صلح الحسن(ع)

- الشيخ راضي آل ياسين المزيد...
400 /
153

و ليت شعري الى أين كان يفرّ هؤلاء من الفقر الذي اتقوه بالفرار من امامهم الشرعي، يوم يستيقنون اصرار معاوية على الخلف بوعوده و عهوده -و انهم لمستيقنون-و الى أين كانوا يفرون من الموت و قد خافوه بالجهاد مع ابن بنت نبيهم (ص) ، و انه لمدركهم «و لو كانوا في بروج مشيدة» ، و سيدركهم و هم فقراء من دينهم و دنياهم معا، فلا بمواثيق اللّه عملوا و لا على رشوات معاوية حصلوا، و سيموتون ميتتهم الجاهلية التي سبقت لآبائهم فاستبقوا بها الى النار، و بئس الورد المورود.

«يا ويح من ولى الكتا # ب قفاه و الدنيا أمامه‏

فليقر عن سنّ الندا # مة يوم لا تغني الندامه‏

و ليدركنّ على الغرا # مة سوء عاقبة الغرامة

يا لعنة صارت على # أعناقهم طوق الحمامة (1) »

*** و كان الوزر الاكبر الذي تأزره الكوفيون في مسكن، وزر النفر الذين قادوا الحركة الخائنة في خطواتها الاولى، منذ ركبوا المآثم السود بتكتلاتهم و مكاتباتهم..

و تمثل للحسن و هو بالمدائن، أفراد من «الوجوه و ابناء البيوتات» في جيش مسكن كان يعرفهم بلحن القول حينا و لحن العمل احيانا، و ما كانوا بالذين ينقطعون عنه و عن جماعته في الكوفة، و لكنهم المنقطعون عن مودته و عن الاخلاص لاهدافه فيما يبطنون، و لم يكن شي‏ء مما يبطنونه بالذي يغيب عنه، و لا شي‏ء يزاولونه-في مناوراتهم معه-فيجهله من نواياهم. و كانوا اذ يتصلون به، انما يصطنعون الدين وسيلة الى الدنيا، و يخيل إليهم انهم قد حذقوا اتخاذ الوسيلة، حتى اذا علموا خطأهم بدءوا يزرعون في بطاح غدهم نوابت الزرع الخبيث، و عادوا و هم-في عهده- على سابق عهدهم، يوم كانوا يجترون تملقهم الاصفر و خذلانهم الاسود

____________

(1) بديع الزمان الهمداني.

154

الذي نسجوا عليه لعابهم المرير في عهد ابيه امير المؤمنين عليه السلام في الكوفة يوم سئم أبوه الحياة من سوء صحبتهم، و تمنى الموت صريحا لفراقهم.

و علم الحسن بن علي غير متردد في علم، ان هذه العصابة نفسها كانت هي أصابع معاوية التي عاثت بمقدرات جيشه في مسكن، و هي التي شجعت القوافل على الفرار الى معاوية، اغترارا برشواته الاخاذة المنوعة التي جاوز بها معاوية المألوف من رشوات الناس و عرض فيها من العرض ما لا يعهد الرشوة بمثله، حتى لقد كتب الى بعضهم: «و بنت من بناتي‏ (1) » !.

*** و كانت الخصيصة البارزة في معاوية، انه الرجل الذي لا تفوته الفرص السانحة من مآزق خصومه، و كان هو-قبل كل شي‏ء-الصناع المفن في بعث هذه المآزق و استغلال فرصها، و كانت هذه هي موهبته التي خلب بها الباب المعجبين به، و برع فيها البراعة بأقصى حدودها، حتى ليخيل الى مؤرخته حين ينظرون إليه من هذه الزاوية أنه الداهية، و انه السياسي المحنّك، و انه العسكرى المفنّ.

و لكن دراسة معاوية-على ضوء ما تقلب فيه الرجل من أطوار و ما زاوله من محاولات-كمحارب لرسول اللّه (ص) في بدر (2) ، فطليق من طلقاء يوم الفتح بمكة، فصعلوك‏ (3) لا مال له يركض حافيا-بغير نعل- تحت ركاب علقمة بن وائل الحضرمي‏ (4) في المدينة، فوال على الشام و لكن من عمر و عثمان مدى عشرين سنة، فمحارب للامامين علي و ابنه

____________

(1) علل الشرائع لابن بابويه (ص 84-طبع ايران) .

(2) ابن النديم (ص 249) قال: «سئل هشام بن الحكم عن معاوية أشهد بدرا؟فقال: نعم من ذاك الجانب!» .

(3) الدميري (ج 1: ص 59) قال: «و كانت امرأة استشارت النبي (ص) في ان تتزوج منه-يعني معاوية-فقال: انه صعلوك لا مال له» .

(4) البيهقي في المحاسن و المساوئ (ج 1: ص 209 و 210) و غيره.

155

الحسن (ع) اربع سنوات، فمدّع للخلافة عن رسول اللّه (ص) يناقضه صريحا في أحكامه و يخالفه عامدا في سيرته، و يقول: «و اللّه ما بقي شي‏ء يصيبه الناس من الدنيا الاّ و قد اصبته‏ (1) » -أقول: ان دراسته على ضوء محاولاته الكثيرة، و وصولياته المنوّعة مما ذكر أو لم يذكر، لا تفضي بنا الى الاعتراف بكل الاوصاف التي يسبغها عليه المعجبون به.

و لا تدل على أكثر من براعته في استغلال الفرص جاهلية و اسلاما.

و ما كان من الدهاء، و لا من السياسة بمعناها الصحيح، ان يتصل الانسان في طريقه الى مآربه بوسائل لا يملك لها وجاهة الاقناع-و لو ظاهرا-في عرف المجتمع، و لا أن يتسور الى اهدافه بالشذوذ المكشوف الذي لا يهضمه تقليد، و لا يقرّه دين، ثم هو لا ينفك يحاول أن يدّعي أنه رئيس حماة الدين، و كبير رعاة التقاليد.

و ما من دهاء في منطقة مناقضات.

و لا من دهاء في اغتيال الامنين من الناس، و لا في اعلان السب و الشتم و فرضه على الناس في كل مكان، و لا في نقض العهود و الحنث بالايمان.

ان شيئا من ذلك لا يدخل في حساب الدهاء، و لا هو من سياسة الملك، و لكنها الاساليب البدائية في دنيا العداوات، و لعل في أدنياء المتناجزين من سواد الناس من يستطيع أن يأتي بالافظع الاروع من هذه الاساليب نكالا في خصومه. أ فيكون حينئذ أعظم دهاء من معاوية؟.

و متى كان الشذوذ في الكيد دهاء يا ترى؟.

و اذا كان معاوية فيما اتاه من هذه الافاعيل النكر داهية، فلقد زاده ابنه يزيد دهاء، لانه توسل الى مآربه بوسائل انكى من وسائل ابيه.

ودع عنك من شواهد الضعف في معاوية، استرضاءه البيزنطيين بالمال، و خطابه الطائش الذي نقض عليه سياسته-في الكوفة-عند دخوله إليها،

____________

(1) المصدر السابق.

156

و موقفه الفطير من شهداء (مرج عذراء) ، و اشياء اخرى ليس هنا مجال بحثها.

و لكننا-و لننصف القائلين بدهائه-نتذكر لمعاوية موقفا يشبه أن يكون فيه «الداهية» الذي يحيك الخطط ليمهد الى غده، ثم هو يصدر الى الناس من وراء خطنه بعذر يقبله المعنيون به.

ذلك هو الموقف المبرقع الذي وقفه معاوية من نجدة عثمان، يوم خلع و قتل..

و ربح معاوية من مقتل عثمان انصارا من «العثمانية» قبلوا عذره اذ يخذل‏ (1) عثمان و هو حي، ثم تطوعوا له لينصر بهم عثمان و هو ميت، و هو انما ينتصر بهم لنفسه، و لكنهم لا يشعرون. فعزز بهذه الحفنة من

____________

(1) نجد التصريح بهذه الحقيقة التاريخية في كثير مما دار حولها من أحاديث معاصريها و خطبهم و أشعارهم. و كان فيما واجه به شبث بن ربعي معاوية أن قال له: «انه و اللّه لا يخفى علينا ما تعزو و ما تطلب، انك لم تجد شيئا تستغوي به الناس و تستميل به أهواءهم، و تستخلص به طاعتهم الا قولك: قتل امامكم مظلوما فنحن نطلب بدمه، فاستجاب له سفهاء طغام، و قد علمنا ان قد ابطأت عنه بالنصر، و أحببت له القتل لهذه المنزلة التي أصبحت تطلب، و رب متمنى أمر و طالبه، اللّه عز و جل يحول دونه بقدرته.

و ربما اوتي المتمني أمنيته و فوق أمنيته. و و اللّه مالك في واحدة منهما خير، لئن اخطأت ما ترجو، لانت شر العرب حالا في ذلك، و لئن أصبت ما تمنى، لا تصيبه حتى تستحق من ربك صلي النار، فاتق اللّه يا معاوية، ودع ما أنت عليه و لا تنازع الامر اهله.. » . الطبرى (ج 5 ص 243) .

و أخرج ابن عساكر عن ابي الطفيل عامر بن واثلة، أنه دخل على معاوية فقال له: «ما منعك عن نصر عثمان اذ لم ينصره المهاجرون و الانصار؟» . فقال معاوية: «أما لقد كان حقه واجبا عليهم أن ينصروه» .

قال: «فما منعك يا امير المؤمنين من نصره و معك أهل الشام؟» فقال معاوية «أما طلبي بدمه نصرة له؟» فضحك أبو الطفيل بن واثلة ثم قال: «أنت و عثمان كما قال الشاعر» :

«لا الفينك بعد الموت تندبني # و في حياتي ما زودتني زادي!»

و روى المسعودى ما رواه ابن عساكر ثم ذكر في جواب ابي الطفيل لمعاوية قوله: «منعنى ما منعك اذ تربص به ريب المنون، و أنت بالشام!» -

157

«الاغبياء» جبهته الضعيفة في ميادينه مع علي عليه السلام.

و من هنا عرض معاوية عسكريته على التاريخ.

و لا نعرف عن عسكرية معاوية-بما يلتقي عند هذه الكلمة من المعنيين-شيئا مذكورا.

فلا هو بالعسكري على المعنى المصطلح عليه، الذي يعنى «بوضع الخطط و قيادة الميدان» ، و لا هو بالعسكرى في شجاعته و فروسيته، حين يدعى لمفارعة شجاع أو منازلة فارس.

و دعاه‏ (1) امير المؤمنين (عليه السلام) ليبارزه، فاما و اما، فأبى اباء الرعاديد!!!.

***

____________

ق-و قال البلاذري: «ان معاوية لما استصرخه عثمان، تثاقل عنه، و هو في ذلك يعده، حتى اذا اشتد به الحصار، بعث إليه يزيد بن أسد القشيري و قال له: اذا أتيت ذا خشب فاقم بها، و لا تقل الشاهد يرى ما لا يرى الغائب، فانا الشاهد و أنت الغائب!!.. قالوا: فاقام بذي خشب حتى قتل عثمان، فاستقدمه» .

(1) قال البيهقي في المحاسن و المساوئ (ج 1 ص 37) : «و لما كان حرب صفين، كتب امير المؤمنين الى معاوية بن أبي سفيان: ما لك يقتل الناس بيننا، ابرز لي فان قتلتني استرحت مني، و ان قتلتك استرحت منك. فقال له عمرو بن العاص: أنصفك الرجل، فابرز إليه. قال:

كلا يا عمرو، أردت أن ابرز إليه فيقتلني. و تثب على الخلافة بعدي!!..

قد علمت قريش أن ابن ابي طالب سيدها و أسدها» .

و قال (ص 38) : «عن الشعبي، أن عمرو بن العاص دخل على معاوية و عنده ناس، فلما رآه مقبلا استضحك فقال: يا أمير المؤمنين أضحك اللّه سنك و أقر عينك، ما كل ما أرى يوجب الضحك. فقال معاوية: خطر ببالي يوم صفين يوم بارزت أهل العراق، فحمل عليك علي بن ابي طالب فلما غشيك طرحت نفسك عن دابتك و ابديت عورتك!كيف حضرك ذهنك في تلك الحال؟. أما و اللّه لقد واقفت هاشميا منافيا، و لو شاء ان يقتلك لقتلك. فقال عمرو: يا معاوية ان كان أضحكك شأني فمن نفسك فاضحك. أما و اللّه لو بدا له من صفحتك مثل الذي بدا له من صفحتي لا وجع قذالك و أيتم عيالك، و أنهب مالك، و عزل سلطانك، غير أنك تحرزت منه بالرجال في أيديها العوالي، أما انى قد رأيتك يوم دعاك الى-

158

نعم هو صاحب موهبة-كما قلنا-و لكن في حيز محدود، و صاحب سخاء و لكن من نوع فريد، و صاحب هواية خاصة لها سلطانها القاهر على نفسه.

فأما موهبته ففي اغتنام الفرص من مآزق الناس، و اما هوايته ففي الغلبة و السلطان، و اما سخاؤه فبما لا يسخو به من يحسب لآخرته حسابها.

و المرجح أن معاوية كان يعرف من نفسه قصورها عن العسكري الذي كان يجب أن يكونه و هو يناضل أشجع عسكرية في الاسلام، فكان يود دائما ان يلتوي بحروبه مع العراق، الى الطريقة الخاضعة لموهبته، و يفر -ما وسعه الفرار-من حرب السلاح الى حرب الفتن.

و كانت التجارب التي صارعها معاوية في حروب صفين، هي الاخرى التي املت عليه القناعة القصوى بهذا الاختيار.

و لم يفلت معاوية من الانهيار المحقق الذي حاق به يوم ذاك، و الذي نشط به الى محاولة الفرار بنفسه على ظهر جواد، الاّ حين أخذ بالرأى البكر الذي أملاه عليه مستشاره الكبير «ابن العاص» !ثم كانت الفتنة بنطاقها الواسع الذي خلق للمسلمين انواع المشاكل و النكبات فيما بعد.

فالفتنة في نظر معاوية خير مركب للنجاح، و هي بتجارب معاوية امضى أثرا من السلاح، فكيف لا يجنح إليها كلما حاق به مأزق من هذه المآزق التي كان يجرها على نفسه في مختلف المناسبات؟.

و وفق معاوية في ميدان «الفتنة» الى تعبئة جهاز من النوع الثقيل،

____________

ق-البراز فأحولت عيناك، و أزبد شدقاك، و تنشر منخراك، و عرق جبينك، و بدا من اسفلك ما أكره ذكره!!فقال معاوية: حسبك حيث بلغت، لم نرد كل هذا.. » .

و روى هذا الحديث المسعودى (هامش ابن الاثير ج 6: ص 91) و بدأه بقول عمرو بن العاص لمعاوية: «لو لا مصر و ولايتها لركبت النجاة منها، فانى أعلم ان علي بن ابي طالب على الحق و انا على ضده، فقال معاوية:

مصر و اللّه أعمتك، و لو لا مصر لالفيتك بصيرا، ثم ضحك معاوية ضحكا ذهب به كل مذهب. قال: هم تضحك يا امير المؤمنين أضحك اللّه سنك؟ قال: أضحك من حضور ذهنك يوم بارزت عليا» .

159

لا نعهد مثله لغيره، بما يسر له من الثراء الضخم الذي مهدته له بلاد الشام في عقدين كاملين من السنين، و بما حظى به من صحب مساعير في هذا الميدان، أمثال المغيرة بن شعبة و عمرو بن العاص. و كان ابن العاص هذا، أعظم مصارع على هذا المسرح، و هو الذي «ما حك قرحة الاّ نكأها» .

و استلحق-الى هذين-زياد بن عبيد الرومي الذي انتزعه من معسكر الحسن عليه السلام انتزاعته‏ (1) المفضوحة في التاريخ، فكانوا ثالوثه المخيف الذي فتن الناس و زلزل الدنيا و بلبل الاسلام. و اخيرا فان الفتنة بمعناها الاعم، هي موهبة معاوية التي لا يغلبه عليها ألمعي قط.

____________

(1) كان زياد هذا، عامل الحسن بن علي (ع) على ناحية من فارس و هو عليها منذ عهد ابيه بعثه إليها عبد اللّه بن عباس منذ كان على البصرة.

فكتب إليه معاوية يتوعده و يتهدده، فقام زياد في محل عمله بفارس خطيبا فشتم معاوية و وصفه «بابن آكلة الاكباد و كهف النفاق و بقية الاحزاب» ، و هدده بابني رسول اللّه (ص) -و هو اذ ذاك من شيعتهما- و بأجنادهما من المسلمين. و تجد نص الخطبة في فصل «عدد الجيش» من هذا الكتاب.

و اما قضية استلحاقه، فهي على الاجمال، حكاية زنية يزنيها ابو سفيان ببغي من ذوات الاعلام بالطائف كانت تؤدي الضريبة الى الحرث بن كلدة الثقفي، تدعى «سمية» فيكون نتيجتها «زياد» هذا، و يقبل معاوية شهادة كل من ابن أسماء الحرمازي و أبي مريم الخمار السلولي-قواد هذه البغي و غيرها من امثالها-فيستلحق زيادا كاخ شرعي رغم ان عبد اللّه بن عامر (صهر معاوية على ابنته هند) كان يهم أن يأتي بقسامة من قريش يحلفون أن ابا سفيان لم ير سمية!!ثم تكشف جويرية بنت ابي سفيان لزياد عن شعرها و تقول له: «أنت أخي أخبرني بذلك ابو مريم!!» ثم يقول زياد عن أبيه الاول الذي ولد على فراشه فبدله بأبي سفيان، و كان عبدا روميا للحرث بن كلدة الثقفي، يدعى «عبيدا» : «و ما كان عبيد الا والدا مشكورا و نزل!!.. » و كان ذلك سنة 41 للهجرة على الاصح.

و عدّ الناس حادثة الاستلحاق أعظم تهتك وقع في الاسلام علنا.

قال ابن الاثير: «و كان استلحاقه أول ما ردت به احكام الشريعة علانية، فان رسول اللّه (ص) قضى بالولد للفراش و للعاهر الحجر، و قضى معاوية بعكس ذلك، طبقا لما كان العمل عليه قبل الاسلام، يقول اللّه تعالى:

أ فحكم الجاهلية يبغون و من أحسن من اللّه حكما لقوم يوقنون» انتهى-

160

و على هذه القاعدة، طوّر معاوية حربه مع الحسن الى الحرب بالفتن.

و كان اذ يعسكر بجيوشه على حدود العراق، لا يريد القتال، و انما يخاف المبادءة من خصومه. و يود لو حاربهم في ميدان غير ميدان الجيوش.

و لم يبح بسرّه هذا، الا على أسلوب من المصانعة و التمويه، يتظاهر من ورائهما بالجنوح الى المصلحة و الخوف على امور الناس. فيقول حين ينظر الى جيوش الفريقين في موقفه من الحسن بن علي عليهما السلام:

«ان قتل هؤلاء، هؤلاء، و هؤلاء، هؤلاء، من لي بامور الناس‏ (1) » .

و يقول: «الامر الكبير يدفعه الامر الصغير (2) » .

و ما يدرينا، فلعله اذ يتلكأ بهذا و نحوه، انما يتلكأ لانه يحذر نتائج حرب السلاح، فيما لو صدق العراق بالقراع. و ليكن-على هذا الاحتمال- قد جهل موقف الكوفة في نفيرها مع الحسن و خيّل إليه من نتائج الدعاوة الشيعية ما لم يكن.

____________

ق-بلفظه.

و علم زياد ان العرب لا تقر له بالنسب الجديد لعلمهم بحقيقة حاله، و بالدواعي التي اقتضت استلحاقه، فعمل «كتاب المثالب» و الصق فيه بالعرب كل نقيصة، فدل بذلك أيضا على شعوبيته الهوجاء.

و قصي للكوفة ان يحكمها زياد هذا-بعد هلاك حاكمها الاموي الاول المغيرة بن شعبة الثقفي-فجعل منها جحيما يستعر و زلزالا لا يستقر.

قال الطبرى (ج 6 ص 123) : «ان زيادا لما قدم الكوفة قال: قد جئتكم في أمر ما طلبته الا لكم. قالوا: ادعنا الى ما شئت. قال: تلحقون نسبي بمعاوية. قالوا: اما بشهادة الزور فلا» . و هو اول من جمع له الكوفة و البصرة معا، و اول من سير بين يديه بالحراب، و مشي بين يديه بالعمد، و اتخذ الحرس. و كان يستخلف على البصرة عند غيابه «سمرة بن جندب» و على الكوفة «عمرو بن حريث» و لما رجع الى البصرة بعد ستة اشهر وجد سمرة قد قتل ثمانية آلاف من الناس!!.. «كلهم قد جمع القرآن» .

و مات زياد سنة 53 هـ. و جاء المهدي العباسي سنة 159 هـ فالغى هذا الاستلحاق، و أمر باخراج آل زياد من ديوان قريش و العرب، و عاد زياد الى ابيه العبد الرومي مرة اخرى!!.

(1) ابن كثير (ج 8 ص 17) .

(2) المسعودى: هامش ابن الاثير (ج 6 ص 67) .

161

و قد يكون معنى تردده، انه كان يرى اتقاء الفضيحة التي لا يسترها عذر امام العالم الاسلامي، في محاربة سيدى شباب أهل الجنة، ابني بنت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، وجها لوجه.

و قد يكون انما أغراه باتخاذ هذه الوسيلة دون وسيلة السلاح، كتب الخونة من رؤساء الكوفة و زعماء قبائلها «يعرضون بها له السمع و الطاعة، و يتبرعون له بالمواعيد، و يتخذون عنده الايادى، و يستحثونه على المسير نحوهم، و يضمنون له تسليم الحسن عند دنوهم من عسكره، أو الفتك به‏ (1) » .

*** و كان من أبرع اساليب «الفتنة» ان يجمع معاوية كل ما ورد عليه من كتب هؤلاء، ثم يدعو كلا من المغيرة بن شعبة و عبد اللّه بن عامر بن كريز و عبد الرّحمن بن الحكم، فيوفدهم جميعا بهذه الكتب كلها الى الحسن‏ (2) نفسه ليطلع عليها، و ليعرف نوايا أصحابها من متطوعة صفوفه، ثم ليكون من اللفتة البارعة مدخل للمفاوضة في الصلح أو التفاهم على نصف من الامر، فيما لو وجد هذا الوفد من جانب الحسن عليه السلام استعدادا لتفاهم او صلح.

و تفقّد الحسن خطوط الكوفيين و تواقيعهم بشي‏ء من العناية و الامعان كما لو كان يعرف-قبل ذلك-خطوطهم و تواقيعهم و تأكد صحة نسبة الكتب لاصحاب التواقيع، و لكنها لم تكن لتزيده معرفة بأصحابها، و لم ير فيها جديدا لا يعهده من هذه الطبقة المعروفة بميولها و أهوائها و شذوذها الخلقي، الذي جرّ عليه الشي‏ء الكثير من المآسي و النكبات في شتى مراحله منذ فاه بدعوة الجهاد.

ثم رجع بخطابه الى الوفد الشامي، دقيق العبارة لا يبت بأمر و لا ينكشف عن سرّ، و لم يترك النصيحة للمغيرة و رفاقه، بالدعوة الى اللّه عزّ و جل، عن طريق نصرته و ترك البغي عليه، و ذكّرهم بما هم مسئولون

____________

(1) سبق ذكر المصادر في الفصل الثالث.

(2) يراجع اليعقوبي (ج 2 ص 191) .

162

عنه أمام اللّه و رسوله في حقه.

و لا نعلم-بعد ذلك-و لا فيما ترويه المصادر، أنه ذكر الصلح بنفي أو اثبات.

و لكنا علمنا أن المغيرة و رفاقه الذين دخلوا معسكر المدائن حين اذن لهم بدخوله لعرض هذه الكتب على الامام، لم يغادروا المعسكر حتى زرعوا في ميدانه أكبر فتنة في الناس. فخرج الوفد العدوّ يستعرض في طريقه مضارب الجيش، و هو اذ ذاك هدف الانظار في حركته، و هدف الاسماع في حديثه، فقال بعض أفراده لبعض-و هم يرفعون من أصواتهم ليسمعهم الناس-: «ان اللّه قد حقن بابن رسول اللّه الدماء و سكن الفتنة، و أجاب الى الصلح‏ (1) » .

و ما كان حديثهم هذا الاّ الفتنة نفسها، ليعبروا بها و بمثيلاتها من هذا الطراز، الى انتزاع الصلح انتزاعا.

و اذا هي الطعنة النجلاء، في ظروف موليّة كظروف المدائن بما كان قد لحقها من التبلبل الذريع، في أعقاب الحوادث المؤسفة في معسكر «مسكن» .

و كانت أكثرية المدائن لا تزال ملحة على مباشرة الحرب، فهي لا ترى للصلح مكانا، و كان يخيل إليها أن في بقايا المجاهدين في مسكن كفاية لمنازلة معاوية، و أن في احتياطي المدائن ما يضمن لمسكن القوة على الصمود فيما لو ضعفت كفايتها. و ربما كانوا أو كان فيهم، من لا يتخيل شيئا من ذلك، و لكنهم انما يلحّون على الحرب لانهم «يؤثرون قتال معاوية بكل حيلة (2) » . و تلك هي نعرة الخوارج في جيش الحسن عليه السلام.

و كيف يقول المغيرة و رفاقه «ان الحسن أجاب الى الصلح» ، انها الكلمة الكافرة التي لا يجوز الصبر عليها-برأيهم-.

و كان شغب فئة كبيرة كالخوارج، مدعاة لزلزلة فئات أكثر عددا و لا سيما من أغرار الناس المتأرجحين بين الطاعة و العصيان، و المتأهبين للفتن

____________

(1) يراجع اليعقوبي (ج 2 ص 191) .

(2) البحار (ج 1 ص 110) و الارشاد.

163

و الاضطرابات مع كل ناعق بها و في كل آن.

و جاءت الخطة المدبرة التي أجاد حياكتها الثالوث الشامي، فتنة عنيفة الاثر على مقدرات المدائن، ناشزة على خطط التدبير.

و من السهل أن نفطن الآن-جازمين-الى ان اجوبة الحسن لهذا الوفد، لم تكن لتشتمل على ذكر الصلح او الاستعداد له، لانه لو كان قد اجاب إليه كما اشاعه الوفد عند خروجه منه، لانتهى كل شي‏ء و لا غلق الموقف بين العراق و الشام. فلم هذه الفتن اذا؟. و هل هي الاّ من قبيل استعمال السلاح مع الصلح؟و هل معنى الصلح الا نزع السلاح؟.

و على هذا، فلا تصريح بقبول الصلح من جانب الحسن قطعا.

و انما هي الفتنة، و هي سلاح الشام الانكى.

و تلوّن معاوية في هذا السلاح تلوّنا مخيفا جدا، فعمد الى سلة أكاذيب، يختار مضامينها اختيارا دقيقا، و ينخل أساليبها نخلا فنيا، ثم يبعث بها الى معسكرات الحسن، هنا و هناك.

«فكان يدس الى عسكر الحسن-في المدائن-من يتحدث: ان قيس بن سعد-و هو قائد مسكن بعد فرار ابن عباس-قد صالح معاوية و صار معه‏ (1) » .

«و يوجه الى عسكر قيس-في مسكن-من يتحدث ان الحسن قد صالح معاوية و أجابه‏

____________

1 2

» .

ثم ينشر في اشاعة اخرى على معسكر المدائن «الا ان قيس بن سعد قد قتل فانفروا (3) » .

و ما ظنك بأثر هذه الشائعات في جيش مثل جيش المدائن، و قد سبق له أنه علم خيانة قائد سابق لم يكن أهلا للخيانة، فلم لا يصدق خيانة الثاني، أو الخبر بقتله؟.

و في مسكن مثل ما في المدائن من مآس و دفائن و قوافل تنزع الى

____________

(1) (1) و (2) اليعقوبي (ج 2 ص 191) .

(3) ابن الاثير (ج 3 ص 161) و الطبرى (ج 6 ص 92) و ابن كثير (ج 8 ص 14) و الدميري في حياة الحيوان (ص 57) .

164

الفرار، و عملاء لا يفتأون يبعثون الفتن و يبثون افظع الاخبار.

و هكذا بلغ معاوية «بفتنه» ما أراد، و بات الجيشان كلاهما طعمة الاضطرابات و الحوادث المؤسفة التي لا تناسب ساحة قتال.

*** و ما مني الاسلام منذ ضرب بجرانه على جزيرة العرب، بأفظع من هذه النكبة التي يترنح بها موقف الخلافة الاسلامية، بين تثاقل الجنود، و تخاذل الزعماء، و خيانة القائد، و فتن العدو!.

انها الظروف القاهرة التي بدأت تنذر باكداس من الخطوب و النكبات و التي ستجر حتما الى نهاية تاريخ قصير، كان أفضع و أروع صفحات التاريخ الاسلامي، و ابعدها ارتفاعا في المجد، و أقربها اسبابا الى الفخر.

انها الكارثة التي تؤذن باللحظة المشؤومة في تاريخ الاسلام، اللحظة القائمة على عملية الفصل بين العهدين، عهد الخلافة بمميزاتها و مثالياتها، و عهد «الملك العضوض‏ (1) » و بلائه المقدّر المفروض.

و كان الحسن عليه السلام، أعرف الناس بقيم هذه المعنويات المهددة و أحرص المسلمين على حفظ الاسلام، و الرجل الحديدي الذي لا تزيده النكبات المحيطة به، الا لمعانا في الاخلاص، و اتقادا في الرأي، و استبسالا في تلبية الواجب، و تفاديا للمبدإ.

و لم يكن لتساوره الحيرة، على كثرة ما كان في موقفه من البواعث عليها، و لا وجد في صدره حرجا (2) و لا تلوّما و لا ندما، و لكنه وقف ليختار الرأي، و ليرسم الخطة، و ليتخذ التدابير.

و كان لا بد لاصطفاء الرأي، من دراسة سائر الآراء.

و ذلك ما نريد أن نسميه: «موقف الحيرة» .

____________

(1) قال الدميري (ج 1 ص 58) و بعد ان ذكر خلافة الحسن عليه السلام و أحصى أيامها: «و هي تكملة ما ذكره رسول اللّه (ص) من مدة الخلافة، ثم تكون ملكا عضوضا ثم تكون جبروتا و فسادا في الارض، و كان كما قال رسول اللّه (ص) .. » .

(2) قال ابن كثير (ج 8 ص 19) : «و هو-يعني الحسن عليه السلام-في ذلك، الامام البار الراشد الممدوح، و ليس يجد في صدره حرجا و لا تلوما و لا ندما بل هو راض بذلك، مستبشر به» .

165

موقف الحيرة

166

و انصرف الى التفكير، فما كان ليغيب عنه ما يهدد موقفه من عب‏ء، بعضه فجيعة. و بعضه هوان، و بعضه موت لا يشبه موت العظماء.

و لم تكن الحيرة عنده بالغة الغور، و لكنها كانت بالغة الاسى مشبوبة الاحاسيس، تخزه و خز الشوك الملتهب، و تستفزّه بالحاح الى اختراع المخرج الذي لا يساوره الهوان، و لا يخضع للفجيعة، و لا هو من الموت المغتصب، الذي تربأ عن مطارحته الذكريات الكريمة.

و كل ما كانت تحتفل به اللحظة القائمة بين يديه، هو اللجاجة اللاغبة، و الشائعات الكاذبة، و الاندفاع في تيار الفوضى الرهيب.

و الحسن بين هذه الهزاهز، الجبل الذي لا تزعزعه العواصف، و الامام البر الذي لا يغيظه جهل الجاهلين عليه، و لا يحفظه سخط الناقمين منه، و وقف غير عابئ بما يدور حوله، و لكن ليستقرئ الخطط فيضع خطته، و ليستعرض الآراء فيبت برأيه.

و ليس بمقدورنا الآن ان نقرأ-بتفصيل-الافكار التي كانت تحت سيطرته ساعة اذ، أو كان هو تحت سيطرتها، و لكنها-بالاجمال- لم تكن لتعدو «ما يريده اللّه و ما يؤثر عن رسول اللّه و ما يجب لصيانة المبدأ» .

أما ما يقوله الناس، فلم يكن مما يعنيه كثيرا.

و لنتذكر دائما، انه الامام الروحي، الذي لا يريد الحياة بين الناس الاّ بمقدار ما تكون الحياة بذلة في سبيل اللّه، و وسيلة للنفع العام و مثلا يحتذى في الاصلاح و نشر الاحسان. فما قيمة ما يقول الناس الى‏

167

جنب هذه المعنويات الممعنة في اتجاهها الى اللّه. و الامام بصفته الروحية التي يقود بها الغير الى الخير، لا يهجس ابدا بغير هذا النوع من التفكير، و لا ينصرف بخلجاته و مشاعره و عواطفه الى غير اللّه، و سيرة النبي (ص) ، و المبدأ الصحيح.

لذلك لم تكن الحيرة عنده-كما قلنا-بالغة الغور، لان طريق اللّه لاحب، و أسوة رسول اللّه واضحة، و لكنها كانت حيرة مريرة المذاق.

و كم من المزعج ان يساق الانسان من ظروفه، و من حيث لا يد له، الى وضع لا يسيغه طبع، تصطلح عليه الازمات، ثم لا يفتأ يقوم من نفسه على عقد لا تنقطع الاّ لتتصل. ذلك هو الوضع «الشاذ» الذي لا يعهد الاّ مع الحيرة، و لا يطرد في نوازعه الا مع القلق، و لا تكون النفس معه الاّ بين الاقدام و الاحجام و اليأس و الرجاء. و للنفس-مع هذا الوضع- حاجتها القصوى الى التأمل و التفكير، و الى الكلاءة و التثبيت. و للضمير -مع هذا الوضع-موقفه الدقيق الذي تتفاوت فيه معادن الناس.

و ايّ نفس كانت هي تلك النفس، و أيّ ضمير كان هو ذلك الضمير!!؟؟. انها النفس المطمئنة التي ترجع عند كل هول يعصف بها الى ربها راضية مرضية، لا تستكفي بغيره، و لا تسترشد بسواه. و انه الضمير الطاهر النقي، الذي لم يضعف على ثقل الواجب و انما كان-على كل حال-أصلب من الكارثة. و لم نسمع عن الحسن ان احدا ممن حوله شعر عليه في لحظات مرزأته، أنه المرزأ في دخيلته او الممتحن في موقفه، اذ لا حزن و لا انكسار، و انما كل ظاهراته ثبات و عزم و استقرار، و حتى في مناجاته لربه فانه كان مثال الصبر و اللجأ الى اللّه و الاستكفاء به من دون الناس.

و كان من دعائه عليه السلام: «اللهم يا ذا القوة و السلطان يا عليّ المكان، كيف أخاف و أنت املي، و كيف أخشى و عليك توكلي. أفرغ علىّ من صبرك، و أظهرني على أعدائي بأمرك، و أيدني بنصرك. إليك اللجا، و بك الملتجا، فاجعل لي من أمري فرجا و مخرجا. يا كافي أهل‏

168

الحرم من أصحاب الفيل، و المرسل عليهم طيرا أبابيل، ترميهم بحجارة من سجيل، ارم من عاداني بالتنكيل!» .

*** و التمعت على جوانب فكره اليائسة، و في زوايا تاملاته العابسة، اشعاعة من الامل، كانت جواب دعائه الى اللّه عزّ و جل، ففاحت ذكية العرف، و لاحت مضواءة الملامح، كأنها نذر البشارة.

و كانت مفاجأة غريبة أغلقت في وجهه هموم حاضره كلها، فاذا هو بين طوفان من الذكريات التي لا تمتّ الى ظرفه و لا تتصل بأرزاء لحظته.

ذكريات تشيع فيها اللذة و تجد فيها النفس الوانا من الامتاع و المؤانسة.

و للنفس اذا أفرط بها الالم و أرهقها الفكر و الصمت العميق، انتفاضتها المباركة التي تفرّ بها من الضيق الى السعة، و من اليأس الى الرجاء، و من الحيرة الى الدلالة المليئة بالامال.

انه ليفكر لحاضره من هذه المزعجات، و لمستقبله من هذا العدو المستهتر بالمقدسات، و انه ليظن «بأنه لو وضع يده في يده فسالمه لم يتركه أن يدين لدين جده رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم‏ (1) » .

اما هذه المفاجأة الجديدة، فقد رجعت به الى ثلث قرن مضى و حواليه فاذا هو بين منازل النبوة تتجاذبه، و مهابط الوحي تتلاقفه، و حلقات المهاجرين و الانصار تحتفل به.

رؤى تملك الحس و أحلام لذيذة تؤاسي الجراح.

هذا جده الاعظم، و هذا سلطان نبوته في قومه، و هذه نجوم الآي الكريمة تتنزل بين الفينة و الفينة. كأنها بريد السماء الى الارض و لا تتنزل الاّ في بيته، و هذا أبوه، وزير النبي و المجاهد الاكبر الذي أخضع صناديد العرب لكلمات اللّه، كأنه يرجع الآن و قد فتح حصن خيبر، و هذه أمه الطاهرة البتول، التي باهل بها الرسول فكانت بحق سيدة نساء العالمين.

____________

(1) من كلمات الحسن نفسه كما يرويها البحار (ج 10 ص 107) .

169

و اذا لم يكن شي‏ء مما يراه الآن، واقعا خارجيا، فليكن بحقيقته واقعا نفسيا، جلاه لناظره تيار روحي لا ينقطع بروحه عن هذا الجد و هذين الابوين، كما كان لا ينقطع عنهم بجسمه-في الواقع الخارجي- يوم الف اللّه وفده لمباهلة نصارى نجران، فكان الوفد هو الحسن وجده و أباه و أمه و أخاه، و يوم دعا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله بالكساء فلفّه على الصفوة المختارة (أصحاب الكساء الخمسة) فكانوا (الحسنين و أبويهما و جدهما الأعظم) ، و يوم نزلت آية التطهير ففسّرها النبي (ص) بالخمسة الميامين عليهم السلام.

خصائص من العظمة لا يشاركهم فيها أحد في الاسلام.

و تراءت له من وراء أفقه الحزين، صور ممتعة من طفولته المباركة و صباه الباكر الكريم، فتطلع منها الى أيامه البيض الحافلة بالنور في المدينة المنوّرة، يوم كان يدرج فيها بموقعه الممتاز، و مقامه المدلّل المرموق بين أقرانه و اترابه، و يوم كان يلعب و يمرح فيها، و لكن بين سواعد أبويه العظيمين و على صدر جده الاعظم أو على ظهره المقدس او على أعواد منبره الشريف، و يوم كان يتلقّف الوحي منذ لحظاته الاولى، و يتعلم كلمات اللّه من لسان نبيّ اللّه (ص) ، و يتخرج بعلمه على مصدر العلم، و يضع النقاط على الحروف ليستقبل سيادته على الناس، و امامته المفروضة في أعناق المسلمين. و انه ليستمع الى جده حين كان يراود الناس في كل مناسبة على الاعتراف له-بلسان أشبه بمباهات-كلما ذكر ابنه الحسن للسيادة و الامامة. و طالما ذكره لهما في حديثه أو ذكرهما له.

كانت عهودا مفعمة بروح العظمة و بعظمة الروح، جديرة بأن تهيب بالحسن فيتذكر منها اطيب الذكريات، و أحفلها بالغبطة و القوة و المكرمات.

و كانت الذكرى الاخاذة التي تمكنت بسلطانها من نفسه حتى انتزعت منه ابتسامته الملذوذة غير مظنون الابتسام في ظرفه. انه رأى جده رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله كأنه ينتزعه الآن من عاتق أمه فيأخذه بيده،

170

و يوقفه على قدميه المباركتين، ثم لا يزال يباغمه بأنشودته المقدسة:

«حزقه حزقه، ترقّ عين بقّه» فيرقى بقدميه الصغيرتين متدرجا حتى يضعهما على صدر جده العظيم، و يفتح فاه، اذ يقول له: «افتح فاك» ، فيقبله بفيه، ثم يقول: «اللهم انى احبه فأحبّه و أحبّ من أحبّه‏ (1) » .

ثم كانت هذه الذكرى مفتاح ذكريات كان من حقها ان تؤنسه و أن تنسيه مزعجات لحظته الاخيرة، و ان أسطع فترة في حياة كل انسان هي فترة طفولته البريئة بما يعمرها من الروابط المقدسة-بينه و بين الاحضان التي يلجأ إليها، و بينه و بين المجتمع الذي يعيش فيه-. و ان ذكريات تلك الفترة من حياة أيّ انسان تبقى خالدة في رأسه و في قلبه و في روحه و لا يمكن نسيانها ابدا.

فذكر مرة جده رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله. و قد وضعه على منكبه الايمن، و وضع أخاه الحسين على منكبه الايسر، فاستقبله أبو بكر فقال لهما: «نعم المركب ركبتما يا غلامين» . فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «و نعم الراكبان هما، ان هذين الغلامين ريحانتاي من الدنيا! (2) » .

و ذكر يوم جثا جده و أركبه على ظهره، و أركب معه أخاه الحسين، و قال لهما: «نعم الجمل جملكما، و نعم العدلان أنتما (3) » .

و ذكر مرة اخرى يوم جاء وجده ساجد فركب رقبته و هو في صلاته‏ (4) . و يوم جاء وجده راكع، فأفرج له بين رجليه حتى خرج من الجانب الآخر (5) . و يوم قيل لجده: «يا رسول اللّه انك تصنع بهذا

____________

(1) الزمخشري و ابن البيع و الطبراني و ينابيع المودة و الاصابة (ج 2 ص 12) و غيرها.

(2) كتاب سليم بن قيس، و البيهقي في المحاسن و المساوئ (ص 49) و روى الاخير قول الحميري في نظمه الحديث:

اتى حسنا و الحسين الرسول # و قد برزا ضحوة يلعبان‏

فضمهما و تفداهما # و كانا لديه بذاك المكان‏

و مرا و تحتهما عاتقاه # فنعم المطية و الراكبان‏

(3) الابانة لابن بطة.

(4) الحلية لابي نعيم.

(5) الاصابة (ج 2 ص 11) .

171

-يعني الحسن-شيئا لم تصنعه بأحد» ، فقال: «ان هذا ريحانتي، و ان ابني هذا سيد سيصلح اللّه به بين فئتين من المسلمين‏ (1) » .

و ذكر ركوبه على رقبة جده (ص) و هو يخطب في مسجده، حتى لقد كان يرى بريق خلخاليه من أقصى المسجد، و هما يلمعان على صدر جده العظيم، ثم لا يزال كذلك حتى يفرغ النبي من خطبته‏ (2) .

و ذكر نزول جده رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله من على منبره فزعا و كان هو قد عثر عند باب المسجد، فحمله و أخذه معه الى منبره، ثم قال:

«أيها الناس ما الولد الاّ فتنة (3) » .

و ذكر جده و هو يقول له غير مرة: «أشبهت خلقي و خلقي‏ (4) » .

و ذكر يوم استيقظ من نومه، فاذا جده و أمه يتحدثان، فأقبل على جده قائلا: «يا جداه اسقني» ، فأخذه جده و قام الى لقحة (5) كانت له، فاحتلبها ثم جاء بالعلبة (6) و على اللبن رغوة، ليناوله الحسن، فاستيقظ الحسين فقال: «يا أبت اسقني» ، فقال له: «يا بنيّ أخوك أكبر منك، و قد استسقاني قبلك‏ (7) » .

و ذكر يوم كان طفلا بين يدي أمه فاطمة عليهما السلام، و دخل عليها أبوها رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، و رآه يلعب، فقال لها:

«ان اللّه تعالى سيصلح على يدي ابنك هذا، بين فئتين عظيمتين من المسلمين‏ (8) » .

و ذكر من ملامح سلطانه في صباه، يوم جاء الى أبي بكر و هو على منبر جده رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، فقال له: «انزل عن مجلس أبي! (9) » .

____________

(1) الحلية.

(2) البحار (ج 6 ص 58) .

(3) المناقب و الترمذي و السمعاني و فضائل أحمد.

(4) الغزالي و المكي في الاحياء، و قوت القلوب.

(5) الناقة الكثيرة اللبن.

(6) العلبة بضم اوله: اناء من جلد أو خشب.

(7) كتاب سليم بن قيس (ص 98) .

(8) العقد الفريد (ج 1 ص 194) و البيهقي (ج 1 ص 40) ، و البخاري و الخطيب و السمعاني و الحركوشي و الجنابذى و ابو نعيم في الحلية و ينابيع المودة و مروج الذهب و غيرها.

(9) الصواعق المحرقة (ص 105) و اخرجه الدّارقطني.

172

و ذكر جده و قد أخذه معه الى منبره، فهو يقبل على الناس مرّة، و عليه مرة، و يقول: «ان ابني هذا سيد و لعل اللّه ان يصلح به بين فئتين من المسلمين‏ (1) » .

و كانت مناظر وجدان مؤثرة في الحسّ، و ذكريات تاريخ ملذوذة في النفس بدلت من وحشة اللحظة، و خففت من عرامة الخطب، و كانت كل ذكرى تثير ذكريات، و كل منظر يمرّ يوقظ مناظر أخريات.

و انه ليطمئن الى قول جده صلّى اللّه عليه و آله، كما يطمئن الى محكم التنزيل. و ها هو ذا جده العظيم يقول له، و كأن صوته الشريف يرنّ بعذوبته المحببة في اذنه، و يقول لامه الطاهرة البتول، و يقول على منبره، و يقول بين أصحابه، و يقول ما لا يحصى كثرة: «انّ ابني هذا سيد و سيصلح اللّه به بين فئتين من المسلمين» .

و يرجع الحسن الى نفسه فيقول:

ترى، هل أراد رسول اللّه (ص) ان اصالح اليوم أهل الشام؟.

و هل أهل الشام البغاة، فئة مسلمة يصح أن يعنيها هذا الحديث؟.

و هل هذه هي الفتنة التي أرادني رسول اللّه (ص) لاصلاحها؟.

أو قد فقدنا الكفاية لقمعها من طريق القوة؟.

كل ذلك كان يراود الحسن، فيثير في نفسه تفاعلا عنيفا، ينذر بانقلاب تاريخ، و كل هذه الاسئلة كانت تنتظر الجواب من الحسن استعدادا للمصير الاخير.

و بعثت هذه الذكريات بما فيها التوجيه النبويّ الذي استشعر منه الحسن حماية جده له في أحرج ساعاته، فكرة الانقاذ للموقف، فيما لو اتيح لهذه الاسئلة أجوبتها المطابقة لمقتضى الحال.

-نعم ان رسول اللّه (ص) قال ذلك يقينا دون شك.

____________

(1) البخاري و مسلم و الاصابة (ج 2 ص 12) .

173

و ان هذه الفتنة هي الفتنة التي عناها فيما لوّح إليه في أحاديثه الشريفة، و لا فتنة أعظم من فتنة تشق المسلمين انشقاقهم هذا، فتلهيهم عما يراد بهم من أعدائهم الواقفين لهم بالمرصاد (1) ، و عما يراد منهم من اعمار و تنظيم و جهاد.

و اما الحكم على البغاة بحصانة الاسلام، فهو ما يشير إليه موقف أمير المؤمنين عليه السلام منهم، حين منع سبي نسائهم و ذراريهم، و كفى بسيرة أمير المؤمنين أسوة صالحة و قدوة في الدين راجحة.

*** و اما السؤال عن الكفاية لقمع هذه الفتنة بالقوة، و هو الحلم اللذيذ الذي هتف به الشيعة المتحمسون بالكوفة ابان النهضة للجهاد.

فالجواب عليه، يتوقف على دراسة الموقف من ناحيتيه المعنوية و العددية معا، و ذلك باستعراض الامكانيات الحاضرة على حقيقتها.

و المعنويات في الجيوش هي رمز القوة التي تدخر لربح الوقائع، و هي أهم بكثير من تصاعد الاعداد التي لا تعزّزها الروح العسكرية الرفيعة.

و كان للحسن في مسكن بقية من جيش، لا تجد المعنويات سبيلها إليه الاّ بالمعجزة، بعد النكبة التي أصيب بها هذا المعسكر بخيانة قائده و فرار ثمانية آلاف من أفراده.

و في المدائن، مجموعة من أشباح، كشفت الارجافات العدوة المربكة عن نواياها، فاذا بها لا تفتأ تتلقّف الفتن، و تهمّ بالعظائم و لا ترجى لميدان حرب، و هذه هي الناحية المعنوية على واقعها.

و اما النسبة العددية فقد كان أكبر عدد بلغه جيش الحسن عليه السلام فيما زحف به الى لقاء معاوية عشرين الفا أو يزيدها قليلا، و كان جيش معاوية الذي عسكر به على حدود العراق ستين الفا!.

فللحسن-يومئذ-ثلث أعداد جيش معاوية.

____________

(1) اشارة الى محاولات البيزنطيين عند ثغور الشام سنة 40 هـ.

174

و جاءت عملية الفرار التي اجتاحت معسكر مسكن و التي انهزم بها ابن العم «و رب ابن عم ليس بابن عم» -كما يقول المثل العربي-بثمانية آلاف!. فتصاعدت النسبة صعودا مريعا.

و بقى الحسن في معسكريه جميعا على الخمس من عسكر معاوية!.

و اذا اعتبرنا-هنا-القاعدة العسكرية الحديثة التي تنسب القوة المعنوية الى الكثرة العددية، بنسبة ثلاثة الى واحد رجعنا الى نتيجة مؤسفة جدا، هي نسبة واحد الى خمسة عشر.

و اذا نظرنا الى جيش الحسن الذي بقى ينازل معاوية في مسكن وحده-على ضوء هذه القاعدة-رأيناه ينازل عدوا يعدّه خمسة و اربعين ضعفا بالضبط.

فأين هي الكفاية لقمع فتنة الشام بالقوة، يا ترى؟..

و لن تجيز النظم المتبعة لحروب الانسان في التاريخ، مبارزة واحد لخمسة و أربعين، و لا محاربة واحد لخمسة عشر. و ما هي-ان اتفقت يوما-بحرب نظامية، تنتظرها النتائج، و انما هي الحملات المستميتة التي تقصد الى الانتحار عن ارادة و عمد.

فليكن الحسن ابن رسول اللّه، هو ذلك المخلوق الذي ادخره اللّه للاصلاح لا للحرب، و للسلام لا للخصام، و ليكن الغرس الذي أنبته اللّه للمسلمين لا لنفسه، و للدين لا للسلطان و ليكن نصيبه من هذا الموقف في الباقي دون الزائل، و في الخالد دون الفاني، و في اللّه دون الناس.

*** و هكذا حالت رسالة الحسن بالسلام، دون أن يشتبك الفريقان بحرب ما، و كان ذلك هو الثابت-تاريخيا-رغم ان بعض المؤرخين حاول التلميح الى موقعة حربية، بين جيش قيس، قائد الحسن على مقدمته-و بين جند الشام في «مسكن» . و صرح السيد في «الدرجات

175

الرفيعة» بشي‏ء من اطوار هذه الموقعة المزعومة.

و لا نعرف لهذا النبأ مصدرا جديرا بالاعتبار، أقدم من السيد الرفيع الدرجات (السيد علي خان المتوفى سنة 1120 هـ) .

و لا نجد من دراسة الوضع الراهن يومئذ في مسكن ما يدعم هذا الزعم.

و لا نرى من خطة «حقن الدماء» التي كانت طابع سياسة الحسن عليه السلام، في سائر مراحله، ما يبعثنا على التسليم لهذا الخبر.

و لا نفهم من حديث رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله «بان اللّه سيصلح بالحسن بين فئتين عظيمتين من المسلمين» الاّ كون الحسن رسول السلام في الاسلام.

فأنى يكون لجيشه أن يحارب أو يهاجم؟.

و علمنا من وصية الحسن يوم حضرته الوفاة، أنه لم يرض أن يهرق في أمره محجمة دم، فكان في ذلك وفق رسالته التي أرادها أو اريد لها.

على أن شهود عيان كثيرين يؤكدون: «أنه ولي الخلافة و لم يهرق في خلافته محجمة دم» و قال ذلك بعضهم، و هو يعزز كلامه بالقسم‏ (1) مرتين.

____________

(1) تراجع الاصابة (ج 2 ص 12) ، و ابن كثير في تاريخه (ج 8 ص 8 و 14) و غيرهما.

176

-

177

بين المبدأ و الملك‏

178

لعل أفضل طريقة للاستعانة على تجلية موضوعنا في هذا الفصل، ان نبدأه بشي‏ء من الكشف الصريح عن المعنيين المختلف عليهما «للخلافة» في عرف المسلمين. و للكلام على الخلافة[أو حواليها]، خطره و مسئوليته لدى واحد من الجانبين غالبا، و لديهما معا أحيانا.

و نحن اذ نفهرس الخلافة هنا كما هي عند الفريقين، لا نريد أن نأخذ من موضوعها الاّ بمقدار ما يتصل منه بموضوعنا.

و نريد مع ذلك أن نعمد-استطرادا-و على ضوء ما نضعه من صيغة البحث، الى تقريب النظريتين المختلفتين، تقريبا جديرا بأن يخلق من بذرتنا هذه شجرة الاصلاح، لو وجد الاصلاح في هذه التربة سبيلا للازدهار، و لا خطر و لا مسئولية لدى أحد الجانبين و لا لديهما معا مما نريد، بل هو الخير كله، و ما في الاصلاح الاّ الخير للكل.

فنقول: الخلافة هي النيابة العامة عن النبي صلّى اللّه عليه و آله، في رئاسة المسلمين بعد وفاته، و لها على الناس الطاعة، و للناس عليها العمل بكتاب اللّه و سنة رسوله (ص) .

*** و اعتاد فريق من المسلمين أن يتقبلوا لهذه النيابة عن النبي (ص) أحدهم فيما لو استطاع أن يدّعيها لنفسه، اما بالقوّة، كخلافة معاوية الذي «نال الخلافة بحدّ السيف تارة و بالمكيدة و السياسة تارة اخرى‏ (1) » ، و كخلافة ابن الزبير، و أبي العباس السفاح، و عبد الرّحمن الناصر، و آخرين، و امّا بالعهد إليه من سلفه الذي كان أخذها بالقوة أو بسبب

____________

(1) تاريخ الاسلام السياسي (ج 1 ص 396) .

179

آخر، لخلافة عمر و يزيد و الرشيد و غيرهم، و امّا باختيار فئة من المسلمين ايّاه بادئ ذي بدء، كخلافة أبي بكر، و عثمان، و محمد رشاد.

و رجع الفريق الثاني من المسلمين في تعيين النائب عن الرسول (ص) الى نصوص صاحب الرسالة نفسه، فلم ينيبوا عنه الاّ من أنابه هو فيما اثر عنه.

و على ذلك جرى الفريقان، و على ذلك كانا فريقين‏ (1) .

و كما اختلفا في أسباب نصب الخليفة، اختلفا في قابليته للتغيير و العزل، فعلى النظرية الاولى، كان حريا بالعزل متى وفّق غيره للتغلب عليه، أو متى وجد اقتضاء آخر، و على نظرية النص ليس لاحد تغييره و لا عزله، و لن يكون الخليفة المنصوص عليه معرّضا لنقص يخلّ بمقامه كنائب نبي، و من هنا يرمز إليه بالعصمة من اللّه تعالى شأنه، كما هي شأن النبي نفسه صلّى اللّه عليه و آله و سلم.

فالخلافة من النوع الاول سلطة عامة مقيدة بدستور خاص، و هي بواقعها أشبه بهذه السلطات القائمة اليوم، لا تختلف عنها الاّ من ناحية الاختلاف في الدستور، أو كما تختلف بعض هذه السلطات عن بعض.

و قداستها، فرع قابليات الرجل الذي اختير لها أو الرجل الذي تغلّب عليها، و أحيانا كان أفضل الناس قدسا، كما كان في وقت آخر من أشد الناس تمردا على الدين و الخلق الصحيح.

و هي من النوع الثاني و على نظرية النص منصب إلهي تجب له الطاعة دينا، كما تجب للنبي، و ما هي بهذا المعنى الاّ ظل النبوة بمعناها الذي يتصل بالسماء، و لكنها انما تتصل بالسماء عن طريق النبي، و هو مصدر روحيتها كما هو مصدر النص عليها.

____________

(1) فالفريق الاول هم السنة، و الفريق الثاني هم الشيعة. و وافق الشيعة أكثرية المعتزلة فقالوا «لا امامة الا بالنص و التعيين» . يراجع «آراء المعتزلة السياسية» (ص 15) ، مجلة الالواح (ع 11 س 1) .

180

أما قداستها فطبيعية ثابتة لها، ثبوتها للنبوة نفسها. و لا خليفة من خلفاء النص، الاّ كان أقدس شخصية في الناس و أفضلهم.

*** و قديما كان موضوع «الخلافة» مثار شغب عنيف بين المسلمين و مصدر مآس كثيرة مؤسفة في تاريخ الاسلام. و ما كان من السهل و لا من الممكن يومئذ، ما نظنه اليوم ممكنا و سهلا، في موضوع تقريب الفريقين بعضهما من بعض، و جمعهما على نصف من الرأي، ينبذ به الخلاف، و يؤخذ معه بالواجب من الاخوة و الجنوح الى الاصلاح.

و ذلك هو ما يقتضيه الاهتمام بالجوهر دون الاعراض، و بالدين الصحيح دون الاغراض، و ذلك هو الاسلام الذي يجب أن يتصل به المسلم الى اللّه على حقيقته، دون أن تخدعه العنعنات أو العواطف أو المؤثرات.

و قضية الدين-و هو العلاقة بين العبد و ربه و هو النقطة التي يرتكز عليها مستقبله في حياته الاخرى-لا تشبه القضايا الدنيوية التي يجوز عليها أن تخضع في الكثير من علاقاتها، لهوى النفس أو لتقاليد البيئة، أو لعواطف أو المؤثرات.

و قضية الدين-و هو العلاقة بين العبد و ربه و هو النقطة التي يرتكز عليها مستقبله في حياته الاخرى-لا تشبه القضايا الدنيوية التي يجوز عليها أن تخضع في الكثير من علاقاتها، لهوى النفس أو لتقاليد البيئة، أو لعواطف الانسان و ميوله و عصبياته.

أمّا صاحب الدين، فلا همّ له في دينه الاّ الواقع مجردا.

و لا نريد الآن، في موضوع الخلافة، الاّ جمع الكلمة على الواقع المجرد دون أيّ تصرّف أو تحريف.

فيعترف الشيعي بالخلافة (من النوع الاول) على واقعها يوم وقعت [و لا ينبغي للاعتراف بأمر ما أن يجاوز واقعه‏]بوصفها سلطة عامة قائمة بين المسلمين، لها ما تستحقه من الاطراء في كثير من آثارها في الاسلام.

و يعترف السني بالخلافة (من النوع الثاني) على واقعها أيضا بوصفها

181

واسطة بينه و بين النبي في دينه، و هي الحقيقة التي تواترت بها الصحاح في مختلف البيانات النبوية التي لا يصح-علميا-النقاش عليها، مروية بأفضل الطرق التي يفزع إليها المسلم في أخذ دينه.

ثم يكون هذا هو الحل‏ (1) الجدير بالاعتبار، الذي تتحلل به العقد الرئيسة بين الفريقين دون أيّ غبن أو استئثار.

*** و لما كنا الآن بصدد البحث عن أحد أفراد الصفوة المختارة من خلفاء النص، فلنعلم بأن لموضوع بحثنا-الحسن بن علي عليهما السلام-خلافة اسلامية من طراز فريد في تاريخ الخلائف في الاسلام، ذلك لانه حظي «بالخلافة» منذ بيعته و وفاة أبيه (ع) ، على النوعين من معنييها اللذين يلتقيان عند هذا اللفظ في عرف المسلمين كافة، و على أفضل وجه في كل نوع يحتمل التفاضل.

فهو الخليفة من النوع الاول، و لكن «بالانتخاب» ، و هو الخليفة بالنص بلفظ «امام» .

و لعلك قرأت‏[في الفصل الثالث‏]نموذجا من النصوص على تعيينه للمنصب، و عرضا عابرا لطريقة اختياره و بيعته من الناس.

و الحسن اذ يقف موقفه الاخير من معاوية-بين المبدأ و الملك- فلا يعني بالملك الاّ تلك السلطة التي كان مصدرها انتخاب الناس له دون المنصب الذي كان مصدره اختيار اللّه له و نص الرسول عليه، لان هذا المنصب لا تناله يد في تغيير أو تبديل-كما نبّهنا عليه-و انما هو من أمر اللّه، و أمر اللّه لا مرد له.

و كذلك كانت الزعازع و النكبات التي اصطلحت على الحسن في دور

____________

(1) و لعل من الخير ان ننبه هنا، الى ان بعض منتحلة آراء الناس سبق الى نشر هذا الحل من دون أن ينسبه الى صاحبه. و كان الرجل أحد مستمعينا-في أكثر من مناسبة-حين نوهنا بهذا الرأي كنموذج من آراء هذا الكتاب التي ينفرد بها.

182

خلافته، فانها لا تعنى الحسن «الامام» و انما الحسن «ذا الجيش و السلطان» .

*** و الحسن في امامته، لا يناله تغيير و لا تمسه نكبة، فهو كالقرآن في امامته. و لن يضير القرآن، و هو المرجع الاعلى للمسلمين، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه و لا من خلفه، خلاف الناس عليه، و لا جموحهم عنه، و لا نفارهم منه، و هو هو في منزلته من امامة الناس، و على حقيقته من كلمات اللّه، رضي الناس أو أبوا، عملوا بهداه أو عصوا، أسلموه قيادهم أو جمحوا.

و كذلك كانت امامة الحسن عليه السلام.

و كل من القرآن و الحسن، هو مركز الثقل في الاسلام، كما يكون كل من القانون و الملك في الدولة الدستورية، هو مركز الثقل في الامة.

و أعني «بالثقل في الاسلام» ذاك الذي نوّه به رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، في الصحيح بل المتواتر من حديثه الشريف، حيث يقول:

«اني تارك فيكم الثقلين كتاب اللّه و أهل بيتي لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض‏ (1) » .

و الحسن من العترة-يومئذ-واسطة العقد و امام القوم، فهو من الاسلام كله «مركز الدائرة» الذي خلّفه صاحب الرسالة للمسلمين، كما خلّف القرآن «المرجع الاعلى» .

و هل الامامة شي‏ء آخر غير هذا، يا ترى؟

و انظر الى الحسن حين تتحدث عن حقيقته، كيف تتجاذبه كلمات

____________

(1) أخرجه الحاكم (ج 3 ص 148) ثم قال «هذا حديث صحيح الاسناد على شرط الشيخين» ، و اخرجه الذهبي في تلخيص المستدرك معترفا بصحته على شرط الشيخين، و روى حديث الثقلين الامام أحمد في مسنده (ص 17 و ص 26) و اخرجه ابن ابي شيبة و أبو يعلى و ابن سعد في الكنز (ج 1 ص 47) و غيرهم.

183

اللّه من شتى جوانبه: القرآن، النبوة، الامامة، الثقلان، الجنة، الاصلاح، حقن الدماء، الوفاء بالعهد.

ثم ارجع بذاكرتك قليلا الى خصمه الذي راح ينازعه على الطاعة المفروضة له في الناس، فانظر أي كلمات تتجاذب الحديث عنه: الطمع، المراوغة، الفتنة، الرشا، نقض العهود، المال و الحطام، الحروب و شن الغارات.

و انّ من هوان الدنيا أن ينازع فيها مثل هذا مثل ذاك!!

نعم ذاك هو الحسن ابن رسول اللّه «الامام» ، فما شأن الملك الدنيوي و ما شأن المال و الحطام؟

و ذاك هو «سيد شباب أهل الجنة» ، كما وصفه جده الاعظم (ص) و رواه عنه جميع فرق الاسلام، و هو الحديث الذي واكب القرآن في صحته و تواتره، و جاوز كلام الآدميين في عمقه و بلاغته.

*** و نقول على هامش هذا الحديث: هل اختلج في رأس سائل ان يسأل: لما ذا لم يوصف الحسن في هذا الحديث، بأنه سيد شباب أهل الدنيا؟و هل كان في الدنيا الاّ سيد شبابها خلالا مشرقة، و مزايا مشرفة، و كرائم مكرمات غلب عليها الناس؟

من هاشم في ذراها و هي صاعدة # الى السماء تميت الناس بالحسد

قوم أبى اللّه الاّ ان تكون لهم # مكارم الدين و الدنيا بلا أمد

فما هو سرّ الطفرة التي جاوزت بهذا الحديث عالما بكامله، لتضيف الحسن الى عالم آخر، غائب غير حاضر؟

انه ليغيب عن الذهن «اليوم» التنبّه الى هذا الاستفهام، لان الذهن حين يلتفت اليوم الى الحسن-و قد اختاره اللّه إليه-لا يتصوره الاّ سيدا من سادات الجنة، فليكن سيد شبابها، ثم لا يفطن الى نسبة هذه السيادة للدنيا. -و لان القرون‏[الاربعة عشر]لاكت الحديث و روته في مختلف

184

المناسبات، كأكثر ما يروى حديث في مناسبة حتى أصبح كأنه كلمة واحدة لا يفهم الناس منها الاّ حسنا و حسينا، دون ما تنبه الى الاستفهام.

ترى، فهل فهم الناس منه، يوم صدر من مصدر بلاغته الاول، ما أراد به ذلك البليغ العظيم (ص) ؟ نعم انه أراد أن يلمح-اذ يبارك على ابنيه بهذا اللقب-الى أن الوطن العاق الذي ينبت الخيانة و الغدر، كهذه الدنيا، و الناس القلقين الذين مرنوا على النفاق و نقض المواثيق، كشباب ذلك العصر، لا يستحقان الاستظلال بسيادة هذين السيدين، و لا يناسبانها. فهما اذا، سيدا الشباب، و لكن من ذلك النوع المختار الذي وفى للّه في عهده، و في الوطن المختار الذي نزع اللّه فيه الغلّ من صدور ساكنيه، و جعلهم فيه اخوانا على سرر متقابلين.

سيدا شباب أهل الجنة و كفى.

و على اسلوب أقرب الى التوضيح: انهما اذا عقّت الدنيا و عقّ شباب هذه الدنيا حقهما، و بغيا عليهما، و أنكرا سيادتهما، و أبقا منهما، فلا بد لسيادتهما أن تسود، و لكن في دنيا خير من هذه الدنيا، و في ناس خير من هؤلاء الناس.

و لتبوء هذه الدنيا بحرمانها من بركتهما و فضلهما و توجيههما.

و ليبؤ شبابها الخائن الغادر، بالعار و الندامة، و خزي التاريخ و عذاب القيامة.

و الحديث-على هذا المفهوم-ملحمة نبوية، تقرأ الغيب من وراء الغيب، و تشير-باجمال الملاحم-الى ما سيلاقيه سيدا شباب أهل الجنة من شباب أهل الدنيا، و تفرض لكل من السيدين عليهما السلام نصيبهما رابحا غير خاسر.

و ما من شك، بأن من كان سيد الجنة أو سيد شبابها، فانه سيد الناس و سيد الدنيا بأسرها.

***

185

و لسيد الأنبياء صلّى اللّه عليه و آله و سلم، فيما تحملته عنه الاسانيد الصحيحة من كلماته القصار، بلاغته التي تتقاصر عن شأوها ملكات العظماء من بلغاء الناس. ثم هي في فيضها العربي الرائع، أعجوبة اللغة في سعتها و روعتها، و ان من أروع وجوه الامتياز في البلاغة النبوية اشعاعها الخاص الى المعاني الكثيرة باللفظ القليل، فتارة بالتصريح و أخرى بالتلويح. و من هنا كان اتصالها الكثير بالنبوءات الصادقة التي لا يفارقها الاعجاز.

و كان هذا النوع من البلاغة-بذاته-دليل صحة الحديث النبوي اذا كان في صحته ما يقال.

و من ذلك، قوله صلّى اللّه عليه و آله و سلم في سبيل النص على امامة سبطيه الكريمين الحسن و الحسين عليهما السلام: «انهما امامان ان قاما و ان قعدا» -و لقد تتدبر ظاهر هذا الحديث فلا تفهم منه الا التصريح بامامة السيدين الحسنين، ثم تتدبره من وراء هذا الظاهر، فتراه يلمح بنبوءته الصادقة الى سيرة كل من هذين الامامين، و يدل على أن أحدهما سيقوم و أن الآخر سيقعد، أو على أن أحدهما أو كلا منهما سيكون مرة قائما، و اخرى قاعدا، ثم هو في كل من الحالين امام لا يجوز الخلاف عليه على اختلاف حاليه.

*** و لم يكن أحد في الاسلام أكثر استيعابا لنبوءات رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فيما أثر عنه، من ابنه و خليفته الحسن بن علي، فعلم ما عناه جده فيما أثبته له أو رفعه عنه، في هذين الحديثين، و في أحاديث كثيرة أخرى.

و انه لأولى من يتمسك بنبوءاته، ليتخذ منها مناهج حياته و مماته.

أو ليس هو ابن ذلك النبي (ص) و وارث شمائله، و وصيّه على أمته؟فليكن ما يلقاه من قومه، شبيه ما لقيه النبي من قومه، -في دعوته-، و ليقل اليوم مثل ما كان يقوله النبي يوم ذاك:

«اللّهمّ اهد قومي فانهم لا يعلمون» .

و لهذه النبوّة من تلكم النبوة، خاصّتها الكريمة، التي غلب بها الحسن‏

186

سائر المسلمين في دنيا الاسلام، و استغنى بها عن القوة المادية و عن الثروة و السلطان، لانها بحقيقتها قوة و ثروة و سلطان.

فليبغ عليه معاوية، و ليخنه عبيد اللّه بن عباس و لتخذله الكوفة، فلن تخذله بنوته الكريمة من رسول اللّه، و لن تخونه امامته المفروضة بأمر اللّه، و لن تبغي عليه مودته الواجبة في كتاب اللّه.

و ما قيمة الملك المحدود، اذا قيس بالملك الروحي الذي لا تبلغه الحدود.

و ما كان الاخفاق و لا الفشل و لا الموت، بقادر على القضاء-و لو يوما واحدا-على هذه المعنويات الروحية التي طبقت الجواء فخارا، و تجاوب بها التاريخ اعجابا و اكبارا، و بسطت سلطانها على قلوب المسلمين، لا يحرمها الازدهار عدوان المعتدين، و لا يمنعها الاثمار انكار المنكرين الجاحدين. و ها هي ذي الى يوم الناس هذا لتصاعد قدما في عظمتها و على طريق خلودها، في خط مستقيم بدون انحناءات.

*** و الى هنا و قد تبينا-بهذا-الصلة الوشيجة بين الحسن و بين الينبوع الذي ينض بالخير على البشرية في مزالق الشر، و بالهدى على المسلمين في مواقف الفتنة و التيه، و بالبركة على الدنيا في ساعات الجدب و الحرمان، و عرفنا الحسن بوصفه ابن رسول اللّه و سيد شباب أهل الجنة و اماما يشارك القرآن في امامته.

بقي علينا ان ننقاد بشي‏ء كثير من العناية و الاهتمام، الى فهم ما يرمز إليه الحسن نفسه في إيضاح موقفه-بين الملك و المبدأ-.

و لنرسم الآن صورة موجزة مختارة من كثير كثير، مما تناقلته عنه الحكايات المتناثرة بأسانيدها المتفاوتة في الثقة، ثم لنستظهر-بعد ذلك- اشارته البليغة الواردة فيما نذكره من هذه الحكايات، و هي ذات اهمية كبرى، لتوجيهنا الى القول الفصل في الموضوع.

187

و لنستمع الآن الى تصريح شخصي منه له قيمته في موضوعنا الخاص.

انه يجيب على السؤال العاتب الذي ألقاه عليه «سليمان بن صرد» الرجل الذي وصفه ابن قتيبة «بسيد العراق و رئيسهم‏ (1) » ، فيقول:

«و لو كنت بالحزم في أمر الدنيا و للدنيا أعمل و أنصب، ما كان معاوية بأبأس مني و أشد شكيمة، و لكان رأيي غير ما رأيتم...

____________

1 2

» .

و مثل واحد يغني عن كثير مما أجاب به شيعته.

أما أجوبته لاعدائه، و فيهم من يسرّه أن يؤذيه و قد أمن الشر من ناحيته، كعبد اللّه بن الزبير الذي كان يعلن مناوءته لآل محمد (ص) ، فكان مما أجابه به قوله «و تزعم أني سلّمت الامر، و كيف يكون ذلك-و يحك- كذلك، و أنا ابن أشجع العرب، و قد ولدتني فاطمة سيدة نساء العالمين.

لم افعل ذلك-و يحك-جبنا و لا ضعفا و لكنه بايعني مثلك، و هو يطلبني بترة، و يداجيني المودّة، و لم أثق بنصرته.. (3) » .

و تصريح آخر قصير و لكنه خطير، و لعله على اجماله، أبلغ تصريح في هذا الصدد، و هو ما يجيب به شقيقه و مزاج مائه، و شريك حوبائه في سراته و ضرائه «الحسين عليه السلام» .

انه سأله: «ما الذي دعاك الى تسليم الامر؟» فقال: «الذي دعا أباك فيما تقدم‏ (4) » .

اقول: و لتكفنا هذه النماذج القليلة عن كثير من مثيلاتها، شاهدا على «الامتحان» القاسي الذي تعرضت له الامامة من أصدقائها و من اعدائها، و الذي خرجت منه-في نهاية المطاف-مزهوة بدرجة الشرف في النجاح.

و نحن اذا نخلنا تصريحات الامام في هذا الصدد، وجدناها تنكشف

____________

(1) (1) و (2) ابن قتيبة الدينوري في الامامة و السياسة (ص 151) .

(3) المحاسن و المساوئ للبيهقي (ج 1 ص 60-65) .

(4) البحار (ج 10 ص 113) .

188

في شتى بياناتها عن العناصر الرئيسة الآتية:

1-أنه لم يعمل للدنيا.

2-أنه لو أراد أن يعمل للدنيا، لكان أقوى عليها من خصومه، و لكانت مناهجه في الحياة، غير هذه المناهج.

3-أنه لم يؤت في موقفه من ضعف نفس و لا ضعف سياسة و لا جبن، و لكنه لم يجد الانصار المخلصين، و معنى ذلك أن أداة النصر كانت متوفرة لديه، لو قدّر له مؤازرون صادقون.

4-أن هدفه الوحيد هو هدف أبيه من قبل، و كان هدف أبيه فيما سكت عنه من حقه، صيانة المعنويات الاسلامية من الانقراض، و العقائد الدينية عن الانتقاض.

*** و لقد ترى ان معالم الامامة الروحية تتجلى واضحة بين عناصر هذه البنود الاربع، لا تشتبه بضعف و لا تتصل بتراجع و لا تمتّ الى نكول، و لكنها القوة القائمة بنفسها، و الدائبة على العمل لربها، فلما ذا تعمل للدنيا، و ما الدنيا من شاكلتها و لا هي من شاكلة الدنيا. كذلك هي «الامامة» بمعناها الصحيح، و بما هي ظل النبوة بمعناها الذي يتصل بالسماء، و ما قامت النبوة في الارض-يوم شاء اللّه لها ان تقوم-الاّ بالانصار المخلصين، و لن تقوم الامامة اذا شاء اللّه لها أن تقوم الاّ بالانصار المخلصين. و أين الانصار المخلصون من هؤلاء الذين يداجون المودة رئاء و هم يطلبون بالترات، و يبايعون على الطاعة المطلقة ثم يفرّون على غير مبالاة.

و كما لم يكن محمد صلّى اللّه عليه و آله و سلم الا رسولا قد خلت من قبله الرسل، فما كان ابنه الحسن الاّ اماما في قلبه الايمان و على لسانه المثل، و هذه هي رسالته التي أريدت له و أريد لها.

و مني بالموقف الحرج، كذلك الذي مني به جده رسول اللّه صلّى‏

189

اللّه عليه و آله يوم الحديبية و بني أشجع، و نكب من أنصاره كما نكب أبوه عليه السلام بخذلان الناصر يوم «السقيفة» و يوم «الشورى‏ (1) » ، فلم لا يتخذ من جده و أبيه مثله، و ينجز على سنّتهما عمله، و ما من غضاضة عليه اذا كان فيما أتاه ثالث هذين الاثنين العظيمين.

ثم نقول على هامش ما ورد في دلالة البند الثاني: ان الحسن بن علي كان قد أخذ على نفسه أن يضع مواهبه و حياته و تاريخه و كيانه السياسي و ما أوتي من جلد و قوة، رهنا بخدمة مبدئه و قربانا في سبيل تخليده و اعلاء كلمته، و كان في خطوته الجبّارة التي ختم بها موقفه-بين المبدأ و الملك- الامام الزاهد بالدنيا و الخليفة الذي لم ينزل الى قبول المسئولية من الناس الاّ ليصعد من طريقها الى اقامة المثل الانسانية في الناس.

فهو فيما أخذ و فيما ترك، كان المثل الاعلى للزعماء المبدئيين.

و جاءته الدنيا طائعة بملكها و ثروتها و نفوذها و لذاذتها، و لم تكلّفه ثمنا لانقيادها إليه، و اختصاصها به، و عكوفها بين يديه، الاّ ايثارها من ناحيته، فأبى.

و لو أنه كان فعل، فآثرها «و حزم و نصب لها» لكان-بدون شك- أربح انسان فيها، لانه اذ ذاك الملك الذي جمع أفضل نسب في تاريخ الانسانية، الى اعظم مملكة في تاريخ الممالك.

و لكنه كان عليه، لو رضينا له أن يكون دنيويا-و فرض المحال غير محال-أن يتجرد من قيود وراثته و تربيته، و أن يترك عنعناته الروحية جانبا، و أن يكون هو غير الحسن بن علي و ابن فاطمة و سبط رسول اللّه

____________

(1) للتعريف بيوم السقيفة بحوثها التي استوفتها الكتب الطوال، و اما يوم الشورى، فإن احسن عرض لموقف علي عليه السلام منه، هو ما يدل عليه قوله هو لاصحاب الشورى يومئذ: «لقد علمتم أني احق الناس بها من غيري. و و اللّه لاسلمن ما سلمت امور المسلمين و لم يكن فيها جور الا علي خاصة، التماسا لاجر ذلك و فضله، و زهدا فيما تنافستموه من زخرفه و زبرجه.. » -النهج (ج 1 ص 124) .

190

صلى اللّه عليه و آله، فيعمد الى ارضاء الطامعين، و اصطناع المؤازرين و ارشاء القلقين. و في جباية امبراطوريته المترامية يومئذ، ما يتسع لشتى المطامع التي يتطامن لسحرها زعماء ذلك الجيل و «أبناء بيوتاته النفعيون» فاذا المنافقون كلهم مؤمنون طيّبون، و اذا الخونة كلهم أمناء مخلصون و اذا القلقون رعية خاضعون، و اذا الناس كلهم مزيّفون و هم لا يشعرون!!.

و لرأيت عمرو بن العاص و المغيرة بن شعبة و زياد ابن ابيه و رجال مدرستهم، يلوذون ببلاط الحسن في الكوفة، كما يلوذ به اليوم حجر بن عديّ و قيس بن سعد و عديّ بن حاتم، أو كما يلوذون هم ببلاط معاوية هناك، و ما كانوا ليصطدموا من شمائل الحسن-اذ يلوذون به-بما يصدمهم من عناصر الفشل في معاوية و تاريخه و مواريثه و ارتجالياته.

و لنجحت قضية الحسن، على الشكل الذي لا يغرينا بأن نكتب عنها أو نخوض فيها، أو نضحي لها وقتا..

و لرأيت هذا الشعب الكوفي اللئيم-الذي واكب عهد الحسن في التاريخ-ولاء و طمأنينة و استقرارا، ما دامت خزائنه معرضة لشراء الضمائر و ولاياته مفوّضة لاستجابة نهم الاكابر، و ما دامت سياسة دولته تداري ما حولها من الاهواء النفسية، و الاغراض الحزبية، و الاطماع الدنيوية، اللهم الاّ ما ينبهنا إليه استقراء نفسيات الاقلية المتزمّتة من «شيعة أبيه» الذين برهنوا في ثباتهم مع الحسن العازف عن الدنيا، و مع أبيه الذي طلّق الدنيا ثلاثا، على أنهم كانوا وراء حقائق لا وراء مطامع.

و لكن الذي كان يؤمل أن يخفف الضغط من ناحية هؤلاء أن بنوّة الحسن-التي لن تفارقه-من رسول اللّه (ص) ، ستكون هي شفيعه المقبول الشفاعة، لدى هذه الزمرة من المؤمنين غير المزيفين.

و ما ظنك بعد هذا؟فهل ترى أنه كان من مستطاع معاوية أن يقاوم «هذا الحسن» أو ينتصر عليه؟و أيهما-على هذا-كان أولى بالضعف، و أيهما كان اولى بالقوة، الحسن أم معاوية؟

191

و على ضوء هذا التقريب، نفهم معنى قول الامام الحسن: «و لو كنت بالحزم في أمر الدنيا و للدنيا أعمل و أنصب ما كان معاوية بأبأس‏ (1) مني و أشد شكيمة (2) . و لكان رأيي غير ما رأيتم» .

أجل، و هذا هو المظنون، لو أراد الحسن الدنيا.

و لكن الشي‏ء المعلوم، هو أن الامام الحسن بن علي عليه و على أبيه السلام كان بشرا آخر غير هذا.

انه كان من ذلك النوع الذي لا يطلّ على هذا العالم، الاّ في فترات معدودة من الزمان، فتستروح البشرية من شمائله مثلها، و تترسم بهداه النقي الفاضل سعادتها.

انه كان يفهم من الشرف معنى خاصا، مزيجا من عزة النفس و مصالح الدين، فلا الملك و لا المال، و لا المتع الملذوذة في الدنيا، مما يدخل في حساب الشرف عنده.

و كانت عصمته عن الرجس كما يصفها الكتاب، و روحيته المثالية التي تملأ ذلك الاهاب، تمنعانه النزول عن شموخ هذا الشرف، الى الحضيض من رغبات الملك الزائل، و اللشبانات المنغّصات، مع ما يستلزم ذلك من الصدوف عن اللّه و عن كتبه و رسله و اليوم الآخر، و لن يكون الرجل الدنيوي الا متغاضبا عن اولئك جميعا أو مغاضبا لهم.

و كان معنى ربح الموقف، عن طريق هذه الاساليب الملتوية، الخسارة الكبرى، في حياة هذا النوع من ذروات المثالية و أعالي الناس.

____________

(1) البأس: الشجاعة و القوة. و معنى «ما كان معاوية بأبأس مني» :

ما كان بأشجع و أقوى مني.

(2) الشكيمة: الأنفة و الانتصار من الظلم، و شديد الشكيمة: هو الآبي الذي لا ينقاد.

192

و كان من لوازم هذا الالتواء-في جانب الحسن-أن تتلاشى في نفسه، الغرائز المثلى التي غرستها في كيانه يد النبوة، و غذتها في روحه أثداء الوحي، و بسطتها في وجدانه مهابط التنزيل.

و أنى لتلك الغرائز ان تتلاشى في نفسه، و هي منه كبعض ذاتياته التي لا تنفصل عنه؟. و انى له أن يعمل للدنيا أو «يحزم و ينصب لها» و هو ابن رسول اللّه و ربيب حجره، و تلميذ مدرسته؟.

و ما لرسول اللّه و للدنيا، لو لا انها ميدان رسالته.

فليكن الحسن بحكم طبيعته المملاة عليه من تربيته و عقيدته و محيطه، مرآة جده، و لكن في ميدان امامته، و تلك هي القدوة الحسنة و الاسوة الطيبة، التي لا يمسها ضعف، و لا تتهم بجبن، و لا يهمزها همزة بنقص-مرآته في زهده بالدنيا، كما هو مرآته في كرائم صفاته، لانه كان «أشبههم به خلقا و خلقا» ، و مرآته حتى في سياسته و ادارته.

فأين هي مآخذ الضعف على الحسن فيما يتسرع إليه المنتقدون؟.

و نسي الخائضون في نقد سياسة الحسن عليه السلام، حراجة موقفه من أنصاره، و نسوا ان شذوذ هؤلاء الانصار انما كان وليد الحوادث الزمنية التي لا يد للحسن فيها، بحكم تطور الحياة العامة منذ الجيل الثالث بعد عهد النبوة، و انطلاق الناس-أو اكثرهم-من عقال التقوى، و استكانتهم للمطامع و للملذات. فالجناية اذا جناية ظرفه، و الخيانة خيانة جيله الذي قدر له أن يعيش معه، و لا تثريب على الحسن من هذا أو ذاك.

و نسوا-و هم يتحاملون على سياسة الحسن عليه السلام-ان العاقبة لمثل هذا الموقف و مثل هذا الظرف، و مثل هذا المجتمع الذي جبل على الرياء و الباطل، مع الرجل الذي لا يحلم بغير الاخلاص و الحق، لا تحتمل في الامكان أحسن مما كان.

لذلك نرى أن التدابير الخاصة التي اتخذها الامام الحسن في خطوات

193

قضيته، كانت أبرع الحلول لمشاكلها، و أروعها سياسة، و أدقها نظرا، و أليقها بسيرة امام.

و قد عرضنا في فصولنا هذه، المآخذ التي أخذت على الحسن عليه السلام فذكرنا كلا منها فيما ناسبه من موضوعاتنا، و رجعناه هناك الى وجهه الصحيح الذي كان يواكبه في واقعه، و الذي لا يدع مجالا-بعده- لتحريف أو تخريف.

*** و هكذا انتفض الحسن-اخيرا-انتفاضته الاصلاحية الكبرى، فطوّر الموقعة القائمة على الفتن و السلاح، الى دعاوة خلق و محبة و اصلاح، فاذا هو «المصلح الاكبر» المجلى في ميدان المصلحين، و اذا هو «القائد المبدئيّ. » الظافر بأسمى مدارج الكمال بين الابطال المبدئيين.

و اذا هو-بعد-ملك الدنيا بأسرها، و ان لم يكن ملك عرش.

و هل الاسلام في حقيقته، الاّ هذه الروح الملائكية، التي لن تغلبها مادية الدنيا، و لن تستذلها شهواتها الرخيصة و أوهامها الخلّب الكذوب؟

انه نظر الى الكثرة من «أصحابه» فساءه أن يجدهم في تواكلهم عن الواجب، و عزوفهم عن الخلق، و تفرّقهم عن حقهم، أصحابا لعدوه من دونه، و كانت العدوى الخبيثة التي نشبت أظافرها في رءوس الخائنين المعدودين، قد فتكت في المجتمع المغلوب على أمره ففرّقت كلمته و ضعضعت من صفوفه و جعلت منه-في قليل من الزمن-طرائق و اوزاعا، يرسم كل فريق منهم خططه بيده و يستعدّ للحرب، و لكن ليحارب-في يوم كريهته-أبعد الرجلين عن مآربه و أقربهما الى حرمانه.

و أيّ أمل بأصحاب ليس شرا منهم الاعداء؟

194

فلم لا يقول الامام «النائب عن النبي (ص) » كلمته التي يفرغ بها عن لسان النبوة في رحمتها و سموها، كلمته التي تتحايد بمغزاها عن الفريقين المتحاربين، كما لو كانت شيئا فوق الجميع؟

و هل «الامام» في حقيقته الاّ شيئا فوق الجميع؟.

195

التضحية

196

ما كان من السهل الانصياع الى هذه النبالة في «رقمها القياسي» الذي لا تحلم بمثله كبريات النفوس مهما بلغ بها انكار الذات، لو لا ما أودع اللّه في هذه النفس من القوة و الصبر و الاحتمال و الكبرياء على الحياة.

و أين تكون التضحية في سبيل اللّه و الفناء في ذات اللّه و العمل في جنب اللّه الاّ حين تستقيم النفس سافرة لا تلتمس ريبة، صريحة لا تتكلف مداراة و لا مداورة و لا استخفاء، مجاهدة جهادها الاكبر في تحطيم ميولها الشخصية، و معاكسة طبيعتها البشرية بكبح جماحها الارضي الانانيّ.

و ها هي ذي «الامامة» بكل معانيها المنقطعة الى اللّه و ها هو ذا «الامام» المنقطع الى اللّه بكل معانيه.

و اذا لم يكن الظرف القائم بين يديه، كافيا للانتصار على الباطل فلم لا يتخذ منه ظرفا كافيا للاحتفاظ بالحق؟ و ذلك هو ما انتهت إليه صورة الموقف، بعد أن رفع الستار عن نوايا الجماهير التي كانت ترتجز أمامه للجهاد، و تتركز في حقيقتها على الاغراض.

و اذا كان لا يردّ عادية معاوية عن الاسلام الصحيح، متمثلا في الصفوة من آل محمد (ص) و البقية الباقية من حزب اللّه المخلصين، و لا يردّ أجناده من أهل الشام، و رتله الخامس المتغلغل في صميم الكوفة و في معسكر الامام الا الغلب على الملك.. فلتكن لهذه الايدى العادية الضارية غنيمتها من الدنيا، بشهواتها و مطامعها و مضارها و معايبها، و لتسلم للحسن و للبقية من حزب اللّه، مبادئهم الروحية، بجلالها و قوتها و اتساعها و عظمتها و خلودها.

197

و ما من غضاضة على ابن رسول اللّه (ص) اذا تنزّه عن وضر المادة، فترك الدنيا لاهلها، و انفرد بسلطان الروح، ثابت المقام في عظمته، مرفوع الاعلام في امامته، معروف الفضل في أمثولته، مشكور الشمائل في جهاده و صبره و تضحياته.

و ما لمسلم معنيّ باسلاميته، و لا لمؤمن حريص على الصحيح من عقيدته، أن يشتبه في أمره، أو يفرط بحقه، أو يتناسى مكانته من رسول اللّه (ص) أو يتجاهل امامته الثابتة بأمر اللّه-تلك الامامة التي لا تقبل تغييرا و لا انتقالا، و لا تحتمل ضعفا و لا انخذالا، و لكنها الغالبة المنتصرة رغم المحاولات المخذولة المناوئة، تقوى بقوة اللّه، و تثبت بثبوت الحق، و تمتد في أعناق الاجيال كما تمتد النبوّات في أعناق أممها، فيها كلّ معاني المجد الحقيقي، و فيها الهيبة القادرة، و فيها الاستخفاف بخيلاء المناوئين.

*** انها المرحلة الدقيقة من مراحل تاريخ الاسلام. و هي مرحلة الفصل بين الخلافة الحقيقية و الملك‏[بين الامامة الدينية و السلطان‏]، بين السلطة الزمنية و السلطة الروحية.

و لم يكن هذا الفصل-على صورته الظاهرة-مما تألفه الذهنية الاسلامية بادئ الرأي، و لكنه الامر الواقع الذي درج عليه الاسلام و ألّفه المسلمون من حيث يعلمون و من حيث لا يعلمون، منذ قبض رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، الاّ في الفترات القصيرة التي كانت قطرة في بحر هذه القرون. و كان الاستسلام لعملية الفصل من قبل أولياء الامر الشرعيين، الوسيلة الا صلاحية التي يجب الاخذ بها عند الخوف على بيضة الاسلام.

و لكي نكون أكثر صراحة في البحث، و أوضح تعبيرا عن الغرض نقول: ان الامام الحسن لم يفعل في موقفه من معاوية، الاّ مثل ما فعله أبوه امير المؤمنين (ع) في موقفه من أبي بكر و صاحبيه. و ذلك هو معنى‏

198

جوابه لاخيه الحسين (ع) فيما مرّ عليك، حين سأله: «ما الذي دعاك الى تسليم الامر؟» فقال له: «الذي دعا أباك فيما تقدم» .

و لكل من الامامين في ظرفه الخاص، تضحياته الرفيعة التي حفظ بها الاسلام.

و محا الحسن-على هذه القاعدة-خارطة مملكته المادية من الارض، لينقش بدلها خارطة عظمته الروحية في الارض و السماء معا. و تلفّت الى «حدود» مملكته في الملك الجديد الذي لا يبلى، فاذا هي الحدود بين مملكة الحق و المملكة التي هي شي‏ء غير الحق، بين الانسانية المثالية و الانانية الطاغية، بين روحانية «الامام» الذي يحيا و يموت، و على لسانه كلمات اللّه: «أَقِيمُوا اَلصَّلاََةَ» * ، «وَ آتُوا اَلزَّكََاةَ» * ، «كُتِبَ عَلَيْكُمُ اَلصِّيََامُ كَمََا كُتِبَ عَلَى اَلَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ» ، «وَ لِلََّهِ عَلَى اَلنََّاسِ حِجُّ اَلْبَيْتِ مَنِ اِسْتَطََاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً» -و بين مادية «الجبّار» الذي يعالن الناس قائلا: «و اللّه اني ما قاتلتكم لتصلوا و لا لتزكوا و لا لتصوموا و لا لتحجوا، و انما قاتلتكم لأتأمّر عليكم، و قد أعطاني اللّه ذلك و أنتم كارهون!» .

و اعتاد الناس ان يتلقوا مثل هذه الحادثة، كما يتلقون الصدمة الكبيرة من أحداث الزمان، ذلك لانهم انما ينظرون إليها من ناحيتها الدنيوية الضيقة فلا يرون فيها الا الخسارة.

أما النفس المطمئنة المفطورة على الخير المحض، فالحادثة عندها وسيلة أهداف هي أعز من الملك، و هي أعز من الدنيا بأسرها، و هي-مع ذلك- التاريخ الذي يلعلع على الانسانية بالامجاد.

*** و هكذا غلب الحسن الناس في جهاده، و في صبره، و في تضحيته جميعا. و هذه ثلاث هن امهات الفضائل كلها. و للحسن ثلاث اخرى و ثلاث ثالثة، كلهن أدوات عظمته، و شواهد مزاياه.

199

غلب الناس بامامته، و بوجوب مودته، و ببنوته من رسول اللّه (ص) .

و نكب من الناس بأنصاره، و بأعدائه، و بزوجه.

و خصّ بين الناس-كما قلنا-بالنوع الممتاز من جهاده، و النوع العظيم من صبره، و النوع الفريد من تضحيته.

و لكي نتوفر على فهم هذه المواهب الثلاث على الاخص، كخصائص حسنية لها مميزاتها التي لا تقبل الجدال، نقول:

1-أما جهاده‏

فقد كان أروع الجهاد، و آلمه للنفس، و أوسعه ميدانا و أطوله عناء.

انه جاهد في سبيل اللّه و لكن في ميادين كثيرة، لا في ميدان واحد:

جاهد عدوه بما زحف الى لقائه، و بما جوبه به من فتنه و أسوائه، و جاهد أصحابه و جنوده بما حاول من استصلاحهم بمختلف الاساليب، فأعيته الاساليب كلها، و جاهد نفسه بما ضبط من عواطفها، و بما كبت من طموحها، و بما ردّ من سلطانها، و لا نعرف في زعماء البشرية انسانا تمكن من نفسه و من أعصابه و من عواطفه كما تمكن منها الحسن في مواقفه التي مرّ عليها، و جاهد شيعته المخلصين في تشيّعهم له، بما تحمل من عتابهم الجري‏ء على قبوله الصلح، فوقف منهم موقفه الذي دلّ بذاته، على خصائصه الملكية الممتازة التي لا تفارق الامام «المعصوم» ، بما ملك من حفيظته، و بما ربط من جأشه، و بما قابلهم به من هدوء الطبيعة، و ميوعة اللهجة و طول الاناة.

و أجاب كلا على عتابه أوضح جواب، و أقربه الى صواب، و كشف له عن أهدافه فيما أتاه، بما استأصل به شأفة عتابه، فاذا المخاطب مأخوذ ببراعة الحجة و روعة الغرض و أصالة الرأى، يستذكر بمواقف امامه مواقف الأنبياء، و يتسقط من أخباره مساقط الوحي، فاذا هو هي.

و إليك هنا نموذجا واحدا مما قاله له أحدهم و مما أجابه به، قال:

200

«يا ابن رسول اللّه لم هادنت معاوية و صالحته، و قد علمت ان الحق لك دونه، و ان معاوية ضال باغ؟» .

فأجابه:

«يا أبا سعيد أ لست حجة اللّه تعالى على خلقه و اماما عليهم بعد أبي؟» قال: «بلى» ، قال: «الست الذي قال رسول اللّه لي و لأخي: الحسن و الحسين امامان قاما أو قعدا؟» قال «بلى» ، قال «فأنا اذا امام لو قمت و أنا امام اذا قعدت» .

«يا ابا سعيد، علة مصالحتي لمعاوية، علة مصالحة رسول اللّه لبني ضمرة و بني أشجع و لاهل مكة حين انصرف من الحديبية، اولئك كفار بالتنزيل، و معاوية و أصحابه كفار بالتأويل» .

«يا أبا سعيد، اذا كنت اماما من قبل اللّه تعالى ذكره، لم يجب ان يسفّه رأيي فيما أتيته من مهادنة أو محاربة، و ان كان وجه الحكمة فيما أتيته ملتبسا، أ لا ترى الخضر لما خرق السفينة و قتل الغلام و أقام الجدار، سخط موسى فعله لاشتباه وجه الحكمة عليه، حتى أخبره فرضي، هكذا أنا، سخطتم عليّ بجهلكم وجه الحكمة، و لو لا ما أتيت لما ترك من شيعتنا على وجه الارض أحد الاّ قتل‏ (1) » .

اقول: و للحسن من فصيلة هذا الجهاد، جهاد آخر مثله، مع فصيلة أخرى من الناس، هم الامويون أنفسهم‏[و سنشير إليه قريبا].

و هذه وحدها خمسة ميادين، أفنى الحسن عليه السلام فيها عمره الشريف و تحمل همومها بقوة ثابتة، و جلد عنيف.

و لم يبق ميدان للجهاد، لم يبرز الحسن فيه للنضال.

و انه اذ ينزل عن سلطان ملكه، انما يجاهد في اللّه من هذا الطريق ابقاء على الاسلام، و تيسيرا لحياة المسلمين، و دفعا للقتل عن المؤمنين، و هو

____________

(1) البحار (ج 10 ص 101) .

201

في ذلك كالذي ينزل عن حقه في حياته جهادا في سبيل اللّه، و يبيع اللّه نفسه ليشتري منه جنته.

2-و اما صبره‏

فانه صدى جهاده، و الحصن الذي يلجأ إليه في مختلف ميادينه.

و لقي من زمانه و من أهل زمانه، الحرمان و الخيانة و الغدر و المؤامرات و النفاق و الغيلة و نقض العهود، و بهتان الاعداء و سبابهم، و ازورار الاصدقاء و عتابهم، و ما لم يلقه أحد غيره فيما نعهد من زعماء التاريخ، و تفجرت عليه من كل مكان، المحن السود و النكبات الفواتن.

فقابل كل ذلك بالصبر الذي لا توازنه الجبال.

و عالج الاوضاع التي دارت حوله، بما اوتي من الحكمة البالغة و الحنكة الموهوبة، متدرّجا معها من البداية الى النهاية، لا يستسلم للغضب و لا يتأثر بالعاطفة، و لا يستكين للحوادث، و لا يتقلقل للمربكات، و لا تهزّه الاّ نصرة الدين و كلمة القرآن و دعوة الاسلام.

و هذا هو الحسن السبط على حقيقته التي خلقه اللّه عليها. و لن ينكر على الحسن خصاله هذه، الاّ متعنت جاهل، أو عدوّ متحامل، و كانت مزاياه في عصره مثل المزايا، و كان كرمه في الناس مضرب المثل. و كان من حلاوة حديثه، و سرعة بديهته، و قوة حجته، و هيبته، و حلمه، و حجاه، ما شهد به أعداؤه فضلا عن أصدقائه.

انظر الى تقريظ معاوية له في خواتيم «المشاجرات» التي كان يثيرها عليه في مجالسه، و الى اطرائه اياه في مناسبات أخرى لا تتصل بهذه المشاجرات.

فقال مرة و هو يطري حلاوة حديثه:

«ما تكلم عندي أحد أحب إليّ اذا تكلم ان لا يسكت من الحسن ابن علي‏ (1) » .

____________

(1) اليعقوبي (ج 2 ص 202) ، و ابن كثير (ج 8 ص 39) .

غ

202

و قال عنه و قد ذكر عنده:

«انهم قوم قد الهموا الكلام‏ (1) » .

و قال عن هيبته و حسن محضره:

«و اللّه ما رأيته الاّ كرهت غيابه و هبت عتابه‏ (2) » .

و قال أيضا:

«فو اللّه ما رأيته قط، جالسا عندي، الاّ خفت مقامه و عيبه لي‏ (3) » .

و قال يمدحه:

«أما حسن فابن الذي كان قبله # اذا سار سار الموت حيث يسير

و هل يلد الرئبال الاّ نظيره # و ذا حسن شبه له و نظير

و لكنه لو يوزن الحلم و الحجا # بأمر-لقالوا يذبل و ثبير (4) »

نعم هذا هو معاوية و هو عدو الحسن (رقم 1) . و اما مروان بن الحكم، فهو الذي كان يقول عن الحسن عليه السلام: «انه ليوازن حلمه الجبال‏ (5) » .

و كان التظاهر بالثناء على الحسن من عدويه هذين، دليل قوة الحسن في الناس، و الاّ فدليل خضوعهما للامر الواقع، أو هو الستار الذي يسدله الخصم على الفكرة التي يجهز بها على خصمه.

*** اما هذه المشاجرات التي مررنا على ذكرها مرورا، و التي حفل بكثير منها بعض الموسوعات ذات الشأن، فهي «الحديّا (6) » التي كان ينشط لها

____________

(1) العقد الفريد (ج 2 ص 323) .

(2) البحار (ج 10 ص 116) .

(3) شرح النهج (ج 2 ص 101) .

(4) ابن ابي الحديد (ج 4 ص 73) .

(5) ابن ابي الحديد (ج 4 ص 5 و ص 18) .

(6) : (المنازعة و المباراة) .