مقاتل الطالبيين

- ابو الفرج الأصفهاني المزيد...
663 /
455

ثم دعا به المأمون فخاطبه في ذلك‏فامتنع، فقال له قولا شبيها بالتهدد، ثم قال له:

إن عمر جعل الشورى في ستة أحدهم جدك، و قال: من خالف فاضربوا عنقه، و لا بد من قبول ذلك.

فأجابه علي بن موسى إلى ما التمس.

ثم جلس المأمون في يوم الخميس، و خرج الفضل بن سهل فأعلم الناس برأي المأمون في علي بن موسى، و أنه ولاّه عهده، و سمّاه الرضا. و أمرهم بلبس الخضرة، و العود لبيعته في الخميس الآخر على أن يأخذوا رزق سنة.

فلما كان ذلك اليوم ركب الناس من‏القواد و القضاة و غيرهم من الناس في الخضرة، و جلس المأمون و وضع للرضا و سادتين عظيمتين حتى لحق بمجلسه و فرشه. و أجلس الرضا عليهما في الحضرة، و عليه عمامة و سيف. ثم أمر ابنه العباس بن المأمون فبايع له أول الناس، فرفع الرضا يده فتلقى بظهرها وجه نفسه و ببطنها وجوههم.

فقال له المأمون: ابسط يدك للبيعة.

فقال له: إن رسول اللّه (ص) هكذا كان يبايع، فبايعه الناس، و وضعت البدر، و قامت الخطباء و الشعراء، فجعلوا يذكرون فضل علي بن موسى و ما كان من المأمون في أمره.

ثم دعا أبو عبّاد بالعباس بن المأمون، فوثب، فدنا من أبيه فقبّل يده و أمره بالجلوس.

ثم نودي محمد بن جعفر بن محمد، فقال له الفضل بن سهل: قم. فقام، فمشى حتى قرب من المأمون و لم يقبل يده، ثم مضى فأخذ جائزته و ناداه المأمون:

ارجع يا أبا جعفر إلى مجلسك، فرجع.

ثم جعل أبو عبّاد يدعو بعلويّ و عباسيّ فيقبضان جوائزهما حتى نفدت الأموال.

ثم قال المأمون للرضا: قم فاخطب الناس و تكلم فيهم.

فقال بعد حمد اللّه و الثناء عليه:

إن لنا عليكم حقا برسول اللّه (ص) ، و لكم علينا حق به، فإذا أديتم إلينا

456

ذلك وجب علينا الحق لكم.

و لم يذكر عنه غير هذا في ذلك المجلس.

و أمر المأمون فضربت له الدراهم و طبع عليها اسمه.

و زوج إسحاق بن موسى بن جعفر بنت عمه إسحاق بن جعفر بن محمد، و أمره أن يحج بالناس، و خطب للرضا في كل بلدبولاية العهد.

فحدثني أحمد بن محمد بن سعيد، قال: حدثنا يحيى بن الحسن [العلوي‏]، قال: حدثني من سمع عبد الجبار بن سعيد يخطب تلك السنة على منبر رسول اللّه بالمدينة فقال في الدعاء له:

اللهم و أصلح ولي عهد المسلمين، علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي، عليهم السلام:

ستة آباء هم ما هم # هم خير من يشرب صوب الغمام‏ (1)

حدثني الحسن بن الطبيب البلخي، قال: حدثني محمد بن أبي عمر العدني، قال: سمعت عبد الجبار يخطب، فذكر مثله.

رجع الحديث إلى نظام خبر علي بن موسى.

قال: و زوج المأمون ابنته أم الفضل محمد بن علي بن موسى على حلكة لونه و سواده، و نقلها إليه فلم تزل عنده‏ (2) .

و اعتل الرضا علته التي مات فيها (3) ، و كان قبل ذلك يذكر ابني سهل عند المأمون فيزري عليهما، و ينهى المأمون عنهما، و يذكر له مساوئهما (4) .

و رآه يوما يتوضأ للصلاة و الغلام يصب على يده الماء فقال: يا أمير المؤمنين،

____________

(1) البيت للنابغة كما في الشعر و الشعراء 1/109 و خزانة الأدب 2/118 و فيهما «من يشرب صفو المدام» .

(2) راجع قصة زواجه و خطبته التي خطبها لنفسه عند قرانه في كتاب الإرشاد 291-296 و الطبري 10/251.

(3) مروج الذهب 2/235.

(4) في الإرشاد 288 «فعرفا ذلك منه، فجعلا يحطان عليه عند المأمون و يذكران له عنه ما يبعده منه و يخوفانه من حمل الناس عليه، فلم يزالا كذلك حتى قلبا رأيه فيه، و عمل على قتله.... » .

457

لا تشرك بعبادة ربك أحدا (1) .

فجعل المأمون يدخل إليه، فلما ثقل تعالل المأمون و أظهر أنهما أكلا عنده جميعا طعاما ضارا فمرضا، و لم يزل الرضا عليلا حتى مات.

و اختلف في أمر وفاته، و كيف كان سبب السم الذي سقيه.

فذكر محمد بن علي بن حمزة أن منصور بن بشير ذكر عن أخيه عبد اللّه بن بشير:

أن المأمون أمره أن يطوّل أظفاره ففعل، ثم أخرج إليه شيئا يشبه التمر الهندي، و قال له: افركه و اعجنه بيديك جميعا، ففعل.

ثم دخل على الرضا فقال له: ما خبرك؟ قال: أرجو أن أكون صالحا.

فقال له: هل جاءك أحد من المترفّقين اليوم؟.

قال: لا، فغضب و صاح على غلمانه، و قال له: فخذ ماء الرمان اليوم فإنه ما لا يستغنى عنه. ثم دعا برمان فأعطاه عبد اللّه بن بشير و قال له: اعصر ماءه بيدك، ففعل و سقاه المأمون الرضا بيده فشربه، فكان ذلك سبب وفاته، و لم يلبث إلاّ يومين حتى مات.

قال محمد بن علي بن حمزة، و يحيى: فبلغني عن أبي الصلت الهروي:

أنه دخل على الرضا بعد ذلك فقال له: يا أبا الصلت قد فعلوها: «أي قد سقوني السم» . [و جعل يوحد اللّه و يمجده‏] (2) .

قال محمد بن علي: و سمعت محمد بن الجهم يقول:

إن الرضا كان يعجبه العنب، فأخذ له عنب و جعل في موضع أقماعه الإبر، فتركت أياما فأكل منه في علته فقتله، و ذكر أن ذلك من لطيف السموم.

و لما توفي الرضا لم يظهر المأمون موته في وقته، و تركه يوما و ليلة، ثم وجه إلى

____________

(1) في الإرشاد ص 287 «و كان الرضا يكثر وعظ المأمون إذا خلا به و يخوفه اللّه و يقبح له ما يرتكب من خلافه، فكان المأمون يظهر قبول ذلك منه و يبطن كراهته و استثقاله. و دخل الرضا يوما عليه فرآه يتوضأ للصلاة و الغلام يصب على يديه الماء فقال: لا تشرك يا أمير المؤمنين بعبادة ربك أحدا، فصرف المأمون الغلام و تولى تمام وضوئه بنفسه، و زاد ذلك في غيظه و وجده» .

(2) الزيادة من الإرشاد 288.

458

محمد بن جعفر بن محمد، و جماعة من آل أبي طالب. فلما أحضرهم و أراهم إيّاه صحيح الجسد لا أثر به، ثم بكى و قال: عزّ عليّ يا أخي أن أراك في هذه الحالة، و قد كنت أؤمل أن أقدّم قبلك، فأبى اللّه إلاّ ما أراد. و أظهر جزعا شديدا و حزنا كثيرا.

و خرج مع جنازته يحملها حتى أتى الموضع الذي هو مدفون فيه الآن، فدفنه هناك إلى جانب هارون الرشيد (1) .

و قال أشجع بن عمرو السلمي‏ (2) يرثيه، هكذا أنشدنيها علي بن الحسين بن علي بن حمزة، عن عمّه، و ذكر أنها لمّا شاعت غيّر أشجع ألفاظها فجعلها في الرشيد:

يا صاحب العيس يحدي في أزمّتها # اسمع و أسمع غدا يا صاحب العيس

اقرأ السلام على قبر بطوس و لا # تقرأ السلام و لا النعمى على طوس

فقد أصاب قلوب المسلمين بها # روع و أفرخ فيها روع ابليس

و أخلست واحد الدنيا و سيدها # فأيّ مختلس منا و مخلوس

و لو بدا الموت حتى يستدير به # لاقى وجوه رجال دونه شوس

بؤسا لطوس فما كانت منازله # مما تخوفه الأيام بالبوس

معرّس حيث لا تعريس ملتبس # يا طول ذلك من نأى و تعريس

إن المنايا أنالته مخالبها # و دونه عسكر جمّ الكراديس

أوفى عليه الرّدى في خيس أشبله # و الموت يلقى أبا الأشبال في الخيس

ما زال مقتبسا من نور والده # إلى النبي ضياء غير مقبوس

في منبت نهضت فيه فروعهم # بباسق في بطاح الملك مغروس

و الفرع لا يرتقى إلاّ على ثقة # من القواعد و الدنيا بتأسيس‏

____________

(1) في زهر الآداب 1/133 «و مات علي بن موسى في حياة المأمون بطوس، فشق قبر الرشيد و دفن فيه تبركا، و لذلك قال دعبل بن علي الخزاعي:

اربع بطوس على قبر الزكي بها # إن كنت تربع من دين على وطر

ما ينفع الرجس من قرب الزكي و لا # على الزكي بقرب الرجس من ضرر

هيهات كل امرئ رهن بما كسبت # له يداه فخذ من ذاك أو فذر

قبران في طوس خير الناس كلهم # و قبر شرهم هذا من العبر.

(2) ترجم له أبو الفرج في الأغاني 17/30-51.

459

لا يوم أولى بتخريق الجيوب و لا # لطم الخدود و لا جدع المعاطيس

من يوم طوس الذي نادت بروعته # لنا النعاة و أفواه القراطيس‏ (1)

حقا بأن الرضا أودى الزمان به # ما يطلب الموت إلاّ كلّ منفوس

ذا اللحظتين و ذا اليومين مفترش # رمسا كآخر في يومين مرموس

بمطلع الشمس وافته منيّته # ما كان يوم الردى عنه بمحبوس

يا نازلا جدثا في غير منزله # و يا فريسة يوم غير مفروس

لبست ثوب البلى أعزز عليّ به # لبسا جديدا و ثوبا غير ملبوس

صلّى عليك الذي قد كنت تعبده # تحت الهواجر في تلك الأماليس

لولا مناقضة الدنيا محاسنها # لما تقايسها أهل المقاييس

أحلّك اللّه دارا غير زائلة # في منزل برسول اللّه مأنوس‏

قال أبو الفرج:

هذه القصيدة ذكر محمد بن علي بن حمزة أنها في علي بن موسى الرضا.

قال أبو الفرج:

و أنشدني علي بن سليمان الأخفش‏ (2) لدعبل بن علي الخزاعي‏ (3) يذكر الرضا و السم الذي سقيه، و يرثي ابنا له، و ينعى على الخلفاء من بني العباس:

على الكره ما فارقت أحمد و انطوى # عليه بناء جندل و رزين‏ (4)

و أسكنته بيتا خسيسا متاعه # و إني على رغمي به لضنين

و لولا التأسي بالنبيّ و أهله # لأسبل من عيني عليه شؤون

هو النفس إلاّ أن آل محمد # لهم دون نفسي في الفؤاد كمين

أضرّ بهم إرث النبيّ فأصبحوا # يساهم فيه ميتة و منون

دعتهم ذئاب من أميّة و انتحت # عليهم دراكا أزمة و سنون‏

____________

(1) في ط و ق «ثارت بروعته لنا البغاة» .

(2) قدم الأخفش مصر سنة سبع و ثمانين و مائتين و خرج إلى حلب سنة ثلثمائة، و كان الأخفش معسرا، انتهت به الحال إلى أن أكل الثلجم الني، فقبض على قلبه فمات فجأة ببغداد في شعبان سنة خمس عشرة و ثلاثمائة.

راجع بغية الوعاة 238.

(3) راجع دخول دعبل على الرضا في الأغاني 18/42.

(4) في ط و ق «جندل و دفين» .

460

و عاثت بنو العباس في الدين عيثة # تحكّم فيه ظالم و ظنين

و سمّوا رشيدا ليس فيهم لرشده # و ها ذاك مأمون و ذاك أمين

فما قبلت بالرشد منهم رعاية # و لا لوليّ بالأمانة دين

رشيدهم غاو و طفلاه بعده # لهذا رزايا دون ذاك مجون‏ (1)

ألا أيها القبر الغريب محلّه # بطوس عليك السّاريات هتون

شككت فما أدري أمسقى بشربة # فأبكيك أم ريب الردى فيهون؟

و أيهما ما قلت إن قلت شربة # و إن قلت موت إنه لقمين

أيا عجبا منهم يسمّونك الرضا # و يلقاك منهم كلحة و غضون

أتعجب للأجلاف أن يتخيفوا # معالم دين اللّه و هو مبين

لقد سبقت فيهم بفضلك آية # لديّ و لكن ما هناك يقين‏

هذا آخر خبر عليّ بن موسى الرضا (2) .

أخبرنا أبو الفرج قال: حدثنا الحسن بن علي الخفاف، قال: حدثنا أبو الصلت الهروي، قال:

دخل المأمون إلى الرضا يعوده فوجده يجود بنفسه فبكى و قال: أعزز عليّ يا أخي بأن أعيش ليومك، و قد كان في بقائك أمل، و أغلظ عليّ من ذلك و أشد أن الناس يقولون: إني سقيتك سما، و أنا إلى اللّه من ذلك بري‏ء.

فقال له الرضا: صدقت يا أمير المؤمنين، أنت و اللّه بري‏ء.

ثم خرج المأمون من عنده، و مات الرضا، فحضره المأمون قبل أن يحفر قبره و أمر أن يحفر إلى جانب أبيه، ثم أقبل علينا فقال: حدثني صاحب هذا النعش أنه يحفر له قبر فيظهر فيه ماء و سمك، احفروا، فحفروا فلما انتهوا إلى اللحد نبع ماء و ظهر فيه سمك، ثم غاض الماء، فدفن فيه الرضا عليه السلام.

____________

(1) في ط و ق «لهذا دنا باد و ذاك» .

(2) من هنا إلى آخر الترجمة غير موجود في الخطية.

461

56-محمد بن عبد اللّه بن الحسن‏

و محمد بن عبد اللّه بن الحسن بن علي بن علي ابن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام و يكنى أبا جعفر. و هو ابن الأفطس‏ (1) الذي ذكرنا خبر قتل أبيه في أيام الرشيد (2) .

و أمه زينب بنت موسى بن عمر بن علي بن الحسين.

أخبرنا علي بن الحسن بن علي بن حمزة العلوي، قال: أخبرني عمي محمد بن علي قال: أخبرني إبراهيم بن أبي محمد البريدي، قال:

كنا عند المعتصم و هو ولي عهد في أيام المأمون، فأخذ عمود حديد ثقيل فشاله ثم قصر به ثماني قصرات، ثم طرحه من يده إلى العباس بن علي بن ريطة فقصر به، سبعا، ثم طرحه و فيه فضل، فالتفت المعتصم إلى محمد بن عبد اللّه بن الأفطس فقال له: أما أنتم يا أبا جعفر فليس عندكم من هذا شي‏ء.

فقال له: إليّ تقول هذا؟هاته، فطرحه إليه، فقال هاها و هو يجيله و يقلبه حتى قصر به ست عشرة مرة، و وجه المعتصم يتغير صفرة و حمرة.

و كان قد كلم المأمون في أمره فقلّده البصرة، فلما طرحه من يده قال له:

و دعني و أخرج إلى عملك، ففعل، فلما خرج من عنده أتبعه بشربة مسمومة و قال له: أحبّ أن تشرب هذا الشراب فإني ذكرتك و أحببت أن تشربه وقت وصوله، فشربه فمات من وقته.

____________

(1) راجع مروج الذهب 2/234.

(2) راجع صفحة 492-494.

462

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

463

ذكر أيام المعتصم‏

و من ظهر فيها

464

57-محمد (1) بن القاسم بن علي‏

و محمد بن القاسم بن علي بن عمر (2) بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب

____________

(1) انفردت الخطية بترجمة موجزة قبل هذه الترجمة، و هي:

(محمد بن القاسم بن علي بن عمر بن علي بن الحسين بن علي) و أمه صفية بنت موسى بن عمر بن علي بن الحسين بن علي، خرج في أيام المعتصم بالطالقان فأخذه عبد اللّه بن طاهر و بعث به إلى المعتصم بعد وقعة كانت بينه و بينه انهزم منها و استتر بنيسابور مدة طويلة فأدخل مقيدا عليه جبة صوف معادله رجل من أصحاب عبد اللّه بن طاهر إلى سر من رأى يوم نيروز و المعتصم يشرب و بين يديه الفراغنة يلعبون فلم يزل واقفا و الناس ينظرون إليه حتى فرغ الفراغنة من لعبهم ثم أمر به فحبس في يدي مسرور في محبس في البير فكاد أن يتلف فأمر بإخراجه و حبس في قبة في بستان موسى فلم يزل محبوسا فيها.

ثم إنه طلب من الموكلين به سعفة و قال لهم: أريد أن أطرد بها فئرا قد آذينني يأكلن ما يحمل إليّ فأتوه بها فطلب مقراضا ليقص به أظفاره فاشترى له فجعل يقطع لبدا كانت تحته حتى صيره مثل السيور ثم فتل منه حبلا و قطع سعفه قطعا و شدها في ذلك الحبل ثم رمى بها إلى روزنة كانت في البيت فاعترض فيها و تسلق عليه حتى علا السطح ليلة فطر في سنة تسع عشرة و مائتين و قد مضى الموكلون به إلى منازلهم للعيد فلم يبق إلاّ شيخ واحد فنزل محمد بن القاسم إلى البستان و فيه جماعة من الجند فقالوا له من أنت؟فقال: بعض هؤلاء المرتبين الذين يقيمون بالحمام. فقال له: نم مكانك حتى تصبح ثم تمضي لا يلحقك العسس، فنام بين الجند ثم خرج من غد حتى وافى دجلة يريد العبور في زورق إلى الجانب الغربي فصادف الشيخ الذي كان موكلا به في الزورق فعرفه محمد و لم يعرفه الشيخ لأنه كان بينه و بينه باب لا يراه فلما أراد الخروج طالبه الملاح بأجرته فحلف له أنه لا شي‏ء معه فأعطاه الشيخ الذي كان موكلا به أجرته و مضى فاستتر مدة المعتصم و الواثق ثم وجد في أيام المتوكل فحمل إليه حتى مات في مجلسه. و يقال إنه كان سقى سما فمات منه، و إنما ذكرنا خبره في أيام المعتصم لأن خروجه كان فيها و كان محمد يذهب مذهب المعتزلة.

فحدثني أحمد بن سعيد قال حدثني عبيد بن حمدون قال سمعت عباد بن يعقوب يقول: كنت أنا و يحيى بن الحسن بن الفرات الحريري مع محمد بن القاسم في زورق نريد الرقة و معنا جماعة من هذه الطبقة فظهرنا من مذهبه على شي‏ء من الاعتزال فخرجنا و تركناه فجعل يبكي و يسألنا الرجوع فما كلمه منا أحد» .

(2) قال الطبري في أحداث سنة تسع عشرة و مائتين: «فمن ذلك ما كان من ظهور محمد بن القاسم بن عمر بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب بالطالقان من خراسان يدعو إلى الرضا من آل محمد (ص) ، فاجتمع إليه بها ناس كثير، و كانت بينه و بين قواد عبد اللّه بن طاهر وقعات بناحية الطالقان و جبالها فهزم هو و أصحابه، فخرج هاربا يريد بعض كور خراسان، كان أهله كاتبوه فلما صار بنسا، و بها والد لبعض من معه، مضى الرجل الذي معه من نسا إلى والده ليسلم عليه، فلما لقى أباه سأله عن الخبر فأخبره بأمرهم و أنهم يقصدون كورة كذا، فمضى أبو ذلك الرجل إلى عامل نسا فأخبره بأمر محمد بن القاسم، فذكر أن العامل بذل عشرة آلاف درهم على دلالته عليه، فدله عليه، فجاء العامل إلى محمد بن القاسم فأخذه و استوثق منه، و بعث به إلى عبد اللّه بن طاهر، فبعث به عبد اللّه بن طاهر إلى المعتصم، فقدم به على يوم الاثنين لأربع عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الآخر، فحبس فيما ذكر بسامرا عند مسرور الخادم الكبير في-

465

و أمه صفية بنت موسى بن عمر بن علي بن الحسين.

و يكنى أبا جعفر.

و كانت العامة تلقبه الصوفي؛ لأنه كان يدمن لبس الثياب من الصوف الأبيض.

و كان من أهل العلم و الفقه و الدين و الزهد و حسن المذهب.

و كان يذهب إلى القول بالعدل و التوحيد، و يرى رأي الزيدية الجارودية (1) .

خرج في أيام المعتصم بالطّالقان، فأخذه عبد اللّه بن طاهر، و وجه به إلى المعتصم، بعد وقائع كانت بينه و بينه‏ (2) .

أخبرني بخبره أحمد بن عبيد اللّه بن عمار، عن محمد بن الأزهر، و نسخت شيئا من أخباره من كتاب أحمد بن الحارث الخرّاز، و حدثني بخبره مشروحا جعفر بن أحمد بن أبي مندل الوراق الكوفي، قال: حدثني عبيد اللّه بن حمدون؛ قال: حدثني إبراهيم بن عبد اللّه العطار، و كان مع أبي جعفر محمد بن القاسم بالطالقان‏ (3) . و في أحوال تنقله بخراسان، قال:

نزل بمرو (4) ، و كنا معه من الكوفيين بضعة عشر رجلا، و كان قبل ذلك قد خرج إلى ناحية الرّقة[و إلى ناحية الروز]، و معه جماعة من وجوه الزيدية، منهم:

يحيى بن الحسن بن الفرات الفراز، و عبّاد بن يعقوب الرواجني‏ (5) ، فسمعوه يتكلم مع أحدهم بشي‏ء من مذهب المعتزلة فتفرق الكوفيون جميعا عنه، و بقينا معه

____________

ق-محبس ضيق يكون قدر ثلاثة أذرع في ذراعين، فمكث فيه ثلاثة أيام، ثم حول إلى موضع أوسع من ذلك، و أجرى عليه طعام و وكل به قوم يحفظونه، فلما كان ليلة الفطر و اشتغل الناس بالعيد و التهنئة، احتال للخروج، ذكر أنه هرب من الحبس بالليل، و أنه دلى إليه حبل من كوة كانت في أعلى البيت يدخل عليه منها الضوء. فلما أصبحوا أتوا بالطعام للغداء فقعد. فذكر أنه جعل لمن دل عليه مائة ألف درهم، و صاح بذلك الصائح، فلم يعرف له خبر» .

(1) أتباع أبي الجارود زياد بن المنذر العبدي، و قد زعموا أن النبي (ص) نص على إمامة علي بالوصف دون الاسم، و زعموا أيضا أن الصحابة كفروا بتركهم بيعة علي، و إنما قيل لهم و للبترية التي سبقت الإشارة إليها ص 468 زيدية لقولهم بإمامة زيد بن علي بن الحسن بن علي بن أبي طالب في وقته. راجع الفرق بين الفرق ص 22 و الملل و النحل 1/212.

(2) راجع مروج الذهب 2/246 و ابن الأثير 6/262-263، و البداية و النهاية 10/282.

(3) معجم البلدان 6/7-9.

(4) معجم البلدان 8/33-38.

(5) مات الرواجني سنة خمسين و مائتين.

466

بضعة عشر رجلا، فتفرقنا في الناس ندعوهم إليه، فلم نلبث إلاّ يسيرا حتى استجاب له أربعون ألفا، و أخذنا عليهم البيعة، و كنا أنزلناه في رستاق من رساتيق مرو، و أهله شيعة كلهم، فأحلوه في قلعة لا يبلغها الطير، في جبل حريز فلما اجتمع أمره وعدهم لليلة بعينها، فاجتمعوا إليه و نزل من القلعة إليهم، فبينا نحن عنده إذ سمع بكاء رجل و استغاثته، فقال لي: يا إبراهيم قم فانظر ما هذا البكاء. فأتيت الموضع فوقفت فيه فاستقربت البكاء حتى انتهيت‏إلى رجل حائك، قد أخذ منه رجل من أصحابنا ممن بايعنا لبدا، و هو متعلق به، فقلت: ما هذا و ما شأنك؟.

فقال: أخذ صاحبكم هذا لبدي.

فقلت: اردد عليه لبده فقد سمع أبو جعفر بكاءه.

فقال لي الرجل: إنما خرجنا معكم لنكتسب و ننتفع و نأخذ ما نحتاج إليه، فلم أزل أرفق به حتى أخذت منه اللبد ورددته إلى صاحبه، و رجعت إلى محمد بن القاسم فأخبرته بخبره و أني قد انتزعت منه اللبد و رددته على صاحبه، فقال: يا إبراهيم، أبمثل هذا يصر دين اللّه؟ثم قال لنا: فرّقوا الناس عني حتى أرى رأيي.

فخرجنا إلى الناس فقلنا لهم: إن صورة الأمرقد أوجبت أن تتفرقوا في هذا الوقت، فتفرقوا.

و رحل محمد بن القاسم من وقته إلى الطالقان، و بينها و بين مرو أربعون فرسخا، فنزلها، و تفرقنا ندعو الناس فاجتمع عليه عالم، و جئنا إليه فقلنا له: إن أتممت على أمرك، و خرجت فنابذت القوم رجونا أن ينصرك اللّه، فإذا ظفرت اخترت حينئذ من ترضاه من جندك، و إن فعلت كما فعلت بمرو، أخذ عبد اللّه بن طاهر بعقبك، فأصلح من إسلامك إيّانا و نفسك إليه، أن تجلس في بيتك و يسعك ما يسع سائر أهل بيتك. فأتم عزمه و خرج في الناس.

و بلغ خبره عبد اللّه بن طاهر فوجه إليه رجلا يقال له: الحسين بن نوح، و كان صاحب شرطته، فلقيناه و قاتلناه فهزمناه هزيمة قبيحة، و لما اتصل خبره بعبد اللّه قامت قيامته فجرد قائدا من أصحابه يقال له نوح بن حبان بن جبلة، أو قال حبان بن نوح بن جبلة، فلقيناه فهزمناه أقبح من هزيمتنا للحسين بن نوح، و انحاز إلى بعض النواحي و لم يرجع إلى عبد اللّه بن طاهر، و كتب إليه يعتذر و يحلف أنه لا يرجع إلاّ أن يظفر أو يقتل. فأمدّه عبد اللّه بن طاهر بجيش آخر ضخم، فسار

467

إليه متمهلا و نازله، و كمن لنا كمناء في عدة مواضع، فلما التقينا قاتلنا ساعة ثم انهزم متطاردا لنا فاتبعه أصحابنا، فلما تفرقنا في طلبه خرجت الكمناء على أصحابنا من كل وجه فانهزمنا، و أفلت محمد بن القاسم و صار إلى نسا (1) مستترا، و ثبتنا في النواحي ندعو إليه.

و قال أبو الأزهر في خبره: حدثني علي بن محمد الأزدي، قال: حدثني إبراهيم بن غسان بن الفرج العودي، صاحب عبد اللّه بن طاهر، قال:

دعاني الأمير عبد اللّه بن طاهر يوما فدخلت عليه فوجدته قاعدا و إلى جانبه كرسي عليه كتاب مختوم غير معنون، و يده في لحيته يخللها، و كان ذلك من فعله دليلا على غضبه، فتعوذت باللّه من شره، و دنوت إليه فقال لي: يا إبراهيم، احذر أن تخالف أمري فتسلطني على نفسك فلا أبقي لك باقية.

قلت: أعوذ باللّه أن أحتاج في طاعتك إلى هذا الوعيد، و أن أتعرض لسخطك.

قال: قد جرّدت لك ألف فارس من نخبة عسكري، و أمرت أن يحمل معك مائة ألف درهم تصرفها فيما تحتاج إلى صرفها فيه من أمورك، فاضرب الساعة بالطبل و البوق فإنهم يتبعونك، فاخرج و اركض، و خذ من خاص خيلي ثلاثة أفراس تجنب معك تنتقل عليها، و خذ بين يديك دليلا قد رسمته لصحبتك، فادفع إليه من المال ألف درهم، و احمله على فرس من الثلاثة فليركض بين يديك، فإذا صرت على فرسخ واحد من نسا، فافضض الكتاب و اقرأه، و اعمل بما فيه، و لا تغادر منه حرفا، و لا تخالف مما رسمته شيئا، و اعلم أن لي عينا في جملة من صحبك يخبرني بأنفاسك، فاحذر ثم احذر، ثم احذر و أنت أعلم.

قال إبراهيم بن غسان: فخرجت و ضربت بالطبل، و وافاني الفرسان جميعا بشادياج و هو موضع قصور آل طاهر، و عبد اللّه يشرف من شرف علينا، فعبأت أصحابي و دفعت فرسي أركضه، و يتبعوني نسير خببا حينا و تقريبا حينا حتى صرنا في اليوم الثالث إلى نسا، على فرسخ منها ففضضت الكتاب فقرأته فإذا فيه:

____________

(1) نسا: مدينة بخراسان، و كان سبب تسميتها بهذا الاسم أن المسلمين لما وردوا خراسان قصدوها فبلغ أهلها فهربوا، و لم يتخلف غير النساء، فلما أتاها المسلمون لم يروا بها رجلا، فقالوا هؤلاء نساء، و النساء لا يقاتلن فننسئ أمرها الآن إلى أن يعود رجالهن، فتركوها و مضوا فسموا بذلك نسا، و النسبة الصحيحة إليها نسائي، راجع معجم البلدان 8/282-283.

468

سر على بركة اللّه و عونه، فإذا كنت على فرسخ فعبئ أصحابك تعبئة الحرب، و ادخل نسا، و أنفذ قائدا من قوادك في ثلثمائة يأخذ على أصحاب البريد داره فيحدق بها هو و أصحابه، و أنفذ قائدا في خمسمائة فارس إلى باب عاملها، تحرزا من وقوع حيلة ببيعة وقعت في أعناقهم لمحمد بن القاسم، و سر في باقي أصحابك إلى محلة كذا و كذا، و درب كذا و كذا، دار فلان بن فلان، و ادخل الدار الأولى، ثم أنفذ فيها إلى دار ثانية، فإذا دخلتها فانفذ منها إلى دار ثالثة، فإذا دخلتها فارق على درجة فيها على يمينك، فإنك تصير إلى غرفة فيها محمد بن القاسم العلوي الصوفي، و معه رجل من أصحابه يقال له: أبو تراب، فاستوثق منهما بالحديد استيثاقا شديدا، و أنفذ إليّ خاتمك مع خاتم محمد بن القاسم، لأعلم ظفرك به قبل كتابك، و أنفذ الخاتمين مع الرسول، و مره فليركض بهما ركضا حتى يصير إليّ في اليوم الثالث إن شاء اللّه، ثم اكتب إليّ بعد ذلك بشرح خبرك، و كن على غاية التحرز و التحفظ و التيقظ في أمره حتى تصير به و صاحبه إلى حضرتي.

قال إبراهيم:

فما رأيت خبرا كان كأنه وحي مثله، فصرت إلى الموضع فامتثلت أمره، فوجدت محمدا على رأس الدرجة، متلثما بعمامة و قد شدّ له على بغل أسفل الدرجة، و هو يريد الرحيل إلى خوارزم، فقبضت عليه، فقال: ما شأنك و من تريد؟.

قلت: محمد بن القاسم.

قال: فأنا محمد بن القاسم.

قلت هات خاتمك، فأعطاني خاتمه، فأنفذته مع خاتمي إلى عبد اللّه بن طاهر مع رجل دفعت إليه فرسا من تلك الخيل يركبه، و جنيبة يجنبها مخافة أن يعثر فرسه، و أمرت بعض أصحابي بدخول الغرفة، فقال لي: ما تريد من دخول الغرفة و قد أخذتني و ليس هناك أحد؟فلم ألتفت إليه، و أمرت أصحابي فدخلوا الغرفة ففتشوها فوجدوا أبا تراب تحت نقير، و النقير شبيه بالحوض من خشب يعجن فيه الدقيق و يعصر فيه العنب، فأخذتهما و استوثقت منهما بالقيود الثقال، و كتبت إلى عبد اللّه بن طاهر بخبرهما، و سرت إلى نيسابورستة أيام، فصيرت محمد بن القاسم في بيت في داري، و وكلت به من أثق به من أصحابي، و وكلت بأبي تراب عبد الشعراني، فوضع محمد كساءه و قام يصلي، و عبد اللّه يشرف من غرفة في‏

469

الشادياج علينا، فلما فرغت من الاحتياط صرت إلى عبد اللّه بن طاهر فأخبرته الخبر و قصصته عليه شفاها، فقال لي: لا بد من أن أنظر إليه، فصار إليّ مع المغرب و عليه قميص و سراويل و نعل و رداء، و هو متنكر، فلما نظر إلى محمد بن القاسم و ثقل الحديد عليه قال لي:

ويلك يا إبراهيم، أما خفت اللّه في فعلك؟أتقيد هذا الرجل الصالح بمثل هذا القيد الثقيل؟ فقلت أيها الأمير خوفك أنساني خوف اللّه، و وعدك الذي قدّمته إليّ أذهل عقلي عمّا سواه.

فقال لي: خفف هذا الحديد كلّه عنه، و قيده بقيد خفيف في حلقته رطل بالنيسابوري-و وزن الرطل النيسابوري مائتا درهم-و ليكن عموده طويلا، و حلقتاه واسعتين ليخطو فيه، و مضى و تركه.

فأقام بنيسابور ثلاثة أشهر يريد بذلك أن يعمي خبره على الناس كيلا يغلب عليه لكثرة من بايعه بكور خراسان.

و كان عبد اللّه يخرج من إصطبله بغالا عليها القباب ليوهم الناس أنه قد أخرجه، ثم يردها حتى استتر بنيسابور سلّه في جوف الليل و خرج به مع إبراهيم بن غسان الذي أسره من نسا و وافى به الرّي، و قد أمره عبد اللّه بن طاهر أن يفعل به كما فعل هو، يخرج في كل ثلاث ليال و معه بغل عليه قبّة و معه جيش حتى يجوز الري بفراسخ، ثم يعود، إلى أن يمكنه سلّه في ليلة مظلمة، ففعل ذلك خوفا من أن يغلب عليه لكثرة من أجابه، حتى أخرجه من الري، و لم يعلم به أحد، ثم اتبعه حتى أورده بغداد على المعتصم.

قال إبراهيم بن غسان:

فعرضوا على محمد بن القاسم كل شي‏ء نفيس من مال و جوهر و غير ذلك، فلم يقبل إلاّ مصحفا جامعا[كان‏]لعبد اللّه بن طاهر، فلما قبله سر عبد اللّه بذلك و إنما قبله لأنه كان يدرس فيه.

قال: و ما رأيت قط أشدّ اجتهادا منه، و لا أعف و لا أكثر ذكر اللّه عزّ و جلّ مع شدة نفس، و اجتماع قلب، ما ظهر منه جزع و لا انكسار، و لا خضوع في الشدائد التي مرّت به، و أنهم ما رأوه قط مازحا و لا هازلا و لا ضاحكا إلاّ مرة

470

واحدة، فإنهم لما انحدروا من عقبة حلوان أراد الرّكوب، فجاء بعض أصحاب إبراهيم بن غسان فطأطأ له ظهره، حتى ركب في المحمل على البغل، فلما استوى على المحمل قال للذي حمله على ظهره مازحا: أتأخذ أرزاق بني العباس و تخدم بني علي بن أبي طالب!و تبسم، و كان يقال للرجل محمد الشعراني، و كان من شيعة ولد العباس الخراسانية.

فقال له: جعلت فداك، ولد علي و ولد العباس عندي سواء، فما سمعناه مزح و لا رأيناه تبسّم قبل ذلك و لا بعده، و لا رأيناه اغتم من شي‏ء جرى عليه إلاّ يوم ورد عليه كتاب المعتصم و قد وردنا النهروان، فكتبنا إليه بالخبر و استأذناه في الدخول به، فورد علينا كتابه يأمرنا أن نأخذ جلال القبّة و نسير به مكشوفا، و إذا وردنا النهرين أن نأخذ عمامته و ندخله بغداد حاسرا و ذلك قبل أن يبني سرّمن‏رأى، فلما أردنا الرحيل به من النهروان نزعنا جلال القبة، فسأل عن السبب في ذلك فأخبرناه، فاغتم بذلك. و لما صرنا بالنهرين قلنا له يا أبا جعفر: انزع عمامتك فإن أمير المؤمنين أمر أن تدخل حاسرا، فرمى بها إليّ و دخل الشّمّاسية في يوم النيروز، و ذلك في سنة تسع عشرة و مائتين، و هو في القبة و هي مكشوفة و هو حاسر، و عديله شيخ من أصحاب عبد اللّه بن طاهر، و أصحاب السماجة (1) بين يديه يلعبون، و الفراغنة (2) يرقصون، فلما رآهم محمد بكى ثم قال: اللهم إنك تعلم أني لم أزل حريصا على تغيير هذا و إنكاره.

قال: و جعلت الفراغنة يحملون على العامة و يرمونهم بالقذر و الميتة (3) ، و المعتصم يضحك، و محمد بن القاسم يسبّح و يستغفر اللّه و يحرّك شفتيه يدعو عليهم، و المعتصم جالس في جوسق كان له بالشّمّاسية ينظر إليهم، و محمد واقف.

و لما فرغ من لعبه مرّوا بمحمد بن القاسم عليه، فأمر بدفعه إلى مسرور الكبير، فدفع إليه، فحبس في سرداب شبيه بالبئر (4) فكاد أن يموت فيه، و انتهى ذلك إلى المعتصم فأمر بإخراجه منه، فأخرجه و حبس في قبة في بستان موسى مع

____________

(1) في ط و ق «السماحة» .

(2) كذا في الخطية و في ط و ق «و الفراعنة» .

(3) في ط و ق بالقدر و المنية.

(4) الفرج بعد الشدة 1/132.

471

المعتصم في داره، و وكل به مسرور عدة من غلمانه و ثقاته، و كانت في القبة التي هو فيها محبوس عدة روازن و كوى واسعة الضوء، فطلب مقراضا يكون عنده يقص به أظفاره، فدفع إليه، فعمد إلى لبد كان تحته فقطع نصفه بالمقراض و قصصه كهيئة السيور، و عمل منه مثل السلم، و طلب منهم سعفة ذكر أنه يريد أن يطرد بها الفأر؛ فإنه يأكل خبزه فينجسه عليه، فأعطوه فقطعها، و خرز حواليها بالمقراض حتى كسرها ثلاث قطع، و قرنها بمسواكه و جعلها في رأس السلم، و حلّق به في أقرب روزنة من تلك الرّوازن إليه فعلق فيها، و تسلّق عليه، و جذبه إليه لما صعد فنجا، و كانت ليلة الفطر من سنة تسع عشرة و مائتين، و قد أدخلت الفواكه و الرياحين و آلة العيد على رؤوس الحمالين إلى البستان، و صار الحمالون جميعا إلى القبة التي فيها محمد بن القاسم، فباتوا حولها، و رموا بناتيجهم و ناموا، فرمى بنفسه من القبة إلى أسفل، و نام بين الحمالين، و تحركت خرزة من فقار ظهره و لم تنفك، فنام بين الحمالين‏ثم عجل فأخذ بنتيجة أحدهم و ذهب ليخرج فقال أحد البوابين: من أنت؟فقال: أحد الحمالين أردت الانصراف إلى أهلي فقال له: نم عندي مكانك لا يأخذك العسس، فنام عنده. فلما طلع الفجر خرج الحمالون، و خرج معهم و أفلت، فلما أصبحوا فتحوا الباب فلم يجدوه، فأعلموا مسرورا بخبره، فدخل على المعتصم، حافيا مستسلما للقتل و أعلمه الخبر، فقال له المعتصم: لا بأس عليك، إن كان ذهب فلن يفوت، إن ظهر أخذناه، و إن آثر السلامة و استتر تركناه.

فقال مسرور بعد ذلك: هذا من تفضّل أمير المؤمنين عليّ، و لو جرى هذا في أيام الرشيد لقتلني.

فقيل: إنه رجع إلى الطالقان فمات بها.

و قيل: إنه انحدر إلى واسط، و ذلك الصحيح‏ (1) .

قال محمد بن الأزهر في خبره:

____________

(1) في مروج الذهب 2/246 «و قد تنوزع في محمد بن القاسم فمن قائل: إنه قتل بالسم، و منهم من يقول: إن ناسا من شيعته من الطالقان أتوا ذلك البستان فتاقوا للخدمة فيه من غرس و زراعة، و اتخذوا سلالم من الحبال و اللبود و الطالقانية، و نقبوا الأزج و أخرجوه، فذهبوا به فلم يعرف له خبر إلى هذه الغاية، و قد انقاد إلى إمامته خلق كثير من الزيدية إلى هذا الوقت، و هو سنة اثنتين و ثلاثين و ثلاثمائة، و منهم خلق كثير يزعمون أن محمدا لم يمت، و أنه حي يرزق، و أنه يخرج فيملؤها عدلا كما ملئت جورا، و أنه مهدي هذه الأمة، و أكثر هؤلاء بناحية الكوفة و جبال طبرستان و الديلم و كثير من كور خراسان» .

472

فرأيت محمد بن القاسم يوم أدخل إلى بغداد، كان ربعة من الرجال أسمر، في وجهه أثر جدري، قد أثر السجود في وجهه.

قال: و حدثني علي بن محمد الأزدي، و الحسين بن موسى بن منير:

أنّ محمد بن القاسم لما هرب صار إلى قطيعة الربيع‏ (1) إلى منزل منير بن موسى بن منير، فنقله إلى منزل إبراهيم بن قيس، فاجتمعا إليه و قالا له: إن الطلب لك سيشتد، و ليست بغداد لك بمنزل‏[فارحل من وقتك قبل أن يشتد عليك الطلب إلى واسط]فانحدر إلى واسط، و قد شدّ وسطه للوهن الذي أصاب فقار ظهره، فلما صار بواسط مات رحمة اللّه عليه.

قال علي بن محمد الأزدي: فحدثني ابنه علي بن محمد بن القاسم الصوفي:

أنه لما صار إلى واسط عبر بها دجلة إلى الجانب الغربي، فنزل إلى أمّ ابن عمه، علي بن الحسن بن علي بن عمر بن علي بن الحسين، و كانت عجوزا مقعدة، فلما نظرت إليه وثبت فرحا به و قالت: محمد و اللّه، فدتك نفسي و أهلي، الحمد للّه على سلامتك، فقامت على رجلها، و ما قامت قبل ذلك بسنين، فأقام عندها مديدة، و مرضته من الوهن الذي أصاب ظهره حتى مات بواسط.

و ذكر أحمد بن الحرث الخرّاز:

أن محمد بن القاسم لمّا هرب عبر من الجانب الغربي، فلما حصل في دجلة نظر فإذا معه في المعبر شيخ من الرجالة الموكلين به، كان محمد يراه من خلف الباب فعرفه محمد و لم يعرفه الشيخ، فلما أراد الخروج قال له الملاح: أعطني أجري، فحلف له ما معي شي‏ء، و لا يملك غير الجبة الصوف التي عليه، فرقّ له الشيخ الموكل فأعطى الملاح أجرته من عنده.

قال أحمد:

و توارى محمد بن القاسم أيام المعتصم، و أيام الواثق، ثم أخذ في أيام المتوكل، فحمل إليه فحبس حتى مات في محبسه.

____________

(1) لما بنى المنصور بغداد أقطع قواده و مواليه قطائع و كذلك فعل غيره من الخلفاء، و قد أضيفت كل قطيعة إلى واحد من رجل أو امرأة. و قطيعة الربيع: منسوبة إلى الربيع بن يونس حاجب المنصور و مولاه، راجع معجم البلدان 7/128.

473

قال: و يقال إنه دس إليه سما فمات منه.

حدثني أحمد بن سعيد، قال: حدثني عبيد بن حمدون، قال: سمعت عباد بن يعقوب، يقول:

كنت أنا و يحيى بن الحسن بن الفرات الفراز، مع محمد بن القاسم في زورق نريد الرقة، و معنا جماعة من أهل هذه الطبقة، فظهرنا من مذهبه إلى أنه يقول بالاعتزال، فخرجنا و تركناه، فجعل يبكي و يسألنا الرجوع، فلم نفعل.

58-عبد اللّه بن الحسين بن عبد اللّه‏

و عبد اللّه بن الحسين بن عبد اللّه بن إسماعيل ابن عبد اللّه بن جعفر بن أبي طالب عليه السلام امتنع من لبس السواد، و خرقه لما طولب بلبسه، فحبس بسرّمن‏رأى‏ (1)

حتى مات في حبسه، رضوان اللّه عليه.

____________

(1) معجم البلدان 5/75.

474

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

475

أيام الواثق‏

476

ذكر أيام الواثق بن المعتصم قال أبو الفرج علي بن الحسين:

لا نعلم أحدا قتل في أيامه‏ (1) ، إلاّ أن علي بن محمد بن حمزة ذكر أن عمرو بن منيع، قتل علي بن محمد بن عيسى بن زيد بن علي بن الحسين، و لم يذكر السبب في ذلك، فحكيناه عنه على ما ذكره، فقتل في الواقعة التي كانت بين محمد بن ميكال و محمد بن جعفر هذا بالري.

و كان آل أبي طالب مجتمعين بسر من رأى في أيامه تدور الأرزاق عليهم‏ (2)

حتى تفرقوا في أيام المتوكل.

____________

(1) أبو الفداء 2/39 و في ابن الأثير 7/11 «لما توفي المعتصم و جلس الواثق في الخلافة أحسن إلى الناس، و اشتمل على العلويين، و بالغ في إكرامهم و الإحسان إليهم، و التعهد لهم بالأموال... » راجع الفخري 213.

(2) بويع الواثق سنة سبع و عشرين و مائتين، و مات في سنة ثلاث و ثلاثين و مائتين.

477

أيّام المتوكل‏

و من ظهر فيها فقتل أو حبس‏

478

ذكر أيام المتوكل جعفر بن محمد المعتصم ابن هارون الرشيد، و من ظهر فيها فقتل أو حبس من آل أبي طالب عليهم السلام و كان المتوكل شديد الوطأة على آل أبي طالب، غليظا على جماعتهم مهتما بأمورهم‏ (1) شديد الغيظ و الحقد عليهم، و سوء الظن و التهمة لهم، و اتفق له أن عبيد اللّه بن يحيى بن خاقان وزيره‏ (2) يسي‏ء الرأي فيهم، فحسن له القبيح في معاملتهم، فبلغ فيهم ما لم يبلغه أحد من خلفاء بني العباس قبله، و كان من ذلك أن كرب‏ (3) قبر الحسين و عفّى آثاره؛ و وضع على سائر الطرق مسالح له لا يجدون أحدا زاره إلاّ أتوه به فقتله أو أنهكه عقوبة (4) .

فحدثني أحمد بن الجعد الوشاء، و قد شاهد ذلك، قال:

كان السبب في كرب قبر الحسين أن بعض المغنيات كانت تبعث بجواريها إليه قبل الخلافة يغنين له إذا شرب، فلما وليهابعث إلى تلك المغنية فعرف أنها غائبة، و كانت قد زارت قبر الحسين، و بلغها خبره، فأسرعت الرجوع، و بعثت إليه بجارية من جواريها كان يألفها، فقال لها: أين كنتم؟قالت: خرجت مولاتي إلى الحج و أخرجتنا معها، و كان ذلك في شعبان. فقال: إلى أين حججتم في شعبان؟ قالت: إلى قبر الحسين، فاستطير غضبا، و أمر بمولاتها فحبست، و استصفى أملاكها، و بعث برجل من أصحابه يقال له: الديزج، و كان يهوديا فأسلم، إلى قبر

____________

(1) في ط و ق «مهتما بأمورهم بسوء الرأي» .

(2) في ط و ق «و اتفق له أن الفتح عبد اللّه... وزيره بسر من رأى سيئ الرأي» .

(3) في القاموس: «الكرب: إثارة الأرض للزرع» .

(4) الفخري 213 و أبو الفداء 2/40 و ابن الأثير 7/19-20.

479

الحسين، و أمره بكرب قبره‏ (1) و محوه و إخراب كل ما حوله، فمضى لذلك و خرب ما حوله، و هدم البناء و كرب ما حوله نحو مائتي جريب، فلما بلغ إلى قبره لم يتقدم إليه أحد، فأحضر قوما من اليهود فكربوه، و أجرى الماء حوله، و وكل به مسالح بين كل مسلحتين ميل، لا يزوره زائرإلاّ أخذوه و وجهوا به إليه.

فحدثني محمد بن الحسين الأشناني، قال:

بعد عهدي بالزيارة في تلك الأيام خوفا، ثم عملت على المخاطرة بنفسي فيها و ساعدني رجل من العطارين على ذلك، فخرجنا زائرين نكمن النهار و نسير الليل حتى أتينا نواحي الغاضرية، و خرجنا منها نصف الليل فسرنا بين مسلحتين و قد ناموا حتى أتينا القبر فخفي علينا، فجعلنا نشمه‏ (2) و نتحرى جهته حتى أتيناه، و قد قلع الصندوق الذي كان حواليه و أحرق، و أجرى الماء عليه فانخسف موضع اللبن و صار كالخندق، فزررناه و أكببنا عليه فشممنا منه رائحة ما شممت مثلها قط كشي‏ء من الطيب، فقلت للعطار الذي كان معي: أي رائحة هذه؟فقال: لا و اللّه ما شممت مثلها كشي‏ء من العطر، فودعناه و جعلنا حول القبر علامات في عدة مواضع.

فلما قتل المتوكل اجتمعنا مع جماعة من الطالبيين و الشيعة حتى صرنا إلى القبر فأخرجنا تلك العلامات‏و أعدناه إلى ما كان عليه.

و استعمل على المدينة و مكة عمر بن الفرج الرخّجي فمنع آل أبي طالب من التعرض لمسألة الناس، و منع الناس من البر بهم، و كان لا يبلغه أن أحدا أبر أحدا منهم بشي‏ء و إن قل إلاّ أنهكه عقوبة، و أثقله غرما، حتى كان القميص يكون بين جماعة من العلويات يصلين فيه واحدة بعد واحدة، ثم يرقعنه و يجلسن على معازلهن عواري حواسر، إلى أن قتل المتوكل، فعطف المنتصر عليهم و أحسن إليهم، و وجه

____________

(1) في الطبري 11/44 «و فيها-أي في سنة 236-أمر المتوكل بهدم قبر الحسين بن علي، و هدم ما حوله من المنازل و الدور، و أن يحرث و يبذر و يسقي موضع قبره، و أن يمنع الناس من إتيانه، فذكر أن عامل صاحب الشرطة نادى في الناحية: من وجدناه عند قبره بعد ثلاثة بعثنا به إلى المطبق، فهرب الناس و امتنعوا من المصير إليه، و حرث ذلك الموضع، و زرع ما حواليه» .

(2) في ط و ق «فجعلنا نتسمه» .

480

بمال فرقه فيهم، و كان يؤثر مخالفة أبيه في جميع أحواله و مضادة مذهبه طعنا عليه و نصرة لفعله‏ (1) .

59-محمد بن صالح بن عبد اللّه‏

فممّن خرج في أيامه و أخذ فحبس أبو عبد اللّه محمد بن صالح‏ (2) بن عبد اللّه بن موسى بن عبد اللّه ابن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب عليهم السلام و كان من فتيان آل أبي طالب‏و فتاكهم و شجعانهم و ظرفائهم و شعرائهم‏ (3) .

كان خرج بسويقة و جمع الناس للخروج، و حج بالناس في تلك السنة أبو السّاج‏ (4) فخافه عمه على نفسه و ولده و أهله، فسلمه إليه، و هو لذلك من عمه آمن على أمان استوثق لمحمد بن صالح، فحمله إلى سرّمن‏رأى، فحبس بها مدة ثم أطلق و أقام بها سنين حتى مات رحمة اللّه عليه.

حدثني محمد بن خلف وكيع، قال: حدثني أحمد بن أبي خيثمة، قال‏ (5) :

كان محمد بن صالح بن عبد اللّه بن موسى خرج بسويقة و اجتمع له، و حج بالناس أبو الساج فقصده، و خاف عمه موسى بن عبد اللّه بن موسى أبا الساج على نفسه و ولده و أهله، فضمن لأبي الساج تسليمه، و توثق له بالأيمان و الأمان، و جاء عمه إليه فأعلمه ذلك، و أقسم عليه ليلقين سلاحه، ففعل، و خرج إلى أبي الساج

____________

(1) في ابن الأثير 7/20 «... فكان هذا من الأسباب التي استحل بها المنتصر قبل المتوكل، و قيل إن المتوكل كان يبغض من تقدمه من الخلفاء المأمون و المعتصم و الواثق في محبة علي و أهل بيته. و إنما كان ينادمه و يجالسه جماعة قد اشتهروا بالنصب و البغض لعلي، منهم عبادة المخنث، و علي بن الجهم الشاعر الشامي من بني شامة بن لؤي، و عمرو بن فرج الرخجي، و أبو السمط من ولد مروان بن أبي حفصة من موالي بني أمية، و عبد اللّه بن محمد بن داود الهاشمي المعروف بابن أترجة، و كانوا يخوفونه من العلويين و يشيرون عليه بابعادهم و الإعراض عنهم و الإساءة إليهم... و لم يبرحوا به حتى ظهر منه ما كان... » .

(2) ابن أبي الحديد 3/481 و الأغاني 15/88-95.

(3) في الأغاني «و يكنى أبا عبد اللّه، شاعر حجازي ظريف صالح الشعر، من شعراء أهل بيته المتقدمين. و كان جده موسى بن عبد اللّه أخا محمد و إبراهيم ابني عبد اللّه بن حسن بن حسن، الحجازيين الخارجين في أيام المنصور، أمهم جميعا هند بنت أبي عبيدة» .

(4) في ط و ق «أبو النساج» .

(5) الأغاني 15/89.

481

فقيده و حمله إلى سر من رأى مع جماعة من أهله، فلم يزل محبوسا بها ثلاث سنين‏ثم أطلق، و أقام بها إلى أن مات، و كان سبب منيته أنه جدر فمات في الجدري. قال:

و هو الذي يقول في الحبس‏ (1) :

طرب الفؤاد و عاودت أحزانه # و تشعبت شعبا به أشجانه

و بدا له من بعد ما اندمل الهوى # برق تألّق موهنا لمعانه‏ (2)

يبدو كحاشية الرداء و دونه # صعب الذّرا متمنع أركانه‏ (3)

فدنا لينظر أين لاح فلم يطق # نظرا إليه وردّه سجانه‏ (4)

فالنار ما اشتملت عليه ضلوعه # و الماء ما سحت به أجفانه‏ (5)

ثم استعاذ من القبيح وردّه # نحو العزاء عن الصبا إيقانه‏ (6)

و بدا له أن الذي قد ناله # ما كان قدّره له ديّانه

حتى استقر ضميره و كأنما # هتك العلائق عامل و سنانه

يا قلب لا يذهب بحلمك باخل # بالنّيل باذل تافه منانه‏ (7)

يعد القضاء و ليس ينجز موعدا # و يكون قبل قضائه ليّانه

خدل الشّوى حسن القوام مخصر # عذب لماه طيّب أردانه‏ (8)

و اقنع بما قسم الإله فأمره # ما لا يزال عن الفتى إتيانه‏ (9)

و البؤس فإن لا يدوم كما مضى # عصر النعيم و زال عنك أوانه‏ (10)

فحدثني عمي الحسين بن محمد، قال: حدثني أحمد بن أبي طاهر، قال‏ (11)

كنت مع أبي عبد اللّه محمد بن علي بن صالح بن علي الحسني في منزل بعض أصحابنا، فأقام عندنا حتى انتصف الليل، و أنا أظنه يبيت بمكانه، فإذا هو قد قام فتقلّد سيفه و خرج، فأشفقت عليه من خروجه في ذلك الوقت، و سألته المقام و المبيت، و أعلمته خوفي عليه، فالتفت إليّ مبتسما و قال:

____________

(1) نوادر القالي 183.

(2) في نوادر القالي «تتابع موهنا» .

(3) في ط و ق «كحاسبة الردى» .

(4) في ط و ق «فبدا لينظر» .

(5) في ط و ق «ما سمحت» .

(6) في ط و ق «ثم استعاد... نحو العراء» .

(7) في نوادر القالي «يا نفس لا يذهب بقلبك باخل بالود» .

(8) في الأغاني «عذب لثاه» .

(9) في نوادر القالي «ما لا يرد عن الغنى» .

(10) في النسخ «عنك لبانه» .

(11) الأغاني 15/89.

482

إذا ما اشتملت السيف و الليل لم أهل # بشي‏ء و لم تقرع فؤادي القوارع‏ (1)

أخبرني عمي الحسين بن محمد، و الحسين بن القاسم، قالا: حدثنا أحمد بن أبي طاهر، قال‏ (2) :

مرّ محمد بن صالح بقبر لبعض بني المتوكل، فرأى الجواري يلطمن عنده فأنشدني لنفسه:

رأيت بسامرا صبيحة جمعة # عيونا يروق الناظرين فتورها

تزور العظام الباليات لدى الثرى # تجاوز عن تلك العظام غفورها

فلولا قضاء اللّه أن تعمر الثرى # إلى أن ينادي يوم ينفخ صورها

لقلت عساها أن تعيش و أنها # ستنشر من جرّا عيون تزورها

أسيلات مجرى الدمع امّا تهللت # شؤون الأماقي ثم سحّ مطيرها (3)

بوبل كأتوام الجمان تفيضه # على نحرها أنفاسها و زفيرها (4)

فيا رحمة ما قد رحمت بواكيا # ثقالا تواليها لطفا خصورها (5)

حدثني الحسن بن علي‏ (6) الخفاف، قال: حدثني محمد بن القاسم بن مهرويه، قال:

حدثني إبراهيم بن المدبر (7) ، قال:

جاءني محمد بن صالح الحسيني و سألني أن أخطب عليه بنت عيسى بن موسى بن أبي خالد الحربي‏ (8) أو قال أخته، شك ابن مهرويه، ففعلت ذلك، و صرت إلى عيسى فسألته أن يجيبه، فأبى و قال لي: لا أكذبك و اللّه، إني لا أردّه لأني لا أعرف أشرف و أشهر منه لمن يصاهره، و لكني أخاف المتوكل و ولده بعده على نعمتي و نفسي، فرجعت إليه فأخبرته بذلك، فأضرب عنه مدة، ثم عاودني بعد

____________

(1) في ط و ق «و لم يفزع فؤادي الأجازع» .

(2) الأغاني 15/80.

(3) في ط و ق «ثم سبح مطيرها» .

(4) في ط و ق «فويل كأبوام» .

(5) في ط و ق «ثقالا بواكيها» .

(6) في ط و ق «الحسن بن علي» .

(7) ترجمته في الأغاني 19/114-127» .

(8) في الخطية «الحرمي» و في الأغاني «الحري» .

483

ذلك و سألني معاودته فعاودته و رفقت به حتى أجاب و زوّجه، فأنشدني محمد بعد ذلك لنفسه‏ (1) :

خطبت إلى عيسى بن موسى فردّني # فللّه و إلى مرّة و عتيقها

لقد ردّني عيسى و يعلم أنني # سليل بنات المصطفى و عريقها

و أنّ لنا بعد الولادة بيعة # بنى الإله صنوها و شقيقها (2)

فلما أبى بخلا بها و تمنعا # و صيرني ذا خلّة لا أطيقها (3)

تداركني المرء الذي لم يزل له # من المكرمات رحبها و طريقها

سميّ خليل اللّه و ابن وليه # و حمال أعباء العلا و طريقها (4)

تزوجها و المن عندي لغيره # فيبايعه وفتني الربح سوقها (5)

و يا نعمة لابن المدبر عندنا # يجدّ على كرّ الزمان أنيقها

قال ابن مهرويه: قال ابن المدبر: و كان اسم المرأة حمدونة، فلما نقلت إليه، و كانت امرأة جميلة عاقلة كاملة من النساء، أنشدني لنفسه فيها قوله:

لعمر حمدونة إني بها # لمغرم القلب طويل السقام

مجاوز للقدر في حبها # مباين فيها لأهل الملام

مطرح للعذل ماض على # مخافة النفس و هول المقام‏ (6)

مشايعي قلب يعاف الخنا # و صارم يقطع صمّ العظام

جشمني ذلك و جدي بها # و فضلها بين النساء الوسام‏ (7)

ممكورة الساق ردينية # مع الشوي الخدل و حسن القوام

صامتة الحجل خفوق الحشا # مائرة الساق ثقال القيام

ساجية الطرف نؤوم الضحى # منيرة الوجه كبرق الغمام‏

____________

(1) الأغاني 15/90.

(2) في الأغاني «نبعة» .

(3) في الأغاني «لا يطيقها» .

(4) كذا في الأغاني، و في الخطية «و مطيقها» و في ط و ق «و تطيقها» .

(5) في الخطية «فزوجني» و في ط و ق «فيبايعه أفشى و أربح» .

(6) في ط و ق «و هول الظلام» و في الخطية «و طول الظلام» .

(7) في ط و ق «حسبي من ذلك... الوشام» .

484

زيّنها اللّه و ما شأنها # و أعطيت منيتها من تمام

تلك التي لولا غرامي بها # كنت بسامرا قليل المقام‏

قال أبو الفرج:

و قد حدثني بخبره على أتم من هذه الحكاية عمي الحسين بن محمد قال:

حدثنا أبو جعفر بن الدهقانة النديم، قال: حدثني إبراهيم بن المدبر، قال‏ (1) :

جاءني يوما محمد بن صالح الحسني بعد أن أطلق من الحبس فقال لي: إني أريد المقام عندك اليوم على خلوة لأبثك من أمري شيئا لا يصلح أن يسمعه أحد غيرنا، فقلت: افعل. فصرفت من كان بحضرتي و خلوت معه و أمرت برد دابته، فلما اطمأن و أكلنا و اضطجعنا قال لي: أعلمك أني خرجت في سنة كذا و كذا و معي أصحابي على القافلة الفلانية، فقاتلنا من كان فيها فهزمناهم و ملكنا القافلة، فبينا أنا أحوزها و أنيخ الجمال، إذ طلعت على امرأة من عمارية ما رأيت قط أحسن منها وجها، و لا أحلى منطقا، فقالت لي: يا فتى، إن رأيت أن تدعو الشريف المتولي أمر الجيش فإن له عندي حاجة.

فقلت: قد رأيته و سمع كلامك.

فقالت لي: سألتك باللّه و بحق رسوله أنت هو؟.

قلت: نعم و اللّه و حق رسوله (ص) إني لهو.

فقالت: أنا حمدونة بنت عيسى بن موسى بن أبي خالد الحربي، و لأبي محل من سلطانه، و لنا نعمة إن كنت سمعت بها فقد كفاك ما سمعت، و إن كنت لم تسمع بها فاسأل عنها غيري، و و اللّه لا استأثرت عليك بشي‏ء أملكه، و لك عليّ بذلك عهد اللّه جلّ و عز و ميثاقه، و ما أسألك إلاّ أن تصونني و تسترني، و هذه ألف دينار معي لنفقتي فخذها حلالا، و هذا حليّ‏[عليّ‏]من خمسمائة دينار فخذه و أضمن لك بعد أخذك إيّاه ما شئت على حكمك، آخذه لك من تجار مكة و المدينة، و من أهل الموسم العراقيين؛ فليس منهم أحد يمنعني شيئا أطلبه و ادفع عني و احمني من أصحابك و من عار يلحقني.

فوقع قولها في قلبي موقعا عظيما فقلت لها: قد وهب اللّه لك مالك و جاهك

____________

(1) الأغاني 15/91.

485

و حالك، و وهبت لك القافلة بجميع ما فيها، ثم خرجت فناديت في أصحابي فاجتمعوا إليّ، فناديت فيهم إني قد أجرت هذه القافلة و أهلها و خفرتها و حميتها، و جعلت لها ذمّة اللّه و ذمة رسوله و ذمتي، فمن أخذ منها خيطا أو مخيطا أو عقالا فقد آذنته بحرب. فانصرفوا معي و انصرفت، و سار أهل القافلة سالمين.

فلما أخذت و حبست، بينا أنا ذات يوم في محبسي إذ جاءني السجان فقال لي:

إن بالباب امرأتين تزعمان أنهما من أهلك، و قد حظر عليّ أن يدخل‏[عليك‏]أحد، إلاّ أنهما قد أعطتاني دملج ذهب، و جعلتاه لي إن أوصلتهما إليك، و قد أذنت لهما و هما في الدهليز، فاخرج إليهما إن شئت.

فتنكرت من يجيئني في بلد غربة و في حبس و حيث لا يعرفني أحد، ثم تفكرت فقلت: لعلهما من ولد أبي أو من بعض نساء أهلي، فخرجت إليهما و إذا بصاحبتي‏فلما رأتني بكت لما رأت من تغيير خلقي و ثقل حديدي، فأقبلت عليها الأخرى فقالت: أهو هو؟قالت: إي و اللّه لهو هو، ثم أقبلت عليّ فقالت: فداك أبي و أمي، لو استطعت أن أقيك مما أنت فيه بنفسي و أهلي لفعلت، و لكنت بذاك مني حقيقيا، و و اللّه لا تركت المعاونة و السعي في خلاصك، و كلّ حيلة و مال و شفاعة، و هذه دنانير و طيب و ثياب فاستعن بها على موضعك، و رسولي يأتيك في كل يوم بما يصلحك حتى يفرج اللّه عنك. ثم أخرجت إليّ المرأة كسوة و طيبا و مائتي دينار، و كان رسولها يأتيني في كل يوم بطعام نظيف، و يتصل برها عند السجان فلا يمتنع من كل ما أريد، حتى منّ اللّه بخلاصي.

ثم راسلتها فخطبتها، فقالت: أما من جهتي فأنا لك سامعة مطيعة، و الأمر إلى أبي، فأتيته فخطبتها إليه، فردني و قال: ما كنت لأحقق عليها ما شاع في الناس عنك من أمرها فقد صيرتنا فضيحة. فقمت من عنده منكسرا مستحيا و قلت في ذلك:

رموني و إياها بشنعاء هم بها # أحق أدال اللّه منهم فعجلا (1)

بأمر تركناه و ربّ محمد # عيانا فإما عفة أو تجملا

فقلت له: إن عيسى صنيعة أخي‏ (2) ، و هو لي مطيع، و أنا أكفيك أمره، فلما

____________

(1) في ط و ق «و إيّاها بسعياهم بها... أزال» .

(2) في ط و ق «صنيعة أبي» .

486

كان من غد لقيت عيسى في منزله ثم قلت له: قد جئتك في حاجة لي.

فقال: هي مقضية و لو كنت استعملت ما أحبه لأمرتني أن أجيئك فجئتك فكان أسرّ إليّ.

فقلت له: قد جئتك خاطبا إليك ابنتك.

فقال: هي لك أمة، و أنا لك عبد، و قد أجبتك.

فقلت: إني خطبتها على من هو خير مني أبا و أما و أشرف لك صهرا و متصلا محمد بن صالح العلوي.

فقال لي: يا سيدي، هذا رجل قد لحقنا بسببه ظنّة، و قيلت فينا أقوال.

فقلت له: أفليست باطلة؟.

فقال: بلى و الحمد للّه. فقلت: فكأنها لم تقل، و إذا وقع النكاح زال كل قول و تشنيع، و لم أزل أرفق به حتى أجاب. و بعثت إلى محمد بن صالح فأحضرته و ما برح حتى زوجه، و سقت الصداق عنه من مالي.

حدثني أحمد بن جعفر البرمكي، قال‏ (1) : حدثنا المبرد، قال: لم يزد محمد بن صالح محبوسا حتى صنع بنان لحنا في قوله:

و بدا له من بعد ما اندمل الهوى # برق تألّق موهنا لمعانه‏

فاستحسن المتوكل اللحن و الشعر و سأل عن قائله، فأخبر عنه و كلم في أمره، و أحسن الجماعة رفده بالذكر الجميل، و أنشد الفتح قصيدة يمدح بها المتوكل التي أولها:

ألف التقى و وفى بنذر الناذر # و أبى الوقوف على المحل الداثر

و تكفل الفتح بأمره فأمر بإطلاقه، و أمر الفتح بأخذه إليه و أن يكون عنده حتى يقيم الكفلاء بنفسه، و أن يكون مقامه بسر من رأى، و لا يخرج إلى الحجاز فأطلقه الفتح و تكفل بأمره، و خفف عنه في أمر الكفالة، فلم يزل في سرّمن‏رأى حتى مات.

____________

(1) الأغاني 15/93.

487

حدثني أحمد بن عبيد اللّه بن عمار و محمد بن خلف وكيع‏ (1) قالا: حدثنا الفضل بن سعيد بن أبي حرب، قال: حدثني أبو عبد اللّه الجهمي‏ (2) قال:

دخلت على محمد بن صالح الحسني في حبس المتوكل، فأنشدني لنفسه يهجو أبا الساج:

ألم يحزنك يا ذلفاء أني # سكنت مساكن الأموات حيّا

و أن حمائلي و نجاد سيفي # علون مجدعا أشرا سنيا (3)

فقصرهن لما طلن حتى اسـ # توين عليه لا أمسى سويا

أما و الراقصات بذات عرق # تؤم البيت تحسبها قسيا

لو امكنني غداتئذ جلاد # لألفوني به سمحا سخيا (4)

قال ابن عمّار (5) : و أنشدني عبيد اللّه بن طاهر أبو محمد لمحمد بن صالح العلوي الحسني:

نظرت و دوني ماء دجلة موهنا # بمطروفة الإنسان محسورة جدا

لتؤنس لي نارا بليل أوقدت # و تاللّه ما كلفتها منظرا قصدا (6)

فلو صدقت عيني لقلت كذبتني # أرى النار قد أمست تضي‏ء لنا هدأ (7)

تضي‏ء لنا منها جبينا و محجرا # و مبتسما عذبا و ذا غدر جعدا

قال: فأما القصيدة التي مدح بها المتوكل فهي قوله‏ (8) :

ألف التقى و وفى بنذر الناذر # و أبى الوقوف على المحل الداثر

و لقد تهيج له الديار صبابة # حينا و يكلف بالخليط السائر

فرأى الهداية أن أناب و إنه # قصر المديح على الإمام العاشر

____________

(1) في ط و ق «و وكيع ابن خالد» .

(2) في ط و ق «الجهني» .

(3) في الأغاني و الخطية «أشر و سنيا» .

(4) في ط و ق «أمكنني غدا بيد جلاد-لألقوني» .

(5) الأغاني 15/95.

(6) في الأغاني «بليل توقدت» و في الخطية «ما خلفتها منظرا» .

(7) في الأغاني «فلو لا أنها منها لقلت كأنني» .

(8) الأغاني 15/94.

488

يا ابن الخلائف و الذين بهديم # ظهر الوفاء، و بان غدر الغادر

و ابن الذين حووا تراث محمد # دون البرية بالنصيب الوافر (1)

فوصلت أسباب الخلافة بالهدى # إذ نلتها و أنمت ليل الساهر (2)

أحييت سنة من مضى فتجدّدت # و أبنت بدعة ذي الضلال الخاسر (3)

فافخر بنفسك أو بجدك معلنا # أو دع فقد جاوزت فخر الفاخر (4)

إني دعوتك فاستجبت لدعوتي # و الموت مني نصب عين الناظر (5)

فانتشتني من قعر موردة الرّدى # أمنا و لم تسمع مقال الزّاجر (6)

و فككت أسري و البلاء موكل # و جبرت كسرا ما له من جابر

و عطفت بالرحم التي ترحو بها # قرب المحل من المليك القادر

و أنا أعوذ بفضل عفوك أن أرى # غرضا ببابك للملم الفاقر (7)

أو أن أضيع بعد ما أنقذتني # من ريب مهلكة وجد عاثر

فلقد مننت فكنت غير مكدر # و لقد نهضت بها نهوض الشاكر

و كان محمد بن صالح صديقا لسعيد بن حميد، و كان يقارضه الشعر. و له في هذا الحبس أشعار كثيرة يطول ذكرها.

و له أيضا في إبراهيم بن المدبر و أخيه مدائح كثيرة.

و في عبيد اللّه بن يحيى بن خاقان هجاء كثير لأنه كان لشدة انحرافه عن آل أبي طالب يغري المتوكل به و يحذره من إطلاقه، فهجاه هجاء كثيرا، منه قوله يهجوه في قصيدة مدح فيها ابن المدبر (8) :

____________

(1) بعد هذا البيت في الأغاني:

نطق الكتاب لكم بذاك مصدقا # و مضت به سنن النبي الطاهر.

(2) في الأغاني «عين الساهر» .

(3) في ط و ق «و أمت» .

(4) بعد هذا البيت في الأغاني:

ما للمكارم غيركم من أول # بعد النبي و ما لها من آخر

(5) في الأغاني «و الموت مني قيد شبر الشابر» .

(6) في ط و ق «فانشتني... الردى منا» .

(7) في ط و ق «للمسلم الغافر» .

(8) الأغاني 15/93.

489

و ما في آل خاقان اعتصام # إذا ما عمّم الخطب الكبير

لئام الناس إثراء و فقرا # و أعجزهم إذا حمى القتير

و قوم لا يزوجهم كريم # و لا تسنى لنسوتهم مهور (1)

و فيها يقول يمدح ابن المدبر (2) :

أتخبر عنهم الدمن الدثور؟ # و قد يبنى إذا سئل الخبير

و كيف تبين الأنباء دار # تعاقبها الشمائل و الدبور (3)

و يقول فيها في مدحه ابن المدبر:

فهلا في الذي أولاك عرفا # تسدّي من مقالك ما يسير (4)

ثناء غير مختلق و مدحا # مع الركبان ينجد أو يغور (5)

أخ آساك في كلب الليالي # و قد خذل الأقارب و النصير

حفاظا حين أسلمك الموالي # و ضن بنفسه الرجل الصبور

فإن تشكر فقد أولى جميلا # و إن تكفر فإنك للكفور (6) .

و قال سعيد بن حميد يرثي محمد بن صالح، و كانت وفاته في أيام المنتصر (7) :

بأي يد أسطو على الدهر بعد ما # أبان يدي عضب الذنابين قاضب‏ (8)

و هاض جناحي حادث جلّ خطبه # و سدّدت عن الصبر الجميل المذاهب

و من عادة الأيام أنّ صروفها # إذا سرّ منها جانب ساء جانب

لعمري لقد غال التجلد أننا # فقدناك فقد الغيث و العام جادب‏ (9)

فما أعرف الأيام إلاّ ذميمة # و لا الدهر إلاّ و هو بالثار طالب

و لا لي من الإخوان إلاّ مكاشر # فوجه له راض و وجه مغاضب‏

____________

(1) في الأغاني «لئام لا يزوجهم» .

(2) الأغاني 15/92.

(3) في ط و ق «و كيف تبين للأنباء دار تعافتها» .

(4) في الخطية «فأنشدني» و في ط و ق «و سدى» .

(5) في ط و ق «غير مختلف» .

(6) في ط و ق «و إن تكفف» .

(7) الأغاني 15/93.

(8) في ط و ق «عضب الدنانير» .

(9) في ط و ق‏

«... عال التجلد آتيا # فقد أتعبت و العلم و العام جادب» .

490

فقدت فتى قد كان للأرض زينة # كما زيّنت وجه السماء الكواكب

لعمري لئن كان الردى بك فاتني # و كل امرئ يوما إلى اللّه ذاهب‏ (1)

لقد أخذت مني النوائب حكمها # فما تركت حقّا عليّ النوائب

و لا تركتني أرهب الدهر بعده # لقد كلّ عني نابه و المخالب

سقى جدثا أمسى الكريم ابن صالح # يحل به دان من المزن ساكب

إذا بشّر الروّاد بالغيث برقه # مرته الصّبا و استجلبته الجنائب‏ (2)

فأبصر نور الأرض تأثير صوبه # بصوب زهت منه الربا و المذانب‏ (3)

هذا آخر خبر محمد بن صالح رحمة اللّه عليه و رضوانه.

60-محمد بن جعفر

قال أبو الفرج علي بن الحسين الأصبهاني:

لما ولي المتوكل تفرق آل أبي طالب في النواحي، فغلب الحسن بن زيد بن محمد بن اسماعيل بن زيد على طبرستان و نواحي الديلم.

و خرج بالري:

محمد بن جعفر بن الحسن بن عمر بن علي بن الحسين يدعو إلى الحسن بن زيد فأخذه عبد اللّه بن طاهر فحبسه بنيسابور، فلم يزل في حبسه حتى هلك.

حدثني بذلك أحمد بن سعيد، قال: حدثني يحيى بن الحسن.

و أم محمد بن جعفر رقية بنت عيسى بن زيد بن علي بن الحسين بن علي:

و كان ممن خرج معه عبد اللّه بن إسماعيل بن إبراهيم بن محمد[بن علي‏] (4) بن عبد اللّه بن جعفر بن أبي طالب.

ثم خرج من بعده بالري أحمد بن عيسى بن علي بن الحسين بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، يدعو إلى الحسين بن زيد.

و خرج الكوكبي، و هو الحسين بن أحمد بن محمد بن إسماعيل بن محمد بن

____________

(1) في ط و ق «الردى فاتني به» .

(2) في ط و ق «و الحتائب» .

(3) في الأغاني «فغادر باقي الدهر تأثير صوبه» و في ط و ق «الربى و المذاهب» .

(4) الزيادة من الخطية.

491

عبد اللّه الأرقط بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب.

و لهؤلاء أخبار قد ذكرناها في الكتاب الكبير لم يحمل هذا الكتاب إعادتها لطولها، و لأنا شرطنا ذكر خبر من قتل منهم دون من خرج فلم يقتل.

61-القاسم بن عبد اللّه بن الحسين‏

و القاسم بن عبد اللّه بن الحسين بن علي بن الحسين ابن علي بن أبي طالب عليه السلام و أمه أم ولد.

كان عمر بن الفرج الرخّجيّ حمله إلى سرّمن‏رأى، فأمر بلبس السّواد فامتنع، فلم يزالوا به حتى لبس شيئا يشبه السّواد (1) فرضي منه‏[بذلك‏].

و كان القاسم رجلا فاضلا.

حدثني أحمد بن سعيد، قال حدثني يحيى بن الحسن، قال: سمعت أبا محمد اسماعيل بن محمد يقول:

ما رأيت الطالبيين انقادوا لرياسة أحد كانقيادهم للقاسم بن عبد اللّه.

حدثني أحمد بن سعيد، قال: حدثني محمد بن منصور، قال: حدثنا الحسن بن الحسين، قال:

دخلت أنا، و القاسم بن عبد اللّه نغسل أبا الفوارس عبد اللّه بن إبراهيم بن الحسين و قد صلينا الظهر، فقال لي القاسم: هل نصلي العصر فإنا نخشى أن نبطئ في غسل الرجل، فصليت معه، فلما فرغنا من غسله خرجت أقيس الشمس فإذا ذلك أول وقت العصر، فأعدت الصلاة، فأتاني آت في النوم، فقال: أعدت الصلاة و قد صليت خلف القاسم؟فقلت: صلّيت في غير الوقت. قال: قلب القاسم أهدى من قلبك.

و كان اعتل فيما أخبرني أحمد بن سعيد، عن يحيى بن الحسن، عن ذوب مولاة زينب بنت عبد اللّه بن الحسين، قال:

اعتل مولاي القاسم بن عبد اللّه، فوجه إليه بطبيب يسأله عن خبره، وجهه

____________

(1) في الخطية «حتى لبس شاشة سوداء» .

492

إليه السلطان، فجس يده فحين وضع الطبيب يده عليها يبست من غير علة، و جعل وجعها يزيد عليه حتى قتله قال: سمعت أهله يقولون: إنه دس إليه السم مع الطبيب.

62-أحمد بن عيسى بن زيد

قال أبو الفرج:

و ممن توارى فمات في حال تواريه في تلك الأيام.

أحمد بن عيسى بن زيد بن علي بن الحسين، عليه السلام.

و يكنى أبا عبد اللّه.

و أمه عاتكة بنت الفضل بن عبد الرحمن بن العباس بن ربيعة بن الحارث عبد المطلب.

و كان فاضلا عالما مقدما في أهله، معروفا فضله.

و قد كتب الحديث، و عمرو كتب عنه، و روى عنه الحسين بن علوان روايات كثيرة، و قد روى عنه محمد بن المنصور الراوي و نظراؤه.

و كان ابتداء تواريه في غير هذه الأيام، إلاّ أنه توفي بعد تواريه بمدة طويلة في أيام المتوكل، فذكرنا خبره في أيامه.

و قد ذكرنا بعض خبره في مجي‏ء ابن علاق الصيرفي و صباح الزعفراني إلى المهدي بعد موت أبيه و إجرائه عليه الرزق ورده إلى الحجاز إلى أيام هارون الرشيد.

فحدثني أحمد بن عبيد اللّه بن عمار، قال: حدثني علي بن محمد النوفلي، عن أبيه، قال: و نسخت من كتاب هارون بن محمد بن عبد الملك الزيات، قال:

و حدثني هاشم بن أحمد البغوي، عن جعفر بن محمد بن إسماعيل:

أنه وشى إلى هارون بأحمد بن عيسى، و القاسم بن علي بن عمر بن علي بن الحسين و أمه أم ولد، فأمر بإشخاصهما إليه من الحجاز، فلما وصلا إليه أمر بحبسهما، فحبسا في سعة عند الفضل بن الربيع‏ (1) فكانا عنده. قال: فاحتال

____________

(1) في الخطية «عند الربيع بن عبد اللّه» .

493

بعض الزيدية فدس إليهما فالوذجا في جامات أحدهما مبنّج، فأطعما المبنّج الموكلين، فلما علما أن ذلك قد بلغ فيهم خرج.

هكذا قال النوفلي.

و قال هاشم بن أحمد، عن جعفر بن محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن رياح:

أن أحمد بن عيسى كان قد خرج يوما لبعض حاجته، فرأى الموكلين به نياما فأخذ كوزا فشرب فيه، ثم رمى به من يده ليعلم أنهم نيام أم متيقظون، فلم يتحرك منهم أحد، فرجع إلى القاسم فأخبره، فقال له: ويحك، لا تحدث نفسك بالخروج فأنا في دعة و عافية مما فيه أهل الحبوس.

فقال له: لست و اللّه براجع، فإن شئت أن تخرج معي فافعل، فإني سأستظهر لك بشي‏ء أفعله تطيب نفسك به، فاخرج فاتبعني فإنك إن لم تفعل لم تبق بعدي سليما.

ثم خرج أحمد بن عيسى فأخذ جرة فشالها ليشرب منها، ثم رمى بها من قامته فما تحركوا، و خرج لوجهه.

و تبعه القاسم، فلما صار خارج الدار خالف كل واحد منهما طريق صاحبه، و افترقا و اتعدا لموضع يلتقيان فيه.

فلقي أحمد بن عيسى مولى للفضل بن الربيع، فدنا يتعرفه‏ (1) ، فعارضه في الطريق. فصاح به: تنح يا ماص كذا و كذا (2) ، فخافه فتنحى و ظن أنه أطلق، و جاء إلى الدار التي كان فيها محبوسا فنظر إلى الحرس و هم نيام فأنبهم و سألهم عن الخبر، فأيقنوا بالشر، و مضوا في طلب الرجلين، ففاتاهم فلم يقدروا عليهما.

و مضى أحمد بن عيسى حتى أتى منزل محمد بن إبراهيم الذي يقال له:

إبراهيم الإمام، فقال لغلامه: قل له أحمد بن عيسى بن زيد. فدخل الغلام فأخبره، [و عرف مولاه الخبر]فقال له: ويحك هل رآه أحد؟قال: لا، قال:

أدخله، فدخل فسلّم عليه و عرّفه الخبر و قال له: لقد رأيتك موضعا لدمي، فاتق اللّه فيّ. فأدخله منزله و ستره.

و لم يزل مدة ببغداد مستترا، و قد بلغ الرشيد خبره، فوضع الرصد في كل

____________

(1) في ط و ق «مديني يعرفه» .

(2) في ط و ق «فصاح به يا أحمد تنح من كذا و كذا» .

494

موضع، و أمر بتفتيش كل دار يتهم صاحبها بالتشيع و طلب أحمد فيها، فلم يزل ذلك‏[دأبه‏]حتى أمكنه التخلص، فمضى إلى البصرة فأقام بها.

و قد اختلف أيضا في تخلصه كيف كان، فلم نذكره كراهة الإطالة، إلاّ أن أقرب ذلك إلى الحق ما ذكره النوفلي من أن محمد بن إبراهيم كان له ابن منهوم بالصيد، فدفع إليه أحمد بن عيسى، و أقسم عليه أن يخرجه في جملة غلمانه متلثما متنكرا، و لا يسأله عن شي‏ء حتى يوافي به المدائن، و يخرجه عنها إلى نحو فرسخ من خارجها، و ينتظر حتى يمرّ به زورق منحدر فيقعده فيه و يحدره إلى البصرة، ففعل ذلك، و نجا أحمد فمضى إلى البصرة.

رجع الحديث إلى حكاية هارون بن محمد:

قال:

ثم إن الرشيد دعا برجل من أصحابه يقال له: ابن الكردية، و اسمه يحيى بن خالد فقال له: قد وليتك الضياع بالكوفة، فامض إليها و تول العمل بها، و أظهر أنك تتشيع، و فرّق الأموال في الشيعة حتى تقف على خبر أحمد بن عيسى.

فمضى ابن الكردية هذا ففعل ما أمر به، و جعل يفيض الأموال في الشيعة و يفرقها عليهم و لا يسألهم عن شي‏ء حتى ذكروا له رجلا منهم يقال له: أبو غسان الخزاعي، فأطنبوا في وصفه، و أعرض عنهم و لم يكشفهم عنه إلى أن‏[ذكروه مرة أخرى فقال: و ما فعل هذا الرجل؟إنا إليه لمشتاقون‏] (1) ، قالوا: هو مع أحمد بن عيسى بالبصرة، فكتب بذلك إلى الرشيد، فأمره بالرجوع إلى بغداد، ثم ولاّه البصرة مثل ما كان ولاّه بالكوفة، فمضى إليها.

و كان‏[مع‏]أحمد بن عيسى بن زيد رجل من أصحاب يحيى بن عبد اللّه يقال له: حاضر، و كان ينقله من موضع إلى موضع، حتى أنزله في دار يقال لها: دار عاقب في العتيك، و كان لا يظهره لأحد، و يقول: إنما نزل في تلك الناحية هربا من دين عليه. قال: فحدثني يزيد بن عيينة أنه كان يخرج إليهم فيقول لهم: [عليّ دين‏]و يسألهم. قال: فيقولون له: لو طلبك السلطان لم يقدر عليك فكيف لمن له عليك دين.

____________

(1) الزيادة من الخطية.

495

قال: و جاء ابن الكردية هذا إلى البصرة ففعل ما فعله بالكوفة، و جعل يفرق الأموال في الشيعة حتى ذكروا له حاضرا و أحمد بن عيسى، فتغافل عنهم، ثم أعادوا ذكره بعد ذلك فتعرض لهم بذكره و لم يستقصه، ثم عاودوه فقال لهم: إني أحب أن ألقى هذا الرجل، فقالوا له: لا سبيل إلى ذلك. قال: فاحملوا إليه مالا يستعين به، و أعلموه أني لو قدرت على أن أعطيه جميع مال السلطان لفعلت، فأخذوا المال و حملوه إلى حاضر فقبله، و جعل ابن الكردية يتابع الأموال إلى حاضر بعضها ببعض حتى أنسوا به و اطمأنوا إليه، فقال لهم يوما: ألا يجيئنا هذا الشيخ؟ فقالوا له: لا يمكن ذلك. قال: فليأذن لنا نأته نحن. قالوا: نسأله ذلك، فأتوه و سألوه إيّاه فقال: لا و اللّه لا آذن له أبدا، و يحكم ألا تنتهون؟هذا و اللّه محتال:

فقالوا له: لا و اللّه ما هو بمحتال. فلم يزالوا به حتى أجابهم إلى أن تلقاه، فلما كان الليل قال لأحمد بن عيسى: قم فاخرج إلى موضع آخر، فإن ابتليت سلمت أنت، فخرج أحمد، و بعث ابن الكردية إلى أحمد بن الحرث الهلالي‏ (1) ، و كان أمير البصرة يأمره أن يبعث بالرجال إليه ليهجموا عليه حيث يدخل، و مضى هو حتى أتى الدار، و بعث بغلامه حتى جاء معه بالرجال فهجموا على حاضر، فقال لابن الكردية:

ويلك غررتني باللّه. قال: ما فعلت، و لعلّ السلطان أن يكون قد بلغه خبرك.

فأخذ فأتى به محمد بن الحارث فحبسه ليلته، فلما كان من غد اجتمع الناس إليه، و أمر من أتاه بحاضر فجي‏ء به فقال له: اتق اللّه في دمي، فو اللّه ما قتلت نفسا، و لا أخفت السبيل، فسمعته يقول: جاءوا بحاضر و لا أعلمه صاحبي الذي كان يجالسني، و يذكر أنه مستتر من غرمائه، فأدخل عليه، فخشيت أن يلحقني ما لا أحب، فنظر إليّ نظرة فتوقعت أن يكلمني أو يستشهدني كما يفعل المستغيث فما فعل من ذلك شيئا، إنما لحظني لحظة ثم حول وجهه عني كأنه لم يعرفني قط، فقال له محمد بن الحرث: إن أمير المؤمنين غير متهم عليك، فحمله إليه. فأتى به هارون الرشيد و هو في الشماسية، فأحضره و أحضر الحازمي رجلا من ولد عبد اللّه بن حازم، و كان قد أخذ له بيعة ببغداد فوقعت في يد الرشيد فبدأ به، ثم قال: جئت من خراسان إلى دار مملكتي تفسد عليّ أمري و تأخذ بيعة؟.

قال: ما فعلت يا أمير المؤمنين.

____________

(1) في الخطية «محمد بن حرب الهمذاني» .

496

قال: بلى و اللّه قد فعلت، و هذه بيعتك عندي، و اللّه لا تبايع أحدا بعدها.

ثم أمر به فأعقد في النطع و ضرب عنقه.

ثم أقبل على حاضر فقال: هيه صاحب يحيى بن عبد اللّه بالحيل، عفوت عنك و أمنتك، ثم صرت تسعى عليّ مع أحمد بن عيسى تنقله من مصر إلى مصر، و من دار إلى دار كما تنقل السنور أولادها، و اللّه لتجيئني به أو لأقتلنك.

قال يا أمير المؤمنين، بلغك عني غير الحق.

قال: و اللّه لتأتيني به أو لأضربن عنقك.

قال: إذا أخاصمك بين يدي اللّه.

قال: و اللّه لتجيئني به أو لأقتلنك و إلاّ فأنا نفي من المهدي.

قال: و اللّه لو كان تحت قدمي ما رفعتها لك عنه، و أنا أجيئك بابن رسول اللّه (ص) حتى تقتله؟افعل ما بدا لك.

فأمر هرثمة فضربت عنقه، و صلب مع الحازمي ببغداد.

هذه رواية النوفلي.

و الصحيح الذي ذكرته متقدما أن المهدي قتله لأنه طالبه بعيسى بن زيد فقتله و لكن ذكرت كل ما روى في ذلك.

و أخبرني علي بن الحسين بن علي بن حمزة (1) العلوي، عن عمه محمد بن علي بن حمزة، عن المدائني، عن الهيثم، و يونس بن مرزوق:

أن رجلا رفع إلى صاحب البريد بأصبهان، أن أحمد بن عيسى و حاضرا بالبصرة و كور الأهواز يترددان، فكتب الرشيد في حملهما و القدوم بهما عليه، و كتب إلى أبي الساج و هو على البحرين، و إلى خالد بن الأزهر، و هو على الأهواز، و إلى خالد طرشت‏ (2) و كان على بريد طريق السند، بالسمع و الطاعة لصاحب بريد أصبهان، و أمر له بثلاثين ألف، و أمره بالمصير إلى هذه النواحي، و طلب أحمد بن عيسي.

فورد الأهواز، و أظهر أنه يطلب الزنادقة، و كان الذي أتاه بالخبر رجل

____________

(1) في الخطية «علي بن المحسن بن حمزة» .

(2) في ط و ق «خالد سرطست» .

497

بربري كان أحمد بن عيسى يأنس به، فلما قدم هذا الرجل و كان يعرف بعيسى الرواوزدي، أتى ذلك البربري أحمد بن عيسى كما كان يأتيه، فوصف له عيسى‏هذا و قال له: إنه من شيعتك و من حاله و من قصته، فأذن له فدخل إليه و هو جالس، و معه ابن إدريس بن عبد اللّه، و كاتب كان لإبراهيم بن عبد اللّه، فبدأ بأحمد بن عيسى و ابن إدريس فقبل أيديهما، و جلس معهما و آنسهما، و جعل يرسل إليهما بالهدايا و الكسوة، و اشترى لهما وصيفتين، فاطمأنا إليه و أكلا من طعامه و شربا من شرابه، فلما وقعت الثقة قال له: هذا بلد ضيّق و لا خير فيه، فهلما معي حتى أوافي بكما مصر و إفريقية؛ فإن أهلهما يخفون معي و يطيعونني. قالوا: و كيف تأخذ بنا؟ قال: أجلسكم الماء إلى واسط، ثم آخذ بكم على طريق الكوفة، ثم على الفرات إلى الشام. فأجابوه فأجلسهم في السفينة، و صيّر معهم أعوان أبي الساج أمناء عليهم و مضوا.

و لما كان في بعض الطريق قال لهم: أتقدمكم إلى واسط لإصلاح بعض ما نحتاج إليه من سفرنا من كراء أو غيره، و مضى هو و البربري فركبا دواب البريد و أوصى الموكلين بهما ألاّ يعلمونهم بشي‏ء و لا يوهمونهم أنهم من أصحاب السلطان، و أن يحتاطوا عليهم ما قدروا، ففعلوا ذلك و مضوا.

فلما كانوا ببعض الطريق حبسهم أصحاب الصدقة و قالوا: لا تجوزوا، فصاح بهم الموكلون: نحن من أصحاب أبي الساج و أعوانه جئنا في أمر مهم، فخلوا عنهم، و انتبه أحمد بن عيسى و أصحابه لذلك، فلما جاوزوا قليلا قال لهم أحمد بن عيسى: أقدموا إلى الشط (1) لنصلي. فقدم الملاحون، و خرجوا، فتفرقوا بين النخل و تستروا بها و أبعدوا عن أعين الموكلين، و الموكلون في الزورق لا يوهمونهم أنهم معهم، فلما بعدوا عن أعينهم جعلوا يحضرون على أقدامهم حتى فاتوهم هربا و بعدوا عنهم. و طال انتظار الموكلين بهم، فلم يعرفوا خبرهم و ما الذي أبطأ بهم، فخرجوا يطلبونهم، فلم يجدوهم، و تتبعوا آثارهم و جدّوا في أمرهم، فلم يقدروا عليهم، فرجعوا إلى الزورق خائبين حتى أتوا واسط، و قد قدمها عيسى صاحب بريد أصبهان الذي دبّر على القوم ما دبر، و قد وجّه معه الرشيد ثلاثين رجلا ليتسلم

____________

(1) في ط و ق «اقدموا إلى واسط» .

498

أحمد، فأخبروه ما كان، فقال: لا و اللّه و لكن ارتشيتم و صانعتم و داهنتم، و قدم بهم على الرشيد فضربهم بالسياط ضربا مبرحا، و حبسهم جميعا في المطبق، و غضب على أبي الساج دهرا حتى سأله فيه أخوه الرشيد، فرضي عنه بعد أن كان قد همّ بقتله.

و مضى أحمد بن عيسى و أصحابه فرجعوا إلى البصرة، فلم يزالوا مقيمين حتى مات أحمد بن عيسى، و ذلك في سنة سبع و أربعين و مائتين.

حدثني أحمد بن سعيد، قال: حدثنا محمد بن منصور، قال: حدثني علي بن أحمد بن عيسى:

ان أباه توفي في ليلة ثلاث و عشرين من شهر رمضان سنة سبع و أربعين و مائتين.

حدثني أحمد بن سعيد، قال: حدثنا محمد بن منصور، قال:

سألت أحمد بن عيسى: كم تعد من السنين؟.

قال: ولدت يوم الثاني من المحرم سنة سبع و خمسين و مائة.

63-عبد اللّه بن موسى‏

و عبد اللّه بن موسى بن عبد اللّه بن الحسن بن الحسن ابن علي بن أبي طالب عليهم السلام و أمه أم سلمة بنت محمد بن طلحة (1) بن عبد الرحمن بن أبي بكر، و لها يقول وحشي الرياحي:

يعجبني من فعل كل مسلمه # مثل الذي تفعل أم سلمه

إقصاؤها عن بيتها كل أمه # و أنها قدما تساوي المكرمه‏

و كان عبد اللّه توارى في أيام المأمون، فكتب إليه بعد وفاة الرضا يدعوه إلى الظهورليجعله مكانه و يبايع له، و اعتد عليه بعفوه عمن عفا من أهله، و ما أشبه هذا من القول:

فأجابه عبد اللّه برسالة طويلة يقول فيها:

____________

(1) في الخطية «بنت محمد بن علي» .

499

فبأي شي‏ء تغرني‏ (1) ؟ما فعلته بأبي الحسن-صلوات اللّه عليه-بالعنب الذي أطعمته إيّاه فقتلته.

و اللّه ما يقعدني عن ذلك خوف من الموت و لا كراهة له، و لكن لا أجد لي فسحة (2) في تسليطك على نفسي، و لولا ذلك لأتيتك حتى تريحني من هذه الدنيا الكدرة.

و يقول فيها:

هبني لا ثأر لي عندك و عند آبائك المستحلين لدمائنا، الآخذين حقنا، الذين جاهروا (3) في أمرنا فحذرناهم، و كنت ألطف حيلة منهم بما استعملته من الرضى بنا و التستر لمحننا، تختل واحدا فواحدا منا، و لكني كنت امرأ حبب إليّ الجهاد، كما حبب إلى كل امرئ بغيته‏ (4) ، فشحذت سيفي، و ركبت سناني على رمحي، و استقرهت فرسي، لم أدر أيّ العدوّ أشد ضررا على الإسلام، فعلمت أن كتاب اللّه يجمع كل شي‏ء، فقرأته فإذا فيه: يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا قََاتِلُوا اَلَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ اَلْكُفََّارِ وَ لْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً (5) .

فما أدري من يلينا منهم، فأعدت النظر، فوجدته يقول: لاََ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللََّهِ وَ اَلْيَوْمِ اَلْآخِرِ يُوََادُّونَ مَنْ حَادَّ اَللََّهَ وَ رَسُولَهُ وَ لَوْ كََانُوا آبََاءَهُمْ أَوْ أَبْنََاءَهُمْ أَوْ إِخْوََانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ (6) فعلمت أنّ عليّ أن أبدأ بما قرب مني.

و تدبرت فإذا أنت أضر على الإسلام و المسلمين من كل عدو لهم، لأن الكفار خرجوا منه و خالفوه فحذرهم الناس و قاتلوهم، و أنت دخلت فيه ظاهرا فأمسك الناس و طفقت تنقض عراه عروة عروة، فأنت أشد أعداء الإسلام ضررا عليه.

و هي رسالة طويلة قد أتينا بها في الكتاب الكبير.

____________

(1) في الخطية «بأي شي‏ء نعتذر مما فعلته... » .

(2) في ط و ق «قسمة» .

(3) في ط و ق «جاهدوا» .

(4) في ط و ق «تبعته» .

(5) سورة التوبة 123.

(6) سورة المجادلة 22.

500

و أخبرني‏ (1) جعفر بن محمد الوراق الكوفي، قال: حدثني عبد اللّه بن علي بن عبيد اللّه العلوي الحسيني، عن أبيه، قال:

كتب المأمون إلى عبد اللّه بن موسى و هو متوار منه يعطيه الأمان، و يضمن له أن يوليه‏العهد بعده، كما فعل بعلي بن موسى، و يقول: ما ظننت أن أحدا من آل أبي طالب يخافني بعد ما عملته بالرضا، و بعث الكتاب إليه.

فكتب إليه عبد اللّه بن موسى:

وصل كتابك و فهمته، تختلني فيه عن نفسي ختل القانص، و تحتال على حيلة المغتال القاصد لسفك دمي.

و عجبت من بذلك العهد و ولايته لي بعدك، كأنك تظن أنه لم يبلغني ما فعلته بالرضا، ففي أي شي‏ء ظننت أني أرغب من ذلك؟.

أفي الملك الذي قد غرتك نضرته و حلاوته؟فو اللّه لأن أقذف و أنا حيّ في نار تتأجج‏ أحب إليّ من أن ألي أمرا بين المسلمين أو أشرب شربة من غير حلها مع عطش شديد قاتل.

أم في العنب المسموم الذي قتلت به الرضا؟ أم ظننت أن الاستتار قد أملّني و ضاق به صدري، فو اللّه إني لدلك، و لقد مللت الحياة و أبغضت الدنيا، و لو وسعني في ديني أن أضع يدي في يدك حتى تبلغ من قبلي مرادك لفعلت ذلك، و لكن اللّه قد حظر على المخاطرة بدمي، وليتك قدرت عليّ من غير أن أبذل نفسي لك فقتلتني، و لقيت اللّه-عزّ و جلّ-بدمي، و لقيته قتيلا مظلوما، فاسترحت من هذه الدنيا.

و اعلم أني رجل طالب النجاة لنفسي، و اجتهدت فيما يرضى اللّه عزّ و جلّ عني، و في عمل أتقرب به إليه، فلم أجد رأيا يهدي إلى شي‏ء من ذلك، فرجعت إلى القرآن الذي فيه الهدى و الشفاء، فتصفحته سورة سورة، و آية آية، فلم أجد شيئا أزلف للمرء عند ربه جل و عز من الشهادة في طلب مرضاته.

ثم تتبعته ثانية أتأمل الجهاد أيه أفضل، و لأي صنف، فوجدته جل و علا

____________

(1) من هنا إلى قوله: «و لم يزل عبد اللّه متواريا إلى أن مات في أيام المتوكل» غير موجود في الخطية.

501

يقول: قََاتِلُوا اَلَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ اَلْكُفََّارِ وَ لْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً (1) فطلبت أيّ الكفّار أضرّ على الإسلام، و أقرب من موضعي، فلم أجد أضر على الإسلام منك، لأن الكفار أظهروا كفرهم، فاستبصر الناس في أمرهم، و عرفوهم فخافوهم.

و أنت ختلت المسلمين بالإسلام، و أسررت الكفر، فقتلت بالظنّة، و عاقبت بالتهمة، و أخذت المال من غير حله فأنفقته في غير حله، و شربت الخمر المحرمة صراحا، و أنفقت مال اللّه على الملهّين و أعطيته المغنين، و منعته من حقوق المسلمين، فغششت بالإسلام، و أحطت بأقطاره إحاطة أهله، و حكمت فيه للمشرك، و خالفت اللّه و رسوله في ذلك خلافة المضاد المعاند، فإن يسعدني الدهر، و يعني اللّه عليك بأنصار الحق، أبذل نفسي في جهادك بذلا يرضيه مني، و إن يمهلك و يؤخرك ليجزيك بما تستحقه في منقلبك، أو تخرتمني الأيام قبل ذلك فحسبي من سعي ما يعلمه اللّه عزّ و جلّ من نيتي، و السلام.

و لم يزل عبد اللّه متواريا إلى أن مات في أيام المتوكل.

فحدثني أحمد بن سعيد، قال: حدثني يحيى بن الحسن، قال: حدثنا اسماعيل بن يعقوب، قال: سمعت محمد بن سليمان الزينبي‏ (2) يقول:

نعى عبد اللّه بن موسى إلى المتوكل صبح أربع عشرة ليلة من يوم مات، و نعى له أحمد بن عيسى فاغتبط بوفاتهما و سر، و كان يخافهما خوفا شديدا و يحذر حركتهما، لما يعلمه من فضلهما، و استنصار الشيعة الزيدية بهما و طاعتها لهما لو أرادوا الخروج عليه، فلما ماتا أمن و اطمأن، فما لبث بعدهما إلاّ أسبوعا حتى قتل.

و كان عبد اللّه بن موسى يقول شيئا من الشعر.

أنشدني أحمد بن سعيد، قال: أنشدنا يحيى بن الحسن، قال: أنشدني إسماعيل بن يعقوب لعبد اللّه بن موسى:

و إني لمرتاد جوادي و قاذف # به و بنفسي العام إحدى المقاذف‏

(3)

____________

(1) سورة التوبة 123.

(2) في ط و ق «محمد بن سليمان الرسي» .

(3) الشعر في الأغاني 10/160.

502

مخافة دنيا رثّة أن تميلني # كما مال فيها الهالك المتجانف‏ (1)

فيا رب إن حانت وفاتي فلا تكن # على شرجع يعلى بخضر المطارف‏ (2)

و لكن قتيلا شاهدا لعصابة # يصابون في فج من الأرض خائف‏ (3)

إذا فارقوا دنياهم فارقوا الأذى # و صاروا إلى ميعاد ما في المصاحف‏ (4)

قال أبو الفرج: هكذا ذكر اسماعيل بن يعقوب، و هذا الشعر للطرماح بن حكيم الطائي‏ (5) ، و كان يذهب مذهب الشّراة (6) ، و لعل عبد اللّه بن موسى كان ينشده متمثلا.

____________

(1) هذا البيت غير موجود في الأغاني، و فيه بدله:

لأكسب مالا أو أؤول إلى غنى # من اللّه يكفيني غداة الخلائف‏

(2) الشرجع: النعش، و بعده في الأغاني:

و لكن قبري بطن نسر مقيله # بجو السماء في نسور عواكف‏

(3) صدره كما في الأغاني «و أمسى شهيدا ثاويا في عصابة» و بعده:

فوارس من شيبان ألف بينهم # تقى اللّه نزالون عند التراجف‏

(4) في الخطية «ما في الصحائف» .

(5) قال أبو الفرج في ترجمة الطرماح 10/160 «و أخبرني محمد بن القاسم الأنباري قال: أخبرني أبي قال:

حدثني الحسن بن عبد الرحمن الربعي قال: حدثنا محمد بن عمران قال: حدثني إبراهيم بن سوار الضبي، قال: حدثني محمد بن زياد القرشي عن ابن شبرمة قال:

كان الطرماح لنا جليسا، ففقدناه أياما كثيرة، فقمنا بأجمعنا لننظر ما فعل و ما دهاه، فلما كنا قريبا من منزله إذا نحن بنعش عليه مطرف أخضر، فقلنا: لمن هذا النعش؟فقيل: هذا نعش الطرماح، فقلنا: و اللّه ما استجاب اللّه تعالى له حيث يقول: و إني لمقتاد جوادي و قاذف» .

(6) قال أبو الفرج في الأغاني 10/156 «أخبرني اسماعيل بن يونس قال: حدثنا عمر بن شبّة، عن المدائني، عن أبي بكر الهذلي قال:

قدم الطرماح بن حكيم الكوفة، فنزل في تيم اللات بن ثعلبة، و كان فيهم شيخ من الشراة له سمت و هيئة، و كان الطرماح يجالسه و يسمع منه، فرسخ كلامه في قلبه، و دعاه الشيخ إلى مذهبه فقبله، و اعتقده أشد اعتقاد و أصحه حتى مات عليه» .

503

أيام المنتصر

504

أيام المنتصر و كان المنتصر يظهر الميل إلى أهل هذا البيت‏ (1) ، و يخالف أباه في أفعاله، فلم يجر منه على أحد منهم قتل أو حبس و لا مكروه فيما بلغنا (2) ، و اللّه أعلم.

____________

(1) مروج الذهب 2/284-285 و ابن الأثير 7/39-40 و أبو الفداء 2/44 و الطبري 11/81.

(2) جاء في الطبري 11/81 «أن المنتصر لما ولى الخلافة كان أول شي‏ء أحدث من الأمور، عزل صالح بن علي عن المدينة، و تولية علي بن الحسين بن إسماعيل بن العباس بن محمد إيّاها، فذكر عن علي بن الحسين أنه قال: دخلت عليه أودعه فقال لي: يا علي، إني أوجهك إلى لحمي و دمي، و مد جلد ساعده و قال: إلى هذا و جهتك، فانظر كيف تكون للقوم، و كيف تعاملهم-يعني آل أبي طالب-فقلت: أرجو أن أمتثل رأي أمير المؤمنين-أيّده اللّه-فيهم إن شاء اللّه، فقال إذا تسعد بذلك عندي» .