صلح الحسن(ع)

- الشيخ راضي آل ياسين المزيد...
400 /
103

و مسكن‏ (1) .

و للامام الحسن خطته من هذين المعسكرين.

-اما «المدائن» فكانت رأس الجسر صوب فارس و البلاد المتاخمة لها. و هي بموقعها الجغرافي، النقطة الوحيدة التي تحمي الخطوط الثلاث التي تصل كلا من الكوفة و البصرة و فارس، بالاخرى. و تقف بقيمتها العسكرية درءا في وجه الاحداث التي تنذر بها ظروف الحرب. و كانت

____________

ق-و كانت اذ ذاك عاصمة الشرق الفارسي كله، ففي الجانب الغربي سلوقية، و درزجان و بهرسير، و جنديسابور «كوكه» في ناحية (مظلم ساباط) المتصلة بنهر الملك. و في الجانب الشرقي اسفانبر، و رومية، و طيشفون (و هي أم الطاق) .

و كان لا بد من مرور اكثر من مائة عام قبل ان تندثر المدائن نتيجة لانشاء بغداد سنة 150 هـ. و في خلال تلك الفترة كانت تغذي الكوفة بصناعاتها و كنوزها و محصولاتها، و ذلك بارسالها الموالي من الفرس إليها و قد صاروا مسلمين.

و كانت المدائن منذ العهد الذي وليها فيه سلمان الفارسي تتشيع لآل محمد (ص) و كانت لا تزال في القرن السابع الهجرى قرية لا يسكنها الا شيعة متحمسون.

و ذكرها المسعودي عند ذكره العراق فقال: «و مدنه: المدائن و ما والاها و لاهلها أعدل الالوان و أنقى الروائح و افضل الامزجة و اطوع القرائح و فيهم جوامع الفضائل و فرائد المبرات.. » .

(1) بفتح اوله و كسر ثالثه، اسم الطسوج الذي منه «أوانا» على نهر دجيل-القرية الكثيرة البساتين و الشجر-التي عناها ابو الفرج السوادى (من شعراء القرن السادس) بقوله.

و اجتلوها بكرا نشت «بأوانا» # حجبت عن خطابها بالاواني‏

كان بينها و بين بغداد عشرة فراسخ.

و في «مسكن» هذه، كانت الوقعة بين عبد الملك بن مروان و مصعب ابن الزبير سنة 72 هـ و فيها قتل مصعب، و قتل معه ابراهيم بن مالك «الاشتر» النخعي، و دفنا حيث قتلا. و لا يزال القبران ظاهرين و عليهما قبة متواضعة تعرف عند أعراب سميكة «بقبر الشيخ ابراهيم» و بينه و بين بغداد نحو من ستين كيلومترا. و بينه و بين دجلة عشرة كيلومترات، فمسكن هي المنطقة التي تترامى حوالي هذا القبر بما في ذلك نهر دجيل و هنالك كانت «اوانا» أيضا.

104

فارس معرض الانتفاضات الخطرة على الدولة. و كان عليها من قبل الامام «زيد بن عبيد» و لمّا يطبع-بعد-على صفحته المقلوبة التي غيّرت منه كل شي‏ء.

و اما «مسكن» فقد كانت النقطة الحساسة في تاريخ جهاد الحسن (ع) لانها الميدان الذي قدّر له ان يقابل العدوّ وجها لوجه. و هي اذ ذاك أقصى الحدود الشمالية للعراق الهاشمي، أو المناطق الخاضعة لحكومة الكوفة من هذه الجهة. و كان في اراضي مسكن مواطن معمورة بالمزارع و السكان و قرى كثيرة مشهورة-منها «أوانا» و «عكبرا» و منها «العلث» و هي آخر (1) قراها الشمالية، و كان بازائها قرية «الجنوبية» و هي التي انحدر إليها معاوية بجيوشه منذ غادر «جسر منبج» . و التقى عندها الجمعان.

و المفهوم ان موقع مسكن اليوم لا يعدو هذه السهول الواسعة الواقعة بين قرية «سميكة» و قرية «بلد» دون سامراء.

و لمسكن طبيعتها الغنية بخيراتها الكثيرة و مشارعها القريبة و سهولها الواسعة، فكانت-على هذا-الموقع المفضّل للنزال و الحروب، و كانت لاول مرة في تاريخها ميدان الحسن و معاوية في زحفهما هذا، ثم تبودلت فيها بعد ذلك وقائع كثيرة بين العراق و الشام.

*** و رأى الحسن عليه السلام أن يتخذ من المدائن-بما لموقعها من الاهمية العسكرية-مقرا لقيادته العليا. ليستقبل عندها نجدات جيوشه من الاقطار الثلاث القريبة منه، ثم ليكون من وراء ميدانه الذي ينازل به معاوية و أهل الشام في «مسكن» . و ليس بين المعسكرين الهاشميين في-المدائن و مسكن-أكثر من خمسة عشر فرسخا.

____________

(1) قال الماوردي في الاحكام السلطانية-على رواية الحموي-:

«و العلث هو أول العراق من هذه الجهة» . أقول: و يقع العلث بين عكبرا و سامراء. و عكبرا قرية من نواحي دجيل قرب «أوانا» .

105

و كانت الخطة المثلى التي لا بدل عنها للوضع الحربي الراهن.

و هكذا انكشف الحسن في رسم خططه الحربية، عن القائد الملهم الذي يحسن فنون الحرب كما كان يصطلح عليها عصره أفضل احسان. و دلّت خطواته المتدرجة في سبيل مقاومته لعدوه سواء في اختيار الوقت أو في اختيار المواقع أو في تسيير الجيوش، على مواهب عسكرية ممتازة، كانت كفاء ما رزق من مواهب في سياسته و في اخلاصه و في تضحيته.

*** و نظر عن يمينه و عن شماله، و تصفّح-مليا-الوجوه التي كانت تدور حوله من زعماء شيعته و من سراة أهل بيته، ليختار منهم قائد «مقدمته» التي صمم على ارسالها الى مسكن، فلم ير في بقية السيوف من كرام العشيرة و خلاصة الانصار، أكثر اندفاعا للنصرة و لا اشدّ تظاهرا بالاخلاص للموقف من ابن عمه (عبيد اللّه‏ (1) بن عباس بن عبد المطلب) و (قيس بن سعد بن عبادة الانصارى) و (سعيد بن قيس الهمداني) -رئيس

____________

(1) الارشاد للشيخ المفيد (ص 170) ، و ابن ابى الحديد (ج 4 ص 14) و اليعقوبي (ج 2 ص 191) .

و ذكر مؤرخ آخر انه (عبد اللّه بن عباس اخوه) و لا يصح ذلك، لان عبد اللّه لم يكن في الكوفة ايام خلافة الحسن، و انما كان في مكة، و كتب الى الحسن كتابه الذي يشير فيه بالحرب و تجد صورته في شرح النهج (ج 4 ص 8-9) و لم يكن عبد اللّه بالذي يختفي ذكره في احداث هذا العهد لو أنه كان موجودا في الكوفة. قال الطبرى في تاريخه (ج 6 ص 81) :

«و فيها-يعني في سنة 40-خرج عبد اللّه بن العباس من البصرة و لحق بمكة في قول عامة اهل السير. و قد انكر بعضهم و زعم انه لم يزل في البصرة عاملا عليها من قبل امير المؤمنين علي عليه السلام حتى قتل و بعد مقتل علي حتى صالح الحسن ثم خرج حينئذ الى مكة» . أقول: و لا في البصرة و إلا لما تأخر جيش البصرة عن الحسن أحوج ما كان إليه في المدائن.

و أيد ابن الاثير (ج 3: ص 166) ان عبد اللّه بن عباس فارق عليا في حياته.

و المظنون ان اتحاد الاخوين أبا و تشابه اسميهما كتابة هو الذي اثار الخطأ في نسبة القيادة لعبد اللّه. و وهم آخر فذكر قيادة المقدمة لقيس بن سعد. و كان قيس على الطلائع من هذه المقدمة، كما نص عليه ابن الاثير، و لعل ذلك هو سبب هذا الوهم فلاحظ.

106

اليمانية في الكوفة-. فعهد الى هؤلاء الثلاثة بالقيادة مرتبين.

و كان عبيد اللّه بن عباس احد اولئك المرتجزين للحرب، المستهترين بالحياة، تحفزه الغيرة الدينية، و تلهبه العنعنات القبلية، فاذا هو الفولاذ المصهور في تعصّبه للعرش الهاشمي، و هل هو الا احد سراة الهاشميين، و قديما قيل: «ليست الثكلى كالمستأجرة» . و هو في سوابقه امير الحج سنة 36 (على رواية الاصابة) أو سنة 39 (على رواية الطبري) أو هو امير الحج في السنتين معا، و هو والي البحرين، و عامل اليمن‏ (1) و توابعها على عهد امير المؤمنين عليه السلام، و الجواد المطعام الذي شهد له الحجيج في مكة، ثم هو أسبق الناس دعوة الى بيعة الحسن يوم بايعه الناس.

فكان-على ذلك-حريا بهذه الثقة الغالية التي وضعها فيه ابن عمه الامام عليه السلام‏ (2) .

____________

(1) و حاول بعضهم الارتياب في سوابق عبيد اللّه هذا، بحادثة خروجه من اليمن. و من الحق ان نعترف بضعف حامية اليمن-يومئذ-عن الصمود لحملة بسر بن ارطاة، و كان من انشقاق بعض اليمانيين على الحكم الهاشمي و مكاتبتهم معاوية و اخراجهم اميرهم (سعيد بن نمران) من الجند و موافقتهم عاملهم (عبيد اللّه) ما يشهد لعبيد اللّه بالبراءة من موجبات الريب.

و لو أن عبيد اللّه كان قد حاول مواقفة بسر لكان له من عثمانية اليمن من يكفي بسرا أمره، على ان الرجل لم يفعل بخروجه من اليمن أكثر مما فعله نظراؤه في مكة و المدينة، حيث فر عاملاها من وجه بسر، و أغار عامل معاوية على العواصم الثلاث فقتل فيهن زهاء ثلاثين الفا من الامنين. و علمنا ان عبيد اللّه قصد في خروجه من اليمن الى الكوفة، و لو كان مريبا لما قصد الكوفة و علمنا ان سعيد بن نمران اعتذر لامير المؤمنين عليه السلام بقوله: «اني دعوت الناس-يعنى اهل اليمن-للحرب و أجابني منهم عصابة فقاتلت قتالا ضعيفا و تفرق الناس عني و انصرفت» . اقول: أ فلا تكون تجربة ابن نمران تصحيحا لمعذرة ابن عباس، فالرجل-في سوابقه-لا غمز فيه، و لا غرو اذا رضيه الحسن ثقة بسوابقه.

(2) يراجع عما ذكرناه من القيادة و الحركات السوقية ابن ابي الحديد (ج 4 ص 14) و الارشاد (ص 168-169) و اليعقوبي (ج 2 ص 191) .

و انفرد اليعقوبي عنهما بعدم ذكر القائد الثالث من قواد المقدمة، ثم قال: «و أمر الحسن عبيد اللّه بان يعمل بامر قيس بن سعد و رأيه، فسار-

107

و دعاه، فعهد إليه عهده الذي لم يرو لنا بتمامه، و انما حملت بعض المصادر صورة مختزلة منه. قال فيه:

«يا ابن عم!اني باعث معك اثنى عشر الفا من فرسان العرب و قراء المصر، الرجل منهم يزيد الكتيبة، فسر بهم، و ألن لهم جانبك، و ابسط لهم وجهك، و افرش لهم جناحك، و أدنهم من مجلسك، فانهم بقية ثقات امير المؤمنين. و سر بهم على شط الفرات، ثم امض، حتى تستقبل بهم معاوية، فان أنت لقيته، فاحتبسه حتى آتيك، فاني على أترك وشيكا.

و ليكن خبرك عندي كل يوم، و شاور هذين-يعني قيس بن سعد و سعيد ابن قيس-. و اذا لقيت معاوية فلا تقاتله حتى يقاتلك، فان فعل، فقاتله.

و أن أصبت، فقيس بن سعد على الناس، فان اصيب فسعيد بن قيس على الناس» .

و لقد ترى أن الامام الحسن عليه السلام، لم يعن في عهده الى عبيد اللّه بشي‏ء، عنايته بأصحابه، فمدحهم، و أطرى بسالتهم، و أضافهم الى أبيه امير المؤمنين عليه السلام. و اراد بكل ذلك تغذية معنوياتهم و الهاب حماستهم و التأثير على عواطفهم. ثم أمر قائده بأن يلين لهم جانبه و يبسط لهم وجهه و يفرش لهم جناحه و يدنيهم من مجلسه. و حرصت هذه التعاليم على ايثار الثقة المتبادلة بين القائد و الجيش. و أحر بهذه الثقة-في حرب

____________

ق-الى ناحية الجزيرة-يعني بين النهرين-و اقبل معاوية لما انتهى إليه الخبر بقتل علي (ع) فسار الى «الموصل» بعد قتل علي بثمانية عشر يوما و التقى العسكران.. » . -اقول: و الموصل هذه قرية من قرى «مسكن» دفن بالقرب منها سيدنا (محمد بن الامام علي الهادي) كما اشار إليه الحموي في معجمه و هي غير مدينة الموصل المعروفة. و لا تنافي بين ما رواه اليعقوبي و ما رواه الآخرون من تعيين الموقع الذي نزل فيه جيش معاوية في حربه للحسن عليه السلام، فالموصل و الحيوضة و الجنوبية كلها من قرى «مسكن» يومئذ و لعل الجيش أشغل هذه القرى كلها فوردت اسماؤها في مختلف الروايات و اقتصرت بعضها على اسم دون اسم كما ترى. و نحن انما اخترنا ذكر «الجنوبية» دون غيرها نزولا على تصريح قيس بن سعد فيما كتب به الى الحسن كما سيأتي في محله‏

108

تعوزها النظم العسكرية التي نعرفها اليوم-أن تكون أهم عناصر القوّة المرجوة للايام السود. و جاءت جملا متعاطفة أربعا يؤكد بعضها بعضا، ثم هي لا تعني الاّ معنى واحدا. ترى فهل لنا أن نستفيد، من هذا القصد العامد الى التأكيد، أنها كانت تحاول بتكرارها «المؤكد» ، استئصال خلق خاص في عبيد اللّه‏[القائد الجديد]؟. و في الجيش-معه-أعلام من سراة الناس، و من ذوى السوابق و الذكريات المجيدة، الذين لا يهصمون الخلق المزهوّ و لا الخشونة الآمرة الناهية في الفتى الهاشمي الذي لا يزيدهم كفاءة، و لا يسبقهم جهادا، و لا يفضلهم تقوى، و لا يكبرهم سنّا (1) .

و قوله له-بعد ذلك-: «و شاور هذين» دليل آخر على القصد على تذليل خلق صعب، ربما كان يعهده الامام في ابن عمه، و ربما كان يخافه كعائق عن النجاح.

أقول: و ليس من وجود الخلق المخشوشن في عبيد اللّه-اذا صدق الظن-ما يعيقه عن استحقاق القيادة، و قد استدعته إليها ظروف كثيرة أخرى، على أن بين الخشونة و الحياة العسكرية أواصر رحم متينة الحلقات في القديم و الحديث.

***

لما ذا آثر الامام الحسن عليه السلام عبيد اللّه بن عباس للقيادة

و في هذه المناسبة ما يفسح المجال للتساؤل عن الحيثيات التي آثر بها الامام الحسن عليه السلام عبيد اللّه بن عباس للقيادة على مقدمته، و في الجيش مثل (قيس بن سعد بن عبادة الانصارى) الرجل المعترف بكفاءاته العسكرية و باخلاصه الصحيح لاهل البيت عليهم السلام و بأمانته.

و للجواب على هذا السؤال، وجوه:

أولها

أن الحسن حين أراد عبيد اللّه للقيادة على «المقدمة» فرض عليه استشارة كل من قيس بن سعد و سعيد بن قيس-كما هو صريح عهده

____________

(1) كان عبيد اللّه بن عباس يوم قيادته لهذا الجيش في التاسعة و الثلاثين من عمره.

109

إليه-فخرج بذلك من الايثار الذي يؤخذ عليه، اذا كان في هذا الايثار تبعة يخاف منها على مصلحة الموقف. و أصبحت القيادة-على هذا الاسلوب- شورى بين ثلاثة، هم اليق رجاله لها. اما تقديم قيس على صاحبيه و على غيرهما من صحابة و زعماء، و ايثاره بالقيادة وحده فقد كان-في حينه- مظنة لتنافس الاكفاء الآخرين الذين كان يلفهم جناح هذا الجيش. و في هؤلاء الشخصيات المعروفة في قيادتها الميادين و في اخلاصها و جهادها و سوابقها، أمثال أبي أيوب الانصاري و حجر بن عديّ الكندي و عديّ بن حاتم الطائي و أضرابهم، ممن مرّ ذكرهم.

لذلك كان تقديم ابن عم الامام، بل ابن عم النبي صلّى اللّه عليه و آله، و تعيينه «اسما» ثم الاستفادة من رأي قيس و صاحبه على الاسلوب الذي ذكرنا، تخلصا لبقا، لا ينبغي الخلاف فيه، و لا التنافس عليه.

و ثانيها

انه كان من الاحتياطات الرائعة للوضع العام يوم ذاك، أن لا يكون القائد في جبهة الحسن الاّ هاشميا.

و تفسير ذلك، أن سورة التخاذل التي دارت مع قضية الحسن في الكوفة، كانت لا تزال نذيرة تشاؤم كثير في حساب الحسن (ع) ، و كان عليه أن يتخذ من التدابير الممكنة كل ما يدفع عنه-في حاضره و في مستقبله- لوم الناس و تخطئتهم و نقدهم. و من السهل على الناس أن يتسرعوا الى التخطئة و النقد متى وجدوا موضعا للضعف أو منفذا الى الفشل و الحرمان.

و كان من المنتظر ان يقولوا فيما لو فشلت قضية الحسن في مسكن أنه لو كان القائد من أهله لكان أولى من غيره بالصبر على المكاره و تحمل العظائم، و لما آل الامر الى هذا المآل.

فكان الاستعداد لغوائل الوضع الراهن بتعيين القائد الهاشمي، تدبيرا دقيق الملاحظة.

و ثالثها

110

أنه لن يكون انسان آخر غير عبيد اللّه بن عباس-لا قيس و لا ابن قيس و لا غيرهما-أشد حنقا و لا اعنف تألبا على معاوية منه كأب قتل ولداه (الصبيّان) صبرا، فيما أملته فاجعة بسر بن أرطاة يوم غارته على اليمن [و القضية من مشهورات التاريخ‏].

فكان من الاستغلال المناسب جدا، اختيار هذا القائد الحانق لقتال قاتل ولديه.

و رابعها

أن جيش «المقدمة» الذي ولي قيادته عبيد اللّه هذا، كان أكثره من بقايا الجيش الذي أعدّه أمير المؤمنين عليه السلام في الكوفة لحرب أجناد الشام، ثم توفي عنه. و كان قيس بن سعد بن عبادة هو قائد (1) ذلك الجيش في زمن أمير المؤمنين (ع) و القائم على مداراته. و لهذه السوابق أثرها في توفيق الروابط الشخصية بين القائد و المقود. و كان من السهل على القائد النافذ في جنوده، أن يجنح-متى شاء-الى حرية التصرف التي لا تعبّر عن اتصال ايجابي بالمركز الاعلى، و هو ما كان يجب التحفظ منه، كاهم عنصر في الموقف.

و على أننا نحترم سيدنا قيسا كما يجب له الاحترام، و لكننا لا ننكر قابلياته الشخصية التي تجوّز عليه هذا اللون من حرية التصرف.

و لا ننسى أنه وقف بين صفوفه-يوم رجعت له قيادة هذا الجيش في مسكن-يخيّرهم بين الالتحاق بالامام على الصلح، و بين الاستمرار على حرب معاوية بلا امام!!..

فأي احتياط كان أحسن من جعل القيادة في غير هذا الرجل و جعله -مع ذلك-المستشار العسكريّ للاستفادة من كفاءاته و دهائه، و هو ما فعله الامام الحسن تنفيذا لافضل الرأيين.

أقول: و لا يضير هذه السياسة، تعيين قيس للخلافة على القيادة بعد

____________

(1) تاريخ ابن كثير (ج 8 ص 14) و غيره.

111

عبيد اللّه بن عباس، لانه لن يكون بعد مقتل سلفه في ميادين مسكن-كما كان هو المفروض في نصوص العهد-الاّ رهن التصميم الذي سار عليه سلفه، و الذي لا تسمح بتغييره ظروف الحرب القائمة بين الفريقين، و لعله لن يكون-يومئذ-الاّ رهن توجيه الامام (القائد الاعلى) مباشرة، و قد علمنا-مما سبق-أن الامام وعد مقدمته بالالتحاق بها وشيكا.

و أيّ محذور-بعد هذا-من تعيينه للخلافة على القيادة ما دام مقيدا بتصميم خاص، أو مرتهنا بتسيير الامام و اشرافه المباشر.

112

-

113

عدد الجيش‏

114

كان في الكوفة من الجيش العامل في أواسط القرن الاول أربعون الفا، يغزو كلّ عام منهم عشرة آلاف (و هو ما تنص على ذكره المصادر الموثوقة) .

و علمنا ان أمير المؤمنين عليا عليه السلام كان قد أعدّ للكرّة على جنود الشام أربعين الفا أو خمسين الفا-على اختلاف الروايتين-ثم توفى قبل الزحف بها. و المظنون أن الحصة المدورة من الجيش العامل، كانت بعض هذه العدة التي كان أمير المؤمنين قد أعدّها لحرب معاوية.

ثم انقطع بنا العلم عن موقف هذا الجيش أو ذاك من الحسن بن علي عليهما السلام، ابان دعوته الى الجهاد. و علمنا من أكثر من مصدر أن المقدمة التي بعث بها الحسن الى لقاء معاوية في «مسكن» كانت تعدّ اثنى عشر الفا، و المرجّح أنها فلول الجيش الذي مات عنه أمير المؤمنين (ع) ، فأجاب الحسن منهم من أجاب و تخلّف الباقي.

ثم علمنا من مصدر آخر أن الكوفة جاشت في صميم تثاقلها يوم الحسن فجنّدت أربعة آلاف‏ (1) اخرى.

فهذه ستة عشر الفا، قام على اثباتها النص الذي لا يقبل النقاش.

و هناك أرقام اخرى لعدد الجيش، مرّ عليها المؤرخون و تضمّنتها بعض التصريحات ذات الشأن. و لكنها خاضعة في ثبوتها للتمحيص و المناقشة.

و فيما يلى نصوص المصادر التي تشير الى تلك الارقام على اختلافها نعرضها اولا بحرفها، ثم نعود أخيرا الى تدقيقها كما يجب.

____________

(1) الخرائج و الحرايح للراوندى (ص 228) .

115

قال في البحار (ج 10 ص 110) :

«ثم وجه (يعني الحسن) إليه (يعني الى معاوية) قائدا في اربعة آلاف، و كان من كنده، و أمره أن يعسكر بالانبار (1) ، و لا يحدث شيئا حتى يأتيه أمره. فلما توجه الى الانبار، و نزل بها، و علم معاوية بذلك، بعث إليه رسلا، و كتب إليه معهم: انك ان أقبلت إليّ، أولئك بعض كور الشام و الجزيرة، غير منفس عليك. و أرسل إليه بخمسمائة الف درهم.

فقبض الكندي المال، و قلب على الحسن، و صار الى معاوية في مائتي رجل من خاصته و أهل بيته. فبلغ ذلك الحسن فقام خطيبا و قال: هذا الكندي توجه الى معاوية، و غدر بي و بكم، و قد أخبرتكم مرة بعد مرة، انه لا وفاء لكم، أنتم عبيد الدنيا، و أنا موّجه رجلا آخر مكانه، و اني أعلم انه سيفعل بي و بكم، ما فعل صاحبكم، و لا يراقب اللّه فيّ و لا فيكم. فبعث إليه رجلا من مراد في أربعة آلاف. و تقدم إليه بمشهد من الناس و توكد عليه، و أخبره أنه سيغدر كما غدر الكندي. فحلف له بالايمان التي لا تقوم لها الجبال انه لا يفعل. فقال الحسن: انه سيغدر. فلما توجه الى الانبار، ارسل إليه معاوية رسلا و كتب إليه بمثل ما كتب الى صاحبه و بعث إليه بخمسة آلاف (و لعله يريد خمسمائة الف) درهم، و منّاه أيّ ولاية أحب من كور الشام و الجزيرة، فقلب على الحسن، و أخذ طريقه الى معاوية، و لم يحفظ ما اخذ عليه من عهود... » .

ثم ذكر بعد هذا العرض، اتخاذ الحسن النخيلة معسكرا له، ثم خروجه إليها.

***

____________

(1) مدينة كانت على الفرات (غربي بغداد) تبعد عنها عشرة فراسخ سميت بذلك لانها كانت تجمع بها انابير الحنطة و الشعير منذ أيام الفرس، و أقام بها أبو العباس السفاح العباسي الى أن مات، و جدد بها قصورا و أبنية، ثم اندثرت عمارتها.

116

قال ابن أبي الحديد (ج 4 ص 14) :

«و خرج الناس، فعسكروا و نشطوا للخروج، و خرج الحسن الى المعسكر، و استخلف على الكوفة المغيرة بن نوفل بن الحرث بن عبد المطلب و أمره باستحثاث الناس و اشخاصهم إليه. فجعل يستحثهم و يخرجهم حتى يلتئم المعسكر. و سار الحسن في عسكر عظيم وعدة حسنة، حتى نزل دير عبد الرّحمن، فأقام به ثلاثا حتى اجتمع الناس. ثم دعا عبيد اللّه بن العباس ابن عبد المطلب، فقال له: يا ابن عم اني باعث معك اثنى عشر الفا من فرسان العرب و قراء المصر.. » .

3 روى الزهرى فيما ينقله عنه ابن جرير الطبري (ج 6 ص 94) قال:

«فخلص معاوية حين فرغ من عبيد اللّه بن عباس و الحسن عليه السلام الى مكايدة رجل هو أهم الناس عنده مكايدة، و معه أربعون الفا. و قد نزل معاوية بهم و عمرو و أهل الشام» .

4 و جاء في كلام المسيب بن نجية فيما عاتب به الامام الحسن على صلحه مع معاوية[على رواية غير واحد من المؤرخين‏]-و النص للمدائني‏ (1) كما يحدثنا عنه في شرح النهج (ج 4 ص 6) -قال:

«فقال المسيب بن نجية للحسن عليه السلام: ما ينقضي عجبي منك صالحت معاوية و معك أربعون الفا!. أو قال «بايعت» على اختلاف النقول.

____________

(1) هو ابو الحسن بن محمد بن عبد اللّه بن أبي سيف البصرى الاصل.

سكن المدائن ثم انتقل الى بغداد و توفى بها سنة 215 و هو الذي يكثر ابن ابي الحديد النقل عنه في شرح النهج. و له ما يقرب من مائتي كتاب في مختلف الموضوعات رحمه اللّه.

117

قال ابن الاثير في كامله (ج 3 ص 61) :

«كان أمير المؤمنين عليّ قد بايعه اربعون الفا من عسكره على الموت، لما ظهر ما كان يخبرهم به عن أهل الشام. فبينما هو يتجهز للمسير قتل عليه السلام و اذا أراد اللّه أمرا فلا مردّ له. فلما قتل و بايع الناس ولده الحسن بلغه مسير معاوية في أهل الشام إليه، فتجهز هو و الجيش الذين كانوا بايعوا عليا، و سار عن الكوفة الى لقاء معاوية-و كان قد نزل مسكن- فوصل الحسن الى المدائن، و جعل قيس بن عبادة الانصاري على مقدمته في اثنى عشر الفا، و قيل بل كان الحسن قد جعل على مقدمته عبد اللّه‏ (1) ابن عباس، فجعل عبد اللّه بن عباس على مقدمته في الطلائع قيس بن سعد ابن عبادة.. » .

اقول: و جرى على مثل هذا الحديث «ابن كثير» و الظاهر انه اخذه من الكامل حرفيا.

6 كلمة الحسن عليه السلام فيما يرويه عنه المدائني‏ (2) في جواب الرجل الذي قال له: «لقد كنت على النصف فما فعلت؟» ، فقال: «أجل و لكني خشيت أن تأتي يوم القيامة سبعون الفا أو ثمانون الفا تشخب أوداجهم، كلهم يستعدي اللّه، فيم هريق دمه» .

7 ما رواه ابن قتيبة الدينوري في الامامة و السياسة (ص 151) قال:

و ذكروا انه لما تمت البيعة لمعاوية، و انصرف راجعا الى الشام أتاه

____________

(1) هو عبيد اللّه لا عبد اللّه و لا قيس كما ذكرنا آنفا و نبهنا على بواعث الخطأ في ذكر كل منهما.

(2) شرح النهج (ج 4 ص 7) ، و ابن كثير (ج 8 ص 42) .

118

-يعني أتى الحسن-سليمان بن صرد، و كان غائبا عن الكوفة، و كان سيد اهل العراق و رأسهم، فدخل على الحسن فقال: السلام عليك يا مذلّ المؤمنين!فقال الحسن: و عليك السلام، اجلس للّه ابوك. قال: فجلس سليمان و قال: أما بعد فان تعجّبنا لا ينقضي من بيعتك معاوية، و معك مائة الف مقاتل من أهل العراق، و كلهم يأخذ العطاء، مع مثلهم من أبنائهم و مواليهم، سوى شيعتك من اهل البصرة و اهل الحجاز!!» .

أقول: و روى كل من المرتضى في «تنزيه الأنبياء» ، و ابن شهر اشوب في «مناقبه» و المجلسي في «البحار» النص الكامل لما دار بين سليمان بن صرد و رفاقه، و بين الحسن عليه السلام. و لم يرو أحد منهم عن سليمان أو اصحابه فيما عرضوا له من عدد الجيش، أكثر من اربعين الفا.

فابن قتيبة ينفرد برواية المائة الف عن سليمان، كما ينفرد بالتعبير عن الصلح بلفظ «البيعة» !.

8 التصريح الذي فاه به زياد ابن أبيه، يوم كان لا يزال عاملا للحسن ابن علي على فارس، و ذلك فيما أجاب به على تهديد معاوية اياه، قال:

«ان ابن آكلة الاكباد، و كهف النفاق، و بقية الاحزاب، كتب يتوعدني و يتهددني، و بيني و بينه، ابنا رسول اللّه في تسعين الفا[و على رواية في سبعين الفا]واضعي قبائع سيوفهم تحت أذقانهم، لا يلتفت أحدهم حتى يموت. أما و اللّه لئن وصل إليّ ليجدني أحمز ضرابا بالسيف‏ (1) » .

المناقشة:

و هكذا توفرت هذه النصوص بمختلف صيغها، على أرقام فرضتها في

____________

(1) اليعقوبي (ج 2 ص 194) ، و ابن الاثير (ج 3 ص 166) .

و رواه الاول بتسعين الفا، و الثاني بسبعين الفا.

119

موضوع عدد الجيش، و تدرّج العدد الكبير فيها من أربعين الفا الى ثمانين الفا فمائة الف.

و الواقع أن المراتب الثلاث بجملتها، معرضة للشك و خاضعة للتمحيص، و حتى أدناها. و إليك البيان:

اما اولا:

فالعدد الاعلى (و هو مائة الف أو اكثر، أو تسعون الفا) فيما يشير إليه زياد ابن أبيه (على رواية اليعقوبي) ، أو فيما ينسب الى سليمان بن صرد (برواية ينفرد بها الدينوري خلافا لمؤرخين كثيرين) مشكوك فيه من جهات:

أهمها أن كلا من هذين الزعيمين-سليمان و زياد-كانا غائبين عن بيعة الحسن و جهاد الحسن و كوفة الحسن، طيلة خلافته في الكوفة و كانا قد غادرا مواطنهما في العراق منذ سنتين‏ (1) . و أيّ قيمة لتصريح غائب لم يشهد الوضع السائد في الكوفة، بما كان يجتاح هذه الحاضرة من تحزّب قويّ و تثاقل لئيم فيما واجهت به امامها و صاحب بيعتها.

و ان زيادا و سليمان اذ يفرضان هذه الاعداد من الجيش فانما يقيسان حاضر الكوفة على ماضيها، و يظنان أنها جنّدت مع الحسن ما كانت تجنده مع أبيه امير المؤمنين سنة 37 و 38 يوم كان كل منهما لا يزال في الكوفة يساهم بنصيبه من تلك الصفوف. هذا اولا. و اما ثانيا، فقد كان من موقف الرجلين كليهما في اللحظة العاطفية التي اندفعا بها الى هذا التصريح، ما يبرر لهما الجنوح الى اسلوب المبالغات، و كانت المبالغة في عدد الجيش تهويلا قريب التناول من جموح العاطفة الناقمة في سليمان، و هو ينكر على

____________

(1) صرح بغياب سليمان بن صرد عن الكوفة كل من ابن قتيبة في الامامة و السياسة، و المرتضى في تنزيه الأنبياء و نص فيه على غيبته سنتين.

و اما زياد فكان والي فارس من سنة 39 بعثه إليها عبد اللّه بن عباس و هو اذ ذاك والي البصرة. و كان زياد قبل سنة 39 في البصرة كما صرح به الطبري في حوادث 39.

120

الامام الحسن عليه السلام الرضا بالصلح، و قريب التناول-كذلك-من سياق التهديد و الوعيد في زياد و هو يرد في خطابه على تهديد معاوية و بعد هذا كله، فليس في هذين التصريحين ما يصح الركون إليه من احصاء أو تعيين أعداد.

و علمنا ان سليمان هذا، كان صديق المسيب بن نجية و صاحبه الذي تربطه به وشائج أخرى هي أبعد اثرا من الصداقات الشخصية. و قد مرّ عليك في النص. [رقم 4]قول المسيّب للحسن في معرض العتاب على الصلح: «و معك اربعون الفا» . و من المقطوع عليه أن مثل هذين الصديقين لا يختلفان في قضايا أهل البيت (ع) اختلافهما في هذا التقدير.

اذا، فما من سبب لشذوذ كلمة ابن صرد، الا كون راويها الدينوري الذي انفرد في قضية الحسن بعدة روايات لم يهضمها التمحيص الصحيح!.

و شاءت المقادير أن لا يفارق الزعيمان الصديقان الدنيا، حتى يأخذا جوابهما-عمليّا-عن عتابهما الطائش الذي قابلا به امامهما أبا محمد عليه السلام، فيما أنكرا عليه من الصلح.

فبايعهما على الاخذ بثأر الحسين عليه السلام سنة 65 هـ ثمانية عشر الفا من أهل الكوفة، ثم لم يكن معهما حين جدّ الجد في ساحة «عين الوردة» غير ثلاثة آلاف و مائة. و منيا من خذلان الناس بما ذكّرهما بالصميم من قضايا أهل البيت عليهم السلام.

ثم استشهد سليمان و المسيب و هما زعيما حركة التوّابين في عين الوردة، و استشهد معهما-يوم ذاك-أكثر من كان قد انضوى إليها.

و اما ثانيا:

فالعدد ثمانون الفا أو سبعون الفا، و هو ما تضمنه كلام الحسن في جواب الرجل الذي قال له: «لقد كنت على النصف فما فعلت؟» .

و كلام الحسن-في حقيقته-لا يدل على أكثر من عشرين الفا على

121

أكبر تقدير، و ذلك لأن الحسن حين يذكر الذين «تشخب أوداجهم يوم القيامة» ثم يتردد في تعيين عددهم بين السبعين و الثمانين الفا، لا يعني جنوده خاصة، و انما يشير بذلك الى الجيشين المتحاربين جميعا. و علمنا ان عدد أهل الشام في زحفهم على الحسن، كان ستين الفا، فيكون الباقي عدد جيشه الخاص.

و كان تردده في تعيين العدد صريحا بما أفدناه، لانه لو عنى جيشه دون غيره، لذكره برقمه الذي لا تردّد فيه، و هو أعلم الناس بعدده.

و اما ثالثا:

فالعدد أربعون الفا، و هو الذي سبق الى ذكره غير واحد من المؤرخين، و ذكره المسيب بن نجية، فيما رويناه عنه في النص الرابع من النصوص الثمانية. و لا كلام لنا على هذا العدد الاّ من وجهين.

(أحدهما) أنه لا يتفق و كلمة الحسن نفسه التي أشار بها الى عدد الجيش، و قد عرفت أن كلمته لم تعن أكثر من عشرين الفا على أكبر تقدير، و لا يتفق و كلمته الاخرى التي وصف بها موقف الناس منه [بالنكول عن القتال‏ (1) ]. و من كان معه أربعون الفا لم ينكل الناس معه عن القتال، فالعدد اذا لا يزال معرضا للشك.

(و ثانيهما) أنه عدد أملاه الظن على القائلين به، فرأوا ان امير المؤمنين (ع) كان قد جهّز لحملته الاخيرة على الشام أربعين الفا، ثم اخترمت حياته الكريمة و لمّا يزحف بهذا الجيش، فظنوا-اجتهادا-أن جنود الاب انضافت الى الابن، وفاتهم أن يقدّروا حيال هذا الظن قيمة التخاذل الذي جوبه به الخليفة الجديد في الكوفة.

و بعد، فأي قيمة للاحصاء مبتنيا على هذه الاخطاء.

و كانت أغرب روايات الموضوع، رواية الزهري التي تشير الى وجود

____________

(1) و ذلك فيما أجاب به بشير الهمداني و هو أحد وجوه شيعته في الكوفة، البحار (ج 10 ص 113) .

122

اربعين الفا من جيش الحسن، مع قيس بن سعد بن عبادة الانصارى، بعد أن رجعت إليه قيادة المقدمة في «مسكن» بفرار عبيد اللّه و من معه. و معنى ذلك ان مقدمة الحسن وحدها كانت قبل حوادث الفرار ثمانية و اربعين الف مقاتل!!

و هذا ما لا يصح في التاريخ.

فلم تكن المقدمة الاّ اثنى عشر الفا، منذ كان عليها عبيد اللّه بن عباس كما هو صريح الفقرة التي تخص العدد فيما عهد به الحسن الى قائده، حين سرّحه على رأس هذه المقدمة، و صريح نصوص كثيرة للمؤرخين لا يتخللها شك.

و روايات الزهري في قضايا أهل البيت أضعف الروايات، و أشدها ارباكا لموضوعاتها. و سمه صاحب «دراسات في الاسلام» (ص 16) بانه كان «عاملا مأجورا للامويين» و كفى.

على اننا اذا حاولنا التصرف في رواية الزهري هذه و أردنا علاج ارباكها المقصود، فأرجعنا الضمير في قوله «و قد نزل معاوية بهم و عمرو و اهل الشام» الى جيش معاوية دون جيش قيس، يكون المعدود حينئذ جنود معاوية التي نزل بها على قيس، و ليكن المقصود منهم «اهل العطاء خاصة» و ليكن المقصود من «اهل الشام» المتطوعين غير أهل العطاء، ليتم بذلك التوفيق بين روايته هذه، و الروايات الاخرى التي تعدّ مقدمة الحسن، و التي تعدّ جنود معاوية.

و اما رابعا:

فالعسكر العظيم، و هو تصريح ابن ابي الحديد فيما وصف به مسير الحسن من النخيلة صوب دير عبد الرّحمن في طريقه الى معسكراته.

و الكلمة كما ترى، مجملة لا تأبى الانطباق على العدد الذي ذكرناه آنفا، فان ستة عشر الفا «عسكر عظيم» ، و ان أبيت فعشرين الفا.

و اما خامسا:

فرواية البحار، و هي أولى النصوص التي أوردناها في سبيل استيعاب‏

123

ما روي في الموضوع، و ان لهذه الرواية من التناسق في حوادثها المتكرّرة ما يفرض الشك بها فرضا.

و هي تغفل عند عرضها الحوادث المتشابهة تسمية كل من القائدين -الكندي و المرادي-اللذين تفرض أنهما سبقا عبيد اللّه بن عباس الى لقاء معاوية و سبقاه الى الخيانة أيضا. و لا يعهد في تاريخ قضية من هذا الوزن، اغفال تسمية قائدين في حادثتين من أبشع حوادث الانسان في التاريخ.

و لعل الاغرب من ذلك، ان رواية البحار هذه تشير الى اصرار الامام على اتهام القائدين قبل بعثهما، ثم تصرّ على ان الامام بعثهما-مع ذلك- الى لقاء معاوية عالما بما سيصيران إليه من غدر!!.

و بعض هذا يكفينا عن الاستمرار في نقاش هذه الرواية التي يجب أن نتركها لتعلن هي عن نفسها.

***

اقول:

و لم نحصل-بعد هذا كله-على محصل في الموضوع الذي أردناه تحت عنوان «عدد الجيش» و لتكن هذه النصوص-على كثرتها-أحد أمثلتنا التي نقدّمها للقارئ عما نكبت به قضية الحسن في التاريخ، من اختلاف كثير و اختلاق صريح، و لا بدع في تقرير هذه الحقيقة و تكرارها و تعظيم خطرها و انكارها و التنبيه الى تبعاتها. فهذه ثمانية نصوص، ليس فيها ما يصبر على النقاش، و لا ما يصح الاعتماد عليه كسند تاريخي.

و لم يبق لدينا الاّ عدد جيش المقدمة، و هو اثنا عشر الفا، و عدد المتطوعين بعد ذلك في الكوفة، و هو اربعة آلاف، ثم الفصائل التي تواردت على الحسن في دير عبد الرّحمن حين اقام بإزائه ثلاثا-كما اشير إليه آنفا- فهذه قرابة عشرين الفا، هي جيش الحسن عند زحفه الى معسكريه في مسكن و المدائن.

اما مقاتلة المدائن نفسها، فقد عرفنا انها لم تتخلف-فيما سبق-عن‏

124

ميادين علي عليه السلام، و من البعيد جدا ان يعسكر ابنه الحسن بين ظهرانيهم ثم لا يلتحق به القادرون منهم على حمل السلاح.

و هذا ما يؤكد الظن ببلوغ عدد الجيش في كلا المعسكرين العشرين الفا او يزيد قليلا.

و هو «العسكر العظيم» الذي عناه ابن ابي الحديد، و هو-أيضا- العدد الذي يلتقي بتصريح الحسن عليه السلام-الانف الذكر-و لا أحسن من تصريح الحسن دليلا فيما يخص قضاياه.

ثم لا نعلم ان الحسن عليه السلام، تلقى بعد وجوده في المدائن أيّ نجدة من أيّ جهة.

125

عناصر الجيش‏

126

قال المفيد في الارشاد (169) : «و بعث الحسن حجر بن عديّ فأمر العمال-يعني امراء الاطراف-بالمسير، و استنفر الناس للجهاد، فتثاقلوا عنه، ثم خفوا، و خف معه اخلاط من الناس، بعضهم شيعة له و لابيه، و بعضهم محكّمة يؤثرون قتال معاوية بكل حيلة، و بعضهم أصحاب فتن و طمع بالغنائم، و بعضهم شكّاك، و بعضهم أصحاب عصبية اتبعوا رؤساء قبائلهم لا يرجعون الى دين.. (1) » .

اقول: علمنا مما سبق قريبا ان جيش الحسن تألف من زهاء عشرين الفا، أو يزيد قليلا، و لكنا لم نعلم بالتفصيل الطريقة التي اتخذت لتأليف هذا الجيش. و المعتقد انها كانت الطريقة البدائية التي لم تدخلها التحسينات المكتسبة بعد ذلك. و هي-اذ ذاك-الطريقة المتبعة في التجمعات الاسلامية مع القرون الاولى في الاسلام، و هي الطريقة التي لا تشترط لقبول الجندي أو لقبول المجاهد أيّ قابليات شخصية، و لا سنا خاصة، و لا ننزع في مناهج تجنيدها الى الاجبار بمعناه المعروف اليوم. و للمسلم القادر على حمل السلاح وازعه الديني حين يسمع داعي اللّه بالجهاد فاما ان يبعث فيه هذا الوازع، الشعور بالواجب فيتطوع بدمه في سبيل اللّه. و اما ان يكون المغلوب على أمره بدوافع الدنيا، فيخمد في نفسه هذا الشعور، و يحرم نصيبه من الاجر و من الغنيمة اذا قدّر لهذه الحرب الظفر و الغنائم.

اما النظم الحديثة المتبعة اليوم في الاجبار على خدمة العلم، و دعوة (مواليد) السنوات المعينة، و فحص القابليات المحدودة، فلم تكن يومئذ

____________

(1) و روى هذا النص الاربلي في كشف الغمة (ص 161) و البحار (ج 10 ص 110) .

127

و لا هي مما يتفق و التشريع الاسلامي بسعته و سماحته.

و للاسلام اعتداده بصحة حقائقه التي تكفل له بعث الناس الى الطاعة و الانقياد. و ليس في عناصر هذا الدين أكراه أحد على الطاعة بالقوة.

و لكنه دلّهم على السبيلين و أعان على خيرهما بالهدى «و الذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا» و كان هذا هو شعار الاسلام في جميع ما أمر به أو نهى عنه.

و على ذلك جرى رؤساء المسلمين فيما دعوا الناس إليه، و فيما حذّروا الناس منه.

و كان لهم عند اعتزامهم الحرب، دعاواتهم الرائعة، في التحريض على الجهاد، و أساليبهم المؤثرة التي لا تتأخر-غالبا-عن اقناع اكبر عدد من المطلوبين الى حمل السلاح.

فمن ذلك، أنهم كانوا يزيدون في مخصصات أهل العطاء من مقاتلتهم، و يأمرون عمالهم على البلاد فيستنفرون الناس للجهاد، و يبثون السنتهم و خطباءهم و ذوي التأثير من رجالهم لبعث الناس الى التطوع في سبيل اللّه عز و جل.

و فعل الحسن عليه السلام كل ذلك منذ ولي الخلافة في الكوفة، و منذ أعلن النفير للحرب. و كان من أوليّاته-كما اشير إليه آنفا-: انه زاد المقاتلة مائة مائة، و بعث حجر بن عديّ الى عماله يندبهم الى الجهاد، و نهض معه مناطقته الافذاذ من خطباء الناس أمثال عديّ بن حاتم، و معقل ابن قيس الرياحي، و زياد بن صعصعة التيمي، و قيس بن سعد الانصاري.

فأنّبوا الناس‏ (1) ، و لاموهم على تثاقلهم، و حرضوهم على اجابة داعي اللّه، ثم تسابقوا بأنفسهم الى صفوفهم في المعسكر العام، يغلبون الناس عليه.

و نشرت ألوية الجهاد في «أسباع الكوفة» و في مختلف مرافقها العامة، تدعو الناس الى اللّه عزّ و جل، و تدين بالطاعة لآل محمد عليهم السلام.

____________

(1) ابن ابي الحديد (ج 4 ص 14) .

128

و انبعث في الحاضرة المتخاذلة وعي جديد يشبه ان يكون تحسّسا بالواجب، أو استعدادا له.

و كان التثاقل عن الحرب حبا بالعافية أو انصهارا بدعاوات الشام، قد اخذ حظه من أهل الكوفة و ممن حولها.

اما هذا الوعي الجديد الذي يدين لهؤلاء الخطباء المفوّهين، فلم يلبث أن بعث في كثير من المتثاقلين رغبة، فأثارت الرغبة نشاطا، فانبتق من النشاط حماس.

و نجحت دعاوة الشيعة الى حد ما، في اكتساب العدد الاكبر من المتحمسين للحرب، رغم المواقف اللئيمة التي وقفها يومئذ المعارضون في الكوفة «و نشط الناس للخروج الى معسكرهم‏ (1) . »

و نجحت-الى حد بعيد-في اكتساب الرأي العام، في الكوفة و أسباعها و قبائلها، و في الضواحي القريبة التي لا تنقطع بمواصلاتها اليومية، عن اسواق الكوفة، و عن مراكز القضاء و الادارة فيها.

و كان من براعة خطباء الحسن، انهم أحسنوا استغلال الذهنية المؤاتية في الناس، فبذلوا قصارى امكانياتهم في الدعوة الى أهل البيت تحت ستار الدعوة للجهاد.

و بحّت حناجر الاولياء، فيما يعرضون من مناقب آل محمد و مثالب أعدائهم. و مرّوا على مختلف نوادي الكوفة و أحيائها و أماكنها العامة، ينبهون الناس الى المركز الممتاز الذي ينفرد به سيّدا شباب اهل الجنة اللذان لا يعدل بهما أحد من المسلمين، و الى الصلابة الدينية المركزة الموروثة في أهل بيت الوحي، و المزايا التي يستأثر بها هذا الفخذ من هاشم في العلم و الطهارة و الزهد بالدنيا و التضحية في اللّه و العمل لاصلاح الامة و وجوب المودة على المؤمنين.

____________

(1) نص عبارة ابن ابي الحديد في الموضوع (ج 4 ص 14) .

129

ثم ذكروا البيعة و ما اللّه سائلهم عنه من طاغة اولي الامر و وجوب الوفاء بالميثاق.

و عرضوا في حماستهم الى الانساب، فاذا هي «مقامة» ظريفة جدا و صادقة جدا و مؤثرة جدا، ملكت الالباب حتى أذهلت و أثارت الاعجاب حتى أدهشت.

ذكروا الحسن و معاوية فقالوا: أين ابن عليّ من ابن صخر، و ابن فاطمة من ابن هند، و أين من جده رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) ممن جده حرب، و من جدته خديجة ممن جدته فتيلة؟؟.. و لعنوا أخمل الرجلين ذكرا، و ألأمهما حسبا، و شرّهما قديما و حديثا، و أقدمهما كفرا و نفاقا، فعج الناس قائلين آمين آمين. ثم جاءت بعدهم الاجيال، فما استعرض هذه الموازنة الظريفة مسلم من المسلمين، الا سجّل على حسابه (آمين) جديدة.

و عملت هذه الاساليب الحكيمة. و الخطب الحماسية البليغة عملها و انتشرت-كما قلنا-القناعة بخذلان الشام و الثقة بظفر الكوفة.

و في الكوفة، و هي الحاضرة الجديدة الجبارة التي طاولت أهم الحواضر الاسلامية الكبرى-يومئذ-أجناس من الجاليات العربية و غير العربية و من حمراء الناس و صفرائها و ممن لم يرضهم الاسلام و لم يجدهم اعتناقه توجيها جديدا، و لا أدبا اسلاميا ظاهرا، الاّ أن يكونوا قد أنسوا منه وسيلته الى منافعهم العاجلة. فكان هؤلاء لا يفهمون من الجهاد اذا نودي بالجهاد الاّ دعوته للمنافع و وسيلته الى الغنائم. و رأوا من انتشار القناعة بنجاح هذه الحرب، أن الالتحاق بجيش الحسن (عليه السلام) هو الذريعة المضمونة الى استعجال المنافع و الرجوع بالغنائم، فلم لا يكونون من السابقين الاولين الى هذا الجهاد؟.

و لعلك تتفق معي الآن، على اكتشاف الحوافز التي اندفعت تحت تأثيرها «الاخلاط المختلفة» من رعاع الناس الى الالتحاق بجيش الحسن، فاذا باصحاب الفتن، و أصحاب الطمع بالغنائم، و أصحاب العصبيات التي لا

130

ترجع الى دين، و الشكاك و من إليهم-جنود متطوعون في هذا الجيش، أبعد ما يكونون في طماحهم و في طباعهم عن أهدافه و غاياته.

و لم يكن ثمة في نظم التجنيد المتبعة في التجمعات الاسلامية يومئذ -كما بينا آنفا-ما يحول دون قبول هؤلاء كجنود أو كمجاهدين، لان الكفاءة الاسلامية، و القدرة على حمل السلاح، هي كل شي‏ء في حدود قابليات المجاهد المسلم.

*** و اما الخوارج، فيقول المفيد رحمه اللّه في تعليل التحاقهم بجيش الحسن: «انهم كانوا يؤثرون قتال معاوية بكل حيلة» .

و لكنا لا نؤمن بهذا التعليل على اجماله، و لا ننكره على بعض وجوهه و قد يكون ما يقوله المفيد بعض هدفهم، و قد يكون هدفهم شيئا آخر غير هذا.

و ليس فيما نعهده من علاقات «الخوارج» مع الحسن و أبي الحسن عليهما السلام ما يشجعنا على الظن الحسن بهم، و ان لنا من دراسة أحداث النهروان ما يزيدنا فيهم ريبا على ريب. و اذا صح أنهم انما أرادوا قتال معاوية حين تبعوا الحسن، و أنهم كانوا لا يقصدون بالحسن سوءا، فأين كانوا عن معاوية قبل ذلك، و لم لم يتألبوا عليه كما كانوا يتألبون على علي عليه السلام في انتفاضاتهم التي حفظها التأريخ؟..

و كان للخوارج من ذحولهم القريبة العهد، و من اسلوب دعاويهم النكراء ما يحفزنا حفزا الى سوء الظن بما يهدفون إليه في خروجهم مع الحسن عليه السلام.

و علمنا من أحوالهم قبل خروجهم لهذه الحرب، أنهم كانوا يداهنون الناس و يجاملون الحسن، بعد وقيعتهم الكافرة بالامام الراحل عليه السلام، يتقون بذلك غوائل الكراهة العامة التي غمرتهم في أعقاب الفاجعة الكبرى.

أ فلا يقرب الى الذهن، أن يكون من جملة أساليب دهائهم الذي اضطروا إليه تحت ضغط الظروف الموقتة، ان يتظاهروا بالتطوع في الجيش‏

131

كما لو كانوا جنودا مناصحين، و ان يبطنوا من وراء هذا التظاهر مقاصدهم فاذا هم جنود مبادئهم المعروفة بل مبادئهم المبطنة التي لم تعرف لحد الآن.

و كانت فكرة «الخروج» بذرة خبيثة انبثقت عن قضية التحكيم بصفين، و منها سمّوا «المحكمّة» ، و رسخت جذور هذه الفكرة كعقيدة مكينة في نفوس هؤلاء، و استطالت بمرور الزمن، فبسقت عليها أشجار أثمرت للمسلمين الوانا من الخطوب و النكبات.

و كان الخوارج على ظاهرتهم المخشوشنة في الدين، قوما يحسنون المكر كثيرا.

فلم لا يغتنمون ظروف الحرب القائمة بين عدوين كبيرين من اعدائهم؟. و لم لا يكونون في غمار هذا الجيش الزاحف من الكوفة يقتنصون الفرص المؤاتية، بين تجهيزات المجاهدين، و الحركات السوقية، و المعارك المنتظرة التي ستكون في كثير من أيامها سجالا-و الفرص في الحرب السجال أقرب تناولا، و أيسر حصولا، و أفظع مفعولا، اذا حذق المتآمرون استخدامها-؟.

و لا أريد أن انكر-بهذا-عداوتهم لمعاوية و ايثارهم قتاله بكل حيلة كما أفاده شيخنا المفيد (رحمه اللّه) . و لكني أرى أنهم كانوا يرمون من خطتهم الى غرضين... و ما من غرض للخوارج في ثوراتهم و مؤامراتهم الاّ اقتناص الرءوس العالية في الاسلام!سواء في العراق أو في مصر أو في الشام. و عشعشت بين ظهراني هؤلاء القوم كوامن الغيلة فغلبت على سائر مناهجهم الاخرى، فمشوا مع الحسن و لكن الى الفتنة، و حبوا في طريق الجهاد و لكن الى الفساد. و كانت الطعنة المركزة الجريئة التي «أشوت» الحسن عليه السلام في «مظلم ساباط (1) » ، هي الحلقة الجهنمية الثانية من سلسلة جرائم هذه العصابة الخطرة في البيت النبوي العظيم.

____________

(1) الساباط لغة سقيفة بين دارين من تحتها طريق نافذ، و ساباط قرية في «المدائن» عندها قنطرة على «نهر الملك» و لعلها انما سميت بهذا الاسم لوجود سقيفة نادرة من «السوابيط» فيها، و المظنون ان هذه السقيفة هي «مظلم ساباط» .

132

و كلتا الجريمتين وليدة المؤامرات السرية النشيطة التي حذقها الخوارج الطغام، في مختلف المناسبات.

و شاء اللّه بلطفه أن لا تبلغ طعنة ابن سنان الاسدى‏ (1) من الحسن، ما بلغته بالامس القريب ضربة صاحبه ابن ملجم المرادي من أمير المؤمنين أبي الحسن عليه السلام.

و مثّلت هذه المؤامرة الدنيئة أفظع قطيعة لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله من نوعها، بما حاولته من القضاء على الامام الثاني-سبطه الاكبر-.

و ازدلفت الى معاوية بالخدمة الفريدة التي لا تفضلها خدمة اخرى لاهدافه، من القوم الذين كان يقال عنهم «انهم انما خرجوا مع الحسن لانهم يؤثرون قتال معاوية بكل حيلة» !!

و هكذا ثبت للامام الحسن بصورة لا تقبل الشك، نيات المحكمّة معه رغم مجاملاتهم الكاذبة له. و كان هو منذ البداية شديد الحذر منهم و لكنه كان يعاملهم-دائما-على ضغن مكتوم.

و ليس أنكى من عدوّ في ثوب صديق. ذلك هو العدو الذي ينافقك ظاهرا، و يحاربك سرا. و أنكى أقسام هذا العدو عدو يحاربك بذحوله و عصبيته كما حاربت الخوارج الحسن بذحولها و عصبيتها.

*** و هكذا قدّر لجيش الحسن عليه السلام، أن يتخم بالكثرة من هؤلاء و اولئك جميعا، و أن يفقد بهذا التلوّن المنتشر في صفوفه، روحية الجيش المؤمل لربح الوقائع، و أن يبتلي بالصريح و الدخيل من كيد العدوين الداخل و الخارج، و في المكانين العراق و الشام معا.

____________

(1) و وهم حسن مراد في كتابه (الدولة الاموية في الشام و الاندلس) (الباب الرابع: ص 50) حيث نسب طعن الحسن عليه السلام بالخنجر الى اتباع الامويين دون الخوارج. و ستقرأ في فصل «سر الموقف» نصوص الحادثة كما يرويها مؤرخوها القدامى و كما يجب أن يفهمها المحدثون.

133

و أحر بجيش يتألف من أمثال هذه العناصر، أن يكون مهددا لدى كل بادرة بالانقسام على نفسه، و الانتقاض على رؤسائه.

و لم يكن الجهاد المقدس-يوما من الايام-وسيلة لطمع مادي، و لا مجالا للمؤامرات الشائكة، و لا مظهرا للعصبيات الجاهلية الهزيلة، و لا مسرحا لتجارب الشكاكين.

و «ازدادت بصيرة الحسن بخذلان القوم له‏ (1) » ، و تراءى له من خلال ظروفه شبح الخيبة الذي ينتظر هذه الحرب في نهاية مطافها، اذ كانت العدة المدخرة لها، هي هذا الجيش الذي لا يرجى استصلاحه بحال.

و أثر عنه كلمات كثيرة في التعبير عن ضعف ثقته بجيشه.

و كان من أبلغ ما أفضى به في هذا الصدد-مما يناسب موضوع هذا الفصل-خطابه الذي خاطب به جيشه في المدائن.

و قال فيه:

«و كنتم في مسيركم الى صفين، و دينكم أمام دنياكم. و أصبحتم اليوم و دنياكم أمام دينكم. و أنتم بين قتيلين، قتيل بصفين تبكون عليه، و قتيل بالنهروان تطلبون‏ (2) بثاره. فاما الباقي فخاذل، و اما الباكي فثائر.. » .

و هذه هي خطبته الوحيدة التي تعرض الى تقسيم عناصر الجيش من ناحية نزعاته و أهوائه في الحرب.

فيشير بالباكي الثائر الى الكثرة من أصحابه و خاصته، و بالطالب للثأر الى الخوارج الموجودين في معسكره‏[و ما كان ثأرهم الذي يعنيه الاّ عنده‏] و يشير بالخاذل الى العناصر الاخرى من اصحاب الفتن و اتباع المطامع و عبدة الاهواء.

____________

(1) نص عبارة المفيد في الارشاد (ص 170) .

(2) و برواية ابن طاوس في كتاب «الملاحم و الفتن» (ص 142:

طبع النجف سنة 1368) : «و قتيل بالنهروان تطلبون منا ثاره» .

134

و استطرد التاريخ بين صفحاته أسطرا قاتمة دامية. بما انقاد إليه الاغرار المفتونون من هذه «العناصر» ، و بما صبغوا به ميدان الجهاد المقدس-بعد ذلك-من اساليب الغدر، و الخلاف، و نقض العهود، و المؤامرات، و نسيان الدين، و خفر الذمام... حتى لقد عادت بقية آثار النبوة-متمثلة بالطيبين من آل محمد و بنيه عليهم السلام-نهبا صيح في حجراتها. و لعلنا سنأتي على استطراد صورة من هذه المآسي في محلها المناسب لذكرها من الكتاب.

تتميم:

و بقى علينا ان نستمع هنا الى ما يدور في خلد كثير من الناس حين يدرسون هذا العرض المؤسف لعناصر جيش الحسن عليه السلام، فيسألون: لما ذا فسح الحسن مجاله لهذه العناصر؟و لما ذا تأخر بعد ذلك عن تصفية جيشه بسبيل من هذه السبل التي يفزع إليها رؤساء الجيوش في تصفية جيوشهم بقطع العضو الفاسد، أو بادانته، أو باقصائه على الاقل؟.

و نحن من هذه النقطة بازاء قلب المشكلة و صميمها على الاكثر.

و نقول في الجواب على هذا السؤال:

أولا:

ان الاسلام كما الغى الطبقات فيما شرعه من شئون الاجتماع، الغاها في الجهاد أيضا، فكان على اولياء الامور أن لا يفرقوا في قبولهم الجنود بين سائر طبقات المسلمين، ما دام المتطوع للجندية مدّعيا للاسلام و قادرا على حمل السلاح. و لما لم يكن أحد من هؤلاء «الاخلاط» الذين التحقوا بالحسن، الاّ مدّعيا للاسلام و قادرا على حمل السلاح، فلا مندوحة للامام -بالنظر الى صميم التشريع الاسلامي-عن قبوله.

135

و ثانيا:

ان النبي نفسه صلّى اللّه عليه و آله، و أمير المؤمنين أيضا، منيا في بعض وقائعهما بمثل هذا الجيش، و لا يؤثر عنهما انهما منعا قبول أمثال هؤلاء الجنود في صفوفهما، و لا طردا أحدا منهم بعد قبوله، مع العلم بأن كلا منهما، جنى بعد ذلك أضرار وجود هذه العناصر في كل من ميدانيهما.

فقالت السير عن واقعة حنين ما لفظه بحرفه: «رأى بعض المسلمين كثرة جيشهم فأعجبتهم كثرتهم، و قالوا سوف لا نغلب من قلة، و لكن جيش المسلمين كان خليطا، و بينهم الكثيرون ممن جاء للغنيمة.. » .

و جاء في حوادث اقفال المسلمين من غزوة بني المصطلق ما يشعر بمثل ذلك.

و قالوا عن حروب علي عليه السلام: «كان جند علي في صفين خليطا من امم و قبائل شتى، و هو جند مشاكس معاكس لا يرضخ لامر و لا يعمل بنصيحة.. » .

و قال معاوية-فيما يحكيه البيهقي في «المحاسن و المساوئ» : «و كان -يعني عليا عليه السلام-في أخبث جيش و أشدهم خلافا، و كنت في أطوع جند و أقلهم خلافا» .

اقول: و ما على الحسن الاّ أن يسير بسنة جده و بسيرة أبيه، و من الحيف أن يطالب بأكثر مما اتى به جده و أبوه، و كفى بهما اسوة حسنة و قدوة صالحة.

و كان التحرّج في الدين و الالتزام بحرفية الاسلام يقيدان الحسن في كل حركة و سكون، و لكنهما لا يقيدان خصومه فيما يفعلون أو يتركون، و لو لا ذلك لرأيت تاريخ هذه الحقبة من الزمن تكتب على غير ما تقرأه اليوم.

و ثالثا:

فان معالجة الوضع بما يرجع إليه رؤساء الجيوش في تنقية جيوشهم‏

136

بالقتل، أو بالاقصاء، أو بالادانة، كان في مثل ظروف الحسن تعجلا للنكبة قبل أوانها-كما ألمحنا إليه في غمار الفصل الرابع-و سببا مباشرا لاثارة الشقاق و اعلان الخلاف و رفع راية العصيان في نصف جيشه على أقل تقدير و معنى ذلك القصد الى اشعال نار الثورة في صميم الجيش. و معنى هذا ان ينقلب الجهاد المقدس الى حرب داخلية شعواء، هي أقصى ما كان يتمناه معاوية في موقفه من الحسن و أصحابه، و هي أقصى ما يحذره الحسن في موقفه من معاوية و أحابيله.

و شي‏ء آخر:

هو أن الحسن عليه السلام، لم يكن له من عهده القصير الذي احتوشته فيه النكبات بشتى ألوانها، مجال للعمل على استصلاح هذه الالوان من الناس، و جمعهم على رأي واحد. بل ان ذلك لم يكن-في وقته- من مقدور أحد الا اللّه عزّ و جل، ذلك لان الصلاح في الاخلاق ليس مما يمكن تزريقه في الزمن القليل، و انما هو تهذيب الدين و صقال الدهر الطويل، و لان التيارات المعاكسة التي طلعت على ذلك الجيل بأنواع المغريات، حالت دون امكان الاصلاح و جمع الاهواء، الاّ من طريق المطامع نفسها، و كان معنى ذلك معالجة الداء بالداء، و كان من دون هذه الاساليب في عرف الحسن حاجز من أمر اللّه.

137

عبيد اللّه بن عبّاس‏

138

اما ذلك القائد الملتهب بالحماسة للحرب، و الموتور من معاوية بابنيه المقتولين صبرا في اليمن، فقد كان منذ انفصل بجيشه من دير عبد الرّحمن، لا ينفك يتسقط أخبار الكوفة، و انه ليعهد في الكوفة دعاويها الشيعية السائرة على وتيرتها المحببة، و الذاهبة صعدا في نشاطها و التي كان ينتظر من تعبئتها النجدات التي يجب أن لا تنقطع عنه.

و نمى إليه، و قد انتهى الى «مسكن» و هي النقطة التي التقى عندها الجيشان المتحاربان، أن الدعاوات النشيطة البارعة في أسباع الكوفة لم تتمر شيئا جديدا، الا ان تكون بعض الفضائل من مقاتلة الاطراف أو من منطوعة المدائن نفسها، قد التحقت بمعسكرها هناك.

و بلغه أن المناورات العدوة التي كان يقودها بعض الزعماء الكوفيين هي التي أحبطت المساعي الكثيرة لرجالات الشيعة، و هي التي عرقلت النفير العام بنطاقه الواسع الذي كان ينتظر نتيجة لذلك النشاط المحسوس.

و لم يكن عجيبا، ان تغيظ هذه الانباء عبيد اللّه بن العباس فتملأ اهابه ثورة على الوضع و حنقا على الناس.

و كان عليه كقائد جيش ضعف أمله بالنجدات القريبة التي كان يعلق عليها أروع آماله، أن ينتفع من هذا الدرس الذي أملته عليه ظروف الكوفة، و أن يرجع الى قواته هذه فيوازن بها قوات عدوه التي تنازله وجها لوجه، و التي علم أنها لا تقلّ عن ستين الفا من أجناد الشام المعروفين‏غ

139

بالطاعة العمياء لامرائهم و قوادهم.

و لم يكن التفاوت بالعدد مما يستفزه كثيرا، و لكنه كان شديد العناية بالمزايا المعنوية التي يتحلى بها جنود الفريقين. و كان القائد الحريص على روحية جيشه التي هي كل ما يدّخره للقاء عدوه.

و لاح له في سبيل موازنته، اشتراك «الاخلاط» من العناصر المختلفة في جيشه. و انه ليستقبل حربا لن تجدي فيها غير الكثرة المخلصة من المحاربين الاشداء، فما شأن الجماعات التي لم تفهم الجهاد الا كوسيلة للغنائم.

و تشاءم عبيد اللّه بن عباس، منذ الساعة الاولى التي يمم بها معسكره في «مسكن» ، تشاءما كان له أثره في المراحل القريبة مما استقبله من خطوات.

و كان أنكى ما يخافه على مقدّرات جيشه، أن تتسرب الى صفوفه أخبار التعبئة الفاشلة في الكوفة، أو أن تحبو إليه أحابيل معاوية بما تحمله من أكاذيب و مواعيد، و ها هم أولاء و قد جمعهم صعيد واحد و مشارع واحدة و اظلتهم سماء مسكن جميعا، و ما ذا يؤمنه من أن يكون مع جنوده أو من جنوده انفسهم من هو بريد معاوية في الافساد عليه و على الامام.

و كانت أسلحة معاوية (الباردة) أروع أسلحته في هذا الميدان بل في سائر ميادينه.

و صدق ظن عبيد اللّه.

فاذا بباكورة دسائس معاوية تشق طريقها الى معسكر مسكن، و في هذا المعسكر من أصحاب الحسن مخلصون و منافقون، و آخرون يؤثرون العافية و يتمنون لو صدقت الشائعة الجديدة، و كانت الشائعة الكاذبة «أن الحسن يكاتب معاوية على الصلح، فلم تقتلون انفسكم‏ (1) » .

____________

(1) شرح النهج (ج 4: ص 15) .

140

و لم يجد ابن عباس أن يعلم هو و خاصته كذب الشائعة، و اصطدامها بالواقع الذي لا يقبل الشك، لان الحسن الذي لا يزال يشمّر للحرب في رسله الى الاطراف، و في رسائله الى معاوية، و في خطبه بالكوفة، لن يكتب في صلح و لن ينزل عن رأي ارتأه.

و لكنها كانت أحبولة الشيطان الرائعة الصنع.

و ارتفعت أصوات المخلصين من الانصار، تدعو الناس الى الهدوء، و تستمهلهم ريثما يصل بريد المدائن، و لكنها كانت صيحات في واد، و نفخات في رماد، و اجتاح الموقف ارتباك مؤسف لا يناسب ساحة قتال.

و تخاذل عبيد اللّه للخدعة الخبيثة التي أصابت المحزّ من موقفه الدقيق.

فخلا بنفسه، و انقبع تحت سماء خيمته البعيدة عن ضوضاء الناس.

و رأى ان قيادته هذه ستطوح بمكانته العسكرية الى أبعد الحدود، فثار لسمعته و حديث الناس عنه، و ندم على قبولها. و كان من دفعات الحدّة التي طبع عليها، أن لعن الظروف التي عاكسته في رحلته العسكرية هذه و الظروف التي خلقت منه قائدا على هذه الجبهة. ثم انطوى على نفسه تحت كابوس من القلق و حب الذات لا يدري ما ذا يصنع.

و رأى اخيرا[و كان المخرج الذي بلغته قصارى براعته‏]أن يتقدم باستقالته، نزولا على حكم ملكاته الانانية التي كان يستكين لها راغبا عامدا.

و ما يدرينا، فربما لم يكن له من القابليات الشخصية ما يمكنه من محاسبة نفسه و التفكير في اصلاح ما يمر به من اخطاء أو ما يفجؤه من نكبات.

و كان عليه-و قد صمم على الاستقالة-أن يترك مقر القيادة الى مصيرها الذي لا يعدو رأي الامام، أو يتخلى عنها لخليفته و هو (قيس بن سعد بن عبادة الانصارى) .

و لكنه فطن-و لما يغادر فسطاطه المترفع الذي كان يقع على جانب بعيد من مضارب جنوده، و الذي شهد وحده ثورة القائد المتخاذل، و سمع‏

141

وحده تمتمته الناقمة، و كفرانه الايادى البيض التي استوعب بها مدى جيلين من بني عمه المطهّرين-فطن، الى أن الاستقالة من عمل ما، لا تستكمل شرائطها في التشريع الاسلامي، الاّ بالاعتراف صريحا «بالعجز» . و لم يكن الفتى الاناني بالذي يفرّط بشخصيته فيعرضها لسخرية الناس. و رجع الى نفسه من جديد، ليلتمس المخرج الذي لا يضطره الى مثل هذا الاعتراف.

و كانت رسائل معاوية التي وصلته ليلته هذه و التي خفي عليه أنه تسلمها من يد البريد الذي نشر الشائعة السوداء في معسكره صباحا، هي الاخرى لا تزال تعنّ له بمغرياتها الجبارة، كلما أدار رأسه في تفكير أو تدبير. و أذهله حين ذكر رسائل معاوية، الفارق الهائل بين الحلم الجميل المموّه بالذهب، و بين الحقيقة المرة، فشلّ تفكيره و شعوره و لم يهتد الى الرأي الذي يناسبه كزعيم هاشمي ينازل أصلب عدو للهاشمية في ميدان موت أو حياة.

*** انه كان بامكانه أن يستقيل و أن يعترف بالعجز غير متلكئ و لا حيران ثم ينتزع معذرته لسمعته و كرامته، من الاخفاق المحقق الذي كان ينتظر القائد الثاني، الذي سيتسلم قيادته في ظرف لا يستقيم معه ميدان حرب.

و كان بامكانه أن يتجلد في موقفه، فيتوعد المشاغبين، و يأخذ بالحزم المصطنع الذي يكون ظاهره العنف و باطنه التوجيه، بلون من الوان هذه المناورات الادارية التي كان ينبغي له أن يجيدها كما يجيدها امثاله من رؤساء الناس، و يتريث قليلا، ثم ينتظر تعاليمه الاخيرة من ناحية الامام، و يكون-عند ذلك-المعذور في دينه و في سمعته معا.

أما ان يتنازل من شموخه كقائد في معسكر امام، فيساوم رسل معاوية على أجر الهزيمة، فلا و لا كرامة!!!؟

و كانت رسالة معاوية إليه، تضرب على وتره الحساس من ناحية حبه‏

142

للتعاظم و تطلعه الى السبق، فيقول له فيها: «ان الحسن سيضطر (1) الى الصلح، و خير» لك أن تكون متبوعا و لا تكون تابعا (2) .. » . و جعل له فيها الف الف درهم‏ (3) .

و كان معاوية أحرص بشر على استغلال مآزق أعدائه.

«و كان ايمان معاوية بالسفالة البشرية، ايمانا لا حدّ له. و هو ايمان يقوم على الاعتقاد بأنّ أقوم الناس خلقا، و أشدهم عزما، و أنقاهم فضيلة، قد تستغويه الاطماع و يذله الحرص، في ساعة من ساعات الضعف الذي يطرأ على النفوس، و فترة من فترات الشك الذي لا ينفك عن مطاردة الناس، و لا يسلم من غوائله أفاضل الناس و أعالي البشرية (4) » .

و كان فيما حذر به أمير المؤمنين عليه السلام زيادا، أن قال له: «و ان معاوية يأتي الانسان من بين يديه و من خلفه و عن يمينه و عن شماله. فاحذر ثم احذر (5) » .

و هكذا صرع الشعور بالخيبة، و الاستسلام للطمع، الفتى الاصيل.

فاذا هو من أبشع صور الخيانة المفضوحة و الضعف المخذول.

فلا الدين، و لا الوتر، و لا العنعنات القبلية، و لا الرحم الماسة من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و من قائده الاعلى، و لا الميثاق الذي واثق اللّه عليه في البيعة منذ كان أول من دعا الناس الى بيعة الحسن في مسجد الكوفة، و لا الخوف من حديث الناس و نقمة التاريخ-بالذي منعه عن الانحدار الى هذا المنحدر السحيق.

____________

(1) اقول: و هذا النص صريح بتكذيب الشائعة التي اجتاحت معسكر «مسكن» «بأن الحسن كاتب معاوية على الصلح» .

(2) ابن ابي الحديد (ج 4 ص 15) .

(3) اليعقوبي (ج 2 ص 191) و شرح النهج أيضا (ج 4 ص 15) .

(4) على أدهم-مجلة العالم العربي (السنة 11 العدد 2 ص 30) .

(5) ابن الاثير في الكامل (ج 5 ص 176) .

143

و دخل حمى معاوية ليلا، دخول المنهزم المخذول الذي يعلم في نفسه أي اثم عظيم أتاه.

ثم شاح عنه التاريخ بوجهه، فلم يذكره الاّ في قائمته السوداء. و كان ذلك جزاء الخائنين، الذين يحفرون أجداثهم بايديهم، ثم يموتون عامدين، قبل أن يموتوا مرغمين.

*** و خلقت هزيمة عبيد اللّه بن عباس في «مسكن» جوا من التشاؤم الذريع، لم يقتصر أثره على مسكن، و لكنه تجاوزها الى «المدائن» أيضا.

فكانت النكبة الفاقرة بكل معانيها.

و للمسؤوليات الهائلة التي تدرّج إليها الموقف بعد هذه النكبة، ما يحمله عبيد اللّه أمام اللّه و أمام التاريخ.

*** و تسلم قيادة المقدمة بعد فرار قائدها الاول، صاحبها الشرعي الذي سبق للامام تعيينه للقيادة بعد عبيد اللّه، و هو (قيس بن سعد بن عبادة الانصارى) العقيدة المصهورة، و الدهاء المعترف به في تاريخ العرب، و الشخصية الممتازة من بقايا أصحاب‏ (1) علي عليه السلام. شب مع الجهاد، و استمر على الدرب اللاحب. و أنكر على الآخرين ضعفهم حين ضعفوا، و نقم عليهم استجابتهم للمغريات و عزوفهم عن الواجب.

و ما ان دان له المعسكر في مسكن حتى وقف بين صفوفه المتباقية-بعد

____________

(1) قال المسعودي: «كان قيس بن سعد من الزهد و الديانة و الميل الى علي بالموضع العظيم. و بلغ من خوفه اللّه و طاعته اياه، انه كان يصلي فلما أهوى للسجود اذا في موضع سجوده ثعبان عظيم مطوق، فمال عن الثعبان برأسه و سجد الى جانبه، فتطوق الثعبان برقبته، فلم يقصر من صلاته و لا نقص منها شيئا حتى فرغ. ثم أخذ الثعبان فرمى به» .

قال: «و كذلك ذكر الحسن بن علي بن عبد اللّه بن المغيرة بن المعمر بن خلاد عن ابي الحسن علي بن موسى الرضا» . و توفى قيس سنة 85.

144

حوادث الفرار-ليودع سلفه بما هو أهله، ثم ليبدأ عمله في قيادته الجديدة، فيدارى ما أحدثته هذه الرجة العنيفة في معنويات جيشه.

فقال:

«أيها الناس لا يهولنكم و لا يعظمنّ عليكم، ما صنع هذا الرجل المولّه. ان هذا و أباه و أخاه، لم يأتوا بيوم خير قط. ان أباه عم رسول اللّه خرج يقاتله ببدر، فأسره أبو اليسر كعب بن عمرو الانصارى، فأتى به رسول اللّه فأخذ فداءه، فقسمه بين المسلمين. و ان اخاه ولاه علي على البصرة، فسرق ماله و مال المسلمين، فاشترى به الجواري، و زعم أن ذلك له حلال. و ان هذا ولاه علي على اليمن، فهرب من بسر بن أرطاة، و ترك ولده حتى قتلوا، و صنع الآن هذا الذي صنع‏ (1) » .

و كان قيس الخطيب المؤثر فيما يقصد إليه من تأثير، و لا سيما اذا اندفع بعاطفة مشبوبة، كعاطفته عند موقفه الاخير.

و كان من تأثيره على سامعيه، فيما ثلب به عبيد اللّه بن عباس أن «تنادى الناس: الحمد للّه الذي أخرجه من بيننا!! (2) » .

أقول: و هكذا كانت التجارب مفاتيح الرجال كما يقول المثل العربي.

____________

(1) مقاتل الطالبيين (ص 35) .

(2) مقاتل الطالبيين (ص 35) .

145

بداية النهاية

146

و جاء الى الحسن عليه السلام بريد مسكن-لاول مرة-و اذا بكتاب قيس بن سعد و هو يقول:

«انهم نازلوا معاوية بقرية يقال لها «الجنوبية» بازاء «مسكن» و ان معاوية أرسل الى عبيد اللّه بن العباس، يرغبه في المصير إليه، و ضمن له الف الف درهم. يعجل له منها النصف، و يعطيه النصف الآخر عند دخوله الكوفة. فانسل عبيد اللّه في الليل، الى معسكر معاوية في خاصته، و اصبح الناس قد فقدوا اميرهم، فصلى بهم قيس بن سعد و نظر في امورهم‏ (1) » .

و الكتاب في فقرته الاولى، يشعرنا بان عبيد اللّه بن عباس لم يراسل‏ (2) الحسن منذ نزل بجيشه عند مسكن.

و لا ادري هل في انقطاع اتصال احد القواد عن المركز الاعلى ما يدل على سبق اصرار على التمرد؟. على اننا لا نعلم على التحقيق الفواصل الزمانية التي تتسع للمراسلات بين نزوله مسكن و بين هروبه الى معاوية.

و تتابعت أخبار مسكن مع كتاب قيس و بعده (و اخبار السوء اسرع الاخبار بدارا و أكثرها انتشارا) ، فبلغ الحسن أن هذه «الخاصة» التي ورد ذكرها في كتاب قيس، و التي سمتها المصادر الاخرى «اهل الشرف و البيوتات» أو «الوجوه و أهل البيوت» ، كانت شريكة عبيد اللّه في تدبير خطة الخيانة و علم أيضا ان بعض هؤلاء سبق عبيد اللّه الى الهزيمة-و تطرفت

____________

(1) الارشاد (ص 170) .

(2) لان الفقرة الاولى هي الخبر الاول الذي وصل الحسن عن نزولهم مسكن. و الكتاب من قيس لا من عبيد اللّه.

147

بعض الانباء فأوغلت في النكاية بعبيد اللّه حتى قالت «انه مرّ بالراية (1) » .

و هيأت هذه الحركة العدوة جوا لتمرد خبيث، نشبت عدواه في قوافل اخرى من الجيش، فنشطوا للفرار و هم يحسبون ان في اتباع اهل الشرف و البيوتات مغنما يخسرونه اذا تخلفوا عنهم.

و عمل معاوية اكثر ما يمكن ان يعمل لاثارة هذا التمرد، ثم لتغذيته بعد اثارته ثم لتوسعته بعد تغذيته، و كان العارف بنفسيات ابناء البيوت الرعاديد، الذين غلبهم الترف و انستهم النعمة الوارفة عنعناتهم العربية العنود، فكان لا ينفك يتوقع انزلاقهم إليه، و يتوسل إليهم بمختلف الوسائل و انواع الكيد، حتى لقد نجح في استذلال شموخهم عن طريق المطامع المادية التي تطامن لسحرها كبيرهم المغرور، فنزل يهرول امامهم، الى الهوة التي لا يختارها شريف يعتز بشرفه، و لا قائد يغار على سمعته.

و هكذا «جعل اصحاب الحسن الذين وجههم مع عبيد اللّه يتسللون الى معاوية، الوجوه و أهل البيوتات‏ (2) » و اتباعهم طبعا.

ثم صعد عدد الفارين من الزحف، عن طريق الخيانة للّه و لرسوله و لابن رسوله، الى ثمانية آلاف!![كما يحدثنا احمد بن يعقوب في تاريخه‏].

قال:

«انه-يعني معاوية-أرسل الى عبيد اللّه بن عباس، و جعل له الف الف درهم، فصار إليه في ثمانية آلاف من اصحابه، و أقام قيس بن سعد على محاربته‏ (3) » .

نعم، ثمانية آلاف من اثنى عشر الفا!..

انها الثغرة المخيفة في جدار المعسكر الواقف في جبهة القتال أمام

____________

(1) البحار (ج 10: ص 114) .

(2) شرح النهج (ج 4 ص 8) .

(3) اليعقوبي (ج 2 ص 191) ، و روضة الشهداء (ص 115) .

148

ستين الفا من الاعداء الاشداء، لا، بل انه الانهيار المخيف، و النكبة التي تهدد بالكارثة القريبة.

فليتحمل عبيد اللّه مسئوليتها الثقيلة في اللّه، و في التاريخ!!.

*** و ظن هؤلاء المتسرعون الى الفتنة، و الراكضون بكل اعصابهم الى الهزيمة، انهم اذا عملوا مثل العمل الذي أتاه ابن عم الخليفة و اولى الناس برعاية حقه و الوفاء ببيعته فانهم غير ملومين، و اصطلحوا على مثل هذا المنطق المفلوج لتبرير عملهم أمام الناس، و لكن الناس لم ينظروا الى هزيمتهم الا من ناحية اطارها المموّه بالذهب الوهّاج، ذهب معاوية «الزائف» ، ثم لم يشهدوا من أمجاد «ابناء البيوتات» الاّ سبقهم لنقض المواثيق التي واثقوا اللّه عليها، و بيعهم الدنيا بالدين.

و ما كان بالقوم-و هم يفرون من ميادين الحسن-أنهم ينكرون فضله و مزاياه، أو يجهلون سموه و كفاءاته، و لكنهم كانوا يريدونه لدنياهم ثم لا يجدونه حيث يريدون.

و ما كان بهم-و هم يفرون الى معاوية-أنهم وثقوا به و بمواعيده، و انهم لم يقدروا العاقبة التي قابلهم بها يوم دخل الكوفة فنقض كل عهد و وعد. و ما معاوية بالرجل الذي يخفى أمره، و لا هم من الطبقة الذين يجهلون أمثاله و هو اذ ذاك بين سمعهم و بصرهم.

اذا، فلا بغض الحسن و لا جهلهم له، و لا حب معاوية و لا ثقتهم به -كان هو السبب كله لنفورهم و فرارهم، و لكنها كانت حوافز أخرى او حوافز من الوان شتى، دفعت بهؤلاء المولهين الى هذا الشكل من الجهر بالسوء الذي لا يزال صداه البغيض يرنّ في مسمع التاريخ.

و ما يدرينا فلعلها كانت مراحل مقرّرة و مؤامرات مدبّرة سبق إليها الزعماء المعارضون، ليتقوا بها المصير الذي كان ينتظرهم، فيما لو أديل‏

149

للكوفة من الشام. و كان من شأن التدابير الواسعة التي اخذ بها الامام في دعوة الاقطار الاسلامية الى الجهاد، و من بوادر النشاط الذي تطوع له الشيعة في عضد هذه الدعوة، ما هو خليق بأن يبعث في نفوس القلقين من الخونة و الرؤساء المتبوعين، الخوف على أنفسهم و مصالحهم، و ان يزدادوا حذرا مما كانوا قد تورطوا فيه من مناورات و معارضات تجاه معسكرهم في الكوفة. فرأوا في الالتحاق بمعاوية خروجا من هذا الخوف، و تحريبا سريع الاثر في قوة الجانب الذي يخافونه، و كان من تنفيذ الخطة في أضيق وقت و على اوسع نطاق، ما يؤيد كونها نتيجة لمؤامرة كثيرة الانصار.

و لعل فهم مأساة الهزيمة على هذا الوجه اقرب الى الواقع، مما فهمها عليه سائر رواتها من أعدائها و من اصدقائها.

و ليس معنى هذا التفسير، أن معاوية لم يعد أحدا او لم يرش قائدا.

كلا... فانه سخا بالمواعيد حتى أذهلهم، و اعطى القائد وحده مليونا من الدراهم حتى اشترى دينه و كرامته.

و لكن الشي‏ء الذي يسترعي النظر و يستدعي التنبيه، ان حوادث الهزيمة لم تنسب الى اسم صريح آخر غير عبيد اللّه بن عباس‏[قائد المقدمة في مسكن‏]أنه قبض من معاوية في سبيل الخيانة نقدا معينا.

ترى، فكيف رضي الزعماء الآخرون من معاوية بالوعد دون النقد، لو لا ان يكون الخوف الذي ذكرناه، هو الذي بعث فيهم روح الهزيمة و زين لهم الاكتفاء بالوعود!!.

و للخوف سلطانه على النفوس، و لا سيما نفوس المترفين من الناس، فلا بدع اذا قدح في نفوس «أبناء البيوتات» فكرة الخيانة و أوقدتها-بعد ذلك-مغريات الشام، في بيئة ليس فيها اغراء بغير اللّه و العدل الصارم.

و هكذا انكشفت كل جماعة من عناصر هذا الجيش عن مكنونها الذي مزق الستار، و ظهر على المسرح باللون الذي لا تشتبه فيه الابصار، فكان‏

150

لحب العافية من قوم و للعصبيات الجاهلية من آخرين و للاهواء و المنازع و أصحابها الاثر المستبين فيما آل إليه الموقف من نتائج و اضرار.

و فضحت المطامع أولئك الذين لم يلتحقوا بهذا الجيش الاّ طمعا بالغنائم، و سرهم أن يتلقفوا الغنائم من طريق الخيانة في سهولة و يسر، و كانوا يظنون انهم لن ينالوها الا بعد أن تزيغ قلوبهم هلعا، من قراع الاسنة و الضرب الدراك.

و نزلوا عن هذا الطريق الى الدرك الاسفل من حظوظهم التي تخيروها لانفسهم مغرورين. «فمن نكث فانما ينكث على نفسه و من اوفى بما عاهد عليه اللّه فسيؤتيه أجرا عظيما» .

و ما كان المسلم الذي يترك امامه ليلتجئ الى البغاة الاّ شرا من باغ، و اولئك هم المستضعفون في دينهم، و القلقون في دنياهم، و ان صفوف معاوية لاولى بالمستضعفين القلقين.

*** و مازت النكبة الذين جثموا في مواقعهم، و ثبتوا على مبدأ المقاومة لا يلتمسون محيدا عنه، و صمدوا و لكنهم انما صمدوا للموت المحقق‏ (1) ، ينتظرونه فرحين مطمئنين، دفاعا عن ابن بنت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، و وفاء للّه ببيعتهم.

و كان الصمود للنكبات، و الصبر على الكوارث، و الاستعداد لتحمل الآلام و بذل التضحيات، أنبل دليل على طيب المعدن، و صدق النية، و صلابة العود، و الجدارة بالحياة. و هذه هي نعوت شيعة الحسن الاوفياء.

*** ثم كان لانباء هذه النكبات المروعة في مسكن، وقعها السيئ الذي يناسب خطورتها، في أوساط الجيش الآخر الذي كان يعسكر في (المدائن) .

____________

(1) قال ابن كثير (ج 8 ص 19) : «قال أبو العريف: كنا في مقدمة الحسن بن علي بمسكن، مستميتين من الجد على قتال أهل الشام.. » .

151

و بلغت المبالغات في تهويل هذه الاخبار بين حلقات هذا الجيش رقمها القياسي. و في هذا الجيش كثرة ساحقة من رعاع أهل السواد و من اخلاط الناس و مختلف الاحزاب. و فيه-الى هؤلاء و اولئك-البهاليل من الهاشميين الميامين، و الكتل المخلصة من ربيعة و همدان.

و كادت الرجة العاتية أن تجتاح المعسكر، لو لا هذه الاطواد الراسية في مختلف أكنافه، الاطواد التي كانت تتكسر على صخرتها شتى المحاولات التي كان يتسرع إليها المتوثبون الى الفتنة.

اما الحسن نفسه، فقد قابل هذه المزعجات بالامل الذي يعمر القلوب القوية و النفوس الخالدة، و كان يرى ان الاخفاق في ظرف خاص أو مكان خاص، لا يعني الحرمان من الازدهار و الاثمار اخيرا في ظرف لا يجب ان يكون هو-بشخصه-صاحبه، و لكن «بمبدئه» ، و ثمة نقطة التركز في أهداف الحسن-مخفقا او منتصرا-و ثمة مركز التجلي «الرباني» الذي تنشق عنه الانسانية في شخصية هذا الامام الروحي، بأفضل ما قدر لها من مراتب الانسياح في ذات اللّه، و الفناء في سبيل اللّه.

ثم انه لم يزل على نشاطه الموفور، في تدوير دولاب حركته و جهاده و جيوشه، رغم ما كان يحسه من وميض الفتنة الذي أخذ يستعر تحت رماد الاحداث المتعاقبة بين يديه. و لم يسمع منه كلمة واحدة تتجاوز به الى جحمة غضب، أو تدل بحدتها على ما كان يشيع في نفسه من بلاغة الخطب، و روعة التشاؤم، و النقمة على الوضع، اللهم الاّ كلماته التوجيهية التي كان يقصد بها تدريب جماهيره على النظام، و تعليمهم الالتزام بقواعد «الجهاد» في الاسلام.

و دار بوجهه الى كوفته، كأنه يتذكر شيئا، أو يستعرض اشياء عقت الكوفة بها أياديه عندها و أيادي أبيه من قبل. و كان ابوه هو باعث مجدها، و مؤسس كيانها المستطيل الشامخ، الذي باتت تتمتع به كأعظم حاضرة في العالم الاسلامي، تلتقي عندها حضاراته، و تثوب إليها شعوبه من مختلف‏

152

الاجناس، و تلتحم بمصالحها الثقافية و التجارية مع اعظم الاقطار المعروفة في ذلك الزمان. و الكوفة هي كل شي‏ء في سياسة الحسن عليه السلام، أو هي اعظم ذخيرة كان يدخرها للايام السود، و الوقائع الحمر، و البلايا الملونة التي شاءت الليالي أن تجمعها عليه في وقته الحاضر-فذكر، و هو يستعرض في نفسه سوابقه مع الكوفة أو سوابق الكوفة معه، انثيال الناس -هناك-على بيعته و الاخذ بيده، و اجماعهم على قبول شرطه يوم رضي أن يمد يده لبيعتهم «على أن تكون بالسمع و الطاعة، و أن يحاربوا من حارب و يسالموا من سالم» .

ثم نظر الى حوادث «مسكن» و زلزلة الاكثر من جيوشه «الكوفيين» هناك، و نفورهم من القتال و ركونهم الى الفرار، و انخداعهم بالمطامع، و جهرهم بالعصيان، و نقضهم المواثيق التي عاهدوا اللّه عليها.

فساءه، ان تبلغ السفالة البشرية، و ميوعة الدين، و صفاقة الاخلاق، في عصبة تدعى الاسلام، و تتقلد القرآن، و تؤمن-على ظاهرها-بالنبي فتصلي عليه و على إله، في صلواتها الخمس كل يوم خمس مرات-مبلغها من هؤلاء الذين خانوا النبي في آله، و خانوا اللّه في مواثيقه، و باءوا بمخزاة التاريخ على غير كلفة و لا اكتراث.

و ظنوا ان معاوية مانعهم من الموت و الفقر، و لا و اللّه ما من الموت مفر، و لا رشوات معاوية بأجدى لهم من الرزق الحلال الذي قدّر لهم في هذه الحياة، و سيصعد معاوية منبره في الكوفة، معلنا على رءوسهم حنثه بأيمانه و عهوده و مواعيده، و جاعلا «كل ذلك تحت قدميه‏ (1) » ، و ما هي الا شنشنته التي كان يمليها عليه طموحه الى الغلبة بكل سبب منذ طمع بالطفرة الى التاج.

____________

(1) يراجع عن هذا التصريح اكثر المصادر التاريخية، و ذكره ابن قتيبة في «تاريخ الخلفاء الراشدين و دولة بني أميّة» (ص 151-مطبعة مصطفى محمد-بمصر) .