بحار الأنوار - ج32

- العلامة المجلسي المزيد...
619 /
401

أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّهُ مَنْ لَمْ يَنْتَفِعْ بِمَا وُعِظَ لَمْ يَحْذَرْ مَا هُوَ غَابِرٌ وَ مَنْ أَعْجَبَتْهُ الدُّنْيَا رَضِيَ بِهَا وَ لَيْسَتْ بِثِقَةٍ فَاعْتَبِرْ بِمَا مَضَى تَحْذَرْ مَا بَقِيَ وَ اطْبُخْ لِلْمُسْلِمِينَ قِبَلَكَ مِنَ الطِّلَاءِ مَا يَذْهَبُ ثُلُثَاهُ وَ يَبْقَى ثُلُثُهُ وَ أَكْثِرْ لَنَا مِنْ لَطَفِ الْجُنْدِ وَ اجْعَلْهُ مَكَانَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ أَرْزَاقِ الْجُنْدِ فَإِنَّ لِلْوِلْدَانِ عَلَيْنَا حَقّاً وَ فِي الذُّرِّيَّةِ مَنْ يُخَافُ دُعَاؤُهُ وَ هُوَ لَهُمْ صَالِحٌ وَ السَّلَامُ‏

(1)

وَ كَتَبَ إِلَى بَعْضِ وُلَاتِهِ‏

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

مِنْ عَبْدِ اللَّهِ عَلِيٍّ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرٍ

(2)

أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ خَيْرَ النَّاسِ عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ أَقْوَمُهُمْ لِلَّهِ بِالطَّاعَةِ فِيمَا لَهُ وَ عَلَيْهِ وَ أَقْوَلُهُمْ بِالْحَقِّ وَ لَوْ كَانَ مُرّاً فَإِنَّ الْحَقَّ بِهِ قَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَ الْأَرْضُ وَ لْتَكُنْ سَرِيرَتُكَ كَعَلَانِيَتِكَ وَ لْيَكُنْ حُكْمُكَ وَاحِداً وَ طَرِيقَتُكَ مُسْتَقِيمَةً فَإِنَّ الْبَصْرَةَ مَهْبِطُ الشَّيْطَانِ فَلَا تَفْتَحَنَّ عَلَى يَدِ أَحَدٍ مِنْهُمْ بَاباً لَا نُطِيقُ سَدَّهُ نَحْنُ وَ لَا أَنْتَ وَ السَّلَامُ وَ كَتَبَ(ع)إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْعَبَّاسِ‏

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

مِنْ عَبْدِ اللَّهِ عَلِيٍّ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ‏

____________

(1) كذا في طبع الكمبانيّ من كتاب البحار، و في طبع مصر من كتاب صفّين: «الأسود بن قطنة».

و الكتاب رواه السيّد الرضيّ على نهج آخر في المختار: (59) من باب كتاب أمير المؤمنين (عليه السلام) من نهج البلاغة، و فيه: «الأسود بن قطبة».

(2) كذا في الأصل و مثله في كتاب صفّين، و هذا سهو من الرواة أو الكتاب فإن عليا (عليه السلام) لم يول ابن عامر آنا من الزمان حتّى يكتب إليه، و الصواب: «إلى عبد اللّه بن عباس ...».

402

عَبَّاسٍ أَمَّا بَعْدُ فَانْظُرْ مَا اجْتَمَعَ عِنْدَكَ مِنْ غَلَّاتِ الْمُسْلِمِينَ وَ فَيْئِهِمْ فَاقْسِمْهُ عَلَى مَنْ قِبَلَكَ حَتَّى تُغْنِيَهُمْ وَ ابْعَثْ إِلَيْنَا بِمَا فَضَلَ نَقْسِمْهُ فِيمَنْ قِبَلَنَا وَ السَّلَامُ وَ أَيْضاً كَتَبَ(ع)إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ‏

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

مِنْ عَبْدِ اللَّهِ عَلِيٍّ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ يَسُرُّهُ دَرْكُ مَا لَمْ يَكُنْ لِيَفُوتَهُ وَ يَسُوؤُهُ فَوْتُ مَا لَمْ يَكُنْ لِيُدْرِكَهُ وَ إِنْ جَهَدَ فَلْيَكُنْ سُرُورُكَ فِيمَا قَدَّمْتَ مِنْ حُكْمٍ أَوْ مَنْطِقٍ أَوْ سِيرَةٍ وَ لْيَكُنْ أَسَفُكَ عَلَى مَا فَرَّطْتَ لِلَّهِ مِنْ ذَلِكَ وَ دَعْ مَا فَاتَكَ مِنَ الدُّنْيَا فَلَا تُكْثِرْ بِهِ حَزَناً وَ مَا أَصَابَكَ فِيهَا فَلَا تَبْغِ بِهِ سُرُوراً وَ لْيَكُنْ هَمُّكَ فِيمَا بَعْدَ الْمَوْتِ وَ السَّلَامُ أَقُولُ ثُمَّ ذَكَرَ كِتَابَهُ(ع)إِلَى مُعَاوِيَةَ وَ جَوَابَهُ كَمَا سَيَأْتِي ثُمَّ قَالَ وَ كَتَبَ إِلَى عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ الدُّنْيَا مَشْغَلَةٌ عَنْ غَيْرِهَا وَ صَاحِبَهَا مَقْهُورٌ فِيهَا لَمْ يُصِبْ مِنْهَا شَيْئاً قَطُّ إِلَّا فَتَحَتْ لَهُ حِرْصاً وَ أَدْخَلَتْ عَلَيْهِ مَئُونَةً تَزِيدُهُ رَغْبَةً فِيهَا وَ لَنْ يَسْتَغْنِيَ صَاحِبُهَا بِمَا نَالَ عَمَّا لَمْ يَبْلُغْهُ وَ مِنْ وَرَاءِ ذَلِكَ فِرَاقُ مَا جَمَعَ وَ السَّعِيدُ مَنْ وُعِظَ بِغَيْرِهِ فَلَا تُحْبِطْ أَجْرَكَ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ وَ لَا تَجَارَيَنَّ مُعَاوِيَةَ فِي بَاطِلِهِ فَإِنَّ مُعَاوِيَةَ غَمَصَ النَّاسَ وَ سَفِهَ الْحَقَّ فَكَتَبَ إِلَيْهِ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ مِنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ إِلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ الَّذِي فِيهِ صَلَاحُنَا وَ أُلْفَةُ ذَاتِ بَيْنِنَا أَنْ تُنِيبَ إِلَى الْحَقِّ وَ أَنْ تُجِيبَ إِلَى مَا تُدْعَوْنَ إِلَيْهِ مِنْ شُورَى فَصَبَّرَ الرَّجُلُ مِنَّا نَفْسَهُ عَلَى الْحَقِّ وَ عَذَّرَهُ النَّاسُ بِالْمُحَاجَزَةِ وَ السَّلَامُ فَجَاءَ الْكِتَابُ إِلَى عَلِيٍّ(ع)قَبْلَ أَنْ يَرْتَحِلَ مِنَ النُّخَيْلَةِ.

403

قَالَ نَصْرٌ رَوَى عُمَرُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ أَبِي رَوْقٍ قَالَ:

قَالَ زِيَادُ بْنُ النَّضْرِ الْحَارِثِيُّ لِعَبْدِ اللَّهِ بُدَيْلِ بْنِ وَرْقَاءَ إِنَّ يَوْمَنَا وَ يَوْمَهُمْ لَيَوْمٌ عَصِيبٌ مَا يَصْبِرُ عَلَيْهِ إِلَّا كُلُّ قَوِيِّ الْقَلْبِ صَادِقِ النِّيَّةِ رَابِطِ الْجَأْشِ وَ ايْمُ اللَّهِ مَا أَظُنُّ ذَلِكَ الْيَوْمَ يَبْقَى مِنَّا وَ مِنْهُمْ إِلَّا رُذَالًا قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُدَيْلٍ وَ أَنَا وَ اللَّهِ أَظُنُّ ذَلِكَ فَقَالَ عَلِيٌّ(ع)لِيَكُنْ هَذَا الْكَلَامُ مَخْزُوناً فِي صُدُورِكُمَا لَا تُظْهِرَاهُ وَ لَا يَسْمَعْهُ مِنْكُمْ سَامِعٌ‏

(1)

إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْقَتْلَ عَلَى قَوْمٍ وَ الْمَوْتَ عَلَى آخَرِينَ وَ كُلٌّ آتِيَةٌ مَنِيَّتُهُ كَمَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ فَطُوبَى لِلْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَ الْمَقْتُولِينَ فِي طَاعَتِهِ فَلَمَّا سَمِعَ هَاشِمُ بْنُ عُتْبَةَ مَقَالَتَهُمْ حَمِدَ اللَّهَ وَ أَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ سِرْ بِنَا إِلَى هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ الْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ الَّذِينَ نَبَذُوا كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَ عَمِلُوا فِي عِبَادِ اللَّهِ بِغَيْرِ رِضَا اللَّهِ فَأَحَلُّوا حَرَامَهُ وَ حَرَّمُوا حَلَالَهُ وَ اسْتَهْوَاهُمُ الشَّيْطَانُ‏

(2)

وَ وَعَدَهُمْ الْأَبَاطِيلَ وَ مَنَّاهُمُ الْأَمَانِيَّ حَتَّى أَزَاغَهُمْ عَنِ الْهُدَى وَ قَصَدَ بِهِمْ قَصْدَ الرَّدَى وَ حَبَّبَ إِلَيْهِمُ الدُّنْيَا فَهُمْ يُقَاتِلُونَ عَلَى دُنْيَاهُمْ رَغْبَةً فِيهَا كَرَغْبَتِنَا فِي الْآخِرَةِ إِنْجَازُنَا مَوْعُودُ رَبِّنَا وَ أَنْتَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَقْرَبُ النَّاسِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ(ص)رَحِماً وَ أَفْضَلُ النَّاسِ سَابِقَةً وَ قِدَماً وَ هُمْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ يَعْلَمُونَ مِنْكَ مِثْلَ الَّذِي عَلِمْنَا وَ لَكِنْ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الشَّقَاءُ وَ مَالَتْ بِهِمُ الْأَهْوَاءُ وَ كَانُوا ظَالِمِينَ فَأَيْدِينَا مَبْسُوطَةٌ لَكَ بِالسَّمْعِ وَ الطَّاعَةِ وَ قُلُوبُنَا مُنْشَرِحَةٌ لَكَ بِبَذْلِ النَّصِيحَةِ وَ أَنْفُسُنَا

____________

(1) هذا هو الظاهر الموافق لما في كتاب صفّين(ص)111، ط مصر، و في ط الكمبانيّ:

«فى صدوركم لا تظهروه و لا يسمعه منكم سامع ...».

(2) كذا في ط الكمبانيّ من البحار و ط القديم من كتاب صفّين.

و في شرح المختار: (46) من نهج البلاغة من شرح ابن أبي الحديد: ج 1(ص)628: «و استهوى بهم الشيطان ...».

404

بِنُورِكَ جَذِلَةٌ عَلَى مَنْ خَالَفَكَ وَ تَوَلَّى الْأَمْرَ دُونَكَ وَ اللَّهِ مَا أُحِبُّ أَنَّ لِي مَا عَلَى الْأَرْضِ مِمَّا أَقَلَّتْ وَ مَا تَحْتَ السَّمَاءِ مِمَّا أَظَلَّتْ وَ أَنِّي وَالَيْتُ عَدُوّاً لَكَ أَوْ عَادَيْتُ وَلِيّاً لَكَ فَقَالَ عَلِيٌّ(ع)اللَّهُمَّ ارْزُقْهُ الشَّهَادَةَ فِي سَبِيلِكَ وَ الْمُرَافَقَةَ لِنَبِيِّكَ ثُمَّ إِنَّ عَلِيّاً صَعِدَ الْمِنْبَرَ فَخَطَبَ النَّاسَ وَ دَعَاهُمْ إِلَى الْجِهَادِ فَبَدَأَ بِحَمْدِ اللَّهِ وَ الثَّنَاءِ عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَكْرَمَكُمْ بِدِينِهِ وَ خَلَقَكُمْ لِعِبَادَتِهِ فَأَنْصِبُوا أَنْفُسَكُمْ فِي أَدَائِهَا وَ تَنَجَّزُوا مَوْعُودَهُ وَ اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ جَعَلَ أَمْرَاسَ الْإِسْلَامِ مَتِينَةً وَ عُرَاهُ وَثِيقَةً ثُمَّ جَعَلَ الطَّاعَةَ حَظَّ الْأَنْفُسِ وَ رِضَا الرَّبِّ وَ غَنِيمَةَ الْأَكْيَاسِ عِنْدَ تَفْرِيطِ الْعَجَزَةِ وَ قَدْ حَمَلْتُ أَمْرَ أَسْوَدِهَا وَ أَحْمَرِهَا وَ

لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ‏

وَ نَحْنُ سَائِرُونَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ إِلَى‏

مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ‏

وَ تَنَاوَلَ مَا لَيْسَ لَهُ وَ مَا لَا يُدْرِكُهُ مُعَاوِيَةُ وَ جُنْدُهُ الْفِئَةُ الطَّاغِيَةُ الْبَاغِيَةُ يَقُودُهُمْ إِبْلِيسُ وَ يُبَرِّقُ لَهُمْ بَيَارِقَ تَسْوِيفِهِ وَ يُدْلِيهِمْ بِغُرُورِهِ وَ أَنْتُمْ أَعْلَمُ النَّاسِ بِالْحَلَالِ وَ الْحَرَامِ فَاسْتَغْنُوا بِمَا عَلِمْتُمْ وَ احْذَرُوا مَا حَذَّرَكُمُ اللَّهُ مِنَ الشَّيْطَانِ وَ ارْغَبُوا فِيمَا هَيَّأَ لَكُمْ عِنْدَهُ مِنَ الْأَجْرِ وَ الْكَرَامَةِ وَ اعْلَمُوا أَنَّ الْمَسْلُوبَ مَنْ سُلِبَ دِينَهُ وَ أَمَانَتَهُ وَ الْمَغْرُورَ مَنْ آثَرَ الضَّلَالَةَ عَلَى الْهُدَى فَلَا أَعْرِفَنَّ أَحَداً مِنْكُمْ تَقَاعَسَ عَنِّي وَ قَالَ فِي غَيْرِي كِفَايَةٌ فَإِنَّ الذَّوْدَ إِلَى الذَّوْدِ إِبِلٌ مَنْ لَا يَذُدْ عَنْ حَوْضِهِ يُهَدَّمْ‏

405

ثُمَّ إِنِّي آمُرُكُمْ بِالشِّدَّةِ فِي الْأَمْرِ وَ الْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَ أَنْ لَا تَغْتَابُوا مُسْلِماً وَ انْتَظِرُوا النَّصْرَ الْعَاجِلَ مِنَ اللَّهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ قَامَ ابْنُهُ الْحَسَنُ(ع)فَقَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ لَا إِلَهَ غَيْرُهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ ثُمَّ إِنَّ مِمَّا عَظَّمَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ مِنْ حَقِّهِ وَ أَسْبَغَ عَلَيْكُمْ مِنْ نِعَمِهِ مَا لَا يُحْصَى ذِكْرُهُ وَ لَا يُؤَدَّى شُكْرُهُ وَ لَا يَبْلُغُهُ قَوْلٌ وَ لَا صِفَةٌ وَ نَحْنُ إِنَّمَا غَضَبْنَا لِلَّهِ وَ لَكُمْ فَإِنَّهُ مَنَّ عَلَيْنَا بِمَا هُوَ أَهْلُهُ أَنْ نَشْكُرَ فِيهِ آلَاءَهُ وَ بَلَاءَهُ وَ نَعْمَاءَهُ قَوْلٌ يَصْعَدُ إِلَى اللَّهِ فِيهِ الرِّضَا وَ تَنْتَشِرُ فِيهِ عَارِفَةُ الصِّدْقِ يُصَدِّقُ اللَّهُ فِيهِ قَوْلَنَا وَ نَسْتَوْجِبُ فِيهِ الْمَزِيدَ مِنْ رَبِّنَا قَوْلًا يَزِيدُ وَ لَا يَبِيدُ فَإِنَّهُ لَمْ يَجْتَمِعْ قَوْمٌ قَطُّ عَلَى أَمْرٍ وَاحِدٍ إِلَّا اشْتَدَّ أَمْرُهُمْ وَ اسْتَحْكَمَتْ عُقْدَتُهُمْ فَاحْتَشِدُوا فِي قِتَالِ عَدُوِّكُمْ مُعَاوِيَةَ وَ جُنُودِهِ فَإِنَّهُ قَدْ حَضَرَ وَ لَا تَخَاذَلُوا فَإِنَّ الْخِذْلَانَ يَقْطَعُ نِيَاطَ الْقُلُوبِ وَ إِنَّ الْإِقْدَامَ عَلَى الْأَسِنَّةِ نَجْدَةٌ وَ عِصْمَةٌ لِأَنَّهُ لَمْ يَمْتَنِعْ قَوْمٌ قَطُّ إِلَّا دَفَعَ اللَّهُ عَنْهُمُ الْعِلَّةَ وَ كَفَاهُمْ جَوَائِحَ الذِّلَّةِ وَ هَدَاهُمْ إِلَى مَعَالِمِ الْمِلَّةِ ثُمَّ أَنْشَدَ

وَ الصُّلْحُ تَأْخُذُ مِنْهُ مَا رَضِيتَ بِهِ* * * -وَ الْحَرْبُ بكفيك [يَكْفِيكَ مِنْ أَنْفَاسِهَا جُرَعٌ-

ثُمَّ قَامَ الْحُسَيْنُ(ع)فَحَمِدَ اللَّهَ وَ أَثْنَى عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ وَ قَالَ يَا أَهْلَ الْكُوفَةِ أَنْتُمُ الْأَحِبَّةُ الْكُرَمَاءُ وَ الشِّعَارُ دُونَ الدِّثَارِ فَجِدُّوا فِي إِحْيَاءِ مَا دَثَرَ بَيْنَكُمْ وَ تَسْهِيلِ مَا تَوَعَّرَ عَلَيْكُمْ أَلَا إِنَّ الْحَرْبَ شَرُّهَا ذَرِيعٌ وَ طَعْمُهَا فَظِيعٌ وَ هِيَ جُرَعٌ مستحساة [مُتَحَسَّاةٌ فَمَنْ أَخَذَ لَهَا أُهْبَتَهَا وَ اسْتَعَدَّ لَهَا عُدَّتَهَا وَ لَمْ يَأْلَمْ كُلُومَهَا عِنْدَ حُلُولِهَا فَذَاكَ صَاحِبُهَا وَ مَنْ عَاجَلَهَا قَبْلَ أَوَانِ فُرْصَتِهَا وَ اسْتِبْصَارِ سَعْيِهِ فِيهَا فَذَاكَ قَمَنٌ أَنْ لَا يَنْفَعَ قَوْمَهُ‏

406

وَ أَنْ يُهْلِكَ نَفْسَهُ نَسْأَلُ اللَّهَ بِقُوَّتِهِ أَنْ يَدْعَمَكُمْ بِالْفِئَةِ

(1)

ثُمَّ نَزَلَ قَالَ نَصْرٌ فَأَجَابَ عَلِيّاً(ع)إِلَى الْمَسِيرِ جُلُّ النَّاسِ إِلَّا أَنَّ أَصْحَابَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أَتَوْهُ وَ فِيهِمْ عَبِيدَةُ السَّلْمَانِيُّ وَ أَصْحَابُهُ فَقَالُوا لَهُ إِنَّا نَخْرُجُ مَعَكُمْ وَ لَا نَنْزِلُ عَسْكَرَكُمْ وَ نُعَسْكِرُ عَلَى حِدَةٍ حَتَّى نَنْظُرَ فِي أَمْرِكُمْ وَ أَمْرِ أَهْلِ الشَّامِ فَمَنْ رَأَيْنَاهُ أَرَادَ مَا لَا يَحِلُّ لَهُ أَوْ بَدَا لَنَا مِنْهُ بَغْيٌ كُنَّا عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُمْ عَلِيٌّ(ع)مَرْحَباً وَ أَهْلًا هَذَا هُوَ الْفِقْهُ فِي الدِّينِ وَ الْعِلْمُ بِالسُّنَّةِ مَنْ لَمْ يَرْضَ فَهُوَ خَائِنٌ جَائِرٌ وَ أَتَاهُ آخَرُونَ مِنْ أَصْحَابِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ فِيهِمْ رَبِيعُ بْنُ خُثَيْمٍ وَ هُمْ يَوْمَئِذٍ أَرْبَعُمِائَةِ رَجُلٍ فَقَالُوا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّا شَكَكْنَا فِي هَذَا الْقِتَالِ عَلَى مَعْرِفَتِنَا بِفَضْلِكَ وَ لَا غَنَاءَ بِنَا وَ لَا بِكَ وَ لَا بِالْمُسْلِمِينَ عَمَّنْ يُقَاتِلُ الْعَدُوَّ فَوَلِّنَا بَعْضَ هَذِهِ الثُّغُورِ نَكُونُ بِهِ نُقَاتِلُ عَنْ أَهْلِهِ فَوَجَّهَهُ عَلِيٌّ(ع)إِلَى ثَغْرِ الرَّيِّ فَكَانَ أَوَّلُ لِوَاءٍ عَقَدَهُ بِالْكُوفَةِ لِوَاءَ رَبِيعِ بْنِ خُثَيْمٍ.

372-

نَصْرٌ عَنْ عُمَرَ بْنِ سَعْدٍ عَنْ لَيْثِ بْنِ أَبِي سُلَيْمٍ قَالَ:

دَعَا عَلِيٌّ(ع)بَاهِلَةَ فَقَالَ يَا مَعْشَرَ بَاهِلَةَ أُشْهِدُ اللَّهَ أَنَّكُمْ تُبْغِضُونِّي وَ أُبْغِضُكُمْ فَخُذُوا عَطَاءَكُمْ وَ أَخْرِجُوا إِلَى الدَّيْلَمِ وَ كَانُوا قَدْ كَرِهُوا أَنْ يَخْرُجُوا مَعَهُ إِلَى صِفِّينَ‏

(2)

.

373-

وَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْفٍ قَالَ:

إِنَّ عَلِيّاً(ع)لَمْ يَبْرَحِ النُّخَيْلَةَ حَتَّى‏

____________

(1) كذا في أصلى، و في كتاب صفّين: «نسأل اللّه بعونه أن يدعمكم بألفته».

(2) ما بين المعقوفين مأخوذ من كتاب صفّين، و ما نقله المصنّف عنه في الباب: «...» الآتى في(ص)603 من طبعة الكمبانيّ.

407

قَدِمَ عَلَيْهِ ابْنُ عَبَّاسٍ بِأَهْلِ الْبَصْرَةِ قَالَ وَ كَانَ كَتَبَ عَلِيٌّ(ع)إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ أَمَّا بَعْدُ فَاشْخَصْ إِلَيَّ بِمَنْ قِبَلَكَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَ الْمُؤْمِنِينَ وَ ذَكِّرْهُمْ بَلَائِي عِنْدَهُمْ وَ عَفْوِي عَنْهُمْ وَ اسْتِبْقَائِي لَهُمْ وَ رَغِّبْهُمْ فِي الْجِهَادِ وَ أَعْلِمْهُمُ الَّذِي لَهُمْ فِي ذَلِكَ مِنَ الْفَضْلِ وَ السَّلَامُ قَالَ فَلَمَّا وَصَلَ كِتَابُهُ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ بِالْبَصْرَةِ قَامَ فِي النَّاسِ فَقَرَأَ عَلَيْهِمُ الْكِتَابَ وَ حَمِدَ اللَّهَ وَ أَثْنَى عَلَيْهِ وَ قَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اسْتَعِدُّوا لِلشُّخُوصِ إِلَى إِمَامِكُمْ وَ

انْفِرُوا خِفافاً وَ ثِقالًا وَ جاهِدُوا بِأَمْوالِكُمْ وَ أَنْفُسِكُمْ‏

فَإِنَّكُمْ تُقَاتِلُونَ الْمُحِلِّينَ الْقَاسِطِينَ الَّذِينَ لَا يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ وَ لَا يَعْرِفُونَ حُكْمَ الْكِتَابِ‏

وَ لا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِ‏

مَعَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ وَ ابْنِ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ(ص)الْآمِرِ بِالْمَعْرُوفِ وَ النَّاهِي عَنِ الْمُنْكَرِ وَ الصَّادِعِ بِالْحَقِّ وَ الْقَيِّمِ بِالْهُدَى وَ الْحَاكِمِ بِحُكْمِ الْكِتَابِ الَّذِي لَا يَرْتَشِي فِي الْحُكْمِ وَ لَا يُداهِنُ الْفُجَّارَ وَ لَا تَأْخُذُهُ فِي اللَّهِ لَوْمَةُ لَائِمٍ فَقَامَ إِلَيْهِ الْأَحْنَفُ بْنُ قَيْسٍ فَقَالَ نَعَمْ وَ اللَّهِ لَنُجِيبَنَّكَ وَ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكَ عَلَى الْعُسْرِ وَ الْيُسْرِ وَ الرِّضَا وَ الْكُرْهِ نَحْتَسِبُ فِي ذَلِكَ الْخَيْرَ وَ نَأْمُلُ بِهِ مِنَ اللَّهِ الْعَظِيمَ مِنَ الْأَجْرِ وَ قَامَ إِلَيْهِ خَالِدُ بْنُ مَعْمَرٍ السَّدُوسِيُّ فَقَالَ سَمِعْنَا وَ أَطَعْنَا فَمَتَى اسْتَنْفَرْتَنَا نَفَرْنَا وَ مَتَى دَعَوْتَنَا أَجَبْنَا وَ قَامَ إِلَيْهِ عَمْرُو بْنُ مَرْحُومٍ الْعَبْدِيُّ فَقَالَ وَفَّقَ اللَّهُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَ جَمَعَ لَهُ أَمْرَ الْمُسْلِمِينَ وَ لَعَنَ الْمُحِلِّينَ الْقَاسِطِينَ الَّذِينَ لَا يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ نَحْنُ وَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ حَنِقُونَ وَ لَهُمْ فِي اللَّهِ مُفَارِقُونَ فَمَتَى أَرَدْتَنَا صَحِبَكَ خَيْلُنَا وَ رَجِلُنَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ فَأَجَابَ النَّاسُ إِلَى الْمَسِيرِ وَ نَشِطُوا وَ خَفُّوا وَ اسْتَعْمَلَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَلَى الْبَصْرَةِ أَبَا الْأَسْوَدِ الدُّؤَلِيَّ وَ خَرَجَ حَتَّى قَدِمَ عَلَى عَلِيٍّ(ع)بِالنُّخَيْلَةِ

408

وَ أَمَّرَ عَلِيٌّ الْأَسْبَاعَ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ

(1)

فَأَمَّرَ سَعْدَ بْنَ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيَّ عَلَى قَيْسٍ وَ عَبْدِ الْقَيْسِ وَ مَعْقِلَ بْنَ قَيْسٍ الْيَرْبُوعِيَّ عَلَى تَمِيمٍ وَ ضَبَّةَ وَ الرَّبَابِ وَ قُرَيْشٍ وَ كِنَانَةَ وَ الْأَسَدِ وَ مِخْنَفَ بْنَ سُلَيْمٍ عَلَى الْأَزْدِ وَ بَجِيلَةَ وَ خَثْعَمٍ وَ الْأَنْصَارِ وَ خُزَاعَةَ وَ حُجْرَ بْنَ عَدِيٍّ الْكِنْدِيَّ عَلَى كِنْدَةَ وَ حَضْرَمَوْتَ وَ قُضَاعَةَ وَ مَهْرَةَ وَ زِيَادَ بْنَ النَّضْرِ عَلَى مَذْحِجٍ وَ الْأَشْعَرِيِّينَ وَ سَعِيدَ بْنَ قَيْسِ بْنِ مُرَّةَ عَلَى هَمْدَانَ وَ مَنْ مَعَهُمْ مِنْ حِمْيَرٍ وَ عَدِيَّ بْنَ حَاتِمٍ عَلَى طَيِ‏ءٍ قَالَ نَصْرٌ وَ أَمَرَ عَلِيٌّ(ع)الْحَارِثَ الْأَعْوَرَ أَنَّ يُنَادِيَ فِي النَّاسِ اخْرُجُوا إِلَى مُعَسْكَرِكُمْ بِالنُّخَيْلَةِ فَنَادَى بِذَلِكَ وَ اسْتَخْلَفَ عُقْبَةَ بْنَ عَمْرٍو الْأَنْصَارِيَّ عَلَى الْكُوفَةِ ثُمَّ خَرَجَ وَ خَرَجَ النَّاسُ.

بيان: بقية الأحزاب أي أحزاب الشرك الذين تحزبوا على رسول الله(ص)و قوله(ع)الطريق مشترك أي طريق الحق مشترك بيني و بينكم يجب عليكم سلوكه كما يجب علي و الدبرة بالتحريك الهزيمة في القتال أي هم المنهزمون عن الحق و المدبرون عنه و إن ظفروا أو يلحقهم ضررها و عقابها.

و طما البحر ارتفع بأمواجه و الهب الانتباه من النوم و نشاط كل سائر و سرعته و هب يفعل كذا طفق ذكرها الفيروزآبادي و قال رجل محل أي منتهك للحرام أو لا يرى للشهر الحرام حرمة.

و أكثر لنا من لَطَف الجند أي ابعث الطلا إلينا كثيرا من جملة لطف الجند أي طعامهم قال في القاموس اللَّطَف بالتحريك اليسير من الطعام و غيره و بهاء الهدية انتهى.

____________

(1) كذا في كتاب صفّين، و في ط الكمبانيّ من البحار: «و أمر على الاشياع من أهل الكوفة و سعد بن مسعود ...».

409

و يمكن أن يقرأ لنأمن على الفعل من الأمن أي إذا علم الجند أن أرزاق أولادهم موفرة لا يخونوننا في لطفهم و عطفهم و هو لهم صالح أي الطلا صالح للذرية و الأطفال.

غمص الناس أي احتقرهم و لم يرهم شيئا و سفه الحق أي جهله أو عده سفها و يوم عصيب و عصبصب شديد و فلان رابط الجأش شجاع و هو جذل بالذال أي فرح و بالرأي أي صاحب رأي جيد و شديد.

و الأمراس الحبال إلى من سفه نفسه أي جعلها سفيهة استعمل استعمال المتعدي فهو في قوة سفه نفسا.

و ما لا يدركه أي الخلافة الواقعية و برقت السماء لمعت أو جاءت تبرق و البارق سحاب ذو برق.

و قال الجوهري الذود من الإبل ما بين الثلاث إلى العشر و هي مؤنثة لا واحد لها من لفظها و الكثير أذواد و في المثل الذود إلى الذود إبل قولهم إلى بمعنى مع أي إذا جمعت القليل مع القليل صار كثيرا.

و قال الزمخشري في المستقصى من لا يزد عن حوضه يهدم من قول زهير

و من لا يزد عن حوضه بسلاحه* * * يهدم و من لا يظلم الناس يظلم‏

. يضرب مثلا في تهضم غير المدافع عن نفسه انتهى.

و قال أبو عبيد أي من لا يدفع الضيم عن نفسه يركب بالظلم أَقُولُ رَوَى ابْنُ أَبِي الْحَدِيدِ أَكْثَرَ مَا رَوَيْنَاهُ‏ (1) عَنْ نَصْرٍ فَجَمَعْنَا بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ.

____________

(1) روى ابن أبي الحديد ما مر و ما يأتي عن نصر في كتاب صفّين- في شرح المختار:

(46) من نهج البلاغة من شرحه: ج 3(ص)180، ط مصر، و في طبع بيروت: ج 1،(ص)617- 636.

410

ثُمَّ قَالَ نَصْرٌ وَ ابْنُ أَبِي الْحَدِيدِ

وَ دَعَا عَلِيٌّ(ع)زِيَادَ بْنَ النَّضْرِ وَ شُرَيْحَ بْنَ هَانِئٍ وَ كَانَا عَلَى مَذْحِجٍ وَ الْأَشْعَرِيِّينَ فَقَالَ يَا زِيَادُ اتَّقِ اللَّهَ فِي كُلِّ مُمْسًى وَ مُصْبَحٍ وَ خَفْ عَلَى نَفْسِكَ الدُّنْيَا الْغَرُورَ وَ لَا تَأْمَنْهَا عَلَى حَالٍ مِنَ الْبَلَاءِ وَ اعْلَمْ أَنَّكَ إِنْ لَمْ تَزَعْهَا عَنْ كَثِيرٍ مِمَّا تُحِبُّ مَخَافَةَ مَكْرُوهِهِ سَمَتْ بِكَ الْأَهْوَاءُ إِلَى كَثِيرٍ مِنَ الضَّرَرِ فَكُنْ لِنَفْسِكَ مَانِعاً وَازِعاً مِنَ الْبَغْيِ وَ الظُّلْمِ وَ الْعُدْوَانِ فَإِنِّي قَدْ وَلَّيْتُكَ هَذَا الْجُنْدَ فَلَا تَسْتَطِيلَنَّ عَلَيْهِمْ إِنَّ خَيْرَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ وَ تَعَلَّمْ مِنْ عَالِمِهِمْ وَ عَلِّمْ جَاهِلَهُمْ وَ احْلُمْ عَنْ سَفِيهِهِمْ فَإِنَّكَ إِنَّمَا تُدْرِكُ الْخَيْرَ بِالْحِلْمِ وَ كَفِّ الْأَذَى وَ الْجَهْلِ فَقَالَ زِيَادٌ أَوْصَيْتَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ حَافِظاً لِوَصِيَّتِكَ مُؤَدَّباً بِأَدَبِكَ يَرَى الرُّشْدَ فِي نَفَاذِ أَمْرِكَ وَ الْغَيَّ فِي تَضْيِيعِ عَهْدِكَ فَأَمَرَهُمَا أَنْ يَأْخُذَا عَلَى طَرِيقٍ وَاحِدٍ وَ لَا يَخْتَلِفَا وَ بَعَثَهُمَا فِي اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفاً عَلَى مُقَدِّمَتِهِ وَ كُلٌّ مِنْهُمَا عَلَى جَمَاعَةٍ مِنْ هَذَا الْجَيْشِ فَلَمَّا سَارَا اخْتَلَفَا وَ كَتَبَ كُلٌّ مِنْهُمَا إِلَيْهِ يَشْكُو مِنْ صَاحِبِهِ فَكَتَبَ(ع)إِلَيْهِمَا مِنْ عَبْدِ اللَّهِ عَلِيٍّ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى زِيَادِ بْنِ النَّضْرِ وَ شُرَيْحِ بْنِ هَانِئٍ سَلَامٌ عَلَيْكُمَا فَإِنِّي أَحْمَدُ إِلَيْكُمَا اللَّهَ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي وَلَّيْتُ زِيَادَ بْنَ النَّضْرِ مُقَدِّمَتِي وَ أَمَّرْتُهُ عَلَيْهَا وَ شُرَيْحٌ عَلَى طَائِفَةٍ مِنْهَا أَمِيرٌ فَإِنْ جَمَعَكُمَا بَأْسٌ فَزِيَادٌ عَلَى النَّاسِ كُلِّهِمْ وَ إِنِ افْتَرَقْتُمَا فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمَا أَمِيرٌ عَلَى الطَّائِفَةِ الَّتِي وَلَّيْتُهُ عَلَيْهَا وَ اعْلَمَا أَنَّ مُقَدِّمَةَ الْقَوْمِ عُيُونُهُمْ وَ عُيُونَ الْمُقَدِّمَةِ طَلَائِعُهُمْ وَ إِذَا أَنْتُمَا خَرَجْتُمَا مِنْ بِلَادِكُمَا وَ دَنَوْتُمَا مِنْ بِلَادِ عَدُوِّكُمَا فَلَا تَسْأَمَا مِنْ تَوْجِيهِ الطَّلَائِعِ وَ مِنْ نَفْضِ الشِّعَابِ وَ الشَّجَرِ وَ الْخَمَرِ فِي كُلِّ جَانِبٍ كَيْلَا يَعْتَرِيَكُمَا عَدُوٌّ أَوْ يَكُونَ لَهُمْ‏

411

كَمِينٌ‏

(1)

وَ لَا تُسَيِّرَنَّ الْكَتَائِبَ مِنْ لَدُنِ الصَّبَاحِ إِلَى الْمَسَاءِ إِلَّا عَلَى تَعْبِئَةٍ فَإِنْ دَهِمَكُمْ دَهْمٌ أَوْ غَشِيَكُمْ مَكْرُوهٌ كُنْتُمْ قَدْ تَقَدَّمْتُمْ فِي التَّعْبِئَةِ فَإِذَا نَزَلْتُمْ بِعَدُوٍّ أَوْ نَزَلَ بِكُمْ عَدُوٌّ فَلْيَكُنْ مُعَسْكَرُكُمْ فِي قُبُلِ الْأَشْرَافِ أَوْ سِفَاحِ الْجِبَالِ أَوْ أَثْنَاءِ الْأَنْهَارِ كَيْمَا يَكُونَ لَكُمْ رِدْءاً وَ دُونَكُمْ مَرَدّاً وَ لْتَكُنْ مُقَاتَلَتُكُمْ مِنْ وَجْهٍ وَاحِدٍ أَوِ اثْنَيْنِ وَ اجْعَلُوا لَكُمْ رُقَبَاءَ فِي صَيَاصِي الْجِبَالِ وَ مَنَاكِبِ الْهِضَابِ لِئَلَّا يَأْتِيَكُمُ الْعَدُوُّ مِنْ مَكَانِ مَخَافَةٍ أَوْ أَمْنٍ وَ إِيَّاكُمْ وَ التَّفَرُّقَ فَإِذَا نَزَلْتُمْ فَانْزِلُوا جَمِيعاً وَ إِذَا رَحَلْتُمْ فَارْحَلُوا جَمِيعاً وَ إِذَا غَشِيَكُمُ اللَّيْلُ فَنَزَلْتُمْ فَحُفُّوا عَسْكَرَكُمْ بِالرِّمَاحِ وَ التِّرَسَةِ وَ لْتَكُنْ رُمَاتُكُمْ مِنْ وَرَاءِ تِرَسَتِكُمْ وَ رِمَاحُكُمْ يَلُونَهُمْ وَ مَا أَقَمْتُمْ فَكَذَلِكُمْ فَافْعَلُوا كَيْلَا تُصَابَ لَكُمْ غَفْلَةٌ وَ لَا تُلْفَى لَكُمْ غِرَّةٌ فَمَا مِنْ قَوْمٍ يَحُفُّونَ عَسْكَرَهُمْ بِرِمَاحِهِمْ وَ تِرَسَتِهِمْ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ إِلَّا كَانُوا كَأَنَّهُمْ فِي حُصُونٍ وَ احْرُسَا عَسْكَرَكُمَا بِأَنْفُسِكُمَا وَ إِيَّاكُمَا أَنْ تَذُوقَا نَوْماً حَتَّى تُصْبِحَا إِلَّا غِرَاراً أَوْ مَضْمَضَةً ثُمَّ لْيَكُنْ ذَلِكَ شَأْنَكُمَا وَ رَأْيَكُمَا إِلَى أَنْ تَنْتَهِيَا إِلَى عَدُوِّكُمَا وَ لْيَكُنْ عِنْدِي كُلَّ يَوْمٍ خَبَرُكُمَا وَ رَسُولٌ مِنْ قِبَلِكُمَا فَإِنَّنِي وَ لَا شَيْ‏ءٌ إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ حَثِيثُ السَّيْرِ فِي آثَارِكُمَا

____________

(1) كذا في أصلى و هو أظهر ممّا في شرح المختار: (46) من نهج البلاغة من شرح ابن أبي الحديد و ط مصر من كتاب صفّين(ص)123: «كيلا يغتركما عدو فيكون لكم كمين ...».

412

وَ عَلَيْكُمَا فِي حَرْبِكُمَا بِالتَّوْأَدَةِ

(1)

وَ إِيَّاكُمَا وَ الْعَجَلَةَ إِلَّا أَنْ يُمْكِنَكُمَا فُرْصَةٌ بَعْدَ الْإِعْذَارِ وَ الْحُجَّةِ وَ إِيَّاكُمَا أَنْ تُقَاتِلَا حَتَّى أَقْدَمَ عَلَيْكُمَا إِلَّا أَنْ تُبْدَءَا أَوْ يَأْتِيَكُمَا أَمْرِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ.

أقول: أورد ابن ميثم هذا المكتوب في شرحه و أورد السيد الرضي رضي الله عنه في النهج‏ (2) بعض هذا المكتوب على خلاف الترتيب و آخره و إذا غشيكم الليل فاجعلوا الرماح كفة و لا تذوقوا النوم إلا غرارا أو مضمضة.

و قال ابن ميثم العين الجاسوس و طليعة الجيش الذي يبعث ليطلع على حال العدو و نفض الشعاب استقراؤها.

أقول قال في النهاية فيه أنا أنفض لك ما حولك أي أحرسك و أطوف هل أرى طلبا يقال نفضت المكان و استنفضته و تنفضته إذا أظهرت نظرت جميع ما فيه و النفضة و النفيضة قوم يبعثون متجسسين هل يرون عدوا أو خوفا.

و قال ابن ميثم الخمر ما واراك من شجر أو جبل و نحوهما و الكمين الواحد أو الجمع يستخفون في الحرب حيلة للإيقاع بالعدو و الكتيبة الجيش و تعبئته جمعه و إعداده‏

____________

(1) و مثله في ط مصر، من كتاب صفّين(ص)125، و في طبع الحديث بيروت من شرح ابن أبي الحديد: «و عليكما في جريكما بالتوأدة».

و التوأدة- بضم التاء و سكون الواو، و فتح الهمزة و الدال- و التواد- كتوراة التأنى. الرزانة.

(2) رواه في المختار: (11) من باب الكتب من نهج البلاغة.

413

و تكرير الاستثناء في عقيب النهي عن تسيير الكتائب للحصر أما الأولى فيفيد حصر التسيير في الوقت المشار إليه و أما الثانية فيفيد حصره في حال التعبئة.

و دهمه الأمر كمنع و سمع غشيه و الدهم العدد الكثير و المعسكر بفتح الكاف موضع العسكر.

و قال الجوهري الأشراف الأماكن العالية و قال القبل و القبل نقيض الدبر و الدبر يقال انزل بقبل هذا الجبل أي بسفحه و لي قبل فلان حق أي عنده و سفح الجبل أسفله حيث يسفح فيه الماء و الثني من الوادي و الجبل منعطفه ذكره الجوهري و الردء العون في المقاتلة قوله(ع)مردا أي حاجزا بينكم و بين العدو أي تكون تلك الأماكن حافظة لكم من ورائكم مانعة من العدو أن يأتيكم من تلك الجهة و بذلك كانت معينة لهم.

ثم وصاهم بأن يكون مقاتلتهم من وجه واحد فإن لم يكن فمن وجهين حيث يحفظ بعضهم ظهر بعض و أما المقاتلة من وجوه كثيرة فتستلزم التفرق و الضعف.

و الرقباء الحفظة و قال الفيروزآبادي في القاموس الرقيب الحافظ و المنتظر و الحارس و أصل الصياصي القرون ثم استعير للحصون لأنه يمتنع بها كما يمتنع ذو القرن بقرنه.

و قال ابن ميثم صياصي الجبال أعاليها و أطرافها و مناكب الهضاب أعاليها.

و قال الجوهري الهضبة الجبل المنبسط على وجه الأرض و الجمع هضب و هضاب.

قوله(ع)كفة قال ابن أبي الحديد أي مستديرة حولكم و كل ما استدار فهو كفة بالكسر نحو كفة الميزان و كل ما استطال فهو كفة بالضم نحو كفة الثوب و هي حاشيته و كفة الرمل و هي ما كان منه كالحبل.

و قال في النهاية غرار النوم قلته و قال في مادة مضمض نقلا عن‏

414

الهروي‏

- في حديث علي لا تذوقوا النوم إلا غرارا أو مضمضة.

لما جعل النوم ذوقا أمرهم أن لا ينالوا منه إلا بألسنتهم و لا يسيغوه لشبهه بالمضمضة بالماء و إلقائه من الفم من غير ابتلاع انتهى.

و الترسة جمع الترس و قوله(ع)و لا شي‏ء إلا ما شاء الله جملة معترضة بين اسم إن و خبره قوله(ع)إلا أن تبدءا على بناء المجهول أي يبدؤكم العدو بالقتال.

374

(1)

-

نهج، نهج البلاغة

وَ مِنْ كِتَابٍ لَهُ(ع)إِلَى أَمِيرَيْنِ مِنْ أُمَرَاءِ جَيْشِهِ وَ قَدْ أَمَّرْتُ عَلَيْكُمَا وَ عَلَى مَنْ فِي حَيِّزِكُمَا مَالِكَ بْنَ الْحَارِثِ الْأَشْتَرَ فَاسْمَعَا لَهُ وَ أَطِيعَاهُ وَ اجْعَلَاهُ دِرْعاً وَ مِجَنّاً فَإِنَّهُ مِمَّنْ لَا يُخَافُ وَهْنُهُ وَ لَا سَقْطَتُهُ وَ لَا بُطْؤُهُ عَمَّا الْإِسْرَاعُ إِلَيْهِ أَحْزَمُ وَ لَا إِسْرَاعُهُ إِلَى مَا الْبُطْءُ عَنْهُ أَمْثَلُ.

بيان: قال ابن ميثم الأميران هما زياد بن النضر و شريح بن هانئ و ذلك أنه حين بعثهما مقدمة له في اثني عشر ألفا لقيا أبا الأعور السلمي في جند من أهل الشام فكتبا إليه يعلمانه بذلك فأرسل إلى الأشتر فقال له يا مالك إن زياد بن النضر و شريحا أرسلا إلي يعلماني أنهما لقيا أبا الأعور السلمي في جند من أهل الشام بسور الروم فنبأني الرسول أنه تركهم متواقفين فالنجا إلى أصحابك النجا فإذا أتيتهم فأنت عليهم و إياك أن تبدأ القوم بقتال إلا أن يبدءوك حتى تلقاهم و تسمع منهم.

و لا يجرمنك شنآنهم على قتالهم قبل دعائهم و الإعذار إليهم مرة بعد مرة.

و اجعل على ميمنتك زيادا و على ميسرتك شريحا و قف من أصحابك وسطا

____________

(1). 374- رواه السيّد الرضيّ رفع اللّه مقامه في المختار: (13) من باب كتب أمير المؤمنين (عليه السلام) من كتاب نهج البلاغة.

415

و لا تدن منهم دنو من يريد أن ينشب الحرب و لا تباعد منهم تباعد من يهاب البأس حتى أقدم إليك فإني حثيث السير إليك إن شاء الله.

و كتب إليهما أما بعد فإني أمرت عليكما إلى آخر الكتاب.

و الحيز الناحية و السقطة الزلة و الأمثل الأفضل.

375

(1)

-

وَ قَالَ ابْنُ أَبِي الْحَدِيدِ قَالَ نَصْرُ بْنُ مُزَاحِمٍ‏

وَ كَتَبَ(ع)إِلَى أُمَرَاءِ الْأَجْنَادِ وَ كَانَ قَدْ قَسَّمَ عَسْكَرَهُ أَسْبَاعاً فَجَعَلَ عَلَى كُلِّ سُبْعٍ أَمِيراً أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي أَبْرَأُ إِلَيْكُمْ مِنْ مَعَرَّةِ الْجُنُودِ فَاعْزِلُوا النَّاسَ عَنِ الظُّلْمِ وَ الْعُدْوَانِ‏

(2)

وَ خُذُوا عَلَى أَيْدِي سُفَهَائِكُمْ وَ احْرُسُوا

(3)

أَنْ تَعْمَلُوا أَعْمَالًا لَا يَرْضَى اللَّهُ بِهَا عَنَّا فَيَرُدَّ بِهَا عَلَيْنَا وَ عَلَيْكُمْ دُعَاءَنَا فَإِنَّهُ تَعَالَى يَقُولُ‏

ما يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّي لَوْ لا دُعاؤُكُمْ‏

وَ إِنَّ اللَّهَ إِذَا أَمْقَتَ قَوْماً مِنَ السَّمَاءِ هَلَكُوا فِي الْأَرْضِ فَلَا تَأْلُوا أَنْفُسَكُمْ خَيْراً وَ لَا الْجُنْدَ حُسْنَ سِيرَةٍ وَ لَا الرَّعِيَّةَ مَعُونَةً وَ لَا دِينَ اللَّهِ قُوَّةً وَ أَبْلُوهُ فِي سَبِيلِهِ مَا اسْتَوْجَبَ عَلَيْكُمْ فَإِنَّ اللَّهَ قَدِ اصْطَنَعَ عِنْدَنَا وَ عِنْدَكُمْ مَا يَجِبُ عَلَيْنَا أَنْ نَشْكُرَهُ بِجُهْدِنَا وَ أَنْ نَنْصُرَهُ مَا بَلَغَتْ قُوَّتُنَا وَ لَا حَوْلَ وَ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ.

____________

(1). 375- رواه ابن أبي الحديد في أواخر شرحه على المختار: (48) من خطب نهج البلاغة:

ج 1،(ص)648 ط الحديث ببيروت.

(2) كذا في أصلى و مثله في طبع مصر من كتاب صفّين، و أرى قول: «فاعزلوا» محرفا عن لفظة «فاعذبوا» بالذال المعجمة أو بالزاء المعجمة أي أبعدوا الناس عن الظلم أو امنعوهم و اصرفوهم منه؛ أي من يريد أن يظلم الناس اصرفوه و امنعوه و أبعدوه عن ظلم الناس.

(3) كذا في أصلى المطبوع، و في كتاب صفّين و شرح ابن أبي الحديد: «و احترسوا».

416

376-

قَالَ:

وَ كَتَبَ(ع)إِلَى جُنُودِهِ يُخْبِرُهُمْ بِالَّذِي لَهُمْ وَ عَلَيْهِمْ أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ اللَّهَ جَعَلَكُمْ فِي الْحَقِّ جَمِيعاً سَوَاءً أَسْوَدَكُمْ وَ أَحْمَرَكُمْ وَ جَعَلَكُمْ مِنَ الْوَالِي وَ جَعَلَ الْوَالِيَ مِنْكُمْ بِمَنْزِلَةِ الْوَلَدِ مِنَ الْوَالِدِ وَ الْوَالِدِ مِنَ الْوَلَدِ فَجَعَلَ لَكُمْ عَلَيْهِ إِنْصَافَكُمْ وَ التَّعْدِيلَ بَيْنَكُمْ وَ الْكَفَّ عَنْ فَيْئِكُمْ فَإِذَا فَعَلَ مَعَكُمْ ذَلِكَ وَجَبَتْ عَلَيْكُمْ طَاعَتُهُ فِيمَا وَافَقَ الْحَقَّ وَ نُصْرَتُهُ وَ الدَّفْعُ عَنْ سُلْطَانِ اللَّهِ فَإِنَّكُمْ وَزَعَةُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ فَكُونُوا لَهُ أَعْوَاناً وَ لِدِينِهِ أَنْصَاراً

وَ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها*

...

إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ‏

.

377-

قَالَ نَصْرٌ وَ رُوِيَ عَنِ ابْنِ نُبَاتَةَ قَالَ:

قَالَ عَلِيٌّ(ع)مَا يَقُولُ النَّاسُ فِي هَذَا الْقَبْرِ بِالنُّخَيْلَةِ وَ بِالنُّخَيْلَةِ قَبْرٌ عَظِيمٌ يَدْفِنُ الْيَهُودُ مَوْتَاهُمْ حَوْلَهُ فَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ(ع)يَقُولُونَ هَذَا قَبْرُ هُودٍ لَمَّا عَصَاهُ قَوْمُهُ جَاءَ فَمَاتَ هَاهُنَا فَقَالَ كَذَبُوا لَأَنَا أَعْلَمُ بِهِ مِنْهُمْ هَذَا قَبْرُ يَهُودَ بْنِ يَعْقُوبَ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بِكْرِ يَعْقُوبَ ثُمَّ قَالَ أَ هَاهُنَا أَحَدٌ مِنْ مَهَرَةٍ فَأُتِيَ بِشَيْخٍ فَقَالَ أَيْنَ مَنْزِلُكَ قَالَ عَلَى شَاطِئِ الْبَحْرِ قَالَ أَيْنَ أَنْتَ مِنَ الْجَبَلِ الْأَحْمَرِ قَالَ أَنَا قَرِيبٌ مِنْهُ قَالَ فَمَا يَقُولُ قَوْمُكَ فِيهِ قَالَ يَقُولُونَ إِنَّ فِيهِ قَبْرَ سَاحِرٍ قَالَ كَذَبُوا ذَاكَ قَبْرُ هُودٍ النَّبِيِّ(ع)وَ هَذَا قَبْرُ يَهُودَا بْنِ يَعْقُوبَ [بِكْرِهِ‏] ثُمَّ قَالَ يُحْشَرُ مِنْ ظَهْرِ الْكُوفَةِ سَبْعُونَ أَلْفاً عَلَى غُرَّةِ الشَّمْسِ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِلَا حِسَابٍ.

378-

قال نصر

: فلما نزل علي(ع)النخيلة متوجها إلى الشام و بلغ معاوية خبره و هو يومئذ بدمشق قد ألبس منبر دمشق قميص عثمان مختضبا بالدم و حول المنبر سبعون ألف شيخ يبكون حوله فخطبهم و حثهم على القتال فأعطوه الطاعة و انقادوا له و جمع إليه أطرافه و استعد للقاء علي ع.

بيان: وجدت الحديث في كتاب صفين مثله.

و قال في النهاية فيه اللهم إني أبرأ إليك من معرة الجيش هو أن‏

417

ينزلوا بقوم فيأكلوا من زروعهم بغير علم.

و قيل هو قتال الجيش بدون إذن الأمير و المعرة الأمر القبيح المكروه و الأذى انتهى.

و التعميم أولى أي إني أبرأ إليكم من كل ما فعلتموه و فعل جنودكم من الظلم و العدوان فإني أنهاكم عنه و أعلمكم آداب السير و النزول فلا تألوا أنفسكم خيرا أي لا تقصروا في كسب الخير لأنفسكم و لا في أمر الجند بحسن السيرة و لا في إعانة الرعية و لا في تقوية الدين و أبلوه أي أعطوه.

و في النهاية فيه أقيد من وزعة الله الوزعة جمع وازع و هو الذي يكف الناس و يحبس أولهم على آخرهم أراد أقيد من الذين يكفون الناس عن الإقدام على الشر و منه حديث الحسن لما ولي القضاء قال لا بد للناس من وزعة أي من يكف بعضهم عن بعض يعني السلطان و أصحابه.

379-

وَ قَالَ ابْنُ أَبِي الْحَدِيدِ فِي شَرْحِ النَّهْجِ، قَالَ نَصْرُ بْنُ مُزَاحِمٍ فِي كِتَابِ صِفِّينَ وَ وَجَدْتُهُ فِي أَصْلِ كِتَابِهِ أَيْضاً قَالَ:

لَمَّا وَضَعَ عَلِيٌّ(ع)رِجْلَهُ فِي رِكَابِ دَابَّتِهِ يَوْمَ خَرَجَ مِنَ الْكُوفَةِ إِلَى صِفِّينَ قَالَ بِسْمِ اللَّهِ فَلَمَّا جَلَسَ عَلَى ظَهْرِهَا قَالَ‏

سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هذا وَ ما كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ وَ إِنَّا إِلى‏ رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ‏

اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ وَعْثَاءِ السَّفَرِ وَ كَآبَةِ الْمُنْقَلَبِ وَ سُوءِ الْمَنْظَرِ فِي الْأَهْلِ وَ الْمَالِ وَ الْوَلَدِ وَ مِنَ الْحَيْرَةِ بَعْدَ الْيَقِينِ اللَّهُمَّ أَنْتَ الصَّاحِبُ فِي السَّفَرِ وَ أَنْتَ الْخَلِيفَةُ فِي الْأَهْلِ وَ لَا يَجْمَعُهُمَا غَيْرُكَ لِأَنَّ الْمُسْتَخْلَفَ لَا يَكُونُ مُسْتَصْحَباً وَ الْمُسْتَصْحَبَ لَا يَكُونُ مُسْتَخْلَفاً قَالَ فَخَرَجَ(ع)حَتَّى إِذَا جَازَ حَدَّ الْكُوفَةِ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ.

380-

وَ رُوِيَ عَنْ زَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ آبَائِهِ(ع)

أَنَّ عَلِيّاً(ع)خَرَجَ وَ هُوَ يُرِيدُ صِفِّينَ حَتَّى إِذَا قَطَعَ النَّهَرَ أَمَرَ مُنَادِيَهُ فَنَادَى بِالصَّلَاةِ فَتَقَدَّمَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ حَتَّى إِذَا قَضَى الصَّلَاةَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ بِوَجْهِهِ فَقَالَ أَيُّهَا النَّاسُ‏

418

أَلَا مَنْ كَانَ مُشَيِّعاً أَوْ مُقِيماً فَلْيُتِمَّ الصَّلَاةَ فَإِنَّا قَوْمٌ سَفْرٌ أَلَا وَ مَنْ صَحِبَنَا فَلَا يَصُومَنَّ الْمَفْرُوضَ وَ الصَّلَاةُ الْمَفْرُوضَةُ رَكْعَتَانِ قَالَ نَصْرٌ ثُمَّ خَرَجَ حَتَّى أَتَى دَيْرَ أَبِي مُوسَى وَ هُوَ مِنَ الْكُوفَةِ عَلَى فَرْسَخَيْنِ فَلَمَّا انْصَرَفَ مِنَ الصَّلَاةِ قَالَ سُبْحَانَ اللَّهِ ذِي الطَّوْلِ وَ النِّعَمِ سُبْحَانَ اللَّهِ ذِي الْقُدْرَةِ وَ الْإِفْضَالِ أَسْأَلُهُ الرِّضَا بِقَضَائِهِ وَ الْعَمَلَ بِطَاعَتِهِ وَ الْإِنَابَةَ إِلَى أَمْرِهِ إِنَّهُ سَمِيعُ الدُّعَاءِ ثُمَّ خَرَجَ(ع)حَتَّى نَزَلَ عَلَى شَاطِئِ نَرْسٍ بَيْنَ مَسْجِدِ حَمَّامِ أَبِي بُرْدَةَ وَ حَمَّامِ عُمَرَ فَصَلَّى بِالنَّاسِ الْمَغْرِبَ فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي‏

يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَ يُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ*

وَ الْحَمْدُ لِلَّهِ كُلَّمَا وَقَبَ لَيْلٌ وَ غَسَقَ وَ الْحَمْدُ لِلَّهِ كُلَّمَا لَاحَ نَجْمٌ وَ خَفَقَ ثُمَّ أَقَامَ حَتَّى صَلَّى الْغَدَاةَ ثُمَّ شَخَصَ حَتَّى بَلَغَ إِلَى بِيعَةٍ إِلَى جَانِبِهَا نَخْلٌ طِوَالٌ‏

(1)

فَلَمَّا رَآهَا قَالَ‏

وَ النَّخْلَ باسِقاتٍ لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ

فَنَزَلَهَا وَ مَكَثَ بِهَا قَدْرَ الْغِذَاءِ.

381-

قَالَ نَصْرٌ وَ رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مِخْنَفٍ أَنَّهُ قَالَ:

إِنِّي لَأَنْظُرُ إِلَى أَبِي وَ هُوَ يُسَايِرُ عَلِيّاً(ع)وَ هُوَ يَقُولُ إِنَّ بَابِلَ أَرْضٌ قَدْ خُسِفَ بِهَا

(2)

فَحَرَّكَ دَابَّتَهُ وَ حَرَّكَ النَّاسُ دَوَابَّهُمْ فِي أَثَرِهِ فَلَمَّا جَازَ جِسْرَ الصَّرَاةِ نَزَلَ فَصَلَّى بِالنَّاسِ الْعَصْرَ.

382-

قَالَ وَ حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَعْلَى بْنِ مُرَّةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ خَيْرٍ قَالَ:

كُنْتُ مَعَ عَلِيٍّ(ع)أَسِيرُ فِي أَرْضِ بَابِلَ قَالَ وَ حَضَرَتِ‏

____________

(1) كذا في أصلى، و في طبع مصر من كتاب صفّين: «ثم شخص حتّى بلغ قبة «قبين» [و] فيها نخل طوال إلى جانب البيعة».

(2) كذا في الأصل المطبوع، و في كتاب صفّين: «إن ببابل أرضا قد خسف بها فحرك دابتك لعلنا أن نصلى العصر خارجا منها».

419

الصَّلَاةُ صَلَاةُ الْعَصْرِ قَالَ فَجَعَلْنَا لَا نَأْتِي مَكَاناً إِلَّا رَأَيْنَاهُ أَفْيَحَ مِنَ الْآخَرِ قَالَ حَتَّى أَتَيْنَا عَلَى مَكَانٍ أَحْسَنَ مَا رَأَيْنَا وَ قَدْ كَادَتِ الشَّمْسُ أَنْ تَغِيبَ قَالَ وَ نَزَلَ عَلِيٌّ(ع)وَ نَزَلْتُ مَعَهُ قَالَ فَدَعَا اللَّهَ فَرَجَعَتِ الشَّمْسُ كَمِقْدَارِهَا مِنْ صَلَاةِ الْعَصْرِ قَالَ فَصَلَّيْنَا الْعَصْرَ ثُمَّ غَابَتِ الشَّمْسُ ثُمَّ خَرَجَ حَتَّى أَتَى دَيْرَ كَعْبٍ ثُمَّ خَرَجَ مِنْهُ فَبَاتَ بِسَابَاطَ فَأَتَاهُ دَهَاقِينُهَا يَعْرِضُونَ عَلَيْهِ النُّزُلَ وَ الطَّعَامَ فَقَالَ لَا لَيْسَ ذَلِكَ لَنَا عَلَيْكُمْ فَلَمَّا أَصْبَحَ وَ هُوَ بِمُظْلَمِ سَابَاطَ قَالَ‏

أَ تَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ‏

.

383-

قَالَ نَصْرٌ وَ حَدَّثَنَا مَنْصُورُ بْنُ سَلَّامٍ عَنْ حَيَّانَ التَّيْمِيِّ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ عَنْ هَرْثَمَةَ بْنِ سُلَيْمٍ قَالَ:

غَزَوْنَا مَعَ عَلِيٍّ(ع)صِفِّينَ فَلَمَّا نَزَلَ بِكَرْبَلَاءَ صَلَّى بِنَا فَلَمَّا سَلَّمَ رَفَعَ إِلَيْهِ مِنْ تُرْبَتِهَا فَشَمَّهَا ثُمَّ قَالَ وَاهاً لَكِ يَا تُرْبَةُ لَيُحْشَرَنَّ مَعَكِ قَوْمٌ‏

يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ

...

بِغَيْرِ حِسابٍ‏

قَالَ فَلَمَّا رَجَعَ هَرْثَمَةُ مِنْ غَزَاتِهِ إِلَى امْرَأَتِهِ جَرْدَاءَ بِنْتِ سُمَيْرٍ وَ كَانَتْ مِنْ شِيعَةِ عَلِيٍّ(ع)حَدَّثَهَا هَرْثَمَةُ فِيمَا حَدَثَ فَقَالَ لَهَا أَ لَا أُعْجِبُكِ مِنْ صَدِيقِكِ أَبِي حَسَنٍ قَالَ لَمَّا نَزَلْنَا كَرْبَلَاءَ وَ قَدْ أَخَذَ حَفْنَةً مِنْ تُرْبَتِهَا فَشَمَّهَا وَ قَالَ وَاهاً لَكِ أَيَّتُهَا التُّرْبَةُ لَيُحْشَرَنَّ مِنْكِ قَوْمٌ‏

يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ

...

بِغَيْرِ حِسابٍ‏

وَ مَا عِلْمُهُ بِالْغَيْبِ فَقَالَتِ الْمَرْأَةُ لَهُ دَعْنَا مِنْكَ أَيُّهَا الرَّجُلُ فَإِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لَمْ يَقُلْ إِلَّا حَقّاً قَالَ فَلَمَّا بَعَثَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ زِيَادٍ الْبَعْثَ الَّذِي بَعَثَهُ إِلَى الْحُسَيْنِ(ع)كُنْتُ فِي الْخَيْلِ الَّتِي بَعَثَ إِلَيْهِمْ فَلَمَّا انْتَهَيْتُ إِلَى الْحُسَيْنِ وَ أَصْحَابِهِ عَرَفْتُ الْمَنْزِلَ الَّذِي نَزَلْنَا فِيهِ مَعَ عَلِيٍّ وَ الْبُقْعَةَ الَّتِي رُفِعَ مِنْ تُرْبَتِهَا وَ الْقَوْلَ الَّذِي قَالَهُ فَكَرِهْتُ مَسِيرِي فَأَقْبَلْتُ عَلَى فَرَسِي حَتَّى وَقَفْتُ عَلَى الْحُسَيْنِ(ع)فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ وَ حَدَّثْتُهُ بِالَّذِي سَمِعْتُ مِنْ أَبِيهِ فِي هَذَا الْمَنْزِلِ فَقَالَ الْحُسَيْنُ(ع)أَ مَعَنَا أَمْ عَلَيْنَا فَقُلْتُ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ لَا مَعَكَ وَ لَا عَلَيْكَ تَرَكْتُ وُلْدِي وَ عِيَالِي وَ أَخَافُ عَلَيْهِمْ مِنِ ابْنِ زِيَادٍ فَقَالَ(ع)اذْهَبْ حَتَّى لَا تَرَى مَقْتَلَنَا فَوَ الَّذِي نَفْسُ حُسَيْنٍ بِيَدِهِ لَا يَرَى الْيَوْمَ أَحَدٌ مَقْتَلَنَا

420

ثُمَّ لَا يُعِينُنَا إِلَّا دَخَلَ النَّارَ قَالَ فَأَقْبَلْتُ فِي الْأَرْضِ أَشْتَدُّ هَرَباً حَتَّى خَفِيَ عَلَيَّ مَقْتَلُهُمْ.

384-

وَ رُوِيَ أَيْضاً عَنْ سَعِيدِ بْنِ وَهْبٍ قَالَ:

بَعَثَنِي مِخْنَفُ بْنُ سُلَيْمٍ إِلَى عَلِيٍّ(ع)عِنْدَ تَوَجُّهِهِ إِلَى صِفِّينَ فَأَتَيْتُهُ بِكَرْبَلَاءَ فَوَجَدْتُهُ يُشِيرُ بِيَدِهِ وَ يَقُولُ هَاهُنَا هَاهُنَا فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ وَ مَا ذَاكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَقَالَ ثَقَلٌ لِآلِ مُحَمَّدٍ يَنْزِلُ هَاهُنَا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِنْكُمْ وَ وَيْلٌ لَكُمْ مِنْهُمْ فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ مَا مَعْنَى هَذَا الْكَلَامُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَالَ وَيْلٌ لَهُمْ مِنْكُمْ تَقْتُلُونَهُمْ وَ وَيْلٌ لَكُمْ مِنْهُمْ يُدْخِلُكُمُ اللَّهُ بِقَتْلِهِمْ إِلَى النَّارِ قَالَ نَصْرٌ وَ قَدْ رُوِيَ هَذَا الْكَلَامُ عَلَى وَجْهٍ آخَرَ قَالَ فَوَيْلٌ لَكُمْ مِنْهُمْ وَ وَيْلٌ لَكُمْ عَلَيْهِمْ فَقَالَ الرَّجُلُ أَمَّا وَيْلٌ لَنَا مِنْهُمْ فَقَدْ عَرَفْنَاهُ فَوَيْلٌ لَنَا عَلَيْهِمْ مَا مَعْنَاهُ فَقَالَ تَرَوْنَهُمْ يُقْتَلُونَ وَ لَا تَسْتَطِيعُونَ نُصْرَتَهُمْ.

385-

قَالَ نَصْرٌ وَ حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ حَكِيمٍ الْعَبْسِيُّ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ كَثِيرٍ عَنْ أَبِيهِ‏

أَنَّ عَلِيّاً(ع)أَتَى كَرْبَلَاءَ فَوَقَفَ بِهَا فَقِيلَ لَهُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ هَذِهِ كَرْبَلَاءُ فَقَالَ نَعَمْ ذَاتُ كَرْبٍ وَ بَلَاءٍ ثُمَّ أَوْمَأَ بِيَدِهِ إِلَى مَكَانٍ آخَرَ فَقَالَ هَاهُنَا مَوْضِعُ رِحَالِهِمْ وَ مُنَاخُ رِكَابِهِمْ ثُمَّ أَوْمَى بِيَدِهِ إِلَى مَكَانٍ آخَرَ ثُمَّ قَالَ هَاهُنَا مُرَاقُ دِمَائِهِمْ ثُمَّ مَضَى إِلَى سَابَاطَ حَتَّى انْتَهَى إِلَى مَدِينَةِ بَهُرَسِيرَ.

386

(1)

-

نهج، نهج البلاغة مِنْ خُطْبَةٍ لَهُ(ع)عِنْدَ الْمَسِيرِ إِلَى الشَّامِ‏

الْحَمْدُ لِلَّهِ كُلَّمَا وَقَبَ لَيْلٌ وَ غَسَقَ وَ الْحَمْدُ لِلَّهِ كُلَّمَا لَاحَ نَجْمٌ وَ خَفَقَ وَ الْحَمْدُ لِلَّهِ غَيْرَ مَفْقُودِ الْإِنْعَامِ وَ لَا مُكَافَإِ الْإِفْضَالِ‏

____________

(1). 386- رواه السيّد الرضيّ رفع اللّه مقامه في المختار: (48) من خطب نهج البلاغة.

421

أَمَّا بَعْدُ فَقَدْ بَعَثْتُ مُقَدِّمَتِي وَ أَمَرْتُهُمْ بِلُزُومِ هَذَا الْمِلْطَاطِ حَتَّى يَأْتِيَهُمْ أَمْرِي وَ قَدْ رَأَيْتُ أَنْ أَقْطَعَ هَذِهِ النُّطْفَةَ إِلَى شِرْذِمَةٍ مِنْكُمْ مُوَطِّنِينَ أَكْنَافَ دِجْلَةَ فَأُنْهِضَهُمْ مَعَكُمْ إِلَى عَدُوِّكُمْ وَ أَجْعَلَكُمْ مِنْ أَمْدَادِ الْقُوَّةِ لَكُمْ.

قال السيد رضي الله عنه يعني بالملطاط السمت الذي أمرهم بلزومه و هو شاطئ الفرات و يقال ذلك أيضا لشاطئ البحر و أصله ما استوى من الأرض و يعني بالنطفة ماء الفرات و هو من غريب العبارات و عجيبها.

بيان قال ابن ميثم روي أنه(ع)خطب بها و هو بالنخيلة خارجا من الكوفة متوجها إلى صفين لخمس بقين من شوال سنة سبع و ثلاثين.

و وقب الليل أي دخل و غسق أي أظلم و لاح أي ظهر و خفق النجم و أخفق إذا انحط في الغرب أو غاب و كافأته مكافاة و كفاء أي جازيته و كل شي‏ء ساوى شيئا فهو مكافئ له و الإفضال الإحسان و مقدمة الجيش بالكسر و قد يفتح أوله و متقدموه و النطفة بالضم الماء الصافي قل أو كثر و الشرذمة بالكسر القليل من الناس و الجار متعلق بمحذوف أي متوجها إليهم و أوطن المكان و وطنه و استوطنه اتخذه وطنا و المراد قوم من أهل المدائن روي أنهم كانوا ثمانمائة رجل و الكنف بالتحريك الجانب و الناحية و نهض كمنع قام و أنهضه غيره أقامه و الأمداد جمع مدد بالتحريك و هو المعين و الناصر

وَ قَالَ ابْنُ [أَبِي الْحَدِيدِ (1) وَ زَادَ أَصْحَابُ السِّيَرِ فِي هَذِهِ الْخُطْبَةِ

وَ قَدْ أَمَّرْتُ‏

____________

(1) ذكره ابن أبي الحديد في شرح الكلام المتقدم و هو المختار: (48) من نهج البلاغة من شرحه: ج 1(ص)640 ط الحديث ببيروت.

و رواه مع كثير ممّا قبله مرسلا أبو جعفر الاسكافى في كتاب المعيار و الموازنة(ص)131، ط 1، و ما وضعناه بين المعقوفين مأخوذ منه.

422

عَلَى الْمِصْرِ عُقْبَةَ بْنَ عَمْرٍو وَ لَمْ آلُكُمْ وَ لَا نَفْسِي نُصْحاً فَإِيَّاكُمْ وَ التَّخَلُّفَ وَ التَّرَبُّصَ فَإِنِّي قَدْ خَلَّفْتُ مَالِكَ بْنَ حَبِيبٍ الْيَرْبُوعِيَّ وَ أَمَرْتُهُ أَنْ لَا يَتْرُكَ مُتَخَلِّفاً إِلَّا أَلْحَقَهُ بِكُمْ عَاجِلًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ.

و روى نصر بن مزاحم‏

: عوض قوله إلى عدوكم إلى عدو الله‏

.

387-

أَقُولُ وَجَدْتُ فِي كِتَابِ صِفِّينَ، زِيَادَةً وَ هِيَ‏ (1)

الْحَمْدُ لِلَّهِ غَيْرَ مَفْقُودِ النِّعَمِ وَ لَا مُكَافَإِ الْإِفْضَالِ وَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَ نَحْنُ عَلَى ذَلِكَ مِنَ الشَّاهِدِينَ وَ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَ رَسُولُهُ أَمَّا بَعْدُ وَ قَالَ نَصْرٌ فَقَامَ إِلَيْهِ مَعْقِلُ بْنُ قَيْسٍ الرِّيَاحِيُّ فَقَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَ اللَّهِ مَا يَتَخَلَّفُ عَنْكَ إِلَّا ظَنِينٌ وَ لَا يَتَرَبَّصُ بِكَ إِلَّا مُنَافِقٌ فَمُرْ مَالِكَ بْنَ حَبِيبٍ فَيَضْرِبَ أَعْنَاقَ الْمُتَخَلِّفِينَ فَقَالَ قَدْ أَمَرْتُهُ بِأَمْرِي وَ لَيْسَ بِمُقَصِّرٍ إِنْ شَاءَ اللَّهُ قَالَ وَ قَالَ مَالِكُ بْنُ حَبِيبٍ وَ هُوَ آخِذٌ بِعِنَانِ دَابَّتِهِ(ع)يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَ تَخْرُجُ بِالْمُسْلِمِينَ فَيُصِيبُوا أَجْرَ الْجِهَادِ وَ الْقِتَالِ وَ تُخَلِّفُنِي فِي حَشْرِ الرِّجَالِ فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ(ع)إِنَّهُمْ لَنْ يُصِيبُوا مِنَ الْأَجْرِ شَيْئاً إِلَّا كُنْتَ شَرِيكَهُمْ فِيهِ وَ أَنْتَ هَاهُنَا أَعْظَمُ غَنَاءً مِنْكَ عَنْهُمْ لَوْ كُنْتَ مَعَهُمْ قَالَ سَمْعاً وَ طَاعَةً يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَالَ نَصْرٌ ثُمَّ سَارَ(ع)حَتَّى انْتَهَى إِلَى مَدِينَةِ بَهُرَسِيرَ وَ إِذَا رَجُلٌ‏

____________

(1) ذكرها في أول الجزء الثالث من كتاب صفّين(ص)131، ط مصر.

423

مِنْ أَصْحَابِهِ يُقَالُ لَهُ جَرِيرُ بْنُ سَهْمٍ يَنْظُرُ إِلَى آثَارِ كِسْرَى‏

(1)

وَ يَتَمَثَّلُ بِقَوْلِ الْأَسْوَدِ بْنِ يَعْفُرَ

جَرَتِ الرِّيَاحُ عَلَى مَحَلِّ دِيَارِهِمْ* * * فَكَأَنَّمَا كَانُوا عَلَى مِيعَادٍ

فَقَالَ(ع)أَلَّا قُلْتَ‏

كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَ عُيُونٍ وَ زُرُوعٍ وَ مَقامٍ كَرِيمٍ وَ نَعْمَةٍ كانُوا فِيها فاكِهِينَ كَذلِكَ وَ أَوْرَثْناها قَوْماً آخَرِينَ فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَ الْأَرْضُ وَ ما كانُوا مُنْظَرِينَ‏

إِنَّ هَؤُلَاءِ كَانُوا وَارِثِينَ فَأَصْبَحُوا مَوْرُوثِينَ إِنَّ هَؤُلَاءِ لَمْ يَشْكُرُوا النِّعْمَةَ فَسُلِبُوا دُنْيَاهُمْ بِالْمَعْصِيَةِ إِيَّاكُمْ وَ كُفْرَ النِّعَمِ لَا تَحُلَّ بِكُمُ النِّقَمُ ثُمَّ قَالَ انْزِلُوا بِهَذِهِ الْفَجْوَةِ

(2)

.

388-

قَالَ نَصْرٌ وَ حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ مُسْلِمٍ الْأَعْوَرِ عَنْ حَبَّةَ الْعُرَنِيِّ قَالَ:

أَمَرَ عَلِيٌّ(ع)الْحَارِثَ الْأَعْوَرَ فَصَاحَ فِي أَهْلِ الْمَدَائِنِ مَنْ كَانَ مِنَ الْمُقَاتِلَةِ فَلْيُوَافِ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ صَلَاةَ الْعَصْرِ فَوَافَوْهُ فِي السَّاعَةِ فَحَمِدَ اللَّهَ وَ أَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي قَدْ تَعَجَّبْتُ مِنْ تَخَلُّفِكُمْ عَنْ دَعَوْتِكُمْ وَ انْقِطَاعِكُمْ عَنْ أَهْلِ مِصْرِكُمْ فِي هَذِهِ الْمَسَاكِنِ الظَّالِمِ الْهَالِكِ أَكْثَرُ سَاكِنِيهَا لَا مَعْرُوفٌ تَأْمُرُونَ بِهِ وَ لَا مُنْكَرٌ تَنْهَوْنَ عَنْهُ قَالُوا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ كُنَّا نَنْتَظِرُ أَمْرَكَ مُرْنَا بِمَا أَحْبَبْتَ‏

____________

(1) كذا في ط الكمبانيّ من كتاب البحار، و مثله في ترجمة الأسود بن يعفر من كتاب الأغانى: ج 13،(ص)18، ط تراثنا.

و في شرح ابن أبي الحديد: حر بن سهم بن طريف من بنى ربيعة بن مالك ...

(2) و للحديث مصادر أخر ذكر بعضها في ذيل المختار: (188) من كتاب نهج السعادة:

ج 2(ص)135، ط 1.

424

فَسَارَ وَ خَلَّفَ عَلَيْهِمْ عَدِيَّ بْنَ حَاتِمٍ فَأَقَامَ عَلَيْهِمْ ثَلَاثاً ثُمَّ خَرَجَ فِي ثَمَانِمِائَةِ رَجُلٍ مِنْهُمْ وَ خَلَّفَ ابْنَهُ زَيْداً بَعْدَهُ فَلَحِقَهُ فِي أَرْبَعِمِائَةِ رَجُلٍ مِنْهُمْ وَ جَاءَ عَلِيٌّ(ع)حَتَّى مَرَّ بِالْأَنْبَارِ فَاسْتَقْبَلَهُ بَنُو خُشْنُوشَك دَهَاقِنَتُهَا قال نصر الكلمة فارسية أصلها خش أي الطيب و نوشك راض يعني بني الطيب الراضي بالفارسية

(1)

قَالَ فَلَمَّا اسْتَقْبَلُوهُ نَزَلُوا عَنْ خُيُولِهِمْ ثُمَّ جَاءُوا يَشْتَدُّونَ مَعَهُ وَ بَيْنَ يَدَيْهِ وَ مَعَهُمْ بَرَاذِينُ قَدْ أَوْقَفُوهَا فِي طَرِيقِهِ فَقَالَ مَا هَذِهِ الدَّوَابُّ الَّتِي مَعَكُمْ وَ مَا أَرَدْتُمْ بِهَذَا الَّذِي صَنَعْتُمْ قَالُوا أَمَّا هَذَا الَّذِي صَنَعْنَا فَهُوَ خُلُقٌ مِنَّا نُعَظِّمُ بِهِ الْأُمَرَاءَ وَ أَمَّا هَذِهِ الْبَرَاذِينُ فَهَدِيَّةٌ لَكَ وَ قَدْ صَنَعْنَا لِلْمُسْلِمِينَ طَعَاماً وَ هَيَّأْنَا لِدَوَابِّكُمْ عَلَفاً كَثِيراً فَقَالَ(ع)أَمَّا هَذَا الَّذِي زَعَمْتُمْ أَنَّهُ فِيكُمْ خُلُقٌ تُعَظِّمُونَ بِهِ الْأُمَرَاءَ فَوَ اللَّهِ مَا يَنْفَعُ ذَلِكَ الْأُمَرَاءَ وَ إِنَّكُمْ لَتَشُقُّونَ بِهِ عَلَى أَنْفُسِكُمْ وَ أَبْدَانِكُمْ فَلَا تَعُودُوا لَهُ وَ أَمَّا دَوَابُّكُمْ هَذِهِ فَإِنْ أَحْبَبْتُمْ أَنْ آخُذَهَا مِنْكُمْ وَ أَحْسَبَهَا لَكُمْ مِنْ خَرَاجِكُمْ أَخَذْنَاهَا مِنْكُمْ وَ أَمَّا طَعَامُكُمُ الَّذِي صَنَعْتُمْ لَنَا فَإِنَّا نَكْرَهُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْ أَمْوَالِكُمْ إِلَّا بِثَمَنٍ قَالُوا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ نَحْنُ نُقَوِّمُهُ ثُمَّ نَقْبَلُ ثَمَنَهُ قَالَ إِذاً لَا تُقَوِّمُونَهُ قِيمَتَهُ نَحْنُ نَكْتَفِي بِمَا هُوَ دُونَهُ قَالُوا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَإِنَّ لَنَا مِنَ الْعَرَبِ مَوَالِيَ وَ مَعَارِفَ أَ تَمْنَعُنَا أَنْ نُهْدِيَ لَهُمْ أَوْ تَمْنَعُهُمْ أَنْ تقبلوا [يَقْبَلُوا مِنَّا فَقَالَ كُلُّ الْعَرَبِ لَكُمْ مَوَالٍ وَ لَيْسَ لِأَحَدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَقْبَلَ هَدِيَّتَكُمْ وَ إِنْ غَصَبَكُمْ أَحَدٌ فَأَعْلِمُونَا

____________

(1) ما بين المعقوفات مأخوذ من كتاب صفّين(ص)144، و فيه: قال سليمان [أحد روات كتاب صفّين‏]: خش: طيب. نوشك: راض. يعنى بنى الطيب الراضى بالفارسية.

425

قَالُوا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّا نُحِبُّ أَنْ تَقْبَلَ هَدِيَّتَنَا وَ كَرَامَتَنَا قَالَ وَيْحَكُمْ فَنَحْنُ أَغْنَى مِنْكُمْ فَتَرَكَهُمْ وَ سَارَ.

389-

قَالَ نَصْرٌ وَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ سِيَاهٍ عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ التَّيْمِيِّ الْمَعْرُوفِ بِعَقِيصَا (1) قَالَ:

كُنَّا مَعَ عَلِيٍّ(ع)فِي مَسِيرِهِ إِلَى الشَّامِ حَتَّى إِذَا كُنَّا بِظَهْرِ الْكُوفَةِ مِنْ جَانِبِ هَذَا السَّوَادِ عَطِشَ النَّاسُ وَ احْتَاجُوا إِلَى الْمَاءِ فَانْطَلَقَ بِنَا عَلِيٌّ(ع)حَتَّى أَتَى إِلَى صَخْرَةٍ مُضَرَّسٍ فِي الْأَرْضِ كَأَنَّهَا رُبْضَةُ عَنْزٍ

(2)

فَأَمَرَنَا فَاقْتَلَعْنَاهَا فَخَرَجَ لَنَا تَحْتَهَا مَاءٌ فَشَرِبَ النَّاسُ مِنْهُ حَتَّى ارْتَوَوْا ثُمَّ أَمَرَنَا فَأَكْفَأْنَاهَا عَلَيْهِ وَ سَارَ النَّاسُ حَتَّى إِذَا مَضَى قَلِيلًا قَالَ(ع)أَ مِنْكُمْ أَحَدٌ يَعْلَمُ مَكَانَ هَذَا الْمَاءِ الَّذِي شَرِبْتُمْ مِنْهُ قَالُوا نَعَمْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَالَ فَانْطَلِقُوا إِلَيْهِ فَانْطَلَقَ مِنَّا رِجَالٌ رُكْبَاناً وَ مُشَاةً فَاقْتَصَصْنَا الطَّرِيقَ إِلَيْهِ حَتَّى انْتَهَيْنَا إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي نَرَى أَنَّهُ فِيهِ فَطَلَبْنَاهُ فَلَمْ نَقْدِرْ عَلَى شَيْ‏ءٍ إِذَا عِيلَ عَلَيْنَا انْطَلَقْنَا إِلَى دَيْرٍ قَرِيبٍ مِنَّا فَسَأَلْنَاهُمْ أَيْنَ هَذَا الْمَاءُ الَّذِي عِنْدَكُمْ قَالُوا لَيْسَ قُرْبَنَا مَاءٌ فَقُلْنَا بَلَى إِنَّا شَرِبْنَا مِنْهُ قَالُوا أَنْتُمْ شَرِبْتُمْ مِنْهُ قُلْنَا نَعَمْ‏

____________

(1) رواة هذا الحديث مترجمون في كتاب تهذيب التهذيب.

و الحديث رواه أيضا إبراهيم بن ديزيل بهذا السند كما رواه عنه ابن أبي الحديد في شرح المختار: (48) من شرحه: ج 1(ص)643.

و رواه أبو جعفر الاسكافى المتوفى (240) على وجه قريب في كتاب المعيار و الموازنة(ص)134. و رواه أيضا الخوارزمي في الفصل الثالث من الفصل: (16) من مناقب عليّ (عليه السلام)(ص)167.

(2) كذا في أصلى المطبوع، و في شرح ابن أبي الحديد: «حتى أتى بنا إلى صخرة ضرس في الأرض ...

و في كتاب صفّين: «فانطلق بنا على حتّى أتى بنا على صخرة ضرس من الأرض ...».

426

فَقَالَ صَاحِبُ الدَّيْرِ وَ اللَّهِ مَا بُنِيَ هَذَا الدَّيْرُ إِلَّا بِذَلِكَ الْمَاءِ وَ مَا اسْتَخْرَجَهُ إِلَّا نَبِيٌّ أَوْ وَصِيُّ نَبِيٍّ قَالَ ثُمَّ مَضَى(ع)حَتَّى نَزَلَ بِأَرْضِ الْجَزِيرَةِ فَاسْتَقْبَلَهُ بَنُو تَغْلِبَ وَ النَّمِرُ بْنُ قَاسِطٍ بِجُزُرٍ

(1)

فَقَالَ(ع)لِيَزِيدَ بْنِ قَيْسٍ الْأَرْحَبِيِّ يَا يَزِيدُ قَالَ لَبَّيْكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَالَ هَؤُلَاءِ قَوْمُكَ مِنْ طَعَامِهِمْ فَاطْعَمْ وَ مِنْ شَرَابِهِمْ فَاشْرَبْ قَالَ نَعَمْ ثُمَّ سَارَ حَتَّى الرَّقَّةِ وَ جُلُّ أَهْلِهَا عُثْمَانِيَّةٌ فَرُّوا مِنَ الْكُوفَةِ إِلَى مُعَاوِيَةَ فَأَغْلَقُوا أَبْوَابَهَا دُونَهُ فَتَحَصَّنُوا وَ كَانَ رَئِيسُهُمْ سِمَاكَ بْنَ مَخْرَمَةَ الْأَسَدِيَّ بِالرَّقَّةِ فِي طَاعَةِ مُعَاوِيَةَ وَ قَدْ كَانَ فَارَقَ عَلِيّاً فِي نَحْوٍ مِنْ مِائَةِ رَجُلٍ مِنْ بَنِي أَسَدٍ ثُمَّ كَاتَبَ مُعَاوِيَةَ وَ أَقَامَ بِالرَّقَّةِ حَتَّى لَحِقَ بِهِ مِنْهُمْ سَبْعُمِائَةِ رَجُلٍ قَالَ نَصْرٌ فَرَوَى حَبَّةُ أَنَّ عَلِيّاً(ع)لَمَّا نَزَلَ عَلَى الرَّقَّةِ نَزَلَ عَلَى مَوْضِعٍ يُقَالُ لَهُ الْبَلِيخُ عَلَى جَانِبِ الْفُرَاتِ فَنَزَلَ رَاهِبٌ هُنَاكَ مِنْ صَوْمَعَتِهِ فَقَالَ لِعَلِيٍّ(ع)إِنَّ عِنْدَنَا كِتَاباً تَوَارَثْنَاهُ عَنْ آبَائِنَا كَتَبَهُ أَصْحَابُ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ أَعْرِضُهُ عَلَيْكَ قَالَ نَعَمْ فَقَرَأَ الرَّاهِبُ الْكِتَابَ‏

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

الَّذِي قَضَى فِيمَا قَضَى وَ سَطَرَ فِيمَا كَتَبَ‏

(2)

أَنَّهُ بَاعِثٌ‏

فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ‏

...

يُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَ الْحِكْمَةَ

وَ يَدُلُّهُمْ عَلَى سَبِيلِ اللَّهِ لَا فَظٌّ وَ لَا غَلِيظٌ وَ لَا صَخَّابٌ فِي الْأَسْوَاقِ وَ لَا يَجْزِي بِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ بَلْ يَعْفُو وَ يَصْفَحُ أُمَّتُهُ الْحَمَّادُونَ الَّذِينَ يُحَمِّدُونَ اللَّهَ عَلَى كُلِّ نَشْرٍ وَ فِي كُلِّ صُعُودٍ وَ هُبُوطٍ تَذِلُّ أَلْسِنَتُهُمْ بِالتَّكْبِيرِ وَ التَّهْلِيلِ وَ التَّسْبِيحِ وَ يَنْصُرُهُ اللَّهُ عَلَى مَنْ نَاوَاهُ‏

____________

(1) كذا في ط الكمبانيّ من البحار، و في ط الحديث ببيروت من شرح ابن أبي الحديد:

«بجزور ...».

و في كتاب صفّين ط مصر: «فاستقبله بنو تغلب و النمر بن قاسط بالجزيرة ...».

(2) و مثله في شرح ابن أبي الحديد، و في كتاب صفّين(ص)147: «و سطر فيما سطر ...».

427

فَإِذَا تَوَفَّاهُ اللَّهُ اخْتَلَفَتْ أُمَّتُهُ مِنْ بَعْدِهِ ثُمَّ اجْتَمَعَتْ فَلَبِثَتْ مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ اخْتَلَفَتْ فَيَمُرُّ رَجُلٌ مِنْ أُمَّتِهِ بِشَاطِئِ هَذَا الْفُرَاتِ يَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَ يَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ وَ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَ لَا يَرْكُسُ فِي الْحُكْمِ‏

(1)

الدُّنْيَا أَهْوَنُ عَلَيْهِ مِنَ الرَّمَادِ فِي يَوْمَ عَصَفَتْ بِهِ الرِّيحُ وَ الْمَوْتُ أَهْوَنُ عَلَيْهِ مِنْ شُرْبِ الْمَاءِ عَلَى الظَّمْآنِ‏

(2)

يَخَافُ اللَّهَ فِي السِّرِّ وَ يَنْصَحُ لَهُ فِي الْعَلَانِيَةِ وَ لَا يَخَافُ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ ثُمَّ فَمَنْ أَدْرَكَ ذَلِكَ النَّبِيَّ(ص)مِنْ أَهْلِ هَذِهِ الْبِلَادِ فَآمَنَ بِهِ كَانَ ثَوَابُهُ رِضْوَانَهُ وَ الْجَنَّةَ وَ مَنْ أَدْرَكَ ذَلِكَ الْعَبْدَ الصَّالِحَ فَلْيَنْصُرْهُ فَإِنَّ الْقَتْلَ مَعَهُ شَهَادَةٌ ثُمَّ قَالَ أَنَا مُصَاحِبُكَ فَلَا أُفَارِقُكَ حَتَّى يُصِيبَنِي مَا أَصَابَكَ فَبَكَى عَلِيٌّ(ع)ثُمَّ قَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ أَكُنْ عِنْدَهُ مَنْسِيّاً الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي ذَكَرَنِي عِنْدَهُ فِي كُتُبِ الْأَبْرَارِ فَمَضَى الرَّاهِبُ مَعَهُ فَكَانَ فِيمَا ذَكَرُوا يَتَغَدَّى مَعَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)وَ يَتَعَشَّى حَتَّى أُصِيبَ يَوْمَ صِفِّينَ فَلَمَّا خَرَجَ النَّاسُ يَدْفِنُونَ قَتْلَاهُمْ قَالَ(ع)اطْلُبُوهُ فَلَمَّا وَجَدَهُ صَلَّى عَلَيْهِ وَ دَفَنَهُ وَ قَالَ هَذَا مِنَّا أَهْلَ الْبَيْتِ وَ اسْتَغْفَرَ لَهُ مِرَاراً.

____________

(1) كذا في طبع الكمبانيّ من البحار، و مثله في شرح المختار: (48) من نهج البلاغة من شرح ابن أبي الحديد، و في طبع مصر من كتاب صفّين، و مثله في كتاب المعيار و الموازنة(ص)135: «و لا يرتشى في الحكم ...».

و الحديث رواه أيضا من غير نقاش فيه ابن كثير بسنده عن ابن ديزيل في ترجمة أمير المؤمنين (عليه السلام) من تاريخ البداية و النهاية: ج 4(ص)254 ط بيروت و فيه:

«و لا ينكس الحكم ...».

(2) كذا في أصلى و مثله في شرح ابن أبي الحديد، و في كتاب صفّين: «على الظماء ...».

و الظمأ- على زنة الفرس- و الظماء و الظماءة- كسحاب و سحابة-: العطش.

428

روى هذا الخبر نصر في أواسط الجزء الثالث من كتاب صفين عن عمر بن سعد عن مسلم الأعور عن حبة العرني‏- و رواه أيضا إبراهيم بن ديزيل الهمداني بهذا الإسناد عن حبة أيضا في كتاب صفين‏ (1).

390-

قَالَ نَصْرٌ وَ حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ سَعْدٍ الْأَسَدِيُّ عَنْ عُمَيْرِ بْنِ وَعْلَةَ عَنْ أَبِي الْوَدَّاكِ‏

أَنَّ عَلِيّاً(ع)بَعَثَ مِنَ الْمَدَائِنِ مَعْقِلَ بْنَ قَيْسٍ الرِّيَاحِيَّ فِي ثَلَاثَةِ آلَافٍ وَ قَالَ لَهُ خُذْ عَلَى الْمَوْصِلِ ثُمَّ نَصِيبِينَ ثُمَّ الْقَنِي بِالرَّقَّةِ فَإِنِّي مُوَافِيهَا وَ سَكِّنِ النَّاسَ وَ آمِنْهُمْ وَ لَا تُقَاتِلْ إِلَّا مَنْ قَاتَلَكَ وَ سِرِ الْبَرْدَيْنِ وَ غَوِّرْ بِالنَّاسِ أَقِمِ اللَّيْلَ وَ رَفِّهْ فِي السَّيْرِ وَ لَا تَسِرْ أَوَّلَ اللَّيْلِ فَإِنَّ اللَّهَ جَعَلَهُ سَكَناً أَرِحْ فِيهِ نَفْسَكَ وَ جُنْدَكَ وَ ظَهْرَكَ فَإِذَا كَانَ السَّحَرُ أَوْ حِينَ يَنْبَطِحُ الْفَجْرُ فَسِرْ عَلَى بَرَكَةِ اللَّهِ‏

(2)

فَسَارَ مَعْقِلٌ حَتَّى أَتَى الْحَدِيثَةَ وَ هِيَ إِذْ ذَاكَ مَنْزِلُ النَّاسِ إِنَّمَا بَنَى مَدِينَةَ الْمَوْصِلِ بَعْدَ ذَلِكَ مُحَمَّدُ بْنُ مَرْوَانَ فَإِذَا بِكَبْشَيْنِ يَنْتَطِحَانِ وَ مَعَ مَعْقِلِ بْنِ قَيْسٍ رَجُلٌ مِنْ خَثْعَمٍ يُقَالُ لَهُ شَدَّادُ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ فَأَخَذَ يَقُولُ إِيهِ إِيهِ فَقَالَ مَعْقِلٌ مَا تَقُولُ فَجَاءَ رَجُلَانِ نَحْوَ الْكَبْشَيْنِ فَأَخَذَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كَبْشاً فَانْصَرَفَا فَقَالَ الْخَثْعَمِيُّ لَا تَغْلِبُونَ وَ لَا تُغْلَبُونَ قَالَ مَعْقِلٌ مِنْ أَيْنَ عَلِمْتَ قَالَ أَبْصَرْتُ الْكَبْشَيْنِ أَحَدُهُمَا مُشَرِّقٌ وَ الْآخَرُ مُغَرِّبٌ الْتَقَيَا فَاقْتَتَلَا وَ انْتَطَحَا فَلَمْ يَزَلْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ صَاحِبِهِ مُنْتَصِفاً حَتَّى أَتَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ فَانْطَلَقَ بِهِ فَقَالَ مَعْقِلٌ أَوْ يَكُونُ خَيْراً مِمَّا تَقُولُ يَا أَخَا خَثْعَمٍ‏

____________

(1) قد تقدم أنّه رواه عن ابن ديزيل ابن أبي الحديد في شرح المختار: (48) من نهج البلاغة من شرحه: ج 1،(ص)643 ط الحديث ببيروت، و رواه أيضا ابن كثير- نقلا عن ابن ديزيل- في البداية و النهاية: ج 4(ص)254.

(2) و هذه الوصية رواها السيّد الرضيّ بزيادة و ألفاظ أجود ممّا هنا في المختار: (12) من الباب الثاني من نهج البلاغة.

429

ثُمَّ مَضَى مَعْقِلٌ حَتَّى وَافَى عَلِيّاً(ع)بِالرَّقَّةِ قَالَ نَصْرٌ وَ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِ عَلِيٍّ(ع)لَهُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ اكْتُبْ إِلَى مُعَاوِيَةَ وَ مَنْ قِبَلَهُ مِنْ قَوْمِكَ فَإِنَّ الْحُجَّةَ لَا تَزْدَادُ عَلَيْهِم بِذَلِكَ إِلَّا عَظْماً فَكَتَبَ(ع)إِلَيْهِمْ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ عَلِيٍّ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى مُعَاوِيَةَ وَ مَنْ قِبَلَهُ مِنْ قُرَيْشٍ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ فَإِنِّي أَحْمَدُ إِلَيْكُمُ اللَّهَ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ لِلَّهِ عِبَاداً آمَنُوا بِالتَّنْزِيلِ وَ عَرَفُوا التَّأْوِيلَ وَ فَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَ بَيَّنَ اللَّهُ فَضْلَهُمْ فِي الْقُرْآنَ الْحَكِيمِ وَ أَنْتُمْ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ أَعْدَاءٌ لِلرَّسُولِ(ص)مُكَذِّبُونَ بِالْكِتَابِ مُجْمِعُونَ عَلَى حَرْبِ الْمُسْلِمِينَ مَنْ ثَقَفْتُمْ مِنْهُمْ حَبَسْتُمُوهُ أَوْ عَذَّبْتُمُوهُ وَ قَتَلْتُمُوهُ حَتَّى أَرَادَ اللَّهُ تَعَالَى إِعْزَازَ دِينِهِ وَ إِظْهَارَ أَمْرِهِ فَدَخَلَتِ الْعَرَبُ فِي الدِّينِ أَفْوَاجاً وَ أَسْلَمَتْ هَذِهِ الْأُمَّةُ طَوْعاً وَ كَرْهاً فَكُنْتُمْ فِيمَنْ دَخَلَ هَذَا الدِّينَ إِمَّا رَغْبَةً وَ إِمَّا رَهْبَةً عَلَى حِينَ فَازَ أَهْلُ السَّبْقِ بِسَبْقِهِمْ وَ فَازَ الْمُهَاجِرُونَ وَ الْأَنْصَارُ بِفَضْلِهِمْ وَ لَا يَنْبَغِي لِمَنْ لَيْسَتْ لَهُمْ مِثْلُ سَوَابِقِهِمْ فِي الدِّينِ وَ لَا فَضَائِلِهِمْ فِي الْإِسْلَامِ أَنْ يُنَازِعَهُمُ الْأَمْرَ الَّذِي هُمْ أَهْلُهُ وَ أَوْلَى بِهِ فَيَحُوبَ وَ يَظْلِمَ‏

(1)

وَ لَا يَنْبَغِي لِمَنْ كَانَ لَهُ عَقْلٌ أَنْ يَجْهَلَ قَدْرَهُ وَ لَا يَعْدُوَ طَوْرَهُ وَ يَشْقَى نَفْسَهُ بِالْتِمَاسِ مَا لَيْسَ بِأَهْلِهِ فَإِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِأَمْرِ هَذَا الْأُمَّةِ قَدِيماً وَ حَدِيثاً أَقْرَبُهَا مِنَ الرَّسُولِ وَ أَعْلَمُهَا بِالْكِتَابِ وَ أَفْقَهُهَا فِي الدِّينِ أَوَّلُهُمْ إِسْلَاماً وَ أَفْضَلُهُمْ جِهَاداً وَ أَشَدُّهُمْ بِمَا تَحْمِلُهُ الرَّعِيَّةُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ اضْطِلَاعاً فَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ‏

وَ لا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ وَ تَكْتُمُوا الْحَقَّ وَ أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ‏

وَ اعْلَمُوا أَنَّ خِيَارَ عِبَادِ اللَّهِ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ بِمَا يَعْلَمُونَ وَ أَنَّ شِرَارَهُمُ الْجُهَّالُ الَّذِينَ يُنَازِعُونَ بِالْجَهْلِ أَهْلَ الْعِلْمِ فَإِنَّ لِلْعَالِمِ بِعِلْمِهِ فَضْلًا وَ إِنَّ الْجَاهِلَ لَا يَزْدَادُ

____________

(1) كذا في أصلى من البحار طبع الكمبانيّ، و في كتاب صفّين: «فيجور و يظلم».

430

بِمُنَازَعَتِهِ الْعَالِمَ إِلَّا جَهْلًا: أَلَا وَ إِنِّي أَدْعُوكُمْ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ(ص)وَ حَقْنِ دِمَاءِ هَذِهِ الْأُمَّةِ فَإِنْ قَبِلْتُمْ أَصَبْتُمْ رُشْدَكُمْ وَ اهْتَدَيْتُمْ لِحَظِّكُمْ وَ إِنْ أَبَيْتُمْ إِلَّا الْفُرْقَةَ وَ شَقَّ عَصَا هَذِهِ الْأُمَّةِ لَنْ تَزْدَادُوا مِنَ اللَّهِ إِلَّا بُعْداً وَ لَنْ يَزْدَادَ الرَّبُّ عَلَيْكُمْ إِلَّا سَخَطاً وَ السَّلَامُ‏

(1)

فَكَتَبَ إِلَيْهِ مُعَاوِيَةُ جَوَابَ هَذَا الْكِتَابِ سَطْراً وَاحِداً وَ هُوَ أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّهُ‏

لَيْسَ بَيْنِي وَ بَيْنَ قَيْسٍ عِتَابٌ* * * -غَيْرُ طَعْنِ الْكُلَى وَ ضَرْبِ الرِّقَابِ-

فَقَالَ عَلِيٌّ(ع)لَمَّا أَتَاهُ هَذَا الْجَوَابُ‏

إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَ لكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ‏

.

391-

قَالَ نَصْرٌ أَخْبَرَنِي عُمَرُ بْنُ سَعْدٍ عَنِ الْحَجَّاجِ بْنِ أَرْطَاةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمَّارِ بْنِ عَبْدِ يَغُوثَ‏

أَنَّ عَلِيّاً(ع)قَالَ لِأَهْلِ الرَّقَّةِ جَسِّرُوا لِي جِسْراً أَعْبُرْ عَلَيْهِ مِنْ هَذَا الْمَكَانِ إِلَى الشَّامِ فَأَبَوْا وَ قَدْ كَانُوا ضَمُّوا السُّفُنَ إِلَيْهِمْ فَنَهَضَ مِنْ عِنْدِهِمْ لِيَعْبُرَ عَلَى جِسْرِ مَنْبِجٍ وَ خَلَّفَ عَلَيْهِمُ الْأَشْتَرَ فَنَادَاهُمْ فَقَالَ يَا أَهْلَ هَذَا الْحِصْنِ إِنِّي أُقْسِمُ بِاللَّهِ إِنْ مَضَى أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ وَ لَمْ تُجَسِّرُوا لَهُ عِنْدَ مَدِينَتِكُمْ حَتَّى يَعْبُرَ مِنْهَا لَأُجَرِّدَنَّ فِيكُمُ السَّيْفَ فَلَأَقْتُلَنَّ مُقَاتِلَتَكُمْ وَ لَأُخَرِّبَنَّ أَرْضَكُمْ وَ لَآخُذَنَّ أَمْوَالَكُمْ فَلَقِيَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً فَقَالُوا إِنَّ الْأَشْتَرَ يَفِي بِمَا يَحْلِفُ عَلَيْهِ وَ إِنَّمَا خَلَّفَهُ عَلِيٌّ عِنْدَنَا لِيَأْتِيَنَا بِشَرٍّ فَبَعَثُوا إِلَيْهِ إِنَّا نَاصِبُونَ لَكَ جِسْراً فَأَقْبَلُوا فَأَرْسَلَ الْأَشْتَرُ إِلَى عَلِيٍّ(ع)فَجَاءَ وَ نَصَبُوا لَهُ الْجِسْرَ فَعَبَّرُوا

____________

(1) و هذه الرسالة رويناها عن مصدر آخر في المختار: (78) من باب الكتب من نهج السعادة: ج 4(ص)216 ط 1.

431

الْأَثْقَالَ وَ الرِّجَالَ وَ أَمَرَ الْأَشْتَرَ فَوَقَفَ فِي ثَلَاثَةِ آلَافِ فَارِسٍ حَتَّى لَمْ يَبْقَ مِنَ النَّاسِ أَحَدٌ إِلَّا عَبَرَ ثُمَّ عَبَرَ آخِرَ النَّاسِ قال الحجاج: و ازدحمت الخيل حين عبرت فسقطت قلنسوة عبد الله بن أبي الحصين فنزل فأخذها فركب ثم سقطت قلنسوة عبد الله بن الحجاج فنزل فأخذها ثم ركب فقال لصاحبه‏

فإن يك ظن الزاجري الطير صادقا* * * -كما زعموا (1)أقتل وشيكا و تقتل‏

فقال عبد الله بن أبي الحصين: ما شي‏ء أحب إلي مما ذكرت فقتلا معا يوم صفين:

قال نصر: فلما قطع على الفرات دعا زياد بن النضر و شريح بن هانئ فسرحهما أمامه نحو معاوية في اثني عشر ألفا و قد كانا حين سرحهما من الكوفة مقدمة له أخذا على شاطئ الفرات من قبل البر مما يلي الكوفة حتى بلغا عانات فبلغهما أخذ علي(ع)طريق الجزيرة و علما أن معاوية قد أقبل في جنود الشام من دمشق لاستقباله فقالا و الله ما هذا برأي أن نسير و بيننا و بين أمير المؤمنين هذا البحر و ما لنا خير في أن نلقى جموع الشام في قلة من العدد منقطعين عن المدد فذهبوا ليعبروا من عانات فمنعهم أهلها و حبسوا عنهم السفن فأقبلوا راجعين حتى عبروا من هيت و لحقوا عليا(ع)بقرية دون قرقيسياء فلما لحقوا عليا(ع)عجب و قال مقدمتي يأتي من ورائي فأخبره زياد و شريح بالرأي الذي رأيا فقال قد أصبتما رشدكما فلما عبر الفرات قدمهما أمامه نحو معاوية فلما انتهيا إلى معاوية لقيهما أبو

____________

(1) كذا في تاريخ الطبريّ و هو الظاهر، و في ط الكمبانيّ ساق الكلام بصورة النثر هكذا:

إن يكن زاجر الطير صادقا كما تزعمون أقتل وشيكا و تقتل.

432

الأعور السلمي في جنود من الشام و هو على مقدمة معاوية فدعواه إلى الدخول في طاعة أمير المؤمنين(ع)فأبى فبعثوا إلى علي(ع)أنا قد لقينا أبا الأعور السلمي بسور الروم في جند من أهل الشام فدعوناه و أصحابه إلى الدخول في طاعتك فأبى علينا فمرنا بأمرك فأرسل علي(ع)إلى الأشتر فقال يا مالك إن زيادا و شريحا أرسلا إلي إِلَى آخِرِ مَا مَرَّ بِرِوَايَةِ ابْنِ مِيثَمٍ قَالَ وَ كَتَبَ عَلِيٌّ(ع)إِلَيْهِمَا وَ كَانَ الرَّسُولُ الْحَارِثَ بْنَ جُمْهَانَ الْجُعْفِيَّ أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي قَدْ أَمَّرْتُ عَلَيْكُمَا مَالِكاً فَاسْتَمِعَا لَهُ وَ أَطِيعَا أَمْرَهُ فَإِنَّهُ مَنْ لَا يُخَافُ رَهَقُهُ وَ لَا سِقَاطُهُ‏

(1)

وَ لَا بُطْؤُهُ عَمَّا الْإِسْرَاعُ عَلَيْهِ أَحْزَمُ وَ لَا إِسْرَاعُهُ إِلَى مَا الْبُطْءُ عَنْهُ أَمْثَلُ وَ قَدْ أَمَرْتُهُ بِمِثْلِ الَّذِي أَمَرْتُكُمَا أَنْ لَا يَبْدَأَ الْقَوْمَ بِقِتَالٍ حَتَّى يَلْقَاهُمْ وَ يَدْعُوَهُمْ وَ يُعْذِرَ إِلَيْهِمْ فَخَرَجَ الْأَشْتَرُ حَتَّى قَدِمَ عَلَى الْقَوْمِ فَاتَّبَعَ مَا أَمَرَهُ بِهِ عَلِيٌّ(ع)وَ كَفَّ عَنِ الْقِتَالِ وَ لَمْ يَزَالُوا مُتَوَاقِفِينَ حَتَّى إِذَا كَانَ عِنْدَ الْمَسَاءِ حَمَلَ عَلَيْهِمْ أَبُو الْأَعْوَرِ فَثَبَتُوا لَهُ وَ اضْطَرَبُوا سَاعَةً ثُمَّ إِنَّ أَهْلَ الشَّامِ انْصَرَفُوا ثُمَّ خَرَجَ إِلَيْهِمْ هَاشِمُ بْنُ عُتْبَةَ فِي خَيْلٍ وَ رِجَالٍ حَسَّنَ عُدَّتَهَا وَ عَدَدَهَا فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ أَبُو الْأَعْوَرِ فَاقْتَتَلُوا يَوْمَهُمْ ذَلِكَ تَحْمِلُ الْخَيْلُ عَلَى الْخَيْلِ وَ الرِّجَالُ عَلَى الرِّجَالِ وَ صَبَرَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ثُمَّ انْصَرَفُوا وَ بَكَّرَ عَلَيْهِمُ الْأَشْتَرُ فَقُتِلَ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُنْذِرِ التَّنُوخِيُّ قَتَلَهُ ظَبْيَانُ بْنُ عُمَارَةَ التَّمِيمِيُّ وَ مَا هُوَ يَوْمَئِذٍ إِلَّا فَتًى حَدِيثُ السِّنِّ وَ إِنْ كَانَ‏

____________

(1) الرهق: خفة العقل. الجهل. الكذب. العربدة. و السقاط- ككتاب-: العثرة و الزلة.

433

الشَّامِيُّ لَفَارِسَ أَهْلِ الشَّامِ وَ أَخَذَ الْأَشْتَرُ يَقُولُ وَيْحَكُمْ أَرُونِي أَبَا الْأَعْوَرِ ثُمَّ إِنَّ أَبَا الْأَعْوَرِ دَعَا النَّاسَ فَرَجَعُوا نَحْوَهُ فَوَقَفَ عَلَى تَلٍّ مِنْ وَرَاءِ الْمَكَانِ الَّذِي كَانَ فِيهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَ جَاءَ الْأَشْتَرُ حَتَّى صَفَّ أَصْحَابَهُ فِي الْمَكَانِ الَّذِي كَانَ فِيهِ أَبُو الْأَعْوَرِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَقَالَ الْأَشْتَرُ لِسِنَانِ بْنِ مَالِكٍ النَّخَعِيِّ انْطَلِقْ إِلَى أَبِي الْأَعْوَرِ فَادْعُهُ إِلَى الْمُبَارَزَةِ فَقَالَ إِلَى مُبَارَزَتِي أَوْ مُبَارَزَتِكَ فَقَالَ الْأَشْتَرُ أَ وَ لَوْ أَمَرْتُكَ بِمُبَارَزَتِهِ فَعَلْتَ قَالَ نَعَمْ وَ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ تَعَالَى لَوْ أَمَرْتَنِي أَنْ أَعْتَرِضَ صَفَّهُمْ بِسَيْفِي فَعَلْتُهُ حَتَّى أَضْرِبَهُ بِالسَّيْفِ فَقَالَ يَا ابْنَ أَخِي أَطَالَ اللَّهُ بَقَاءَكَ قَدْ وَ اللَّهِ ازْدَدْتُ فِيكَ رَغْبَةً لَا مَا أَمَرْتُكَ بِمُبَارَزَتِهِ إِنَّمَا أَمَرْتُكَ أَنْ تَدْعُوَهُ لِمُبَارَزَتِي فَإِنَّهُ لَا يُبَارِزُ إِنْ كَانَ ذَلِكَ مِنْ شَأْنِهِ إِلَّا ذَوِي الْأَسْنَانِ وَ الْكَفَاءَةِ وَ الشَّرَفِ وَ أَنْتَ بِحَمْدِ اللَّهِ مِنْ أَهْلِ الْكَفَاءَةِ وَ الشَّرَفِ وَ لَكِنَّكَ حَدِيثُ السِّنِّ وَ لَيْسَ يُبَارِزُ الْأَحْدَاثَ فَاذْهَبْ فَادْعُهُ إِلَى مُبَارَزَتِي فَأَتَاهُمْ فَقَالَ أَنَا رَسُولٌ فَأَمِّنُونِي فَأَمَّنُوهُ فَجَاءَ حَتَّى انْتَهَى إِلَى أَبِي الْأَعْوَرِ فَقَالَ لَهُ إِنَّ الْأَشْتَرَ يَدْعُوكَ إِلَى الْمُبَارَزَةِ قَالَ فَسَكَتَ عَنِّي طَوِيلًا ثُمَّ قَالَ إِنَّ خِفَّةَ الْأَشْتَرِ وَ سُوءَ رَأْيِهِ هُوَ الَّذِي دَعَاهُ إِلَى إِجْلَاءِ عُمَّالِ عُثْمَانَ وَ افْتِرَائِهِ عَلَيْهِ يُقَبِّحُ مَحَاسِنَهُ وَ يَجْهَلُ حَقَّهُ وَ يُظْهِرُ عَدَاوَتَهُ وَ مِنْ خِفَّةِ الْأَشْتَرِ أَنَّهُ سَارَ إِلَى عُثْمَانَ فِي دَارِهِ وَ قَرَارِهِ فَقَتَلَهُ فِيمَنْ قَتَلَهُ وَ أَصْبَحَ مُتَّبِعاً بِدَمِهِ‏

(1)

لَا حَاجَةَ لِي فِي مُبَارَزَتِهِ فَقُلْتُ إِنَّكَ قَدْ تَكَلَّمْتَ فَاسْمَعْ حَتَّى أُجِيبَكَ فَقَالَ لَا حَاجَةَ لِي فِي جَوَابِكَ وَ لَا الِاسْتِمَاعِ مِنْكَ اذْهَبْ عَنِّي وَ صَاحَ بِي أَصْحَابُهُ فَانْصَرَفْتُ عَنْهُ وَ لَوْ سَمِعَ لَأَسْمَعْتُهُ عُذْرَ صَاحِبِي وَ حُجَّتَهُ فَرَجَعْتُ إِلَى الْأَشْتَرِ فَأَخْبَرْتُهُ أَنَّهُ قَدْ أَبَى الْمُبَارَزَةَ فَقَالَ لِنَفْسِهِ نَظَرَ قَالَ فَتَوَاقَفْنَا حَتَّى حَجَزَ بَيْنَنَا وَ بَيْنَهُمُ اللَّيْلُ وَ بِتْنَا مُتَحَارِسِينَ فَلَمَّا أَنْ أَصْبَحْنَا نَظَرْنَا فَإِذَا هُمُ انْصَرَفُوا

____________

(1) كذا بالعين المهملة، و لعلّ الصواب: «مبتغى» بالمعجمة أي مطلوبا بدمه.

434

قَالَ وَ صَبَّحَنَا عَلِيٌّ(ع)غُدْوَةً سَائِراً نَحْوَ مُعَاوِيَةَ فَإِذَا أَبُو الْأَعْوَرِ قَدْ سَبَقَ إِلَى سُهُولَةِ الْأَرْضِ وَ سَعَةِ الْمَنْزِلِ وَ شَرِيعَةِ الْمَاءِ مَكَانٍ أَفْيَحَ وَ كَانَ أَبُو الْأَعْوَرِ عَلَى مُقَدِّمَةِ مُعَاوِيَةَ وَ اسْمُهُ سُفْيَانُ بْنُ عَمْرٍو وَ كَانَ وُصُولُ عَلِيٍّ(ع)إِلَى صِفِّينَ لِثَمَانٍ بَقِينَ مِنَ الْمُحَرَّمِ مِنْ سَنَةِ سَبْعٍ وَ ثَلَاثِينَ قَالَ نَصْرٌ فَلَمَّا انْصَرَفَ أَبُو الْأَعْوَرِ عَنِ الْحَرْبِ رَاجِعاً سَبَقَ إِلَى الْمَاءِ فَغَلَبَ عَلَيْهِ فِي الْمَوْضِعِ الْمَعْرُوفِ بِقُنَاصِرِينَ إِلَى جَانِبِ صِفِّينَ‏

(1)

وَ سَاقَ الْأَشْتَرُ يَتْبَعُهُ فَوَجَدَهُ غَالِباً عَلَى الْمَاءِ وَ كَانَ فِي أَرْبَعَةِ آلَافٍ مِنْ مُسْتَبْصِرِي أَهْلِ الْعِرَاقِ فَصَدَمُوا أَبَا الْأَعْوَرِ وَ أَزَالُوهُ عَنِ الْمَاءِ فَأَقْبَلَ مُعَاوِيَةُ فِي جَمِيعِ الْفَيْلَقِ بِقَضِّهِ وَ قَضِيضِهِ فَلَمَّا رَآهُمُ الْأَشْتَرُ انْحَازَ إِلَى عَلِيٍّ(ع)وَ غَلَبَ مُعَاوِيَةُ وَ أَهْلُ الشَّامِ عَلَى الْمَاءِ وَ حَالُوا بَيْنَ أَهْلِ الْعِرَاقِ وَ بَيْنَهُ وَ أَقْبَلَ عَلِيٌّ(ع)فِي جُمُوعِهِ فَطَلَبَ مَوْضِعاً لِعَسْكَرِهِ وَ أَمَرَ النَّاسَ أَنْ يَضَعُوا أَثْقَالَهُمْ وَ هُمْ أَكْثَرُ مِنْ مِائَةِ أَلْفٍ فَلَمَّا نَزَلُوا تَسَرَّعَ فَوَارِسُ مِنْ فَوَارِسِ عَلِيٍّ(ع)عَلَى خُيُولِهِمْ إِلَى جِهَةِ مُعَاوِيَةَ يَطْعَنُونَ وَ يَرْمُونَ بِالسِّهَامِ وَ مُعَاوِيَةُ بَعْدُ لَمْ يَنْزِلْ فَنَاوَشَهُمْ أَهْلُ الشَّامِ الْقِتَالَ فَاقْتَتَلُوا هَوِيّاً

(2)

.

392-

قَالَ نَصْرٌ فَحَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ سَعْدِ بْنِ طَرِيفٍ عَنِ الْأَصْبَغِ بْنِ نُبَاتَةَ قَالَ:

فَكَتَبَ مُعَاوِيَةُ إِلَى عَلِيٍّ(ع)عَافَانَا اللَّهُ وَ إِيَّاكَ مَا أَحْسَنَ الْعَدْلَ‏

____________

(1) انظر تاج العروس.

(2) أي قطعة من الزمان، و هي بفتح الهاء و كسر الواو و شد الياء، و يأتي قريبا عن المصنّف تفسيرها.

435

وَ الْإِنْصَافَ بِمَنْ عَمِلَ وَ أَقْبَحَ الطَّيْشَ ثُمَّ النَّفْشَ فِي الرَّجُلِ‏

(1)

وَ كَتَبَ بَعْدَهُ‏

ارْبِطْ حِمَارَكَ لَا تَنْزِعْ سَوِيَّتَهُ* * * -إِذًا يُرَدُّ وَ قَيْدُ الْعِيرِ مَكْرُوبٌ-

لَيْسَتْ تَرَى السَّيِّدُ زَيْداً فِي نُفُوسِهِمْ* * * -كَمَا تَرَاهُ بَنُو كُوزٍ وَ مَرْهُوبٍ-

إِنْ تَسْأَلُوا الْحَقَّ يُعْطَ الْحَقَّ سَائِلُهُ* * * -وَ الدِّرْعُ مُحْقَبَةٌ وَ السَّيْفُ مَقْرُوبٌ-

أَوْ تَأْنَفُونَ فَإِنَّا مَعْشَرَ أَنْفٍ* * * -لَا نَطْعَمُ الضَّيْمَ إِنَّ السَّمَّ مَشْرُوبٌ-

فَأَمَرَ عَلِيٌّ(ع)أَنْ يُوزَعَ النَّاسُ عَنِ الْقِتَالِ حَتَّى أَخَذَ أَهْلُ الشَّامِ مَصَافَّهُمْ ثُمَّ قَالَ أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ هَذَا مَوْقِفٌ مَنْ نَطِفَ فِيهِ نَطِفَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَ مَنْ فَلَجَ فِيهِ فَلَجَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ قَالَ لَمَّا رَأَى نُزُولَ مُعَاوِيَةَ بِصِفِّينَ‏

لَقَدْ أَتَانَا كَاشِراً عَنْ نَابِهِ* * * يُهَمِّطُ النَّاسَ عَلَى اعْتِزَابِهِ-

فَلْيَأْتِنَا الدَّهْرُ بِمَا أَتَى بِهِ

قَالَ نَصْرٌ وَ كَتَبَ عَلِيٌّ إِلَى مُعَاوِيَةَ جَوَابَ كِتَابِهِ أَمَّا بَعْدُ

فَإِنَّ لِلْحَرْبِ عُرَاماً شَرَراً* * * -إِنَّ عَلَيْهَا قَائِداً عَشَنْزَراً-

يُنْصِفُ مَنْ أَحْجَرَ أَوْ تَنَمَّرَا* * * -عَلَى نَوَاحِيهَا مِزَجّاً زَمْجَراً-

إِذَا وَنِينَ سَاعَةٍ تَغَشْمَرَا

____________

(1) كذا في أصلى المطبوع و ظاهره أنّه نثر، و لكن الظاهر أن الباء في قوله: «بمن» من زيادة الكتاب و ان الصواب أنّه شعر هكذا:

ما أحسن العدل و الإنصاف من عمل* * * و أقبح الطيش ثمّ النفش في الرجل‏

و هكذا ضبطه في ط مصر من كتاب صفّين و الطبع الحديث من شرح ابن أبي الحديد: ج 1،(ص)718 ط الحديث ببيروت.

436

وَ كَتَبَ بَعْدَهُ‏

أَ لَمْ تَرَ قَوْمِي إِذْ دَعَاهُمْ أَخُوهُمْ* * * -أَجَابُوا وَ إِنْ يَغْضَبْ عَلَى الْقَوْمِ يَغْضَبُوا-

هُمْ حَفِظُوا غَيْبِي كَمَا كُنْتُ حَافِظاً* * * -لِقَوْمِي أُخْرَى مِثْلِهَا إِذْ تَغَيَّبُوا-

بَنُو الْحَرْبِ لَمْ تَقْعُدْ بِهِمْ أُمَّهَاتُهُمْ* * * -وَ آبَاؤُهُمْ آبَاءُ صِدْقٍ فَأَنْجَبُوا-

قَالَ فَتَرَاجَعَ النَّاسُ كُلٌّ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ إِلَى مُعَسْكَرِهِ وَ ذَهَبَ شَبَابٌ مِنَ النَّاسِ إِلَى الْمَاءِ لِيَسْتَقُوا فَمَنَعَهُمْ أَهْلُ الشَّامِ.

قال ابن أبي الحديد (1) قلت في هذه الألفاظ ما ينبغي أن يشرح قوله فاقتتلوا هويا بفتح الهاء أي قطعة من الزمان و ذهب هوي من الليل أي هزيع منه و النفش كثرة الكلام و الدعاوي و أصله من نفش الصوف و السوية كساء محشو بثمام و نحوه كالبرزعة و كربت القيد إذا ضيقته على المقيد و قيد مكروب أي ضيق يقول لا تنزع برزعة حمارك عنه و اربطه و قيده و إلا أعيد إليك و قيده ضيق.

و هذا مثل ضربه لعلي(ع)يأمره فيه بأن يردع جيشه عن التسرع و العجلة عند الحرب.

و زيد المذكور في الشعر هو زيد بن حصين بن ضرار بن عمرو بن مالك بن زيد بن كعب بن بجالة بن ذهل بن مالك بن بكر بن سعد بن ضبة بن أد بن طابخة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان من بني ضبة و هو المعروف بزيد الخيل و كان فارسهم.

و بنو السيد من ضبة أيضا و هم بنو السيد بن مالك بن بكر بن سعد بن ضبة بن أد بن طابخة إلى آخر النسب و بنو السيد بنو عم زيد الفوارس‏

____________

(1) ذكره ابن أبي الحديد في شرح المختار: (51) من نهج البلاغة من شرحه: ج 1،(ص)718 ط الحديث ببيروت.

437

لأنه من بني ذهل بن مالك و هؤلاء بنو السيد بن مالك و بينهم عداوة النسب يقول إن بني السيد لا يرون زيدا في نفوسهم كما يراه أهله الأدنون منه نسبا و هم بنو كوز و بنو مرهوب يقول نحن لا نعظم زيدا و لا نعتقد فيه من الفضيلة ما يعتقده أهله و بنو عمه الأدنون.

و المثل لعلي(ع)أي نحن لا نرى في علي ما يراه أهل العراق من تعظيمه و تبجيله.

و الدرع محقبة أي بحالها في حقابها و هو ما يشد به في غلافها و السيف بحاله في قرابه و هو جفنه يقال حقبت الدرع و قربت السيف كلاهما ثلاثيان يقول إن سألتم الحق أعطيناكموه من غير حاجة إلى الحرب بل نجيبكم إليه و الدروع بحالها لم تلبس و السيوف في أجفانها لم تشهر.

و أما إثبات النون في تأنفون فللشعر (1) يقول و إن أنفتم و أبيتم إلا الحرب فإنا نأنف مثلكم أيضا لا نطعم الضيم و لا نقبله ثم قال إن السم مشروب أي إن السم قد نشربه و لا نشرب الضيم أي نختار الموت على الذلة.

و الشعر لعبد الله بن غنم الضبي‏ (2) من بني السيد.

فأما قوله(ع)هذا موقف من نطف فيه نطف يوم القيامة

____________

(1) كذا في طبعة الكمبانيّ من بحار الأنوار، و قال ابن أبي الحديد في شرح المختار:

(51) من شرح نهج البلاغة: ج 1(ص)719 ط الحديث ببيروت:

و أمّا إثبات النون في «تأنفون» فإن الاصوب حذفها لعطف الكلمة على المجزوم قبلها و لكنه استأنف و لم يعطف كأنّه قال: أو كنتم تأنفون، يقول: و إن أنفتم و أبيتم إلّا الحرب فإنا نأنف مثلكم أيضا لا نطعم الضيم و لا نقبله ...

(2) كذا في أصلى المطبوع، و في طبع الحديث ببيروت من شرح ابن أبي الحديد: «لعبد اللّه عنمة الضبى من بنى السيّد».

438

أي من تلطخ فيه بعيب من فرار أو نكول عن العدو يقال نطف فلان بالكسر إذا تدنس بعيب و نطف أيضا إذا أفسد يقول من فسدت حاله اليوم في هذا الجهاد فسدت حاله غدا عند الله: قوله من فلج فيه بفتح اللام أي من ظهر و فاز يقال فلج على خصمه كنصر أي ظهرت حجته عليه.

قوله(ع)يهمط الناس أي يقهرهم و يخبطهم و أصله الأخذ بغير تقدير.

و قوله(ع)على اعتزابه أي على بعده عن الإمارة و الولاية على الناس.

و العرام بالضم الشراسة و الهوج و العشنزر الشديد القوي ينصف من يظلم الناس و أحجر ظلم الناس حتى ألجأهم إلى أن دخلوا حجرهم أي بيوتهم و تنمر أي تنكر حتى صار كالنمر يقول هذا القائد الشديد القوي ينصف من يظلم الناس و يتنكر لهم أي ينصف منه فحذف حرف الجر كقوله تعالى‏ وَ اخْتارَ مُوسى‏ قَوْمَهُ‏ أي من قومه.

و المزج بكسر الميم السريع النفوذ و أصله الرمح القصير كالمزراق و رجل زمجر أي مانع حوزته و الميم زائدة و من رواها زمخرا بالخاء عنى به المرتفع العالي الشأن و جعل الميم زائدة أيضا من زخر الوادي أي علا و ارتفع و غشمر السيل أقبل و الغشمرة إتيان الأمر بغير تثبت يقول إذا أبطأن ساقهن سوقا عنيفا.

و الأبيات البائية لربيع بن مسروم‏ (1) الضبي.

____________

(1) كذا في ط الكمبانيّ من البحار، و في شرح نهج البلاغة ط الحديث ببيروت:

«و الأبيات البائية لربيعة بن مشروم الطائى».

439

و روى نصر عن عبد الله بن عوف قال‏

لما قدمنا على معاوية و أهل الشام بصفين وجدناهم قد نزلوا منزلا اختاروه مستويا بساطا واحدا

(1)

و أخذوا الشريعة فهي أيديهم و قد صف أبو الأعور عليها الخيل و الرجالة و قدم المرامية و معهم أصحاب الرماح و الدرق و على رءوسهم البيض و قد أجمعوا أن يمنعونا الماء ففزعنا إلى أمير المؤمنين(ع)فأخبرناه بذلك.

فدعا صعصعة بن صوحان فقال ائت معاوية فقل له إنا سرنا إليك مسيرنا هذا و أنا أكره قتالكم قبل الإعذار إليكم و إنك قدمت خيلك فقاتلتنا قبل أن نقاتلك و بدأتنا بالحرب و نحن من رأينا الكف حتى ندعوك و نحتج عليك و هذه أخرى قد فعلتموها قد حلتم بين الناس و بين الماء فخل بينهم و بينه حتى ننظر فيما بيننا و بينكم و فيما قدمنا له و قدمتم له و إن كان أحب إليك أن ندع ما جئنا له و ندع الناس يقتتلون على الماء حتى يكون الغالب هو الشارب فعلنا.

فلما مضى صعصعة برسالته إلى معاوية قال معاوية لأصحابه ما ترون فقال الوليد بن عقبة امنعهم الماء كما منعوه ابن عفان حصروه أربعين يوما يمنعونه برد الماء و لين الطعام اقتلهم عطشا قتلهم الله.

و قال عمرو بن العاص خل بين القوم و بين الماء فإنهم لن يعطشوا و أنت ريان و لكن لغير الماء فانظر فيما بينك و بينهم فأعاد الوليد مقالته.

و قال عبد الله بن سعيد بن أبي سرح‏

(2)

و كان أخا عثمان من الرضاعة امنعهم الماء إلى الليل فإنهم إن لم يقدروا عليه رجعوا و كان رجوعهم هزيمتهم امنعهم الماء منعهم الله يوم القيامة.

____________

(1) كذا في أصلى، و في كتاب صفّين و شرح النهج: «بساطا واسعا».

(2) له ترجمة في كتاب الإصابة: ج 2(ص)470.

440

فقال صعصعة إنما يمنع الماء يوم القيامة الفجرة الكفرة شربة الخمر ضربك و ضرب هذا الفاسق‏

(1)

يعني الوليد فتواثبوا إليه يشتمونه و يتهددونه فقال معاوية كفوا عن الرجل فإنما هو رسول.

قال عبد الله بن عوف إن صعصعة لما رجع إلينا حدثنا بما قال معاوية و ما كان منه و ما رده علينا و قال لما أردت الانصراف من عنده قلت ما ترد علي قال سيأتيكم رأيي قال فو الله ما راعنا إلا تسوية الرجال و الصفوف و الخيل فأرسل إلى أبي الأعور امنعهم الماء فازدلفنا و الله إليهم فارتمينا و أطعنا بالرماح و اضطر بنا بالسيوف فطال ذلك بيننا و بينهم حتى صار الماء في أيدينا فقلنا لا و الله لا نسقيهم فأرسل علي(ع)أن خذوا من الماء حاجتكم و ارجعوا معسكركم و خلوا بينهم و بين الماء فإن الله قد نصركم عليهم ببغيهم و ظلمهم.

و قال نصر قال عمرو بن العاص خل بينهم و بين الماء فإن عليا لم يكن ليظمأ و أنت ريان و في يده أعنة الخيل و هو ينظر إلى الفرات حتى يشرب أو يموت و أنت تعلم أنه الشجاع المطرق و قد سمعته أنا مرارا و هو يقول لو أن معي أربعين رجلا يوم فتش البيت يعني بيت فاطمة لو استمكنت من أربعين رجلا يعني في الأمر الأول‏

(2)

.

قال و لما غلب أهل الشام على الفرات فرحوا بالغلبة و قال معاوية يا

____________

(1) الضرب بمعنى المثل و الشبيه.

(2) كذا في طبع الكمبانيّ من البحار، و في شرح ابن أبي الحديد: ط الحديث ببيروت:

«و قد سمعته أنا مرارا و هو يقول: لو استمكنت من أربعين رجلا يعنى في الامر الأول.

أقول: و ليلاحظ «طبع» القديم من هذا الشرح أو مخطوطه إن تيسر.

و في كتاب صفّين: و قد سمعته أنا و أنت و هو يقول: لو استمكنت من أربعين رجلا- فذكر أمرا- يعنى لو أن معى أربعين رجلا يوم فتش البيت. يعنى بيت فاطمة.

441

أهل الشام هذا و الله أول الظفر لا سقاني الله و لا أبا سفيان إن شربوا منه أبدا حتى يقتلوا بأجمعهم عليه و تباشر أهل الشام.

فقام إلى معاوية رجل من أهل الشام همداني ناسك يقال له المعري بن الأقبل فقال يا معاوية سبحان الله الآن سبقتم القوم إلى الفرات تمنعونهم الماء أما و الله لو سبقوكم إليه لسقوكم منه أ ليس أعظم ما تنالون من القوم أن تمنعونهم فرضة من الفرات فينزلون على فرضة أخرى فيجازونكم بما صنعتم.

أ ما تعلمون أن فيهم العبد و الأمة و الأجير و الضعيف و من لا ذنب له هذا و الله أول الجهل فأغلظ له معاوية.

قال نصر ثم سار الرجل الهمداني في سواد الليل حتى لحق بعلي(ع)و مكث أصحاب علي(ع)بغير ماء و اغتم(ع)بما فيه أهل العراق من العطش فأتى الأشعث عليا فقال يا أمير المؤمنين أ يمنعنا القوم ماء الفرات و أنت فينا و السيوف في أيدينا خل عنا و عن القوم فو الله لا نرجع حتى نرده أو نموت و مر الأشتر يعلو بخيله و يقف حيث تأمر فقال علي(ع)ذاك إليكم.

فنادى الأشعث في الناس من كان يريد الماء أو الموت فميعاده موضع كذا فإني ناهض فأتاه اثنا عشر ألفا من كندة و أفناء قحطان واضعي سيوفهم على عواتقهم فشد عليه سلاحه و نهض بهم حتى كاد أن يخالط أهل الشام و جعل يلقي رمحه و يقول لأصحابه بأبي و أمي و أنتم تقدموا إليهم قاب رمحي هذا

(1)

فلم يزل ذلك دأبه حتى خالط القوم و حسر عن رأسه و نادى أنا الأشعث بن قيس خلوا عن الماء فنادى أبو الأعور أما و الله حتى لا تأخذنا و إياكم السيوف فلا فقال الأشعث قد و الله أظنها دنت منا و منكم.

____________

(1) القاب: القدر.

442

و كان الأشتر قد تعالى بخيله حيث أمره علي(ع)فبعث إليه الأشعث أقحم الخيل فأقحمها حتى وضعت بسنابكها في الفرات و أخذت أهل الشام السيوف فولوا مدبرين.

393-

قَالَ وَ حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ شِمْرٍ عَنْ جَابِرٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ وَ زَيْدِ بْنِ الْحَسَنِ قَالا

فَنَادَى الْأَشْعَثُ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ فَقَالَ وَيْحَكَ يَا ابْنَ الْعَاصِ خَلِّ بَيْنَنَا وَ بَيْنَ الْمَاءِ فَوَ اللَّهِ لَئِنْ لَمْ تَفْعَلْ لَتَأْخُذُنَا وَ إِيَّاكُمُ السُّيُوفُ فَقَالَ عَمْرٌو وَ اللَّهِ لَا نُخَلِّي عَنْهُ حَتَّى تَأْخُذَنَا السُّيُوفُ وَ إِيَّاكُمْ فَيَعْلَمَ رَبُّنَا سُبْحَانَهُ أَيُّنَا أَصْبَرُ الْيَوْمَ فَتَرَجَّلَ الْأَشْعَثُ وَ الْأَشْتَرُ وَ ذَوُو الْبَصَائِرِ مِنْ أَصْحَابِ عَلِيٍّ(ع)وَ تَرَجَّلَ مَعَهُمَا اثْنَا عَشَرَ أَلْفاً فَحَمَلُوا عَلَى عَمْرٍو وَ أَبِي الْأَعْوَرِ وَ مَنْ مَعَهُمَا مِنْ أَهْلِ الشَّامِ فَأَزَالُوهُمْ عَنِ الْمَاءِ حَتَّى غُمِسَتْ خَيْلُ عَلِيٍّ(ع)سَنَابِكُهَا فِي الْمَاءِ قَالَ نَصْرٌ فَرَوَى لَنَا عُمَرُ بْنُ سَعْدٍ أَنَّ عَلِيّاً(ع)قَالَ ذَاكَ الْيَوْمَ هَذَا يَوْمٌ نُصِرْتُمْ فِيهِ بِالْحَمِيَّةِ قَالَ نَصْرٌ فَحَدَّثَنَا عَمْرٌو عَنْ جَابِرٍ قَالَ خَطَبَ عَلِيٌّ(ع)يَوْمَ الْمَاءِ فَقَالَ أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ الْقَوْمَ قَدْ بَدَءُوكُمْ بِالظُّلْمِ وَ فَاتَحُوكُمْ بِالْبَغْيِ وَ اسْتَقْبَلُوكُمْ بِالْعُدْوَانِ وَ قَدِ اسْتَطْعَمُوكُمُ الْقِتَالَ حَيْثُ مَنَعُوكُمُ الْمَاءَ فَأَقِرُّوا عَلَى مَذَلَّةٍ وَ تَأْخِيرِ مَحَلَّةِ أَوْ رَوُّوا السُّيُوفَ مِنَ الدِّمَاءِ تَرْوَوْا مِنَ الْمَاءِ فَالْمَوْتُ فِي حَيَاتِكُمْ مَقْهُورِينَ وَ الْحَيَاةُ فِي مَوْتِكُمْ قَاهِرِينَ أَلَا وَ إِنَّ مُعَاوِيَةَ قَادَ لُمَةً مِنَ الْغُوَاةِ وَ عَمَّسَ عَلَيْهِمُ الْخَبَرَ حَتَّى جَعَلَ نُحُورَهُمْ أَغْرَاضَ الْمَنِيَّةِ

(1)

____________

(1) هذه الخطبة هو المختار: (51) من كتاب نهج البلاغة. و الخطبة مع الكلام الآتى قبل قول المصنّف: «توضيح» قد سقطتا عن المطبوع من كتاب صفّين، و قد رواها عنه ابن أبي الحديد في شرح المختار: (51) من شرحه على نهج البلاغة؛ ج 3(ص)325 ط الحديث بمصر، و في ط الحديث ببيروت: ج 1(ص)725 و 729.

443

قَالَ نَصْرٌ وَ دَعَا الْأَشْتَرُ بِالْحَارِثِ بْنِ هَمَّامٍ النَّخَعِيِّ فَأَعْطَاهُ لِوَاءَهُ ثُمَّ صَاحَ الْأَشْتَرُ فِي أَصْحَابِهِ فَدَتْكُمْ نَفْسِي شُدُّوا شِدَّةَ الْمُحَرِّجِ الرَّاجِي لِلْفَرَجِ فَإِذَا نَالَتْكُمُ الرِّمَاحُ الْتَوُوا فِيهَا فَإِذَا عَضَّتْكُمُ السُّيُوفُ فَلْيَعَضَّ الرَّجُلُ عَلَى نَاجِذِهِ فَإِنَّهُ أَشَدُّ لِشُئُونِ الرَّأْسِ ثُمَّ اسْتَقْبِلُوا الْقَوْمَ بِهَامِكُمْ قال و كان الأشتر يومئذ على فرس له محذوف أدهم كأنه حلك الغراب و قتل بيده من أهل الشام من فرسانهم و صناديدهم سبعة صالح بن فيروز العكي و مالك بن أدهم السلماني و رياح بن عتيك الغساني و الأجلح بن منصور الكندي و كان فارس أهل الشام و إبراهيم بن وضاح الجمحي و زامل بن عتيك الجذامي و محمد بن روضة الجمحي و سمع أمير المؤمنين مرثية بعض نساء القتلى فقال أما إنهم أضروا بنسائهم فتركوهن أيامى حزانى بائسات قاتل الله معاوية اللهم حمله آثامهم و أوزارا و أثقالا مع أثقاله اللهم لا تعف عنه:

و عن صعصعة قال: أقبل الأشتر يوم الماء فضرب بسيفه جمهور أهل الشام حتى كشفهم عن الماء و حمل أبو الأعور و حمل الأشتر عليه فلم ينتصف أحدهما صاحبه قَالَ وَ قَالَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ لِمُعَاوِيَةَ لَمَّا مَلَكَ أَهْلُ الْعِرَاقِ الْمَاءَ مَا ظَنُّكَ يَا مُعَاوِيَةُ بِالْقَوْمِ إِنْ مَنَعُوكَ الْمَاءَ كَمَا مَنَعْتَهُمْ أَمْسِ أَ تَرَاكَ تُضَارِبُهُمْ عَلَيْهِ كَمَا ضَارَبُوكَ عَلَيْهِ مَا أَغْنَى عَنْكَ أَنْ تَكْشِفَ لَهُمُ السَّوْءَةَ فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَةُ دَعْ عَنْكَ مَا مَضَى فَمَا ظَنُّكَ بِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ ظَنِّي أَنَّهُ لَا يَسْتَحِلُّ مِنْكَ مَا اسْتَحْلَلْتَ مِنْهُ وَ أَنَّ الَّذِي جَاءَ لَهُ غَيْرُ الْمَاءِ قَالَ نَصْرٌ فَقَالَ أَصْحَابُ عَلِيٍّ(ع)لَهُ امْنَعْهُمُ الْمَاءَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ كَمَا مَنَعُوكَ فَقَالَ لَا خَلُّوا بَيْنَهُمْ وَ بَيْنَهُ لَا أَفْعَلُ مَا فَعَلَهُ الْجَاهِلُونَ فَسَنَعْرِضُ عَلَيْهِمُ كِتَابَ اللَّهِ وَ نَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى فَإِنْ أَجَابُوا وَ إِلَّا فَفِي حَدِّ السَّيْفِ مَا يُغْنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ قَالَ فَوَ اللَّهِ مَا أَمْسَى النَّاسُ حَتَّى رَأَوْا سُقَاتَهُمْ وَ سُقَاةَ أَهْلِ الشَّامِ وَ رَوَايَاهُمْ وَ رَوَايَا أَهْلِ الشَّامِ يَزْدَحِمُونَ عَلَى الْمَاءِ مَا يُؤْذِي إِنْسَانٌ إِنْسَاناً.

444

أقول: رجعنا إلى أصل كتاب نصر فوجدناه مطابقا لما رواه ابن أبي الحديد عنه‏ (1).

توضيح قال الفيروزآبادي منبج كمجلس موضع و قال زجر الطائر تفأل به و الزجر العيافة و التكهن و قال الرهق محركة السفه و النوك و الخفة و ركوب الشر و الظلم و غشيان المحارم و قال السقاط الوقعة الشديدة و العثرة و قال بحر أفيح واسع و الفيحاء الواسعة من الدور و قال الفيلق كصيقل الجيش و قال جاءوا قضهم بفتح الضاد و بضمها و فتح القاف و كسرها بقضيضهم و جاءوا قضهم و قضيضهم أي جميعهم أو القض الحصى الصغار و القضيض الكبار أي جاءوا بالكبير و الصغير أو القض بمعنى القاض و القضيض بمعنى المقضوض قوله لو استمكنت لو للتمني أو الجزاء محذوف و الأمر الأول بيعة أبي بكر و قاب رمحي أي قدر رمحي قوله قد استطعموكم.

أقول روى السيد في المختار من النهج من هذا الموضع إلى آخر الكلام أي طلبوا منكم القتال كأنهم اضطروكم إليه إذ لا طاقة لكم على العطش فجعلوه مرغوبا لكم كما يرغب الإنسان إلى الطعام الذي به قوام بدنه فأقروا على مذلة أي اعترفوا بها و إنه لا قدرة لكم على دفعهم و اصبروا عليها أو اسكنوا أنفسكم في مكان الذل و المقهورية و تأخير المحلة دناءة المرتبة أو رووا السيوف أي اجعلوها ريا ضد عطشى و قاد الفرس ضد ساقه فالقود من أمام و السوق من خلف و اللمة بالضم و التخفيف الجماعة

____________

(1) ابن أبي الحديد أورد ما في كتاب صفّين بإيجاز و بحذف بعض الخصوصيات في شرح المختار: (51) من نهج البلاغة من شرحه ج 3(ص)320 ط مصر، و في ط الحديث ببيروت: ج 1،(ص)717- 729.

و رواه نصر في أواسط الجزء (3) من كتاب صفّين(ص)157، و ما حولها.

445

و قيل المثل في السن و الترب و عمس بالمهملتين و تشديد الميم أي أبهم و أخفى و يظهر من ابن الأثير أنه بالتخفيف.

و يروى بالغين المعجمة و هو موجود في بعض نسخ النهج لكن بالتشديد و غمسه في الماء أي مقله و غمس النجم أي غاب و الغميس الليل المظلم و الظلمة و الشي‏ء الذي لم يظهر للناس و لم يعرف بعد و في بعض النسخ و رمس عليهم بالتشديد و الرمس كتمان الخبر و المراد بالخبر خزي الدنيا أو عذاب الآخرة أو الأعم و الغرض الهدف الذي يرمى فيه و المنية الموت و قال الجوهري الحلك السواد يقال أسود مثل حلك الغراب و هو سواده.

446

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

447

باب 12 باب جمل ما وقع بصفين من المحاربات و الاحتجاجات إلى التحكيم‏

394-

قَالَ ابْنُ أَبِي الْحَدِيدِ مُوَافِقاً لِمَا وَجَدْتُهُ فِي أَصْلِ كِتَابِ صِفِّينَ لِنَصْرِ بْنِ الْمُزَاحِمِ‏ (1)

لَمَّا مَلَكَ عَلِيٌّ(ع)الْمَاءَ بِصِفِّينَ ثُمَّ سَمَحَ لِأَهْلِ الشَّامِ بِالْمُشَارَكَةِ فِيهِ وَ الْمُسَاهَمَةِ اسْتِمَالَةً لِقُلُوبِهِمْ مَكَثَ أَيَّاماً لَا يُرْسِلُ إِلَى مُعَاوِيَةَ أَحَداً وَ لَا يَأْتِيهِ مِنْ عِنْدِ مُعَاوِيَةَ أَحَدٌ وَ اسْتَبْطَأَ أَهْلُ الْعِرَاقِ إِذْنَهُ لَهُمْ فِي الْقِتَالِ وَ قَالُوا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ خَلَّفْنَا ذَرَارِيَّنَا وَ نِسَاءَنَا بِالْكُوفَةِ ائْذَنْ لَنَا فِي قِتَالِ الْقَوْمِ فَإِنَّ النَّاسَ قَدْ قَالُوا قَالَ عَلِيٌّ(ع)مَا قَالُوا؟ فَقَالَ مِنْهُمْ قَائِلٌ إِنَّهُمْ يَظُنُّونَ أَنَّكَ تَكْرَهُ الْحَرْبَ كَرَاهِيَةً لِلْمَوْتِ وَ مِنْهُمْ مَنْ يَظُنُّ أَنَّكَ فِي شَكٍّ فِي قِتَالِ أَهْلِ الشَّامِ فَقَالَ(ع)وَ مَتَى كُنْتُ كَارِهاً لِلْحَرْبِ قَطُّ إِنَّ مِنَ الْعَجَبِ حُبِّي لَهَا غُلَاماً وَ يَفَعاً وَ كَرَاهِيَتِي لَهَا شَيْخاً بَعْدَ نَفَادِ الْعُمُرِ وَ قُرْبِ الْوَقْتِ وَ أَمَّا شَكِّي فِي‏

____________

(1) رواه نصر في أواخر الجزء الثالث من كتاب صفّين(ص)187، ط مصر.

و رواه عنه ابن أبي الحديد باختصار بسيط في بعض مواضيعه في شرح المختار:

(54) من نهج البلاغة: ج 1،(ص)749 ط الحديث ببيروت.

و المصنّف اختصر روايات ابن أبي الحديد و أسقط أسانيد الأحاديث أكثريا.

448

الْقَوْمِ فَلَوْ شَكَكْتُ فِيهِمْ لَشَكَكْتُ فِي أَهْلِ الْبَصْرَةِ فَوَ اللَّهِ لَقَدْ ضَرَبْتُ هَذَا الْأَمْرَ ظَهْراً وَ بَطْناً فَمَا وَجَدْتُ يَسَعُنِي إِلَّا الْقِتَالُ أَوْ أَنْ أَعْصِيَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ وَ لَكِنِّي أَسْتَأْنِي بِالْقَوْمِ عَسَى أَنْ يَهْتَدُوا أَوْ يَهْتَدِيَ فِيهِمْ طَائِفَةٌ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ(ص)قَالَ لِي يَوْمَ الْخَيْبَرِ لَأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِكَ رَجُلًا وَاحِداً خَيْرٌ لَكَ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ‏

(1)

قَالَ نَصْرُ بْنُ مُزَاحِمٍ فَبَعَثَ عَلِيٌّ(ع)إِلَى مُعَاوِيَةَ بِشْرَ بْنَ عَمْرٍو وَ سَعِيدَ بْنَ قَيْسٍ وَ شَبَثَ بْنَ رِبْعِيٍّ فَقَالَ ائْتُوا هَذَا الرَّجُلَ فَادْعُوهُ إِلَى الطَّاعَةِ وَ الْجَمَاعَةِ وَ إِلَى اتِّبَاعِ أَمْرِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ فَقَالَ شَبَثٌ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَ لَا نُطْمِعُهُ فِي سُلْطَانٍ تُوَلِّيهِ إِيَّاهُ وَ مَنْزِلَةٍ يَكُونُ لَهُ بِهَا أَثَرَةٌ عِنْدَكَ إِنْ هُوَ بَايَعَكَ قَالَ ائْتُوهُ الْآنَ وَ الْقَوْهُ وَ احْتَجُّوا عَلَيْهِ وَ انْظُرُوا مَا رَأْيُهُ فِي هَذَا فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَابْتَدَأَ بِشْرُ بْنُ عَمْرِو بْنِ مِحْصَنٍ فَحَمِدَ اللَّهَ وَ أَثْنَى عَلَيْهِ وَ قَالَ أَمَّا بَعْدُ يَا مُعَاوِيَةُ فَإِنَّ الدُّنْيَا عَنْكَ زَائِلَةٌ وَ إِنَّكَ رَاجِعٌ إِلَى الْآخِرَةِ وَ إِنَّ اللَّهَ مُجَازِيكَ بِعَمَلِكَ وَ مُحَاسِبُكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَ إِنَّنِي أَنْشُدُكَ اللَّهَ أَنْ تُفَرِّقَ جَمَاعَةَ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَ أَنْ تَسْفِكَ دِمَاءَهَا بَيْنَهَا فَقَطَعَ مُعَاوِيَةُ عَلَيْهِ الْكَلَامَ فَقَالَ فَهَلَّا أَوْصَيْتَ صَاحِبَكَ فَقَالَ سُبْحَانَ اللَّهِ إِنَّ صَاحِبِي لَا يُوصَى إِنَّ صَاحِبِي لَيْسَ مِثْلَكَ صَاحِبِي أَحَقُّ النَّاسِ بِهَذَا الْأَمْرِ فِي الْفَضْلِ وَ الدِّينِ وَ السَّابِقَةِ فِي الْإِسْلَامِ وَ الْقَرَابَةِ مِنَ الرَّسُولِ قَالَ مُعَاوِيَةُ فَتَقُولُ مَا ذَا قَالَ أَدْعُوكَ إِلَى تَقْوَى رَبِّكَ وَ إِجَابَةِ ابْنِ عَمِّكَ إِلَى مَا يَدْعُوكَ إِلَيْهِ مِنَ الْحَقِّ فَإِنَّهُ أَسْلَمُ لَكَ فِي دِينِكَ وَ خَيْرٌ لَكَ فِي عَاقِبَةِ أَمْرِكَ قَالَ وَ يُطَلُّ دَمُ عُثْمَانَ لَا وَ الرَّحْمَنِ لَا أَفْعَلُ ذَلِكَ أَبَداً فَذَهَبَ سَعِيدُ بْنُ قَيْسٍ لِيَتَكَلَّمَ فَبَدَرَهُ شَبَثُ بْنُ رِبْعِيٍّ فَحَمِدَ اللَّهَ وَ أَثْنَى عَلَيْهِ‏

____________

(1) و قريبا منه جدا رواه السيّد الرضيّ في المختار: (54) من نهج البلاغة.

449

ثُمَّ قَالَ يَا مُعَاوِيَةُ قَدْ فَهِمْتُ مَا رَدَدْتَ عَلَى ابْنِ مِحْصَنٍ إِنَّهُ لَا يَخْفَى عَلَيْنَا مَا تَطْلُبُ إِنَّكَ لَا تَجِدُ شَيْئاً تَسْتَغْوِي بِهِ النَّاسَ وَ تَسْتَمِيلُ بِهِ أَهْوَاءَهُمْ إِلَّا أَنْ قُلْتَ لَهُمْ قُتِلَ إِمَامُكُمْ مَظْلُوماً فَهَلُمُّوا نَطْلُبْ بِدَمِهِ فَاسْتَجَابَ لَكَ سَفِلَةٌ طَغَامٌ رُذَالٌ وَ قَدْ عَلِمْنَا أَنَّكَ أَبْطَأْتَ عَنْهُ بِالنَّصْرِ وَ أَحْبَبْتَ لَهُ الْقَتْلَ لِهَذِهِ الْمَنْزِلَةِ الَّتِي تَطْلُبُ وَ رُبَّ مبتغي [مُبْتَغٍ أَمْراً وَ طَالِبٍ لَهُ يَحُولُ اللَّهُ دُونَهُ وَ رُبَّمَا أُوتِيَ الْمُتَمَنِّي أُمْنِيَّتَهُ وَ رُبَّمَا لَمْ يُؤْتَهَا وَ وَ اللَّهِ مَا لَكَ فِي وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا خَيْرٌ وَ اللَّهِ إِنْ أَخْطَأَكَ مَا تَرْجُو إِنَّكَ لَشَرُّ الْعَرَبِ حَالًا وَ لَئِنْ أَصَبْتَ مَا تَتَمَنَّاهُ لَا تُصِيبُهُ حَتَّى تَسْتَحِقَّ صَلَى النَّارِ فَاتَّقِ اللَّهَ يَا مُعَاوِيَةُ وَ دَعْ مَا أَنْتَ عَلَيْهِ وَ لَا تُنَازِعِ الْأَمْرَ أَهْلَهُ فَحَمِدَ مُعَاوِيَةُ اللَّهَ وَ أَثْنَى عَلَيْهِ وَ قَالَ أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ أَوَّلَ‏

(1)

مَا عَرَفْتُ بِهِ سَفَهَكَ وَ خِفَّةَ حِلْمِكَ قَطْعُكَ عَلَى هَذَا الْحَسِيبِ الشَّرِيفِ سَيِّدِ قَوْمِهِ مَنْطِقَهُ ثُمَّ عَنَّفْتَ بَعْدُ فِيمَا لَا عِلْمَ لَكَ بِهِ وَ لَقَدْ كَذَبْتَ وَ لَوَّمْتَ أَيُّهَا الْأَعْرَابِيُّ الْجِلْفُ الْجَافِي‏

(2)

فِي كُلِّ مَا وَصَفْتَ انْصَرِفُوا مِنْ عِنْدِي فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنِي وَ بَيْنَكُمْ إِلَّا السَّيْفُ وَ غَضِبَ فَخَرَجَ الْقَوْمُ وَ شَبَثٌ يَقُولُ أَ عَلَيْنَا تُهَوِّلُ بِالسَّيْفِ أَمَا وَ اللَّهِ لَنُعَجِّلَنَّهُ إِلَيْكَ قَالَ نَصْرٌ وَ خَرَجَ قُرَّاءُ أَهْلِ الْعِرَاقِ وَ قُرَّاءُ أَهْلِ الشَّامِ فَعَسْكَرُوا فِي نَاحِيَةِ صِفِّينَ فِي ثَلَاثِينَ أَلْفاً قَالَ وَ عَسْكَرُ عَلِيٍّ(ع)عَلَى الْمَاءِ وَ عَسْكَرُ مُعَاوِيَةَ فَوْقَهُ عَلَى الْمَاءِ أَيْضاً وَ مَشَتِ الْقُرَّاءُ بَيْنَ عَلِيٍّ(ع)وَ مُعَاوِيَةَ مِنْهُمْ عُبَيْدَةُ السَّلْمَانِيُّ وَ عَلْقَمَةُ بْنُ قَيْسٍ النَّخَعِيُّ وَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُتْبَةَ وَ عَمَّارُ بْنُ عَبْدِ الْقَيْسِ فَدَخَلُوا عَلَى مُعَاوِيَةَ فَقَالُوا يَا مُعَاوِيَةُ مَا الَّذِي تَطْلُبُ‏

____________

(1) هذا هو الظاهر الموافق لما في طبعة مصر من كتاب صفّين و طبعة بيروت من شرح نهج البلاغة. و في أصلى: «أما بعد إنّه أول ...».

(2) كذا في طبع الكمبانيّ من البحار و التلويم: الملامة، و التشديد للمبالغة. و في شرح ابن أبي الحديد: «و لؤمت ...».

450

قَالَ أَطْلُبُ بِدَمِ عُثْمَانَ قَالُوا مِمَّنْ تَطْلُبُ بِدَمِ عُثْمَانَ قَالَ أَطْلُبُهُ مِنْ عَلِيٍّ قَالُوا أَ وَ عَلِيٌّ قَتَلَهُ قَالَ نَعَمْ هُوَ قَتَلَهُ وَ آوَى قَتَلَتَهُ فَانْصَرَفُوا مِنْ عِنْدِهِ فَدَخَلُوا عَلَى عَلِيٍّ(ع)وَ قَالُوا إِنَّ مُعَاوِيَةَ زَعَمَ أَنَّكَ قَتَلْتَ عُثْمَانَ قَالَ اللَّهُمَّ لَكَذَبَ عَلَيَّ لَمْ أَقْتُلْهُ فَرَجَعُوا إِلَى مُعَاوِيَةَ فَأَخْبَرُوهُ فَقَالَ إِنْ لَمْ يَكُنْ قَتَلَهُ بِيَدِهِ فَقَدْ أَمَرَ وَ مَالَأَ فَرَجَعُوا إِلَيْهِ(ع)وَ قَالُوا يَزْعُمُ أَنَّكَ إِنْ لَمْ تَكُنْ قَتَلْتَ بِيَدِكَ فَقَدْ أَمَرْتَ وَ مَالَأْتَ عَلَى قَتْلِ عُثْمَانَ فَقَالَ اللَّهُمَّ لَكَذَبَ فِيمَا قَالَ فَرَجَعُوا إِلَى مُعَاوِيَةَ فَقَالُوا إِنَّ عَلِيّاً يَزْعُمُ أَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ فَقَالَ مُعَاوِيَةُ إِنْ كَانَ صَادِقاً فَلْيُقِدْنَا مِنْ قَتَلَةِ عُثْمَانَ فَإِنَّهُمْ فِي عَسْكَرِهِ وَ جُنْدِهِ وَ أَصْحَابُهُ وَ عَضُدُهُ فَرَجَعُوا إِلَى عَلِيٍّ(ع)فَقَالُوا إِنَّ مُعَاوِيَةَ يَقُولُ لَكَ إِنْ كُنْتَ صَادِقاً فَادْفَعْ إِلَيْنَا قَتَلَةَ عُثْمَانَ أَوْ مَكِّنَّا مِنْهُمْ فَقَالَ لَهُمْ إِنَّ الْقَوْمَ تَأَوَّلُوا عَلَيْهِ الْقُرْآنَ وَ وَقَعَتِ الْفُرْقَةُ وَ قَتَلُوهُ فِي سُلْطَانِهِ وَ لَيْسَ عَلَى ضَرْبِهِمْ قَوَدٌ فَخَصَمَ عَلِيٌّ مُعَاوِيَةَ

(1)

فَقَالَ لَهُمْ مُعَاوِيَةُ إِنْ كَانَ الْأَمْرُ كَمَا تَزْعُمُونَ فَلِمَ ابْتَزَّ الْأَمْرَ دُونَنَا عَلَى غَيْرِ مَشُورَةٍ مِنَّا وَ لَا مِمَّنْ هَاهُنَا مَعَنَا فَقَالَ عَلِيٌّ(ع)إِنَّ النَّاسَ تَبَعُ الْمُهَاجِرِينَ وَ الْأَنْصَارِ وَ هُمْ شُهُودٌ لِلْمُسْلِمِينَ فِي الْبِلَادِ عَلَى وُلَاتِهِمْ وَ أُمَرَاءِ دِينِهِمْ فَرَضُوا بِي وَ بَايَعُونِي وَ لَسْتُ أَسْتَحِلُّ أَنْ أَدَعَ ضَرْبَ مُعَاوِيَةَ يَحْكُمُ عَلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ وَ يَرْكَبُهُمْ وَ يَشُقُّ عَصَاهُمْ فَرَجَعُوا إِلَى مُعَاوِيَةَ فَأَخْبَرُوهُ بِذَلِكَ فَقَالَ لَيْسَ كَمَا يَقُولُ فَمَا بَالُ مَنْ هَاهُنَا مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَ الْأَنْصَارِ لَمْ يَدْخُلُوا فِي هَذَا الْأَمْرِ فَانْصَرَفُوا إِلَيْهِ(ع)فَأَخْبَرُوهُ بِقَوْلِهِ: فَقَالَ: وَيْحَكُمْ هَذَا لِلْبَدْرِيِّينَ دُونَ‏

____________

(1) أي غلبه في الخصومة، و هو على زنة ضرب. و القود: القصاص.