صلح الحسن(ع)

- الشيخ راضي آل ياسين المزيد...
400 /
203

معاوية في مضطربه مع الحسن، حين يوجد الحسن في الشام‏[بعد الصلح‏] أو حين يوجد هو في المدينة.

و كانت مجالس يستعد لها معاوية، بالاقوياء من أصدقائه الخلّص و اقربائه الأدنين، الذين يساهمونه النظر الى أهل البيت عليهم السلام كالعائق لهم عن النفوذ الى قلوب الناس، فيجمع إليه-عمرو بن العاص، و عتبة بن أبي سفيان، و عمرو بن عثمان بن عفان، و المغيرة بن شعبة، و الوليد بن عقبة بن أبي معيط، و مروان بن الحكم، و عبد اللّه بن الزبير، و زياد أبن ابيه، و ربما جمع بعض هؤلاء دون بعض، و ربما ضم إليهم آخرين. ثم يدعو الحسن عليه السلام، فلا يزال يبرز لمشاجرته رجال الحلبة من هذا الحزب، الواحد تلو الآخر، مشبوب الحفيظة، و ارم الانف لا يدع شيئا يقدر عليه فيما يتحدّى به الحسن الاّ أتاه، ليشفي نفسه و ليرضي هواه، فاذا هي مؤامرة في أسلوب مشاجرة.

أما الحسن عليه السلام و هو «الصخرة الململمة التي تنحط عنها السيول، و تقصر دونها الوعول، و لا تبلغها السهام» -على حد تعبير عبد اللّه بن جعفر عنه‏ (1) -، فقد كان له من براءة القلب و روحانية النفس و شعار الطهر، ما يربأ به عن النزول الى مثل مهاتراتهم. و لكنه كان يجيبهم و هو يقول: «أما و اللّه لو لا أن بني أمية تنسبني الى العجز عن المقال لكففت تهاونا» .

و يردّ عليهم بالحجة القوية البالغة التي ترغم ذلك العناد الصاعد ليعود استكانة و هزيمة و ذهولا.

و يستعرض في بعض ردوده عليهم، ميراث النبوة و ولاية الامر، فيستدرجهم ببديهته التي تغترف من بحره المتدفق الزاخر، الى الاعتراف له بحقه و بحق أبيه.

و يمضي قائلا فلا يزال بهم، حتى يجزيهم على بذاءتهم المنكرة، غير

____________

(1) يراجع المحاسن و المساوئ للبيهقي (ج 1 ص 62) .

204

مستعين-مثلهم-بالكذب، و لا متذرع-مثلهم-بالبذاء. بل يطعن كلا على انفراده، فيصيب منه أبرز مقوّماته، في نسبه المعروف أو حسبه الموصوف... و ان أبلغ حدياك لخصمك، أن تمسه في غروره و في صميم مزاياه التي يخالها مناط أمجاده، و مرتكز شخصيته.

و كان الحسن في كل هذه المجالس، الغالب القوي الى جانب الضعفاء المغلوبين.

و كان أشد القوم شعورا بالضعف و التماسا للهزيمة[في هذه المجالس‏] كبيرهم الذي كان أكثرهم وسائل في القوة المادية الطيعة لاوامره، و كان يغيظه أن يرى أشلاء اخوانه و بني عمومته، مضرجة بطعناتها النجل، عند نهاية كل شجار.

فيقول لهم آنذاك: «قد كنت أخبرتكم و أبيتم، حتى سمعتم ما أظلم عليكم بيتكم و أفسد عليكم مجلسكم!» .

و يقول لهم: «قد انبأتكم أنه-يعني الحسن-ممن لا تطاق عارضته!» .

و يقول و هو يخاطب مروان بن الحكم: «قد كنت نهيتك عن هذا الرجل، و أنت تأبى الا انهماكا فيما لا يعنيك، اربع على نفسك، فليس أبوك كأبيه، و لا أنت مثله. أنت ابن الطريد الشريد، و هو ابن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله الكريم، و لكن رب باحث عن حتفه، و حافر عن مديته» .

و يقول لعمرو بن العاص مؤنبا و محرضا: «طعنك أبوه-يعني أمير المؤمنين عليه السلام-فوقيت نفسك بخصييك، فلذلك تحذره!» .

و يقول له في مجلس آخر: «لا تجار البحار فتغمرك، و لا الجبال فتبهرك، و استرح من الاعتذار!» .

و يندم ابن الزبير، و هو اذ ذاك من ندماء معاوية، على مشاجرته للحسن (ع) ، فيعتذر قائلا: «اعذر ابا محمد فما حملني على محاورتك الاّ هذا-و يشير الى معاوية-، أحبّ الاغراء بيننا، فهلا اذ جهلت أمسكت عني، فانكم أهل بيت سجيتكم الحلم و العفو.. » .

205

فيقول له معاوية و قد عزّ عليه أن يسمعه و هو يعتذر الى الحسن اعتذار المنهزم المغلوب: «أما انه قد شفى بلابل صدري منك، و رمى مقتلك فصرت كالحجل في كف البازيّ، يتلاعب بك كيف أراد، فلا أراك تفتخر على أحد بعدها!» .

و يقول في أعقاب مشاجرة اشترك فيها ابن العاص و مروان و ابن سمية في جهة، و الحسن بن علي (ع) في جهة، ما لفظه: «أجاد عمرو الكلام لو لا أن حجته دحضت، و تكلم مروان لو لا أنه نكص» ، ثم التفت الى زياد و قال: «ما دعاك الى محاورته، ما كنت الاّ كالحجل في كف البازي!» .

فقال عمرو: «الا رميت من ورائنا؟» ، قال معاوية: «اذا كنت شريككم في الجهل، أفاخر رجلا جده رسول اللّه و هو سيد من مضى و من بقي، و أمه فاطمة الزهراء سيدة نساء العالمين» . ثم قال لعمرو: «و اللّه لئن سمع به اهل الشام، لهي السوءة السوءاء» ، فقال عمرو: «لقد ابقى عليك، و لكنه طحن مروان و زيادا طحن الرحى بثفالها، و وطئهما وطء البازل القراد بمنسمه!» ، فقال زياد: «قد و اللّه فعل، و لكن معاوية يأبى الا الاغراء بيننا و بينهم.

و هكذا شهد على معاوية بالاغراء على هذه المهاترات كل من ابن الزبير و زياد صريحا، و شهد عليه السلام في الكثير من ردوده عليهم.

قالوا: «و خلا عبد اللّه بن عباس بالحسن، فقبّل بين عينيه و قال: «أفديك يا ابن عم و اللّه ما زال بحرك يزخر، و أنت تصول حتى شفيتني من أولاد... (1) » .

***

____________

(1) يراجع المحاسن و المساوئ للبيهقي (ج 1 ص 59-64) ، و العقد الفريد (ج 2 ص 323) ، و البحار (ج 10 ص 116) .

و تجد خطب الحسن عليه السلام في هذه المشاجرات مجتمعة في كتابنا «أوج البلاغة» -فيما اثر عن الامامين الحسنين من الخطب و الكتب و الكلمات-مشروحا.

206

و كانت نصوص هذه المشاجرات بصيغها البلاغية، و قيمها الادبية، جديرة بالعرض، كتراث عربي أصيل يدل بنفسه على صحة نسبه و يعطينا بأسلوبه و صياغته، صورة عن «أدب المشاجرات» في عصره. و لكن الذي رغّبنا عن استعراضها في سطورنا هذه، ايغالها المؤسف بالتهتار البذى‏ء، الذي بلغ به صاغة الاكاذيب الامويون غايتهم، فأساءوا لانفسهم أكثر مما أرادوا بعدوّهم، و ما كانوا محسنين.

و اذ قد آثرنا الرغبة عن استعراضها هنا، فلا نؤثر أن نتجاهل-في موضوع الكلام على صبر الحسن عليه السلام-ما بلغته هذه المجالس، من الاساءة الى الحسن، و ما بلغه الحسن في نفسه من عظيم الصبر عليها، و عظيم البلاء في التعرض لها و لامثالها من اساليب معاوية و أحابيله، سلما و حربا.

و مما لا شك فيه، انها كانت مجالس مبيتة، و كان لها هدفها السياسي المقصود، و هي من هذه الناحية، أحد ميادين معاوية، فيما شنه على الحسن و شيعته من حرب الاعصاب التي استبدل بها حرب الميدان.

ثم كان من ميادين حربه (الباردة) ما سيجي‏ء الالمام بطرف منه في الفصول القريبة.

3-التضحية

و اما النوع الفريد من تضحيته، فهو موقفه من الحكم و السلطان، في سبيل مبدئه.

و قد تكون التضحية بالعرش من صاحب الحق به، أشد دلالة على انكار الذات من التضحية بالنفس. و انكار الذات في سبيل المبدأ، أوضح صفات الحسن بن علي (ع) ، و أروع أدواته في جهاده الموصول الحلقات.

و هي على كل حال، آلم التضحيتين للنفس، و أطولهما عناء في الحياة، و أشدهما ارهاقا الكيان الانسان.

207

و قديما كان الحرص على العرش أعنف اثرا في نفوس القائمين عليه، من الحرص على النفس بله المبدأ، فترى العدد الكثير ممن فدى عرشه بنفسه، و لا ترى الاّ عددا ضئيلا جدا ممن فدى نفسه بعرشه.

و في التاريخ صور بشعة كثيرة من قرابين العروش التي كان يفتدي الملوك عروشهم بها اولا، و بأنفسهم أخيرا[اذا لم يكن به من الفداء بالنفس‏].

و على مثل هذه النسبة من كثرة التضحية بالنفس في سبيل التاج و ندرة التضحية بالتاج في سبيل النفس، كان الفرق بين قيمتها المعنوية فيما يتواضع عليه الناس من القيم المعنوية للاشياء.

و ذلك هو سر ما تستأثر به الحادثة النادرة، من حوادث السخاء بالعرش من اهتمام الناس، و لغط الاندية، و قالة الجماهير. و هو سر ما تستثير من نهم المتطفلين الى الاشتباك بألوان النقاش و مختلف التحاليل و التعاليل. و لا يروى التاريخ حادثة سلطان يتنازل عن عرشه، ثم لا يختلف عليه الناس، فمن مصوّب و مخطئ، و عاذر و عاذل، [فقوم له و آخرون عليه‏].

الاّ الحسن بن علي عليهما السلام.

فقد خرج عن سلطان ملكه، و ضحّى بامكانياته الدنيوية كلها، في سبيل مبدئه، فما شك انسان قط في نيته و اخلاصه و استهدافه المصلحة، و سموّ تضحيته في اللّه. و سمي عامه «عام الجماعة» اشعارا بالاجماع على موافقته و الاخذ برأيه-عمليا-.

و تلك هي آية عظمته في التاريخ.

و آية مقامه المكين من قلوب المسلمين.

و آية سلطانه الروحي الذي لا يضيره نزع الصولجان.

و شكا بعضهم عزوفه-بهذه التضحية-عن معركة السلاح و كان من هؤلاء أفراد من كبار شيعته، و لكن أحدا ممن شكا ذلك بدوافعه الزمنية،

208

لم يشكّ قط في صحة ما أتاه الامام بدوافعه الدينية، من صلاح الامة، و حقن دمائها، و الانتصار لاهدافها.

و سترى فيما تقرأه قريبا-في الفصل الآتي-أن العاتبين لم ينصفوا الحسن فيما شكوه منه، أو عتبوا به عليه، و ان الحل الذي اتخذه الحسن للخروج من مشاكله الاخيرة، كان هو المخرج الوحيد لظرفه الخاص.

و لم يكن الحسن بن علي عليهما السلام، حين قرر النزول الى اصعب التضحيتين ألما في النفس، و أفضلهما أثرا في الدين، و اقلهما حدوثا في التاريخ، و أكبرهما قيمة في عرف الناس، مثارا لشبهة، أو مجالا لنقد، أو هدفا لاتهام، و أين يجد الاتهام أو الشبهة او النقد سبيله فيمن يختار من الوجوه أشدها على نفسه. و أنفعها لغيره، و أقربها الى ربه. و هو هو الرباني المعترف به، و المطهر بنص الكتاب عن كل ما يوجب شبهة أو خطأ او اتهاما.

و متى كانت الدنيا من حساب الحسن، حتى يطمع بالحياة فيها، و حتى يستأخر على حسابها ما ينتظره-في لقاء ربه-من المقام المحمود، و-في جوار جده و أبويه-من الكرامة، يحبونه بها و يزلفونه الى اللّه تعالى شأنه؟

و متى كان الحسن بن علي، الرعديد الجبان، حتى يخاف القتل، فيتقيه بالتنازل عن ملكه. و من أين تمت الى الحسن بن علي الجبانة يا ترى؟. أمن أبيه اسد اللّه و اسد رسوله، أم من جديه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و شيخ البطحاء، أم من عميه سيدي الشهداء العظيمين حمزة و جعفر، أم من اخيه أبي الشهداء، أم من مواقفه المشهورة في مختلف الميادين، يوم الدار و يوم البصرة و في مظلم ساباط (1) ، و هو ذلك الرئبال

____________

(1) يراجع «الفخري» عن موقف الحسن يوم الدار، و «كتاب الجمل» للمفيد عن مواقفه يوم البصرة، و «اليعقوبي» عن بسالته في حادثة مظلم ساباط.

209

الذي «اذا سار سار الموت حيث يسير» على حد تعبير عدوه فيه؟؟؟[و الفضل ما شهدت به الاعداء].

و كانت تضحيته بسلطانه لذاتها، من أروع آيات شجاعته، لو كانوا يشعرون.

فأين هو الطمع بالحياة، أو الخوف من القتل.

و ليس في موازين الحسن، الاّ مبادئه التي لا يوازنها في حسابه شي‏ء آخر، فرأى أن يفدي مبادئه بسلطانه ليحفظ كيانها و كرامتها، و ليحميها من الايدي العادية التي لا تخاف عاجل عار و لا آجل نار، و تولّى شطر هذه الخطة متساميا على الدنيا لا يتغير و لا ينحرف و لا يحيد، فاذا به المنتصر في صميم الخذلان، و الفاتح في صميم الهزيمة، و الظافر في صميم الانهيار.

و رضي لنفسه أن تحيا حياة أهون من آلامها الموت، صيانة لاهدافه من أن تموت، و رضي لنفسه أن تكون بكل وجودها أداة الخير للغير، دون أيّ استغلال أو استئثار أو احتكار. و هذا بمفرده، قصارى ما يصل إليه أفذاذ المصلحين في التاريخ، و قصارى ما تصبو إليه التربية الاسلامية لتحقيق وجهة النظر الاسلامي، في نشر الاصلاح في الناس، و في تعبئة المبادئ الصحيحة في المجتمع.

و كثير اولئك الذين خدموا مبادئهم، بتحمل النوائب في أنفسهم، الاّ أنّ أحدا من اولئك لم يبلغ مبلغ الحسن فيما تحمله، من الوانها المختلفة، التي اصطلحت عليه، و صحبته كظله الملازم له حتى ختمت حياته-في نهاية المطاف-بالنكبة الكبرى.

فكان-من جميع أطرافه-أمثولة الامام الصاعد في مثاليته، و المصلح العظيم الذي اختط للمصلحين، آلم التضحيات للنفس، في سبيل الابقاء على المبدأ.

210

و قاد الخطوات المقبلة، بما زهد فيه من حظوظ الدنيا العاجلة، فكان زهده في دنياه، و صبره على مثل حياته، و تضحيته بملكه، هو نفسه جهادا في سبيل اللّه، و انتصارا في خلود المبدأ، و أداته في الخلود. غ

211

سرّ الموقف‏

212

و لعلنا لم نأت الى الآن، بشي‏ء ينقع الغليل، أو يقنع كدليل فيما يرجع الى فهم السرّ الذي تجافى به الحسن عليه السلام، عن الشهادة قتلا و نزل منه الى قبول الصلح عمليا. و هنا نقطة التركز في قضية الحسن منذ حيكت من حولها الاقاويل الكثر، و النقدات النكر. و ليس في ما تتناوله بحوثنا في غضون هذه الدراسة الواسعة الخطوات، موضوع أجدر بالعناية و بالكشف و بالتحقيق من هذا الموضوع، بماله من الاهمية الذاتية القائمة بنفسه، و بما هو «سر الموقف» الذي لم يوفق لازاحة الستار عنه أحد في التاريخ-مدى ثلاثة عشر قرنا و نيفا-!.

و لكي نكون اكثر توفرا على الاخذ باسباب الغرض الذي نهدف إليه من هذا البحث، نبدأ اولا بنقل تصريحات اشهر المؤرخين في الموضوع، ثم نعود-بعد ذلك-الى غربلتنا الدقيقة للظرف القائم ساعة تسليم الحسن، و الى نتائجنا من البحث.

اليعقوبي في تاريخه:

«و كان معاوية يدس الى عسكر الحسن من يتحدث أن قيس بن سعد قد صالح معاوية و صار معه، و وجه الى عسكر قيس-بعد هزيمة عبيد اللّه ابن عباس و من معه-من يتحدث أن الحسن قد صالح معاوية و أجابه، و وجه معاوية الى الحسن المغيرة بن شعبة و عبد اللّه بن كريز و عبد الرّحمن ابن أم الحكم و أتوه و هو بالمدائن، نازل في مضاربه، ثم خرجوا من عنده و هم يقولون و يسمعون الناس: انّ اللّه‏

213

قد حقن بابن رسول اللّه الدماء و سكن الفتنة و أجاب الى الصلح، فاضطرب العسكر، و لم يشكك الناس في صدقهم، فوثبوا بالحسن، فانتهبوا مضاربه و ما فيها، فركب الحسن فرساله و مضى في مظلم ساباط، و قد كمن الجراح ابن سنان الاسدي، فجرحه بمغول‏ (1) في فخذه، و قبض على لحية الجراح ثم لواها، فدق عنقه، و حمل الحسن الى المدائن، و قد نزف نزفا شديدا، و اشتدت به العلة، فافترق عنه الناس. و قدم معاوية العراق فغلب على الامر، و الحسن عليل شديد العلة، فلما رأى الحسن ان لا قوة له به، و أن اصحابه قد افترقوا عنه فلم يقوموا له، صالح معاوية... » .

2 الطبرى:

«بايع الناس الحسن بن علي عليه السلام بالخلافة، ثم خرج بالناس حتى نزل المدائن، و بعث قيس بن سعد على مقدمته (كذا) في اثنى عشر الفا و أقبل معاوية في أهل الشام حتى نزل مسكن، فبينا الحسن في المدائن اذ نادى مناد في العسكر: الا ان قيس بن سعد قد قتل فانفروا، فنفروا و نهبوا سرادق الحسن عليه السلام، حتى نازعوه بساطا كان تحته و خرج الحسن حتى نزل المقصورة البيضاء بالمدائن، و كان عم المختار بن ابي عبيد عاملا على المدائن، و كان اسمه سعد بن مسعود، فقال له المختار و هو غلام شاب: هل لك في الغنى و الشرف؟، قال: و ما ذاك؟، قال: توثق الحسن و تستأمن به الى معاوية، فقال له سعد: عليك لعنة اللّه!، أثب على ابن بنت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم فأوثقه، بئس الرجل أنت!!. فلما رأى الحسن تفرق الامر عنه، بعث الى معاوية يطلب الصلح و بعث معاوية إليه عبد اللّه بن عامر و عبد الرّحمن بن سمرة بن حبيب بن عبد شمس، فقدما على الحسن بالمدائن، فأعطياه ما أراد و صالحاه» .

____________

(1) : (نصل طويل) .

214

3 ابن الاثير في الكامل:

«فلما نزل الحسن المدائن، نادى مناد في العسكر: الا ان قيس بن سعد قتل فانفروا، فنفروا بسرادق الحسن و نهبوا متاعه» ..

(و ساق حديث الطبرى المذكور قبله) ، ثم قال:

«.. و قيل انما سلم الحسن الامر الى معاوية، لانه لما راسله معاوية في تسليم الخلافة (كذا) ، خطب الناس، فحمد اللّه و اثنى عليه و قال:

انا و اللّه ما يثنينا عن أهل الشام شكّ و لا ندم، و انما كنا نقاتل أهل الشام بالسلامة و الصبر، فشيبت السلامة بالعداوة و الصبر بالجزع، و كنتم في مسيركم الى صفين، و دينكم امام دنياكم، و أصبحتم اليوم و دنياكم أمام دينكم. الا و قد أصبحتم بين قتيلين قتيل بصفين تبكون له، و قتيل بالنهروان تطلبون بثاره. أما الباقي فخاذل، و أما الباكي فثائر. الا و ان معاوية دعانا لامر ليس فيه عزّ و لا نصفة، فان أردتم الموت رددناه عليه و حاكمناه الى اللّه عز و جل بظبا السيوف. و ان اردتم الحياة قبلناه و اخذنا لكم الرضا.. فناداه الناس من كل جانب: البقية البقية، و أمض الصلح» .

4 ابن أبى الحديد في شرح النهج:

«عن المدائني، قال: ثم وجه عبد اللّه بن عباس (كذا) و معه قيس بن سعد بن عبادة مقدمة له في اثنى عشر الفا الى الشام، و خرج هو يريد المدائن فطعن بساباط و انتهب متاعه، و دخل المدائن و بلغ ذلك معاوية فاشاعه، و جعل اصحاب الحسن الذين وجههم مع عبد اللّه يتسللون الى معاوية،

215

الوجوه و أهل البيوتات، فكتب عبد اللّه بن عباس بذلك الى الحسن عليه السلام، فخطب الناس و وبخهم و قال: خالفتم أبي حتى حكّم و هو كاره، ثم دعاكم الى قتال أهل الشام بعد التحكيم، فأبيتم حتى صار الى كرامة اللّه ثم بايعتموني على أن تسالموا من سالمني و تحاربوا من حاربني، و قد أتاني أن اهل الشرف منكم قد أتوا معاوية و بايعوه، فحسبي منكم لا تعروني من ديني و نفسي. و أرسل عبد اللّه بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب، و أمه هند بنت أبي سفيان بن حرب الى معاوية يسأله المسالمة، و اشترط عليه العمل بكتاب اللّه و سنة نبيه، و ان لا يبايع لأحد بعده» .

5 المفيد في الارشاد:

«و كتب جماعة من رؤساء القبائل الى معاوية بالسمع و الطاعة في السرّ و استحثوه على المسير نحوهم، و ضمنوا له تسليم الحسن إليه عند دنوّهم من عسكره، أو الفتك به، و بلغ الحسن ذلك، و ورد عليه كتاب قيس بن سعد و كان قد أنفذه مع عبيد اللّه بن العباس عند مسيره من الكوفة، ليلقى معاوية و يرده عن العراق، و جعله أميرا على الجماعة. و قال: ان أصبت فالامير قيس بن سعد. فوصل كتاب قيس بن سعد يخبره أنهم نازلوا معاوية بقرية يقال لها الجنوبية بازاء مسكن، و أن معاوية ارسل الى عبيد اللّه بن العباس يرغبه في المصير إليه، و ضمن له الف الف درهم، يعجل له منها النصف و يعطيه النصف الآخر عند دخوله الى الكوفة. فانسل عبيد اللّه في الليل الى معسكر معاوية في خاصته، و أصبح الناس قد فقدوا اميرهم فصلى بهم قيس بن سعد و نظر في أمورهم. فازدادت بصيرة الحسن بخذلان القوم له، و فساد نيات المحكمة فيه بما اظهروا من السب و التكفير له و استحلال دمه و نهب امواله، و لم يبق معه من يأمن غوائله الاّ خاصته من‏

216

شيعة أبيه و شيعته، و هم جماعة لا تقوم لاجناد الشام. فكتب إليه معاوية في الهدنة و الصلح، و أنفذ إليه بكتب أصحابه الذين ضمنوا له فيها الفتك به و تسليمه إليه، فاشترط له على نفسه في اجابته الى صلحه شروطا كثيرة، و عقد له عقودا كان في الوفاء بها مصالح شاملة. فلم يثق به الحسن و علم باحتياله بذلك، و اغتياله، غير أنه لم يجد بدا من اجابته الى ما التمس من ترك الحرب و انفاذ الهدنة، لما كان عليه أصحابه مما وصفناه من ضعف البصائر في حقه و الفساد عليه و الخلف منهم له، و ما انطوى عليه كثير منهم في استحلال دمه، و تسليمه الى خصمه، و ما كان من خذلان ابن عمه له، و ميله الى عدوه، و ميل الجمهور منهم الى العاجلة و زهدهم في الآجلة.. » .

أقول:

ثم لا تجد في أكثر الموسوعات التاريخية الاخرى، عرضا يحفل بشي‏ء من التفصيل عن قضية الحسن عليه السلام، يشبه هذه العروض، على ما بينها من تضارب في استعراض الحقائق التاريخية، و على ما فيها من نقص في العرض و اختزال في التعبير.

فيرى أحدهم-كما رأيت-ان الذي طلب الصلح هو الحسن، و يرى الآخر أنه معاوية، و يرى بعضهم ان سبب طلبه الصلح أو قبوله اياه هو فتن الشام في المعسكرين‏[مسكن و المدائن‏]، ثم يختلفون في نوع الفتنة. بينما يرى البعض الآخر ان سبب قبول الصلح من جانب الحسن هو تفرق الناس عنه بعد اصابته و مرضه. و يرى ثالث منهم أن السبب هو نكول الناس عن القتال معه كما يدل عليه جوابهم على خطبته «بالبقية البقية» و قولهم له صريحا «و أمض الصلح» . و يرى الرابع، ان فرار قائده و خيانة اصحابه و استحلال بعضهم دمه و عدم كفاية الباقين للقتال، هو السبب لقبوله الصلح.

ثم لا يزالون مختلفين في تسمية قائد المقدمة، فيسميه أحدهم عبد اللّه ابن عباس، و يسميه الثاني قيس بن سعد بن عبادة، و يسميه الثالث عبيد اللّه‏

217

ابن العباس...

و ما انكى النكبة التي تتعرض لها القضية التاريخية، حين يخبط بها مؤرخوها هذا الخبط، و يخلطون حقائقها بموضوعاتها هذا الخلط.

و مرت المصادر الاخرى على هذه القضية، مرورها على القضايا الهامشية في التاريخ، دون أن تستفزها الاحداث الكبرى، التي حفلت بها هذه الحقبة القصيرة من الزمن، التي هي عهد الحسن في الخلافة الاسلامية العامة، و عهد الفصل بين السلطتين الروحية و الزمنية، و عهد انقلاب الخلافة الى الملك، و عهد انبثاق الحزازات الطائفية في الاسلام.

*** و لم يعن مؤرخو قضية الحسن من الصنفين-المفصلين و الموجزين- بأكثر من الاشارة الى الظروف المتأزمة التي كان من طبيعتها أن تشفع لدى الحسن بقبول الصلح أو تضطرّه إليه، فمن مذعن ساكت لا يبدي رأيا، و من مصوب عاذر يتزيد الحجج و يعدد المعاذير، و من ناقد جاهل خفي عليه «سر الموقف» فراح يكشف عن سر نفسه من التعصب الوقح و التحامل المرير.

و لم يكن فيما توفر عليه كل من الاصدقاء و الناقمين في استعراضهم التاريخي للمآزق التي تعرض لها الحسن عليه السلام، ما يحول بنسقه دون النقد الجارح‏[أو قل‏]ما يجيب بأسلوبه على السؤال المتأدب، في عزوف الحسن عن «الشهادة» التي كانت-و لا شك-افضل النهايتين، و أجدرهما بالامام الخالد.

و كان الكلام على كشف هذا السرّ لو قدروا عليه هو نفسه الدليل الكاشف عن السبب الجوهري فيما صار إليه الامام من اختيار الصلح، دون أن يحتاجوا الى جهد آخر في تعداد المحن أو استعراض المآزق الصعاب لان شيئا من ذلك لا يدلّ في عرف الناقمين و لا المستفهمين، على انحصار المخرج بالصلح، و لا يغلق في وجوههم، احتمال ظرف الحسن للشهادة،

218

كما احتملها ظرف اخيه الحسين، فيما كان قد اصطلح عليه من مضايقات هي في الكثير من ملامحها، صورة طبق الاصل عن ظروف أخيه، و قد خرج منها بالشهادة دون الصلح، و كانت آية خلوده في تاريخ الانسانية الثائرة على الظلم.

اذا، فلما ذا لم يفعل الحسن اولا، ما فعله الحسين اخيرا؟.

أ لجبن-و استغفر اللّه-و ما كان الحسين باشجع من الحسن جنانا، و لا امضى منه سيفا، و لا اكثر منه تعرضا لمهاب الاهوال. و هما الشقيقان بكل مزاياهما العظيمة، خلقا، و دينا، و تضحية في الدين، و شجاعة في الميادين، و ابنا أشجع العرب، فأين مكان الجبن منه يا ترى؟.

أم لطمع بالحياة، و حاشا الامام الروحي المعطر التاريخ، أن يؤثر الحياة الدنيا، على ما ادخره اللّه له من الكرامة و الملك العظيم، في الجنان التي هو سيد شبابها الكريم، و الطليعة من ملوكها المتوجين، و ما حياة متنازل عن عرشه، حتى تكون مطمعا للنفوس العظيمة التي شبت مع الجهاد، و ترعرعت على التضحيات؟.

أم لانه رضي معاوية لرئاسة الاسلام، فسالمه و سلم له، و ليس مثل الحسن بالذي يرضى مثل معاوية، و هذه كلماته التي أثرت عنه في شأن معاوية، و كلها صريحة في نسبة البغي إليه، و في وجوب قتاله، و في عدم الشك في أمره، و في كفره اخيرا.

فيقول فيما كتبه إليه أيام البيعة في الكوفة: «ودع البغي و احقن دماء المسلمين، فو اللّه مالك خير في أن تلقى اللّه من دمائهم بأكثر مما أنت لاقيه به‏ (1) !.. » .

و يقول و هو يجيب أحد اصحابه العاتبين عليه بالصلح: «و اللّه لو وجدت انصارا لقاتلت معاوية ليلي و نهارى‏ (2) » .

____________

(1) شرح النهج (ج 4 ص 12) .

(2) احتجاج الطبرسي (151) .

219

و يقول في خطابه التاريخي في المدائن «انا و اللّه ما يثنينا عن أهل الشام شك و لا ندم.. » .

و يقول لابي سعيد فيما نقلناه عنه آنفا: «علة مصالحتي لمعاوية علة مصالحة رسول اللّه لبني ضمرة و بني أشجع و لاهل مكة، حين انصرف من الحديبية، اولئك كفار بالتنزيل، و معاوية و أصحابه «كفار» بالتأويل.

اذا، فما سالم معاوية رضا به، و لا ترك القتال جبنا عن القتال، و لا تجافى عن الشهادة طمعا بالحياة، و لكنه صالح حين لم يبق في ظرفه احتمال لغير الصلح، و بذلك ينفرد الحسن عن الحسين، اذ كان للحسين مخرجان ميسّران من ظرفه-الشهادة و الصلح-و لن يتأخر افضل الناس عن أفضل الوسيلتين، اما الحسن فقد اغلق في وجهه طريق الشهادة، و لم يبق أمامه الاّ باب واحد لا مندوحة له من ولوجه.

و أقول ذلك و انا واثق بما أقول.

و قد يبدو مستغربا قولي‏[أغلق في وجهه طريق الشهادة]، و هل شهادة المؤمن الذي نزل للّه عن حقه في حياته، الا أن يقتحم الميدان مستقتلا في سبيل اللّه، تاركا ما في الدنيا للدنيا، و بائعا للّه نفسه تنتاشه السيوف، و تنهل من دمه الاسنة و الرماح، فاذا هو الشهيد الخالد. و كيف يغلق مثل هذا على مجاهد له من ميدانه متسع للجهاد؟. و للحسن ميدانه الذي يواجه به العدوّ في «مسكن» ، فلما ذا لم يخفّ إليه؟. و لم لم نسمع أنه وصله أو بارز العدوّ فيه، أو اقتحمه اقتحامة الموت، يوم ضاقت به الدنيا، فسدّت في وجهه كل باب الا بابا واحدا؟. و انه لو فعل ذلك فبرز الى ميدانه مستميتا، لاستمات بين يديه عامة شيعته المخلصين لاهدافه، فانما كانوا ينتظرون منه كلمته الاخيرة لخوض غمرات الموت.

نعم، و من هنا كان مهبّ الرياح التي اجتاحت قضية الحسن بين قضايا أهل البيت عليهم السلام، و من هنا جاءت الشبهات التي نسجت هيكل المشكلة التاريخية التي لغا حولها اللاغون ما شاء لهم اللغو، فزادوا

220

الواقع تعقيدا و ابتعادا به عن فهم الناس.

ثم كان من طبيعة هذا اللغو-أبعد ما يكون عن التغلغل في الصميم من تسلسل الحوادث-أن يرتجل الاحكام، و أن يتناول قبل كل شي‏ء سياسة الحسن فينبزها بالضعف، و يتطاول عليها بالنقد غير مكترث و لا مرتاب.

و سنرى بعد البحث، أيّ هاتيك الآراء مما اختاره الحسن أو مما افترضه الناقدون، كان أقرب الى الصواب، و انفذ الى صميم السياسة.

و ما كان الحسن في عظمته بالرجل الذي تستثار حوله الشبه، و لا بالزعيم الذي يسهل على ناقده أن يجد المنفذ الى نقده و المأخذ عليه.

*** و اذ قد انتهينا الآن عامدين، الى مواجهة المشكلة في صميمها، و بما حيك حولها من نقدات و نقمات، فمن الخير أن نسبق الكلام على حلها، باستحضار حقائق ثلاث، هنّ هنا أصابع البحث التي تمتد بتدرّج رفيق الى كشف الغطاء عن السرّ، فاذا الموضوع كله وضوح بعد تعقيد، و عذر بعد نقمة، و تعديل بعد تجريح.

الاولى في بيان معنى الشهادة.

و الثانية في رسم صورة مصغرة عن الواقع الذي حاق بالحسن في لحظاته الاخيرة في «المدائن» .

و الثالثة في خطة معاوية تجاه أهداف الحسن عليه السلام.

و سيجرنا البحث الى التلميح بحقائق تقدم عرضها في أطواء دراستنا السابقة في الكتاب، و لكن الحرص على استيفاء ما يجب أن يقال هنا، هو الذي سوّغ لنا هذا التجاوز فرأيناه جائزا.

الشهادة في اللّه:

221

و هي بمعناها الذي يصنع الحياة، تضحية النفس لاحياء معروف او اماتة منكر.

و ليس منها التضحية لغاية ليست من سبل اللّه، و لا التضحية في ميدان ليس من ميادين الامر بالمعروف و النهي عن المنكر.

فلو قتل كافر مسلما في ساحة جهاد، كان المسلم شهيدا.

و لو قتل باغ مسلما في ميدان دفاع كان المسلم شهيدا.

اما لو قتل مسلم مسلما في نزاع شخصي، أو قتله انتصارا لمبدإ ديني صحيح، فلا شهادة و لا مجادة، ذلك لان الكرامة التي تواضع عليها تاريخ الانسانية للشهيد، هي أجرة تضحيته بروحه في سبيل المصلحة العامة فلا الحوادث الشخصية، و لا التضحيات التي تناقض المصلحة في خط مستقيم، مما يدخل في معنى الشهادة.

و قتلة اخرى، أضيع دما، و أبعد عن «الشهادة» معنى و اسما، هي ميتة رئيس يثور به أتباعه و ذوو الحق في أمره، فيلقونه ارضا. و المجموع في كل مجتمع هو مصدر السلطات لكل من يتولى شيئا من أموره باسمه، و كانت هذه هي القاعدة التي بنيت عليها السلطات الجماعية في الاسلام، و على هذه القاعدة قال المسلم الاول لعمر بن الخطاب: «لو وجدنا فيك اعوجاجا لقوّمناه بسيوفنا» .

و انما كانت هذه القتلة أضيع دما، و أبعد عن الشهادة اسما، لان الايدي الصديقة التي اجتمعت على اراقة هذا الدم، كانت في ثورتها لحقها، و تضافرها الناطق ببلاغة حجتها، أولى عند الناس بالعذر.. «و لان الامة التي ولّته هي التي تقيم عليه الحدود» -على حد تعبير القفال الشافعي-.

فعثمان-مثلا-الذي كان ثالث ثلاثة من أكبر الشخصيات التاريخية، التي هزّت الارض بسلطانها المرهوب، مات مقتولا بسلاح الثائرين من ذوي الحق في أمره. فلم يستطع التاريخ، و لم يوفق اصدقاؤه في التاريخ،

222

أن يسجلوا له «الشهادة» كما تقتضيها كلمة «شهيد» .

أما ذلك العبد الاسود الفقير، الذي لم يكن له من الاثر في الحياة، ما يملأ الشعور أو يشغل الذاكرة[جون مولى أبي ذر الغفاري‏]، فقد أرغم التاريخ على تقديسه، لانه قتل في سبيل اللّه فكان «الشهيد» بكل ما في الكلمة من معنى.

اذا، فليس من شروط الشهادة و لا من لوازم كرامتها، أن لا تكون الا في العظيم، و ليس من شروط العظيم اذا قتل أيّ قتلة كانت، ان يكون شهيدا على كل حال.

و لندع الآن هذا التمهيد لنخطو عنه الى الموضوع الثاني، ثم لنأخذ منه حاجتنا عند اقتضاء البحث.

2 صورة مصغرة عن الوضع الشاذ في المدائن:

علمنا مما سبق-و بعض الاعادة ضرورة للبحث-أن خيرة أجناد الحسن كان في الركب الذي سبقه في مقدمته الى «مسكن» ، و أن الفصائل التي عسكر بها الحسن في «المدائن» كانت من أضعف الجيوش معنوية، و من أقربها نزعة الى النفور و القلق و الانقسام.

و علمنا أنه فوجئ في أيامه الاول من المدائن-و لما يتلقّ نجداته من معسكراته الاخرى-بوادر ثلاث، كانت نذر الكارثة على الموقف.

1-أنباء الخيانة الواسعة النطاق في «مسكن» .

2-الشائعة الاستفزازية التي ناشدت الناس بأن ينفروا، لان قيس ابن سعد-و هو القائد الثاني على جيش مسكن-قد قتل!.

3-فتنة الوفد الشامي الذي جاء ليعرض كتب الخونة الكوفيين على الامام، ثم خرج و هو يعلن في المعسكر أن الحسن اجاب الى الصلح!.

223

و في هذا الجيش-كما قدمنا في الفصل (8) -، أصحاب الفتن، و أصحاب الطمع بالغنائم، و الخوارج، و غيرهم، و لم يكن لهؤلاء مرتع أخصب من هذه الفتن التي زرعتها هذه البوادر المؤسفة الثلاث.

و جمع الحسن الناس فخطبهم و ناشدهم سلامة النية و حسن الصبر، و ذكرهم بالمحمود من أيامهم في صفين، ثم نعى عليهم اختلافهم في يومه منهم. و كان أروع ما أفاده الحسن من خطابه هذا، أنه انتزع من الناس اعترافهم على انفسهم بالنكول عن الحرب صريحا، و استدرجهم الى هذا الاعتراف بما تظاهر به من استشارتهم فيما عرضه عليه معاوية، فقال في آخر خطابه: «الا و ان معاوية دعانا لامر ليس فيه عزّ و لا نصفة، فان أردتم الموت رددناه عليه و حاكمناه الى اللّه عزّ و جل بظبا السيوف، و ان أردتم الحياة قبلناه منه و أخذنا لكم الرضا؟» . فناداه الناس من كل جانب:

«البقية البقية و أمض الصلح‏ (1) » .

أقول: و ليس في تاريخ قضية الحسن عليه السلام روايتان كثر رواتهما حتى لقد أصبحت من مسلمات هذا التاريخ، كرواية جواب الناس على هذه الخطبة بطلب البقية و امضاء الصلح، و رواية ثورة الناس في المدائن انكارا للصلح و الحاحا على الحرب!!. و ليت شعري. فأيّ الرأيين كان هدف هؤلاء الناس؟.

و هل هذه الاّ بوادر الانقسام الذي أشرنا إليه آنفا، بل «الفوضى» التي لن يستقيم معها ميدان حرب، و التي لا تمنع ان يكون المنادون بالصلح من كل جانب هم المنادين بالحرب انفسهم.

و ما للفوضى و دعوة جهاد و صحبة امام؟!

و على أيّ، فقد كان هذا أحد الوان معسكر المدائن و أحد ظواهر التلوّن في عساكره و تحكّم العناصر المختلفة في مقدراته.

____________

(1) ابن خلدون و ابن الاثير و البحار و غيرهم-و كنا عرضنا القسم الاول من هذه الخطبة فيما رويناه في تصريحات المؤرخين من هذا الفصل.

224

و لقد تدل ملامح النداء بالتكفير للحسن عليه السلام من قبل السائرين عليه من جنوده هناك، أنه كان لسان حال «الخوارج» ، و كانت هذه هي لغتهم النابية اذا استشرى غضبهم على أحد من المسلمين أو أئمة المسلمين.

و انهم اذ يستغلون هذه اللحظة، أو يبعثونها من مرقدها، فانما كانوا يقصدون التذرّع الى أعظم جريمة في الدم الحرام، وفق مبادئهم الجهنمية التي طعن بها أحدهم الامام الحسن في فخذه فشقه حتى بلغ العظم!.

و تدل ملامح النهب و السلب الذي مزّق الستار و تناول حتى رداء الحسن و مصلاه، على أنه كان عمل الفريق الآخر الذي سمته المصادر «أصحاب الطمع بالغنائم» .

و يدل طغيان الفتنة و سرعة انتشار الاضطرابات في المعسكر على أنه صنيعة «أصحاب الفتن» الذين كان يعج بهم هذا الجيش منذ كان في الكوفة و منذ انتقل الى المعسكرين تحت لواء الجهاد المقدس!.

و هكذا جمحت الفتنة في المدائن جماحها الذي خرجت به من أعنّة المخلصين و المنظمين، و حال الاكثرون بأحداثهم دون قيام الاقلين بواجبهم، و لم يعد لهذا الجيش من الاستقرار ما يستطيع به الثبات، و لا من الاهداف الاّ الاهداف الطائشة. فان لم يتسنّ لهم قتال معاوية فليقتلوا الحسن امامهم، و ان لم يبلغوا غنائم الحرب من أعدائهم فليتبلغوا بالغنائم من نهب أصدقائهم، و ان لم يمكنهم الفرار الى معاوية-كما فعل أمثالهم في المعسكر الثاني-فليكتبوا الى معاوية ليجى‏ء هو إليهم!!!

و كان هذا هو ما حفظه التاريخ على هذه المجموعة من الناس، أمّا ما نسيه التاريخ أو تناساه أو حيل بينه و بين ذكره، فذلك ما لا يعلمه الا اللّه عز و جل.

ترى، فهل لو وضعنا معاوية مكان الحسن من هذه اللحظة أو من هذا الجيش بما لمعاوية من دهاء و سخاء، أ كان يستطيع أن يخرج من مآزقه بأحسن مما خرج به الحسن مضمون السلامة على مبادئه و خططه و مستقبله؟.

225

و لكي نزداد تحرّيا. للاسباب التي أغلقت في وجه الحسن طريق الشهادة الكريمة، ننتقل بالقارئ الى الموضوع الثالث من مراحل هذه الجولة الكئيبة الخطوات.

-3- خطة معاوية من أهداف الحسن (ع)

و مات بموت عثمان لقب «الوالي» عن معاوية، و لا نعرف ما كان يجب أن يلقب به بعد ذلك، و لا نوع مسئوليته في العرف الاسلامي.

و قد علمنا أن الخليفتين الشرعيين عليا و ابنه الحسن (عليهما السلام) لم يولّياه، فليس هو بالوالي، و علمنا أن الاسلام لا يتسع في تشريعه لخليفتين في عصر واحد، فليس هو بالخليفة.

اذا، فما معاوية بعد عثمان؟.

لا ندري.

نعم، انه شهر السلاح في وجه هذين الخليفتين منذ عزل عن ولاية الشام، و رأينا أن التشريع الاسلامي يثبت للقائم بمثل عمله هذا، لقبا نشك أن يكون معاوية رضى به لنفسه، و هذا اللقب هو «الباغي» .

ترى، فهل كان هو يعرف لنفسه لقبا آخر غير زعامة البغاة؟.

و المظنون أن معاوية في طموحه العتيد، لم يكن بالذي يزعجه أن يظل مجهول اللقب، أو محكوما في «الشرع» بلقب الباغي، ما دام هو في طريقه الى غزو أكبر الالقاب بالقوة، رضي الشرع أو أبى. فهو الملك-بعد ذلك-على لسان سعد بن أبي وقاص، و هو «الخليفة» و

226

«أمير المؤمنين» على لسان مسلم‏ (1) بن عقبة و المغيرة (2) بن شعبة و عمرو (3) ابن العاص، و هو المتنعم الدنيوي الذي «لم يبق شي‏ء يصيبه الناس من

____________

(1) هو صاحب واقعة الحرة في مدينة الرسول صلّى اللّه عليه و آله يوم أباحها ثلاثا شر اباحة. و هو هادم الكعبة (زادها اللّه شرفا) يوم رماها فالمنجنيق. و كان معاوية هو الذي نصح لابنه يزيد، فيما مهد له من الامور. بأن يولي «مسلما» هذا. قال له: «ان لك من أهل المدينة ليوما، فان فعلوا فارمهم بمسلم بن عقبة فانه رجل قد عرفت نصيحته!!. »

«يراجع الطبرى و البيهقي و ابن الاثير» .

(2) كان المغيرة[فيما يحدثنا عنه البيهقي في المحاسن و المساوئ‏] اول من رشي في الاسلام. و كان‏[فيما يحدثنا به سائر مؤرخته‏]الوسيط في قضية استلحاق زياد-رغم النواميس الاسلامية-. و كان السابق الى ترشيح يزيد بن معاوية للخلافة، و هو الذي يقول في ذلك: «لقد وضعت رجل معاوية في غرز بعيد الغاية على أمة محمد، و فتقت عليهم فتقا لا يرتق أبدا!!.. » -. و كان هو الذي عناه حسان بن ثابت بقوله:

لو ان اللؤم ينسب كان عبدا # قبيح الوجه أعور من ثقيف‏

تركت الدين و الايمان جهلا # غداة لقيت صاحبة النصيف‏

و راجعت الصبا و ذكرت لهوا # من الاحشاء و الخصر اللطيف‏

(3) نار على علم. اعتركت الدنيا و الآخرة على قلبه-على حد تعبير غلامه «وردان» -فقدم الدنيا على الآخرة، و شايع معاوية على أن تكون له مصر طعمة، فلا ظفرت يد البائع و خزيت أمانة المبتاع.

روى ابن عبد ربه بسنده الى الحسن البصرى قال: «علم معاوية و اللّه ان لم يبايعه عمرو لم يتم له أمر، فقال له: يا عمرو اتبعني. قال: لما ذا؟ أ للآخرة فو اللّه ما معك آخرة، أم للدنيا فو اللّه لا كان حتى أكون شريكك فيها: قال: فانت شريكي فيها. قال: فاكتب لي مصر و كورها. فكتب له مصر و كورها. و كتب في آخر الكتاب: و على عمرو السمع و الطاعة.

قال عمرو: و اكتب ان السمع و الطاعة لا يغيران من شرطه شيئا. قال معاوية: لا ينظر الى هذا. قال عمرو: حتى تكتب... !!» .

و رضي الصحابي المسن الذي مات في الثامنة و التسعين أن يختم هذا العمر المديد على مثل هذه المداورة الخبيثة في الدين، و راح يقول غير مبال:

«لو لا مصر و ولايتها لركبت المنجاة منها فاني أعلم ان علي بن أبي طالب على الحق، و أنا على ضده!» .

اما بواكير حياته فكانت أبعد اثرا في النكاية بالاسلام و نبي الاسلام-

227

____________

ق- (ص) . و هو اذ ذاك أحد السهميين الذين ساهموا في فكرة قتل النبي (ص) ليلة الفراش في مكة. و هو «الابتر» المقصود بقوله تعالى‏ «إِنَّ شََانِئَكَ هُوَ اَلْأَبْتَرُ» . ثم كان بعد ذلك من المساهمين في التأليب على عثمان، و لم يخرج الى فلسطين حتى نكأ القرحة كما قال هو عن نفسه يوم بلغه مقتل عثمان.

و التحق اخيرا بمعاوية على هذه المساومة المفضوحة. و نجا من القتل المحقق في صفين بأشنع وسيلة عرفها التاريخ. ثم كان صاحب الفكرة في رفع المصاحف التي فتن بها المسلمين و نقض بها فتل الاسلام. و حضرته الوفاة فقال لابنه: «اني قد دخلت في أمور لا أدري ما حجتي عند اللّه فيها» . ثم نظر الى ماله فرأى كثرته فقال: «يا ليته كان بعرا، يا ليتني مت قبل هذا بثلاثين سنة، أصلحت لمعاوية دنياه و أفسدت ديني، آثرت دنياي و تركت آخرتي، عمي على رشدي حتى حضرني أجلى» . و خلف من المال ثلاثمائة الف دينار ذهبا و مليوني درهم فضة عدا الضياع. و كان رسول اللّه (ص) يقول فيه و في معاوية: «انهما ما اجتمعا الا على غدر» . أخرج هذا الحديث كل من الطبراني و ابن عساكر، و أخرج أحمد و ابو يعلى في مسنديهما عن أبى برزة قال: «كنا مع النبي (ص) فسمع صوت غناء فقال: انظروا ما هذا. فصعدت فاذا معاوية و عمرو بن العاص يتغنيان فجئت فأخبرت النبي (ص) فقال: اللهم أركسهما في الفتنة ركسا. اللهم دعهما في النار دعا» . و عن تطهير الجنان لابن حجر: «أن عمرا صعد المنبر فوقع في علي ثم فعل مثله المغيرة بن شعبة، فقيل للحسن: اصعد المنبر لترد عليهما، فامتنع الا أن يعطوه عهدا انهم يصدقونه ان قال حقا و يكذبونه ان قال باطلا فأعطوه ذلك، فصعد المنبر، فحمد اللّه و أثنى عليه ثم قال: انشدك اللّه يا عمرو و يا مغيرة، أ تعلمان ان رسول اللّه لعن السائق و القائد أحدهما فلان -يعني معاوية-، قالا: بلى، ثم قال: أنشدك اللّه يا معاوية و يا مغيرة أ لم تعلما ان النبي لعن عمرا بكل قافية قالها لعنة، فقالا: اللهم بلى، ثم قال:

أنشدك اللّه يا عمرو و يا معاوية أ لم تعلما ان النبي لعن قوم هذا-يعني المغيرة-قال الحسن فاني احمد اللّه الذي جعلكم فيمن تبرأ من هذا-يعني عليا-» . و كان ابن العاص هذا، هو الذي عناه الصحابي الكريم عمار بن ياسر (رض) بقوله للمجاهدين في صفين: «أ تريدون ان تنظروا الى من عادى اللّه و رسوله و جاهدهما، و بغى على المسلمين و ظاهر المشركين، فلما رأى اللّه عز و جل يعز دينه و يظهر رسوله صلّى اللّه عليه و سلم، أسلم و هو فيما نرى راهب غير راغب. ثم قبض اللّه رسوله (ص) فو اللّه ان زال بعده معروفا بعداوة المسلم و هوادة المجرم. فاثبتوا له و قاتلوه، فانه يطفئ نور اللّه و يظاهر أعداء اللّه عز و جل!!» (الطبرى، ابن أبي الحديد، المسعودي، و غيرهم) .

228

الدنيا الا و قد أصابه» -على حد تعبيره عن نفسه-. و لن يضيره بعد اعتراف ابن العاص و ابن عقبة و ابن شعبة له بالخلافة و امارة المؤمنين، أن يكون التشريع الاسلامي ينكر عليه هذا اللقب، لانه لا يسيغ غزو الالقاب الدينية بالقوة، و لا يسبغ لقب «الخليفة» على أحد، الا عند قرب الشبه بين صاحبه و بين النبي (ص) ، و يصرفه دائما عن الرجل الذي يكون بينه و بين النبي كما بين دينين.

و لا ندري على التحقيق مبلغ ما كلفت معاوية هذه الالقاب في دينه، يوم غزاها لنفسه، أو يوم غزاها لابنه يزيد، و انه لاعرف الناس بابنه؟!.

و لا ندري مبلغ اهتمام الرجل، بمحاسبة نفسه تجاه اللّه، فيما كان يجب أن يحاسبها عليه؟.

و لكننا علمنا-على ضوء محاولاته الكثيرة في الاخذ و الرد-، أنه لم يعن بمحاسبة نفسه قطّ، و علمنا أن الانانية الطموح كانت تملأ مجاهل نفسه، فتنسيه موقفه الواهن-المفضوح الوهن-الواقف في مهاب الرياح، و المتركز في حقيقته على خيوط العنكبوت، يوم طارت من حواليه الالقاب كلها.

و علمنا أن قبليته الطاغية الجامحة، كانت تأخذ عليه منافذ تفكيره، فتريه من شهادة ابن العاص له بالخلافة، و من ترشيح المغيرة بن شعبة ابنه يزيد لامارة المؤمنين، مبررا يردّ به الصريح من شرائط الاسلام. و هل كانت هذه الشهادة أو ذاك الترشيح، الاّ نبت المساومات الرخيصة على ولاية مصر و ولاية الكوفة، كما هو الثابت تاريخيا؟.

و لا عجب من «ابن أبي سفيان» ان يكون كما كان، و هو الاموي الصريح، أو الاموي اللصيق الذي يعمل جاهدا ليكون أمويا صريحا (1) .

____________

(1) يراجع الزمخشري في «ربيع الابرار» و ابن السائب في «المثالب و ابو الفرج في «الاغاني» و ابن السمان في «مثالب بني أميّة» و جعفر بن محمد الهمداني في «بهجة المستفيد» . ثم ليكن القارئ بعد ذلك عند اختياره في نسبة معاوية الى أي آبائه الاربعة المذكورين هناك باسمائهم.

اقول: و الى ذلك يشير سيد العرب في نهجه بقوله: «و ليس الصريح كاللصيق» .

غ

229

و للأموية و الهاشمية تاريخهما الذي يصعد بهما حتى يلتقيا و ينزل معهما كلما نزل الزمان.

و كان من طبيعة «ردّ الفعل» في النفوس التي شبت مع العنعنات القبلية جاهلية و اسلاما، و التي قبلت الاسلام مرغمة يوم الفتح، ثم لم تهضم الاسلام-كما يريده الاسلام-أن تكون دائما عند ذحولها من الضغائن الموروثة، و الترات القديمة العميقة الجروح.

و كان معاوية-بعد الفتح-و على عهد النبوة الطالعة بالنور، الطليق «الحافي القدمين» كما يحدثنا هو عن نفسه. امّا في الدور الذي تململ معه النفوذ الاموي ليسترجع مكانته في المجتمع، و على عهد السياسة الجديدة الني رشحت للشورى عضوا أمويا عتيدا، فلم لا يكون ابن عم عثمان والي الشام القوي المرهوب، الذي يصطنع الاعوان و المؤيدين، و يسترضي الاتباع و الاجناد و المشاورين، و يتخذ القصور و الستور و البوابين، و في ثروة ولايته ما يسع كل صاحب طمع أو بائع ضمير أو لاحسن قصعة!!.

و لئن كان معاوية في دور النبوة الرعية المخذول العاجز عن الانتصاف لنفسه و لقبيله من القوة التي غلبت على أمره و أمر قبيله، فلم لا يحاسب تلك القوة حسابها العسير في الدور الذي ملك فيه مقاليد القوة بنفسه أو بقبيله، و لم لا يعود الى طبيعته فيتحسس بذحوله القديمة من الابناء و الاخوة و الاصحاب، و يأخذ بثاره من المبادئ و الاهداف؟. و لذلك فقد كان من المنتظر المرقوب لمعاوية، أن يشنّ غاراته المسلحة على عليّ و الحسن (عليهما السلام) في أول فرصة تمكنه من ذلك، و أن يشن معها حروبه (الباردة) الاخرى، التي كانت أطول الحربين أمدا، و أبعدهما را، و أفظعهما نكالا في الاسلام.

و يستدل من كثير كثير من الاعمال الدبلوماسية التي قام بها معاوية في عهده الطويل الامد، أنه كان قد قرر التوفر على حملة واسعة النطاق لتحطيم المبادئ العلوية، أو قل لتحطيم جوهرية الاسلام متمثلة في دعوة

230

علي و أولاده المطهّرين عليهم السلام.

و يظهر أنه كان ثمة أربعة أهداف تكمن وراء هذه الحملة.

1-شلّ الكتلة الشيعية-و هي الكتلة الحرة-و القضاء تدريجيا على كل منتم الى التشيع و تمزيق جامعتهم.

2-خلق الاضطرابات المقصودة في المناطق المنتمية لأهل البيت و المعروفة بتشيعها لهم، ثمّ التنكيل بهؤلاء الآمنين بحجة تسبيب الشغب.

3-عزل أهل البيت عن العالم الاسلامي، و فرض نسيانهم على المسلمين الا بالذكر السيئ، و الحئول-بكل الوسائل-دون تيسّر النفوذ لهم، ثم العمل على ابادتهم من طريق الغيلة.

4-تشديد حرب الاعصاب.

و لمعاوية في الميدان الاخير جولات ظالمة سيطول حسابها عند اللّه عزّ و جل كما طال حسابها في التاريخ، و سيجرّنا البحث الى عرض نماذج منها عند الكلام على مخالفاته لشروط الصلح، و هو مكانها من الكتاب.

و كان من أبرز هذه الجولات في سبيل مناوءته لعلي و أولاده و لمبادئهم و أهدافهم، أنه فرض لعنهم في جميع البلدان الخاضعة لنفوذه، بما ينطوي تحت مفاد «اللعن» من انكار حقهم، و منع رواية الحديث في فضلهم، و أخذ الناس بالبراءة منهم فكان-بهذا-أول من فتح باب اللعن في الصحابة، و هي السابقة التي لا يحسده عليها مسلم يغار على دينه، و توصّل الى استنزال الرأي العام على ارادته في هذه الاحدوثة المنكرة «بتدابير محبوكة» تبتعد عن مبادئ اللّه عزّ و جل، بمقدار ما تلتحم بمبادئ معاوية.

و ان من شذوذ أحوال المجتمع، أنه سريع التأثر بالدعاوات الجارفة القوية-مهما كان لونها-و لا سيما اذا كانت مشفوعة بالدليلين من مطامع المال و مطامع الجاه.

و ما يدرينا بم رضي الناس من معاوية، فلعنوا معه عليا و حسنا

231

و حسينا عليهم السلام؟و ما يدرينا بما ذا نقم الناس على أهل البيت فنالوا منهم كما شاء معاوية أن ينالوا؟!.

ربما يكون قد أقنعهم بأن عليا و أولاده، هم الذين حاربوا النبي صلى اللّه عليه و آله ابان دعوته، و أنهم هم الذين حرموا ما أحلّ اللّه و أحلّوا ما حرّم اللّه، و هم الذين ألحقوا العهار بالنسب، و هم الذين نقضوا المواثيق و حنثوا بالايمان، و قتلوا كبار المسلمين صبرا، و دفنوا الا برياء أحياء، و صلوا الجمعة يوم الاربعاء (1) .

و ربما يكون قد أطمعهم دون أن يقنعهم، و ربما يكون قد أخافهم دون أن يطمعهم، فكان ما أراد «و ارتقى بهم الامر في طاعته الى أن جعلوا لعن علي سنّة ينشأ عليها الصغير و يهلك الكبير (2) » . و المرجح أن معاوية هو الذي فضّل تسمية هذه البدعة «بالسنّة» فسماها معه المغرورون بزعامته و المأخوذون بطاعته كما أحبّ، و ظلّ الناس بعده على بدعته. الى أن ألغاها عمر بن عبد العزيز- «و أخذ خطيب جامع (حرّان) يخطب ثم ختم

____________

(1) يراجع عن هذا مروج الذهب (ج 2 ص 72) و عن غيره مما ذكر قبله، المصادر التي أشرنا إليها آنفا عند ذكر بعض هذه الحقائق، و المصادر التي سنذكرها في فصل الوفاء بشروط الصلح فيما يأتي، عند ذكرنا للبعض الآخر.

(2) مروج الذهب (ج 2 ص 72) .

و لنتذكر هنا، أن عليا عليه السلام سمع قوما من أصحابه يسبون أهل الشام أيام حربهم بصفين، فنهاهم، و قال لهم: «اني اكره لكم أن في القول و أبلغ في العذر، و قلتم مكان سبكم اياهم: اللهم احقن دماءنا تكونوا سبابين و لكنكم لو وصفتم أعمالهم، و ذكرتم حالهم، كان أصوب و دماءهم، و أصلح ذات بيننا و بينهم، و اهدهم من ضلالتهم حتى يعرف الحق من جهله، و يرعوي عن الغي و العدوان من لهج به... » -النهج:

(ج 1 ص 420 و 421) . -و جاء يوما رسول معاوية الى الحسن عليه السلام و كان فيما قال له: «أسأل اللّه ان يحفظك و يهلك هؤلاء القوم» . فقال له الحسن: «رفقا لا تخن من ائتمنك، و حسبك ان تحبني لحب رسول اللّه (ص) و لابي و أمي، و من الخيانة ان يثق بك قوم و أنت عدو لهم و تدعو عليهم.. » . الملاحم و الفتن (ص 143 طبع النجف) .

232

خطبته و لم يقل شيئا من سب أبي تراب كعادته، فتصايح الناس من كل جانب: ويحك ويحك السنة السنة، تركت السنة! (1) » .

ثم كانت «سنّة معاوية» هي الاصل التاريخي لتكوين هذه الكلمة تكوينا اصطلاحيا آخر، تناسل مع الاجيال، و تنوسيت معه مناسباته السياسية الاولى.

و انتباهة منصفة في تناسق نفسيات الرجل، تغنيك عن استعراض أمثلة كثيرة من أعماله في هذا السبيل..

و بعد هذا، فما ظنك بمعاوية لو قدّر له الظفر في حربه مع الحسن، و قدّر للحسن الشهادة في الحرب؟.

أ فكان من سوابق الرجل هذه، ما يدل على أنه سيلزم جانب الاعتدال و القصد، في استغلال انتصاره تجاه فلول الحرب من شيعة الحسن و البقية الباقية من الثابتين على العقيدة و الايمان؟أم أن موجة ابادة ساحقة ستكون هي عنوان علاقاته بهؤلاء، بعد موقفه الصريح من السلالة النبوية نفسها، و بعد أن يكون قد طحن في هذه الحرب أكبر رأس في البيت النبوي العظيم.

ان معاوية سوف لا يتقي بعد ذلك أحدا. و انه سوف لا يتردد سياسيا، و لا يتورع دينا، من أن يمضي قدما في تصفية حسابه مع المبدأ الذي أقض مضجعه و أكل قلبه و هزى‏ء بكيانه، منذ ولي عليّ الخلافة، بل منذ طلعت الهاشمية بالنور على الدنيا، بل منذ هزمت المنافرة أمية الى الشام.

و ما كان معاويه بالذي يعجز عن وضع «تدابير محبوكة» أخرى لعملية محق الشيعة، بعد مقتل الحسن، يحتال بها على المغرورين بزعامته من الجيل الذي شدّ أزره على اصطناع ما أتاه من مخالفات.

____________

(1) «الاسلام بين السنة و الشيعة» (ص 25) .

233

و هو صاحب تدابير «لعن أهل البيت» و صاحب تدابير «رمي عليّ بدم عثمان» ، فلتكن ثالثة أثافيه تدابيره في «القضاء على التشيع» ماديا و معنويا. و انه لرجل الميدان في تعبئة هذه الالوان من التدابير.

و في جنبات قصوره الشاهقات في الشام، الضمائر المعروضة للبيع و الاقلام المفوضة للايجار، فلتضع الحديث عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم، وفق الخطط المرسومة، و لتنتهك المبادئ العلوية انتهاكا فتمسخها مسخا و تزدريها ازدراء تنتزع به استحقاقها للبقاء بين الناس، ثم لتخلق منها-و قد خلا الجوّ من آل محمد (ص) -ردة اخرى عن الاسلام تتهم بها بناة الاسلام و مهابط تنزيله و منازل وحيه و مصادر تعاليمه أنفسهم، ثم لتشرّع للناس-مع تمادي الوضع و الرفع-اسلاما آخر، هو قريحة معاوية-لا ما هتفت به الهاشمية من وحي السماء.

و كان هذا هو الذي عناه الحسن عليه السلام حين قال: «ما تدرون ما عملت، و اللّه للّذي عملت خير لشيعتي مما طلعت عليه الشمس» .

و ما شي‏ء خيرا مما طلعت عليه الشمس من حفظ العقيدة و تخليد المبدأ.

و كان هو ما عناه-أيضا-الامام محمد بن علي بن الحسين بن علي ابن أبي طالب (الباقر) عليه السلام، حين سئل عن صلح الحسن (ع) فقال: «انه أعلم بما صنع و لو لا ما صنع لكان أمر عظيم» .

النتائج:

و أغلب الظن أن خطوات هذه المراحل الثلاث، بلغت بالقارئ الكريم هدفنا المقصود من البحث، قبل ان نعلن عنه صريحا، و كشفت له بتدرّجها الرفيق كثيرا من الغموض الذي هيأ جوا للنقد الموروث.

و نقول الآن تدليلا على ما ادعيناه أولا من انغلاق طريق الشهادة عن الحسن (ع) ، الذي كان معناه امتناعها هي منه، دون امتناعه هو منها:

234

ان الحسن لو حاول أن يجيب على حدّة مآزقه التي اصطلحت عليه في لحظته الاخيرة في المدائن، باراقة دمه الطاهر في سبيل اللّه عزّ و جل انكارا على البغي الذي صارحه به ستون ألفا من أجناد الشام، و ايثارا للشهادة و مقامها الكريم-لحيل بينه و بين ما يريد، و لكان-بلا ريب-ذلك المقتول الضائع الدم الذي لن يستطيع أصدقاؤه في التاريخ أن يسجلوا له الشهادة كما تقتضيها كلمة «شهيد» .

ذلك لان الظرف المؤسف الذي انتهى إليه طالع المدائن بما عبرت عنه الفوضى الرعناء في صيحاتها الكافرة و في سلاحها-أيضا-، و بما كشفت عنه كتب الخونة الكوفيين في مواثيقهم لمعاوية على الفتك بالحسن- و هو ما وقف عليه الحسن نفسه في رسائلهم-، كل ذلك يفرض علينا الاستسلام للاعتقاد بأن فكرة قوية الانصار من رجالات المعسكر، كانت قد قررت التورط في أعظم جريمة من أمر الامام عليه السلام، و أنهم كانوا يتحينون الفرص لاقتراف هذه البائقة الكبرى.

و وجدوا من تلاشي النظام في المعسكر، بما انتاشه من الفزع و بما انتابه من الفتن، و بما بلغه من أخبار مسكن، و من الفوضى «المصطنعة» التي اطلعت رأسها بين جماهيره الهوج-ظرفا مناسبا لانزال الضربة الحاسمة التي كانت هدف الخوارج فيما أرادوه من جهادهم مع الحسن و كانت غاية «الحزب الاموي» فيما تم عليه الاتفاق بينه و بين معاوية. و لا ننسى أن معاوية نفسه كان قد لوّح للحسن عليه السلام في رسائله الاولى إليه، بما يشعره التهديد بهذه الخطة العدوة-من أول الامر-. و الاّ فما معنى قوله هناك: «فاحذر أن تكون منيتك على أيدي رعاع من الناس!!. » .

و بلغ من دقة الموقف و توتر الوضع، في لحظات المدائن الاخيرة، أن أيّ حركة من الامام عليه السلام سواء في سبيل الحرب أو في سبيل الصلح، و في سبيل الانضمام الى الجبهة في مسكن أو في سبيل العودة الى الكوفة-مثلا-، لا بد أن تنقلب الى خلاف حادّ، فتمرد واسع، فثورة

235

مسلحة هو جاء، هي كل ما يتمناه معاوية، و يصوّب له ذهبه و خزائنه.

و لن يطفئ النائرة يومئذ لو اتقدت جذوتها الاّ دم الحسن الزكي.

و للثورات الجامحة أحكامها القاسية و تجنياتها التي لا تبالي في سبيل الوصول الى أهدافها بالاشخاص مهما عظمت مكانتهم في النفوس.

أو ليست طعنة الحسن في ساباط المدائن دليلا على ما نقول؟. و هل كانت الاّ الطعنة التي تطوعت الى قتله عن ارادة و عمد؟و كان قد خرج اذ ذاك من فسطاطه يؤم مقصورة عامله على «المدائن» ليتجنب ضوضاء الناس، و ليكون هناك أقدر على اتخاذ ما يحتمله الظرف من تدبير.

و هنا يقول المؤرخون ما لفظه: «و أحدق به طوائف من خاصته و شيعته، و منعوا عنه من أراده» . و في نص آخر: «فأطافوا به و دفعوا الناس عنه» أقول: فممّ كانوا يدفعون الناس عنه؟و ممّ منعوا من أراده؟.. أو ليس هذا كله صريحا بأنه أصبح مهددا على حياته، و أن الذين خرجوا معه كمجاهدين يدافعون عنه انكشفوا-بعد قليل-عن أعداء يتدافعون عليه؟؟.

و هل كان انكفاؤه الى مقصورة سعد بن مسعود، الا ليبتعد عن المحيط المفتون الذي أصبح يستعد لثورة لا يدرى مدى اندفاعها بالموبقات؟. و رأى بأم رأسه انسياح فصائله أنفسهم في مضاربه نهبا، و في مقامه المقدس تكفيرا و سبا، و رأى تحاملهم المقصود على ايذائه و تدافعهم العامد على العظيم من أمره، فعلم أنهم أصبحوا لا يطيقون رؤيته، و أن ظهوره بشخصه بينهم هو مثار تمردهم الخبيث، فانتقل غير بعيد، و كانت انتقالته نفسها احدى و سائله لعلاج الموقف، لو أنه وجد للعلاج سبيلا.

و بديهيّ أنه لم يكن أحد آخر في الدنيا كلها، أحرص من الحسن نفسه على الفوز في قضيته، و لا أكثر عملا، و لا أشد اهتماما، و لا أنشط حيوية، و لا أسرع تضحية فيما تستدعيه من تضحيات.

236

و بديهيّ أيضا، أنه لم يكن ليفوته ما لا يفوتنا من رأي، و لا يخطئه ما لا يخطئنا من تدبير. و لقد برهنت سائر مراحله على أنه الرجل الحصيف الذي غالب مشاكله كلها ثم اختار لها أفضل الحلول في حربه و سلمه و مع مراحل جهاده و معاهدات صلحه، و في عاصمة ملكه «الكوفة» و عاصمة امامته «المدينة» .

ترى، أ فكان من جنون هذه اللحظات في المدائن، مجال للموت الذي يصنع الحياة؟أم هو المجال الذي لا يصنع الاّ الموت في الموت أبديا، و هو ما يجب أن تربأ عنه النفوس الكريمة التي لا تموت الاّ لتحيي بعدها سنة أو تنقذ أمة.

فأين امكان الشهادة للحسن يا ترى؟..

*** و لقد يحز في النفس حتى ليضيق محب الحسن ذرعا بما يترسمه في ذهنه من معالم الخطوب السود، التي كانت تتدفق بطوفانها الرهيب على هذا الامام الممتحن في أحرج ساعاته و أدق لحظاته.

ربما يكون للذهن قابلية التصور أو قابلية الهضم للحوادث التي ترجع الى مصادرها الاعتيادية في الناس، من العداء الشخصي، أو النزاع القبلى، أو الخلاف النظري-كعداء معاوية للحسن، أو خصومة بني أمية للهاشميين، أو خلاف الخوارج على عليّ و أولاده (ع) -. أما الحوادث التي لا مرجع لها الاّ الطمع الدني‏ء فانه من آلم ما يتصوره الانسان من شذوذ الناس.

أ فتظن ان من الممكن لشيعي يعتقد امامة الحسن كما يعتقد نبوة النبي، و يعيش في نعمة الحسن كما يعيش في نعمة أبيه، ثم تحدثه نفسه بالخيانة العظمى في أحرج اللحظات التي تمر بامامه و ولي نعمته، و أحوجها الى الاخلاص الصحيح من شيعته؟.

أجل، انها للمؤامرة الدنيئة التي كانت من صميم الوافع الذي دار

237

حول الحسن عليه السلام، في ابان وجوده في المقصورة البيضاء بالمدائن!!..

فانظر الى أيّ حد كان قد بلغ التفسخ الخلقي في الجيل الذي قدّر للحسن أن يتخذ منه أجناده الى جهاد عدوه.

قد يكون الفرد بذاته من ذوي الحسب، و قد يكون على انفراده من ذوي السكينة، و لكنه اذا انساح بضعفه المتأصل في نفسه مع العاصفة الطارئة، و احتضنته الجماهير المتحمسة من حوله، كان جديرا بان تغلب عليه روح الجماعة فلا يشعر الاّ بشعورها، و لا يفكر الاّ بفكرها، و لا يعمل الاّ بعملها. و يخالف-عند اذ-مشاعره الفطرية مخالفة لا تنفك في أكثر الاحيان عن الندم الجارح عند سكون العاصفة و تبدّل الاحوال.

و هكذا كان من السورة الجامحة في ضوضاء المدائن يومئذ ما أخضع لتياره حتى الشيعيّ الضعيف، فنسى تشيعه و نسي عنعناته، و نسي حتى المعنويات العربية الساذجة التي تتحلل من الدين على اختلاف نزعاته!!..

فانه ان لم يكن امامك فولي نعمتك، و ان لم يكن ولي نعمتك فالكريم الجريح.

و هذا مثل واحد-حفظه التاريخ-عن شيعيهم، فما ظنك بخارجيهم و أمويهم و شكّاكهم و أحمرهم؟.

و مثل واحد حفظه التاريخ، يدل على أمثال كثيرة نسيها التاريخ أو تناساها.

و وجه آخر

هو ما أشار إليه الحسن نفسه في أجوبته لشيعته الذين نقموا عليه الصلح. قال: «ما أردت بمصالحتي معاوية الا أن ادفع عنكم القتل‏ (1) » .

____________

(1) الدينوري (ص 303) .

238

و أثر عنه بهذا المعنى كلمات كثيرة.

و للتوفر على فهم هذه الحقيقة بشي‏ء من التفصيل الذي يخرج بنا الى القناعة بما أجمله الامام بهذا القول، نقول:

لم يكن النزاع بين الحسن و معاوية في حقيقته، نزاعا بين شخصين يتسابقان الى عرش، و انما كان صراعا بين مبدأين يتنازعان البقاء و الخلود.

و كان معنى الانتصار في هذا النزاع، خلود المبدأ الذي ينتصر له أحد الخصمين المتنازعين. و كذلك هي حرب المبادئ التي لا تسجل انتصاراتها من طريق السلاح، و لكن من طريق الظفر بثبات العقيدة و خلود المبدأ.

و ربما ظفر المبدأ بالخلود و لكن تحت ظل اللواء المغلوب ظاهرا.

و انقسم المسلمون يومئذ، على اختلاف رأيهم في المبدأين، الى معسكرين يحمي كل منهما مبدأه، و يتفادى له بكل ما أوتي من حول و قوة.

فكانت العلوية و الاموية، و كانت الكوفة و الشام.

و نخلت الادوار الاستفزازية التي لعبها معاوية، باسم الثأر لعثمان، معسكر الشام من شيعة عليّ و أولاده عليهم السلام. فكان لا بد لهؤلاء أن ينضووا الى معسكرهم في الكوفة، و في البلاد التي ترجع بأمرها الى الكوفة، غير مروعين و لا مطاردين.

و اجتمع-على ذلك-في الكوفة و البصرة و المدائن و الحجاز و اليمن عامة القائلين بالتشيّع لاهل البيت عليهم السلام.

و خلص الى عاصمة الامام في العراق من الامصار كلها، الثقل الاكبر من أعلام المسلمين، و بقايا السيوف من المهاجرين و الانصار. فكانت كوفة علي على عهد الخلافة الهاشمية، مباءة الاسلام، و المركز الذي احتفظ بتراث الرسالة بأمانة و صبر و ايمان.

و كان طبيعيا ان يستجيب لدعوة الحسن، في زحفه للموقعة الفاصلة بين المبدأين، عامة هذه النخبة المختارة المتبقية في الكوفة بعد وفاة أبيه عليه‏

239

السلام، من شيعته و شيعة أبيه و صحابة جده صلّى اللّه عليه و آله، فاذا هم جميعا عند مواقعهم من صفوف وحداتهم، في الجيش الذي يستعد في «النخيلة» .

و لم يكن في الدنيا كلها، قابلية أخرى لصيانة التراث الاسلامي على وجهه الصحيح، كالقابليات التي لفّها جناح هذا الجيش، بانضواء هذه الكتل الكريمة إليه، و فيها أفراد الاسرة المطهرة من الهاشميين.

و احتضنت وحدات النخيلة مع هؤلاء، أجناسا كثيرة من الناس، أتينا-فيما سبق-على عرض واسع لمختلف عناصرهم و شتى منازعهم و نتائج أعمالهم.

و كان المضيّ في الزحف ضرورة اقتضاها الظرف الطارئ كما أشير إليه آنفا.

و ما هي الاّ أيام لم تبلغ عدد الاصابع، حتى انتظم المعسكران في «المدائن» و «مسكن» أقسام الجيش كلها، فكان في كل منهما جماعة من الطبقة الممتازة في مسلكها و معنوياتها و اخلاصها، و جماعات أخرى من طبقات مختلفة منوّعة.

و جاءت هزيمة عبيد اللّه بن عباس و من معه الى معاوية، أشبه بعملية تصفية قد تكون نافعة، لو لم تعزّزها نكبات أخرى من نوعها و من غير نوعها، ذلك لانها نخلت معسكر مسكن، و هو المعسكر الذي نازل العدو وجها لوجه، من الاخلاط التي كانت العضو الفاسد في هذا الجيش.

أما في المدائن فقد كان الحسن و خاصته في سواد من أشباه المهزومين لا يتسنى لهم الوصول الى معاوية فيفرون، و لا يستفزّهم الواجب فيرضخون. و كانوا في المستقبل القريب، أداة الكارثة التاريخية، بما حالوا بين الحسن و بين أهدافه من هذه الحرب، و بما أغلقوا عليه من طريق الشهادة الكريمة، و بما أفسدوا عليه كل شي‏ء من أمره، (كما مرّ

240

بيانه قريبا) .

*** و لنفترض الآن أن شيئا واحدا كان لا يزال تحت متناول الحسن في سبيل الاستمرار على الحرب، أو في سبيل الامتناع على الصلح.

ذلك هو أن يصدر أوامره من حصاره في «المدائن» الى انصاره في «مسكن» بمباشرة الحرب، تحت قيادة القائد الجديد «قيس بن سعد ابن عبادة الانصارى» ، الرجل العظيم الذي نعرف من دراسة ميوله الشخصية، أنه كان يؤثر الحرب حتى و لو صالح الامام‏ (1) . و اذا كانت ثورة المشاكسين في المدائن، قد حالت دون تكتيب هذا الجيش للقتال، فما كانت لتحول دون ارسال الاوامر الى المخلصين الاوفياء في جيش مسكن بالحرب، ان سرا و ان علنا.

و من المحتمل أن كثيرا من المغلوبين على أمرهم من مجاهدة المدائن المخلصين، كانوا يستطيعون التسلل الى «مسكن» لانجاد القوات المحاربة هناك، فيما لو وجدوا من جانب الحسن استعدادا لهذه الفكرة او تشجيعا عليها.

و لعل من المحتمل أيضا ان الامام نفسه كان يستطيع هو أيضا و بعد تريث غير طويل، ينتظر به خفوت الزوابع الدائرة حوله في المدائن، أن يخفّ الى مسكن حيث النصر الحاسم، أو الشهادة بكل معانيها الكريمة في اللّه و في التاريخ.

فلما ذا ينزل الى الصلح، و له من هذا التدبير مندوحة عنه؟.

نقول:

ربما كان في مستطاع الحسن اصدار هذه الاوامر في لحظاته الاخيرة في المدائن، و ربما لم يكن.

____________

(1) يراجع عن هذا ابن الاثير (ج 3 ص 162) .

241

و على كل من التقديرين، فما كل مندوحة لوّحت بنجاح، يجوز الاخذ بها، و رب تدبير في ظرف هو نفسه مفتاح مآزق صعاب لظرف آخر.

و هذه هي القاعدة التي يجب الالتفات إليها عند الاخذ بأيّ اقتراح في أيّ من المآزق.

و هنا أيضا، فهل فكّر مقترح هذا التدبير، في المدة التي كان يمكن أن تستوعبها حرب أربعة آلاف-هم جيش الحسن في مسكن-لستين الفا هم جيش معاوية أو ثمانية و ستين الفا؟و استغفر اللّه، بل حرب مجموعة من جيش تنازل مجموعة من جيش تزيدها خمسة و اربعين ضعفا![ارجع الى تحليل النسبة العددية بين الفريقين عسكر مسكن و عسكر الشام في الفصل-11-].

و هل فكّر مقترح هذه المندوحة، فيما عسى ان يكون موقف الحسن عند انتهاء اللحظات القصيرة من عمر هذه الحرب، و عند ما يتفانى المساعير من أنصاره في مسكن.

انه و لا شك الموقف الذي سيضطره-لو بقي حيا-الى التسليم بدون قيد و لا شرط.

و انه و لا شك الطالع الجديد الذي كان ينتظره معاوية للاجراءات الحاسمة بين الكوفة و الشام، الاجراءات التي لا تعدو الاحتلال العسكري المظفر بويلاته و نقماته التي لا حدّ لفظاعتها في أهل البيت و شيعتهم، و أخلق باحتلال كهذا أن يطوّح بكل أماني البلاد، و بشعائرها الممتازة، و مبادئها التي قامت على جماجم عشرات الالوف من صفوة الشهداء المجاهدين في اللّه.

و لا اخال أنّ أحدا يفطن الى هذه النتائج المحتمة، ثم لا يحكم بفشل هذه المندوحة المنتقضة على نفسها، و انّ من أبرز اخطائها انها تنقل الحسن -في أقصر زمان-من خصم مرهوب يملي الشروط على عدوه، الى محارب مغلوب لا مفرّ له من التسليم بدون قيد و لا شرط.

و هذا فيما لو انكشفت الحرب و الحسن حيّ يحال بينه و بين‏

242

الاشتراك فيها.

و أما لو قدر لهذه الحرب القصيرة العمر، أن تجتاح في طاحونتها حتى الحسن لينال الشهادة، و افترضنا أنه كان قد استطاع التسلل الى مسكن و الاشتراك في القتال-الامر الذي لا ينسجم و سير الحوادث هناك كما عرفت قريبا-فالجواب هو أن الشهادة التي يكون ثمنها امحاء المبدأ امحاء أبديا، لا يمكن ان تكون وسيلة نجاح في اللّه و لا في التاريخ.

و ان التاريخ الذي سيناط به ذكر هذه الحرب، بعد شهادة الحسن و ذيولها المؤسفة، سيروي للاجيال من شئون الحسن و حروبه، ما لا يخرج بمفهومه عن معنى «الخروج» . و ذلك هو ما أردنا التلميح إليه في كلامنا على «خطة معاوية تجاه أهداف الحسن» من هذا الفصل.

و لكي نزيد هذا الاجمال توضيحا نقول:

علمنا مما تقدم، أن الصفوة من حملة الكتاب، و البقية من الصحابة الابرار، و النخبة المختارة من الشيعة الاوفياء، كانوا قد اجتمعوا للحسن عليه السلام فيمن دلف به الى معاوية في زحفه هذا. و لا نعرف أن احدا من هذا الطراز تخلّف مختارا عن تلبية الحسن فيما دعا إليه من الجهاد.

فكان الموقف في هذه اللحظة المبدئية الدقيقة بين الحسن و معاوية، أشبه بالموقف الانف بين أبويهما رسول اللّه (ص) و أبي سفيان بن حرب يوم كان يبرز الايمان كله للشرك كله.

و علمنا مما تقدم أيضا أنه لم يكن في الدنيا كلها مجموعة اخرى تؤتمن على الثقل الاكبر من نواميس الاسلام، و المبادئ المثالية الصحيحة على وجهها الصحيح، مثل هذه المجموعة التي اجتمعت للحسن في هذا الزحف.

فكان معنى تنفيذ فكرة الحرب، و التورّط بهذه الزمرة في القتال المستميت الذي لن ينكشف منهم على نافخ ضرمة قط، هو التفريط بالثقل الاكبر الذي يحملونه و لا يحمله في الدنيا أحد غيرهم.

243

و كان معنى التفريط به، انقطاع الصلة بين عليّ و اولاده الائمة الميامين، و بين الاجيال الآتية الى يوم الدين.

ثم لتعودن قضية الحسن-بعد ذلك-أشبه بقضايا الاشراف العلويين، الذين نهضوا في ظروف مختلفة من أيام الحكم الاسلامي، يهتفون بالاصلاح، و يحتجون بالرحم الماسة من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، ثم غلبوا على امرهم، فلم يبق من دعوتهم الاّ اسماؤهم في أطواء التاريخ أو في كتب الانساب.

و ما يدرينا، فيما لو صفيّ الحساب مع آل محمد تصفيته الاموية الاخيرة، فقتل الحسن، و قتل معه جميع أهل بيته، و قتل معهم الصفوة المختارة من عباد اللّه المخلصين، و انقلب الاسلام أمويا، ما ذا سيكون من ذكريات محمد (صلّى اللّه عليه و آله) في التاريخ؟. و ما ذا سيكون من شأن المثاليات التي نفخ الاسلام روحها في الصفوة من رجالاته؟. و هل رجالاته المصطفون الاّ هذه الاشلاء التي طحنتها سيوف الشام في هذه الحروب؟.

و علمنا-مما تقدم-مبلغ ما تهتز به أوتار معاوية بن أبي سفيان من العنعنات القبلية و الانانيات و الترات. فهل لنا-و قد أيسنا من ذكر عليّ و أولاده في أعقاب هذه التصفية الاّ بالسوء، أن نطمئن الى ذكر محمد صلّى اللّه عليه و آله و ذكر تعاليمه و مبادئه الصحيحة بخير؟.

و العدوّ المنتصر هو معاوية بن أبي سفيان، الذي ضاق بذكر الناس لاخي هاشم (النبي ص) في كل يوم خمس مرات كما تقتضيه السنة الاسلامية في «الاذان» ، حتى قال للمغيرة بن شعبة: «فأي عمل يبقى بعد هذا لا أمّ لك، الاّ دفنا دفنا (1) !!.. » .

____________

(1) مروج الذهب (ج 2 ص 343) ، و ابن أبي الحديد (ج 2 ص 357) «قال مطرف بن المغيرة بن شعبة: وفدت مع أبي المغيرة الى معاوية فكان أبي يأتيه يتحدث عنده، ثم ينصرف الي فيذكر معاوية و يذكر عقله، و يعجب مما يرى منه، اذ جاء ذات ليلة، فأمسك عن العشاء، فرأيته مغتمّا فانتظرته ساعة، و ظننت أنه لشي‏ء حدث فينا أو في عملنا، فقلت له: مالي-

244

و رجاله المنتصرون هم: أخوه‏[الشرعي؟!] «زياد ابن ابيه» ، و الصحابي المسنّ «عمرو بن العاص» ، و الداهية[النزيه؟!] «المغيرة ابن شعبة» ، و فاتح الحرمين!! «مسلم بن عقبة» ، و امثال هذه النماذج من الغيارى على روحيات الاسلام!!..

و في مجازر (زياد) في الكوفة، و فتن (عمرو) في صفين و دومة الجندل، و مساعي أول مرتش في الاسلام (المغيرة بن شعبة) لتنصيب يزيد للخلافة و لالحاق زياد للاخوة، و مواقف (ابن عقبة) من المدينة و الكعبة، كفاية للاطمئنان على الرقم القياسي الذي صعدت إليه غيرة كل من هؤلاء، على التراث الاسلامي، و على مقدسات الاسلام، و على مصالح المسلمين.

انهم عملوا ما عملوا، و هم اذ ذاك على مسمع و مشهد، من آل محمد و الصفوة الباقية من تلامذة محمد (ص) و من أشياعهم الآمرين بالمعروف و الناهين عن المنكر، و الواقفين لهم بالمرصاد.

فكيف بهم، و ما ذا كانوا يعملون، لو اصفرت الدنيا من آل محمد و عباد اللّه الصالحين؟؟.

*** ان النتائج الواضحة المستقيمة التي لا عوج في تأويلها، هي أن الامام

____________

ق-أراك مغتما منذ الليلة. قال: يا بني اني جئت من أخبث الناس. قلت له:

و ما ذاك. قال: قلت له و قد خلوت به: انك قد بلغت مناك يا امير المؤمنين فلو أظهرت عدلا و بسطت خيرا، فانك قد كبرت، و لو نظرت الى اخوتك من بني هاشم، فوصلت أرحامهم، فو اللّه ما عندهم اليوم شي‏ء تخافه، فقال لي: هيهات هيهات، ملك أخو تيم فعدل و فعل ما فعل، فو اللّه ما عدا ان هلك، فهلك ذكره، الا أن يقول قائل أبو بكر. ثم ملك أخو عدي فاجتهد و شمر عشر سنين، فو اللّه ما عدا ان هلك فهلك ذكره، الا أن يقول قائل عمر، ثم ملك أخونا عثمان فملك رجل لم يكن أحد في مثل نسبه، فعمل ما عمل و عمل به، فو اللّه ما عدا أن هلك فهلك ذكره و ذكر ما فعل به.

و ان أخا هاشم يصرخ به في كل يوم خمس مرات أشهد ان محمدا رسول اللّه. فأي عمل يبقى بعد هذا لا أم لك، الا دفنا دفنا» .

245

الحسن عليه السلام لو سخا بنفسه و بشيعته، و فرضنا أنه كان قد استطاع حضور ميدانه في «مسكن» ، لحكم على نفسه بالموت حتى لا يبقى اسمه الاّ في كتب الانساب، و على مبدئه المقدس بالاعدام حتى لا يبقى منه أيّ أثر بين سمع الارض و بصرها، و لرأيت تاريخه المجيد و تاريخ بيته العتيد، أسطورة مشوهة من أبشع الاساطير، يمليها معاوية كما يشتهي، و يشرحها بعده مروان و آل مروان كما يشاءون.

و كان معنى ذلك نهاية تاريخ الروحية الاسلامية، و بداية تاريخ اموي له طابعه المعروف و خصائصه الغنية عن البيان.

و في الحديث الشريف: «لو لم يبق من بني أمية الاّ عجوز درداء لبغت دين اللّه عوجا (1) » .

ترى، فهل كان في امكان الحسن غير ما كان؟.

و ان أقل استقراء و تدبر، يثبتان أنها كانت افضل طريقة للتخفيف من عرامة الاجراءات المتوقعة، بل كانت الطريقة الوحيدة التي لا ثانية لها.

و حفظ الحسن بها-حين استيقن هذه النتائج كحقائق واقعة- خطوط اتصاله بالاجيال، بل خطوط اتصال أبيه وجده عليهما الصلاة و السلام، من طريق الابقاء على شيعته، و أنقذ بذلك مبدأه من الابادة المحققة، و صان تاريخه من التشويه و التزوير و المسخ و الازدراء.

و انتزع من الخذلان الذي حاق به في دنياه، الانتصار اللامع لروحيته و عقيدته و اخراه.

و هكذا ترك الدنيا ليحفظ الدين.

و ذلك هو طابع الامامة في هذه الزمرة المباركة من آل اللّه.

____________

(1) الخرائج و الجرائح لسعيد بن هبة اللّه الراوندي المتوفى سنة 573 (ص 228) .

246

القسم الثالث الصلح‏

247

دوافع الفريقين للصلح‏

248

و ما كان بدعا من محاولات معاوية فيما يهدف إليه، أن يبتدر هو الى طلب الصلح‏ (1) ، فيعطي الحسن كل شرط، ليأخذ عليه شرطا واحدا هو «الملك» .

و قرر معاوية خطته هذه، في بحران نشاط الفريقين للحرب، و كان في توفره على تنفيذ هذه الخطة، أعنف منه في عمله لتنظيم المعسكرات و تدبير شئون الحرب. و رأى ان يبادئ الحسن بطلب الصلح، فان أجيب إليه فذاك، و الاّ فلينتزعه انتزاعا، دون أن يلتحم و الحسن في قتال.

و كان عليه قبل كل شي‏ء، أن يصطنع في سبيل التمهيد الى غايته، ظرفا من شأنه ان ينبّه خصومه الى تذكر الصلح.

و من هنا طلعت على معسكرات الحسن عليه السلام، الوان الاراجيف، و عمرت سوق الرشوات، و جاء في قائمة و عوده التي خلب بها الباب كثير من الزعماء أو المتزعمين: رئاسة جيش، و ولاية قطر، و مصاهرة على أميرة اموية!!.. و جاء في أرقام رشواته النقدية الف الف‏[مليون‏]!.

و استعمل في سبيل هذه الفكرة كل قواه و كل مواهبه و كل تجاربه، و استجاب له كثير من باعة الضمائر الذين كانوا لا يفارقون الحسن ظاهرا فاذا هم عيون معاوية التي ترى، و أصابعه التي تعمل، و عملاؤه الذين لا يدخرون وسعا في ترويج اهدافه.

____________

(1) هذا هو الصحيح كما دل عليه خطاب الحسن فيما استشار به اصحابه في «المدائن» فقال: «ألا و ان معاوية دعانا لامر ليس فيه عز و لا نصفة.. » ، و كما دلت عليه مصادر أخرى خلافا لبعض المؤرخين الآخرين، و الترجيح لخطاب الحسن عليه السلام.

249

و كانت الجيوش و الاسلحة و الحركات السوقية في الزحف الى المعسكرات، هي الاخرى بعض وسائله الى الصلح، و لم يشأ أن يبدأ بهم غاراته على العراق، لانه لن يلتحم مع الحسن بقتال، الاّ اذا اعيته الوسائل كلها، و الوسائل في عرف معاوية، غير الوسائل في عرف الناس أو في عرف الدين الجديد.

و من الحق أن نقول: ان وسائله في هذا الميدان، كانت من النوع المحبوك الصنع، الدقيق الاساليب، الموفق كل التوفيق، في سبيل الغرض الذي رمى إليه، من اصطناع الظرف الخاص الذي يذكر عدوه بالصلح.

فاذا باع القائد في جبهة العراق ضميره لمعاوية بالمال، و باع معه أكثر الرؤساء ضمائرهم بالعدات.

و اذا أصبح المعسكران في مسكن و المدائن يعجان بالشائعات التي راحت تمطرهما بوابل من الويل و الثبور و المخاوف.

و اذا أصبح الحسن نفسه لا يتسنى له تنفيذ أوامره في جيشه بما فعلته الاراجيف من حوله، بل لا يستطيع الظهور بشخصه أمام الكثرة من جنوده، الاّ ليغتال بين مضاربه و على سواعد أصحابه.

فهل من سبيل الاّ الصلح؟..

*** انه الظرف الذي استعصى صلاحه بفساد ناسه، و لا تثريب على الحسن من ظرفه اذا فسد، و ناسه اذا فشت فيهم الفتنة، و ان لانحراف الطبائع حكمه، و لحداثة الاسلام خاصتها، في القلقين من المسلمين أو في المفروضين على الاسلام فرضا.

و اذا قدر للحسن أن يخسر بخيانة جنوده، أو ببراعة الفتن التي تسلح بها عدوه «معركته الاولى» ، فليكن منذ اليوم عند «معركته الثانية» التي لا تنالها خيانة الجنود، و لا يضيرها انحراف الطبائع، و لا تزيدها

250

دسائس العدوّ و لا أساليب فتنه البارعة الامضاء و نفوذا و انتصارا مع الايام.

و تلك هي «الفذلكة» التي أجاد الحسن استغلالها كأحسن ما تكون الاجادة، و استغفل بها معاوية أشد ما يكون في موقفه من الحسن يقظة و نشاطا و انتباها.

انه لبى طلب معاوية للصلح، و لكنه لم يلبه الاّ ليركسه في شروط لا يسع رجلا كمعاوية الاّ أن يجهر في غده القريب بنقضها شرطا شرطا.

ثم لا يسع الناس-اذا هو فعل ذلك-الاّ ان يجاهروه السخط و الانكار، فاذا بالصلح نواة السخط الممتد مع الاجيال، و اذا بهذا السخط نواة الثورات التي تعاونت على تصفية السيطرة الاغتصابية في التاريخ.

و ليكن هذا هو التصميم السياسي الذي نزل الحسن من طريقه الى قبول الصلح، و لتكن هذه هي الفذلكة التي استغفل بها معاوية فكانت من أبرز معاني العبقرية المظلومة في الامام المظلوم.

و أيّ غضاضة على الحسن-بعد هذا-اذا هو وقّع الصلح وفق الخطط المرسومة.

و ان له من حراجة ميدانه الاول، و من الامل بنتائج ميدانه الثاني ما يزين له حديث الصلح، فضلا عما يستأثر به هذا الحديث من ظاهرة الاصلاح في الامة، و ما يتفق معه من حقن الدماء و صيانة المقدسات، و تحقيق وجهة النظر الاسلامي.

و كانت اشهرا لم تناهز عدد الاصابع العشر، و لكنها ناهزت عدد النجوم هزاهز و زعازع، و كانت قطعة من الزمن يتجه إليها قلب بكل ما يملكه من حب و اعجاب، فاحت بروائح النبوة، و تجلت فيها مزايا الامامة الصادقة، و تكشفت على قلتها و قصر مدتها عن حقائق كثير كثير من‏

251

الناس هنا و هناك. و هي الاشهر التي ختمت أعمالها بأفضل خواتيم الاعمال في الاصلاح، و وصلت بخاتمتها الفضلى مصلحة الدنيا بمصلحة السماء.

و اذا بالحسن بن علي، هو ذلك المصلح الاكبر، الذي بشّر به جده رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله في الحديث الذي سبق ذكره: «ان ابني هذا سيد و سيصلح اللّه به بين فئتين عظيمتين من المسلمين» .

و ان اللّه سبحانه عوّد أهل هذا البيت أن يحفظ لهم الشرف في أعلى مراتبه و في مختلف ميادينه، فان لم يكن بالانتصار بالسلاح، فليكن بالشهادة الكريمة في اللّه و في التاريخ. و ان لم يكن بهذا و لا ذاك فليكن بالاصلاح و جمع الكلمة و توحيد أهل التوحيد. و كفى بالاصلاح شرفا و كفى ببقاء الشرف انتصارا. و بقاء الشرف ضمان لبقاء العزة. و العزة حافز دائب يدفع الى الحياة و يقوم على السيادة.

و من السهل ان نفهم دوافع الحسن الى الصلح مما ذكرنا.

*** أما دوافع معاوية التي اندلف بها من جانبه الى طلب الصلح، فقد كانت من نوع آخر لا يرجع في جوهره الى العجز عن القتال، و لا ينظر في واقعه الى وجهة نظر دين أو اصلاح أو حقن دماء، فلا الاصلاح و لا حقن الدماء بالذي يعنى به معاوية فينزل له عن مطامعه في الفتح. و في غاراته على المدينة و مكة و اليمن، و مواقفه الجريئة بصفين، ما يزيدنا بصيرة في معرفة الرجل و ان قلّ عارفوه.

اذا، فليكن طموحا نفعيا خالصا، هو الاشبه بتاريخ معاوية الذي جاء تاريخه أشبه باسطورة.

انه خيّل إليه بأن تنازل الحسن له عن الحكم، سيكون معناه في الرأي العام، تنازله عن «الخلافة» . و ظن أنه سيصبح-على هذا-

252

«الخليفة الشرعي في المسلمين‏ (1) » .

و كان الحلم اللذيذ الذي استرخص في سبيله كل غال، و خفي عليه أن الاسلام أعز جانبا من أن يهضم الاساليب الهوج، أو يعطي اقليده للطلقاء و أبناء الطلقاء.

هذا، و لا ننكر ان يكون لمعاوية بواعث أخرى جعلت منه انسانا آخر ينكر الحرب و يمد يده الى الصلح و يوقع الشروط و يحلف الايمان و يؤكد المواثيق. و لكنا-اذ نتحرى بواعثه الاخرى-لا نزول عن الاعتقاد بأن الحلم اللذيذ الذي ذكرنا، كان أكبر دوافعه و أشد بواعثه.

و فيما يلي قائمة مناسبات، تصلح لان تكون بعض دوافعه الى الصلح:

1-انه كان يرى أن الحسن بن علي عليهما السلام، هو صاحب الحق في الامر، و لا سبيل الى اقتناص «الامر» الاّ من طريق اسكات الحسن-و لو ظاهرا-، و لا سبيل الى اسكاته الاّ بالصلح.

اما رأيه بأولوية الحسن بالامر، فقد جاء صريحا في كتابه إليه قبيل زحفهما للصراع في مسكن، بقوله له: «انك أولى بهذا الامر و أحق به» . و جاء صريحا فيما قاله لابنه يزيد على ذكر أهل

____________

(1) و للحسن البصرى كلمته الذهبية في هذا الموضوع‏[انتظرها فيما تقرأه عن «معاوية و الخلافة» في الفصل 17]. و أخرج أحمد في مسنده و أبو يعلى و الترمذي و ابن حيان و أبو داود و الحاكم قوله صلّى اللّه عليه و آله و سلم: «الخلافة بعدي ثلاثون ثم ملك بعد ذلك» و بلفظ ابي نعيم في الفتن و البيهقي في الدلائل و غيرهما: «ثم تكون ملكا عضوضا» .

و الحديث عند جماعة أهل السنة صحيح على شرطهم، و قال قائلهم فيما علق عليه: «انتهت الثلاثون سنة بعده صلّى اللّه عليه (و آله) و سلم بخلافة الحسن بن علي عليهما السلام» ، و أخرج أبو سعيد عن عبد الرّحمن ابن أبزي عن عمر أنه قال: «هذا الامر في أهل بدر ما بقي منهم أحد، ثم في أهل احد ما بقي منهم أحد، و في كذا و كذا، و ليس فيها لطليق و لا لولد طليق و لا لمسلمة الفتح شي‏ء» .

أقول: أما بيعته التي أخذها على الناس بأساليبها المعروفة، فلن تجعل غير الجائز جائزا.