صلح الحسن(ع)

- الشيخ راضي آل ياسين المزيد...
400 /
53

كتبه و سلاحه. و أمرني أن آمرك، اذا حضرك الموت أن تدفعها الى اخيك الحسين» . ثم أقبل على الحسين فقال: «و أمرك رسول اللّه أن تدفعها الى ابنك هذا» . ثم اخذ بيد على بن الحسين و قال: «و أمرك رسول اللّه أن تدفعها الى ابنك محمد. فأقره من رسول اللّه و مني السلام» (1) .

*** صورة تحكيها كل كتب الحديث التي تعرض لهذه المواضيع، و ترفعها مسندة بالطرق الصحيحة الموثقة، الى مراجعها من اهل البيت عليهم السلام و غيرهم. و هي الصورة التي تناسق الوضع المنتظر لمثل ظرفها. و الاّ فما الذي كان ينبغي غير ذلك؟ و هذه هي طريقة الامامية من الشيعة في اثبات الامامة.

-نصوص نبوية متواترة من طرقهم، و مروية بوضوح من طرق غيرهم، تحصر الامامة في اثنى عشر اماما كلهم من قريش‏ (2) ، و تذكر -ضمنا-أو في مناسبة اخرى، أسماء هم اماما اماما الى آخرهم، و هو المهدي المنتظر الذي يملأ اللّه به الارض قسطا و عدلا، بعد أن تكون قد امتلأت ظلما و جورا.

-و نصوص خاصة، من كل امام على خلفه الذي يجب أن يرجع إليه الناس.

ثم يكون من تفوّق الامام، في علمه و عمله و مكارمه و كراماته، أدلة وجدانية اخرى، هي بمثابة تأييد لتلك النصوص بنوعيها.

____________

(1) اصول الكافي (ص 151) و كشف الغمة (ص 159) و غيرهما.

(2) ففي صحيح مسلم (ج 2 ص 119) في باب «الناس تبع لقريش» عن جابر بن سمرة قال: «سمعت رسول اللّه (ص) يقول: لا يزال الدين قائما حتى تقوم الساعة و يكون عليهم اثنا عشر خليفة كلهم من قريش» . و روى نحوا منه البخاري (ج 4 ص 164) و ابو داود و الترمذي في جامعه و الحميدي في جمعه بين الصحيحين. و رواه غيرهم. و الحديث بحصره العدد في الاثنى عشر من قريش، و بما يفصله صحيح مسلم من كون هذا العدد هو عدد الخلفاء الى ان تقوم الساعة، صريح بما يقوله الامامية في ائمتهم، دون ما وقع في التاريخ من أعداد الخلفاء و مختلف عناصرهم.

54

اما بيعة الناس فليست شرطا في امامة الامام. و انما على الناس أن يبايعوا من أرادته النصوص النبوية. و لا تصحّح الامامية بيعة غيره. و لا تقع من أحدهم الاّ اضطرارا.

و قضت الظروف بدوافعها الزمتيّة، أن لا يبايع الناس من الائمة المنصوص عليهم، الاّ الامامين عليا و الحسن عليهما السلام.

*** و ابتدأ بعد الحسن عهد «الخلافات» الاسمية، التي ترتكز في نفوذها على السلاح، و تقوم في بيعتها على شراء الضمائر بالمال. أو كما قال الغزالي «و أفضت الخلافة الى قوم تولوها بغير استحقاق‏ (1) » .

و كان الاولى بالمسلمين، أو بمؤرخة الاسلام على الاخص، ان يغلقوا عهد «الخلافة» بنهاية عهد الحسن عليه السلام، ليشرعوا بعده عهد «الملك» بظواهره و سياسته و ارتجالاته و لو فعلوا لحفظوا مثالية الاسلام مجلوة بما ترسّمه خلفاؤه المثاليون من سيرة النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم و لصانوا الاسلام عن كثير مما وصمه به هؤلاء الملوك الذين فرضوا على المسلمين خلافاتهم فرضا، ثم جاء التاريخ فرضي أن يسمّيهم «الخلفاء» من دون استحقاق لهذا الاسم، و أساء الى الاسلام من حيث أراد الاحسان.

ترى، أ يصح للخليفة الذي يجب أن يكون أقرب الناس شبها بصاحب الرسالة في ورعه و علمه و التزامه بحرفية الاسلام، أن يصلي «الجمعة» يوم الاربعاء، أو يصليها مرة اخرى في ضحى النهار، أو يتطلب محرما، أو يبيع الذهب باكثر منه وزنا، أو يلحق العهار بالنسب، أو يقتل المؤمن صبرا، أو يرد الكافر بالمال ليتجهز على اخوانه المسلمين بالحرب؟الى غير ذلك و الى أنكى من ذلك من ظواهر الملك التي لا يجوز نسبتها الى الدين. فلم لا يكون صاحبها رئيس دنيا و «ملكا» بدل أن نسميه رئيس دين و «خليفة» ؟. و ناهيك بمن جاء بعد معاوية من خلائف هذه الشجرة المنعوتة في القرآن-نعتها اللائق بها-. فما ذا كان من يزيد و ما ذا كان من

____________

(1) تراجع «دائرة المعارف» لفريد و جدي مادة «حسن» (ج 3 ص 231) .

55

عبد الملك و من الوليد، و من آخرين و آخرين.

كل ذلك كان يجب أن يستحث المسلمين الى الانتصاف للاسلام، فلا يضيفون الى مراكزه الدينية العليا، الاّ الاكفاء المتوفرين بتربيتهم على مثاليّته و الذين هم أقرب الناس شبها بمصدر عظمته الاول (ص) .

و علمنا-مما تقدم-أن الحسن بن علي عليهما السلام، كان أشبه الناس برسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله خلقا و خلقا و هيئة و سؤددا (1) . و انه كان عليه سيماء الأنبياء و بهاء الملوك. و علمنا أنه كان سيد شباب أهل الجنة في الآخرة. و السيد في الآخرة هو السيد في الدنيا غير منازع. و «السيد» المطلق لقبه الشخصيّ الذي لقبه به جدّه رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) .

و علمنا أنه كان أشرف الناس نسبا، و خيرهم أبا و اما و عما و عمة و خالا و خالة و جدا و جدة. كما وصفه مالك بن العجلان في مجلس معاوية (2) .

فلم لا يكون-على هذا-هو المرشح بالتزكية القطعية للبيعة العامة.

كما كان-الى ذلك-هو الامام المقطوع على أمره بالنص. و لم لا يضاف

____________

(1) الارشاد (ص 167) و اليعقوبي (ج 2 ص 201) و غيرهما.

(2) قال معاوية ذات يوم-و عنده اشراف الناس من قريش و غيرهم:

«اخبروني بخير الناس ابا و اما و عما و عمة خالا و خالة و جدا و جدة» ، فقام مالك بن العجلان، فأومأ الى الحسن فقال: «ها هو ذا ابوه علي بن ابي طالب، و أمه فاطمة بنت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم و عمه جعفر الطيار في الجنان، و عمته أمّ هانئ بنت ابي طالب، و خاله القاسم بن رسول اللّه و خالته بنت رسول اللّه زينب، و جده رسول اللّه، و جدته خديجة بنت خويلد» . فسكت القوم. و نهض الحسن. فاقبل عمرو بن العاص على مالك فقال: «أحب بني هاشم حملك على ان تكلمت بالباطل؟» . فقال ابن العجلان: «ما قلت الا حقا، و ما احد من الناس يطلب مرضاة مخلوق بمعصية الخالق، الا لم يعط امنيته في دنياه، و ختم له بالشقاء في آخرته.

بنو هاشم انضرهم عودا، و أوراهم زندا، كذلك يا معاوية؟قال: اللهم نعم» . (البيهقي ج 1 ص 62) .

56

إليه المركز الدينيّ الاعلى، و هو من عرفت مقامه و سموّه و مميزاته. و اذا تعذر علينا أن نفهم الامامة و الكفاءة للخلافة، من هذه القابليات الممتازة و المناقب الفضلى، فأي علامة اخرى تنوب عنها أو تكفينا فهمها.

*** خرج عليه السلام الى الناس، غير ناظر الى ما يكون من أمرهم معه، و لكنه وقف على منبر أبيه، ليؤبن أباه بعد الفاجعة الكبرى في مقتله صلوات اللّه و سلامه عليه.

فقال: «لقد قبض في هذه الليلة رجل لم يسبقه الاولون، و لا يدركه الآخرون. لقد كان يجاهد مع رسول اللّه فيقيه بنفسه. و لقد كان يوجّهه برايته، فيكتنفه جبرئيل عن يمينه، و ميكائيل عن يساره، فلا يرجع حتى يفتح اللّه عليه. و لقد توفي في الليلة التي قبض فيها موسى بن عمران.

و رفع بها عيسى بن مريم، و انزل القرآن. و ما خلّف صفراء و لا بيضاء الاّ سبعمائة درهم من عطائه، أراد أن يبتاع بها خادما لاهله‏ (1) » .

و تأبين الحسن هذا-بأسلوبه الخطابي-فريد لا عهد لنا بمثله، لانه -كما ترى-لم يعرض الى ذكر المزايا المعروفة في الراحل العظيم، كما هي العادة المتبعة في أمثال هذه المواقف، و لا سيما في تأبين الرجال الذين احتوشوا الفضائل، فكان لهم أفضل درجاتها، و مرنوا على المكارم فاذا هم في القمة من ذرواتها، علما و حلما و فصاحة و شجاعة و سماحة و نسبا و حسبا و نبلا و وفاء و اباء، كعلي الذي حيّر المادحين مدح علاه. فلما ذا يعزف الحسن عليه السلام، فيما يؤبنه به عن الطريقة المألوفة في تأبين العظماء؟. ترى أ كانت الصدمة القوية في مصيبته به، هي التي سدّت عليه -و هو الخطيب المصقع و ابن أخطب العرب-أبواب القول فيما ينبغي أن يقول، أم أنه كان قد عمد الى هذا الاسلوب قاصدا، فكان في اختيار

____________

(1) اليعقوبي (ج 2 ص 190) و ابن الاثير (ج 3 ص 16) و مقاتل الطالبيين.

57

الاسلوب الخاص، ابلغ الخطباء و ابرعهم اصابة للمناسبات، و أطولهم خطابة على اختصار الكلمات.

نعم انه يؤبّنه بما لا يسع أحدا في التاريخ أن يؤبن به غيره. و كل تأبين على غير هذا الاسلوب، كان بالامكان أن يؤبّن على غراره غيره و غيره من عظماء الناس. اما الاوصاف الفريدة التي ذكرها الحسن لأبيه في هذا التأبين، فكانت الخصائص العلوية التي لا تصح لغير علي في التاريخ، و لا يشاركه فيها أحد من العظماء و لا من الاولياء.

انه ينظر إليه من زاويته الربانية-نظر امام الى امام-فاذا هو الراحل الذي لا يشبهه راحل و لا مقيم، و لا يضاهيه-في شتى مراحله- وليّ و لا ملك و لا زعيم.

رجل و لكنه الذي لم يسبقه الاولون و لا يدركه الآخرون. و انسان و لكنه بين جبرئيل و ميكائيل، و هل هذا الاّ الانسان الملائكي. ترفع روحه يوم يرفع عيسى، و يموت يوم يموت موسى، و ينزل الى قبره يوم بنزل القرآن الى الارض!مراحل كلها بين ملك مقرّب و نبي مرسل و كتاب منزل، و مع رسول اللّه يقيه بنفسه. فما شأن مكارم الدنيا، الى جنب هذه المكرمات الكرائم، حتى يعرض إليها في تأبينه.

و لعلك تتفق معي الآن الى أن هذا الاسلوب الرائع «الفريد» فيما أبن به الحسن أباه عليهما السلام، كان أبلغ تأبين في ظرفه، و أليقه بهذا الفقيد.

و هذه احدى مواقفه الخطابية، التي دلت بموهبتها الممتازة على نسبها القريب، من جده و من أبيه (صلى اللّه عليهما و على آلهما) . و سيكثر منذ اليوم أمثالها، من الحسن «الخليفة» عليه السلام، بحكم نزوله الى قبول البيعة من الناس، و بما سيستقبله من طوارئ كثيرة، تستدعيه للكلام و للقول و للخطابة في مختلف المناسبات.

***ـ

58

و وقف بحذاء المنبر في المسجد الجامع-و قد غص بالناس-ابن عمه «عبيد اللّه بن عباس بن عبد المطلب» . ينتظر هدوء العاصفة الباكية المرنّة، التي اجتاحت الحفل، في أعقاب تأبين الامام الحسن لابيه عليهما السلام.

ثم قال-بصبوته الجهوريّ الموروث-الذي يدوّي في الارض دويّ أصوات السماء، و ما كان عبيد اللّه منذ اليوم، الاّ داعي السماء الى الارض:

«معاشر الناس هذا ابن نبيكم، و وصي امامكم فبايعوه» «يهدي به اللّه من اتبع رضوانه سبل السلام، و يخرجهم من الظلمات الى النور باذنه، و يهديهم الى صراط مستقيم» .

و في الناس الى ذلك اليوم، كثير ممن سمع نص رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، على امامته بعد ابيه. فقالوا: «ما أحبّه إلينا و أوجب حقه علينا و أحقه بالخلافة» . و بادروا الى بيعته راغبين.

و كان ذلك يوم الواحد و العشرين من شهر رمضان، يوم وفاة ابيه عليه السلام، سنة اربعين للهجرة (1) .

و هكذا وفقت الكوفة لان تضع الثقة الاسلامية في نصابها المفروض لها، من اللّه عز و جل و من العدل الاجتماعي، و بايعته-معها-البصرة و المدائن و بايعه العراق كافة، و بايعه الحجاز و اليمن على يد القائد العظيم «جارية بن قدامه» ، و فارس على يد عاملها «زياد بن عبيد» ، و بايعه-الى ذلك-من بقى في هذه الآفاق من فضلاء المهاجرين و الانصار، فلم يكن لشاهد أن يختار و لا لغائب أن يرد، و لم يتخلف عن بيعته-فيما نعلم- الا معاوية و من إليه، و اتبع بقومه غير سبيل المؤمنين، و جرى مع الحسن مجراه مع أبيه بالامس. و تخلّف أفراد آخرون عرفوا بعد ذلك بالقعّاد.

____________

(1) يرجع فيما ذكرناه هنا الى شرح النهج لابن ابي الحديد (ج 4 ص 11) و ذكر غيره مكان عبيد اللّه أخاه عبد اللّه. و سنشير في فصل «القيادة و النفير» الى ان عبد اللّه لم يكن في الكوفة أيام بيعة الحسن.

59

اما الخلافة الشرعية. فقد تمت «على ظاهرتها العامة» من طريق البيعة الاختيارية، للمرة الثانية في تاريخ آل محمد صلّى اللّه عليه و على إله الطاهرين و طلعت على المسلمين من الزاوية المباركة التي طلعت عليهم بالنبوة قبل نصف قرن. فكانت من ناحية صلتها برسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، امتدادا لمادة النور النبويّ، في المصباح الذي يستضي‏ء به الناس. و مع الخليفة الجديد كل العناصر المادية و المعنوية التي تحملها الوراثة في كينونته و مثاليته.

فكان على ذلك الأولى بقول الشاعر:

نال الخلافة اذ كانت له قدرا # كما أتى ربّه موسى على قدر

*** و يعود الامام الحسن عليه السلام-بعد أن أخذت البيعة له-فيفتتح عهده الجديد، بخطابه التاريخيّ البليغ، الذي يستعرض فيه مزايا أهل البيت و حقهم الصريح في الامر، ثم يصارح الناس فيه بما ينذر به الجوّ المتلبد بالغيوم من مفاجئات و اخطار..

فيقول. (و هو بعض خطابه) :

«نحن حزب اللّه الغالبون، و عترة رسول اللّه الاقربون، و أهل بيته الطيبون الطاهرون، و أحد الثقلين اللذين خلّفهما رسول اللّه في امته، ثاني كتاب اللّه الذي فيه تفصيل كل شي‏ء، لا يأتيه الباطل من بين يديه و لا من خلفه، فالمعوّل علينا في تفسيره، لا نتظنى تأويله بل نتيقن حقائقه، فأطيعونا فان طاعتنا مفروضة، اذ كانت بطاعة اللّه و رسوله مقرونة، قال اللّه عزّ و جلّ: يا أيها الذين آمنوا أطيعوا اللّه و أطيعوا الرسول و اولى الامر منكم فان تنازعتم في شي‏ء فردّوه الى اللّه و الرسول و قال: و لو ردّوه الى الرسول و اولى الامر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم» .

ثم يمضي في خطابه، و يردف أخيرا بقوله:

60

«و احذركم الاصغاء لهتاف الشيطان فانه لكم عدوّ مبين فتكونون كأوليائه الذين قال لهم: لا غالب لكم اليوم من الناس و اني جار لكم فلما تراءت الفئتان نكص على عقبيه و قال اني بري‏ء منكم اني أرى ما لا ترون. فستلقون للرماح وردا، و للسيوف جزرا، و للعمد حطما، و للسهام غرضا. ثم لا ينفع نفسا ايمانها، لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في ايمانها خيرا (1) » ..

ثم نزل من على منبره، فرتب العمّال، و أمّر الامراء و نظر في الامور (2) .

***

قبول الخلافة:

و تحذلق بعض المترفهين بالنقد، فرأى من «التسرع» قبول الحسن للخلافة، في مثل الظرف الذي بايعه فيه الناس، بما كان يؤذن به هذا الظرف من زعازع و نتائج، بعضها ألم، و بعضها خسران.

و لكي نتبين مبلغ الاصابة في التسرع الى هذا النقد. نقول:

اما اولا:

فلما كان الواجب على الناس دينا، الانقياد الى بيعة الامام المنصوص عليه، كان الواجب على الامام-مع قيام الحجة بوجود الناصر-قبول البيعة من الناس.

اما قيام الحجة-فيما نحن فيه-فقد كان من انثيال الناس طواعيه الى البيعة في مختلف بلاد الاسلام، ما يكفي-بظاهر الحال-دليلا عليه.

و لا مجال للتخلف عن الواجب مع وجود شرطه.

و اما ثانيا:

فان مبعث هذا الانعكاس البدائي، عن قضية الحسن عليه السلام هو

____________

(1) روى هذه الخطبة هشام بن حسان. و قال: انها بعض خطبته بعد البيعة له بالامر البحار (ج 10 ص 99) و المسعودي.

(2) و روى هذا النص اكثر المؤرخين.

61

النظر إليها من ناحيتها الدنيوية فحسب. بينما الانسب بقضية «امام» ان يستنطقها الباحث من ناحيتها الدينية على الاكثر. و كثير هو الفرق بين الدنيا و الدين في نظر امام. و القضية من هذه الناحية ظفر لا خسارة-كما سنأتي على توضيحه في محله المناسب-و هي و ان تكن معرض آلام، و لكنها آلام في سبيل الاسلام، و من أولى من الحسن بالاسلام و تحمّل آلامه.

و انما هو نبت بيته.

و اما ثالثا:

فلم يكن الحسن في رفعة مكانه من زعماء المسلمين، و في نسبه الممتاز و مركزه من العلم، بالذي يستطيع الفراغ و ان أراده عن عمد، و لا بالذي يتركه الناس و ان أراد هو ان يتركهم، و كان لا بد للرجات العنيفة في المجتمع الاسلامي، أن تتدافع إليه، تستدعيه للوثوب احقاقا للحق و انكارا المنكر-كما وقع لاخيه الحسين عليه السلام في ظرفه.

و أيضا. فلو ترك الناس و تجافى عن بيعتهم، أو تركه الناس و أعفوه خلافتهم، فلن يتركه المتغلبون على الناس. و انهم لينظرون إليه-دائما- كشبح مخيف، بما يدور حوله من الدعوة الى الاصلاح، او النقمة الصارخة على الوضع، التي كان يتطوع لها مختلف الطبقات، من الساخطين و المعارضين و الدعاة للّه، و لن يجد هؤلاء يومئذ ملجأ يفيئون إليه، خيرا من ابن رسول اللّه الامام المحبوب. و هل كانت الوفود التي عرضت عليه استعدادها لمناوأة الحكام الامويين و اعادة السكرة (1) لاسترجاع الحق المغصوب، الاّ ظاهرة هذه النقمة الصارخة التي كان يعج بها المجتمع الاسلامي يوم ذاك. و أنى لسلطان المتغلبين أن يستقر ما دام هذا المنار قائما يفي‏ء إليه الناس.

و لنتذكر أنه قتل مسموما. و لما ذا يقتلونه و قد صالحهم و ترك لهم الدنيا برمتها، لو لا أنهم خافوه على سلطانهم، و رأوا من وجوده حاجزا

____________

(1) الامامة و السياسة (ص 151) .

62

يمنعهم من النفوذ الى قلوب الناس؟و هل ذلك الاّ دليل انقياد الناس -في عقيدتهم-إليه دونهم؟ و هذا كله بعد الصلح، و بعد ظهور جماعات من شيعته و غير شيعته ينكرون عليه موقفه من الصلح.

ترى فكيف كانت قوته في الناس لو انه أبى الخلافة من أول الامر، و بقى شغف المسلمين الى بيعته على حدّته، فهل كان من المحتمل، أن يظل محور الامل و مفزع الناقمين و المعارضين، ثم تنام عنه العيون الحذرة على دنياها، فلا تعاجله بما ختمت به حياته المقدسة اخيرا؟و هل كان الاّ طعمة الاغتيالات الكافرة في سنته الاولى بعد ابيه-على اغلب الظن-؟.

فأىّ منطق هذا الذي يرى من قبول الحسن للخلافة تسرّعا!

و الخلافة-في أصلها-مقام ابيه و ميراثه و ميراث أخيه-على حد تعبير الامام علي بن موسى بن جعفر عليهم السلام.

و اما الزعازع التي لوّح بها هذا النقد، فما كانت الاّ خطط المناوئين في الكوفة، و ليس شي‏ء منها بالذي يضير الحسن ابان نشاط الناس معه -كما هو في ابان بيعته-و أى خليفة أو زعيم ليس له مناوءون؟ فلم لا يكون قبول البيعة هو الارجح على مختلف الوجوه؟.

بل هو الواجب لضرورة الوقت و للمصلحة العامة و لاحقاق الحق.

63

الكوفة ايّام البيعة

64

الكوفة كما يصفها صعصعة بن صوحان العبدي‏ (1) : «قبة الاسلام و ذروة الكلام، و مصان‏ (2) ذوي الاعلام، الاّ ان بها أجلافا (3) يمنع ذوي الامر الطاعة و تخرجهم عن الجماعة، و تلك أخلاق ذوي الهيئة و القناعة» .

مصّرها المسلمون في السنة السابعة عشرة (4) للهجرة بعد فتح العراق مباشرة.

و كان بناؤها الاول بالقصب، فأصابها حريق، فبنيت باللبن و كانت شوارعها العامة بعرض عشرين ذراعا-بذراع اليد-، و ازقتها الفرعية بعرض سبعة أذرع. و ما بين الشوارع أماكن البناء و هي بسعة أربعين ذراعا، و القطائع و هي بسعة ستين ذراعا.

و كان المسجد أول شي‏ء خطّوه فيها. فوقف في وسط الرقعة التي أريدت للمدينة. رجل شديد النزع، رمى الى كل جهة بسهم، ثم اقيمت المباني فيما وراء السهام، و ترك ما دونها للمسجد و ساحته. و بنوا في مقدمة المسجد رواقا، أقاموه على أساطين من رخام كان الاكاسرة قد جلبوها من خرائب الحيرة. و جعلوا على الصحن خندقا لئلا يقتحمه أحد ببنيان.

و زاد عمران الكوفة زيادة مفاجئة، حين هاجر إليها أمير المؤمنين عليه السلام، فاتخذها مقرا له بعد وقعة الجمل سنة 36 للهجرة و كان دخوله إليها في الثاني عشر من شهر رجب.

____________

(1) تجد ترجمته في «زعماء الشيعة المروعين» في الكتاب، و روى كلمته هذه المسعودي (هامش ابن الاثير ج 6 ص 118) .

(2) بفتح اوله غلاف القوس.

(3) الجلف هو الغليظ الجافي‏

(4) البلاذري في فتوح البلدان و البراقي في تاريخ الكوفة، و ذكره الحموي في المعجم ثم ناقض نفسه اذ قال في مادة «البصرة» : «و كان تمصير البصرة في السنة الرابعة عشرة قبل الكوفة بستة اشهر!» .

65

و كان من بواعث هذه البادرة-هجرة علي الى الكوفة-ضعف موارد الحجاز، و اعتماده في موارده على غيرها، و ما من علة تتعرض لها دولة أضرّ من اعتمادها في الموارد على غيرها، و كانت الكوفة و بلاد السواد تكفي نفسها و تفيض. و هذا عدا الاسباب العسكرية التي اضطرته لها الثورات المسلحة التي كانت تتخذ من بلاد الرافدين ميادين لاعمالها العدوانية.

و تقاطر على الكوفة-اذ هي عاصمة الخلافة-كبار المسلمين من مختلف الآفاق. و سكنتها القبائل العربية من اليمن و الحجاز، و الجاليات الفارسية من المدائن و ايران. و عمرت فيها الاسواق التجارية. و زهت فيها الدراسات العلمية. و أنشئت حولها الحدائق و البساتين و الارباض و القريات.

و أغفت على ذراعها أمجاد التاريخ و الآداب و العلوم زمنا طويلا.

و غلب على الكوفة تحت ظل الحكم الهاشمي التشيّع لعلي و اولاده عليهم السلام، ثم لم يزل طابعها الثابت اللون. و وجد معه بحكم اختلاف العناصر التي يممت المصر الجديد أهواء مناوئة اخرى، كانت بعد قليل من الزمن أداة الفتن في اكثر ما عصف بالكوفة من الزعازع التاريخية و الرجّات العنيفة لها و عليها.

*** و جاءت بيعة الحسن عليه السلام يوم بايعته الكوفة، عند ملتقى الآراء من سائر العناصر الموجودة فيها يوم ذاك، على أنها كانت قلّ ما تلتقى على رأي.

و كان للحسن من اسلوب حياته في هذه الحاضرة، مدى اقامته فيها، ما جعله قبلة الانظار و مهوى القلوب و مناط الآمال، و ملأ جواء المدينة الجديدة «عاصمة ابيه» بكرائم المكرمات التي تنتقل في آل محمد بالارث:

جود يد، و سجاحة خلق، و نبل شعور، و ظرف شمائل، و سعة حلم، و رجاحة عقل و علم و زهادة و عبادة. و ضحك منبر الخلافة-في بحران‏

66

حزنه على الامام الراحل-بما شاع في أكنافه من شيم الأنبياء الموروثة في خليفته الجديد، و لم يكن ثمة أعمل بالتقوى، و لا أزهد بالدنيا، و لا أجمع لخصال الخير كلها منه، لذلك كان الشخصية الفذة التي تتفق عليها الآراء المختلفة عن رغبة و عمد، و تجتمع فيها عناصر الزعامة كما يجب في قائد أمة أو امام قوم.

و انتهت مهرجانات البيعة في الكوفة على خير ما كان يرجى لها من القوة و النشاط و التعبئة، لو لا ان للقدر أحكاما لا تجري على أقيسة العقول، و لا تسير على رغائب الانفس، فكان الجوّ السياسي في الحاضرة التي تحتفل لاول مرة في تاريخها بتنصيب خليفة، لا يزال راكدا متلبدا مشوبا بشي‏ء كثير من التبليل المريب، و ذلك هو ما ورّثته الكوفة من مخلّفات الحروب الطاحنة التي كانت على مقربة منها في البصرة و النهروان و صفين. و في الكوفة يومئذ انصار كثيرون لشهداء هذه الحروب و ضحاياها من الفريقين يشاركونهم الرأي، و يتمنون لو يسّر لهم اخذ الثار، و يعملون ما وسعهم العمل لتنفيذ اغراضهم.

و من هذه الاغراض، الاغراض الصالحة المؤاتية، و منها الفاسدة المبرقعة الاهداف التي لا تفتأ تخلق ذرائع الخلاف في المجموع.

*** اما الحسن-و هو في مستهل خلافته-فقد كانت القلوب كلها معه لانه ابن بنت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، و لان من شرط الايمان مودته، و من شرط البيعة طاعته.

قال ابن كثير: «و أحبوه أشد من حبهم لابيه‏ (1) » .

و كان لا يزال بمنجاة من هؤلاء و هؤلاء، ما دام لم يباشر عملا ايجابيا يصطدم بأهداف البعض، أو يمس الوتر الحساس من عصبيات البعض الآخر. ذلك لان الوسائل التي أصبح يعيش بها الاسلام يومئذ، كانت

____________

(1) البداية و النهاية (ج 8 ص 41) .

غ

67

نخضع في أمثال. هؤلاء المسلمين للاهداف الشخصية تارة، و للعصبيات اخرى.

و خيل للكثيرين من اولئك الذين تتحكم فيهم الانانية و النفعية حتى تتجاوز بهم حدود العقيدة، أنهم اذ يبايعون الحسن بالخلافة، انما يتسوّرون بهذه البيعة الى اسناد قضاياهم، و ارضاء مطامعهم، عن طريق الخلق الثري الواسع، الذي ألفوه في الحسن بن علي منذ عرفوه بين ظهرانيهم، و الذي كان يذكّرهم-دائما-بخلق جده الأعظم صلّى اللّه عليه و آله و سلم، و كانوا يحفظون من صحابة الرسول أن الحسن أشبه آله به خلقا و خلقا.

و الواقع انهم فهموا هذا الخلق العظيم على عير حقيقته.

و تسابق على مثل هذا الظن كثير من ذوي المبادئ التي لا تتفق و الحسن في رأي و لا عقيدة، فبايعوه راغبين، كما يبايعه المخلصون من المؤمنين. ثم كان هؤلاء-بعد قليل من الزمن-أسرع الناس الى الهزيمة من ميادينه لا يلوون على شي‏ء، ذلك لانهم حين عركوا مواطن طمعهم من ليونة الحسن عليه السلام، وجدوها بعد تسلّمه الحكم و اضطلاعه بالمسئولية، أعنف من زبر الحديد، حتى ان كلا من أخيه و ابن عمه و هما اقرب الناس إليه و أحظاهم منزلة عنده عجز ان يعدل به عن رأي أراده، ثم مضى معتصما برأيه في غير تكلّف و لا اكتراث.

و لهذا، فلم يكن عجيبا أن تدب روح المعارضة وئيدة في الجماعات القلقة من هؤلاء الرؤساء و المترئسين في الكوفة، و لم يكن عجيبا ان يعودوا متدرجين الى سابق سيرتهم مع الامام الراحل الذي «ملأوا قلبه غيظا و جرّعوه نغب التهمام انفاسا» ، و هكذا تنشأت-في هذا الوسط الموبوء- الحزبية الناقمة التي لا تعدم لها نصيرا قويا في الخارج. و هكذا انبثقت مع هذه الحزبية المشاكل الداخلية بمختلف الوانها.

و استغل هذه المرحلة الدقيقة فئات من النفعيين، تمكنوا ان يخلقوا من‏

68

أنفسهم همزة وصل بين الكوفة و الشام» بما في ذلك من تمرد على الواجب، و خروج على الخلق، و خيانة للعهد الذي فرضته البيعة في أعناقهم.

و قديما مرن هذا النمط من «أشباه الرجال» على الشغب و القطيعة و النفور، منذ انتقلت الخلافة الاسلامية الى الحاضرة الجديدة في العراق بما تحمله معها من الصراحة في الحكم و الصرامة في العدل. و كان قلق هؤلاء و تبرمهم و نفورهم، نتيجة اليأس من دنيا هذه الخلافة، لانها لم تكن خلافة دنيا و لكن خلافة دين. و علموا أنها لن تقرهم على ما هم عليه من سماحة التصرفات في الشؤون العامة و الاستئثار بالدنيا، و أنها ستأخذ عليهم الطريق دون آمالهم و اعمالهم و مختلف تصرفاتهم.

و وجد هؤلاء من نشوء الخلافة الجديدة في الكوفة، و من استمرار معاويه على الخلاف لها في الشام، ظرفا مناسبا لبعث النشاط و استئناف أعمال الشغب و استغلال الممكن من المنافع العاجلة، و لو من طريق اللعب على الجانبين، فاما أن يحتلوا من الامارة الجديدة أمكنتهم التي ترضي طموحهم، و اما أن يعملوا على الهدم و يتعاونوا على الفساد. و كانت خزائن الشام لا تفتأ تلوح بالمغريات من الاموال و المواعيد، و كانت الاموال و المواعيد أمضى أسلحة الشام في مواقفها من الكوفة على طول الخط.

و هكذا فتّ في أعضاد كوفة الحسن تقلّب الهوى و توزّع الرأي و تداعي الخلق و توقح الخصومة في الكثير الكثير من أهلها.

و كان على هذه الشاكلة من عناصر الكوفة ابان بيعة الحسن عليه السلام أقسام من الناس.

لنا ان نصنّفهم كما يلى:

الحزب الاموى:

و اكبر المنتسبين إليه عمرو بن حريث، و عمارة بن الوليد بن عقبة، و حجر بن عمرو، و عمر بن سعد بن ابي وقاص، و أبو بردة بن أبى موسى الاشعري، و اسماعيل و إسحاق ابنا طلحة بن عبيد اللّه، و اضرابهم.

69

و في هذا الحزب عناصر قوية من ذوي الاتباع و النفوذ، كان لها أثرها فيما نكبت به قضية الحسن من دعاوات و مؤامرات و شقاق.

«فكتبوا الى معاوية بالسمع و الطاعة في السرّ، و استحثوه على المسير نحوهم، و ضمنوا له تسليم الحسن إليه عند دنوّهم من عسكره، أو الفتك به‏ (1) » .

و فيما يحدثنا المسعودى في تاريخه‏ (2) : «أن أكثرهم اخذوا يكاتبونه -يعني معاوية-سرا، و يتبرعون له بالمواعيد، و يتخذون عنده الايادي» .

«و دس معاوية الى عمرو بن حريث و الاشعث بن قيس و حجار بن أبجر و شبث بن ربعي دسيسة، و آثر كل واحد منهم بعين من عيونه، انك اذا قتلت الحسن، فلك مائة الف درهم، و جند من اجناد الشام، و بنت من بناتي. فبلغ الحسن عليه السلام ذلك فاستلأم (لبس اللامة) و لبس درعا و كفرها، و كان يحترز و لا يتقدم للصلاة بهم الاّ كذلك، فرماه أحدهم في الصلاة بسهم، فلم يثبت فيه لما عليه من اللامة (3) » .

و مثل واحد من هذه النصوص يغني عن أمثال كثيرة.

و هكذا كان يعمل هؤلاء عامدين، شر ما يعمله خائن يتحين الفرص، و كانت محاولاتهم اللئيمة، لا تكاد تختفي تحت غمائم الدجل و النفاق، حتى

____________

(1) المفيد في الارشاد (ص 170) -و الطبرسي في اعلام الورى.

(2) هامش ابن الاثير (ج 6 ص 42) . اقول: و ما يدرينا أن يكون كثير من أهل الشام كاتبوا الحسن يومئذ، بمثل ما كاتب به الكوفيون معاوية. و قد علمنا ان الفريقين-أهل الشام و اهل الكوفة-كانوا سواء في افلاسهم الخلقى الذي ينزع الى الخيانة كلما أغرتهم المظاهر. و عليك ان ترجع الى البيهقي في المحاسن و المساوى (ج 2 ص 200) لتشهد مكاتبة أصحاب معاوية عليا عليه السلام، و ترجع الى اليعقوبي (ج 3 ص 12) لتشهد مكاتبة عامة أصحاب عبد الملك بن مروان لمصعب بن الزبير و طلبهم الامان و الجوائز منه. فلعل مكاتبة الشاميين للحسن انما خفيت علينا لان الحسن كان آمن من صاحبه على السر فلم يبح بما وصله منهم، أو لان المؤرخين شاءوا اغفالها ككثير من امثالها.

(3) علل الشرائع (ص 84) .

70

تبدو عارية سافرة في ساعة نداء الواجب.

و هكذا كانوا-على طول الخط-قادة السخط، و أعوان الثورة، و أصابع العدو في البلد.

و مالأهم «الخوارج» على حياكة المؤامرات الخطرة، بحكم ازدواج خطة الفئتين، على مناهضة الخلافة الهاشمية في عهديها الكريمين. و دل على ذلك اشتراك كل من الاشعث بن قيس و شبث بن ربعي فيما يرويه النص الاخير من هذه الامثلة الثلاث، و كان هذان من رءوس الخوارج في الكوفة.

2 الخوارج:

و هم أعداء علي عليه السلام منذ حادثة التحكيم، كما هم اعداء معاوية.

و أقطاب هؤلاء في الكوفة: عبد اللّه بن وهب الراسبي، و شبث بن ربعي، و عبد اللّه بن الكوّاء، و الاشعث بن قيس، و شمر بن ذى الجوشن.

و كان الخوارج أكثر اهل الكوفة لجاجة على الحرب، منذ يوم البيعة، و هم الذين شرطوا على الحسن عند بيعتهم له حرب الحالّين الضالين-أهل الشام-، فقبض الحسن يده عن بيعتهم على الشرط، و أرادها (على السمع و الطاعة و على أن يحاربوا من حارب و يسالموا من سالم) ، فأتوا الحسين أخاه، و قالوا له: «ابسط يدك نبايعك على ما بايعنا عليه أباك يوم بايعناه، و على حرب الحالين الضالين أهل الشام» . فقال الحسين: «معاذ اللّه أن ابايعكم ما دام الحسن حيا» . فانصرفوا الى الحسن و لم يجدوا بدا من بيعته على شرطه‏ (1) » .

أقول: و ما من ظاهرة عداء للحسن عليه السلام، فيما اقترحه هؤلاء

____________

(1) يراجع كتاب الامامة و السياسة (ص 150) .

71

الخوارج لبيعتهم اياه، و لا في اصرارهم على الحرب، و قد كان في شيعة الحسن من يشاطرهم الالحاح على الحرب، و لكنك سترى فيما تستعرضه من مراحل قضية الحسن عليه السلام، أن الخوارج كانوا أداة الكارثة في أحرج ظروفها. و رأيت فيما مرّ عليك-قريبا-أن زعيمين من زعمائهم ساهما في أفظع مؤامرة أموية في الكوفة.

و للخوارج في دعاويهم الى «الخروج» أساليبهم المؤثرة المخيفة، التي كانت تزعزع ايمان كثير من الناس بالشكوك. و كان هذا هو سرّ انتشارهم بعد نكبتهم الحاسمة على شواطئ النهروان.

و كان زياد بن ابيه يصف دعوة الخوارج بقوله: «لكلام هؤلاء أسرع الى القلوب من النار الى اليراع‏ (1) » . و كان المغيرة بن شعبة يقول فيهم: «انهم لم يقيموا ببلد يومين الاّ افسدوا كل من خالطهم» (2) .

و الخارجي يقول الزور و يعتقده الحق، و يفعل المنكر و يظنه المعروف، و يعتمد على اللّه و لا يتصل إليه بسبب مشروع.

و سنعود الى ذكرهم في مناسبة اخرى عند الكلام على «عناصر الجيش» .

3 الشكاكون:

و رأينا ذكر هؤلاء فيما عرضه المفيد (رحمه اللّه) من عناصر جيش الحسن عليه السلام. و الذي يغلب على الظن، أن تسميتهم بالشكاكين ترجع الى تأثرهم بدعوة الخوارج من دون أن يكونوا منهم، فهم المذبذبون لا الى هؤلاء و لا الى هؤلاء.

و رأيت المرتضى في أماليه (ج 3 ص 93) يذكر «الشكاك» استطرادا و يلوّح بكفرهم، و كأنه فهم عنهم التشكيك بأصل الدين.

____________

(1) اليراع: القصب.

(2) الطبرى (ج 6 ص 109) .

72

و كانوا طائفة من سكان الكوفة و من رعاعها المهزومين، الذين لا نية لهم في خير و لا قدرة لهم على شر، و لكن وجودهم لنفسه كان شرا مستطيرا و عونا على الفساد و آلة «مسخرة» في أيدي المفسدين.

4 الحمراء:

و هم عشرون الفا من مسلحة الكوفة (كما يحصيهم الطبرى في تاريخه) . كانوا عند تقسيم الكوفة في السبع الذي وضع فيه أحلافهم من بني عبد القيس، و ليسوا منهم، بل ليسوا عربا، و انما هم المهجّنون من موال و عبيد، و لعل اكثرهم من أبناء السبايا الفارسيات اللائي اخذن في «عين التمر» و «جلولاء» من سنة 12-17 فهم حملة السلاح سنة 41 و سنة 61 في ازمات الحسن و الحسين (عليهما السلام) في الكوفة (فتأمل) .

و الحمراء شرطة زياد الذين فعلوا الافاعيل بالشيعة سنة 51 و حواليها، و كانوا من اولئك الذين يحسنون الخدمة حين يغريهم السوم، فهم على الاكثر أجناد المتغلبين و سيوف الجبابرة المنتصرين.

و قويت شوكتهم بما استجابوا له من وقائع و فتن في مختلف الميادين التي مرّ عليها تاريخ الكوفة مع القرن الاول. و بلغ من استفحال امرهم في الكوفة أن نسبوها إليهم فقالوا «كوفة الحمراء» .

و كان في البصرة مثل ما في الكوفة من هؤلاء المهجّنين الحمر. و خشي زياد (و كان والي البصرة اذ ذاك) قوّتهم فحاول استئصالهم، و لكن الاحنف بن قيس منعه عما أراد.

و وهم بعض كتّاب العصر، اذ نسب هؤلاء الى التشيع، أبعد ما يكونون عنه آثارا و نكالا بالشيعيين و أئمتهم. و لا ننكر ان يكون فيهم أفراد رأوا التشيّع، و لكن القليل لا يقاس عليه.

***

73

و كان الى جنب هذه العناصر العدوة في الكوفة «شيعة الحسن» و هم الاكثر عددا في عاصمة علي عليه السلام، و في هؤلاء جمهرة من بقايا المهاجرين و الانصار، لحقوا عليا الى الكوفة، و كان لهم من صحبتهم الرسول صلّى اللّه عليه و آله ما يفرض لهم المكانة الرفيعة في الناس.

و برهن رجالات الشيعة في الكوفة على اخلاصهم لاهل البيت عليهم السلام، منذ نودي بالحسن للخلافة، و منذ نادى-بعد خلافته-بالجهاد، و في سائر ما استقبله من مراحل. و لو قدّر لهؤلاء الشيعة أن يكونوا -يومئذ-بمنجاة من دسائس المواطنين الآخرين، لكانوا العدّة الكافية لدرء الاخطار التي تعرّضت لها الكوفة من الشام، و كان في هذه المجموعة المباركة من الحيوية و القابلية ما لا يستطيع أحد نكرانه، و نعني بالحيوية القابليات التي تهضم المشاكل و تفهمها، و تعطيها الاهمية المطلوبة في حلولها.

و ما ظنك بقيس بن سعد بن عبادة الانصارى و حجر بن عديّ الكندي، و عمرو بن الحمق الخزاعي، و سعيد بن قيس الهمداني، و حبيب بن مظاهر الاسدي، و عديّ بن حاتم الطائي، و المسيّب بن نجية، و زياد بن صعصعة، و آخرين من هذا الطراز.

اما الطوارئ المستعجلة المعاكسة، و الاصابع المأجورة الهدامة، فقد كانت تعمل دائما، لتغلب هذه القابليات، و لتغيّر من هذا التقدير.

*** و لم يخف على الحسن عليه السلام ما كانت تتمخض عنه لياليه الحبالى في الجوّ المسحور بشتى النزعات، و المتكهرب بشواجر الفتن و الوان الدعاوات. و كان لا بدّ له-و هو في مطلع خلافته-أن يعالن الناس بخطته و أن يصارحهم عن موقفه، و أن يستملي خطته من صميم ظروفه و ملابساتها في الداخل و الخارج معا.

و كان معاوية هو العدو «الخارج» الذي يشغل بال الكوفة بما يكيده‏

74

لها من انواع الكيد، و بما يتمتع به من وسائل القوة و الاستقرار في رقعته من بلاد الشام. و ما كان معاوية بالعدو الرخيص الذي يجوز للحسن عليه السلام، أن يتغاضى عن أمره، و لا بالذي يأمن غوائله لو تغاضى عنه.

و كان الحسن-في حقيقة الواقع-أحرص بشر على سحق معاوية و الكيل له بما يستحق، لو أنه وجد الى ذلك سبيلا من ظروفه.

و اما في «الداخل» فقد كان أشد ما يسترعي اهتمام الامام عليه السلام موقف المعارضة المركزة، القريبة منه مكانا، و البعيدة عنه روحا و معنى و أهدافا.

و لقد عزّ عليه أن يكون بين ظهراني عاصمته، ناس من هؤلاء الناس، الذين استأسدت فيهم الغرائز، و أسرفت عليهم المطامع، و تفرقت بهم المذاهب، و أصبحوا لا يعرفون للوفاء معنى، و لا للدين ذمة، و لا للجوار حقا. نشزوا بأخلاقهم، فاذا بهم آلة مسخرة للانتقاض و الغدر و الفساد، ينعقون مع كل ناعق و يهيمون في كل واد. و لا يكاد يلتئم معهم ميدان سياسة و لا ميدان حرب. و حسبك من هذا مثار قلق و مظنة شغب و باعث مخاوف مختلفات.

و هكذا كان للعراق-منذ القديم-قابلية غير عادية لهضم المبادئ المختلفة و الانتفاضات الثورية العاتية باختلاف المناسبات.

و للحسن في موقفه الممتحن من هذه الظروف، عبقرياته التي كانت على الدوام بشائر ظفر لامع، لو لا ما فوجئ به من نكسات مروعات كانت تنزل على موقفه كما ينزل القضاء من السماء.

و تنبأ لكثير من الحوادث قبل وقوعها، و كان يمنعه الاحتياط للوضع، من الاصحار بنبوءته، فيلمح إليها الماحا. و على هذا النسق جاءت كلمته اللبقة الغامضة، التي اقتبسها من الآي الكريم، و التي قصد لها الغموض عن ارادة و عمد، و هي قوله في خطبته الاولى-يوم البيعة-: «اني أرى ما لا ترون» .

75

ترى، هل كان بين يديه يومئذ، الا المهرجانات النشيطة التي دلت قبل كل شي‏ء، على عظيم اخلاص المجتمع لخليفته الجديد؟فما بال الخليفة الجديد لا يرى منهم الاّ دون ما يرون؟.

انها النظرة البعيدة التي كانت من خصائص الحسن في سلمه و في حربه و في صلحه و في سائر خطواته مع اعدائه و مع اصدقائه.

*** و على أن الموسوعات التاريخية لم تعن بذكر الامثلة الكثيرة التي يصح اقتباسها كعرض تاريخيّ عن سياسة الحسن، و لا سيما في الدور الاول من عهده القصير، و هو الدور الذي سبق اعلانه الجهاد في الكوفة، فقد كان لنا من النتف الشوارد التي تسقطناها من سيرته، ما زادنا وثوقا ببراعته السياسية التي لا مجال للريب فيها. فقد اقتاد الوضع المترنح الذي صحب عهده من اوله الى آخره، قيادته الحكيمة التي لا يمكن أن تفضلها قيادة اخرى لمثل هذا الوضع.

و ليكن من أمثلة سياسته في قيادة ظروفه قبل الحرب ما يلى:

1 أنه وضع لبيعته صيغة خاصة

، و قبض يده عما أريد معها من قيود، و أرادها هو على السمع و الطاعة و الحرب لمن حارب و السلم لمن سالم.

فكان عند ظن المعجبين ببلاغته الادارية، بما ذكر الحرب و لوح بالسلم فأرضى الفريقين من أحزاب الكوفة-دعاة الحرب، و المعارضين-. و كان لديه من الوضع العام (في كوفته) ما يكفيه نذيرا لاتخاذ مثل هذه الحيطة الحكيمة لوقت ما.

2 أنه زاد المقاتلة مائة مائة،

و كان ذلك أول شي‏ء أحدثه حين الاستخلاف، فتبعه الخلفاء من بعده عليه‏ (1) .

____________

(1) شرح النهج لابن ابي الحديد (ج 4: ص 12) .

غ

76

و للانعاش في ترفيع مخصصات الجيش سلطانه المحبّب على النفوس، و له أثره في تأليف العدد الاكبر من الناس للخدمة في الجهاد.

و كانت ظاهرة تحتمل الاستعداد للحرب، و لكنها-مع ذلك-غير صريحة بالتصميم عليه، ما دامت ظاهرة انعاش في عهد جديد. و هي على هذا الاسلوب، من التصرفات التي تجمع الكلمة و لا تثير خلافا، في حين أنها استعداد حكيم للمستقبل الذي قد يضطرّه الى حرب قريبة.

3 أنه امر بقتل رجلين كانا يتجسّسان لعدوّه عليه‏

. و هدّد بتنفيذ هذا الحكم روح الشغب التي كان يستجيب لها عناصر كثيرة في المصرين [الكوفة و البصرة].

قال المفيد رحمه اللّه: «فلما بلغ معاوية وفاة أمير المؤمنين و بيعة الناس ابنه الحسن، دسّ رجلا من حمير الى الكوفة، و رجلا من بني القين الى البصرة، ليكتبا إليه بالاخبار، و يفسدا على الحسن الامور. فعرف بذلك الحسن، فأمر باستخراج الحميرى من عند لحام بالكوفة، فأخرج، و أمر بضرب عنقه. و كتب الى البصرة باستخراج القيني من بني سليم، فأخرج و ضربت عنقه‏ (1) » .

و روى أبو الفرج الاصفهاني نحوا مما ذكره المفيد، ثم قال: «و كتب الحسن الى معاوية: أما بعد فانك دسست إليّ الرجال، كأنك تحب اللقاء، لا أشك في ذلك، فتوقعه ان شاء اللّه، و بلغني انك شمتّ بما لم يشمت به ذوو الحجى (يشير الى ما تظاهر به معاوية من الفرح بوفاة أمير المؤمنين عليه السلام) ، و انما مثلك في ذلك كما قال الاول:

فإنّا و من قد مات منا لكالذى # يروح و يمسي في المبيت ليغتدي‏

فقل للذي يبغي الخلاف الذي مضى # تجهّز لاخرى مثلها فكأن قد

4 تمهّله عن الحرب رغم الحاح الاكثرين ممن حوله على البدار إليها

،

____________

(1) الارشاد (ص 168) و البحار و كشف الغمة.

77

منذ تسنّمه الحكم في الكوفة.

و سنأتي في «الفصل 5» الذي ستقرؤه قريبا، على تحليل الموقف السياسي يوم ذاك، و سنرى هناك، أن هذا التمهّل المقصود كان هو التدبير الوحيد في ظرفه.

5 استدراجه معاوية من طريق التبادل بالرسائل،

الى نسيان موقفه المتأرجح الذي لم تقو على دعمه الدعاوى الفارغة الكثيرة، فاذا باضمامة من الغلطات هي اجوبة معاوية للحسن و هي التي كشفت للناس معاوية المجهول، و مهدت للحسن معذرته تجاه الرأى العام في حربه لمعاوية، و اذا بمعاوية الفريق المغلوب في منطق العقلاء، و ان يكن الغالب بعد ذلك في منطق القوة.

و مثل واحد من هذه التدابير اللبقة التي أملى فيها الحسن خطته السياسية في العهد القصير، بين وفاة أبيه عليه السلام و بين تصميمه على الحرب، كاف عن كثير.

78

-

79

التصميم على الحرب‏

80

و دل التتبع في مختلف الفترات التاريخية، على أن لانتصار الدين في المجتمع شأنا كبيرا في تدرج الاخلاق. ذلك لان الشعوب تنطبع على غرار قادتها، و تتكيّف بأهداف قوانينها. و لو لم يكن للدين الاّ الامر بالمعروف و النهي عن المنكر، و تنزيه النفس عن الطمع بالمادة، لكفى.

أما هذا النفر من بقايا الجاهلية، فقد كانوا-كغيرهم من دعاة الطبقية-مطبوعين على المحافظة و التمسك بعادات الآباء و الجدود و النظم البالية و الاوضاع الظالمة. و كانوا من الدين الجديد خصومه الالداء في ابان دعوته، ثم نظروا إليه كوسيلة الى الدنيا، ابان اعتنافهم له.

و ضاعت تحت ظل هذه النوازع أهداف الدين، و خسر المجتمع تدرّجه الى الصلاح المنشود، فاذا بالناس عند مطامع الدنيا «و الدين لعق على السنتهم يحوطونه ما درّت معايشهم، فاذا محّصوا بالبلاء قلّ الديانون» .

*** و لآل محمد (صلى اللّه عليه و آله) رسالتهم التي لا يتراجعون عنها، لانقاذ الناس لا لنفع أنفسهم، و لاقامة حامية الدين لا اقامة عروشهم، و صيانة المعنويات لا صيانة ذاتياتهم.

فاذا كان معاوية لا يزال يعاند هذه الاهداف و يحارب المنادين بها، ثم يظل منفردا عن المسلمين ببغيه و عدوانه، مأخوذا بشهوة الحكم مأسورا بحب الاستئثار في مشاعره و مذاهبه، فليسر الحسن إليه بالمسلمين، و ليحاكمه الى اللّه، و كفى باللّه حكما.

قال أبو الفرج الاصفهاني: «و كان أول شي‏ء أحدثه الحسن عليه السلام أنه زاد المقاتلة مائة مائة. و قد كان علي عليه السلام فعل ذلك يوم‏

81

الجمل. و فعله الحسن حال الاستخلاف، فتبعه الخلفاء من بعده في ذلك» قال: «و كتب الحسن عليه السلام الى معاوية مع حرب بن عبد اللّه الازدي:

من الحسن بن علي أمير المؤمنين الى معاوية بن أبي سفيان. سلام عليك فاني أحمد إليك اللّه الذي لا إله الا هو. أما بعد، فان اللّه جل جلاله بعث محمدا رحمة للعالمين و منّة للمؤمنين، و كافة للناس أجمعين، لينذر من كان حيا و يحق القول على الكافرين. فبلغ رسالات اللّه، و قام بأمر اللّه، حتى توفاه اللّه غير مقصّر و لا و ان، و بعد أن اظهر اللّه به الحق، و محق به الشرك.

و خصّ به قريشا خاصة، فقال له: و انه لذكر لك و لقومك. فلما توفي، تنازعت سلطانه العرب، فقالت قريش: نحن قبيلته و اسرته و أولياؤه و لا يحل لكم أن تنازعونا سلطان محمد و حقه. فرأت العرب أن القول ما قالت قريش، و أن الحجة في ذلك لهم، على من نازعهم أمر محمد، فأنعمت لهم و سلّمت إليهم.

ثم حاججنا نحن قريشا، بمثل ما حاججت به العرب، فلم تنصفنا قريش انصاف العرب لها. انهم أخذوا هذا الامر دون العرب بالانصاف و الاحتجاج، فلما صرنا-أهل بيت محمد و أولياءه-الى محاجتهم و طلب النصف منهم، باعدونا و استولوا بالاجتماع على ظلمنا و مراغمتنا و العنت منهم لنا. فالموعد اللّه، و هو الولي النصير.

و لقد كنا تعجبنا لتوثب المتوثبين علينا في حقنا و سلطان بيتنا. و اذ كانوا ذوي فضيلة و سابقة في الاسلام، أمسكنا عن منازعتهم مخافة على الدين أن يجد المنافقون و الاحزاب في ذلك مغمزا يثلمون به، أو يكون لهم بذلك سبب الى ما أرادوا من افساده.

فاليوم فليتعجب المتعجب من توثبك يا معاوية على أمر لست من أهله، لا بفضل في الدين معروف، و لا اثر في الاسلام محمود. و أنت ابن حزب من الاحزاب و ابن أعدى قريش لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و لكتابه.

82

و اللّه حسيبك فسترد عليه و تعلم لمن عقبى الدار. و بالله لتلقينّ عن قليل ربك، ثم ليجزينّك بما قدمت يداك. و ما اللّه بظلام للعبيد.

«ان عليا لما مضى لسبيله رحمة اللّه عليه يوم قبض و يوم منّ اللّه عليه بالاسلام و يوم يبعث حيا، و لانى المسلمون الامر من بعده. فأسأل اللّه ان لا يؤتينا في الدنيا الزائلة شيئا ينقصنا به في الآخرة مما عنده من كرامة. و انما حملني على الكتابة إليك، الا عذار فيما بيني و بين اللّه عز و جل في امرك، و لك في ذلك ان فعلته الحظ الجسيم و الصلاح للمسلمين.

«فدع التمادي في الباطل، و ادخل فيما دخل فيه الناس من بيعتي، فانك تعلم أني أحق بهذا الامر منك عند اللّه و عند كل أواب حفيظ، و من له قلب منيب، و اتق اللّه، ودع البغي، و احقن دماء المسلمين، فو اللّه مالك خير في أن تلقى اللّه من دمائهم بأكثر مما أنت لاقيه به. و ادخل في السلم و الطاعة، و لا تنازع الامر أهله و من هو أحق به منك، ليطفئ اللّه النائرة بذلك و يجمع الكلمة و يصلح ذات البين.

«و ان أنت أبيت الا التمادي في غيّك سرت إليك بالمسلمين فحاكمتك حتى يحكم اللّه بيننا و هو خير الحاكمين‏ (1) » .

*** و لقد ترى ما ينكشف عنه كتاب الحسن عليه السلام في خواتيمه، من التهديد الصريح بالحرب. و كان لا مناص للحسن من اتباع هذه الطريقة فيما يفضي به الى معاوية، حين يطلب إليه «أن يدع التمادي في الباطل، و أن يدخل فيما دخل فيه الناس من بيعته» . و هي الطريقة السياسية الحكيمة التي يقصد بها اضعاف الخصم عن المقاومة باضعاف عزمه. ثم هو لا يقول له ذلك الا بعد أن يقيم عليه الحجة بما سبق من حجاجهم لقريش.

فدعاه مرشدا، و توعّده مهددا، ثم أنذره الحرب صريحا.

____________

(1) ابن ابي الحديد (ج 4 ص 12) .

83

و اتبع خطة ابيه معه. و ما كان الحسن في ما أحيط به من ظروف، و في ما مني به من أعداء، الاّ ممثّل أبيه حقا، حتى لكأن قطعة من الزمن كانت من عهد أمير المؤمنين عليه السلام، تأخرت عن حياته فاذا هي عهد ابنه الحسن في الكوفة. و كما كانت الحرب ضرورة لا مفرّ منها، في عهد الاب الراحل عليه السلام، كانت كذلك ضرورة لا يغني عنها شي‏ء في عهد الابن القائم على الامر.

و كان مما يزين الخلافة الجديدة، أن تزهو في فتوّتها بما تملكه من قوة و سلطان، و لن يتم ذلك الا بأن تضرب على أيدي العابثين، لتبعث الهيبة في النفوس، و تشق طريقها الى الاستقرار لتقبض على نواصي الامور.

فلا عجب اذا جاء كتاب الحسن هذا صريحا في تهديده، شديدا في وعظه، قويا في لغته الآخرة الناهية «و اتق اللّه و دع البغي و احقن دماء المسلمين، فو اللّه ما لك خير في أن تلقى اللّه من دمائهم بأكثر مما أنت لاقيه به، و ادخل في السلم و الطاعة و لا تنازع الامر أهله و من هو أحق به منك... » .

*** أما الشعار الاموي في الشام، فقد ظل مغاضبا للخلافة الهاشمية في الكوفة، متنمرا على بيعة الحسن تنمّره على بيعة أبيه من قبل. و لم تجد معه الرسائل المناصحة المصارحة، و لا كبحت من جموحه أساليبها الحكيمة و حججها الواضحة.

و نحن اذا تصفحنا ما وصل إلينا من رسائل الحسن عليه السلام الى معاوية، لم نجد فيها كلمة تستغرب من مثله، أو تتجاوز حد الحجة التي تنهض بحقه فيما فرضه اللّه من مودة أهل البيت عليهم السلام، و فيما سجله «الكتاب» من الحكم بطهارتهم من الرجس، أو لوّح إليه من ولايتهم على الناس، و بما صح عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله في نصوص الامامة و تعيين الامام، و بالدعوة-اخيرا-الى الطاعة و حقن الدماء و اطفاء النائرة و اصلاح ذات البين.

84

اما رسائل معاوية الى الحسن، فقد رأيناها تأخذ-على الغالب- بأعراض الموضوع دون جوهرياته، و تفزع في الكثير من مضامينها الى نبش الدفائن و تأريث النعرات الخطرة بين الاخوان المسلمين.

و من الحق ان نعترف لمعاوية بسبقه استفزاز «الشعور الطائفي» لاول مرة في تاريخ الاسلام. بما كان يقصد إليه من طريق نبش هذه الدفائن، و تأريث هذه النعرات. فكان بذلك أول داع الى فصم الوحدة التي بني عليها دين التوحيد، و التي هي-بحق-جوهر اصلاحه و سرّ نجاحه بين الاديان.

و كأنّ معاوية حين عجز عن اصطياد المغفلين من الناس، عن طريق نفسه أو عن طريق أبيه «أبي سفيان بن حرب» -و لهذين الطريقين سوابقهما المعروفة لدى المسلمين بأرقامها و تواريخها-رفع عقيرته في رسائله الى الحسن، باسم أبى بكر و عمر و أبى عبيدة و لوّح فيها بخلاف أهل البيت (عليهم السلام) على بيعة أبى بكر..

و كانت‏[رسائل معاوية]بجملتها لا ينقصها في الموضوع الذي ابردت لاجله الا الحجة لاثبات الحق الشرعي-عبر العرش المقدس-.

و حتى الشبهة المتخاذلة التي كان يصطنعها لمقارعة علي عليه السلام، في حروبه الطويلة الامد، باسم الثأر لعثمان، قد طويت صفحتها بموت الامام الاول، و ها هو ذا تجاه الامام الثاني، الذي كان قد جثم بنفسه على باب دار عثمان يوم مقتله، يدافع الناس عنه، حتى لقد «خضب بالدماء» كما يحدثنا به عامة المؤرخين، و يقول الطقطقي في تاريخه‏ (1) : «ان الحسن قاتل عن عثمان قتالا شديدا، حتى كان يستكتفه و هو يقاتل عنه، و يبذل نفسه دونه... » .

كل ذلك و عثمان بالموقف الدقيق الذي كان لا يفتأ يؤلب عليه فيه الآخرون، و يخذله الاقربون‏ (2) .

____________

(1) الفخرى (ص 74) .

(2) لعل من الخير لمن أراد شرح هذا الاجمال، أن يرجع الى ما صوره الاستاذ عبد اللّه العلايلى حفظه اللّه، من احوال المجتمع على عهد عثمان، في-

85

____________

ق-كتابه «أيام الحسين» (من صفحة 112 الى 128) و لعل من الافضل أن نختزل هنا الخطوط الرئيسة من تلك الصورة المفصلة، اتماما للفائدة قال:

«و هؤلاء الامويون لم يكتفوا بأن يفرضوا انفسهم و وجودهم الخالي من الحياة و الجهد، بل تجاوزوا هذا، الى تعبئة المجتمع في طبقات.. و اذا بالثروات الفاحشة تصير و تجتمع في أيدي الامويين و انصارهم، و اذا بمروان يستبد بالمقدرات العليا على هواه، و اذا بأكثر الاقاليم تذهب اقطاعات بين فلان و فلان... فيعلى بن أميّة يملك ما قيمته مائة الف دينار، عدا عقاراته الكثيرة. و عبد الرّحمن بن عوف يملك ما قيمته خمسمائة الف دينار. و زيد ابن ثابت يملك من الذهب و الفضة ما كان يكسر بالفؤوس.. فلا بدع ان استنكرت الكثرة خطة هذا الجديد، و لا بدع ان تحدوا انصاره و اتهموهم بالمروق، و لا بدع ان دخلوا معهم في صراع بدأ خفيا ثم امتد حميا.

«و لقد باتت الحالة العامة تجي‏ء في كلمتين: حكومة تتآمر بالشعب و شعب يتآمر بالحكومة. و لكن للشعب الكلمة الاخيرة و العليا دائما..

و من الانصاف و الخير ان نذكر ان الجمهور مع ذلك لم يكن أرعن في ثورته، فقد اتصل بأولياء الامور و السلطة، و طالب بواسطة ممثليه مرارا و تكرارا و لكن مطاليبه في كل مرة كانت تبوء بالفشل و كان فشلا ذريعا متواصلا، و من النوع المثير.

«و كان عمرو بن العاص في هذه الاثناء يحرض الناس على عثمان و يجبه سياسته علانية و يتجسس عليه و يفضح الاحاديث التي تجري داخل داره، و لا يلقى احدا الا أدخل في روعه كراهيته.. و يقابله حينما خطب عثمان على ملأ من الصاخبين المتمردين بقوله: «يا امير المؤمنين انك قد ركبت نهابير و ركبناها معك فتب نتب» . و هذه عائشة تجترئ و هو يخطب فتقول و قد نشرت قميص النبي: «هذا قميص النبي لم يبل و قد ابليت سنته» . و هذا طلحة و الزبير يعينان الثائرين بالمال.. و لكن عليا مع كل ما هو عاتب و واجد.. بادر الى تقديم ولديه لاعتباراتهما التقديرية و مواليه لكي ينهنهوا عوادي الاحداث..

«و حين بلغه أن الناس حصروا داره و منعوه الماء بعث إليه بثلاث قرب و قال للحسن و الحسين اذهبا بسيفكما حتى تقوما على بابه و لا تدعا احدا يصل إليه بمكروه. و كان أن خضب الحسن بالدماء و شج قنبر مولاه.

«هذا ما عرف التاريخ عن علي و بنيه ازاء المصرع، بينما عرف من ناحية ثانية، أن عثمان و هو محاصر كتب الى معاوية و هو بالشام: «أن اهل المدينة قد كفروا و اخلفوا الطاعة و نكثوا البيعة، فابعث الي من قبلك من مقاتلة أهل الشام على كل صعب و ذلول» . فاذا بمعاوية حينما جاءه-

86

نعم كانت حجة معاوية الوحيدة في رسائله الى الحسن، ادعاؤه «اني اطول منك ولاية و اقدم منك بهذا الامر تجربة و اكبر منك سنّا! (1) » و لا شي‏ء غير ذلك.

و لو كان لدى معاوية من وراء هذه الجمل المتعاطفة، حجة حرية بالقول أو عسية بالقبول، لافضى بها، و لترك النزوع الى نبش الدفائن و تأريث النعرات.

و ليت شعري، أيّ تجاربك تعني أبا يزيد؟!..

أ يوم ضجّت الشام منك الى عمر حتى قام لشكاويها و قعد، و استقدمك -مع البريد-و كنت أخوف منه من غلامه «يرفأ» . ؟أم يوم ضربك بالدرة على رأسك حين دخلت عليه معجبا بملابسك الخضر؟ أم يوم كنت تقتطع الامور من دون عثمان، ثم تقول: «هذا أمر عثمان» كذبا حتى لقد كنت أحد أسباب نكبته؟ أم يوم سعيت برجلك و جيشك تحارب امام زمانك بالسلاح باغيا -غير متحرج و لا متأثم-؟ و هل في هذا القديم «من تجاربك» ما يشعر بالحجة على استحقاقك الولاية أو الاستمرار على مثلها؟. فأين اذا استحقاق الخلافة يا ترى؟..

و هل في ولاية تتقادم على مثل هذا النسق المجلوب عليه، و القائم على الكذب و البهتان و اراقة الدماء، ما يدل على أهلية المقام الديني الرفيع؟.

____________

ق-كتابه يتربص به، فقد كره-على حد دعواه-مخالفة أصحاب الرسول، و قد علم اجتماعهم على ذلك. و من تهكمات القدر أن يحرض عمرو بن العاص على قتل عثمان و تجبهه عائشة علانية و يتخلى معاوية عن نجدته و يعين عليه طلحة و الزبير كلاهما، ثم ينفر هؤلاء أنفسهم هنا و هناك يطالبون بدمه علي بن ابي طالب الذي أخلص له النصيحة و حذره من هذا المصير و كان مجنه دون رواكض الخطوب.. اه» .

(1) شرح النهج (4-13) .

87

جمل تتعاطف كما تتعاطف الحجج النواصع، ثم هي لا ترجع في خلاصتها الاّ الى معنى واحد، هو التماس الحجة (بطول المدة!) .

و لا نعرف في منطق الحق مقياسا يثبت الخلافة بطول المدة أو بكبر السن!!

و قد يكون الرجل أبصر الرجال في شراء ضمائر الناس، أو في تأريث الفتن في الناس، و لكن ذلك لا يعني استحقاق هذا الرجل لنيابة النبوة في الاسلام.

و قد يكون الرجل أقوم الرجال في ضبط أعصابه و في كبت عواطفه، حتى ليعده الناس من كبار الحلماء، و لكن ذلك ليس دليل الامامة الدينية في الناس، لان الحلم العظيم كما يكون في الامام، يكون في المتزعمين المنافقين.

و قد يكون الرجل في حنكته أقدر الناس على تربيب العقائد و توجيه الرأي العام الى الاخذ برأيه الخاص-سواء كان رأيه من رأي اللّه أو من رأي العاطفة-و لكن ذلك لا يعدو بهذا الرجل ان يكون المبتدع في الدين، لا الخليفة على المسلمين. لان الخليفة لا رأي له الاّ رأي القرآن، و لا سند له الاّ من الحديث، و لا مرجع له الا الى اللّه عزّ و جل.

اذا، فليس الرجل الصالح لملكوت الخلافة الاسلامية، و النيابة عن النبوة في الدين، الا مخلوق من نوادر الخلق، يختاره اللّه من عباده و يصطفيه من جميع خلقه، لمزايا ينفرد بها عن العباد، و فضائل يتميز بها عن الخلق. و اللّه سبحانه الذي برأ العباد أعرف بذلك العبد الصالح الذي انفرد بهذه المزايا، و انماز بهاتيك الفضائل. و هو الذي يوحي باسمه الى نبيه فيختاره من دون غيره. و ليس لاحد-بعد ذلك-أن يختار.

اما معاوية فلم يكن له من سوابقه و سوابق أبيه، و لا من كيفية اسلامه و اسلام أبيه، و لا من مواقفه مع عمر و عثمان و مع علي عليه السلام ما يزعه عن التطاول الى ادعاء أعظم المراتب في الاسلام، حتى جاء يقول‏

88

للحسن بن رسول اللّه (ص) و قد بايعه المسلمون في آفاق الارض بما فيهم صحابة الرسول و أهل بيته و خاصته و جميع المعنّيين باسلاميتهم: «اني اكبر منك سنا و اقدم منك و أطول منك... !!» .

و هل تجد في دنيا الحجاج، أبلغ من هذا المنطق في اعلان العجز عن الحجة؟.

و كاتبه ثانية، و لكنه حاول في هذه المرة، التهديد بالاغتيال و الاغراء بالاقوال، و كأنه عرف الحسن على غير حقيقته، فأسفّ الى مثل هذا الاسلوب المبتذل الذي لا يخاطب به مثله، قال:

«اما بعد، فان اللّه يفعل في عباده ما يشاء. لا معقب لحكمه و هو سريع الحساب، فاحذر ان تكون منيتك على أيدي رعاع من الناس، و ايأس من أن تجد فينا غميزة!!ثم الخلافة لك من بعدي، فأنت أولى الناس بها و السلام‏ (1) » .

و كان جوابه الاخير الذي جبه رسولي الحسن إليه، و هما جندب ابن عبد اللّه الازدي و الحرث بن سويد التيمي أنه قال لهما: «ارجعا فليس بيني و بينكم الاّ السيف!

____________

1 2

» .

*** و هكذا ابتدأ معاوية العدوان، و خرج عامدا على طاعة الخليفة المفروضة طاعته عليه، الخليفة الذي لم يخالف على بيعته أحد من المسلمين غيره و غير جماعته من جند الشام الذين صقل قرائحهم على الخلاف، و رباهم على رأيه، و حبسهم عن الاختلاط بغيرهم، فكانوا حقا، كما وصفهم صعصعة بن صوحان العبدي حين سأله معاوية عنهم فقال: «أطوع الناس لمخلوق و أعصاهم للخالق، عصاة الجبار و حلفة الاشرار (3) » .

____________

(1) (1) و (2) شرح النهج (ج 4 ص 13 و 10) .

(3) المسعودي هامش ابن الاثير (ج 6 ص 119) .

89

و دارت الكوفة دورتها، و هي تستمع الى تهديد معاوية و تتلقف الاخبار عن زحفه الى العراق. و ارتجزت للحرب على لسان شيعتها البهاليل.

و هكذا جدّ الجدّ و لا مندوحة لولي الامر على الاستجابة للظرف المفاجئ و النزول على حكم الامر الواقع.

و كان حرب البغاة واجبه الذي يستمده من عقيدته و يستمليه من أعماق مبدئه، و لا استقرار للخلافة دون القضاء على هذا الانقسام الذي يفرضه معاوية على صفوف المسلمين، بثوراته المسلحة في وجه الخلافة الاسلامية قرابة ثلاث سنوات متتاليات، أحوج ما يكون المسلمون فيها الى الاستقرار و الاستعداد.

و كانت حروب الشام منذ تجنّد لها معاوية، أشأم الحروب على الاسلام، و اكثرها دما مهراقا، و حقا مضاعا، و اجتراء على الحقائق، و انتصارا للنزق الطائش، و الاهواء الدنيوية الرخيصة.

و ان الاسلام بمبادئه الانسانية السامية لم يشرع الحرب الا في سبيل اللّه و ابتغاء لخير الناس و ذيادا عن حياضه، اما نهب الثغور و اخافة الآمنين، و محاربة الشعوب المؤمنة باللّه و برسوله (لانه يريد أن يتأمّر عليهم) فذلك ما لا تعرفه المبادئ الاسلامية، و لا تعترف بمثله الاّ الجاهلية الهوجاء.

و ذلك هو مصدر الصدمات التي مزّقت الكلمة و فرّقت الدين، و فرضت العداوات بين فئات المسلمين.

و استجاب لمعاوية في هذه الحروب «سفهاء طغام» على حد تعبير شبث ابن ربعي التميمي حين واجهه في أحداث سنة 36، فاستغل تفسخ أخلاقهم، و اتّجر بفساد أذواقهم، و قذف بهم في لهوات الموت، و كلهم راض مطيع.

*** و كانت الشنشنة الموروثة في هاشم، أنهم لا يبدءون أحدا قط بقتال.

و تجد فيما عهد به الحسن الى قائده «عبيد اللّه بن عباس» تأييدا صريحا

90

لهذا الخلق الهاشمي الافضل. و كان للحسن على الخصوص، مواريث شخصية كثيرة من وصايا و دساتير، آثره بها سيد العرب أبوه امير المؤمنين عليه السلام. و كان ابوه كما يحدثنا التاريخ شديد العناية بابنه الحسن «و كان يكرمه اكراما زائدا و يعظمه و يبجله‏ (1) » . و كانت هذه الوصايا، المثل التي لا يقربها الباطل و لا تزيع عن الصواب على اختلاف موضوعاتها في الدين و الدنيا و في التربية و الاخلاق. و كان فيما أوصى به علي الحسن قوله: «لا تدعونّ الى مبارزة، فان دعيت إليها فأجب، فان الداعي إليها باغ. و الباغي مصروع» .

لذلك كنّا نرى الحسن في ابان بيعته، و في قوة اندفاع أصحابه للهتاف بالحرب، لا يجيب إليها صريحا، و لا يعمل لها جادّا، لانه كان ينظر الى الحرب نظرته الى ضرورة بغيضة، يلجأ إليها حين لا حيلة له في اجتنابها، و كان ينتظر تنظيم حرب يضمن لها القوة، أو قوة تضمن له الحرب، و قد حالت الظروف المتأزمة-يومئذ-و الذاهبة صعدا في ازماتها بينه و بين ما يريد.

و قد أتينا في الفصل السابق على استكشاف الاوكار التي كان ينتمي إليها المتحزّبون المتحمسون في الكوفة، من أموية، و محكمة، و شكاكين، و حمراء. و أشرنا هناك الى ما كانت تعج به هذه المجتمعات من روح الهدم و التخريب، و الوقوف في وجه السياسة القائمة بشتى الاساليب.

و كان كل ذلك-و بعضه كاف-سبب التمهل في الحرب، الامر الذي عورض به الحسن عليه السلام من قبل فئات من أصحابه المناصحين له. و كان للنشاط المؤقت المحدود، الذي غمر الكوفة في أيام البيعة، أثره في اغراء هذه الفئات من الاصحاب، ليظنوا كل شي‏ء ميسرا لخليفتهم الجديد.

و لكنها كانت النظرة القصيرة التي لا تمتد الى ما وراء الستار، و لا تزن في حسابها ما تهدفه هاتيك «الاوكار» .

____________

(1) ابن كثير (ج 8 ص 36-37) .

91

اما الحسن فقد كان ينظر بالبصيرة الواعية الى أبعد مما ينظرون، و يعرف بالعقل اليقظان من مشاكلهم اكثر مما يعرفون، و يغار-بدينه- على الصالح العام أعنف مما يحسبون.

انه يدرك جيدا دقة الموقف، بما يسيطر عليه من ميوعة الاخلاق، في قسم عظيم ممن معه في جيشه، و ممن حوله في كوفته و كان ينتظر لهذا التفسخ الاخلاقي الذي باع الدنيا بالدين، أثره السيئ في ظروف الحرب، لو أنه استبق الى الحرب قبل أن يضطره الموقف إليها.

و رأى أن في تحمّل قليل من مفاسد هؤلاء كثيرا من الصلاح لسياسته الحاضرة مع ظرفه الخاص.

و رأى ان يعالج الموقف من وجهه الثاني، فترفق بالناس، و لم يتنكّر لاحد من رعيّته و لم يبد له أمرا، و أخذ بسياسة التهدئة و اسدال الستار، لئلا يتسع الفتق و تعم الفتنة، و ارجأ التصفية الى وقتها المناسب لها، ليضع الندى في موضعه و السيف على أهله.

*** و هنا يسبق الى الذهن استفهام لا يجوز للباحث أن يتجاوزه من دون أن يقف على سرّه. انه كان الاولى برئيس الدولة اذ جوبه من ظروفه بمثل هذا الجوّ المتلبد بالغيوم، أن يعمد الى الحزم في استئصال الشغب، فيستعمل الشدة و يكشف المؤامرات و ينكّل بالخونة و يكيل لهم الجزاء الذي يستحقون. فما الذي حدا بالحسن عليه السلام، الى العزوف عن طريقة الشدة الى الرفق أحوج ما يكون موقفه الى الاول منهما تعجيلا للاستقرار و استعدادا لمستقبله المهدّد بالحروب؟.

و للجواب على هذا الاستفهام، وجوهه الثلاث التي ستقرؤها في خاتمة الفصل الثامن. و نقول هنا: ان الحسن لو أراد الاخذ بسياسة الشدة -و كانت من أوضح الاساليب التي تتخذ لمثل هذه الظروف-لتعجّل الفتنة عن عمد، و لفتح ميدانه للثورات الداخلية التي لن تكون أقلّ خطرا على‏

92

مقدّراته من حروب الشام. و كان معاوية العدو الذي لا يفتأ يمدّ فكرة الثورة في الكوفة بكل ما اوتي من ثراء أو دهاء.

لذلك كان ما اختاره الحسن هو الاحسن لموقفه الدقيق.

و نقول في الجواب على مقترح بعض نصحائه من أصحابه في تعجيل الحرب حين طلب إليه «بأن يبدأ معاوية بالمسير حتى يقاتله في أرضه و بلاده و عمله‏ (1) » : انه لو فعل ذلك لفتح للمعارضين من زعماء الاحزاب في الكوفة و للمتفيهقين من القراء و (أهل الهيأة و القناعة) فيها، منفذا للخلاف عليه لا يعدم الحجة، اذا اريد الاحتجاج به من ناحية «الابتداء بالعدوان» و هي الحجة التي لا يجد كثير من الناس أو من بسطاء الناس الجواب عليها، و التي قد يؤول بها النقاش الى مجاهرة هذه الجماعات بنكث البيعة علنا، و التخلي عن الحسن جهارا، و معنى ذلك التعرض الى أفظع انشقاق داخلى، له عواقبه و مخاوفه.

و لهذا و ذاك آثر الحسن التهدئة متمهلا بالحرب بادئ ذي بدء.

ثم ارتجل الامر بالجهاد.

و ما كان اذ أمر بالجهاد الاّ مستجيبا للظرف الطارئ الذي لم يكن يحتمل-في نظر الجميع-الاّ الامر بالجهاد، و ذلك حين بادر معاوية الى العدوان مبتدئا، و تحلبت أشداقه بالمطامع الاقليمية و لكن في صميم بلاد الاسلام!، فزحف الى «جسر منبج‏ (2) » باتجاه العراق، و ذلك بعد وفاة امير المؤمنين عليه السلام، بقليل من الزمن اختصره اليعقوبي‏ (3) كثيرا

____________

(1) ابن ابي الحديد (ج 4: ص 13) .

(2) «منبج» بلد قديم كبير، بينه و بين جسره على الفرات ثلاثة فراسخ، و بينه و بين «حلب» عشرة فراسخ، و في المعجم: «بينهما يومان» ، قال:

«و منها الى (ملطية) اربعة ايام و الى الفرات يوم واحد، و خرج منها جماعة منهم البحرى و ابو فراس الحمداني.. » .

(3) (ج 2: ص 191) .

93

فحدّده بثمانيه عشر يوما.

و من هناك حيث بلغ أعالي الفرات، رفع صوته «بالعواء» الذي حاول أن يجعل منه زئيرا و جلجلة، ليخيف الثغور الآمنة المطمئنة، و لينبّه مرابض الاسود في كوفة الجند فيستدرجها الى النزال.

و نظر معاوية الى مصرع علي (عليه السلام) ، كأحسن فرصة للاجراءات الحاسمة بين الكوفة و الشام. و كان ذلك هو القرار الاخير الذي تم عليه الاتفاق بينه و بين مشاوريه، الذين كانوا يتحلّقون حوله ليل نهار، و ينظمون معه حركة المعارضة للخلافة الهاشمية، بحنكة تشبه الدهاء، أمثال المغيرة بن شعبة، و عمرو بن العاص، و مروان بن الحكم، و الوليد ابن عتبة، و يزيد بن الحر العبسي، و مسلم بن عقبة، و الضحاك بن قيس الفهري.

و نجح معاوية في اختيار الظرف المناسب.

و نجح في خلق الشغب المزعج في كوفة الحسن، بما أولاه من عناية بالغة بشراء الضمائر الرخيصة فيها، و بما بثه من جواسيس يتأبطون في رواحهم الوان الاكاذيب، و يتزوّدون في غدوّهم الاخبار و المعلومات، عما يجدّ في الكوفة من تصاميم، و عما يوجد لديها من امكانيات. و كان سلاح معاوية من هذا النوع، أقوى من سلاحه بالرجال و الحديد و أشدّ منهما مضاء و أبعد أثرا.

«و استنفر عشائره و جيوشه، فكتب الى عماله على النواحي التابعة له، بنسخة واحدة، يقول فيها: «فاقبلوا إليّ حين يأتيكم كتابي هذا بجدكم و جهدكم و حسن عدتكم‏ (1) .. » .

*** و مضى الحسن (عليه السلام) -بدوره-على تصميمه في الاستعداد

____________

(1) ابن أبي الحديد (ج 4 ص 13) .

غ

94

للجواب على هذا العدوان. فدعا الى الجهاد، و تالب معه المخلصون من حملة القرآن و قادة الحروب و زهاد الاسلام، أمثال حجر بن عدي الكندي و أبي ايوب الانصاري، و عمرو بن قرضة الانصاري، و يزيد بن قيس الارحبي، و عديّ بن حاتم الطائي، و حبيب بن مظاهر الاسدي، و ضرار ابن الخطاب، و معقل بن سنان الاشجعي، و وائل بن حجر الحضرمي [سيد الاقيال‏]، و هانئ بن عروة المرادي، و رشيد الهجري، و ميثم التمار، و برير بن خضير الهمداني، و حبة العرني، و حذيفة بن أسيد، و سهل بن سعد، و الاصبغ بن نباتة، و صعصعة بن صوحان، و ابي حجة عمرو بن محصن، و هانئ بن أوس، و قيس بن سعد بن عبادة، و سعيد ابن قيس، و عابس بن شبيب، و عبد اللّه بن يحي الحضرمي، و ابراهيم بن مالك الاشتر النخعي، و مسلم بن عوسجة، و عمرو بن الحمق الخزاعي، و بشير الهمداني، و المسيب بن نجية، و عامر بن واثلة الكناني، و جويرية ابن مشهر، و عبد اللّه بن مسمع الهمداني، و قيس بن مسهر الصيداوي، و عبد الرّحمن بن عبد اللّه بن شداد الارحبي، و عمارة بن عبد اللّه السلولي، و هانئ بن هانئ السبيعي، و سعيد بن عبد اللّه الحنفي، و كثير بن شهاب، و عبد الرّحمن بن جندب الازدي، و عبد اللّه بن عزيز الكندي، و أبي ثمامة الصائدي، و عباس بن جعدة الجدلي، و عبد الرّحمن بن شريح الشيباني، و القعقاع بن عمر، و قيس بن ورقاء، و جندب بن عبد اللّه الازدي، و الحرث ابن سويد التيمي، و زياد بن صعصعة التيمي، و عبد اللّه بن وال، و معقل ابن قيس الرياحي.

و هؤلاء هم الجناح القويّ في جبهة الحسن عليه السلام. و هم السادة الذين وصفهم الحسن فيما عهد به الى «عبيد اللّه بن عباس» بأن الرجل منهم يزيد الكتيبة، و وصفهم معاوية في حروب صفين بأن قلوبهم جميعا كقلب رجل واحد، و قال عنهم: «انهم لا يقتلون حتى يقتلوا أعدادهم» . و هم الذين عناهم يومئذ بقوله: «ما ذكرت عيونهم تحت المغافر بصفين الاّ لبس على عقلي» . و شهادة العدوّ أصدق‏

95

الشهادات مجدا.

و هزّ أعصاب الكوفة في فورة الدعوة الى الجهاد، تفاؤل عنيف غلب الناس على منازعها، فاذا بالناس يتسابقون الى صفوفهم بما فيهم العناصر المختلفة التي لا يعهد منها النشاط للدعاوات الخيرة و الاعمال الصالحة و المساعي الخالصة للّه عز و جل.

فجمع المعسكر الى جنب أولئك المخلصين من أنصار الحسن سوادا من الناس غير معروفين، و جماعة من أبناء البيوت المرائين، و جمهورا من مدخولي النية الذين لا يتفقون معه في رأي، و ربّما لا يكونون الاّ عين عدوه عليه و على أصحابه، و آخرين من الضعفاء الرعاديد الذين اذا أكرهوا على القتال اتقوه بالفرار، و ربما لم يكن لهم من الامل الاّ أمل الغنائم «و ليس أحد منهم يوافق احدا في رأي و لا هوى، مختلفون لا نيّة لهم في خير و لا شر (1) » . -و فيهم الى ذلك، المشاجرات الحزبية التي ستكون في غدها القريب شجرة الشوك في طريق التجهيزات التي تستدعيها ظروف الحرب.

*** و تخوّف الحسن-منذ اليوم الاول-نتائج هذا التلوّن المؤسف الذي انتشر في صفوفه، و الذي لا يؤمن في عواقبه من الخذلان، و هو ما تشير إليه بعض المصادر (2) صريحا.

فكان ينظر الى الجماهير المرتجزة بين يديه للحرب، غير واثق بثباتهم معه، و لا مؤمن باخلاصهم لاهدافه.

و تراءت له من وراء هؤلاء (في الكوفة) ، الرءوس ذوات الوجهين التي يئس من اصلاحها الهدى، أمثال الاشعث بن قيس، و عمرو بن حريث

____________

(1) كلمة الحسن نفسه فيما وصف به أهل الكوفة كما يرويها ابن الاثير (ج 3: ص 62) .

(2) يراجع شرح النهج (ج 4: ص 14) .

96

و معاوية بن خديج، و أبي بردة الاشعري، و المنذر بن الزبير، و إسحاق بن طلحة، و حجر بن عمرو، و يزيد بن الحارث بن رويم، و شبث بن ربعي، و عمارة بن الوليد، و حبيب بن مسلمة، و عمر بن سعد، و يزيد بن عمير، و حجار بن أبجر، و عروة بن قيس، و محمد بن عمير، و عبد اللّه بن مسلم ابن سعيد، و أسماء بن خارجة، و القعقاع بن الشور الذهلي، و شمر بن ذي الجوشن الضبابي.

و علم أن له من هؤلاء ليوما.

و هؤلاء هم الكوفيون الناشزون، الذين كانوا يشرعون الاخلاق لانفسهم و للناس الذين يماثلونهم-رغم ادّعائهم الاسلام!. و كان الاسلام الذي عمر الاخلاق في النفوس و زخر به النعيم على المسلمين، قد هزمته المادة بين أوساط هذا المجتمع المأفون، فتباعدت بينهم و بينه القربى، و عجزوا عن مسايرته بتعاليمه و تربيته و تثقيفه، فما بايعوا الحسن على السمع و الطاعة حتى كانوا عملاء أعدائه على الشغب و العصيان، يرقبون الحوادث، و يتربصون الدوائر، و ينتهزون الفرص، و يتآمرون على اخطر الموبقات غير حافلين بعواقبها و لا عارها و لا نارها.

و كان الخطر المتوقع من انخراط هؤلاء في الجيش، أكبر من الخطر المنتظر من أعدائه الذين يصارحونه العداء وجها لوجه.

فلم لا يتخوّف عاهل الكوفة من الخذلان، و لم لا يتمهل بالحرب ما وسعه التمهّل، و للنتائج الغامضة حكمها الذي يفرض الاناة و يذكّر بالصبر، و يلوّح بالخسران.

و لكنه-و قد دعي الآن الى المبارزة-خليق أن يرجع الى الميراث النفيس الذي يشيع في نفسه من ملكات أبيه العظيم (و كان لا بد للشبل أن ينتهي الى طبيعة الاسد) .

فليرجع الى وصية أبيه له، و كان مما أوصاه به أبوه: «لا تدعونّ‏

97

الى مبارزة، فان دعيت لها فأجب، فان الداعي لها باغ... » .

و ليرجع الى واجبه الشرعي بما له من ولاية أمر المسلمين، و ليس للامام الذي قلده الناس بيعتهم، أن يغضي على الجهر بالمنكر و البغي على الاسلام ما وجد الى ذلك سبيلا.

و اللّه تعالى شأنه يقول: «فقاتلوا التي تبغي حتى تفي‏ء الى أمر اللّه» .

و رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يقول: «من دعا الى نفسه، أو الى أحد، و على الناس امام، فعليه لعنة اللّه فاقتلوه» .

*** اما السبيل الى ذلك، و لا نعني به الا القوة على انكار المنكر، فقد كان للكوفة من القوى العسكرية في مختلف الثغور الخاضعة لها، ما يؤكد الظن بوجود الكفاية للحرب، رغم الاوضاع الشاذة التي نزع إليها كثير من خونة الكوفيين المواطنين.

و كان للدولة الاسلامية في أواسط القرن الاول، أعظم جيش تحتفل بمثله تلك القطعة من الزمن، لو لا أن الالتزام بقاعدة «المرابطة» التي تفرضها حماية الثغور و التي كان من لوازمها توزيع القسم الاكثر من الجيوش الاسلامية على مختلف المواقع البعيدة عن المركز، كان يحول دائما دون استقدام العدد الكثير من تلك الوحدات للاستعانة به في الحروب القريبة من المركز، و لا سيما مع صعوبة العمليات السوقية بنظامها السابق و وسائطها القديمة المعروفة.

و كان الجيش المقدّر على الكوفة وحدها. تسعين الفا أو مائة الف- على اختلاف الروايتين‏ (1) -. و كان الجيش المقدّر على البصرة ثمانين الفا (2) . و هؤلاء هم أهل العطاء في المصرين، أعني الجنود الذين يتقاضون

____________

(1) يرجع الى اليعقوبي (ج 2: ص 94) ، و الى الامامة و السياسة (ص 151) .

(2) حضارة الاسلام في دار السلام لجميل مدور.

98

الرواتب من خزينة الدولة. و في المصرين العسكريّين-الكوفة و البصرة- مثل هؤلاء عددا من اتباعهم و مواليهم و من متطوّعة الجهاد غالبا.

فهذه زهاء ثلاثمائة و خمسين الفا، هي مقاتلة العراق، فيما يحسب على العراق من القدرة العسكرية، عدا جيوش فارس و اليمن و الحجاز و المعسكرات الاخرى.

و كان من تحمّس الشيعة للحرب (يوم الحسن) ، و من الحاح الخوارج على حرب الحالّين الضالّين اهل الشام-على حدّ تعبيرهم-، و من انسياح الناس الى صفوفهم يوم نجحت دعاوة الدعاة الى الجهاد في الكوفة. ما يكفي وحده رصيدا للظن بوجود الكفاية بل لليقين بوجودها، لو انهم صدقوا ما عاهدوا اللّه عليه، يوم التقت الفئتان و حميت الصدور و احمرّت الحدق.

99

النفير و القيادة

100

و نادى منادي الكوفة-الصلاة جامعة-، و اجتمع الناس فخرج الحسن عليه السلام، و صعد المنبر، فحمد اللّه و أثنى عليه ثم قال:

«أما بعد، فان اللّه كتب الجهاد على خلقه و سماه كرها، ثم قال لاهل الجهاد: اصبروا ان اللّه مع الصابرين. فلستم أيها الناس نائلين ما تحبون الا بالصبر على ما تكرهون. انه بلغني أن معاوية بلغه أنا كنا أزمعنا على المسير إليه فتحرك. لذلك اخرجوا رحمكم اللّه الى معسكركم في النخيلة (1) حتى ننظر و تنظرون، و نرى و ترون» .

قال مؤرخو الحادثة: «و سكت الناس فلم يتكلم أحد منهم و لا أجابه بحرف» .

-و رأى ذلك «عديّ بن حاتم» و كان سيد طي‏ء و الزعيم المرموق بسوابقه المجيدة في صحبته للنبيّ و الوصيّ معا (صلى اللّه عليهما) فانتفض انتفاضته المؤمنة الغضبى، و دوّى بصوته الرزين الذي هز الجمع، فاستدارت إليه الوجوه تستوعب مقالته و تعنى بشأنه-و في الناس كثير ممن عرف لابن حاتم الطائي، تاريخه و سؤدده و ثباته على القول الحق-و اندفع الزعيم محموم اللهجة قاسي التقريع، يستنكر على الناس سكوتهم، و يستهجن عليهم ظاهرة التخاذل البغيض.

و قال:

«أنا عديّ بن حاتم، ما أقبح هذا المقام!. أ لا تجيبون امامكم و ابن

____________

(1) تصغير نخلة، موضع قرب الكوفة على سمت الشام، اقول:

و يوجد اليوم على سمت كربلاء بناية تعرف بخان النخيلة، بينها و بين الكوفة اثنا عشر ميلا.

101

بنت نبيكم؟. أين خطباء المصر الذين ألسنتهم كالمخاريق في الدعة، فاذا جدّ الجد، راوغوا كالثعالب؟. أ ما تخافون مقت اللّه و لا عيبها و عارها؟» .

ثم استقبل الحسن بوجهه فقال:

«أصاب اللّه بك المراشد، و جنّبك المكاره، و وفقك لما يحمد ورده و صدره. و قد سمعنا مقالتك، و انتهينا الى أمرك، و سمعنا لك، و أطعناك فيما قلت و رأيت» .

قال: «و هذا وجهي الى معسكرنا، فمن أحب أن يوافي فليواف» .

ثم خرج من المسجد، و دابته بالباب، فركبها و مضى الى النخيلة، و أمر غلامه أن يلحقه بما يصلحه. و كان المثل الاول للمجاهد المطيع، و هو اذ ذاك أول الناس عسكرا (1) . و في طي‏ء الف مقاتل لا يعصون لعديّ أمرا (2) .

و شط-بعده-خطباء آخرون، فكلّموا الحسن بمثل كلام عديّ ابن حاتم، فقال لهم الحسن عليه السلام: «رحمكم اللّه ما زلت أعرفكم بصدق النية، و الوفاء، و المودة. فجزاكم اللّه خيرا» .

و استخلف الحسن على الكوفة-ابن عمه-المغيرة بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب، و أمره باستحثاث الناس للشخوص إليه في النخيلة.

و خرج هو بمن معه، و كان خروجه لاول يوم من اعلانه الجهاد أبلغ حجة على الناس في سبيل استنفارهم.

و انتظمت كتائب النخيلة خيار الاصحاب من شيعته و شيعة أبيه و آخرين من غيرهم. و نشط المغيرة بن نوفل لاستحثاث الناس الى الجهاد و كان من المنتظر للعهد الجديد-الذي قوبل بالمهرجانات القوية في اسبوع البيعة، أن لا يتأخر أحد بالكوفة عن النشاط المتحمس لاجابة دعوة الامام. و لكن شيئا من ذلك لم يقع!. و حتى السرايا الجاهزة التي كان امير المؤمنين

____________

(1) شرح النهج (ج 4 ص 14) .

(2) اليعقوبي (ج 2 ص 171) .

102

(عليه السلام) قد أعدها للكرة على جنود الشام قبيل وفاته-و كانت تعد اربعين الف مقاتل-قد انفرط عقدها و تمرد أكثرها، و تثاقل معها اكثر حملة السلاح في الكوفة عن الانصياع للامر.

و كان المذبذبون من رؤساء الكوفة، أشدهم نشاطا في اللحظة الدقيقة التي أزفت فيها ساعة الجدّ.

قالت النصوص التاريخية فيما ترفعه الى الحارث الهمداني كشاهد عيان: «و ركب معه-أي مع الحسن-من أراد الخروج و تخلّف عنه خلق كثير لم يفوا بما قالوا و بما وعدوا، و غرّوه كما غرّوا أمير المؤمنين من قبله.. و عسكر في النخيلة عشرة أيام فلم يحضره الا أربعة آلاف. فرجع الى الكوفة، ليستنفر الناس، و خطب خطبته التي يقول فيها: قد غررتموني كما غررتم من كان قبلي.. (1) » .

أقول: ثم لا ندري على التحقيق عدد من انضوى إليه-بعد ذلك- و لكنا علمنا أنه «سار من الكوفة في عسكر عظيم» على حد تعبير ابن ابي الحديد في شرح النهج.

و سنأتي في فصل «عدد الجيش» على غربلة أقوال المؤرخين لاختيار القول الفصل في عدد جنود الحسن عليه السلام.

و غادر النخيلة و بلغ «دير عبد الرّحمن» فاقام ثلاثا، و التحق به عند هذا الموضع مجاهدون آخرون لا نعلم عددهم.

و كان دير عبد الرّحمن هذا مفرق الطريق بين معسكري الامام في المدائن‏ (2) .

____________

(1) الخرائج و الجرائح (ص 228-طبع ايران) .

(2) و هي العاصمة الساسانية التي بلغت من العمر الف سنة.

و كانت وريثة بابل في عظمتها و لم يبق من اثارها اليوم الا طاق كسرى، و مرقد الصحابي العظيم (سلمان الفارسي) رضي اللّه تعالى عنه. و كانت سبع مدن متقاربة تتقابل على ضفاف دجلة. فتحها المسلمون سنة 15 هـ-