صلح الحسن(ع)

- الشيخ راضي آل ياسين المزيد...
400 /
253

البيت: «يا بنيّ ان الحق حقهم‏ (1) » ، و فيما كتبه الى زياد ابن ابيه حيث يقول له على ذكر الحسن عليه السلام: «و أما تسلطه عليك بالامر فحق للحسن أن يتسلط

____________

1 2

» .

و كذلك رأيناه يستفتي الامام الحسن، فيما يعرض له من معضلات كمن يعترف بامامته‏ (3) .

و يعترف للحسن بأنه «سيد المسلمين‏ (4) » . و هل سيد المسلمين الا امامهم؟.

2-انه كان-على كثرة الوسائل الطيعة لامره-شديد التوجس من نتائج حربه مع الحسن، و لم يكن كتوما (كما يدّعى لنفسه) يوم قال في وصف خصومه العراقيين: «فو اللّه ما ذكرت عيونهم تحت المغافر بصفين الاّ لبس على عقلي‏ (5) » ، و يوم قال فيهم «ما لهم غضبهم اللّه بشر، ما قلوبهم الاّ كقلب رجل واحد (6) » ، فكان يرى في الجنوح الى الصلح، مفرا من منازلة هؤلاء و مواجهة عيونهم تحت المغافر!!.

3-انه كان يهاب موقع الحسن ابن رسول اللّه (ص) في الناس، و مقامه الروحيّ الفريد في العقيدة الاسلامية، فيتقي حربه بالصلح.

و كان يرى من الجائز، أن يقيض اللّه لمعسكر الشام من يتطوع لتنبيه الناس فيه الى حقيقة أمر الحسن و فظاعة موقفهم منه، الامر الذي من شأنه ان لا يتأخر بمسلمة الجيش في جبهة معاوية عن

____________

(1) (1) و (2) ابن ابى الحديد (ج 4 ص 5 و ص 13 و ص 73) .

(3) و تجد الشواهد الكثيرة على ذلك فيما أورده اليعقوبي في تاريخه (ج 2 ص 201 و ص 202) ، و فيما استعرضه ابن كثير في البداية و النهاية (ج 8 ص 40) ، و فيما رواه في البحار (ج 10 ص 98) .

(4) الامامة و السياسة (ص 159-160) .

(5) المسعودي هامش ابن الاثير (ج 6 ص 67) و غيره.

(6) الطبرى (ج 6 ص 3) .

254

الانتقاض عليه و النكول عنه، و بالجيش كله عن الانهيار اخيرا.

و كان معاوية لا يزال يتذكر في زحفه على الحسن، حديث النعمان بن جبلة التنوخيّ معه في «صفين» -و هو اذ ذاك أحد رؤساء جنوده المحاربين-، و قد صارحه بما لم يصارحه بمثله شاميّ آخر، و سخر منه بما لم يسخر بمثله رعية من سلطان. و ما يؤمن معاوية أن يشعر الناس تجاهه-اليوم-شعور ذلك التنوخيّ المغلوب على أمره-يومئذ-.

و كان مما قاله هذا التنوخي لمعاوية في صفين: «و اللّه لقد نصحتك على نفسي، و آثرت ملكك على ديني، و تركت لهواك الرشد و أنا أعرفه، و حدث عن الحق و أنا ابصره، و ما وافقت لرشد و أنا أقاتل عن ملك ابن عم رسول اللّه صلّى اللّه عليه (و آله) و سلم و أول مؤمن به و مهاجر معه، و لو اعطيناه ما اعطيناك، لكان أرأف بالرعية و أجزل في العطية، و لكن قد بذلنا لك الامر، و لا بد من اتمامه كان غيّا أو رشدا، و حاشا أن يكون رشدا.

و سنقاتل عن تين الغوطة و زيتونها، اذا حرمنا أثمار الجنة و أنهارها!.. (1) » .

و كان من سياسة معاوية، حبس أهل الشام عن التعرف على أحد من كبراء المسلمين-خارج الشام-لئلا يكون لهم من ذلك منفذ الى انكاره أو الانقسام عليه. و لذلك فلا نعرف كيف تسنى لهذا الشامي معرفة ابن عم رسول اللّه (ص) و معرفة سبقه الى الايمان و رأفته بالناس و كرمه في العطاء و أولويّته بالامر.

و حرى معاوية على تجهيل أهل الشام بأعلام الاسلام الى آخر عهده، و كانت سياسته هذه، هي أداته في التجمعات التي ساقها لحروب صفين اولا، و لحزب الحسن بن علي في مسكن أخيرا.

و تجد ظاهرة هذه السياسة-بما فيها من اعلان عن ضعف

____________

(1) المسعودى (هامش ابن الاثير ج 5 ص 216) .

255

صاحبها-فيما قاله معاوية ذات يوم لعمرو بن العاص و قد تحدّى الحسن بن علي (عليهما السلام) ، فردّ عليه الحسن بحدّياه البليغة التي لم يسلم منها المحرّض عليها-أيضا-، فقال معاوية لعمرو: «و اللّه ما اردت الاّ هتكي، ما كان أهل الشام يرون أنّ أحدا مثلي حتى سمعوا من الحسن ما سمعوا (1) » .

4-و كان من الرشاقة السياسية التي لا يخطئها معاوية في سبيل طموحه الاناني الاّ نادرا، أن يدعو الى «الصلح» فيلح عليه و يشهد على دعوته هذه أكبر عدد ممكن من الناس في القطرين-الشام و العراق- و في سائر الآفاق التي يصلها صوته من بلاد الاسلام. ثم هو لا يقصد من وراء هذه الدعوة-على ظاهرتها-الاّ التمهيد لغده القريب الذي ستنكشف عنه نتائج الحرب بينه و بين الحسن. و كان أحد الوجهين

____________

(1) المحاسن و المساوئ للبيهقي (ج 1 ص 64) .

و في القصص التاريخي نوادر كثيرة عن جهل أهل الشام بأعلام الاسلام فمن ذلك أن أحدهم سأل رجلا من زعمائهم و ذوي الرأي و العقل فيهم:

«من أبو تراب الذي يلعنه الامام-يعني معاوية!-على المنبر؟» قال:

«أراه لصا من لصوص الفتن!!!» . و سأل شامي صديقا له و قد سمعه يصلي على محمد (ص) : «ما تقول في محمد هذا، أ ربنا هو؟» .

و لما فتح عبد اللّه بن علي الشام سنة 132 هـ وجه الى أبى العباس السفاح أشياخا من أهل الشام من أرباب النعم و الرئاسة، فحلفوا لابي العباس أنهم ما علموا لرسول اللّه صلّى اللّه عليه (و آله) و سلم قرابة و لا أهل بيت يرثونه غير بني أمية، حتى و ليتم الخلافة.. !! «يراجع عنه مروج الذهب على هامش الجزء السادس من الكامل لابن الاثير (ص 107 و 108 و 109) .

أقول: و هذا يدل على أن عامة الملوك الامويين نهجوا على سياسة معاوية في تجهيل الناس بعظمائهم و لا سيما بأهل البيت عليهم السلام و منع نفوذ أسمائهم الى الشام. و يدل-أيضا-على مبلغ عناية أولئك الشاميين باسلاميتهم. و المظنون أن الشام-على العهد الاموي-كانت لا تزال تزخر بأكثرية غير مسلمة من بقايا أهلها الاصليين-الروم و الآراميين-. و لا نعهد غير قضية الفتح عملا جديا آخر كان من شأنه أن يغير القديم عن قدمه، و لا نعهد تصريحا تاريخيا ينقض علينا هذا الظن.

غ

256

المحتملين، أن يدال للشام من الكوفة و أن تقضي الحرب و ذيولها على الحسن و الحسين و على من إليهما من أهل بيتهما و شيعتهما. و لا تدبير-يومئذ-للعذر من هذه البائقة الكبرى أروع من أن يلقي معاوية مسئوليتها على الحسن نفسه، و يقول للناس-غير كاذب- «اني دعوت الحسن للصلح، و لكن الحسن ابى الاّ الحرب، و كنت اريد له الحياة، و لكنه أراد لي القتل، و أردت حقن الدماء، و لكنه أراد هلاك الناس بيني و بينه... » .

و لمعاوية من هذه اللباقة الرائعة أهدافه التي لا تتأخر به عن تصفية الحساب مع آل محمد (ص) تصفيته الاموية الاخيرة، و هو اذ ذاك المنتصر العادل المتظاهر بالانصاف، الذي يشهد له على انصافه كل من كان قد أشهده-قبل الحرب-على ندائه بالصلح. أما الحسن عليه السلام، فلم يكن الرجل الذي تفوته الرشاقة السياسية و لا الاساليب الدقيقة التي يبرع فيها عدوه للنكاية به. و انما كان -على كل حال-أكبر من عدوه دهاء، و أبرع منه في استغلال الظروف و اقتناص الفرص السانحة التي تجتمع عليها كلمة اللّه و كلمة المصلحة معا. فرأى من ظروفه المتداعية، و من سوء نوايا عدوّه فيما أراد من الدعوة الى «الصلح» ، ما استدعاه الى الجواب بالايجاب.

ثم لم يكفه أنه قضى بذلك على خطط معاوية و شلها عن التنفيذ، حتى أخذ يضع الخطة الحكيمة من جانبه للقضاء على خصومه باسم الصلح. و سيجي‏ء في الفصول القريبة التوضيح اللائق بالموضوع.

257

معاهدة الصلح‏

258

و روى فريق من المؤرخين، فيهم الطبري و ابن الاثير: «أن معاوية أرسل الى الحسن صحيفة بيضاء مختوما على أسفلها بختمه» ، و كتب إليه:

«أن اشترط في هذه الصحيفة التي ختمت أسفلها ما شئت، فهو لك‏ (1) » .

ثم بتروا الحديث، فلم يذكروا بعد ذلك، ما ذا كتب الحسن على صحيفة معاوية. و تتبعنا المصادر التي يسّر لنا الوقوف عليها، فلم نر فيما عرضته من شروط الحسن عليه السلام، الاّ النتف الشوارد التي يعترف رواتها بأنها جزء من كل. و سجّل مصدر واحد صورة ذات بدء و ختام، فرض أنها[النص الكامل لمعاهدة الصلح‏]، و لكنها جاءت-في كثير من موادّها-منقوضة بروايات أخرى تفضلها سندا، و تزيدها عددا.

*** و لنا لو أردنا الاكتفاء، أن نكتفي-في سبيل التعرّف على محتويات المعاهدة-برواية (الصحيفة البيضاء) ، كما فعل رواتها السابقون، فبتروها اكتفاء باجمالها عن التفصيل، ذلك لان تنفيذ الصلح على قاعدة «اشترط ما شئت فهو لك» معناه أن الحسن أغرق الصحيفة المختومة في أسفلها، بشتى شروطه التي أرادها، فيما يتصل بمصلحته، أو يهدف الى فائدته، سواء في نفسه أو في أهل بيته أو في شيعته أو في أهدافه، و لا شي‏ء يحتمل غير ذلك.

و اذا قدّر لنا-اليوم-أن لا نعرف تلك الشروط بمفرداتها، فلنعرف أنها كانت من السعة و السماحة و الجنوح الى الحسن، بحيث صححت ما يكون من الفقرات المنقولة عن المعاهدة أقرب الى صالح الحسن،

____________

(1) الطبري (ج 6 ص 93) و ابن الاثير (ج 3 ص 162) .

259

و رجّحته على ما يكون منها في صالح خصومه، كنتيجة قطعية لحرية الحسن عليه السلام في أن يكتب من الشروط ما يشاء.

و رأينا بدورنا، و قد أخطأنا التوفيق عن تعرّف ما كتبه الحسن هناك، أن ننسق-هنا-الفقرات المنثورة في مختلف المصادر من شروط الحسن على معاوية في الصلح، و أن نؤلف من مجموع هذا الشتات صورة تحتفل بالاصح الأهم، مما حملته الروايات الكثيرة عن هذه المعاهدة، فوضعنا الصورة في مواد، و أضفنا كل فقرة من الفقرات الى المادة التي تناسبها، لتكون-مع هذه العناية في الاختيار و التسجيل-أقرب الى واقعها الذي وقعت عليه.

و إليك هي‏

صورة المعاهدة التي وقعها الفريقان‏

المادة الاولى:

تسليم الامر الى معاوية، على أن يعمل بكتاب اللّه و بسنة رسوله‏ (1) (صلّى اللّه عليه و آله) ، و بسيرة الخلفاء الصالحين‏ (2) .

المادة الثانية:

أن يكون الامر للحسن من بعده‏ (3) ، فان حدث به حدث

____________

(1) المدائني-فيما رواه عنه ابن أبي الحديد في شرح النهج- (ج 4 ص 8) .

(2) «فتح الباري» شرح صحيح البخاري-فيما رواه عنه ابن عقيل في النصائح الكافية- (ص 156 الطبعة الاولى) ، و البحار (ج 10 ص 115) .

(3) تاريخ الخلفاء للسيوطي (ص 194) ، و ابن كثير (ج 8 ص 41) ، و الاصابة (ج 2 ص 12 و 13) ، و ابن قتيبة (ص 150) و دائرة المعارف الاسلامية لفريد و جدي (ج 3 ص 443 الطبعة الثانية) و غيرهم.

260

فلأخيه الحسين‏ (1) ، و ليس لمعاوية أن يعهد به الى احد (2) .

المادة الثالثة:

أن يترك سبّ أمير المؤمنين و القنوت عليه بالصلاة (3) ، و أن لا يذكر عليا الاّ بخير (4) .

المادة الرابعة:

استثناء ما في بيت مال الكوفة، و هو خمسة آلاف الف فلا يشمله تسليم الامر. و على معاوية أن يحمل الى الحسين كل عام الفي الف درهم، و أن يفضّل بني هاشم في العطاء و الصلات على بني عبد شمس، و أن يفرّق في أولاد من قتل مع أمير المؤمنين يوم الجمل و أولاد من قتل معه بصفين الف الف درهم، و أن يجعل ذلك من خراج دارابجرد (5) .

المادة الخامسة:

«على أن الناس آمنون حيث كانوا من أرض اللّه، في شامهم

____________

(1) عمدة الطالب لابن المهنا (ص 52) .

(2) المدائني-فيما يرويه عنه في شرح النهج- (ج 4 ص 8) ، و البحار (ج 10 ص 115) ، و الفصول المهمة لابن الصباغ و غيرهم.

(3) أعيان الشيعة (ج 4 ص 43) .

(4) الاصفهاني في مقاتل الطالبيين (ص 26) ، و شرح النهج (ج 4 ص 15) و قال غيرهما: «ان الحسن طلب الى معاوية أن لا يشتم عليا، فلم يجبه الى الكف عن شتمه، و أجابه على أن لا يشتم عليا و هو يسمع» . قال ابن الاثير: «ثم لم يف به أيضا» .

(5) تجد هذه النصوص متفرقة في الامامة و السياسة (ص 200) و الطبري (ج 6 ص 92) و علل الشرائع لابن بابويه (ص 81) و ابن كثير (ج 8 ص 14) و غيرهم.

و (دارابجرد) ولاية بفارس على حدود الاهواز. و جرد أو جراد:

هي البلد أو المدينة بالفارسية القديمة و الروسية الحديثة، فتكون داراب جرد بمعنى (مدينة داراب) .

261

و عراقهم و حجازهم و يمنهم، و أن يؤمّن الاسود و الاحمر، و ان يحتمل معاوية ما يكون من هفواتهم، و أن لا يتبع احدا بما مضى، و أن لا يأخذ أهل العراق باحنة (1) » .

«و على أمان أصحاب عليّ حيث كانوا، و أن لا ينال أحدا من شيعة علي بمكروه، و أن اصحاب علي و شيعته آمنون على أنفسهم و أموالهم و نسائهم و أولادهم، و ان لا يتعقب عليهم شيئا، و لا يتعرض لاحد منهم بسوء، و يوصل الى كل ذي حق حقه، و على ما أصاب اصحاب عليّ حيث كانوا.. (2) » .

«و على أن لا يبغي للحسن بن علي، و لا لاخيه الحسين، و لا لاحد من أهل بيت رسول اللّه، غائلة، سرا و لا جهرا، و لا يخيف أحدا منهم، في أفق من الآفاق‏ (3) » .

الختام:

قال ابن قتيبة: «ثم كتب عبد اللّه بن عامر-يعني رسول معاوية الى الحسن (ع) -الى معاوية شروط الحسن كما أملاها عليه، فكتب معاوية جميع ذلك بخطه، و ختمه بخاتمه، و بذل عليه العهود المؤكدة، و الايمان المغلّظة، و أشهد على ذلك جميع رؤساء أهل الشام، و وجه به الى عبد اللّه

____________

(1) المصادر: مقاتل الطالبيين (ص 26) ، ابن أبى الحديد (ج 4 ص 15) ، البحار (ج 10 ص 101 و 115) ، الدينوري (ص 200) ، و نقلنا كل فقرة من مصدرها حرفيا.

(2) يتفق على نقل كل فقرة أو فقرتين أو أكثر، من هذه الفقرات التي تتضمن الامان لاصحاب علي عليه السلام و شيعته، كل من الطبري (ج 6 ص 97) ، و ابن الاثير (ج 3 ص 166) ، و أبى الفرج في المقاتل (ص 26) ، و شرح النهج (ج 4 ص 15) ، و البحار (ج 10 ص 115) ، و علل الشرائع (ص 81) ، و النصائح الكافية (ص 156) .

(3) البحار (ج 10 ص 115) ، و النصائح الكافية (ص 156-ط 0 ل) .

262

ابن عامر، فاوصله الى الحسن‏ (1) » .

و ذكر غيره نص الصيغة التي كتبها معاوية في ختام المعاهدة فيما واثق اللّه عليه من الوفاء بها، بما لفظه بحرفه:

«و على معاوية بن أبى سفيان بذلك، عهد اللّه و ميثاقه، و ما أخذ اللّه على أحد من خلقه بالوفاء، و بما أعطى اللّه من نفسه‏ (2) .

و كان ذلك في النصف من جمادى الاولى سنة 41-على أصح الروايات-.

____________

(1) الامامة و السياسة (ص 200) .

(2) البحار (ج 10 ص 115) .

263

دراسة النصوص البارزة فى المعاهدة

264

لتكن صيغة المعاهدة بما توفرت عليه من عناصر موضوعية لها أهميتها في الناحيتين الدينية و السياسية، شاهدا جديدا على ما وفّق له واضع بنودها من سمو النظر في الناحيتين جميعا.

و من الحق ان نعترف للحسن بن علي عليهما السلام-على ضوء ما أثر عنه من تدابير و دساتير هي خير ما تتوصل إليه اللباقة الدبلوماسية لمثل ظروفه من زمانه و أهل زمانه-بالقابليات السياسية الرائعة التي لو قدّر لها أن تلي الحكم في ظرف غير هذا الظرف، و في شعب أو بلاد رتيبة بحوافزها و دوافعها، لجاءت بصاحبها على رأس القائمة من السياسيين المحنكين و حكام المسلمين اللامعين. و لن يكون الحرمان يوما من الايام، و لا الفشل في ميدان من الميادين بدوافعه القائمة على طبيعة الزمان، دليلا على ضعف أو منفذا الى نقد، ما دامت الشواهد على بعد النظر و قوة التدبير و سموّ الرأي، كثيرة متضافرة تكبر على الريب و تنبو عن النقاش.

و للقابليات الشخصية مضاؤها الذي لا يعدم مجال العمل، مهما حدّ من تيارها الحرمان أو ثنى من عنانها الفشل. و ها هي ذي من لدن هذا الرجل العظيم تستجدّ-منذ الآن-ميدانها البكر، القائم على الفكرة الجديدة القائمة على صيانة حياة أمة بكاملها في حاضرها و مستقبلها، بما تضعه في هذه المعاهدة من خطوط، و بما تستقبل به خصومها من شروط.

و انك لتلمح من بلاغة المعاهدة بموادّها الخمس، أن واضعها لم يعالج موضوعه جزافا، و لم يتناوله تفاريق و أجزاء، و انما وضع الفكرة وحدة متماسكة الاجزاء متناسقة الاتجاهات. و توفر فيها على تحرّي أقرب المحتملات الى التنفيذ عمليا، في سبيل الاحتياط لثبوت حقه الشرعي، و في

265

سبيل صيانة مقامه و مقام أخيه، و تيسير شئون أسرته و حفظهم، و اعتصم فيها بالامان لشيعته و شيعة أبيه و انعاش أيتامهم، ليجزيهم بذلك على ثباتهم معه و وفائهم مع أبيه، و ليحتفظ بهم أمناء على مبدئه و انصارا مخلصين لتمكين مركزه و مركز أخيه، يوم يعود الحق الى نصابه. و سلّم فيها «الأمر» الى معاوية مشروطا بالعمل على سنّة النبي (ص) و سيرة الخلفاء الصالحين، فقلص بذلك من نفوذ عدوه في «الأمر» بما عرضه-من وراء هذا الشرط-للمخالفات التي لا عدّ لها و لا حدّ لنقمتها، و هو اذ ذاك اعرف الناس بمعاوية و بقابلياته الخلقية تجاه هذا الشرط.

و المعاهدة-بعد-هي الصكّ الذي وقّعه الفريقان ليسجلا على أنفسهما الالتزام بما أعطى كل منهما صاحبه و بما أخذ عليه. و هي هنا -على الاكثر-قضية «ماديّات» محدودة لجّ في تحصيلها أحد الفريقين لقاء «معنويات» لا حدّ لها استأثر بها الفريق الثاني.

فلم يهدف معاوية في صلحه مع الحسن (ع) ، الاّ للاستيلاء على الملك، و لم يرض الحسن بتسليم الملك لمعاوية الاّ ليصون مبادئه من الانقراض، و ليحفظ شيعته من الابادة، و ليتأكد السبيل الى استرجاع الحق المغصوب يوم موت معاوية.

و من سداد الرأي أن لا نفهم مغزى هذه المعاهدة الاّ على هذا الوجه.

و لكي نتبين صحة هذا التفسير لاهداف الفريقين يوم صلحهما، علينا ان نتحلل هنا في سبيل الكشف عن حقيقة تاريخية لها أهميتها، من التعبّد بأقوال المؤرخين و بتصرفاتهم، و أن نرجع توّا الى التصريحات الشخصية التي فاه بها كل من المتعاقدين أنفسهما، فيما يمت الى عناصر اتفاقيتهما هذه، أو فيما يلقي الضوء على تفسير ما يفتقر الى التفسير منها. و لعلنا سنصل من وراء هذا الاسلوب في طريقة الاستنتاج، الى حل شي‏ء كثير من الرموز التي استعصى حلها على كثير من الاصدقاء في التاريخ.

266

1-تصريحات الفريقين:

و يكفينا الآن من تصريحات معاوية بعد الصلح، فيما يمتّ الى معاهدته مع الحسن عليه السلام قوله فيما يرويه عنه كثير منهم ابن كثير (1) :

«رضينا بها ملكا» ، و قوله في التمهيد لهذه المعاهدة-قبل الصلح-فيما كان يراسل به الحسن: «و لك أن لا يستولى عليك بالاساءة و لا تقضى دونك الامور و لا تعصى في أمر (2) » .

و يكفينا من تصريحات الحسن (ع) ما قاله أكثر من مرة في سبيل افهام شيعته حيثيات صلحه مع معاوية: «ما تدرون ما فعلت و اللّه للذي فعلت خير لشيعتي مما طلعت عليه الشمس» . و ما قاله مرة أخرى لبشير الهمداني و هو احد رؤساء شيعته في الكوفة: «ما أردت بمصالحتي الاّ ان أدفع عنكم القتل‏ (3) » ، و ما قاله في خطابه-بعد الصلح-: «أيها الناس ان اللّه هداكم بأوّلنا، و حقن دماءكم بآخرنا، و قد سالمت معاوية، و ان أدري لعله فتنة و متاع الى حين‏ (4) » .

و ليس في شي‏ء من هذه التصريحات و لا في الكثير مما جرى على نسقها، سواء من معاوية أو من الحسن عليه السلام، ما يستدعينا الى الالتواء في فهم العقد القائم بينهما، الذي لم يقصد منه الاّ الاهداف التي أشرنا إليها آنفا. فلمعاوية طموحه الى الملك، و للحسن خطته في حماية الشيعة من القتل، و صيانة المبادئ الدينية التي هي خير مما طلعت عليه الشمس، و المسالمة الى حين.

و لا بدع-بعد هذا-في تقرير هذه الحقيقة على واقعها، و في التنبيه الى جنف كثير من المؤرخين فيما حرّفوا من أهداف كل من المتعاقدين، و فيما أساءوا فهمه من نصوصهما. و لقد ترى، ان المعاهدة نفسها

____________

(1) في تاريخه (ج 6 ص 220) .

(2) ابن ابي الحديد (ج 4 ص 13) .

(3) الدينوري (ص 203) .

(4) اليعقوبي (ج 2 ص 192) .

267

و تصريحات المتعاقدين أنفسهما، لم تنبس قط، بذكر بيعة و لا امامة و لا خلافة. فأين اذا، ما يدعيه غير واحد من هؤلاء المؤرخين و على رأسهم ابن قتيبة الدينوري، من أن الحسن بايع معاوية على الامامة!!..

و قبل الانتقال الى مناقشة هذا الموضوع، أو مناقشة القائلين به نتقدم بتمهيد عابر عن نسبة الخلافة الاسلامية الى معاوية بن أبي سفيان، و امتناع البيعة الشرعية لمثله، فنقول:

معاوية و الخلافة:

لقد مرّ فيما ذكرناه بين أطواء المناسبات الآنفة، أن خلافة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في الاسلام لا ينبغي ان تكون الاّ في أقرب المسلمين شبها به في سائر مزاياه الفضلى، و انه ليس لطليق و لا لولد طليق و لا لمسلمة الفتح شي‏ء في هذا الامر (كما قاله عمر) ، و أن الخلافة بعد رسول اللّه ثلاثون سنة ثم تكون ملكا عضوضا (الحديث كما صححه أهل السنة) ، و أن لا امامة الاّ بالنص و التعيين (كما عليه الشيعة و المعتزلة) ، و أن الغلبة و القوة لا تجعل غير الجائز جائزا، فلا يصح أخذ الخلافة عنوة و لا فرضها على المسلمين قسرا، و أن الذي يكون خليفة النبي (ص) لا يمكن أن ينقاد-لا ظاهرا و لا سرا-الى مناقضته في أحكامه، فيلحق العهار بالنسب و يصلي الجمعة يوم الاربعاء و ينقض عهد اللّه بعد ميثاقه.

و نزيد هنا: أن قادة الرأي في الامة الاسلامية منذ عهد معاوية و الى يوم الناس هذا، لم يفهموا من استيلاء معاوية على الامر، معنى الخلافة عن رسول اللّه (ص) بما في هذا اللفظ من معنى، رغم الدعاوة الاموية النشيطة التي تجنّد لها الخلفاء الاسميون من بني أمية و من إليهم، زهاء الف شهر، هي مدة حكمهم في الاسلام، أنفقوا فيها الرشوات بسخاء، و وضعوا فيها الاحاديث و الاقاصيص وفق الخطط و الاهواء، ثم بقى معاوية-مع كل ذلك-ملكا دنيويا و خليفة اسميا لا اقلّ و لا أكثر.

دخل عليه-بعد أن استقر له الامر-سعد بن أبي وقاص فقال له:

268

«السلام عليك أيها الملك» فضحك له معاوية و قال: «ما كان عليك يا أبا إسحاق لو قلت: يا أمير المؤمنين» ، قال: «أتقولها جذلان ضاحكا، و اللّه ما أحب اني وليتها بما وليتها به‏ (1) » .

و قال ابن عباس لابي موسى الاشعري في كلام طويل: «و ليس في معاوية خصلة تقربه من الخلافة (2) » .

و قال أبو هريرة في سبيل انكاره خلافة معاوية فيما يرويه عن رسول اللّه (ص) : «الخلافة بالمدينة و الملك بالشام‏ (3) » .

و سئل سفينة مولى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم-فيما أخرجه ابن أبي شيبة-عن استحقاق بني أمية للخلافة، فقال: «كذب بنو الزرقاء بل هم ملوك من شرّ الملوك، و أول الملوك معاوية (4) » .

و أنكرت عائشة على معاوية ادعاءه الخلافة و بلغه ذلك، فقال:

«عجبا لعائشة تزعم اني في غير ما أنا اهله، و أن الذي أصبحت فيه ليس لي بحق، مالها و لهذا يغفر اللّه لها (5) » .

و حضر أبو بكرة (أخو زياد لامه) مجلس معاوية، فقال له:

«حدثنا يا ابا بكرة» ، فقال‏[فيما أخرجه ابن سعيد]: «اني سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم يقول: الخلافة ثلاثون ثم يكون الملك قال عبد الرّحمن بن أبي بكرة: «و كنت مع أبي فأمر معاوية فوجئ في أقفائنا حتى أخرجنا (6) » .

____________

(1) ابن الاثير في الكامل (ج 3 ص 163) و النصائح الكافية (ص 158) .

(2) المسعودى (هامش ابن الاثير ج 6 ص 7) .

(3) ابن كثير (ج 6 ص 321) .

(4) النصائح الكافية (ص 153-طبع ايران) .

(5) شرح النهج (ج 4 ص 5) .

(6) النصائح الكافية (ص 159-ط. أ) .

269

و سأل معاوية صعصعة بن صوحان العبدي قائلا: «أي الخلفاء رأيتموني؟» ، فقال صعصعة: «أنّى يكون الخليفة من ملك الناس قهرا و دانهم كبرا، و استولى بأسباب الباطل كذبا و مكرا. أما و اللّه ما لك في يوم بدر مضرب و لا مرمى، و لقد كنت أنت و ابوك في العير و النفير، ممن أجلب على رسول اللّه صلّى اللّه عليه (و آله) و سلم. و انما أنت طليق و ابن طليق أطلقكما رسول اللّه صلّى اللّه عليه (و آله) و سلم. فأنّى تصلح الخلافة لطليق؟! (1) » .

و دخل عليه صديقه المغيرة بن شعبة، ثم انكفأ عنه و هو يقول لابنه:

«اني جئت من أخبث الناس!! (2) » .

و لعنه عامله سمرة يوم عزله عن ولاية البصرة، فقال: «لعن اللّه معاوية و اللّه لو اطعت اللّه كما أطعته لما عذبني ابدا (3) » .

و قال الحسن البصري: «أربع خصال كنّ في معاوية لو لم يكن فيه منهن الاّ واحدة لكانت موبقة: انتزاؤه على هذه الأمة بالسفهاء حتى ابتزها امرها (يعني الخلافة) بغير مشورة منهم و فيهم بقايا الصحابة و ذوو الفضيلة، و استخلافه ابنه بعده سكّيرا خميرا يلبس الحرير و يضرب بالطنابير، و ادعاؤه زيادا و قد قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه (و آله) و سلم:

الولد للفراش و للعاهر الحجر، و قتله حجرا، ويل له من حجر و أصحاب حجر، (مرتين) (4) » .

و أبى المعتزلة بيعة معاوية بعد الصلح، و اعتزلوا الحسن و معاوية جميعا، و بذلك سموا أنفسهم «المعتزلة» (5) .

____________

(1) المسعودى (هامش ابن الاثير ج 6 ص 7) .

(2) مروج الذهب (ج 2 ص 342) ، و ابن ابي الحديد (ج 2 ص 357) .

(3) ابن الاثير فيما يرويه عنه في النصائح (ص 9) .

(4) الطبرى (ج 6 ص 157-الطبعة الاولى) .

(5) كتاب التنبيه و الرد على أهل الاهواء و البدع: لمحمد بن أحمد الملطي المتوفي سنة 377 هـ (ص 28) .

270

ثم مشى موكب الزمان بتاريخ معاوية، فاذا به المثال الذي يضربه فقهاء المذاهب الاربعة، للسلطان الجائر (1) ..

و اذا به الباغي الذي يجب قتاله برأي أبي حنيفة النعمان بن ثابت‏ (2) .

فأين الخلافة المزعومة، يا ترى؟.

و جاء المعتضد العباسي، فنشر من جديد فعال معاوية و بوائقه الكبرى و ما قيل فيه، و ما روي في شأنه. و دعا المسلمين الى لعنه، في مرسوم ملكي اذيع على الناس سنة 284 للهجرة (3) .

و قال الغزالي بعد ذكره لخلافة الحسن بن علي (ع) : «و أفضت الخلافة الى قوم تولوها بغير استحقاق‏ (4) » .

و كان أروع ما ذكره به القرن السادس، قول نقيب البصرة فيه:

«و ما معاوية الاّ كالدرهم الزائف‏ (5) » .

و صرّح ابن كثير بنفي الخلافة عن معاوية استنادا الى الحديث، قال:

«قد تقدم أن الخلافة بعده عليه السلام ثلاثون سنة، ثم تكون ملكا، و قد انقضت الثلاثون بخلافة الحسن بن علي، فأيام معاوية أول الملك‏ (6) » .

و قال الدميري المتوفى سنة 808 هـ بعد ذكره مدة خلافة الحسن (ع) :

«و هي تكملة ما ذكره رسول اللّه صلّى اللّه عليه (و آله) و سلم من مدة

____________

(1) و ذلك في اتفاقهم على جواز تقلد القضاء من السلطان الجائر، استنادا الى عمل الصحابة في تقلدهم القضاء من معاوية.

(2) قال أبو حنيفة: «أ تدرون لم يبغضنا أهل الشام؟» . قالوا:

«لا» . قال: «لانا نعتقد أن لو حضرنا عسكر علي بن أبي طالب كرم اللّه وجهه، لكنا نعين عليا على معاوية، و نقاتل معاوية لاجل علي، فلذلك لا يحبوننا» . يراجع النصائح الكافية لابن عقيل (ص 36) فيما يرويه عن أبي شكور في كتابه «التمهيد في بيان التوحيد» .

(3) نجد نص المرسوم على طوله في تاريخ الطبرى (ج 11 ص 355) .

(4) دائرة معارف القرن العشرين لفريد وجدي (ج 3 ص 231) .

(5) ابو جعفر النقيب (ص 41-طبع بغداد) .

(6) البداية و النهاية (ج 8 ص 19) .

271

الخلافة، ثم تكون ملكا عضوضا ثم تكون جبروتا و فسادا في الارض، و كان كما قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم‏ (1) » .

و جاء محمد بن عقيل-اخيرا-فكتب كتابه الجليل «النصائح الكافية لمن يتولى معاوية» و هو بحق: القول الفصل في موضوع معاوية، و قد طبع الكتاب مرتين، فليراجع.

*** و في اباء التشريع الاسلامي مثل هذه الخلافة-أولا-.

و في المخالفات الصلع التي ثبتت على معاوية للنبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم-ثانيا-.

و في انكار قادة الرأي المسلمين عليه-في مختلف العصور الاسلامية- ادعاءه الخلافة-ثالثا-ما يكفينا مئونة البحث في موضوع (معاوية و الخلافة) .

و كذلك كان الحسن نفسه بعد تسليم الامر لمعاوية، صريحا في نفي الخلافة عنه، شأنه في ذلك شأن سائر القادة من المسلمين. فقال في خطابه يوم الاجتماع في الكوفة: «و ان معاوية زعم أني رأيته للخلافة أهلا و لم أر نفسي لها اهلا، فكذب معاوية. نحن أولى الناس بالناس في كتاب اللّه عزّ و جل و على لسان نبيه» . و سيأتي ذكر خطابه هذا في‏[الفصل 18].

و قال في خطاب آخر له-بعد الصلح-و كان معاوية حاضرا:

«و ليس الخليفة من دان بالجور و عطل السنن و اتخذ الدنيا أبا و أما، و لكن ذلك ملك أصاب ملكا يمتع به، و كان قد انقطع عنه، و استعجل لذته و بقيت عليه تبعته، فكان كما قال اللّه جل و عزّ: و ان أدري لعله فتنة و متاع الى حين‏ (2) » .

***

____________

(1) حياة الحيوان (ج 1 ص 58) .

(2) ذكرها البيهقي في المحاسن و المساوئ (ج 2 ص 63) و ذكرها غيره.

272

2-حديث البيعة:

و جاء فيما يرويه الكليني رحمه اللّه (ص 61) : «ان الحسن اشترط على معاوية أن لا يسميه أمير المؤمنين» .

و جاء فيما يرويه ابن بابويه رحمة اللّه في العلل (ص 81) ، و رواه غيره أيضا: «أن الحسن اشترط على معاوية أن لا يقيم عنده شهادة» .

و لا أكثر مما تضمنته هاتان الروايتان تحفظا عن الاعتراف بصحة خلافة معاوية فضلا عن البيعة له. و لم يكن ثمة الاّ تسليم الملك الذي عبرت عنه المعاهدة «بتسليم الامر» و عبر عنه آخرون بتسليم الحكم.

اما قول الدينوري في «الامامة و السياسة» أن الحسن بايع معاوية على الامامة، فهو القول الذي يصطدم قبل كل شي‏ء بقابليات معاوية التي عرفنا قريبا النسبة بينها و بين الخلافة و صلاحية البيعة على المسلمين، و يصطدم ثانيا بتصريحات الحسن في انكار خلافة معاوية. سواء في خطابيه الآنفين، أو في تحفظاته الواضحة في هاتين الروايتين.

و هكذا دلّ الدينوري فيما مرّ عليه من قضايا الحسن و معاوية، على تحيز واضح لا يليق بمؤرخ يعيش في القرن الثالث حيث لا معاوية و لا رشواته و لا دعاواته، و لكنها الدوافع العاطفية التي لم يسلم من تأثيرها كثير من مؤرخينا المسلمين... فقال مرة اخرى: «و لم ير الحسن و الحسين طول حياة معاوية منه سوءا في أنفسهما و لا مكروها!» . أقول:

و أي سوء يصاب به انسان أعظم من قتله سما؟. و أى مكروه ينزل بانسان أفظع من اغتصاب عرشه ظلما؟. فأين مقاييس الدينوري بعد هذا يا ترى؟ و نحن اذ أردنا هنا، ان نتعسف للمتسرعين الى ذكر البيعة عذرا أو شبه عذر، حملناهم على التأثر بالدعاوات الكثيرة التي كانت لا تزال آخذة بالاسماع، و لم يكن في التاريخ قضية أبرز من انتقال الحكم في الاسلام من سبط النبي نفسه، الى طلق من الطلقاء المعروفين بتاريخهم القريب، و لذلك‏

273

فقد بلغ الكلف بالمنكرين على الصلح حدا استساغوا به الاسترسال في ذيوله و حواشيه، فحوّروا ما كان، و زوّروا ما لم يكن. و من هنا سج الخيال حديث البيعة، و كان في اللغط بهذا الحديث-المصطنع-غرض قويّ للقوة القائمة على الحكم بعد حادثة الصلح، لأنه الدعامة التي تسند دعاويهم باستحقاق الخلافة المزعومة، الامر الذي تصايح المسلمون بانكاره لهم و انكارهم له، منذ قال سفينة مولى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم:

«كذب بنو الزرقاء بل هم ملوك من شر الملوك و أول الملوك معاوية» .

ثم جاءت السطحية الساذجة التي تقمصها اخواننا المؤرخون فيما جمعوه أو فيما فرّقوه من تاريخ الاسلام، فمرّوا على هذه الاقصوصة المصطنعة كحقيقة واقعة، و كان القليل منهم من وقف عن الفضول في الكلام، و كان منهم من جاوز الحقيقة فخلط و خبط، حتى نسب الى الحسن نفسه الاعتراف بالبيعة صريحا!. و كان منهم من أوقعه الخلط و الخبط في فرية وضيعة لا تجمل بمروءة الرجل المسلم فيما يكتبه عن سبط من أسباط نبيه العظيم (ص) ، فضلا عن نبوها المكشوف بأمانة التاريخ، فادّعى انه باع الخلافة بالمال!!.

و لسنا الآن بصدد الردّ على تقولات الافاكين.

و لكننا اذ نبرئ حديث الصلح بواقعه الاول الذي رضيه الفريقان من قضية البيعة المزعومة، لا نعتمد في التبرئة الاّ على الفهم الذي يجب ان يفهمه المسلم من معنى البيعة و من معنى الامامة على حقيقتهما-هذا أولا و أما ثانيا فلما مرّ عليك قريبا من روايات الحادثة، و من تصريحات ذوي الشأن في الموضوع.

و ما من حقيقة تتعاون على تقريرها مثل هذه الادلة فتبقي مجالا للشك.

و قديما اعتاد الناس أن يرجعوا في كشف الوقائع الماضية الى اقوال المؤرخين القدامى، ممن عاصر تلك الوقائع أو جاء بعدها بقليل أو كثير من الزمن. و كان من الجمود على هذه الطريقة ما أدى في الاجيال المتأخرة

274

الى مختلف الآراء و شتى التحزّبات، بين المجتمع الواحد و في الافق الواحد و الدين الواحد، ذلك لان مراجع هذا التاريخ أنفسهم، كانوا يعيشون تحت تأثير آراء و تحزبات لا معدى لهم عنها في مثل عصورهم. و من الصعب جدا أن يطيق كاتب ما يومئذ التحلل-فيما يكتب-من المؤثرات العاطفية التي تشترك في تكوينه أدبيا و في تدوير أعماله و مصالحه اجتماعيا. و من هنا كان هذا القلق الملموس-المأسوف عليه-في كثير من موضوعات التاريخ الاسلامي.

و من الحق أن نعتقد هنا، بأن قصة «البيعة» التي طعنت بها قضية الحسن في صلحه مع معاوية، انما كانت وليدة تلك المؤثرات التي كتب المؤرخون تحت تأثيرها تواريخهم، فرأوا من الدعاوات المغرضة لتسجيل هذه القصة كحقيقة واقعة ما يحفزهم الى حسن الاحتذاء، تطوعا للمنفعة العاجلة أو جهلا بالواقع، و رأوا من التصريح «بتسليم الامر» في صلب المعاهدة ما يسوّغ لهم-أو قل-ما ييسر لهم التوسع الى ادعاء الاعتراف بالخلافة، ثم الى ادعاء الانقياد بالبيعة!!. و خفي عليهم ان الخلافة-بما هي منصب الهي-لا يمكن ان تنقاد الى مساومة أو تسليم، و لا يمكن ان تمسها الظروف الزمنية في «صلح» أو «تحكيم» .

و لكي نزداد بصيرة في تفهم معنى «تسليم الامر» الوارد في المادة الاولى من معاهدة الصلح، علينا أن نرجع الى طريقتنا في استنتاج الجدّ بين هزل المؤرخين فندرس على المتعاقدين أنفسهما تفسير هذا المجمل من حيث التقييد و الاطلاق.

3-تسليم الامر:

علمنا-مما تقدم-أن معاوية قال لابنه يزيد، و هو يشير الى أهل البيت عليهم السلام: «ان الحق حقهم» .

و علمنا انه كتب الى الحسن في التمهيد للصلح «و لا تقضى دونك الامور و لا تعصى في أمر» .

275

و علمنا أنه قال بعد الصلح: «رضينا بها ملكا» .

و علمنا أنه خطب على منبر الكوفة يوم وصوله إليها. فقال: «اني لم اقاتلكم لتصلوا و لا لتزكوا.. و انما قاتلتكم لأتأمر عليكم» .

و علمنا أن الحسن بن علي أنكر عليه الخلافة وجاها، فسكت و لم يرد عليه.

فلنعلم اذا، بأن معاوية حين رضيها ملكا نفاها عن نفسه خلافة، و حين قال: «لم اقاتلكم لتصلوا و لا لتزكوا.. » دل على أنه ليس خليفة دين، و لكنه ملك دنيا لا همّ له في صلاة و لا زكاة، و انما كل همه في التأمر على الناس. و هو حين يقول للحسن: «لا تقضى دونك الامور» و يقول لابنه: «ان الحق حقهم» ، يعترف للحسن بالمقام الاعلى و بالسلطة التي لا تعصى في أمر. و ما ذلك الاّ مقام الخلافة فحسب. و كان لا بد لمعاوية أن يسكت-و الحال هذه-حين يصارحه الحسن بانكار خلافته، و يكذبه على ادعائها بغير استحقاق.

فأين من هذا، تسليم الخلافة الذي فسّروا به تسليم الامر؟.

و شي‏ء آخر، قد يكون في مغزاه أدق دلالة على اعتراف معاوية ببراءته من استحقاق الخلافة، و ذلك هو ضحكته المخذولة لسعد بن أبي وقاص يوم دخل عليه و قال له: «السلام عليك أيها الملك» ، و لم يقل يا امير المؤمنين، فقد كانت هذه الضحكة بلغتها المبطنة، صريحة بالاعتراف بالخطإ اذ يريد أن يأخذ الخلافة لقبا من غنائم الحرب، لا واسطة بين المسلمين و نبيهم (ص) ، و بهذا استحق من سعد، و هو الرجل الذي لا تغلبه مداورات معاوية، أن يقول له: «و اللّه ما أحب أني وليتها بما وليتها به» ، يعني أنه كان يترفع عنها لقبا ينبت على الدماء المحرمة، و الفتن السود، و العهود الخائسة.

و ترى-على هذا-أن سعدا لم يفهم من تسليم الامر الاّ تسليم الملك و هو ما يجب أن يفهمه كل من فهم لغة القرآن في الخلافة، أو لغة الفريقين‏

276

المتعاقدين في المعاهدة. و لما مرّ البحاثة الاسلامي الجليل السيد أمير علي الهندي رحمه اللّه، على ذكر هذا الصلح عبّر عنه «بالتنازل عن الحكم‏ (1) » .

و كان فيما قاله الحسن عليه السلام في سبيل التعبير عن صلحه مع معاوية جوابا لبعضهم: «لا تقل ذلك يا أبا عامر، لم أذل المؤمنين و لكني كرهت أن أقتلهم على الملك‏ (2) » .

و قال لاخر: «أضرب هؤلاء بعضهم ببعض في ملك من ملك الدنيا لا حاجة لي به‏ (3) » .

و هكذا نجد الفريقين-الحسن و معاوية-يتفقان على أن الحرب التي زحفا إليها بجيوشهما، انما كانت حربا على الملك. و معنى ذلك أن الصلح الذي اتفقا عليه في معاهدتهما، انما كان صلحا على الملك، لانهما يصطلحان اليوم على ما تنازعا عليه أمس. و ليس في وجهة النظر القائمة بين الاثنين في خلال هذه التصريحات و لا يوم صلحهما، ذكر للخلافة تسلّما و لا تسليما.

ثم نجدهما يتفقان في هذه التصريحات، على ايثار أحدهما دون الآخر بالمركز الذي لا تقضى دونه الامور.. و هو المركز الذي سوّغ للحسن أن يقول عن معاوية كما لو قلده عملا من اعماله و هو اذ ذاك حاضر مجلسه:

«انه أعرف بشأنه و أشكر لما ولّيناه هذا الامر (4) » يعني امر الملك.

أقول: و كم هو الفرق بين هذا المركز و بين ما توهمه المتحذلقون من حديث البيعة أو من تفسير تسليم الامر بتسليم الخلافة؟.

و كانت فيما نظن غلطة سبق إليها كاتب عن قصد، ثم أخذها عنه

____________

(1) مختصر تاريخ العرب و التمدن الاسلامي (ص 61) .

(2) ابن كثير (ج 8 ص 19) ، و اعيان الشيعة (ج 4 ص 52) ، و المستدرك للحاكم.

(3) الاصابة (ج 2 ص 12) .

(4) المحاسن، المساوئ للبيهقي (ج 1 ص 64) .

277

كتّاب عن غير قصد، و اندست على مثل هذا الاسلوب اخطاء كثيرة في التاريخ، شوّهت من حقائقه و بدلت من روعته و ضاعفت من جهد الباحثين فيه، ثم اذا أنت عنيت بموضوعك فدققت مراجعه، رأيته لا يرجع الاّ الى أصل واحد، ثم اذا محصت الاصل رأيته لا يرجع الى أصل!.

*** هذا، و اما الخلافة الاسمية، فلا خلاف فيها على معاوية و لا على أحد من هؤلاء المتنفذين الذين ادّعوها لانفسهم، أو غزوها بسلاحهم، أو ورثوها من الغزاة و المدّعين.

و اذا صح في عرف المجتمع الذي بايع معاوية، أو بايع أحد هؤلاء، ان ينتزع من الاّ دعاء أو قوة السلاح «خلافة» فلا مشاحة في الاصطلاح.

و ليكن معاوية-على هذا-خليفة النفوذ و السلطان، و ليبق الحسن ابن علي خليفة النبي و شريك القرآن.

و ليكن ما ورد في بعض النصوص-على تقدير صحة السند و الامن من التحريف-تطبيقا عمليا لاستعمال الكلمة في مصطلحها الجديد!.

4-مصير الامر بعد معاوية

و لم يعهد في كتب معاوية الى الحسن فيما كان يراسله به في سبيل التمهيد للصلح، كتاب يغفل تعيين المصير الذي كان يجب أن يرجع إليه الامر من بعد معاوية. و هو اذ يطلب من الحسن في هذه الرسائل تسلم الامر محدودا بحياته، يقول في بعضها: «و لك الامر من بعدي‏ (1) » و يقول في بعضها الآخر: «و أنت اولى الناس بها

____________

1 2

» .

و هكذا جاء النص في المعاهدة.

و هكذا فهم الناس الصلح، انتزاعا للسلطة محدودا بعمر معاوية

____________

(1) (1) و (2) ابن ابي الحديد في شرح النهج (ج 4 ص 13) .

278

الذي كان يكبر الحسن زهاء ثلاثة عقود، فكان من المتوقع القريب أن يسبقه الى الموت، و أن يعود الحق الى نصابه، و الحسن بعد في أوائل كهولته أو اواخر شبابه، لو لا أن للخطط الجهنمية حسابا لا يخضع للمقاييس!!.

و ظلت المادة الصريحة باستحقاق الحسن الامر بعد معاوية، أبرز مواد المعاهدة في المجتمعات الاسلامية، و أكثرها ذيوعا بين الناس، مدى عقد كامل من السنين. ثم طغت عليها الدعاوات العدوة، و أخذها حملة الاخبار الى مصانعهم الجديدة، فبدلوا من معالمها و غيروا من حقائقها، و صاغها بعضهم بقوله: «ليس لمعاوية أن يعهد الى أحد» . و تلطف آخر بها من عنده فقال: «و يكون الامر بعده شورى بين المسلمين» .

-أما الصادقون فرووها على حقيقتها. وفات المؤرخين المحترفين، أن صرف الحقيقة عن واقعها في هذا النص، لن يجديهم في صرف الواقع عن حقيقته في مرحلة التطبيق، فلم يكن من المحتمل عادة، أن يتجاوز المسلمون-في شوراهم أو في غير شوراهم-ابن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم، لو قدر له أن يكون حيا يوم يموت معاوية، و قدّر للمسلمين أن يختاروا الخليفة أحرارا، أو يتشاوروا أمرهم مختارين. فالروايتان-الصحيحة و المحرفة-بل الصور الثلاث المزعومة للرواية الواحدة، تتحد عمليا ما دام الحسن حيا.

اذا، فلما ذا التهرب من أمانة التاريخ الاّ أن يكون تعاونا رخيصا مع السلطة القائمة على التمهيد لبيعة يزيد؟!!.

و خيل للمؤرخ البارع الذي الغى التعيين الصريح، و نقل الامر الى الشورى، أنه أحسن اتخاذ الاسلوب للوضع و التحريف، و خفي عليه، أنه لم يزد فيما هدف إليه على صاحبه الذي الغاهما معا، و ذلك لان الشورى التي عناها لا تكون في انتخاب الخليفة، و انما تكون في الشؤون التي يديرها الخليفة أو رئيس المسلمين من أمورهم، و هكذا كان تشريعها الاول يوم‏

279

قال سبحانه «و شاورهم في الامر» ، و على ذلك مدحهم بقوله تعالى «و امرهم شورى بينهم» .

و الآية في نفي الرئاسات التي جعلها الناس، أصرح منها في فرضها على الناس.

و ليس فيما توهمه هذا المؤرخ أو توهمه آخرون، من الاستناد الى الكتاب في قضية الانتخاب الاّ الوهم-و لذلك فان عائشة لما أرادت الدعوة الى الشورى لم تنسبها الى اللّه عزّ و جل و انما نسبتها الى عمر بن الخطاب و لو وجدت في نسبتها الى اللّه سبيلا لما تأخرت عنه لانه كان-اذ ذاك-أدعم لحجتها، فقالت يوم دخولها البصرة: «و من الرأي ان تنظروا الى قتلة عثمان فيقتلوا به، ثم يردّ هذا الامر شورى على ما جعله عمر بن الخطاب‏ (1) » .

و اخيرا، فان القرائن القطعية الكثيرة، لا تقبل لهذا النص-موضوع البحث-الاّ الرواية الصريحة التي ذكرناها في المادة الثانية من صورة المعاهدة.

أما اولا-فلما دلت عليه كتب معاوية الى الحسن (ع) -كما أشير إليه قريبا-.

و اما ثانيا-فلأنها الانسب بشروط يضعها الحسن نفسه-كما نبهنا إليه في حديث (الصحيفة البيضاء) .

و اما ثالثا-فلأن رواتها أكثر، و روايتها أشهر.

و اما رابعا-فلما أشرنا إليه من ذيوع المادة الثانية بنصها الصريح مدة حياة الحسن عليه السلام، حتى لقد كانت الشاهد في كثير من الخطب و الاحاديث.

فنرى سليمان بن صرد يشير إليها فيما يعرضه للحسن

____________

(1) دائرة معارف القرن العشرين لفريد وجدي (ج 4 ص 535) .

280

بعد الصلح. و نرى جارية بن قدامة يذكر لمعاوية حق الحسن بالأمر بعده كقرار معروف. و نرى الاحنف بن قيس يرسله ارسال المسلّمات، في خطبته التي يرد بها على البيعة ليزيد، و هو اذ ذاك يخاطب معاوية نفسه في حفل حاشد.

قال: «و قد علمت أنك لم تفتح العراق عنوة، و لم تظهر عليه مقصا.

و لكنك أعطيت الحسن بن علي من عهود اللّه ما قد علمت، ليكون له الامر من بعدك، فان تف، فأنت أهل الوفاء، و ان تغدر تظلم. و اللّه ان وراء الحسن خيولا جيادا و أذرعا شدادا و سيوفا حدادا، ان تدن له شبرا من غدر، تجد وراءه باعا من نصر. و انك تعلم من أهل العراق، ما أحبوك منذ أبغضوك.. (1) » .

الى كثير من الشواهد الاخرى التي يزهدنا في استيعابها رغبتنا في الاختصار.

***

5-بقية المواد

و لقد ترى-الى هنا-بأن دراستنا للنقاط البارزة في مواد المعاهدة لم تتجاوز المادتين-الاولى و الثانية-.

اما المادة الثالثة، فقد سبق في (الفصل: 14) مناقشة معاوية في موضوعها كما يجب-فليراجع-، و سبق في الكلام على حديث الصحيفة البيضاء التي أرسلها معاوية الى الحسن عليه السلام، ليكتب عليها ما يشاء من شروط، (في الفصل: 16) أن حديث هذه الصحيفة هو القرينة على ترجيح ما يكون من روايات المعاهدة أقرب الى صالح الحسن منه الى صالح خصومه، و على هذا فالمادة الثالثة لا تعني الاّ الاطلاق في منع معاوية من شتم

____________

(1) تجد تمام هذه الخطبة و ذكر مصادرها في (الفصل 20) عند ذكرنا طريقة التمهيد لبيعة يزيد.

281

أمير المؤمنين علي عليه السلام، سواء حضر الحسن أو غاب. و لا يؤخذ بما ألحقه بها بعض المؤرخين من اشتراط الامتناع عن السب بحال حضور الحسن و استماعه‏ (1) ، و لا هو مما يتمشى مع روح الصلح اذا كان الفريقان في صدد صلح حقيقي و تفاهم دائم.

و أما المادة الرابعة، فلم تكن في حقيقتها الاّ استثناء متصلا من الماديات التي اشترطت المعاهدة تسليمها لمعاوية. و معنى ذلك أن المعاهدة سلمت لمعاوية ما أراد من الملك عدا المبالغ المنوّه عنها في هذه المادة، فاستأثر الحسن بها لنفسه و لاخيه و لشيعته، و كانت من حقوقه التي جعل له اللّه تعالى التصرف فيها. و اختار من الخراج الحلال-فيما استثنى-أبعده عن الشبهات من الوجهة الشرعية، و هو خراج دارابجرد (2) .

اقول‏

و أين هذا التفسير مما تطاول به بعضهم من التحامل الجرى‏ء و الافتئات البذي‏ء، على مقام الامام الحسن بن علي عليهما السلام، حين أساء فهم هذه المادة فخلق من هذه الاموال ثمنا للخلافة و من الحسن بائعا و من معاوية مشتريا. و كان الاولى بهذا الفهم البليد-الذي هان عليه أن يتصور الثمن و المثمن كليهما من البائع، ثم يدعي مع ذلك وقوع البيع-ان لا يتعرض فيما يكتب للموضوعات التي تكشف لقارئه بلادته، فيسي‏ء الى نفسه قبل أن يسى‏ء الى موضوعه.

____________

(1) قاله ابن الاثير (ج 3 ص 162) ، و قال بعده: «ثم لم يف به أيضا!!» .

(2) قال في الكامل (ج 3 ص 162) : «و أما خراج دارابجرد فان أهل البصرة منعوه، و قالوا هو فيئنا لا نعطيه احدا» . قال: «و كان منعهم بأمر معاوية أيضا!!» .

282

و قد مرّ في معنى الخلافة (لذاتها) ، و في قابليات معاوية للخلافة ما يكفينا القول باستحالة هذا الهذر، و لا نعيد.

و اما المادة الخامسة، فللفصول القريبة الآتية ما تحمله عنها:

283

الاجتماع في الكوفة

284

و كان طبيعيا أن يتفق الفريقان بعد توقيعهما الصلح، على مكان يلتقيان فيه على سلام، ليكون اجتماعهما في مكان واحد تطبيقا عمليا للصلح الذي يشهده التاريخ، و ليعترف كل منهما على مسمع من الناس بما أعطى صاحبه من نفسه و بما يلتزم له من الوفاء بعهوده. و اختارا الكوفة، فأقفلا إليها، و أقفل معهما سيول من الناس غصت بهم العاصمة الكبرى، و هم-على الاكثر-أجناد الفريقين، تركوا معسكريهما و خفوا لليوم التاريخي الذي كتب على طالع الكوفة النحس أن تشهده راغمة أو راغبة. و للمرة الاولى تزخر عاصمة العراق بعشرات الالوف من أجناد الشام الحمر-مسلمين و مسيحيين-. و لهذين المعسكرين-الكوفة و الشام-سوابقهما التي لا تعهد الهوادة في سلسلة العداوات التاريخية و الوقائع الدامية، منذ حوادث سلمان الباهلي و حبيب بن مسلمة الفهري (على عهد عثمان بن عفان) و الى يوم الصلح هذا. فما ظنك يومئذ بحال الجندي الكوفي الثابت على الوفاء، الذي قدّر له ان يلقي سلاحه تحت موجة طاغية من مكاء الجنود الشاميين و تصديتهم التي عجت بها أروقة المسجد الجامع، الذي كان أسس على تقوى من اللّه.

و كانت الفجيعة القاتلة للفئة المخلصة من أنصار أهل البيت عليهم السلام، و للذين جهلوا من هؤلاء الانصار أهداف الحسن في الصلح، أو جهلوا حقيقة الوضع بدوافعه التي اقتادت الحسن الى الصلح. أما الاكثرية الخائنة فقد مزقت الستار في يومها المنشود، و ظهرت على المسرح باللون الذي لا تشتبه فيه الابصار، و شوهد بين جماهير الشاميين زمر من الكوفيين يساهمونهم الفرح المغبون في مهرجاناتهم الباردة، و انتصارهم‏

285

المغلوب!!.

و نودي في الناس الى المسجد الجامع، ليستمعوا هناك الى الخطيبين الموقعين على معاهدة الصلح.

و كان لا بد لمعاوية أن يستبق الى المنبر، فسبق إليه و جلس عليه‏ (1) ، و خطب في الناس خطبته الطويلة التي لم ترو المصادر منها الاّ فقراتها البارزة فحسب.

منها (على رواية اليعقوبي) :

«أما بعد ذلكم، فانه لم تختلف أمة بعد نبيها، الاّ غلب باطلها حقها!!» -قال: «و انتبه معاوية لما وقع فيه. فقال: الاّ ما كان من هذه الامة، فان حقها غلب باطلها (2) !!» .

و منها (على رواية المدائني) :

«يا أهل الكوفة، أ ترونني قاتلتكم على الصلاة و الزكاة و الحج و قد علمت أنكم تصلون و تزكون و تحجون؟، و لكني قاتلتكم لأتأمر عليكم و ألي رقابكم، و قد آتاني اللّه ذلك و انتم كارهون!. ألا ان كل دم أصيب في هذه الفتنة مطلول، و كل شرط شرطته فتحت قدميّ هاتين!!. و لا يصلح الناس الاّ ثلاث: اخراج العطاء عند محله، و اقفال الجنود لوقتها، و غزو العدو في داره، فان لم تغزوهم غزوكم» .

و روى أبو الفرج الاصفهاني عن حبيب بن أبي ثابت مسندا، أنه ذكر في هذه الخطبة عليا فنال منه، ثم نال من الحسن‏ (3) !!.

____________

(1) قال جابر بن سمرة: «ما رأيت رسول اللّه يخطب الاّ و هو قائم، فمن حدثك أنه خطب و هو جالس فكذبه» رواه الجزائري في آيات الاحكام (ص 75) ، و الظاهر أن معاوية أول من خطب و هو جالس.

(2) تاريخ اليعقوبي (ج 2 ص 192) .

(3) شرح النهج (ج 4 ص 16) .

286

و زاد أبو إسحاق السبيعي‏ (1) فيما رواه من خطبة معاوية قوله: «الا و ان كل شي‏ء أعطيت الحسن بن علي تحت قدميّ هاتين لا أفي به!!» .

قال أبو إسحاق: «و كان و اللّه غدارا (2) » .

ثم تطلع الناس، فاذا هم بابن رسول اللّه الذي كان أشبههم به خلقا و خلقا و هيبة و سؤددا، يخطو من ناحية محراب أبيه في المسجد العظيم ليصعد على منبره. و في غوغاء الناس و لع بالفضول لا يصبر عن استقراء الدقائق من شئون الكبراء، فذكروا لجلجة معاوية في خطبته، و رباطة الجأش الموفورة في الحسن و قد استوى على أعواده، و أخذ يستعرض الجموع الزاخرة التي كانت تضغط المسجد الرحب على سعته، و كلها -اذ ذاك-أسماع مرهفة لا همّ لها الاّ أن تعي ما يردّ به على معاوية، فيما خرج به عن موضوع الصلح، فنقض العهود و أهدر الدماء و تطاول على الاولياء. و كان الحسن بن علي (ع) أسرع الناس بديهة بالقول، و أبرع الخطباء المفوّهين على تلوين الموضوعات، فخطب في هذا الموقف الدقيق، خطبته البليغة الطويلة التي جاءت من أروع الوثائق عن الوضع القائم بين الناس و بين أهل البيت عليهم السلام بعد وفاة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم، و وعظ و نصح و دعا المسلمين-في أولها-الى المحبة و الرضا و الاجتماع، و ذكّرهم-في أواسطها-مواقف أهله بل مواقف الأنبياء، ثم ردّ على معاوية-في آخرها-دون أن يناله بسب أو شتم، و لكنه كان بأسلوبه البليغ، أوجع شاتم و سابّ.

قال:

«الحمد للّه كلما حمده حامد، و أشهد ان لا إله الاّ اللّه كلما شهد له شاهد. و أشهد أن محمدا عبده و رسوله، أرسله بالهدى، و ائتمنه على

____________

(1) هو عمرو بن عبد اللّه الهمداني التابعي، الذي يقال عنه أنه صلّى اربعين سنة صلاة الغداة بوضوء العتمة، و كان يختم القرآن في كل ليلة، و لم يكن في زمانه أعبد منه و لا أوثق في الحديث.

(2) شرح النهج (ج 4 ص 16) .

287

الوحي، صلّى اللّه عليه و آله و سلّم. أما بعد، فو اللّه اني لارجو أن اكون قد اصبحت بحمد اللّه و منّه، و أنا انصح خلق اللّه لخلقه، و ما أصبحت محتملا على مسلم ضغينة، و لا مريدا له سوءا و لا غائلة. ألا و انّ ما تكرهون في الجماعة، خير لكم مما تحبون في الفرقة، الا و اني ناظر لكم خيرا من نظركم لانفسكم، فلا تخالفوا أمري، و لا تردّوا عليّ رأيي. غفر اللّه لي و لكم، و أرشدني و اياكم لما فيه المحبة و الرضا (1) » .

ثم قال:

«أيها الناس، ان اللّه هداكم بأولنا، و حقن دماءكم بآخرنا، و ان لهذا الامر مدة، و الدنيا دول. قال اللّه عزّ و جل لنبيه محمد صلّى اللّه عليه و سلم: قل ان ادري أ قريب أم بعيد ما توعدون. انه يعلم الجهر من القول و يعلم ما تكتمون. و ان أدري لعله فتنة لكم و متاع الى حين‏ (2) » .

ثم قال:

«.. و ان معاوية زعم لكم أني رأيته للخلافة أهلا، و لم أر نفسي لها أهلا، فكذب معاوية. نحن أولى الناس بالناس في كتاب اللّه عزّ و جل و على لسان نبيه. و لم نزل-أهل البيت-مظلومين منذ قبض اللّه نبيه.

فاللّه بيننا و بين من ظلمنا، و توثب على رقابنا، و حمل الناس علينا، و منعنا سهمنا من الفي‏ء، و منع أمّنا ما جعل لها رسول اللّه. و اقسم باللّه لو أن الناس بايعوا أبي حين فارقهم رسول اللّه، لاعطتهم السماء قطرها و الارض بركتها، و لما طمعت فيها يا معاوية.. فلما خرجت من معدنها، تنازعتها قريش بينها، فطمع فيها الطلقاء و أبناء الطلقاء، أنت و أصحابك. و قد قال رسول اللّه: ما ولّت أمة أمرها رجلا و فيهم من هو أعلم منه، الاّ لم يزل أمرهم يذهب سفالا، حتى يرجعوا الى ما تركوا. فقد ترك بنو

____________

(1) الارشاد للشيخ المفيد (ص 169-طبع ايران) .

(2) المسعودى (هامش ابن الاثير ج 6 ص 61-62) ، و ابن كثير (ج 8 ص 18) ، و الطبرى (ج 6 ص 93) .

288

اسرائيل هارون و هم يعلمون أنه خليفة موسى فيهم، و اتبعوا السامريّ، و تركت هذه الامة أبي و بايعوا غيره و قد سمعوا رسول اللّه يقول له: أنت مني بمنزلة هارون من موسى الاّ النبوة، و قد رأوا رسول اللّه نصب أبي يوم غدير خم، و أمرهم ان يبلغ أمره الشاهد الغائب. و هرب رسول اللّه من قومه و هو يدعوهم الى اللّه، حتى دخل الغار، و لو أنه وجد أعوانا لما هرب، كف أبي يده حين ناشدهم، و استغاث فلم يغث. فجعل اللّه هارون في سعة حين استضعفوه و كادوا يقتلونه، و جعل اللّه النبي في سعة حين دخل الغار و لم يجد اعوانا. و كذلك أبي و أنا في سعة من اللّه، حين خذلتنا هذه الامة. و انما هي السنن و الامثال يتبع بعضها بعضا (1) » .

ثم قال:

«فو الذي بعث محمدا بالحق، لا ينتقص من حقنا-أهل البيت- أحد الاّ نقصه اللّه من عمله، و لا تكون علينا دولة الاّ و تكون لنا العاقبة، و لتعلمنّ نبأه بعد حين‏ (2) » .

ثم دار بوجهه الى معاوية ثانيا، ليرد عليه نيله من أبيه، فقال-و ما أروع ما قال-:

«أيها الذاكر عليا!أنا الحسن و أبي علي، و أنت معاوية و أبوك صخر، و أمي فاطمة و أمك هند، و جدي رسول اللّه و جدك عتبة بن ربيعة، و جدتي خديجة و جدتك فتيلة-فلعن اللّه أخملنا ذكرا، و ألأمنا حسبا و شرنا قديما و حديثا، و أقدمنا كفرا و نفاقا!!» .

قال الراوي: «فقال طوائف من أهل المسجد: آمين. قال الفضل بن الحسن. قال يحي بن معين: و انا أقول آمين. قال ابو الفرج قال أبو عبيد قال الفضل: و انا اقول آمين. و يقول علي بن الحسين الاصفهاني

____________

(1) البحار (ج 10 ص 114) .

(2) المسعودى (هامش ابن الاثير ج 6 ص 61-62) .

289

(أبو الفرج) : آمين قال ابن أبى الحديد: قلت و يقول عبد الحميد بن أبى الحديد مصنف هذا الكتاب (يعني شرح النهج) : آمين‏ (1) » .

اقول: و نحن بدورنا نقول: آمين.

و هذه الخطبة هي الوحيدة في تاريخ الخطابات العالمية، التي حظيت بهتاف الاجيال على طول التاريخ.

و كذلك قول الحق، فانه لا ينفك يعلو صعدا و لا يعلى عليه.

*** و تجهز الحسن-بعد ذلك-للشخوص الى المدينة، و جاءه من سراة شيعته المسيب بن نجية الفزاري و ظبيان بن عمارة التيمي ليودعاه، فقال الحسن: «الحمد للّه الغالب على أمره. لو أجمع الخلق جميعا على أن لا يكون ما هو كائن ما استطاعوا» . و تلكم المسيب و عرض اخلاصه الصميم لاهل البيت (ع) . فقال له الحسين (ع) : «يا مسيب نحن نعلم أنك تحبنا» و قال الحسن (ع) : «سمعت أبي يقول سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يقول: من أحب قوما كان معهم» . ثم عرض له المسيب و ظبيان بالرجوع، فقال: «ليس الى ذلك سبيل» . فلما كان من غد خرج من الكوفة، و شيعه الناس بالبكاء!!و لم تكن اقامته فيها بعد الصلح الاّ اياما قلائل.

فلما صار بدير هند (2) (الحيرة) نظر الى الكوفة و قال:

و لا عن قلىّ فارقت دار معاشري # هم المانعون حوزتي و ذماري‏ (3)

اقول: و أي نفس ملائكية هذه التي لقيت من نشوز هذه الحاصرة و من بوائقها ما لقيت، ثم هي تودعها بهذا البيت من الشعر، فلا تذكر من

____________

(1) شرح النهج (ج 4 ص 16) .

(2) هند هذه، هي بنت النعمان بن المنذر، و كانت مترهبة في ديرها هذا بالحيرة.

(3) يراجع عما سبق شرح النهج (ج 4 ص 6) .

290

تاريخها الطويل العريض، الاّ وفاء الاوفياء «المانعين الحوزة و الذمار» و هم الذين منعوا عنه من أراده في المدائن، و الذين ثبتوا على طاعته يوم العسرة في مسكن، فكانوا اخوان الصدق و خيرة الانصار، على قلتهم.

ثم سار الموكب الفخم الذي كان يقل على رواحله، بقية اللّه في الارض، و تراث رسول اللّه (ص) في الاسلام، و قد ضاقت بهم الكوفة أو ضاقوا بها، فيمموا شطر وطنهم الاول، ليمتنعوا هناك بجوار قبر جدهم الاعظم من مكاره الدهر الخوان.

و صبّ اللّه على الكوفة بعد خروج آل محمد منها، الطاعون الجارف، فكان عقوبتها العاجلة على موقفها من هؤلاء البررة الميامين. و هرب منها و إليها الاموي‏[المغيرة بن شعبة]خوف الطاعون، ثم عاد إليها فطعن به فمات‏ (1) .

____________

(1) ارجع الى المسعودي على هامش ابن الاثير (ج 6 ص 97) .

291

الميدان الجديد

292

لعلك تتفق معي على أنّ من أدق المقاييس التي توزن بها شخصيات الرجال فيما يضطربون فيه من محاولات، هو موقفهم من شروطهم التي يأخذونها على أنفسهم راغبين مختارين. و ما من انسان معني بانسانيته يعطي الشرط من نفسه، الاّ و انه ليعلم ما يستوبله في شخصيته و في سمعته و في ذمامه اذا هو حنث في شرطه أو رجع عن وعده أو نقض ميثاقه الذي واثق على الوفاء به. و من السهل ان نتصور انسانا يستميت في سبيل الوفاء لقول قاله أو عهد أعطاه، لانه انما يموت ضحية خلق رفيع خسر به الحياة المحدودة فربح به الحياة التي لا حدّ لها، و بنى-الى ذلك- لبنة جديدة في صرح الانسانية المثالية التي لا تفتأ تتعاون على نشر الخير في المجموع.

أما ذلك الخائس بعهده الحانث بيمينه الكاذب بمواعيده، الذي بسم لصاحبه و هو يخادعه على شروطه، ثم عبس و تولّى و ندم على ما أعطى، فليس من السهل أن نتصوره انسانا، و لكنه عدو الانسانية بما هدم من قواعدها و شلّ من مقرراتها، و عدوّ نفسه بما عرضها للنقمة و الاحتقار و سوء السمعة و الحرمان من ثقة المجتمع. و لن ينفعه-بعد ذلك-أن يقول أو يقال عنه: ان الغاية تبرر الواسطة-فان هذا الاعتذار بذاته جريمة كاملة لا يتسع لها صدر الغفران. و للغايات-على اختلافها- قيمتها الاعتبارية التي تواضع عليها الناس، فليكن لكل غاية واسطتها التي تتناسب و غايتها في الاعتبار، و لن تكون الغاية شريفة قطّ الاّ اذا قامت على وسائط شريفة أيضا.

و كان من الخير العام، أن يتواضع المجموع منذ بناية المجتمع، على اعتبار «اليمين» و «العهد» ضمانا في الاخذ و الردّ، و أن تتضافر الاديان‏

293

السماوية كلها على أن العهد كان مسئولا...

و لعل من الافضل أن نستمع هنا الى ما عهد به أمير المؤمنين علي عليه السلام للاشتر النخعي في هذا الموضوع، قال:

«و ان عقدت بينك و بين عدوك عقدة، او البسته منك ذمة فحط عهدك بالوفاء، و ارع ذمتك بالامانة، و اجعل نفسك جنّة دون ما أعطيت.

فانه ليس من فرائض اللّه شي‏ء الناس أشد عليه اجتماعا مع تفرق أهوائهم و تشتت آرائهم، من تعظيم الوفاء بالعهود. و قد لزم ذلك المشركون فيما بينهم دون المسلمين، لما استوبلوا من عواقب الغدر، فلا تغدرنّ بذمتك و لا تخيسنّ بعهدك و لا تختلنّ عدوّك، فانه لا يجترئ على اللّه الا جاهل شقي. و قد جعل اللّه عهده و ذمته أمنا أفضاه بين العباد برحمته، و حريما يسكنون الى منعته و يستفيضون الى جواره... » .

أقول: و اذا رجعنا بعد الالمام بهذه الحقائق الى موضوعنا، رأينا أن الشروط التي أخذها الحسن بن علي (ع) على معاوية فيما تم بينهما من التعاهد على الصلح، كانت أكثر شروط عرفها التاريخ عهودا مؤكدة و أيمانا مغلّظة، و كان معاوية هو الذي كتب نسختها الاخيرة بقلمه و وقعها بخاتمه.

و لم يكن بدعا أن يترقب الرأى العام الاسلامي، يومها، الوفاء بها كما يجب لمثل هذه العهود و الأيمان، و كما هو الانسب بشخصيتين من هذا الطراز في الاسلام.

اما تلك المفاجأة الغريبة التي سبق إليها معاوية في خطابه على منبر الكوفة، و لما يمض على امضائه المعاهدة الاّ أيام ربما كانت لا تزيد على أسبوع واحد، فقد وقعت في المجتمع الاسلامي وقوع الصاعقة التي لا يسبقها انذار. فقال (على رواية المدائني) كما اشير إليه آنفا: «و كل شرط شرطته فتحت قدميّ هاتين!» ، و صرّح (على رواية أبي إسحاق السبيعي) بقوله: «ألا ان كل شي‏ء أعطيته للحسن بن علي تحت قدمي‏

294

هاتين لا أفي به!» ثم شهد عليه الحصين بن المنذر الرقاشي قائلا: «ما و في معاوية للحسن بشي‏ء مما أعطاه، فتل حجرا و اصحاب حجر، و بايع لابنه، و سمّ الحسن!! (1) » .

و هكذا قدّر لهذا الرجل الواسع الممتلكات الضيق الملكات أن يعود بعد حنثه بأيمانه علنا، و نقضه لمواثيقه صراحة، أبعد الناس عن ثقة الناس، و أقلهم وزنا في المقاييس المعنوية التي يتواضع عليها الناس، و كان جزاء وفاقا، أن ينكره أكثر المغرورين به كما أنكر هو عهوده و مواثيقه، و أن يضعوه من أنفسهم في المحل الذي وضع هو شروطه من نفسه..

و ما يدرينا، فلعلنا الآن عند مفترق الطريق بين الماضي المغلوب و المستقبل الغالب، الذي سينكشف عنه الصراع التاريخي بين الحسن و معاوية. و لعلنا الآن على أبواب الخطة الجبارة التي نزل الحسن بن علي (ع) من طريقها الى الصلح، و التي فرضت ارادتها على معاوية أبعد ما يكون في المعروف من دهائه عن الفشل في الخطط التي تمسه في الصميم من مصالحه.

و كان الحسن-كما نعلم-أعرف الناس بمعاوية و بحظه من الصدق و الوفاء، و هو اذ يأخذ عليه الصيغ المغلّظة في الايمان و العهود، لا يقصد من ذلك الى التأكد من صدقه أو وفائه، و لكن ليكشف للاغبياء قابليات الرجل في دينه و في ذمامه و في شرفه بالقول.

و انها للمبادأة الاولى التي ابتدأ الحسن عليه السلام زحفه منها الى ميدانه الثاني. و من هنا وضع أول حجر في البناء الجديد لقضية أهل البيت (ع) . ثم مشى موكب الزمان، فاذا بالخطوات الموفّقة تمشي وئيدا مع الزمان و اذا بطلائع النجاح كفيالق الجيش التي تتلاحق تباعا لتتعاون على الفتح. و ان من الفتوح ما لا يعتمد في أداته على السلاح، و منها ما يكون وسائله الاولية أشبه بالهزيمة، حتى ليخاله الناس تسليما محضا، و لكنه

____________

(1) يراجع ابن ابي الحديد (ج 4 ص 16 و 6 و 7) .

295

في منطق العقلاء، ظفر لامع و فتح مبين.

و كان من أبرز الخطوات التي وفقت إليها خطة الحسن عليه السلام عن طريق الصلح، في سبيل التشهير بمعاوية حيا و ميتا، و النكاية ببني أمية اطلاقا.

1-أنها ألّبت على معاوية في بداية عهده الاستقلالي عددا ضخما من الشخصيات البارزة في المملكة الاسلامية.

فلعنه صراحة بعضهم، و خبثه آخر، و قرعه وجاها ثالث بل ثلاثة، و قاطعه رابع، و انكر عليه حتى مات غما من فعاله كبير خامس، و قال فيه أحدهم: «و كان و اللّه غدارا» . و قال الآخر (1) :

«اربع خصال كنّ في معاوية لو لم يكن فيه منهن الاّ واحدة لكانت موبقة» . و قابله على مثل ذلك كثير من سادة و سيدات، لسنا الآن بصدد احصائهم، أو استيعاب كلماتهم.

2-و خلقت له معارضة الطبقات التي شملتها بنود المعاهدة، سواء في الامان المفروض فيها، أو في الحقوق المالية المنصوص عليها. فاذا بعالم عظيم من الناس أصبح ينظر الى معاوية نظره الى العدوّ الواتر في النفس و المال، بما نقضه من شروطهم، في نفوسهم و أموالهم.

3-و ظن معاوية أنه سيجعل من نقضه معاهدة الحسن وضعا شكليا لبيعة ابنه يزيد، يتغلب به على عنعنات الاسلام المقررة بين المسلمين في أمر البيعة و صلاحية الخلافة.

و لكنه لم يلبث أن اصطدم بالواقع، فاذا بهذه البيعة الجديدة،

____________

(1) كان الذي لعنه صاحبه سمرة، و الذي وصفه بأخبث الناس صديقه المغيرة، و كان الذي قرعه و جاها عائشة و آخرون، و الذي قاطعه مالك بن هبيرة السكوني، و الذي مات غما من فعاله الربيع بن زياد الحارثي، و كان السادس أبا إسحاق السبيعي، و السابع الحسن البصري. و يراجع عن ذلك شرح النهج و ابن الاثير و مروج الذهب و غيرها.

296

مثار النقمة الاسلامية العامة التي اصبحت تتحسس منذ ترشيح يزيد للخلافة بنوايا بني أمية من الاسلام.

4-ثم كانت البوائق الدامية التي جهر بها معاوية بعد نقض الصلح، في قتله خيار المسلمين-من صحابة و تابعين-بغير ذنب، عوامل أخرى للتشهير به، و لتحطيم معنوياته المزعومة، تمشيا مع الخطة المكينة، التي أرادها الامام الحسن (ع) منذ قرر الاقدام على الصلح.

5-و قضية الحسين في كربلاء سنة (61) هـ، كبرى قضايا الحسن فيما مهد له من الزحف على عدوهما المشترك، و عدو أبيهما من قبل.

و لا ننسى أنه قال له يوم وفاته: «و لا يوم كيومك أبا عبد اللّه» .

و هذه الكلمة على اختزالها-المقصود-هي الرمز الوحيد الذي سمع من الحسن عليه السلام، فيما يشير به الى الخطة المقنّعة بالسر، التي اعتورها الغموض من ست جهاتها، منذ يوم الصلح الى يوم صدور هذا الكتاب. و انك لتقرأ من هذه الكلمة لغة «القائد الاعلى» الذي يوزّع القواد لوقائعهم، و يوزع الايام لمناسباتها، ثم يميز أخاه و يوم أخيه فيقول: «و لا يوم كيومك.. » .

و كان من طبيعة الحال ان تبعث المناسبات الزمنية حلقات الخطة كلا ليومها. و كان لا بد لكل حلقة أن توقظ الاخرى، و أن تؤرث السابقة اللاحقة، و توقد الاولى جذوة الثانية، و هكذا دواليك.

و حسب الحسن لكل هذه الخطوات حسابها المناسب لها، منذ قاول معاوية على هذا الصلح المعلوم، و درس-الى ذلك-نفسيات خصومه بما كانت تشرئب له من النقمة عليه و على أخيه و على شيعته و على أهدافه جميعا. و كانت هذه المطالعات بنطاقها الواسع، الاساس الذي بنى عليه الحسن خطواته المستقبلة فيما مهّده لنفسه و لعدوه معا.

297

و كان من طبيعة الحال، أن تلقي هذه الخطوات قيادتها الى الحسين فيما لو حيل بين الحسن و بين قيادتها بنفسه. و هذا هو ما أردناه في بداية هذا القول.

و هكذا كانت نهضة الحسين الخالدة الخطوة الجبارة في خطة أخيه العبقري العظيم.

و لا تزال فاجعة كربلاء التي استوعبتها كل لغات الارض، اللطخة السوداء التي صبغت تاريخ أمية بالعار، ما دام لكربلاء رسم، و لامية اسم.

6-ثم لم تزل الخطة البعيدة الاهداف، تستعرض في الفترات المتقاربة التاريخ، بعد واقعة الحسين عليه السلام بكربلاء، سلسلة أحداث قانية انبثقت من صميم الوضع الاموي المتشابه في أكثر ملامحه -بين عهد معاوية و ابن عمه «الحمار» (1) -.

و عادت الاموية في عرف المسلمين المعنيين باسلاميتهم الحكومة الجائرة المتغلبة بالظلم و الاسراف و بالتحلل من كثير كثير من النواميس الدينية. و اشتدت نقمة الناس عليها مع تمادي الايام، و كان أيّ علم يرفع لحرب بني أمية، لا يعدم الالوف و عشرات الالوف من المبايعين له على الموت.

***

____________

(1) هو مروان الاموي الذي انقرضت دولة بني أمية على يده-و يلقب «بالحمار» و «بالجعدي» نسبة الى مربيه (الجعد بن درهم) . و كان ابن درهم زنديقا فعلمه مذهبه، و كان الناس يذمونه بنسبته إليه. و لما تعقب الفاتحون العباسيون مروانا في هزيمته، أودع حرمه (الكنيسة) في بوصير!. فأين هو عن المساجد يا ترى؟-يراجع ابن الاثير (ج 5 ص 159 و-160) .

298

اذا، فلتكن عملية الصلح-على هذا-البذرة المستمدة من صميم مصلحة الاسلام و مصلحة أهل البيت عليهم السلام، و من الوحي أيضا.

و ليعد الحسن بن علي عليهما السلام بعد أقل من قرن، الغالب المنتصر على الخصوم المغلوبين، المنهزمين في التاريخ.

خطوات موفقات، و سياسة صاعدة لا تبلغها السياسات، في صمت و تواضع و اتئاد، و تحت ظل اصلاح و تسليم و حقن دماء.

و هل العظمة شي‏ء آخر غير هذا، يا ترى؟.

299

الوفاء بالشروط

300

عرفنا-الى هنا-بواعث كل من الفريقين فيما تطلعا به الى الصلح.

و عرفنا شروط كل فيما اعتبره ضمانا لبواعثه تلك.

و عرفنا-بعد ذلك-أنهما أرادا الجنوح الى التصالح عمليا، فاجتمعا في الكوفة، و كان من المنتظر لهذا الاجتماع التاريخي أن يبعث بينهما من التقارب ما لم تبعثه الصكوك التحريرية و لا المقاولات الرسمية، التي تبودلت بينهما في الصلح، لو لا أن معاوية لم يشأ ان يلتزم في هذا الاجتماع جانب المجاملة، رغم أنه كان في ظرفه الخاص أحوج الرجلين الى هذا النمط من السلوك، و انه ليمر-اذ ذاك-بأدق امتحان في سياسته العامة و في شخصيته كملك يريد ان يحكم شعبا ما أحبه منذ أبغضه-على حد تعبير الاحنف بن قيس-، فاجتمع بالحسن و لكن كما يجتمع «ابن أبى سفيان» بابن فاتح مكة، لا كما يجتمع متناجزان القيا السلاح و تبادلا وثائق الصلح، و كان من هذا الخلق الثابت لمعاوية-رغم ما يتكلفه من الحلم الكثير أحيانا-ما هو أداة الحسن في حملته المنظمة التي جردها عليه فى (ميدانه الثاني) -كما اشير إليه في آخر فصل مضى-.

و اذ قد عرفنا ذلك كله من فصولنا القريبة السابقة، فلنعرف الآن موقف كل من شروطه وفاء و نقضا. و ها نحن أولاء من هذه المرحلة بازاء النقطة الحساسة التي طال حسابها في التاريخ.

و كان بودنا لو طوينا كشحا عن استنطاق هذا الموضوع، بما تثيره تفاصيله من ذكريات: بعضها ألم، و بعضها فضيحة سافرة، و قليل منها تاريخ تعافه الامجاد. و لكننا-و قد أخذنا على أنفسنا في هذا الكتاب مهمة البحث التحليلى المكشوف، عن قضية الحسن و معاوية-لا نجد مجالا

301

للتغافل عن عناصر الموضوع التي كان لها أروع الاثر في النتائج التي وخاها الحسن بن علي من صلحه مع معاوية بن أبي سفيان. و لذلك، و لما لهذه التفاصيل الحساسة الثقيلة على النفس من الاهمية القصوى لموضوعنا العام، فلا بد لنا من مسايرة هذا الموضوع في سائر خطواته، حتى ينتهى بنا أو ننتهي به الى النتائج الواضحة المملاة عن مقدماتها المسلمة، بما في هذه النتائج من مجد المظلوم (الغالب) و خزاية الظالم (المغلوب) ، فنقول:

الوفاء بالشرط الاول‏

كان هذا الشرط هو الشرط الوحيد الذي لمعاوية على الحسن.

فكان هو الشرط الوحيد الذي حظى بالوفاء من شروط هذه المعاهدة اطلاقا.

ثم لا يعهد من الحسن بعد توقيعه الصلح، أي محاولة لنقض شرطه هذا و لا التحدث بذلك، و لا الرضا بالحديث عنه.

و جاءه زعماء شيعته بعد أن أعلن معاوية التخلّف عن شروطه، فعرضوا عليه-و قد رجع الى المدينة-أنفسهم و اتباعهم للجهاد بين يديه، و وعده الكوفيون منهم باخلاء الكوفة من عاملها الاموي، و ضمنوا له الكراع و السلاح لاعادة الكرة على الشام، فلم تهزه العواصف و لا قلقلته حوافز الانصار المتوثبين.

فقال له سليمان بن صرد، و هو اذ ذاك سيد العراق و رئيسهم-على حد تعبير ابن قتيبة عنه-: «و زعم-يعني معاوية-على رءوس الناس ما قد سمعت: اني كنت شرطت لقوم شروطا و وعدتهم عدات و منيتهم أمانيّ..

302

فان كل ما هنالك تحت قدميّ هاتين، و و اللّه ما عنى بذلك الاّ نقض ما بينك و بينه، فأعد الحرب خدعة و أذن لي أشخص الى الكوفة، فأخرج عاملها منها و أظهر فيها خلعه، و انبذ إليه على سواء، ان اللّه لا يهدي كيد الخائنين.

«ثم سكت ابن صرد، فتكلم كل من حضر مجلسه بمثل مقالته، و كلهم يقول: ابعث سليمان بن صرد و ابعثنا معه، ثم الحقنا، اذا علمت انا قد أشخصنا عامله، و أظهرنا خلعه‏ (1) » .

و جاءه-أيضا-حجر بن عدي الكندي، و مركزه القويّ في العراق مركزه، كما ستعرف قريبا.

و جاءه المسيب بن نجية، فارس مضر الحمراء كلها، اذا عدّ من أشرافها عشرة كان هو أحدهم-على حد تعبير زفر بن الحارث الكلابي عنه-.

و جاءه آخرون من نظرائهم، و كلهم لم يحظ من الحسن الاّ بالرّد الجميل و الاستمهال الى موت معاوية، لانه صاحب عهده فيما تعاهدا عليه، و لانه كان قد درس من أحوال الكوفة في تجربته الاولى، ما أغناه عن تجارب أخرى.

و كان آخر جوابه إليهم قوله: «ليكن كل رجل منكم حلسا من أحلاس‏ (2) بيته ما دام معاوية حيا، فان يهلك معاوية، و نحن و انتم احياء، سألنا اللّه العزيمة على رشدنا، و المعونة على أمرنا، و أن لا يكلنا الى انفسنا، فان اللّه مع الذين اتقوا و الذين هم محسنون‏ (3) » .

____________

(1) ابن قتيبة (ج 1: ص 151) .

(2) فلان حلس بيته يعنى (ملازم بيته لا يبرحه) .

(3) الامامة و السياسة (ج 1 ص 152) .