِراتِ ماءً ثَجَّاجاً (4)

.

توضيح قوله تعالى‏ دَأَباً قال البيضاوي أي على عادتكم المستمرة. (5)

و قال الطبرسي (رحمه الله) أي فازرعوا سبع سنين متوالية عن ابن عباس أي زراعة

____________

(1) في المصدر: أى متوالية.

(2) في نسخة: فانه ينفسد.

(3) في نسخة: فى السبع السنين الماضية.

(4) تفسير القمّيّ: 322- 323. م.

(5) أنوار التنزيل 1: 232. م.

234

متوالية في هذه السنين على عادتكم في الزراعة سائر السنين و قيل‏ دَأَباً أي بجد و اجتهاد في الزراعة انتهى و قوله تعالى‏ يَأْكُلْنَ‏ أي يأكل أهلهن و الإسناد مجازي‏ (1)

-

قَالَ الطَّبْرِسِيُّ (رحمه الله)

قَرَأَ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ(ع)وَ سَبْعَ سَنَابِلَ وَ قَرَأَ أَيْضاً مَا قَرَّبْتُمْ لَهُنَّ.

و قرأ هو و الأعرج و عيسى بن عمر وَ فِيهِ يُعْصَرُونَ‏ (2) بياء مضمومة و صاد مفتوحة ثم قال في بيان هذه القراءة يجوز أن يكون من العصرة و العصر المنجاة و يجوز أن يكون من عصرت السحابة ماءها عليهم ثم ذكر ما أورده علي بن إبراهيم‏ (3).

أقول لعل المعنى الأول ذكره مع قطع النظر عن الخبر و قال البيضاوي‏ فِيهِ يُغاثُ النَّاسُ‏ يمطرون من الغيث أو يغاثون من القحط من الغوث‏ وَ فِيهِ يَعْصِرُونَ‏ ما يعصر كالعنب و الزيتون لكثرة الثمار و قيل يحلبون الضروع و قرئ على بناء المفعول من عصره إذا أنجاه و يحتمل أن يكون المبني للفاعل منه أي يغيثهم الله و يغيث بعضهم بعضا أو من أعصرت السحابة عليهم فعدي بنزع الخافض أو بتضمينه معنى المطر (4).

7-

فس، تفسير القمي‏

فَرَجَعَ الرَّجُلُ إِلَى الْمَلِكِ فَأَخْبَرَهُ بِمَا قَالَ يُوسُفُ فَ

قالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جاءَهُ الرَّسُولُ قالَ ارْجِعْ إِلى‏ رَبِّكَ‏

يَعْنِي إِلَى الْمَلِكِ‏

فَسْئَلْهُ ما بالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ‏ (5)

فَجَمَعَ الْمَلِكُ النِّسْوَةَ فَقَالَ لَهُنَ‏

ما خَطْبُكُنَّ إِذْ راوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حاشَ لِلَّهِ ما عَلِمْنا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ ذلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَ أَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخائِنِينَ‏

أَيْ لَا أَكْذِبُ عَلَيْهِ الْآنَ كَمَا كَذَبْتُ عَلَيْهِ مِنْ قَبْلُ ثُمَّ قَالَتْ‏

____________

(1) مجمع البيان 5: 238. م.

(2) و ذلك قراءة عليّ (عليه السلام) كما تقدم عن القمّيّ.

(3) مجمع البيان 5: 236. م.

(4) أنوار التنزيل 1: 232. م.

(5) أبى يوسف أن يخرج مع الرسول حتّى يتبين براءته ممّا قذف به. منه (رحمه الله).

235

وَ ما أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ (1)

أَيْ تَأْمُرُ بِالسُّوءِ فَ

قالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي‏

فَلَمَّا نَظَرَ إِلَى يُوسُفَ قَالَ‏

إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أَمِينٌ‏

سَلْ حَاجَتَكَ‏

قالَ اجْعَلْنِي عَلى‏ خَزائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ‏

يَعْنِي عَلَى الْكَنَادِيجِ وَ الْأَنَابِيرِ فَجَعَلَهُ عَلَيْهَا وَ هُوَ قَوْلُهُ‏

وَ كَذلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْها حَيْثُ يَشاءُ

فَأَمَرَ يُوسُفَ أَنْ يَبْنِيَ كَنَادِيجَ مِنْ صَخْرٍ وَ طَيَّنَهَا بِالْكِلْسِ ثُمَّ أَمَرَ بِزُرُوعِ مِصْرَ فَحُصِدَتْ وَ دُفِعَ إِلَى كُلِّ إِنْسَانٍ حِصَّتُهُ وَ تُرِكَ الْبَاقِي فِي سُنْبُلِهِ لَمْ يَدُسْهُ فَوَضَعَهُ فِي الْكَنَادِيجِ فَفَعَلَ ذَلِكَ سَبْعَ سِنِينَ فَلَمَّا جَاءَ سني [سِنُو الْجَدْبِ كَانَ يُخْرِجُ السُّنْبُلَ فَيَبِيعُ بِمَا شَاءَ

(2)

.

بيان‏ ما خَطْبُكُنَ‏ أي ما شأنكن و الخطب الأمر الذي يحق أن يخاطب فيه صاحبه‏ حاشَ لِلَّهِ‏ تنزيه له و تعجب من قدرته على خلق عفيف مثله‏ حَصْحَصَ الْحَقُ‏ أي ثبت و استقر من حصحص البعير إذا ألقي مباركه ليناخ أو ظهر من حص شعره إذا استأصله بحيث ظهر بشرة رأسه‏ (3) قوله‏ ذلِكَ لِيَعْلَمَ‏ إلى قوله‏ وَ ما أُبَرِّئُ نَفْسِي‏ هذا من كلام يوسف على قول أكثر المفسرين و قيل هو من كلام امرأة العزيز كما ذكره علي بن إبراهيم و الأول أشهر و أظهر.

____________

(1) لم يتعرض (عليه السلام) لامرأة العزيز مع ما صنعت به كرما و مراعاة للادب، و قال الطبرسيّ:

روى عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) أنّه قال: لقد عجبت من يوسف و كرمه و صبره- و اللّه يغفر له حين يسأل عن البقرات العجاف و السمان و لو كنت مكانه ما اخبرتهم حتّى أشترط أن يخرجونى من السجن، و لقد عجبت من يوسف و صبره و كرمه- و اللّه يغفر له- حين أتاه الرسول فقال: ارجع الى ربك و لو كنت مكانه و لبثت في السجن ما لبث لاسرعت الإجابة و بادرتهم الى الباب و ما ابتغيت العذر انه كان حليما ذا أناة.

أقول: لو صح الخبر لكان هذا منه (صلّى اللّه عليه و آله) تواضعا و المراد غيره. منه طاب اللّه ثراه.

قلت: ذكر الخبر الثعلبي مرسلا في العرائس و الظاهر أنّه من مرويات العامّة فقط.

(2) تفسير القمّيّ: 323. م.

(3) قال الطبرسيّ: قال الزجاج: حصحص الحق اشتقاقه من الحصة، أي بانت حصة الحق و جهته من حصة الباطل، و قال غيره: هو مكرر من قولهم: حص شعره: إذا استأصل قطعه و أزاله عن الرأس فيكون معناه: انقطع الحق عن الباطل بظهوره و بيانه. و حصحص البعير بثفناته في الأرض إذا حرك حتّى تستبين آثارها فيه، قال حميد:

و حصحص في صم الحصى ثفناته‏* * * و رام القيام ساعة ثمّ صمما

.

236

و قال الفيروزآبادي الكندوج شبه المخزن معرب الكندو و قال الأنبار بيت التاجر ينضد فيه المتاع الواحد نبر بالكسر و الكلس بالكسر الصاروج.

8-

فس، تفسير القمي‏

وَ كَانَ بَيْنَهُ وَ بَيْنَ أَبِيهِ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ يَوْماً وَ كَانَ فِي بَادِيَةٍ وَ كَانَ النَّاسُ مِنَ الْآفَاقِ يَخْرُجُونَ إِلَى مِصْرَ لِيَمْتَارُوا

(1)

طَعَاماً وَ كَانَ يَعْقُوبُ وَ وُلْدُهُ نُزُولًا فِي بَادِيَةٍ فِيهِ مُقْلٌ-

(2)

فَأَخَذَ إِخْوَةُ

(3)

يُوسُفَ مِنْ ذَلِكَ الْمُقْلِ وَ حَمَلُوهُ إِلَى مِصْرَ لِيَمْتَارُوا

(4)

بِهِ طَعَاماً وَ كَانَ يُوسُفُ يَتَوَلَّى الْبَيْعَ بِنَفْسِهِ فَلَمَّا دَخَلَ إِخْوَتُهُ عَلَى يُوسُفَ عَرَفَهُمْ وَ لَمْ يَعْرِفُوهُ كَمَا حَكَى اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَ‏

وَ هُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ‏

فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ وَ أَعْطَاهُمْ وَ أَحْسَنَ إِلَيْهِمْ فِي الْكَيْلِ قَالَ لَهُمْ مَنْ أَنْتُمْ قَالُوا نَحْنُ بَنُو يَعْقُوبَ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلِ اللَّهِ الَّذِي أَلْقَاهُ نُمْرُودُ فِي النَّارِ فَلَمْ يَحْتَرِقْ فَجَعَلَهَا اللَّهُ عَلَيْهِ بَرْداً وَ سَلَاماً قَالَ فَمَا فَعَلَ أَبُوكُمْ قَالُوا شَيْخٌ ضَعِيفٌ قَالَ فَلَكُمْ أَخٌ غَيْرُكُمْ قَالُوا لَنَا أَخٌ مِنْ أَبِينَا لَا مِنْ أُمِّنَا قَالَ فَإِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيَّ فَأْتُوْنِي بِهِ وَ هُوَ قَوْلُهُ‏

ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ أَ لا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَ أَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَ لا تَقْرَبُونِ قالُوا سَنُراوِدُ عَنْهُ أَباهُ وَ إِنَّا لَفاعِلُونَ‏

ثُمَّ قَالَ يُوسُفُ لِقَوْمِهِ رُدُّوا هَذِهِ الْبِضَاعَةَ الَّتِي حَمَلُوهَا إِلَيْنَا اجْعَلُوهَا فِيمَا بَيْنَ رِحَالِهِمْ حَتَّى إِذَا رَجَعُوا إِلَى مَنَازِلِهِمْ وَ رَأَوْهَا رَجَعُوا إِلَيْنَا وَ هُوَ قَوْلُهُ‏

وَ قالَ لِفِتْيانِهِ اجْعَلُوا بِضاعَتَهُمْ فِي رِحالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَها إِذَا انْقَلَبُوا إِلى‏ أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ‏ (5)

يَعْنِي كَيْ يرجعون [يَرْجِعُوا

فَلَمَّا رَجَعُوا إِلى‏ أَبِيهِمْ قالُوا يا أَبانا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنا أَخانا نَكْتَلْ وَ إِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ قالَ‏

يَعْقُوبُ‏

هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَما أَمِنْتُكُمْ عَلى‏ أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ فَاللَّهُ خَيْرٌ حافِظاً وَ هُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ وَ لَمَّا فَتَحُوا مَتاعَهُمْ وَجَدُوا بِضاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ‏

فِي رِحَالِهِمُ الَّتِي حَمَلُوهَا إِلَى مِصْرَ

قالُوا يا أَبانا ما نَبْغِي‏

أَيْ مَا نُرِيدُ

هذِهِ بِضاعَتُنا رُدَّتْ إِلَيْنا وَ نَمِيرُ أَهْلَنا وَ نَحْفَظُ أَخانا وَ نَزْدادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ قالَ‏

يَعْقُوبُ‏

لَنْ‏

____________

(1) في نسخة: ليمتارون، و في المصدر: يمتارون.

(2) في نسخة: فيها مقل.

(3) في نسخة: فأخذوا اخوة يوسف.

(4) أي ليجمعوا به طعاما.

(5) اجعلوا بضاعتهم أي ثمن طعامهم، و قيل كانت بضاعتهم النعال و الادم، و قيل: كانت الورق كذا ذكره الطبرسيّ (رحمه الله)؛ منه طاب اللّه ثراه.

237

أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقاً مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحاطَ بِكُمْ فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قالَ‏

يَعْقُوبُ‏

اللَّهُ عَلى‏ ما نَقُولُ وَكِيلٌ‏

فَخَرَجُوا وَ قَالَ لَهُمْ يَعْقُوبُ‏

لا تَدْخُلُوا مِنْ بابٍ واحِدٍ وَ ادْخُلُوا مِنْ أَبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَ ما أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْ‏ءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَ عَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ وَ لَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ ما كانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْ‏ءٍ إِلَّا حاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضاها وَ إِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِما عَلَّمْناهُ وَ لكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ‏ (1)

.

بيان: قال البيضاوي‏ فَعَرَفَهُمْ وَ هُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ‏ (2) أي عرفهم يوسف و لم يعرفوه لطول العهد و مفارقتهم إياه في سن الحداثة و نسيانهم إياه و توهمهم أنه هلك و بعد حاله التي رأوه عليها من حاله حين فارقوه و قلة تأملهم في حلاه من التهيب و الاستعظام و قال في قوله‏ اجْعَلُوا بِضاعَتَهُمْ فِي رِحالِهِمْ‏ إنما فعل ذلك توسيعا و تفضلا عليهم و ترفعا من أن يأخذ ثمن الطعام منهم و خوفا من أن لا يكون عند أبيه ما يرجعون به قوله‏ مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ‏ أي حكم بمنعه بعد هذا إن لم نذهب ببنيامين قوله‏ ما نَبْغِي‏ أي ما ذا نطلب هل من مزيد على ذلك أكرمنا و أحسن مثوانا و باع منا و رد علينا متاعنا أو لا نطلب وراء ذلك إحسانا أو لا نبغي في القول و لا نزيد فيما حكينا لك من إحسانه قوله‏ إِلَّا أَنْ يُحاطَ بِكُمْ‏ أي إلا أن تغلبوا فلا تطيقوا ذلك أو إلا أن تهلكوا جميعا قوله‏ لا تَدْخُلُوا مِنْ بابٍ واحِدٍ المشهور بين المفسرين أنه إنما قال ذلك لما خاف عليهم من العين و قيل لما اشتهروا بمصر بالحسن و الجمال و إكرام الملك لهم خاف عليهم حسد الناس و قيل لم يأمن عليهم من أن يخافهم الملك فيحبسهم و قيل إنه(ع)كان عالما بأن ملك مصر ولده يوسف إلا أن الله تعالى لم يأذن له في إظهار ذلك فلما بعث أبناءه إليه قال‏ لا تَدْخُلُوا مِنْ بابٍ واحِدٍ و كان غرضه أن يصل بنيامين إلى يوسف في وقت الخلوة.

____________

(1) تفسير القمّيّ: 323- 325. م.

(2) قال الطبرسيّ: قال ابن عبّاس: كان بين أن قذفوه في الجب و بين دخولهم عليه أربعون سنة فلذلك أنكروه لانهم رأوه ملكا جالسا على السرير و لم يكن يخطر ببالهم انه يصير على تلك الحالة منه طاب اللّه ثراه.

238

ثم إن العبد لما كان مأمورا بملاحظة الأسباب و عدم الاعتماد عليها و التوكل على الله قال أولا ما يلزمه من الحزم و التدبير ثم تبرأ عن الاعتماد على الأسباب بقوله‏ وَ ما أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْ‏ءٍ ثم إنه تعالى صدقه على ما ذكره من عدم الاعتماد على الأسباب بقوله تعالى‏ وَ لَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ‏ أي من أبواب متفرقة في البلد ما كانَ يُغْنِي عَنْهُمْ‏ رأي يعقوب و اتباعهم له‏ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْ‏ءٍ مما قضاه عليهم كما قال يعقوب فأخذ بنيامين بوجدان الصواع في رحله و تضاعفت المصيبة على يعقوب‏ إِلَّا حاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ‏ استثناء منقطع أي و لكن حاجة في نفسه يعني شفقته عليهم و خوفه من أن يعانوا أو غير ذلك مما مر قَضاها أي أظهرها و وصى بها وَ إِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِما عَلَّمْناهُ‏ بالوحي و نصب الحجج و لذلك قال‏ وَ ما أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْ‏ءٍ و لم يغتر بتدبيره‏ وَ لكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ‏ أسرار القدر (1).

9-

فس، تفسير القمي‏

فَخَرَجُوا وَ خَرَجَ مَعَهُمْ بِنْيَامِينُ وَ كَانَ لَا يُؤَاكِلُهُمْ وَ لَا يُجَالِسُهُمْ وَ لَا يُكَلِّمُهُمْ فَلَمَّا وَافَوْا مِصْرَ دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ وَ سَلَّمُوا فَنَظَرَ يُوسُفُ إِلَى أَخِيهِ فَعَرَفَهُ فَجَلَسَ مِنْهُمْ بِالْبَعِيدِ

(2)

فَقَالَ يُوسُفُ أَنْتَ أَخُوهُمْ قَالَ نَعَمْ قَالَ فَلِمَ لَا تَجْلِسُ مَعَهُمْ قَالَ لِأَنَّهُمْ أَخْرَجُوا أَخِي مِنْ أَبِي وَ أُمِّي ثُمَّ رَجَعُوا وَ لَمْ يَرُدُّوهُ وَ زَعَمُوا أَنَّ الذِّئْبَ أَكَلَهُ فَآلَيْتُ عَلَى نَفْسِي أَنْ لَا أَجْتَمِعَ مَعَهُمْ عَلَى أَمْرٍ مَا دُمْتُ حَيّاً قَالَ فَهَلْ تَزَوَّجْتَ قَالَ بَلَى قَالَ فَوُلِدَ لَكَ وَلَدٌ قَالَ بَلَى قَالَ كَمْ وُلِدَ لَكَ‏

(3)

قَالَ ثَلَاثَةُ بَنِينَ قَالَ فَمَا سَمَّيْتَهُمْ قَالَ سَمَّيْتُ وَاحِداً مِنْهُمْ الذِّئْبَ وَ وَاحِداً الْقَمِيصَ وَ وَاحِداً الدَّمَ قَالَ وَ كَيْفَ اخْتَرْتَ هَذِهِ الْأَسْمَاءَ قَالَ لِئَلَّا أَنْسَى أَخِي كُلَّمَا دَعَوْتُ وَاحِداً مِنْ وُلْدِي‏

(4)

ذَكَرْتُ أَخِي قَالَ يُوسُفُ لَهُمْ اخْرُجُوا وَ حَبَسَ بِنْيَامِينَ فَلَمَّا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِهِ قَالَ يُوسُفُ لِأَخِيهِ‏

أَنَا أَخُوكَ‏

يُوسُفُ‏

فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ‏

ثُمَّ قَالَ لَهُ أَنَا أُحِبُّ أَنْ تَكُونَ عِنْدِي فَقَالَ لَا يَدَعُونِّي إِخْوَتِي فَإِنَّ أَبِي قَدْ أَخَذَ عَلَيْهِمْ عَهْدَ اللَّهِ وَ مِيثَاقَهُ أَنْ يَرُدُّونِي إِلَيْهِ قَالَ فَأَنَا أَحْتَالُ بِحِيلَةٍ فَلَا تُنْكِرُ

____________

(1) أنوار التنزيل 1: 233 و 234. و فيه: سر القدر و انه لا يغنى عنه الحذر. م.

(2) في نسخة و في المصدر: فجلس منهم بالبعد.

(3) في نسخة: كم ولدك؟.

(4) في نسخة: كلما دعوت واحدا من أولادى.

239

إِذَا رَأَيْتَ شَيْئاً وَ لَا تُخْبِرُهُمْ فَقَالَ لَا

فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهازِهِمْ‏

وَ أَعْطَاهُمْ وَ أَحْسَنَ إِلَيْهِمْ قَالَ لِبَعْضِ قُوَّامِهِ اجْعَلُوا هَذَا الصَّاعَ فِي رَحْلِ هَذَا وَ كَانَ الصَّاعُ الَّذِي يَكِيلُونَ بِهِ مِنْ ذَهَبٍ فَجَعَلُوهُ فِي رَحْلِهِ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَقِفُوا عَلَيْهِ إِخْوَتُهُ فَلَمَّا ارْتَحَلُوا بَعَثَ إِلَيْهِمْ يُوسُفُ وَ حَبَسَهُمْ ثُمَّ أَمَرَ مُنَادِياً يُنَادِي‏

أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ‏

فَقَالَ إِخْوَةُ يُوسُفَ‏

ما ذا تَفْقِدُونَ قالُوا نَفْقِدُ صُواعَ الْمَلِكِ وَ لِمَنْ جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَ أَنَا بِهِ زَعِيمٌ‏

أَيْ كَفِيلٌ فَقَالَ إِخْوَةُ

(1)

يُوسُفَ لِيُوسُفَ‏

تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ ما جِئْنا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَ ما كُنَّا سارِقِينَ‏ (2)

قَالَ يُوسُفُ‏

فَما جَزاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ قالُوا جَزاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ‏

فَاحْبِسْهُ‏

(3) فَهُوَ جَزاؤُهُ كَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَها مِنْ وِعاءِ أَخِيهِ‏ (4)

فَتَشَبَّثُوا بِأَخِيهِ وَ حَبَسُوهُ وَ هُوَ قَوْلُهُ‏

كَذلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ‏

أَيْ احْتَلْنَا لَهُ‏

ما كانَ لِيَأْخُذَ أَخاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ وَ فَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ‏

فَسُئِلَ الصَّادِقُ(ع)عَنْ قَوْلِهِ‏

أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ‏

قَالَ مَا سَرَقَ وَ مَا كَذَبَ يُوسُفُ فَإِنَّمَا عَنَى سَرَقْتُمْ يُوسُفَ(ع)مِنْ أَبِيهِ وَ قَوْلُهُ‏

أَيَّتُهَا الْعِيرُ

مَعْنَاهُ يَا أَهْلَ الْعِيرِ وَ مِثْلُهُ قَوْلُهُمْ لِأَبِيهِمْ‏

وَ سْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيها وَ الْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنا فِيها

يَعْنِي أَهْلَ الْقَرْيَةِ وَ أَهْلَ الْعِيرِ فَلَمَّا أُخْرِجَ لِيُوسُفَ الصَّاعُ مِنْ رَحْلِ أَخِيهِ قَالَ إِخْوَتُهُ‏

إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ‏

يَعْنُونَ بِهِ يُوسُفَ فَتَغَافَلَ يُوسُفُ عَنْهُمْ وَ هُوَ قَوْلُهُ‏

فَأَسَرَّها يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَ لَمْ يُبْدِها لَهُمْ قالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكاناً وَ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما تَصِفُونَ‏ (5)

فَاجْتَمَعُوا إِلَى يُوسُفَ‏

____________

(1) في نسخة و في المصدر: فقالوا اخوة يوسف.

(2) أي قد ظهر لكم من حسن سيرتنا و معاملتنا معكم مرة بعد اخرى ما تعلمون به أنّه ليس من شأننا السرقة؛ و قيل: انهم قالوا ذلك لانهم رأوا البضاعة التي وجدوها في رحالهم مخافة أن يكون وضع ذلك بغير اذن يوسف؛ و قيل: إنهم لما دخلوا مصر وجدوهم قد شدوا أفواه دوابهم كيلا تتناول الحرث و الزرع، كذا ذكره الطبرسيّ منه طاب اللّه ثراه.

(3) في نسخة: احبسه.

(4) إنّما فعل ذلك لرفع التهمة. منه طاب اللّه ثراه.

(5) «أَنْتُمْ شَرٌّ مَكاناً» قال الطبرسيّ: أى في السرق لانكم سرقتم أخاكم من أبيكم و أسر هذه المقالة في نفسه ثمّ جهر بقوله: «وَ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما تَصِفُونَ» منه طاب اللّه ثراه.

240

وَ جُلُودُهُمْ تَقْطُرُ دَماً أَصْفَرَ فَكَانُوا يُجَادِلُونَهُ فِي حَبْسِهِ وَ كَانَ وُلْدُ يَعْقُوبَ‏

(1)

إِذَا غَضِبُوا خَرَجَ مِنْ ثِيَابِهِمْ شَعَرٌ وَ يَقْطُرُ مِنْ رُءُوسِهَا دَمٌ أَصْفَرُ وَ هُمْ يَقُولُونَ لَهُ‏

يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَباً شَيْخاً كَبِيراً (2) فَخُذْ أَحَدَنا مَكانَهُ إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ‏

فَأَطْلِقْ عَنْ هَذَا فَلَمَّا رَأَى يُوسُفُ ذَلِكَ‏

قالَ مَعاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ‏

وَ لَمْ يَقُلْ إِلَّا مَنْ سَرَقَ مَتَاعَنَا

إِنَّا إِذاً لَظالِمُونَ‏

فَلَمَّا أَيِسُوا

(3)

وَ أَرَادُوا الِانْصِرَافَ إِلَى أَبِيهِمْ قَالَ لَهُمْ لَاوَى بْنُ يَعْقُوبَ‏

أَ لَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَباكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقاً مِنَ اللَّهِ‏

فِي هَذَا

وَ مِنْ قَبْلُ ما فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ‏

فَارْجِعُوا أَنْتُمْ إِلَى أَبِيكُمْ أَمَّا أَنَا فَلَا أَرْجِعُ إِلَيْهِ‏

حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَ هُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ‏

ثُمَّ قَالَ لَهُمْ‏

ارْجِعُوا إِلى‏ أَبِيكُمْ فَقُولُوا يا أَبانا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَ ما شَهِدْنا إِلَّا بِما عَلِمْنا وَ ما كُنَّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ وَ سْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيها وَ الْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنا فِيها

أَيْ أَهْلَ الْقَرْيَةِ وَ أَهْلَ الْعِيرِ

وَ إِنَّا لَصادِقُونَ‏

قَالَ فَرَجَعَ إِخْوَةُ يُوسُفَ إِلَى أَبِيهِمْ وَ تَخَلَّفَ يَهُودَا فَدَخَلَ عَلَى يُوسُفَ وَ كَلَّمَهُ حَتَّى ارْتَفَعَ الْكَلَامُ بَيْنَهُ وَ بَيْنَ يُوسُفَ وَ غَضِبَ وَ كَانَتْ عَلَى كَتِفِ يَهُودَا شَعْرَةٌ فَقَامَتِ الشَّعْرَةُ فَأَقْبَلَتْ تَقْذِفُ بِالدَّمِ وَ كَانَ لَا يَسْكُنُ حَتَّى يَمَسَّهُ بَعْضُ أَوْلَادِ يَعْقُوبَ‏

(4)

قَالَ فَكَانَ بَيْنَ يَدَيِ يُوسُفَ ابْنٌ لَهُ فِي يَدِهِ رُمَّانَةٌ مِنْ ذَهَبٍ يَلْعَبُ بِهَا فَلَمَّا رَأَى يُوسُفُ أَنَّ يَهُودَا قَدْ غَضِبَ وَ قَامَتِ الشَّعْرَةُ تَقْذِفُ بِالدَّمِ أَخَذَ الرُّمَّانَةَ مِنَ الصَّبِيِّ ثُمَّ دَحْرَجَهَا نَحْوَ يَهُودَا وَ تَبِعَهَا الصَّبِيُّ لِيَأْخُذَهَا فَوَقَعَتْ يَدُهُ عَلَى يَدِ يَهُودَا فَذَهَبَ غَضَبُهُ فَارْتَابَ يَهُودَا وَ رَجَعَ الصَّبِيُّ بِالرُّمَّانَةِ إِلَى يُوسُفَ قَالَ ثُمَّ ارْتَفَعَ الْكَلَامُ بَيْنَهُمَا حَتَّى غَضِبَ يَهُودَا وَ قَامَتِ الشَّعْرَةُ تَقْذِفُ بِالدَّمِ فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ يُوسُفُ دَحْرَجَ الرُّمَّانَةَ نَحْوَ يَهُودَا وَ تَبِعَهَا الصَّبِيُّ لِيَأْخُذَهَا فَوَقَعَتْ يَدُهُ عَلَى يَهُودَا

(5)

فَسَكَنَ غَضَبُهُ وَ قَالَ إِنَّ فِي الْبَيْتِ لَمِنْ وُلْدِ يَعْقُوبَ حَتَّى صَنَعَ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ‏

(6)

.

بيان‏ فَلا تَبْتَئِسْ‏ أي لا تحزن افتعال من البؤس قال الطبرسي (رحمه الله) قيل إن‏

____________

(1) في نسخة و المصدر: و كانوا ولد يعقوب.

(2) أي كبيرا في السن او في القدر و المنزلة. منه (قدس سره).

(3) في نسخة: فلما آيسوا منه. و في المصدر: فلما استيأسوا منه.

(4) في نسخة: بعض ولد يعقوب.

(5) في نسخة: فوقعت يده على يده يهودا.

(6) تفسير القمّيّ: 325- 327. م.

241

السقاية هي المشربة التي كان يشرب منها الملك ثم جعل صاعا في السنين الشداد القحاط يكال به الطعام و قيل كان من ذهب عن أبي زيد و روي عن أبي عبد الله(ع)و قيل كان من فضة عن ابن عباس و الحسن و قيل كان من فضة مرصعة بالجواهر عن عكرمة انتهى. (1)

و أما قوله‏ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ‏ فالظاهر أنه كان على وجه المصلحة تورية و كان وجه التورية فيه ما ورد في الأخبار أنه كان غرضه(ع)أنكم سرقتم يوسف من أبيه و قيل إنما قال ذلك بعض من فقد الصاع من قوم يوسف من غير أمره و قيل إن الكلام يجوز أن يكون خارجا مخرج الاستفهام كأنه قال أ إنكم لسارقون فأسقطت الهمزة و الأول هو الموافق لما ورد فيه من الأخبار.

قال الطبرسي (رحمه الله) و متى قيل كيف جاز ليوسف أن يحزن والده و إخوته بهذا الصنيع و يجعلهم متهمين بالسرقة فالجواب أن الغرض فيه التسبب إلى احتباس أخيه عنده و يجوز أن يكون ذلك بأمر من الله و روي أنه أعلم أخاه بذلك ليجعله طريقا إلى التمسك به و إذا كان إدخال هذا الحزن سببا مؤديا إلى إزالة غموم كثيرة عن الجميع و لا شك أنه يتعلق به المصلحة فقد ثبت جوازه و أما التعرض للتهمة بالسرقة فغير صحيح فإن وجود السقاية في رحله يحتمل أمورا كثيرة غير السرقة فعلى هذا من حمله على السرقة مع علمه بأنهم أولاد الأنبياء توجهت اللائمة عليه انتهى.

أقول العمدة في هذا الباب أن بعد ثبوت العصمة بالبراهين القاطعة لا مجال للاعتراض عليهم في أمثال ذلك و لكل منها وجوه و محامل يمكن حمله عليها بحيث لا ينافي علو شأنهم.

قوله‏ قالُوا جَزاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزاؤُهُ‏ أي قال إخوة يوسف جزاء السرقة السارق و هو الإنسان الذي وجد المسروق في رحله و معناه أن السنة كانت في آل يعقوب أن يستخدم السارق و يسترق على قدر سرقته و في دين الملك الضرب و الضمان و قيل كان يسترق سنة و قوله‏ كَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ‏ تأكيد لبيان اطراد هذا الحكم‏

____________

(1) مجمع البيان 5: 252. م.

242

عندهم و قيل إن ذلك جواب يوسف(ع)قوله تعالى‏ ما كانَ لِيَأْخُذَ أَخاهُ‏ قال الرازي المعنى أنه كان حكم الملك في السارق أن يضرب و يغرم ضعفي ما سرق فما كان يوسف قادرا على حبس أخيه عند نفسه بناء على دين الملك و حكمه إلا أن الله تعالى كاد له و أجرى على لسان إخوته أن جزاء السارق هو الاسترقاق و هو معنى قوله‏ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ‏ ثم اعلم أنهم اختلفوا في قوله تعالى‏ قالَ كَبِيرُهُمْ‏ فقيل هو روبيل و كان كبيرهم في السن و قيل شمعون و كان رئيسهم و قيل يهودا و كان كبيرهم في العقل و قيل لاوي و لعله بني الكلام أولا على أحد القولين و ثانيا على القول الآخر و يحتمل أن يكون تخلف يهودا ثم لحقهم‏ (1).

10-

فس، تفسير القمي‏

فَلَمَّا رَجَعُوا

(2)

إِخْوَةُ يُوسُفَ إِلَى أَبِيهِمْ وَ أَخْبَرُوهُ بِخَبَرِ أَخِيهِمْ قَالَ يَعْقُوبُ‏

بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ‏

ثُمَ‏

تَوَلَّى عَنْهُمْ وَ قالَ يا أَسَفى‏ عَلى‏ يُوسُفَ وَ ابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الْحُزْنِ‏

يَعْنِي عَمِيَتْ‏

(3)

مِنَ الْبُكَاءِ

فَهُوَ كَظِيمٌ‏ (4)

أَيْ مَحْزُونٌ وَ الْأَسَفُ أَشَدُّ الْحُزْنِ وَ سُئِلَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)مَا بَلَغَ مِنْ حُزْنِ يَعْقُوبَ عَلَى يُوسُفَ قَالَ حُزْنَ سَبْعِينَ ثَكْلَى بِأَوْلَادِهَا

(5)

وَ قَالَ إِنَّ يَعْقُوبَ لَمْ يَعْرِفِ الِاسْتِرْجَاعَ فَمِنْهَا قَالَ‏

(6)

وَا أَسَفَاهْ عَلَى يُوسُفَ فَقَالُوا لَهُ‏

تَاللَّهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ‏

أَيْ لَا تَفْتَأُ عَنْ ذِكْرِ يُوسُفَ‏

حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً

أَيْ مَيِّتاً

(7) أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهالِكِينَ‏

فَ

قالَ إِنَّما أَشْكُوا بَثِّي وَ حُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَ أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ‏ (8)

.

تفسير بَلْ سَوَّلَتْ‏ أي زينت و سهلت‏ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً أردتموه و قررتموه‏

____________

(1) قوله: «فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ» اى لا ازول عن ارض مصر. منه (رحمه الله).

(2) كذا في المصدر و في نسخ، و في نسخة من الكتاب: فلما رجع.

(3) في نسخة: يعنى عميتا من البكاء.

(4) أي مملوء من الغيظ على أولاده، ممسك له في قلبه لا يظهره. منه (رحمه الله).

(5) في نسخة: على أولادها.

(6) في المصدر: و لذلك قال. و هو الصحيح.

(7) الظاهر بقرينة بعده انه أراد الاشراف على الهلاك.

(8) تفسير القمّيّ: 327- 328. م.

243

و إلا فما أدرى الملك أن السارق يؤخذ بسرقته‏ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ‏ فأمري صبر جميل أو فصبر جميل أجمل‏ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعاً بيوسف و بنيامين و أخيهما الذي توقف بمصر إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ‏ بحالي و حالهم‏ الْحَكِيمُ‏ في تدبيرها وَ تَوَلَّى عَنْهُمْ‏ أي أعرض عنهم كراهة لما صادف منهم‏ وَ قالَ يا أَسَفى‏ عَلى‏ يُوسُفَ‏ أي يا أسف تعال فهذا أوانك و الأسف أشد الحزن و الحسرة و الألف بدل من ياء المتكلم قال‏

-

البيضاوي و في الحديث‏ (1)

لم تعط أمة من الأمم‏

إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ‏

عند المصيبة إلا أمة محمد.

أ لا ترى إلى يعقوب حين أصابه ما أصاب لم يسترجع و قال يا أسفى انتهى. (2)

ثم اعلم أنه اختلف في قوله‏ وَ ابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الْحُزْنِ‏ كما أن الشيعة اختلفوا في أنه هل يجوز على الأنبياء مثل هذا النقص في الخلقة قال الشيخ الطبرسي (رحمه الله) فقيل لا يجوز لأن ذلك ينفر و قيل يجوز أن لا يكون فيه تنفير و يكون بمنزلة سائر العلل و الأمراض انتهى‏ (3) فمن لا يجوز ذلك يقول إنه ما عمي و لكنه صار بحيث يدرك إدراكا ضعيفا أو يؤول بأن المراد أنه غلبه البكاء و عند غلبة البكاء يكثر الماء في العين فتصير العين كأنها ابيضت من بياض ذلك الماء و من يجوز ذلك يحملها على ظاهرها و الحق أنه لم يقم دليل على امتناع ذلك حتى نحتاج إلى تأويل الآيات و الأخبار الدالة على حصوله على أنه يحتمل أن يكون على وجه لا يكون نقص فيه و عيب في ظاهر الخلقة و الأنبياء(ع)يبصرون بقلوبهم ما يبصر غيرهم بعينه.

قال البيضاوي في قوله تعالى‏ تَاللَّهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ‏ أي لا تفتأ و لا تزال تذكره تفجعا عليه فحذف لا حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً مشفيا على الهلاك و قيل الحرض الذي أذابه هم أو مرض‏ أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهالِكِينَ‏ من الميتين‏ قالَ إِنَّما أَشْكُوا بَثِّي‏ أي همي الذي لا أقدر الصبر عليه من البث بمعنى النشر انتهى. (4)

____________

(1) قال الطبرسيّ: روى عن ابن جبير انه قال: لقد اعطيت هذه الأمة عند المصيبة ما لم يعط الأنبياء قبلهم: «إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ» و لو اعطيها انبياء لاعطيها يعقوب إذ يقول: يا اسفا على يوسف. منه (رحمه الله).

(2) أنوار التنزيل 1: 235. م.

(3) مجمع البيان: 257. م.

(4) أنوار التنزيل 1: 235. م.

244

أقول على ما فسر علي بن إبراهيم الحرض لعله حمل الهلاك على الهلاك المعنوي بترك الصبر (1).

11-

فس، تفسير القمي حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ حَنَانِ بْنِ سَدِيرٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)قَالَ:

قُلْتُ لَهُ أَخْبِرْنِي عَنْ يَعْقُوبَ حِينَ قَالَ لِوُلْدِهِ‏

اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَ أَخِيهِ‏

أَ كَانَ عَلِمَ أَنَّهُ حَيٌّ وَ قَدْ فَارَقَهُ مُنْذُ عِشْرِينَ سَنَةً وَ ذَهَبَتْ عَيْنَاهُ‏

(2)

عَلَيْهِ مِنَ الْبُكَاءِ قَالَ نَعَمْ عَلِمَ أَنَّهُ حَيٌّ حَتَّى إِنَّهُ دَعَا رَبَّهُ فِي السَّحَرِ أَنْ يَهْبِطَ عَلَيْهِ مَلَكُ الْمَوْتِ فَهَبَطَ عَلَيْهِ مَلَكُ الْمَوْتِ بِأَطْيَبِ رَائِحَةٍ

(3)

وَ أَحْسَنِ صُورَةٍ فَقَالَ لَهُ مَنْ أَنْتَ قَالَ أَنَا مَلَكُ الْمَوْتِ أَ لَيْسَ سَأَلْتَ اللَّهَ أَنْ يُنْزِلَنِي عَلَيْكَ قَالَ نَعَمْ قَالَ مَا حَاجَتُكَ يَا يَعْقُوبُ قَالَ لَهُ أَخْبِرْنِي عَنِ الْأَرْوَاحِ تَقْبِضُهَا جُمْلَةً أَوْ تَفَارِيقاً قَالَ تَقْبِضُهَا أَعْوَانِي مُتَفَرِّقَةً وَ تُعْرَضُ عَلَيَّ مُجْتَمِعَةً قَالَ يَعْقُوبُ فَأَسْأَلُكَ بِإِلَهِ إِبْرَاهِيمَ وَ إِسْحَاقَ وَ يَعْقُوبَ هَلْ عُرِضَ عَلَيْكَ فِي الْأَرْوَاحِ رُوحُ يُوسُفَ فَقَالَ لَا فَعِنْدَ ذَلِكَ عَلِمَ أَنَّهُ حَيٌّ فَقَالَ لِوُلْدِهِ‏

اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا (4) مِنْ يُوسُفَ وَ أَخِيهِ وَ لا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكافِرُونَ‏

وَ كَتَبَ عَزِيزُ مِصْرَ

(5)

إِلَى يَعْقُوبَ أَمَّا بَعْدُ فَهَذَا ابْنُكَ اشْتَرَيْتُهُ‏

(6)

بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ وَ هُوَ يُوسُفُ وَ اتَّخَذْتُهُ عَبْداً وَ هَذَا ابْنُكَ بِنْيَامِينُ قَدْ سَرَقَ وَ أَخَذْتُهُ فَقَدْ وَجَدْتُ مَتَاعِي عِنْدَهُ وَ اتَّخَذْتُهُ عَبْداً فَمَا وَرَدَ عَلَى يَعْقُوبَ شَيْ‏ءٌ كَانَ أَشَدَّ عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ الْكِتَابِ فَقَالَ لِلرَّسُولِ مَكَانَكَ حَتَّى أُجِيبَهُ فَكَتَبَ إِلَيْهِ يَعْقُوبُ(ع)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مِنْ يَعْقُوبَ إِسْرَائِيلِ اللَّهِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلِ اللَّهِ أَمَّا بَعْدُ فَقَدْ فَهِمْتُ كِتَابَكَ تَذْكُرُ فِيهِ أَنَّكَ اشْتَرَيْتَ ابْنِي وَ اتَّخَذْتَهُ عَبْداً وَ أَنَّ الْبَلَاءَ مُوَكَّلٌ بِبَنِي آدَمَ‏

____________

(1) لا يحتاج إلى حمله على ذلك بعد ما عرفت انه أراد الاشراف و الاشفاء.

(2) في نسخة: و ذهب عيناه.

(3) في نسخة: فى اطيب رائحة.

(4) أي تجسسوا و تتبعوا خبر يوسف.

(5) لعل المراد ان يوسف كتب ذلك، و كان عنوان الكتاب: من عزيز مصر إلى يعقوب. و يأتي بعد ذلك «فلما ورد الكتاب إلى يوسف» و بالجملة فلا يخلو عن اشكال.

(6) في نسخة: قد اشتريته.

245

إِنَّ جَدِّي إِبْرَاهِيمَ أَلْقَاهُ نُمْرُودُ مَلِكُ الدُّنْيَا فِي النَّارِ فَلَمْ يَحْتَرِقْ وَ جَعَلَهَا اللَّهُ عَلَيْهِ بَرْداً وَ سَلَاماً وَ إِنَّ أَبِي إِسْحَاقَ أَمَرَ اللَّهُ جَدِّي أَنْ يَذْبَحَهُ بِيَدِهِ فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَذْبَحَهُ فَدَاهُ اللَّهُ بِكَبْشٍ عَظِيمٍ وَ إِنَّهُ كَانَ لِي وَلَدٌ لَمْ يَكُنْ فِي الدُّنْيَا أَحَدٌ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْهُ وَ كَانَ قُرَّةَ عَيْنِي وَ ثَمَرَةَ فُؤَادِي فَأَخْرَجُوهُ إِخْوَتُهُ ثُمَّ رَجَعُوا إِلَيَّ وَ زَعَمُوا أَنَّ الذِّئْبَ أَكَلَهُ فَاحْدَوْدَبَ‏

(1)

لِذَلِكَ ظَهْرِي وَ ذَهَبَ مِنْ كَثْرَةِ الْبُكَاءِ عَلَيْهِ بَصَرِي وَ كَانَ لَهُ أَخٌ مِنْ أُمِّهِ كُنْتُ آنَسُ بِهِ فَخَرَجَ مَعَ إِخْوَتِهِ إِلَى مَا قِبَلَكَ لِيَمْتَارُوا لَنَا طَعَاماً فَرَجَعُوا إِلَيَّ وَ ذَكَرُوا أَنَّهُ سَرَقَ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَ قَدْ حَبَسْتَهُ وَ إِنَّا أَهْلُ بَيْتٍ لَا يَلِيقُ بِنَا السَّرَقُ وَ لَا الْفَاحِشَةُ وَ أَنَا أَسْأَلُكَ بِإِلَهِ إِبْرَاهِيمَ وَ إِسْحَاقَ وَ يَعْقُوبَ إِلَّا مَنَنْتَ عَلَيَّ بِهِ وَ تَقَرَّبْتَ إِلَى اللَّهِ وَ رَدَدْتَهُ إِلَيَّ فَلَمَّا وَرَدَ الْكِتَابُ إِلَى يُوسُفَ‏

(2)

أَخَذَهُ وَ وَضَعَهُ عَلَى وَجْهِهِ وَ قَبَّلَهُ وَ بَكَى بُكَاءً شَدِيداً ثُمَّ نَظَرَ إِلَى إِخْوَتِهِ فَقَالَ لَهُمْ‏

هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَ أَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جاهِلُونَ‏ (3)

فَ

قالُوا أَ إِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ‏ (4) قالَ أَنَا يُوسُفُ وَ هذا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَ يَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ‏

فَقَالُوا لَهُ كَمَا حَكَى اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَ‏

لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا وَ إِنْ كُنَّا لَخاطِئِينَ قالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ‏

أَيْ لَا تَخْلِيطَ

يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَ هُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ‏

قَالَ فَلَمَّا وَلَّى الرَّسُولُ إِلَى الْمَلِكِ بِكِتَابِ يَعْقُوبَ رَفَعَ يَعْقُوبُ يَدَهُ إِلَى السَّمَاءِ

(5)

فَقَالَ يَا حَسَنَ الصُّحْبَةِ يَا كَرِيمَ الْمَعُونَةِ يَا خَيْرَ إِلَهٍ ائْتِنِي بِرَوْحٍ مِنْكَ‏

(6)

وَ فَرَجٍ مِنْ عِنْدِكَ فَهَبَطَ جَبْرَئِيلُ عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُ يَا يَعْقُوبُ أَ لَا أُعَلِّمُكَ دَعَوَاتٍ يَرُدَّ اللَّهُ عَلَيْكَ بَصَرَكَ وَ ابْنَيْكَ‏

____________

(1) أي صار أحدب. و هو من خرج ظهره و دخل صدره و بطنه.

(2) في نسخة: فلما ورد الكتاب على يوسف.

(3) أي شبان أو صبيان، فكان تلقينا لهم كيف يعتذرون، و روى عن الصادق (عليه السلام): كل ذنب عمله العبد و ان كان عالما فهو جاهل حين خاطر بنفسه معصية ربّه، فقد حكى اللّه سبحانه قول يوسف لاخوته: «هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَ أَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جاهِلُونَ» فنسبهم الى الجهل لمخاطرتهم بأنفسهم في معصية اللّه. منه طاب اللّه ثراه.

(4) قيل: إنّه (عليه السلام) تبسم فلما أبصروا ثناياه و كانت كاللؤلؤ المنظوم شبهوه بيوسف، عن ابن عبّاس؛ و قيل: رفع التاج عن رأسه فعرفوه. منه (رحمه الله).

(5) في نسخة: رفع يعقوب يديه الى السماء.

(6) في نسخة و في المصدر: يا خيرا كله ائتنى بروح منك.

246

قَالَ نَعَمْ قَالَ قُلْ يَا مَنْ لَمْ يَعْلَمْ أَحَدٌ كَيْفَ هُوَ إِلَّا هُوَ يَا مَنْ سَدَّ السَّمَاءَ بِالْهَوَاءِ وَ كَبَسَ الْأَرْضَ‏

(1)

عَلَى الْمَاءِ وَ اخْتَارَ لِنَفْسِهِ أَحْسَنَ الْأَسْمَاءِ ائْتِنِي بِرَوْحٍ مِنْكَ وَ فَرَجٍ مِنْ عِنْدِكَ قَالَ فَمَا انْفَجَرَ عَمُودُ الصُّبْحِ حَتَّى أُتِيَ بِالْقَمِيصِ فَطُرِحَ عَلَيْهِ وَ رَدَّ اللَّهُ‏

(2)

عَلَيْهِ بَصَرَهُ وَ وُلْدَهُ‏

(3)

.

بيان: قال الطبرسي التثريب التوبيخ يقال ثرب و أثرب عن ابن الأعرابي و قيل التثريب اللوم و الإفساد و التقرير بالذنب قال أبو عبيدة و أصله الإفساد و قال تغلب‏ (4) ثرب فلان على فلان أي عدد عليه ذنوبه و قال أبو مسلم هو مأخوذ من الثرب و هو شحم الجوف فكأنه موضوع للمبالغة في اللوم و التعنيف و البلوغ بذلك إلى أقصى غاياته انتهى. (5)

أقول لعل مراده بالتخليط ما يرجع إلى الإفساد (6).

12-

فس، تفسير القمي‏

وَ قَالَ وَ لَمَّا أَمَرَ الْمَلِكُ بِحَبْسِ يُوسُفَ فِي السِّجْنِ أَلْهَمَهُ اللَّهُ تَأْوِيلَ الرُّؤْيَا فَكَانَ يُعَبِّرُ لِأَهْلِ السِّجْنِ فَلَمَّا سَأَلَاهُ الْفَتَيَانِ الرُّؤْيَا وَ عَبَّرَ لَهُمَا وَ قَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ وَ لَمْ يَفْزَعْ فِي تِلْكَ الْحَالِ إِلَى اللَّهِ فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ مَنْ أَرَاكَ الرُّؤْيَا الَّتِي رَأَيْتَهَا قَالَ يُوسُفُ أَنْتَ يَا رَبِّ قَالَ فَمَنْ حَبَّبَكَ إِلَى أَبِيكَ قَالَ أَنْتَ يَا رَبِّ قَالَ فَمَنْ وَجَّهَ إِلَيْكَ السَّيَّارَةَ الَّتِي رَأَيْتَهَا قَالَ أَنْتَ يَا رَبِّ قَالَ فَمَنْ عَلَّمَكَ الدُّعَاءَ الَّذِي دَعَوْتَ بِهِ حَتَّى جَعَلْتُ لَكَ مِنَ الْجُبِّ فَرَجاً قَالَ أَنْتَ يَا رَبِّ قَالَ فَمَنْ أَنْطَقَ لِسَانَ الصَّبِيِّ بِعُذْرِكَ قَالَ أَنْتَ يَا رَبِّ قَالَ فَمَنْ أَلْهَمَكَ تَأْوِيلَ الرُّؤْيَا قَالَ أَنْتَ يَا رَبِّ قَالَ فَكَيْفَ اسْتَعَنْتَ بِغَيْرِي وَ لَمْ تَسْتَعِنْ بِي وَ أَمَّلْتَ عَبْداً مِنْ عَبِيدِي لِيَذْكُرَكَ إِلَى مَخْلُوقٍ مِنْ خَلْقِي وَ فِي قَبْضَتِي وَ لَمْ تَفْزَعْ إِلَيَّ الْبَثْ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ فَقَالَ يُوسُفُ أَسْأَلُكَ بِحَقِّ آبَائِي عَلَيْكَ إِلَّا فَرَّجْتَ عَنِّي فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ يَا يُوسُفُ وَ أَيُّ حَقٍّ لِآبَائِكَ عَلَيَّ إِنْ كَانَ أَبُوكَ آدَمُ خَلَقْتُهُ‏

____________

(1) كبس على الشي‏ء: شد و ضغط. كبس على الشي‏ء: اقتحم عليه.

(2) في نسخة: فرد اللّه عليه.

(3) تفسير القمّيّ: 328- 329. م.

(4) في المصدر و في نسخة: و قال ثعلب.

(5) مجمع البيان 5: 260. م.

(6) و منه قول الفيروزآبادي: الشراب: المخلط المفسد.

247

بِيَدِي وَ نَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي وَ أَسْكَنْتُهُ جَنَّتِي وَ أَمَرْتُهُ أَنْ لَا يَقْرَبَ شَجَرَةً مِنْهَا فَعَصَانِي وَ سَأَلَنِي فَتُبْتُ عَلَيْهِ وَ إِنْ كَانَ أَبُوكَ نوح [نُوحاً انْتَجَبْتُهُ مِنْ بَيْنِ خَلْقِي وَ جَعَلْتُهُ رَسُولًا إِلَيْهِمْ فَلَمَّا عَصَوْا وَ دَعَانِي فَاسْتَجَبْتُ لَهُ وَ غَرَّقْتُهُمْ وَ أَنْجَيْتُهُ وَ مَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَ إِنْ كَانَ أَبُوكَ إِبْرَاهِيمَ اتَّخَذْتُهُ خَلِيلًا وَ أَنْجَيْتُهُ مِنَ النَّارِ وَ جَعَلْتُهَا عَلَيْهِ بَرْداً وَ سَلَاماً وَ إِنْ كَانَ أَبُوكَ يَعْقُوبَ وَهَبْتُ لَهُ اثْنَيْ عَشَرَ وَلَداً فَغَيَّبْتُ عَنْهُ وَاحِداً فَمَا زَالَ يَبْكِي حَتَّى ذَهَبَ بَصَرُهُ وَ قَعَدَ عَلَى الطَّرِيقِ‏

(1)

يَشْكُونِي إِلَى خَلْقِي فَأَيُّ حَقٍّ لِآبَائِكَ عَلَيَّ قَالَ فَقَالَ لَهُ جَبْرَئِيلُ قُلْ يَا يُوسُفُ أَسْأَلُكَ بِمَنِّكَ الْعَظِيمِ وَ إِحْسَانِكَ الْقَدِيمِ وَ لُطْفِكَ الْعَمِيمِ يَا رَحْمَانُ يَا رَحِيمُ فَقَالَهَا فَرَأَى الْمَلِكُ الرُّؤْيَا فَكَانَ فَرَجُهُ فِيهَا.

وَ حَدَّثَنِي أَبِي عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ هِلَالٍ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ الرِّضَا(ع)قَالَ:

قَالَ السَّجَّانُ لِيُوسُفَ إِنِّي لَأُحِبُّكَ فَقَالَ يُوسُفُ مَا أَصَابَنِي إِلَّا مِنَ الْحُبِّ إِنْ كَانَ خَالَتِي أَحَبَّتْنِي سَرَّقَتْنِي-

(2)

وَ إِنْ كَانَ أَبِي أَحَبَّنِي فَحَسَدُونِي إِخْوَتِي وَ إِنْ كَانَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ أَحَبَّتْنِي فَحَبَسَتْنِي قَالَ وَ شَكَا يُوسُفُ فِي السِّجْنِ إِلَى اللَّهِ فَقَالَ يَا رَبِّ بِمَا ذَا اسْتَحْقَقْتُ السِّجْنَ فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ أَنْتَ اخْتَرْتَهُ حِينَ قُلْتَ‏

رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ‏

هَلَّا قُلْتَ الْعَافِيَةُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ‏

(3)

.

شي، تفسير العياشي عن العباس‏ مثله‏ (4) بيان سرقتني بتشديد الراء قال الفيروزآبادي التسريق النسبة إلى السرقة.

13-

فس، تفسير القمي حَدَّثَنِي أَبِي عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مَحْبُوبٍ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عُمَارَةَ عَنْ أَبِي سَيَّارٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ:

لَمَّا طَرَحَ إِخْوَةُ يُوسُفَ يُوسُفَ فِي الْجُبِّ دَخَلَ عَلَيْهِ‏

____________

(1) في نسخة: و قعد في الطريق يشكونى.

(2) في نسخة: ان كان عمتى أحبتنى سرقتنى. و هو الصحيح، و قصتها مذكورة في تاريخ الطبريّ و غيره.

(3) تفسير القمّيّ: 330. م.

(4) مخطوط. م.

248

جَبْرَئِيلُ وَ هُوَ فِي الْجُبِّ فَقَالَ يَا غُلَامُ مَنْ طَرَحَكَ فِي هَذَا الْجُبِّ فَقَالَ لَهُ يُوسُفُ إِخْوَتِي لِمَنْزِلَتِي مِنْ أَبِي حَسَدُونِي وَ لِذَلِكَ فِي الْجُبِّ طَرَحُونِي‏

(1)

قَالَ فَتُحِبُّ أَنْ تَخْرُجَ مِنْهَا فَقَالَ لَهُ يُوسُفُ ذَاكَ إِلَى إِلَهِ إِبْرَاهِيمَ وَ إِسْحَاقَ وَ يَعْقُوبَ قَالَ فَإِنَّ إِلَهَ إِبْرَاهِيمَ وَ إِسْحَاقَ وَ يَعْقُوبَ يَقُولُ لَكَ قُلِ اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِأَنَّ (فَإِنَّ) لَكَ الْحَمْدَ كُلَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ الْحَنَّانُ الْمَنَّانُ‏

بَدِيعُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ‏ ذُو الْجَلالِ وَ الْإِكْرامِ‏

صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَ آلِ مُحَمَّدٍ وَ اجْعَلْ لِي مِنْ أَمْرِي فَرَجاً وَ مَخْرَجاً وَ ارْزُقْنِي مِنْ حَيْثُ أَحْتَسِبُ وَ مِنْ حَيْثُ لَا أَحْتَسِبُ فَدَعَا رَبَّهُ فَجَعَلَ اللَّهُ لَهُ مِنَ الْجُبِّ فَرَجاً وَ مِنْ كَيْدِ المَرْأَةِ مَخْرَجاً وَ أَعْطَاهُ مُلْكَ مِصْرَ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبْ‏

(2)

.

ص، قصص الأنبياء (عليهم السلام) بالإسناد إلى الصدوق بإسناده إلى ابن محبوب‏ مثله‏ (3)- شي، تفسير العياشي عن أبي سيار مثله‏ (4).

14-

فس، تفسير القمي‏

وَ أَمَّا قَوْلُهُ‏

اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هذا فَأَلْقُوهُ عَلى‏ وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيراً وَ أْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ‏ (5)

.

فَإِنَّهُ حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ عَلِيِّ بْنِ مَهْزِيَارَ عَنْ إِسْمَاعِيلَ السَّرَّاجِ عَنْ يُونُسَ بْنِ يَعْقُوبَ عَنْ مُفَضَّلٍ الْجُعْفِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ:

قَالَ أَخْبِرْنِي مَا كَانَ قَمِيصُ يُوسُفَ قُلْتُ لَا أَدْرِي قَالَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَمَّا أُوقِدَتْ لَهُ النَّارُ أَتَاهُ جَبْرَئِيلُ بِثَوْبٍ مِنْ ثِيَابِ الْجَنَّةِ فَأَلْبَسَهُ إِيَّاهُ فَلَمْ يَضُرَّهُ مَعَهُ حَرٌّ وَ لَا بَرْدٌ فَلَمَّا حَضَرَ إِبْرَاهِيمَ الْمَوْتُ جَعَلَهُ فِي تَمِيمَةٍ

(6)

وَ عَلَّقَهُ عَلَى إِسْحَاقَ وَ عَلَّقَهُ إِسْحَاقُ عَلَى يَعْقُوبَ فَلَمَّا وُلِدَ لِيَعْقُوبَ يُوسُفُ عَلَّقَهُ‏

____________

(1) في نسخة: فلذلك في الجب طرحونى.

(2) تفسير القمّيّ: 330- 331 و في نسخة: من حيث لن يحتسب: و في أخرى: من حيث لا يحتسب.

(3) مخطوط. قال المصنّف في هامش الكتاب: روى الطبرسيّ من كتاب النبوّة للصدوق بإسناده عن ابن محبوب مثله.

(4) مخطوط.

(5) قال الطبرسيّ: قيل ان يوسف قال: انما يذهب بقميصى من ذهب به أولا، فقال يهودا:

أنا ذهبت به و هو ملطخ بالدم، قال: فاذهب بهذا أيضا و أخبره أنّه حى و أفرحه كما أحزنته، فحمل القميص و خرج حافيا حاسرا حتّى أتاه و كان معه سبعة أرغفة، و كانت المسافة ثمانين فرسخا، فلم يستوف الا ارغفة في الطريق. منه (رحمه الله).

(6) التميمة: خرزة أو ما يشبهها، كان الاعراب يضعونها على أولادهم للوقاية من العين و دفع الأرواح.

249

عَلَيْهِ فَكَانَ فِي عُنُقِهِ حَتَّى كَانَ مِنْ أَمْرِهِ مَا كَانَ فَلَمَّا أَخْرَجَ يُوسُفُ الْقَمِيصَ مِنَ التَّمِيمَةِ وَجَدَ يَعْقُوبُ رِيحَهُ وَ هُوَ قَوْلُهُ‏

إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْ لا أَنْ تُفَنِّدُونِ‏

وَ هُوَ ذَلِكَ الْقَمِيصُ الَّذِي أُنْزِلَ مِنَ الْجَنَّةِ قُلْتُ لَهُ جُعِلْتُ فِدَاكَ فَإِلَى مَنْ صَارَ ذَلِكَ الْقَمِيصُ فَقَالَ إِلَى أَهْلِهِ ثُمَّ قَالَ كُلُّ نَبِيٍّ وَرِثَ عِلْماً أَوْ غَيْرَهُ فَقَدِ انْتَهَى إِلَى مُحَمَّدٍ وَ كَانَ يَعْقُوبُ بِفِلَسْطِينَ وَ فَصَلَتِ الْعِيرُ مِنْ مِصْرَ فَوَجَدَ يَعْقُوبُ رِيحَهُ وَ هُوَ مِنْ ذَلِكَ الْقَمِيصِ الَّذِي أُخْرِجَ مِنَ الْجَنَّةِ وَ نَحْنُ وَرَثَتُهُ‏

(1)

.

شي، تفسير العياشي عن المفضل‏ مثله‏ (2)- ع، علل الشرائع المظفر عن ابن العياشي عن أبيه عن محمد بن نصير عن ابن عيسى عن ابن معروف عن ابن مهزيار مثله‏ (3)- ك، إكمال الدين ماجيلويه عن محمد العطار عن ابن أبان عن ابن أورمة عن محمد بن إسماعيل عن السراج‏ مثله‏ (4) بيان قصة القميص على ما ورد في الخبر ذكرها العامة و الخاصة بطرق كثيرة و قال الطبرسي (رحمه الله) قوله‏ لَوْ لا أَنْ تُفَنِّدُونِ‏ معناه لو لا أن تسفهوني عن ابن عباس و مجاهد و قيل لو لا أن تضعفوني في الرأي عن ابن إسحاق و قيل لو لا أن تكذبوني و الفند الكذب عن سعيد بن جبير و السدي و الضحاك و روي ذلك أيضا عن ابن عباس و قيل لو لا أن تهرموني عن الحسن و قتادة (5).

15-

فس، تفسير القمي أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ عَنْ أَبِيهِ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ بِنْتِ إِلْيَاسَ وَ إِسْمَاعِيلَ بْنِ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ(ع)قَالَ:

كَانَتِ الْحُكُومَةُ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذَا سَرَقَ أَحَدٌ شَيْئاً اسْتُرِقَّ بِهِ وَ كَانَ يُوسُفُ عِنْدَ عَمَّتِهِ وَ هُوَ صَغِيرٌ وَ كَانَتْ تُحِبُّهُ وَ كَانَتْ لِإِسْحَاقَ مِنْطَقَةٌ

____________

(1) تفسير القمّيّ: 331 قال الطبرسيّ (رحمه الله): قال ابن عبّاس: هاجت ريح فحملت ريح قميص يوسف الى يعقوب، و ذكر في القصة أن الصبا استأذنت ربها في أن تأتي يعقوب بريح يوسف قيل أن يأتيه البشير بالقميص فاذن لها فأتته بها، و لذلك يستروح كل محزون بريح الصبا، و قد أكثر الشعراء من ذكرها. منه (رحمه الله).

(2) مخطوط. م.

(3) علل الشرائع: 29. م.

(4) كمال الدين: 85. و بينهما اختلاف يسير. م.

(5) مجمع البيان 5: 263. م.

250

أَلْبَسَهَا يَعْقُوبَ وَ كَانَتْ عِنْدَ أُخْتِهِ وَ إِنَّ يَعْقُوبَ طَلَبَ يُوسُفَ لِيَأْخُذَهُ مِنْ عَمَّتِهِ فَاغْتَمَّتْ لِذَلِكَ وَ قَالَتْ دَعْهُ حَتَّى أُرْسِلَهُ إِلَيْكَ وَ أَخَذَتِ الْمِنْطَقَةَ وَ شَدَّتْ بِهَا وَسْطَهُ تَحْتَ الثِّيَابِ فَلَمَّا أَتَى يُوسُفُ أَبَاهُ جَاءَتْ وَ قَالَتْ قَدْ سُرِقَتِ الْمِنْطَقَةُ

(1)

فَفَتَّشَتْهُ فَوَجَدَتْهَا مَعَهُ فِي وَسْطِهِ فَلِذَلِكَ قَالَتْ إِخْوَةُ يُوسُفَ لَمَّا حَبَسَ يُوسُفُ أَخَاهُ حَيْثُ جَعَلَ الصَّاعَ فِي وِعَاءِ أَخِيهِ فَقَالَ يُوسُفُ مَا جَزَاءُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ قَالُوا هُوَ جَزَاؤُهُ السُّنَّةُ الَّتِي تَجْرِي فِيهِمْ فَلِذَلِكَ قَالَ إِخْوَةُ يُوسُفَ‏

إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ فَأَسَرَّها يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَ لَمْ يُبْدِها لَهُمْ‏ (2)

.

ع، علل الشرائع ن، عيون أخبار الرضا (عليه السلام) المظفر العلوي عن ابن العياشي عن أبيه عن عبد الله بن محمد بن خالد عن الوشاء مثله‏ (3)- شي، تفسير العياشي عن الوشاء بسندين‏ مثله‏ (4).

16-

فس، تفسير القمي قَالَ عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ‏

ثُمَّ رَحَلَ يَعْقُوبُ‏

(5)

وَ أَهْلُهُ مِنَ الْبَادِيَةِ بَعْدَ مَا رَجَعَ إِلَيْهِ بَنُوهُ بِالْقَمِيصِ فَأَلْقَوْهُ‏

عَلى‏ وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيراً

فَقَالَ لَهُمْ‏

أَ لَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ قالُوا

لَهُ‏

يا أَبانَا اسْتَغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا إِنَّا كُنَّا خاطِئِينَ‏

فَقَالَ لَهُمْ‏

سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ‏

قَالَ أَخَّرَهُمْ إِلَى السَّحَرِ لِأَنَّ الدُّعَاءَ وَ الِاسْتِغْفَارَ مُسْتَجَابٌ فِيهِ‏

(6)

فَلَمَّا وَافَى يَعْقُوبُ وَ أَهْلُهُ وَ وُلْدُهُ مِصْرَ قَعَدَ يُوسُفُ عَلَى سَرِيرِهِ‏

____________

(1) في نسخة: قد سرق المنطقة.

(2) تفسير القمّيّ: 331- 332. م.

(3) علل الشرائع: 28- 29. عيون الأخبار: 232. م.

(4) مخطوط. م.

(5) قال الطبرسيّ (رحمه الله): قيل: إن يوسف (عليه السلام) بعث مع البشير مائتي راحلة ما يحتاج إليه في السفر، و سألهم أن يأتوه بأهلهم أجمعين، فلما دنا يعقوب من مصر تلقاه يوسف في الجند و أهل مصر، فقال يعقوب: يا يهودا هذا فرعون مصر؟ قال: لا هذا ابنك فتلاقيا، قال الكلبى: على يوم من مصر فلما دنا كل واحد منهما من صاحبه بدأ يعقوب بالسلام فقال: السلام عليك يا مذهب الاحزان. و قال وهب: إنهم دخلوا مصر و هم ثلاثة و سبعون إنسانا، و خرجوا مع موسى (عليه السلام) و هم ستمائة ألف و خمسمائة و بضع و سبعون رجلا، و كان بين يوسف و موسى أربعمائة سنة. منه (رحمه الله).

(6) قال الطبرسيّ (رحمه الله): قيل: إنّه كان يستغفر لهم كل ليلة جمعة في نيف و عشرين سنة و قيل: إنّه كان يقوم و يصفّ أولاده خلفه عشرين سنة و يدعو و يؤمنون على دعائه و استغفاره لهم حتى نزل قبول توبتهم. منه (قدس سره).