بحار الأنوار - ج12

- العلامة المجلسي المزيد...
393 /
351

الْبَلَاءَ

(1)

فَابْتَلَيْتَهُ كَيْفَ صَبْرُهُ فَسَلَّطَهُ عَلَى إِبِلِهِ وَ رَقِيقِهِ فَلَمْ يَتْرُكْ لَهُ شَيْئاً غَيْرَ غُلَامٍ وَاحِدٍ فَأَتَاهُ الْغُلَامُ فَقَالَ يَا أَيُّوبُ مَا بَقِيَ مِنْ إِبِلَكَ وَ لَا مِنْ رَقِيقِكَ أَحَدٌ إِلَّا وَ قَدْ مَاتَ فَقَالَ أَيُّوبُ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَعْطَاهُ وَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَخَذَهُ فَقَالَ الشَّيْطَانُ إِنَّ خَيْلَهُ أَعْجَبُ إِلَيْهِ فَسَلَّطَ عَلَيْهَا فَلَمْ يَبْقَ مِنْهَا شَيْ‏ءٌ إِلَّا هَلَكَ فَقَالَ أَيُّوبُ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَعْطَى وَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَخَذَ وَ كَذَلِكَ بِبَقَرِهِ وَ غَنَمِهِ وَ مَزَارِعِهِ وَ أَرْضِهِ وَ أَهْلِهِ وَ وُلْدِهِ حَتَّى مَرِضَ مَرَضاً شَدِيداً فَأَتَاهُ أَصْحَابٌ لَهُ فَقَالُوا يَا أَيُّوبُ مَا كَانَ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ فِي أَنْفُسِنَا وَ لَا خَيْرٌ عَلَانِيَةً خَيْراً عِنْدَنَا مِنْكَ فَلَعَلَّ هَذَا الشَّيْ‏ءَ

(2)

كُنْتَ أَسْرَرْتَهُ فِيمَا بَيْنَكَ وَ بَيْنَ رَبِّكَ لَمْ تُطْلِعْ عَلَيْهِ أَحَداً فَابْتَلَاكَ اللَّهُ مِنْ أَجْلِهِ فَجَزِعَ جَزَعاً شَدِيداً وَ دَعَا رَبَّهُ فَشَفَاهُ اللَّهُ تَعَالَى وَ رَدَّ عَلَيْهِ مَا كَانَ لَهُ مِنْ قَلِيلٍ أَوْ كَثِيرٍ فِي الدُّنْيَا قَالَ وَ سَأَلْتُهُ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى‏

وَ وَهَبْنا لَهُ أَهْلَهُ وَ مِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً

فَقَالَ الَّذِينَ كَانُوا مَاتُوا

(3)

.

20-

ل، الخصال ع، علل الشرائع ن، عيون أخبار الرضا (عليه السلام)

فِي أَسْئِلَةِ الشَّامِيِّ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)أَنَّهُ قَالَ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ يَعْنِي آخِرَ الشَّهْرِ ابْتَلَى اللَّهُ أَيُّوبَ بِذَهَابِ مَالِهِ وَ وُلْدِهِ‏

(4)

.

21-

ص، قصص الأنبياء (عليهم السلام) بِالْإِسْنَادِ إِلَى الصَّدُوقِ عَنِ ابْنِ الْوَلِيدِ عَنِ الصَّفَّارِ عَنِ ابْنِ يَزِيدَ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ سَالِمٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ:

لَمَّا طَالَ بَلَاءُ أَيُّوبَ وَ رَأَى إِبْلِيسُ صَبْرَهُ أَتَى إِلَى أَصْحَابٍ لَهُ كَانُوا رُهْبَاناً فِي الْجِبَالِ فَقَالَ لَهُمْ مُرُّوا بِنَا إِلَى هَذَا الْعَبْدِ الْمُبْتَلَى نَسْأَلْهُ عَنْ بَلِيَّتِهِ قَالَ فَرَكِبُوا وَ جَاءُوهُ فَلَمَّا قَرُبُوا مِنْهُ نَفَرَتْ بِغَالُهُمْ فَقَرَّبُوهَا بَعْضاً إِلَى بَعْضٍ ثُمَّ مَشَوْا إِلَيْهِ وَ كَانَ فِيهِمْ شَابٌّ حَدَثٌ فَسَلَّمُوا عَلَى أَيُّوبَ وَ قَعَدُوا وَ قَالُوا يَا أَيُّوبُ لَوْ أَخْبَرْتَنَا بِذَنْبِكَ فَلَا نَرَى تُبْتَلَى بِهَذَا الْبَلَاءِ إِلَّا لِأَمْرٍ كُنْتَ تُسِرُّهُ قَالَ أَيُّوبُ(ع)وَ عِزَّةِ رَبِّي إِنَّهُ لَيَعْلَمُ أَنِّي مَا أَكَلْتُ طَعَاماً قَطُّ إِلَّا وَ مَعِيَ يَتِيمٌ أَوْ ضَعِيفٌ يَأْكُلُ مَعِي وَ مَا عَرَضَ لِي أَمْرَانِ كِلَاهُمَا طَاعَةٌ إِلَّا أَخَذْتُ بِأَشَدِّهِمَا عَلَى بَدَنِي فَقَالَ الشَّابُّ سَوْءَةً لَكُمْ عَمَدْتُمْ إِلَى نَبِيِّ اللَّهِ فَعَنَّفْتُمُوهُ حَتَّى أَظْهَرَ مِنْ عِبَادَةِ رَبِّهِ مَا كَانَ يَسْتُرُهُ فَعِنْدَ ذَلِكَ دَعَا رَبَّهُ وَ قَالَ رَبِّ إِنِّي‏

مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وَ عَذابٍ‏

وَ قَالَ قِيلَ‏

____________

(1) في نسخة: لو صببت عليه البلاء.

(2) في نسخة: فلعل هذا الشي‏ء.

(3) مخطوط. م.

(4) الخصال ج 2: 28، علل الشرائع: 199، عيون الأخبار: 137. م.

352

لِأَيُّوبَ(ع)بَعْدَ مَا عَافَاهُ اللَّهُ تَعَالَى أَيُّ شَيْ‏ءٍ أَشَدُّ مَا مَرَّ عَلَيْكَ قَالَ شَمَاتَةُ الْأَعْدَاءِ

(1)

.

22-

ص، قصص الأنبياء (عليهم السلام) بِهَذَا الْإِسْنَادِ عَنْ هِشَامِ بْنِ سَالِمٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ:

أَمْطَرَ اللَّهُ عَلَى أَيُّوبَ مِنَ السَّمَاءِ فَرَاشاً مِنْ ذَهَبٍ فَجَعَلَ أَيُّوبُ يَأْخُذُ مَا كَانَ خَارِجاً مِنْ دَارِهِ فَيُدْخِلُهُ دَارَهُ فَقَالَ جَبْرَئِيلُ(ع)أَ مَا تَشْبَعُ يَا أَيُّوبُ قَالَ وَ مَنْ يَشْبَعُ مِنْ فَضْلِ رَبِّهِ‏

(2)

.

23-

ص، قصص الأنبياء (عليهم السلام) بِالْإِسْنَادِ عَنِ الصَّدُوقِ بِإِسْنَادِهِ عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ‏

أَنَّ أَيُّوبَ كَانَ فِي زَمَنِ يَعْقُوبَ بْنِ إِسْحَاقَ (صلوات الله عليهم) وَ كَانَ صِهْراً لَهُ تَحْتَهُ ابْنَةُ يَعْقُوبَ يُقَالُ لَهَا إِلْيَا وَ كَانَ أَبُوهُ مِمَّنْ آمَنَ بِإِبْرَاهِيمَ(ع)وَ كَانَتْ أُمُّ أَيُّوبَ ابْنَةَ لُوطٍ وَ كَانَ لُوطٌ جَدَّ أَيُّوبَ (صلوات الله عليهما) أَبَا أُمِّهِ وَ لَمَّا اسْتَحْكَمَ الْبَلَاءُ عَلَى أَيُّوبَ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ صَبَرَتْ عَلَيْهِ امْرَأَتُهُ فَحَسَدَ إِبْلِيسُ عَلَى مُلَازَمَتِهَا بِالْخِدْمَةِ وَ كَانَتْ بِنْتَ يَعْقُوبَ فَقَالَ لَهَا أَ لَسْتِ أُخْتَ يُوسُفَ الصِّدِّيقِ(ع)قَالَتْ بَلَى قَالَ فَمَا هَذَا الْجَهْدُ وَ مَا هَذِهِ الْبَلِيَّةُ الَّتِي أَرَاكُمْ فِيهَا قَالَتْ هُوَ الَّذِي فَعَلَ بِنَا لِيُؤْجِرَنَا بِفَضْلِهِ عَلَيْنَا لِأَنَّهُ أَعْطَاهُ بِفَضْلِهِ مُنْعِماً ثُمَّ أَخَذَهُ لِيَبْتَلِيَنَا فَهَلْ رَأَيْتَ مُنْعِماً أَفْضَلَ مِنْهُ فَعَلَى إِعْطَائِهِ نَشْكُرُهُ وَ عَلَى ابْتِلَائِهِ نَحْمَدُهُ فَقَدْ جَعَلَ لَنَا الْحُسْنَيَيْنِ كِلْتَيْهِمَا فَابْتَلَاهُ لِيَرَى صَبْرَنَا وَ لَا نَجِدُ عَلَى الصَّبْرِ قُوَّةً إِلَّا بِمَعُونَتِهِ وَ تَوْفِيقِهِ فَلَهُ الْحَمْدُ وَ الْمِنَّةُ مَا أَوْلَانَا وَ أَبْلَانَا فَقَالَ لَهَا أَخْطَأْتِ خَطَاءً عَظِيماً لَيْسَ مِنْ هَاهُنَا أَلَحَّ عَلَيْكُمُ الْبَلَاءُ وَ أَدْخَلَ عَلَيْهَا شُبَهاً دَفَعَتْهَا كُلَّهَا وَ انْصَرَفَتْ إِلَى أَيُّوبَ(ع)مُسْرِعَةً وَ حَكَتْ لَهُ مَا قَالَ اللَّعِينُ فَقَالَ أَيُّوبُ الْقَائِلُ إِبْلِيسُ لَقَدْ حَرَصَ عَلَى قَتْلِي إِنِّي لَأُقْسِمُ بِاللَّهِ لَأُجَلِّدَنَّكِ مِائَةً لِمَ أَصْغَيْتِ إِلَيْهِ إِنْ شَفَانِيَ اللَّهُ قَالَ وَهْبٌ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فَأَحْيَا اللَّهُ لَهُمَا أَوْلَادَهُمَا وَ أَمْوَالَهُمَا وَ رَدَّ عَلَيْهِ كُلَّ شَيْ‏ءٍ لَهُمَا بِعَيْنِهِ وَ أَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهِ‏

وَ خُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَاضْرِبْ بِهِ وَ لا تَحْنَثْ‏

فَأَخَذَ ضِغْثاً مِنْ قُضْبَانٍ دِقَاقٍ مِنْ شَجَرَةٍ يُقَالُ لَهَا الثُّمَامُ فَبَرَّ بِهِ يَمِينَهُ وَ ضَرَبَهَا ضَرْبَةً وَاحِدَةً وَ قِيلَ أَخَذَ عَشَرَةً مِنْهَا فَضَرَبَهَا بِهَا عَشْرَ مَرَّاتٍ وَ كَانَ عُمُرُ أَيُّوبَ ثَلَاثاً وَ سَبْعِينَ قَبْلَ أَنْ يُصِيبَهَا الْبَلَاءُ فَزَادَهَا اللَّهُ مِثْلَهَا ثَلَاثاً وَ سَبْعِينَ سَنَةً أُخْرَى‏

(3)

.

____________

(1) مخطوط. م.

(2) مخطوط. م.

(3) مخطوط. م.

353

بيان: قال البيضاوي روي أن امرأته ماخير بنت ميشا بن يوسف أو رحمة بنت إفرائيم بن يوسف‏ (1).

24-

ضا، فقه الرضا (عليه السلام)

رُوِيَ أَنَّ أَيُّوبَ(ع)لَمَّا جَهَدَهُ الْبَلَاءُ قَالَ لَأَقْعُدَنَّ مَقْعَدَ الْخَصْمِ فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ تَكَلَّمْ فَجَثَا عَلَى الرَّمَادِ فَقَالَ يَا رَبِّ إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنَّهُ مَا عَرَضَ لِي أَمْرَانِ قَطُّ كِلَاهُمَا لَكَ [فِيهِ رِضًى إِلَّا اخْتَرْتُ أَشَدَّهُمَا عَلَى بَدَنِي فَنُودِيَ مِنْ غَمَامَةٍ بَيْضَاءَ بِسِتَّةِ آلَافِ أَلْفِ لُغَةٍ فَلِمَنِ الْمَنُّ فَوَضَعَ الرَّمَادَ عَلَى رَأْسِهِ وَ خَرَّ سَاجِداً يُنَادِي لَكَ الْمَنُّ سَيِّدِي وَ مَوْلَايَ فَكَشَفَ اللَّهُ ضُرَّهُ‏

(2)

.

25-

ين، كتاب حسين بن سعيد و النوادر الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْخَزَّازُ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ(ع)قَالَ سَمِعْتُهُ يَقُولُ‏

إِنَّ أَيُّوبَ النَّبِيَّ(ع)قَالَ يَا رَبِّ مَا سَأَلْتُكَ شَيْئاً مِنَ الدُّنْيَا قَطُّ وَ دَاخَلَهُ شَيْ‏ءٌ فَأَقْبَلَتْ إِلَيْهِ سَحَابَةٌ حَتَّى نَادَتْهُ يَا أَيُّوبُ مَنْ وَفَّقَكَ لِذَلِكَ قَالَ أَنْتَ يَا رَبِ‏

(3)

.

تذييل قال السيد (قدس سره) في كتاب تنزيه الأنبياء فإن قيل فما قولكم في الأمراض و المحن التي لحقت نبي الله أيوب(ع)أ و ليس قد نطق القرآن بأنها كانت جزاء على ذنب في قوله‏ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وَ عَذابٍ‏ و العذاب لا يكون إلا جزاء كالعقاب و الآلام الواقعة على سبيل الامتحان لا تسمى عذابا و لا عقابا أ و ليس قد روى جميع المفسرين أن الله تعالى إنما عاقبه بذلك البلاء لتركه الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر و قصته مشهورة يطول شرحها.

الجواب قلنا أما ظاهر القرآن فليس يدل على أن أيوب(ع)عوقب بما نزل به من المضار و ليس في ظاهره شي‏ء مما ظنه السائل لأنه تعالى قال‏ وَ اذْكُرْ عَبْدَنا أَيُّوبَ إِذْ نادى‏ رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وَ عَذابٍ‏ و النصب هو التعب و فيه لغتان فتح النون و الصاد و ضم النون و تسكين الصاد و التعب هو المضرة التي لا تختص بها العقاب و قد تكون على سبيل الاختبار و الامتحان فأما العذاب فهو أيضا يجري‏

____________

(1) أنوار التنزيل 1: 34. م.

(2) فقه الرضا: 51. م.

(3) مخطوط. م.

354

مجرى المضار التي لا يختص إطلاق ذكرها بجهة دون جهة و لهذا يقال للظالم المبتدي بالظلم إنه معذب و مضر و مولم و ربما قيل معاقب على سبيل المجاز و ليس لفظة العذاب بجارية مجرى لفظة العقاب لأن لفظة العقاب يقتضي بظاهرها الجزاء لأنها من التعقيب و المعاقبة و لفظة العذاب ليست كذلك فأما إضافته ذلك إلى الشيطان و إنما ابتلاه الله تعالى به فله وجه صحيح لأنه لم يضف المرض و السقم إلى الشيطان و إنما أضاف إليه ما كان يستضر به من وسوسته و يتعب به من تذكيره له ما كان فيه من النعم و العافية و الرخاء و دعائه له إلى التضجر و التبرم‏ (1) بما هو عليه و لأنه كان أيضا يوسوس إلى قومه بأن يستقذروه و يتجنبوه لما كان عليه من الأمراض البشعة المنظر و يخرجوه من بينهم و كل هذا ضرر من جهة اللعين إبليس.

و قد روي أن زوجته(ع)كانت تخدم الناس في منازلهم و تصير إليه بما يأكله و يشربه و كان الشيطان يلقي إليهم أن داءه يعدي و يحسن إليهم تجنب خدمة زوجته من حيث كانت تباشر قروحه و تمس جسده و هذه مضار لا شبهة فيها فأما قوله تعالى في سورة الأنبياء وَ أَيُّوبَ إِذْ نادى‏ رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَ أَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ فَاسْتَجَبْنا لَهُ فَكَشَفْنا ما بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَ آتَيْناهُ أَهْلَهُ وَ مِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَ ذِكْرى‏ لِلْعابِدِينَ‏ فلا ظاهر لها أيضا يقتضي ما ذكروه لأن الضر هو الضرر الذي قد يكون محنة كما يكون عقوبة فأما ما روي في هذا الباب عن جملة المفسرين فمما لا يلتفت إلى مثله لأن هؤلاء لا يزالون يضيفون إلى ربهم تعالى و إلى رسله(ع)كل قبيح و يقرفونهم‏ (2) بكل عظيم و في روايتهم هذه السخيفة ما إذا تأمله المتأمل علم أنه موضوع باطل مصنوع لأنهم رووا أن الله تعالى سلط إبليس على مال أيوب(ع)و غنمه و أهله فلما أهلكهم و دمر عليهم و رأى صبره و تماسكه قال إبليس لربه يا رب إن أيوب قد علم أنه ستخلف له ماله و ولده فسلطني على جسده فقال قد سلطتك على جسده إلا قلبه و بصره قال فأتاه فنفخه من لدن قرنه إلى قدمه فصار قرحة واحدة فقذف على كناسة لبني إسرائيل سبع سنين و

____________

(1) التبرم: التضجر.

(2) أقرفه: ذكره بسوء.

355

أشهرا يختلف الدواب في جسده إلى شرح طويل نصون كتابنا عن ذكر تفصيله فمن يقبل عقله هذا الجهل و الكفر كيف يوثق بروايته و من لا يعلم أن الله تعالى لا يسلط إبليس على خلقه و أن إبليس لا يقدر على أن يقرح الأجساد و لا أن يفعل الأمراض كيف يعتمد روايته فأما هذه الأمراض النازلة بأيوب(ع)فلم يكن إلا اختبارا و امتحانا و تعريضا للثواب بالصبر عليها و العوض العظيم النفيس في مقابلتها و هذه سنة الله تعالى في أصفيائه و أوليائه‏

فَقَدْ رُوِيَ عَنِ الرَّسُولِ(ص)أَنَّهُ قَالَ:

وَ قَدْ سُئِلَ أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ بَلَاءً فَقَالَ الْأَنْبِيَاءُ ثُمَّ الصَّالِحُونَ ثُمَّ الْأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ مِنَ النَّاسِ.

فظهر من صبره على محنته و تماسكه ما صار إلى الآن مثلا حتى روي أنه كان في خلال ذلك كله شاكرا محتسبا ناطقا بما له فيه من المنفعة و الفائدة و أنه ما سمعت له شكوى و لا تفوّه بتضجر و لا تبرم فعوّضه الله تعالى مع نعيم الآخرة العظيم الدائم أن رد عليه ماله و أهله و ضاعف عددهم في قوله‏ وَ آتَيْناهُ أَهْلَهُ وَ مِثْلَهُمْ مَعَهُمْ‏ و في سورة ص‏ وَ وَهَبْنا لَهُ أَهْلَهُ وَ مِثْلَهُمْ مَعَهُمْ‏ ثم مسح ما به و شفاه و عافاه و أمره على ما وردت به الرواية يركض رجله الأرض فظهرت عين اغتسل منها فتساقط ما كان على جسده من الداء قال الله‏ ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وَ شَرابٌ‏ و الركض هو التحريك و منه ركضت الدابة انتهى كلامه أعلى الله مقامه. (1)

أقول لا أعرف وجها لهذا الإنكار الفظيع و التشنيع على تلك الرواية و لا أعرف فرقا بين ما صدر من أشقياء الإنس بالنسبة إلى الأنبياء حيث خلاهم الله مع إرادتهم بمقتضى حكمته الكاملة و لم يمنعهم عنها و بين ما نقل من تسليط إبليس في تلك الواقعة و الجواب مشترك نعم لا يجوز أن يتسلط الشيطان على أديانهم كما دلت عليه الآيات و أما الأبدان فلم يقم دليل على نفي تسلطه عليها أحيانا لضرب من المصلحة و كيف لا و هو الذي يغري جميع الأشرار في قتل الأخيار و إضرارهم و أيضا أي دليل قام على امتناع قدرة إبليس على فعل يوجب تقريح الأجساد و حدوث الأمراض و أي فرق بين الشياطين و الإنس في ذلك نعم لو قيل بعدم ثبوت بعض الخصوصيات من جهة الأخبار لأمكن ذلك لكن الحكم بنفيها بمجرد الاستبعاد غير موجه و الله يعلم.

____________

(1) تنزيه الأنبياء: 61- 63. م.

356

تكملة قال الثعلبي في العرائس قال وهب و كعب و غيرهما من أهل الكتاب كان أيوب النبي(ع)رجلا من الروم و كان رجلا طويلا عظيم الرأس جعد الشعر حسن العينين و الخلق قصير العنق غليظ الساقين و الساعدين و كان مكتوبا على جبهته المبتلى الصابر و هو أيوب بن أموص بن رازخ‏ (1) بن روم بن عيص بن إسحاق بن إبراهيم‏ (2) و كانت أمه من ولد لوط بن هاران(ع)و كان الله تعالى قد اصطفاه و نبأه و بسط عليه الدنيا و كانت له البثنة (3) من أرض الشام كلها سهلها و جبلها بما فيها و كان له فيها من أصناف المال كله من الإبل و البقر و الخيل و الغنم و الحمر ما لا يكون للرجل أفضل منه في العدة و الكثرة و كان له بها خمسمائة فدان‏ (4) يتبعها خمسمائة عبد لكل عبد امرأة و ولد و مال و تحمل آلة كل فدان أتان لكل أتان ولد من اثنين و ثلاثة و أربعة و خمسة و فوق ذلك و كان الله تعالى أعطاه أهلا و ولدا من رجال و نساء و كان برا تقيا رحيما بالمساكين يكفل الأرامل و الأيتام و يكرم الضيف و يبلغ ابن السبيل و كان شاكرا لأنعم الله تعالى مؤديا لحق الله تعالى قد امتنع من عدو الله إبليس أن يصيب منه ما يصيب من أهل الغنى‏ (5) من الغرة و الغفلة و السهو و التشاغل من أمر الله تعالى‏ (6) بما هو فيه من الدنيا و كان معه ثلاثة قد آمنوا به و صدقوه و عرفوا فضله رجل من أهل اليمن يقال له اليفن و رجلان من أهل بلاده يقال لأحدهما بلدد و للآخر صافن‏ (7) و كانوا كهولا.

____________

(1) في المصدر: تارخ.

(2) في تاريخ اليعقوبي: هو أيوب بن أموص بن زارح بن رعوئيل بن عيصو بن إسحاق بن إبراهيم و في المحبر: أيوب بن زارح بن أموص بن ليفرز بن العيص بن إسحاق.

(3) قال ياقوت في المعجم: البثنة بالفتح ثمّ السكون و نون هو اسم ناحية من نواحي دمشق، و هي البثنية، و قيل: هى قرية بين دمشق و أذرعات و كان أيوب النبيّ (عليه السلام) منها.

(4) الفدان: الثوران يقرن بينهما للحرث.

(5) في المصدر: ما أصاب من أهل الغنى.

(6) في المصدر: و التشاغل و السهو عن أمر اللّه.

(7) في المصدر: يقال لأحدهما مالك و للآخر ظافر.

357

قال وهب إن لجبرئيل(ع)بين يدي الله تعالى مقاما ليس لأحد من الملائكة في القربة و الفضيلة و إن جبرئيل هو الذي يتلقى الكلام فإذا ذكر الله تعالى عبدا بخير تلقاه جبرئيل ثم لقاه ميكائيل و حوله الملائكة المقربون‏ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ‏ (1) فإذا شاع ذلك في الملائكة المقربين شاعت الصلوات على ذلك العبد من أهل السماوات فإذا صلت عليه ملائكة السماوات هبطت عليه بالصلوات إلى ملائكة الأرض و كان إبليس لعنه الله لا يحجب عن شي‏ء من السماوات و كان يقف فيهن حيثما أراد و من هناك وصل إلى آدم حين أخرجه من الجنة فلم يزل على ذلك يصعد في السماوات حتى رفع الله تعالى عيسى ابن مريم(ع)فحجب من أربع و كان يصعد في ثلاث فلما بعث الله تعالى محمدا(ص)حجب من الثلاث الباقية فهو و جنوده محجوبون من جميع السماوات إلى يوم القيامة إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ‏ فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ‏ قال فلما سمع إبليس تجاوب الملائكة بالصلوات على أيوب(ع)و ذلك حين ذكره الله تعالى و أثنى عليه فأدركه البغي و الحسد فصعد سريعا حتى وقف من السماء موقفا كان يقفه فقال يا إلهي نظرت في أمر عبدك أيوب فوجدته عبدا أنعمت عليه فشكرك و عافيته فحمدك ثم لم تجرّبه بشدة و بلاء (2) و أنا لك زعيم لئن ضربته ببلاء ليكفرن بك و لينسينك فقال الله تعالى انطلق فقد سلطتك على ماله فانقضّ عليه عدو الله حتى وقع إلى الأرض ثم جمع عفاريت الشياطين و عظماءهم فقال لهم ما ذا عندكم من القوة و المعرفة فإني قد سلطت على مال أيوب و هي المصيبة الفادحة (3) و الفتنة التي لا يصبر عليها الرجال قال عفريت من الشياطين أعطيت من القوة ما إذا شئت تحولت إعصارا (4) من نار و أحرقت كل شي‏ء آتي عليه فقال له إبليس فأت الإبل و رعاءها فانطلق يؤم الإبل و ذلك حين وضعت رءوسها و ثبتت في مراعيها فلم يشعر الناس حتى ثار من تحت الأرض إعصار من نار تنفح منها أرواح السموم لا يدنو منها أحد

____________

(1) في المصدر: ثم من حوله من الملائكة المقربين و الحافين من حول العرش.

(2) في المصدر: ثم لم تختبره لا بشدة و لا بلاء.

(3) الفادح: الصعب المثقل.

(4) الاعصار: الريح الشديدة المثيرة للغبار فيرتفع الى السماء مستديرا كانه عمود.

358

إلا احترق فلم يزل يحرقها و رعاءها حتى أتى على آخرها فلما فرغ منها تمثل إبليس براعيها ثم انطلق يؤم أيوب حتى وجده قائما يصلي فقال يا أيوب قال لبيك قال هل تدري ما الذي صنع ربك الذي اخترته و عبدته بإبلك و رعائها قال أيوب أيهاً إنها ماله أعارنيه و هو أولى به إذا شاء تركه و إن شاء نزعه و قديما ما وطنت نفسي و مالي على الفناء.

فقال إبليس فإن ربك أرسل عليها نارا من السماء فاحترقت كلها فترك الناس مبهوتين وقوفا عليها يتعجبون منها منهم من يقول ما كان أيوب يعبد شيئا و ما كان إلا في غرور و منهم من يقول لو كان إله أيوب يقدر على أن يصنع شيئا لمنع وليه‏ (1) و منهم من يقول بل هو الذي فعل ما فعل يشمت به عدوه و يفجع به صديقه قال أيوب الحمد لله حين أعطاني و حين نزع مني عريانا خرجت من بطن أمي و عريانا أعود في التراب و عريانا أحشر إلى الله تعالى ليس ينبغي لك أن تفرح حين أعارك الله و تجزع حين قبض عاريته الله أولى بك و بما أعطاك و لو علم الله فيك أيها العبد خيرا لقبل روحك‏ (2) مع تلك الأرواح فآجرني فيك و صرت شهيدا و لكنه علم منك شرا فأخرك الله و خلصك من البلاء كما يخلص الزؤان‏ (3) من القمح الخالص فرجع إبليس لعنه الله إلى أصحابه خاسئا ذليلا فقال لهم ما ذا عندكم من القوة فإني لم أكلم قلبه قال عفريت من عظمائهم عندي من القوة ما إذا شئت صحت صوتا لا يسمعه ذو روح إلا خرجت مهجة نفسه قال له إبليس فأت الغنم و رعاءها فانطلق يؤم الغنم و رعاءها حتى إذا توسطها صاح صوتا تجثمت أمواتا من عند آخرها (4) و مات رعاؤها ثم خرج إبليس متمثلا بقهرمان‏ (5) الرعاء حتى جاء أيوب و هو قائم يصلي فقال له القول الأول و ردّ عليه أيوب الرد الأول ثم إن إبليس رجع إلى أصحابه فقال لهم ما ذا عندكم من القوة فإني لم أكلم‏

____________

(1) في المصدر: لمنع وليه من حريق مواشيه.

(2) في المصدر: لنقل روحك.

(3) الزؤان: ما ينبت غالبا بين الحنطة: و حبّه يشبه حبها الا انه أصغر، و إذا اكل يجلب النوم.

(4) في المصدر: صاح صوتا ماتت منه الغنم جميعا. قلت: تجثم الطائر او الرجل او الحيوان تلبد بالارض.

(5) القهرمان: الوكيل أو أمين الدخل و الخرج.

359

قلب أيوب فقال عفريت من عظمائهم عندي من القوة ما إذا شئت تحولت ريحا عاصفا تنسف كل شي‏ء فآتي عليه‏ (1) حتى لا أبقي منها شيئا قال له إبليس فأت الفدادين و الحرث فانطلق يؤمهم و ذلك حين قرنوا الفدادين و أنشئوا في الحرث و أولادها رتوع‏ (2) فلم يشعروا حتى هبت ريح عاصف فنسفت كل شي‏ء من ذلك حتى كأنه لم يكن ثم خرج إبليس متمثلا بقهرمان الحرث حتى جاء أيوب و هو قائم يصلي فقال له مثل قوله الأول و رد عليه أيوب مثل رده الأول فجعل إبليس يصيب ماله مالا مالا حتى مر على آخره كلما انتهى إليه هلاك مال من ماله حمد الله و أحسن عليه الثناء و رضي بالقضاء و وطن نفسه للصبر على البلاء حتى لم يبق له مال فلما رأى إبليس أنه قد أفنى ماله و لم ينجح منه بشي‏ء صعد سريعا حتى وقف‏ (3) الموقف الذي كان يقفه فقال إلهي إن أيوب يرى أنك ما متعته بنفسه و ولده‏ (4) فأنت معطيه المال فهل أنت مسلطي على ولده فإنها الفتنة المضلة و المصيبة التي لا يقوم لها قلوب الرجال و لا يقوى عليها صبرهم فقال الله تعالى انطلق فقد سلطتك على ولده.

فانقض عدو الله حتى جاء بني أيوب(ع)و هم في قصرهم فلم يزل يزلزل بهم حتى تداعى من قواعده‏ (5) ثم جعل يناطح‏ (6) جدره بعضها ببعض و يرميهم بالخشب و الجندل‏ (7) حتى إذا مثل بهم كل مثلة رفع بهم القصر (8) و قلبه فصاروا منكبين‏ (9) و انطلق إلى أيوب متمثلا بالمعلم الذي كان يعلمهم الحكمة و هو جريح مشدوخ الوجه‏

____________

(1) في المصدر: تأتى عليه حتّى لا يبقى منه شي‏ء.

(2) الرتوع جمع الراتع: الذي يتبع بابله المراتع الخصبة.

(3) في المصدر: فلما رأى إبليس انه قد افنى ما له و لم ينل منه شيئا و لا نجح في شي‏ء من أفعاله شق عليه ذلك و صعد سريعا و وقف.

(4) في المصدر: مهما متعته من نفسه و ولده.

(5) أي تهادمت و تصادعت من غير أن تسقط.

(6) ناطحه الثور: أصابه بقرنه.

(7) الجندل: الصخر العظيم.

(8) في المصدر: ثم رفع بهم القصر.

(9) في المصدر: فصاروا منكسين.

360

يسيل دمه و دماغه و أخبره بذلك و قال يا أيوب لو رأيت بنيك كيف عذبوا و كيف قلبوا فكانوا منكسين على رءوسهم يسيل دماؤهم و دماغهم من أنوفهم و أشفارهم و أجوافهم‏ (1) و لو رأيت كيف شقت بطونهم فتناثرت أمعاؤهم لتقطع قلبك فلم يزل يقول هذا و نحوه و يرققه حتى رق أيوب(ع)فبكى و قبض قبضة من التراب فوضعها على رأسه فاغتنم إبليس ذلك فصعد سريعا بالذي كان من جزع أيوب مسرورا به ثم لم يلبث أيوب أن فاء (2) و أبصر فاستغفر (3) و صعد قرناؤه من الملائكة بتوبته فبدروا إبليس إلى الله تعالى و هو أعلم فوقف‏ (4) إبليس خاسئا ذليلا فقال يا إلهي إنما هون على أيوب خطر المال و الولد إنه يرى أنك ما متعته بنفسه فأنت تعيد له المال و الولد فهل أنت مسلطي على جسده فإني لك زعيم لئن ابتليته في جسده لينسينك و ليكفرن بك و ليجحدن نعمتك فقال الله عز و جل انطلق فقد سلطتك على جسده و لكن ليس لك سلطان على لسانه و لا على قلبه و لا على عقله و كان الله هو أعلم به لم يسلطه عليه إلا رحمة ليعظم له الثواب و جعله عبرة للصابرين‏ (5) و ذكرى للعابدين في كل بلاء نزل ليأنسوا به‏ (6) بالصبر و رجاء الثواب.

فانقضّ عدو الله تعالى سريعا فوجد أيوب(ع)ساجدا فعجل قبل أن يرفع رأسه فأتاه من قبل الأرض في موضع وجهه فنفخ في منخره نفخة اشتعل منها جسده فرهل‏ (7) و خرج به من فرقه إلى قدمه ثآليل مثل أليات الغنم و وقعت فيه حكة لا يملكها فحك بأظفاره حتى سقطت كلها ثم حكها بالمسوح‏ (8) الخشنة حتى قطعها ثم حكها بالفخار

____________

(1) في المصدر: و كيف قلب بهم القصر، و كيف نكسوا على رءوسهم تسيل دماؤهم و أدمغتهم من انوفهم و شفاهم.

(2) أي رجع و تاب.

(3) في المصدر: فاستغفر و شكر.

(4) في المصدر: فبادروا إبليس و سبقوه إلى اللّه و اللّه أعلم بما كان، فوقف اه.

(5) في المصدر: و يجعله عبرة للصابرين.

(6) هكذا في الكتاب، و الصحيح كما في المصدر: ليتأسوا به.

(7) في الصحاح: رهل لحمه أي اضطرب و استرخى. و في المصدر: ذهل و هو مصحف.

(8) المسح: الكساء من شعر.

361

و الحجارة الخشنة فلم يزل يحكها حتى نغل لحمه‏ (1) و تقطع و تغير و أنتن فأخرجه أهل القرية فجعلوه على كناسة و جعلوا له عريشا و رفضه خلق الله كلهم غير امرأته و هي رحمة بنت إفرائيم بن يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم صلوات الله تعالى و سلامه على نبينا و عليهم و كانت تختلف إليه بما يصلحه و تلزمه فلما رأت الثلاثة من أصحابه و هم يفن و بلدد و صافن‏ (2) ما ابتلاه الله تعالى به اتهموه و رفضوه من غير أن يتركوا دينه فلما طال به البلاء انطلقوا إليه و هو في بلائه فبكتوه‏ (3) و لاموه و قالوا له تب إلى الله عز و جل من الذنب الذي عوقبت به.

قالا و حضره معهم فتى حديث السن و كان قد آمن به و صدقه فقال لهم إنكم تكلمتم أيها الكهول و كنتم أحق بالكلام لأسنانكم و لكن قد تركتم من القول أحسن من الذي قلتم و من الرأي أصوب من الذي رأيتم و من الأمر أجمل من الذي أتيتم و قد كان لأيوب(ع)عليكم من الحق و الذمام أفضل من الذي وصفتم فهل تدرون أيها الكهول حق من انتقصتم و حرمة من انتهكتم و من الرجل الذي عبتم و اتهمتم أ لم تعلموا أن أيوب نبي الله و خيرته و صفوته‏ (4) من أهل الأرض يومكم هذا ثم لم تعلموا و لم يطلعكم الله تعالى على أنه سخط شيئا من أمره منذ أتاه ما أتاه إلى يومكم هذا و لا على أنه نزع منه‏ (5) شيئا من الكرامة التي أكرمه بها و لا أن أيوب فعل غير الحق في طول ما صحبتموه إلى يومكم هذا فإن كان البلاء هو الذي أزرى عندكم‏ (6) و وضعه في أنفسكم فقد علمتم أن الله تعالى يبتلي النبيين و الشهداء و الصالحين ثم ليس بلاؤه‏

____________

(1) أي فسد.

(2) في المصدر: فلما رأى أصحابه له ثلاثة ما ابتلاء اللّه. قلت: تقدم أن اسمهم يفن و مالك و ظافر.

(3) أي عنفوه و قرعوه.

(4) في المصدر: أن أيوب نبى اللّه و حبيبه و خيرته و صفوته.

(5) في المصدر: و لا علمتم انه نزع منه شيئا.

(6) أزرى بالامر: تهاون. أزرى به و أزراه عابه و وضع من حقه. و في المصدر: أزرى به عندكم.

362

لأولئك بدليل على سخطه عليهم و لا لهوانه لهم‏ (1) و لكنها كرامة و خيرة لهم و لو كان أيوب ليس من الله تعالى بهذه المنزلة إلا أنه أخ آخيتموه على وجه الصحبة لكان لا يجمل بالحليم أن يعذل‏ (2) أخاه عند البلاء و لا يعيره بالمصيبة و لا يعيبه بما لا يعلم و هو مكروب حزين و لكنه يرحمه و يبكي معه و يستغفر له و يحزن لحزنه و يدل على مراشد أمره و ليس بحكيم و لا رشيد من جهل هذا فالله الله أيها الكهول و قد كان في عظمة الله و جلاله و ذكر الموت ما يقطع ألسنتكم و يكسر قلوبكم أ لم تعلموا أن لله تعالى عبادا أسكتتهم خشيته من غير عي و لا بكم و إنهم لهم الفصحاء و البلغاء و الأولياء النبلاء الألباء (3) العالمون بالله و بآياته و لكنهم إذا ذكروا عظمة الله انقطعت ألسنتهم و اقشعرت جلودهم و انكسرت قلوبهم و طاشت عقولهم‏ (4) إعظاما لله و إعزازا و إجلالا فإذا استفاقوا استبقوا إلى الله تعالى بالأعمال الزاكية يعدون أنفسهم مع الخاطئين و الظالمين و إنهم لأبرار و مع المقصرين المفرطين‏ (5) و إنهم لأكياس أقوياء و لكنهم لا يستكثرون لله الكثير و لا يرضون له بالقليل و لا يدلون عليه بالأعمال‏ (6) فهم مروعون خاشعون مستكينون فقال أيوب(ع)إن الله تعالى يزرع الحكمة بالرحمة في قلب الصغير و الكبير (7) فمتى تنبت في القلب يظهرها الله تعالى على اللسان و ليست تكون الحكمة من قبل السن و الشيبة و لا طول التجربة و إذا جعل الله تعالى العبد حكيما في الصغر لم تسقط منزلته عند الحكماء و هم يرون من الله تعالى عليه نور الكرامة.

ثم أقبل أيوب(ع)على الثلاثة فقال أتيتموني غضابا رهبتم قبل أن تسترهبوا

____________

(1) في المصدر: ثم ان بلاءهم ليس دليلا على سخطه عليهم و لا هوانهم عليه.

(2) عذله: لامه.

(3) في المصدر: و انهم لهم الفصحاء النبلاء البلغاء الالباء.

(4) أي ذهبت عقولهم.

(5) في المصدر: و إنهم برآء و يعدون انفسهم مع المفرطين المقصرين.

(6) أي لا يمنون و لا يفتخرون عليه بأعمالهم.

(7) في المصدر: فى قلب المؤمن الكبير و الصغير.

363

و بكيتم قبل أن تضربوا كيف بي‏ (1) لو قلت لكم تصدقوا عني بأموالكم لعل الله تعالى أن يخلصني و قربوا عني قربانا لعل الله تعالى يتقبله و يرضى عني و إنكم قد أعجبتكم أنفسكم و ظننتم أنكم قد عوفيتم بإحسانكم فهنالك بغيتم و تعززتم و لو نظرتم فيما بينكم و بين ربكم ثم صدقتم لوجدتم لكم عيوبا سترها الله تعالى بالعافية التي ألبسكم و قد كنت فيما خلا و الرجال يوقرونني‏ (2) و أنا مسموع كلامي معروف حقي منتقم من خصمي‏ (3) فأصبحت اليوم و ليس لي رأي و لا كلام معكم فإنكم كنتم أشد علي من مصيبتي. (4)

ثم أعرض عنهم و أقبل على ربه تعالى مستغيثا به متضرعا إليه فقال رب لأي شي‏ء خلقتني ليتني إذ كرهتني لم تخلقني يا ليتني كنت حيضة ألقتني أمي و يا ليتني عرفت الذنب الذي أذنبت و العمل الذي عملت فصرفت وجهك الكريم عني لو كنت أمتني فألحقني بآبائي فالموت كان أجمل إلي‏ (5) أ لم أكن للغريب دارا و للمسكين قرارا و لليتيم وليا و للأرملة قيما إلهي أنا عبد ذليل إن أحسنت فالمن لك و إن أسأت فبيدك عقوبتي جعلتني للبلاء غرضا و للفتنة نصبا و قد وقع علي بلاء لو سلطته على جبل ضعف عن حمله فكيف يحمله ضعفي إلهي تقطعت أصابعي فإني لأرفع الأكلة من الطعام بيدي جميعا فما تبلغان فمي إلا على الجهد مني تساقطت لهواتي و لحم رأسي فما بين أذني من سداد حتى أن أحدهما يرى من الآخر و إن دماغي ليسيل من فمي تساقط شعر عيني فكأنما حرق بالنار وجهي و حدقتاي متدليتان على خدي و ورم لساني حتى ملأ فمي فما أدخل منه طعاما إلا غصني و ورمت شفتاي حتى غطت العليا أنفي و السفلى ذقني و تقطعت أمعائي في بطني فإني لأدخله الطعام فيخرج كما

____________

(1) في المصدر: كيف بكم.

(2) في المصدر: و قد كنتم فيما خلا الرجال توقروننى.

(3) في المصدر: منتصف من خصمى.

(4) في المصدر: فانتم اليوم أشدّ على من مصيبتى.

(5) في المصدر: أجمل لي. يا الهى اه.

364

دخل ما أحسه و لا ينفعني ذهبت قوة رجلي فكأنهما قربتا ماء لا أطيق حملهما ذهب المال فصرت أسأل بكفي فيطعمني من كنت أعوله اللقمة الواحدة فيمنها علي و يعيرني هلك أولادي‏ (1) و لو بقي أحد منهم أعانني على بلائي و نفعني و قد ملني أهلي و عقني أرحامي و تنكرت معارفي و رغب عني صديقي و قطعني أصحابي و جحدت حقوقي و نسيت صنائعي أصرخ فلا يصرخونني و أعتذر فلا يعذرونني دعوت غلامي فلم يجبني و تضرعت لأمتي فلم ترحمني و إن قضاءك هو الذي أذلني و أقمأني‏ (2) و إن سلطانك هو الذي أسقمني و أنحل جسمي و لو أن ربي نزع الهيبة التي في صدري و أطلق لساني حتى أتكلم بمل‏ء فمي بمكان ينبغي‏ (3) للعبد أن يحاج عن نفسه لرجوت أن يعافيني عند ذلك مما بي و لكنه ألقاني و تعالى عني‏ (4) فهو يراني و لا أراه و يسمعني و لا أسمعه لا نظر إلي فرحمني و لا دنا مني و لا أدناني فأتكلم ببراءتي و أخاصم عن نفسي. فلما قال ذلك أيوب(ع)و أصحابه عنده أظله غمام حتى ظن أصحابه أنه عذاب ثم نودي يا أيوب إن الله عز و جل يقول لك ها أنا قد دنوت منك و لم أزل منك قريبا فقم فأدل بعذرك‏ (5) و تكلم ببراءتك و خاصم عن نفسك و اشدد إزارك و قم مقام جبار فإنه لا ينبغي أن يخاصمني إلا جبار مثلي و لا ينبغي أن يخاصمني إلا من يجعل الزيار (6) في فم الأسد و السحال في فم العنقاء و اللجام في فم التنين‏ (7) و يكيل مكيالا من النور و يزن مثقالا من الريح و يصر صرة من الشمس و يرد أمس لقد منتك نفسك أمرا ما تبلغ بمثل قوتك و لو كنت إذ منتك ذلك و دعتك إليه تذكرت أي مرام‏

____________

(1) في المصدر: الهى هلك أولادى.

(2) في المصدر: أذلنى و ادنانى و أهاننى و أقامنى.

(3) في المصدر: و لو كان ينبغي للعبد.

(4) في المصدر: و تخلى عنى.

(5) أي احضره و احتج به.

(6) في المصدر: الا من يجعل الزمام في فم الأسد. قلت: الزيار: خشبتان يضغط بهما البيطار جحفلة الفرس أي شفتيه فيذل فيتمكن من بيطرته. و السحال: اللجام.

(7) التنين كسكين: حية عظيمة.

365

رام بك أردت أن تخاصمني بعيك أو أردت أن تحاجني بخطابك أم أردت أن تكابرني‏ (1) بضعفك أين أنت مني يوم خلقت الأرض فوضعتها على أساسها هل علمت بأي مقدار قدرتها أم كنت معي تمد بأطرافها (2) أم تعلم ما بعد زواياها أم على أي شي‏ء وضعت أكنافها أ بطاعتك حمل الماء الأرض أم بحكمتك كانت الأرض للماء غطاء أين كنت مني يوم رفعت السماء سقفا في الهواء لا بعلائق سببت و لا تحملها دعم من تحتها (3) هل يبلغ من حكمتك أن تجري نورها أو تسير نجومها أو تختلف بأمرك ليلها و نهارها أين أنت مني يوم سجرت البحار و أنبعت الأنهار أ قدرتك حبست أمواج البحار على حدودها أم قدرتك فتحت الأرحام حين بلغت مدتها أين أنت مني يوم صببت الماء على التراب و نصبت شوامخ الجبال هل لك من ذراع تطيق حملها أم هل تدري كم من مثقال فيها (4) أم أين الماء الذي أنزلت من السماء هل تدري أم تلد أو أب يولده أ حكمتك أحصت القطر و قسمت الأرزاق أم قدرتك تثير السحاب و تجري الماء هل تدري ما أصوات الرعود أم من أي شي‏ء لهب البرق و هل رأيت عمق البحر هل تدري ما بعد الهواء أم هل خزنت أرواح الأموات أم هل تدري أين خزانة الثلج و أين خزانة البرد أم أين جبال البرد أم هل تدري أين خزانة الليل و النهار و أين طريق النور و بأي لغة تتكلم الأشجار و أين خزانة الريح و كيف تحبسه و من جعل العقول في أجواف الرجال و من شق الأسماع و الأبصار و من ذلت الملائكة لملكه و قهر الجبارين بجبروته و قسم أرزاق الدواب بحكمته من قسم للأسد أرزاقها و عرف الطير معايشها و عطفها على أفراخها من أعتق الوحش من الخدمة و جعل مساكنها البرية لا تستأنس بالأصوات و لا تهاب المسلطين أم من حكمتك عطفت أمهاتها عليها حتى أخرجت لها الطعام من بطونها و آثرتها بالعيش على نفوسها

____________

(1) في المصدر: تكاثرنى.

(2) في المصدر: تمر باطرافها.

(3) في المصدر: لا معاليق تمسكها و لا تحملها دعائيم من تحتها. قلت: المعاليق جمع المعلاق:

كل ما يعلق به. و الدعائم جمع الدعامة: عماد البيت. الخشب المنصوب للعريش.

(4) في المصدر: كم مثقال ما فيها.

366

أم من حكمتك تبصر العقاب الصيد البعيد و أصبح في أماكن القتلى. (1)

فقال أيوب(ع)قصرت عن هذا الأمر الذي تعرض علي ليت الأرض انشقت لي فذهبت فيها و لم أتكلم بشي‏ء يسخط ربي اجتمع علي البلاء (2) إلهي قد جعلتني لك مثل العدو و قد كنت تكرمني و تعرف نصحي و قد علمت أن كل الذي ذكرت صنع يديك و تدبير حكمتك و أعظم من هذا لو شئت عملت لا يعجزك شي‏ء و لا يخفى عليك خافية و لا يغيب عنك غائبة من هذا الذي يظن أن يسر عنك سرا و أنت تعلم ما تخطر على القلوب‏ (3) و إنما تكلمت لتعذرني و سكت حين سكت لترحمني كلمة زلت عن لساني فلن أعود و قد وضعت يدي على فمي و عضضت على لساني و ألصقت بالتراب خدي و دمست فيه وجهي لصغاري و سكت كما أسكتتني خطيئتي فاغفر لي ما قلت فلن أعود لشي‏ء تكرهه مني.

فقال الله تعالى يا أيوب نفذ فيك علمي و سبقت رحمتي غضبي إذا خطئت فقد غفرت لك‏ (4) و رددت عليك أهلك و مالك و مثلهم معهم لتكون لمن خلفك آية و تكون عبرة لأهل البلاء و عزا للصابرين‏ (5) ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وَ شَرابٌ‏ فيه شفاء و قرب عن صحابتك قربانا و استغفر لهم فإنهم قد عصوني فيك فركض برجله فانفجرت له عين فدخل فيها فاغتسل فأذهب الله تعالى عنه كل ما كان به من البلاء ثم خرج فجلس و أقبلت امرأته فقامت تلتمسه في مضجعه فلم تجده فقامت مترددة كالواله‏ (6) ثم قالت يا عبد الله هل لك علم بالرجل المبتلى الذي كان هاهنا فقال لها فهل تعرفينه إذا رأيته قالت نعم و ما لي لا أعرفه فتبسم و قال أنا هو فعرفته بمضحكه‏

____________

(1) قد أسقط المصنّف من هنا قطعة يطول ذكرها فمن شاء فليراجع المصدر.

(2) في المصدر: حين اجتمع على البلاء.

(3) في المصدر زيادة و هي هذه: و قد علمت منك في بلائى هذا ما لم أكن أعلم، و خفت أن يكون أمر أكثر ممّا كنت أخاف، انما كنت أسمع بصوتك فاما الآن فهو نظر العين.

(4) في المصدر: فقد غفرت لك ما قلت و رحمتك و رددت.

(5) في المصدر: و عزاء للصابرين، فاركض اه.

(6) في المصدر: فقامت متكدرة كالوالهة فمرت به فقالت: يا عبد اللّه.

367

فاعتنقته‏ (1) و قال ابن عباس فو الذي نفس عبد الله بيده ما فارقته من عناقه حتى مر بهما كل مال لهما و ولد (2) فذلك قوله‏ وَ أَيُّوبَ إِذْ نادى‏ رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ و اختلف العلماء في وقت ندائه و مدة بلائه و السبب الذي قال لأجله‏ مَسَّنِيَ الضُّرُّ

-

فعن أنس بن مالك‏ (3) قال قال رسول الله(ص)

إن أيوب نبي الله لبث به بلاؤه ثماني عشرة سنة فرفضه القريب و البعيد إلا رجلين من إخوانه كانا يغدوان إليه و يروحان فقال أحدهما لصاحبه و الله لقد أذنب أيوب ذنبا ما أذنبه أحد من العالمين فقال له صاحبه و ما ذاك قال منذ ثماني عشرة سنة لم ي(رحمه الله)

(4)

عز و جل فيكشف ما به فلما راحا إلى أيوب لم يصبر الرجل حتى ذكر ذلك فقال أيوب ما أدري ما تقولان غير أن الله تعالى يعلم أني كنت أمر بالرجلين يتنازعان فيذكران الله تعالى فأرجع إلى بيتي فأكفر عنهما كراهية أن يذكر الله تعالى إلا في حق قال و كان يخرج لحاجته فإذا قضى حاجته أمسكت امرأته بيده حتى يبلغ فلما كان ذات يوم أبطأ عليها و أوحي إلى أيوب في مكانه أن‏

ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وَ شَرابٌ‏

فاستبطأته فتلقته تنظر و أقبل عليها

(5)

و قد أذهب الله عز و جل ما به من البلاء و هو أحسن ما كان فلما رأته قالت هل رأيت نبي الله هذا المبتلى قال إني أنا هو و كان له أندران أندر للقمح و أندر للشعير فبعث الله تعالى سحابتين فلما كانت إحداهما على أندر القمح أفرغت فيه الذهب حتى فاض و أفرغت الأخرى في أندر الشعير الورق حتى فاض و يروى أن الله تعالى أمطر عليه جرادا من ذهب فجعل يحثي منها في ثوبه‏

(6)

فناداه ربه أ لم أغنك عما

____________

(1) في المصدر: و كيف لا أعرفه؟ فتبسم و قال: ها أنا هو، فعرفته لما ضحك فاعتنقته.

(2) في المصدر: كل ما كان لهما من المال و الولد.

(3) أسقط المصنّف اسناد الحديث للاختصار، و هو هكذا: حدّثنا الامام أبو الحسين محمّد بن على بن سهل إملاء في شهر ربيع الأوّل سنة 384، أخبرنا أبو طالب عمر بن الربيع بن سليمان الخشاب بمصر، أخبرنا يحيى بن أيوب العلّاف، أخبرنا سعيد بن أبي مريم، أخبرنا نافع بن يزيد، عن عقيل، عن ابن شهاب، عن أنس بن مالك.

(4) في المصدر: و ما أدراك؟ قال: منذ ثماني عشرة سنة له في البلاء لم ي(رحمه الله).

(5) في المصدر: فاستبطأته فذهبت لتنظر ما شأنه فأقبل عليها.

(6) في المصدر: و لعلّ الصحيح: يحشى منها ثوبه أي يملأ. و في المصدر: يحثو.

368

أرى قال بلى يا رب و لكن لا غنى بي‏

(1)

عن فضلك و رحمتك و من يشبع من نعمك.

و قال الحسن مكث أيوب مطروحا على كناسة في مزبلة لبني إسرائيل سبع سنين و أشهرا يختلف فيه الدواب و قال وهب لم يكن بأيوب أكلة إنما يخرج منه مثل ثدي النساء ثم تتفقا (2) قال الحسن و لم يبق له مال و لا ولد و لا صديق و لا أحد يقربه غير رحمة صبرت معه تصدق‏ (3) و تأتيه بطعام و تحمد الله تعالى معه إذا حمد و أيوب على ذلك لا يفتر من ذكر الله و الثناء عليه و الصبر على ما ابتلاه فصرخ عدو الله إبليس صرخة جمع فيها جنوده من أقطار الأرض جزعا من صبر أيوب فلما اجتمعوا إليه قالوا ما أحزنك قال أعياني هذا العبد الذي سألت الله أن يسلطني على ماله و ولده فلم أدع له مالا و لا ولدا فلم يزد بذلك إلا صبرا و ثناء على الله تعالى ثم سلطت على جسده و تركته قرحة ملقاة على كناسة بني إسرائيل لا يقربه إلا امرأته فقد افتضحت بربي فاستغثت بكم لتعينوني عليه فقالوا له أين مكرك أين علمك الذي أهلكت به من مضى قال بطل ذلك كله في أمر أيوب فأشيروا علي قالوا نشير عليك أ رأيت آدم حين أخرجته من الجنة من أين أتيته قال من قبل امرأته قالوا فأته من قبل امرأته فإنه لا يستطيع أن يعصيها و ليس أحد يقربه غيرها قال أصبتم فانطلق حتى أتى امرأته و هي تصدق فتمثل لها في صورة رجل فقال أين بعلك يا أمة الله قالت هو ذلك يحك قروحه و يتردد الدواب في جسده فلما سمعها طمع أن يكون كلمة جزع فوسوس إليها فذكرها ما كانت فيه من النعيم و المال و ذكرها جمال أيوب و شبابه و ما هو فيه من الضر و أن ذلك لا ينقطع عنهم أبدا.

قال الحسن فصرخت فلما صرخت علم أن قد جزعت فأتاه بسخلة فقال ليذبح هذا لي أيوب و لا يذكر عليه اسم الله عز و جل فإنه يبرأ قال فجاءت تصرخ يا أيوب حتى متى يعذبك ربك أ لا يرحمك أين المال أين الماشية أين الولد أين الصديق‏

____________

(1) في المصدر: لا غنى لي.

(2) أي تشقق.

(3) في المصدر: غير رحمة امرأته صبرت معه تخدمه و تأتيه بطعام.

369

أين لونك الحسن قد تغير و صار مثل الرماد أين جسمك الحسن الذي قد بلى و تردد فيه الدواب اذبح هذه السخلة و استرح قال أيوب أتاك عدو الله فنفخ فيك و أجبته ويلك أ رأيت ما كنا فيه من المال و الولد و الصحة من أعطانيه قالت الله قال فكم متعنا به قالت ثمانين سنة قال فمذ كم ابتلاني الله تعالى بهذا البلاء قالت منذ سبع سنين و أشهر قال ويلك و الله ما عدلت و لا أنصفت ربك ألا صبرت في البلاء الذي ابتلانا الله به ثمانين سنة كما كنا في الرخاء ثمانين سنة و الله لئن شفاني الله عز و جل لأجلدنك مائة جلدة حين أمرتني أن أذبح لغير الله طعامك و شرابك الذي أتيتني به علي حرام أن أذوق مما تأتيني بعد إذ قلت لي هذا فاعزبي عني‏ (1) فلا أراك فطردها فذهبت فلما نظر أيوب إلى امرأته قد طردها و ليس عنده طعام و لا شراب و لا صديق خر ساجدا فقال رب إني‏ مَسَّنِيَ الضُّرُّ ثم رد ذلك إلى ربه فقال‏ وَ أَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ‏ فقيل له ارفع رأسك فقد استجيب لك‏ ارْكُضْ بِرِجْلِكَ‏ فركض برجله فنبعت عين فاغتسل منها فلم يبق عليه من دائه شي‏ء ظاهر إلا سقط (2) فأذهب الله تعالى عنه كل ألم و كل سقم و عاد إليه شبابه و جماله أحسن ما كان‏ (3) و أفضل ما كان ثم ضرب برجله فنبعت عين أخرى فشرب منها فلم يبق في جوفه داء إلا خرج فقام صحيحا و كسي حلة قال فجعل يلتفت فلا يرى شيئا مما كان له من أهل و مال إلا و قد أضعفه الله تعالى له فخرج حتى جلس على مكان مشرف.

ثم إن امرأته قالت أ رأيت إن كان طردني إلى من أكله أدعه يموت جوعا و يضيع فتأكله السباع لأرجعن إليه فرجعت فلا كناسة ترى و لا تلك الحال التي كانت و إذا الأمور تغيرت فجعلت تطوف حيث كانت الكناسة و تبكي على أيوب‏ (4) قال و هابت صاحب الحلة أن تأتيه فتسأله عنه فأرسل إليها أيوب فدعاها فقال ما تريدين‏

____________

(1) عزب: بعد و غاب و خفى.

(2) في المصدر: إلا سقط أثره و أذهب اللّه.

(3) في المصدر: و أفضل ممّا مضى.

(4) في المصدر: و تبكى و أيوب ينظرها.

370

يا أمة الله فبكت و قالت أردت ذلك المبتلى الذي كان منبوذا على الكناسة لا أدري أ ضاع أم ما فعل‏ (1) قال لها أيوب ما كان منك فبكت فقالت بعلي فهل رأيته قال و هل تعرفينه إذا رأيته قالت و هل يخفى على أحد ربه ثم جعلت تنظر إليه‏ (2) و هي تهابه ثم قالت أما إنه كان أشبه خلق الله بك إذ كان صحيحا قال فإني أنا أيوب الذي أمرتني أن أذبح لإبليس و إني أطعت الله تعالى و عصيت الشيطان و دعوت الله تعالى فرد علي ما ترين و قال كعب كان أيوب في بلائه سبع سنين و قال وهب لبث أيوب في ذلك البلاء ثلاث سنين لم يزد يوما واحدا فلما غلب أيوب إبليس و لم يستطع منه شيئا اعترض امرأته في هيئة ليست كهيئة بني آدم في العظم و الجسم و الجمال على مركب ليس من مراكب الناس له عظم و بهاء و جمال فقال أنت صاحبة أيوب هذا الرجل المبتلى قالت نعم قال فهل تعرفيني قالت لا قال فأنا إله الأرض و أنا الذي صنعت بصاحبك ما صنعت و ذلك أنه عبد إله السماء و تركني فأغضبني و لو سجد لي واحدة رددت عليه و عليك كل ما كان لكما من مال و ولد فإنه عندي ثم أراها إياهم فيما ترى ببطن الوادي الذي لقيها فيه قال وهب و قد سمعت أنه قال لو أن صاحبك أكل طعاما و لم يسم عليه لعوفي مما به من البلاء و الله أعلم و أراد عدو الله أن يأتيه من قبلها.

و رأيت في بعض الكتب أن إبليس لعنه الله قال لرحمة و إن شئت فاسجدي لي سجدة واحدة حتى أرد عليك المال و الأولاد و أعافي زوجك فرجعت إلى أيوب عليه الصلاة و السلام فأخبرته بما قال لها و ما أراها قال لقد أتاك عدو الله لفتنك عن دينك ثم أقسم إن عافاه الله تعالى ليضربنها مائة جلدة و قال عند ذلك‏ مَسَّنِيَ الضُّرُّ في طمع إبليس في سجود رحمة له و دعائه إياها و إياي إلى الكفر قالوا ثم إن الله تعالى رحم رحمة امرأة أيوب بصبرها معه على البلاء و خفف عنها و أراد أن يبر يمين أيوب فأمره أن يأخذ جماعة من الشجرة يبلغ مائة قضيب خفافا لطافا فيضربها بها ضربة واحدة كما قال‏

____________

(1) في المصدر: أم ما ذا فعل به؟.

(2) في المصدر: و هل يخفى على؟ ثم انها جعلت تنظر إليه.

371

الله تعالى‏ وَ خُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَاضْرِبْ بِهِ وَ لا تَحْنَثْ‏ و قال كانت امرأة أيوب تكتسب له و تعمل للناس و تجيئه بقوته فلما طال عليها البلاء و سئمها الناس فلم يستعملها التمست له يوما من الأيام ما تطعمه فما وجدت شيئا فجزت قرنا من رأسها فباعته برغيف فأتته به فقال لها أين قرنك فأخبرته فقال عند ذلك‏ مَسَّنِيَ الضُّرُّ و قيل إنما قال ذلك حين قصدت الدود قلبه و لسانه فخشي أن يبقى خاليا عن الذكر و الفكر و قيل إنما قال ذلك حين وقعت دودة من فخذه فرفعها و ردها إلى موضعها فقال لها قد جعلني الله طعامك فعضته عضة زاد ألمها على جميع ما قاسى من عض الديدان.

و قال عبد الله بن عبيد الله بن عمير (1) كان لأيوب(ع)أخوان فأتياه فقاما من بعيد لا يقدران الدنو منه من ريحه فقال أحدهما لصاحبه لو كان الله تعالى علم في أيوب خيرا ما ابتلاه بما نرى قال فلم يسمع أيوب شيئا كان أشد عليه من هذه الكلمة و ما جزع من شي‏ء أصابه جزعة من تلك الكلمة فعند ذلك قال‏ مَسَّنِيَ الضُّرُّ ثم قال اللهم إنك تعلم‏ (2) أني لم أبت ليلة شبعان قط و أنا أعلم مكان جائع فصدقني فصدق و هما يسمعان ثم قال اللهم إن كنت تعلم أني لم أتخذ قميصي قط و أنا أعلم مكان عار فصدقني فصدق و هما يسمعان فخر ساجدا و قيل معناه مسني الضر من شماتة الأعداء يدل عليه ما روي أنه قيل بعد ما عوفي ما كان أشد عليك في بلائك قال شماتة الأعداء.

قوله تعالى‏ فَكَشَفْنا ما بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَ آتَيْناهُ أَهْلَهُ وَ مِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً اختلف العلماء في كيفية ذلك فقال‏ (3) إنما أتى الله أيوب في الدنيا مثل أهله الذين هلكوا فأما الذين هلكوا فإنهم لم يردوا عليه في الدنيا و إنما وعد الله تعالى أيوب أن يؤتيه إياهم في الآخرة قال وهب كان له سبع بنات و ثلاثة بنين و قال آخرون بل ردهم الله تعالى‏

____________

(1) في المصدر: قال عبد اللّه بن عمر.

(2) في المصدر: اللّهمّ ان كنت تعلم.

(3) في المصدر: فقال قوم اه.

372

إليه بأعيانهم و أعطاه مثلهم معهم و هو قول ابن مسعود و ابن عباس و قتادة و كعب قال أحياهم الله تعالى و آتاه مثلهم و هذا القول أشبه بظاهر الآية و ذكر أن عمر أيوب(ع)كان ثلاثا و تسعين سنة (1) و أنه أوصى عند موته إلى ابنه حومل و أن الله تعالى بعث بعده ابنه بشر بن أيوب نبيا و سماه ذا الكفل و أمره بالدعاء إلى توحيده و أنه كان مقيما بالشام عمره حتى مات و كان مبلغ عمره خمسا و تسعين سنة و أن بشرا أوصى إلى ابنه عبدان و أن الله تعالى بعث بعده شعيبا نبيا. (2)

بيان البثنية بضم الباء و فتح الثاء اسم موضع و الفدادين بالتخفيف البقر التي تحرث و الواحد الفدان بالتشديد و الإعصار ريح تثير الغبار و يرتفع إلى السماء كأنه عمود و تنفح بالحاء المهملة تشم و أيها بالفتح و النصب أمر بالسكوت و الزؤان بالضم و الكسر حب يخالط البر و الكلم الجرح و جثم الإنسان و الطائر لزم مكانه فلم يبرح أو وقع على صدره و تداعت الحيطان للخراب أي تهادمت قوله يناطح جدره أي يقع بعضها على بعض و يضرب بعضها بعضا مأخوذ من نطح البهائم و الجندل الحجارة و رهل لحمه بالكسر اضطرب و استرخى و انتفخ أو ورم من غير داء و نغل بالغين المعجمة المكسورة أي فسل و التبكيت التقريع و التعنيف و السداد بالضم داء في الأنف و بالكسر ما يسد به القارورة و غيرها و هو المراد هنا و أقمأه صغره و أذله و الزيار بالكسر ما يزير به البيطار الدابة أي يلوي جحفلته و السحال ككتاب اللجام أو الحديدة التي منه تجعل في فم الدابة و دمست الشي‏ء دفنته و خبأته و الأندر البيدر أو كدس القمح.

أقول إنما أوردت هذه القصة بطولها مع عدم اعتمادي عليها (3) لكونها كالشرح و التفصيل لبعض ما أوردته بالأسانيد المعتبرة فما وافقها فهو المعتمد و ما خالفها فلا يعول عليه و الله الموفق لكل خير.

(4)

____________

(1) و في المحبر: كان عمره مائتي سنة.

(2) العرائس: 96- 103. م.

(3) لانها متضمنة لما فيه غرابة جدة.

(4) و أورد المسعوديّ في كتابه اثبات الوصية الأنبياء أو الأوصياء الذين كانوا بين يوسف و شعيب (عليهما السلام)، و ذكرهم اجمالا ممّا يناسب المقام، قال: فلما قربت وفاة يوسف (عليه السلام) أوحى اللّه إليه: أن استودع نور اللّه و حكمته و جميع المواريث التي في يديك ببرز بن لاوى بن يعقوب، فسلم التابوت و النور و الحكمة و جميع المواريث إليه، فقام ببرز بن لاوى بن يعقوب بامر اللّه جل و عزّ يدبره على سبيل آبائه، فلما حضرته الوفاة أوحى اللّه إليه أن يستودع نور اللّه و حكمته و ما في يديه ابنه أحرب، فدعاه و أوصى إليه، فقام أحرب بن ببرز بن لاوى بامر اللّه و اتبعه المؤمنون، و جرى على منهاج آبائه حتّى إذا حضرته الوفاة أوحى اللّه إليه أن يجعل الوصية الى ابنه ميتاح، فأحضره و أوصى إليه و سلم مواريث الأنبياء و ما في يده إليه، فقام ميتاح بأمر اللّه جل ذكره و اتبعهم المؤمنون و هم الاقلون عددا في ذلك الزمان، المستخفون من الجبار، المتوقعون الفرج، فلما حضرت ميتاح الوفاة فأوحى اللّه إليه أن يوصى الى ابنه عاق، فاحضره و أوصى إليه، فقام عاق بأمر اللّه و اتبعه المؤمنون على سبيل من تقدمه من آبائه. فلما حضرته الوفاة أوحى اللّه اليه أن يوصى الى ابنه خيام، فأحضره و أوصى إليه، و قام خيام بامر اللّه الى أن حضرته الوفاة فأوحى اللّه إليه أن يستودع نور اللّه و حكمته ابنه مادوم، فقام مادوم بن خيام بأمر اللّه عزّ و جلّ الى أن حضرته الوفاة فأوحى اللّه إليه أن يوصى الى شعيب فأحضره و أوصى إليه، و كان شعيب من ولد نابت بن إبراهيم، لم يكن من ولد إسماعيل و إسحاق (عليهما السلام).

373

باب 11 قصص شعيب‏

الآيات الأعراف‏ وَ إِلى‏ مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَ الْمِيزانَ وَ لا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ وَ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَ لا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ وَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَ تَبْغُونَها عِوَجاً وَ اذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ وَ انْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ وَ إِنْ كانَ طائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَ طائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنا وَ هُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا قالَ أَ وَ لَوْ كُنَّا كارِهِينَ قَدِ افْتَرَيْنا عَلَى اللَّهِ كَذِباً إِنْ عُدْنا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْها

374

وَ ما يَكُونُ لَنا أَنْ نَعُودَ فِيها إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّنا وَسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْ‏ءٍ عِلْماً عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَ بَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ وَ أَنْتَ خَيْرُ الْفاتِحِينَ وَ قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْباً إِنَّكُمْ إِذاً لَخاسِرُونَ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً كانُوا هُمُ الْخاسِرِينَ فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَ قالَ يا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَ نَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسى‏ عَلى‏ قَوْمٍ كافِرِينَ‏ هود وَ إِلى‏ مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ وَ لا تَنْقُصُوا الْمِكْيالَ وَ الْمِيزانَ إِنِّي أَراكُمْ بِخَيْرٍ وَ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ وَ يا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيالَ وَ الْمِيزانَ بِالْقِسْطِ وَ لا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ وَ لا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَ ما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ قالُوا يا شُعَيْبُ أَ صَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوالِنا ما نَشؤُا إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ قالَ يا قَوْمِ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى‏ بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَ رَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً وَ ما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ إِلى‏ ما أَنْهاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَ ما تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَ إِلَيْهِ أُنِيبُ وَ يا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ ما أَصابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صالِحٍ وَ ما قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ وَ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ قالُوا يا شُعَيْبُ ما نَفْقَهُ كَثِيراً مِمَّا تَقُولُ وَ إِنَّا لَنَراكَ فِينا ضَعِيفاً وَ لَوْ لا رَهْطُكَ لَرَجَمْناكَ وَ ما أَنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ قالَ يا قَوْمِ أَ رَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَ اتَّخَذْتُمُوهُ وَراءَكُمْ ظِهْرِيًّا إِنَّ رَبِّي بِما تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ وَ يا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى‏ مَكانَتِكُمْ إِنِّي عامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ وَ مَنْ هُوَ كاذِبٌ وَ ارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ وَ لَمَّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا شُعَيْباً وَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَ أَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها أَلا بُعْداً لِمَدْيَنَ كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ الحجر وَ إِنْ كانَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ لَظالِمِينَ فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ وَ إِنَّهُما لَبِإِمامٍ مُبِينٍ‏ الشعراء 176 كَذَّبَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ إِذْ قالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَ لا تَتَّقُونَ‏

375

إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُونِ وَ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلى‏ رَبِّ الْعالَمِينَ أَوْفُوا الْكَيْلَ وَ لا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ وَ زِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ وَ لا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ وَ لا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ وَ اتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَ الْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ قالُوا إِنَّما أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ وَ ما أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا وَ إِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكاذِبِينَ فَأَسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفاً مِنَ السَّماءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ قالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كانَ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَ ما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ وَ إِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ‏ القصص‏ وَ ما كُنْتَ ثاوِياً فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا وَ لكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ‏ العنكبوت‏ وَ إِلى‏ مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَ ارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ وَ لا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ‏ ق‏ وَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ وَ قَوْمُ تُبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ تفسير قال الطبرسي (رحمه الله) في قوله تعالى‏ وَ إِلى‏ مَدْيَنَ‏ (1) أي أهل مدين أو هو اسم القبيلة قيل إن مدين ابن إبراهيم الخليل فنسبت القبيلة إليه قال عطا هو شعيب بن توبة بن مدين بن إبراهيم و قال قتادة هو شعيب بن نويب‏ (2) و قال ابن إسحاق هو

____________

(1) في المصدر: «وَ إِلى‏ مَدْيَنَ»* اى و ارسلنا الى مدين اخاهم شعيبا. م.

(2) قد وقع الخلاف في نسبه بين المؤرخين، قال اليعقوبي في تاريخه: هو شعيب بن نويب ابن عيا بن مدين بن إبراهيم. و كذا قال البغداديّ في المحبر الا ان فيه: يوبب بن عيفا، و قال الطبريّ: هو شعيب بن صيفون بن عنقا بن ثابت بن مدين بن إبراهيم، و قال: قال بعضهم: لم يكن شعيب من ولد إبراهيم، و انما هو من ولد بعض من كان آمن بابراهيم و اتبعه على دينه و هاجر معه الى الشام، و لكنه ابن بنت لوط، فجدة شعيب ابنة لوط. و قيل: ان اسم شعيب يترون انتهى. و قال الثعلبي في العرائس: هو شعيب بن صفوان بن عيفا بن نابت بن مدين، و هو يوافق ما قد عرفت آنفا عن المسعوديّ أنّه كان من ولد نابت بن إبراهيم، و سيأتي قول صاحب الكامل في آخر الباب.

376

شعيب بن ميكيل‏ (1) بن يشجب بن مدين بن إبراهيم و أم ميكيل بنت لوط و كان يقال له خطيب الأنبياء لحسن مراجعته قومه و هم‏ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ (2) و قال قتادة أرسل شعيب مرتين إلى مدين مرة و إلى أصحاب الأيكة مرة فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَ الْمِيزانَ‏ أي أدوا حقوق الناس على التمام في المعاملات‏ وَ لا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ‏ أي لا تنقصوهم حقوقهم‏ وَ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها أي لا تعملوا في الأرض بالمعاصي و استحلال المحارم بعد أن أصلحها الله بالأمر و النهي و بعثة الأنبياء و قيل لا تفسدوا بأن لا تؤمنوا فيهلك الله الحرث و النسل‏ وَ لا تَقْعُدُوا فيه أقوال أحدها أنهم كانوا يقعدون على طريق من قصد شعيبا للإيمان به فيخوفونه بالقتل و ثانيها أنهم كانوا يقطعون الطريق فنهاهم عنه و ثالثها أن المراد لا تقعدوا بكل طريق من طرق الدين فتطلبون له العوج بإيراد الشبهة وَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ‏ أي تمنعون عن دين الله‏ مَنْ آمَنَ بِهِ‏ أي من أراد الإيمان‏ وَ تَبْغُونَها أي السبيل‏ عِوَجاً بأن تقولوا هو باطل‏ فَكَثَّرَكُمْ‏ أي كثر عددكم قال ابن عباس و ذلك أن مدين بن إبراهيم تزوج بنت لوط فولدت حتى كثر أولادها و قيل جعلكم أغنياء بعد أن كنتم فقراء عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ‏ أي فكروا في عواقب أمر عاد و ثمود و قوم لوط أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا لأنه كان عندهم أنه كان قبل ذلك على دينهم فلذلك أطلقوا لفظ العود و قد كان يخفي دينه فيهم و يحتمل أنهم أرادوا به قومه فأدخلوه معهم في الخطاب أو يراد بالعود الابتداء مجازا قال أي شعيب‏ أَ وَ لَوْ كُنَّا كارِهِينَ‏ أي أ يعبدوننا في مثلكم و لو كنا كارهين للدخول فيها قَدِ افْتَرَيْنا أي إن عدنا في ملتكم بأن نحل ما تحلونه و نحرم ما تحرمونه و ننسبه إلى الله تعالى بعد إذ نجانا الله منها بأن أقام الدليل و أوضح الحق لنا فقد اختلقنا على الله كذبا فيما دعوناكم إليه‏ وَ ما يَكُونُ لَنا أَنْ نَعُودَ فِيها إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّنا فيه وجوه أحدها أن المراد بالملة الشريعة لا ما يرجع إلى الاعتقاد في الله سبحانه و صفاته و في شريعتهم أشياء يجوز أن‏

____________

(1) في الطبريّ: ميكائيل. و في العرائس: شعيب ابن ميكائيل بن يشجر، و قال: اسمه بالسريانية: يترون، و أمه ميكيل ابنة لوط.

(2) الايكة الغيضة، و هي غيضة شجر قرب مدين، و قيل: هو الشجر الملتف.

377

يتعبد الله بها فكأنه قال ليس لنا أن نعود في ملتكم إلا أن يشاء الله أن يتعبدنا بها و ينسخ ما نحن فيه من الشريعة.

و ثانيها أنه علق ما لا يكون بما علم أنه لا يكون على وجه التبعيد كما قال‏ وَ لا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ (1) و ثالثها إلا أن يشاء الله أن يمكنكم من إكراهنا و يخلي بينكم و بينه فنعود إلى إظهارها مكرهين.

و رابعها أن تعود الهاء إلى القرية أي سنخرج من قريتكم و لا نعود فيها إلا أن يشاء الله بما ينجزه لنا من الوعد في الإظهار عليكم و الظفر بكم فنعود فيها.

و خامسها أن يكون المعنى إلا أن يشاء الله أن يردكم إلى الحق فنكون جميعا على ملة واحدة لأنه لما قال حاكيا عنهم‏ أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا كأن معناه أو لنكونن على ملة واحدة فحسن أن يقول من بعد إلا أن يشاء الله أن يجمعكم معنا على ملة واحدة عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنا في الانتصار منكم و في كل أمورنا رَبَّنَا افْتَحْ‏ سؤال من شعيب و رغبة منه إلى الله تعالى في أن يحكم بينه و بين قومه بالحق على سبيل الانقطاع إليه و إن كان من المعلوم أن الله سيفعله لا محالة و قيل أي اكشف‏ بَيْنَنا وَ بَيْنَ قَوْمِنا و بين أننا على حق و هذه استعجال منه للنصر وَ أَنْتَ خَيْرُ الْفاتِحِينَ‏ أي الحاكمين و الفاصلين‏ إِذاً لَخاسِرُونَ‏ أي بمنزلة من ذهب رأس ماله و قيل مغبونون و قيل هالكون‏ جاثِمِينَ‏ أي ميتين ملقين على وجوههم‏ كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أي كأن لم يقيموا بها قط لأن المهلك يصير كأن لم يكن‏ فَتَوَلَّى عَنْهُمْ‏ أي أعرض عنهم لما رأى إقبال العذاب عليهم إعراض الآيس منهم‏ فَكَيْفَ آسى‏ أي أحزن‏ عَلى‏ قَوْمٍ كافِرِينَ‏ حل العذاب بهم مع استحقاقهم له. (2)

إِنِّي أَراكُمْ بِخَيْرٍ أي برخص السعر و الحصب و قيل أراد بالخير المال و زينة الدنيا فحذرهم الغلاء و زيادة السعر و زوال النعمة أو المعنى أراكم في كثرة الأموال و سعة الرزق فلا حاجة لكم إلى نقصان الكيل و الوزن‏ يَوْمٍ مُحِيطٍ أي يوم القيامة يحيط عذابه‏

____________

(1) الأعراف: 40.

(2) مجمع البيان 4: 447- 450. م.

378

بجميع الكفار بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ‏ أي ما أبقى الله لكم من الحلال بعد إتمام الكيل و الوزن خير من البخس و التطفيف و شرط الإيمان لأنهم إن كانوا مؤمنين بالله عرفوا صحة هذا القول و قيل معناه إبقاء الله النعيم عليكم خير لكم مما يحصل من النفع بالتطفيف و قيل طاعة الله‏ (1) و قيل رزق الله‏ وَ ما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ أي و ما أنا بحافظ نعم الله عليكم إن أراد أن يزيلها عنكم أو ما أنا بحافظ لأعمالكم إن علي إلا البلاغ‏ أَ صَلاتُكَ تَأْمُرُكَ‏ إنما قالوا ذلك لأن شعيبا كان كثير الصلاة و كان يقول إذا صلى إن الصلاة رادعة عن الشر ناهية عن الفحشاء و المنكر فقالوا أ صلاتك التي تزعم أنها تأمر بالخير و تنهى عن الشر أمرتك بهذا عن ابن عباس و قيل معناه أ دينك يأمرك بترك دين السلف كني عن الدين بالصلاة لأنها من أجل أمور الدين و إنما قالوا ذلك على وجه الاستهزاء (2) أَوْ أَنْ نَفْعَلَ‏ قال البيضاوي عطف على ما أي و أن نترك فعلنا ما نشاء في أموالنا و هو جواب النهي عن التطفيف و الأمر بالإيفاء و قيل كان ينهاهم عن تقطيع الدراهم و الدنانير فأرادوا به ذلك‏ عَلى‏ بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي‏ إشارة إلى ما آتاه الله من العلم و النبوة وَ رَزَقَنِي‏ إشارة إلى ما آتاه الله من المال الحلال و جواب الشرط محذوف تقديره فهل يسع لي مع هذا الإنعام أن أخون في وحيه و أخالفه في أمره و نهيه‏ وَ ما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ‏ أي و ما أريد أن آتي ما أنهاكم عنه لأستبد به فلو كان صوابا لآثرته و لم أعرض عنه فضلا أن أنهاكم عنه يقال خالفت زيدا إلى كذا إذا قصدته و هو مول عنه و خالفته عنه إذا كان الأمر بالعكس إن أريد أي ما أريد إلا أن أصلحكم بأمري بالمعروف و نهيي عن المنكر ما دمت أستطيع الإصلاح فلو وجدت الإصلاح فيما أنتم عليه لما نهيتكم‏ وَ ما تَوْفِيقِي‏ لإصابة الحق و الرشاد إلا بهدايته و معونته. (3)

____________

(1) و أضاف السيّد الرضيّ على هذه الوجوه وجها آخر، قال: و قد قيل: بقية اللّه أي عفو اللّه عنكم و رحمته لكم بعد استحقاقكم العذاب، كما يقول العرب المتحاربون بعضهم لبعض إذا استحر فيهم القتل و اعضلهم الخطب: البقية البقية أي نسألكم البقية علينا، و البقية هاهنا و الابقاء بمعنى واحد.

(2) مجمع البيان 5: 187- 188. م.

(3) أنوار التنزيل 1: 224. م.

379

وَ إِلَيْهِ أُنِيبُ‏ قال الطبرسي أي إليه أرجع في المعاد أو إليه أرجع بعملي و نيتي أي أعمالي كلها لوجه الله‏ لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقاقِي‏ أي لا يكسبنكم خلافي و معاداتي‏ أَنْ يُصِيبَكُمْ‏ من عذاب العاجلة وَ ما قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ أي هم قريب منكم في الزمان أو دارهم قريبة من داركم فيجب أن تتعظوا بهم‏ اسْتَغْفِرُوا أي اطلبوا المغفرة من الله ثم توصلوا إليها بالتوبة أو استغفروا للماضي و اعزموا في المستقبل أو استغفروا ثم دوموا على التوبة أو استغفروا علانية و أضمروا الندامة في القلب‏ وَدُودٌ أي محب لهم مريد لمنافعهم أو متودد إليهم بكثرة إنعامه عليهم‏ ما نَفْقَهُ‏ أي ما نفهم عنك معنى كثير من كلامك أو لا نقبل كثيرا منه و لا نعمل به‏ ضَعِيفاً أي ضعيف البدن أو ضعيف البصر أو مهينا و قيل كان(ع)أعمى.

و اختلف في أن النبي هل يجوز أن يكون أعمى فقيل لا يجوز لأن ذلك ينفر و قيل يجوز أن لا يكون فيه تنفير و يكون بمنزلة سائر العلل و الأمراض.

وَ لَوْ لا رَهْطُكَ لَرَجَمْناكَ‏ أي و لو لا حرمة عشيرتك لقتلناك بالحجارة و قيل معناه لشتمناك و سببناك‏ وَ ما أَنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ أي لم ندع قتلك لعزتك علينا و لكن لأجل قومك‏ ظِهْرِيًّا أي اتخذتم الله وراء ظهوركم يعني نسيتموه‏ (1) و قيل الهاء عائدة إلى ما جاء به شعيب‏ عَلى‏ مَكانَتِكُمْ‏ أي على حالتكم هذه و هذا تهديد في صورة الأمر إِنِّي عامِلٌ‏ على ما أمرني ربي و قيل إني عامل على ما أنا عليه من الإنذار وَ ارْتَقِبُوا أي انتظروا ما وعدكم ربكم من العذاب إني معكم منتظر لذلك أو انتظروا مواعيد الشيطان و أنا أنتظر مواعيد الرحمن.

-

وَ رُوِيَ عَنِ الرِّضَا(ع)أَنَّهُ قَالَ:

مَا أَحْسَنَ الصَّبْرَ وَ انْتِظَارَ الْفَرَجِ أَ مَا سَمِعْتَ قَوْلَ الْعَبْدِ الصَّالِحِ‏

وَ ارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ‏

الصَّيْحَةُ صاح بهم جبرئيل صيحة فماتوا قال البلخي يجوز أن تكون الصيحة صيحة على الحقيقة كما روي و يجوز أن يكون ضربا من العذاب تقول العرب صاح الزمان‏

____________

(1) قال السيّد: المراد انكم جعلتم امر اللّه سبحانه وراء ظهوركم، و هذا معروف في لسان العرب أن يقول الرجل منهم لمن أغفل قضاء حاجته: جعلت حاجتى وراء ظهرك.

380

بهم إذا هلكوا أَلا بُعْداً أي بعدوا من رحمة الله بعدا و قيل أي هلاكا لهم كما هلكت ثمود. (1)

أَصْحابُ الْأَيْكَةِ هم أهل الشجر الذين أرسل إليهم شعيب و أرسل إلى أهل مدين فأهلكوا بالصيحة و أما أصحاب الأيكة فأهلكوا بالظلة التي احترقوا بنارها و كانوا أصحاب غياض فعاقبهم الله بالحر سبعة أيام ثم أنشأ سحابة فاستظلوا بها يلتمسون الروح فيها فلما اجتمعوا تحتها أرسل منها صاعقة فاحترقوا جميعا فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ‏ أي من قوم شعيب و قوم لوط وَ إِنَّهُما لَبِإِمامٍ مُبِينٍ‏ أي إن مدينتي قوم لوط و أصحاب الأيكة بطريق يؤم و يتبع و يهتدى به أو إن حديث مدينتهما لمكتوب في اللوح المحفوظ. (2)

مِنَ الْمُخْسِرِينَ‏ أي من الناقصين للكيل و الوزن‏ بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ‏ أي بالميزان السوي و الجبلة الخليقة كِسَفاً أي قطعا و الظلة السحابة التي أظلتهم. (3)

وَ ما كُنْتَ ثاوِياً أي مقيما في قوم شعيب فتقرأ على أهل مكة خبرهم و لكنا أرسلنا و أنزلنا عليك هذه الأخبار و لو لا ذلك لما علمتها أو أنك لم تشاهد قصص الأنبياء و لا تليت عليك و لكنا أوحيناها إليك فيدل ذلك على صحة نبوتك‏ (4).

1-

ع، علل الشرائع الطَّالَقَانِيُّ عَنْ عُمَرَ بْنِ يُوسُفَ بْنِ سُلَيْمَانَ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الرَّقِّيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ مَهْدِيٍّ الرَّقِّيِّ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَنَسٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)

بَكَى شُعَيْبٌ(ع)مِنْ حُبِّ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ حَتَّى عَمِيَ فَرَدَّ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ عَلَيْهِ بَصَرَهُ ثُمَّ بَكَى حَتَّى عَمِيَ فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِ بَصَرَهُ ثُمَّ بَكَى حَتَّى عَمِيَ فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِ بَصَرَهُ فَلَمَّا كَانَتِ الرَّابِعَةُ أَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ يَا شُعَيْبُ إِلَى مَتَى يَكُونُ هَذَا أَبَداً مِنْكَ إِنْ يَكُنْ هَذَا خَوْفاً مِنَ النَّارِ فَقَدْ آجَرْتُكَ-

(5)

وَ إِنْ يَكُنْ شَوْقاً إِلَى الْجَنَّةِ فَقَدْ أَبَحْتُكَ فَقَالَ‏

____________

(1) مجمع البيان 5: 187- 189. م.

(2) مجمع البيان 6: 343. م.

(3) مجمع البيان 7: 202. و هو نقل بالمعنى، اصل العبارة هكذا: «بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ»* اى بالعدل الذي لا حيف فيه يعنى زنوا وزنا بجمع الايفاء و الاستيفاء انتهى. م.

(4) مجمع البيان 7: 257. م.

(5) أي أنقذتك.

381

إِلَهِي وَ سَيِّدِي أَنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي مَا بَكَيْتُ خَوْفاً مِنْ نَارِكَ وَ لَا شَوْقاً إِلَى جَنَّتِكَ وَ لَكِنْ عَقَدَ حُبُّكَ عَلَى قَلْبِي فَلَسْتُ أَصْبِرُ أَوْ أَرَاكَ فَأَوْحَى اللَّهُ جَلَّ جَلَالُهُ إِلَيْهِ أَمَّا إِذَا كَانَ هَذَا هَكَذَا فَمِنْ أَجْلِ هَذَا سَأُخْدِمُكَ كَلِيمِي مُوسَى بْنَ عِمْرَانَ قَالَ الصَّدُوقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَعْنِي بِذَلِكَ لَا أَزَالُ أَبْكِي أَوْ أَرَاكَ قَدْ قَبِلْتَنِي حَبِيباً

(1)

.

بيان: كلمة أو بمعنى إلى أن أو إلا أن أي إلى أن يحصل لي غاية العرفان و الإيقان المعبر عنها بالرؤية و هي رؤية القلب لا البصر و الحاصل طلب كمال المعرفة بحسب الاستعداد و القابلية و الوسع و الطاقة (2) و قد مضى توضيح ذلك في كتاب التوحيد.

2-

فس، تفسير القمي‏

بَعَثَ اللَّهُ شُعَيْباً إِلَى مَدْيَنَ وَ هِيَ قَرْيَةٌ عَلَى طَرِيقِ الشَّامِ فَلَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ وَ حَكَى اللَّهُ قَوْلَهُمْ‏

قالُوا يا شُعَيْبُ أَ صَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا

إِلَى قَوْلِهِ‏

الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ

قَالَ قَالُوا إِنَّكَ لَأَنْتَ السَّفِيهُ الْجَاهِلُ فَحَكَى اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ قَوْلَهُمْ‏

إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ

وَ إِنَّمَا أَهْلَكَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى بِنَقْصِ الْمِكْيَالِ وَ الْمِيزَانِ‏

(3)

.

بيان: قال البيضاوي في قوله تعالى‏ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ تحكموا به و قصدوا وصفه بضد ذلك أو عللوا إنكار ما سمعوا منه و استبعادهم بأنه موسوم بالحلم و الرشد المانعين عن المبادرة إلى أمثال ذلك انتهى. (4)

أقول ما ذكر في تفسير علي بن إبراهيم غير الوجهين و حاصله أنه تعالى عبر عما قالوه بضد قولهم إيماء إلى أن ما قالوه مما لا يمكن ذكره لاستهجانه و ركاكته‏ (5).

3-

فس، تفسير القمي‏ وَ إِنَّا لَنَراكَ فِينا ضَعِيفاً

وَ قَدْ كَانَ ضَعُفَ بَصَرُهُ‏

وَ ارْتَقِبُوا

أَيِ انْتَظِرُوا

____________

(1) علل الشرائع: 30- 31. م.

(2) و يمكن أن يكون كناية عن الموت أي الى أن أموت.

(3) تفسير القمّيّ 313. م.

(4) أنوار التنزيل 1: 224. م.

(5) و أمكن أن قالوا ذلك على سبيل الاستفهام انكارا عليه بأن ذلك لا يصدر عن الحليم الرشيد فكانهم قالوا: أ انت الحليم الرشيد مع قولك هذا؟!.

382

فَبَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ صَيْحَةً فَمَاتُوا-

(1) وَ ما كُنْتَ ثاوِياً

أَيْ بَاقِياً

(2)

.

4-

فس، تفسير القمي‏ فَكَذَّبُوهُ‏

قَالَ قَوْمُ شُعَيْبٍ‏

فَأَخَذَهُمْ عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ

قَالَ يَوْمُ حَرٍّ وَ سَمَائِمَ-

(3)

قَوْلُهُ‏

أَصْحابُ الْأَيْكَةِ

الْأَيْكَةُ الْغَيْضَةُ مِنَ الشَّجَرِ.

بيان: قال البيضاوي‏ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ هم قوم شعيب كانوا يسكنون الغيضة فبعثه الله إليهم فكذبوه فأهلكوا بالظلة و الأيكة الشجر المتكاثفة (4).

5-

مع، معاني الأخبار أَبِي عَنْ سَعْدٍ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْخَطَّابِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدٍ الثَّقَفِيِّ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَيْمُونٍ عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ عَنِ الْأَصْبَغِ عَنْ عَلِيٍّ(ع)

فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَ‏

وَ قالُوا رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسابِ‏

قَالَ نَصِيبَهُمْ مِنَ الْعَذَابِ‏

(5)

.

إيضاح قال البيضاوي أي قسطنا من العذاب الذي توعدنا به أو الجنة التي تعد المؤمنين و هو من قطه إذا قطعه و يقال للصحيفة الجائزة قط لأنها قطعة من القرطاس و قد فسر بها أي عجل لنا صحيفة أعمالنا ننظر فيها (6).

6-

ص، قصص الأنبياء (عليهم السلام) بِالْإِسْنَادِ إِلَى الصَّدُوقِ عَنِ ابْنِ الْمُتَوَكِّلِ عَنِ السَّعْدَآبَادِيِّ عَنِ الْبَرْقِيِّ عَنِ ابْنِ مَحْبُوبٍ عَنْ هِشَامٍ عَنْ سَعْدٍ الْإِسْكَافِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ(ع)قَالَ:

إِنَّ أَوَّلَ مَنْ عَمِلَ الْمِكْيَالَ وَ الْمِيزَانَ شُعَيْبٌ النَّبِيُّ(ع)عَمِلَهُ بِيَدِهِ فَكَانُوا يَكِيلُونَ وَ يُوفُونَ ثُمَّ إِنَّهُمْ بَعْدُ طَفَّفُوا فِي الْمِكْيَالِ وَ بَخِسُوا فِي الْمِيزَانِ‏

فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ

فَعُذِّبُوا بِهَا

فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ‏ (7)

.

بيان: قال الطبرسي (رحمه الله) في قوله تعالى‏ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ أي فأخذ قوم شعيب الزلزلة عن الكلبي و قيل أرسل الله عليهم وقدة (8) و حرا شديدا فأخذ بأنفاسهم فدخلوا

____________

(1) تفسير القمّيّ: 314. م.

(2) تفسير القمّيّ: 489. م.

(3) تفسير القمّيّ: 474. م.

(4) أنوار التنزيل 1: 253. م.

(5) معاني الأخبار: 67. م.

(6) أنوار التنزيل 2: 138 و فيه: للنظر فيها. م.

(7) مخطوط.

(8) الوقدة: النار.

383

أجواف البيوت فدخل عليهم البيوت فلم ينفعهم ظل و لا ماء و أنضجهم الحر فبعث الله تعالى سحابة فيها ريح طيبة فوجدوا برد الريح و طيبها و ظل السحابة فتنادوا عليكم بها فخرجوا إلى البرية فلما اجتمعوا تحت السحابة ألهبها الله عليهم نارا و رجفت بهم الأرض فاحترقوا كما يحترق الجراد المقلي و صاروا رمادا و هو عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ عن ابن عباس و غيره من المفسرين.

و قيل بعث الله عليهم صيحة واحدة فماتوا بها عن أبي عبد الله(ع)و قيل إنه كان لشعيب قومان قوم أهلكوا بالرجفة و قوم هم أصحاب الظلة (1).

7-

ص، قصص الأنبياء (عليهم السلام) بِهَذَا الْإِسْنَادِ عَنِ ابْنِ مَحْبُوبٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ زَكَرِيَّا عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعِيدٍ قَالَ:

بَعَثَنِي هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ أَسْتَخْرِجُ لَهُ بِئْراً فِي رُصَافَةِ عَبْدِ الْمَلِكِ‏

(2)

فَحَفَرْنَا مِنْهَا مِائَتَيْ قَامَةٍ ثُمَّ بَدَتْ لَنَا جُمْجُمَةُ رَجُلٍ طَوِيلٍ فَحَفَرْنَا مَا حَوْلَهَا فَإِذَا رَجُلٌ قَائِمٌ عَلَى صَخْرَةٍ عَلَيْهِ ثِيَابٌ بِيضٌ وَ إِذَا كَفُّهُ الْيُمْنَى عَلَى رَأْسِهِ عَلَى مَوْضِعِ ضَرْبَةٍ بِرَأْسِهِ فَكُنَّا إِذَا نَحَّيْنَا يَدَهُ عَنْ رَأْسِهِ سَالَتِ الدِّمَاءُ وَ إِذَا تَرَكْنَاهَا عَادَتْ فَسَدَّتِ الْجُرْحَ وَ إِذَا فِي ثَوْبِهِ مَكْتُوبٌ أَنَا شُعَيْبُ بْنُ صَالِحٍ رَسُولُ رَسُولِ اللَّهِ إِلَى قَوْمِهِ‏

(3)

فَضَرَبُونِي وَ أَضَرُّوا بِي وَ طَرَحُونِي فِي هَذَا الْجُبِّ وَ هَالُوا إِلَيَّ التُّرَابَ-

(4)

فَكَتَبْنَا إِلَى هِشَامٍ بِمَا رَأَيْنَاهُ فَكَتَبَ أَعِيدُوا عَلَيْهِ التُّرَابَ كَمَا كَانَ وَ احْتَفِرُوا فِي مَكَانٍ آخَرَ

(5)

.

يج، الخرائج و الجرائح ذكر ابن بابويه في كتاب النبوة بإسناده عن سهل بن سعيد و ذكر مثله.

8 كَنْزُ الْفَوَائِدِ لِلْكَرَاجُكِيِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زِيَادٍ الْإِفْرِيقِيِّ قَالَ:

خَرَجْتُ بِإِفْرِيقِيَةَ مَعَ عَمٍّ لِي إِلَى مَزْرُوعٍ لَنَا قَالَ فَحَفَرْنَا مَوْضِعاً فَأَصَبْنَا تُرَاباً هَشّاً

(6)

فَحَفَرْنَا

____________

(1) مجمع البيان 4: 450. م.

(2) بضم الراء، و لعلّ الصحيح رصافة هشام بن عبد الملك، قال ياقوت: هى في غربى الرقة بينهما أربعة فراسخ على طرف البرية بناها هشام لما وقع الطاعون بالشام و كان يسكنها في الصيف.

(3) في نسخة: رسول رسول اللّه شعيب النبيّ الى قومه.

(4) أي صبوا على التراب.

(5) مخطوط. م.

(6) الهش: الرخو اللين من كل شي‏ء. و في المصدر: فأصبنا ترابا هشا فطمحنا فيه فحفرنا.

384

عَامَّةَ يَوْمِنَا حَتَّى انْتَهَيْنَا إِلَى بَيْتٍ كَهَيْئَةِ الْأَزَجِ‏

(1)

فَإِذَا فِيهِ شَيْخٌ مُسَجًّى‏

(2)

وَ إِذَا عِنْدَ رَأْسِهِ كِتَابَةٌ فَقَرَأْتُهَا فَإِذَا أَنَا حَسَّانُ بْنُ سِنَانٍ الْأَوْزَاعِيُّ رَسُولُ شُعَيْبٍ النَّبِيِّ(ص)إِلَى أَهْلِ هَذِهِ الْبِلَادِ دَعَوْتُهُمْ إِلَى الْإِيمَانِ بِاللَّهِ فَكَذَّبُونِي وَ حَبَسُونِي فِي هَذَا الْحَفِيرِ إِلَى أَنْ يَبْعَثَنِيَ اللَّهُ وَ أُخَاصِمَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ

(3)

وَ ذَكَرُوا أَنَّ سُلَيْمَانَ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ مَرَّ بِوَادِي الْقُرَى فَأَمَرَ بِبِئْرٍ يُحْفَرُ فِيهِ فَفَعَلُوا فَانْتَهَى إِلَى صَخْرَةٍ فَاسْتُخْرِجَتْ فَإِذَا تَحْتَهَا رَجُلٌ عَلَيْهِ قَمِيصَانِ وَاضِعٌ يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ فَجُذِبَتْ يَدُهُ فَمَجَّ مَكَانُهَا بِدَمٍ ثُمَّ تُرِكَتْ فَرَجَعَتْ إِلَى مَكَانِهَا فَرَقَأَ الدَّمُ-

(4)

فَإِذَا مَعَهُ كِتَابٌ فِيهِ أَنَا الْحَارِثُ بْنُ شُعَيْبٍ الْغَسَّانِيُّ رَسُولُ شُعَيْبٍ إِلَى أَهْلِ مَدْيَنَ فَكَذَّبُونِي وَ قَتَلُونِي‏

(5)

.

9-

ص، قصص الأنبياء (عليهم السلام) بِالْإِسْنَادِ إِلَى الصَّدُوقِ بِإِسْنَادِهِ إِلَى وَهْبٍ قَالَ:

إِنَّ شُعَيْباً النَّبِيَّ وَ أَيُّوبَ (صلوات الله عليهما) وَ بَلْعَمَ بْنَ بَاعُورَاءَ كَانُوا مِنْ وُلْدِ رَهْطٍ آمَنُوا لِإِبْرَاهِيمَ يَوْمَ أُحْرِقَ فَنَجَا وَ هَاجَرُوا مَعَهُ إِلَى الشَّامِ فَزَوَّجَهُمْ بَنَاتِ لُوطٍ فَكُلُّ نَبِيٍّ كَانَ قَبْلَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَ بَعْدَ إِبْرَاهِيمَ(ع)مِنْ نَسْلِ أُولَئِكَ الرَّهْطِ فَبَعَثَ اللَّهُ شُعَيْباً إِلَى أَهْلِ مَدْيَنَ وَ لَمْ يَكُونُوا فَصِيلَةَ شُعَيْبٍ وَ لَا قَبِيلَتَهُ الَّتِي كَانَ مِنْهَا وَ لَكِنَّهُمْ كَانُوا أُمَّةً مِنَ الْأُمَمِ بُعِثَ إِلَيْهِمْ شُعَيْبٌ وَ كَانَ عَلَيْهِمْ مَلِكٌ جَبَّارٌ وَ لَا يُطِيقُهُ أَحَدٌ مِنْ مُلُوكِ عَصْرِهِ وَ كَانُوا يَنْقُصُونَ الْمِكْيَالَ وَ الْمِيزَانَ وَ يَبْخَسُونَ النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ مَعَ كُفْرِهِمْ بِاللَّهِ وَ تَكْذِيبِهِمْ لِنَبِيِّهِ وَ عُتُوِّهِمْ وَ كَانُوا يَسْتَوْفُونَ إِذَا اكْتَالُوا لِأَنْفُسِهِمْ أَوْ وَزَنُوا لَهُ فَكَانُوا فِي سَعَةٍ مِنَ الْعَيْشِ فَأَمَرَهُمُ الْمَلِكُ بِاحْتِكَارِ الطَّعَامِ وَ نَقْصِ مَكَايِيلِهِمْ وَ مَوَازِينِهِمْ وَ وَعَظَهُمْ شُعَيْبٌ فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ الْمَلِكُ مَا تَقُولُ فِيمَا صَنَعْتُ أَ رَاضٍ أَنْتَ أَمْ سَاخِطٌ فَقَالَ شُعَيْبٌ أَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَيَّ أَنَّ الْمَلِكَ إِذَا صَنَعَ مِثْلَ مَا صَنَعْتَ يُقَالُ لَهُ مَلِكٌ فَاجِرٌ

____________

(1) الازج: البيت يبنى طولا.

(2) سجى الميت: مد عليه ثوبا.

(3) كنز الفوائد: 179- 180. م.

(4) أي و انقطع و جف.

(5) كنز الفوائد: 179- 180. م.

385

فَكَذَّبَهُ الْمَلِكُ وَ أَخْرَجَهُ وَ قَوْمَهُ مِنْ مَدِينَتِهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى حِكَايَةً عَنْهُمْ‏

لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنا

فَزَادَهُمْ شُعَيْبٌ فِي الْوَعْظِ فَقَالُوا

يا شُعَيْبُ أَ صَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوالِنا ما نَشؤُا

فَآذَوْهُ بِالنَّفْيِ مِنْ بِلَادِهِمْ فَسَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْحَرَّ وَ الْغَيْمَ حَتَّى أَنْضَجَهُمُ اللَّهُ فَلَبِثُوا فِيهِ تِسْعَةَ أَيَّامٍ وَ صَارَ مَاؤُهُمْ حَمِيماً

(1)

لَا يَسْتَطِيعُونَ شُرْبَهُ فَانْطَلَقُوا إِلَى غَيْضَةٍ

(2)

لَهُمْ وَ هُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى‏

أَصْحابُ الْأَيْكَةِ

فَرَفَعَ اللَّهُ لَهُمْ سَحَابَةً سَوْدَاءَ فَاجْتَمَعُوا فِي ظِلِّهَا فَأَرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ نَاراً مِنْهَا فَأَحْرَقَتْهُمْ فَلَمْ يَنْجُ مِنْهُمْ أَحَدٌ وَ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى‏

فَأَخَذَهُمْ عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ

وَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ(ص)إِذَا ذُكِرَ عِنْدَهُ شُعَيْبٌ قَالَ ذَلِكَ خَطِيبُ الْأَنْبِيَاءِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَلَمَّا أَصَابَ قَوْمَهُ مَا أَصَابَهُمْ لَحِقَ شُعَيْبٌ وَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِمَكَّةَ فَلَمْ يَزَالُوا بِهَا حَتَّى مَاتُوا وَ الرِّوَايَةُ الصَّحِيحَةُ أَنَّ شُعَيْباً(ع)صَارَ مِنْهَا إِلَى مَدْيَنَ فَأَقَامَ بِهَا وَ بِهَا لَقِيَهُ مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ (صلوات الله عليهما)

(3)

.

توضيح فصيلة الرجل عشيرته و رهطه الأدنون.

10-

ص، قصص الأنبياء (عليهم السلام) بِالْإِسْنَادِ إِلَى الصَّدُوقِ عَنْ مَاجِيلَوَيْهِ عَنْ مُحَمَّدٍ الْعَطَّارِ عَنِ ابْنِ أَبَانٍ عَنِ ابْنِ أُورَمَةَ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا عَنْ سَعِيدِ بْنِ جَنَاحٍ عَنْ أَيُّوبَ بْنِ رَاشِدٍ رَفَعَهُ إِلَى عَلِيٍّ(ع)قَالَ:

قِيلَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ حَدِّثْنَا قَالَ إِنَّ شُعَيْباً النَّبِيَّ(ع)دَعَا قَوْمَهُ إِلَى اللَّهِ حَتَّى كَبِرَ سِنُّهُ وَ دَقَّ عَظْمُهُ ثُمَّ غَابَ عَنْهُمْ مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ عَادَ إِلَيْهِمْ شَابّاً فَدَعَاهُمْ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى فَقَالُوا مَا صَدَّقْنَاكَ شَيْخاً فَكَيْفَ نُصَدِّقُكَ شَابّاً وَ كَانَ عَلِيٌّ(ع)يُكَرِّرُ عَلَيْهِمُ الْحَدِيثَ مِرَاراً كَثِيرَةً

(4)

.

11-

ص، قصص الأنبياء (عليهم السلام) بِهَذَا الْإِسْنَادِ عَنِ ابْنِ أُورَمَةَ عَمَّنْ ذَكَرَهُ عَنِ الْعَلَاءِ عَنِ الْفُضَيْلِ قَالَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)

لَمْ يَبْعَثِ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ مِنَ الْعَرَبِ إِلَّا خَمْسَةً

(5)

هُوداً وَ صَالِحاً وَ إِسْمَاعِيلَ وَ شُعَيْباً وَ مُحَمَّداً خَاتَمَ النَّبِيِّينَ (صلوات الله عليهم) وَ كَانَ شُعَيْبٌ بَكَّاءً

(6)

.

____________

(1) في نسخة: فصار ماؤها حميما.

(2) الغيضة: مجتمع الشجر في مغيض الماء، و المغيض: مجتمع الماء.

(3) مخطوط. م.

(4) مخطوط. م.

(5) في نسخة: الا خمسة أنبياء.

(6) مخطوط. م.

386

12-

كا، الكافي عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا عَنْ بَشِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِي عِصْمَةَ قَاضِي مَرْوَ (1) عَنْ جَابِرٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)قَالَ:

أَوْحَى اللَّهُ إِلَى شُعَيْبٍ النَّبِيِّ أَنِّي مُعَذِّبٌ مِنْ قَوْمِكَ مِائَةَ أَلْفٍ أَرْبَعِينَ أَلْفاً مِنْ شِرَارِهِمْ وَ سِتِّينَ أَلْفاً مِنْ خِيَارِهِمْ فَقَالَ(ع)يَا رَبِّ هَؤُلَاءِ الْأَشْرَارُ فَمَا بَالُ الْأَخْيَارِ فَأَوْحَى اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ إِلَيْهِ دَاهَنُوا أَهْلَ الْمَعَاصِي وَ لَمْ يَغْضَبُوا لِغَضَبِي‏

(2)

.

13-

ص، قصص الأنبياء (عليهم السلام) بِالْإِسْنَادِ عَنِ الصَّدُوقِ عَنِ الطَّالَقَانِيِّ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عِمْرَانَ عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ عَنْ عِيسَى بْنِ رَاشِدٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ خُزَيْمَةَ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ:

إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى بَعَثَ شُعَيْباً إِلَى قَوْمِهِ وَ كَانَ لَهُمْ مَلِكٌ فَأَصَابَهُ مِنْهُمْ بَلَاءٌ فَلَمَّا رَأَى الْمَلِكُ أَنَّ الْقَوْمَ قَدْ خَصِبُوا أَرْسَلَ إِلَى عُمَّالِهِ فَحَبَسُوا عَلَى النَّاسِ الطَّعَامَ وَ أَغْلَوْا أَسْعَارَهُمْ وَ نَقَصُوا مَكَايِيلَهُمْ وَ مَوَازِينَهُمْ وَ بَخِسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَ عَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ فَكَانُوا مُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ شُعَيْبٌ(ع)قَالَ لَهُمْ‏

لا تَنْقُصُوا الْمِكْيالَ وَ الْمِيزانَ إِنِّي أَراكُمْ بِخَيْرٍ وَ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ

فَأَرْسَلَ الْمَلِكُ إِلَيْهِ بِالْإِنْكَارِ فَقَالَ شُعَيْبٌ إِنَّهُ مَنْهِيٌّ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَ الْوَحْيُ الَّذِي أَوْحَى اللَّهُ إِلَيَّ بِهِ أَنَّ الْمَلِكَ إِذَا كَانَ بِمَنْزِلَتِكَ الَّتِي نَزَلْتَهَا

(3)

يُنْزِلُ اللَّهُ بِسَاحَتِهِ نَقِمَتَهُ فَلَمَّا سَمِعَ الْمَلِكُ ذَلِكَ أَخْرَجَهُ مِنَ الْقَرْيَةِ فَأَرْسَلَ اللَّهُ إِلَيْهِمْ سَحَابَةً فَأَظَلَّتْهُمْ فَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ فِي بُيُوتِهِمُ السَّمُومَ وَ فِي طَرِيقِهِمُ الشَّمْسَ الْحَارَّةَ وَ فِي الْقَرْيَةِ فَجَعَلُوا يَخْرُجُونَ مِنْ بُيُوتِهِمْ وَ يَنْظُرُونَ إِلَى السَّحَابَةِ الَّتِي قَدْ أَظَلَّتْهُمْ مِنْ أَسْفَلِهَا فَانْطَلَقُوا سَرِيعاً كُلُّهُمْ إِلَى أَهْلِ بَيْتٍ كَانُوا يُوفُونَ‏

____________

(1) هو نوح بن أبي مريم أبو عصمة المروزى القرشيّ العامى المعروف بالجامع المترجم في تقريب ابن حجر و غيره؛ رموه بالكذب و الوضع و هو الذي قال شيخنا الشهيد في كتابه الدراية في حقه: و من ذلك- أى من الروايات التي وضعتها الزهاد و الصالحون حسبة- ما روى عن أبي عصمة نوح بن أبي مريم المروزى أنّه قيل له: من اين لك عن عكرمة عن ابن عبّاس في فضائل القرآن سورة سورة و ليس عند أصحاب عكرمة هذا؟ فقال: انى رأيت الناس قد أعرضوا عن القرآن و اشتغلوا بفقه ابى حنيفة و مغازى محمّد بن إسحاق فوضعت الحديث حسبة! و كان يقال لابى عصمة هذا: الجامع، فقال أبو حاتم بن حبان: جمع كل شي‏ء الا الصدق! انتهى. قلت: توفّي سنة 173.

(2) فروع الكافي 1: 343 و له صدر طويل. م.

(3) في نسخة: تنزلتها.

387

الْمِكْيَالَ وَ الْمِيزَانَ وَ لَا يَبْخَسُونَ النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ فَنَصَحَهُمُ اللَّهُ-

(1)

وَ أَخْرَجَهُمْ مِنْ بَيْنِ الْعُصَاةِ ثُمَّ أَرْسَلَ عَلَى أَهْلِ الْقَرْيَةِ مِنْ تِلْكَ السَّحَابَةِ عَذَاباً وَ نَاراً فَأَهْلَكَتْهُمْ وَ عَاشَ شُعَيْبٌ(ع)مِائَتَيْنِ وَ اثْنَتَيْنِ وَ أَرْبَعِينَ سَنَةً

(2)

.

14-

شي، تفسير العياشي عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)

فِي قَوْلِ اللَّهِ‏

إِنِّي أَراكُمْ بِخَيْرٍ

قَالَ كَانَ سِعْرُهُمْ رَخِيصاً

(3)

.

تتميم قال صاحب الكامل قيل إن اسم شعيب يثرون بن صيفون بن عنقا بن ثابت بن مدين بن إبراهيم و قيل هو شعيب بن ميكيل من ولد مدين و قيل لم يكن شعيب من ولد إبراهيم و إنما هو من ولد بعض من آمن بإبراهيم و هاجر معه إلى الشام و لكنه ابن بنت لوط فجدة شعيب ابنة لوط و كان ضرير البصر و هو معنى قوله‏ وَ إِنَّا لَنَراكَ فِينا ضَعِيفاً أي ضرير البصر و

- كان النبي(ص)إذا ذكره قال ذاك خطيب الأنبياء بحسن مراجعته قومه.

و إن الله عز و جل أرسله إلى أهل مدين و هم‏ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ و الأيكة الشجر الملتف و كانوا أهل كفر بالله تعالى و بخس للناس في المكاييل و الموازين و إفساد لأموالهم و كان الله وسع عليهم في الرزق و بسط لهم في العيش استدراجا لهم منه مع كفرهم بالله فقال لهم شعيب‏ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ وَ لا تَنْقُصُوا الْمِكْيالَ وَ الْمِيزانَ إِنِّي أَراكُمْ بِخَيْرٍ وَ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ فلما طال تماديهم في غيهم‏ (4) و ضلالتهم لم يزدهم تذكير شعيب إياهم و تحذيره عذاب الله إياهم إلا تماديا و لما أراد الله إهلاكهم سلط عليهم عذاب يوم الظلة و هو ما ذكره ابن عباس رضي الله عنه في تفسير قوله تعالى‏ فَأَخَذَهُمْ عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كانَ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ‏ فقال بعث الله عليهم وقدة و حرا شديدا فأخذ بأنفاسهم فخرجوا من البيوت هرابا إلى البرية فبعث الله سبحانه عليهم سحابا فأظلتهم من الشمس فوجدوا لها بردا و لذة فنادى بعضهم بعضا حتى اجتمعوا تحتها فأرسل الله عليهم نارا قال عبد الله بن عباس فذاك‏ عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ و قال قتادة بعث الله شعيبا إلى أمتين إلى قومه أهل مدين و إلى أصحاب الأيكة

____________

(1) في نسخة: فنضحهم.

(2) قصص الأنبياء مخطوط. م.

(3) تفسير العيّاشيّ مخطوط. م.

(4) تمادى في غيه: دام على فعله و لج.

388

و كانت الأيكة من شجر ملتف فلما أراد الله أن يعذبهم بعث عليهم حرا شديدا و رفع لهم العذاب كأنه سحابة فلما دنت منهم خرجوا إليها و جاءوها فلما كانوا تحتها أمطرت عليهم نارا قال فكذلك قوله‏ فَأَخَذَهُمْ عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ و أما أهل مدين فهم من ولد مدين بن إبراهيم الخليل فعذبهم الله بالرجفة و هي الزلزلة فأهلكوا.

قال بعض العلماء كانت قوم شعيب عطلوا حدا فوسع الله عليهم في الرزق‏ (1) حتى إذا أراد إهلاكهم سلط عليهم حرا لا يستطيعون أن يتقاروا و لا ينفعهم ظل و لا ماء حتى ذهب ذاهب منهم فاستظل تحت ظلة فوجد روحا فنادى أصحابه هلموا إلى الروح فذهبوا إليه سراعا حتى إذا اجتمعوا ألهبها الله عليهم نارا فذلك‏ عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ و قد

-

روى عامر عن ابن عباس أنه قال‏

من حدثك ما

عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ

فكذبه.

و قال مجاهد عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ هو إظلال العذاب على قوم شعيب و قال بريد بن أسلم في قوله تعالى‏ يا شُعَيْبُ أَ صَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوالِنا ما نَشؤُا قال مما كان نهاهم عنه قطع الدراهم‏ (2).

____________

(1) في هامش المطبوع: ثم تعطلوا حدا فوسع اللّه عليهم الرزق، فجعلوا كلما عطلوا حدا وسع اللّه عليهم في الرزق، كذا ذكره صاحب الكامل في تاريخه.

(2) كامل التواريخ 1: 54- 55. م.

389

فهرست ما في هذا الجزء

الموضوع/ الصفحه‏

باب 1 علل تسمية أبراهيم و سنّه و فضائله و مكارم أخلاقه سننه و نقش خاتمه (عليه السلام)؛ و فيه 43 حديثاً. 1- 14

باب 2 قصص ولادته (عليه السلام) إلى كسر الأصنام، و ما يجري بينه و بين فرعونه و بيان حال أبيه؛ و فيه 38 حديثاً. 14- 55

باب 3 إراءته (عليه السلام) ملكوت السماوات و الأرض و سؤاله أحياء الموتى و الكلمات التي سأل ربّه و ما أوحي إليه و صدر عنه من الحكم؛ و فيه 29 حديثاً. 56- 75

باب 4 جمل أحواله و وفاته (عليه السلام)؛ و فيه 12 حديثاً. 76- 82

باب 5 أحوال أولاده و أزواجه (صلوات الله عليهم) و بناء البيت؛ و فيه 59 حديثاً. 82- 121

باب 6 قصة الذبح و تعيين الذبيح؛ و فيه 17 حديثاً. 121- 140

باب 7 قصص لوط (عليه السلام) و قومه؛ و فيه 35 حديثاً. 140- 171

باب 8 قصص ذي القرنين؛ و فيه 34 حديثاً. 172- 215

باب 9 قصص يعقوب و يوسف (عليهما السلام)؛ و فيه 148 حديثاً. 216- 339

باب 10 قصص أيوب (عليه السلام)؛ و فيه 25 حديثاً. 339- 372

باب 11 قصص شعيب (عليه السلام)؛ و فيه 14 حديثاً. 373- 388

390

ألى هنا تمّ الجزء الثاني عشر من كتاب بحار الأنوار من هذه الطبعة النفيسة؛ و يحوي هذا الجزء 455 حديثاً في 11 باب. و يتلوه الجزء الثالث عشر بعون اللّه تعالى و يبدء بقصص موسى و هارون على نبينا و آله و (عليهما السلام) و قد بذلنا غاية جهدنا في مقابلة الكتاب و تصحيحه بما لا مزيد عليه؛ و لا ننسى الثناء أبداً على الذين يؤازرونا في هذا المشروع الفخم بإتحافهم النسخ الخطّيّة النفيسة من أجزاء الكتاب لا سيّما العالم الفاضل المحقق السيّد جلال الدين المحدّث وفّقه اللّه و إيّانا لجميع مرضاته إنّه وليّ التوفيق.

جمادي الثانية 1378 يحيي العابدي الزنجاني‏ اسكن‏

391

صورة فتوغرافيّة لصحيفة من النسخة النفيسة الثمينة المصحّحة لمكتبة المحقّق الفاضل السيّد جلال الدين المحدّث دام توفيقه و لا زال نقدّم إليه ثناءنا العاطر حيث لا يضنّ علينا بنفائس مخطوطات كتاب البحار.

اسكن‏

392

صورة فتوغرافية لصحيفة من النسخة النفيسة المقروءة على العلّامة المصنّف (قدس سره الشريف)، و قد أتحفنا إيّاها صديقنا الفاضل العالم السيّد مهديّ اللّازورديّ القميّ دام توفيقه، و له الشكر الجميل.

393

(رموز الكتاب)

ب: لقرب الإسناد.

بشا: لبشارة المصطفى.

تم: لفلاح السائل.

ثو: لثواب الأعمال.

ج: للإحتجاج.

جا: لمجالس المفيد.

جش: لفهرست النجاشيّ.

جع: لجامع الأخبار.

جم: لجمال الأسبوع.

جُنة: للجُنة.

حة: لفرحة الغريّ.

ختص: لكتاب الإختصاص.

خص: لمنتخب البصائر.

د: للعَدَد.

سر: للسرائر.

سن: للمحاسن.

شا: للإرشاد.

شف: لكشف اليقين.

شي: لتفسير العياشيّ‏

ص: لقصص الأنبياء.

صا: للإستبصار.

صبا: لمصباح الزائر.

صح: لصحيفة الرضا (ع).

ضا: لفقه الرضا (ع).

ضوء: لضوء الشهاب.

ضه: لروضة الواعظين.

ط: للصراط المستقيم.

طا: لأمان الأخطار.

طب: لطبّ الأئمة.

ع: لعلل الشرائع.

عا: لدعائم الإسلام.

عد: للعقائد.

عدة: للعُدة.

عم: لإعلام الورى.

عين: للعيون و المحاسن.

غر: للغرر و الدرر.

غط: لغيبة الشيخ.

غو: لغوالي اللئالي.

ف: لتحف العقول.

فتح: لفتح الأبواب.

فر: لتفسير فرات بن إبراهيم.

فس: لتفسير عليّ بن إبراهيم.

فض: لكتاب الروضة.

ق: للكتاب العتيق الغرويّ‏

قب: لمناقب ابن شهر آشوب.

قبس: لقبس المصباح.

قضا: لقضاء الحقوق.

قل: لإقبال الأعمال.

قية: للدُروع.

ك: لإكمال الدين.

كا: للكافي.

كش: لرجال الكشيّ.

كشف: لكشف الغمّة.

كف: لمصباح الكفعميّ.

كنز: لكنز جامع الفوائد و تأويل الآيات الظاهرة معا.

ل: للخصال.

لد: للبلد الأمين.

لى: لأمالي الصدوق.

م: لتفسير الإمام العسكريّ (ع).

ما: لأمالي الطوسيّ.

محص: للتمحيص.

مد: للعُمدة.

مص: لمصباح الشريعة.

مصبا: للمصباحين.

مع: لمعاني الأخبار.

مكا: لمكارم الأخلاق.

مل: لكامل الزيارة.

منها: للمنهاج.

مهج: لمهج الدعوات.

ن: لعيون أخبار الرضا (ع).

نبه: لتنبيه الخاطر.

نجم: لكتاب النجوم.

نص: للكفاية.

نهج: لنهج البلاغة.

نى: لغيبة النعمانيّ.

هد: للهداية.

يب: للتهذيب.

يج: للخرائج.

يد: للتوحيد.

ير: لبصائر الدرجات.

يف: للطرائف.

يل: للفضائل.

ين: لكتابي الحسين بن سعيد او لكتابه و النوادر.

يه: لمن لا يحضره الفقيه.