صلح الحسن(ع)

- الشيخ راضي آل ياسين المزيد...
400 /
303

2 الوفاء بالشرط الثاني‏

أجمع المؤرخون-بما فيهم المتحزبون و المستقلون-على أن العهد لذي أعطاه معاوية للحسن في شروط الصلح، هو أن لا يعهد بالامر من بعده الى أحد، و معنى ذلك رجوع الامر من بعده الى صاحبه الشرعي، أعني الحسن بن علي فان لم يكن فللحسين أخيه، تمشيا مع مفهوم الشرط القائل بتسليم الامر محدودا بحياته، و مفهوم سلبه صلاحية العهد الى أحد من بعده.

و أجمع المؤرخون-بعد ذلك-على أن معاوية نقض هذا العهد علنا، و عهد من بعده الى ابنه يزيد (المعروف!!!) .

و لسنا الآن بصدد مناقشة معاوية على نقضه العهد بعد ميثاقه، و هو -على كل حال-جماع غلطاته التي أركسه «الصلح» فيها من حيث يدري أو لا يدري، و لكنا و قد مررنا على موقف معاوية من عهوده مرات و مرات، لا نريد ان نمر هنا على تعيينه يزيد ابنه لخلافة المسلمين دون أن نقول:

انه ارتكب بهذا العمل الجري‏ء أكبر اثم في دينه، و أفظع جريمة في الصالح العام. و قد كان من أبرز النتائج، لاعمال معاوية الارتجالية الجريئة هذه، ان تنحرف قيادة الاسلام عن منهجها القويم، و ان تفقد الرعية قدوتها العملية، و ان تسود الاثرة، و يضطرب حبل الثقة بين الافراد و الجماعات، و أن ينعدم التجاوب و التفاعل الوجداني بين القادة و الاتباع. فتتوزع الميول و تتباين المقاصد، ثم لا يزال الامر يأخذ بهم سفالا، حتى يستعد الى الثورات الدامية و الانتفاضات الداخلية التي كان لا بد منها لتدارك الاخطاء و التنبه على الاخطار. دع عنك ما كان يقال عن يزيد هذا، و عن قابلياته الشخصية و الخلقية التي عجت بها التواريخ، من يومه الى يومنا، و التي‏

304

كان من آثارها-في حكومته-ما كان (مما لا نريد التوسع في ذكره) ، و انما جل ما نريد هو التنبيه على الغلطة الكبرى التي أتاها معاوية، فتقمص بها مسئولية الحرمات الاسلامية التي انتهكها بهذه الغلطة غير متحرج و لا متأثم.

و كان من الاساليب العجيبة التي توفر على روايتها أصدقاء الرجل فضلا عن أعدائه، فيما لجأ إليه يوم نصب ابنه وليا لعهد المسلمين، ما يكفينا للتأكد من وزنه كمسلم فضلا عن وزنه كخليفة!!.. و انها لصفحة من أنكد صفحات التاريخ، و أبعدها عن «الاسلام» روحا و معنى و أهدافا، و لو لا أنها-بنتائجها التي تنكشف عنها في معاوية و في المجتمع الذي كان يدور في فلك معاوية-أحد شرايين بحثنا الواسع فيما يهدف إليه هذا البحث من بيان أسرار الحسن فيما أتاه من الصلح، لاعرضنا عن ذكرها، و لكنّا أحرص على سترها، رغم افتضاحها المكشوف مدى ثلاثة عشر قرنا.

أما الآن فسنعرض خلاصة من نصوص المؤرخين، دون ان نتعمد الشرح و التعليق في الاثناء، لان هذه النصوص بذاتها غنية عن الشرح و التعليق.

هكذا بايع معاوية ليزيد:

قال ابو الفرج الاصفهاني: «و أراد معاوية البيعة لابنه يزيد، فلم يكن شي‏ء أثقل عليه من أمر الحسن و سعد بن ابي وقاص، فدس إليهما سما، فماتا منه‏ (1) » .

و قال ابن قتيبة الدينوري: «ثم لم يلبث معاوية بعد وفاة الحسن الاّ يسيرا حتى بايع ليزيد بالشام و كتب ببيعته الى الآفاق‏ (2) » .

و قال ابن الاثير: «و كان ابتداء ذلك و أوله من المغيرة بن شعبة، فان

____________

(1) المقاتل (ص 29) .

(2) الامامة و السياسة (ج 1: ص 160) .

305

معاوية أراد ان يعزله عن الكوفة، و يستعمل عوضه سعيد بن العاص، فبلغه ذلك، فقال: الرأي ان أشخص الى معاوية فاستعفيه، ليظهر للناس كراهتي للولاية، فسار الى معاوية و قال لاصحابه حين وصل إليه: ان لم أكسبكم الآن ولاية و امارة لا أفعل ذلك ابدا، و مضى حتى دخل على يزيد (1) و قال له: انه ذهب أعيان اصحاب النبي صلّى اللّه عليه (و آله) و سلم، و كبراء قريش و ذوو أسنانهم! (2) و انما بقى أبناؤهم، و أنت من أفضلهم! و أحسنهم رأيا!و أعلمهم بالسنة!!و السياسة!، و لا أدري ما يمنع أمير المؤمنين أن يعقد لك البيعة؟قال: أو ترى ذلك يتم؟قال: نعم. فدخل على أبيه، و أخبره بما قال المغيرة، فأحضر المغيرة و قال له: ما يقول يزيد؟.

فقال: يا أمير المؤمنين قد رأيت ما كان من سفك الدماء و الاختلاف بعد عثمان، و في يزيد خلف (!) ، فاعقد له، فان حدث بك حادث كان كهفا للناس و خلفا منك، و لا تسفك دماء (!!) . و لا تكون فتنة (!!) . قال: و من لي بهذا؟قال: أكفيك أهل الكوفة، و يكفيك زياد أهل البصرة، و ليس بعد هذين المصرين أحد يخالفك. قال: فارجع الى عملك، و تحدث مع من تثق إليه في ذلك، و ترى و نرى.

«فودّعه و رجع الى أصحابه. فقالوا: مه؟. قال: لقد وضعت رجل معاوية في غرز بعيد الغاية على أمة محمد!!، و فتقت عليهم فتقا لا يرتق أبدا! (3) » .

«و تواطأ معاوية مع رؤساء الوفود المناصحين له، أن يخطبوا و يذكروا

____________

(1) و ذكر البيهقي في المحاسن و المساوئ (ج 1: ص 108) مناورة المغيرة بن شعبة هذه، و لكنه رأى أو روى ان المغيرة ابتدأ بمعاوية اولا، و ان معاوية لما وثق منه أرجعه الى عمله و قال له: «انصرف الى عملك، و أحكم الامر لابن اخيك، و أعاده على البريد يركض (كذا) » .

(2) انظر الى مكانة السن في عرف المغيرة..

(3) كامل ابن الاثير (ج 3: ص 198-201) . و في هذا الحديث ما يشعرك بروحية المغيرة بن شعبة و مدى غيرة هذا الصحابي ذى الفتوق على أمة محمد (ص) !.

306

فضل يزيد!!.. فلما اجتمعت عند معاوية وفود الامصار، و فيهم الاحنف بن قيس، دعا معاوية الضحاك بن قيس الفهري، فقال له: اذا جلست على المنبر، و فرغت من بعض موعظتي و كلامي فاستأذن للقيام فاذا أذنا لك، فاحمد اللّه تعالى و اذكر يزيد، و قل فيه الذي يحق له من حسن الثناء عليه!!.. ثم ادعني الى توليته!. ثم دعا عبد الرّحمن بن عثمان الثقفي و عبيد اللّه بن مسعدة الفزارى و ثور بن معن السلمي و عبد اللّه بن عصام الاشعري، فأمرهم ان يقوموا اذا فرغ الضحاك، و ان يصدقوا قوله!!فقام هؤلاء النفر خطباء يشيدون بيزيد!!.. الى أن قام الاحنف بن قيس‏[و لم يكن من الممثلين الذين رتبهم معاوية لهذه الرواية]فقال:

«أصلح اللّه الامير، ان الناس قد أمسوا في منكر زمان قد سلف، و معروف زمان مؤتنف، و قد حلبت الدهور و جربت الامور، فاعرف من تسند إليه الامر بعدك، ثم اعص من يأمرك، و لا يغررك من يشير عليك و لا ينظر إليك، مع أن أهل الحجاز و أهل العراق، لا يرضون بهذا، و لا يبايعون ليزيد ما دام الحسن حيا» .

ثم أردف قائلا:

«و قد علمت يا معاوية، أنك لم تفتح العراق عنوة، و لم تظهر عليه مقصا، و لكنك أعطيت الحسن بن علي من عهود اللّه ما قد علمت، ليكون له الامر من بعدك‏ (1) . فان تف فأنت أهل الوفاء، و ان تغدر تظلم. و اللّه ان وراء الحسن خيولا جيادا، و أذرعا شدادا، و سيوفا حدادا. و ان تدن له شبرا من غدر، تجد وراءه باعا من نصر. و انك تعلم من أهل العراق، ما أحبوك منذ أبغضوك، و لا أبغضوا عليا و حسنا منذ أحبوهما، و ما نزل

____________

(1) و اخطأ فهم هذه الحقبة من الزمن كثير ممن كتب عنها، فقال حسن مراد في «الدولة الاموية» (ص 70) : «و من هنا نرى أن عهد معاوية بالخلافة لابنه يزيد على ما سيجي‏ء لم يكن انتقالا غير منتظر!!» .

و قد عرفت من كلام الاحنف هنا و من كلامنا في البحوث الانفة أنه كان انتقالا غير منتظر.

307

عليهم في ذلك غير من السماء، و ان السيوف التي شهروها عليك مع علي يوم صفين، لعلى عواتقهم، و القلوب التي أبغضوك بها لبين جوانحهم‏ (1) » .

أقول: و كلام الاحنف هذا، صريح بأن معاوية حاول البيعة لابنه يزيد في حياة الحسن بن علي، بينما صرح آخرون، بأن بيعة يزيد انما وقعت بعد وفاة الحسن، حتى قال ابو الفرج: «انه سم الحسن و سعد بن ابي وقاص تمهيدا لبيعة ابنه يزيد» (كما اشير إليه) . اذا فقد كان لمعاوية محاولتان لهذا التصميم: احداهما في حياة الحسن رغم العهود و الأيمان و المواثيق، و هي انما فشلت لمكان وجود صاحب العهد حيا.

و ثانيتهما بعد وفاة الحسن عليه السلام، و هي التي تمت بأساليبها الظالمة التي عرضها أكثر المؤرخين.

«فعزل مروان عن المدينة حين عجز عن أخذ البيعة على أهلها ليزيد، و ولى المدينة سعيد بن العاص، فاظهر الغلظة و أخذهم بالعزم و الشدة، وسطا بكل من ابطأ عن البيعة ليزيد، فابطأ الناس عنها الاّ اليسير، لا سيما بني هاشم، فانه لم يجبه منهم أحد.

«أما مروان فذهب الى الشام مغاضبا، و واجه معاوية بكلام طويل قال فيه: و أقم الامر يا ابن أبي سفيان، و اهدأ من تأميرك الصبيان، و اعلم أن لك في قومك نظراء، و أنهم على مناوأتك وزراء.

-ثم سكت لانه رزقه الف دينار في كل هلال!!-

«و كتب معاوية الى عبد اللّه بن عباس و الى عبد اللّه بن الزبير و الى عبد اللّه بن جعفر و الى الحسين بن علي، يدعوهم الى البيعة ليزيد!.

-و كان كتابه الى الحسين عليه السلام ما لفظه-:

«أما بعد. فقد انتهت إليّ منك امور، لم اكن اظنك بها، رغبة

____________

(1) ابن قتيبة (ج 1 ص 156-158) ، و المسعودى-هامش ابن الاثير (ج 6 ص 100-102) .

308

بك عنها، و ان احق الناس بالوفاء من كان مثلك في خطرك و شرفك و منزلتك التي أنزلك اللّه بها، فلا تنازع الى قطيعتك، و اتق اللّه!!.

و لا تردّنّ هذه الامة في فتنة!!.. و انظر لنفسك و دينك و أمة محمد، و لا يستخفنّك الذين لا يوقنون!!» .

-فكتب إليه الحسين بما يلى-:

«أما بعد فقد جاءني كتابك، تذكر فيه أنها انتهت إليك مني أمور لم تكن تظنني بها رغبة بي عنها، و ان الحسنات لا يهدي لها و لا يسدد عليها الاّ اللّه تعالى. و اما ما ذكرت انه رقى إليك عني، فانما رقاه الملاقون المشاءون بالنميمة، المفرقون بين الجمع. و كذب الغاوون المارقون، ما أردت حربا و لا خلافا. و اني اخشى اللّه في ترك ذلك منك و من حزبك القاسطين المحلين، حزب الظلم و أعوان الشيطان الرجيم. الست قاتل حجر و أصحابه العابدين المخبتين، الذين كانوا يستفظعون البدع، و يأمرون بالمعروف و ينهون عن المنكر؟. فقتلتهم ظلما و عدوانا، من بعد ما أعطيتهم المواثيق الغليظة و العهود المؤكدة، جراءة على اللّه و استخفافا بعهده، أو لست بقاتل عمرو بن الحمق الذي أخلقت و أبلت وجهه العبادة؟فقتلته من بعد ما أعطيته من العهود ما لو فهمته العصم‏ (1) لنزلت من شعف‏ (2) الجبال.

أو لست المدعي زيادا في الاسلام فزعمت أنه ابن أبى سفيان؟، و قد قضى رسول اللّه صلّى اللّه عليه (و آله) و سلم، أن الولد للفراش و للعاهر الحجر، ثم سلطته على أهل الاسلام يقتلهم و يقطع أيديهم و أرجلهم من خلاف و يصلبهم على جذوع النخل!. سبحان اللّه يا معاوية، لكأنك لست من هذه الامة و ليسوا منك!!. أو لست قاتل الحضرمي الذي كتب فيه إليك زياد أنه على دين علي؟، و دين علي هو دين ابن عمه صلّى اللّه عليه و سلم الذي

____________

(1) العصم‏[جمع اعصم‏]و هو: (الظبى في ذراعيه او في احداهما بياض و سائره أسود او احمر) .

(2) الشعفة بالتحريك: (رأس الجبل) . و شعفة كل شي‏ء: (اعلاه) و جمعه: [شعف‏]محركا في النص.

309

أجلسك مجلسك الذي أنت فيه، و لو لا ذلك كان أفضل شرفك و شرف آبائك تجشم الرحلتين، رحلة الشتاء و الصيف، فوضعها اللّه عنكم بنا، منة عليكم!.

و قلت فيما قلت: لا تردّ هذه الامة في فتنة. و اني لا أعلم فتنة لها أعظم من امارتك عليها.

و قلت فيما قلت: انظر لنفسك و لدينك و لامة محمد، و اني و اللّه ما أعرف أفضل من جهادك (أي: قتالك) ، فان أفعل، فانه قربة الى ربي، و ان لم أفعل، فأستغفر اللّه لذنبي، و اسأله التوفيق لما يحب و يرضى.

و قلت فيما قلت: متى تكدني أكدك، فكدني يا معاوية فيما بدا لك، فلعمري لقديما يكاد الصالحون، و اني لارجو ان لا تضر الاّ نفسك، و لا تمحق الاّ عملك، فكدني ما بدا لك!.

«و اتق اللّه يا معاوية!، و اعلم ان للّه كتابا لا يغادر صغيرة و لا كبيرة الاّ أحصاها!و اعلم ان اللّه ليس بناس لك قتلك بالظنة و أخذك التهمة، و امارتك صبيا يشرب الشراب و يلعب بالكلاب!!. ما أراك الاّ و قد أوبقت نفسك، و أهلكت دينك، و أضعت الرعية، و السلام‏ (1) » .

ثم قدم معاوية بعد ذلك الى المدينة، و معه خلق كثير من أهل الشام عدهم ابن الاثير بألف فارس. قال: «ثم دخل على عائشة، و كان قد بلغها انه ذكر الحسين و أصحابه و قال: لاقتلنهم ان لم يبايعوا.. فقالت له فيما قالت: و ارفق بهم فانهم يصيرون الى ما تحب، ان شاء اللّه!! (2) » .

و قال الدينوري‏ (3) بعد ذكره ورود معاوية الى المدينة: «ثم جلس معاوية صبيحة اليوم الثاني، و أجلس كتابه بحيث يسمعون ما يأمر به،

____________

(1) ابن قتيبة (ج 1 ص 63-65) .

(2) أقول: و لنا ان نفهم من هذه اللغة أن أم المؤمنين نفسها كانت قد صارت الى ما يحب معاوية من البيعة ليزيد!!.

(3) (ج 1 ص 168-172) .

غ

310

و أمر حاجبه ان لا يأذن لاحد من الناس و ان قرب. ثم أرسل الى الحسين ابن علي و عبد اللّه بن عباس، فسبق ابن عباس، فأجلسه عن يساره، و شاغله بالحديث حتى أقبل الحسين و دخل، فأجلسه عن يمينه، و سأله عن حال بني الحسن (!!) و أسنانهم، فأخبره.

«ثم خطب معاوية خطبة أثنى فيها على اللّه و رسوله و ذكر الشيخين و عثمان، ثم ذكر أمر يزيد، و انه يحاول ببيعته سدّ خلل الرعية!، و ذكر علمه بالقرآن و السنة!، و اتصافه بالحلم!، و أنه يفوقهما سياسة و مناظرة! و ان كانا أكبر منه سنا (1) ، و أفضل قرابة. و استشهد بتولية النبي صلّى اللّه عليه (و آله) و سلم عمرو بن العاص في غزوة «ذات السلاسل» على أبي بكر و عمر و أكابر الصحابة ثم استجابهما عما ذكر» .

قال: «فتهيأ ابن عباس للكلام، فقال له الحسين: على رسلك، فانا المراد (2) ، و نصيبي في التهمة أوفر.

و قام الحسين، فحمد اللّه تعالى و صلّى على الرسول صلّى اللّه عليه و آله و قال:

«أما بعد-يا معاوية-، فلن يؤدي القائل و ان أطنب في صفة الرسول صلى اللّه عليه و سلم من جميع جزءا، و قد فهمت ما لبست به الخلف بعد رسول اللّه‏ (3) من ايجاز الصفة، و التنكب عن استبلاغ البيعة. و هيهات هيهات يا معاوية، فضح الصبح فحمة الدجا، و بهرت الشمس انوار السرج، و لقد فضلت حتى أفرطت، و استأثرت حتى أجحفت و منعت حتى بخلت، و جرت حتى جاوزت، ما بذلت لذي حق من اسم حقه

____________

(1) سبق ان معاوية كان يحتج على الحسن بكبر سنه، و لم تكن له حجة غيرها على استحقاقه الخلافة دونه. فما لهذه الباء لا تجر هنا؟!!.

(2) لانه هو صاحب الحق بالخلافة بعد الحسن، كما نص عليه جده رسول اللّه (ص) اولا، و كما نصت عليه معاهدة الصلح ثانيا.

(3) يشير الى اعراضه عن ذكر أمير المؤمنين عليه السلام فيمن ذكره بعد رسول اللّه (ص) .

311

من نصيب، حتى أخذ الشيطان حظه الاوفر (1) ، و نصيبه الاكمل.

«و فهمت ما ذكرته عن يزيد من اكتماله و سياسته لامة محمد، تريد أن توهم الناس في يزيد، كأنك تصف محجوبا أو تنعت غائبا، أو تخبر عما كأنك احتويته بعلم خاص، و قد دل يزيد من نفسه على موقع رأيه، فخذ ليزيد فيما أخذ به من استقرائه الكلاب المهارشة عند التحارش، و الحمام السبّق لأترابهن، و القينات ذوات المعازف، و ضروب الملاهي-تجده ناصرا.

و دع عنك ما تحاول!!. فما أغناك ان تلقى اللّه بوزر هذا الخلق بأكثر مما أنت لاقيه، فو اللّه ما برحت تقدح باطلا في جور، و حنقا في ظلم، حتى ملئت الاسقية، و ما بينك و بين الموت الاّ غمضة، فتقدم على عمل محفوظ في يوم مشهود، و لات حين مناص..

«و ذكرت قيادة الرجل القوم بعهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم و ما صار ذلك لعمرو يومئذ، حتى أنف القوم امرته، و كرهوا تقديمه، و عدوا عليه أفعاله، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم: لا جرم معشر المهاجرين، لا يعمل عليكم بعد اليوم. فكيف تحتج بالمنسوخ من فعل الرسول في أوكد الاحوال و أولاها بالمجتمع عليه من الصواب؟أم كيف ضاهيت بصاحب تابعا؟و حولك من يؤمن في صحبته، و يعتمد في دينه و قرابته، تتخطاهم الى مسرف مفتون، تريد أن تلبس الناس شبهة، يسعد بها الباقي في دنياه، و تشقى بها في آخرتك. ان هذا لهو الخسران المبين، و استغفر اللّه لي و لكم» .

قال: «فنظر معاوية الى ابن عباس، فقال: ما هذا يا ابن عباس؟و لما عندك أدهى و أمرّ!.. فقال ابن عباس: لعمر اللّه، انه لذرية الرسول، و أحد أصحاب الكساء، و من البيت المطهر فاله عما تريد، فان لك في

____________

(1) يريد ان هذا الاجحاف المقصود كان هو منية الشيطان في تأريث الخلاف..

312

الناس مقنعا، حتى يحكم اللّه بأمره، و هو خير الحاكمين» .

ثم خرج معاوية الى مكة كما يحدثنا ابن الاثير و غيره من المؤرخين، قال: «و سبقه الحسين بن علي و عبد اللّه بن الزبير و عبد الرّحمن بن أبى بكر و ابن عمر إليها. و لما كان آخر أيامه بمكة، أحضر هؤلاء... و قال لهم: اني أحببت ان اتقدم إليكم، انه قد أعذر من انذر، اني كنت اخطب فيكم، فيقوم إليّ القائم منكم فيكذبني على رءوس الناس، فأحمل دلك و أصفح. و اني قائم بمقالة، فأقسم باللّه لئن ردّ عليّ أحدكم كلمة في مقامي هذا، لا ترجع إليه كلمة غيرها حتى يسبقها السيف الى رأسه، فلا يبقينّ رجل الاّ على نفسه!.

ثم دعا صاحب حرسه بحضرتهم فقال: أقم على رأس كل رجل من هؤلاء رجلين، و مع كل واحد سيف، فان ذهب رجل منهم يردّ عليّ كلمة بتصديق أو تكذيب فليضرباه بسيفهما!!..

ثم خرج و خرجوا معه، حتى أتى المنبر، فحمد اللّه و أثنى عليه، ثم قال: ان هؤلاء الرهط سادة المسلمين و خيارهم، لا يبتز أمر دونهم، و لا يقضى الاّ عن مشورتهم. و انهم قد رضوا و بايعوا يزيد!!فبايعوا على اسم اللّه!. فبايع الناس. انتهى ملخصا.

و ولدت هذه البيعة البغيضة و لكن بعد اعسار شديد، لم تنجع فيه الاّ السيوف المشهورة على رءوس الرجال، فاذا هي بنت مؤامرات و مناورات و ارهاب!.

و اذا كانت هذه هي خلافة الاسلام، فعلى الاسلام السلام.

و أخرج البخاري في صحيحه عن النبي (ص) : «ما من وال يلى رعية من المسلمين فيموت و هو غاش لهم، الاّ حرم اللّه عليه الجنة» .

313

3 الوفاء بالشرط الثالث‏

قال ابن الاثير «ان معاوية كان اذا قنت سبّ عليا و ابن عباس و الحسن و الحسين و الاشتر (1) » . و نقل أبو عثمان الجاحظ في كتاب‏[الرد على الامامية]:

«ان معاوية كان يقول في آخر خطبته: اللهم ان أبا تراب-يعني عليا- الحد في دينك، و صدّ عن سبيلك، فالعنه لعنا وبيلا و عذبه عذابا أليما.

و كتب بذلك الى الآفاق، فكانت هذه الكلمات يشاد بها على المنابر (2) » .

و قيل لمروان: «ما لكم تسبونه على المنابر؟» فقال: «لا يستقيم لنا الامر الاّ بذلك!!» ..

و كان من مجهود معاوية في هذا السبيل ما طفحت به السير و التواريخ.

و هو-على هذا-أول من سن الجهر بسب صحابة الرسول؛ و أول من فتح هذا الباب على مصراعيه لمن جاء من بعده، و لا نعرف أن أحدا سبقه الى مثل هذا اللهم الاّ ما كان من عائشة يوم قالت: «اقتلوا نعثلا فقد كفر!!» ، ثم لا نعهد في علماء المسلمين من حكم على عائشة بالكفر، و لا على معاوية بالمروق من الدين، لانهما استباحا سبّ الصحابة، أو لانهما أوغلا في السب حتى عمدا الى التكفير. و مما لا شك فيه أن حكم الامثال واحد لا يختلف مع الزمان، و لذلك، فانا لا نجد مساغا الى الحكم على من نال من معاوية أو نال من صحابي آخر، الا بما حكم به علماء المسلمين على معاوية و عائشة في نيلهما من علي و عثمان، لا أقل و لا أكثر.

و أما الاثر المزعوم القائل «بأيهم اقتديتم اهتديتم» ، فقد خصّ حتى سقط عمومه عن الحجية، و الاّ لكان السبابون للصحابة من الصحابة أولى

____________

(1) «النصائح الكافية» لابن عقيل (ص 19-20) .

(2) «النصائح الكافية» لابن عقيل (ص 19-20) .

314

بالعمل به. و لو كف معاوية لسانه عن النجوم من آل محمد (ص) الذين كان عليه ان يقتدي بهم ليهتدي، لكف الناس ألسنتهم عنه و عن أمثاله من الظالمين، و لماتت النعرات و لتم الصلح بصلاح المسلمين.

و لكنها كانت البذرة الخبيثة التي زرعها الرجل عامدا، ثم تعاهدها هو و ذووه بالتغذية و السّقي، فاذا بها شجرة العوسج في تاريخ الاسلام، استغفلوا بها البسطاء و لبسوا بها على عقول الجهلاء، و جعلوا من السبّة في التاريخ «سنّة» في المسلمين، يتنادون عليها، و يحتفلون بها، و يحتجون‏ (1) على تركها اذا تركت!!..

و ما لمعاوية فيما قدم لنفسه من هذه الباقيات من عذر يرجى، و لا فيما أخّر لتاريخه من مجد يحسد عليه أو يطرى. و اذا كان الدهاء هو فشل الانسان فيما قدّم و فيما أخّر، فمعاوية أدهى الدهاة!.

و كان من أروع مظاهر الدهاء فيه موقفه من صلح الحسن عليه السلام بما جرّ عليه هذا الصلح من ويلات معنوية و نكبات تاريخية في حياته و بعد مماته!!.

و كان معنى الصلح في مفهوم الناس، و اعني الصلح الذي لج هو في تحصيله حتى أقام الدنيا و أقعدها-هو ان يحطم السنان و ان يكمّ اللسان و ان يكون كل و شأنه. وفق الحدود التي ستقررها المعاهدة فيما يتفق عليه الفريقان. و جاءت المادة الثالثة من اتفاقيتهما، و هي صريحة بوجوب الكف عن السب، فكان على معاوية ان يكف، لو انه أراد الصلح حقيقة، أو أراد الوفاء بالشروط كما يفرضه الذمام و العهد و الايمان.

و لكن الرجل لم يطلب الصلح الاّ ليسرح الجنود، و ليأمن غائلة حربه مع الحسن ابن رسول اللّه (ص) -كما اشير إليه-، لم يشأ ان يرجع في صلحه الى التزام المقررات، أو الاكتراث بالمعاهدات، فوقّع الصلح و لكنه انما وقعه حبرا على ورق، و حلف الايمان و أعطى المواثيق و لكنه

____________

(1) سبق في الفصل (14) زيادة توضيح للبحث مع ذكر المصادر بأرقامها.

315

أرسلها ارسالا لا يتحسس من ورائه ذمة و لا سؤالا. و جاء الكوفة، و سبق الى منبرها فذكر عليا و نال منه، ثم نال من الحسن، فقام الحسين ليرد عليه، فأخذ الحسن بيده فأجلسه، ثم قام فقال ما شاء أن يقول من أسلوب حكيم، و دعوة حق الى صراط مستقيم.. [و قد مرّت خطبة الحسن بطولها و ما قاله معاوية قبلها في الفصل (18) ].

و كان فيما هتف الناس به للحسن على خطابه و جوابه، ما لم يرض له معاوية، و هو اذ ذاك لا يزال ثملا بخمرة الانتصار الموهوم، فرأى أن ينظم حملة جديدة لتربيب الخلق الذي لا يحسد عليه-خلق السباب و الشتم و الطعن في الناس-، رغم أن المثالية الاسلامية تناقض هذا الخلق و تنكره على الناس و تدعوهم الى التراحم و التحابب و الاخوة في الدين، و تقول فيما تقول: «لا يكون المؤمن سبابا و لا فحّاشا و لا طعانا و لا لعانا» .

«فقال ابو الحسن علي بن محمد بن أبي يوسف المدائني في كتاب الاحداث: كتب معاوية نسخة واحدة بعد عام الجماعة، أن برئت الذمة ممن روى شيئا من فضل أبي تراب-يعني عليا عليه السلام-و أهل بيته.

فقامت الخطباء في كل كورة و على كل منبر، يلعنون عليا و يبرءون منه، و يقعون فيه و في أهل بيته، و كان أشد الناس بلاء حينئذ أهل الكوفة لكثرة من بها من شيعة علي عليه السلام‏ (1) » .

و دعا المغيرة بن شعبة و هو يريد أن يستعمله على الكوفة-بعد الصلح- فقال له: أما بعد. فان لذي الحلم قبل اليوم ما تقرع العصا، و لا يجزي عنك الحليم بغير التعليم، و قد أردت ايصاءك بأشياء كثيرة، انا تاركها، اعتمادا على بصرك. و لست تاركا ايصاءك بخصلة واحدة، لا تترك شتم علي و ذمه!! (2) » .

ثم خلف المغيرة على الكوفة زياد «فكان يجمع الناس بباب قصره

____________

(1) ابن ابى الحديد (ج 3 ص 15) .

(2) ابن الاثير (ج 3 ص 187) ، و الطبرى (ج 6 ص 141) .

316

يحرضهم على لعن علي، فمن أبى عرضه على السيف!! (1) » .

و أما في البصرة. فانه استعمل عليها بسر بن أرطاة «فكان يخطب على منبرها فيشتم عليا، و يقول: ناشدت اللّه رجلا علم أني صادق الاّ صدقني أو كاذب الاّ كذبني» . قال الطبري في تاريخه: «فقال له أبو بكرة: اللهم انا لا نعلمك الاّ كاذبا!، قال: فأمر به فخنق، ثم أنقذوه منه!! (2) » .

و اما في المدينة، و واليه عليها مروان بن الحكم، فكان لا يدع سب علي عليه السّلام على المنبر كل جمعة. قال ابن حجر المكي: «و كان الحسن يعلم ذلك و لا يدخل المسجد الاّ عند الاقامة، فلم يرض بذلك مروان، حتى أرسل الى الحسن في بيته بالسب البليغ لابيه و له!! (3) » .

«و لما حج معاوية-بعد الصلح-طاف بالبيت و معه سعد بن أبي وقاص، فلما فرغ انصرف معاوية الى دار الندوة، فأجلسه معه على سريره، و وقع معاوية في علي و شرع في سبه، فزحف سعد، ثم قال:

أجلستني معك على سريرك ثم شرعت في سب علي!. و اللّه لأن يكون فيّ خصلة واحدة من خصال كانت لعلي أحبّ إليّ من أن يكون لي ما طلعت عليه الشمس!. و اللّه لأن اكون صهر الرسول صلّى اللّه عليه و سلم، لي من الولد ما لعلي، أحب إليّ من ان يكون لي ما طلعت عليه الشمس!.

و للّه لأن يكون رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم قال لي ما قاله يوم خبير:

لاعطينّ الراية غدا رجلا يحبه اللّه و رسوله و يحب اللّه و رسوله، ليس بفرّار، يفتح اللّه على يديه، أحب إليّ من أن يكون لي ما طلعت عليه الشمس!. و اللّه لأن يكون رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم قال لي ما قال له في غزوة تبوك: أ لا ترضى ان تكون مني بمنزلة هارون من موسى الاّ أنه لا نبى بعدي، أحب إليّ من ان يكون لي ما طلعت عليه الشمس!، و ايم اللّه

____________

(1) المسعودى (هامش ابن الاثير ج 6 ص 99) .

(2) الطبري (ج 6 ص 96) و ابن الاثير (ج 3 ص 105) .

(3) يراجع النصائح الكافية (ص 73 الطبعة الاولى) .

317

لا دخلت لك دارا ما بقيت‏ (1) » .

و روى المسعودي من جواب معاوية لسعد، ما نربأ بقلمنا عن التصريح به لقبحه، و لكنه على كل حال دليل جديد على مبلغ اسفاف الرجل في خلقه و في آدابه و في مجاملاته..

الوفاء بالشرط الرابع‏

قال الطبري (ج 6 ص 95) : «و حال أهل البصرة بينه-يعني بين الحسن-و بين خراج دارابجرد، و قالوا: فيئنا» .

و قال ابن الاثير (ج 3 ص 162) : «و كان منعهم-يعني منع أهل البصرة-بأمر من معاوية أيضا!!» .

الوفاء بالشرط الخامس‏

و كان الشرط-كما علمت-هو العهد بالامان العام، و الامان لشيعة علي على الخصوص، و أن لا يبغي للحسنين عليهما السلام و أهل بيتهما غائلة سرا و لا جهرا.

و للمؤرخين فيما يرجع الى موضوع هذا الشرط نصوص كثيرة، بعضها وصف للكوارث الداجية التي جوبه بها الشيعة من الحكام الامويين في عهد معاوية، و بعضها قضايا فردية فيما نكب به معاوية الشخصيات الممتازة من أصحاب أمير المؤمنين، و بعضها خيانته تجاه الحسن و الحسين خاصة. و ليكن عرضنا لهذه النصوص هنا على الترتيب المذكور أيضا.

____________

(1) المسعودي (هامش ابن الاثير ج 6 ص 81-82) .

غ

318

-

319

معاوية و شيعة على «ع»

320

كانت السياسة الاموية التي وضعها معاوية ثم تبعه عليها الامراء الامويون من بعده، هي أن يخلقوا من أنفسهم سادة يستأثرون بكل محمدة في الناس، فما الكرم و لا الحلم و لا الدهاء و لا الشجاعة و لا الفصاحة الاّ بعض هباتهم الخاصة التي احتجزوها من دون الناس جميعا، و قد وضعوا في سبيل تركيز هذه السياسة المتعمدة، التاريخ الزائف الذي ظل يفيض بسلسلة من الأحاديث الموضوعة، و القصص المصطنع، و الاكاذيب المنوعة، و الادعاء الفارغ، و أمروا الوعاظ المأجورين، و معلمي الكتاتيب في سائر بلدان المملكة الاسلامية، بدراسة الامالي الاموية بما فيها من مدح زائف أو قدح كاذب، و عملوا كل ما كان بوسعهم أن يعملوه ليثيروا في قلوب الناشئة من أولاد الناس الغرور بحبهم، و الانقياد المطلق لدهائهم، فاذا بهذه الناشئة بعد لأي جنود لامية يتخاصمون بدمائهم البريئة لاهدافها، و اذا بسيول الدماء تصبغ بقاع الارض لتستقيم صفوف الخدم و الحشم و الوكلاء و المقدمين في بلاد الاسياد المتغلبين.

و لم يكن ثمة هدف آخر غير هدف الاستئثار بالسيادة و الملك و الثراء و اللذاذات الدنيوية الرخيصة، و هو ما كان يضيق به المعنيون بدينهم من آل محمد صلّى اللّه عليه و آله، و من المسلمين الثابتين على الاخلاص للّه في اسلاميتهم، و من هنا كان مبعث الشقاق المتواصل الحلقات بين هذه الطبقة من أموية الاسلام، و تلك الفئة من حملة تراث الاسلام و دعاته المخلصين.

جاء في تاريخ الطبري (ج 7 ص 104) استطراد مقتضب يرفعه الى زيد بن أنس عن الوضع العام الذي كان يرزح تحته معاشر الشيعة في أيام معاوية، و كان فيما يقوله أحدهم و هو يخاطبهم: «انكم كنتم تقتلون‏

321

و تقطع أيديكم و أرجلكم و تسمل أعينكم و ترفعون على جذوع النخل في حب أهل بيت نبيكم و أنتم مقيمون في بيوتكم و طاعة عدوكم!!» .

و الحديث على اقتضابه تفصيل غريب و معرض رهيب لم يحدثنا المسعودي الاّ بطرف منه فيما نقلناه عنه قريبا.

أما المدائني المتوفى سنة 225، و سليم بن قيس المتوفى سنة 70، فانهما عرضا صورة كاملة من هذه المعارض الرهيبة و المآسي الكئيبة، و كان سليم ابن قيس أحد شهودها المروّعين بها، لانه عاش معاصرا لمعاوية، و مات بعده بعشر سنين، و لا شاهد كشاهد عيان، و لذلك فلنؤثر لفظه، و ان كان المدائني يكاد لا يختلف عنه في قليل و لا كثير، قال:

«قدم معاوية حاجا-في خلافته-بعد ما قتل أمير المؤمنين و صالح الحسن.. و استقبله أهل المدينة و فيهم قيس بن سعد-و كان سيد الانصار و ابن سيدهم-فدار بينهما الحديث حتى انتهيا الى‏[الخلافة]. فقال قيس: و لعمري ما لأحد من الانصار و لا لقريش و لا لاحد من العرب و العجم في الخلافة حق مع علي و ولده من بعده. فغضب معاوية.. و نادى مناديه و كتب بذلك نسخة واحدة الى عماله: (ألا برئت الذمة ممن روى حديثا في مناقب علي و أهل بيته!!) . و قامت الخطباء في كل كورة و مكان على المنابر بلعن علي بن أبي طالب و البراءة منه، و الوقيعة في أهل بيته، و اللعنة لهم بما ليس فيهم. ثم ان معاوية مرّ بحلقة من قريش، فلما رأوه قاموا إليه غير عبد اللّه بن عباس، فقال له: يا ابن عباس ما منعك من القيام كما قام أصحابك الاّ لموجدة عليّ بقتالي اياكم يوم صفين، يا ابن عباس ان ابن عمي عثمان قتل مظلوما، قال ابن عباس: فعمر بن الخطاب قد قتل مظلوما فسلم الامر الى ولده، و هذا ابنه. قال: ان عمر قتله مشرك، قال ابن عباس: فمن قتل عثمان؟قال: قتله المسلمون، قال: فذلك أدحض لحجتك، ان كان المسلمون قتلوه و خذلوه فليس الاّ بحق، قال: فانا كتبنا الى الآفاق ننهى عن ذكر مناقب عليّ و أهل بيته، فكف‏

322

لسانك يا ابن عباس. قال: فتنهانا عن قراءة القرآن؟قال: لا، قال:

فتنهانا عن تأويله؟قال: نعم، قال: فنقرأه و لا نسأل عما عنى اللّه به؟ قال: نعم، قال: فأيهما أوجب علينا قراءته أو العمل به؟قال: العمل به، قال: فكيف نعمل به حتى نعلم ما عنى اللّه بما أنزل علينا؟قال: سل عن ذلك من يتأوله على غير ما تتأوله أنت و أهل بيتك، قال: انما أنزل القرآن على أهل بيتي فأسأل عنه آل أبي سفيان و آل أبي معيط؟!قال: فاقرءوا القرآن و لا ترووا شيئا مما أنزل اللّه فيكم و مما قال رسول اللّه، و ارووا ما سوى ذلك!قال ابن عباس: قال اللّه تعالى: يريدون أن يطفئوا نور اللّه بأفواههم و يأبى اللّه الاّ أن يتم نووه و لو كره الكافرون. قال معاوية:

يا ابن عباس اكفني نفسك و كف عني لسانك، و ان كنت لا بد فاعلا فليكن سرا و لا تسمعه أحدا علانية!-ثم رجع الى منزله و اشتد البلاء بالامصار كلها على شيعة علي و أهل بيته، و كان أشد الناس بلية أهل الكوفة لكثرة من بها من الشيعة، و استعمل عليها زيادا، و جمع له العراقين، و كان يتتبّع الشيعة و هو بهم عالم، لأنه كان منهم، فقتلهم تحت كل كوكب، و تحت كل حجر و مدر و احلأهم و أخافهم، و قطع الايدي و الارجل منهم، و صلبهم على جذوع النخل، و سمل أعينهم، و طردهم و شردهم، و كتب معاوية الى قضاته و ولاته في الامصار أن لا يجيزوا لأحد من شيعة علي الذين يروون فضله و يتحدثون بمناقبه شهادة!!و كتب الى عماله؛ انظروا من قبلكم من شيعة عثمان الذين يروون فضله و يتحدثون بمناقبه فأكرموهم و شرّفوهم، و اكتبوا الي بما يروي كل واحد منهم فيه باسمه و اسم أبيه، و بعث إليهم بالصلات و الكساء، و أكثر القطائع للعرب و الموالي فكثروا، و تنافسوا في المنازل و الضياع، و اتسعت عليهم الدنيا، ثم كتب الى عماله:

ان الحديث قد كثر في عثمان فاذا جاءكم كتابي هذا فادعوهم الى الرواية في أبي بكر و عمر، فقرأ كل قاض و أمير كتابه على الناس، و أخذ الناس في الروايات فيهم و في مناقبهم، ثم كتب نسخة جمع فيها جميع ما روي فيهم من المناقب، و أنفذها الى عماله، و أمرهم بقراءتها على المنابر. و في كل‏

323

كورة، و في كل مسجد، و أمرهم أن ينفذوا الى معلمي الكتاتيب أن يعلموها صبيانهم حتى يرووها و يتعلموها كما يتعلمون القرآن حتى علموها بناتهم و نساءهم و خدمهم-ثم كتب الى عماله نسخة واحدة: (انظروا من قامت عليه البينة أنه يحب عليا و أهل بيته فامحوه من الديوان) ، ثم كتب كتابا آخر: (من اتهمتموه و لم تقم عليه بينة فاقتلوه!!) فقتلوهم على التهم و الظن و الشبه تحت كل كوكب، حتى لقد كان الرجل يسقط بالكلمة فتضرب عنقه!!. و جعل الامر لا يزداد الاّ شدة، و كثر عددهم، و أظهروا أحاديثهم الكاذبة فنشأ الناس على ذلك، لا يتعلمون الاّ منهم. و كان أعظم الناس في ذلك القرّاء المراءون المتصنعون الذين يظهرون الحزن و الخشوع و النسك و يكذبون، ليحظوا عند ولاتهم، و يصيبوا بذلك الاموال و القطائع و المنازل. حتى صارت أحاديثهم في أيدي من يحسب انها حق فرووها و علموها. و صارت في أيدي المتدينين الذين لا يستحلون الكذب، فقبلوها و هم يرون أنها حق، و لو علموا انها باطل لم يرووها و لم يتدينوا بها، فلما مات الحسن بن على عليه السلام. لم تزل الفتنة و البلاء يعظمان و يشتدان» .

اقول: و روى مثل ذلك بكامله ابو الحسن المدائني فيما أخذه عنه ابن أبى الحديد (ج 3 ص 15-16) و قال في آخره:

«فلم يزل الامر كذلك حتى مات الحسن بن علي عليه السلام، فازداد البلاء و الفتنة فلم يبق أحد من هذا القبيل الاّ و هو خائف على دمه أو طريد في الارض» .

و كان هذا أسلوبا من الحوادث تستسيغه المحاكمة في ظروف الفريقين، و يصدقه التناسق التاريخي في تسلسل الاحداث. و لا يضيره اغفال المؤرخين الآخرين لأنهم-و لنعذرهم-انما كانوا يكتبون للسياسة القائمة، أو لما لا يضيرها على الاقل.

و تقدم أن الطبري و المسعودي ألمحا الى كل ذلك باختصار. و على‏

324

هذا فمصادر هذه المادة: سليم بن قيس، المدائني، ابن ابى الحديد، الطبري، المسعودي.

و في سبيل اللّه أشلاء مضرجة، و شمل شتيت، و حطام من مساكن يشرد أهلها أو يساقون الى الجزر سوق القطيع!فمنهم من قضى نحبه و منهم من ينتظر و ما بدلوا تبديلا.

و تلك هي تعبئة معاوية لاقتناص الخلافة في الاسلام له و لبنيه!.

و تلك هي طريقته البكر في وفائه بعهود اللّه و مواثيقه!.

*** و زاد سليم بن قيس بعد ذلك فقال:

«و لما كان قبل موت معاوية بسنة، حج الحسين بن علي و عبد اللّه ابن عباس و عبد اللّه بن جعفر فجمع الحسين بني هاشم، ثم رجالهم و نساءهم و مواليهم و من حج منهم من الانصار، ممن يعرفه الحسين عليه السلام و أهل بيته، ثم أرسل رسلا: لا تدعوا أحدا حجّ العام من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله المعروفين بالصلاح و النسك الاّ اجمعوهم لي، فاجتمع إليه بمنى أكثر من سبعمائة رجل، و هم في سرادقه، عامتهم من التابعين، و نحو من مائتي رجل من أصحاب النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم.

فقام فيهم خطيبا.

«فحمد اللّه و اثنى عليه ثم قال: أما بعد، فان هذا الطاغية قد فعل بنا و بشيعتنا ما قد رأيتم و علمتم و شهدتم. و اني أريد أن اسألكم عن شي‏ء فان صدقت فصدقوني و ان كذبت فكذبوني، اسمعوا مقالتي، و اكتبوا قولي، ثم ارجعوا الى أمصاركم و قبائلكم فمن أمنتم من الناس، و وثقتم به فادعوهم الى ما تعلمون من حقنا. فاني أتخوف أن يدرس هذا الامر و يذهب الحق و يغلب، و اللّه متم نوره و لو كره الكافرون.

«و ما ترك شيئا مما أنزله اللّه فيهم من القرآن الاّ تلاه و فسره، و لا

325

شيئا مما قاله رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله في أبيه و أخيه و أمه و في نفسه و أهل بيته الاّ رواه.. و كل ذلك يقول أصحابه، اللهم نعم و قد سمعنا و شهدنا. و يقول التابعي: اللهم قد حدثني به من أصدقه و ائتمنه من الصحابة. فقال: أنشدكم اللّه الاّ حدثتم به من تثقون به و بدينه» .

*** معاوية و زعماء الشيعة:

و كان موقف معاوية من زعماء الشيعة بعد صلحه مع الحسن موقف المنتقم الحاقد الذي لا تأخذه بهم رأفة و لا ذمة و لا «عهد» ، و كان لخوفه من الدعاوة الفعالة التي يحملها هؤلاء السادة من زعماء الشيعة أثره فيما توفر عليه من القصد الى ايذائهم و اقصائهم و قتلهم و التنكيل بهم. و لسنا الآن بسبيل استقصاء ما عمله معاوية تجاه هؤلاء الشيعة، و لا استقصاء ما كان ينويه بهم من خطط بعيدة الاهداف. و لكننا-لندل على مدى وفاء هذا الاموي بشروطه و أيمانه-سنورد في هذا الفصل بعض أعماله تجاههم و بعض نواياه بهم. و في قليل من هذه الامثلة كفاية عن الكثير آثرنا نركه أو خفي علينا علمه.

و قد خسر تاريخ هؤلاء الشيعة انصاف المؤرخين بعد ذلك، و لعب التعصب الذميم دوره المهم في طمس معالم هذا التاريخ أحفل ما يكون بالقضايا البارزة التي كان من حقها أن تأخذ مكانها من عبرة الاجيال.

و كان للسلطات الحاكمة عملها في توجيه ما يكتب للتاريخ أو يملى للحديث، حتى فيما يتناول أئمة الشيعة فضلا عن زعمائهم أو سوادهم.

«روى ابن عرفة المعروف بنفطويه و هو من أكابر المحدثين و أعلامهم في تاريخه ما يناسب هذا.. قال: ان اكثر الاحاديث الموضوعة في فضائل الصحابة افتعلت في أيام بني أمية تقربا إليهم بما يظنون أنهم يرغمون به أنوف بني هاشم!.

«و قال المدائني عن عصر معاوية: و ظهر حديث كثير موضوع،

326

و بهتان منتشر، و مضى على ذلك الفقهاء و القضاة و الولاة، و كان اعظم الناس في ذلك بلية القراء المراءون، و المستضعفون الذين يظهرون الخشوع و النسك فيفتعلون الاحاديث ليحظوا بذلك عند ولاتهم و يقرّبوا مجلسهم، و يصيبوا به الاموال و الضياع و المنازل، حتى انتقلت تلك الاخبار و الاحاديث الى أيدي الديانين الذين لا يستحلون الكذب و البهتان فقبلوها و رووها، و هم يظنون انها حق، و لو علموا انها باطلة لما رووها و لا تدينوا بها (1) » .

و قال ابن أبي الحديد: «و ذكر شيخنا أبو جعفر الاسكافي.. أن معاوية وضع قوما من الصحابة و قوما من التابعين على رواية أخبار قبيحة في علي عليه السلام، تقتضي الطعن فيه و البراءة منه، و جعل لهم على ذلك جعلا يرغب في مثله، فاختلقوا ما أرضاه. منهم أبو هريرة و عمرو بن العاص و المغيرة بن شعبة. و من التابعين عروة بن الزبير

____________

1 2

» .

اقول:

و شي‏ء قليل من حيدة في النظر و دقة في الاستنتاج يكفينا للقناعة بألوان التصرفات الكيفية الواسعة النطاق التي نكب بها كل من حديث الاسلام و تاريخ أحداثه معا. حتى لقد يعز على المتتبع في ماجريات الحوادث الاسلامية الاولى ان لا يجد قضية من مهمات القضايا الاسلامية يومئذ سلمت في تناسقها التاريخي من الاصطدام بالمفارقات البعيدة التي تغمرها بالشك، ثم لا تزال تأخذ بها بين التيارات المتعاكسة ذات اليمين و ذات الشمال.

و لا حاجة بنا بعد ذلك الى جمع الشهادات و التصريحات على شيوع الوضع‏ (3) و كثرة الوضاعين، لان خير شهود كل شي‏ء ما كان منه مباشرة.

و كانت قضية الحسن بن علي عليهما السلام بملابساتها و ذيولها احدى

____________

(1) (1) و (2) ابن أبي الحديد (ج 3 ص 16) و (ج 1 ص 358) .

(3) و للعلامة الاميني النجفي في «كتاب الغدير» (ج 5 من ص 185 الى 329) بحثه القيم عن الوضاعين الكذابين جمع فيه ستمائة و عشرين كذابا وضاعا ممن سلكهم القوم في رواة الحديث و التاريخ. فليراجع.

327

هاتيك القضايا التي لعبت الاهواء في التحدث عنها وضعا و رفعا و جمعا و تفريقا، و فقدت تحت تأثير هذا التلاعب المؤسف الذي لم يكن كله مقصودا، كما لم يكن كله غير مقصود، روعة واقعها الاول. و كان من طبيعة هذا الوضع أن تختلف عليه الافهام، و يكثر حوله النقض و الابرام.

و ما هي الاّ كنموذج واحد من قضايا كثيرة في تاريخ الاسلام ظلمها التاريخ و جللها بالظلام.

و انهم ليعرفون، و هم يؤرخون الحسن، مكانة الحسن في التاريخ و يعلمون أنهم انما يكتبون عن «أحد الاحدين» في العالم الاسلامي كله.

فكيف بهم اذا جاوزوا فيما يؤرخون مثل هذه النقطة المركزة، الى نقاط لا تبلغ في موضوعها خطورة امام؟.

لذلك يجب أن لا نطمع في موضوع‏[معاوية و زعماء الشيعة] بالحصول على الحقائق الكافية التي تملأ نهم البحث، و لا بالوقوف على الاحصاءات الصحيحة التي تسدّ نطاق الموضوع، بما يتناسب و حديث المدائني، و تفاصيل سليم بن قيس.

ذلك لأن كل شي‏ء من هذا القبيل، و كل شي‏ء من تاريخ الشيعة الصحيح، قد طغت عليه التصرفات المعارضة، و أكلته الاكاذيب المأجورة على طول التاريخ.

و ليس لنا الآن، الاّ أن نعود فنتسقط الاخبار من هنا و من هنالك لنعرض شيئا له صورته التاريخية التي نعتقد أنها-على فظاعتها-قليل من كثير، و بعض من كل.

و إليك الآن القائمة المحزونة التي تحمل أسماء هؤلاء بما فيهم من صحابة و تابعين، و لندرس على ضوء هذه القائمة جواب معاوية على الشرط الخامس من شروط معاهدة الصلح. ثم لنتدرج مع فقرات هذا الشرط فيما نأتي عليه من فصول. غ

328

أ-الشهداء المقتولون صبرا

1-حجر بن عدي الكندي:

يعرف بحجر الخير، و يكنى بأبى عبد الرّحمن بن عدي بن الحرث ابن عمرو بن حجر الملقب بآكل المزار[ملك الكنديين‏]. و قيل هو ابن عدي بن معاوية بن جبلة بن عدي بن ربيعة بن معاوية الاكرمين من كندة (1) ، و من ذؤابتها العليا.

صحابي من أعيان أصحاب علي و ابنه الحسن عليهما السلام، و سيد من سادات المسلمين في الكوفة و من أبدالها.

وفد هو و أخوه هانئ بن عدي على النبي صلّى اللّه عليه و آله، قال في الاستيعاب: «كان حجر من فضلاء الصحابة، و صغر سنه عن كبارهم» ، و ذكره بمثل ذلك في أسد الغابة، و وصفه الحاكم في المستدرك بأنه: «راهب

____________

(1) و كندة هي من بني كهلان، و بلادهم في اليمن، ثم كان كثير من كبرائهم في العراق-و كهلان و حمير ابنا سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان، و سبأ اسم يجمع القبيلتين كلتيهما. و كان يقال: ان العرب تعد البيوتات المشهورة بالكبر و الشرف بعد بيت هاشم بن عبد مناف أربعة بيوت: بيت قيس الفزاري، و الدارميين، و بني شيبان، و بيت اليمن من بني الحارث بن كعب-و اما كندة فلا يعدون من أهل البيوتات انما كانوا ملوكا. و منهم «الملك الضليل-امرؤ القيس» و كان لهم ملك باليمن و بالحجاز-و بقي لكندة مجدها في الاسلام، فمن كندة من كان له ذكر في الفتوح و الثورات، و منهم من ولى الولايات، و منهم من تقلد القضاء كحسين بن حسن الحجري، و منهم الشعراء كجعفر بن عفان المكفوف شاعر الشيعة، و كان هانئ بن الجعد بن عدي-ابن أخي حجر-من أشراف الكوفة، و كان جعفر بن الاشعث و ابنه العباس بن جعفر من شيعة الامام ابي الحسن موسى بن جعفر و ابنه الرضا عليهما السلام. اما الاشعث ابن قيس الكندي فكان اكبر منافقي الكوفة. أسلم ثم ارتد بعد النبي ثم أسلم و قبل أبو بكر اسلامه، و زوجه أخته و هي أم محمد بن الاشعث، و تزوج الامام الحسن ابنته، و هي التي سقته السم باغراء معاوية اياها.

329

أصحاب محمد صلّى اللّه عليه و آله و سلم» .

و بلغ من عبادته أنه ما أحدث الاّ توضأ و ما توضأ الاّ صلّى. و كان يصلي في اليوم و الليلة ألف ركعة، و كان ظاهر الزهد، مجاب الدعوة (1) ، ثقة من الثقات المصطفين، اختار الآخرة على الدنيا حتى سلم نفسه للقتل دون البراءة من امامه، و انه مقام تزل فيه الاقدام و تزيغ الاحلام.

كان في الجيش الذي فتح الشام، و في الجيش الذي فتح القادسية، و شهد الجمل مع علي، و كان أمير كندة يوم صفين، و أمير الميسرة يوم النهروان، و هو الشجاع المطرق الذي قهر الضحاك بن قيس في غربي تدمر. و هو القائل: «نحن بنو الحرب و أهلها، نلقحها و ننتجها، قد ضارستنا و ضارسناها» .

ثم كان أول من قتل صبرا في الاسلام.

قتله و ستة من أصحابه معاوية بن أبي سفيان سنة 51 في «مرج عذراء» بغوطة دمشق على بعد 12 ميلا منها. و قبره الى اليوم ظاهر مشهور، و عليه قبة محكمة تظهر عليها آثار القدم في جانب مسجد واسع، و معه في ضريحه أصحابه المقتولون معه و سنأتي على ذكرهم.

و هدم زياد ابن أبيه دار حجر في الكوفة.

السبب في قتله:
أنه كان يرد على المغيرة و زياد حين يشتمان عليا عليه السلام، و يقول:

«أنا أشهد أن من تذمون أحق بالفضل، و من تزكون أولى بالذم، و كان

____________

(1) قال في الاصابة (ج 1 ص 329) : «أصابته جنابة-و هو أسير- فقال للموكل به أعطني شرابي أتطهر به، و لا تعطني غدا شيئا، فقال:

أخاف ان تموت عطشا فيقتلني معاوية. قال: فدعا اللّه فأنسكبت له سحابة بالماء، فأخذ منها الذي احتاج إليه فقال له أصحابه: ادع اللّه أن يخلصنا، فقال: اللهم خر لنا» .

330

اذا جهر بكلمته هذه، وافقه أكثر من ثلثى الناس، و قالوا: «صدق و اللّه حجر و بر» .

أما المغيرة بن شعبة فقد قدر المعنويات التي تعزز حجرا كصحابي فاضل، و كرأس من رجالات علي في الكوفة، و كامير عربي يرث تاج الكنديين من أقرباء الجدود، و سمع بأذنيه تأييد الناس دعوته غير آبهين بالقوة، و لا خائفين نقمة السلطان، فرأى أن يتمهل في أمره و أن يعتذر الى ذوي مشورته الذين كانوا يحرضونه على التنكيل به. ثم قال لهم:

«اني قد قتلته» . قالوا: «و كيف ذلك؟» قال: «انه سيأتي أمير بعدي فيحسبه مثلي فيصنع به شبيها بما ترونه، فيأخذه عند اول وهلة فيقتله شر قتلة» . و كان المغيرة في موقفه من حجر المنافق الحكيم، و كذلك كان فيما أجاب به صعصعة بن صوحان يوم فتنة المستورد بن علفة الخارجي سنة 43 قال له: «و اياك أن يبلغني عنك أنك تظهر شيئا من فضل علي علانية، فانك لست بذاكر من فضل علي شيئا أجهله، بل أنا أعلم بذلك!!. و لكن هذا السلطان-يعني معاوية-قد ظهر، و قد أخذنا باظهار عيبه للناس، فنحن ندع كثيرا مما أمرنا به، و نذكر الشي‏ء الذي لا نجد من ذكره بدا، ندفع به هؤلاء القوم عن أنفسنا تقية (1) » .

و ولي ابن سمية الكوفة بعد هلاك المغيرة سنة 50 أو 51، فرأى أن يخدم أمويته «المزعومة» بقتل حجر بن عدي ليريحها من أكبر المشاغبين عليها. و لكنه جهل أن دم حجر سيظل يشاغب على تاريخ أمية ما عرف الناس هذين الاسمين.

و أطال الوالي الجديد خطبته يوم الجمعة حتى ضاق وقت الصلاة- و لصلاة الجمعة وقتها المحدود-فقال حجر-و كان لا يفارق جمعتهم و جماعتهم-: «الصلاة!» فمضى زياد في خطبته. فقال ثانيا: «الصلاة!» فمضى في خطبته. و خشي حجر فوت الفريضة فضرب بيده الى كف من

____________

(1) الطبري (ج 6 ص 108) .

331

الحصا، و ثار الى الصلاة و ثار الناس معه.

و ما كان أبو عبد الرّحمن بمكانته الاجتماعية و بروحه العابدة الزاهدة بالذي يترخص في دينه أو يلجأ الى مجاملة المترخصين، و كان يظن ان في هؤلاء بقية من الحسن قد تنفعها الذكرى و قد يجدي معها الانكار، فأنكر انتصافا للحق المهضوم، و جاهد لدينه و لامامه و لصلاته بلسانه، كما كان يجاهد بسيفه في فتوح الاسلام.

و جاءت قائمة جرائمه-في عرف بني أمية-أنه يرد السب عن علي عليه السلام، و أنه يريد الصلاة لوقتها، و لا شي‏ء غير ذلك!.

و دعا زياد «حواشيه الطيعة» الذين كانوا يبادلونه الذمم بالنعم أمثال عمر بن سعد[قاتل الحسين عليه السلام‏]، و المنذر بن الزبير، و شمر بن ذي الجوشن العامري، و اسماعيل و إسحاق ابني طلحة بن عبد اللّه، و خالد ابن عرفطة، و شبث بن ربعي، و حجاز بن أبجر، و عمرو بن الحجاج، و زجر بن قيس.. و «درازن» أخرى من هذه النماذج التي طلقت المروءة ثلاثا، و كانوا سبعين رجلا، عدهم الطبري في تاريخه واحدا واحدا [ج 6 ص 150-151]، و ماز من بينهم أبا بردة بن أبى موسى الاشعري لانه كان أضعفهم عنده او لانه كان أقواهم عند معاوية، و قال له اكتب: -

«بسم اللّه الرّحمن الرّحيم. هذا ما شهد عليه أبو بردة بن أبى موسى الاشعري للّه رب العالمين!!، أشهد ان حجر بن عدي خلع الطاعة، و فارق الجماعة!!و لعن الخليفة، و دعا الى الحرب، و جمع إليه الجموع يدعوهم الى نكث البيعة، و كفر باللّه عزّ و جل كفرة صلعاء!!.. » .

و قال للسبعين: «على مثل هذه الشهادة فاشهدوا. أما و اللّه لاجهدن على قطع خيط هذا الخائن الاحمق!!» . فشهد على هذه الصحيفة الخائنة الحمقاء سبعون من اشراف الكوفة و «ابناء البيوتات» !!.. و كتب الى معاوية في حجر و كثر عليه فكتب إليه معاوية: «شده في الحديد و احمله إليّ» .

332

و لنتذكر هنا سوابق هذه الحفنة من أبناء بيوتات الكوفة في قضية الحسن بن علي عليهما السلام أيام خلافته، و هل كان الفارون من الزحف في مسكن، و المتألبون على الشر في المدائن، و المكاتبون معاوية على الغدر بالامام و تسليمه اياه الاّ هؤلاء؟. فمن هو اذا الذي خلع الطاعة و فارق الجماعة و نكث البيعة أحجر بن عدي أم هم؟ ثم لنتذكر مواقف هؤلاء أنفسهم في فاجعة الحسين عليه السلام بكربلاء، و كانوا يومئذ سيوف الجبابرة الامويين الذين تحملوا مسئوليات تلك الاحداث المؤلمة التي لا حد لفظاعتها في تاريخ العرب و الاسلام.

موقف الكوفة في حادثة حجر:
و كان باستطاعة حجر ان يشعل نار الثورة التي تقض مضجع معاوية في الكوفة، لو انه شاء المقاومة بالسلاح. و فهم معاوية ذلك حين راح يقول -بعد مقتل حجر-: «لو بقى حجر لاشفقت أن يعيدها حربا أخرى» ، و فهم زياد ذلك حين اتبع حجرا بريده و قال له: «اركض الى معاوية و قل له: ان كان لك في سلطانك حاجة فاكفني حجرا» .

و لكن الزعيم الشيعي الذي كان قد درس على الامام الحسن بن علي عليهما السلام تضحياته الغالية في سبيل حقن الدماء، منع قومه من الحرب صريحا.

و لكن جماعة من أصحابه اشتبكت بشرطة زياد و (بخاريته) عند أبواب كندة، و جماعة أخرى التحمت بهم عند باب داره-قرب جبانة كندة-و كان من ابطال هاتين الموقعتين عبد اللّه بن خليفة الطائي، و عمرو ابن الحمق الخزاعي-و سنأتي على ذكرهما في الفصول القريبة-، و عبد الرّحمن بن محرز الطمحي، و عائذ بن حملة التميمي، و قيس بن يزيد، و عبيدة بن عمرو، و قيس بن شمر، و عمير بن يزيد الكندي المعروف (بأبى العمرّطة) . قالوا: «و كان سيف أبى العمرطة أول سيف ضرب‏

333

به في الكوفة يوم حجر» . -و خرج قيس بن فهدان الكندي على حمار له، يسير في مجالس كندة يحرضهم على الحرب.

و حصب أهل الكوفة زيادا (1) -و كان ذلك هو ميراثه الشرعي من أمه سمية.

أما حجر نفسه فأصر على قومه بأن يردوا السيوف الى أغمادها، و قال لهم: «لا تقاتلوا فاني لا أحب ان اعرضكم للهلاك.. و انا آخذ في بعض هذه السكك» .

و أخطأته عيون زياد التي كانت تلاحقه، لان الناس كلهم أو اكثر من ثلثي الناس كانوا يمنعون حجرا من هذه العيون.

و هكذا ضاق زياد بحجر و أصحابه، فجمع اشراف الكوفة و قال لهم:

«يا أهل الكوفة، أ تشجون بيد و تأسون بأخرى، أبدانكم معي، و أهواؤكم مع حجر، أنتم معي و اخوانكم و ابناؤكم و عشائركم مع حجر.

هذا و اللّه من دحسكم و غشكم. و اللّه لتظهرن لي براءتكم، أو لآتينكم بقوم أقيم بهم أودكم و صعركم» .. ثم قال: «فليقم كل امرئ منكم الى هذه الجماعة حول حجر. فليدع كل رجل منكم أخاه و ابنه و ذا قرابته و من يطيعه من عشيرته، حتى تقيموا عنه كل من استطعتم أن تقيموه» .

ثم أمر زياد أمير شرطته‏[شداد بن الهيثم الهلالى‏]بالقبض على حجر. و علم ان شرطته ستعجز عنه، فدعا محمد بن الاشعث الكندي، و قال له: «يا أبا ميثاء، أما و اللّه لتأتينني بحجر، أو لا ادع لك نخلة الاّ قطعتها، و لا دارا الاّ هدمتها، ثم لا تسلم حتى أقطعك اربا اربا!» قال له. «أمهلني حتى أطلبه» . قال «امهلتك ثلاثا، فان جئت به و الاّ عدّ نفسك في الهلكى!» .

أقول: و لم كلّ هذا الحنق؟أ للدين و ما كان ابن سمية بأولى به

____________

(1) قال الطبري: «و من يومه اتخذ المقصورة» (ج 6 ص 132) .

334

من اصحابي العابد الذي كان يصلي كل يوم و ليلة الف ركعة، ثم لا ذنب له الاّ أن ينهى عن المنكر و يريد الفرائض لوقتها؟!-أم للدنيا، و قد خسروا في مقتل حجر صبابة معنوياتهم في التاريخ!!

و حاول زياد ان يقتل الكنديين بعضهم ببعض بما أمر به ابن الاشعث الكندي، و كان ذلك من جملة الاساليب الرثة التي يتوارثها الحاكمون بأمرهم في الشعوب المغلوبة على أمرها في القديم و الحديث.

و علم حجر ما أراده زياد في الكنديين و أصحابهم فقال: «و لكن سمع و طاعة» .

و دارت الشرطة للقبض على الاسماء البارزة من مؤازريه، فجمعوا تسعة من أهل الكوفة و أربعة من غيرها-برواية المسعودى-.

و عدهم ابن الاثير هكذا: «حجر بن عدي الكندي، و الارقم بن عبد اللّه الكندي، و شريك بن شداد الحضرمي، و صيفي بن فسيل الشيباني، و قبيصة بن ضبيعة العبسي، و كريم بن عفيف الخثعمي، و عاصم بن عوف البجلي، و ورقاء بن سمي البجلي، و كدام بن حيان، و عبد الرّحمن بن حسان العنزيان، و محرز بن شهاب التميمي، و عبد اللّه بن حوبة السعدي التميمي» . قال: «فهؤلاء اثنا عشر رجلا. و اتبعهم زياد برجلين و هما:

عتبة بن الاخنس من سعد بن بكر، و سعد بن نمران الهمداني. فقوموا أربعة عشر رجلا» .

و نشط-اذ ذاك-المشاءون بالنميم، و ما كان أكثرهم في هذا البلد المنكوب!

و مكث حجر في سجن الكوفة عشرة أيام حتى جمعوا إليه من أصحابه من ذكرنا، ثم أمر بهم فسيقوا الى الشام. و كان كل ما في الكوفة يدل على تمخض الوضع عن وثبة لا يدرى مدى بلائها على الحاكم و المحكوم.

و لكن زيادا فطن الى ذلك، فأمر باخراجهم «عشية» ليتستر بالظلام،

335

فيخفف من عرامة هذا الظلم المفضوح.

و نظر قبيصة بن ربيعة-أحد اصحاب حجر-فاذا هو يمر على داره في جبانة «عرزم» ، و اذا بناته مشرفات يبكينه، فكلمهن و وعظهن بما سنأتي على ذكره عند ترجمته، ثم انصرف.

و انشأت ابنة حجر في احدى لياليها السود و قد قطع الخوف على أبيها نياط قلبها و هي تخاطب القمر-و قيل بل الابيات لهند بنت زيد الانصارية ترني حجرا:

ترفع أيها القمر المنير # لعلك أن ترى حجرا يسير

يسير الى معاوية بن حرب # ليقتله كما زعم الامير

و يصلبه على بابي دمشق # و تأكل من محاسنه النسور

تجبرت الجبابر بعد حجر # و طاب لها الخورنق و السدير

و أصبحت البلاد له محولا # كأن لم يحيها مزن مطير

ألا يا حجر حجر بني عدي # تلقتك السلامة و السرور

أخاف عليك ما أردى عليا # و شيخا في دمشق له زئير

فان تهلك فكل عميد قوم # من الدنيا الى هلك يصير

***

مقتله:
و صاروا بهم الى عذراء، و كانت قرية على اثنى عشر ميلا من دمشق، فحبسوا هناك، و دار البريد بين معاوية و زياد، فما زادهم التأخير الاّ عذابا. و جاءهم أعور معاوية في رهط من أصحابه يحملون أمره بقتلهم و معهم اكفانهم فقال لحجر: «انّ امير المؤمنين أمرني بقتلك يا رأس الضلال!!.. و معدن الكفر و الطغيان!!.. و المتولي لابي تراب، و قتل أصحابك الاّ أن ترجعوا عن كفركم، و تلعنوا صاحبكم و تتبرءوا منه» - فقال حجر و أصحابه: «ان الصبر على حد السيف لأيسر علينا مما تدعوننا

336

إليه ثم القدوم على اللّه و على نبيه و على وصيّه أحبّ إلينا من دخول النار» .

و حفرت القبور، و قام حجر و أصحابه يصلون عامة الليل، فلما كان الغد قدموهم ليقتلوهم فقال لهم حجر: «اتركوني اتوضأ و أصلّ، فاني ما توضأت الاّ صليت» . فتركوه فصلى ثم انصرف، و قال: «و اللّه ما صليت صلاة أخفّ منها، و لو لا أن تظنوا فيّ جزعا من الموت لاستكثرت منها» .

ثم قال: «اللهم انا نستعديك على أمتنا، فان اهل الكوفة شهدوا علينا، و ان أهل الشام يقتلوننا، أما و اللّه لئن قتلتموني بها، فاني لاول فارس من المسلمين هلك في واديها، و أول رجل من المسلمين نبحته كلابها (1) » .

ثم مشى إليه هدبة بن فياض القضاعي بالسيف، فارتعد-فقالوا له:

«زعمت أنك لا تجزع من الموت، فابرأ من صاحبك و ندعك!!» .

فقال: «مالي لا أجزع و أرى قبرا محفورا، و كفنا منشورا، و سيفا مشهورا، و اني و اللّه ان جزعت من القتل، لا أقول ما يسخط الرب!» .

و شفع في سبعة من أصحاب حجر ذوو حزانتهم من المقربين لدى معاوية في الشام.

و عرض الباقون على السيف، و قال حجر في آخر ما قال: «لا تطلقوا عني حديدا، و لا تغسلوا عني دما، فاني لاق معاوية غدا على الجادة و اني مخاصم» . و ذكر معاوية كلمة حجر هذه فغصّ بها ساعة هلك-معاوية- فجعل يغرغر بالصوت و يقول: «يومي منك يا حجر يوم طويل» .

فاجعته في المسلمين‏
حج معاوية بعد قتله حجرا و أصحابه فمر بعائشة «و استأذن عليها

____________

(1) ابن الاثير (ج 3 ص 192) و قال ابن سعد و مصعب الزبيري فيما رواه الحاكم عنه عند ذكر حجر: «و قتل بمرج عذراء بامر معاوية و كان حجر هو الذي افتتحها فغدر بها» . أقول: و هو معنى قوله هنا: «و أول رجل من المسلمين نبحته كلابها» يعني يوم فتحها.

غ

337

فأذنت له، فلما قعد قالت له: يا معاوية أ أمنت ان أخبئ لك من يقتلك؟قال:

بيت الامن دخلت، قالت: يا معاوية أ ما خشيت اللّه في قتل حجر و أصحابه؟ (1) » . و قالت: «لو لا انا لم نغير شيئا الاّ صارت بنا الامور الى ما هو اشد منه لغيّرنا قتل حجر، أما و اللّه ان كان ما علمت لمسلما حجاجا معتمرا (2) » .

و كتب شريح بن هاني الى معاوية يذكر حجرا و يفتيه بحرمة دمه و ماله و يقول فيه: «انه ممن يقيم الصلاة، و يؤتي الزكاة، و يديم الحج و العمرة، و يأمر بالمعروف، و ينهى عن المنكر، حرام الدم و المال‏ (3) » .

و كان ابن عمر-منذ أخذ حجر-يتخبر عنه فأخبر بقتله و هو بالسوق فأطلق حبوته و ولى و هو يبكي‏

____________

3 4

.

و دخل عبد الرّحمن بن الحارث بن هشام على معاوية و قد قتل حجرا و أصحابه، فقال له: «أين غاب عنك حلم أبى سفيان!؟» قال: «غاب عني حين غاب عني مثلك من حلماء قومي، و حملني ابن سمية فاحتملت!!» قال: «و اللّه لا تعد لك العرب حلما بعد هذا أبدا و لا رأيا، قتلت قوما بعث بهم إليك أسارى من المسلمين.. » .

و قال مالك بن هبيرة السكوني حين أبى معاوية أن يهب له حجرا، و قد اجتمع إليه قومه من كندة و السكون و ناس من اليمن كثير، فقال:

«و اللّه لنحن اغنى عن معاوية من معاوية عنا و انا لنجد في قومه‏ (5) منه بدلا و لا يجد منا في الناس خلفا.. » .

و قيل لابي إسحاق السبيعي: «متى ذل الناس؟» ، فقال: «حين مات الحسن، و ادّعي زياد، و قتل حجر بن عدي‏ (6) » .

و قال الحسن البصري: «اربع خصال كن في معاوية لو لم يكن فيه

____________

(1) الطبرى (ج 6 ص 156) .

(2) ابن الاثير (ج 3 ص 193) .

(3) (3) و (4) الطبرى (ج 6 ص 153) .

(5) يعني بني هاشم.

(6) ابن ابى الحديد (ج 4 ص 18) .

338

منهن الاّ واحدة لكانت موبقة: انتزاؤه على هذه الامة بالسفهاء حتى ابتزها أمرها-يعني الخلافة-بغير مشورة منهم، و فيهم بقايا الصحابة و ذوو الفضيلة، و استخلافه ابنه بعده سكيرا خميرا يلبس الحرير، و يضرب بالطنابير، و ادعاؤه زيادا، و قد قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه (و آله) و سلم:

الولد للفراش و للعاهر الحجر، و قتله حجرا. ويل له من حجر و أصحاب حجر-مرتين- (1) » .

و مات الربيع بن زياد الحارثي غما لمقتل حجر، و كان عاملا لمعاوية على خراسان. قال ابن الاثير (ج 3 ص 195) : «و كان سبب موته أنه سخط قتل حجر بن عدي، حتى انه قال: لا تزال العرب تقتل صبرا بعده، و لو نفرت عند قتله، لم يقتل رجل منهم صبرا، و لكنها قرت فذلت، ثم مكث بعد هذا الكلام جمعة، ثم خرج يوم الجمعة فقال: أيها الناس، انى قد مللت الحياة فانى داع بدعوة فأمنوا. ثم رفع يديه بعد الصلاة فقال:

اللهم ان كان لي عندك خير فاقبضني إليك عاجلا، و أمن الناس-ثم خرج، فما توارت ثيابه حتى سقط (2) » .

و كتب الحسين عليه السلام الى معاوية في رسالة له: «أ لست القاتل حجرا أخا كندة، و المصلين العابدين، الذين كانوا ينكرون الظلم، و يستعظمون البدع، و لا يخافون في اللّه لومة لائم؟. قتلتهم ظلما و عدوانا من بعد ما كنت أعطيتهم الايمان المغلظة و المواثيق المؤكدة[يشير الى نصوص المادة الخامسة من معاهدة الصلح‏]أن لا تأخذهم بحدث كان بينك و بينهم و لا باحنة تجدها في نفسك عليهم‏ (3) » .

ثم جاء دور التاريخ فخصص نصر بن مزاحم المنقري كتابا في مقتل حجر بن عدي، و لوط بن يحيي بن سعيد الازدي كتابا (4) ، و هشام بن محمد

____________

(1) الطبرى (ج 6 ص 157) و غيره.

(2) و ذكر ذلك كل من الاستيعاب و اسد الغابة و الدرجات الرفيعة و الشيخ في الامالى.

(3) البحار (ج 10 ص 149) .

(4) فهرست ابن النديم (ص 136) -

339

ابن السائب كتابا في حجر، و كتابا آخر في مقتل رشيد و ميثم و جويرية بن مشهر (1) » .

الاحاديث في حجر و أصحابه:
قال ابن عساكر: «ان عائشة بعد أن انكرت على معاوية قتله حجرا و أصحابه، قالت: سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه (و آله) و سلم يقول:

سيقتل بعذراء-الموضع الذي قتل فيه حجر و أصحابه-أناس يغضب اللّه لهم و أهل السماء» .

و روى مثله بطريق آخر عنها.

و روى البيهقي في الدلائل و يعقوب بن سفيان في تاريخه: «عن عبد اللّه بن زرير الغافقي قال: سمعت علي بن أبى طالب عليه السلام يقول:

يا أهل العراق، سيقتل منكم سبعة نفر بعذراء، مثلهم كمثل أصحاب الاخدود» .

الشهداء من أصحاب حجر:
علمنا-مما سبق-أن اصحاب حجر صفوة من رجال اللّه القليلين، و أنهم «المصلون العابدون، الذين ينكرون الظلم، و يستعظمون البدع، و لا يخافون في اللّه لومة لائم» على حد تعبير الحسين عليه السلام عنهم فيما كتبه الى معاوية.

و رأينا-الى ذلك-كيف يذكرهم كبراء المسلمين الآخرون كلما ذكروا حجرا.

و اذا شاءت المقادير، أو شاءت الرقابات الاموية طمس أخبارهم و تناسي آثارهم، فانهم شهداء المبادئ، و قرابين الحق المغصوب، و كفاهم ذلك فضلا و مجدا و ظهورا في التاريخ.

____________

(1) -النجاشي (ص 306) .

340

و لقي معاوية في حجته «المقبولة... » بعد قتل هذه الزمرة الكريمة، الحسين بن علي عليهما السلام في مكة، فقال له-مزهوا-: «هل بلغك ما صنعنا بحجر و أصحابه و أشياعه شيعة أبيك؟» . قال: «و ما صنعت بهم؟» قال: «قتلناهم و كفنّاهم و صلينا عليهم و دفناهم!!» فضحك الحسين عليه السلام، ثم قال: «خصمك القوم يا معاوية، لكنا لو قتلنا شيعتك، ما كفنّاهم، و لا صلينا عليهم، و لا قبرناهم‏ (1) » .

*** و إليك الآن اسماء الشهداء الممتحنين مرتبة على الحروف و ملحقة بما يتصل بكل منهم من معلومات:

أ-شريك بن شداد أو ثداد الحضرمي و سماه آخر عريك بن شداد.

ب-صيفي بن فسيل الشيباني، رأس في اصحاب حجر حديد القلب شديد العقيدة سديد القول. القي القبض عليه و احضر لزياد فقال له:

«يا عدو اللّه!!ما تقول في أبي تراب؟» ، قال: «ما اعرف ابا تراب» ، قال: «ما أعرفك به؟» ، قال: «ما أعرفه» ، قال: «أ ما تعرف علي بن أبى طالب؟» ، قال: «بلى» ، قال: «فذاك ابو تراب» ، قال: «كلا، ذاك أبو الحسن و الحسين عليه السلام» . فقال له صاحب الشرطة: «يقول لك الامير: هو أبو تراب، و تقول أنت: لا؟» ، قال: «و ان كذب الامير أ تريد ان أكذب انا و اشهد على باطل كما شهد!؟» [انظر الى خلقه و صلابته‏]قال له زياد: «و هذا أيضا مع ذنبك!!، عليّ بالعصا» ، فأتي بها، فقال: «ما قولك؟» ، قال: «أحسن قول أنا قائله في عبد من عباد اللّه المؤمنين» ، قال: «اضربوا عاتقه بالعصا حتى يلصق بالارض» ، فضرب حتى لزم الارض!!ثم قال: «أقلعوا عنه-ايه ما قولك في علي؟» ،

____________

(1) البحار و غيره، و روى مثلها الطبرى عن الحسن و لا يصح لان فجائع حجر و أصحابه كانت بعد وفاة الحسن بسنتين. و روى مثلها ابن الاثير عن الحسن البصرى قال: «فقال: حجوهم و رب الكعبة» .

341

قال: «و اللّه لو شرحتني بالمواسي و المدى ما قلت الاّ ما سمعت مني» .

قال: «لتلعننّه، أو لاضربن عنقك!» قال: «اذا تضربها و اللّه قبل ذلك، فان أبيت الاّ ان تضربها، رضيت باللّه و شقيت أنت!» .

قال: «ادفعوا في رقبته» -ثم قال-: « أوقروه حديدا، و القوه في السجن!» .

ثم كان في قافلة الموت مع حجر، و من شهداء عذراء الميامين.

ج-عبد الرّحمن بن حسان العنزي. كان من أصحاب حجر و سيق معه مكبّلا بالحديد، و لما كانوا في مرج عذراء طلب ان يبعثوا به الى معاوية -و كأنه ظن أن معاوية خير من ابن سمية-. فلما ادخل عليه، قال له معاوية: «يا اخا ربيعة!ما تقول في علي؟» قال: «دعني و لا تسألني، فهو خير لك!» ، قال: «و اللّه لا ادعك» ، قال: «أشهد انه كان من الذاكرين اللّه كثيرا، و الآمرين بالحق، و القائمين بالقسط، و العافين عن الناس» . قال: «فما قولك في عثمان؟» ، قال: «هو اول من فتح باب الظلم و اغلق أبواب الحق» ، قال: «قتلت نفسك» ، قال: «بل اياك قتلت، و لا ربيعة بالوادي» -يعني ليشفعوا فيه أو يدفعوا عنه-. فردّه معاوية الى زياد في الكوفة و أمره بقتله شرّ قتلة!!..

و كان عبد الرّحمن هذا هو القائل يوم كبسهم جلادو معاوية في مرج عذراء: «اللهم اجعلني ممن تكرم بهوانهم و أنت عني راض، فطالما عرضت نفسي للقتل فأبى اللّه الاّ ما أراد» .

و ذكره حبة العرني، فيما حدث عنه في تاريخ الكوفة، (ص 274) قال: «و كان عبد الرّحمن بن حسان العنزي من أصحاب علي عليه السلام، اقام بالكوفة يحرض الناس على بني أمية، فقبض عليه زياد، و أرسله الى الشام، فدعاه معاوية الى البراءة من علي عليه السلام، فأغلظ عبد الرّحمن بالجواب، فردّه معاوية الى زياد فقتله» .

342

و قال ابن الاثير (ج 3 ص 192) و الطبرى (ج 6 ص 155) أنه دفنه حيا بقس الناطف‏ (1) .

أقول: و لو أدرك معاوية قتلات زياد لشيعة علي في الكوفة، و قطعه الايدي و الارجل و الالسنة، و سمله العيون، لما زاده وصاة بابن حسان العنزي حين أمره بان يقتله شر قتلة، و هل قتلة شرّ من هذه الفتلات و المثلات؟و لكن زيادا نزل على وصية معاوية فابتدع قتلة الدفن حيا!!. (2) .

و ما أدراك ما سيلقى معاوية على هذه الوصاة، و ما سيجازى زياد على هذه القتلات يوم يردون جميعا الى اللّه مولاهم الحق؟؟.

*** د-قبيصة بن ربيعة العبسي. و سماه بعضهم ابن ضبيعة-بدل ربيعة-و هو الشجاع المقدام الذي صمم على المقاومة بسلاحه و بقومه، لو لا أن صاحب الشرطة آمنه على دمه و ماله، فوضع يده في أيديهم، ايمانا ببراءة «الامان» الذي كان لا يزال متبعا لدى العرب فضلا عن أهل الاسلام، و لو لا أن الخلائق الاسلامية و العربية معا، كانت قد تبخرت عند القوم، أو انهم كانوا قد فهموها على أنها وسائل للغلبة و البطش فحسب!.

و أحضر ابن ضبيعة العبسي لزياد فقال له: «اما و اللّه لاجعلن لك شاغلا عن تلقيح الفتن و التوثب على الامراء!!» [انظر الى المنفذ الضيق الذي

____________

(1) موضع قريب من الكوفة على شاطئ الفرات الشرقي و يقابله «المروحة» على شاطئها الغربي كانت فيه موقعة أبى عبيد والد المختار الثقفي.

(2) ثم كان هذا النوع من القتل السنة السيئة التي تبعه عليها الجبابرة من بعده. و لما غضب بنو أمية على عمر المقصوص و هو مؤدب معاوية بن يزيد بن معاوية، الذي استقال من خلافتهم احتجاجا عليهم، أخذوه و دفنوه حيا!. الدميري في حياة الحيوان (ص 62) و روى هناك خطبة معاوية هذا التي يشرح فيها حيثيات استقالته بما يشعر بتشيعه لاهل البيت عليهم السلام.

343

ينظر منه الاقوياء]، قال: «اني لم آتك الاّ على الامان» ، قال: «انطلقوا به الى السجن» .

ثم كان بعد ذلك في الركب المثقل بالحديد الذي يسار به الى القتل صبرا. و في الحديث: «من آمن رجلا على دمه فقتله فأنا برى‏ء من القاتل و ان كان المقتول كافرا (1) » .

و مروا به-و لما يخرجوا بالقافلة من الكوفة-على داره فاذا بناته مشرئبات إليه يبكينه، فقال للحرسيين وائل و كثير: «ائذنا لي فاوصي الى أهلي» ، فلما دنا منهن و هن يبكين سكت عنهن-ساعة-، ثم قال لهن:

«اسكتن» ، فسكتن، فقال: «اتقين اللّه عزّ و جل و اصبرن فاني ارجو من ربي في وجهي هذا احدى الحسنيين: اما الشهادة و هي السعادة، و اما الانصراف إليكن في عافية. و ان الذي يرزقكن مؤونتكن هو اللّه تعالى، و هو حي لا يموت‏[انظر الى النفس الملائكية في اهاب البشر الانساني‏] أرجو ان لا يضيعكنّ، و أن يحفظني فيكن» . ثم انصرف.

و باتت الاسرة اليائسة الولهى (كما يشاء معاوية) تخلط البكاء بالبكاء، و تصل الدعاء، بالدعاء، و كم لبنات قبيصة يومئذ من أمثال.

قال الطبرى: «و وقع قبيصة بن ضبيعة في يدي أبى شريف البدّي فقال له قبيصة: ان الشر بين قومي و بين قومك آمن فليقتلني سواك، فقال:

برّتك رحم!ثم قتله القضاعي!» .

أقول: و أيّ نفس قوية هذه التي تنتبه في مثل هذه اللحظة الى الحئول دون الشرّ بين القومين و الاحتياط على الاصلاح.

هـ-كدام بن حيان العنزي.

و-محرز بن شهاب بن بجير بن سفيان بن خالد بن منقر التميمي‏ (2)

____________

(1) الاصابة (ج 4 ص 294) .

(2) يراجع عما كتبناه في حجر و اصحابه: الدينوري و ابن الاثير و الطبرى و ابن أبي الحديد و الاستيعاب و النصائح الكافية و تاريخ الكوفة.

344

و كان من رؤساء الناس، و من نقاوة الشيعة المعروفين بتشيعهم، و كان محرز هذا على ميسرة جيش معقل بن قيس في حربه للخوارج سنة 43، و كان جيش معقل في هذه الحرب ثلاثة آلاف هم نقاوة الشيعة و فرسانهم على حد تعبير الطبرى فيما وصفهم به (ج 6 ص 108) .

***

2-عمرو بن الحمق الخزاعي:

هو ابن الكاهن بن حبيب بن عمرو بن القين بن ذراح بن عمرو بن سعد بن كعب بن عمرو بن ربيعة الخزاعي.

أسلم قبل الفتح، و هاجر الى المدينة، فكان الصحابيّ البر الذي حظى بدعوة النبي صلّى اللّه عليه و آله بأن يمتعه اللّه بشبابه، فمرت عليه ثمانون سنة و لم ير له شعرة بيضاء على صباحة في وجهه كانت تزيده بهاء.

و صحب بعده امير المؤمنين عليا عليه السلام، فكان الحواري المخلص الذي يقول له بحق: «ليت في جندي مائة مثلك» . و شهد معه الجمل و صفين و النهروان.

و دعا له امير المؤمنين بقوله: «اللهم نور قلبه بالتقى، و اهده الى صراطك المستقيم» . و قال له: «يا عمرو انك لمقتول بعدي، و ان رأسك لمنقول، و هو أول رأس ينقل في الاسلام. و الويل لقاتلك‏ (1) » .

قال ابن الاثير (ج 3 ص 183) : «و لما قدم زياد الكوفة قال له عمارة بن عقبة بن ابي معيط: ان عمرو بن الحمق يجمع إليه شيعة أبى تراب، فأرسل إليه زياد: ما هذه الجماعات عندك؟من أردت كلامه ففي المسجد (2) » .

____________

(1) سفينة البحار (ج 2 ص 360) .

(2) و ذكر الطبرى وشاية عمارة بن عقبة ثم قال: «و يقال ان الذي رفع على عمرو بن الحمق و قال له: قد انغل المصرين هو يزيد بن رويم» .

345

«ثم لم يزل عمرو[فيما يروي الطبري‏]خائفا مترقبا حتى كانت حادثة حجر بن عدي الكندي فأبلى فيها بلاء حسنا و ضربه رجل من الحمراء -شرطة زياد-يدعى بكر بن عبيد بعمود على رأسه فوقع و حملة الشيعة فخبئوه في دار رجل من الازد، ثم خرج فارا و صحبه الزعيم الآخر [رفاعة بن شداد]فيمما المدائن ثم ارتحلا حتى أتيا ارض الموصل فكمنا في جبل هناك، و استنكر عامل ذلك الرستاق شأنهما فسار إليهما بالخيل، فأما عمرو فلم يصل الموصل الاّ مريضا بالاستسقاء، و لم يكن عنده امتناع.

و اما رفاعة بن شداد-و كان شابا قويا-فوثب على فرس له جواد، و قال لعمرو: أقاتل عنك، قال: و ما ينفعني ان تقاتل، انج بنفسك ان استطعت.

فحمل عليهم فأفرجوا له، فخرج تنفر به فرسه، و خرجت الخيل في طلبه-و كان راميا-فأخذ لا يلحقه فارس الاّ رماه فجرحه او عفره فانصرفوا عنه. و سألوا عمرا: من أنت؟فقال: من ان تركتموه كان أسلم لكم، و ان قتلتموه كان أضرّ لكم!. فسألوه فأبى ان يخبرهم، فبعث به ابن أبى بلتعة، عامل الرستاق، الى عامل الموصل، و هو (عبد الرّحمن بن عبد اللّه بن عثمان الثقفي) ، فلما رأى عمرو بن الحمق عرفه، و كتب الى معاوية بخبره، فأمره معاوية بأن يطعنه تسع طعنات كما كان فعل بعثمان فطعن و مات بالاولى منهن أو الثانية» .

و خالف ابن كثير رواية الطبرى هذه، فقال: «ان اصحاب معاوية عثروا عليه في الغار ميتا، فحزّوا رأسه، و بعثوا به الى معاوية، و هو اول رأس طيف به في الاسلام. ثم بعث معاوية برأسه الى زوجته (آمنة بنت الشريد) و كانت في سجن معاوية[انظر الى أفظع الوان الارهاب‏]فألقي في حجرها، فوضعت كفها على جبينه، و لثمت فمه، و قالت: غيبتموه عني طويلا، ثم أهديتموه إليّ قتيلا، فأهلا به من هدية غير قالية و لا مقلية.

«ثم كان فيما كتب به الحسين عليه السلام الى معاوية: ا لست قاتل عمرو بن الحمق صاحب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله-العبد الصالح الذي أبلته العبادة-فأنحلت جسمه، و صفرت لونه، بعد ما أمنته و اعطيته

346

من عهود اللّه و مواتيقه ما لو أعطيته طائرا لنزل إليك من رأس الجبل، ثم قتلته جرأة على ربك و استخفافا بذلك العهد» .

اقول: هو يشير بذلك «العهد» الى نصوص المادة الخامسة في معاهدة الصلح.

و قال في سفينة البحار: «و قبره بظاهر الموصل، ابتدأ بعمارته أبو عبد اللّه سعيد بن حمدان، ابن عم سيف الدولة، في شعبان من سنة 336» .

و جاء في أصول التاريخ و الادب (ج 9 ص 2) :

«قال أبو الحسن علي بن أبي بكر الهروي في كتاب الزيارات:

و ظاهر الموصل على الشرف الاعلى مشهد عمرو بن الحمق، دفنت جنته، و رأسه حمل الى دمشق، و قيل هو أول رأس حمل في الاسلام، و في المشهد بعض الاشراف من ولد الحسين عليه السلام» .

***

3-عبد اللّه بن يحيى الحضرمي و اصحابه‏

عن محمد بن بحر الشيباني في كتابه «الفروق بين الاباطيل و الحقوق» فيما أسنده الى القاسم بن مجيمة: «ما وفى معاوية للحسن بن علي بشي‏ء عاهده عليه، و اني قرأت كتاب الحسن الى معاوية يعدد عليه ذنوبه إليه و الى شيعة علي عليه السلام فبدأ بذكر عبد اللّه بن يحي الحضرمي و من قتلهم معه‏ (1) » .

أقول: و لا نعرف الآن من أحوال الحضرمي و حادثة قتله وعدة اصحابه المستشهدين شيئا، و لكنا نعرف أن هذا الرجل كان من رجال أمير المؤمنين و أنه الذي قال له يوم الجمل: «ابشر يا ابن يحي أنت و أبوك» .

و علمنا فيما علل به بعضهم تقديم الحسن عليه السلام ذكر الحضرمي

____________

(1) البحار (ج 10 ص 101) .

347

على غيره ممن قتلهم معاوية من الشيعة، أن الحضرمي هذا كان أبعدهم عن الدنيا و أقربهم الى حياة الرهبنة التي لا توهم أي خطر على سياسة الملك.

قالوا: «و علم معاوية ما كان عليه ابن يحي و أصحابه من الحزن لوفاة علي أمير المؤمنين، و حبهم اياه، و افاضتهم في ذكره و فضله، فجاء بهم و ضرب أعناقهم صبرا. و من أنزل راهبا من صومعته فقتله بلا جناية منه الى قاتله أعجب ممن يخرج قسا من دير فيقتله، لأن صاحب الدير أقرب الى بسط اليد لتناول ما معه من صاحب الصومعة الذي هو بين السماء و الارض، فتقديم الحسن-فيما عدده على معاوية من الذنوب-العباد على العباد، و الزهاد على الزهاد، و مصابيح البلاد على مصابيح البلاد، لا يتعجب منه، بل يتعجب لو قدم في الذكر مقصرا على مخبت و مقتصدا على مجتهد (1) » .

و فاجعة (عبد اللّه بن يحي) أشبه بفاجعة حجر بن عدي، و كلاهما قتلا صبرا، و كلاهما قتل معهما أصحاب، و كلاهما أخذا بغير ذنب الا الذنب الذي هو عنوان فضيلتهما.

***

4-رشيد الهجرى‏ (2) .

تلميذ علي عليه السلام، و صاحبه المنقطع إليه، و العالم المعترف له بعلم البلايا و المنايا، يروى عنه ناس كثيرون، و لكنهم جميعا سكتوا عن اسمه خوف السلطان الاموي، فلم ترو عنه علنا الاّ ابنته الوحيدة التي كانت قد حضرت مقتله، و هي التي جمعت أطرافه-يديه و رجليه- و قد قطعها ابن سمية!.

قالت تسأله حين قطعت أطرافه: «يا أبت هل تجد ألما لما أصابك؟ فقال: «لا يا بنيتي الاّ كالزحام بين الناس!» .

____________

(1) البحار (ج 10 ص 102) .

(2) رشيد[بالتصغير]و هجرى (بفتح اوليه) نسبة الى بلاد الهجر-البحرين-.

348

أتي به الى زياد فقال له: «ما قال لك خليلك-يعني عليا عليه السلام- أنا فاعلون بك؟» ، قال: «تقطعون يدي و رجلي و تصلبونني» ، فقال زياد: «أما و اللّه لأكذبن حديثه، خلوا سبيله» . فلما أراد أن يخرج، قال: «ردوه، لا نجد لك شيئا أصلح مما قال صاحبك، انك لن تزال تبغي لنا سوءا ان بقيت، اقطعوا يديه و رجليه» ، فقطعوها و هو يتكلم!، فقال: «اصلبوه خنقا في عنقه» ، فقال رشيد: «قد بقي لي عندكم شي‏ء ما أراكم فعلتموه» ، فقال زياد: «اقطعوا لسانه» ، فلما أخرجوا لسانه قال: «نفّسوا عني حتى أتكلم كلمة واحدة» ، فنفسوا عنه فقال: «هذا و اللّه تصديق خبر أمير المؤمنين، أخبرني بقطع لساني» .

و أخرج من القصر مقطعا، فاجتمع الناس حوله، و مات من ليلته رضوان اللّه عليه.

قالت ابنته: «قلت لأبي: ما أشد اجتهادك!» ، قال: «يا بنية يأتي قوم بعدنا بصائرهم في دينهم أفضل من اجتهادنا» .

و قال لها: «يا بنيتي أميتي الحديث بالكتمان، و اجعلي القلب مسكن الامانة (1) » .

***

5-جويرية بن مسهر العبدي:

قال ابن أبى الحديد: «و نظر إليه علي عليه السلام يوما فناداه:

يا جويرية الحق بي فاني اذا رأيتك هويتك، ثم حدثه بأمور سرا، و في آخر ما حدثه قال: يا جويرية أحبّ حبيبنا ما أحبنا فاذا أبغضنا فابغضه، و ابغض بغيضنا ما أبغضنا فاذا أحبنا فأحبّه. و كان من اختصاصه بعلي عليه السلام ما روى انه دخل يوما عليه و هو عليه السلام مضطجع، و عنده قوم من أصحابه، فناداه جويرية: أيها النائم استيقظ فلتضربن على رأسك ضربة تخضب منها لحيتك. قال: فتبسم أمير المؤمنين عليه السلام، ثم

____________

(1) سفينة البحار (ج 1 ص 522) .

349

قال: و أحدثك يا جويرية بأمرك، أما و الذي نفسي بيده لتعتلنّ‏ (1) الى العتلّ الزنيم، فليقطعن يدك و رجلك و ليصلبنك تحت جذع كافر!قال:

فو اللّه ما مضت الايام على ذلك حتى أخذ زياد جويرية فقطع يده و رجله، و صلبه الى جانب جذع ابن معكبر، و كان جذعا طويلا، فسلبه على جذع قصير الى جانبه» .

أقول: و روى هذا الحديث أيضا حبة العرني رحمه اللّه. و زاد قوله:

«و كان زياد ابن أبيه ممن نصب العداوة لامير المؤمنين عليه السلام و كان يتتبع أصحاب علي و هو بهم أبصر فيقتلهم تحت كل حجر و مدر» .

***

6-أوفى بن حصن:

أحد فرائس الظلم الاموي. طلبه زياد فأبى مواجهته، و استعرض زياد الناس فمر به فقال: «من هذا؟» فقيل له: «أوفى بن حصن» ، فقال زياد: «أتتك بخائن رجلاه» ، و قال له: «ما رأيك في عثمان؟» قال: «ختن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم على ابنتيه» قال:

«فما تقول في معاوية؟» قال: «جواد حليم» .

و كان أوفى لبقا في لغته و أسلوبه فلم يجد عليه زياد ملزما.

و عاد عليه فقال له: «فما تقول فيّ؟» قال: «بلغني أنك قلت بالبصرة: و اللّه لآخذن البري‏ء بالسقيم و المقبل بالمدبر» ، قال: «قد قلت ذاك‏ (2) » قال: «خبطتها خبط عشواء!» .

أقول: و كان من لباقة هذا الرجل الحصيف أنه تدرج في أجوبته لزياد-كما ترى-الى طريقة حكيمة من الوعظ حاول بها تنبيهه الى أخطائه. و لا تنس أنه كان يقف من عدوه ساعتئذ بين النطع و السيف،

____________

(1) عتله: جذبه-و العتل: الجافي الغليظ-و الزنيم: الدعي.

(2) روى خطبته أكثر المؤرخين، و روينا هذا الفصل منها في هوامش الفصل الحادي عشر.

350

و من ذمنه بين الحق و الباطل. و هذا هو ما يزيدنا اعجابا بهؤلاء الابطال من تلامذة علي عليه السلام، و لكن شيئا من وعظه لم يجده نفعا سوى أن يقول زياد فيه: «ليس النفاخ بشر الزمرة» ثم أمر به فقتل‏ (1) » .

و لا ادري، و لا أظن زيادا نفسه يدري، بأي جريرة أخذ ابن حصن فأشاط بدمه و «كل المسلم على المسلم حرام دمه و عرضه و ماله» -كما في الحديث-؟.

و الرجل في أجوبته كلها كما رأيت لم يفضح سرا، و لم يهتك أمرا. و لكن الذي ناقض الكتاب صريحا فأخذ البري‏ء بالسقيم و المقبل بالمدبر خلافا لقوله تعالى: «و لا تزر وازرة وزر أخرى» لحري بأن لا يفهم لغة الحديث و لا لغة الكتاب.

و اعتصم بغلوائه فاذا الناس من حوله في أشد محن الدنيا: جماعات تساق الى السجون، و زرافات تطارد أينما تكون، و مئات تعرض عليه كل يوم لتسمل عيونهم، أو لتقطع أطرافهم، أو ليؤمر بهم فتحطم ضلوعهم‏ (2) .

و بين الكوفة و الشام فرائس أخرى ترزح بالاصفاد. و ما في الكوفة الاّ الارهاب المميت، و ما في الشام لهؤلاء الاّ الموت المرهوب.

و خشعت الكوفة التي كانت تفور-في أمسها القريب-بالمؤامرات و المعارضات خشوع الجناح الكسير، بما وسعها من مظالم الحكام الامويين.

و كان المتآمرون بالامس هم المتآمرين بالجور اليوم، و كانوا هم الحاكمين بأمرهم فيما يسنون أو فيما ينفذون، فما بالها لا ترتجف فرقا؟و ما بال أهلها لا يلوذون بالفرار هربا؟...

____________

(1) يراجع ابن الاثير (ج 3 ص 183) ، و الطبري (ج 6 ص 130-132) .

(2) جي‏ء الى زياد بعمير بن يزيد (من أصحاب حجر بن عدي) و قد أعطي الامان على دمه و ماله، فأمر به زياد فأوقر بالحديد، ثم أخذته الرجال ترفعه حتى اذا بلغ سورها-أعلى القامة-ألقوه فوقع على الارض ثم رفعوه ففعلوا به ذلك مرارا!الطبري (ج 6 ص 147) .

351

و خفي على معاوية و على ابن أبيه و رجال مدرسته أن الامعان بالعنف من أكبر الاسباب التي تغذي المثل الأعلى الذي يحاربه الحاكم العنيف، و ان العنف لن يستطيع ان يقتل الفكرة التي كتب لها الخلود، و لكنها ستظل نواة الشجرة التي ستسبق مع التاريخ.

و هكذا حييت مئات الملايين-بعد ذلك-و هي تشارك الكوفة في فكرتها، و تحمل لمعاوية و رجاله و ترها الذي لا تخلقه الايام.

التعذيب بغير القتل:

و كان للغارة الاموية ألوان أخرى غير القتل و التشريد و هدم البيوت و مصادرة الاموال و كم الافواه.

فقال ابن الاثير عند ذكره لفاجعة (أوفى بن حصن) : «و كان أول قتيل قتله زياد، بعد حادثة الثلاثين أو الثمانين الذين قطع أيديهم!!» .

و استبطن معاوية دخائل البصرة و الكوفة فلم يدع في هذين المصرين رئيس قوم، و لا صاحب سيف، و لا خطيبا مرهوبا، و لا شاعرا موهوبا من الشيعة، الا أزعجه عن مقره، فسجنه، أو غله، أو شرّده، أو أهدر دمه!.

و إليك فيما يلي أمثلة قليلة من هذه النكبات التي قارفها أبو يزيد في الشخصيات البارزة من رؤساء الشيعة يومئذ.

***

ب-زعماء الشيعة المروعون‏

1-عبد اللّه بن هاشم المرقال:

كان كبير قريش في البصرة، و رأس الشيعة فيها.

352

و كان أبوه هاشم-المرقال-بن عتبة بن أبى وقاص، القائد الجري‏ء المقدام الذي لقى منه معاوية في صفين الرعب المميت، و هو يومئذ على ميسرة علي عليه السلام.

كتب معاوية الى عامله زياد: «اما بعد، فانظر عبد اللّه بن هاشم ابن عتبة، فشدّ يده على عنقه، ثم ابعث به إليّ» .

فطرقه زياد في منزله ليلا، و حمله مقيدا مغلولا الى دمشق. فأدخل على معاوية، و عنده عمرو بن العاص، فقال معاوية لعمرو: «هل تعرف هذا؟» قال: «هذا الذي يقول أبوه يوم صفين... » و قرا رجزه و كان يحفظه ثم قال متمثلا:

«و قد ينبت المرعى على دمن الثرى # و تبقى حزازات النفوس كما هيا»

و استمر قائلا: «دونك يا أمير المؤمنين الضب المضب، فاشخب أوداجه على أثباجه، و لا ترده الى العراق، فانه لا يصبر على النفاق، و هم أهل غدر و شقاق و حزب ابليس ليوم هيجانه، و ان له هوى سيوديه، و رأيا سيطغيه، و بطانة ستقويه، و جزاء سيئة مثلها» .

و كان مثل هذا المحضر و مثل هذا التحامل على العراق و أهله هو شنشنة عمرو بن العاص المعروفة عنه، و لا نعرف أحدا وصف أهل العراق هذا الوصف العدو قبله.

أمّا ابن المرقال فلم يكن الرعديد الذي يغلق التهويل عليه قريحته، و هو الشبل الذي تنميه الاسود الضراغم-فقال، و توجه بكلامه الى ابن العاص: «يا عمرو!ان اقتل، فرجل أسلمه قومه، و أدركه يومه.

أ فلا كان هذا منك اذ تحيد عن القتال، و نحن ندعوك الى النزال، و أنت تلوذ بشمال النطاف‏ (1) ، و عقائق الرصاف‏ (2) ، كالأمة السوداء، و النعجة

____________

(1) أي بأشام الجانبين من الماء القليل.

(2) العقائق: سهام الاعتذار. كانوا يرمون بها نحو السماء-و الرصاف: الحجارة المرصوف بعضها على بعض في مسيل الماء، فكأنه يقول له: انك تلوذ في أرض صلبة عند ماء قليل ترمي بسهام الاعتذار.