بحار الأنوار - ج32

- العلامة المجلسي المزيد...
619 /
51

ليس لكما و لا لغيركما فيه مطعن فلم تذكراه فهلا اغتفرتما اليسير للكثير و ليس هذا اعترافا بأن ما نقماه موضع الطعن و العيب و لكنه على جهة الاحتجاج.

و قال ابن ميثم أشار باليسير الذي نقماه إلى ترك مشورتهما و تسويتهما لغيرهما في العطاء فإنه و إن كان عندهما صعبا فهو لكونه غير حق في غاية السهولة و الكثير الذي أرجآه ما أخراه من حقه و لم يؤتياه إياه.

و قيل يحتمل أن يريد أن الذي أبدياه و نقماه بعض ما في أنفسهما و قد دل ذلك على أن في أنفسهما أشياء كثيرة لم يظهراه و الاستيثار الانفراد بالشي‏ء و دفع الحق عنهما أعم من أن يصير إليه(ع)أو إلى غيره أو لم يصر إلى أحد بل بقي بحاله في بيت المال و الاستيثار عليهما به هو أن يأخذ حقهما لنفسه و جهل الحكم أن يكون الله قد حكم بحرمة شي‏ء فأحله الإمام و جهل الباب أن يصيب في الحكم و يخطئ في الاستدلال أو يكون جهل الحكم بمعنى التحير فيه و أن لا يعلم كيف يحكم و الخطأ في الباب أن يحكم بخلاف الواقع و الإربة بالكسر الحاجة و الأسوة بالضم و الكسر القدوة أي أسوتكما بغيركما في العطاء و يقال للأمر الذي لا يحتاج إلى تكميل مفروغ منه و العتبى الرجوع من الذنب و الإساءة.

35

(1)

-

نهج، نهج البلاغة وَ مِنْ كَلَامٍ لَهُ(ع)

فِي وَصْفِ بَيْعَتِهِ بِالْخِلَافَةِ وَ بَسَطْتُمْ يَدِي فَكَفَفْتُهَا وَ مَدَدْتُمُوهَا فَقَبَضْتُهَا ثُمَّ تَدَاكَكْتُمْ عَلَيَّ تَدَاكَّ الْإِبِلِ الْهِيمِ عَلَى حِيَاضِهَا يَوْمَ وُرُودِهَا حَتَّى انْقَطَعَتِ النَّعْلُ وَ سَقَطَتِ الرِّدَاءُ وَ وُطِئَ الضَّعِيفُ وَ بَلَغَ مِنْ سُرُورِ النَّاسِ بِبَيْعَتِهِمْ إِيَّايَ أَنِ ابْتَهَجَ بِهَا الصَّغِيرُ وَ هَدَجَ إِلَيْهَا الْكَبِيرُ وَ تَحَامَلَ نَحْوَهَا الْعَلِيلُ وَ حَسَرَتْ إِلَيْهَا الْكِعَابُ.

____________

(1). 35- ذكره السيّد (قدّس سرّه) في المختار: (227) و للكلام شواهد كثيرة بعضها مذكور في الحديث: (252) من ترجمة على من أنساب الأشراف.

52

بيان: تداككتم أي ازدحمتم ازدحاما شديدا يدك بعضكم بعضا و الدكّ الدق و الهيم العطاش و قال الجوهري الهدجان مشية الشيخ و هدج الظليم إذا مشى في ارتعاش و حسرت أي كشفت عن وجهها حرصا على حضور البيعة و الكعاب بالفتح المرأة حين تبدو ثديها للنهود و هي الكاعب و جمعها كواعب ذكره ابن الأثير في كتاب النهاية.

36

(1)

-

نهج، نهج البلاغة وَ مِنْ كَلَامٍ لَهُ(ع)

يَعْنِي بِهِ الزُّبَيْرَ فِي حَالٍ اقْتَضَتْ ذَلِكَ يَزْعُمُ أَنَّهُ قَدْ بَايَعَ بِيَدِهِ وَ لَمْ يُبَايِعْ بِقَلْبِهِ فَقَدْ أَقَرَّ بِالْبَيْعَةِ وَ ادَّعَى الْوَلِيجَةَ فَلْيَأْتِ عَلَيْهَا بِأَمْرٍ يُعْرَفُ وَ إِلَّا فَلْيَدْخُلْ فِيمَا خَرَجَ مِنْهُ.

بيان: الوليجة البطانة و الأمر يسر و يكتم قال ابن أبي الحديد كان الزبير يقول بايعت بيدي لا بقلبي و كان يدعي تارة أنه أكره عليها و تارة يدعي أنه ورى في البيعة تورية فقال(ع)بعد الإقرار لا يسمع دعوى بلا بينة و لا برهان.

37

(2)

-

نهج، نهج البلاغة وَ مِنْ كَلَامٍ لَهُ(ع)

وَ قَدْ أَرْعَدُوا وَ أَبْرَقُوا وَ مَعَ هَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ الْفَشَلُ وَ لَسْنَا نُرْعِدُ حَتَّى نُوقِعَ وَ لَا نُسِيلُ حَتَّى نُمْطِرَ.

بيان: يقال أرعد الرجل و أبرق إذا توعد و تهدد قوله(ع)حتى نوقع لعل المعنى لسنا نهدد حتى نعلم أنا سنوقع قوله(ع)حتى نمطر أي إذا أوقعنا بخصمنا أوعدنا حينئذ بالإيقاع غيره من خصومنا.

38-

نهج، نهج البلاغة وَ مِنْ خُطْبَةٍ لَهُ(ع)

أَلَا وَ إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ جَمَعَ حِزْبَهُ وَ اسْتَجْلَبَ خَيْلَهُ وَ رَجِلَهُ وَ إِنَّ مَعِي لَبَصِيرَتِي مَا لَبَسْتُ عَلَى نَفْسِي وَ لَا لُبِسَ عَلَيَّ وَ ايْمُ اللَّهِ لَأُفْرِطَنَّ لَهُمْ حَوْضاً أَنَا مَاتِحُهُ لَا يَصْدُرُونَ عَنْهُ وَ لَا يَعُودُونَ إِلَيْهِ.

____________

(1). 36- رواها السيّد الرضي (رحمه اللّه) في المختار: (8- 10) من الباب الأوّل من نهج البلاغة.

(2). 36- رواها السيّد الرضي (رحمه اللّه) في المختار: (8- 10) من الباب الأوّل من نهج البلاغة.

53

بيان: قال ابن ميثم هذا الفصل ملتقط و ملفق من خطبة له(ع)لما بلغه أن طلحة و الزبير خلعا بيعته و هو غير منتظم و الرجل جمع راجل.

و قال ابن أبي الحديد في قوله لأفرطن لهم من رواها بفتح الهمزة فأصله فرط ثلاثي يقال فرط القوم سبقهم و رجل فرط يسبق القوم إلى البئر فيهيئ لهم الأرشية و الدلاء و منه‏

قوله أنا فرطكم على الحوض.

و يكون التقدير لأفرطن لهم إلى حوض فحذف الجار و عدي الفعل بنفسه كقوله تعالى‏ وَ اخْتارَ مُوسى‏ قَوْمَهُ‏ و يكون اللام في لهم إما للتقوية كقوله‏ يُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ‏ أي يؤمن المؤمنين أو يكون اللام للتعليل أي لأجلهم.

و من رواها لأفرطن بضم الهمزة فهو من قولهم أفرط المزادة ملأها و الماتح بالتاء المستقي من قولهم متح يمتح بالفتح و المائح بالياء الذي ينزل إلى البئر فيملأ الدلو و قال معنى قوله أنا ماتحه أي أنا خبير به كما يقول من يدعي معرفة الدار أنا باني هذه الدار و حاصل المعنى لأملأن لهم حياض حرب هي من دربتي و عادتي أو لأسبقنهم إلى حياض حرب أنا متدرب بها مجرب لها إذا وردوها لا يصدرون عنها يعني قتلهم و إزهاق أنفسهم و من فر منها لا يعود إليها.

39

(1)

-

نهج، نهج البلاغة وَ مِنْ خُطْبَةٍ لَهُ(ع)

أَلَا وَ إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ ذَمَّرَ حِزْبَهُ وَ اسْتَجْلَبَ جَلَبَهُ لِيَعُودَ الْجَوْرُ إِلَى أَوْطَانِهِ وَ يَرْجِعَ الْبَاطِلُ فِي نِصَابِهِ وَ اللَّهِ مَا أَنْكَرُوا عَلَيَّ مُنْكَراً وَ لَا جَعَلُوا بَيْنِي وَ بَيْنَهُمْ نَصَفاً وَ إِنَّهُمْ لَيَطْلُبُونَ‏

____________

(1). 39- رواها السيّد الرضي (رحمه اللّه) في المختار: (22) من الباب الأوّل من نهج البلاغة، و للكلام مصادر و شواهد أخر يجدها الباحث في المختار: (79- 93) من كتاب نهج السعادة:

ج 1،(ص)258 و 302 ط 2.

54

حَقّاً هُمْ تَرَكُوهُ وَ دَماً هُمْ سَفَكُوهُ فَلَئِنْ كُنْتُ شَرِيكَهُمْ فِيهِ فَإِنَّ لَهُمْ لَنَصِيبَهُمْ مِنْهُ وَ لَئِنْ كَانُوا وَلُوهُ دُونِي فَمَا التَّبِعَةُ إِلَّا عِنْدَهُمْ وَ إِنَّ أَعْظَمَ حُجَّتِهِمْ لَعَلَى أَنْفُسِهِمْ يَرْتَضِعُونَ أُمّاً قَدْ فَطَمَتْ وَ يُحْيُونَ بِدْعَةً قَدْ أُمِيتَتْ يَا خَيْبَةَ الدَّاعِي مَنْ دَعَا وَ إِلَى مَا أُجِيبَ وَ إِنِّي لَرَاضٍ بِحُجَّةِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ‏

(1)

وَ عِلْمِهِ فِيهِمْ فَإِنْ أَبَوْا أَعْطَيْتُهُمْ حَدَّ السَّيْفِ وَ كَفَى بِهِ شَافِياً مِنَ الْبَاطِلِ وَ نَاصِراً لِلْحَقِّ وَ مِنَ الْعَجَبِ بَعْثُهُمْ إِلَيَّ أَنْ أَبْرُزَ لِلطِّعَانِ وَ أَنْ أَصْبِرَ لِلْجِلَادِ هَبِلَتْهُمُ الْهَبُولُ لَقَدْ كُنْتُ وَ مَا أُهَدَّدُ بِالْحَرْبِ وَ لَا أُرْهَبُ بِالضَّرْبِ وَ إِنِّي لَعَلَى يَقِينٍ مِنْ رَبِّي وَ غَيْرِ شُبْهَةٍ مِنْ دِينِي.

بيان: قوله(ع)قد ذمر يروى بالتخفيف و التشديد و أصله الحث و الترغيب و الجلب الجماعة من الناس و غيرهم يجمع و يؤلف.

قوله(ع)ليعود الجور إلى أوطانه يروى ليعود الجور إلى قطابه و القطاب مزاج الخمر بالماء أي ليعود الجور ممتزجا بالعدل كما كان و يجوز أن يعني بالقطاب قطاب الجيب و هو مدخل الرأس فيه أي ليعود الجور إلى لباسه و ثوبه و النصاب الأصل و الذي أنكروه قتل عثمان و النِّصف بالكسر الاسم من الإنصاف.

قوله(ع)يرتضعون أما أي يطلبون الشي‏ء بعد فواته لأن الأم إذا فطمت ولدها فقد انقضى رضاعها و لعل المراد به أن طلبهم لدم عثمان لغو لا فائدة فيه.

____________

(1) كذا في أصلي و في غير واحد ممّا عندي من نسخ نهج البلاغة: «بحجّة اللّه عليهم ...».

55

و قال ابن ميثم استعار لفظة الأم للخلافة فبيت المال لبنها و المسلمون أولادها المرتضعون و كنى بارتضاعهم لها عن طلبهم منه(ع)من الصلاة و التفضيلات مثل ما كان عثمان يصلهم و كونها قد فطمت عن منعه(ع)و قوله يحيون بدعة قد أميتت إشارة إلى ذلك التفضيل فيكون بمنزلة التأكيد للقرينة السابقة.

و يحتمل أن يكون المراد بالأم التي قد فطمت ما كان عادتهم في الجاهلية من الحمية و الغضب و إثارة الفتن و بفطامها اندراسها بالإسلام فيكون ما بعده كالتفسير له.

و النداء في قوله يا خيبة الداعي كالنداء في قوله تعالى‏ يا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ أي يا خيبة احضري فهذا أوانك و الداعي هو أحد الثلاثة طلحة و الزبير و عائشة ثم قال على سبيل الاستحقار لهم من دعا و إلى ما أجيب أي أحقر بقوم دعاهم هذا الداعي و أقبح بالأمر الذي أجابوه إليه فما أفحشه و أرذله.

و قال الجوهري هبلته أمه بكسر الباء أي ثكلته و الهبول من النساء الثكول.

قوله(ع)لقد كنت قال ابن أبي الحديد أي ما زلت لا أهدد بالحرب و الواو زائدة و هذه كلمة فصيحة كثيرا ما يستعملها العرب و قد ورد في القرآن العزيز كان بمعنى ما زال في قوله‏ وَ كانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً

40

(1)

-

أَقُولُ: قَالَ ابْنُ مِيثَمٍ (رحمه اللّه) بَعْدَ إِيرَادِ تِلْكَ الْفِقَرَاتِ أَكْثَرُ هَذَا الْفَصْلِ مِنَ الْخُطْبَةِ الَّتِي ذَكَرْنَا أَنَّهُ(ع)خَطَبَهَا حِينَ بَلَغَهُ أَنَّ طَلْحَةَ وَ الزُّبَيْرَ خَلَعَا

____________

(1). 40- رواها كمال الدين ابن ميثم رفع اللّه مقامه في شرح المختار: (22) من نهج البلاغة:

ج 1،(ص)333 ط بيروت.

56

بَيْعَتَهُ وَ فِيهِ زِيَادَةٌ وَ نُقْصَانٌ وَ نَحْنُ نُورِدُهَا بِتَمَامِهَا وَ هِيَ بَعْدَ حَمْدِ اللَّهِ وَ الثَّنَاءِ عَلَيْهِ وَ الصَّلَاةِ عَلَى رَسُولِهِ-

أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ الْجِهَادَ فَعَظَّمَهُ وَ جَعَلَهُ نُصْرَتَهُ وَ نَاصِرَهُ وَ اللَّهِ مَا صَلَحَتْ دِينٌ وَ لَا دُنْيَا إِلَّا بِهِ وَ قَدْ جَمَعَ الشَّيْطَانُ حِزْبَهُ وَ اسْتَجْلَبَ خَيْلَهُ وَ مَنْ أَطَاعَهُ لِيَعُودَ لَهُ دِينُهُ وَ سُنَّتُهُ وَ [خُدَعُهُ‏] وَ قَدْ رَأَيْتُ أُمُوراً قَدْ تَمَخَّضَتْ وَ اللَّهِ مَا أَنْكَرُوا عَلَيَّ مُنْكَراً وَ لَا جَعَلُوا بَيْنِي وَ بَيْنَهُمْ نَصَفاً وَ إِنَّهُمْ لَيَطْلُبُونَ حَقّاً تَرَكُوهُ وَ دَماً سَفَكُوهُ فَإِنْ كُنْتُ شَرِيكَهُمْ فِيهِ فَإِنَّ لَهُمْ لَنَصِيبَهُمْ مِنْهُ وَ إِنْ كَانُوا لَوَلُوهُ دُونِي فَمَا الطَّلِبَةُ إِلَّا قِبَلَهُمْ وَ إِنَّ أَوَّلَ عَدْلِهِمْ لَعَلَى أَنْفُسِهِمْ وَ لَا أَعْتَذِرُ مِمَّا فَعَلْتُ وَ لَا أَتَبَرَّأُ مِمَّا صَنَعْتُ وَ إِنَّ مَعِي لَبَصِيرَتِي مَا لَبَسْتُ وَ لَا لُبِسَ عَلَيَّ وَ إِنَّهَا لَلْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ فِيهَا الْحَمُّ وَ الْحُمَّةُ طَالَتْ جَلَبَتُهَا وَ انْكَفَّتْ جُونَتُهَا لَيَعُودَنَّ الْبَاطِلُ إِلَى نِصَابِهِ يَا خَيْبَةَ الدَّاعِي لَوْ قِيلَ مَا أَنْكَرَ مِنْ ذَلِكَ وَ مَا إِمَامُهُ وَ فِيمَنْ سُنَنُهُ [وَ فِيمَا سُنَّتُهُ‏] وَ اللَّهِ إِذاً لَزَاحَ الْبَاطِلُ عَنْ نِصَابِهِ وَ انْقَطَعَ لِسَانُهُ وَ مَا أَظُنُّ الطَّرِيقَ لَهُ فِيهِ وَاضِحٌ حَيْثُ نَهَجَ وَ اللَّهِ مَا تَابَ مَنْ قَتَلُوهُ قَبْلَ مَوْتِهِ وَ لَا تَنَصَّلَ عَنْ خَطِيئَتِهِ وَ مَا اعْتَذَرَ إِلَيْهِمْ فَعَذَّرُوهُ وَ لَا دَعَا فَنَصَرُوهُ وَ ايْمُ اللَّهِ لَأُفْرِطَنَّ لَهُمْ حَوْضاً أَنَا مَاتِحُهُ لَا يَصْدُرُونَ عَنْهُ بِرِيٍّ وَ لَا يَعُبُّونَ حُسْوَةً أَبَداً وَ إِنَّهَا لَطَيِّبَةٌ نَفْسِي بِحُجَّةِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وَ عِلْمِهِ فِيهِمْ وَ إِنِّي دَاعِيهِمْ فَمُعَذِّرٌ إِلَيْهِمْ فَإِنْ تَابُوا وَ قَبِلُوا وَ أَجَابُوا وَ أَنَابُوا فَالتَّوْبَةُ مَبْذُولَةٌ وَ الْحَقُّ مَقْبُولٌ وَ لَيْسَ عَلَيَّ كَفِيلٌ وَ إِنْ أَبَوْا أَعْطَيْتُهُمْ حَدَّ السَّيْفِ وَ كَفَى بِهِ شَافِياً مِنْ بَاطِلٍ وَ نَاصِراً لِمُؤْمِنٍ وَ مَعَ كُلِّ صَحِيفَةٍ شَاهِدُهَا وَ كَاتِبُهَا وَ اللَّهِ إِنَّ الزُّبَيْرَ وَ طَلْحَةَ وَ عَائِشَةَ لَيَعْلَمُونَ أَنِّي عَلَى الْحَقِّ وَ هُمْ مُبْطِلُونَ.

و قال رحمه الله تمخضت تحركت و التبعة ما يلحق الإنسان من درك و الحم بفتح و تشديد الميم بقية الألية التي أذيبت و أخذ دهنها و الحمة

57

السواد و هما استعارتان لأراذل الناس و عوامهم لمشابهتهم حم الألية و ما أسود منها في قلة المنفعة و الخير و الجلبة الأصوات و جونتها بالضم سوادها و انكفت و استكفت أي استدارت و زاح و انزاح تنحى و تنصل من الذنب تبرأ منه و العب الشرب من غير مص و الحسوة بضم الحاء قدر ما يحسى مرة واحدة و الجلاد المضاربة بالسيف و الهبول الثكلى و الهبل الثكل.

و اعلم أنه(ع)نبه أولا على فضل الجهاد لأن غرضه استنفارهم لقتال أهل البصرة و قوله و قد رأيت أمورا إشارة إلى تعيين ما يستنفرهم إليه و هو ما يحس به من مخالفة القوم و أهبتهم لقتاله و قوله و الله ما أنكروا إشارة إلى بطلان ما ادعوه منكرا و نسبوه إليه من قتل عثمان و السكوت عن النكير على قاتليه فأنكر أولا إنكارهم عليه تخلفه عن عثمان الذي زعموا أنه منكر و لما لم يكن منكرا كان ذلك الإنكار عليه هو المنكر.

و قوله و إنهم ليطلبون إشارة إلى طلبهم لدم عثمان مع كونهم شركاء فيه.

روى الطبري في تاريخه‏ (1)

أن عليا كان في ماله بخيبر لما أراد الناس حصر عثمان فقدم المدينة و الناس مجتمعون على طلحة في داره فبعث عثمان إليه يشكو أمر طلحة فقال أنا أكفيكه فانطلق إلى دار طلحة و هي مملوءة بالناس فقال له يا طلحة ما هذا الأمر الذي صنعت بعثمان فقال طلحة يا أبا الحسن أبعد أن مس الحزام الطبيين.

فانصرف علي(ع)إلى بيت المال فأمر بفتحه فلم يجدوا المفتاح فكسر الباب و فرق ما فيه على الناس فانصرفوا من عند طلحة حتى بقي وحده فسر عثمان بذلك و جاء طلحة إلى عثمان فقال له يا أمير المؤمنين إني أردت‏

____________

(1) ذكره الطبريّ في الحديث: (9) من عنوان: «خلافة أمير المؤمنين علي ...» في حوادث سنة: (35) من تاريخه: ج 4(ص)430.

58

أمرا فحال الله بيني و بينه و قد جئتك تائبا فقال و الله ما جئت تائبا و لكن جئت مغلوبا الله حسيبك يا طلحة.

و

روى الطبري أيضا

أنه كان لعثمان على طلحة خمسون ألفا فقال له طلحة يوما قد تهيأ مالك فاقبضه فقال هو لك معونة على مروتك فلما حصر عثمان قال علي(ع)لطلحة أنشدك الله إلا كففت عن عثمان فقال لا و الله حتى تعطي بنو أمية الحق من أنفسها

(1)

فكان علي بعد ذلك يقول لحا الله ابن الصعبة أعطاه عثمان مثل ما أعطاه و فعل به ما فعل.

. و روي‏

أن الزبير لما برز لعلي(ع)يوم الجمل قال له ما حملك يا أبا عبد الله على ما صنعت قال أطلب بدم عثمان فقال له أنت و طلحة وليتماه و إنما توبتك من ذلك أن تقدم نفسك و تسلمها إلى ورثته.

. و بالجملة فدخولهم في قتل عثمان ظاهر.

قوله(ع)و إن أول عدلهم أي إن العدل الذي يزعمون أنهم يقيمونه في الدم المطلوب ينبغي أن يصنعوه أولا على أنفسهم.

قوله و لا أعتذر أي الاعتذار الذي فعلته في وقت قتل عثمان لم يكن على وجه تقصير في الذي يوجب الاعتذار و التبرؤ منه.

و قوله(ع)طالت جلبتها كناية عما ظهر من القوم من تهديدهم و توعدهم بالقتال و انكفت جونتها أي استدار سوادها و اجتمع كناية عن تجمع جماعتهم لما يقصدون.

و قوله(ع)ليعودن توعد لهم بعود ما كانوا عليه من الباطل في الجاهلية و استنفار إلى القتال.

____________

(1) إلى هنا رواه الطبريّ مسندا قبيل عنوان: «ذكر الخبر عن السبب الذي من أجله أمر عثمان ابن عبّاس أن يحج بالناس سنة: (35) من تاريخه: ج 4(ص)405.

59

و قوله(ع)يا خيبة الداعي خرج مخرج التعجب من عظم خيبة الدعاء إلى قتاله و من دعا و إلى ما أجيب استفهام على سبيل الاستحقار للمدعوين لقتاله و المناصرين إذ كانوا عوام الناس و رعاعهم و للمدعو إليه و هو الباطل الذي دعوا لنصرته.

و قوله لو قيل إلى قوله و انقطع لسانه متصلة معناه و لو سأل سائل مجادلا لهؤلاء الدعاة إلى الباطل عما أنكروه من أمري و عن إمامهم الذي به يقتدون و فيمن سنتهم التي إليها يرجعون لشهد لسان حالهم بأني أنا إمامهم و في سنتهم فانزاح باطلهم الذي أتوا به و انقطع لسانه على الاستعارة أو بحذف المضاف أي لسان صاحبه.

و قوله و ما أظن عطف على قوله و انقطع لسانه و واضح مبتدأ و فيه خبره و الجملة في محل النصب مفعول ثان لأظن أي ما أظن لو سأل السائل عن ذاك أن الطريق الذي يرتكبه المجيب له فيه مجال بين و مسلك واضح حيث سلك بل كيف توجه في الجواب انقطع و قوله و الله ما تاب إلى قوله فنصروه إشارة إلى عثمان و ذم لهم من جهة طلبهم بدم من اعتذر إليهم قبل موته فلم يعذروه و دعاهم إلى نصرته في حصاره فلم ينصروه مع تمكنهم من ذلك.

و قوله و لا يعبون حسوة كناية عن عدم تمكينه لهم من هذا الأمر أو شي‏ء منه.

و قوله و إنها لطيبة نفسي بحجة الله عليهم نفسي منصوب بدلا من الضمير المتصل بأن أو بإضمار فعل تفسير له و حجة الله إشارة إلى الأوامر الصادرة بقتل الفئة الباغية كقوله تعالى‏ فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي‏ أي إني راض بقيام حجة الله عليهم و علمه بما يصنعون.

و قوله و ليس علي كفيل أي لا أحتاج فيما أبذله لهم من الصفح و الأمان على تقدير إنابتهم إلى ضامن و شافيا و ناصرا منصوبان على التميز.

60

و قوله و مع كل صحيفة الواو للحال أي إنهم إن لم يرجعوا أعطيتهم حد السيف و الملائكة الكرام الكاتبون يكتب كل منهم أعمال من وكل به في صحيفته و يشهد بها في محفل القيامة انتهى.

قوله أي ابن ميثم رحمه الله من اعتذر إليهم الظاهر أنه حمل الكلام على الاستفهام الإنكاري و يحتمل وجها آخر بأن يكون المراد نفي توبته و تنصله و اعتذاره و دعوته فيستحق النصرة لكن ما ذكره أوفق بالأخبار و الضمير في أنها يحتمل أن يكون للقصة.

41-

أَقُولُ قَالَ ابْنُ أَبِي الْحَدِيدِ (1) رَوَى أَبُو مِخْنَفٍ عَنْ مُسَافِرِ بْنِ عَفِيفِ بْنِ أَبِي الْأَخْنَسِ قَالَ:

لَمَّا رَجَعَتْ رُسُلُ عَلِيٍّ(ع)مِنْ عِنْدِ طَلْحَةَ وَ الزُّبَيْرِ وَ عَائِشَةَ يُؤْذِنُونَهُ بِالْحَرْبِ قَامَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَ أَثْنَى عَلَيْهِ وَ صَلَّى عَلَى رَسُولِهِ ثُمَّ قَالَ أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ رَاقَبْتُ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ كَيْ يَرْعَوُوا أَوْ يَرْجِعُوا وَ وَبَّخْتُهُمْ بِنَكْثِهِمْ وَ عَرَّفْتُهُمْ بَغْيَهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا وَ قَدْ بَعَثُوا إِلَيَّ أَنْ أَبْرُزَ لِلطِّعَانِ وَ أَصْبِرَ لِلْجِلَادِ إِنَّمَا تُمَنِّيكَ نَفْسُكَ أَمَانِيَّ الْبَاطِلِ وَ تَعِدُكَ الْغُرُورَ أَلَا هَبِلَتْهُمُ الْهَبُولُ لَقَدْ كُنْتُ وَ مَا أُهَدَّدُ بِالْحَرْبِ وَ لَا أُرْهَبُ بِالضَّرْبِ وَ لَقَدْ أَنْصَفَ الْقَارَةَ مَنْ رَامَاهَا فَلْيُرْعِدُوا وَ لْيُبْرِقُوا فَقَدْ رَأَوْنِي قَدِيماً وَ عَرَفُوا نِكَايَتِي فَقَدْ رَأَوْنِي أَنَا أَبُو الْحَسَنِ الَّذِي فَلَلْتُ حَدَّ الْمُشْرِكِينَ وَ فَرَّقْتُ جَمَاعَتَهُمْ وَ بِذَلِكَ الْقَلْبِ أَلْقَى عَدُوِّيَ الْيَوْمَ وَ إِنِّي لَعَلَى مَا وَعَدَنِي رَبِّي مِنَ النَّصْرِ وَ التَّأْيِيدِ وَ عَلَى يَقِينٍ مِنْ أَمْرِي وَ فِي غَيْرِ شُبْهَةٍ مِنْ دِينِي أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ الْمَوْتَ لَا يَفُوتُهُ الْمُقِيمُ وَ لَا يُعْجِزُهُ الْهَارِبُ لَيْسَ عَنِ الْمَوْتِ مَحِيدٌ

____________

(1) رواه ابن أبي الحديد مع الخطبة التالية في شرح المختار: (22) من نهج البلاغة من شرحه: ج 1،(ص)247- 249 ط الحديث ببيروت.

61

وَ لَا مَحِيصٌ مَنْ لَمْ يُقْتَلْ مَاتَ وَ إِنَّ أَفْضَلَ الْمَوْتِ الْقَتْلُ وَ الَّذِي نَفْسُ عَلِيٍّ بِيَدِهِ لَأَلْفُ ضَرْبَةٍ بِالسَّيْفِ أَهْوَنُ مِنْ مَوْتَةٍ وَاحِدَةٍ عَلَى الْفِرَاشِ اللَّهُمَّ إِنَّ طَلْحَةَ نَكَثَ بَيْعَتِي وَ أَلَّبَ عَلَى عُثْمَانَ حَتَّى قَتَلَهُ ثُمَّ عَضَهَنِي بِهِ وَ رَمَانِي اللَّهُمَّ فَلَا تُمْهِلْهُ اللَّهُمَّ إِنَّ الزُّبَيْرَ قَطَعَ رَحِمِي وَ نَكَثَ بَيْعَتِي وَ ظَاهَرَ عَلَيَّ عَدُوِّي فَاكْفِنِيهِ الْيَوْمَ بِمَا شِئْتَ.

42-

قَالَ وَ رَوَى أَبُو الْحَسَنِ الْمَدَائِنِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جُنَادَةَ قَالَ:

قَدِمْتُ مِنَ الْحِجَازِ أُرِيدُ الْعِرَاقَ فِي أَوَّلِ إِمَارَةِ عَلِيٍّ فَمَرَرْتُ بِمَكَّةَ فَاعْتَمَرْتُ ثُمَّ قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ فَدَخَلْتُ مَسْجِدَ رَسُولِ اللَّهِ(ص)إِذَا نُودِيَ الصَّلَاةَ جَامِعَةً فَاجْتَمَعَ النَّاسُ وَ خَرَجَ عَلِيٌّ(ع)مُتَقَلِّداً سَيْفَهُ فَشَخَصَتِ الْأَبْصَارُ نَحْوَهُ فَحَمِدَ اللَّهَ وَ أَثْنَى عَلَيْهِ وَ صَلَّى عَلَى رَسُولِهِ ثُمَّ قَالَ أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّهُ لَمَّا قَبَضَ اللَّهُ نَبِيَّهُ قُلْنَا نَحْنُ أَهْلُهُ وَ وَرَثَتُهُ وَ عِتْرَتُهُ وَ أَوْلِيَاؤُهُ دُونَ النَّاسِ لَا يُنَازِعُنَا سُلْطَانَهُ أَحَدٌ وَ لَا يَطْمَعُ فِي حَقِّنَا طَامِعٌ إِذَا تَنَزَّى لَنَا قَوْمُنَا فَغَصَبُونَا سُلْطَانَ نَبِيِّنَا فَصَارَتِ الْإِمْرَةُ لِغَيْرِنَا وَ صِرْنَا سُوقَةً يَطْمَعُ فِينَا الضَّعِيفُ وَ يَتَعَزَّزُ عَلَيْنَا الذَّلِيلُ فَبَكَتِ الْأَعْيُنُ مِنَّا لِذَلِكَ وَ خَشُنَتِ الصُّدُورُ وَ جَزِعَتِ النُّفُوسُ وَ ايْمُ اللَّهِ لَوْ لَا مَخَافَةُ الْفُرْقَةِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَ أَنْ يَعُودَ الْكُفْرُ وَ يَبُورَ الدِّينُ لَكُنَّا عَلَى غَيْرِ مَا كُنَّا لَهُمْ عَلَيْهِ فَوَلِيَ الْأَمْرَ وُلَاةٌ لَمْ يَأْلُوا النَّاسَ خَيْراً ثُمَّ اسْتَخْرَجْتُمُونِي أَيُّهَا النَّاسُ مِنْ بَيْتِي فَبَايَعْتُمُونِي عَلَى شَنْإٍ مِنِّي لِأَمْرِكُمْ وَ فِرَاسَةٍ تَصْدُقُنِي عَمَّا فِي قُلُوبِ كَثِيرٍ مِنْكُمْ وَ بَايَعَنِي هَذَانِ الرَّجُلَانِ فِي أَوَّلِ مَنْ بَايَعَ تَعْلَمُونَ ذَلِكَ وَ قَدْ نَكَثَا وَ غَدَرَا وَ نَهَضَا إِلَى الْبَصْرَةِ بِعَائِشَةَ لِيُفَرِّقَا جَمَاعَتَكُمْ وَ يُلْقِيَا بَأْسَكُمْ بَيْنَكُمْ اللَّهُمَّ فَخُذْهُمَا بِمَا عَمِلَا

أَخْذَةً رابِيَةً

وَ لَا تَنْعَشْ لَهُمَا صَرْعَةً وَ لَا تُقِلْهُمَا عَثْرَةً وَ لَا تُمْهِلْهُمَا فُوَاقاً فَإِنَّهُمَا يَطْلُبَانِ حَقّاً تَرَكَاهُ وَ دَماً سَفَكَاهُ‏

62

اللَّهُمَّ إِنِّي اقْتَضَيْتُكَ وَعْدَكَ فَإِنَّكَ قُلْتَ وَ قَوْلُكَ الْحَقُّ لِمَنْ بُغِيَ عَلَيْهِ‏

لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ‏

اللَّهُمَّ فَأَنْجِزْ لِي مَوْعِدِي وَ لَا تَكِلْنِي إِلَى نَفْسِي‏

إِنَّكَ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ*

ثُمَّ نَزَلَ.

43-

وَ رَوَى الْكَلْبِيُّ قَالَ:

لَمَّا أَرَادَ عَلِيٌّ(ع)الْمَسِيرَ إِلَى الْبَصْرَةِ قَامَ فَخَطَبَ النَّاسَ فَقَالَ بَعْدَ أَنْ حَمِدَ اللَّهَ وَ صَلَّى عَلَى رَسُولِهِ إِنَّ اللَّهَ لَمَّا قَبَضَ نَبِيَّهُ اسْتَأْثَرَتْ عَلَيْنَا قُرَيْشٌ بِالْأَمْرِ وَ دَفَعَتْنَا عَنْ حَقٍّ نَحْنُ أَحَقُّ بِهِ مِنَ النَّاسِ كَافَّةً فَرَأَيْتُ أَنَّ الصَّبْرَ عَلَى ذَلِكَ أَفْضَلُ مِنْ تَفْرِيقِ كَلِمَةِ الْمُسْلِمِينَ وَ سَفْكِ دِمَائِهِمْ وَ النَّاسُ حَدِيثُو عَهْدٍ بِالْإِسْلَامِ وَ الدِّينُ يُمْخَضُ مَخْضَ الْوَطْبِ يُفْسِدُهُ أَدْنَى وَهْنٍ وَ يَعْكِسُهُ أَقَلُّ خَلَقٍ فَوَلِيَ الْأَمْرَ قَوْمٌ لَمْ يَأْلُوا فِي أَمْرِهِمْ اجْتِهَاداً ثُمَّ انْتَقَلُوا إِلَى دَارِ الْجَزَاءِ وَ اللَّهُ وَلِيُّ تَمْحِيصِ سَيِّئَاتِهِمْ وَ الْعَفْوِ عَنْ هَفَوَاتِهِمْ فَمَا بَالُ طَلْحَةَ وَ الزُّبَيْرِ وَ لَيْسَا مِنْ هَذَا الْأَمْرِ بِسَبِيلٍ لَمْ يَصْبِرَا عَلَيَّ حَوْلًا وَ لَا شَهْراً حَتَّى وَثَبَا وَ مَرَقَا وَ نَازَعَانِي أَمْراً لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُمَا إِلَيْهِ سَبِيلًا بَعْدَ أَنْ بَايَعَا طَائِعَيْنِ غَيْرَ مُكْرَهَيْنِ يَرْتَضِعَانِ أُمّاً قَدْ فَطَمَتْ وَ يُحْيِيَانِ بِدْعَةً قَدْ أُمِيتَتْ أَ دَمَ عُثْمَانَ زَعَمَا يُطَالِبَانِ وَ اللَّهِ مَا التَّبِعَةُ إِلَّا عِنْدَهُمْ وَ فِيهِمْ وَ إِنَّ أَعْظَمَ حُجَّتِهِمْ لَعَلَى أَنْفُسِهِمْ وَ أَنَا رَاضٍ بِحُجَّةِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وَ عِلْمِهِ فِيهِمْ فَإِنْ فَاءَا وَ أَنَابَا فَحَظَّهُمَا أَحْرَزَا وَ أَنْفُسَهُمَا غَنَّمَا وَ أَعْظِمْ بِهَا غَنِيمَةً وَ إِنْ أَبَيَا أَعْطَيْتُهُمَا حَدَّ السَّيْفِ وَ كَفَى بِهِ نَاصِراً لِحَقٍّ وَ شَافِياً مِنْ بَاطِلٍ ثُمَّ نَزَلَ.

44-

وَ رَوَى أَبُو مِخْنَفٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ صُوحَانَ قَالَ:

شَهِدْتُ عَلِيّاً(ع)بِذِي قَارٍ وَ هُوَ مُعْتَمٌّ بِعِمَامَةٍ سَوْدَاءَ مُلْتَفٌّ بِسَاجٍ يَخْطُبُ فَقَالَ فِي خُطْبَتِهِ الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ أَمْرٍ وَ حَالٍ فِي الْغُدُوِّ وَ الْآصَالِ وَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَ رَسُولُهُ ابْتَعَثَهُ رَحْمَةً لِلْعِبَادِ وَ حَيَاةً لِلْبِلَادِ حِينَ امْتَلَأَتِ الْأَرْضُ فِتْنَةً وَ اضْطَرَبَ حَبْلُهَا وَ عُبِدَ الشَّيْطَانُ فِي أَكْنَافِهَا وَ اشْتَمَلَ عَدُوُّ اللَّهِ إِبْلِيسُ عَلَى عَقَائِدِ أَهْلِهَا فَكَانَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ الَّذِي أَطْفَأَهَا اللَّهُ بِهِ نِيرَانَهَا

63

وَ أَخْمَدَ بِهِ شِرَارَهَا وَ نَزَعَ بِهِ أَوْتَادَهَا وَ أَقَامَ بِهِ مَيْلَهَا إِمَامَ الْهُدَى وَ النَّبِيَّ الْمُصْطَفَى(ص)فَلَقَدْ صَدَعَ بِمَا أَمَرَهُ بِهِ وَ بَلَّغَ رِسَالاتِ رَبِّهِ فَأَصْلَحَ اللَّهُ بِهِ ذَاتَ الْبَيْنِ وَ آمَنَ بِهِ السُّبُلَ وَ حَقَنَ بِهِ الدِّمَاءَ وَ أَلَّفَ بِهِ بَيْنَ ذَوِي الضَّغَائِنِ الْوَاغِرَةِ فِي الصُّدُورِ حَتَّى أَتَاهُ الْيَقِينُ ثُمَّ قَبَضَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ حَمِيداً ثُمَّ اسْتَخْلَفَ النَّاسُ أَبَا بَكْرٍ فَلَمْ يَأْلُ جُهْدَهُ ثُمَّ اسْتَخْلَفَ أَبُو بَكْرٍ عُمَرَ فَلَمْ يَأْلُ جُهْدَهُ ثُمَّ اسْتَخْلَفَ النَّاسُ عُثْمَانَ فَنَالَ مِنْكُمْ وَ نِلْتُمْ مِنْهُ حَتَّى إِذَا كَانَ مِنْ أَمْرِهِ مَا كَانَ أَتَيْتُمُونِي لِتُبَايِعُونِي فَقُلْتُ لَا حَاجَةَ فِي ذَلِكَ وَ دَخَلْتُ مَنْزِلِي فَاسْتَخْرَجْتُمُونِي فَقَبَضْتُ يَدِي فَبَسَطْتُمُوهَا وَ تَدَاكَكْتُمْ عَلَيَّ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّكُمْ قَاتِلِيَّ وَ أَنَّ بَعْضَكُمْ قَاتِلُ بَعْضٍ فَبَايَعْتُمُونِي وَ أَنَا غَيْرُ مَسْرُورٍ بِذَلِكَ وَ لَا جَذِلٌ وَ قَدْ عَلِمَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ أَنِّي كُنْتُ كَارِهاً لِلْحُكُومَةِ بَيْنَ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ(ص)وَ لَقَدْ سَمِعْتُهُ(ص)يَقُولُ مَا مِنْ وَالٍ يَلِي شَيْئاً مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي إِلَّا أُتِيَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَغْلُولَةً يَدَاهُ إِلَى عُنُقِهِ عَلَى رُءُوسِ الْخَلَائِقِ ثُمَّ يُنْشَرُ كِتَابُهُ فَإِنْ كَانَ عَادِلًا نَجَا وَ إِنْ كَانَ جَائِراً هَوَى حَتَّى اجْتَمَعَ عَلَيَّ مَلَأُكُمْ وَ بَايَعَنِي طَلْحَةُ وَ الزُّبَيْرُ وَ أَنَا أَعْرِفُ الْغَدْرَ فِي أَوْجُهِهِمَا وَ النَّكْثَ فِي أَعْيُنِهِمَا ثُمَّ اسْتَأْذَنَانِي فِي الْعُمْرَةِ فَأَعْلَمْتُهُمَا أَنْ لَيْسَا الْعُمْرَةَ يُرِيدَانِ فَسَارَا إِلَى مَكَّةَ وَ اسْتَخَفَّا عَائِشَةَ وَ خَدَعَاهَا وَ شَخَصَ مَعَهُمَا أَبْنَاءُ الطُّلَقَاءِ فَقَدِمُوا الْبَصْرَةَ فَقَتَلُوا بِهَا الْمُسْلِمِينَ وَ فَعَلُوا الْمُنْكَرَ وَ يَا عَجَباً لِاسْتِقَامَتِهِمَا لِأَبِي بَكْرٍ وَ عُمَرَ وَ بَغْيِهِمَا عَلَيَّ وَ هُمَا يَعْلَمَانِ أَنِّي لَسْتُ دُونَ أَحَدِهِمَا وَ لَوْ شِئْتُ أَنْ أَقُولَ لَقُلْتُ وَ لَقَدْ كَانَ مُعَاوِيَةُ كَتَبَ إِلَيْهِمَا مِنَ الشَّامِ كِتَاباً يَخْدَعُهُمَا فِيهِ فَكَتَمَاهُ عَنِّي وَ خَرَجَا يُوهِمَانِ الطَّغَامَ وَ الْأَعْرَابَ أَنَّهُمَا يَطْلُبَانِ بِدَمِ عُثْمَانَ وَ اللَّهِ مَا أَنْكَرَا عَلَيَّ مُنْكَراً وَ لَا جَعَلَا بَيْنِي وَ بَيْنَهُمْ نَصَفاً وَ إِنَّ دَمَ عُثْمَانَ لَمَعْصُوبٌ بِهِمَا وَ مَطْلُوبٌ مِنْهُمَا يَا خَيْبَةَ الدَّاعِي إِلَامَ دَعَا وَ بِمَا ذَا أُجِيبَ وَ اللَّهِ إِنَّهُمَا لَعَلَى ضَلَالَةٍ صَمَّاءَ وَ جَهَالَةٍ عَمْيَاءَ وَ إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ ذَمَّرَ لَهُمَا حِزْبَهُ وَ اسْتَجْلَبَ مِنْهُمَا خَيْلَهُ وَ رَجِلَهُ لِيُعِيدَ الْجَوْرَ إِلَى أَوْطَانِهِ وَ يَرُدَّ الْبَاطِلَ إِلَى نِصَابِهِ‏

64

ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ فَقَالَ اللَّهُمَّ إِنَّ طَلْحَةَ وَ الزُّبَيْرَ قَطَعَانِي وَ ظَلَمَانِي وَ أَلَّبَا عَلَيَّ وَ نَكَثَا بَيْعَتِي فَاحْلُلْ مَا عَقَدَا وَ انْكُثْ مَا أَبْرَمَا وَ لَا تَغْفِرْ لَهُمَا أَبَداً وَ أَرِهِمَا الْمَسَاءَةَ فِيمَا عَمِلَا وَ أَمَّلَا قَالَ أَبُو مِخْنَفٍ فَقَامَ إِلَيْهِ الْأَشْتَرُ فَقَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي مَنَّ عَلَيْنَا فَأَفْضَلَ وَ أَحْسَنَ إِلَيْنَا فَأَجْمَلَ قَدْ سَمِعْنَا كَلَامَكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَ لَقَدْ أَصَبْتَ وَ وُفِّقْتَ وَ أَنْتَ ابْنُ عَمِّ نَبِيِّنَا وَ صِهْرُهُ وَ وَصِيُّهُ وَ أَوَّلُ مُصَدِّقٍ بِهِ وَ مُصَلٍّ مَعَهُ شَهِدْتَ مَشَاهِدَهُ كُلَّهَا فَكَانَ لَكَ الْفَضْلُ فِيهَا عَلَى جَمِيعِ الْأُمَّةِ فَمَنِ اتَّبَعَكَ أَصَابَ حَظَّهُ وَ اسْتَبْشَرَ بِفَلْجِهِ وَ مَنْ عَصَاكَ وَ رَغِبَ عَنْكَ فَإِلَى أُمِّهِ الْهَاوِيَةِ لَعَمْرِي يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَا أَمْرُ طَلْحَةَ وَ الزُّبَيْرِ وَ عَائِشَةَ عَلَيْنَا بِمُخِيلٍ وَ لَقَدْ دَخَلَ الرَّجُلَانِ فِيمَا دَخَلَا فِيهِ وَ فَارَقَا عَلَى غَيْرِ حَدَثٍ أَحْدَثْتَ وَ لَا جَوْرٍ صَنَعْتَ فَإِنْ زَعَمَا أَنَّهُمَا يَطْلُبَانِ بِدَمِ عُثْمَانَ فَلْيُقِيدَا مِنْ أَنْفُسِهِمَا فَإِنَّهُمَا أَوَّلُ مَنْ أَلَّبَ عَلَيْهِ وَ أَغْرَى النَّاسَ بِدَمِهِ وَ أُشْهِدُ اللَّهَ لَئِنْ لَمْ يَدْخُلَا فِيمَا خَرَجَا مِنْهُ لَنُلْحِقَنَّهُمَا بِعُثْمَانَ فَإِنَّ سُيُوفَنَا فِي عوائقنا [عَوَاتِقِنَا وَ قُلُوبَنَا فِي صُدُورِنَا وَ نَحْنُ الْيَوْمَ كَمَا كُنَّا أَمْسِ ثُمَّ قَعَدَ.

توضيح ارعوى عن القبيح أي كف و قال الجوهري القارة قبيلة سموا قارة لاجتماعهم و التقافهم لما أراد ابن الشداخ أن يفرقهم في بني كنانة و هم رماة و في المثل أنصف القارة من راماها و قال الجوهري نكيت في العدو نكاية إذا قتلت فيهم و جرحت و قال عضهه عضها رماه بالبهتان و قال التنزي التوثب و التسرع و في بعض النسخ إذا انبرى أي اعترض و هو أصوب و السوقة خلاف الملك قوله(ع)لم يألوا الناس خيرا فيه تقية و مصلحة قال الجوهري ألا يألوا من باب دعا أي قصر و فلان لا يألوك نصحا أي لا يقصر في نصحك.

و قال قال الفراء في قوله تعالى‏ أَخْذَةً رابِيَةً أي زائدة كقولك أربيت إذا أخذت أكثر مما أعطيت و قال الفواق ما بين الحلبتين من الوقت لأنهما تحلب ثم تترك سويعة يرضعها الفصيل لتدر ثم تحلب يقال ما أقام عنده إلا فواقا قوله(ع)لمن بغي عليه أي قال في حق من بغي عليه و المقول‏ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ‏ و الآية هكذا وَ مَنْ عاقَبَ بِمِثْلِ ما عُوقِبَ بِهِ ثُمَ‏

65

بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ‏ و الوطب بالفتح الزقّ الذي يكون فيه السمن و اللبن.

و المراد بالخَلَق إما قدم اللبن و مضي زمان عليه أو خلق الزقّ فإنه يفسد اللبن و أعظم بها للتعجب أي ما أعظمها و الجذل بالتحريك الفرح لمعصوب بهما أي مشدود عليهما.

45

(1)

-

نهج، نهج البلاغة: وَ مِنْ كِتَابٍ لَهُ(ع)إِلَى أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ وَ هُوَ عَامِلُهُ عَلَى الْكُوفَةِ وَ قَدْ بَلَغَهُ تَثْبِيطُهُ النَّاسَ عَنِ الْخُرُوجِ إِلَيْهِ لَمَّا نَدَبَهُمْ لِحَرْبِ أَصْحَابِ الْجَمَلِ‏

مِنْ عَبْدِ اللَّهِ عَلِيٍّ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ أَمَّا بَعْدُ فَقَدْ بَلَغَنِي عَنْكَ قَوْلٌ هُوَ لَكَ وَ عَلَيْكَ فَإِذَا قَدِمَ عَلَيْكَ رَسُولِي فَارْفَعْ ذَيْلَكَ وَ اشْدُدْ مِئْزَرَكَ وَ اخْرُجْ مِنْ جُحْرِكَ وَ انْدُبْ مَنْ مَعَكَ فَإِنْ حَقَّقْتَ فَانْفُذْ وَ إِنْ تَفَشَّلْتَ فَابْعُدْ وَ ايْمُ اللَّهِ لَتُؤْتَيَنَّ حَيْثُ أَنْتَ وَ لَا تُتْرَكُ حَتَّى تَخْلِطَ زُبْدَكَ بِخَاثِرِكَ وَ ذَائِبَكَ بِجَامِدِكَ وَ حَتَّى تُعْجَلَ عَنْ قِعْدَتِكَ وَ تَحْذَرَ مِنْ أَمَامِكَ كَحَذَرِكَ مِنْ خَلْفِكَ وَ مَا هِيَ بِالْهُوَيْنَا الَّتِي تَرْجُو وَ لَكِنَّهَا الدَّاهِيَةُ الْكُبْرَى يُرْكَبُ جَمَلُهَا وَ يُذَلُّ صَعْبُهَا وَ يُسَهَّلُ جَبَلُهَا فَاعْقِلْ عَقْلَكَ وَ امْلِكْ أَمْرَكَ وَ خُذْ نَصِيبَكَ وَ حَظَّكَ فَإِنْ كَرِهْتَ فَتَنَحَّ إِلَى غَيْرِ رَحْبٍ وَ لَا فِي نَجَاةٍ فَبِالْحَرِيِّ لَتُكْفَيَنَّ وَ أَنْتَ نَائِمٌ حَتَّى لَا يُقَالَ أَيْنَ فُلَانٌ وَ اللَّهِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مَعَ مُحِقٍّ وَ مَا يُبَالِي مَا صَنَعَ الْمُلْحِدُونَ وَ السَّلَامُ.

بيان: هو لك و عليك قال ابن أبي الحديد فإن أبا موسى كان يقول لأهل الكوفة إن عليا إمام هدى و بيعته صحيحة إلا أنه لا يجوز القتال معه لأهل القبلة انتهى.

و أقول كون هذا الكلام له و عليه لاشتماله على الحق و الباطل و الحق ينفعه و الباطل يضره أو ظاهر الكلام له تستحسنه العوام و باطنه حجة عليه إذ بعد

____________

(1). 45- و هذا هو المختار: من الباب الثاني- و هو باب الكتب- من نهج البلاغة.

و ما يذكره المصنّف بعد عن ابن أبي الحديد ذكره في أول شرحه على هذا الكتاب.

66

الإقرار بصحة البيعة لا مجال للأمر بالمخالفة أو ظن أن هذا الكلام ينفعه و في الواقع يضره أو ينفعه في الدنيا و يضره في العقبى.

و الأمر برفع الذيل و شد المئزر كنايتان عن الاهتمام في الأمر و الخروج من الجحر استهانة به حيث جعله ثعلبا أو ضبعا و الجُحْر بالضم كل شي‏ء تحفره السباع و الهوام لأنفسها قوله(ع)فإن حققت أي أمرك مبني على الشك فإن حققت لزوم طاعتي فانفذ أي فسر حتى تقدم علي و إن أقمت على الشك فاعتزل العمل أو إن أنكرت الطاعة فأظهر إنكارك و اعمل بمقتضاه.

و الخاثر اللبن الغليظ و الزبد خلاصة اللبن و صفوته يقال للرجل إذا ضرب حتى أثخن ضرب حتى خلط زبده بخاثره و ذائبه بجامده كأنه خلط ما رق و لطف من أخلاطه بما كثف و غلظ منها و هذا مثل و معناه ليفسدن حالك و ليضطربن ما هو الآن منتظم من أمرك و القعدة بالكسر هيئة القعود كالحلبة و الركبة.

قوله و تحذر من أمامك قيل كناية عن غاية الخوف و إنما جعل(ع)الحذر من خلف أصلا في التشبيه لكون الإنسان من وراءه أشد خوفا و قيل حتى تخاف من الدنيا كما تخاف من الآخرة و يحتمل أن يكون المعنى حتى تحذر من هذا الأمر الذي أقبلت إليه و أقدمت عليه و هو تثبيط الناس عن الجهاد كما تحذر مما خلفته وراء ظهرك و لم تقدم عليه و هو الجهاد.

و قال ابن أبي الحديد أي يأتيكم أهل البصرة مع طلحة و نأتيكم بأهل المدينة و الحجاز فيجتمع عليكم سيفان من أمامكم و من خلفكم.

و قال في قوله(ع)و ما بالهوينا أي ليست هذه الداهية بالشي‏ء الهين الذي ترجو اندفاعه بسهولة فإن قصد الجيوش الكوفة من كلا الجانبين أمر صعب المرام فإنه ليركبن أهل الحجاز و أهل البصرة هذا الأمر المستصعب لأنا نحن نطلب أن نملك الكوفة و أهل البصرة كذلك فيجتمع عليها الفريقان.

67

و قال ابن الأثير في النهاية الهون الرفق و اللين و التثبت و الهوينا تصغير الهونى تأنيث الأهون.

و قوله فاعقل عقلك يحتمل المصدر و قيل هو مفعول به و خذ نصيبك و حظك أي من طاعة الإمام و ثواب الله و قيل أي لا تتجاوز إلى ما ليس لك فإن كرهت فتنح أي عن العمل فإني قد عزلتك إلى غير رحب أي سعة بل يضيق عليك الأمر بعده و قال في النهاية بالحري أن يكون كذا أي جدير.

و قال ابن أبي الحديد أي جدير أن تكفي هذه المئونة التي دعيت إليها و أنت نائم أي لست معدودا عندنا و عند الناس من الرجال الذين يفتقر الحرب و التدبيرات إليهم فسيغني الله عنك و لا يقال أين فلان.

46

(1)

-

نهج، نهج البلاغة

وَ مِنْ كِتَابٍ لَهُ(ع)إِلَى بَعْضِ أُمَرَاءِ جَيْشِهِ فَإِنْ عَادُوا إِلَى ظِلِّ الطَّاعَةِ فَذَاكَ الَّذِي نُحِبُّ وَ إِنْ تَوَافَتِ الْأُمُورُ بِالْقَوْمِ إِلَى الشِّقَاقِ وَ الْعِصْيَانِ فَانْهَدْ بِمَنْ أَطَاعَكَ إِلَى مَنْ عَصَاكَ وَ اسْتَغْنِ بِمَنِ انْقَادَ مَعَكَ عَمَّنْ تَقَاعَسَ عَنْكَ فَإِنَّ الْمُتَكَارِهَ مَغِيبُهُ خَيْرٌ مِنْ شُهُودِهِ وَ قُعُودُهُ أَغْنَى مِنْ نُهُوضِهِ.

توضيح قال ابن ميثم روي أن الأمير الذي كتب إليه عثمان بن حنيف عامله على البصرة و ذلك حين انتهت أصحاب الجمل إليها و عزموا على الحرب فكتب عثمان إليه يخبره بحالهم فكتب(ع)إليه كتابا فيه الفصل المذكور.

و إن توافت الأمور أي تتابعت بهم المقادير و أسباب الشقاق و العصيان إليهما و يقال نهد القوم إلى عدوهم إذا صمدوا له و شرعوا في قتالهم‏

____________

(1). 46- و هذا هو المختار الرابع من الباب الثاني من نهج البلاغة.

68

و تقاعس أبطأ و تأخر و المتكاره من يظهر الكراهة و لا يطيع بقلبه و النهوض القيام.

47

(1)

-

نهج، نهج البلاغة

وَ مِنْ كِتَابٍ لَهُ(ع)إِلَى أَهْلِ الْكُوفَةِ عِنْدَ مَسِيرِهِ مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى الْبَصْرَةِ أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي خَرَجْتُ مِنْ حَيِّي هَذَا إِمَّا ظَالِماً وَ إِمَّا مَظْلُوماً وَ إِمَّا بَاغِياً وَ إِمَّا مَبْغِيّاً عَلَيْهِ وَ أَنَا أُذَكِّرُ اللَّهَ مَنْ بَلَغَهُ كِتَابِي هَذَا لَمَّا نَفَرَ إِلَيَّ فَإِنْ كُنْتُ مُحْسِناً أَعَانَنِي وَ إِنْ كُنْتُ مُسِيئاً اسْتَعْتَبَنِي.

بيان: لمّا نفر بالتشديد بمعنى إلا أي أذكره في كل وقت إلا وقت النفور كقولهم سألتك لما فعلت.

و في بعض النسخ بالتخفيف فكلمة ما زائدة كما قيل في قوله تعالى‏ لَمَّا عَلَيْها حافِظٌ فإنه قرئ بالتخفيف و التشديد معا و الاستعتاب طلب العتبى و هو الرجوع.

48

(2)

-

ما، الأمالي للشيخ الطوسي أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الصَّلْتِ عَنِ ابْنِ عُقْدَةَ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْعَلَوِيِّ عَنْ عَمِّهِ الْقَاسِمِ بْنِ جَعْفَرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْعَلَوِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ (عليهما السلام) قَالَ حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي عُمْرَةَ الْأَنْصَارِيُّ قَالَ:

سَمَّانِي رَسُولُ اللَّهِ(ص)عَبْدَ الرَّحْمَنِ قَالَ لَمَّا بَلَغَ عَلِيّاً مَسِيرُ طَلْحَةَ وَ الزُّبَيْرِ خَطَبَ النَّاسَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَ أَثْنَى عَلَيْهِ وَ صَلَّى عَلَى النَّبِيِّ(ص)ثُمَّ قَالَ‏

____________

(1). 47 و هذا هو المختار: (57) من الباب الثاني من نهج البلاغة.

و له مصادر أخر يجد الباحث بعضها في ذيل المختار: (26) من باب الكتب من نهج السعادة: ج 4(ص)62 ط 1.

(2). 48 رواه الشيخ الطوسيّ رفع اللّه مقامه في الحديث الثاني من المجلس: (25) من الجزء الثاني من أماليه(ص)87 ط 1.

69

أَمَّا بَعْدُ فَقَدْ بَلَغَنِي مَسِيرُ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ وَ اسْتِخْفَافُهُمَا حَبِيسَ رَسُولِ اللَّهِ(ص)وَ اسْتِفْزَازُهُمَا أَبْنَاءَ الطُّلَقَاءِ وَ تَلْبِيسُهُمَا عَلَى النَّاسِ بِدَمِ عُثْمَانَ وَ هُمَا أَلَّبَا عَلَيْهِ وَ فَعَلَا بِهِ الْأَفَاعِيلَ وَ خَرَجَا لِيَضْرِبَا النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ اللَّهُمَّ فَاكْفِ الْمُسْلِمِينَ مَئُونَتَهُمَا وَ اجْزِهِمَا الْجَوَازِيَ وَ حَضَّ النَّاسَ عَلَى الْخُرُوجِ فِي طَلَبِهِمَا فَقَامَ إِلَيْهِ أَبُو مَسْعُودٍ عُقْبَةُ بْنُ عَمْرٍو فَقَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّ الَّذِي يَفُوتُكَ مِنَ الصَّلَاةِ فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ(ص)وَ مَجْلِسُكَ فِيمَا بَيْنَ قَبْرِهِ وَ مِنْبَرِهِ أَعْظَمُ مِمَّا تَرْجُو مِنَ الشَّامِ وَ الْعِرَاقِ فَإِنْ كُنْتَ إِنَّمَا تَسِيرُ لِحَرْبٍ فَقَدْ أَقَامَ عُمَرُ وَ كَفَاهُ سَعْدٌ زَحْفَ الْقَادِسِيَّةِ وَ كَفَاهُ حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ زَحْفَ نَهَاوَنْدَ وَ كَفَاهُ أَبُو مُوسَى زَحْفَ تُسْتَرَ وَ كَفَاهُ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ زَحْفَ الشَّامِ فَإِنْ كُنْتَ سَائِراً فَخَلِّفْ عِنْدَنَا شِقَّةً مِنْكَ نَرْعَاهُ فِيكَ وَ نَذْكُرُكَ بِهِ ثُمَّ قَالَ أَبُو مَسْعُودٍ

بَكَتِ الْأَرْضُ وَ السَّمَاءُ عَلَى الشَّاخِصِ* * * -مِنَّا يُرِيدُ أَهْلَ الْعِرَاقِ‏

يَا وَزِيرَ النَّبِيِّ قَدْ عَظُمَ الْخَطْبُ* * * -وَ طَعْمُ الْفِرَاقِ مُرُّ الْمَذَاقِ‏

وَ إِذَا الْقَوْمُ خَاصَمُوكَ فَقَوْمٌ* * * -نَاكِسُو الطَّرْفِ خَاضِعُو الْأَعْنَاقِ‏

لَا يَقُولُونَ إِذْ تَقُولُ وَ إِنْ* * * -قُلْتَ فَقَوْلُ الْمُبَرِّزِ السِّبَاقِ‏

فَعُيُونُ الحجار [الْحِجَازِ تَذْرِفُ بِالدَّمْعِ* * * -وَ تِلْكَ الْقُلُوبُ عِنْدَ التَّرَاقِي‏

فَعَلَيْكَ السَّلَامُ مَا ذَرَّتْ بِهِ الشَّمْسُ* * * -وَ لَاحَ السَّرَابُ بِالرَّقْرَاقِ-

فَقَالَ قَيْسُ بْنُ سَعْدٍ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَا عَلَى الْأَرْضِ أَحَدٌ أَحَبَّ إِلَيْنَا أَنْ يُقِيمَ فِينَا مِنْكَ لِأَنَّكَ نَجْمُنَا الَّذِي نَهْتَدِي بِهِ وَ مَفْزَعُنَا الَّذِي نَصِيرُ إِلَيْهِ وَ إِنْ فَقَدْنَاكَ لَتُظْلِمَنَّ أَرْضُنَا وَ سَمَاؤُنَا وَ لَكِنْ وَ اللَّهِ لَوْ خَلَّيْتَ مُعَاوِيَةَ لِلْمَكْرِ لَيَرُومَنَّ مِصْرَ وَ لَيُفْسِدَنَّ الْيَمَنَ وَ لَيَطْمَعَنَّ فِي الْعِرَاقِ وَ مَعَهُ قَوْمٌ يَمَانِيُّونَ قَدْ أُشْرِبُوا قَتْلَ عُثْمَانَ وَ قَدِ اكْتَفَوْا بِالظَّنِّ عَنِ الْعِلْمِ وَ بِالشَّكِّ عَنِ الْيَقِينِ وَ بِالْهَوَى عَنِ الْخَيْرِ فَسِرْ بِأَهْلِ الْحِجَازِ وَ أَهْلِ الْعِرَاقِ ثُمَّ ارْمِهِ بِأَمْرٍ يَضِيقُ فِيهِ خِنَاقُهُ وَ يَقْصُرُ لَهُ مِنْ نَفَسِهِ فَقَالَ أَحْسَنْتَ وَ اللَّهِ يَا قَيْسُ وَ أَجْمَلْتَ.

وَ كَتَبَتْ أُمُّ الْفَضْلِ بِنْتُ الْحَارِثِ إِلَى عَلِيٍّ(ع)تُخْبِرُهُ بِمَسِيرِ عَائِشَةَ

70

وَ طَلْحَةَ وَ الزُّبَيْرِ فَأَزْمَعَ الْمَسِيرَ فَبَلَغَهُ تَثَاقُلُ سَعْدٍ وَ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ وَ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ فَقَالَ سَعْدٌ لَا أَشْهَرُ سَيْفاً حَتَّى يُعْرَفَ الْمُؤْمِنُ مِنَ الْكَافِرِ وَ قَالَ أُسَامَةُ لَا أُقَاتِلُ رَجُلًا يَقُولُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَ لَوْ كُنْتَ فِي زُبْيَةِ الْأَسَدِ لَدَخَلْتُ فِيهِ مَعَكَ‏

(1)

وَ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ أَعْطَانِي رَسُولُ اللَّهِ(ص)سَيْفاً وَ قَالَ إِذَا اخْتَلَفَ الْمُسْلِمُونَ فَاضْرِبْ بِهِ عَرْضَ أُحُدٍ وَ الْزَمْ بَيْتَكَ وَ تَخَلَّفَ عَنْهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ فَقَالَ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ دَعِ الْقَوْمَ أَمَّا عَبْدُ اللَّهِ فَضَعِيفٌ وَ أَمَّا سَعْدٌ فَحَسُودٌ وَ أَمَّا مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ فَذَنْبُكَ إِلَيْهِ أَنَّكَ قَتَلْتَ بِأَخِيهِ مَرْحَباً ثُمَّ قَالَ عَمَّارٌ لِمُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ أَ مَا تُقَاتِلُ الْمُحَارِبِينَ فَوَ اللَّهِ لَوْ مَالَ عَلِيٌّ جَانِباً لَمِلْتُ مَعَ عَلِيٍّ وَ قَالَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّهُ بَلَغَكَ عَنَّا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ مَا لَوْ كَانَ غَيْرُنَا لَمْ يَقُمْ مَعَكَ وَ اللَّهِ مَا كُلُّ مَا رَأَيْنَا حَلَالًا حَلَالٌ وَ لَا كُلُّ مَا رَأَيْنَا حَرَاماً حَرَامٌ وَ فِي النَّاسِ مَنْ هُوَ أَعْلَمُ بِعُذْرِ عُثْمَانَ مِمَّنْ قَتَلَهُ وَ أَنْتَ أَعْلَمُ بِحَالِنَا مِنَّا فَإِنْ كَانَ قُتِلَ ظَالِماً قَبِلْنَا قَوْلَكَ وَ إِنْ كَانَ قُتِلَ مَظْلُوماً فَاقْبَلْ قَوْلَنَا فَإِنْ وَكَلْتَنَا فِيهِ إِلَى شُبْهَةٍ فَعَجَبٌ لِيَقِينِنَا وَ شَكِّكَ وَ قَدْ قُلْتَ لَنَا عِنْدِي نَقْضُ مَا اجْتَمَعُوا عَلَيْهِ وَ فَصْلُ مَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَ قَالَ‏

كَانَ أَوْلَى أَهْلِ الْمَدِينَةِ بِالنَّصْرِ* * * -عَلِيٌّ وَ آلُ عَبْدِ مَنَافٍ‏

لِلَّذِي فِي يَدَيْهِ مِنْ حَرَمِ اللَّهِ* * * -وَ قُرْبِ الْوَلَاءِ بَعْدَ التَّصَافِي-

____________

(1) كذا في ط الكمباني من البحار، و في ط بيروت من كتاب الأمالي(ص)725: «و لو كنت في فم الأسد ...».

71

وَ كَانَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ مِنْ شِيعَةِ عُثْمَانَ وَ قَامَ الْأَشْتَرُ إِلَى عَلِيٍّ(ع)فَكَلَّمَهُ بِكَلَامٍ يَحُضُّهُ عَلَى أَهْلِ الْوُقُوفِ فَكَرِهَ ذَلِكَ عَلِيٌّ(ع)حَتَّى شَكَاهُ وَ كَانَ مِنْ رَأْيِ عَلِيٍّ(ع)أَنْ لَا يَذْكُرَهُمْ بِشَيْ‏ءٍ فَقَالَ الْأَشْتَرُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّا وَ إِنْ لَمْ نَكُنْ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَ الْأَنْصَارِ فَإِنَّا فِيهِمْ وَ هَذِهِ بَيْعَةٌ عَامَّةٌ وَ الْخَارِجُ مِنْهَا عَاصٍ وَ الْمُبْطِئُ عَنْهَا مُقَصِّرٌ وَ إِنَّ أَدَبَهُمُ الْيَوْمَ بِاللِّسَانِ وَ غَداً بِالسَّيْفِ وَ مَا مَنْ ثَقُلَ عَنْكَ كَمَنْ خَفَّ مَعَكَ وَ إِنَّمَا أَرَادَكَ الْقَوْمُ لِأَنْفُسِهِمْ فَأَرِدْهُمْ لِنَفْسِكَ فَقَالَ عَلِيٌّ(ع)يَا مَالِكُ دَعْنِي وَ أَقْبَلَ عَلِيٌّ(ع)عَلَيْهِمْ فَقَالَ أَ رَأَيْتُمْ لَوْ أَنَّ مَنْ بَايَعَ أَبَا بَكْرٍ أَوْ عُمَرَ أَوْ عُثْمَانَ ثُمَّ نَكَثَ بَيْعَتَهُ أَ كُنْتُمْ تَسْتَحِلُّونَ قِتَالَهُمْ قَالُوا نَعَمْ قَالَ وَ كَيْفَ تَحَرَّجُونَ مِنَ الْقِتَالِ مَعِي وَ قَدْ بَايَعْتُمُونِي قَالُوا إِنَّا لَا نَزْعُمُ أَنَّكَ مُخْطِئٌ وَ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ لَكَ قِتَالُ مَنْ بَايَعَكَ ثُمَّ نَكَثَ بَيْعَتَكَ وَ لَكِنْ نَشُكُّ فِي قِتَالِ أَهْلِ الصَّلَاةِ فَقَالَ الْأَشْتَرُ دَعْنِي يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أُوقِعْ بِهَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَتَخَلَّفُونَ عَنْكَ فَقَالَ لَهُ كُفَّ عَنِّي فَانْصَرَفَ الْأَشْتَرُ وَ هُوَ مُغْضَبٌ ثُمَّ إِنَّ قَيْسَ بْنَ سَعْدٍ لَقِيَ مَالِكاً الْأَشْتَرَ فِي نَفَرٍ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَ الْأَنْصَارِ فَقَالَ قَيْسٌ لِلْأَشْتَرِ يَا مَالِكُ كُلَّمَا ضَاقَ صَدْرُكَ بِشَيْ‏ءٍ أَخْرَجْتَهُ وَ كُلَّمَا اسْتَبْطَأْتَ أَمْراً اسْتَعْجَلْتَهُ إِنَّ أَدَبَ الصَّبْرِ التَّسْلِيمُ وَ أَدَبَ الْعَجَلَةِ الْأَنَاةُ وَ إِنَّ شَرَّ الْقَوْلِ مَا ضَاهَى الْعَيْبَ وَ شَرَّ الرَّأْيِ مَا ضَاهَى التُّهَمَةَ فَإِذَا ابْتُلِيتَ فَاسْأَلْ وَ إِذَا أُمِرْتَ فَأَطِعْ وَ لَا تَسْأَلْ قَبْلَ الْبَلَاءِ وَ لَا تَكَلَّفْ قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ الْأَمْرُ فَإِنَّ فِي أَنْفُسِنَا مَا فِي نَفْسِكَ فَلَا تَشُقَّ عَلَى صَاحِبِكَ فَغَضِبَ الْأَشْتَرُ ثُمَّ إِنَّ الْأَنْصَارَ مَشَوْا إِلَى الْأَشْتَرِ فِي ذَلِكَ فَرَضَّوْهُ مِنْ غَضَبِهِ فَرَضِيَ فَلَمَّا هَمَّ عَلِيٌّ(ع)بِالشُّخُوصِ قَامَ أَبُو أَيُّوبَ خَالِدُ بْنُ زَيْدِ صَاحِبُ مَنْزِلِ رَسُولِ اللَّهِ(ص)فَقَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنْ أَقَمْتَ بِهَذِهِ الْبَلْدَةِ فَإِنَّهَا مُهَاجَرُ رَسُولِ اللَّهِ(ص)وَ بِهَا قَبْرُهُ وَ مِنْبَرُهُ فَإِنِ‏

72

اسْتَقَامَتْ لَكَ الْعَرَبُ كُنْتَ كَمَنْ كَانَ قَبْلَكَ وَ إِنْ وُكِلْتَ إِلَى الْمَسِيرِ فَقَدْ أَعْذَرْتَ فَأَجَابَهُ(ع)بِعُذْرِهِ فِي الْمَسِيرِ ثُمَّ خَرَجَ لَمَّا سَمِعَ تَوَجُّهَ طَلْحَةَ وَ الزُّبَيْرِ إِلَى الْبَصْرَةِ وَ تَمَكَّثَ حَتَّى عَظُمَ جَيْشُهُ وَ أَغَذَّ السَّيْرَ فِي طَلَبِهِمْ فَجَعَلُوا لَا يَرْتَحِلُونَ مِنْ مَنْزِلٍ إِلَّا نَزَلَهُ‏

(1)

حَتَّى نَزَلَ بِذِي قَارٍ فَقَالَ وَ اللَّهِ إِنَّهُ لَيَحْزُنُنِي أَنْ أَدْخُلَ عَلَى هَؤُلَاءِ فِي قِلَّةِ مَنْ مَعِي فَأَرْسَلَ إِلَى الْكُوفَةِ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ(ع)وَ عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ وَ قَيْسَ بْنَ سَعْدٍ وَ كَتَبَ إِلَيْهِمْ كِتَاباً فَقَدِمُوا الْكُوفَةَ فَخَطَبَ النَّاسَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ(ع)فَحَمِدَ اللَّهَ وَ أَثْنَى عَلَيْهِ وَ ذَكَرَ عَلِيّاً وَ سَابِقَتَهُ فِي الْإِسْلَامِ وَ بَيْعَةَ النَّاسِ لَهُ وَ خِلَافَ مَنْ خَالَفَهُ ثُمَّ أَمَرَ بِكِتَابِ عَلِيٍّ(ع)فَقُرِئَ عَلَيْهِمْ‏

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي أُخْبِرُكُمْ عَنْ أَمْرِ عُثْمَانَ حَتَّى يَكُونَ سَمْعُهُ عِيَانَهُ إِنَّ النَّاسَ طَعَنُوا عَلَيْهِ وَ كُنْتُ رَجُلًا مِنَ الْمُهَاجِرِينَ أُكْثِرُ اسْتِعْتَابَهُ وَ أُقِلُّ عَيْبَهُ وَ كَانَ هَذَانِ الرَّجُلَانِ أَهْوَنُ سَيْرِهِمَا فِيهِ الْوَجِيفُ وَ قَدْ كَانَ مِنْ أَمْرِ عَائِشَةَ فَلْتَةٌ عَلَى غَضَبٍ فَأُتِيحَ لَهُ قَوْمٌ فَقَتَلُوهُ ثُمَّ إِنَّ النَّاسَ بَايَعُونِي غَيْرَ مُسْتَكْرَهِينَ وَ كَانَ هَذَانِ الرَّجُلَانِ أَوَّلَ مَنْ فَعَلَ عَلَى مَا بُويِعَ عَلَيْهِ مَنْ كَانَ قَبْلِي ثُمَّ إِنَّهُمَا اسْتَأْذَنَانِي فِي الْعُمْرَةِ وَ لَيْسَا يُرِيدَانِهَا فَنَقَضَا الْعَهْدَ وَ آذَنَا بِحَرْبٍ وَ أَخْرَجَا عَائِشَةَ مِنْ بَيْتِهَا لِيَتَّخِذَانِهَا فِئَةً وَ قَدْ سَارَا إِلَى الْبَصْرَةِ اخْتِيَاراً لَهَا وَ قَدْ سِرْتُ إِلَيْكُمْ اخْتِيَاراً لَكُمْ وَ لَعَمْرِي مَا إِيَّايَ تُجِيبُونَ مَا تُجِيبُونَ إِلَّا اللَّهَ وَ رَسُولَهُ وَ لَنْ أُقَاتِلَهُمْ وَ فِي نَفْسِي مِنْهُمْ حَاجَةٌ وَ قَدْ بَعَثْتُ إِلَيْكُمْ بِالْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ وَ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ وَ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ

____________

(1) في اللفظ تسامح، و المستفاد من كتب التاريخ أن البعد بينهما في الارتحال و الإقامة كان أكثر من منزل و رحيل.

73

مُسْتَنْفِرِينَ فَكُونُوا عِنْدَ ظَنِّي بِكُمْ وَ لَا حَوْلَ وَ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ‏

(1)

فَلَمَّا قُرِئَ الْكِتَابُ عَلَى النَّاسِ قَامَ خُطَبَاءُ الْكُوفَةِ شُرَيْحُ بْنُ هَانِي وَ غَيْرُهُ فَقَالُوا وَ اللَّهِ لَقَدْ أَرَدْنَا أَنْ نَرْكَبَ إِلَى الْمَدِينَةِ حَتَّى نَعْلَمَ عِلْمَ عُثْمَانَ فَقَدْ أَنْبَأَنَا اللَّهُ بِهِ فِي بُيُوتِنَا ثُمَّ بَذَلُوا السَّمْعَ وَ الطَّاعَةَ وَ قَالُوا رَضِينَا بِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ وَ نُطِيعُ أَمْرَهُ وَ لَا نَتَخَلَّفُ عَنْ دَعْوَتِهِ وَ اللَّهِ لَوْ لَمْ يَسْتَنْصِرْنَا لَنَصَرْنَاهُ سَمْعاً وَ طَاعَةً فَلَمَّا سَمِعَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ(ع)ذَلِكَ قَامَ خَطِيباً فَقَالَ أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّهُ قَدْ كَانَ مِنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٍّ مَا تَكْفِيكُمْ جُمْلَتُهُ وَ قَدْ أَتَيْنَاكُمْ مُسْتَنْفِرِينَ لَكُمْ لِأَنَّكُمْ جَبْهَةُ الْأَمْصَارِ وَ رُؤَسَاءُ الْعَرَبِ وَ قَدْ كَانَ مِنْ نَقْضِ طَلْحَةَ وَ الزُّبَيْرِ بَيْعَتَهُمَا وَ خُرُوجِهِمَا بِعَائِشَةَ مَا قَدْ بَلَغَكُمْ وَ هُوَ ضَعْفُ النِّسَاءِ وَ ضَعْفُ رَأْيِهِنَّ وَ قَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى‏

الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ

وَ ايْمُ اللَّهِ لَوْ لَمْ يَنْصُرْهُ أَحَدٌ لَرَجَوْتُ أَنْ يَكُونَ لَهُ فِيمَنْ أَقْبَلَ مَعَهُ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَ الْأَنْصَارِ وَ مَنْ يَبْعَثُ اللَّهُ لَهُ مِنْ نُجَبَاءِ النَّاسِ كِفَايَةٌ فَانْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ ثُمَّ جَلَسَ وَ قَامَ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ فَقَالَ يَا أَهْلَ الْكُوفَةِ إِنْ كَانَتْ غَابَتْ عَنْكُمْ أَبْدَانُنَا فَقَدِ انْتَهَتْ إِلَيْكُمْ أُمُورُنَا إِنَّ قَاتِلِي عُثْمَانَ لَا يَعْتَذِرُونَ إِلَى النَّاسِ وَ قَدْ جَعَلُوا كِتَابَ اللَّهِ بَيْنَهُمْ وَ بَيْنَ مُحَاجِّيهِمْ أَحْيَا مَنْ أَحْيَا وَ قَتَلَ مَنْ قَتَلَ وَ إِنَّ طَلْحَةَ وَ الزُّبَيْرَ أَوَّلُ مَنْ طَعَنَ وَ آخِرُ مَنْ أَمَرَ ثُمَّ بَايَعَا أَوَّلَ مَنْ بَايَعَ فَلَمَّا أَخْطَأَهُمَا مَا أَمَّلَا نَكَثَا بَيْعَتَهُمَا عَلَى غَيْرِ حَدَثٍ كَانَ وَ هَذَا ابْنُ الرَّسُولِ يَسْتَنْفِرُكُمْ فِي الْمُهَاجِرِينَ وَ الْأَنْصَارِ فَانْصُرُوا يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ وَ قَامَ قَيْسُ بْنُ سَعْدٍ فَحَمِدَ اللَّهَ وَ أَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ هَذَا الْأَمْرَ لَوِ اسْتَقْبَلْنَا بِهِ الشُّورَى لَكَانَ عَلِيٌّ أَحَقَّ النَّاسِ بِهِ فِي سَابِقَتِهِ وَ هِجْرَتِهِ وَ عِلْمِهِ وَ كَانَ قِتَالُ مَنْ أَبَى ذَلِكَ حَلَالًا وَ كَيْفَ وَ الْحُجَّةُ قَامَتْ عَلَى طَلْحَةَ وَ الزُّبَيْرِ وَ قَدْ بَايَعَاهُ وَ خَلَعَاهُ حَسَداً

____________

(1) و لفظ كتابه (عليه السلام) هذا قريب جدا ممّا رواه السيّد الرضي في المختار الأوّل من باب الكتب من نهج البلاغة.

74

فَقَامَ خُطَبَاؤُهُمْ فَأَسْرَعُوا الرَّدَّ بِالْإِجَابَةِ فَقَالَ النَّجَاشِيُّ فِي ذَلِكَ‏

رَضِينَا بِقَسْمِ اللَّهِ إِذْ كَانَ قَسْمُنَا* * * -عَلِيٌّ وَ أَبْنَاءُ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ

وَ قُلْنَا لَهُ أَهْلًا وَ سَهْلًا وَ مَرْحَباً* * * -نُقَبِّلُ يَدَيْهِ مِنْ هَوًى وَ تَوَدُّدٍ

فَمُرْنَا بِمَا تَرْضَى نُجِبْكَ إِلَى الرِّضَا* * * -بِصَمِّ الْعَوَالِي وَ الصَّفِيحِ الْمُهَنَّدِ

وَ تَسْوِيدِ مَنْ سَوَّدْتَ غَيْرَ مَدَافِعَ* * * -وَ إِنْ كَانَ مَنْ سَوَّدْتَ غَيْرَ مُسَوَّدٍ

فَإِنْ نِلْتَ مَا تَهْوَى فَذَاكَ نُرِيدُهُ* * * -وَ إِنْ تَخْطَ مَا تَهْوَى فَغَيْرُ تَعَمُّدٍ-

وَ قَالَ قَيْسُ بْنُ سَعْدٍ حِينَ أَجَابَ أَهْلُ الْكُوفَةِ

جَزَى اللَّهُ أَهْلَ الْكُوفَةِ الْيَوْمَ نُصْرَةً* * * -أَجَابُوا وَ لَمْ يَأْتُوا بِخِذْلَانِ مَنْ خَذَلَ‏

وَ قَالُوا عَلِيٌّ خَيْرُ حَافٍ وَ نَاعِلٍ* * * -رَضِينَا بِهِ مِنْ نَاقِضِ الْعَهْدِ مِنْ بَدَلٍ‏

هُمَا أَبْرَزَا زَوْجَ النَّبِيِّ تَعَمُّداً* * * -يَسُوقُ بِهَا الْحَادِي الْمُنِيخُ عَلَى جَمَلٍ‏

فَمَا هَكَذَا كَانَتْ وُصَاةُ نَبِيِّكُمْ* * * -وَ مَا هَكَذَا الْإِنْصَافُ أَعْظَمَ بِذَا الْمَثَلِ‏

فَهَلْ بَعْدَ هَذَا مِنْ مَقَالٍ لِقَائِلٍ* * * -إِلَّا قَبَّحَ اللَّهُ الْأَمَانِيَّ وَ الْعِلَلَ-

فَلَمَّا فَرَغَ الْخُطَبَاءُ وَ أَجَابَ النَّاسُ قَامَ أَبُو مُوسَى فَخَطَبَ النَّاسَ وَ أَمَرَهُمْ بِوَضْعِ السِّلَاحِ وَ الْكَفِّ عَنِ الْقِتَالِ ثُمَّ قَالَ أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَيْنَا دِمَاءَنَا وَ أَمْوَالَنَا فَقَالَ‏

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ‏

...

وَ لا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً

وَ قَالَ‏

وَ مَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها

يَا أَهْلَ الْكُوفَةِ.

هذا تمام الحديث.

بيان شقة الثوب و العصا بالكسر ما شق منه مستطيلا و لعلها كناية استعيرت هنا للأولاد و ترقرق تحرك و الشي‏ء لمع و الشمس صارت كأنها تدور.

قوله(ع)في نفسي منهم حاجة أي لا أعلمهم مسلمين و لا أنتظر رجوعهم و عالية الرمح ما دخل في السنان إلى ثلثه و الصفيحة السيف العريض و المهند السيف المطبوع من حديد الهند.

75

49

(1)

-

نهج، نهج البلاغة وَ مِنْ كَلَامٍ لَهُ(ع)قَالَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْعَبَّاسِ لَمَّا أَنْفَذَهُ إِلَى الزُّبَيْرِ يَسْتَفِيئُهُ إِلَى طَاعَتِهِ قَبْلَ حَرْبِ الْجَمَلِ‏

لَا تَلْقَيَنَّ طَلْحَةَ فَإِنَّكَ إِنْ تَلْقَهُ تَجِدْهُ كَالثَّوْرِ عَاقِصاً قَرْنَهُ يَرْكَبُ الصَّعْبَ وَ يَقُولُ هُوَ الذَّلُولُ وَ لَكِنِ الْقَ الزُّبَيْرَ فَإِنَّهُ أَلْيَنُ عَرِيكَةً فَقُلْ لَهُ يَقُولُ لَكَ ابْنُ خَالِكَ عَرَفْتَنِي بِالْحِجَازِ وَ أَنْكَرْتَنِي بِالْعِرَاقِ فَمَا عَدَا مِمَّا بَدَا.

قال السيد رضي الله عنه هو(ع)أول من سمعت منه هذه الكلمة أعني فما عدا مما بدا.

بيان يستفيئه أي يسترجعه إن تلقه تجده و في رواية إن تلفه تلفه بالفاء أي تجده عاقصا أي عاطفا قد التوى قرناه على أذنيه يقال عقص شعره أي ضفره و فتله و الأعقص من التيوس و غيرها ما التوى قرناه على أذنيه من خلفه و عاقصا إما مفعول ثان لتجده أو حال عن الثور يركب الصعب أي يستهين المستصعب من الأمور و العريكة الطبيعة.

و التعبير بابن الخال كقول هارون لموسى يا ابن أم للاستمالة بالإذكار بالنسب و الرحم.

قوله(ع)فما عدا مما بدا قال ابن أبي الحديد معنى الكلام فما صرفك عما بدا منك أي ظهر أي ما الذي صدّك عن طاعتي بعد إظهارك لها و مِن هاهنا بمعنى عن و قد جاءت في كثير من كلامهم و حذف ضمير المفعول كثير جدا.

و قال الراوندي له معنيان أحدهما ما الذي منعك مما كان قد بدا منك من البيعة قبل هذه الحالة الثاني ما الذي عاقك من البداء الذي يبدو

____________

(1). 49- ذكره السيّد الرضي (رحمه اللّه) في المختار: (31) من كتاب نهج البلاغة.

و للكلام مصادر و أسانيد ذكر بعضها في المختار: (94) من كتاب نهج السعادة:

ج 1،(ص)306 ط 2.

76

للإنسان و يكون المفعول الأول لعدا محذوفا يدل عليه الكلام أي ما عداك يريد ما منعك عما كان بدا لك من نصرتي.

و قال ابن ميثم أقول هذه الوجوه و إن احتملت أن تكون تفسيرا إلا أن في كل منها عدولا عن الظاهر و الحق أن يقال إن عدا بمعنى جاوز و من لبيان الجنس و المراد ما الذي جاوز لك عن بيعتي مما بدا لك بعدها من الأمور التي ظهرت لك و تبقى الألفاظ على أوضاعها الأصلية مع استقامة المعنى و حسنه.

4، 1-

وَ رُوِيَ عَنِ الصَّادِقِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ(ع)قَالَ:

سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ تِلْكَ الرِّسَالَةِ فَقَالَ بَعَثَنِي فَأَتَيْتُ الزُّبَيْرَ فَقُلْتُ لَهُ فَقَالَ إِنِّي أُرِيدُ مَا تُرِيدُ كَأَنَّهُ يَقُولُ الْمُلْكَ وَ لَمْ يَزِدْنِي عَلَى ذَلِكَ فَرَجَعْتُ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ فَأَخْبَرْتُهُ.

50

(1)

-

نهج، نهج البلاغة وَ مِنْ خُطْبَةٍ لَهُ(ع)

عِنْدَ خُرُوجِهِ لِقِتَالِ أَهْلِ الْبَصْرَةِ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْعَبَّاسِ دَخَلْتُ عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ بِذِي قَارٍ وَ هُوَ يَخْصِفُ نَعْلَهُ فَقَالَ لِي مَا قِيمَةُ هَذِهِ النَّعْلِ فَقُلْتُ لَا قِيمَةَ لَهَا قَالَ وَ اللَّهِ لَهِيَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ إِمْرَتِكُمْ إِلَّا أَنْ أُقِيمَ حَقّاً أَوْ أَدْفَعَ بَاطِلًا ثُمَّ خَرَجَ فَخَطَبَ النَّاسَ فَقَالَ إِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ بَعَثَ مُحَمَّداً (صلّى اللّه عليه و آله) وَ لَيْسَ أَحَدٌ مِنَ الْعَرَبِ يَقْرَأُ كِتَاباً وَ لَا يَدَّعِي نُبُوَّةً فَسَاقَ النَّاسَ حَتَّى بَوَّأَهُمْ مَحَلَّتَهُمْ وَ بَلَّغَهُمْ مَنْجَاتَهُمْ فَاسْتَقَامَتْ قَنَاتُهُمْ وَ اطْمَأَنَّتْ صَفَاتُهُمْ أَمَا وَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُ لَفِي سَاقَتِهَا حَتَّى تَوَلَّتْ بِحَذَافِيرِهَا مَا عَجَزْتُ وَ لَا جَبُنْتُ وَ إِنَّ مَسِيرِي هَذَا لِمِثْلِهَا فَلَأَنْقُبَنَّ الْبَاطِلَ حَتَّى يَخْرُجَ الْحَقُّ مِنْ جَنْبِهِ مَا لِي وَ لِقُرَيْشٍ وَ اللَّهِ لَقَدْ قَاتَلْتُهُمْ كَافِرِينَ وَ لَأُقَاتِلَنَّهُمْ مَفْتُونِينَ وَ إِنِّي لَصَاحِبُهُمْ بِالْأَمْسِ كَمَا أَنَا صَاحِبُهُمُ الْيَوْمَ.

____________

(1). 50- ذكره السيّد الرضي رفع اللّه مقامه في المختار: (33) من نهج البلاغة.

77

بيان ذو قار موضع قريب من البصرة حتى بوّأهم أي أسكنهم محلتهم أي ضرب الناس بسيفه على الإسلام حتى أوصلهم إليه.

و قال ابن ميثم المراد بالقناة القوة و الغلبة و الدولة التي حصلت لهم مجازا من باب إطلاق السبب على المسبب فإن الرمح أو الظهر سبب للقوة و الغلبة و الصَّفاة الحجارة الملساء أي كانوا قبل الإسلام متزلزلين في أحوالهم بالنهب و الغارة و أمثالها.

إن كنت لفي ساقتها هي جمع سائق كحائك و حاكة ثم استعملت للأخير لأن السائق إنما يكون في آخر الركب و الجيش و شبه أمر الجاهلية إما بعجاجة ثائرة أو بكتيبة مقبلة للحرب فقال إني طردتها فولت بين يدي أطردها حتى لم يبق منها شي‏ء لمثلها أي لمثل تلك الحالة التي كنت عليها معهم في زمن الرسول(ص)فلأنقبن و في بعض النسخ لأبقرن الباطل حتى أخرج الحق من خاصرته شبه(ع)الباطل بحيوان ابتلع جوهرا ثمينا أعن منه فاحتيج إلى شق بطنه في استخلاص ما ابتلع.

و في نسخة ابن أبي الحديد بعد قوله(ع)صاحبهم اليوم و الله ما تنقم منا قريش إلا أن الله اختارنا عليهم فأدخلناهم في حيزنا كما قال الأول:

أدمت لعمري شربك المحض صابحا* * * و أكلك بالزبد المقشرة البجرا

و نحن وهبناك العلاء و لم تكن* * * عليا و حطنا حولك الجرد و السمرا

أقول المقشرة التمرة التي أخرج منها نواتها و البجر بالضم الأمر العظيم و العجب و لعله هنا كناية عن الكثرة أو الحسن أو اللطافة و يحتمل أن يكون مكان المفعول المطلق يقال بجر كفرح فهو بجر امتلأ بطنه من اللبن و الماء و لم يرو و تبجر النبيذ ألح في شربه و كثير بجير إتباع و الجرد بالضم جمع الأجرد و هو الفرس الذي رقت شعرته و قصرت و هو مدح و السمر جمع الأسمر و هو الرمح.

78

51

(1)

-

نهج، نهج البلاغة وَ مِنْ كَلَامٍ لَهُ(ع)

فِي مَعْنَى طَلْحَةَ وَ الزُّبَيْرِ وَ اللَّهِ مَا أَنْكَرُوا عَلَيَّ مُنْكَراً وَ لَا جَعَلُوا بَيْنِي وَ بَيْنَهُمْ نَصَفاً وَ إِنَّهُمْ لَيَطْلُبُونَ حَقّاً تَرَكُوهُ وَ دَماً سَفَكُوهُ فَإِنْ كُنْتُ شَرِيكَهُمْ فِيهِ فَإِنَّ لَهُمْ نَصِيبَهُمْ مِنْهُ وَ إِنْ كَانُوا وَلُوهُ دُونِي فَمَا الطَّلِبَةُ إِلَّا قِبَلَهُمْ وَ إِنَّ أَوَّلَ عَدْلِهِمْ لَلْحُكْمُ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَ إِنَّ مَعِي لَبَصِيرَتِي وَ اللَّهِ مَا لَبَسْتُ وَ لَا لُبِسَ عَلَيَّ وَ إِنَّهَا لَلْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ فِيهَا الْحَمَأُ وَ الْحُمَّةُ وَ الشُّبْهَةُ الْمُغْدِفَةُ وَ إِنَّ الْأَمْرَ لَوَاضِحٌ وَ قَدْ زَاحَ الْبَاطِلُ عَنْ نِصَابِهِ وَ انْقَطَعَ لِسَانُهُ عَنْ شَغْبِهِ وَ ايْمُ اللَّهِ لَأُفْرِطَنَّ لَهُمْ حَوْضاً أَنَا مَاتِحُهُ لَا يَصْدُرُونَ عَنْهُ بِرِيٍّ وَ لَا يَعُبُّونَ بَعْدَهُ فِي حَسْيٍ وَ مِنْهَا فَأَقْبَلْتُمْ إِلَيَّ إِقْبَالَ الْعُوذِ الْمَطَافِيلِ عَلَى أَوْلَادِهَا تَقُولُونَ الْبَيْعَةَ الْبَيْعَةَ قَبَضْتُ كَفِّي فَبَسَطْتُمُوهَا وَ نَازَعْتُكُمْ يَدِي فَجَاذَبْتُمُوهَا اللَّهُمَّ إِنَّهُمَا قَطَعَانِي وَ ظَلَمَانِي وَ نَكَثَا بَيْعَتِي وَ أَلَّبَا النَّاسَ عَلَيَّ فَاحْلُلْ مَا عَقَدَا وَ لَا تُحْكِمْ لَهُمَا مَا أَبْرَمَا وَ أَرِهِمَا الْمَسَاءَةَ فِيمَا أَمَّلَا وَ عَمِلَا وَ لَقَدِ اسْتَثَبْتُهُمَا قَبْلَ الْقِتَالِ وَ اسْتَأْنَيْتُ بِهِمَا أَمَامَ الْوِقَاعِ فَغَمَطَا النِّعْمَةَ وَ رَدَّا الْعَافِيَةَ

(2)

.

تبيين النصف بالكسر و التحريك الإنصاف و العدل أي إنصافا أو حكما ذا إنصاف و يقال ولي أمرا أي قام به و الطلِبة بكسر اللام ما طلبته من شي‏ء و قال في النهاية لبست الأمر بالفتح إذا خلطت بعضه ببعض و ربما شدد للتكثير.

و قال ابن أبي الحديد الحماء الطين الأسود و حمة العقرب سمها أي في هذه الفئة الضلال و الفساد و يروى الحمى بألف مقصورة و هو كناية عن الزبير

____________

(1). أورده السيّد الرضي رفع اللّه مقامه في المختار: (35) من كتاب نهج البلاغة.

(2) الوقاع على زنة القتال لفظا و معنى.

79

لأن كل من كان نسيب الرجل فهم الأحماء واحدهم حما مثل قفا و أقفاء و ما كان نسيب المرأة فهم الأختان فأما الأصهار فيجمع الجهتين و كان الزبير ابن عمة رسول الله ص‏

- و قد كان النبي (صلّى اللّه عليه و آله) أعلم عليا بأن فئة تبغي عليه في أيام خلافته فيها بعض زوجاته و بعض أحمائه.

فكنى(ع)عن الزوجة بالحمة و هي سم للعقرب و الحماء يضرب مثلا لغير الطيب الغير الصافي.

و قال ابن ميثم المغدفة الخفية و أصله المرأة تغدف وجهها أي تستره و روي المغذفة بكسر الذال من أغذف أي أظلم و هي إشارة إلى شبهتهم في الطلب بدم عثمان و قد زاح الباطل أي بعد و ذهب عن نصابه أي مركزه و مقره و الشغب بالتسكين تهييج الشر و قد يحرك و العب الشرب بلا مص و الحسي ماء كامن في رمل يحفر عنه فيستخرج و يكون باردا عذبا (1) و هذه كناية عن الحرب و الهيجاء و تهديد بهما و ما يتعقبهما من القتل و الهلاك.

و قال الجوهري العوذ حديثات النتائج من الظباء و الخيل و الإبل واحدها عائد مثل حائل و حول و ذلك إذا ولدت عشرة أيام أو خمسة عشر يوما ثم هي مطفل.

و في القاموس المطفل كمحسن ذات الطفل من الأنس و الوحش و الجمع مطافيل.

و قيل إن في الجمع بين الوصفين تجوز و على ما في القاموس لا يحتاج إلى ذلك و ألَّبا بتشديد اللام من التأليب و هو التحريض قوله و استثبتهما استفعال من ثاب يثوب إذا رجع أي طلبت منهما أن يرجعا و روي بالتاء المثناة من التوبة و استأنيت أي انتظرت من الإناءة فغمطا بالكسر أي حقرا.

____________

(1) و قال ابن ميثم: و «الحسي» بكسر الحاء و سكون السين: الماء الذي يشربه الرمل فينتهي إلى أرض صلبة تحفظه ثمّ يحفر عنه فيستخرج.

80

52

(1)

-

نهج، نهج البلاغة وَ مِنْ خُطْبَةٍ لَهُ(ع)فِي ذِكْرِ أَهْلِ الْبَصْرَةِ (2)

كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَرْجُو الْأَمْرَ لَهُ وَ يَعْطِفُهُ عَلَيْهِ دُونَ صَاحِبِهِ لَا يَمُتَّانِ بِحَبْلٍ وَ لَا يَمُدَّانِ إِلَيْهِ بِسَبَبٍ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبُ [حَامِلُ‏] ضَبٍّ لِصَاحِبِهِ وَ عَمَّا قَلِيلٍ يُكْشَفُ قِنَاعُهُ بِهِ وَ اللَّهِ لَئِنْ أَصَابُوا الَّذِي يُرِيدُونَ لَيَنْتَزِعَنَّ هَذَا نَفْسَ هَذَا وَ لَيَأْتِيَنَّ هَذَا عَلَى هَذَا قَدْ قَامَتِ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ فَأَيْنَ الْمُحْتَسِبُونَ وَ قَدْ سُنَّتْ لَهُمُ السُّنَنُ وَ قُدِّمَ لَهُمُ الْخَبَرُ وَ لِكُلِّ ضَلَّةٍ عِلَّةٌ وَ لِكُلِّ نَاكِثٍ شُبْهَةٌ وَ اللَّهِ لَا أَكُونُ كَمُسْتَمِعِ اللَّدْمِ يَسْمَعُ النَّاعِيَ وَ يَحْضُرُ الْبَاكِيَ ثُمَّ لَا يَعْتَبِرُ.

إيضاح قوله(ع)كل واحد منهما أي طلحة و الزبير لا يمتان قال في النهاية المت التوسل و التوصل بحرمة أو قرابة أو غير ذلك و قال السبب في الأصل الحبل الذي يتوصل به إلى ماء ثم استعير لكل ما يتوصل به إلى شي‏ء كقوله تعالى‏ وَ تَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبابُ‏ أي الوصل و المودات و قال الضب الغضب و الحقد و الظاهر أن الضمير المجرور في قناعه راجع إلى كل واحد منهما و الباء في به للسببية و الضمير للضب يكشف قناعه الذي استتر به و يظهر حاله بسبب حقده و بغضه فأين المحتسبون أي العاملون لله و الطالبون للأجر و يقال أيضا احتسب عليه أي أنكر و تقديم الخبر هو إخبار النبي(ص)بقتال الناكثين و القاسطين و المارقين و ضمير في قوله لهم في الموضعين للمحتسبين أو للفئة الباغية و علة ضلتهم هي البغي و الحسد و شبهتهم في نكث البيعة الطلب بدم‏

____________

(1). 52- رواه السيّد الرضي (قدس اللّه نفسه) في المختار: (52) من كتاب نهج البلاغة.

(2) كذا في طبع الكمباني من البحار، و المذكور فيما لدى من نسخ المطبوعة من نهج البلاغة: «و من كلام له (عليه السلام) ...».

81

عثمان كما قيل أو المعنى أن لكل ضلالة غالبا علة و لكل ناكث شبهة بخلاف هؤلاء فإنهم يعدلون عن الحق مع وضوحه بغير عذر و شبهة.

و مستمع اللدم الضبع و اللدم هو صوت الحجر يضرب به الأرض أو حيلة يفعلها الصائد عند باب جحرها فتنام و لا تتحرك حتى يجعل الحبل في عرقوبها فيخرجها و المعنى لا أغتر و لا أغفل عن كيد الأعداء فاستمع الناعي بقتل طائفة من المسلمين و يحضر الباكي على قتلاهم فلا أحاربهم حتى يحيطوا بي.

و قيل لا أكون كمن يسمع الضرب و البكاء ثم لا يصدق حتى يجي‏ء لمشاهدة الحال.

و قال الجوهري اللدم ضرب المرأة صدرها و عضديها في النياحة.

53

(1)

-

نهج، نهج البلاغة وَ مِنْ كَلَامٍ لَهُ ع: عِنْدَ مَسِيرِ أَصْحَابِ الْجَمَلِ إِلَى الْبَصْرَةِ

إِنَّ اللَّهَ بَعَثَ رَسُولًا هَادِياً بِكِتَابٍ نَاطِقٍ وَ أَمْرٍ قَائِمٍ لَا يَهْلِكُ عَنْهُ إِلَّا هَالِكٌ وَ إِنَّ الْمُبْتَدَعَاتِ الْمُشَبَّهَاتِ هُنَّ مِنَ الْمُهْلِكَاتِ إِلَّا مَا حَفِظَ اللَّهُ مِنْهَا [كَذَا] وَ إِنَّ فِي سُلْطَانِ اللَّهِ عِصْمَةً لِأَمْرِكُمْ فَأَعْطُوهُ طَاعَتَكُمْ غَيْرَ مُلَوَّمَةٍ وَ لَا مُسْتَكْرَهٍ بِهَا وَ اللَّهِ لَتَفْعَلُنَّ أَوْ لَيَنْقُلَنَّ اللَّهُ عَنْكُمْ سُلْطَانَ الْإِسْلَامِ ثُمَّ لَا يَنْقُلُهُ إِلَيْكُمْ أَبَداً حَتَّى يَأْرِزَ الْأَمْرُ إِلَى غَيْرِكُمْ إِنَّ هَؤُلَاءِ قَدْ تَمَالَئُوا عَلَى سَخْطَةِ إِمَارَتِي وَ سَأَصْبِرُ مَا لَمْ أَخَفْ عَلَى جَمَاعَتِكُمْ فَإِنَّهُمْ إِنْ تَمَّمُوا عَلَى فَيَالَةِ هَذَا الرَّأْيِ انْقَطَعَ نِظَامُ الْمُسْلِمِينَ وَ إِنَّمَا طَلَبُوا هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَداً لِمَنْ أَفَاءَهَا اللَّهُ عَلَيْهِ فَأَرَادُوا رَدَّ الْأُمُورِ عَلَى أَدْبَارِهَا وَ لَكُمْ عَلَيْنَا الْعَمَلُ بِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَ سِيرَةِ رَسُولِ اللَّهِ(ص)وَ الْقِيَامُ بِحَقِّهِ وَ النَّعْشُ لِسُنَّتِهِ.

____________

(1). 53- ذكره السيّد الرضي رضي اللّه عنه في المختار: (167) من كتاب نهج البلاغة.

82

بيان: و أمر قائم أي باق و حكمه غير منسوخ و قيل أي مستقيم ليس بذي عوج لا يهلك عنه أي معرضا و عادلا عنه إلا هالك أي من بلغ الغاية في الهلاك و المشبهات بالفتح أي التي أشبهت السنن و ليست منها أو بالكسر أي التي تشبه الأمر على الناس.

و قوله(ع)إلا ما حفظ الله استثناء من بعض متعلقات المهلكات أي أنها مهلكة في جميع الأحوال إلا حال حفظ الله بالعصمة عن ارتكابها أو كل أحد إلا من حفظه الله فما بمعنى من.

قوله(ع)و إن في سلطان الله أو دين الله أو حجة الله أو الإمام أي في طاعته.

قوله(ع)غير ملومة أي مخلصين غير ملوم صاحبها بأن ينسب إلى النفاق و الرياء.

و في بعض النسخ على التفعيل للمبالغة و يروى غير ملوية أي غير معوجة من لويت العود إذا عطفته.

قوله حتى يأرز أي ينقبض و ينضم و يجتمع.

إن هؤلاء أي طلحة و الزبير و عائشة قد تمالئوا أي تساعدوا و اجتمعوا أو تعاونوا و الفيالة الضعف أي إن بقوا على ضعف رأيهم قطعوا نظام المسلمين و الفي‏ء الرجوع.

قوله فأرادوا رد الأمور أي أرادوا انتزاع الأمر منه(ع)كما انتزع أولا و النعش الرفع و الضميران في حقه و سنته راجعان إلى الرسول.

54

(1)

-

نهج، نهج البلاغة وَ مِنْ كَلَامِهِ ع: فِي ذِكْرِ السَّائِرِينَ إِلَى الْبَصْرَةِ لِحَرْبِهِ‏

____________

(1). 54- رواها السيّد الرضي رفع اللّه مقامه في المختار: (216) من كتاب نهج البلاغة.

83

ع‏

فَقَدِمُوا عَلَى عُمَّالِي وَ خُزَّانِ بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ الَّذِي فِي يَدَيَّ وَ عَلَى أَهْلِ مِصْرٍ كُلُّهُمْ فِي طَاعَتِي وَ عَلَى بَيْعَتِي فَشَتَّتُوا كَلِمَتَهُمْ وَ أَفْسَدُوا عَلَى جَمَاعَتِهِمْ وَ وَثَبُوا عَلَى شِيعَتِي فَقَتَلُوا طَائفَةً منْهُمْ غَدْراً وَ طَائِفَةٌ عَضُّوا عَلَى أَسْيَافِهِمْ فَضَارَبُوا حَتَّى لَقُوا اللَّهَ صَادِقِينَ.

توضيح شتته فرقه و قال ابن الأثير في النهاية أصل العض اللزوم يقال عض عليه عضا و عضيضا إذا لزمه انتهى أي طائفة من الشيعة لزموا سيوفهم و يروى طائفة بالنصب أي و قتلوا طائفة شأنهم ذلك.

55

(1)

-

نهج، نهج البلاغة وَ مِنْ كَلَامٍ لَهُ(ع)

كَلَّمَ بِهِ بَعْضَ الْعَرَبِ وَ قَدْ أَرْسَلَهُ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ لَمَّا قَرُبَ(ع)مِنْهَا يَعْلَمُ لَهُمْ مِنْهُ حَقِيقَةَ حَالِهِ مَعَ أَصْحَابِ الْجَمَلِ لِتَزُولَ الشُّبْهَةُ مِنْ نُفُوسِهِمْ فَبَيَّنَ لَهُ(ع)مِنْ أَمْرِهِ مَعَهُمْ مَا عَلِمَ بِهِ أَنَّهُ عَلَى الْحَقِّ ثُمَّ قَالَ لَهُ بَايِعْ فَقَالَ إِنِّي رَسُولُ قَوْمٍ وَ لَا أُحْدِثُ حَدَثاً حَتَّى أَرْجِعَ إِلَيْهِمْ فَقَالَ(ع)أَ رَأَيْتَ لَوْ أَنَّ الَّذِينَ وَرَاءَكَ بَعَثُوكَ رَائِداً تَبْتَغِي لَهُمْ مَسَاقِطَ الْغَيْثِ فَرَجَعْتَ إِلَيْهِمْ وَ أَخْبَرْتَهُمْ عَنِ الْكَلَإِ وَ الْمَاءِ فَخَالَفُوكَ إِلَى الْمَعَاطِشِ وَ الْمَجَادِبِ مَا كُنْتَ صَانِعاً قَالَ كُنْتُ تَارِكَهُمْ وَ مُخَالِفَهُمْ إِلَى الْكَلَإِ وَ الْمَاءِ فَقَالَ لَهُ(ع)فَامْدُدْ إِذاً يَدَكَ فَقَالَ الرَّجُلُ فَوَ اللَّهِ مَا اسْتَطَعْتُ أَنْ أَمْتَنِعَ عِنْدَ قِيَامِ الْحُجَّةِ عَلَيَّ فَبَايَعْتُهُ(ع)

(2)

.

و الرجل يعرف بكليب الجرمي.

____________

(1). 55- أورده السيّد الرضي (رحمه اللّه) في المختار: (168) من كتاب نهج البلاغة.

(2) كذا في غير واحد من مطبوعة نهج البلاغة و في ط الكمباني من البحار: «فبايعه».

84

بيان المجادب محال الجدب.

56

(1)

-

نهج، نهج البلاغة

مِنْ كِتَابٍ لَهُ ع: إِلَى أَهْلِ الْكُوفَةِ عِنْدَ مَسِيرِهِ مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى الْبَصْرَةِ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ عَلِيٍّ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى أَهْلِ الْكُوفَةِ جَبْهَةِ الْأَنْصَارِ وَ سَنَامِ الْعَرَبِ أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي أُخْبِرُكُمْ فِي أَمْرِ عُثْمَانَ حَتَّى يَكُونَ سَمْعُهُ كَعِيَانِهِ إِنَّ النَّاسَ طَعَنُوا عَلَيْهِ فَكُنْتُ رَجُلًا مِنَ الْمُهَاجِرِينَ أُكْثِرُ اسْتِعْتَابَهُ وَ أُقِلُّ عِتَابَهُ وَ كَانَ طَلْحَةُ وَ الزُّبَيْرُ أَهْوَنُ سَيْرِهِمَا فِيهِ الْوَجِيفُ وَ أَرْفَقُ حِدَائِهِمَا الْعَنِيفُ وَ كَانَ مِنْ عَائِشَةَ فِيهِ فَلْتَةُ غَضَبٍ فَأُتِيحَ لَهُ قَوْمٌ قَتَلُوهُ وَ بَايَعَنِي النَّاسُ غَيْرَ مُسْتَكْرَهِينَ وَ لَا مُجْبَرِينَ بَلْ طَائِعِينَ مُخَيَّرِينَ وَ اعْلَمُوا أَنَّ دَارَ الْهِجْرَةِ قَدْ قَلَعَتْ بِأَهْلِهَا وَ قَلَعُوا بِهَا وَ جَاشَتْ جَيْشَ الْمِرْجَلِ وَ قَامَتِ الْفِتْنَةُ عَلَى الْقُطْبِ فَأَسْرِعُوا إِلَى أَمِيرِكُمْ وَ بَادِرُوا جِهَادَ عَدُوِّكُمْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ.

57

(2)

-

وَ مِنْ كِتَابٍ لَهُ ع: إِلَيْهِمْ بَعْدَ فَتْحِ الْبَصْرَةِ-

وَ جَزَاكُمُ اللَّهُ مِنْ أَهْلِ مِصْرٍ عَنْ أَهْلِ بَيْتِ نَبِيِّكُمْ أَحْسَنَ مَا يَجْزِي الْعَامِلِينَ بِطَاعَتِهِ وَ الشَّاكِرِينَ لِنِعْمَتِهِ فَقَدْ سَمِعْتُمْ وَ أَطَعْتُمْ وَ دُعِيتُمْ فَأَجَبْتُمْ.

بيان: أكثر استعتابه أي أكثر طلب العتبى منه و الرجوع إلى ما يرضى به القوم منه و أقل عتابه أي لائمته على وجه الإذلال و المؤاخذة إما لعدم النفع أو للمصلحة و الوجيف السير السريع قوله(ع)فلتة غضب أي فجاءة غضب و الحاصل أن هؤلاء الثلاثة كانوا أشد الناس عليه فأتيح له أي قدر و هيئ و جاشت غلت و المرجل القدر من النحاس و دار الهجرة المدينة و الغرض إعلامهم باضطراب حال المدينة و أهلها حين علموا بمسير القوم إلى البصرة للفتنة.

____________

(1). 56- و هذا هو المختار الأوّل من الباب الثاني- و هو باب الكتب- من نهج البلاغة.

(2). 57- و هذا هو المختار الثاني من الباب الثاني من نهج البلاغة.

85

أقول قال ابن ميثم رحمه الله كتب(ع)كتاب الأول حين نزل بماء العذيب متوجها إلى البصرة و بعثه مع الحسن(ع)و عمار بن ياسر.

58

(1)

-

وَ قَالَ ابْنُ أَبِي الْحَدِيدِ فِي الشَّرْحِ رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنْ عَمِّهِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَسَارٍ الْقُرَشِيِّ قَالَ:

لَمَّا نَزَلَ عَلِيٌّ(ع)الرَّبَذَةَ مُتَوَجِّهاً إِلَى الْبَصْرَةِ بَعَثَ إِلَى الْكُوفَةِ مُحَمَّدَ بْنَ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي بَكْرٍ وَ كَتَبَ إِلَيْهِمْ هَذَا الْكِتَابَ يَعْنِي الْكِتَابَ الْأَوَّلَ وَ زَادَ فِي آخِرِهِ فَحَسْبِي بِكُمْ إِخْوَاناً وَ لِلدِّينِ أَنْصَاراً فَ

انْفِرُوا خِفافاً وَ ثِقالًا وَ جاهِدُوا بِأَمْوالِكُمْ وَ أَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ‏

لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ.

59-

وَ رَوَى أَبُو مِخْنَفٍ قَالَ حَدَّثَنِي الصَّقْعَبُ قَالَ سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جُنَادَةَ

يُحَدِّثُ أَنَّ عَلِيّاً(ع)لَمَّا نَزَلَ الرَّبَذَةَ بَعَثَ هَاشِمَ بْنَ عُتْبَةَ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ إِلَى أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ وَ هُوَ الْأَمِيرُ يَوْمَئِذٍ عَلَى الْكُوفَةِ لِيُنَفِّرَ إِلَيْهِ النَّاسَ وَ كَتَبَ إِلَيْهِ مَعَهُ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ عَلِيٍّ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي بَعَثْتُ إِلَيْكَ هَاشِمَ بْنَ عُتْبَةَ لِتُشْخِصَ إِلَيَّ مَنْ قِبَلَكَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ لِيَتَوَجَّهُوا إِلَى قَوْمٍ نَكَثُوا بَيْعَتِي وَ قَتَلُوا شِيعَتِي وَ أَحْدَثُوا فِي الْإِسْلَامِ هَذَا الْحَدَثَ الْعَظِيمَ فَاشْخَصْ بِالنَّاسِ إِلَيَّ مَعَهُ حِينَ يَقْدَمُ عَلَيْكَ فَإِنِّي لَمْ أُوَلِّكَ الْمِصْرَ الَّذِي أَنْتَ بِهِ وَ لَمْ أُقِرَّكَ عَلَيْهِ إِلَّا لِتَكُونَ مِنْ أَعْوَانِي عَلَى الْحَقِّ وَ أَنْصَارِي عَلَى هَذَا الْأَمْرِ وَ السَّلَامُ.

____________

(1). 58- رواه في شرحه على المختار الأول من باب الكتب من نهج البلاغة: ج 4(ص)290 طبع الحديث ببيروت.

و ما ذكره المصنّف هنا هو موجز ما رواه ابن أبي الحديد، و لم يذكر المصنّف كلامه حرفيا.

86

60-

وَ رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ‏

أَنَّهُ لَمَّا قَدِمَ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ وَ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْكُوفَةَ اسْتَنْفَرَا النَّاسَ فَمَنَعَهُمْ أَبُو مُوسَى فَلَحِقَا بِعَلِيٍّ(ع)فَأَخْبَرَاهُ بِالْخَبَرِ.

61-

وَ رَوَى أَبُو مِخْنَفٍ‏

: أَنَّ هَاشِمَ بْنَ عُتْبَةَ لَمَّا قَدِمَ الْكُوفَةَ دَعَا أَبَا مُوسَى فَقَالَ اتَّبِعْ مَا كَتَبَ بِهِ إِلَيْكَ فَأَبَى ذَلِكَ فَبَعَثَ إِلَى هَاشِمٍ يَتَوَعَّدُهُ فَكَتَبَ إِلَى عَلِيٍّ بِامْتِنَاعِهِ وَ أَنَّهُ شَاقٌّ بَعِيدُ الْوُدِّ ظَاهِرُ الْغِلِّ وَ الشَّنَآنِ وَ أَنَّهُ هَدَّدَهُ بِالسِّجْنِ وَ الْقَتْلِ فَلَمَّا وَرَدَ كِتَابُهُ عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)وَ قَدْ أَتَاهُ بِهِ الْمُحِلُّ بْنُ خَلِيفَةَ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَدَّى الْحَقَّ إِلَى أَهْلِهِ وَ وَضَعَهُ مَوْضِعَهُ فَكَرِهَ ذَلِكَ قَوْمٌ وَ قَدْ وَ اللَّهِ كَرِهُوا نُبُوَّةَ مُحَمَّدٍ(ص)ثُمَّ بَارَزُوهُ وَ جَاهَدُوهُ فَرَدَّ اللَّهُ كَيْدَهُمْ فِي نُحُورِهِمْ وَ جَعَلَ دَائِرَةَ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ وَ اللَّهِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لَنُجَاهِدَنَّهُمْ مَعَكَ فِي كُلِّ مَوْطِنٍ حِفْظاً لِرَسُولِ اللَّهِ(ص)فِي أَهْلِ بَيْتِهِ إِذْ صَارُوا أَعْدَاءً لَهُمْ بَعْدَهُ فَرَحَّبَ بِهِ عَلِيٌّ(ع)وَ قَالَ لَهُ خَيْراً ثُمَّ أَجْلَسَهُ إِلَى جَانِبِهِ وَ قَرَأَ كِتَابَ هَاشِمٍ وَ سَأَلَهُ عَنِ النَّاسِ وَ عَنْ أَبِي مُوسَى فَقَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَا أَثِقُ بِهِ وَ لَا آمَنُهُ عَلَى خِلَافِكَ إِنْ وَجَدَ مَنْ يُسَاعِدُهُ عَلَى ذَلِكَ فَقَالَ عَلِيٌّ(ع)وَ اللَّهِ مَا كَانَ عِنْدِي بِمُؤْتَمَنٍ وَ لَا نَاصِحٍ وَ لَقَدْ أَرَدْتُ عَزْلَهُ فَأَتَانِي الْأَشْتَرُ فَسَأَلَنِي أَنْ أُقِرَّهُ وَ ذَكَرَ أَنَّ أَهْلَ الْكُوفَةِ بِهِ رَاضُونَ فَأَقْرَرْتُهُ.

وَ رَوَى أَبُو مِخْنَفٍ قَالَ وَ بَعَثَ عَلِيٌّ(ع)مِنَ الرَّبَذَةِ بَعْدَ وُصُولِ الْمُحِلِّ بْنِ خَلِيفَةَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ وَ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي بَكْرٍ إِلَى أَبِي مُوسَى وَ كَتَبَ مَعَهُمَا مِنْ عَبْدِ اللَّهِ عَلِيٍّ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ أَمَّا بَعْدُ يَا ابْنَ الْحَائِكِ‏

87

يَا عَاضَّ أَيْرِ أَبِيهِ فَوَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُ لَأَرَى أَنَّ بَعْدَكَ‏

(1)

مِنْ هَذَا الْأَمْرِ الَّذِي لَمْ يَجْعَلْكَ اللَّهُ لَهُ أَهْلًا وَ لَا جَعَلَ لَكَ فِيهِ نَصِيباً سَيَمْنَعُكَ مِنْ رَدِّ أَمْرِي وَ الِافْتِرَاءِ عَلَيَّ وَ قَدْ بَعَثْتُ إِلَيْكَ ابْنَ عَبَّاسٍ وَ ابْنَ أَبِي بَكْرٍ فَخَلِّهِمَا وَ الْمِصْرَ وَ أَهْلَهُ وَ اعْتَزِلْ عَمَلَنَا

مَذْؤُماً مَدْحُوراً

فَإِنْ فَعَلْتَ وَ إِلَّا فَإِنِّي قَدْ أَمَرْتُهُمَا أَنْ يُنَابِذَاكَ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ‏

لا يَهْدِي كَيْدَ الْخائِنِينَ‏

فَإِذَا ظَهَرَا عَلَيْكَ قَطَعَاكَ إِرْباً إِرْباً وَ السَّلَامُ عَلَى مَنْ شَكَرَ النِّعْمَةَ وَ وَفَى بِالْبَيْعَةِ وَ عَمِلَ بِرَجَاءِ الْعَافِيَةِ قَالَ أَبُو مِخْنَفٍ فَلَمَّا أَبْطَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَ ابْنُ أَبِي بَكْرٍ عَنْ عَلِيٍّ(ع)وَ لَمْ يَدْرِ مَا صَنَعَا رَحَلَ عَنِ الرَّبَذَةِ إِلَى ذِي قَارٍ فَنَزَلَهَا قَالَ فَلَمَّا نَزَلَ ذَا قَارٍ بَعَثَ إِلَى الْكُوفَةِ الْحَسَنَ ابْنَهُ(ع)وَ عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ وَ زَيْدَ بْنَ صُوحَانَ وَ قَيْسَ بْنَ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ وَ مَعَهُمْ كِتَابٌ إِلَى أَهْلِ الْكُوفَةِ فَأَقْبَلُوا حَتَّى كَانُوا بِالْقَادِسِيَّةِ فَتَلَقَّاهُمُ النَّاسُ فَلَمَّا دَخَلُوا الْكُوفَةَ قَرَءُوا كِتَابَ عَلِيٍّ(ع)وَ هُوَ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ عَلِيٍّ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى مَنْ بِالْكُوفَةِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي خَرَجْتُ مَخْرَجِي هَذَا إِمَّا ظَالِماً وَ إِمَّا مَظْلُوماً وَ إِمَّا بَاغِياً وَ إِمَّا مَبْغِيّاً عَلَيَّ فَأَنْشُدُ اللَّهَ رَجُلًا بَلَغَهُ كِتَابِي هَذَا إِلَّا نَفَرَ إِلَيَّ فَإِنْ كُنْتُ مَظْلُوماً أَعَانَنِي وَ إِنْ كُنْتُ ظَالِماً اسْتَعْتَبَنِي وَ السَّلَامُ قَالَ فَلَمَّا دَخَلَ الْحَسَنُ(ع)وَ عَمَّارٌ الْكُوفَةَ اجْتَمَعَ إِلَيْهِمَا النَّاسُ فَقَامَ الْحَسَنُ فَاسْتَقَرَّ فَاسْتَنْفَرَ النَّاسَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَ صَلَّى عَلَى رَسُولِهِ ثُمَّ قَالَ أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا جِئْنَاكُمْ نَدْعُوكُمْ إِلَى اللَّهِ وَ إِلَى كِتَابِهِ وَ سُنَّةِ رَسُولِهِ وَ إِلَى أَفْقَهِ مَنْ تَفَقَّهَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَ أَعْدَلِ مَنْ تُعَدِّلُونَ وَ أَفْضَلِ مَنْ تُفَضِّلُونَ وَ أَوْفَى مَنْ‏

____________

(1) هذا هو الظاهر، و في أصلي: «فو اللّه إن كنت لا أرى إلّا بعدك ...» و في شرح ابن أبي الحديد: «فو اللّه إنّي كنت لأرى أن بعدك من هذا الأمر ...».

88

تُبَايِعُونَ مَنْ لَمْ يُعْيِهِ الْقُرْآنُ وَ لَمْ تُجَهِّلْهُ السُّنَّةُ وَ لَمْ تَقْعُدْ بِهِ السَّابِقَةُ إِلَى مَنْ قَرَّبَهُ اللَّهُ إِلَى رَسُولِهِ قَرَابَتَيْنِ قَرَابَةَ الدِّينِ وَ قَرَابَةَ الرَّحِمِ إِلَى مَنْ سَبَقَ النَّاسَ إِلَى كُلِّ مَأْثُرَةٍ إِلَى مَنْ كَفَى اللَّهُ بِهِ رَسُولَهُ وَ النَّاسُ مُتَخَاذِلُونَ فَقَرُبَ مِنْهُ وَ هُمْ مُتَبَاعِدُونَ وَ صَلَّى مَعَهُ وَ هُمْ مُشْرِكُونَ وَ قَاتَلَ مَعَهُ وَ هُمْ مُنْهَزِمُونَ وَ بَارَزَ مَعَهُ وَ هُمْ مجمحون [مُحْجِمُونَ وَ صَدَّقَهُ وَ هُمْ مُكَذِّبُونَ إِلَى مَنْ لَمْ تُرَدَّ لَهُ رَايَةٌ وَ لَا تُكَافِئْ لَهُ سَابِقَةٌ وَ هُوَ يَسْأَلُكُمُ النَّصْرَ وَ يَدْعُوكُمْ إِلَى الْحَقِّ وَ يَسْأَلُكُمْ بِالْمَسِيرِ إِلَيْهِ لِتُوَازِرُوهُ وَ تَنْصُرُوهُ عَلَى قَوْمٍ نَكَثُوا بَيْعَتَهُ وَ قَتَلُوا أَهْلَ الصَّلَاحِ مِنْ أَصْحَابِهِ وَ مَثَّلُوا بِعُمَّالِهِ وَ انْتَهَبُوا بَيْتَ مَالِهِ فَاشْخَصُوا إِلَيْهِ رَحِمَكُمُ اللَّهُ فَمُرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَ انْهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَ احْضُرُوا بِمَا يَحْضُرُ بِهِ من الصَّالِحُونَ-

قَالَ أَبُو مِخْنَفٍ وَ حَدَّثَنِي جَابِرُ بْنُ يَزِيدَ عَنْ تَمِيمِ بْنِ حِذْيَمٍ قَالَ:

قَدِمَ عَلَيْنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ(ع)وَ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ يَسْتَنْفِرَانِ النَّاسَ إِلَى عَلِيٍّ(ع)وَ مَعَهُمَا كِتَابُهُ فَلَمَّا فَرَغَا مِنْ كِتَابِهِ قَامَ الْحَسَنُ وَ هُوَ فَتًى حَدَثٌ وَ اللَّهِ إِنِّي لَأَرْثِي لَهُ مِنْ حَدَاثَةَ سِنِّهِ وَ صُعُوبَةِ مَقَامِهِ فَرَمَاهُ النَّاسُ بِأَبْصَارِهِمْ وَ هُمْ يَقُولُونَ اللَّهُمَّ سَدِّدْ مَنْطِقَ ابْنِ بِنْتِ نَبِيِّنَا فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى عَمُودٍ يَتَسَانَدُ إِلَيْهِ وَ كَانَ عَلِيلًا مِنْ شَكْوَى بِهِ فَقَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الْعَزِيزِ الْجَبَّارِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ الْكَبِيرِ الْمُتَعَالِ‏

سَواءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَ مَنْ جَهَرَ بِهِ وَ مَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَ سارِبٌ بِالنَّهارِ

أَحْمَدُهُ عَلَى حُسْنِ الْبَلَاءِ وَ تَظَاهُرِ النَّعْمَاءِ وَ عَلَى مَا أَحْبَبْنَا وَ كَرِهْنَا مِنْ شِدَّةٍ وَ رَخَاءٍ وَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَ رَسُولُهُ امْتَنَّ عَلَيْنَا بِنُبُوَّتِهِ وَ اخْتَصَّهُ بِرِسَالَتِهِ وَ أَنْزَلَ عَلَيْهِ وَحْيَهُ وَ اصْطَفَاهُ عَلَى جَمِيعِ خَلْقِهِ وَ أَرْسَلَهُ إِلَى الْإِنْسِ وَ الْجِنِّ حِينَ عُبِدَتِ الْأَوْثَانُ وَ أُطِيعَ الشَّيْطَانُ وَ جُحِدَ الرَّحْمَنُ فَ(صلّى اللّه عليه و آله) وَ جَزَاهُ أَفْضَلَ مَا جَزَى الْمُرْسَلِينَ أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي لَا أَقُولُ لَكُمْ إِلَّا مَا تَعْرِفُونَ إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ أَرْشَدَ اللَّهُ أَمْرَهُ وَ أَعَزَّ نَصْرَهُ بَعَثَنِي إِلَيْكُمْ يَدْعُوكُمْ إِلَى الصَّوَابِ وَ إِلَى الْعَمَلِ‏

89

بِالْكِتَابِ وَ الْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَ إِنْ كَانَ فِي عَاجِلِ ذَاكَ مَا تَكْرَهُونَ فَإِنَّ فِي آجِلِهِ مَا تُحِبُّونَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ وَ قَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّ عَلِيّاً صَلَّى مَعَ رَسُولِ اللَّهِ(ص)وَحْدَهُ وَ أَنَّهُ يَوْمَ صَدَّقَ بِهِ لَفِي عَاشِرَةٍ مِنْ سِنِّهِ ثُمَّ شَهِدَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ جَمِيعَ مَشَاهِدِهِ وَ كَانَ مِنِ اجْتِهَادِهِ فِي مَرْضَاةِ اللَّهِ وَ طَاعَةِ رَسُولِهِ وَ آثَارِهِ الْحَسَنَةِ فِي الْإِسْلَامِ مَا قَدْ بَلَغَكُمْ وَ لَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللَّهِ(ص)رَاضِياً عَنْهُ حَتَّى غَمَّضَهُ بِيَدِهِ وَ غَسَّلَهُ وَحْدَهُ وَ الْمَلَائِكَةُ أَعْوَانُهُ وَ الْفَضْلُ ابْنُ عَمِّهِ يَنْقُلُ إِلَيْهِ الْمَاءَ ثُمَّ أَدْخَلَهُ حُفْرَتَهُ وَ أَوْصَاهُ بِقَضَاءِ دَيْنِهِ وَ عِدَاتِهِ وَ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ مَنِّ اللَّهِ عَلَيْهِ ثُمَّ وَ اللَّهِ مَا دَعَاهُمْ إِلَى نَفْسِهِ وَ لَقَدْ تَدَاكَّ النَّاسُ عَلَيْهِ تَدَاكَّ الْإِبِلِ الْهِيمِ عِنْدَ وُرُودِهَا فَبَايَعُوهُ طَائِعِينَ ثُمَّ نَكَثَ مِنْهُمْ نَاكِثُونَ بِلَا حَدَثٍ أَحْدَثَهُ وَ لَا خِلَافٍ أَتَاهُ حَسَداً لَهُ وَ بَغْياً عَلَيْهِ فَعَلَيْكُمْ عِبَادَ اللَّهِ بِتَقْوَى اللَّهِ وَ الْجِدِّ وَ الصَّبْرِ وَ الِاسْتِعَانَةِ بِاللَّهِ وَ الْخُفُوفِ إِلَى مَا دَعَاكُمْ إِلَيْهِ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَصَمَنَا اللَّهُ وَ إِيَّاكُمْ بِمَا عَصَمَ بِهِ أَوْلِيَاءَهُ وَ أَهْلَ طَاعَتِهِ وَ أَلْهَمَنَا وَ إِيَّاكُمْ تَقْوَاهُ وَ أَعَانَنَا وَ إِيَّاكُمْ عَلَى جِهَادِ أَعْدَائِهِ وَ أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الْعَظِيمَ لِي وَ لَكُمْ ثُمَّ مَضَى إِلَى الرَّحْبَةِ فَهَيَّأَ مَنْزِلًا لِأَبِيهِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)قَالَ جَابِرٌ فَقُلْتُ لِتَمِيمٍ كَيْفَ أَطَاقَ هَذَا الْغُلَامُ مَا قَدْ قَصَصْتَهُ مِنْ كَلَامِهِ فَقَالَ وَ مَا سَقَطَ عَنِّي مِنْ قَوْلِهِ أَكْثَرُ وَ لَقَدْ حَفِظْتُ بَعْضَ مَا سَمِعْتُ قَالَ أَبُو مِخْنَفٍ وَ لَمَّا فَرَغَ الْحَسَنُ(ع)مِنْ خُطْبَتِهِ قَامَ عَمَّارٌ وَ خَطَبَ النَّاسَ وَ اسْتَنْفَرَهُمْ فَلَمَّا سَمِعَ أَبُو مُوسَى خُطْبَتَهُمَا صَعِدَ الْمِنْبَرَ وَ قَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَكْرَمَنَا بِمُحَمَّدٍ فَجَمَعَنَا بَعْدَ الْفُرْقَةِ وَ جَعَلَنَا إِخْوَاناً مُتَحَابِّينَ بَعْدَ الْعَدَاوَةِ وَ حَرَّمَ عَلَيْنَا دِمَاءَنَا وَ أَمْوَالَنَا قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ‏

لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ‏

وَ قَالَ تَعَالَى‏

وَ مَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ‏

فَاتَّقُوا اللَّهَ عِبَادَ اللَّهِ وَ ضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَ كُفُّوا عَنْ قِتَالِ إِخْوَانِكُمْ‏

90

إِلَى آخِرَ خُطْبَتِهِ الْمَلْعُونَةِ الَّتِي تَرْكُهَا أَوْلَى مِنْ ذِكْرِهَا وَ تُنَادِي بِكُفْرِ صَاحِبِهَا وَ نِفَاقِهِ قَالَ فَلَمَّا أَتَتِ الْأَخْبَارُ عَلِيّاً بِاخْتِلَافِ النَّاسِ بِالْكُوفَةِ بَعَثَ الْأَشْتَرَ إِلَيْهَا فَأَخْرَجَهُ مِنْهَا صَاغِراً قَالَ أَبُو مِخْنَفٍ وَ لَمَّا نَزَلَ عَلِيٌّ(ع)ذَا قَارٍ كَتَبَتْ عَائِشَةُ إِلَى حَفْصَةَ أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي أُخْبِرُكِ أَنَّ عَلِيّاً قَدْ نَزَلَ ذَا قَارٍ وَ أَقَامَ بِهَا مَرْعُوباً خَائِفاً لِمَا بَلَغَهُ مِنْ عِدَّتِنَا وَ جَمَاعَتِنَا فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْأَشْقَرِ إِنْ تَقَدَّمَ عُقِرَ وَ إِنْ تَأَخَّرَ نُحِرَ فَدَعَتْ حَفْصَةُ جَوَارِيَ لَهَا يَتَغَنَّيْنَ وَ يَضْرِبْنَ بِالدُّفُوفِ فَأَمَرَتْهُنَّ أَنْ يَقُلْنَ فِي غِنَائِهِنَّ مَا الْخَبَرُ مَا الْخَبَرُ عَلِيٌّ فِي السَّفَرِ كَالْفَرَسِ الْأَشْقَرِ إِنْ تَقَدَّمَ عُقِرَ وَ إِنْ تَأَخَّرَ نُحِرَ-

(1)

وَ جَعَلَتْ بَنَاتُ الطُّلَقَاءِ يَدْخُلْنَ عَلَى حَفْصَةَ وَ يَجْتَمِعْنَ لِسَمَاعِ ذَلِكَ الْغِنَاءِ فَبَلَغَ أُمَّ كُلْثُومٍ بِنْتَ عَلِيٍّ(ع)ذَلِكَ فَلَبِسَتْ جَلَابِيبَهَا وَ دَخَلَتْ عَلَيْهِنَّ فِي نِسْوَةٍ مُتَنَكِّرَاتٍ ثُمَّ أَسْفَرَتْ عَنْ وَجْهِهَا فَلَمَّا عَرَفَتْهَا حَفْصَةُ خَجِلَتْ وَ اسْتَرْجَعَتْ فَقَالَتْ أُمُّ كُلْثُومٍ لَئِنْ تَظَاهَرْتُمَا عَلَيْهِ الْيَوْمَ لَقَدْ تَظَاهَرْتُمَا عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِيكُمَا مَا أَنْزَلَ‏

(2)

فَقَالَتْ حَفْصَةُ كُفِّي رَحِمَكِ اللَّهُ وَ أَمَرَتْ‏

____________

(1) و الحديث رواه أيضا يوسف بن حاتم الشاميّ في قصّة حرب الجمل من كتاب الدر النظيم الورق 114//.

و لكن وا أسفاه من بقاء هذا الكتاب و أمثاله غير منشورة مع حاجة المجتمع إليها، و إلى اللّه المشتكى من غفلة العلماء و كسلة الفضلاء و سفلة الزملاء و بخلة التجار و الأغنياء!!!.

(2) إشارة إلى ما أجرمت هي و زميلتها على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) حتّى نزلت في تهديدهما و عظم جرمهما الآية الأولى إلى الآية الرابعة من سورة التحريم: (66) و هذا نصّ الآية الرابعة: (إِنْ تَتُوبا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما، وَ إِنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَ جِبْرِيلُ وَ صالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَ الْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِيرٌ)

91

بِالْكِتَابِ فَمُزِّقَ وَ اسْتَغْفَرَتِ اللَّهَ-

(1)

فَقَالَ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ فِي ذَلِكَ‏

عَذَرْنَا الرِّجَالَ بِحَرْبِ الرِّجَالِ* * * -فَمَا لِلنِّسَاءِ وَ مَا لِلسِّبَابِ‏

أَ مَا حَسْبُنَا مَا أَتَيْنَا بِهِ* * * -لَكَ الْخَيْرُ مِنْ هَتْكِ ذَاكَ الْحِجَابِ‏

وَ مَخْرَجُهَا الْيَوْمَ مِنْ بَيْتِهَا* * * يُعَرِّفُهَا الذَّنْبَ نَبْحُ الْكِلَابِ‏

إِلَى أَنْ أَتَاهَا كِتَابٌ لَهَا* * * -مَشُومٌ فَيَا قُبْحَ ذَاكَ الْكِتَابِ‏

.

أقول: الأير الذكر و قال ابن الأثير في النهاية و فيه‏

من تعزى بعزاء الجاهلية فأعضوه بهن أبيه و لا تكنوا.

أي فقولوا له اعضض بأير أبيك و لا تكنوا بالأير عن الهن تنكيرا له و تأديبا.

و أيضا قال في مادة أير في‏

حديث علي(ع)من يطل أير أبيه ينطق به.

هذا مثل ضربه أي من كثرت إخوته اشتد ظهره بهم انتهى.

و لعل المعنى هنا أخذه بسنة أبيه الكافر و لزومه بجهله و عصبيته و معايبه أو قلة أعوانه و أنصاره و دناءته‏

____________

(1) قد أشرنا في تعليق ص: 20 رقم: (6) إلى أن المصنّف العلامة قد اختصر ما رواه ابن أبي الحديد، و بما أن في هذا المقام الاختصار قد أخل بأمر عظيم نذكر هذا الجزء من الحديث حرفيا من شرح ابن أبي الحديد، قال:

[ثم‏] قال أبو مخنف: روى هذا [الحديث‏] جرير بن يزيد عن الحكم.

و رواه [أيضا] الحسن بن دينار عن الحسن البصري. ثم قال ابن أبي الحديد.

و ذكر الواقدي مثل ذلك، و ذكر المدائني أيضا مثله [ثم‏] قال [المدائني‏] فقال سهل بن حنيف في ذلك هذه الأشعار.

92

62 و ذكر المفيد (قدّس سرّه) في كتاب الكافية قصة حفصة بسندين آخرين نحوا مما مر.

63-

الْكَافِيَةُ فِي إِبْطَالِ تَوْبَةِ الْخَاطِئَةِ،

رَوَوْا أَنَّهُ(ع)لَمَّا بَلَغَهُ وَ هُوَ بِالرَّبَذَةِ خَبَرُ طَلْحَةَ وَ الزُّبَيْرِ وَ قَتْلِهِمَا حَكِيمَ بْنَ جَبَلَةَ وَ رِجَالًا مِنَ الشِّيعَةِ وَ ضَرْبِهِمَا عُثْمَانَ بْنَ حُنَيْفٍ وَ قَتْلِهِمَا السَّبَابِجَةَ قَامَ عَلَى الْغَرَائِرِ فَقَالَ إِنَّهُ أَتَانِي خَبَرٌ مُتَفَظَّعٌ وَ نَبَأٌ جَلِيلٌ أَنَّ طَلْحَةَ وَ الزُّبَيْرَ وَرَدَا الْبَصْرَةَ فَوَثَبَا عَلَى عَامِلِي فَضَرَبَاهُ ضَرْباً مُبَرِّحاً وَ تُرِكَ لَا يُدْرَى أَ حَيٌّ هُوَ أَمْ مَيِّتٌ وَ قَتَلَا الْعَبْدَ الصَّالِحَ حَكِيمَ بْنَ جَبَلَةَ فِي عِدَّةٍ مِنْ رِجَالِ الْمُسْلِمِينَ الصَّالِحِينَ لَقُوا اللَّهَ مُوفُونَ بِبَيْعَتِهِمْ مَاضِينَ عَلَى حَقِّهِمْ وَ قَتَلَا السَّبَابِجَةَ خُزَّانَ بَيْتِ الْمَالِ الَّذِي لِلْمُسْلِمِينَ قَتَلُوهُمْ [طَائِفَةً مِنْهُمْ‏] صَبْراً وَ قَتَلُوا طَائِفَةً منْهُمْ غَدْراً فَبَكَى النَّاسُ بُكَاءً شَدِيداً وَ رَفَعَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)يَدَيْهِ يَدْعُو وَ يَقُولُ اللَّهُمَّ اجْزِ طَلْحَةَ وَ الزُّبَيْرَ جَزَاءَ الظَّالِمِ الْفَاجِرِ وَ الْخُفُورِ الْغَادِرِ.

64

(1)

-

نهج، نهج البلاغة وَ مِنْ خُطْبَةٍ لَهُ(ع)فِي ذِكْرِ أَصْحَابِ الْجَمَلِ‏

فَخَرَجُوا يَجُرُّونَ حُرْمَةَ رَسُولِ اللَّهِ(ص)كَمَا تُجَرُّ الْأَمَةُ عِنْدَ شِرَائِهَا مُتَوَجِّهِينَ بِهَا الْبَصْرَةَ فَحَبَسَا نِسَاءَهُمَا فِي بُيُوتِهِمَا وَ أَبْرَزَا حَبِيسَ رَسُولِ اللَّهِ(ص)لَهُمَا وَ لِغَيْرِهِمَا فِي جَيْشٍ مَا مِنْهُمْ رَجُلٌ إِلَّا وَ قَدْ أَعْطَانِيَ الطَّاعَةَ وَ سَمَحَ لِي بِالْبَيْعَةِ طَائِعاً غَيْرَ مُكْرَهٍ فَقَدِمُوا عَلَى عَامِلِي بِهَا وَ خُزَّانِ بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ وَ غَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِهَا فَقَتَلُوا طَائِفَةً صَبْراً وَ طَائِفَةً غَدْراً فَوَ اللَّهِ لَوْ لَمْ يُصِيبُوا مِنَ الْمُسْلِمِينَ إِلَّا رَجُلًا وَاحِداً مُعْتَمِدِينَ لِقَتْلِهِ بِلَا جُرْمٍ جَرَّهُ لَحَلَّ لِي قَتْلُ ذَلِكَ الْجَيْشِ كُلِّهِ إِذْ حَضَرُوهُ فَلَمْ يُنْكِرُوهُ وَ لَمْ يَدْفَعُوا بِلِسَانٍ وَ لَا بِيَدٍ دَعْ مَا إِنَّهُمْ‏

____________

(1). 64- رواه السيّد الرضي (رحمه اللّه) في المختار: (170) من كتاب نهج البلاغة.

93

قَدْ قَتَلُوا مِنَ الْمُسْلِمِينَ مِثْلَ الْعِدَّةِ الَّتِي دَخَلُوا بِهَا عَلَيْهِمْ.

بيان: الحرمة ما يحرم انتهاكه و المراد بها هنا الزوجة كالحبيس و الضمير في حبسا راجع إلى طلحة و الزبير و قوله(ع)صبرا أي بعد الأسر و غدرا أي بعد الأمان قوله(ع)جره أي جذبه أو من الجريرة قال في القاموس الجر الجذب و الجريرة الذنب جر على نفسه و غيره جريرة يجرها بالضم و الفتح جرا.

قال ابن ميثم‏ (1) فإن قلت المفهوم من هذا الكلام تعليل جواز قتله(ع)لذلك الجيش بعدم إنكارهم للمنكر فهل يجوز قتل من لم ينكر المنكر قلت أجاب ابن أبي الحديد عنه فقال يجوز قتلهم لأنهم اعتقدوا ذلك القتل مباحا كمن يعتقد إباحة الزنا و شرب الخمر.

و أجاب الراوندي رحمه الله بأن جواز قتلهم لدخولهم في عموم قوله تعالى‏ إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ وَ يَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً أَنْ يُقَتَّلُوا الآية و هؤلاء قد حاربوا رسول الله‏

- لقوله(ص)يا علي حربك حربي.

و سعوا في الأرض بالفساد.

و اعترض المجيب الأول عليه فقال الإشكال إنما هو في التعليل بعدم إنكار المنكر و التعليل بعموم الآية لا ينفعه.

و أقول الجواب الثاني أسد و الجواب الأول ضعيف لأن القتل و إن وجب على من اعتقد إباحة ما علم من الدين ضرورة لكن هؤلاء كان جميع ما فعلوه من القتل و الخروج بالتأويل و إن كان معلوم الفساد فظهر الفرق بين اعتقاد حل الخمر و الزنا و بين اعتقاد هؤلاء إباحة ما فعلوه.

____________

(1) ذكره ابن ميثم (رحمه اللّه) في شرح المختار المتقدم و هو (170) من نهج البلاغة من شرحه: ج 3(ص)337.

94

و أما الاعتراض على الجواب الثاني فضعيف أيضا لأن له أن يقول إن قتل المسلم إذا صدر عن بعض الجيش و لم ينكر الباقون مع تمكنهم و حضورهم كان ذلك قرينة على الرضا من جميعهم و الراضي بالقتل شريك القاتل خصوصا إذا كان معروفا بصحبته و الاتحاد به لاتحاد بعض الجيش ببعض و كان خروج ذلك الجيش على الإمام محاربة لله و لرسوله(ص)و سعيا في الأرض بالفساد و ذلك عين مقتضى الآية انتهى ملخص كلامه.

و يمكن أن يجاب عن اعتراضه على الجواب بأن هؤلاء كانوا مدعين لشبهة لم تكن شبهة محتملة لأنهم خرجوا على الإمام بعد البيعة طائعين غير مكرهين كما ذكره(ع)مع أن الاحتمال كاف له فتأمل.

و يمكن الجواب عن أصل السؤال بأن التعليل ليس بعدم إنكار المنكر مطلقا بل بعدم إنكار هؤلاء لهذا المنكر الخاص أي قتل واحد من المسلمين المعاونين للإمام(ع)بالخروج عليه و ربما يشعر بذلك قوله(ع)لحل لي قتل ذلك الجيش.

و يمكن حمل كلام الراوندي على ذلك و أما ما ذكره أخيرا من جواز قتل الراضي بالقتل فإن أراد الحكم كليا فلا يخفى إشكاله و إن أراد في هذه المادة الخاصة فصحيح.

و يرد على جواب ابن أبي الحديد مثل ما أورده هو على الراوندي رحمه الله بأن الإشكال إنما هو في التعليل بعدم إنكار المنكر لا في استحلال القتل و لو قدر في كلامه(ع)كأن يقول المراد إذ حضروه مستحلين فلم ينكروا لأمكن للراوندي أن يقول إذ حضروه محاربين.

و لو أجاب بأن الحضور مع عدم الإنكار هو الاستحلال فبطلانه ظاهر مع أن للراوندي رحمه الله أن يقول الحضور في جيش قد قتل بعضهم أحدا من أتباع الإمام من حيث إنه من شيعته مع عدم الإنكار و الدفع محاربة لله و لرسوله(ص)و لا ريب أنه كذلك.

95

65

(1)

-

نهج، نهج البلاغة وَ مِنْ كَلَامٍ لَهُ(ع)فِي مَعْنَى طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ‏

قَدْ كُنْتُ وَ مَا أُهَدَّدُ بِالْحَرْبِ وَ لَا أُرْهَبُ بِالضَّرْبِ وَ أَنَا عَلَى مَا وَعَدَنِي رَبِّي مِنَ النَّصْرِ وَ اللَّهِ مَا اسْتَعْجَلَ مُتَجَرِّداً لِلطَّلَبِ بِدَمِ عُثْمَانَ إِلَّا خَوْفاً مِنْ أَنْ يُطَالَبَ بِدَمِهِ لِأَنَّهُ كَانَ مَظِنَّتَهُ وَ لَمْ يَكُنْ فِي الْقَوْمِ أَحْرَصُ عَلَيْهِ مِنْهُ فَأَرَادَ أَنْ يُغَالِطَ بِمَا أَجْلَبَ فِيهِ لِيَلْتَبِسَ الْأَمْرُ وَ يَقَعَ الشَّكُّ وَ وَ اللَّهِ مَا صَنَعَ فِي أَمْرِ عُثْمَانَ وَاحِدَةً مِنْ ثَلَاثٍ لَئِنْ كَانَ ابْنُ عَفَّانَ ظَالِماً كَمَا كَانَ يَزْعُمُ لَقَدْ كَانَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُؤَازِرَ قَاتِلِيهِ أَوْ يُنَابِذَ نَاصِرِيهِ وَ لَئِنْ كَانَ مَظْلُوماً لَقَدْ كَانَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُنَهْنِهِينَ عَنْهُ وَ الْمُعَذِّرِينَ فِيهِ وَ لَئِنْ كَانَ فِي شَكٍّ مِنَ الْخَصْلَتَيْنِ لَقَدْ كَانَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَعْتَزِلَهُ وَ يَرْكُدَ جَانِباً وَ يَدَعَ النَّاسَ مَعَهُ فَمَا فَعَلَ وَاحِدَةً مِنَ الثَّلَاثِ وَ جَاءَ بِأَمْرٍ لَمْ يُعْرَفْ بَابُهُ وَ لَمْ يَسْلَمْ مَعَاذِيرُهُ.

بيان: قوله(ع)قد كنت قال ابن أبي الحديد كان هاهنا تامة و الواو للحال أي خلقت و وجدت بهذه الصفة و يجوز أن يكون الواو زائدة و كان ناقصة و خبرها ما أهدد و تجرد في الأرض أي جد فيه ذكره الجوهري.

و قال ابن الأثير في مادة جلب من كتاب النهاية و في حديث علي(ع)أراد أن يغالط بما أجلب فيه يقال أجلبوا عليه إذا تجمعوا و تألبوا و أجلبه أي أعانه و أجلب عليه إذا صاحبه و استحثه.

و قال الجوهري لبست عليه الأمر ألبس خلطت و قال أعذر أي صار

____________

(1). 65- رواها السيّد الرضي (رحمه اللّه) في المختار: (172) من كتاب نهج البلاغة.

96

ذا عذر و في النهاية فما نهنهها شي‏ء دون العرش أي ما منعها و كفها عن الوصول إليه و الركود السكون و الثبات.

66

(1)

-

نهج، نهج البلاغة

وَ قَالَ(ع)لِأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ وَ قَدْ كَانَ بَعَثَهُ إِلَى طَلْحَةَ وَ الزُّبَيْرِ لَمَّا جَاءَ إِلَى الْبَصْرَةِ يُذَكِّرُهُمَا شَيْئاً مِمَّا سَمِعَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ فِي مَعْنَاهُمَا فَلَوَى عَنْ ذَلِكَ فَرَجَعَ إِلَيْهِ فَقَالَ إِنِّي أُنْسِيتُ ذَلِكَ الْأَمْرَ فَقَالَ(ع)لَهُ إِنْ كُنْتَ كَاذِباً فَضَرَبَكَ اللَّهُ بِهَا بَيْضَاءَ لَامِعَةً لَا تُوَارِيهَا الْعِمَامَةُ يَعْنِي الْبَرَصَ فَأَصَابَ أَنَساً هَذَا الدَّاءُ فِيمَا بَعْدُ فِي وَجْهِهِ فَكَانَ لَا يُرَى إِلَّا مُتَبَرْقَعاً.

67

(2)

-

ج، الإحتجاج احْتِجَاجُهُ(ع)عَلَى النَّاكِثِينَ فِي خُطْبَةٍ خَطَبَهَا حِينَ نَكَثُوهَا فَقَالَ:

إِنَّ اللَّهَ ذُو الْجَلَالِ وَ الْإِكْرَامِ لَمَّا خَلَقَ الْخَلْقَ وَ اخْتَارَ خِيَرَةً مِنْ خَلْقِهِ وَ اصْطَفَى صَفْوَةً مِنْ عِبَادِهِ وَ أَرْسَلَ رَسُولًا مِنْهُمْ وَ أَنْزَلَ عَلَيْهِ كِتَابَهُ وَ شَرَعَ لَهُ دِينَهُ وَ فَرَضَ فَرَائِضَهُ فَكَانَتِ الْجُمْلَةُ قَوْلَ اللَّهِ جَلَّ ذِكْرُهُ حَيْثُ أَمَرَ فَقَالَ‏

أَطِيعُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ‏

فَهُوَ لَنَا أَهْلَ الْبَيْتِ خَاصَّةً دُونَ غَيْرِنَا فَانْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَ ارْتَدَدْتُمْ وَ نَقَضْتُمُ الْأَمْرَ وَ نَكَثْتُمُ الْعَهْدَ وَ لَمْ تَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً وَ قَدْ أَمَرَكُمُ اللَّهُ أَنْ تَرُدُّوا الْأَمْرَ إِلَى اللَّهِ وَ إِلَى رَسُولِهِ وَ إِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمُ الْمُسْتَنْبِطِينَ لِلْعِلْمِ فَأَقْرَرْتُمْ ثُمَّ جَحَدْتُمْ وَ قَدْ قَالَ اللَّهُ لَكُمْ‏

أَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَ إِيَّايَ فَارْهَبُونِ‏

إِنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ وَ الْحِكْمَةِ وَ الْإِيمَانِ وَ آلَ إِبْرَاهِيمَ بَيَّنَهُ اللَّهُ لَهُمْ فَحَسَدُوهُ وَ أَنْزَلَ اللَّهُ جَلَّ ذِكْرُهُ‏

أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى‏ ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَ الْحِكْمَةَ وَ آتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَ مِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَ كَفى‏ بِجَهَنَّمَ سَعِيراً

فَنَحْنُ آلُ إِبْرَاهِيمَ فَقَدْ حُسِدْنَا كَمَا حُسِدَ آبَاؤُنَا

____________

(1). 66- ذكره السيّد الرضي (رحمه اللّه) في المختار: (311) من الباب الثالث من نهج البلاغة.

(2). 67- رواه الطبرسيّ في كتاب الاحتجاج: ج 1،(ص)230، و في ط بيروت(ص)160.

97

وَ أَوَّلُ مَنْ حُسِدَ آدَمُ الَّذِي خَلَقَهُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ بِيَدِهِ‏

وَ نَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ‏

وَ أَسْجَدَ لَهُ مَلَائِكَتَهُ وَ عَلَّمَهُ الْأَسْمَاءَ وَ اصْطَفَاهُ عَلَى الْعَالَمِينَ فَحَسَدَهُ الشَّيْطَانُ‏

فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ‏

ثُمَّ حَسَدَ قَابِيلُ هَابِيلَ فَقَتَلَهُ فَكَانَ‏

مِنَ الْخاسِرِينَ‏

وَ نُوحٌ(ع)حَسَدَهُ قَوْمُهُ فَقَالُوا

ما هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَ يَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ وَ لَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَراً مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذاً لَخاسِرُونَ‏

وَ لِلَّهِ الْخِيَرَةُ يَخْتَارُ مَنْ يَشَاءُ وَ

يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ

يُؤْتِي الْحِكْمَةَ وَ الْعِلْمَ مَنْ يَشَاءُ ثُمَّ حَسَدُوا نَبِيَّنَا(ص)أَلَا وَ نَحْنُ أَهْلُ الْبَيْتِ الَّذِينَ أَذْهَبَ اللَّهُ عَنَّا الرِّجْسَ وَ نَحْنُ الْمَحْسُودُونَ كَمَا حُسِدَ آبَاؤُنَا قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَ‏

إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَ هذَا النَّبِيُ‏

وَ قَالَ‏

وَ أُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى‏ بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ‏

فَنَحْنُ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ وَ نَحْنُ وَرِثْنَاهُ وَ نَحْنُ أُولُو الْأَرْحَامِ الَّذِينَ وَرِثْنَا الْكَعْبَةَ وَ نَحْنُ آلُ إِبْرَاهِيمَ أَ فَتَرْغَبُونَ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَ قَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى‏

فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي‏

يَا قَوْمِ أَدْعُوكُمْ إِلَى اللَّهِ وَ إِلَى رَسُولِهِ وَ إِلَى كِتَابِهِ وَ إِلَى وَلِيِّ أَمْرِهِ وَ إِلَى وَصِيِّهِ وَ إِلَى وَارِثِهِ مِنْ بَعْدِهِ فَاسْتَجِيبُوا لَنَا وَ اتَّبِعُوا آلَ إِبْرَاهِيمَ وَ اقْتَدُوا بِنَا فَإِنَّ ذَلِكَ لَنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ فَرْضاً وَاجِباً وَ الْأَفْئِدَةُ مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْنَا وَ ذَلِكَ دَعْوَةُ إِبْرَاهِيمَ(ع)حَيْثُ قَالَ‏

فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ‏

فَهَلْ نَقَمْتُمْ‏

مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ‏

وَ مَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَ لَا تَتَفَرَّقُوا فَتَضِلُّوا وَ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَيْكُمْ وَ قَدْ أَنْذَرْتُكُمْ وَ دَعَوْتُكُمْ وَ أَرْشَدْتُكُمْ ثُمَّ أَنْتُمْ وَ مَا تَخْتَارُونَهُ.

68

(1)

-

ج، الإحتجاج رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ أَنَّهُ قَالَ:

كُنْتُ قَاعِداً عِنْدَ

____________

(1). 68- رواه الطبرسيّ في كتاب الاحتجاج: ج 1،(ص)230، و في ط بيروت(ص)161.

98

عَلِيٍّ(ع)حِينَ دَخَلَ عَلَيْهِ طَلْحَةُ وَ الزُّبَيْرُ فَاسْتَأْذَنَاهُ فِي الْعُمْرَةِ فَأَبَى أَنْ يَأْذَنَ لَهُمَا وَ قَدْ قَالَ قَدِ اعْتَمَرْتُمَا فَأَعَادَا عَلَيْهِ الْكَلَامَ فَأَذِنَ لَهُمَا ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَيَّ فَقَالَ وَ اللَّهِ مَا يُرِيدَانِ الْعُمْرَةَ قُلْتُ فَلَا تَأْذَنْ لَهُمَا فَرَدَّهُمَا ثُمَّ قَالَ وَ اللَّهِ مَا تُرِيدَانِ الْعُمْرَةَ وَ مَا تُرِيدَانِ إِلَّا نَكْثاً لِبَيْعَتِكُمَا وَ إِلَّا فُرْقَةً لِأُمَّتِكُمَا فَحَلَفَا لَهُ فَأَذِنَ لَهُمَا ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَيَّ فَقَالَ وَ اللَّهِ مَا يُرِيدَانِ الْعُمْرَةَ قُلْتُ فَلِمَ أَذِنْتَ لَهُمَا قَالَ حَلَفَا لِي بِاللَّهِ قَالَ فَخَرَجَا إِلَى مَكَّةَ فَدَخَلَا عَلَى عَائِشَةَ فَلَمْ يَزَالا بِهَا حَتَّى أَخْرَجَاهَا.

69

(1)

-

شاج، الإرشاد و الإحتجاج وَ رُوِيَ عَنْهُ(ع)

أَنَّهُ قَالَ عِنْدَ تَوَجُّهِهِمَا إِلَى مَكَّةَ لِلِاجْتِمَاعِ مَعَ عَائِشَةَ فِي التَّأْلِيبِ عَلَيْهِ بَعْدَ أَنْ حَمِدَ اللَّهَ تَعَالَى وَ أَثْنَى عَلَيْهِ أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ بَعَثَ مُحَمَّداً(ص)لِلنَّاسِ كَافَّةً وَ جَعَلَهُ‏

رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ‏

فَصَدَعَ بِمَا أُمِرَ بِهِ وَ بَلَّغَ رِسَالَةَ رَبِّهِ فَلَمَّ بِهِ الصَّدْعَ وَ رَتَقَ بِهِ الْفَتْقَ وَ آمَنَ بِهِ السُّبُلَ وَ حَقَنَ بِهِ الدِّمَاءَ وَ أَلَّفَ بِهِ بَيْنَ ذَوِي الْإِحَنِ وَ الْعَدَاوَةِ وَ الْوَغْرِ فِي الصُّدُورِ وَ الضَّغَائِنِ الرَّاسِخَةِ فِي الْقُلُوبِ ثُمَّ قَبَضَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ حَمِيداً لَمْ يُقَصِّرْ فِي الْغَايَةِ الَّتِي إِلَيْهَا أَدَّى الرِّسَالَةَ وَ لَا بَلَّغَ شَيْئاً كَانَ فِي التَّقْصِيرِ عَنْهُ الْقَصْدُ وَ كَانَ مِنْ بَعْدِهِ مَا كَانَ مِنَ التَّنَازُعِ فِي الْإِمْرَةِ فَتَوَلَّى أَبُو بَكْرٍ وَ بَعْدَهُ عُمَرُ ثُمَّ تَوَلَّى عُثْمَانُ فَلَمَّا كَانَ مِنْ أَمْرِهِ مَا كَانَ أَتَيْتُمُونِي فَقُلْتُمْ بَايِعْنَا فَقُلْتُ لَا أَفْعَلُ قُلْتُمْ بَلَى فَقُلْتُ لَا وَ قَبَضْتُ يَدِي فَبَسَطْتُمُوهَا وَ نَازَعْتُكُمْ فَجَذَبْتُمُوهَا وَ حَتَّى تَدَاكَكْتُمْ عَلَيَّ كَتَدَاكُكِ الْإِبِلِ الْهِيمِ عَلَى حِيَاضِهَا يَوْمَ وُرُودِهَا حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّكُمْ قَاتِلِيَّ وَ أَنَّ بَعْضَكُمْ قَاتِلُ بَعْضٍ وَ بَسَطْتُ يَدِي‏

____________

(1). 69- رواه الشيخ المفيد (رحمه اللّه) في الفصل: (17) مما اختار من كلام أمير المؤمنين في كتاب الإرشاد(ص)130.

و رواه الطبرسيّ (رحمه اللّه) في كتاب الاحتجاج: ج 1،(ص)235 ط الغري و في ط بيروت(ص)161.

99

فَبَايَعْتُمُونِي مُخْتَارِينَ وَ بَايَعَنِي فِي أَوَّلِكُمْ طَلْحَةُ وَ الزُّبَيْرُ طَائِعَيْنِ غَيْرَ مُكْرَهَيْنِ ثُمَّ لَمْ يَلْبَثَا أَنِ اسْتَأْذَنَانِي فِي الْعُمْرَةِ وَ اللَّهُ يَعْلَمُ أَنَّهُمَا أَرَادَا الْغَدْرَةَ فَجَدَّدْتُ عَلَيْهِمَا الْعَهْدَ فِي الطَّاعَةِ وَ أَنْ لَا يَبْغِيَا الْأُمَّةَ الْغَوَائِلَ فَعَاهَدَانِي ثُمَّ لَمْ يَفِيَا لِي وَ نَكَثَا بَيْعَتِي وَ نَقَضَا عَهْدِي فَعَجَباً لَهُمَا مِنِ انْقِيَادِهِمَا لِأَبِي بَكْرٍ وَ عُمَرَ وَ خِلَافِهِمَا لِي وَ لَسْتُ بِدُونِ أَحَدِ الرَّجُلَيْنِ وَ لَوْ شِئْتُ أَنْ أَقُولَ لَقُلْتُ اللَّهُمَّ اغْضَبْ عَلَيْهِمَا بِمَا صَنَعَا وَ أَظْفِرْنِي بِهِمَا.

بيان: اللم الإصلاح و الجمع و الإحن كعنب جمع إحنة بالكسر و هي الحقد و يقال في صدره علي وغر بالتسكين أي ضغن و عداوة و توقد من الغيظ و المصدر بالتحريك قوله(ع)و لو شئت أن أقول لقلت كناية أبلغ من الصريح في ذم الرجلين و كفرهما.

70

(1)

-

ج، الإحتجاج وَ قَالَ(ع)فِي أَثْنَاءِ كَلَامٍ آخَرَ

وَ هَذَا طَلْحَةُ وَ الزُّبَيْرُ لَيْسَا مِنْ أَهْلِ بَيْتِ النُّبُوَّةِ وَ لَا مِنْ ذُرِّيَّةِ الرَّسُولِ حِينَ رَأَيَا أَنَّ اللَّهَ قَدْ رَدَّ عَلَيْنَا حَقَّنَا بَعْدَ أَعْصُرٍ فَلَمْ يَصْبِرَا حَوْلًا كَامِلًا وَ لَا شَهْراً كَامِلًا حَتَّى وَثَبَا عَلَى دَأْبِ الْمَاضِينَ قَبْلَهُمَا لِيَذْهَبَا بِحَقِّي وَ يُفَرِّقَا جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ عَنِّي ثُمَّ دَعَا عَلَيْهِمَا.

71

(2)

-

ما، الأمالي للشيخ الطوسي الْمُفِيدُ عَنِ الْكَاتِبِ عَنِ الزَّعْفَرَانِيِّ عَنِ الثَّقَفِيِّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ إِسْحَاقَ الضَّبِّيِّ عَنْ حَمْزَةَ بْنِ نَصْرٍ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ رَجَاءٍ الزُّبَيْدِيِّ قَالَ:

لَمَّا رَجَعَتْ رُسُلُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ(ع)مِنْ عِنْدِ طَلْحَةَ

____________

(1). 70- ذكره الطبرسيّ (رحمه اللّه) في كتاب الاحتجاج: ج 1(ص)162، ط بيروت.

(2). 71- رواه الشيخ الطوسيّ (رحمه اللّه) في الحديث: (36) من الجزء السادس من كتاب الأمالي: ج 1،(ص)106، و في ط بيروت(ص)171.

و للحديث مصادر و أسانيد يجد الباحث بعضها في المختار: (95) من نهج السعادة: ج 1(ص)309 ط 2.

100

وَ الزُّبَيْرِ وَ عَائِشَةَ يُؤْذِنُونَهُ بِالْحَرْبِ قَامَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَ أَثْنَى عَلَيْهِ وَ صَلَّى عَلَى مُحَمَّدٍ(ص)ثُمَّ قَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ رَاقَبْتُ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ كَيْمَا يَرْعَوُوا وَ يَرْجِعُوا وَ قَدْ وَبَّخْتُهُمْ بِنَكْثِهِمْ وَ عَرَّفْتُهُمْ بَغْيَهُمْ فَلَيْسُوا يَسْتَجِيبُونَ أَلَا وَ قَدْ بَعَثُوا إِلَيَّ أَنْ أَبْرُزَ لِلطِّعَانِ وَ أَصْبِرَ لِلْجِلَادِ فَإِنَّمَا مَنَّتْكَ نَفْسُكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْأَبَاطِيلِ هَبِلَتْهُمُ الْهَبُولُ قَدْ كُنْتُ وَ مَا أُهَدَّدُ بِالْحَرْبِ وَ لَا أُرْهَبُ بِالضَّرْبِ وَ أَنَا عَلَى مَا وَعَدَنِي رَبِّي مِنَ النَّصْرِ وَ التَّأْيِيدِ وَ الظَّفَرِ وَ إِنِّي لَعَلَى يَقِينٍ مِنْ رَبِّي وَ فِي غَيْرِ شُبْهَةٍ مِنْ أَمْرِي أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ الْمَوْتَ لَا يَفُوتُهُ الْمُقِيمُ وَ لَا يُعْجِزُهُ الْهَارِبُ لَيْسَ عَنِ الْمَوْتِ مَحِيصٌ مَنْ لَمْ يُقْتَلْ يَمُتْ‏

(1)

إِنَّ أَفْضَلَ الْمَوْتِ الْقَتْلُ وَ الَّذِي نَفْسُ ابْنِ أَبِي طَالِبٍ بِيَدِهِ لَأَلْفُ ضَرْبَةٍ بِالسَّيْفِ لَأَهْوَنُ عَلَيَّ مِنْ مَوْتٍ عَلَى فِرَاشٍ يَا عَجَباً لِطَلْحَةَ أَلَّبَ عَلَى ابْنِ عَفَّانَ حَتَّى إِذَا قُتِلَ أَعْطَانِي صَفْقَةَ يَمِينِهِ طَائِعاً ثُمَّ نَكَثَ بَيْعَتِي وَ طَفِقَ يَنْعَى ابْنَ عَفَّانَ ظَالِماً وَ جَاءَ يَطْلُبُنِي يَزْعُمُ بِدَمِهِ وَ اللَّهِ مَا صَنَعَ فِي أَمْرِ عُثْمَانَ وَاحِدَةً مِنْ ثَلَاثٍ لَئِنْ كَانَ ابْنُ عَفَّانَ ظَالِماً كَمَا كَانَ يَزْعُمُ حِينَ حَصَرَهُ وَ أَلَّبَ عَلَيْهِ إِنَّهُ كَانَ لَيَنْبَغِي أَنْ يُؤَازِرَ قَاتِلِيهِ وَ أَنْ يُنَابِذَ نَاصِرِيهِ وَ إِنْ كَانَ فِي تِلْكَ الْحَالِ مَظْلُوماً إِنَّهُ لَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَعَهُ وَ إِنْ كَانَ فِي شَكٍّ مِنَ الْخَصْلَتَيْنِ لَقَدْ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَعْتَزِلَهُ وَ يَلْزَمَ بَيْتَهُ وَ يَدَعَ النَّاسَ جَانِباً فَمَا فَعَلَ مِنْ هَذِهِ الْخِصَالِ وَاحِدَةً وَ هَا هُوَ ذَا قَدْ أَعْطَانِي صَفْقَةَ يَمِينِهِ غَيْرَ مَرَّةٍ ثُمَّ نَكَثَ بَيْعَتَهُ اللَّهُمَّ فَخُذْهُ وَ لَا تُمْهِلْهُ أَلَا وَ إِنَّ الزُّبَيْرَ قَطَعَ رَحِمِي وَ قَرَابَتِي وَ نَكَثَ بَيْعَتِي وَ نَصَبَ لِيَ الْحَرْبَ وَ هُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ ظَالِمٌ لِي اللَّهُمَّ فَاكْفِنِيهِ بِمَ شِئْتَ.

____________

(1) هذا هو الصواب، و في أصلي: «من لم يمت يقتل.