مقاتل الطالبيين

- ابو الفرج الأصفهاني المزيد...
663 /
55

لما أتى عائشة نعى علي أمير المؤمنين-عليه السلام-تمثّلت:

فألقت عصاها و استقرت بها النوى # كما قرّ عينا بالأياب المسافر (1)

ثم قالت: من قتله؟فقيل: رجل من مراد، فقالت:

فإن يك نائبا فلقد بغاه # غلام ليس في فيه التراب‏

فقالت لها زينب بنت أم سلمة: ألعلي تقولين هذا؟فقالت: إذا نسيت فذكروني، قال: ثم تمثلت:

ما زال إهداء القصائد بيننا # باسم الصديق و كثرة الألقاب

حتى تركت كأن قولك فيهم # في كل مجتمع طنين ذباب‏ (2)

قال: و كان الذي جاءها بنعيه سفيان بن أبي أمية بن عبد شمس بن أبي وقاص هذا أو نحوه. حدّثني محمد بن الحسين الأشناني، قال: حدّثنا أحمد بن حازم، قال: حدّثنا عاصم بن عامر، و عثمان بن أبي شيبة، قالا: حدّثنا جرير، عن الأعمش، عن عمرو (3) بن مرة، عن أبي البختري، قال: لما أن جاء عائشة قتل علي عليه السلام سجدت. قال أبو مخنف:

و قالت أم الهيثم بنت الأسود النخعية ترثي أمير المؤمنين علي بن أبي طالب- عليه السلام- (4) :

ألا يا عين ويحك فاسعدينا # ألا تبكي أمير المؤمنينا

رزئنا خير من ركب المطايا # و خيّسها و من ركب السفينا (5)

و من لبس النعال و من حذاها # و من قرأ المثاني و المئينا (6)

و كنا قبل مقتله بخير # نرى مولى رسول اللّه فينا

____________

(1) ابن سعد 3/27، و ابن الأثير 3/171 و الطبري 6/87.

(2) في الخطية «مجمعة» .

(3) في ط و ق «عمير» و ما ذكر عن الخطية و خلاصة تذهيب الكمال 249 و ميزان الاعتدال 2/301.

(4) اختلف الرواة في ترتيب هذه الأبيات كما اختلفوا في نسبتها. و قد نسبها المؤلف في كتاب الأغاني 11/122 لأبي الأسود الدؤلي، و هي منسوبة له أيضا في الطبري 6/87 و ابن الأثير 3/171.

(5) كذا في الخطية و الأغاني. و خيسها أي ذللها. و في ط و ق «و حبسها» و في الطبري و ابن الأثير «و رحلها» .

(6) كذا في الأصول و الأغاني و في ابن الأثير «و المبينا» .

56

يقيم الدين لا يرتاب فيه # و يقضي بالفرائض مستبينا

و يدعو للجماعة من عصاه # و ينهك‏ (1) قطع أيدي السارقينا

و ليس بكاتم علما لديه # و لم يخلق من المتجبرينا

لعمر أبي لقد أصحاب مصر # على طول الصحابة أوجعونا

و غرونا بأنهم عكوف # و ليس كذاك فعل العاكفينا

أفي شهر الصيام فجعتمونا # بخير الناس طرا أجمعينا

و من بعد النبي فخير نفس # أبو حسن و خير الصالحينا

كأن الناس إذ فقدوا عليا # نعام جال في بلد سنينا

و لو أنا سئلنا المال فيه # بذلنا المال فيه و البنينا

أشاب ذؤابتي و أطال حزني # أمامة حين فارقت القرينا

تطوف بها لحاجتها إليه # فلما استيأست رفعت رنينا

و عبرة أم كلثوم إليها # تجاوبها و قد رأت اليقينا

فلا تشمت معاوية بن صخر # فإن بقية الخلفاء فينا

و أجمعنا الإمارة عن تراض # إلى ابن نبينا و إلى أخينا

و لا نعطي زمام الأمر فينا # سواه الدهر آخر ما بقينا

و إن سراتنا و ذوي حجانا # تواصو أن نجيب إذا دعينا

بكل مهنّد عضب و جرد # عليهن الكماة مسوّمينا (2)

أخبرني عمي الحسن بن محمد، قال: أنشدني محمد بن سعد الكناني‏ (3)

لبعض بني عبد المطلب يرثي أمير المؤمنين عليه السلام، و لم يعرف اسمه:

يا قبر سيدنا المجن له # صلّى الإله عليك يا قبر (4)

____________

(1) ينهك: يبالغ في العقوبة.

(2) العضب: القاطع، و الجرد: الخيل القصيرة الشعر. و الكماة: جمع كمي و هو الشجاع المقدم الجري‏ء، و سمي كميا لأنه يكمي شجاعته أي يكتمها لوقت حاجته إليها و لا يظهرها متكثرا بها. و مسومين: أي معلمين.

(3) في ط و ق «ابن سعد الكواني» و في ابن أبي الحديد «ابن سعد لبعض بني» .

(4) كذا في ط و ق و في الخطية «المجن سماحة» .

57

ما ضر قبرا أنت ساكنه # أن لا يحل بأرضه القطر (1)

فليندين سماح كفك في الثرى # و ليورقن بجنبك الصخر (2)

و اللّه لو بك لم أجد (3) أحدا # إلاّ قتلت، لفاتني الوتر

عصر بني أمية

4-الحسن بن علي‏

و الحسن بن علي‏ (4) بن أبي طالب-عليهما السلام-و يكنى أبا محمد (5) و أمه فاطمة بنت رسول اللّه (ص) (6) ، و كانت فاطمة تكنى أم أبيها، ذكر ذلك قعنب ابن محرز الباهلي، حدّثني به محمد بن زكريا الصحاف، عن أبي نعيم الفضل بن دكين، عن الحسين بن زيد بن علي، عن جعفر بن محمد عن أبيه.

و أمها خديجة (7) ، تكنى أم هند بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي.

و أمها فاطمة بنت زائدة بن الأصم بن هرم بن رواحة بن حجر بن عبد بن معيص بن عامر بن لؤي.

و أمها هالة بنت‏[عبد] (8) مناف بن الحارث بن منقذ بن عمرو بن معيص بن عامر بن لؤي.

و أمها العرقة، و هي قلابة (9) بنت سعيد بن سهم بن عمرو بن

____________

(1) في ط و ق «قبر» .

(2) في ط و ق «فليغدين» و في الخطية «فليعدين... لجنبك» .

(3) في المخطوطة «لم أدع أحدا» .

(4) الإرشاد 147 و المحبر 18 و تاريخ بغداد 1/138 و تهذيب التهذيب 2/295، و تهذيب الأسماء و اللغات 1/158 و تاريخ ابن عساكر 10/49-202 و تهذيب تاريخ ابن عساكر 4/199-228 و مرآة الجنان 1/122 و ابن أبي الحديد 4/5-18 و الإصابة 2/11 و التنبيه و الإشراف 260 و الإمامة و السياسة 144 و ابن الأثير 3/197 و الطبري 6/91 و المعارف 92 و تاريخ الخلفاء 126-130 و مروج الذهب 2/36 و العقد 4/361.

(5) كناه بذلك رسول اللّه كما في تهذيب الأسماء 1/158.

(6) ابن سعد 8/11-20 و الإصابة 8/157-160.

(7) الإصابة 8/60 و ابن سعد 8/7 و فيه ص 11 «و كانت تكنى أم هند بولدها من زوجها أبي هالة التميمي» .

(8) الزيادة من المحبر 18 و ابن سعد 8/8.

(9) في ط و ق «فلانة» و التصويب من ابن سعد و المحبر:

58

هصيص بن كعب بن لؤي. و إنما سميت العرقة لطيب عرقها و عطرها، و كانت مبدنة، و كانت إذا عرقت فاحت رائحة الطيب منها فسميت العرقة.

و أمها عاتكة بنت عبد العزى بن قصي.

و أمها الحظيا و هي ريطة الصغرى بنت كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي.

و أمها مارية (1) و يقال قيلة بنت حذافة بن جمح.

و أمها ليلى بنت عامر الخيار بن غيسان‏ (2) و اسمه الحرث بن عبد عمرو بن عمرو بن قوي‏ (3) بن ملكان بن أفصى من خزاعة.

و أمها سلمى بنت سعد بن كعب بن عمرو من خزاعة.

و أمها ليلى بنت عابس‏ (4) بن الظرب بن الحرث بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة.

و أمها سلمى بنت لؤي‏ (5) بن غالب.

و أمها ليلى بنت محارب‏ (6) بن فهر.

و أمها عاتكة بنت مخلد (7) بن النضر بن كنانة.

و أمها الوارثة بنت الحرث بن مالك بن كنانة.

و أمها مارية بنت سعد بن زيد مناة بن تميم و اسمها أسماء بنت جشم بن بكر بن حبيب بن عمرو بن غنم بن ثعلب بن وائل بن قاسط بن هنب بن أفصى بن دغمى بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار.

و تزوجت خديجة-صلوات اللّه عليها-قبل رسول اللّه (ص) رجلين.

يقال لأحدهما عتيق بن عائذ (8) بن عبد اللّه بن عمر بن مخزوم، و ولدت له بنتا

____________

(1) في المحبر «ماوية» و في ابن سعد «نائلة» .

(2) في المحبر «غيشان» .

(3) في المحبر «ابن بؤي» .

(4) في المحبر «بنت عائش» .

(5) في المحبر «و أمها نعم بنت كعب بن لؤي» .

(6) و في المحبر «سلمى بنت محارب» .

(7) و في المحبر «بنت يخلد» .

(8) في ابن سعد «ابن عابد» .

59

يقال لها هند. ثم توفي عنها. فخلف عليها أبو هالة (1) بن النبّاش بن زرارة بن و قدان بن حبيب بن سلامة بن عدي‏ (2) بن حرزة بن أسيد بن عمرو بن تميم، فولدت له ابنا يقال له هند، و روى عن النبي (ص) ، روى عنه الحسن بن علي بن أبي طالب حديث صفة رسول اللّه (ص) المشهور، و قال فيه: سألت خالي هند بن أبي هالة عن صفة رسول اللّه (ص) و كان له وصّافا.

و توفيت خديجة-رضي اللّه عنها-قبل الهجرة بثلاث سنين، و لها يومئذ خمس و ستون سنة (3) . حدّثني بذلك الحسن بن علي، قال: حدّثنا الحرث بن محمد، قال: حدّثنا ابن سعد عن الواقدي. و دفنت بالحجون.

و كان مولد فاطمة-عليها السلام-قبل النبوّة و قريش حينئذ تبني الكعبة (4)

و كان تزويج علي بن أبي طالب إيّاها في صفر بعد مقدم رسول اللّه (ص) المدينة، و بنى بها بعد رجوعه من غزوة بدر، و لها يومئذ ثماني عشرة سنة (5) .

حدّثني بذلك الحسن بن علي، قال: حدّثنا الحرث، قال: حدّثنا ابن سعد (6) عن الواقدي، عن أبي بكر بن عبد اللّه بن أبي سبرة، عن إسحاق بن عبد اللّه بن أبي فروة، عن أبي جعفر (7) بن محمد بن علي.

و كان مولد الحسن في سنة ثلاث من الهجرة.

و كانت وفاته-عليه السلام-بعد عشر سنين خلت من إمارة معاوية، و ذلك في سنة خمسين من الهجرة (8) .

و كانت وفاة فاطمة-عليها السلام-بعد وفاة النبي (ص) بمدة يختلف في

____________

(1) في ابن سعد و المحبر أن عتيقا هو الذي خلف أبا هالة.

(2) في المحبر و ابن سعد «ابن غوى بن جروة» و في الخطية «عدي بن جروة» .

(3) في ابن سعد 8/11 «توفيت في شهر رمضان سنة عشر من النبوة» .

(4) ابن سعد 8/11 و الإصابة 8/157.

(5) ابن سعد 8/13.

(6) في الخطية «ابن أبي سعيد» .

(7) في ط و ق «عن جعفر» .

(8) قال ابن عساكر «قيل: توفي الحسن سنة 48 و هو الصحيح و قيل سنة 49 و قيل سنة 50 و قيل سنة 58 و قيل سنة 59» و الصحيح أنه توفي سنة 49 كما قال أبو الفداء و ابن الأثير 3/197.

60

مبلغها؛ فالمكثّر يقول: بستة أشهر (1) . و المقلّل يقول‏ (2) : أربعين يوما؛ إلاّ أن الثابت في ذلك ما روى عن أبي جعفر محمد بن علي أنّها توفيت بعده بثلاثة أشهر (3) .

حدّثني بذلك الحسن بن عبد اللّه‏ (4) ، قال: حدّثنا الحرث، عن ابن سعد (5) ، عن الواقدي، عن عمرو بن دينار، عن أبي جعفر محمد بن علي.

و كان في لسان الحسن بن علي ثقل كالفأفأة.

حدّثني به محمد بن الحسين الأشناني، قال: حدّثنا محمد بن اسماعيل الأحمسي، قال: حدّثنا مفضل بن صالح‏عن جابر، قال: كانت في لسان الحسن رتّة، فقال سلمان الفارسي. أتته‏[من‏]قبل عمّه موسى‏[بن عمران‏] (6) -عليه السلام-.

و دس معاوية إليه حين أراد أن يعهد إلى يزيد بعده، و إلى سعد بن أبي وقّاص سمّا فماتا منه في أيام متقاربة.

و كان الذي تولّى ذلك من الحسن زوجته‏[جعدة] (7) بنت الأشعث بن قيس لمال بذله لها معاوية.

و سنذكر الخبر في ذلك.

و قيل: اسمها سكينة، و قيل: شعثاء، و قيل: عائشة، و الصحيح في ذلك جعدة.

____________

(1) في الخطية «بثمانية أشهر» .

(2) في الخطية «أربعون» .

(3) ابن سعد 8/18.

(4) في ط و ق «الحسن بن علي» .

(5) في الخطية «عن أبي سعيد» .

(6) الزيادة من ابن أبي الحديد 4/11.

(7) الزيادة من الخطية.

61

ذكر الخبر في بيعته بعد وفاة أمير المؤمنين علي (ع) و تسليمه الأمر إلى معاوية و السبب في وفاته‏

حدّثني أحمد بن عيسى العجلي، قال: حدّثنا حسين بن نصر، قال:

حدّثنا زيد بن المعذل، عن يحيى شعيب، عن أبي مخنف، قال: حدّثني أشعث بن سوار عن أبي إسحاق‏[السبيعي‏] (1) عن سعيد (2) بن رويم، و حدّثني علي بن إسحاق المخرمي‏ (3) و أحمد بن الجعد، قالا: حدّثنا عبد اللّه بن عمر شكدانه‏ (4) ، قال: حدّثنا وكيع عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن حبشي، و حدّثني علي بن إسحاق، قال: حدّثنا عبد اللّه بن عمر، قال: حدّثنا عمران بن عيينة عن الأشعث، عن أبي إسحاق موقوفا، و حدّثني محمد بن الحسين الخثعمي، قال: حدّثنا عباد بن يعقوب، قال: حدّثنا عمرو بن ثابت عن أبي إسحاق، عن هبيرة بن بريم، قال: قال عمرو بن ثابت:

كنت أختلف إلى أبي إسحاق‏[السبيعي‏] (5) سنةأسأله عن خطبة الحسن بن علي، فلا يحدّثني بها، فدخلت إليه في يوم شات و هو في الشمس و عليه برنسه كأنه غول، فقال لي: من أنت؟فأخبرته، فبكى و قال: كيف أبوك؟كيف أهلك؟قلت: صالحون، قال: في أي شي‏ء تردّد منذ سنة؟ قلت: في خطبة الحسن بن علي بعد وفاة أبيه.

قال: [حدّثني هبيرة بن بريم‏]، و حدّثني محمد بن محمد الباغندي، و محمد بن حمدان الصيدلاني، قالا: حدّثنا إسماعيل بن محمد العلوي، قال:

حدّثني عمي علي بن جعفر بن محمد، عن الحسين بن زيد بن علي بن الحسين بن زيد بن الحسن، عن أبيه، دخل حديث بعضهم في حديث بعض، و المعنى قريب، قالوا:

____________

(1) الزيادة من الخطية.

(2) في ق «سعد» .

(3) في الخطية «المخرمي حجاج» .

(4) في ط و ق «مشكدانه» .

(5) الزيادة من ابن أبي الحديد 4/11 و اسمه عمرو بن عبد اللّه الهمداني تابعي ثقة توفي سنة 127 هـ كما في المعارف‏

62

خطب الحسن بن علي بعد وفاة أمير المؤمنين علي عليه السلام، فقال‏ (1) :

لقد قبض في هذه الليلة رجل لم يسبقه الأولون بعمل، و لا يدركه الآخرون بعمل، و لقد كان يجاهد مع رسول اللّه (ص) فيقيه بنفسه، و لقد كان يوجهه برايته فيكتنفه جبرئيل عن يمينه، و ميكائيل عن يساره، فلا يرجع حتى يفتح اللّه عليه، و لقد توفي في هذه الليلة التي عرج فيها بعيسى بن مريم، و لقد توفي فيها يوشع بن نون وصي موسى، و ما خلّف صفراء و لا بيضاء إلاّ سبعمائة درهم بقيت من عطائه أراد أن يبتاع بها خادما لأهله.

ثم خنقته العبرة، فبكى و بكى الناس معه.

ثم قال: أيّها الناس، من عرفني فقد عرفني، و من لم يعرفني فأنا الحسن بن محمد (ص) ، أنا ابن البشير، أنا ابن النذير، أنا ابن‏الداعي إلى اللّه عزّ و جلّ بإذنه، و أنا ابن السراج المنير، و أنا من أهل البيت الذين أذهب اللّه عنهم الرجس و طهرهم تطهيرا، و الذين افترض اللّه مودتهم في كتابه إذ يقول:

وَ مَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهََا حُسْناً (2) . فاقتراف الحسنة مودتنا أهل البيت.

قال أبو مخنف عن رجاله:

ثم قام ابن عباس بين يديه، فدعا الناس إلى بيعته، فاستجابوا له، و قالوا: ما أحبه إلينا و أحقه بالخلافة فبايعوه.

ثم نزل عن المنبر.

قال: و دسّ معاويةرجلا من بني حمير إلى الكوفة، و رجلا من بني القين إلى البصرة يكتبان إليه بالأخبار، فدل على الحميري عند (3) لحام جرير (4) و دلّ على القيني بالبصرة في بني سليم، فأخذا و قتلا (5) .

____________

(1) الطبري 6/91 و ابن الأثير و ابن أبي الحديد 4/11 و الإرشاد ص 147 و صفة الصفوة 1/126.

(2) سورة الشورى 23.

(3) في ط و ق «عبد» .

(4) في الأغاني 18/162 عن أبي مخنف «قال: لما بلغ معاوية مصاب أمير المؤمنين علي دس رجلا من بني القين إلى البصرة يتجسس الأخبار و يكتب بها إليه فدل على القيني بالبصرة في بني سليم فأخذ و قتل.

(5) الإرشاد 148 و ابن أبي الحديد 4/11.

63

و كتب الحسن إلى معاوية:

أما بعد، فإنك دسست إليّ الرجال كأنك تحب اللقاء، و ما أشك في ذلك، فتوقّعه إن شاء اللّه، و قد بلغني أنك شمت بما لا يشمت به ذوو الحجى، و إنما مثلك في ذلك كما قال الأوّل:

و قل للذي يبغي‏ (1) خلاف الذي مضى # تجهز لأخرى مثلها فكأن قد

و إنا و من قد مات منا لكالذي # يروح و يمسي في المبيت ليغتدي (23)

فأجابه معاوية:

أما بعد، فقد وصل كتابك، و فهمت ما ذكرت فيه، و لقد علمت بما حدث فلم أفرح و لم أحزن و لم أشمت و لم آس‏ (2) ، و إن علي بن أبي طالب كما قال أعشى بني قيس بن ثعلبة:

و أنت الجواد و أنت الذي # إذا ما القلوب ملأن الصدورا (3)

جدير بطعنة يوم اللقا # ء تضرب منها النساء النحورا

و ما مزبد من خليج البحا # ر يعلو الإكام و يعلو الجسورا (4)

بأجود منه بما عنده # فيعطي الألوف و يعطى البدورا

قال: و كتب عبد اللّه بن العباس من البصرة إلى معاوية (5) :

أما بعد، فإنك و دسّك أخا بني قين إلى البصرة تلتمس من غفلات قريش مثل الذي ظفرت به من يمانيتك لكما قال أمية بن الأسكر (6) :

لعمرك إني و الخزاعيّ طارقا # كنعجة عاد حتفها تتحفّر (7)

____________

(1) في ط و ق «يبقى» .

(2) فيهما «و لم أيأس» .

(3) الأبيات في ديوانه ص 72.

(4) في ديوانه «من خليج الفرات يغشى الإكام» .

(5) الأغاني 18/162 و ابن أبي الحديد 4/12.

(6) في الأغاني «كما قال الشاعر» و في ابن أبي الحديد كما قال أمية بن أبي الصلت و في ط و ق «كما قال أمية-يعني ابن الأشكر» و هو تحريف.

(7) في الخطية و الأغاني «كنعجة عاد» و في ط و ق «غاز» و في ابن أبي الحديد «كنعجة غادت» .

64

أثارت عليها شفرة بكراعها # فظلّت بها من آخر الليل تنحر

شمتّ بقوم من‏ (1) صديقك أهلكوا # أصابهم يوم من الدهر أصفر (2)

فأجابه معاوية:

أما بعد، فإن الحسن بن علي قد كتب إليّ بنحو ما كتبت به، و أنبأني بما لم أجز (3) ظنا و سوء رأي، و إنك لم تصب مثلكم و مثلي و لكن مثلنا ما قاله طارق الخزاعي يجيب أمية عن هذا الشعر (4) :

فو اللّه ما أدري و إني لصادق # إلى أيّ من يظنّني‏ (5) أتعذّر

أعنّف أن كانت زبينة أهلكت # و نال بني لحيان شرّ فأنفروا (6)

قال أبو الفرج:

و كان أوّل شي‏ء أحدث الحسن أنه زاد المقاتلة (7) مائة مائة، و قد كان عليّ فعل ذلك يوم الجمل، و الحسن فعله على حال الاستخلاف، فتبعه الخلفاء من بعد ذلك.

و كتب الحسن إلى معاوية مع جندب‏ (8) بن عبد اللّه الأزدي:

بسم اللّه الرحمن الرحيم من عبد اللّه الحسن أمير المؤمنين إلى معاوية بن أبي سفيان، سلام عليك،

____________

(1) في الأغاني «بقوم هم صديقك» ..

(2) في الأصول و ابن أبي الحديد «من الدهر أصفر» و في الأغاني «أعسر» و فيه أيضا «أصعر» .

(3) كذا في الأصول و الأغاني و في ابن أبي الحديد «بما لم يحقق سوء ظن و رأي فيّ» .

(4) في الأغاني 18/161 «قال أبو عمرو الشيباني: أصيب قوم من بني جندع بن ليث بن بكر بن هوازن رهط أمية بن الأسكر. يقال لهم: بنو زبينة أصابهم أصحاب النبي (ص) يوم المريسع في غزوة بني المصطلق و كانوا جيرانه يومئذ و معهم ناس من بني لحيان من هذيل، و مع بني جندع رجل من خزاعة يقال له:

طارق، فاتهمه بنو ليث و انه دل عليهم، و كانت خزاعة مسلمها و مشركها يميلون إلى النبي (ص) على قريش فقال أمية بن الأسكر لطارق الخزاعي «لعمرك إني و الخزاعي طارقا» ، فأجابه طارق الخزاعي فقال «لعمرك ما أدري و إني لقائل» .

(5) أظنه: اتهمه، و هو افتعل من الظنة بالكسر أي التهمة، فأصله اظتن، ثم أبدل و أدغم.

(6) انفروا: شردوا، و في الأغاني «نفروا» .

(7) في ط و ق «المقابلة» .

(8) في ابن أبي الحديد 4/12 «مع حرب بن عبد اللّه» .

65

فإني أحمد اللّه الذي لا إله إلاّ هو، أما بعد: فإن اللّه تعالى عزّ و جلّ بعث محمدا (ص) رحمة للعالمين، و منّة على المؤمنين، و كافة إلى الناس أجمعين‏ لِيُنْذِرَ مَنْ كََانَ حَيًّا وَ يَحِقَّ اَلْقَوْلُ عَلَى اَلْكََافِرِينَ (1) فبلغ رسالات اللّه، و قام على أمر اللّه حتى توفّاه اللّه غير مقصر و لا وان، حتى أظهر اللّه به الحق، و محق به الشرك، و نصر به المؤمنين، و أعزّ به العرب، و شرف به قريشا خاصّة، فقال تعالى: وَ إِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَ لِقَوْمِكَ (2) فلما توفي (ص) تنازعت سلطانه العرب فقالت قريش: نحن قبيلته‏و أسرته و أولياؤه، و لا يحل لكم أن تنازعونا سلطان محمد في الناس و حقّه، فرأت العرب أن القول كما قالت قريش، و أن الحجة لهم في ذلك على من نازعهم امر محمد (ص) فأنعمت‏ (3) لهم العرب و سلّمت ذلك، ثم حاججنا نحن قريشا بمثل ما حاجّت به العرب، فلم تنصفنا قريش إنصاف العرب لها، إنهم أخذوا هذا الأمر دون العرب بالانتصاف و الاحتجاج فلما صرنا أهل بيت محمد و أوليائه إلى محاجّتهم، و طلب النّصف منهم باعدونا، و استولوا بالاجتماع على ظلمنا و مراغمتنا، و العنت منهم لنا، فالموعد اللّه، و هو الولي النصير.

و قد تعجبنا لتوثب المتوثبين علينا في حقنا، و سلطان نبيّنا (ص) و إن كانوا ذوي فضيلةو سابقة في الإسلام، فأمسكنا عن منازعتهم مخافة على الدين أن يجد المنافقون و الأحزاب بذلك مغمزا يثلمونه به، أو يكون لهم بذلك سبب لما أرادوا به من فساده، فاليوم فليعجب المتعجب من توثّبك يا معاوية على أمر لست من أهله، لا بفضل في الدين معروف، و لا أثر في الإسلام محمود، و أنت ابن حزب من الأحزاب، و ابن أعدى قريش لرسول اللّه (ص) ، و لكنّ اللّه خيّبك و ستردّ فتعلم لمن عقبى الدار، تاللّه لتلقينّ عن قليل ربّك، ثم ليجزينّك بما قدمت يداك، و ما اللّه بظلاّم للعبيد.

إن عليا-رضوان اللّه عليه-لما مضى لسبيله-رحمة اللّه عليه-يوم

____________

(1) سورة يس 70.

(2) سورة الزخرف 44.

(3) أنعمت: أي قالت لهم نعم.

66

قبض، و يوم منّ اللّه عليه بالإسلام، و يوم يبعث حيا-و لانّي المسلمون الأمر بعده، فأسأل اللّه أن لا يزيدنا في الدنيا الزائلة شيئا ينقصنا به في الآخرة مما عنده من كرامته، و إنما حملني على الكتاب إليك الإعذار فيما بيني و بين اللّه سبحانه و تعالى في أمرك، و لك في ذلك إن فعلت الحظّ الجسيم، و للمسلمين فيه صلاح، فدع التمادي في الباطل و ادخل فيما دخل فيه الناس من بيعتي، فإنك تعلم أني أحق بهذا الأمر منك عند اللّه و عند كل أوّاب حفيظ، و من له قلب منيب، و اتّق اللّه، و دع البغي، و احقن دماء المسلمين، فو اللّه ما لك من خير في أن تلقى اللّه من دمائهم بأكثر مما أنت لاقيه به، فادخل في السلم و الطاعة، و لا تنازع الأمر أهله، و من هو أحق به منك، ليطفئ اللّه النّائرة (1) بذلك، و تجمع الكلمة، و تصلح ذات البين، و إن أنت أبيت إلاّ التمادي في غيك نهدت‏ (2) إليك بالمسلمين، فحاكمتك حتى يحكم اللّه بيننا و هو خير الحاكمين‏ (3) .

فكتب إليه معاوية:

بسم اللّه الرحمن الرحيم من عبد اللّه أمير المؤمنين إلى الحسن بن علي، سلام عليك، فإني أحمد إليك اللّه الذي لا إله إلاّ هو، أما بعد، فقد بلغني كتابك، و فهمت ما ذكرت به رسول اللّه (ص) من الفضل، و هو أحق الأولين و الآخرين بالفضل، كلّه، قديمه و حديثه، و صغيره و كبيره، فقد و اللّه بلّغ فأدى، و نصح و هدى، حتى أنقذ اللّه به من التّهلكة، و أنار به من العمى، و هدى به من الضلالة، فجزاه اللّه أفضل ما جزى نبيا عن أمته، و صلوات اللّه عليه يوم ولد و يوم قبض و يوم يبعث حيا.

____________

(1) النائرة: العداوة و البغضاء.

(2) نهد إليه: ارتفع.

(3) ابن أبي الحديد 4/12.

67

و ذكرت وفاة النبي (ص) ، و تنازع المسلمين من بعده، فرأيتك صرحت بتهمة أبي بكر الصديق، و عمر الفاروق، و أبي عبيدة الأمين، و حواري الرسول (ص) ، و صلحاء المهاجرين و الأنصار، فكرهت ذلك لك، فإنك امرؤ عندنا و عند الناس غير ظنين، و لا المسي‏ء و لا اللئيم، و أنا أحب لك القول السديد و الذكر الجميل.

إن هذه الأمة لما اختلفت بعد نبيها لم تجهل فضلكم، و لا سابقتكم و لا قرابتكم من النبي (ص) ، و لا مكانتكم في الإسلام و أهله، فرأت الأمة أن تخرج من هذا الأمر لقريش لمكانها من نبيها، و رأى صلحاء الناس من قريش و الأنصار و غيرهم من سائر الناس و عامتهم أن يولوا هذا الأمر من قريش أقدمها إسلاما و أعلمها باللّه و أحبها له و أقواها على أمر اللّه، و اختاروا أبا بكر، و كان ذلك رأي ذوي الحجى و الدين و الفضيلة و الناظرين للأمة، فأوقع ذلك في صدوركم لهم التهمة، و لم يكونوا بمتهمين، و لا فيما أتوا بمخطئين، و لو رأى المسلمون فيكم من يغني غناءه أو يقوم مقامه، أو يذب عن حريم المسلمين ذبه، ما عدلوا بذلك الأمر إلى غيره رغبة عنه، و لكنهم‏عملوا في ذلك بما رأوه صلاحا للإسلام و أهله، فاللّه يجزيهم عن الإسلام و أهله خيرا.

و قد فهمت الذي دعوتني إليه من الصلح، و الحال فيما بيني و بينك اليوم مثل الحال التي كنتم عليها أنتم و أبو بكر بعد النبي (ص) ، و لو علمت أنك أضبط مني للرعية، و أحوط على هذه الأمة، و أحسن سياسة، و أقوى على جمع الأموال و أكيد للعدو، لأجبتك إلى ما دعوتني إليه، و رأيتك لذلك أهلا، و لكني قد علمت أني أطول منك ولاية، و أقدم منك لهذه الأمة تجربة، و أكثر منك سياسة، و أكبر منك سنا، فأنت أحق أن تجيبني إلى هذه المنزلة التي سألتني، فأدخل في طاعتي و لك الأمر من بعدي، و لك ما في بيت مال العراق من مال بالغا ما بلغ تحمله إلى حيث أحببت و لك خراج أي كور العراق شئت، معونة لك على نفقتك، يجيبها لك أمينك، و يحملها إليك في كل سنة، و لك ألا يستولى عليك بالإساءة و لا تقضي دونك الأمور، و لا تعصى في أمر أردت به طاعة اللّه عز و جل، أعاننا اللّه و إيّاك على طاعته إنه سميع مجيب الدعاء، و السلام.

68

قال جندب:

فلما أتيت الحسن بن علي بكتاب معاوية قلت له: إن الرجل سائر إليك، فابدأ أنت بالمسير حتى تقاتله في أرضه و بلاده و عمله، فأما أن تقدر أنه يتناولك فلا و اللّه حتى يرى يوما أعظم من يوم صفين، فقال: أفعل، ثم قعد عن مشورتي و تناسى قولي‏ (1) .

قال: و كتب معاوية إلى الحسن بن علي.

بسم اللّه الرحمن الرحيم أما بعد، فإن اللّه عزّ و جلّ يفعل في عباده ما يشاء، لاََ مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَ هُوَ سَرِيعُ اَلْحِسََابِ (2) فاحذر أن تكون منيّتك على يد رعاع من الناس، و ايئس من أن تجد فينا غميزة (3) ، و إن أنت أعرضت عمّا أنت فيه و بايعتني وفيت لك بما وعدت، و أجزت لك ما شرطت، و أكون في ذلك كما قال أعشى بني قيس بن ثعلبة:

و إن أحد أسدى إليك أمانة # فأوف بها تدعى إذا متّ وافيا

و لا تحسد المولى إذا كان ذا غنى # و لا تجفه إن كان في المال فانيا

ثم الخلافة لك من بعدي، فأنت أولى الناس بها، و السلام.

فأجابه الحسن بن علي:

بسم اللّه الرحمن الرحيم أما بعد، وصل إليّ كتابك تذكر فيه ما ذكرت، فتركت جوابك خشية البغي عليك، و باللّه أعوذ من ذلك، فاتبع الحق تعلم أني من أهله، و عليّ إثم أن أقول فأكذب، و السلام‏ (4) .

____________

(1) ابن أبي الحديد 4/13.

(2) سورة الرعد 41.

(3) الغميزة: المطعن.

(4) ابن أبي الحديد 4/13.

69

فلما وصل كتاب الحسن إلى معاوية قرأه، ثم كتب إلى عماله على النواحي نسخة واحدة:

بسم اللّه الرحمن الرحيم من معاوية أمير المؤمنين إلى فلان بن فلان و من قبله من المسلمين، سلام عليكم، فإني أحمد إليكم اللّه الذي لا إله إلاّ هو، أما بعد، فالحمد للّه الذي كفاكم مؤنة عدوكم و قتلة خليفتكم، إن اللّه بلطفه و حسن صنعه أتاح لعلي بن أبي طالب رجلا من عباده. فاغتاله فقتله، فترك أصحابه متفرقين مختلفين، و قد جاءتنا كتب أشرافهم و قادتهم يلتمسون الأمان لأنفسهم و عشائرهم، فاقبلوا إليّ حين يأتيكم كتابي هذا بجندكم و جهدكم و حسن عدتكم، فقد أصبتم بحمد اللّه الثأر، و بلغتم الأمل، و أهلك اللّه أهل البغي و العدوان، و السلام عليكم و رحمة اللّه و بركاته‏ (1) .

قال: فاجتمعت العساكر إلى معاوية بن أبي سفيان، و سار قاصدا إلى العراق و بلغ الحسن خبر مسيره، و أنه بلغ‏[جسر]منبج، فتحرّك لذلك، و بعث حجر بن عديّ يأمر العمال و الناس بالتهيؤ للمسير، و نادى المنادي:

الصلاة جامعة، فأقبل الناس يثوبون و يجتمعون، فقال الحسن: إذا رضيت جماعة الناس فأعلمني، و جاء سعيد بن قيس الهمداني، فقال: اخرج، فخرج الحسن-عليه السلام-فصعد المنبر، فحمد اللّه و أثنى عليه، ثم قال:

أما بعد، فإن اللّه كتب الجهاد على خلقه، و سمّاه كرها (2) .

ثم قال لأهل الجهاد من المؤمنين‏ وَ اِصْبِرُوا إِنَّ اَللََّهَ مَعَ اَلصََّابِرِينَ (3) ، فلستم أيّها الناس نائلين ما تحبون، إلاّ بالصبر على ما تكرهون، إنه بلغني أن معاوية بلغه أنا كنا أزمعنا على المسير إليه، فتحرك لذلك، فأخرجوا-رحمكم اللّه-إلى معسكركم بالنخيلة[حتى ننظر و تنظروا و نرى و تروا].

____________

(1) ابن أبي الحديد 4/13.

(2) قال تعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمُ اَلْقِتََالُ وَ هُوَ كُرْهٌ لَكُمْ .

(3) سورة الأنفال 46.

70

قال: و إنه في كلامه ليتخوف خذلان الناس إيّاه. قال: فسكتوا فما تكلّم منهم أحد، و لا أجاب بحرف.

فلما رأى ذلك عدي بن حاتم قال:

أنا ابن حاتم، سبحان اللّه، ما أقبح هذا المقام؟ألا تجيبون إمامكم، و ابن بنت نبيكم، أين خطباء مضر؟أين المسلمون؟أين الخوّاضون من أهل المصر الذين ألسنتهم كالمخاريق‏ (1) في الدعة، فإذا جدّ الجدّ فروّاغون كالثعالب، أما تخافون مقت اللّه، و لا عيبها و عارها.

ثم استقبل الحسن بوجهه فقال:

أصاب اللّه بك المراشد، و جنّبك المكاره، و وفقك لما يحمد ورده و صدره، فقد سمعنا مقالتك، و انتهينا إلى أمرك، و سمعنا منك، و أطعناك فيما قلت و ما رأيت، و هذا وجهي إلى معسكري، فمن أحب أن يوافيني فليوافي.

ثم مضى لوجهه، فخرج من المسجد و دابته بالباب، فركبه و مضى إلى النّخيلة، و أمر غلامه أن يلحقه بما يصلحه، و كان عدي أول الناس عسكرا.

ثم قام قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري و معقل بن قيس الرياحي، و زياد بن صعصعة التيمي‏ (2) فأنّبوا الناس و لاموهم و حرضوهم، و كلموا الحسن بمثل كلام عدي بن حاتم في الإجابة و القبول.

فقال لهم الحسن: صدقتم-رحمكم اللّه-ما زلت أعرفكم بصدق النية، و الوفاء بالقول و المودة الصحيحة، فجزاكم اللّه خيرا ثم نزل.

و خرج الناس، فعسكروا، و نشطوا للخروج، و خرج الحسن إلى معسكره، و استخلف على الكوفة المغيرة بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب، و أمره باستحثاث الناس و إشخاصهم إليه، فجعل يستحثهم و يخرجهم، حتى التأم العسكر] (3) .

____________

(1) المخاريق: جمع مخراق: منديل أو نحوه يلوي فيضرب به-اللسان 11/363.

(2) في المخطوطة «زياد بن خصفة» و التصويب من ابن أبي الحديد.

(3) الزيادة من الخطية و هي ثابتة في ابن أبي الحديد 4/13.

71

ثم إن الحسن بن علي سار في عسكر عظيم وعدة حسنة حتى أتى دير عبد الرحمن‏فأقام به ثلاثا حتى اجتمع الناس، ثم دعا عبيد اللّه بن العباس بن عبد المطلب فقال له:

يابن عم، إني باعث معك اثنا عشر ألفا من فرسان العرب و قراء المصر، الرجل: منهم يزن‏ (1) الكتيبة فسر بهم، و ألن لهم جانبك، و ابسط وجهك، و افرش لهم جناحك، و ادنهم من مجلسك فإنهم بقية ثقة أمير المؤمنين صلوات اللّه عليه، و سرّ بهم على شط الفرات حتى تقطع بهم الفرات، ثم تصير إلى مسكن، ثم امض حتى تستقبل معاوية، فإن أنت لقيته فاحبسه حتى آتيك فإني في إثرك وشيكا، و ليكن‏ (2) خبرك عندي كل يوم، و شاور هذين، يعني قيس ابن سعد، و سعيد بن قيس، فإذا لقيت معاوية فلا تقاتله‏حتى يقاتلك، فإن فعل فقاتل، فإن أصبت فقيس بن سعد على الناس، و إن أصيب قيس فسعيد بن قيس على الناس، ثم أمره بما أراد.

و سار عبيد اللّه حتى انتهى إلى شينور حتى خرج إلى شاهي، ثم لزم الفرات و الفالوجة حتى أتى مسكن.

و أخذ الحسن على حمّام عمر، حتى أتى دير كعب، [ثم بكّر]فنزل ساباط دون القنطرة فلما أصبح نادى في الناس: الصلاة جامعة، فاجتمعوا، و صعد المنبر، فخطبهم، فحمد اللّه فقال‏ (3) :

الحمد للّه كلما حمده حامد، و أشهد أن لا إله إلاّ اللّه كلما شهد له شاهد، و أشهد أن محمدا رسول اللّه أرسله بالحق، و ائتمنه على الوحي (ص) .

أما بعد، فو اللّه إني لأرجو أن أكون قد أصبحت بحمد اللّه و منه و أنا أنصح خلق اللّه لخلقه، و ما أصبحت محتملا على مسلم ضغينة و لا مريدا له سوءا و لا غائلة، ألا و إن ما تكرهون في الجماعة خير لكم مما تحبون في الفرقة،

____________

(1) في الأصول: «يزيد الكتيبة» و في ابن أبي الحديد «يريد» .

(2) في الأصول «و لكن خبرك» .

(3) الإرشاد 149 و ابن أبي الحديد 4/13.

72

ألا و إني ناظر لكم خيرا من نظركم لأنفسكم، فلا تخالفوا أمري، و لا تردوا عليّ رأيي، غفر اللّه لي و لكم و أرشدني و إيّاكم لما فيه المحبة و الرضا.

قال: فنظر الناس بعضهم إلى بعض، و قالوا: ما ترونه، يريد[بمال قال‏]؟قالوا: نظنه و اللّه يريد أن يصالح معاوية و يسلم الأمر إليه، فقالوا:

كفر و اللّه الرجل ثم شدّوا على فسطاطه فانتهبوه حتى أخذوا مصلاّه من تحته، ثم شد عليه عبد الرحمن بن عبد اللّه بن جعال الأزدي، فنزع مطرفه عن عاتقه، فبقي جالسا متقلدا السيف بغير رداء، ثم دعا بفرسه فركبه، و أحدق به طوائف من خاصّته و شيعته، و منعوا منه من أراده، و لاموه و ضعّفوه لما تكلم به، فقال: ادعوا لي ربيعة و همدان، فدعوا له، فأطافوا به، و دفعوا الناس عنه، و معهم شوب‏ (1) من غيرهم، فقام إليه رجل من بني أسد من بني نصر بن قعين يقال له الجراح بن سنان، فلما مرّ في مظلم ساباط قام إليه، فأخذ بلجام بلغته و بيده معول، فقال: اللّه أكبر يا حسن، أشركت كما أشرك أبوك‏[من قبل‏]، ثم طعنه، فوقعت الطعنة في فخذه، فشقته حتى بلغت أربيّته‏ (2) فسقط الحسن إلى الأرض بعد أن ضرب الذي طعنه بسيف كان بيده و أعتنقه، و خرا جميعا إلى الأرض، فوثب عبد اللّه بن الخطل‏ (3) فنزع المعول من يد[جراح بن سنان‏] فخضخضه به، و أكبّ ظبيان بن عمارة عليه، فقطع أنفه ثم أخذوا الآجرّ (4)

فشدّخوا وجهه و رأسه، حتى قتلوه.

و حمل الحسن على سرير إلى المدائن، و بها سعد (5) بن مسعود الثقفي واليا عليها من قبله، و كان علي ولاّه فأقره الحسن بن علي، [فأقام عنده يعالج نفسه‏] (6) .

قال: ثم إن معاوية وافى حتى نزل قرية يقال لها الحبوبيّة (7) بمسكن،

____________

(1) شوب: خليط.

(2) الأربية: أصل الفخذ.

(3) كذا في ط و ق و في الخطية «بن الخصل» و في ابن أبي الحديد 4/15 «ابن الأخطل» .

(4) في ط و ق «الأخر» .

(5) في ابن أبي الحديد 4/15 «سعيد» .

(6) الزيادة من ابن أبي الحديد.

(7) في الخطية «الجنوبية» و في ابن أبي الحديد «الحيوضة» .

73

فأقبل عبد اللّه بن العباس حتى نزل بإزائه، [فلما كان من غد وجه معاوية بخيله إليه فخرج إليهم عبيد اللّه بن العباس فيمن معه، فضربهم حتى ردهم إلى معسكرهم‏] (1) ، فلما كان الليل أرسل معاوية إلى عبيد اللّه بن العباس أن الحسن قد راسلني‏ (2) ، في الصلح و هو مسلم الأمر إليّ، فإن دخلت في طاعتي الآن كنت متبوعا، و إلاّ دخلت و أنت تابع، و لك إن جئتني الآن أن أعطيك ألف ألف درهم، يعجّل‏[لك‏]في هذا الوقت النصف، و إذا دخلت الكوفة النصف الآخر، فانسلّ عبيد اللّه ليلا، فدخل عسكر معاوية، فوفى له بما وعده، فأصبح الناس ينتظرون أن يخرج فيصلّي بهم، فلم يخرج حتى أصبحوا، فطلبوه فلم يجدوه، فصلّى بهم قيس بن سعد[بن عبادة]، ثم خطبهم فقال:

أيّها الناس، لا يهولنكم و لا يعظمن عليكم ما صنع هذا الرجل الوله الورع «أي الجبان» إن هذا و أباه و أخاه لم يأتوا بيوم خير قط، إن أباه عمّ رسول اللّه (ص) ، فأخذ فداءه فقسمه بين المسلمين، و إن أخاه ولاّه علي أمير المؤمنين على البصرة فسرق مال اللّه و مال المسلمين، فاشترى به الجواري، و زعم أن ذلك له حلال، و إن هذا ولاّه على اليمن، فهرب من بسر بن أرطأة و ترك ولده حتى قتلوه، و صنع الآن هذا الذي صنع.

قال فتنادى الناس: الحمد للّه الذي أخرجه من بيننا، فانهض بنا إلى عدوّنا، فنهض بهم.

و خرج إليهم بسر بن أرطاة في عشرين ألفا، فصاحوا بهم: هذا أميركم قد بايع، و هذا الحسن قد صالح؛ فعلام تقتلون أنفسكم؟ فقال لهم قيس بن سعد[بن عبادة]: اختاروا إحدى اثنتين: إما القتال مع غير إمام، أو تبايعون بيعة ضلال، فقالوا: بل نقاتل بلا إمام، فخرجوا فضربوا أهل الشام حتى ردّوهم إلى مصافهم.

____________

(1) الزيادة من الخطية و هي ثابتة في ابن أبي الحديد.

(2) في ط و ق «أرسلني» .

74

و كتب معاوية إلى قيس يدعوه و يمنّيه، فكتب إليه قيس‏ (1) :

لا و اللّه لا تلقاني أبدا إلاّ و بيني و بينك الرمح.

فكتب إليه معاوية:

أما بعد، فإنما أنت يهودي ابن يهودي تشقي نفسك و تقتلها فيما ليس لك، فإن ظهر أحبّ الفريقين إليك نبذك و عزلك، و إن ظهر أبغضهما إليك نكّل بك و قتلك، و قد كان أبوك أوتر غير قوسه، و رمى غير غرضه، فأكثر الحزّ و أخطأ المفصل‏ (2) فخذله قومه، و أدركه يومه، فمات بحوران طريدا غريبا، و السلام.

فكتب إليه قيس بن سعد-رحمه اللّه-:

أما بعد: فإنما أنت وثن‏[بن وثن‏]من هذه الأوثان، دخلت في الإسلام كرها، و أقمت عليه فرقا، و خرجت منه طوعا، و لم يجعل اللّه لك فيه نصيبا، لم يقدم إسلامك، و لم يحدث نفاقك، و لم تزل حربا للّه و رسوله، و حزبا من أحزاب المشركين، فأنت عدوّ اللّه و رسوله و المؤمنين من عباده.

و ذكرت أبي، و لعمري ما أوتر إلاّ قوسه، و لا رمى إلاّ غرضه، فشغب عليه من لا تشقّ غباره، و لا تبلغ كعبه، و كان امرأ مرغوبا عنه، مزهودا فيه.

و زعمت أني يهودي ابن يهودي، و لقد علمت و علم الناس أني و أبي من أنصار الدين الذي خرجت منه، و أعداء الدين الذي دخلت فيه، و صرت إليه، و السلام.

فلما قرأ كتابه معاوية غاظه‏و أراد إجابته، فقال له عمرو: مهلا، إن كاتبته أجابك بأشد من هذا، و إن تركته دخل فيما دخل فيه الناس، فامسك عنه.

قال: و بعث معاوية عبد اللّه بن عامر، و عبد الرحمن بن سمرة إلى الحسن للصلح، فدعواه إليه، و زهّداه في الأمر، و أعطياه ما شرط له معاوية و إلاّ يتبع

____________

(1) ابن أبي الحديد 4/15.

(2) في ط و ق «المنصل» .

75

أحد بما مضى، و لا ينال أحد من شيعة علي بمكروه و لا يذكر علي إلاّ بخير، و أشياء اشترطها الحسن.

فأجابه الحسن إلى ذلك، و انصرف قيس فيمن معه إلى الكوفة، و انصرف الحسن‏[إليها أيضا] (1) و أقبل معاوية قاصدا إلى الكوفة، و اجتمع إلى الحسن وجوه الشيعة، و أكابر أصحاب أمير المؤمنين علي يلومونه و يبكون إليه جزعا ممّا فعله.

فحدّثني محمد بن الحسين الأشناني، و علي بن العباس المقانعي‏ (2) قالا:

حدّثنا عباد بن يعقوب، قال: أخبرنا عمرو بن ثابت، عن الحسن بن حكم، عن عدي بن ثابت، عن سفيان بن الليل‏ (3) . و حدّثني محمد بن أحمد أبو عبيد (4) ، قال: حدّثنا الفضل بن الحسن المصري‏ (5) قال: حدّثنا محمد بن عمروية (6) قال: حدّثنا مكي بن إبراهيم، قال: حدّثنا السري بن إسماعيل، عن الشعبي، عن سفيان بن الليل، دخل حديث بعضهم في حديث بعض، و أكثر اللفظ لأبي عبيد، قال:

أتيت الحسن بن علي حين بايع معاوية، فوجدته بفناء داره، و عنده رهط، فقلت: السلام عليك يا مذل المؤمنين، فقال: عليك السلام يا سفيان إنزل‏فنزلت، فعقلت راحلتي، ثم أتيته، فجلست إليه، فقال: كيف قلت يا سفيان‏[بن الليل‏]؟فقلت: السلام عليك يا مذل‏[رقاب‏]المؤمنين. فقال:

ما جرّ هذا منك إلينا؟.

فقلت: أنت و اللّه-بأبي أنت و أمي-أذللت رقابنا حين أعطيت هذا الطاغية البيعة، و سلّمت الأمر إلى اللعين بن اللعين بن آكلة الأكباد، و معك

____________

(1) الزيادة من ابن أبي الحديد.

(2) في ط و ق «القانعي» و في ابن أبي الحديد «المفاقعي» تحريف.

(3) في ابن أبي الحديد «عن سفيان بن أبي ليلى» و هو تحريف راجع ميزان الاعتدال 1/397.

(4) في ابن أبي الحديد 4/15 «ابن عبيد» .

(5) في ط و ق «البصري» و في الخطية و ابن أبي الحديد «المصري» .

(6) في ابن أبي الحديد «ابن عمرو» .

76

مائة ألف كلهم يموت دونك. و قد جمع اللّه لك أمر الناس.

فقال: يا سفيان، إنا أهل بيت إذا علمنا الحق تمسّكنا به، و إني سمعت عليا يقول: سمعت رسول اللّه (ص) يقول: لا تذهب الليالي و الأيام حتى يجتمع أمر هذه الأمة على رجل واسع السّرم، ضخم البلعوم، يأكل و لا يشبع‏ (1) ، لا ينظر اللّه إليه، و لا يموت حتى لا يكون له في السماء عاذر، و لا في الأرض ناصر، و إنه لمعاوية، و إني عرفت أن اللّه بالغ أمره.

ثم أذّن المؤذن، فقمنا على حالب يحلب ناقة، فتناول الإناء، فشرب قائما [ثم سقاني‏]، فخرجنا نمشي إلى المسجد، فقال لي: ما جاءنا بك يا سفيان؟ قلت: حبكم، و الذي بعث محمدا للهدى و دين الحق. قال: فأبشر يا سفيان، فإني سمعت عليّا يقول: سمعت رسول اللّه (ص) يقول: يرد عليّ الحوض أهل بيتي و من أحبهم من أمتي كهاتين، يعني السبّابتين. و لو شئت لقلت هاتين يعني السبابة و الوسطى، إحداهما تفضّل على الأخرى، أبشر يا سفيان فإن الدنيا تسع البر و الفاجر حتى يبعث اللّه إمام الحق من آل محمد صلّى اللّه عليه و آله و سلم. هذا لفظ أبي عبيد.

و في حديث محمد بن الحسين، و علي بن العباس بعض هذا الكلام موقوفا عن الحسن غير مرفوع إلى النبي (ص) إلاّ في ذكر معاوية فقط (2) .

(رجع الحديث إلى خبر الحسن عليه السلام) قال: و سار معاوية حتى نزل النّخيلة، و جمع الناس بها فخطبهم قبل أن يدخل الكوفة خطبة طويلة لم ينقلها أحد من الرواة تامة، و جاءت مقطعة في الحديث، و سنذكر ما انتهى إلينا من ذلك.

فحدّثني أحمد بن عبيد اللّه بن عمّار، قال: حدّثني أحمد بن بشر (3) عن الفضل بن الحسن و عيسى بن مهران، قالوا: حدّثنا علي بن الجعد، قال:

____________

(1) في ميزان الاعتدال 1/397 «قال سفيان مجهول و الخبر منكر» .

(2) راجع ابن أبي الحديد 4/16.

(3) في ط و ق «ابن بشير و الفضل» .

77

حدّثنا قيس بن الربيع، عن عطاء بن السائب. عن الشعبي، قال:

خطب معاوية حين بويع له فقال:

ما اختلفت أمة بعد نبيها إلاّ ظهر أهل باطلها على أهل حقّها، ثم إنه انتبه فندم، فقال: إلاّ هذه الأمة فإنها و إنها.

حدّثني أبو عبيد، قال: حدّثني الفضل المصري، قال: حدّثنا يحيى بن معين، قال: حدّثنا أبو أسامة، عن مجالد، عن الشعبي بهذا. حدّثني علي بن العباس المقانعي، قال: أخبرنا جعفر بن محمد بن الحسين الزهري، قال:

حدّثنا حسن بن الحسين، عن عمرو بن ثابت، عن أبي إسحاق، قال:

سمعت معاوية بالنخيلة يقول:

ألا إن كل شي‏ء أعطيته الحسن بن علي تحت قدمي هاتين لا أفي به.

قال أبو إسحاق: و كان و اللّه غدّارا (1) .

حدّثني أبو عبيد، قال: حدّثنا الفضل المصري، قال: حدّثني عثمان‏ (2) بن أبي شيبة قال: [حدّثني أبو معاوية، عن الأعمش، و حدّثني أبو عبيد، قال: حدّثنا فضل، قال‏]حدّثنا عبد الرحمن بن شريك. قال حدّثنا (3)

أبي عن الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن سعيد بن سويد قال:

صلّى بنا معاوية بالنّخيلة الجمعة في الصحن، ثم خطبنا فقال:

إني و اللّه ما قاتلتكم لتصلّوا، و لا لتصوموا، و لا لتحجوا، و لا لتزكوا، إنكم لتفعلون ذلك. و إنما قاتلتكم لأتأمّر عليكم، و قد أعطاني اللّه ذلك و أنتم كارهون.

قال شريك في حديثه: هذا هو التهتّك‏ (4) .

____________

(1) ابن أبي الحديد 4/16.

(2) في المخطوطة «عمر» و هو تحريف. راجع ميزان الاعتدال 2/180.

(3) في ط و ق «حدّثني عثمان بن أبي شيبة قال حدثنا عبد الرحمن بن شريك قال حدثنا معاوية يعني ابن معاوية عن الأعمش» .

(4) الإرشاد 171 و ابن أبي الحديد 4/16.

78

حدّثني أبو عبيد، قال: حدّثنا فضل، قال: حدّثني يحيى بن معين، قال: حدّثنا أبو حفص الأبار (1) ، عن إسماعيل بن عبد الرحمن، و شريك بن أبي خالد، و قد روى عنه إسماعيل بن أبي خالد، عن حبيب بن أبي ثابت، قال:

لما بويع معاوية خطب فذكر عليا، فنال منه، و نال من الحسن، فقام الحسين ليردّ عليه فأخذ الحسن بيده فأجلسه، ثم قام فقال‏ (2) :

أيّها الذاكر عليا، أنا الحسن، و أبي علي، و أنت معاوية، و أبوك صخر، و أمي فاطمة، و أمك هند، و جدي رسول اللّه (ص) ، و جدك حرب، و جدتي خديجة، و جدتك قتيلة، فلعن اللّه أخملنا ذكرا، و ألأمنا حسبا، و شرنا قدما، و أقدمنا كفرا و نفاقا.

فقال طوائف من أهل المسجد: آمين. قال فضل: فقال يحيى بن معين: و نحن نقول: آمين. قال أبو عبيد: و نحن أيضا نقول: آمين. [قال أبو الفرج: و أنا أقول: آمين‏].

قال: و دخل معاوية الكوفة بعد فراغه من خطبته بالنخيلة، و بين يديه خالد بن عرفطة، و معه رجل يقال له حبيب بن عمار (3) يحمل رايته حتى دخل الكوفة، فصار إلى المسجد، فدخل من باب الفيل، فاجتمع الناس إليه.

فحدّثني أبو عبيد الصيرفي، و أحمد بن عبيد اللّه بن عمّار، قالا: حدّثنا محمد بن علي بن خلف، قال: حدّثني محمد بن عمرو الرازي، قال: حدّثنا مالك بن شعير، عن محمد بن عبد اللّه الليثي، عن عطاء بن السائب، عن أبيه، قال:

بينما علي-عليه السلام-على المنبر، إذ دخل رجل فقال: يا أمير المؤمنين، مات خالد بن عرفطة، فقال: لا و اللّه ما مات. [إذ دخل رجل آخر فقال: يا أمير المؤمنين، مات خالد بن عرفطة، فقال: لا و اللّه ما مات‏]، إذ

____________

(1) في ابن أبي الحديد «حدثني أبو حفص اللبان عن عبد الرحمن بن شريك عن اسماعيل بن أبي خالد... » .

(2) الإرشاد 171 و ابن أبي الحديد.

(3) كذا في الخطية و في ط و ق «حماز» و في ابن أبي الحديد «حماد» .

79

دخل رجل آخر فقال: يا أمير المؤمنين، مات خالد بن عرفطة، فقال: لا و اللّه ما مات و لا يموت حتى يدخل من باب هذا المسجد، «يعني باب الفيل» براية ضلالة يحملها[له‏]حبيب بن عمّار، قال فوثب رجل فقال: يا أمير المؤمنين أنا حبيب بن عمّار و أنا لك شيعة. قال: فإنه كما أقول. فقدّم خالد بن عرفطة (1)

على مقدّمة معاوية يحمل رايته حبيب بن عمّار.

قال مالك: حدّثنا الأعمش بهذا الحديث، فقال: حدّثني صاحب هذا الدار-و أشار بيده إلى دار السائب أبي عطاء-أنه سمع عليا يقول هذه المقالة (2) .

قالوا: و لما تم الصلح بين الحسن و معاوية، أرسل إلى قيس بن سعد بن عبادة يدعوه إلى البيعة فأتى به، و كان رجلا طويلا يركب الفرس المسرف، و رجلاه تخطان في الأرض، و ما في وجهه طاقة شعر، و كان يسمى خصي الأنصار، فلما أرادوا أن يدخلوه إليه قال: إني قد حلفت أن لا ألقاه إلاّ و بيني و بينه الرمح أو السيف، فأمر معاوية برمح أو سيف فوضع بينه و بينه ليبر يمينه‏ (3) .

فحدّثني أحمد بن عيسى، قال: حدّثني أبو هاشم الرفاعي، قال: حدّثني وهب بن جرير، قال: حدّثنا أبي عن‏ (4) ابن سيرين عن عبيدة، و قد ذكر بعض ذلك في رواية أبي مخنف التي قدمنا إسنادها، قال:

لما صالح الحسن معاوية، اعتزل قيس بن سعد في أربعة آلاف و أبى أن يبايع، فلما بايع الحسن أدخل قيس بن سعد ليبايع. قال أبو مخنف في حديثه:

فأقبل على الحسن فقال: أنا في حل من بيعتك، قال: نعم، قال: فألقى لقيس كرسي، و جلس معاوية على سريره، فقال له معاوية: أتبايع‏[يا قيس‏]؟قال: نعم، فوضع يده على فخذه و لم يمدها إلى معاوية، فجثا معاوية

____________

(1) ترجمة خالد في الإصابة 2/94-95.

(2) ابن أبي الحديد 4/17.

(3) نقله ابن أبي الحديد 4/17.

(4) في ط و ق «علي بن سيرين» .

80

على سريره‏ (1) و أكب على قيس حتى مسح يده على يده، فما رفع قيس إليه يده‏ (2) .

حدّثني أبو عبيد، قال: حدّثنا فضل المصري، قال: حدّثنا شريح بن يونس، قال: حدّثنا أبو حفص الأبار، عن إسماعيل بن عبد الرحمن:

أن معاوية أمر الحسن أن يخطب لما سلم الأمر إليه، و ظن أن سيحصر، فقال في خطبته: إنما الخليفة من سار بكتاب اللّه، و سنّة نبيه (ص) ، و ليس الخليفة من سار بالجور، ذلك ملك ملك ملكا يمتّع به قليلا ثم تنقطع لذته و تبقى تبعته‏ (3) : وَ إِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَ مَتََاعٌ إِلى‏ََ حِينٍ (4) .

قال: و انصرف الحسن رضي اللّه عنه إلى المدينة فأقام بها، و أراد معاوية البيعة لابنه يزيد، فلم يكن شي‏ء أثقل من أمر الحسن بن علي، و سعد بن أبي وقّاص، فدس إليهما سما فماتا منه.

حدّثني أحمد بن عبيد اللّه بن عمّار، قال: حدّثنا عيسى بن مهران، قال: حدّثنا عبيد بن الصباح الخراز (5) ، قال: حدّثني جرير، عن مغيرة، قال:

أرسل معاوية إلى ابنة الأشعث إني مزوجك بيزيد ابني، على أن تسمي الحسن بن علي، و بعث إليها بمائة ألف درهم، فقبلت و سمت الحسن، فسوغها المال و لم يزوجها منه، فخلف عليها رجل من آل طلحة فأولدها، فكان إذا وقع بينهم و بين بطون قريش كلام عيّروهم، و قالوا: يا بني مسمّة الأزواج‏ (6) .

حدّثني أحمد بن عبيد اللّه، قال: حدّثني عيسى بن مهران، قال: حدّثنا

____________

(1) في ابن أبي الحديد «فجاء معاوية من سريره» .

(2) ابن أبي الحديد 4/17.

(3) في ابن أبي الحديد 4/17 «ثم تنخمه تنقطع الذمة و تبقى تبعته» .

(4) سورة الأنبياء، آية: 111.

(5) في الخطية «الحزاز» و في ابن أبي أبي الحديد «الجزار» .

(6) الإرشاد 171 و ابن أبي الحديد 4/17 و شرح شافية أبي فراس 129.

81

يحيى بن أبي بكير، قال: حدّثنا شعبة، عن أبي بكر بن حفص، قال:

توفي الحسن بن علي، و سعد بن أبي وقّاص في أيام بعد ما مضى من إمارة معاوية عشر سنين، و كانوا يرون أنه سقاهما سما (1) .

أخبرنا أحمد بن محمد الهمداني، قال: حدّثنا يحيى بن الحسن العلوي، قال: حدثنا سلمة بن شبيب، قال: حدثنا عبد الرازق، قال: أخبرنا معمر، قال: حدّثني من سمع ابن سيرين يحدث مولى للحسن بن علي، و حدثني أحمد بن عبيد اللّه بن عمار، قال: حدثنا عيسى بن مهران، قال: حدثنا عثمان بن عمر (2) ، قال: حدثنا أبو عون، عن عمير بن إسحاق‏ (3) -و اللفظ له-قال:

كنت مع الحسن و الحسين في الدار فدخل الحسن المخرج ثم خرج فقال:

لقد سقيت السم مرارا ما سقيته مثل هذه المرة، و لقد لفظت قطعة من كبدي فجعلت أقلبها بعود معي، فقال له الحسين: من سقاكه؟فقال: و ما تريد منه؟ أتريد أن تقتله، إن يكن هو هو فاللّه أشد نقمة منك، و إن لم يكن هو فما أحب أن يؤخذ بي بري‏ء (4) .

و دفن الحسن في جنب قبر فاطمة بنت رسول اللّه (ص) في البقيع في ظلة بني نبيه، و قد كان أوصى أن يدفن مع رسول اللّه (ص) فمنع مروان بن الحكم من ذلك‏ (5) ، و ركبت بنو أمية في السلاح و جعل مروان يقول:

يا رب هيجا هي خير من دعه، أيدفن عثمان في أقصى البقيع، و يدفن الحسن في بيت رسول اللّه (ص) ؟و اللّه لا يكون ذلك أبدا و أنا أحمل السيف، فكادت الفتنة تقع. و أبى الحسين أن يدفنه إلاّ مع النبي (ص) ، فقال له

____________

(1) أبي أبي الحديد.

(2) في الخطية «عثمان بن عمرو» .

(3) في ابن أبي الحديد «عمران بن إسحاق» .

(4) الإرشاد 172 و ابن أبي الحديد 4/17 و تاريخ اليعقوبي 2/200 و صفة الصفوة 1/320 و تهذيب التهذيب 2/300 و تهذيب تاريخ ابن عساكر 4/226.

(5) في ابن الأثير 3/197 «و كان أمير المدينة في ذلك الوقت سعيد بن العاص و لكنه لم يعرض لهم» .

82

عبد اللّه بن جعفر: عزمت عليك بحقي‏ ألاّ تكلم بكلمة فمضى به إلى البقيع، و انصرف مروان بن الحكم‏ (1) .

أخبرني أحمد بن سعيد، قال: حدثنا يحيى بن الحسن‏ (2) ، عن الزبير بن بكار، عن محمد بن إسماعيل، عن قائد مولى عباد، و حدثنا حرمي، عن زبير، فقال: عبادك و هو الصواب، و قال أحمد بن سعيد هو عبادك و لكن هكذا قال يحيى بن عبيد اللّه بن علي، أخبره و غيره أخبره.

إن الحسن بن علي أرسل إلى عائشة أن تأذن له أن يدفن مع النبي (ص) فقالت: نعم ما كان بقي إلاّ موضع قبر واحد، فلما سمعت بذلك بنو أمية اشتملوا بالسلاح‏ (3) هم و بنو هاشم للقتال، و قالت بنو أمية: و اللّه لا يدفن مع النبي (ص) أبدا، فبلغ ذلك الحسن فأرسل إلى أهله أمّا إذا كان هذا فلا حاجة لي فيه ادفنوني إلى جانب أمي فاطمة، فدفن إلى جنب أمه فاطمة عليها السلام.

قال يحيى بن الحسن: و سمعت علي بن طاهر بن زيد يقول: لما أرادوا دفنه ركبت عائشة بغلا و استنفرت‏ (4) بني أمية مروان بن الحكم، و من كان هناك منهم و من حشمهم، و هو القائل:

فيوما على بغل و يوما على جمل‏ (5)

و قال علي بن الحسن، بن علي بن حمزة العلوي، عن عمه محمد، عن المدايني، عن جويرية بن أسماء، قال:

لما مات الحسن بن علي، و أخرجوا جنازته حمل مروان سريره، فقال له الحسين: أتحمل سريره؟أما و اللّه لقد كنت تجرعه الغيظ، فقال مروان: إني

____________

(1) ابن أبي الحديد 4/17 و شرح شافية أبي فراس 131 و اليعقوبي 2/200.

(2) في الخطية «عن زيد بن محمد بن الحسن» .

(3) في ط ق و ق «استلموا في السلاح و هموا» و في ابن أبي الحديد «استلأموا في السلاح و تنادواهم» .

(4) كذا في الخطية و ابن أبي الحديد و في ط و ق «و استعونت بني أمية و مروان» .

(5) في ابن أبي الحديد 4/18 «قلت ليس في رواية يحيى بن الحسن ما يؤخذ على عائشة لأنه لم يرو أنها استنفرت الناس لما ركبت البغل، و إنما المستنفرون هم بنو أمية، و يجوز أن تكون عائشة ركبت لتسكين الفتنة لا سيما و قد روى عنها أنها لما طلب منها الدفن قالت: نعم فهذه الحال و القصة منقبة من مناقب عائشة» .

83

كنت أفعل ذلك بمن يوازن حلمه الجبال‏ (1) .

حدثني محمد بن الحسين الأشناني، قال: حدثنا عبد اللّه بن الوضاح، قال: حدثني بن يمان، عن الثوري، عن سالم بن أبي حفصة، عن أبي حازم:

أن الحسين بن علي قدّم سعيد بن العاص للصلاة على الحسن بن علي، و قال: تقدم فلو لا أنها سنة ما قدّمتك‏ (2) .

حدثني أبو عبيد (3) ، قال: حدثنا فضل المصري، قال: حدثنا عبد الرحمن بن صالح، قال: حدثنا عمرو بن هشام، عن عمر بن بشير الهمداني، قال:

قلت لأبي إسحاق: متى ذل الناس؟قال: حين مات الحسن، و ادعى زياد، و قتل حجر بن عدي‏ (4) .

و اختلف في مبلغ سن الحسن وقت وفاته‏ (5) .

فحدثني أحمد بن سعيد، عن يحيى بن الحسن، عن علي بن إبراهيم بن الحسن عن ابن أبي عمير (6) عن هشام بن سالم، و جميل بن درّاج، عن جعفر بن محمد:

أنه توفي و هو ابن ثمان و أربعين سنة.

حدّثني أحمد بن سعيد، قال: حدثنا يحيى بن الحسن، عن ابن حسين اللؤلؤي، عن محمد بن سنان، عن عبد اللّه بن مشكان، عن أبي بصير، عن جعفر بن محمد: أن الحسن توفي و هو ابن ست و أربعين‏ (7) .

____________

(1) تهذيب تاريخ ابن عساكر 4/216 و ابن أبي الحديد 4/18.

(2) ابن أبي الحديد 4/18 و ابن الأثير 3/18 و ترجمة سعيد في طبقات ابن سعد 5/19-24.

(3) في الخطية «أبو عبيد الصيرفي» .

(4) ابن أبي الحديد 4/18.

(5) تاريخ الخلفاء 129.

(6) في الخطية: «عن عمير» .

(7) ابن أبي الحديد 4/18 و الإمامة 1/144.

84

و قال محمد بن علي بن حمزة:

و في الحسن بن علي يقول سليمان بن قتّه‏ (1) :

يا كذب اللّه من نعى حسنا # ليس لتكذيب نعيه ثمن

كنت خليلي و كنت خالصتي # لكل حي من أهله سكن

أجول في الدار لا أراك و في # الدار أناس جوارهم غبن

بدلتهم منك ليت أنهم # أضحوا و بيني و بينهم عدن‏ (2)

5-الحسين‏

ذكر خبر الحسين بن علي‏ (3) بن أبي طالب و مقتله و من قتل معه من أهله‏

و يكنى أبا عبد اللّه، و أمه فاطمة بنت رسول اللّه (ص) . و كان مولده لخمس خلون من شعبان سنة أربع من الهجرة، و قتل يوم الجمعة لعشر خلون من المحرم سنة إحدى و ستين من الهجرة.

و كانت سنه يوم قتل ستا و خمسين سنة و شهورا.

و قيل: إن مقتله كان يوم السبت، روي ذلك عن أبي نعيم الفضل بن دكين. و الذي ذكرناه أولا أصح.

فأما ما تقوله العامة إنه قتل يوم الاثنين فباطل، و هو شي‏ء قالوه بلا

____________

(1) في ط و ق «سليمان بن قبة» و في الخطية و زهر الآداب 1/134 «ابن قتيبة» و هو خطأ. جاء في تاج العروس 1/571 «قتة كضبة اسم أم سليمان بن حبيب المحاربي التابعي المشهور و يعرف بابن قتة» راجع المعارف 213.

(2) ابن أبي الحديد 4/18 و شرح شافية أبي فراس 132.

(3) الإرشاد 177 و تهذيب ابن عساكر 4/311-343 و تهذيب التهذيب 2/345-357 و مرآة الجنان 1/131 و تاريخ ابن عساكر 11/25-156 و الإصابة 2/14-27 و تاريخ بغداد 1/241 و ابن الأثير 4/8-41 و مروج الذهب 2/62-66 و البداية و النهاية 8/88 و أسد الغابة 2/22 و شرح شافية أبي فراس 132-و تهذيب الأسماء و اللغات 162 و الفخري 103 و الطبري 6/194-270 و العقد الفريد 4/376-387 و أبو الفداء 1/189-191 و كتاب مقتل الحسين لأبي مخنف، و كتاب الملهوف على قتلى الطفوف و أبصار العين في أنصار الحسين.

85

رواية، و كان أول المحرم الذي قتل فيه يوم الأربعاء، أخرجنا ذلك بالحساب الهندي من سائر الزيجات، و إذا كان ذلك كذلك فليس يجوز أن يكون اليوم العاشر يوم الاثنين.

قال أبو الفرج: و هذا دليل صحيح واضح تنضاف إليه الرواية، أخبرنا به أحمد بن عيسى، قال: حدّثنا أحمد بن الحرث، عن الحسين بن نصر، قال: حدثنا أبي، عن عمر بن سعد، عن أبي مخنف. و حدثني به أحمد بن محمد بن شيبة، قال: حدثنا أحمد بن الحرث الخزاز، قال: حدثنا علي بن محمد المدائني، عن أبي مخنف، و عوانة بن الحكم، و يزيد بن جعدية، و غيرهم.

فأما ما تعارفه العوام من أنه قتل يوم الاثنين فلا أصل له و لا حقيقة، و لا وردت به رواية.

و روى سفيان الثوري، عن جعفر بن محمد أن الحسين بن علي قتل و له ثمان و خمسون سنة، و أن الحسن كذلك كانت سنوه يوم مات، و أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، و علي بن الحسين، و أبو جعفر محمد بن علي.

حدثني بذلك العباس بن علي، قال: حدثنا أبو السائب سلم بن جنادة (1)

قال: حدثنا وكيع عن سفيان الثوري، عن جعفر بن محمد.

قال أبو الفرج: و هذا و هم، لأن الحسن ولد في سنة ثلاث من الهجرة، و توفي في سنة إحدى و خمسين، و لا خلاف في ذلك، و سنه على هذا ثمان و أربعون سنة أو نحوها.

و لم يمكنا سياقة مقاتلهم على التاريخ لئلا ينقطع الخبر، فذكرنا أسماءهم و أنسابهم جملة، ثم ذكرنا خبر مقاتلهم‏[رضوان اللّه عليهم و صلواته‏].

____________

(1) في الخطية «بن حباره» و هو تحريف، و كانت وفاة أبي السائب سنة أربع و خمسين و مائتين كما في تهذيب التهذيب.

86

فمنهم مسلم بن عقيل بن أبي طالب عليه السلام‏

و هو أول من قتل من أصحاب الحسين بن علي-عليه السّلام-و سنذكر خبره في موضعه. و أمه أم ولد، يقال لها: حلية، و كان عقيل اشتراها من الشام، فولدت له مسلما، و لا عقب له‏ (1) .

و علي بن الحسين و هو علي الأكبر و لا عقب له‏ (2)

و يكنى أبا الحسن، و أمه ليلى بنت أبي مرة بن عروة بن مسعود الثقفي‏ (3) ، و أمها ميمونة بنت أبي سفيان بن حرب‏[بن أمية و تكنى أم شيبة، و أمها بنت أبي العاص بن أمية] (4) و هو أول من قتل في الواقعة.

و إياه عني معاوية في الخبر الذي حدثني به محمد بن محمد بن سليمان، قال: حدثنا يوسف بن موسى القطان، قال: حدثنا جرير، عن مغيرة، قال:

قال معاوية: من أحق الناس بهذا الأمر؟قالوا: أنت، قال: لا، أولى الناس بهذا الأمر علي بن الحسين بن علي، جدّه رسول اللّه (ص) ، و فيه شجاعة بني هاشم، و سخاء بني أمية، و زهو ثقيف.

و قال يحيى بن الحسن العلوي: و أصحابنا الطالبيون يذكرون أن المقتول لأم ولد، و أن الذي أمه ليلى هو جدهم، حدثني بذلك أحمد بن سعيد عنه.

و حدثني أحمد بن سعيد، عن يحيى، عن عبيد اللّه بن حمزة، عن الحجاج بن المعتمر الهلالي، عن أبي عبيدة، و خلف الأحمر: أن هذه الأبيات قيلت في علي بن الحسين الأكبر:

لم تر عين نظرت مثله # من محتف يمشي و من ناعل

يغلي نئيّ اللحم حتّى إذا # أنضج لم يغل على الآكل

كان إذا شبّت له ناره # أوقدها بالشّرف‏ (5) القابل‏

____________

(1) طبقات ابن سعد 4/29.

(2) طبقات ابن سعد 5/156.

(3) المعارف 93.

(4) زيادة عن الخطية.

(5) في اللسان 11/71 «الشرف: كل نشز من الأرض قد أشرف على ما حوله، و الشرف من الأرض كل ما أشرف لك» .

87

كيما يراها بائس مرمل # أو فرد حي ليس بالآهل

أعني ابن ليلى ذا الثدي و الندى # أعني ابن بنت الحسب الفاضل

لا يؤثر الدنيا على دينه # و لا يبيع الحق بالباطل‏

و ولد علي بن الحسين في خلافة عثمان.

و قد روى عن جده علي بن أبي طالب، و عن عائشة أحاديث كرهت ذكرها في هذا الموضع لأنها ليست من جنس ما قصدت له.

و عبد اللّه بن علي بن أبي طالب‏

و أمه أم البنين بنت حزام‏ (1) بن خالد بن ربيعة بن الوحيل، و هو عامر بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة.

[و أمها ثمامة بنت سهيل بن عامر بن مالك بن جعفر بن كلاب. و أمها عمرة بنت الطفيل فارس قرزل بن مالك الأحزم رئيس هوازن بن جعفر بن كلاب. و أمها كبشة بنت عروة الرّجال بن عتبة بن جعفر بن كلاب. و أمها أم الخشف بنت أبي معاوية فارس الهوازن بن عبادة بن عقيل بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة. و أمها فاطمة بنت جعفر بن كلاب. و أمها عاتكة بنت عبد شمس بن عبد مناف بن قصي بن كلاب. و أمها آمنة بنت وهب بن عمير بن نصر بن قعين بن الحرث بن ثعلبة، ابن دودان بن أسد بن خزيمة. و أمها بنت جحدر بن ضبيعة الأغرّ بن قيس بن ثعلبة بن عكابة، بن صعب بن علي بن بكر بن وائل بن ربيعة بن نزار. و أمها بنت مالك بن قيس بن ثعلبة. و أمها بنت ذي الرأسين و هو خشيش بن أبي عصم بن سمح بن فزارة. و أمها بنت عمرو بن صرمة بن عوف بن سعد بن ذبيان بن نفيض بن الربت بن غطفان‏] (2) .

أخبرني أحمد بن محمد بن سعيد، قال: حدثنا يحيى بن الحسن، قال:

____________

(1) في الطبري 6/89 «أم البنين بنت حزام و هو أبو المجل بن خالد بن ربيعة ابن الوحيد ابن كعب بن عامر بن كلاب» .

(2) خلت المخطوطة من هذا النسب الطويل.

88

حدثنا علي بن إبراهيم، قال: حدّثني عبيد اللّه بن الحسن، و عبد اللّه بن العباس، قالا:

قتل عبد اللّه بن علي بن أبي طالب، و هو ابن خمس و عشرين سنة و لا عقب له.

حدثني أحمد بن عيسى، قال: حدثني حسين بن نصر، قال: حدثنا أبي عن عمر بن سعد، عن أبي مخنف، عن عبد اللّه بن عاصم، عن الضحّاك المشرفي، قال:

قال العباس بن علي لأخيه من أبيه و أمه عبد اللّه بن علي: تقدّم بين يديّ حتى أراك‏ (1) و أحتسبك، فإنه لا ولد لك، فتقدّم بين يديه، و شدّ عليه هانئ بن ثبيت الحضرمي فقتله.

و جعفر بن علي بن أبي طالب-عليه السّلام-

و أمه أمّ البنين أيضا.

قال يحيى بن الحسن، عن علي بن إبراهيم، بالإسناد الذي قدّمته في خبر عبد اللّه: قتل جعفر بن علي بن أبي طالب، و هو ابن تسع عشرة سنة.

قال أبو مخنف في حديث الضحّاك المشرفي:

إن العباس بن علي قدّم أخاه جعفرا بين يديه لأنه لم يكن له ولد ليحوز ولد العباس بن علي ميراثه، فشد عليه هانئ ابن ثبيت الذي قتل أخاه فقتله، هكذا قال الضحّاك.

و قال نصر بن مزاحم: حدّثني عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبي جعفر محمد بن علي أن خولي بن يزيد الأصبحي-لعنه اللّه-قتل جعفر بن علي.

____________

(1) في الخطية «حتى أرثك» .

89

و عثمان بن علي بن أبي طالب-عليه السّلام-

و أمه أم البنين أيضا.

قال يحيى بن الحسن، عن علي بن إبراهيم عن عبيد اللّه بن الحسن، و عبد اللّه بن العباس، قالا:

قتل عثمان بن علي، و هو ابن إحدى و عشرين سنة. و قال الضحاك المشرفي في الإسناد الأوّل الّذي ذكرناه آنفا: إن خولي بن يزيد رمى عثمان بن علي بسهم فأوهطه‏ (1) ، و شد عليه رجل من بني ابان بن دارم فقتله، و أخذ رأسه.

و عثمان بن علي الذي روى عن علي أنه قال: إنما سمّيته باسم أخي عثمان بن مظعون.

و العباس بن علي بن أبي طالب-عليه السّلام-

و يكنى أبا الفضل. و أمه أم البنين أيضا، و هو أكبر ولدها، و هو آخر من قتل من إخوته لأمه و أبيه، لأنه كان له عقب، و لم يكن لهم، فقدمهم بين يديه، فقتلوا جميعا، فحاز مواريثهم؛ ثم تقدم فقتل، فورثهم و إيّاه عبيد اللّه، و نازعه في ذلك عمّه عمر بن علي، فصولح على شي‏ء رضى به.

قال حرمي بن العلاء عن الزبير عن عمّه: ولد العباس بن علي يسمونه السقا، و يكنونه أبا قربة، و ما رأيت أحدا من ولده، و لا سمعت عمّن تقدّم منهم هذا-عليه السلام-.

و في العباس بن علي-عليه السلام-يقول الشاعر:

أحق الناس أن يبكى عليه # إذا بكّى الحسين بكربلاء

أخوه و ابن والده علي # أبو الفضل المضرّج بالدماء

و من واساه لا يثنيه شي‏ء # و جادله على عطش بماء

____________

(1) أوهطه: أضعفه.

90

و فيه يقول الكميت‏[بن زيد]:

و أبو الفضل إن ذكرهم الحلو # شفاء النفوس من أسقام

قتل الأدعياء إذ قتلوه # أكرم الشاربين صوب الغمام‏

و كان العباس رجلا و سيما جميلا، يركب الفرس المطهم و رجلاه تخطان في الأرض؛ و كان يقال له: قمر بني هاشم. و كان لواء الحسين بن علي معه يوم قتل.

حدّثني أحمد بن سعيد، قال: حدثني يحيى بن الحسن، قال: حدثنا بكر بن عبد الوهاب، قال: حدثني ابن أبي أويس‏ (1) ، عن أبيه، عن جعفر بن محمد، قال:

عبأ الحسين بن علي أصحابه، فأعطى رايته أخاه العباس بن علي.

حدثني أحمد بن عيسى، قال: حدثني حسين بن نصر، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبي جعفر:

أن زيد بن رقاد الجنبي، و حكيم بن الطفيل الطائي، قتلا العباس بن علي.

و كانت أم البنين أم هؤلاء الأربعة الإخوة القتلى، تخرج إلى البقيع فتندب بنيها أشجى ندبة و أحرقها، فيجتمع الناس إليها يسمعون منها، فكان مروان يجي‏ء فيمن يجي‏ء لذلك، فلا يزال يسمع ندبتها و يبكي.

ذكر ذلك علي بن محمد بن حمزة، عن النوفلي، عن حماد بن عيسى الجهني، عن معاوية بن عمّار، عن جعفر بن محمد.

و محمد الأصغر بن علي بن أبي طالب‏

و أمه أمّ ولد (2) .

حدثني أحمد بن عيسى، قال: حدثنا الحسين بن نصر، عن أبيه، عن

____________

(1) في الخطية «ابن أبي أوس» .

(2) و قيل إن أمه أسماء ابنة عميس الخثعمية راجع الطبري 6/89.

91

عمرو بن شمر، عن جابر عن أبي جعفر، و حدثني أحمد بن شيبة، عن أحمد بن الحرث، عن المدائني:

أن رجلا من تميم من بني أبان بن دارم قتله-رضوان اللّه عليه-، و لعن اللّه قاتله.

و أبو بكر بن علي بن أبي طالب‏

لم يعرف اسمه؛ و أمه ليلى بنت مسعود بن خالد بن مالك بن ربعي بن سلم بن جندل بن نهشل بن دارم‏ (1) بن مالك بن حنظلة بن زيد مناة بن تميم، و أم ليلى بنت مسعود عميرة بنت قيس بن عاصم بن سنان بن خالد بن منقر سيد أهل الوبر بن عبيد بن الحارث، و هو مقاعس؛ و أمها عناق بنت عصام بن سنان بن خالد بن منقر؛ و أمها بنت أعبد بن أسعد بن منقر، و أمها بنت سفيان بن خالد بن عبيد بن مقاعس بن عمرو بن كعب بن سعد، بن زيد مناة ابن تميم.

و لسلم يقول الشاعر:

تسوّد أقوام و ليسوا بسادة # بل السّيد الميمون سلم بن جندل‏ (2)

ذكر أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين، و في الإسناد الذي تقدم: أن رجلا من همدان قتله.

و ذكر المدائني أنه وجد في ساقية مقتولا لا يدري من قتله.

هؤلاء ولد علي بن أبي طالب لصلبه الذين قتلوا مع الحسين، و هم سواه‏ (3) .

و قد ذكر محمد بن علي بن حمزة: أنه قتل يومئذ إبراهيم بن علي بن أبي

____________

(1) من هنا إلى آخر النسب ساقط من الخطية.

(2) في عين الأدب و السياسة 101 «مسلم بن نوفل» .

(3) في ط و ق «و هم الذين سوّاه» .

92

طالب، و أمه أم ولد.

و ما سمعت بهذا من غيره، و لا رأيت لإبراهيم في شي‏ء من كتب الأنساب ذكرا.

و ذكر يحيى بن الحسن فيما حدّثني به أحمد بن سعيد أن أبا بكر بن عبيد اللّه الطلحي حدثه عن أبيه أن عبيد اللّه بن علي قتل مع الحسين، و هذا خطأ، و إنما قتل عبيد اللّه يوم المدار (1) ، قتله أصحاب المختار بن أبي عبيدة، و قد رأيته بالمدار (2) .

و أبو بكر... بن الحسين بن علي بن أبي طالب‏

و أمّه أمّ ولد، و لا تعرف أمّه.

ذكر المدائني في إسنادنا عنه، عن أبي مخنف، عن سليمان بن أبي راشد أن عبد اللّه بن عقبة الغنوي قتله.

و في حديث عمرو بن شمر عن جابر عن أبي جعفر: أن عقبة الغنوي قتله.

و إيّاه عنى سليمان بن قتّة بقوله‏ (3) :

و عند غني قطرة من دمائنا # و في أسد أخرى تعدّ و تذكر

و القاسم بن الحسن بن علي بن أبي طالب‏

و هو أخو أبي بكر بن الحسن المقتول قبله لأبيه و أمه.

حدّثني أحمد بن عيسى، قال: حدّثنا الحسين بن نصر، قال: حدّثنا أبي، قال: حدّثنا عمر بن سعد، عن أبي مخنف، عن سليمان بن أبي راشد،

____________

(1) الطبري 6/89.

(2) في الطبري «بالمذار» .

(3) في الطبري «فلذلك يقول الشاعر و هو ابن أبي عقب 6/257» .

93

عن حميد بن مسلم، قال‏ (1) :

خرج إلينا غلام كأن وجهه شقة قمر، في يده السيف، و عليه قميص و إزار و نعلان قد انقطع شسع أحدهما، ما أنس أنها اليسرى، فقال عمرو بن سعيد بن نفيل الأزدي: و اللّه لأشدن عليه، فقلت له: سبحان اللّه، و ما تريد إلى ذلك، يكفيك قتله هؤلاء الذين تراهم قد احتوشوه من كل جانب، قال: و اللّه لأشدنّ عليه، فما ولّى وجهه حتى ضرب رأس الغلام بالسيف، فوقع الغلام لوجهه، و صاح: يا عمّاه.

قال: فو اللّه لتجلّى الحسين كما يتجلى الصقر، ثم شدّ شدّة الليث إذا غضب، فضرب عمرا بالسيف فاتقاه بساعده فأطنها (2) من لدن المرفق، ثم تنحى عنه، و حملت خيل عمر بن سعد فاستنقذوه من الحسين، و لماحملت الخيل استقبلته بصدورها، و جالت، فتوطأته، فلم يرم حتى مات-لعنه اللّه و أخزاه- فلمّا تجلّت الغبرة إذا بالحسين على رأس الغلام و هو يفحص برجليه، و حسين يقول: بعدا لقوم قتلوك، خصمهم فيك يوم القيامة رسول اللّه (ص) ثم قال:

عز على عمّك أن تدعوه فلا يجيبك، أو يجيبك ثم لا تنفعك إجابته يوم كثر واتره، و قلّ ناصره، ثم احتمله على صدره، و كأني أنظر إلى رجلي الغلام تخطان في الأرض، حتى ألقاه مع ابنه علي بن الحسين، فسألت عن الغلام، فقالوا:

هو القاسم بن الحسن، بن علي بن أبي طالب‏ (3) صلوات اللّه عليهم أجمعين.

(و عبد اللّه بن الحسن بن علي بن أبي طالب) و أمه بنت السليل بن عبد اللّه أخي جرير بن عبد اللّه البجلي. وقيل: إن أمه أمّ ولد. و كان أبو جعفر محمد بن علي-فيما رويناه عنه-يذكر أن حرملة بن كاهل الأسدي قتله.

و ذكر المدائني في إسناده عن جناب بن موسى، عن حمزة بن بيض، عن هانئ بن ثبيت القابضي أن رجلا منهم قتله‏ (4) .

____________

(1) مقتل الحسين 79.

(2) أطنها: أي قطعها.

(3) الطبري 6/256 و ابن الأثير 4/33.

(4) سقطت هذه الترجمة من الخطية.

94

(و عبد اللّه بن الحسين بن علي بن أبي طالب) و أمه الرباب بنت إمرئ القيس بن عدي بن أوس بن جابر بن كعب بن عليم‏ (1) بن جناب بن كلب.

و أمها هند الهنود بنت الربيع بن مسعود بن مصاد بن حصن بن كعب بن عليم بن جناب. و أمها ميسون بنت عمرو بن ثعلبة بن حصين بن ضمضم.

و أمها بنت أوس بن حارثة.

و زعم ابن عبدة أن أمها الرباب بنت حارثة بن أخت أوس بن حارثة بن لام الطائي بن عمرو بن طريف بن عمرو بن ثمامة بن مالك بن جدعان بن ذهل بن رومان بن جندب بن خارجة بن سعد بن قطرة من طيّئ.

و هي التي يقول فيها أبو عبد اللّه الحسين بن علي بن أبي طالب عليهما السلام:

لعمرك إنني لأحب دارا # تكون بها سكينة و الرباب‏ (2)

أحبهما و أبذل جل مالي # و ليس لعاتب عندي عتاب‏ (3)

و سكينة التي ذكرها ابنته من الرباب، و اسم سكينة أمينة، و قيل أميمة (4) ، و إنماغلب عليها سكينة، و ليس باسمها.

و كان عبد اللّه بن الحسين يوم قتل صغيرا جاءته نشّابة و هو في حجر أبيه فذبحته.

حدّثني أحمد بن شبيب، قال: حدّثنا أحمد بن الحرث عن المدائني، عن أبي مخنف، عن سليمان بن أبي راشد، عن حميد بن مسلم، قال:

____________

(1) من هنا إلى آخر نسبها سقط من الخطية.

(2) المعارف 93.

(3) الأغاني 14/163 و فيه عن مالك بن أعين قال: «سمعت سكينة بنت الحسين تقول: عاتب عمي الحسن أبي في أمي فقال: لعمرك البيتين... و زاد فيهما:

فلست لهم و إن غابوا مضيعا # حياتي أو يغيبني التراب‏

(4) في الأغاني 14/166 «روى أن رجلا سأل عبد اللّه بن الحسن عن اسم سكينة فقال أمينة فقال: إن ابن الكلبي يقول: أميمة، فقال: سل ابن الكلبي عن أمه و سلني عن أمي» .

95

دعى الحسين بغلام فأقعده في حجره، فرماه عقبة بن بشر فذبحه.

حدّثني محمد بن الحسين الأشناني، قال: حدّثنا عباد بن يعقوب قال:

أخبرنا مورع بن سويد بن قيس، قال: حدّثنا من شهد الحسين، قال:

كان معه ابنه الصغير فجاء سهم فوقع في نحره، قال: فجعل الحسين يأخذ الدم من نحره و لبته فيرمي به إلى السماء فما يرجع منه شي‏ء، و يقول:

اللهم لا يكون أهون عليك من فصيل.

(و عون بن عبد اللّه بن جعفر بن أبي طالب الأكبر) أمه زينب العقيلة بنت‏علي بن أبي طالب‏ (1) . و أمها فاطمة بنت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم، و إيّاه عنى سليمان بن قتة بقوله:

و اندبي إن بكيت عونا أخاه # ليس فيما ينوبهم بخذول

فلعمري لقد أصبت ذوي القر # بي فبكى على المصاب الطويل‏

و العقيلة هي التي روى ابن عباس عنها كلام فاطمة في فدك، فقال:

حدّثتني عقيلتنا زينب بنت علي‏ (2) .

حدّثني أحمد بن عيسى، قال: حدثنا الحسين بن نصر، عن أبيه، عن عمر بن سعد، عن أبي مخنف، عن سليمان بن أبي راشد، عن حميد بن مسلم:

أن عبد اللّه بن قطنة التيهاني‏ (3) قتل عون بن عبد اللّه بن جعفر.

(و محمد بن عبد اللّه بن جعفر بن أبي طالب) و أمه الخوصا بنت حفصة بن ثقيف بن ربيعة بن عثمان بن ربيعة بن عائذ بن ثعلبة بن الحرث بن تيم اللات بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن علي بن

____________

(1) مقتل الحسين 73 و الطبري 6/256، 269.

(2) سقط من الخطية.

(3) كذا في ط و ق و في الخطية «التيمي» .

96

بكر بن وائل‏ (1) . و أمها هند بنت سالم بن عبد اللّه بن عبد اللّه بن مخزوم بن سنان بن مولة بن عامر بن مالك بن تيم اللات بن ثعلبة، و أمها ميمونة بنت بشر بن عمرو بن الحرث بن ذهل بن شيبان بن ثعلبة بن الحصين بن عكابة بن صعب بن علي بن بكر بن وائل.

[قتله عامر بن نهشل التميميّ فيما روى عن سليمان بن أبي راشد عن حميد بن مسلم بالإسناد الذي قدّمناه‏] (2) .

و إيّاه عنى سليمان بن قتة بقوله:

و سمى النبي غودر فيهم # قد علوه بصارم مصقول

فإذا ما بكيت عيني فجودي # بدموع تسيل كل مسيل‏ (3)

(و عبيد اللّه بن عبد اللّه بن جعفر بن أبي طالب) و أمه الخوصا بنت حفصة.

ذكر يحيى بن الحسن العلوي فيما حدّثني به أحمد بن سعيد عنه: أنه قتل مع الحسين بالطفّ رضوان اللّه و صلواته على الحسين و آله.

(و عبد الرحمن بن عقيل بن أبي طالب) و أمه أم ولد (4) .

قتله عثمان بن خالد بن أسيد (5) الجهني و بشير بن حوط القابضي، فيما ذكر سليمان بن أبي راشد عن حميد بن مسلم.

____________

(1) من هنا إلى آخر النسب سقط من الخطية.

(2) الزيادة من الخطية و يؤيدها ما في الطبري 6/256، 270.

(3) في الخطية «فإذا ما بكيت فابكي عليهم» .

(4) في ط و ق «عبد اللّه بن عقيل» و يؤيد ما في الخطية ما جاء في الطبري 6/270 «و عبد الرحمن بن عقيل قتله عثمان بن خالد بن أسير الجهني» و ابن الأثير 4/41.

(5) في ط و ق «ابن أشيم» .

97

(و جعفر بن عقيل بن أبي طالب) و أمه أم الثغر بنت عامر بنت الهصان العامري‏ (1) من بني كلاب.

قتله عروة بن عبد اللّه الخثعمي، فيما رويناه عن أبي جعفر محمد بن علي بن حسين و عن حميد بن مسلم.

و يقال أمه الخوصا بنت الثغرية، و اسمه عمرو بن عامر بن الهصان، بن كعب بن عبد بن أبي بكر بن كلاب العامري.

و أمها أردّة بنت حنظلة بن خالد بن كعب بن عبد بن أبي بكر بن كلاب.

و أمها أمّ البنين بنت معاوية بن خالد بن ربيعة بن عامر بن ربيعة بن عامر بن أبي صعصعة، و أمها حميدة بنت عتبة بن سمرة بن عقبة بن عامر. يقال إن أم أردة بنت حنظلة سالمة بنت مالك بن خطاب الأسدي.

(و عبد اللّه الأكبر بن عقيل بن أبي طالب) و أمه أم ولد.

قتله-فيما ذكره المدائني-عثمان بن خالد بن أسير الجهني‏ (2) ، و رجل من همدان‏ (3) .

(و محمد بن مسلم بن عقيل بن أبي طالب) و أمه أم ولد.

قتله فيما رويناه عن أبي جعفر محمد بن علي أبو مرهم الأزدي و لقيط بن إياس الجهني.

____________

(1) في الطبري 6/270 و ابن الأثير 4/41 «و أمه أم البنين ابنة الشقر بن الهضاب» .

(2) في ط و ق «أشيم» .

(3) في الطبري 6/270 و ابن الأثير 4/41 «رماه عمرو بن صبيح الصدائي فقتله» .

98

(و عبد اللّه بن مسلم بن عقيل بن أبي طالب) و أمه رقية بنت علي بن أبي طالب، و أمها أم ولد. قتله عمرو بن صبيح، فيما ذكرناه عن علي بن محمد المدائني، و عن حميد بن مسلم، و ذكر أن السهم أصابه و هو واضع يده على جبينه‏فأثبته في راحته و جبهته‏ (1) .

(و محمد بن أبي سعيد الأحول بن عقيل بن أبي طالب) و أمه أم ولد، قتله لقيط بن ياسر الجهني، رماه بسهم‏ (2) فيما رويناه عن المدائني، عن أبي مخنف، عن سليمان بن أبي راشد، عن حميد بن مسلم.

و ذكر محمد بن علي بن حمزة: أنه قتل معه جعفر بن محمد بن عقيل، و وصف أنه سمع أيضا من يذكر أنه قتل يوم الحرّة، قال أبو الفرج:

و ما رأيت في كتب الأنساب لمحمد بن عقيل ابنا يسمى جعفرا. و ذكر أيضا محمد بن علي بن حمزة، عن عقيل بن عبد اللّه بن عقيل بن محمد بن عبد اللّه ابن محمد بن عقيل بن أبي طالب:

أن علي بن عقيل، و أمه أم ولد قتل يومئذ.

فجميع من قتل يوم الطفّ من ولد أبي طالب‏سوى من يختلف في أمره اثنان و عشرون رجلا.

(ثم نرجع إلى ذكر خبر الحسين بن علي و مقتله) صلوات اللّه عليه حدّثني أحمد بن عيسى بن أبي موسى العجلي، قال: حدثنا حسين بن نصر بن مزاحم، قال: حدثنا أبي قال: حدثنا عمر بن سعد، عن أبي مخنف

____________

(1) في ابن الأثير و الطبري «قتله عمرو بن صبيح الصدائي و قيل قتله أسيد بن مالك الحضرمي» .

(2) الطبري و ابن الأثير.

99

لوط بن يحيى الأزدي، و حدّثني أيضا أحمد بن محمد بن شبيب المعروف بأبي بكر بن شيبة، قال: حدثنا أحمد بن الحرث الخزاز، قال: حدثنا علي بن محمد المدائني، عن أبي مخنف، عن عوانة، و ابن جعدية، و غيرهم؛ و حدثني أحمد بن الجعد قال: حدثنا علي بن موسى الطوسي، قال: حدثنا أحمد بن جناب، قال: حدثنا خالد بن يزيد بن أسد بن عبد اللّه القشيري، قال: حدثنا عمّار الذهني‏ (1) ، عن أبي جعفر محمد بن علي؛ كل واحد ممن ذكرت يأتي بالشي‏ء يوافق فيه صاحبه، أو يخالفه، و يزيد عليه شيئا أو ينقص منه، و قد ثبت ذلك برواياتهم منسوبا إليهم. قال المدائني؛ عن هرون بن عيسى، عن يونس بن أبي إسحاق، قال:

لما بلغ أهل الكوفة نزول الحسين مكة، و أنه لم يبايع ليزيد وفد إليه وفد منهم عليهم أبو عبد اللّه الجدلي، و كتب إليه شبث بن ربعي، و سليمان بن صرد، و المسيّب بن نجية، و وجوه أهل الكوفة يدعونه إلى بيعته، و خلع يزيد (2) ، فقال لهم: أبعث معكم أخي و ابن عمي فإذا أخذ لي بيعتي، و أتاني عنهم بمثل ما كتبوا به إليّ قدمت عليهم.

و دعى مسلم بن عقيل فقال‏ (3) : اشخص إلى الكوفة، فإن رأيت منهم اجتماعا على ما كتبوا، و رأيته أمرا ترى الخروج معه، فاكتب إليّ برأيك. فقدم مسلم الكوفة، و أتته الشيعة، فأخذ بيعتهم للحسين.

قال عمر بن سعد: عن أبي مخنف، فحدّثني المصقعب بن زهير، عن أبي عثمان: أن ابن زياد أقبل من البصرة (4) و معه مسلم بن عمر الباهلي و المنذر بن عمرو بن الجارود، و شريك بن الأعور، و حشمه و أهله، حتى دخلوا الكوفة، و عليه عمامة سوداء، و هو متلثم، و الناس ينتظرون قدوم الحسين عليهم، فأخذ لا يمر على جماعة من الناس إلاّ سلموا عليه، و قالوا: مرحبا بك يا ابن رسول اللّه (ص) قدمت خير مقدم، و رأى من الناس من تباشرهم بالحسين ما

____________

(1) في الأصول «الذهبي» راجع الطبري 6/194.

(2) نص الكتاب في مقتل الحسين ص 18.

(3) مقتل الحسين 19.

(4) مقتل الحسين 24.

100

ساءه، فأقبل‏ حتى دخل القصر (1) .

و قال عمرو عن أبي مخنف، عن المعلّى بن كليب، عن أبي الوداك، قال:

لما نزل ابن زياد القصر نودي في الناس: الصلاة جامعة، فاجتمع إليه الناس، فخرج إلينا فحمد اللّه و أثنى عليه، ثم قال‏ (2) :

أما بعد: فإن أمير المؤمنين-أصلحه اللّه-و لانّي مصركم و ثغركم و فيئكم، و أمرني بإنصاف مظلومكم، و إعطاء محرومكم، و بالإحسان إلى سامعكم و مطيعكم، و بالشدّة على مريبكم، فأنا لمطيعكم كالوالد البر الشفيق، و سيفي و سوطي على من ترك أمري، و خالف عهدي، فليبق امرؤ على نفسه، الصدق ينبئ عنك لا الوعيد.

ثم نزل. و سمع مسلم بن عقيل بمجي‏ء عبيد اللّه بن زياد و مقالته‏ (3) ؛ فأقبل حتى أتى دار هانئ بن عروة المرادي، فدخل في بابه، فأرسل إليه أن اخرج إليّ فقال: إني أتيتك لتجيرني و تضيفني، قال له: رحمك اللّه لقد كلفتني شططا، لولا دخولك داري وثقتك بي لأحببت لشأنك أن تنصرف عني، غير أني أخذني من ذلك ذمام. ادخل، فدخل داره، فأقبلت الشيعة تختلف إليه في دار هانئ بن عروة.

و جاء شريك بن الأعور حتى نزل على هانئ في داره، و كان شيعيا، و دعا ابن زياد مولى له يقال له معقل، فقال له: خذ هذه الثلاثة الآلاف الدرهم ثم التمس لنا مسلم بن عقيل، و اطلب شيعته، و أعطهم الثلاثة الآلاف الدرهم، و قل لهم: استعينوا بهذه على حرب عدوّكم، و أعلمهم بأنك منهم؛ ففعل ذلك، و جاء حتى لقي مسلم بن عوسجة الأسدي في المسجد الأعظم، و سمع الناس يقولون: هذا يبايع للحسين بن علي و كان يصلي، فلما قضى صلاته جلس

____________

(1) ابن الأثير 4/10 و الطبري 6/194.

(2) مقتل الحسين 25 و الإرشاد 86 و ابن الأثير 4/10.

(3) ابن الأثير 4/11.

101

إليه فقال له: يا عبد اللّه إني امرؤ من أهل الشام مولى‏لذي الكلاع، أنعم اللّه عليّ بحب أهل البيت وحب من أحبهم، و هذه ثلاثة آلاف درهم معي أردت بها لقاء رجل منهم بلغني أنه قدم الكوفة يبايع لابن بنت رسول اللّه (ص) و كنت أحب لقاءه لأعرف مكانه، فسمعت نفرا من المسلمين يقولون: هذا رجل له علم بأمر أهل هذا البيت، و إني أتيتك لتقبض مني هذا المال، و تدلّني على صاحبي فأبايعه‏ (1) فقال له: أحمد اللّه على لقائك فقد سرني حبك إيّاهم و بنصرة اللّه إيّاك حق أهل بيت نبيه (ص) ، و لقد ساءني معرفة الناس إيّاي بهذا الأمر قبل أن يتمّ مخافة سطوة هذا الطاغية الجبار أن يأخذ البيعة قبل أن يبرح، و أخذ عليه المواثيق الغليظة ليناصحن و ليكتمن، فأعطاه من ذلك ما رضى به، ثم قال له: اختلف إليّ أياما في منزلي، فأنا أطلب لك الإذن على صاحبك و أخذ يختلف مع الناس يطلب ذلك إليه.

و مرض شريك بن الأعور (2) ، و كان كريما على ابن زياد، و كان شديد التشيّع فأرسل إليه عبيد اللّه إني رائح إليك العشيّة فعائدك. فقال شريك لمسلم: إن هذا الفاجر عائدي العشية، فإذا جلس فاقتله، ثم اقعد في القصر، و ليس أحد يحول بينك و بينه، فإن أنا برأت من وجعي من أيامي هذه سرت إلى البصرة و كفيتك أمرها فلما كان العشي أقبل ابن زياد لعيادة شريك بن الأعور، فقال لمسلم: لا يفوتنّك الرّجل إذا جلس، فقام إليه هانئ فقال: إني لا أحب أن يقتل في داري كأنه استقبح ذلك، فجاءه عبيد اللّه بن زياد فدخل و جلس و سأل شريكا: ما الذي تجد و متى اشتكيت؟فلما طال سؤاله إيّاه، و رأى أن أحدا لا يخرج، خشي أن يفوته. فأقبل يقول:

ما الانتظار بسلمى أن تحيّوها # حيوا سليمى و حيّوا من يحييها

كأس المنية بالتعجيل فاسقوها للّه أبوك!اسقنيها و إن كانت فيها نفسي. قال ذلك مرتين أو ثلاثة؛ فقال

____________

(1) كذا في الأصول و في ابن الأثير «فأبايعه و إن شئت أخذت بيعتي له قبل لقائي إيّاه» .

(2) مقتل الحسين 26.

102

عبيد اللّه-و هو لا يفطن-: ما شأنه، أترونه يهجر؟فقال له هانئ: نعم- أصلحك اللّه-ما زال هكذا قبل غيابة الشمس إلى ساعتك هذه.

ثم قام و انصرف. فخرج مسلم فقال له شريك: ما منعك من قتله؟ فقال: خصلتان، أما إحداهما فكراهية هانئ أن يقتل في داره، [و أما]الأخرى فحديث حدّثنيه الناس عن النبي (ص) : «إن الإيمان قيّد الفتك فلا يفتك مؤمن» ؛ فقال له شريك: أما و اللّه لو قتلته لقتلت فاسقا فاجرا، كافرا غادرا.

قال: فأقبل ذلك الرجل الذي وجّهه عبيد اللّه بالمال يختلف إليهم، فهو أول داخل و آخر خارج يسمع أخبارهم، و يعلم أسرارهم، و ينطلق بها حتى يقرها في أذن ابن زياد.

قال: فقال المدائني، عن أبي مخنف، عن عبد الملك بن نوفل بن مساحق، عن عثمان بن أبي زرعة قال: فقال ابن زياد يوما: ما يمنع هانئا منّا؟ فلقيه ابن الأشعث، و أسماء بن خارجة فقالا له: ما يمنعك من إتيان الأمير و قد ذكرك؟قال: فأتاه‏ فقال ابن زياد-لعنه اللّه-شعرا:

أريد حياته و يريد قتلي # عذيرك من خليلك من مراد (1)

يا هانئ، أسلمت‏ (2) على ابن عقيل؟قال: ما فعلت، فدعا معقلا فقال: أتعرف هذا؟قال: نعم و أصدقك ما علمت به حتى رأيته في داري، و أنا أطلب إليه أن يتحوّل. قال: لا تفارقني حتى تأتيني به، فأغلظ له، فضرب وجهه بالقضيب و حبسه‏ (3) .

و قال عمر بن سعد: عن أبي مخنف، قال: حدّثني الحجاج بن علي الهمداني قال‏ (4) :

لما ضرب عبيد اللّه هانئا و حبسه، خشي أن يثب الناس به، فخرج فصعد

____________

(1) ابن الأثير 4/12 و الفخري 90 و في الطبري 6/205 «أريد حياءه» .

(2) في ط و ق «اشتملت» .

(3) راجع تفصيل ذلك في الإرشاد 188 و ابن الأثير 4/12 و الطبري 6/205.

(4) الإرشاد 190 و ابن الأثير 4/13 و الطبري 6/207.

103

المنبر و معه أناس من أشراف الناس و شرطه و حشمه، فحمد اللّه و أثنى عليه، ثم قال:

أيها الناس: اعتصموا بطاعة اللّه و طاعة أئمتكم، و لا تفرّقوا فتختلفوا و تهلكوا و تذلّوا، و تخافوا و تخرجوا، فإن أخاك من صدقك، و قد أعذر من أنذر.

فذهب لينزل، فما نزل حتى دخلت النظارة المسجد من قبل التمارين يشتدون، و يقولون: قد جاء ابن عقيل، فدخل عبيد اللّه القصر و أغلق بابه.

و قال أبو مخنف: فحدّثني يوسف بن يزيد، عن عبد اللّه بن حازم البكري قال:

أنا و اللّه رسول ابن عقيل إلى القصر في أثر هانئ لأنظر ما صار إليه أمره، فدخلت فأخبرته الخبر، فأمرني أن أنادي في أصحابي، و قد ملأ الدور منهم حواليه، فقال: ناديا منصور أمت فخرجت فناديت، و تبادر أهل الكوفة فاجتمعوا إليه، فعقد لعبد الرحمن بن عزيز الكندي على ربيعة، و قال له: سر أمامي و قدّمه في الخيل‏ (1) . و عقد لمسلم بن عوسجة على مذحج و أسد، و قال له: انزل فأنت على الرجالة. و عقد لأبي ثمامة الصائدي على تميم و حمدان.

و عقد للعباس بن جعدة الجدلي على أهل المدينة، ثم أقبل نحو القصر.

فلما بلغ عبيد اللّه إقباله تحرز في القصر، و غلّق الأبواب، و أقبل مسلم حتى أحاط بالقصر، فو اللّه ما لبثنا إلاّ قليلا حتى امتلأ المسجد من الناس، و السوق، ما زالوا يتوثبون حتى المساء، فضاق بعبيد اللّه أمره، و دعا بعبيد اللّه ابن كثير بن شهاب الحارثي، و أمره أن يخرج فيمن أطاعه من مذحج، فيخذل الناس عن ابن عقيل، و يخوفهم الحرب، و عقوبة السلطان، فأقبل أهل الكوفة يفترون على ابن زياد و أبيه.

قال أبو مخنف: فحدّثني سليمان بن أبي راشد، عن عبد اللّه بن حازم

____________

(1) كذا في الخطية و في ط و ق «و قدمه في البلد» .

104

البكري، قال:

أشرف علينا الأشراف، و كان أوّل من تكلّم كثير بن شهاب. فقال‏ (1) :

أيها الناس، ألحقوا بأهاليكم، و لا تعجلوا، انتشروا و لا تعرّضوا أنفسكم للقتل، فهذه جنود أمير المؤمنين يزيد قد أقبلت، و قد أعطى اللّه الأمير عهدا لئن أتممتم على حربه و لم تنصرفوا من عشيتكم هذه أن يحرم ذريتكم العطاء، و يفرق مقاتليكم في مغازي الشام على غير طمع، و يأخذ البري‏ء بالسقيم، و الشاهد بالغائب، حتى لا يبقى فيكم بقية من أهل المعصية إلاّ أذاقها وبال ما جنت‏ (2) .

و تكلم الأشراف بنحو من كلام كثير، فلما سمع الناس مقالتهم تفرقوا.

قال أبو مخنف: حدّثني المجالد بن سعيد (3) :

أن المرأة كانت تأتي ابنها و أخاها فتقول: انصرف، الناس يكفونك، و يجي‏ء الرجل إلى ابنه و أخيه فيقول: غدا يأتيك أهل الشام فما تصنع بالحرب و الشر؟انصرف، فما زالوا يتفرقون و ينصرفون‏ حتى أمسى ابن عقيل و ما معه إلاّ ثلاثون نفسا، حتى صليت المغرب فخرج متوجها نحو أبواب كندة، فما بلغ الأبواب إلاّ و معه منها عشر، ثم خرج من الباب فإذا ليس معه منهم إنسان فمضى متلددا في أزقة الكوفة لا يدري أين يذهب‏ (4) ، حتى خرج إلى دور بني بجيلة من كندة، فمضى حتى أتى باب امرأة يقال لها طوعة أم ولد كانت للأشعث و أعتقها، فتزوج بها أسيد الحضرمي، فولدت له بلالا، و كان بلال قد خرج مع الناس، و أمه قائمة تنتظر فسلم عليها ابن عقيل، فردت السلام، فقال لها: اسقيني ماء.

فدخلت فأخرجت إليه، فشرب، ثم أدخلت الإناء، و خرجت و هو جالس في مكانه، فقالت: ألم تشرب؟قال: بلى. قالت: فاذهب إلى أهلك فسكت، فأعادت عليه ثلاثا ثم قالت: سبحان اللّه يا عبد اللّه، قم إلى أهلك-عافاك اللّه- فإنه لا يصلح لك الجلوس على بابي و لا أحلّه لك، ثم قام، فقال: يا أمة اللّه، و اللّه ما لي في هذا المصر من أهل، فهل لك في معروف و أجر لعلي أكافئك به بعد

____________

(1) الإرشاد 191 و الطبري 6/208.

(2) في ط و ق «وبال من خبث» .

(3) الطبري 6/208.

(4) مقتل الحسين 31.