بحار الأنوار - ج32

- العلامة المجلسي المزيد...
619 /
451

الصَّحَابَةِ وَ لَيْسَ فِي الْأَرْضِ بَدْرِيٌّ إِلَّا وَ قَدْ بَايَعَنِي وَ هُوَ مَعِي أَوْ قَدْ أَقَامَ وَ رَضِيَ فَلَا يَغُرَّنَّكُمْ مُعَاوِيَةُ مِنْ أَنْفُسِكُمْ وَ دِينِكُمْ قال نصر: فتراسلوا بذلك ثلاثة أشهر ربيع الآخر و جماديين و هم مع ذلك يفزعون الفزعة فيما بينها و يزحف بعضهم إلى بعض و يحجز القراء بينهم قال ففزعوا في ثلاثة أشهر خمسا و ثلاثين فزعة يزحف بعضهم إلى بعض و يحجز القراء بينهم قَالَ نَصْرٌ وَ خَرَجَ أَبُو أُمَامَةَ الْبَاهِلِيُّ وَ أَبُو الدَّرْدَاءِ فَدَخَلَا عَلَى مُعَاوِيَةَ فَقَالا يَا مُعَاوِيَةُ عَلَامَ تُقَاتِلُ هَذَا الرَّجُلَ فَوَ اللَّهِ لَهُوَ أَقْدَمُ مِنْكَ سِلْماً وَ أَحَقُّ مِنْكَ بِهَذَا الْأَمْرِ وَ أَقْرَبُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ(ص)فَعَلَامَ تُقَاتِلُهُ قَالَ أُقَاتِلُهُ عَلَى دَمِ عُثْمَانَ فَإِنَّهُ آوَى قَتَلَتَهُ فَقُولُوا لَهُ فَلْيُقِدْنَا مِنْ قَتَلَتِهِ وَ أَنَا أَوَّلُ مَنْ بَايَعَهُ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ فَانْطَلَقُوا إِلَى عَلِيٍّ(ع)فَأَخْبَرُوهُ فَقَالَ إِنَّمَا يَطْلُبُ الَّذِينَ تَرَوْنَ فَخَرَجَ عِشْرُونَ أَلْفاً وَ أَكْثَرُ مُتَسَرْبِلِينَ فِي الْحَدِيدِ لَا يُرَى مِنْهُمْ إِلَّا الْحَدَقُ فَقَالُوا كُلُّنَا قَتَلَهُ فَإِنْ شَاءُوا فَلْيَرُومُوا ذَلِكَ مِنَّا فَرَجَعَ أَبُو أُمَامَةَ وَ أَبُو الدَّرْدَاءِ فَلَمْ يَشْهَدَا شَيْئاً مِنَ الْقِتَالِ حَتَّى إِذَا كَانَ فِي رَجَبٍ وَ خَشِيَ مُعَاوِيَةُ أَنْ يُبَايِعَ الْقُرَّاءُ عَلِيّاً(ع)جَدَّ فِي الْمَكْرِ وَ كَتَبَ فِي سَهْمٍ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ النَّاصِحِ أَنِّي أُخْبِرُكُمْ أَنَّ مُعَاوِيَةَ يُرِيدُ أَنْ يَفْجُرَ عَلَيْكُمُ الْفُرَاتَ فَيُغْرِقَكُم فَخُذُوا حِذْرَكُمْ ثُمَّ رَمَى السَّهْمَ فِي عَسْكَرِ عَلِيٍّ(ع)فَوَقَعَ السَّهْمُ فِي يَدِ رَجُلٍ فَقَرَأَهُ ثُمَّ أَقْرَأَ صَاحِبَهُ فَلَمَّا قَرَأَهُ مَنْ أَقْبَلَ وَ أَدْبَرَ قَالُوا هَذَا أَخٌ لَنَا نَاصِحٌ كَتَبَ إِلَيْكُمْ يُخْبِرُكُمْ بِمَا أَرَادَ مُعَاوِيَةُ فَلَمْ يَزَلِ السَّهْمُ يُقْرَأُ وَ يُرْتَفَعُ حَتَّى رُفِعَ إِلَى عَلِيٍّ(ع)وَ بَعَثَ مُعَاوِيَةُ فَأَتَى رِجَالٌ مِنَ الْعَمَلَةِ إِلَى عَاقُولٍ مِنَ النَّهَرِ بِأَيْدِيهِمُ الْمُرُورُ وَ الزُّبُلُ يَحْفِرُونَ‏

(1)

فِيهَا بِحِيَالِ عَسْكَرِ

____________

(1) عاقول النهر و الوادي: ما اعوج منه. و المرور: جمع المر- بالفتح- و هو المسحاة.

و الزبل: جمع زبيل و هو الجراب و القفة.

452

عَلِيٍّ(ع)فَقَالَ(ع)وَيْحَكُمْ إِنَّ الَّذِي يُعَالِجُ مُعَاوِيَةُ لَا يَسْتَقِيمُ لَهُ وَ لَا يَقْوَى عَلَيْهِ إِنَّمَا يُرِيدُ أَنْ يُزِيلَكُمْ عَنِ مَكَانِكُمْ فَانْتَهُوا عَنِ ذَلِكَ وَ دَعُوهُ فَقَالُوا لَهُ هُمْ وَ اللَّهِ يَحْفِرُونَ وَ اللَّهِ لَنَرْتَحِلَنَّ وَ إِنْ شِئْتَ فَأَقِمْ فَارْتَحَلُوا وَ صَعِدُوا بِعَسْكَرِهِمْ مَلِيّاً وَ ارْتَحَلَ عَلِيٌّ(ع)فِي أُخْرَيَاتِ النَّاسِ وَ هُوَ يَقُولُ‏

فَلَوْ أَنِّي أُطِعْتُ عَصَبْتُ قُومِي* * * إِلَى رُكْنِ الْيَمَامَةِ أَوْ شَمَامٍ‏ (1)-

وَ لَكِنِّي مَتَى أَبْرَمْتُ أَمْراً* * * مُنِيتُ بِخُلْفِ آرَاءِ الطَّغَامِ‏

قَالَ فَارْتَحَلَ مُعَاوِيَةُ حَتَّى نَزَلَ بِمُعَسْكَرِ عَلِيٍّ(ع)الَّذِي كَانَ فِيهِ:

فَدَعَا عَلِيٌّ(ع)الْأَشْتَرَ فَقَالَ: أَ لَمْ تَغْلِبْنِي عَلَى رَأْيِي أَنْتَ وَ الْأَشْعَثُ بِرَأْيِكُمَا فَقَالَ الْأَشْعَثُ أَنَا أَكْفِيكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ سَأُدَاوِي مَا أَفْسَدْتُ الْيَوْمَ مِنْ ذَلِكَ فَجَمَعَ كِنْدَةَ فَقَالَ لَهُمْ يَا مَعْشَرَ كِنْدَةَ لَا تَفْضَحُونِي الْيَوْمَ وَ لَا تُخْزُونِي فَإِنَّمَا أَنَا أُقَارِعُ بِكُمْ أَهْلَ الشَّامِ فَخَرَجُوا مَعَهُ رَجَّالَةٌ يَمْشُونَ وَ بِيَدِهِ رُمْحٌ لَهُ يُلْقِيهِ عَلَى الْأَرْضِ وَ يَقُولُ امْشُوا قِيسَ رُمْحِي هَذَا فَيَمْشُونَ فَلَمْ يَزَلْ يَقِيسُ لَهُمُ الْأَرْضَ بِرُمْحِهِ وَ يَمْشُونَ مَعَهُ حَتَّى أَتَى مُعَاوِيَةَ وَسَطَ بَنِي سُلَيْمٍ وَاقِفاً عَلَى الْمَاءِ وَ قَدْ جَاءَهُ أَدَانِي عَسْكَرِهِ فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيداً عَلَى الْمَاءِ سَاعَةً وَ انْتَهَى أَوَائِلَ أَهْلِ الْعِرَاقِ فَنَزَلُوا وَ أَقْبَلَ الْأَشْتَرُ فِي جُنْدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ فَحَمَلَ عَلَى مُعَاوِيَةَ وَ الْأَشْعَثُ يُحَارِبُ فِي نَاحِيَةٍ أُخْرَى فَانْحَازَ مُعَاوِيَةُ فِي بَنِي سُلَيْمٍ فَرَدُّوا وُجُوهَ إِبِلِهِ قَدْرَ ثَلَاثَةِ فَرَاسِخَ ثُمَّ نَزَلَ وَ وَضَعَ أَهْلُ الشَّامِ أَثْقَالَهُمْ وَ الْأَشْعَثُ يَهْدِرُ وَ يَقُولُ أَرْضَيْتُكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَ قَالَ الْأَشْتَرُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ غَلَبَ اللَّهُ لَكَ عَلَى الْمَاءِ

____________

(1) كذا في ط الحديث ببيروت من شرح ابن أبي الحديد، و مثله في ط مصر من كتاب صفين. قالوا: و «شمام» جبل لبنى الباهلة. و في نسخة من كتاب صفّين و مثلها في البحار: «و الشام» قال المصنّف في بيانه الآتى(ص)17: «الشام» على [زنة] فعال:

الشاميّ كاليمان [بمعنى اليمانيّ‏].

453

قال نصر: و كان كل واحد من علي و معاوية يخرج الرجل الشريف في جماعة و يقاتل مثله و كانوا يكرهون أن يزاحفوا بجميع الفيلق مخافة الاستيصال و الهلاك فاقتتل الناس ذا الحجة كله فلما انقضى تداعوا إلى أن يكف بعضهم عن بعض إلى أن ينقضي المحرم لعل الله أن يجري صلحا أو اجتماعا فكف الناس في المحرم بعضهم عن بعض-

قال نصر حدثنا عمر بن سعد عن أبي المجاهد (1) عن المحل بن خليفة

قال لما توادعوا في المحرم اختلف الرسل فيما بين الرجلين رجاء الصلح فأرسل علي(ع)إلى معاوية عدي بن حاتم و شبث بن ربعي و يزيد بن قيس و زياد بن خصفة فلما دخلوا عليه حمد الله تعالى عدي بن حاتم و أثنى عليه و قال أما بعد فقد أتيناك لندعوك إلى أمر يجمع الله به كلمتنا و أمتنا و يحقن دماء المسلمين ندعوك إلى أفضل الناس سابقة و أحسنهم في الإسلام آثارا و قد اجتمع له الناس و قد أرشدهم الله بالذي رأوا و أتوا فلم يبق أحد غيرك و غير من معك فانته يا معاوية من قبل أن يصيبك الله و أصحابك بمثل يوم الجمل فقال له معاوية كأنك إنما جئت متهددا و لم تأت مصلحا هيهات يا عدي إني لابن حرب ما يقعقع لي بالشنان‏

(2)

أما و الله إنك من المجلبين على عثمان و إنك لمن قتلته و إني لأرجو أن تكون ممن يقتله الله فقال له شبث بن ربعي و زياد بن خصفة و تنازعا كلاما واحدا أتيناك فيما يصلحنا و إياك فأقبلت تضرب لنا الأمثال دع ما لا ينفع من القول و الفعل و أجبنا فيما يعمنا و إياك نفعه‏

____________

(1) قال في هامش كتاب صفّين: هو سعد الطائى الكوفيّ وثقه وكيع و ابن حبان، و قال ابن حجر: لا بأس به.

(2) الشنان و الأشنان- كسنان و أسنان-: جمع الشن- بفتح أوله-: القربة الخلق كانوا يحركونها للابل إذا أرادوا إسراع الإبل في السير كما ذكره الميداني.

454

و تكلم يزيد بن قيس فقال إنا لم نأتك إلا لنبلغك الذي بعثنا به إليك و لنؤدي عنك ما سمعنا منك و لم ندع أن ننصح لك و أن نذكر ما ظننا أن فيه عليك حجة أو أنه راجع بك إلى الأمة و الجماعة إن صاحبنا من قد عرفت و عرف المسلمون فضله و لا أظنه يخفى عليك إن أهل الدين و الفضل لا يعدلونك بعلي و لا يساوون بينك و بينه فاتق الله يا معاوية و لا تخالف عليا فإنا و الله ما رأينا رجلا قط أعلم بالتقوى و لا أزهد في الدنيا و لا أجمع لخصال الخير كلها منه فحمد معاوية الله و أثنى عليه و قال أما بعد فإنكم دعوتم إلى الجماعة و الطاعة فأما التي دعوتهم إليها فنعما هي و أما الطاعة لصاحبكم فإنه لا نرضى به‏

(1)

إن صاحبكم قتل خليفتنا و فرق جماعتنا و آوى ثارنا و قتلتنا و صاحبكم يزعم أنه لم يقتله فنحن لا نرد ذلك عليه أ رأيتم قتلة صاحبنا أ لستم تعلمون أنهم أصحاب صاحبكم فليدفعهم إلينا فلنقتلنهم به و نحن نجيبكم إلى الطاعة و الجماعة فقال له شبث أ يسرك يا معاوية إن أمكنت من عمار بن ياسر فقتلته قال و ما يمنعني من ذلك و الله لو أمكنني صاحبكم من ابن سمية ما أقتله بعثمان و لكن كنت أقتله بنائل مولى عثمان فقال شبث و إله السماء ما عدلت معدلا و لا و الذي لا إله إلا هو لا تصل إلى قتل ابن ياسر حتى تندر الهام عن كواهل الرجال‏

(2)

و تضيق الأرض الفضاء عليك برحبها فقال معاوية إذا كان ذلك كانت عليك أضيق ثم رجع القوم عن معاوية فبعث إلى زياد بن‏

____________

(1) كذا في ط الكمبانيّ من البحار، و كتب بدل هذه الجملة في هامشه هكذا: «فإنا لا نراها [خ ل‏]». أقول: و ذكرها في كتاب صفّين و شرح ابن أبي الحديد بمثل ما في هامش البحار بعنوان البدلية.

(2) هذا هو الظاهر المذكور في كتاب صفّين ط مصر، و في شرح ابن أبي الحديد و في ط الكمبانيّ من البحار: «لا يصل إليك قتل ابن ياسر ...».

455

خصفة من بينهم فأدخل عليه فحمد معاوية الله و أثنى عليه ثم قال أما بعد يا أخا ربيعة فإن عليا قطع أرحامنا و قتل إمامنا و آوى قتلة صاحبنا و إني أسألك النصرة عليه بأسرتك و عشيرتك و لك على عهد الله و ميثاقه إذا ظهرت أن أوليك أي المصرين أحببت قال زياد فلما قضى معاوية كلامه حمدت الله و أثنيت عليه ثم قلت أما بعد فإني لعلى بينة من ربي و بما أنعم الله علي‏

فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ‏

ثم قمت فقال معاوية لعمرو بن العاص و كان إلى جانبه ما لهم عضبهم الله ما قلبهم إلا قلب رجل واحد

(1)

قال نصر و بعث معاوية حبيب بن مسلمة الفهري إلى علي(ع)و بعث معه شرحبيل بن السمط و معن بن يزيد فدخلوا عليه(ع)فتكلم حبيب و حمد الله و أثنى عليه و قال أما بعد فإن عثمان بن عفان كان خليفة مهديا يعمل بكتاب الله و ينيب إلى أمر الله فاستثقلتم حياته و استبطأتم وفاته فعدوتم عليه فقتلتموه فادفع إلينا قتلة عثمان لنقتلهم به فإن قلت إنك لم تقتله فاعتزل أمر الناس فيكون‏

أَمْرُهُمْ شُورى‏ بَيْنَهُمْ‏

يولي الناس أمرهم من أجمع عليه رأيهم‏

____________

(1) كذا في شرح ابن أبي الحديد، و في ط مصر من كتاب صفّين: «ليس يكلم رجل منا رجلا منهم بكلمة فيجيب بخير!! ما لهم عضبهم اللّه ما قلوبهم إلّا قلب رجل واحد».

و في ط الكمبانيّ من بحار الأنوار: «فقال معاوية ... ما لهم عضبهم اللّه ما في قلوبهم ما قلبهم [كذا] إلا قلب رجل واحد».

و العضب: القطع، قال صاحب لسان العرب: و تدعو العرب على الرجل فتقول: «ما له عضبه اللّه» يدعون عليه بقطع يده و رجله.

و الحديث التالى مع كثير ممّا يأتي رواه الطبريّ بسنده عن أبي مخنف في حوادث سنة: (37) من تاريخ الأمم و الملوك.

456

فقال له علي ع: و من أنت لا أم لك و الولاية و العزل و الدخول في هذا الأمر اسكت فإنك لست هناك و لا بأهل لذاك فقام حبيب بن مسلمة و قال و الله لتريني حيث تكره فقال له علي(ع)و ما أنت و لو أجلبت بخيلك و رجلك اذهب فصوب و صعد ما بدا لك فلا أبقى الله عليك إن أبقيت فقال شرحبيل بن السمط إن كلمتك فلعمري ما كلامي لك إلا نحو كلام صاحبي فهل عندك جواب غير الذي أجبته قال نعم قال فقله فحمد الله علي(ع)و أثنى عليه ثم قال أما بعد فإن الله سبحانه بعث محمدا(ص)فأنقذ به من الضلالة و نعش به من الهلكة و جمع به بعد الفرقة ثم قبضه الله إليه و قد أدى ما عليه فاستخلف الناس أبا بكر ثم استخلف أبو بكر عمر فأحسنا السيرة و عدلا في الأمة و قد وجدنا عليهما أن توليا الأمر دوننا و نحن آل الرسول و أحق بالأمر فغفرنا ذلك لهما ثم ولي أمر الناس عثمان فعمل بأشياء عابها الناس عليه فسار إليه ناس فقتلوه ثم أتاني الناس و أنا معتزل أمرهم فقالوا لي بايع فأبيت عليهم فقالوا لي بايع فإن الأمة لن ترضى إلا بك و إنا نخاف إن لم تفعل أن يفترق الناس فبايعتهم فلم يرعني إلا شقاق رجلين قد بايعاني و خلاف معاوية إياي الذي لم يجعل الله له سابقة في الدين و لا سلف صدق في الإسلام طليق ابن طليق و حزب من الأحزاب لم يزل لله و لرسوله عدوا هو و أبوه حتى دخلا في الإسلام كارهين مكرهين فيا عجبا لكم و لانقيادكم له و تدعون آل نبيكم الذي لا ينبغي لكم شقاقهم و لا خلافهم و لا أن تعدلوا بهم أحدا من الناس إني أدعوكم إلى كتاب الله عز و جل و سنة نبيكم(ص)و إماتة الباطل و إحياء معالم الدين أقول قولي هذا و أستغفر الله لنا و لكل مؤمن و مؤمنة و مسلم و مسلمة فقال له شرحبيل و معن بن يزيد أ تشهد أن عثمان قتل مظلوما فقال لهما

457

إني لا أقول ذلك قالا فمن لا يشهد أن عثمان قتل مظلوما فنحن برآء منه ثم قاما فانصرفا فقال علي(ع)

إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى‏ وَ لا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ وَ ما أَنْتَ بِهادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنا فَهُمْ مُسْلِمُونَ‏

ثم أقبل على أصحابه فقال لا يكن هؤلاء في ضلالتهم بأولى بالجد منكم في حقكم و طاعة إمامكم ثم مكث الناس متوادعين إلى انسلاخ المحرم فلما انسلخ شهر المحرم و استقبل الناس صفر من سنة سبع و ثلاثين من هجرة النبي بعث علي(ع)نفرا من أصحابه حتى إذا كانوا من عسكر معاوية حيث يسمعونهم الصوت قام يزيد بن الحارث فنادى عند غروب الشمس يا أهل الشام إن أمير المؤمنين عليا(ع)و أصحاب رسول الله(ص)يقولون لكم إنا و الله لم نكف عنكم شكا في أمركم و لا بقيا عليكم‏

(1)

و إنما كففنا عنكم لخروج المحرم و قد انسلخ و إنا قد نبذنا إليكم على سواء ف

إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخائِنِينَ‏

قال فسار الناس إلى رؤسائهم و أمرائهم 395 قال نصر: و أما-

رواية عمرو بن شمر عن جابر عن أبي الزبير

أن نداء ابن مرثد الخثعمي كانت صورته يا أهل الشام ألا إن أمير المؤمنين(ع)يقول لكم إني قد استأنيت بكم لتراجعوا الحق و تنيبوا إليه و احتججت عليكم بكتاب الله و دعوتكم إليه فلم تتناهوا عن طغيان و لم تجيبوا إلى حق فإني قد

____________

(1) أي إبقاء عليكم و رحمة لكم و إشقاقا بكم.

458

نبذت إليكم‏

عَلى‏ سَواءٍ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخائِنِينَ‏ (1)

قال فسار الناس إلى رؤسائهم و خرج معاوية و عمرو بن العاص يكتبان الكتائب و يعبئان العساكر و أوقدوا النيران و جاءوا بالشموع و بات علي(ع)ليلته تلك كلها يعبئ الناس و يكتب الكتائب و يدور في الناس و يحرضهم قال نصر فخرجوا أول يوم من صفر سنة سبع و ثلاثين و هو يوم الأربعاء فاقتتلوا قتالا شديدا جل النهار ثم تراجعوا و قد انتصف بعضهم من بعض ثم خرج في اليوم الثاني هاشم بن عتبة في خيل و رجال حسن عددها و عدتها فخرج إليه من أهل الشام أبو الأعور السلمي فاقتتلوا يومهم ذلك تحمل الخيل على الخيل و الرجال على الرجال ثم انصرفوا و قد صبر القوم بعضهم لبعض و خرج في اليوم الثالث عمار بن ياسر و خرج إليه عمرو بن العاص فاقتتل الناس كأشد قتال كان و جعل عمار يقول يا أهل الإسلام أ تريدون أن تنظروا إلى من عادى الله و رسوله و جاهدهما و بغى على المسلمين و ظاهر المشركين فلما أراد الله أن يظهر دينه و ينصر رسوله أتى إلى النبي(ص)فأسلم و هو و الله فيما يرى راهب غير راغب ثم قبض الله رسوله و إنا و الله لنعرفه بعداوة المسلم و مودة المجرم ألا و إنه معاوية فقاتلوه و العنوة فإنه ممن يطفي نور الله و يظاهر أعداء الله قال و كان مع عمار زياد بن النضر على الخيل فأمره أن يحمل في الخيل‏

____________

(1) و هذا و كثيرا ممّا قبله رواه أيضا الطبريّ في حوادث سنة: (37) من تاريخه: ج 4(ص)6 ط مصر، و رواه أيضا المسعودي في مروج الذهب: ج 1،(ص)387.

و قد أسقط المصنّف هاهنا كثيرا ممّا في كتاب صفّين(ص)203 ط مصر، و ممّا في شرح ابن أبي الحديد على المختار: (51) من شرحه: ج 1،(ص)757 ط بيروت.

459

فحمل فصبروا له و شد عمار في الرجالة فأزال عمرو بن العاص عن موقفه و رجع الناس يومهم ذلك.

396-

قَالَ نَصْرٌ وَ حَدَّثَنِي أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمَسْعُودِيُّ عَنْ يُونُسَ بْنِ الْأَرْقَمِ عَمَّنْ حَدَّثَهُ مِنْ شُيُوخِ بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ قَالَ:

كُنَّا مَعَ عَلِيٍّ(ع)بِصِفِّينَ فَرَفَعَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ شِقَّةً خَمِيصَةً سَوْدَاءَ فِي رَأْسِ رُمْحٍ فَقَالَ نَاسٌ هَذَا لِوَاءٌ عَقَدَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ(ص)فَلَمْ يَزَالُوا يَتَحَدَّثُونَ حَتَّى وَصَلَ ذَلِكَ إِلَى عَلِيٍّ(ع)فَقَالَ أَ تَدْرُونَ مَا هَذَا اللِّوَاءُ إِنَّ عَمْراً أَخْرَجَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ(ص)هَذِهِ الشِّقَّةَ فَقَالَ مَنْ يَأْخُذُهَا بِمَا فِيهَا فَقَالَ عَمْرٌو وَ مَا فِيهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ لَا تُقَاتِلْ بِهَا مُسْلِماً وَ لَا تُقَرِّبْهَا مِنْ كَافِرٍ فَأَخَذَهَا فَقَدْ وَ اللَّهِ قَرَّبَهَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَ قَاتَلَ بِهَا الْيَوْمَ الْمُسْلِمِينَ وَ الَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ وَ بَرَأَ النَّسَمَةَ مَا أَسْلَمُوا وَ لَكِنَّهُمُ اسْتَسْلَمُوا وَ أَسَرُّوا الْكُفْرَ فَلَمَّا وَجَدُوا عَلَيْهِ أَعْوَاناً أَظْهَرُوهُ.

بيان: قوله(ع)عصبت قومي يقال عصبت الشجرة إذا ضممت أغصانها ثم ضربتها ليسقط ورقها قال الحجاج لأعصبنكم عصب السلم و اليمامة ناحية من الحجاز و اليمن و الشآم على فعال الشامي كاليمان و في الديوان المصرع الثاني هكذا

و لكني إذا أبرمت أمرا* * * تخالفني أقاويل الطغام.

و قال الميداني القعقعة تحريك الشي‏ء اليابس الصلب مع صوت مثل السلاح و غيره و الشنان جمع شن و هي القربة اليابسة و هم يحركونها إذا أرادوا حث الإبل على السير لتفزع فتسرع قال النابغة

كأنك من جمال بني أقيس* * * يقعقع خلف رجليه بشن.

يضرب لمن لا يتضع لما تنزل به من حوادث الدهر و لا يروعه ما لا حقيقة له.

460

و قال أيضا ابن أبي الحديد كما وجدته في أصل الكتاب كان أول أيام الحرب بصفين في صفر من سنة سبع و ثلاثين.

قَالَ نَصْرُ بْنُ مُزَاحِمٍ‏

كَانَ عَلِيٌّ(ع)يَرْكَبُ بَغْلَةً لَهُ قَبْلَ أَنْ تَلْتَقِيَ الْفِئَتَانِ بِصِفِّينَ فَلَمَّا حَضَرَتِ الْحَرْبُ وَ بَاتَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ

(1)

يُعَبِّئُ الْكَتَائِبَ حَتَّى أَصْبَحَ قَالَ ائْتُونِي بِفَرَسِي فَأُتِيَ بِفَرَسٍ لَهُ أَدْهَمَ يَبْحَثُ الْأَرْضَ بِيَدَيْهِ جَمِيعاً لَهُ حَمْحَمَةٌ وَ صَهِيلٌ فَرَكِبَهُ وَ قَالَ‏

سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هذا وَ ما كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ‏

وَ لَا حَوْلَ وَ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ.

397-

قَالَ نَصْرٌ وَ حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ شِمْرٍ عَنْ جَابِرٍ الْجُعْفِيِّ قَالَ:

كَانَ عَلِيٌّ(ع)إِذَا سَارَ إِلَى قِتَالٍ ذَكَرَ اسْمَ اللَّهِ تَعَالَى حِينَ يَرْكَبُ كَانَ يَقُولُ الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى نِعَمِهِ عَلَيْنَا وَ فَضْلِهِ الْعَظِيمِ‏

سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هذا وَ ما كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ وَ إِنَّا إِلى‏ رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ‏

ثُمَّ يَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ وَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ وَ يَقُولُ اللَّهُمَّ إِلَيْكَ نُقِلَتِ الْأَقْدَامُ وَ أُتْعِبَتِ الْأَبْدَانُ وَ أَفْضَتِ الْقُلُوبُ وَ رُفِعَتِ الْأَيْدِي وَ شَخَصَتِ الْأَبْصَارُ

رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَ بَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ وَ أَنْتَ خَيْرُ الْفاتِحِينَ‏

ثُمَّ يَقُولُ سِيرُوا عَلَى بَرَكَةِ اللَّهِ ثُمَّ يَقُولُ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَ اللَّهُ أَكْبَرُ يَا اللَّهُ يَا أَحَدُ يَا صَمَدُ يَا رَبَّ مُحَمَّدٍ اكْفُفْ عَنَّا شَرَّ الظَّالِمِينَ‏

الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَ إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ‏ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

وَ لَا حَوْلَ وَ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ وَ كَانَتْ هَذِهِ الْكَلِمَاتُ شِعَارَهُ بِصِفِّينَ.

____________

(1) رواه نصر في أواسط الجزء (4) من كتاب صفّين(ص)23.

و رواه ابن أبي الحديد عن نصر في شرح المختار: (65) من نهج البلاغة: ج 2(ص)208 ط بيروت.

461

398-

قَالَ وَ رَوَى سَعْدُ بْنُ طَرِيفٍ عَنِ الْأَصْبَغِ بْنِ نُبَاتَةَ قَالَ:

مَا كَانَ عَلِيٌّ فِي قِتَالٍ قَطُّ إِلَّا نَادَى يَا

كهيعص‏

.

399-

قَالَ نَصْرٌ وَ حَدَّثَنَا قَيْسُ بْنُ رَبِيعٍ عَنْ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ حَسَّانَ الْعِجْلِيِّ عَمَّنْ حَدَّثَهُ عَنْ عَلِيٍ‏

أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ يَوْمَ صِفِّينَ اللَّهُمَّ إِلَيْكَ رُفِعَتِ الْأَبْصَارُ وَ بُسِطَتِ الْأَيْدِي وَ نُقِلَتِ الْأَقْدَامُ وَ دَعَتِ الْأَلْسُنُ وَ أَفْضَتِ الْقُلُوبُ وَ إِلَيْكَ التَّحَاكُمُ فِي الْأَعْمَالِ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا وَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَ أَنْتَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ اللَّهُمَّ إِنَّا نَشْكُو إِلَيْكَ غَيْبَةَ نَبِيِّنَا وَ كَثْرَةَ عَدُوِّنَا وَ قِلَّةَ عَدَدِنَا وَ تَشَتُّتَ أَهْوَائِنَا وَ شِدَّةَ الزَّمَانِ وَ ظُهُورَ الْفِتَنِ فَأَعِنَّا عَلَى ذَلِكَ بِفَتْحٍ تُعَجِّلُهُ وَ نَصْرٍ تُعِزُّ بِهِ سُلْطَانَ الْحَقِّ وَ تُظْهِرُهُ.

400-

وَ عَنْ عُمَرَ بْنِ سَعْدٍ عَنْ سَلَّامِ بْنِ سُوَيْدٍ عَنْ عَلِيٍّ(ع)

فِي قَوْلِهِ‏

وَ أَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى‏

قَالَ هِيَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَ فِي قَوْلِهِ اللَّهُ أَكْبَرُ قَالَ هِيَ آيَةُ النَّصْرِ.

قَالَ نَصْرٌ

هَذِهِ كَانَتْ شِعَارَهُ يَقُولُهَا فِي الْحَرْبِ ثُمَّ يَحْمِلُ فَيُورِدُ وَ اللَّهِ مَنِ اتَّبَعَهُ وَ مَنْ حَادَّهُ حِيَاضَ الْمَوْتِ‏

(1)

.

401-

قَالَ نَصْرٌ وَ حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُنْدَبٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ:

لَمَّا كَانَ غَدَاةَ الْخَمِيسِ لِسَبْعٍ خَلَوْنَ مِنْ شَهْرِ صَفَرٍ سَنَةَ سَبْعٍ وَ ثَلَاثِينَ صَلَّى عَلِيٌّ(ع)الْغَدَاةَ فَغَلَّسَ مَا رَأَيْتُ عَلِيّاً غَلَّسَ بِالْغَدَاةِ أَشَدَّ مِنْ تَغْلِيسِهِ يَوْمَئِذٍ وَ خَرَجَ بِالنَّاسِ إِلَى أَهْلِ الشَّامِ فَزَحَفَ نَحْوَهُمْ وَ كَانَ هُوَ يَبْدَؤُهُمْ فَيَسِيرُ إِلَيْهِمْ فَإِذَا رَأَوْهُ قَدْ زَحَفَ اسْتَقْبَلُوهُ بِزُحُوفِهِمْ.

402-

وَ عَنْ عُمَرَ بْنِ سَعْدٍ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَعْيَنَ عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ قَالَ:

لَمَّا خَرَجَ عَلِيٌّ(ع)إِلَيْهِمْ غَدَاةَ ذَلِكَ الْيَوْمِ فَاسْتَقْبَلُوهُ رَفَعَ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ فَقَالَ‏

____________

(1) كذا في طبع الكمبانيّ من البحار هذا، و في شرح ابن أبي الحديد: «قال سلام:

[هذه‏] كانت شعاره (عليه السلام) بقولها في الحرب ثمّ يحمل فيورد ...».

462

اللَّهُمَّ رَبَّ هَذَا السَّقْفِ الْمَحْفُوظِ الْمَكْفُوفِ الَّذِي جَعَلْتَهُ مَغِيضاً لِلَّيْلِ وَ النَّهَارِ وَ جَعَلْتَ فِيهِ مَجْرًى لِلشَّمْسِ وَ الْقَمَرِ وَ مَنَازِلَ الْكَوَاكِبِ وَ النُّجُومِ وَ جَعَلْتَ سُكَّانَهُ سِبْطاً مِنَ الْمَلَائِكَةِ

لا يَسْأَمُونَ‏

الْعِبَادَةَ وَ رَبَّ هَذِهِ الْأَرْضِ الَّتِي جَعَلْتَهَا قَرَاراً لِلْأَنَامِ وَ الْهَوَامِّ وَ الْأَنْعَامِ وَ مَا لَا يُحْصَى مِمَّا يُرَى وَ مِمَّا لَا يُرَى مِنْ خَلْقِكَ الْعَظِيمِ وَ رَبَّ الْفُلْكِ‏

الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِما يَنْفَعُ النَّاسَ‏

وَ رَبَ‏

السَّحابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ وَ الْأَرْضِ‏

وَ رَبَ‏

الْبَحْرِ الْمَسْجُورِ

وَ الْمُحِيطِ بِالْعَالَمِينَ وَ رَبَّ الْجِبَالِ الرَّوَاسِي الَّتِي جَعَلْتَهَا لِلْأَرْضِ أَوْتَاداً وَ لِلْخَلْقِ مَتَاعاً إِنْ أَظْهَرْتَنَا عَلَى عَدُوِّنَا فَجَنِّبْنَا الْبَغْيَ وَ سَدِّدْنَا لِلْحَقِّ وَ إِنْ أَظْهَرْتَهُمْ عَلَيْنَا فَارْزُقْنَا الشَّهَادَةَ وَ اعْصِمْ بَقِيَّةَ أَصْحَابِي مِنَ الْفِتْنَةِ قَالَ فَلَمَّا رَأَوْهُ قَدْ أَقْبَلَ تَقَدَّمُوا إِلَيْهِ بِزُحُوفِهِمْ وَ كَانَ عَلَى مَيْمَنَتِهِ يَوْمَئِذٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُدَيْلٍ وَ النَّاسُ عَلَى رَايَاتِهِمْ وَ مَرَاكِزِهِمْ وَ عَلِيٌّ(ع)فِي الْقَلْبِ فِي أَهْلِ الْمَدِينَةِ جُمْهُورُهُمُ الْأَنْصَارُ وَ مَعَهُ مِنْ خُزَاعَةَ وَ كِنَانَةَ عَدَدٌ حَسَنٌ قَالَ نَصْرٌ وَ رَفَعَ مُعَاوِيَةُ قُبَّةً عَظِيمَةً وَ أَلْقَى عَلَيْهَا الْكَرَابِيسَ وَ جَلَسَ تَحْتَهَا وَ قَدْ كَانَ لَهُمْ قَبْلَ هَذَا الْيَوْمِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ وَ هُوَ الْيَوْمُ الرَّابِعُ مِنْ صَفَرٍ وَ خَرَجَ فِي هَذَا الْيَوْمِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَنَفِيَّةِ فِي جَمْعٍ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ فَخَرَّجَ إِلَيْهِ مُعَاوِيَةُ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فِي جَمْعٍ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ فَاقْتَتَلُوا فَطَلَبَ عُبَيْدُ اللَّهِ مُحَمَّداً إِلَى الْمُبَارَزَةِ فَلَمَّا خَرَجَ إِلَيْهِ دَعَاهُ عَلِيٌّ(ع)وَ خَرَجَ بِنَفْسِهِ رَاجِلًا بِيَدِهِ سَيْفُهُ وَ قَالَ أَنَا أُبَارِزُكَ فَهَلُمَّ فَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ لَا حَاجَةَ بِي إِلَى مُبَارَزَتِكَ فَرَجَعَ إِلَى صَفِّهِ قَالَ نَصْرٌ وَ أَمَّا الْيَوْمَ الْخَامِسَ فَإِنَّهُ خَرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْعَبَّاسِ فَخَرَجَ إِلَيْهِ الْوَلِيدُ بْنُ عُقْبَةَ وَ أَكْثَرَ مِنْ سَبِّ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ ابْنُ عَبَّاسٍ أَبْرِزْ إِلَيَّ فَأَبَى أَنْ يَفْعَلَ وَ قَاتَلَ ابْنُ عَبَّاسٍ ذَلِكَ الْيَوْمَ قِتَالًا شَدِيداً ثُمَّ انْصَرَفُوا وَ كُلٌّ غَيْرُ غَالِبٍ‏

463

وَ خَرَجَ ذَلِكَ الْيَوْمَ شِمْرُ بْنُ أَبْرَهَةَ بْنِ الصَّبَّاحِ الْحِمْيَرِيُ‏

(1)

فَلَحِقَ بِعَلِيٍّ(ع)فِي نَاسٍ مِنْ قُرَّاءِ أَهْلِ الشَّامِ فَفَتَّ ذَلِكَ فِي عَضُدِ مُعَاوِيَةَ وَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَ قَالَ عَمْرٌو يَا مُعَاوِيَةُ إِنَّكَ تُرِيدُ أَنْ تُقَاتِلَ بِأَهْلِ الشَّامِ رَجُلًا لَهُ مِنْ مُحَمَّدٍ(ص)قَرَابَةٌ قَرِيبَةٌ وَ رَحِمٌ مَاسَّةٌ وَ قِدَمٌ فِي الْإِسْلَامِ لَيْسَ لِأَحَدٍ مِثْلُهُ قَدْ سَارَ إِلَيْكَ بِأَصْحَابِ مُحَمَّدٍ الْمَعْدُودِينَ وَ فُرْسَانِهِمْ وَ أَشْرَافِهِمْ وَ مَهْمَا نَسِيتَ فَلَا تَنْسَ أَنَّكَ عَلَى بَاطِلٍ وَ عَلِيّاً عَلَى الْحَقِّ فَبَادِرِ الْأَمْرَ قَبْلَ اضْطِرَابِهِ عَلَيْكَ فَقَامَ مُعَاوِيَةُ فِي أَهْلِ الشَّامِ خَطِيباً وَ حَثَّهُمْ عَلَى الْقِتَالِ فَخَطَبَ عَلِيٌّ(ع)أَصْحَابَهُ قَالَ أَبُو سِنَانٍ الْأَسْلَمِيُ‏

(2)

كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ مُتَّكِئاً عَلَى قَوْسِهِ وَ قَدْ جَمَعَ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ(ص)وَ هُمْ يَلُونَهُ كَأَنَّهُ أَحَبَّ أَنْ يَعْلَمَ النَّاسُ أَنَّ الصَّحَابَةَ مُتَوَافِرُونَ مَعَهُ فَقَالَ أَيُّهَا النَّاسُ اسْمَعُوا مَقَالَتِي وَ عُوا كَلَامِي فَإِنَّ الْخُيَلَاءَ مِنَ التَّجَبُّرِ وَ إِنَّ النَّخْوَةَ مِنَ التَّكَبُّرِ وَ إِنَّ الشَّيْطَانَ عَدُوٌّ حَاضِرٌ يَعِدُكُمُ الْبَاطِلَ أَلَا إِنَّ الْمُسْلِمَ أَخُو الْمُسْلِمِ فَلَا تُنَابِذُوا وَ لَا تُجَادِلُوا

____________

(1) هذا هو الظاهر المذكور في كتاب صفّين(ص)222. و في طبع الكمبانيّ من البحار:

«سمرة بن أبرهة».

(2) هذا هو الصواب المذكور في أواسط الجزء الرابع من كتاب صفّين(ص)223، و رواه عنه ابن أبي الحديد في شرحه على المختار: (65) من نهج البلاغة: ج 2(ص)212 ط الحديث ببيروت، و للحديث مصادر أخر ذكرناه في ذيل المختار: (200) من نهج السعادة ج 2(ص)173.

و في ط الكمبانيّ من البحار: «قال ابن سنان الاسلمى» و قد حذف المصنّف هاهنا السند، و مطالب كما هو عادته في أكثر ما يرويه عن كتاب صفّين و شرح ابن أبي الحديد.

464

أَلَا إِنَّ شَرَائِعَ الدِّينِ وَاحِدَةٌ وَ سُبُلَهُ قَاصِدَةٌ مَنْ أَخَذَ بِهَا لَحِقَ وَ مَنْ فَارَقَهَا مُحِقَ وَ مَنْ تَرَكَهَا مَرَقَ لَيْسَ الْمُسْلِمُ بِالْخَائِنِ إِذَا ائْتُمِنَ وَ لَا بِالْمُخْلِفِ إِذَا وَعَدَ وَ لَا الْكَاذِبِ إِذَا نَطَقَ نَحْنُ أَهْلُ بَيْتِ الرَّحْمَةِ وَ قَوْلُنَا الصِّدْقُ وَ فِعْلُنَا الْقَصْدُ وَ مِنَّا خَاتَمُ النَّبِيِّينَ وَ فِينَا قَادَةُ الْإِسْلَامِ وَ فِينَا حَمَلَةُ الْكِتَابِ إِلَّا أَنَّا نَدْعُوكُمْ إِلَى اللَّهِ وَ إِلَى رَسُولِهِ وَ إِلَى جِهَادِ عَدُوِّهِ وَ الشِّدَّةِ فِي أَمْرِهِ وَ ابْتِغَاءِ مَرْضَاتِهِ وَ إِقَامِ الصَّلَاةِ وَ إِيتَاءِ الزَّكَاةِ وَ حَجِّ الْبَيْتِ وَ صِيَامِ شَهْرِ رَمَضَانَ وَ تَوْفِيرِ الْفَيْ‏ءِ عَلَى أَهْلِهِ أَلَا وَ إِنَّ مِنْ أَعْجَبِ الْعَجَائِبِ أَنَّ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ الْأُمَوِيَّ وَ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ السَّهْمِيَّ أَصْبَحَا يُحَرِّضَانِ عَلَى طَلَبِ الدِّينِ بِزَعْمِهِمَا وَ لَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنِّي لَمْ أُخَالِفْ رَسُولَ اللَّهِ(ص)قَطُّ وَ لَمْ أَعْصِهِ فِي أَمْرٍ قَطُّ أَقِيهِ بِنَفْسِي فِي الْمَوَاطِنِ الَّتِي تَنْكِصُ فِيهَا الْأَبْطَالُ وَ تُرْعَدُ فِيهَا الْفَرَائِصُ نَجْدَةً أَكْرَمَنِيَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ بِهَا وَ لَهُ الْحَمْدُ وَ لَقَدْ قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)وَ إِنَّ رَأْسَهُ لَفِي حَجْرِي وَ لَقَدْ وُلِّيتُ غُسْلَهُ بِيَدِي وَحْدِي تُقَلِّبُهُ الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ مَعِي وَ ايْمُ اللَّهِ مَا اخْتَلَفَتْ أُمَّةٌ قَطُّ بَعْدَ نَبِيِّهَا إِلَّا ظَهَرَ أَهْلُ بَاطِلِهَا عَلَى أَهْلِ حَقِّهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ قَالَ فَقَالَ أَبُو سِنَانٍ الْأَسَدِيُّ فَسَمِعْتُ عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ يَقُولُ أَمَّا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ فَقَدْ أَعْلَمَكُمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَمْ تَسْتَقِمْ عَلَيْهِ أَوَّلًا وَ أَنَّهَا لَنْ تَسْتَقِيمَ عَلَيْهِ آخِراً ثُمَّ تَفَرَّقَ النَّاسُ وَ قَدْ نَفَذَتْ بَصَائِرُهُمْ.

403-

وَ عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ‏

أَنَّ عَلِيّاً(ع)قَالَ فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ حَتَّى مَتَى لَا نُنَاهِضُ الْقَوْمَ بِأَجْمَعِنَا فَقَامَ فِي النَّاسِ عَشِيَّةَ الثَّلَاثَاءِ بَعْدَ الْعَصْرِ فَقَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَا يُبْرِمُ مَا نَقَضَ وَ لَا يَنْقُضُ مَا أَبْرَمَ وَ لَوْ شَاءَ مَا اخْتَلَفَ‏

465

اثْنَانِ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَ لَا مِنْ خَلْقِهِ وَ لَا تَنَازَعَ الْبَشَرُ فِي شَيْ‏ءٍ مِنْ أَمْرِهِ وَ لَا جَحَدَ الْمَفْضُولُ ذَا الْفَضْلِ فَضْلَهُ وَ قَدْ سَاقَتْنَا وَ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ اللأقدار [الْأَقْدَارُ حَتَّى لَفَّتْ بَيْنَنَا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ وَ نَحْنُ مِنْ رَبِّنَا بِمَرْأًى وَ مَسْمَعٍ وَ لَوْ شَاءَ لَعَجَّلَ النَّقِمَةَ وَ لَكَانَ مِنْهُ التَّغْيِيرُ حَتَّى يُكَذِّبَ اللَّهُ الظَّالِمَ وَ يُعْلِمَ الْحَقَّ أَيْنَ مَصِيرُهُ وَ لَكِنَّهُ جَعَلَ الدُّنْيَا دَارَ الْأَعْمَالِ وَ جَعَلَ الْآخِرَةَ دَارَ الْجَزَاءِ وَ الْقَرَارِ

لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا وَ يَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى‏

أَلَا إِنَّكُمْ لَاقُو الْعَدُوِّ غَداً إِنْ شَاءَ اللَّهُ فَأَطِيلُوا اللَّيْلَةَ الْقِيَامَ وَ أَكْثِرُوا تِلَاوَةَ الْقُرْآنِ وَ اسْأَلُوا اللَّهَ الصَّبْرَ وَ النَّصْرَ وَ الْقَوْهُمْ بِالْجِدِّ وَ الْحَزْمِ وَ كُونُوا صَادِقِينَ قَالَ فَوَثَبَ النَّاسُ إِلَى رِمَاحِهِمْ وَ سُيُوفِهِمْ وَ نِبَالِهِمْ ليصلحونها [يُصْلِحُونَهَا وَ خَرَجَ(ع)وَ عَبَّأَ النَّاسَ لَيْلَتَهُ تِلْكَ كُلَّهَا حَتَّى أَصْبَحَ وَ عَقَدَ الْأَلْوِيَةَ وَ أَمَّرَ الْأُمَرَاءَ وَ بَعَثَ إِلَى أَهْلِ الشَّامِ مُنَادِياً يُنَادِي فِيهِمُ اغْدُوا عَلَى مَصَافِّكُمْ فَضَجَّ أَهْلُ الشَّامِ فِي مُعَسْكَرِهِمْ وَ اجْتَمَعُوا إِلَى مُعَاوِيَةَ فَعَبَّأَ خَيْلَهُ وَ عَقَدَ أَلْوِيَتَهُ وَ أَمَّرَ أُمَرَاءَهُ وَ كَتَّبَ كَتَائِبَهُ وَ كَانَ أَهْلُ الشَّامِ أَكْثَرَ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ بِالضِّعْفِ وَ نُصِبَ لِمُعَاوِيَةَ مِنْبَرٌ فَقَعَدَ إِلَيْهِ فِي قُبَّةٍ ضَرَبَهَا عَظِيمَةٍ أُلْقِيَ عَلَيْهَا الثِّيَابُ وَ الدَّرَانِكُ‏

(1)

ثُمَّ تَنَاهَضَ الْقَوْمُ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ سَادِسَ صَفَرٍ وَ اقْتَتَلُوا إِلَى آخِرِ نَهَارِهِمْ وَ انْصَرَفُوا عِنْدَ الْمَسَاءِ وَ كُلٌّ غَيْرُ غَالِبٍ‏

____________

(1) كذا في أصلى، و هو جمع الدرنوك و الدرنيك- كزنبور و دردير-: نوع من البسط أو الثياب له خمل. و صحفت هذه اللفظة في طبع الحديث ببيروت من شرح ابن أبي الحديد: ج 2(ص)213 ب «الارائك».

ثمّ إن ما يأتي بعد الحديث التالى و هو المختار: (65) من نهج البلاغة موجود في شرح ابن أبي الحديد: ج 2(ص)216، و لكنه سقط عن طبعة إيران و طبعة مصر من كتاب صفّين. و للخطبة مصادر كثيرة يجدها الباحث في ذيل المختار: (215) من نهج السعادة: ج 2(ص)235 ط 1.

466

فَأَمَّا الْيَوْمَ السَّابِعَ فَكَانَ الْقِتَالُ فِيهِ شَدِيداً وَ الْخَطْبُ عَظِيماً وَ كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُدَيْلٍ الْخُزَاعِيُّ عَلَى مَيْمَنَةِ الْعِرَاقِ فَزَحَفَ نَحْوَ حَبِيبِ بْنِ مَسْلَمَةَ وَ هُوَ عَلَى مَسِيرَةِ أَهْلِ الشَّامِ حَتَّى اضْطَرَّهُمْ إِلَى قُبَّةِ مُعَاوِيَةَ وَقْتَ الظُّهْرِ.

404-

قَالَ نَصْرٌ وَ حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَمْرٍو عَنْ أَبِيهِ‏

أَنَّ عَلِيّاً(ع)خَطَبَ هَذَا الْيَوْمَ فَقَالَ مَعَاشِرَ الْمُسْلِمِينَ اسْتَشْعِرُوا الْخَشْيَةَ إِلَى آخِرِ مَا سَيَأْتِي بِطُولِهِ وَ بِالْإِسْنَادِ أَنَّ عَلِيّاً خَطَبَ ذَلِكَ الْيَوْمَ فَقَالَ أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ قَدْ دَلَّكُمْ‏

عَلى‏ تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ‏

إِيمَانٍ بِاللَّهِ وَ رَسُولِهِ وَ جِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ‏

(1)

إلى آخر ما سيأتي برواية المفيد رحمه الله ثم قام قيس بن سعد و خطب خطبة بليغة حث الناس فيها على الجهاد.

ثم قام الأشتر رضي الله عنه بمثل ذلك و كذا يزيد بن قيس الأرحبي و غيرهم‏

(2)

.

405-

وَ رُوِيَ عَنْ عَمْرِو بْنِ شِمْرٍ عَنْ جَابِرٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)وَ زَيْدِ بْنِ الْحَسَنِ قَالا

طَلَبَ مُعَاوِيَةُ إِلَى عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنْ يُسَوِّيَ صُفُوفَ أَهْلِ الشَّامِ فَقَالَ لَهُمْ عَمْرٌو يَا مَعْشَرَ أَهْلِ الشَّامِ سَوُّوا صُفُوفَكُمْ قَصَّ الشَّارِبِ وَ أَعِيرُونَا جَمَاجِمَكُمْ سَاعَةً فَإِنَّهُ قَدْ بَلَغَ الْحَقُّ مَقْطَعَهُ فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا ظَالِمٌ أَوْ مَظْلُومٌ‏

____________

(1) و قد رواه الطبريّ بسند آخر بمغايرة في بعض الألفاظ في حوادث سنة: (37) من تاريخ الأمم و الملوك: ج 5(ص)17، ط الحديث، و في ط: ج 1،(ص)3291، و في ط:

ج 4(ص)12.

(2) و خطبهم حرفية مذكورة في كتاب صفّين و شرح ابن أبي الحديد، و تاريخ الطبريّ.

467

وَ أَقْبَلَ أَبُو الْهَيْثَمِ بْنُ التَّيِّهَانِ وَ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ(ص)بَدْرِيّاً عَقَبِيّاً يُسَوِّي صُفُوفَ أَهْلِ الْعِرَاقِ وَ هُوَ يَقُولُ يَا مَعْشَرَ أَهْلِ الْعِرَاقِ إِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَكُمْ وَ بَيْنَ الْفَتْحِ الْعَاجِلِ أَوِ الْجَنَّةِ فِي الْآجِلِ إِلَّا سَاعَةٌ مِنَ النَّهَارِ فَأَرْسُوا أَقْدَامَكُمْ وَ سَوُّوا صُفُوفَكُمْ وَ أَعِيرُوا رَبَّكُمْ جَمَاجِمَكُمْ وَ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ‏

وَ اصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَ الْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ‏

.

406-

وَ رُوِيَ عَنْ عَمْرِو بْنِ شِمْرٍ عَنْ جَابِرٍ عَنِ الشَّعْبِيِ‏

أَنَّ أَوَّلَ فَارِسَيْنِ الْتَقَيَا فِي هَذَا الْيَوْمِ وَ هُوَ الْيَوْمُ السَّابِعُ وَ كَانَ مِنَ الْأَيَّامِ الْعَظِيمَةِ حُجْرُ بْنُ عَدِيٍّ مِنْ أَصْحَابِ عَلِيٍّ(ع)وَ ابْنُ عَمِّ حُجْرٍ مِنْ أَصْحَابِ مُعَاوِيَةَ كِلَاهُمَا مِنْ كِنْدَةَ فَاطَّعَنَا بِرُمْحَيْهِمَا وَ خَرَجَ خُزَيْمَةُ الْأَسَدِيُّ مِنْ عَسْكَرِ مُعَاوِيَةَ فَضَرَبَ حُجْرَ بْنَ عَدِيٍّ ضَرْبَةً بِرُمْحِهِ فَحَمَلَ أَصْحَابُ عَلِيٍّ(ع)فَقَتَلُوا خُزَيْمَةَ وَ نَجَا ابْنُ عَمِّ حُجْرٍ فَخَرَجَ رِفَاعَةُ الْحِمْيَرِيُّ مِنْ صِفِّ الْعِرَاقِ وَ قَتَلَ قَرْنَ بْنَ عَدِيٍ‏

(1)

ثُمَّ إِنَّ عَلِيّاً دَعَا أَصْحَابَهُ إِلَى أَنْ يَذْهَبَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ بِمُصْحَفٍ كَانَ فِي يَدِهِ إِلَى أَهْلِ الشَّامِ فَقَالَ مَنْ يَذْهَبُ إِلَيْهِمْ فَيَدْعُوَهُمْ إِلَى مَا فِي هَذَا الْمُصْحَفِ فَسَكَتَ النَّاسُ وَ أَقْبَلَ فَتًى اسْمُهُ سَعِيدٌ فَقَالَ أَنَا صَاحِبُهُ وَ قَالَ ثَانِياً وَ لَمْ يُجِبْ إِلَّا الْفَتَى فَقَبَضَهُ بِيَدِهِ ثُمَّ أَتَاهُمْ فَنَاشَدَهُمْ وَ دَعَاهُمْ إِلَى مَا فِيهِ فَقَتَلُوهُ فَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُدَيْلٍ احْمِلْ عَلَيْهِمُ الْآنَ فَحَمَلَ عَلَيْهِمْ بِمَنْ مَعَهُ مِنْ أَهْلِ الْمَيْمَنَةِ وَ عَلَيْهِ يَوْمَئِذٍ سَيْفَانِ وَ دِرْعَانِ فَجَعَلَ يَضْرِبُ بِسَيْفِهِ قُدُماً وَ يَرْتَجِزُ فَلَمْ يَزَلْ يَحْمِلُ حَتَّى انْتَهَى إِلَى مُعَاوِيَةَ وَ الَّذِينَ بَايَعُوهُ‏

____________

(1) و هذا نقل بالمعنى لا يوافق لفظه لفظ كتاب صفّين و لا شرح ابن أبي الحديد، و فيه:

فحمل أصحاب عليّ (عليه السلام) فقتلوا خزيمة الأسدي، و نجا حجر الشر هاربا فالتحق بصف معاوية. ثم برز حجر الشر ثانية فبرز إليه الحكم بن أزهر من أهل العراق فقتله حجرا لشر، فخرج إليه رفاعة بن ظالم الحميري من صف العراق فقتله و عاد إلى أصحابه [و هو] يقول: الحمد لله الذي قتل حجر الشر بالحكم بن أزهر.

468

عَلَى الْمَوْتِ فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَصْمِدُوا لِابْنِ بُدَيْلٍ وَ بَعَثَ إِلَى حَبِيبِ بْنِ مَسْلَمَةَ الْفِهْرِيِّ وَ هُوَ فِي الْمَيْسَرَةِ أَنْ يَحْمِلَ عَلَيْهِ بِجَمْعٍ مِنْ أَصْحَابِهِ وَ اخْتَلَطَ النَّاسُ وَ اصْطَدَمَ الصَّفَّانِ مَيْمَنَةُ أَهْلِ الْعِرَاقِ وَ مَيْسَرَةُ أَهْلِ الشَّامِ وَ أَقْبَلَ ابْنُ بُدَيْلٍ يَضْرِبُ النَّاسَ بِسَيْفِهِ قُدُماً حَتَّى أَزَالَ مُعَاوِيَةَ عَنْ مَوْقِفِهِ وَ تَرَاجَعَ مُعَاوِيَةُ عَنْ مَكَانِهِ الْقَهْقَرَى كَثِيراً وَ أَشْفَقَ عَلَى نَفْسِهِ وَ أَرْسَلَ إِلَى حَبِيبِ بْنِ مَسْلَمَةَ مَرَّةً ثَانِيَةً وَ ثَالِثَةً يَسْتَنْجِدُهُ وَ يَسْتَصْرِخُهُ وَ يَحْمِلُ حَبِيبٌ حَمْلَةً شَدِيدَةً بِمَيْسَرَةِ مُعَاوِيَةَ عَلَى مَيْمَنَةِ الْعِرَاقِ فَكَشَفَهَا حَتَّى لَمْ يَبْقَ مَعَ ابْنِ بُدَيْلٍ إِلَّا نَحْوُ مِائَةِ إِنْسَانٍ مِنَ الْقُرَّاءِ فَاسْتَنَدَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ يَحْمُونَ أَنْفُسَهُمْ وَ لَحِجَ ابْنُ بُدَيْلٍ فِي النَّاسِ وَ صَمَّمَ عَلَى قَتْلِ مُعَاوِيَةَ وَ جَعَلَ يَطْلُبُ مَوْقِفَهُ حَتَّى انْتَهَى إِلَيْهِ فَنَادَى مُعَاوِيَةُ فِي النَّاسِ وَيْلَكُمْ الصَّخْرَةَ وَ الْحِجَارَةَ إِذَا عَجَزْتُمْ عَنِ السِّلَاحِ أَثْخِنُوهُ فَرَضَخَهُ النَّاسُ بِالْحِجَارَةِ حَتَّى أَثْخَنُوهُ فَسَقَطَ فَأَقْبَلُوا عَلَيْهِ بِسُيُوفِهِمْ فَقَتَلُوهُ وَ جَاءَ مُعَاوِيَةُ وَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرِ حَتَّى وَقَفَا عَلَيْهِ فَأَلْقَى عَبْدُ اللَّهِ عِمَامَتَهُ عَلَى وَجْهِهِ وَ تَرَحَّمَ عَلَيْهِ وَ كَانَ لَهُ أَخاً وَ صَدِيقاً مِنْ قَبْلُ فَقَالَ مُعَاوِيَةُ اكْشِفْ عَنْ وَجْهِهِ فَقَالَ لَا وَ اللَّهِ لَا يُمَثَّلُ بِهِ وَ فِيَّ رُوحٌ فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَةُ قَدْ وَهَبْنَاهُ لَكَ فَكَشَفَ عَنْ وَجْهِهِ فَقَالَ مُعَاوِيَةُ هَذَا كَبِيرُ الْقَوْمِ وَ رَبِّ الْكَعْبَةِ اللَّهُمَّ ظَفِّرْنِي بِالْأَشْتَرِ النَّخَعِيِّ وَ الْأَشْعَثِ الْكِنْدِيِّ قَالَ فَاسْتَعْلَى أَهْلُ الشَّامِ عِنْدَ قَتْلِ ابْنِ بُدَيْلٍ عَلَى أَهْلِ الْعِرَاقِ يَوْمَئِذٍ وَ انْكَشَفَ أَهْلُ الْعِرَاقِ مِنْ قِبَلِ الْمَيْمَنَةِ وَ أَجْفَلُوا إِجْفَالًا شَدِيداً فَأَمَرَ عَلِيٌّ(ع)سَهْلَ بْنَ حُنَيْفٍ فَاسْتَقْدَمَ مِمَّنْ كَانَ مَعَهُ لِيُرِيدَ الْمَيْمَنَةَ بِعَقْدِهَا

(1)

فَاسْتَقْبَلَهُمْ جُمُوعُ أَهْلِ الشَّامِ فِي خَيْلٍ عَظِيمَةٍ فَحَمَلَتْ عَلَيْهِمْ‏

____________

(1) كذا في طبع الكمبانيّ من البحار، و في ط بيروت من شرح ابن أبي الحديد: «فأمر عليّ (عليه السلام) سهل بن حنيف فاستقدم من كان معه ليرفد الميمنة و يعضدها فاستقبلهم جموع أهل الشام في خيل عظيمة».

و في تاريخ الطبريّ: فأمر على سهل بن حنيف فاستقدم فيمن كان معه من أهل المدينة فاستقبلتهم جموع لأهل الشام عظيمة ...

و في كتاب صفّين: «فأمر على سهل بن حنيف فاستقدم فيمن كان مع على من أهل المدينة ...».

469

فَأَحْلَقَتْهُمْ بِالْمَيْمَنَةِ وَ كَانَتْ مَيْمَنَةُ أَهْلِ الْعِرَاقِ مُتَّصِلَةً بِمَوْقِفِ عَلِيٍّ(ع)فِي الْقَلْبِ فِي أَهْلِ الْيَمَنِ فَلَمَّا انْكَشَفُوا انْتَهَتِ الْهَزِيمَةُ إِلَى عَلِيٍّ(ع)فَانْصَرَفَ يَمْشِي نَحْوَ الْمَيْسَرَةِ فَانْكَشَفَتْ عَنْهُ مُضَرُ مِنَ الْمَيْسَرَةِ فَلَمْ يَبْقَ مَعَ عَلِيٍّ(ع)مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ إِلَّا رَبِيعَةُ وَحْدَهَا فِي الْمَيْسَرَةِ.

407-

وَ رُوِيَ عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ قَالَ:

لَقَدْ مَرَّ عَلِيٌّ يَوْمَئِذٍ وَ مَعَهُ بَنُوهُ نَحْوَ الْمَيْسَرَةِ وَ مَعَهُ رَبِيعَةُ وَحْدَهَا وَ إِنِّي لَأَرَى النَّبْلَ يَمُرُّ مِنْ بَيْنِ عَاتِقِهِ وَ مَنْكِبِهِ وَ مَا مِنْ بَنِيهِ إِلَّا يَقِيهِ بِنَفْسِهِ فَيَكْرَهُ عَلِيٌّ ذَلِكَ فَيَتَقَدَّمُ عَلَيْهِ وَ يَحُولُ بَيْنَهُ وَ بَيْنَ أَهْلِ الشَّامِ وَ يَأْخُذُ بِيَدِهِ إِذَا فَعَلَ ذَلِكَ فَيُلْقِيهِ مِنْ وَرَائِهِ وَ بَصُرَ بِهِ أَحْمَرُ مَوْلَى بَنِي أُمَيَّةَ وَ كَانَ شُجَاعاً فَقَالَ عَلِيٌّ وَ رَبِّ الْكَعْبَةِ قَتَلَنِيَ اللَّهُ إِنْ لَمْ أَقْتُلْكَ فَأَقْبَلَ نَحْوَهُ فَخَرَجَ إِلَيْهِ كَيْسَانُ مَوْلَى عَلِيٍّ(ع)فَاخْتَلَفَا ضَرْبَتَيْنِ فَقَتَلَهُ أَحْمَرُ وَ خَالَطَ عَلِيّاً(ع)لِيَضْرِبَهُ بِالسَّيْفِ فَمَدَّ عَلِيٌّ يَدَهُ إِلَى جَيْبِ دِرْعِهِ فَجَذَبَهُ عَنْ فَرَسِهِ وَ حَمَلَهُ عَلَى عَاتِقِهِ وَ اللَّهِ لَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى رِجْلَيْ أَحْمَرَ يَخْتَلِفَانِ عَلَى عُنُقِ عَلِيٍّ ثُمَّ ضَرَبَ بِهِ الْأَرْضَ فَكَسَرَ مَنْكِبَيْهِ وَ عَضُدَيْهِ وَ شَدَّ أَبْنَاءُ عَلِيٍّ حُسَيْنٌ وَ مُحَمَّدٌ فَضَرَبَاهُ بِأَسْيَافِهِمَا حَتَّى بَرَدَ فَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى عَلِيٍّ(ع)قَائِماً وَ شِبْلَاهُ يَضْرِبَانِ الرَّجُلَ حَتَّى إِذَا أَتَيَا عَلَيْهِ أَقْبَلَا عَلَى أَبِيهِمَا ثُمَّ إِنَّ أَهْلَ الشَّامِ دَنَوْا عَنْهُ يُرِيدُونَهُ وَ اللَّهِ مَا يَزِيدُهُ قُرْبُهُمْ مِنْهُ وَ دُنُوُّهُمْ سُرْعَةً فِي مَشْيِهِ فَقَالَ لَهُ الْحَسَنُ مَا ضَرَّكَ لَوْ أَسْرَعْتَ حَتَّى تَنْتَهِيَ إِلَى الَّذِينَ صَبَرُوا بَعْدَكَ مِنْ أَصْحَابِكَ قَالَ يَعْنِي رَبِيعَةَ الْمَيْسَرَةِ فَقَالَ عَلِيٌّ(ع)يَا بُنَيَّ إِنَّ لِأَبِيكَ يَوْماً لَا يُبْطِئُ بِهِ عَنْهُ السَّعْيُ وَ لَا يُقَرِّبُهُ إِلَيْهِ الْوُقُوفُ إِنَّ أَبَاكَ لَا يُبَالِي وَقَعَ عَلَى الْمَوْتِ أَوْ وَقَعَ الْمَوْتُ عَلَيْهِ‏

(1)

.

____________

(1) و رواه أيضا الطبريّ بسنده عن أبي مخنف في حوادث سنة: (37) من تاريخ الأمم و الملوك: ج 1،(ص)3293 و في ط: ج 4(ص)13، و في ط: ج 5(ص)19.

470

408-

قَالَ نَصْرٌ وَ رَوَى عَمْرُو بْنُ شِمْرٍ عَنْ جَابِرٍ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ:

خَرَجَ عَلِيٌّ(ع)يَوْماً مِنْ أَيَّامِ صِفِّينَ وَ فِي يَدِهِ عَنَزَةٌ فَمَرَّ عَلَى سَعِيدِ بْنِ قَيْسٍ الْهَمْدَانِيِّ فَقَالَ لَهُ سَعِيدٌ أَ مَا تَخْشَى يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَغْتَالَكَ أَحَدٌ وَ أَنْتَ قُرْبَ عَدُوِّكَ فَقَالَ عَلِيٌّ(ع)إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَ عَلَيْهِ مِنَ اللَّهِ حَفَظَةٌ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَنْ يَتَرَدَّى فِي قَلِيبٍ أَوْ يَخْرَبَ عَلَيْهِ حَائِطٌ أَوْ تُصِيبَهُ آفَةٌ فَإِذَا جَاءَ الْقَدَرُ خَلَّوْا بَيْنَهُ وَ بَيْنَهُ‏

(1)

.

409-

وَ عَنْ عَمْرٍو عَنْ فُضَيْلِ بْنِ خَدِيجٍ عَنْ مَوْلَى الْأَشْتَرِ (2) قَالَ:

لَمَّا انْهَزَمَتْ مَيْمَنَةُ الْعِرَاقِ يَوْمَئِذٍ أَقْبَلَ عَلِيٌّ نَحْوَ الْمَيْسَرَةِ يَرْكُضُ لِيَسْتَثِيبَ النَّاسَ وَ يَسْتَوْقِفَهُمْ‏

(3)

وَ يَأْمُرَهُمْ بِالرُّجُوعِ نَحْوَ الْفَزَعِ فَمَرَّ بِالْأَشْتَرِ فَقَالَ يَا مَالِكُ قَالَ لَبَّيْكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَالَ ائْتِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ فَقُلْ لَهُمْ أَيْنَ فِرَارُكُمْ عَنِ الْمَوْتِ الَّذِي لَنْ تُعْجِزُوهُ إِلَى الْحَيَاةِ الَّتِي لَا تَبْقَى لَكُمْ فَمَضَى الْأَشْتَرُ فَاسْتَقْبَلَ النَّاسَ مُنْهَزِمِينَ فَقَالَ لَهُمُ الْكَلِمَاتِ فَنَادَاهُمْ أَيُّهَا النَّاسُ أَنَا مَالِكُ بْنُ الْحَارِثِ فَلَمْ يَلْتَفِتْ أَحَدٌ مِنْهُمْ إِلَيْهِ فَقَالَ أَيُّهَا النَّاسُ أَنَا الْأَشْتَرُ فَأَقْبَلَتْ إِلَيْهِ طَائِفَةٌ وَ ذَهَبَتْ عَنْهُ طَائِفَةٌ فَقَالَ عَضِضْتُمْ بِهَنِ أَبِيكُمْ وَ مَا أَقْبَحَ مَا قَاتَلْتُمُ الْيَوْمَ أَيُّهَا النَّاسُ غُضُّوا الْأَبْصَارَ وَ عَضُّوا عَلَى النَّوَاجِذِ فَاسْتَقْبِلُوا النَّاسَ بِهَامِكُمْ وَ شُدُّوا عَلَيْهِمْ شِدَّةَ قَوْمٍ مَوْتُورِينَ بِآبَائِهِمْ وَ أَبْنَائِهِمْ وَ إِخْوَانِهِمْ حَنَقاً عَلَى عَدُوِّهِمْ قَدْ وَطَّنُوا عَلَى الْمَوْتِ أَنْفُسَهُمْ كَيْلَا يُسْبَقُوا بِثَأْرٍ إِنَّ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ وَ اللَّهِ لَنْ يُقَاتِلُوكُمْ إِلَّا عَنْ دِينِكُمْ لِيُطْفِئُوا السُّنَّةَ وَ يُحْيُوا الْبِدْعَةَ وَ يُدْخِلُوكُمْ‏

____________

(1) و قد رويناه عن مصدر آخر، بسندين آخرين في المختار: (201) من كتاب نهج السعادة: ج 2(ص)174، ط 1.

(2) كذا في الأصل المطبوع، و مثله في كتاب صفّين و تاريخ الطبريّ، و لا يوجد في ط بيروت من شرح ابن أبي الحديد قول: «عن مولى الأشتر».

(3) هذا هو الصواب الموافق لما في ط مصر من كتاب صفّين و شرح ابن أبي الحديد، و في أصلى المطبوع هاهنا تصحيف. و يستثيب الناس: يسترجعهم.

471

فِي دِينٍ قَدْ أَخْرَجَكُمُ اللَّهُ مِنْهُ بِحُسْنِ الْبَصِيرَةِ فَطِيبُوا عِبَادَ اللَّهِ نَفْساً بِدِمَائِكُمْ دُونَ دِينِكُمْ فَإِنَّ الْفِرَارَ فِيهِ سَلْبُ الْعِزِّ وَ الْغَلَبَةِ عَلَى الْفَيْ‏ءِ وَ ذُلُّ الْمَحْيَا وَ الْمَمَاتِ وَ عَارُ الدُّنْيَا وَ الْآخِرَةِ وَ سَخَطُ اللَّهِ وَ أَلِيمُ عِقَابِهِ ثُمَّ قَالَ أَيُّهَا النَّاسُ أَخْلِصُوا إِلَيَّ مَذْحِجاً فَاجْتَمَعُوا إِلَيْهِ فَقَالَ عَضِضْتُمْ بِصُمِّ الْجَنْدَلِ وَ اللَّهِ مَا أَرْضَيْتُمُ الْيَوْمَ رَبَّكُمْ وَ لَا نَصَحْتُمْ لَهُ فِي عَدُوِّهِ وَ كَيْفَ ذَلِكَ وَ أَنْتُمْ أَبْنَاءُ الْحَرْبِ وَ أَصْحَابُ الْغَارَاتِ وَ فُرْسَانُ الطِّرَارِ وَ حُتُوفُ الْأَقْرَانِ وَ مَذْحِجُ الطِّعَانِ الَّذِينَ لَمْ يَكُونُوا يُسْبَقُونَ بِثَأْرِهِمْ وَ لَمْ تُطَلَّ دِمَاؤُهُمْ وَ لَمْ يُعْرَفُوا فِي مَوْطِنٍ مِنَ الْمَوَاطِنِ بِخَسَفٍ وَ أَنْتُمْ سَادَةُ مِصْرِكُمْ‏

(1)

وَ أَعَزُّ حَيٍّ فِي قَوْمِكُمْ وَ مَا تَفْعَلُوا فِي هَذَا الْيَوْمِ مَأْثُورٌ بَعْدَ الْيَوْمِ فَاتَّقُوا مَأْثُورَ الْحَدِيثِ فِي غَدٍ وَ اصْدُقُوا عَدُوَّكُمُ اللِّقَاءَ فَ

إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ*

وَ الَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا مِنْ هَؤُلَاءِ وَ أَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى أَهْلِ الشَّامِ رَجُلٌ فِي مِثْلِ جَنَاحِ الْبَعُوضَةِ مِنْ دِينِ اللَّهِ [وَ اللَّهِ مَا أَحْسَنْتُمُ الْيَوْمَ الْقِرَاعَ أَجْلُوا سَوَادَ وَجْهِي يَرْجِعْ فِي وَجْهِي دَمِي وَ عَلَيْكُمْ بِهَذَا السَّوَادِ الْأَعْظَمِ فَإِنَّ اللَّهَ لَوْ قَدْ فَضَّهُ تَبِعَهُ مَنْ بِجَانِبَيْهِ كَمَا يَتْبَعُ السَّيْلُ مَقْدَمَهُ فَقَالُوا خُذْ بِنَا حَيْثُ أَحْبَبْتَ فَصَمَدَ بِهِمْ نَحْوَ عَظْمِهِمْ وَ اسْتَقْبَلَهُ سَنَامٌ مِنْ هَمْدَانَ‏

(2)

وَ هُمْ نَحْوُ ثَمَانِ مِائَةِ مُقَاتِلٍ قَدِ انْهَزَمُوا آخِرَ النَّاسِ وَ كَانُوا قَدْ صَبَرُوا فِي مَيْمَنَةِ عَلِيٍّ حَتَّى قُتِلَ مِنْهُمْ مِائَةٌ وَ ثَمَانُونَ رَجُلًا وَ أُصِيبَ مِنْهُمْ أَحَدَ عَشَرَ رَئِيساً كُلَّمَا قُتِلَ مِنْهُمْ رئيسا [رَئِيسٌ أَخَذَ الرَّايَةَ آخَرُ فَانْصَرَفُوا وَ هُمْ يَقُولُونَ لَيْتَ لَنَا عَدِيداً مِنَ الْعَرَبِ يُحَالِفُونَنَا ثُمَّ نَسْتَقْدِمُ نَحْنُ وَ هُمْ فَلَا نَنْصَرِفُ حَتَّى نُقْتَلَ أَوْ نَظْهَرَ

(3)

____________

(1) هذا هو الصواب الموافق لما في شرح ابن أبي الحديد، و كتاب صفّين و تاريخ الطبريّ غير أن في كتاب صفّين: «أحد أهل مصركم».

و في ط الكمبانيّ من بحار الأنوار: «بجبن، و سادة من حضركم ...». قوله:

«و لم تطل دماؤهم» أي لم يهدر. و الخسف: الذل.

(2) كذا في أصلى و مثله في ط القديم من كتاب صفّين، فإن صح فالكلام خرج مخرج الكناية و الاستعارة.

و في شرح ابن أبي الحديد: «و استقبله أشباههم من همدان».

و في تاريخ الطبريّ: «يستقبله شباب من همدان ...».

(3) ما بين المعقوفين زيادة محتاجة إليها أخذناها من كتاب صفّين.

472

فَقَالَ لَهُمُ الْأَشْتَرُ إِنِّي أُحَالِفُكُمْ وَ أُعَاقِدُكُمْ عَلَى أَنْ لَا نَرْجِعَ أَبَداً حَتَّى نَظْفَرَ أَوْ نَهْلِكَ فَوَقَفُوا مَعَهُ عَلَى هَذِهِ النِّيَّةِ وَ الْعَزِيمَةِ وَ زَحَفَ نَحْوَ الْمَيْمَنَةِ وَ ثَابَ إِلَيْهِ نَاسٌ تَرَاجَعُوا مِنْ أَهْلِ الصَّبْرِ وَ الْوَفَاءِ وَ الْحَيَاءِ فَأَخَذَ لَا يَصْمِدُ لِكَتِيبَةٍ إِلَّا كَشَفَهَا وَ لَا بِجَمْعٍ إِلَّا جَازَهُ وَ رَدَّهُ 410 فَرُوِيَ عَنْ مَوْلًى لِلْأَشْتَرِ قَالَ لَمَّا اجْتَمَعَ إِلَى الْأَشْتَرِ مَنْ كَانَ انْهَزَمَ مِنَ الْمَيْمَنَةِ حَمَلَ عَلَى صُفُوفِ أَهْلِ الشَّامِ حَتَّى كَشَفَهُمْ فَأَلْحَقَهُمْ بِمَضَارِبِ مُعَاوِيَةَ وَ ذَلِكَ بَيْنَ الْعَصْرِ وَ الْمَغْرِبِ.

411-

وَ عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ‏

أَنَّ عَلِيّاً(ع)لَمَّا رَأَى مَيْمَنَتَهُ قَدْ عَادَتْ إِلَى مَوْقِفِهَا وَ مَصَافِّهَا وَ كَشَفَتْ مَنْ بِإِزَائِهَا أَقْبَلَ حَتَّى انْتَهَى إِلَيْهِمْ فَقَالَ قَدْ رَأَيْتُ جَوْلَتَكُمْ وَ انْحِيَازَكُمْ عَنْ صُفُوفِكُمْ تَحُوزُكُمُ الْجُفَاةُ الطَّغَامُ أَعْرَابُ أَهْلِ الشَّامِ وَ أَنْتُمْ لَهَامِيمُ الْعَرَبِ وَ السَّنَامُ الْأَعْظَمُ وَ عُمَّارُ اللَّيْلِ بِتِلَاوَةِ الْقُرْآنِ وَ أَهْلُ دَعْوَةِ الْحَقِّ إِذْ ضَلَّ الْخَاطِئُونَ فَلَوْ لَا قِتَالُكُمْ بَعْدَ إِدْبَارِكُمْ وَ كَرُّكُمْ بَعْدَ انْحِيَازِكُمْ وَجَبَ عَلَيْكُمْ مَا وَجَبَ عَلَى الْمُوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ وَ كُنْتُمْ فِيمَا أَرَى مِنَ الْهَالِكِينَ وَ لَقَدْ هَوَّنَ عَلَيَّ بَعْضَ وَجْدِي وَ شَفَى بَعْضَ لَاعِجِ نَفْسِي أَنْ رَأَيْتُكُمْ بِأَخَرَةٍ حُزْتُمُوهُمْ كَمَا حَازُوكُمْ فَأَزَلْتُمُوهُمْ عَنْ مَصَافِّهِمْ كَمَا أَزَالُوكُمْ تُحِسُّونَهُمْ بِالسَّيْفِ يَرْكَبُ أَوَّلُهُمْ آخِرَهُمْ كَالْإِبِلِ الْمَطْرُودَةِ الْهِيمِ فَالْآنَ فَاصْبِرُوا نَزَلَتْ عَلَيْكُمُ السَّكِينَةُ وَ ثَبَّتَكُمُ الْيَقِينُ وَ لْيَعْلَمِ الْمُنْهَزِمُ أَنَّهُ مُسْخِطٌ رَبَّهُ وَ مُوبِقٌ نَفْسَهُ وَ فِي الْفِرَارِ مَوْجِدَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَ الذُّلُّ لَازِمٌ عَلَيْهِ‏

(1)

وَ مَفْسَدَةُ الْعَيْشِ عَلَيْهِ وَ أَنَّ الْفَارَّ لَا يَزِيدُ الْفِرَارُ فِي عُمُرِهِ وَ لَا يُرْضِي رَبَّهُ لَمَوْتُ الرَّجُلِ مُحِقّاً قَبْلَ إِتْيَانِ هَذِهِ الْخِصَالِ خَيْرٌ مِنَ الرِّضَا

____________

(1) كذا في ط الكمبانيّ من بحار الأنوار. و في شرح ابن أبي الحديد: «و في الفرار موجدة اللّه عليه، و الذل اللازم له و فساد العيش ...».

473

بِالتَّلْبِيسِ بِهَا وَ الْإِصْرَارِ عَلَيْهَا

(1)

قَالَ نَصْرٌ فَحَمَلَ أَبُو كَعْبٍ الْخَثْعَمِيُّ رَأْسُ خَثْعَمِ الْعِرَاقِ عَلَى خَثْعَمِ الشَّامِ وَ اقْتَتَلُوا أَشَدَّ قِتَالٍ فَجَعَلَ أَبُو كَعْبٍ يَقُولُ لِأَصْحَابِهِ يَا مَعْشَرَ خَثْعَمٍ خَذِّمُوا أَيِ اضْرِبُوا الْخَذِمَةَ وَ هِيَ الْخَلْخَالُ يَعْنِي اضْرِبُوهُمْ فِي سُوقِهِمْ فَحَمَلَ شِمْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَلَى أَبِي كَعْبٍ فَطَعَنَهُ فَقَتَلَهُ ثُمَّ انْصَرَفَ يَبْكِي وَ يَقُولُ رَحِمَكَ اللَّهُ أَبَا كَعْبٍ لَقَدْ قَتَلْتُكَ فِي طَاعَةِ قَوْمٍ أَنْتَ أَمَسُّ إِلَيَّ رَحِماً وَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْهُمْ نَفْساً وَ لَكِنِّي وَ اللَّهِ لَا أَدْرِي مَا أَقُولُ وَ لَا أَرَى الشَّيْطَانَ إِلَّا قَدْ فَتَنَنَا وَ لَا أَرَى قُرَيْشاً إِلَّا قَدْ لَعِبَتْ بِنَا

(2)

فَوَثَبَ كَعْبُ بْنُ أَبِي كَعْبٍ إِلَى رَايَةِ أَبِيهِ فَأَخَذَهَا فَفُقِئَتْ عَيْنُهُ وَ صُرِعَ ثُمَّ أَخَذَهَا شُرَيْحُ بْنُ مَالِكٍ فَقَاتَلَ الْقَوْمُ تَحْتَهَا حَتَّى صُرِعَ مِنْهُمْ حَوْلَ رَايَتِهِمْ نَحْوُ ثَمَانِينَ رَجُلًا وَ أُصِيبَ مِنْ خَثْعَمِ الشَّامِ مِثْلُ ذَلِكَ ثُمَّ رَدَّهَا شُرَيْحٌ إِلَى كَعْبِ بْنِ أَبِي كَعْبٍ.

412-

وَ قَالَ نَصْرٌ وَ حَدَّثَنَا عَمْرٌو قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَابِرٍ (3)

إِنَّ رَايَةَ بَجِيلَةَ فِي صِفِّينَ مَعَ أَهْلِ الْعِرَاقِ كَانَتْ فِي أَحْمَسَ مَعَ أَبِي‏

____________

(1) كذا في شرح ابن أبي الحديد، و في ط الكمبانيّ من بحار الأنوار: «يموت الرجل ...

خير من الرضا بالتلبيس بها ...».

و في كتاب صفّين: «خير من التلبس بها و الإقرار عليها».

و في تاريخ الطبريّ: «إن في الفرار موجدة اللّه عزّ و جلّ عليه، و الذل اللازم، و العار الباقي و اعتصار الفي‏ء من يده و فساد العيش عليه ... فموت المرء محقا قبل إتيان هذه الخصال خير من الرضا بالتأنيس لها و الإقرار عليها.

و رواه قريبا منه أيضا الاسكافى المتوفّى سنة (240) في كتاب المعيار و الموازنة(ص)149، ط 1، و فيه: «فيموت المرء محقا خير من الحياة على الفرار بهذه الخصال».

(2) و رواه أيضا الاسكافى في كتاب المعيار و الموازنة(ص)156، ط 1.

(3) ما بين المعقوفين أخذناه من كتاب صفّين و كان سقط عن طبع الكمبانيّ من كتاب البحار.

474

شَدَّادٍ فَقَالَتْ لَهُ بَجِيلَةُ خُذْ رَايَتَنَا قَالَ غَيْرِي خَيْرٌ لَكُمْ مِنِّي قَالُوا لَا نُرِيدُ غَيْرَكَ قَالَ فَوَ اللَّهِ لَئِنْ أُعْطِيتُهَا لَا أَنْتَهِي بِكُمْ دُونَ صَاحِبِ التُّرْسِ الْمُذَهَّبِ الَّذِي هُوَ قَائِمٌ عَلَى رَأْسِ مُعَاوِيَةَ يَسْتُرُهُ مِنَ الشَّمْسِ فَقَالُوا اصْنَعْ مَا شِئْتَ فَأَخَذَهَا ثُمَّ زَحَفَ بِهَا وَ هُمْ حَوْلَهُ يَضْرِبُونَ النَّاسَ بِأَسْيَافِهِمْ حَتَّى انْتَهَى إِلَى صَاحِبِ التُّرْسِ الْمُذَهَّبِ وَ هُوَ فِي خَيْلٍ عَظِيمَةٍ مِنْ أَصْحَابِ مُعَاوِيَةَ فَاقْتَتَلَ النَّاسُ هُنَاكَ قِتَالًا شَدِيداً وَ شَدَّ أَبُو شَدَّادٍ بِسَيْفِهِ نَحْوَ صَاحِبِ التُّرْسِ فَتَعَرَّضَ لَهُ رُومِيٌّ فَضَرَبَ قَدَمَ أَبِي شَدَّادٍ فَقَطَعَهَا وَ ضَرَبَ أَبُو شَدَّادٍ ذَلِكَ الرُّومِيَّ فَقَتَلَهُ فَأُشْرِعَتْ إِلَيْهِ الْأَسِنَّةُ فَقُتِلَ فَأَخَذَ الرَّايَةَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ قَلْعٍ الْأَحْمَسِيُّ وَ قَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ فَأَخَذَهَا أَخُوهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ ثُمَّ أَخَذَهَا عَفِيفُ بْنُ إِيَاسٍ فَلَمْ يَزَلْ بِيَدِهِ حَتَّى تَحَاجَزَ النَّاسُ فَحَمَلَ غَطَفَانُ الْعِرَاقِ عَلَى غَطَفَانِ الشَّامِ وَ قُتِلَ مِنْهُمَا كَثِيرٌ وَ كَذَا أَزْدُ الْعِرَاقِ عَلَى أَزْدِ الشَّامِ وَ كَذَا كُلُّ قَبِيلَةٍ عَلَى مَنْ بِإِزَائِهِمْ.

413-

قَالَ نَصْرٌ وَ رَوَى عُمَرُ بْنُ سَعْدٍ عَنِ الْحَارِثِ بْنِ حَصِيرَةَ عَنْ أَشْيَاخِ النَّمِرِ

أَنَّ عُتْبَةَ بْنَ جُوَيَّةَ

(1)

قَالَ يَوْمَ صِفِّينَ أَنَّ مَرْعَى الدُّنْيَا قَدْ أَصْبَحَ هَشِيماً وَ أَصْبَحَ شَجَرُهَا حَصِيداً وَ جَدِيدُهَا سَمَلًا وَ حُلْوُهَا مُرَّ الْمَذَاقِ‏

____________

(1) كذا في ط الكمبانيّ من البحار، و في ط مصر من كتاب صفّين: «عتبة بن جويرية» و في أواسط شرح المختار: (65) من نهج البلاغة من شرح ابن أبي الحديد: ج 2(ص)230. قال نصر: و حدّثنا عمرو، عن الحارث بن حصين، عن أشياخ الحى أن عتبة بن جويرة قال يوم صفّين ...

و في قصة حرب صفّين من تاريخ الطبريّ: ج 5(ص)27 ط بيروت: قال:

قال أبو مخنف: و حدّثني الحارث بن حصيرة، عن أشياخ النعر أن عقبة بن حديد النعري قال يوم صفّين ...

و الحديث رواه أيضا أبو جعفر الاسكافى في كتاب المعيار و الموازنة(ص)159.

475

أَلَا وَ إِنِّي أُنَبِّئُكُمْ نَبَأَ امْرِئٍ صَادِقٍ إِنِّي سَئِمْتُ الدُّنْيَا وَ عَزَفْتُ نَفْسِي عَنْهَا وَ قَدْ كُنْتُ أَتَمَنَّى الشَّهَادَةَ وَ أَتَعَرَّضُ لَهَا فِي كُلِّ حِينٍ فَأَبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يَبْلُغَنِي هَذَا الْيَوْمَ أَلَا وَ إِنِّي مُتَعَرِّضٌ سَاعَتِي هَذِهِ لَهَا وَ قَدْ طَمِعْتُ أَنْ لَا أُحْرَمَهَا فَمَا تَنْتَظِرُونَ عِبَادَ اللَّهِ مِنْ جِهَادِ أَعْدَاءِ اللَّهِ أَ خَوْفَ الْمَوْتِ الْقَادِمِ عَلَيْكُمْ الذَّاهِبِ بِأَنْفُسِكُمْ لَا مَحَالَةَ أَوْ مِنْ ضَرْبَةِ كَفٍّ أَوْ حِسٍّ بِالسَّيْفِ أَ تَسْتَبْدِلُونَ الدُّنْيَا بِالنَّظَرِ إِلَى وَجْهِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ مُرَافَقَةِ

النَّبِيِّينَ وَ الصِّدِّيقِينَ وَ الشُّهَداءِ وَ الصَّالِحِينَ‏

فِي دَارِ الْقَرَارِ مَا هَذَا بِالرَّأْيِ السَّدِيدِ ثُمَّ قَالَ يَا إِخْوَتَاهْ إِنِّي قَدْ بِعْتُ هَذِهِ الدَّارَ بِالدَّارِ الَّتِي أَمَامَهَا وَ هَذَا وَجْهِي إِلَيْهِ لَا يُبْرِحُ اللَّهُ وُجُوهَكُمْ وَ لَا يَقْطَعُ اللَّهُ أَرْحَامَكُمْ فَتَبِعَهُ أَخَوَاهُ عُبَيْدُ اللَّهِ وَ عَوْفٌ وَ قَالا لَا نَطْلُبُ رِزْقَ الدُّنْيَا بَعْدَكَ قَبَّحَ اللَّهُ الْعَيْشَ بَعْدَكَ اللَّهُمَّ إِنَّا نَحْتَسِبُ أَنْفُسَنَا عِنْدَكَ فَاسْتَقْدَمُوا فَقَاتَلُوا حَتَّى قُتِلُوا قَالَ فَاقْتَتَلَ النَّاسُ قِتَالًا شَدِيداً يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ عَلِيٍّ(ع)وَ اللَّهِ لَأَحْمِلَنَّ عَلَى مُعَاوِيَةَ حَتَّى أَقْتُلَهُ فَأَخَذَ فَرَساً فَرَكِبَهُ ثُمَّ ضَرَبَهُ حَتَّى إِذَا قَامَ عَلَى سَنَابِكِهِ دَفَعَهُ فَلَمْ يُنَهْنِهْهُ شَيْ‏ءٌ عَنِ الْوُقُوفِ عَلَى رَأْسِ مُعَاوِيَةَ وَ دَخَلَ مُعَاوِيَةُ خِبَاءَهُ فَنَزَلَ الرَّجُلُ عَنْ فَرَسِهِ وَ دَخَلَ عَلَيْهِ فَخَرَجَ مُعَاوِيَةُ مِنَ الْخِبَاءِ وَ طَلَعَ الرَّجُلُ فِي أَثَرِهِ فَخَرَجَ مُعَاوِيَةُ فَأَحَاطَ بِهِ النَّاسُ وَ قَالَ وَيْحَكُمْ إِنَّ السُّيُوفَ لَمْ يُؤْذَنْ لَهَا فِي هَذَا وَ لَوْ لَا ذَلِكَ لَمْ يَصِلْ إِلَيْكُمْ عَلَيْكُمْ بِالْحِجَارَةِ فَرَضَخُوهُ بِالْحِجَارَةِ حَتَّى هَمَدَ الرَّجُلُ ثُمَّ عَادَ مُعَاوِيَةُ إِلَى مَجْلِسِهِ قَالَ نَصْرٌ فَلَمَّا انْقَضَى هَذَا الْيَوْمِ بِمَا فِيهِ أَصْبَحُوا فِي الْيَوْمِ الثَّانِي وَ الْفَيْلَقَانِ مُتَقَابِلَانِ فَخَرَجَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ فَسَأَلَ الْمُبَارَزَةَ فَخَرَجَ إِلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ فَاقْتَتَلَا قِتَالًا شَدِيداً ثُمَّ إِنَّ الْعِرَاقِيَّ اعْتَنَقَهُ فَوَقَعَا جَمِيعاً وَ عَادَ الْفَرَسَانِ ثُمَّ إِنَّ الْعِرَاقِيَّ قَهَرَهُ فَجَلَسَ عَلَى صَدْرِهِ وَ كَشَفَ الْمِغْفَرَ عَنْهُ يُرِيدُ أَنْ يَذْبَحَهُ فَإِذَا هُوَ أَخُوهُ لِأَبِيهِ فَصَاحَ بِهِ أَصْحَابُ عَلِيٍّ(ع)وَيْحَكَ أَجْهِزْ عَلَيْهِ قَالَ إِنَّهُ أَخِي قَالُوا فَاتْرُكْهُ قَالَ لَا وَ اللَّهِ حَتَّى يَأْذَنَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ فَأُخْبِرَ عَلِيٌّ(ع)بِذَلِكَ فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ أَنْ دَعْهُ فَتَرَكَهُ وَ عَادَ إِلَى صَفِّ مُعَاوِيَةَ.

476

414-

وَ عَنِ الْجُرْجَانِيِّ قَالَ:

كَانَ مُعَاوِيَةُ يَعُدُّ لِكُلِّ عَظِيمٍ حُرَيْثاً مَوْلَاهُ وَ كَانَ يَلْبَسُ سِلَاحَ مُعَاوِيَةَ مُتَشَبِّهاً بِهِ فَإِذَا قَاتَلَ قَالَ النَّاسُ ذَاكَ مُعَاوِيَةُ وَ إِنَّ مُعَاوِيَةَ دَعَاهُ وَ قَالَ يَا حُرَيْثُ اتَّقِ عَلِيّاً وَ ضَعْ رُمْحَكَ حَيْثُ شِئْتَ فَأَتَاهُ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ وَ قَالَ يَا حُرَيْثُ إِنَّكَ وَ اللَّهِ لَوْ كُنْتَ قُرَشِيّاً لَأَحَبَّ لَكَ مُعَاوِيَةُ أَنْ تَقْتُلَ عَلِيّاً وَ لَكِنْ كَرِهَ أَنْ يَكُونَ لَكَ حَظُّهَا فَإِنْ رَأَيْتَ فُرْصَةً فَاقْتَحِمْ وَ خَرَجَ عَلِيٌّ(ع)فِي هَذَا الْيَوْمِ وَ كَانَ أَمَامَ الْخَيْلِ فَحَمَلَ عَلَيْهِ حُرَيْثٌ وَ فِي رِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ شِمْرٍ عَنْ جَابِرٍ

(1)

قَالَ بَرَزَ حُرَيْثٌ مَوْلَى مُعَاوِيَةَ هَذَا الْيَوْمَ وَ كَانَ شَدِيداً ذَا بَأْسٍ لَا يُرَامُ فَصَاحَ يَا عَلِيُّ هَلْ لَكَ فِي الْمُبَارَزَةِ فَأَقْدِمْ أَبَا حَسَنٍ إِنْ شِئْتَ فَأَقْبَلَ عَلِيٌّ وَ هُوَ يَقُولُ‏

أَنَا عَلِيٌّ وَ ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ* * * -نَحْنُ لَعَمْرُ اللَّهِ أَوْلَى بِالْكُتُبِ‏

مِنَّا النَّبِيُّ الْمُصْطَفَى غَيْرُ كَذِبٍ* * * -أَهْلُ اللِّوَاءِ وَ الْمَقَامِ وَ الْحُجُبِ-

نَحْنُ نَصَرْنَاهُ عَلَى كُلِّ الْعَرَبِ

ثُمَّ خَالَطَهُ فَمَا أَمْهَلَهُ أَنْ ضَرَبَهُ ضَرْبَةً وَاحِدَةً فَقَطَعَهُ نِصْفَيْنِ فَجَزِعَ مُعَاوِيَةُ عَلَيْهِ جَزَعاً شَدِيداً وَ عَابَ عَمْراً فِي إِغْرَائِهِ بِعَلِيٍّ فَلَمَّا قُتِلَ حُرَيْثٌ بَرَزَ عَمْرُو بْنُ الْحُصَيْنِ السَّكْسَكِيُّ فَنَادَى أَبَا حَسَنٍ هَلُمَّ إِلَى الْمُبَارَزَةِ فَأَومَى عَلِيٌّ إِلَى سَعِيدِ بْنِ قَيْسٍ الْهَمْدَانِيِّ فَبَارَزَهُ فَضَرَبَهُ بِالسَّيْفِ فَقَتَلَهُ قَالَ نَصْرٌ وَ كَانَ لِهَمْدَانَ بَلَاءٌ عَظِيمٌ فِي نُصْرَةِ عَلِيٍّ(ع)فِي صِفِّينَ وَ مِنَ الشِّعْرِ الَّذِي لَا يُشَكُّ أَنَّ قَائِلَهُ عَلِيٌّ لِكَثْرَةِ الرِّوَايَةِ لَهُ‏

دَعَوْتُ فَلَبَّانِي مِنَ الْقَوْمِ عُصْبَةٌ* * * -فَوَارِسُ مِنْ هَمْدَانَ غَيْرُ لِئَامٍ‏

بِكُلِّ رُدَيْنِيٍّ وَ عَضْبٍ تَخَالُهُ* * * -إِذَا اخْتَلَفَ الْأَقْوَامُ شُعَلَ ضِرَامٍ-

لِهَمْدَانَ أَخْلَاقٌ كِرَامٌ يَزِينُهُمْ* * * -وَ بَأْسٌ إِذَا لَاقُوا وَ جَدُّ خِصَامٍ-

____________

(1) كذا في اصلى، و في كتاب صفّين(ص)273: «عن جابر عن تميم قال ...». إنهم ليعلمون

477

وَ جَدٌّ وَ صَدْقٌ فِي الْحُرُوبِ وَ نَجْدَةٌ* * * -وَ قَوْلٌ إِذَا قَالُوا بِغَيْرِ أَثَامٍ-

مَتَى تَأْتِهِمْ فِي دَارِهِمْ تَسْتَضِيفُهُمْ* * * -تَبِتْ نَاعِماً فِي خِدْمَةٍ وَ طَعَامٍ-

جَزَى اللَّهُ هَمْدَانَ الْجِنَانَ فَإِنَّهَا* * * -سِمَامُ الْعِدَى فِي كُلِّ يَوْمِ زِحَامٍ-

فَلَوْ كُنْتُ بَوَّاباً عَلَى بَابِ جَنَةٍ* * * -لَقُلْتُ لِهَمْدَانَ ادْخُلُوا بِسَلَامٍ‏

415-

قَالَ نَصْرٌ وَ حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ شِمْرٍ قَالَ:

ثُمَّ قَامَ عَلِيٌّ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ وَ نَادَى يَا مُعَاوِيَةُ يُكَرِّرُهَا فَقَالَ مُعَاوِيَةُ سَلُوهُ مَا شَأْنُهُ قَالَ أُحِبُّ أَنْ يَظْهَرَ لِي فَأُكَلِّمَهُ بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ فَبَرَزَ مُعَاوِيَةُ وَ مَعَهُ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ فَلَمَّا قَارَبَاهُ لَمْ يَلْتَفِتْ إِلَى عَمْرٍو وَ قَالَ لِمُعَاوِيَةَ وَيْحَكَ عَلَامَ تَقْتُلُ النَّاسَ بَيْنِي وَ بَيْنَكَ وَ يَقْتُلُ بَعْضُهُمْ بَعْضاً ابْرُزْ إِلَيَّ فَأَيُّنَا قُتِلَ فَالْأَمْرُ إِلَى صَاحِبِهِ فَالْتَفَتَ مُعَاوِيَةُ إِلَى عَمْرٍو فَقَالَ مَا تَرَى يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ قَالَ قَدْ أَنْصَفَكَ الرَّجُلُ فَاعْلَمْ أَنَّكَ إِنْ نَكَلْتَ عَنْهُ لَمْ تَزَلْ سُبَّةً عَلَيْكَ وَ عَلَى عَقِبِكَ مَا بَقِيَ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ عَرَبِيٌّ فَقَالَ مُعَاوِيَةُ يَا ابْنَ الْعَاصِ لَيْسَ مِثْلِي يُخْدَعُ عَنْ نَفْسِهِ وَ اللَّهِ مَا بَارَزَ ابْنَ أَبِي طَالِبٍ شُجَاعٌ قَطُّ إِلَّا وَ سَقَى الْأَرْضَ بِدَمِهِ ثُمَّ انْصَرَفَ مُعَاوِيَةُ رَاجِعاً حَتَّى انْتَهَى إِلَى آخِرِ الصُّفُوفِ وَ عَمْرٌو مَعَهُ فَلَمَّا رَأَى عَلِيٌّ(ع)ذَلِكَ ضَحِكَ وَ عَادَ إِلَى مَوْقِفِهِ قَالَ وَ حَقَدَهَا مُعَاوِيَةُ عَلَى عَمْرٍو بَاطِناً

(1)

قَالَ نَصْرٌ ثُمَّ الْتَقَى النَّاسُ وَ اقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيداً وَ حَارَبَتْ طَيٌّ مَعَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)حُرُوباً عَظِيمَةً وَ قُتِلَ مِنْهَا أَبْطَالٌ كَثِيرُونَ وَ قَاتَلَتِ النَّخَعُ أَيْضاً مَعَهُ ذَلِكَ الْيَوْمَ قِتَالًا شَدِيداً وَ قُطِعَتْ رِجْلُ عَلْقَمَةَ بْنِ قَيْسٍ النَّخَعِيِّ وَ قُتِلَ أَخُوهُ أُبَيُّ بْنُ قَيْسٍ فَكَانَ عَلْقَمَةُ يَقُولُ بَعْدُ مَا أُحِبُّ أَنَّ رِجْلِي أَصَحُّ مَا كَانَ لِمَا أَرْجُو بِهَا الثَّوَابَ وَ قَالَ رَأَيْتُ أَخِي فِي نَوْمِي فَقُلْتُ لَهُ مَا الَّذِي قَدِمْتُمْ عَلَيْهِ قَالَ الْتَقَيْنَا نَحْنُ وَ أَهْلُ الشَّامِ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ فَاحْتَجَجْنَا عِنْدَهُ فَحَجَجْنَا فَسُرِرْتُ بِذَلِكَ.

____________

(1) و هذا إيجاز من المصنّف، و في القصة تفصيل و أبيات حذفها المصنّف كما صنع فيما تقدم و فيما يأتي أيضا.

478

416-

وَ رُوِيَ عَنِ الْحُضَيْنِ بْنِ الْمُنْذِرِ

أَنَّهُ لَمَّا تَصَافَّ النَّاسُ ذَلِكَ الْيَوْمَ وَ حَمَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَ ضَعْضَعَتْ مَيْمَنَةُ أَهْلِ الْعِرَاقِ فَجَاءَنَا عَلِيٌّ(ع)وَ مَعَهُ بَنُوهُ فَنَادَى بِصَوْتٍ جَهْرٍ لِمَنْ هَذِهِ الرَّايَاتُ فَقُلْنَا رَايَاتُ رَبِيعَةَ فَقَالَ بَلْ هِيَ رَايَاتٌ عَصَمَ اللَّهُ أَهْلَهَا وَ صَبَّرَهَا وَ ثَبَّتَ أَقْدَامَهَا ثُمَّ قَالَ لِي وَ أَنَا حَامِلُ رَايَةِ رَبِيعَةَ يَا فَتَى أَ لَا تُدْنِي رَايَتَكَ هَذِهِ ذِرَاعاً فَقُلْتُ بَلَى وَ اللَّهِ عَشَرَةَ أَذْرُعٍ ثُمَّ مِلْتُ بِهَا هَكَذَا فَأَدْنَيْتُهَا

(1)

فَقَالَ لِي حَسْبُكَ وَ رُوِيَ أَنَّهُمْ أُعْطُوا الرَّايَةَ الْحُضَيْنَ بْنَ الْمُنْذِرِ الرَّقَاشِيَّ وَ هُوَ يَوْمَئِذٍ غُلَامٌ وَ هُوَ يَزْحَفُ بِرَايَةِ رَبِيعَةَ وَ كَانَتْ حَمْرَاءَ فَأَعْجَبَ عَلِيّاً(ع)زَحْفُهُ وَ ثَبَاتُهُ فَقَالَ‏

لِمَنْ رَايَةٌ حَمْرَاءُ يَخْفِقُ ظِلُّهَا* * * -إِذَا قِيلَ قَدِّمْهَا حُضَيْنُ تَقَدَّمَا-

وَ يَدْنُو بِهَا فِي الصَّفِّ حَتَّى يُدِيرَهَا* * * -حَمَامُ الْمَنَايَا تَقْطُرُ الْمَوْتَ وَ الدِّمَاءَ-

جَزَى اللَّهُ قَوْماً صَابَرُوا فِي لِقَائِهِمْ* * * -لَدَى الْبَأْسِ حُرّاً مَا أَعَزَّ وَ أَكْرَمَا-

وَ أَحْزَمَ صَبْراً يَوْمَ يُدْعَى إِلَى الْوَغَى* * * -إِذَا كَانَ أَصْوَاتُ الْكُمَاةِ تَغَمْغَمَا

رَبِيعَةَ أَعْنِي إِنَّهُمْ أَهْلُ نَجْدَةٍ وَ بَأْسٍ* * * -إِذَا لَاقُوا خَمِيساً عَرَمْرَمَا

وَ قَدْ صَبَرَتْ عَكٌّ وَ لَخْمٌ وَ حِمْيَرٌ* * * -لِمَذْحِجٍ حَتَّى لَمْ تُفَارِقْ دَمٌ دَماً-

وَ نَادَتْ جُذَامُ يَا لَمَذْحِجُ وَيْحَكُمْ* * * -جَزَى اللَّهُ شَرّاً أَيُّنَا كَانَ أَظْلَمَا-

أَمَا تَتَّقُونَ اللَّهَ فِي حُرُمَاتِكُمْ* * * -وَ مَا قَرَّبَ الرَّحْمَنُ مِنْهَا وَ عَظَّمَا-

أَذَقْنَا ابْنَ حَرْبٍ طَعْنَنَا وَ ضِرَابَنَا* * * -بِأَسْيَافِنَا حَتَّى تَوَلَّى وَ أَحْجَمَا-

وَ مَرَّ يُنَادِي الزِّبْرِقَانُ مَرَاطِمَ‏ (2)* * * -وَ نَادَى كَلَاعاً وَ الْكُرَيْبَ وَ أَنْعَمَا-

____________

(1) هذا هو الظاهر المذكور في كتاب صفّين و تاريخ الطبريّ: ج 5(ص)23 و شرح ابن أبي الحديد، و ما بين المعقوفين أيضا مأخوذ منهما.

و في ط الكمبانيّ من البحار: «يا فتى ألا تبدي هذه ذراعا؟ فأبديتها فقال لي:

حسبك. (2) كذا في أصلى، و في كتاب صفّين و شرح ابن أبي الحديد: «و فر ينادي الزبرقان و ظالما».

479

وَ عَمْراً وَ سُفْيَاناً وَ جَهْماً وَ مَالِكاً* * * -وَ حَوْشَبَ وَ الْغَاوِيَ سُرَيْحاً وَ أَظْلَمَا-

وَ كُرْزَ بْنَ نَبْهَانَ وَ عَمْرَو بْنَ جَحْدَرٍ* * * -وَ صَبَّاحاً الْعَبْسِيَّ يَدْعُو وَ أَسْلَمَا (1)

قال نصر: و أقبل ذو الكلاع في الحمير و من لف لفها و معهم عبيد الله بن عمر بن الخطاب في أربعة آلاف من قراء أهل الشام فحملوا على ربيعة و هم ميسرة أهل العراق و فيهم عبد الله بن العباس حملة شديدة فضعضعت رايات ربيعة ثم إن أهل الشام انصرفوا فلم يلبثوا إلا قليلا حتى كروا ثانية و عبيد الله بن عمر في أولهم يقول يا أهل الشام هذا الحي من العراق قتلة عثمان و أنصار علي فإن هزمتم هذه القبيلة أدركتم ثاركم في عثمان فشدوا على الناس شدة عظيمة فثبتت لهم ربيعة و صبرت صبرا حسنا إلا قليلا من الضعفاء و اشتد القتال بين ربيعة و حمير و عبيد الله بن عمر و كثرت القتلى ثم خرج نحو خمس مائة فارس أو أكثر من أصحاب علي(ع)على رءوسهم البيض و هم غائصون في الحديد لا يرى منهم إلا الحدق و خرج إليهم من أهل الشام نحوهم في العدة فاقتتلوا بين الصفين و الناس وقوف تحت راياتهم فلم يرجع من هؤلاء مخبر

(2)

لا عراقي و لا شامي قتلوا جميعا بين الصفين و كان بصفين تل يلقى عليه الجماجم من الرجال فكان يدعى تل الجماجم قال نصر: ثم ذهب هذا اليوم بما فيه فأصبحوا من اليوم التاسع من صفر و قد خطب معاوية أهل الشام و حرضهم فحمل عبيد الله و قراء أهل الشام‏

____________

(1) كذا في أصلى، و في كتاب صفّين و شرح ابن أبي الحديد: «القينى».

ثمّ قال ابن أبي الحديد: هكذا روى نصر بن مزاحم، و سائر الرواة رووا له (عليه السلام) الأبيات الستة الأولى، و رووا باقى الأبيات من قوله: «و قد صبرت عك» للحضين بن المنذر صاحب الراية.

أقول: و قد روى الطبريّ ستة منها في تاريخه: ج 5(ص)37 ط بيروت.

(2) هذا هو الصواب، و في أصلى: «يخبر إلّا عراقى ...».

480

و معه ذو الكلاع في حمير على ربيعة في ميسرة علي(ع)فقاتلوا قتالا شديدا فأتى زياد بن خصفة إلى عبد القيس فقال لا يكونن وائل بعد اليوم إن ذا الكلاع و عبيد الله بن عمر قد أبادا ربيعة فانهضوا لهم و إلا هلكت فركبت عبد القيس و جاءت كأنها غمامة سوداء فشدت أزر الميسرة و عظم القتال فقتل ذو الكلاع قتله رجل من بكر بن وائل اسمه خندف و تضعضعت أركان حمير و ثبتت بعد ذي الكلاع تحارب مع عبيد الله بن عمر فأرسل عبيد الله إلى الحسن بن علي(ع)إن لي إليك حاجة فألقني فلقيه الحسن(ع)فقال له عبيد الله إن أباك قد وتر قريشا أولا و آخرا و قد شنئه الناس فهل لك في خلعه و أن تتولى أنت هذا الأمر فقال كلا و الله ثم قال يا ابن الخطاب و الله لكأني أنظر إليك مقتولا في يومك أو في غدك أما إن الشيطان قد زين لك و خدعك حتى أخرجك مخلقا بالخلوق ترى نساء أهل الشام موقفك و سيصرعك الله و يبطحك لوجهك قتيلا

(1)

قال فو الله ما كان إلا بياض النهار حتى قتل عبيد الله و هو في كتيبة رقطاء و كانت تدعى الخضرية كانوا أربعة آلاف عليهم ثياب مخضر فمر الحسن فإذا رجل متوسد رجل قتيل و قد ركز رمحه في عينه و ربط فرسه برجله فقال الحسن لمن معه انظروا إلى هذا و إذا رجل من همدان و إذا القتيل عبيد الله بن عمر قد قتله الهمداني في أول الليل و بات عليه حتى أصبح:

قال نصر: و قد اختلفت الرواة في قاتله فقالت همدان نحن قتلناه قتله هانئ بن الخطاب و قالت حضرموت نحن قتلناه قتله مالك بن عمرو و قال بكر بن وائل قتله منا محرز بن الصحصح: و روي: أن قاتله حريث بن جابر بن الجعفي‏

____________

(1) هذا ذكره نصر في أواسط الجزء (5) من كتاب صفّين(ص)297 ط مصر، و هذا خبر غيبى أخذه ريحانة رسول اللّه إمّا عن جده أو عن أبيه أو أمه.

481

417 قال نصر و حدثنا عمرو بن شمر عن جابر قال: لما حمل ذو الكلاع ذلك اليوم بالفيلق العظيم من حمير على صفوف العراق ناداهم أبو شجاع الحميري تبت أيديكم أ ترون معاوية خيرا من علي أسد الله أضل الله سعيكم ثم أنت يا ذا الكلاع قد كنا نرى أن لك نية في الدين فقال ذو الكلاع إيها يا أبا شجاع و الله ما معاوية بأفضل من علي و لكني أقاتل عن دم عثمان قال فأصيب ذو الكلاع حينئذ قتله خندف البكري في المعركة قَالَ نَصْرٌ وَ قَالَ مُعَاوِيَةُ لَمَّا قُتِلَ ذُو الْكَلَاعِ لَأَنَا أَشَدُّ فَرَحاً بِقَتْلِ ذِي الْكَلَاعِ مِنِّي بِفَتْحِ مِصْرَ لَوْ فَتَحْتُهَا قَالَ لِأَنَّ ذَا الْكَلَاعِ كَانَ يَحْجُرُ عَلَى مُعَاوِيَةَ فِي أَشْيَاءَ كَانَ يَأْمُرُ بِهَا قال نصر: فلما قتل ذو الكلاع اشتدت الحرب و شد عك و لخم و جذام و الأشعريون من أهل الشام على مذحج من أهل العراق.

418-

وَ قَالَ نَصْرٌ وَ حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ الزُّبَيْرِ قَالَ لَقَدْ سَمِعْتُ الْحُضَيْنَ بْنَ الْمُنْذِرِ يَقُولُ‏

أَعْطَانِي عَلِيٌّ ذَلِكَ الْيَوْمَ رَايَةَ رَبِيعَةَ وَ مُضَرَ وَ قَالَ بِسْمِ اللَّهِ سِرْ يَا حُضَيْنُ وَ اعْلَمْ أَنَّهُ لَا تَخْفِقُ عَلَى رَأْسِكَ بِرَايَةٍ مِثْلِهَا أَبَداً هَذِهِ رَايَةُ رَسُولِ اللَّهِ قَالَ فَجَاءَ أَبُو عُرَفَاءَ جَبَلَةُ بْنُ عَطِيَّةَ الذُّهْلِيُّ إِلَى الْحُضَيْنِ فَقَالَ هَلْ لَكَ أَنْ تُعْطِيَنِي الرَّايَةَ أَحْمِلُهَا فَيَكُونَ لَكَ ذِكْرُهَا وَ يَكُونَ لِي أَجْرُهَا فَقَالَ الْحُضَيْنُ وَ مَا غِنَايَ يَا عَمِّ عَنْ أَجْرِهَا مَعَ ذِكْرِهَا فَقَالَ إِنَّهُ لَا غَنَاءَ بِكَ عَنْ ذَلِكَ وَ لَكِنْ أَعِرْهَا عَمَّكَ سَاعَةً فَمَا أَسْرَعَ مَا تَرْجِعُ إِلَيْكَ قَالَ حُضَيْنٌ فَعَلِمْتُ أَنَّهُ قَدِ اسْتَقْتَلَ‏

(1)

وَ أَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَمُوتَ مُجَاهِداً قَالَ فَقُلْتُ لَهُ خُذْهَا فَأَخَذَهَا ثُمَّ قَالَ لِأَصْحَابِهِ إِنَّ عَمَلَ الْجَنَّةِ كَرْهٌ كُلُّهُ وَ ثَقِيلٌ وَ إِنَّ عَمَلَ النَّارِ خِفٌّ كُلُّهُ وَ حَبِيبٌ إِنَّ الْجَنَّةَ لَا يَدْخُلُهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ الَّذِينَ صَبَرُوا أَنْفُسَهُمْ عَلَى فَرَائِضِ اللَّهِ وَ أَمْرِهِ وَ لَيْسَ شَيْ‏ءٌ مِمَّا افْتَرَضَ اللَّهُ عَلَى الْعِبَادِ أَشَدَّ مِنَ الْجِهَادِ هُوَ أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ ثَوَاباً عِنْدَ

____________

(1) كذا في شرح ابن أبي الحديد: ج 2(ص)249، و في كتاب صفّين(ص)305: «فعلم أنه يريد أن يستقتل ...» و في ط الكمبانيّ من البحار: «فعلمت أنّه قد استقبل ...».

482

اللَّهِ فَإِذَا رَأَيْتُمُونِي قَدْ شَدَدْتُ فَشُدُّوا وَيْحَكُمْ أَ مَا تَشْتَاقُونَ إِلَى الْجَنَّةِ

(1)

أَ مَا

تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ‏

فَشَدَّ وَ شَدُّوا مَعَهُ وَ قَاتَلُوا قِتَالًا شَدِيداً فَقُتِلَ أَبُو عَرْفَاءَ وَ شَدَّتْ رَبِيعَةُ بَعْدَهَا شِدَّةً عَظِيمَةً عَلَى صُفُوفِ أَهْلِ الشَّامِ و قال نصر: فاضطرب الناس ذلك اليوم بالسيوف حتى قطعت و تكسرت و صارت كالمناجل و تطاعنوا بالرماح حتى تناثرت أسنتها

(2)

ثم جثوا على الركب فتحاثوا بالتراب ثم تعانقوا و تكادموا بالأفواه ثم تراموا بالصخرة و الحجارة ثم تحاجزوا فكان الرجل من أهل العراق يمر على أهل الشام فيقول كيف أصير إلى رايات بني فلان فيقول هاهنا لا هداك الله و يمر الرجل من أهل الشام على أهل العراق فيقول كيف أمضي إلى رايات بني فلان فيقولون هاهنا لا حفظك الله فلما أصبحوا في اليوم العاشر أصبحوا و ربيعة محدقة بعلي(ع)إحداق بياض العين بسوادها:

قال نصر و حدثني عمرو: أنه لما وقف(ع)تحت رايات ربيعة قال عتاب بن لقيط يا معشر ربيعة حاموا عن علي منذ اليوم فإن أصيب فيكم افتضحتم أ لا ترونه قائما تحت راياتكم فقال لهم شقيق بن ثور يا معشر ربيعة ليس لكم عذر عند العرب إن أصيب علي و فيكم رجل حي فامنعوه اليوم و اصدقوا عدوكم اللقاء فتعاقدت ربيعة و تحالفت بالأيمان العظيمة و تبايع منهم سبعة آلاف على أن لا ينظر رجل خلفه حتى يردوا سرادق معاوية فقاتلوا ذلك اليوم قتالا شديدا لم‏

____________

(1) هذا هو الصواب الموافق لكتاب صفّين و شرح ابن أبي الحديد، و كان مذكورا في هامش طبع الكمبانيّ من كتاب البحار بعنوان: «خ. ل» و كان في متنه: «أ ما تشتان إلى الموت ...».

(2) كذا في أصلى- غير انه كان فيه: «حتى قطعت و تكسرت»- و صوبه تحقّق كتاب صفّين ب «تعطفت» أي تلوت و ثنت. و فيه أيضا: «و تطاعنوا بالرماح حتّى تكسرت».

و في شرح ابن أبي الحديد: «و تطاعنوا بالرماح حتّى تقصفت و تناثرت أسنتها ...».

483

يكن قبله مثله و أقبلوا نحو سرادق معاوية فلما نظر إليهم قد أقبلوا قال‏

إذا قلت قد ولت ربيعة أقبلت* * * -كتائب منها كالجبال تجالد-

ثم قال لعمرو يا عمرو ما ترى قال أرى أن لا تحنث أخوالي اليوم فقام معاوية و خلا لهم سرادقه و رحله و خرج فارا عنه لائذا ببعض مضارب العسكر في أخريات الناس و انتهبت ربيعة سرادقه و رحله و بعث إلى خالد بن المعمر أنك قد ظفرت و لك إمرة خراسان إن لم تتم فقطع خالد القتال و لم يتمه و قال لربيعة قد برت أيمانكم فحسبكم فلما كان عام الجماعة و بايع الناس معاوية أمره معاوية على خراسان و بعثه إليها فمات قبل أن يبلغها.

419-

قَالَ نَصْرٌ وَ فِي حَدِيثِ عُمَرَ بْنِ سَعْدٍ

أَنَّ عَلِيّاً(ع)صَلَّى بِهِمْ هَذَا الْيَوْمَ صَلَاةَ الْغَدَاةِ ثُمَّ زَحَفَ بِهِمْ فَلَمَّا أَبْصَرُوهُ اسْتَقْبَلُوهُ بِزُحُوفِهِمْ فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيداً ثُمَّ إِنَّ خَيْلَ الشَّامِ حَمَلَتْ عَلَى خَيْلِ الْعِرَاقِ فَاقْتَطَعُوا مِنْ أَصْحَابِ عَلِيٍّ(ع)أَلْفَ رَجُلٍ أَوْ أَكْثَرَ فَأَحَاطُوا بِهِمْ وَ حَالُوا بَيْنَهُمْ وَ بَيْنَ أَصْحَابِهِمْ فَلَمْ يَرَوْهُمْ فَنَادَى عَلِيٌّ(ع)أَ لَا رَجُلٌ يَشْرِي نَفْسَهُ لِلَّهِ وَ يَبِيعُ دُنْيَاهُ بِآخِرَتِهِ فَأَتَاهُ رَجُلٌ مِنْ جُعْفٍ يُقَالُ لَهُ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ الْحَارِثِ عَلَى فَرَسٍ أَدْهَمَ كَأَنَّهُ غُرَابٌ مُقَنِّعاً فِي الْحَدِيدِ فَقَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مُرْنِي بِأَمْرِكَ فَقَالَ عَلِيٌّ ع‏

سَمَحْتَ بِأَمْرٍ لَا يُطَاقُ حَفِيظَةً* * * -وَ صِدْقاً (1)وَ إِخْوَانُ الْحِفَاظِ قَلِيلٌ‏

____________

(1) هذا هو الظاهر الموافق لما في ط مصر، من كتاب صفّين، و في ط الكمبانيّ من البحار:

شربت لأمر لا يطاق حفيظة* * * حياء و إخوان الحفاظ قليل‏

و في شرح ابن أبي الحديد هكذا:

سمحت بأمر لا يطاق حفيظة* * * و صدقا و إخوان الوفاء قليل‏

جزاك إله الناس خيرا فإنّه* * * لعمرك فضل ما هناك جزيل‏

و الحفيظة: الحمية. و الحفاظ كالمحافظة: الدفاع و المحامات عن المحارم و ما ينبغي أن يذب و يدافع عنه.

484

جَزَاكَ إِلَهُ النَّاسِ خَيْراً فَقَدْ وَفَتْ* * * -يَدَاكَ بِفَضْلٍ مَا هُنَاكَ جَزِيلٌ-

فَقَالَ(ع)يَا أَبَا الْحَارِثِ شَدَّ اللَّهُ رُكْنَكَ احْمِلْ عَلَى أَهْلِ الشَّامِ حَتَّى تَأْتِيَ أَصْحَابَكَ فَتَقُولَ لَهُمْ إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ(ع)يَقْرَأُ عَلَيْكُمُ السَّلَامَ وَ يَقُولُ لَكُمْ هَلِّلُوا وَ كَبِّرُوا مِنْ نَاحِيَتِكُمْ وَ نُهَلِّلُ وَ نُكَبِّرُ مِنْ نَاحِيَتِنَا وَ احْمِلُوا وَ نَحْمِلُ عَلَيْهِمْ فَضَرَبَ الْجُعْفِيُّ فَرَسَهُ وَ قَاتَلَهُمْ حَتَّى خَلَصَ إِلَى أَصْحَابِهِ فَلَمَّا رَأَوْهُ اسْتَبْشَرُوا بِهِ وَ فَرِحُوا وَ قَالُوا مَا فَعَلَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ قَالَ صَالِحٌ يُقْرِئُكُمُ السَّلَامَ وَ يَقُولُ هَلِّلُوا وَ كَبِّرُوا وَ احْمِلُوا حَمْلَةَ رَجُلٍ وَاحِدٍ وَ نَحْمِلُ مِنْ جَانِبِنَا فَفَعَلُوا مَا أَمَرَهُمْ بِهِ وَ هَلَّلُوا وَ كَبَّرُوا وَ هَلَّلَ عَلِيٌّ وَ كَبَّرَ هُوَ وَ أَصْحَابُهُ وَ حَمَلَ عَلَى أَهْلِ الشَّامِ وَ حَمَلُوهُمْ مِنْ وَسْطِ أَهْلِ الشَّامِ فَانْفَرَجَ الْقَوْمُ عَنْهُمْ وَ خَرَجُوا وَ مَا أُصِيبَ مِنْهُمْ رَجُلٌ وَاحِدٌ وَ لَقَدْ قُتِلَ مِنْ فُرْسَانِ الشَّامِ يَوْمَئِذٍ زُهَاءُ سَبْعِمِائَةِ نَفَرٍ وَ كَانَ عَلِيٌّ(ع)مِنْ أَعْظَمِ النَّاسِ الْيَوْمَ عَنَاءً قَالَ وَ كَانَ عَلِيٌّ لَا يَعْدِلُ بِرَبِيعَةَ أَحَداً مِنَ النَّاسِ فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى مُضَرَ وَ أَظْهَرُوا لَهُمُ الْقَبِيحَ وَ أَبْدَوْا ذَاتَ أَنْفُسِهِمْ فَقَامَ أَبُو الطُّفَيْلِ عَامِرُ بْنُ وَاثِلَةَ وَ عُمَيْرُ بْنُ عُطَارِدٍ وَ قَبِيصَةُ بْنُ جَابِرٍ وَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الطُّفَيْلِ فِي وُجُوهِ قَبَائِلِهِمْ فَأَتَوْا عَلِيّاً(ع)فَتَكَلَّمَ أَبُو الطُّفَيْلِ فَقَالَ إِنَّا وَ اللَّهِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَا نَحْسُدُ قَوْماً خَصَّهُمُ اللَّهُ مِنْكَ بِخَيْرٍ وَ إِنَّ هَذَا الْحَيَّ مِنْ رَبِيعَةَ قَدْ ظَنُّوا أَنَّهُمْ أَوْلَى بِكَ مِنَّا فَأَعْفِهِمْ عَنِ الْقِتَالِ أَيَّاماً وَ اجْعَلْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنَّا يَوْماً نُقَاتِلُ فِيهِ فَإِنَّا إِذَا اجْتَمَعْنَا اشْتَبَهَ عَلَيْكَ بَلَاؤُنَا فَقَالَ(ع)نَعَمْ أُعْطِيكُمْ مَا طَلَبْتُمْ وَ أَمَرَ رَبِيعَةَ أَنْ تَكُفَّ عَنِ الْقِتَالِ وَ كَانَتْ بِإِزَاءِ الْيَمَنِ مِنْ صُفُوفِ الشَّامِ فَغَدَا أَبُو الطُّفَيْلِ فِي قَوْمِهِ مِنْ كِنَانَةَ وَ هُمْ جَمَاعَةٌ عَظِيمَةٌ فَتَقَدَّمَ أَمَامَ الْخَيْلِ وَ اقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيداً ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى عَلِيٍّ(ع)وَ أَثْنَى عَلَيْهِ خَيْراً

485

ثُمَّ غَدَا فِي الْيَوْمِ الثَّانِي عُمَيْرُ بْنُ عُطَارِدٍ بِجَمَاعَةٍ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ وَ هُوَ يَوْمَئِذٍ سَيِّدُ مُضَرِ كُوفَةَ فَقَاتَلَ أَصْحَابُهُ قِتَالًا شَدِيداً ثُمَّ غَدَا فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ قَبِيصَةُ فِي بَنِي أَسَدٍ فَقَاتَلَ الْقَوْمَ إِلَى أَنْ دَخَلَ اللَّيْلُ ثُمَّ غَدَا فِي الْيَوْمِ الرَّابِعِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الطُّفَيْلِ فِي جَمَاعَةِ هَوَازِنَ فَحَارَبَهُمْ حَتَّى اللَّيْلِ فَانْصَرَفُوا قَالَ نَصْرٌ وَ كَتَبَ عُقْبَةُ بْنُ مَسْعُودٍ عَامِلُ عَلِيٍّ(ع)عَلَى الْكُوفَةِ إِلَى سُلَيْمَانَ بْنِ صُرَدَ الْخُزَاعِيِّ وَ هُوَ مَعَ عَلِيٍّ(ع)أَمَّا بَعْدُ فَ

إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَ لَنْ تُفْلِحُوا إِذاً أَبَداً (1)

فَعَلَيْكَ بِالْجِهَادِ وَ الصَّبْرِ مَعَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)وَ السَّلَامُ.

420-

قَالَ نَصْرٌ وَ حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ سَعْدٍ وَ عَمْرُو بْنُ شِمْرٍ عَنْ جَابِرٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)قَالَ:

قَامَ عَلِيٌّ(ع)فَخَطَبَ النَّاسَ بِصِفِّينَ فَقَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى نِعَمِهِ الْفَاضِلَةِ عَلَى جَمِيعِ مَنْ خَلَقَ مِنَ الْبَرِّ وَ الْفَاجِرِ وَ عَلَى حُجَجِهِ الْبَالِغَةِ عَلَى خَلْقِهِ مَنْ أَطَاعَهُ مِنْهُمْ وَ مَنْ عَصَاهُ إِنْ يَرْحَمْ فَبِفَضْلِهِ وَ مَنِّهِ وَ إِنْ عَذَّبَ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيهِمْ‏

(2)وَ أَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ

____________

(1) اقتباس من الآية: (20) من سورة الكهف.

(2) كذا في ط الكمبانيّ من البحار، و مثله في شرح ابن أبي الحديد، و في ط مصر من كتاب صفّين: «إن رحم فبفضله و منه، و إن عذب فبما كسبت أيديهم ...».

و في رواية الصدوق (رحمه اللّه): «إن يعف فبفضل منه، و إن يعذب فبما قدمت أيديهم و ما اللّه بظلام للعبيد ...».

486

أَحْمَدُهُ عَلَى حُسْنِ الْبَلَاءِ وَ تَظَاهُرِ النَّعْمَاءِ وَ أَسْتَعِينُهُ عَلَى مَا نَابَنَا مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا وَ الْآخِرَةِ وَ أَتَوَكَّلُ عَلَيْهِ‏

وَ كَفى‏ بِاللَّهِ وَكِيلًا

ثُمَّ إِنِّي أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَ رَسُولُهُ أَرْسَلَهُ‏

بِالْهُدى‏ وَ دِينِ الْحَقِّ*

ارْتَضَاهُ لِذَلِكَ وَ كَانَ أَهْلَهُ وَ اصْطَفَاهُ عَلَى جَمِيعِ الْعِبَادِ لِتَبْلِيغِ رِسَالَتِهِ وَ جَعَلَهُ رَحْمَةً مِنْهُ عَلَى خَلْقِهِ وَ كَانَ كَعِلْمِهِ فِيهِ رَءُوفاً رَحِيماً أَكْرَمَ خَلْقِ اللَّهِ حَسَباً وَ أَجْمَلَهُ مَنْظَراً وَ أَسْخَاهُ نَفْساً وَ أَبَرَّهُ بِوَالِدٍ وَ أَوْصَلَهُ لِرَحِمٍ وَ أَفْضَلَهُ عِلْماً وَ أَثْقَلَهُ حِلْماً وَ أَوْفَاهُ بِعَهْدٍ وَ آمَنَهُ عَلَى عَقْدٍ لَمْ يَتَعَلَّقْ عَلَيْهِ مُسْلِمٌ وَ لَا كَافِرٌ بِمَظْلِمَةٍ قَطُّ بَلْ كَانَ يُظْلَمُ فَيَغْفِرُ وَ يَقْدِرُ فَيَصْفَحُ فَيَعْفُو حَتَّى مَضَى(ص)مُطِيعاً لِلَّهِ صَابِراً عَلَى مَا أَصَابَهُ مُجَاهِداً

فِي اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ‏

حَتَّى أَتَاهُ الْيَقِينُ(ص)فَكَانَ ذَهَابُهُ أَعْظَمَ الْمُصِيبَةِ عَلَى جَمِيعِ أَهْلِ الْأَرْضِ الْبَرِّ وَ الْفَاجِرِ ثُمَّ إِنَّهُ تَرَكَ فِيكُمْ كِتَابَ اللَّهِ يَأْمُرُكُمْ بِطَاعَةِ اللَّهِ وَ يَنْهَاكُمْ عَنْ مَعْصِيَتِهِ‏

(1)

وَ قَدْ عَهِدَ إِلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ(ص)عَهْداً فَلَسْتُ أَحِيدُ عَنْهُ وَ قَدْ حَضَرْتُمْ عَدُوَّكُمْ وَ عَلِمْتُمْ أَنَّ رَئِيسَهُمْ مُنَافِقُ بْنُ مُنَافِقٍ يَدْعُوهُمْ إِلَى النَّارِ وَ ابْنُ عَمِّ نَبِيِّكُمْ مَعَكُمْ وَ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ يَدْعُوكُمْ إِلَى الْجَنَّةِ وَ إِلَى طَاعَةِ رَبِّكُمْ وَ الْعَمَلِ بِسُنَّةِ نَبِيِّكُمْ وَ لَا سَوَاءَ مَنْ صَلَّى قَبْلَ كُلِّ ذَكَرٍ لَمْ يَسْبِقْنِي بِالصَّلَاةِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ(ص)أَحَدٌ

(2)

وَ أَنَا مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ وَ مُعَاوِيَةُ طَلِيقُ بْنُ طَلِيقٍ وَ اللَّهِ‏

____________

(1) كذا في أصلى و مثله في شرح ابن أبي الحديد، غير أن ما بين المعقوفين غير موجود في أصولى و إنّما هي زيادة تجميلية منا.

و في كتاب صفّين: «ثم ترك كتاب اللّه فيكم يأمر بطاعة اللّه و ينهى عن معصيته».

(2) كذا في ط الكمبانيّ من البحار، و في ط مصر من كتاب صفّين: «لم يسبقنى بصلاتى مع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) أحد ...».

و في شرح ابن أبي الحديد: «لم يسبقنى بصلاة مع رسول اللّه أحد ...».

487

إِنَّا عَلَى الْحَقِّ وَ إِنَّهُمْ عَلَى الْبَاطِلِ وَ لَا يَجْتَمِعُنَّ عَلَيْهِ وَ تَتَفَرَّقُوا عَنْ حَقِّكُمْ‏

(1)

حَتَّى يَغْلِبَ بَاطِلُهُمْ حَقَّكُمْ‏

قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ‏

فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا لَيُعَذِّبَنَّهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِي غَيْرِكُمْ‏

(2)

فَقَامَ أَصْحَابُهُ فَقَالُوا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ(ع)انْهَضْ بِنَا إِلَى عَدُوِّنَا وَ عَدُوِّكَ إِذَا شِئْتَ فَوَ اللَّهِ مَا نُرِيدُ بِكَ بَدَلًا بَلْ نَمُوتُ مَعَكَ وَ نَحْيَا مَعَكَ فَقَالَ لَهُمْ وَ الَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَنَظَرَ إِلَيَّ النَّبِيُّ(ص)وَ أَضْرِبُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِسَيْفِي هَذَا فَقَالَ لَا سَيْفَ إِلَّا ذُو الْفَقَارِ وَ لَا فَتَى إِلَّا عَلِيٌّ فَقَالَ لِي يَا عَلِيُّ أَنْتَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى إِلَّا أَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي وَ مَوْتُكَ وَ حَيَاتُكَ يَا عَلِيُّ مَعِي وَ اللَّهِ مَا كَذَبْتُ وَ لَا كُذِبْتُ وَ لَا ضَلَلْتُ وَ لَا ضُلَّ بِي وَ لَا نَسِيتُ مَا عَهِدَ إِلَيَّ وَ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَ عَلَى الطَّرِيقِ الْوَاضِحِ أَلْقُطُهُ لَقْطاً

(3)

ثُمَّ نَهَضَ إِلَى الْقَوْمِ فَاقْتَتَلُوا مِنْ حِينَ طَلَعَتِ الشَّمْسُ حَتَّى غَابَ الشَّفَقُ الْأَحْمَرُ وَ مَا كَانَتْ صَلَاةُ الْقَوْمِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ إِلَّا تَكْبِيراً.

421-

قَالَ نَصْرٌ وَ حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ شِمْرٍ عَنْ جَابِرٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ صَعْصَعَةَ بْنِ صُوحَانَ قَالَ:

بَرَزَ فِي أَيَّامِ صِفِّينَ رَجُلٌ اشْتَهَرَ بِالْبَأْسِ وَ النَّجْدَةِ اسْمُهُ كُرَيْبُ بْنُ الْوَضَّاحِ فَنَادَى مَنْ يُبَارِزُ فَخَرَجَ إِلَيْهِ الْمُرْتَفِعُ بْنُ الْوَضَّاحِ فَقَتَلَهُ ثُمَّ نَادَى مَنْ‏

____________

(1) كذا في الأصل المطبوع، و في كتاب صفّين: «فلا يكونن القوم على باطلهم اجتمعوا و تفرقون عن حقكم حتّى يغلب باطلهم حقكم».

و في شرح ابن أبي الحديد: «فلا يجتمعن على باطلهم و تتفرقوا عن حقكم ...».

(2) كذا في أصلى، و ما بين القوسين مقتبس من الآية: «14» من سورة التوبة. و في كتاب صفّين و شرح ابن أبي الحديد: «فإن لم تفعلوا يعذبهم بأيدى غيركم».

(3) هذا هو الصواب الموافق لما في أمالي الصدوق رفع اللّه مقامه، و معنى ألقطه لقطا:

كنت أخذت منه أخذا كأخذ الفرخ من أمه، أي علمنيه بحنان و عناية و حرص و أخذت منه برغبة و ولع و حرص. و هاهنا في أصلى و كتاب صفّين ط مصر، و شرح ابن أبي الحديد ط بيروت تصحيف.

488

يُبَارِزُ فَخَرَجَ إِلَيْهِ الْحَارِثُ بْنُ الْجَلَّاحِ فَقَتَلَهُ ثُمَّ نَادَى مَنْ يُبَارِزُ فَخَرَجَ إِلَيْهِ عَائِذُ بْنُ مَسْرُوقٍ الْهَمْدَانِيُّ فَقَتَلَهُ ثُمَّ رَمَى بِأَجْسَادِهِمْ بَعْضَهَا فَوْقَ بَعْضٍ وَ نَادَى مَنْ يُبَارِزُ فَخَرَجَ إِلَيْهِ عَلِيٌّ(ع)وَ نَادَاهُ وَيْحَكَ يَا كُرَيْبُ إِنِّي أُحَذِّرُكَ اللَّهَ وَ بَأْسَهُ وَ نَقِمَتَهُ وَ أَدْعُوكَ إِلَى سُنَّةِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ رَسُولِهِ وَيْحَكَ لَا يُدْخِلَنَّكَ مُعَاوِيَةُ النَّارَ فَكَانَ جَوَابَهُ أَنْ قَالَ مَا أَكْثَرَ مَا قَدْ سَمِعْتُ مِنْكَ هَذِهِ الْمَقَالَةَ وَ لَا حَاجَةَ لَنَا فِيهَا أَقْدِمْ إِذَا شِئْتَ مَنْ يَشْتَرِي سَيَفِي وَ هَذَا أَثَرُهُ فَقَالَ عَلِيٌّ وَ لَا حَوْلَ وَ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ ثُمَّ مَشَى إِلَيْهِ فَلَمْ يُمْهِلْهُ أَنْ ضَرَبَهُ ضَرْبَةً خَرَّ مِنْهَا قَتِيلًا يَتَشَحَّطُ فِي دَمِهِ ثُمَّ نَادَى مَنْ يُبَارِزُ فَبَرَزَ إِلَيْهِ الْحَارِثُ بْنُ وَدَاعَةَ الْحِمْيَرِيُّ فَقَتَلَ الْحَارِثَ ثُمَّ نَادَى مَنْ يُبَارِزُ فَبَرَزَ إِلَيْهِ الْمُطَاعُ بْنُ الْمُطَّلِبِ الْقَيْنِيُّ فَقَتَلَ مُطَاعاً ثُمَّ نَادَى مَنْ يَبْرُزُ فَلَمْ يَبْرُزْ إِلَيْهِ أَحَدٌ فَنَادَى‏

الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ وَ الْحُرُماتُ قِصاصٌ فَمَنِ اعْتَدى‏ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى‏ عَلَيْكُمْ وَ اتَّقُوا اللَّهَ وَ اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ‏

يَا مُعَاوِيَةُ هَلُمَّ إِلَيَّ فَبَارِزْنِي وَ لَا يُقْتَلَنَّ النَّاسُ فِيمَا بَيْنَنَا فَقَالَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ اغْتَنِمْهُ مُنْتَهِزاً قَدْ قَتَلَ ثَلَاثَةً مِنْ أَبْطَالِ الْعَرَبِ وَ إِنِّي أَطْمَعُ أَنْ يُظْفِرَكَ اللَّهُ بِهِ فَقَالَ مُعَاوِيَةُ وَ اللَّهِ لَنْ تُرِيدَ إِلَّا أَنْ أُقْتَلَ فَتُصِيبَ الْخِلَافَةَ بَعْدِي اذْهَبْ إِلَيْكَ فَلَيْسَ مِثْلِي يُخْدَعُ قَالَ نَصْرٌ وَ خَطَبَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْعَبَّاسِ فِي هَذَا الْيَوْمِ وَ قَالَ بَعْدَ الْحَمْدِ وَ الثَّنَاءِ وَ الشَّهَادَةِ بِالتَّوْحِيدِ وَ الرِّسَالَةِ وَ قَدْ سَاقَنَا قَدَرُ اللَّهِ إِلَى مَا تَرَوْنَ حَتَّى كَانَ مِمَّا اضْطَرَبَ مِنْ حَبْلِ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَ انْتَشَرَ مِنْ أَمْرِهَا أَنَّ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ وَجَدَ مِنْ طَغَامِ النَّاسِ أَعْوَاناً عَلَى ابْنِ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ(ص)وَ صِهْرِهِ وَ أَوَّلِ ذَكَرٍ صَلَّى مَعَهُ بَدْرِيٍّ قَدْ شَهِدَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ(ص)كُلَّ مَشَاهِدِهِ الَّتِي مِنْهَا الْفَضْلُ وَ مُعَاوِيَةُ مُشْرِكٌ يَعْبُدُ الْأَصْنَامَ وَ الَّذِي مَلَكَ الْمُلْكَ وَحْدَهُ وَ بَانَ بِهِ وَ كَانَ أَهْلَهُ لَقَدْ قَاتَلَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ(ص)وَ هُوَ يَقُولُ‏

صَدَقَ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ‏

وَ مُعَاوِيَةُ يَقُولُ كَذَبَ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ‏

489

فَعَلَيْكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ وَ الْجِدِّ وَ الْحَزْمِ وَ الصَّبْرِ وَ اللَّهِ إِنَّكُمْ لَعَلَى حَقٍّ وَ إِنَّ الْقَوْمَ لَعَلَى بَاطِلٍ فَلَا يَكُونَنَّ أَوْلَى بِالْجِدِّ عَلَى بَاطِلِهِمْ مِنْكُمْ فِي حَقِّكُمْ وَ إِنَّا لَنَعْلَمُ أَنْ سَيُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ أَوْ بِأَيْدِي غَيْرِكُمْ اللَّهُمَّ أَعِنَّا وَ لَا تَخْذُلْنَا وَ انْصُرْنَا عَلَى عَدُوِّنَا وَ لَا تَخْلُ عَنَّا وَ

افْتَحْ بَيْنَنا وَ بَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ وَ أَنْتَ خَيْرُ الْفاتِحِينَ‏

.

422-

قَالَ نَصْرٌ وَ حَدَّثَنَا عَمْرٌو عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُنْدَبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ:

قَامَ عَمَّارٌ يَوْمَ صِفِّينَ فَقَالَ انْهَضُوا مَعِي عِبَادَ اللَّهِ إِلَى قَوْمٍ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ يَطْلُبُونَ بِدَمِ الظَّالِمِ لِنَفْسِهِ الْحَاكِمِ عَلَى عِبَادِ اللَّهِ بِغَيْرِ مَا فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّمَا قَتَلَهُ الصَّالِحُونَ الْمُنْكِرُونَ لِلْعُدْوَانِ الْآمِرُونَ بِالْإِحْسَانِ فَقَالُوا هَؤُلَاءِ الَّذِينَ لَا يُبَالُونَ إِذَا سَلِمَتْ لَهُمْ دُنْيَاهُمْ لَوْ دَرَسَ هَذَا الدِّينُ لِمَ قَتَلْتُمُوهُ فَقُلْنَا لِأَحْدَاثِهِ فَقَالُوا إِنَّهُ لَمْ يُحْدِثْ شَيْئاً وَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ مَكَّنَهُمْ مِنَ الدُّنْيَا فَهُمْ يَأْكُلُونَهَا وَ يَرْعَوْنَهَا وَ لَا يُبَالُونَ لَوِ انْهَدَمَتِ الْجِبَالُ وَ اللَّهِ مَا أَظُنُّهُمْ يَطْلُبُونَ بِدَمٍ إِنَّهُمْ لَيَعْلَمُونَ إِنَّهُ لَظَالِمٌ وَ لَكِنَّ الْقَوْمَ دَانُوا لِلدُّنْيَا فَاسْتَحَبُّوهَا وَ اسْتَمْرَءُوهَا وَ عَلِمُوا أَنَّ صَاحِبَ الْحَقِّ لَوْ وَلِيَهُمْ لَحَالَ بَيْنَهُمْ وَ بَيْنَ مَا يَأْكُلُونَ وَ يَرْعَوْنَ مِنْهَا

(1)

إِنَّ الْقَوْمَ لَمْ تَكُنْ لَهُمْ سَابِقَةٌ فِي الْإِسْلَامِ يَسْتَحِقُّونَ بِهَا الطَّاعَةَ وَ الْوَلَايَةَ فَخَدَعُوا أَتْبَاعَهُمْ بِأَنْ قَالُوا قُتِلَ إِمَامُنَا مَظْلُوماً لِيَكُونُوا بِذَلِكَ جَبَابِرَةً وَ مُلُوكاً تِلْكَ مَكِيدَةٌ قَدْ بَلَغُوا بِهَا مَا تَرَوْنَ وَ لَوْلَاهَا مَا بَايَعَهُمْ مِنَ النَّاسِ رَجُلَانِ‏

____________

(1) كذا في ط الكمبانيّ من أصلى، و في كتاب صفّين: «و ذلك لأنّه مكنهم من الدنيا فهم يأكلونها و يرعونها و لا يبالون لو انهدت عليهم الجبال!! و اللّه ما أظنهم يطلبون دمه إنهم ليعلمون أنّه لظالم و لكن القوم ذاقوا الدنيا فاستحبوها و استمروها، و علموا لو أن صاحب الحق لزمهم لحال بينهم و بين [ما يأكلون و] يرعون فيه منها.

و في ط بيروت من شرح ابن أبي الحديد: «و لكن القوم ذاقوا الدنيا فاستحلوها و استمرءوها و علموا أن صاحب الحق لو وليهم لحال ...» و قريبا منه رواه الطبريّ بسند آخر في عنوان: «مقتل عمار» من تاريخ الأمم و الملوك: ج 5(ص)39، و في ط: ج 1،(ص)3318.

490

اللَّهُمَّ إِنْ تَنْصُرْنَا فَطَالَ مَا نَصَرْتَ وَ إِنْ تَجْعَلْ لَهُمُ الْأَمْرَ فَادَّخِرْ لَهُمْ بِمَا أَحْدَثُوا لِعِبَادِكَ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ ثُمَّ مَضَى وَ مَضَى مَعَهُ أَصْحَابُهُ فَدَنَا مِنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ فَقَالَ يَا عَمْرُو بِعْتَ دِينَكَ بِمِصْرَ فَتَبّاً لَكَ فَطَالَ مَا بَغَيْتَ الْإِسْلَامَ عِوَجاً وَ فِي كِتَابِ نَصْرٍ ثُمَّ نَادَى عَمَّارٌ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ وَ ذَلِكَ قَبْلَ مَقْتَلِهِ فَقَالَ يَا ابْنَ عُمَرَ صَرَعَكَ اللَّهُ بِعْتَ دِينَكَ بِالدُّنْيَا مِنْ عَدُوِّ اللَّهِ وَ عَدُوِّ الْإِسْلَامِ قَالَ كَلَّا وَ لَكِنِّي أَطْلُبُ بِدَمِ عُثْمَانَ الشَّهِيدِ الْمَظْلُومِ قَالَ كَلَّا أَشْهَدُ عَلَى عِلْمِي فِيكَ أَنَّكَ أَصْبَحْتَ لَا تَطْلُبُ بِشَيْ‏ءٍ مِنْ فِعْلِكَ وَجْهَ اللَّهِ وَ أَنَّكَ إِنْ لَمْ تُقْتَلِ الْيَوْمَ فَتَمُوتُ غَداً فَانْظُرْ إِذَا أَعْطَى اللَّهُ الْعِبَادَ عَلَى نِيَّاتِهِمْ مَا نِيَّتُكَ‏

(1)

ثُمَّ قَالَ اللَّهُمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنِّي لَوْ أَعْلَمُ أَنَّ رِضَاكَ فِي أَنْ أَقْذِفَ بِنَفْسِي فِي هَذَا الْبَحْرِ لَفَعَلْتُ اللَّهُمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنِّي لَوْ أَعْلَمُ أَنَّ رِضَاكَ فِي أَنْ أَضَعَ ظُبَةَ سَيَفِي فِي بَطْنِي ثُمَّ أَنْحَنِيَ عَلَيْهِ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ ظَهْرِي لَفَعَلْتُ اللَّهُمَّ إِنِّي أَعْلَمُ مِمَّا عَلَّمْتَنِي أَنِّي لَا أَعْمَلُ عَمَلًا الْيَوْمَ هَذَا هُوَ أَرْضَى لَكَ مِنْ جِهَادِ هَؤُلَاءِ الْقَاسِطِينَ وَ لَوْ أَعْلَمُ الْيَوْمَ عَمَلًا هُوَ أَرْضَى لَكَ مِنْهُ لَفَعَلْتُهُ‏

(2)

.

____________

(1) رواه نصر في أواسط الجزء (5) قبيل قضية ليلة الهرير من كتاب صفّين(ص)320 ط مصر.

و رواه أيضا الطبريّ بسندين عن أبي مخنف في عنوان: «مقتل عمّار بن ياسر» من تاريخه: ج 5(ص)39 ط بيروت.

و هاهنا في ط بيروت من شرح ابن أبي الحديد: ج 2(ص)257 ما ينبغي أن يتثبت فيه فإن أمره دائر بين أن يكون محرف هذا الحديث، أو أنّه حديث آخر سقط عن كتاب صفّين و البحار؟!.

(2) و هذا رواه أيضا الاسكافى المتوفى عام: (240) في كتاب المعيار و الموازنة(ص)106، ط 1، و الطبريّ في أول عنوان: «مقتل عمّار بن ياسر» من تاريخ الأمم و الملوك:

ج 1،(ص)3317، و في ط الحديث ببيروت: ج 5(ص)38.

491

423-

وَ رَوَى ابْنُ دَيْزِيلَ فِي كِتَابِ صِفِّينَ عَنْ سَيْفٍ الضَّبِّيِّ عَنِ الصَّعْبِ بْنِ حَكِيمِ بْنِ شَرِيكِ بْنِ نَمْلَةَ الْمُحَارِبِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ شَرِيكٍ قَالَ:

كَانَ النَّاسُ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ وَ أَهْلِ الشَّامِ يَقْتَتِلُونَ أَيَّامَ صِفِّينَ وَ يَتَزَايَلُونَ فَلَا يَسْتَطِيعُ الرَّجُلُ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى مَكَانِهِ حَتَّى يُسْفِرَ الْغُبَارُ عَنْهُ فَاقْتَتَلُوا يَوْماً وَ أَسْفَرَ الْغُبَارُ فَإِذَا عَلِيٌّ(ع)تَحْتَ رَايَتِنَا يَعْنِي بَنِي مُحَارِبٍ فَقَالَ هَلْ مِنْ مَاءٍ فَأَتَيْتُهُ بِإِدَاوَةٍ فَخَنَثْتُهَا لَهُ لِيَشْرَبَ فَقَالَ لَا إِنَّا نُهِينَا أَنْ نَشْرَبَ مِنْ أَفْوَاهِ الْأَسْقِيَةِ ثُمَّ عَلَّقَ سَيْفَهُ وَ إِنَّهُ لَمُخَضَّبٌ بِالدَّمِ مِنْ ظُبَتِهِ إِلَى قَائِمِهِ فَصَبَبْتُ لَهُ عَلَى يَدَيْهِ فَغَسَلَهُمَا حَتَّى أَنْقَاهُمَا ثُمَّ شَرِبَ بِيَدَيْهِ حَتَّى إِذَا رَوِيَ رَفَعَ رَأْسَهُ ثُمَّ قَالَ أَيْنَ مُضَرَ فَقُلْتُ أَنْتَ فِيهِمْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَقَالَ مَنْ أَنْتُمْ بَارَكَ اللَّهُ فِيكُمْ فَقُلْنَا نَحْنُ بَنُو مُحَارِبٍ فَعَرَفَ مَوْقِفَهُ ثُمَّ رَجَعَ إِلَى مَوْضِعِهِ.

قال ابن أبي الحديد (1)خنثت الإداوة إذا ثنيت فاها إلى خارج و إنما نهى رسول الله(ص)عن اختناث الأسقية لأن رجلا اختنث سقاء فشرب فدخل إلى جوفه حية كانت في السقاء.

424-

قَالَ وَ رَوَى نَصْرُ بْنُ مُزَاحِمٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْلَى عَنْ صَبَّاحٍ الْمُزَنِيِّ عَنِ الْحَارِثِ بْنِ حَصِيرَةَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَبِي رَجَاءٍ عَنْ أَسْمَاءَ بْنِ حَكِيمٍ الْفَزَارِيِّ قَالَ:

كُنَّا بِصِفِّينَ مَعَ عَلِيٍّ تَحْتَ رَايَةِ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ ارْتِفَاعَ الضُّحَى وَ قَدِ اسْتَظْلَلْنَا بِرِدَاءٍ أَحْمَرَ

(2)

إِذْ أَقْبَلَ رَجُلٌ فَقَالَ أَيُّكُمْ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ فَقَالَ أَنَا عَمَّارٌ قَالَ أَبُو الْيَقْظَانِ قَالَ نَعَمْ قَالَ إِنَّ لِي إِلَيْكَ حَاجَةً فَأَنْطِقُ بِهَا سِرّاً أَوْ

____________

(1) ذكره ابن أبي الحديد- مع روايات أخر عن كتاب صفّين لابن ديزيل- في آخر شرح المختار: (65) من نهج البلاغة من شرحه: ج 2(ص)258 ط الحديث ببيروت.

(2) كذا في ط الكمبانيّ من أصلى، و مثله في شرح ابن أبي الحديدى، و في أواسط الجزء (5) من كتاب صفّين(ص)321 ط مصر: «ببرد أحمر إذ أقبل رجل يستقرى الصف حتى انتهى إلينا فقال: أيكم عمّار بن ياسر؟ ...».

ثمّ إن للحديث في كتاب صفّين ذيلا غير مذكور في كتاب البحار و شرح ابن أبي الحديد.

492

عَلَانِيَةً قَالَ اخْتَرْ لِنَفْسِكَ أَيَّهُمَا شِئْتَ قَالَ لَا بَلْ عَلَانِيَةً قَالَ فَانْطِقْ قَالَ إِنِّي خَرَجْتُ مِنْ أَهْلِي مُسْتَبْصِراً فِي الْحَقِّ الَّذِي نَحْنُ عَلَيْهِ لَا أَشُكُّ فِي ضَلَالَةِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ وَ أَنَّهُمْ عَلَى الْبَاطِلِ فَلَمْ أَزَلْ عَلَى ذَلِكَ مُسْتَبْصِراً حَتَّى لَيْلَتِي هَذِهِ فَإِنِّي رَأَيْتُ فِي مَقَامِي هَذَا تَقَدَّمَ مُنَادِينَا فَقَامَ‏

(1)

وَ أَذَّنَ وَ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَ أَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللَّهِ(ص)وَ نَادَى بِالصَّلَاةِ وَ الْفَلَاحِ وَ نَادَى مُنَادِيهِمْ بِمِثْلِ ذَلِكَ ثُمَّ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَصَلَّيْنَا صَلَاةً وَاحِدَةً وَ تَلَوْنَا كِتَاباً وَاحِداً وَ دَعَوْنَا دَعْوَةً وَاحِدَةً وَ رَسُولُنَا وَاحِدٌ فَأَدْرَكَنِي الشَّكُّ فِي لَيْلَتِي هَذِهِ فَبِتُّ بِلَيْلَةٍ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا اللَّهُ حَتَّى أَصْبَحْتُ فَأَتَيْتُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ هَلْ لَقِيتَ عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ قُلْتُ لَا قَالَ فَالْقَهُ فَانْظُرْ مَا يَقُولُ لَكَ فَاتَّبِعْهُ فَجِئْتُكَ لِذَلِكَ فَقَالَ عَمَّارٌ تَعْرِفُ صَاحِبَ الرَّايَةِ السَّوْدَاءِ الْمُقَابِلَةِ لِي وَ أَوْمَأَ إِلَى رَايَةِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَاتَلْتُهَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ(ص)مَرَّاتٍ وَ هَذِهِ الرَّابِعَةُ فَمَا هِيَ بِخَيْرِهِنَّ وَ لَا أَبَرِّهِنَّ بَلْ هِيَ شَرُّهُنَّ وَ أَفْجَرُهُنَّ أَ شَهِدْتَ بَدْراً وَ أُحُداً وَ يَوْمَ حُنَيْنٍ أَوْ شَهِدَهَا أَبٌ لَكَ فَيُخْبِرَهَا لَكَ قَالَ لَا قَالَ فَإِنَّ مَرَاكِزَنَا الْيَوْمَ عَلَى مَرَاكِزِ رَايَاتِ رَسُولِ اللَّهِ(ص)يَوْمَ بَدْرٍ وَ يَوْمَ أُحُدٍ وَ يَوْمَ حُنَيْنٍ وَ إِنَّ مَرَاكِزَ هَؤُلَاءِ عَلَى مَرَاكِزِ رَايَاتِ الْمُشْرِكِينَ مِنَ الْأَحْزَابِ فَهَلْ تَرَى هَذَا الْعَسْكَرَ وَ مَنْ فِيهِ وَ اللَّهِ لَوَدِدْتُ أَنَّ جَمِيعَ مَنْ أَقْبَلَ فِيهِ مَعَ مُعَاوِيَةَ مِمَّنْ يُرِيدُ قِتَالَنَا مُفَارِقاً لِلَّذِي نَحْنُ عَلَيْهِ كَانُوا خَلْقاً وَاحِداً فَقَطَعْتُهُ وَ ذَبَحْتُهُ وَ اللَّهِ لَدِمَاؤُهُمْ جَمِيعاً أَحَلُّ مِنْ دَمِ عُصْفُورٍ أَ تَرَى دَمَ عُصْفُورٍ حَرَاماً قَالَ لَا بَلْ حَلَالٌ قَالَ فَإِنَّهُمْ حَلَالٌ كَذَلِكَ أَ تَرَانِي بَيَّنْتُ قَالَ قَدْ بَيَّنْتَ قَالَ فَاخْتَرْ أَيَّ ذَلِكَ أَحْبَبْتَ فَانْصَرَفَ الرَّجُلُ فَدَعَاهُ عَمَّارٌ ثُمَّ قَالَ سَيَضْرِبُونَكُمْ بِأَسْيَافِهِمْ حَتَّى يَرْتَابَ الْمُبْطِلُونَ مِنْكُمْ فَيَقُولُوا لَوْ لَمْ يَكُونُوا عَلَى حَقٍّ مَا ظَهَرُوا عَلَيْنَا وَ اللَّهِ مَا هُمْ مِنَ الْحَقِّ عَلَى مَا يُقَذِّي عَيْنَ ذُبَابٍ وَ اللَّهِ لَوْ ضَرَبُونَا بِأَسْيَافِهِمْ حَتَّى يُبْلِغُونَا سَعَفَاتِ هَجَرَ لَعَلِمْنَا أَنَّا عَلَى حَقٍّ وَ أَنَّهُمْ عَلَى بَاطِلٍ.

____________

(1) كذا في أصلى، و لعلّ الصواب: «فأقام و أذن». و لفظة: «فقام» غير موجودة في كتاب صفّين(ص)321 ط- مصر، و اللفظة لا توجه أيضا في شرح ابن أبي الحديد.

493

425-

قَالَ نَصْرٌ وَ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَعْلَى عَنِ الْأَصْبَغِ بْنِ نُبَاتَةَ قَالَ:

جَاءَ رَجُلٌ إِلَى عَلِيٍّ(ع)فَقَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ هَؤُلَاءِ الْقَوْمُ الَّذِينَ تُقَاتِلُهُمْ الدَّعْوَةُ وَاحِدَةٌ وَ الرَّسُولُ وَاحِدٌ وَ الصَّلَاةُ وَاحِدَةٌ وَ الْحَجُّ وَاحِدٌ فَمَا ذَا أُسَمِّيهِمْ قَالَ سَمِّهِمْ بِمَا سَمَّاهُمُ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ قَالَ مَا كُلُّ مَا فِي الْكِتَابِ أَعْلَمُهُ قَالَ أَ مَا سَمِعْتَ اللَّهَ يَقُولُ‏

تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى‏ بَعْضٍ‏

إِلَى قَوْلِهِ‏

وَ لَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ وَ لكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَ مِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ

فَلَمَّا وَقَعَ الِاخْتِلَافُ كُنَّا نَحْنُ أَوْلَى بِاللَّهِ وَ بِالْكِتَابِ وَ بِالنَّبِيِّ وَ بِالْحَقِّ فَنَحْنُ الَّذِينَ آمَنُوا وَ هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَ شَاءَ اللَّهُ قِتَالَهُمْ فَقِتَالُنَا هَذَا بِمَشِيَّةِ اللَّهِ وَ إِرَادَتِهِ‏

(1)

.

توضيح الأدهم الأسود و الحمحمة صوت الفرس إذا طلب العلف و الصهيل صوته المعروف‏وَ ما كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ‏أي مطيقين و أفضت القلوب أي دنت و قربت و وصلت أو أفضت بسرها أو سرها فحذف المفعول أو ظهرت لك بما فيها من عيوبها و أسرارها أو خرجت إلى فضاء رحمتك و ساحة مغفرتك.

قال الجوهري أفضيت إذا خرجت إلى الفضاء و أفضيت إلى فلان سري و قال الخليل في العين أفضى فلان إلى فلان أي وصل إليه و أصله أنه سار في فضاء.

و قال الجوهري شخص بصره فهو شاخص إذا فتح عينيه و جعل لا

____________

(1) رواه ابن أبي الحديد في آخر شرح المختار: (65) من شرحه على نهج البلاغة: ج 2(ص)260 ط الحديث ببيروت.

و رواه نصر بن مزاحم قبيل قصة براز عمّار و هاشم بن عتبة المرقال من كتاب صفين(ص)322 ط مصر، و فيه: «و شاء اللّه قتالهم فقاتلناهم هدى بمشيئة اللّه ربّنا و إرادته».

494

يطرف و المناع اسم جبل و أريد هنا ما يمتنع به و يلجأ إليه.

و سيأتي أكثر الأدعية و الخطب برواية أخرى مع شرحها.

و قال الفيروزآبادي الفت الدق و الكسر بالأصابع و فت في ساعده أضعفه.

و قال الجوهري نابذه الحرب كاشفه.

قوله قص الشارب قص الشعر قطعه أي كما يسوي القاص شعرات الشارب و قال ابن الأثير في مادة لحج من كتاب النهاية لحج في الأمر يلحج إذا دخل فيه و نشب قوله عضضتم بهن أبيكم العض اللزوم و هن كناية عن الشي‏ء القبيح أي لزمتم عادات السوء التي كانت لآبائكم و الشدة بالفتح الحملة و الموتور الذي قتل له قتيل فلم يدرك بدمه و الثأر بالهمزة و قد يخفف طلب الدم و قاتل الحميم إلا عن دينكم أي بسببه أو يزيلوكم عنه عضضتم بصم الجندل أي الحجارة الصلبة و لعله دعاء عليهم بالخيبة أو إخبار بأنهم خيبوا أنفسهم و الحتوف جمع الحتف و هو الموت لم تطل أي لم تبطل فهو مأثور أي مذكور و قال الجوهري الصدق بالفتح الصلب من الرماح و يقال المستوي و يقال أيضا رجل صدق اللقاء و يقال للرجل الشجاع إنه لذو مصدق بالفتح أي صادق الحملة كأنه ذو صدق فيما يعدك من ذلك و استقبله سنام أي طائفة عظيمة على المجاز قوله قد رأيت جولتكم.

426-

أَقُولُ رَوَى الْكُلَيْنِيُّ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَعْيَنَ‏

أَنَّهُ قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)حِينَ مَرَّ بِرَايَةٍ لِأَهْلِ الشَّامِ أَصْحَابُهَا لَا يَزَالُونَ عَنْ مَوَاضِعِهِمْ إِنَّهُمْ لَنْ يَزَالُوا عَنْ مَوَاقِفِهِمْ دُونَ طَعْنٍ دِرَاكٍ يَخْرُجُ مِنْهُ النَّسِيمُ وَ ضَرْبٍ يَفْلِقُ الْهَامَ وَ يُطِيحُ الْعِظَامَ وَ تَسْقُطُ مِنْهُ الْمَعَاصِمُ وَ الْأَكُفُّ وَ حَتَّى تَصَدَّعَ جِبَاهُهُمْ بِعُمُدِ الْحَدِيدِ وَ تُنْشَرَ

495

حَوَاجِبُهُمْ عَلَى الصُّدُورِ وَ الْأَذْقَانِ أَيْنَ أَهْلُ الصَّبْرِ وَ طُلَّابُ الْأَجْرِ

(1)

وَ صَارَتْ إِلَيْهِ عِصَابَةٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَعَادَتْ مَيْمَنَتُهُ إِلَى مَوْقِفِهَا وَ مَصَافِّهَا وَ كَشَفَتْ مَنْ بِإِزَائِهَا فَأَقْبَلَ حَتَّى انْتَهَى إِلَيْهِمْ وَ قَالَ(ع)إِنِّي رَأَيْتُ جَوْلَتَكُمْ وَ سَاقَ الْحَدِيثَ نَحْوَ مَا مَرَّ إِلَى قَوْلِهِ فَأَزَلْتُمُوهُمْ مِنْ مَصَافِّهِمْ كَمَا أَزَالُوكُمْ وَ أَنْتُمْ تَضْرِبُونَهُمْ بِالسُّيُوفِ حَتَّى رَكِبَ أَوَّلُهُمْ آخِرَهُمْ كَالْإِبِلِ الْمَطْرُودَةِ الْهِيمِ الْآنِّ فَاصْبِرُوا نَزَلَتْ عَلَيْكُمُ السَّكِينَةُ وَ ثَبَّتَكُمُ اللَّهُ بِالْيَقِينِ وَ لْيَعْلَمِ الْمُنْهَزِمُ بِأَنَّهُ مُسْخِطٌ رَبَّهُ وَ مُوبِقٌ نَفْسَهُ إِنَّ فِي الْفِرَارِ مَوْجِدَةَ اللَّهِ وَ الذُّلَّ اللَّازِمَ وَ الْعَارَ الْبَاقِيَ وَ إِنَّ الْفَارَّ لَغَيْرُ مَزِيدٍ فِي عُمُرِهِ وَ لَا مَحْجُوزٍ بَيْنَهُ وَ بَيْنَ يَوْمِهِ وَ لَا يُرْضِي رَبَّهُ وَ لَمَوْتُ الرَّجُلِ مُحِقّاً قَبْلَ إِتْيَانِ هَذِهِ الْخِصَالِ خَيْرٌ مِنَ الرِّضَا بِالتَّلَبُّسِ بِهَا وَ الْإِقْرَارِ عَلَيْهَا.

427-

وَ فِي النهج، نهج البلاغة

وَ أَنْتُمْ لَهَامِيمُ الْعَرَبِ وَ يَآفِيخُ الشَّرَفِ وَ الْأَنْفُ الْمُقَدَّمُ وَ السَّنَامُ الْأَعْظَمُ وَ لَقَدْ شَفَا وَحَاوِحَ صَدْرِي أَنْ رَأَيْتُكُمْ بِأَخَرَةٍ تَحُوزُونَهُمْ كَمَا حَازُوكُمْ وَ تُزِيلُونَهُمْ عَنْ مَوَاقِفِهِمْ كَمَا أَزَالُوكُمْ حَسّاً بِالنِّصَالِ وَ شَجْراً بِالرِّمَاحِ تَرْكَبُ أُولَاهُمْ آخِرَهُمْ كَالْإِبِلِ الْهِيمِ الْمَطْرُودَةِ تُرْمَى عَنْ حِيَاضِهَا وَ تُذَادُ عَنْ مَوَارِدِهَا

(2)

.

428

وَ قَدْ رَوَى الْمُفِيدُ فِي الْإِرْشَادِ الْكَلَامَ الْأَوَّلَ إِلَى قَوْلِهِ‏

أَيْنَ أَهْلُ النَّصْرِ أَيْنَ طُلَّابُ الْأَجْرِ.

وَ سَيَأْتِي شَرْحُهُ عِنْدَ إِيرَادِ مَا رَوَاهُ الرَّضِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ و يقال جال جولة أي طاف و انحاز عنه أي عدل و انحاز القوم أي تركوا مراكزهم و الجفاة هم الذين بعدوا عن الآداب الحسنة و الطغام الأراذل و في الكافي الطغاة و اللهاميم جمع لهموم و هو الجواد من الناس و الخيل.

____________

(1) و قريبا منه جدا رواه الشيخ المفيد- كما يشير المصنّف إليه قريبا- في الفصل: (34) مما اختار من كلام أمير المؤمنين في كتاب الإرشاد،(ص)142.

(2) رواه السيّد الرضيّ (رحمه اللّه) في المختار: (105) من نهج البلاغة.

و قريبا منه مع زياداترواه الطبريّ بسنده عن أبي مخنف، عن مالك بن أعين الجهنيّ عن زيد بن وهب كما في تاريخ الأمم و الملوك: ج 1،(ص)3301، و في طبع الحديث ببيروت: ج 5(ص)25.

496

و اليآفيخ جمع يافوخ و هو الموضع الذي يتحرك من رأس الطفل و لعجه الضرب أي آلمه و أحرق جلده و يقال هوى لاعج لحرقة الفؤاد من الحب.

و الوحوحة صوت معه بحح يصدر عن المتألم و في الكافي و شفى بعض حاج صدري و الحاج بالتخفيف جمع الحاجة و ضرب من الشوك و يقال ما قد صدري حوجاء و لا لوجاء أي لا مرية و لا شك بأخرة بالتحريك أي أخيرا و الحوز الجمع و السوق اللين و الشديد و حسناها حسا أي استأصلناهم قتلا و النصال جمع نصل السهم أو السيف و غيرهما و في بعض النسخ النضال بالمعجمة و هو مصدر ناضلته إذا رميته و شجرت زيدا بالرمح طعنته و الهيم بالكسر العطاش و الذود الصد و المنع و مواردها المواضع التي تردها للشرب و العار الباقي أي في الأعقاب أوله بين الناس و يومه أجله المقدر لموته و في القاموس الخذمة محركة السير الغليظ المحكم مثل الحلقة يشد في رسغ البعير و يشد إليها سرائح نعلها و الخلخال و الساق و الهشيم من النبات اليابس المتكسر و الهمود الموت و طفؤ النار.

قوله(ع)منا النبي ص.

أقول‏

في الديوان هكذا

و بالنبي المصطفى غير الكذب‏

و فيه رجز آخر مخاطبا لحريث‏

. أنا الغلام العربي المنتسب.* * * من غير عود و مصاص المطلب.

يا أيها العبد اللئيم المنتدب.* * * إن كنت للموت محبا فاقترب.

و اثبت رويدا أيها الكلب الكلب.* * * أو لا فول هاربا ثم انقلب.

.

و العود بالفتح القديم من السؤدد و فلان مصاص قومه بالضم إذا كان أخلصهم نسبا و ندبه لأمر أي دعاه و حثه له فانتدب أي أجاب و رجل كلب بكسر اللام شديد الحرص و كلب كلب أي مجنون يكلب بلحوم الناس.

قوله(ع)أو لا أي أو لا تثبت و قيل أو بمعنى بل.

497

و يروى أنه لما قتل حريث قال معاوية.

حريث أ لم تعلم و علمك ضائر.* * * بأن عليا للفوارس قاهر

. و أن عليا لا يبارز فارسا.* * * من الناس إلا أقصدته الأظافر.

أمرتك أمرا حازما فعصيتني.* * * فجدك إذ لم تقبل النصح عاثر.

فدلاك عمرو و الحوادث جمة.* * * غرورا و ما جرت عليك المقادر.

و ظن حريث أن عمرا نصيحة.* * * و قد يهلك الإنسان إذ لا يحاذر.

أ يركب عمرو رأسه خوف نفسه.* * * و يصلي حريثا إنه لمماكر (1).

.

وَ رُوِيَ فِي الدِّيوَانِ أَبْيَاتَهُ(ع)فِي مَدْحِ هَمْدَانَ هَكَذَا

وَ لَمَّا رَأَيْتُ الْخَيْلَ تُقْرَعُ بِالْقَنَا* * * فَوَارِسُهَا حُمْرُ الْعُيُونِ دَوَامِي-

وَ أَقْبَلَ رَهَجٌ فِي السَّمَاءِ كَأَنَّهُ* * * -غَمَامَةُ جَنٍّ مُلْبَسٌ بِقَتَامٍ‏

وَ نَادَى ابْنُ هِنْدٍ ذَا الْكَلَاعِ وَ يَحْصِبَا* * * -وَ كِنْدَةَ فِي لَخْمٍ وَ حَيِّ جُذَامٍ-

تَيَمَّمْتُ هَمْدَانَ الَّذِينَ هُمْ* * * -إِذَا نَابَ أَمْرٌ جُنَّتِي وَ سِهَامِي-

وَ نَادَيْتُ فِيهِمْ دَعْوَةً فَأَجَابَنِي* * * -فَوَارِسُ مِنْ هَمْدَانَ غَيْرُ لِئَامٍ-

فَوَارِسُ مِنْ هَمْدَانَ لَيْسُوا بِعُزَّلٍ* * * -غَدَاةَ الْوَغَى مِنْ يَشْكُرَ وَ شِبَامٍ-

وَ مِنْ أَرْحَبِ الشُّمِّ الْمَطَاعِينَ بِالْقَنَا* * * -وَ رُهْمٍ وَ أَحْيَاءِ السَّبِيعِ وَ يَامٍ-

وَ مِنْ كُلِّ حَيٍّ قَدْ أَتَتْنِي فَوَارِسُ* * * -ذَوُو نَجْدَاتٍ فِي اللِّقَاءِ كِرَامٌ-

بِكُلِّ رُدَيْنِيٍّ وَ عَصْبٍ تَخَالُهُ* * * -إِذَا اخْتَلَفَ الْأَقْوَامُ شُعَلَ ضِرَامٍ-

يَقُودُهُمْ حَامِي الْحَقِيقَةِ مِنْهُمْ* * * -سَعِيدُ بْنُ قَيْسٍ وَ الْكَرِيمُ يُحَامِي-

فَخَاضُوا لَظَاهَا وَ اصْطَلَوْا بِشِرَارِهَا* * * -وَ كَانُوا لَدَى الْهَيْجَاءِ كَشُرْبِ مُدَامٍ-

جَزَى اللَّهُ هَمْدَانَ الْجِنَانَ فَإِنَّهُمْ* * * -سِمَامُ الْعِدَى فِي كُلِّ يَوْمِ خِصَامٍ‏

لِهَمْدَانَ أَخْلَاقٌ وَ دِينٌ يَزِينُهُمْ* * * -وَ لِينٌ إِذَا لَاقُوا وَ حُسْنُ كَلَامٍ-

مَتَى تَأْتِهِمْ فِي دَارِهِمْ لِضِيَافَةٍ

تَبِتْ عِنْدَهُمْ فِي غِبْطَةٍ وَ طَعَامٍ‏

____________

(1) كذا في أصلى، و في كتاب صفّين ط مصر،(ص)273: «إنّه لفرافر». و الفرافر:

الاحمق

356-

و في حديث محمد بن عبيد الله عن الجرجاني قال‏

لما قدم عبيد الله بن عمر على معاوية بالشام أرسل معاوية إلى عمرو بن العاص فقال يا عمرو إن الله قد أحيا لك عمر بن الخطاب بالشام بقدوم عبيد الله بن عمر و قد رأيت أن أقيمه خطيبا فيشهد على علي بقتل عثمان و ينال منه فقال الرأي ما رأيت فبعث إليه فأتاه فقال له يا ابن أخ إن لك اسم أبيك فانظر بمل‏ء عينيك و تكلم بكل فيك فأنت المأمون المصدق فاصعد المنبر فاشتم عليا و اشهد عليه أنه قتل عثمان فقال يا أمير المؤمنين أما شتمي له فإنه علي بن أبي طالب و أمه فاطمة بنت أسد بن هاشم فما عسى أن أقول في حسبه و أما بأسه فهو الشجاع المطرق و أما أيامه فما قد عرفت و لكني ملزمه دم عثمان فقال عمرو إذا و الله قد نكأت القرحة فلما خرج عبيد الله قال معاوية أما و الله لو لا قتله الهرمزان و مخافة علي على نفسه ما أتانا أبدا أ لم تر إلى تقريظه عليا فلما قام عبيد الله خطيبا تكلم بحاجته حتى إذا أتى إلى أمر علي‏