مقاتل الطالبيين

- ابو الفرج الأصفهاني المزيد...
663 /
105

اليوم. قالت: يا عبد اللّه‏ و ما ذاك؟قال: أنا مسلم بن عقيل، كذّبني هؤلاء القوم، و غروني و خذلوني، قالت: أنت مسلم؟قال: نعم. قالت: ادخل، فأدخلته بيتا في دارها، و فرشت له، و عرضت عليه العشاء، و جاء ابنها فرآها تكثر الدخول في البيت، فسألها، فقالت: يا بني أله عن هذا، قال: و اللّه لتخبرنني، و ألحّ عليها، فقالت: يا بني، لا تخبريه أحدا من الناس، و أخذت عليه الأيمان، فحلف لها، فأخبرته، فاضطجع و سكت.

فلما طال على ابن زياد، و لم يسمع أصوات أصحاب ابن عقيل قال لأصحابه: أشرفوا فانظروا فأخذوا ينظرون، و أدلوا القناديل و أطنان القصب تشد بالحبال و تدلي و تلهب فيها النار، حتى فعل ذلك بالأظلة التي في المسجد كلّها، فلما لم يروا شيئا أعلموا ابن زياد ففتح باب السّدة، و خرج و نادى في الناس:

برئت الذمة من رجل صلّى العتمة إلاّ في المسجد، فاجتمع الناس في ساعة، فحمد اللّه و أثنى عليه، ثم قال‏ (1) :

أما بعد: فإن ابن عقيل السقيه الجاهل قد أتى ما قد رأيتم من الخلاف و الشقاق، فبرئت ذمة اللّه من رجل وجد في داره، و من جاء به فله ديته، اتقوا اللّه عباد اللّه، و الزموا طاعتكم، و لا تجعلوا على أنفسكم سبيلا. يا حصين بن تميم‏ (2) ثكلتك أمّك إن ضاع شي‏ء من سكك الكوفة أو خرج هذا الرجل و لم تأتني به، و قد سلطتك على دور أهل الكوفة، فابعث مراصدة على أفواه السكك، و أصبح غدا فاستبرء الدور حتى تأتي بهذا الرجل‏ (3) ، ثم نزل.

فلمّا أصبح أذن للناس، فدخلوا عليه، و أقبل محمد بن الأشعث فقال:

مرحبا بمن لا يتهم و لا يستغش، و أقعده إلى جنبه.

و أصبح بلال ابن العجوز التي آوت ابن عقيل فغدا إلى عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث فأخبره بمكان ابن عقيل عند أمه فأقبل عبد الرحمن حتى أتى إلى

____________

(1) الطبري 6/210 و ابن الأثير 4/14 و الإرشاد 193.

(2) في ط و ق «ابن نمير» .

(3) في الطبري بعد ذلك «و كان الحصين على شرطه و هو من بني تميم» .

106

أبيه و هو جالس، فساره، فقال له ابن زياد: ما قال لك؟قال: أخبرني أن ابن عقيل في دار من دورنا، فنخسه ابن زياد بالقضيب في جنبه ثم قال: قم فأتني به الساعة.

قال أبو مخنف: فحدّثني قدامة بن سعد بن زائدة الثقفي‏ (1) . أن ابن زياد بعث مع ابن الأشعث ستين أو سبعين رجلا كلهم من قيس، عليهم [عمرو بن‏] (2) عبيد اللّه بن العباس السلمي حتى أتوا الدار التي فيها ابن عقيل، فلما سمع وقع حوافر الخيل و أصوات الرجال، عرف أنه قد أتى؛ فخرج إليهم بسيفه، فاقتحموا عليه الدار، فشد عليهم كذلك‏ (3) ، فلما رأوا ذلك أشرفوا عليه من فوق السطوح و ظهروا فوقه، فأخذوا يرمونه بالحجارة، و يلهبون النيران في أطنان القصب ثم يقذفونها عليه من فوق السطوح فلما رأى‏[ذلك‏] قال: أ كلما أرى من الإجلاب لقتل ابن عقيل؟يا نفس اخرجي إلى الموت الذي ليس منه محيص، فخرج-رضوان اللّه عليه-مصلتا سيفه إلى السكة، فقاتلهم، فأقبل عليه محمد بن الأشعث فقال: يا فتى، لك الأمان، لا تقتل نفسك. فأقبل يقاتلهم و هو يقول‏ (4) :

أقسمت لا أقتل إلاّ حرّا # و إن رأيت الموت شيئا نكرا

أخاف أن أكذب أو أغرّا # أو يخلط البارد سخنا مرّا

ردّ شعاع الشمس فاستقرا (5) # كل امرئ يوما ملاق شرّا

قال له محمد بن الأشعث: إنك لا تكذب و لا تغر، إن القوم ليسوا بقاتليك و لا ضاربيك، و قد أثخن بالجراح و عجز عن القتال؛ فانبهر و أسند

____________

(1) الطبري 6/210 و الإرشاد 193 و مقتل الحسين 33 و ابن الأثير 4/14.

(2) الزيادة من الطبري و فيه «و إنما كره أن يبعث معه قومه لأنه قد علم أن كل قوم يكرهون أن يصادف فيهم مثل ابن عقيل» .

(3) في الطبري «فشد عليهم يضربهم بسيفه حتى أخرجهم من الدار، ثم عادوا إليه فشد عليهم كذلك فاختلف هو و بكير بن حمران الأحمري ضربتين فضرب بكير فم مسلم فقطع شفته العليا و أشرع السيف في السفلى، و نصلت لها ثنيتاه، فضربه مسلم ضربة في رأسه منكرة و ثنى بأخرى على حبل العاتق كادت تطلع على جوفه، فلما رأوا ذلك أشرفوا» .

(4) الطبري 6/210 و ابن الأثير 4/11 و مقتل الحسين 35.

(5) في ط و ق «غار شعاع الشمس فاقشعرا» .

107

ظهره إلى دار بجنب تلك الدار، فدنا منه محمد بن الأشعث فقال له: لك الأمان، فقال له مسلم: آمن أنا؟قال: نعم أنت آمن، فقال القوم جميعا:

نعم غير عبيد اللّه بن العباس السلمي لأنه قال: «لا ناقة لي في هذا و لا جمل» ، و تنحّى، فقال ابن عقيل: إني و اللّه لو لا أمانكم ما وضعت يدي في أيديكم.

و أتى ببغلة فحمل عليها فاجتمعوا عليه، فنزعوا سيفه من عنقه، فكأنه أيس من نفسه فدمعت عينه و علم أن القوم قاتلوه، و قال: هذا أول الغدر.

فقال له محمد بن الأشعث: أرجوا ألاّ يكون عليك بأس.

فقال: ما هو إلاّ الرجاء، فأين أمانكم‏ إِنََّا لِلََّهِ وَ إِنََّا إِلَيْهِ رََاجِعُونَ و بكى.

فقال له عبيد اللّه ابن العباس السلمي: إن مثلك و من يطلب مثل الذي طلبت إذا نزل به مثل الذي نزل بك لم يبك.

قال: إني و اللّه ما أبكي لنفسي، و لا لها من القتل أرثي، و إن كنت لم أحبّ لها طرفة عين تلفا، و لكني أبكي لأهلي المقبلين إليّ، أبكي للحسين و آل الحسين، ثم أقبل على ابن الأشعث فقال: إني و اللّه أظنك ستعجز عن أماني، و سأله أن يبعث رسولا إلى الحسين بن علي يعلمه الخبر، و يسأله الرجوع فقال له ابن الأشعث: و اللّه لأفعلنّ‏ (1) .

قال أبو مخنف: فحدّثني قدامة بن سعد (2) : أن مسلم بن عقيل حين انتهى به إلى القصر رأى قلة مبرّدة موضوعة على الباب، فقال: اسقوني من هذا الماء. فقال له مسلم بن عمر، و أبو قتيبة بن مسلم الباهلي: أ تراها ما أبردها؟ فو اللّه لا تذوق منها قطرة واحدة حتى تذوق الحميم في نار جهنّم.

فقال له مسلم بن عقيل‏ (3) : ويلك، و لأمك الثكل، ما أجفاك،

____________

(1) راجع تفصيل ذلك في الطبري 6/211.

(2) الطبري 6/212 و ابن الأثير 4/15 و الإرشاد 195.

(3) في الطبري «فقال له مسلم بن عقيل: ويحك من أنت؟قال: أنا ابن من عرف الحق إذا أنكرته، و نصح لإمامه إذ غششته، و سمع و أطاع إذ عصيته و خالفت، أنا مسلم بن عمرو الباهلي فقال ابن عقيل لأمك الثكل... » .

108

و أفظك، و أقسى قلبك، أنت يا ابن باهلة أولى بالحميم، و الخلود في نار جهنم، ثم جلس و تساند إلى الحائط.

قال أبو مخنف: فحدّثني أبو قدامة بن سعد أن عمرو بن حريث بعث غلاما له يدعى سليما فأتاه بماء في قلة فسقاه. قال و حدثني مدرك بن عمارة: أن عمارة بن عقبة بعث غلاما يدعى نسيما فأتاه بماء في قلة عليها منديل و قدح معه، فصب فيه الماء ثم سقاه، فأخذ كلّما شرب امتلأ القدح دما، فأخذ لا يشرب من كثرة الدم، فلما ملأ القدح ثانية ذهب يشرب، فسقطت ثنيتاه في القدح، فقال: الحمد للّه، لو كان لي من الرزق المقسوم لشربته.

قال: ثم أدخل على عبيد اللّه بن زياد (1) -لعنه اللّه-فلم يسلم عليه، فقال له الحرس: ألا تسلم على الأمير؟فقال: إن كان الأمير يريد قتلي فما سلامي عليه؟و إن كان لا يريد قتلي فليكثرن سلامي عليه. فقال له عبيد اللّه- لعنه اللّه-: لتقتلن. قال: أكذلك؟قال: نعم. قال: دعني إذا أوصي إلى بعض القوم. قال: أوص إلى من أحببت. فنظر ابن عقيل إلى القوم و هم جلساء ابن زياد، و فيهم عمر بن سعد؛ فقال: يا عمر، إن بيني و بينك قرابة دون هؤلاء، ولي إليك حاجة، و قد يجب عليك لقرابتي نجح حاجتي، و هي سرّ، فأبى أن يمكنه من ذكرها، فقال له عبيد اللّه بن زياد: لا تمتنع من أن تنظر في حاجة ابن عمك، فقام معه و جلس حيث ينظر إليهما ابن زياد-لعنه اللّه-، فقال له ابن عقيل: إن عليّ بالكوفة دينا استدنته مذ قدمتها تقضيه عنّي حتى يأتيك من غلّتي بالمدينة، و جثتي فاطلبها من ابن زياد فوارها، و ابعث إلى الحسين من يرده. فقال عمر لابن زياد: أتدري ما قال؟قال: اكتم ما قال لك، قال: أتدري ما قال لي؟قال: هات، فإنه لا يخون الأمين، و لا يؤتمن الخائن. قال: كذا و كذا، قال: أما مالك فهو لك، و لسنا نمنعك منه فاصنع فيه ما أحببت و أما حسين فإنه إن لم يردنا لم نرده، و إن أرادنا لم نكفّ عنه، و أما جثته فإنا لا نشفعك فيها، فإنه ليس لذلك منا بأهل، و قد خالفنا و حرص على هلاكنا.

____________

(1) ابن الأثير 4/15 و مقتل الحسين 36 و الطبري 6/212 و الإرشاد 196.

109

ثم قال ابن زياد لمسلم: قتلني اللّه إن لم أقتلك قتلة لم يقتلها أحد من الناس في الإسلام‏ (1) .

قال: أما إنك أحق من أحدث في الإسلام ما ليس فيه، أما إنك لم تدع سوء القتلة، و قبح المثلة و خبث السيرة، و لؤم الغيلة لمن هو أحق به منك‏ (2) .

ثم قال ابن زياد: اصعدوا به فوق القصر فأضربوا عنقه.

ثم قال: ادعوا الذي ضربه ابن عقيل على رأسه و عاتقه بالسيف فجاءه فقال: اصعد و كن أنت الذي تضرب عنقه، و هو بكير بن حمران الأحمري-لعنه اللّه-، فصعدوا به و هو يستغفر اللّه و يصلي على النبي (ص) ، و على أنبيائه و رسله و ملائكته-و هو يقول: اللهم احكم بيننا و بين قوم غرّونا، و كادونا و خذلونا.

ثم أشرفوا به على موضع الحذّائين فضرب عنقه، ثم أتبع رأسه جسده- صلّى اللّه عليه و رحمه- (3) .

و قال المدائني: عن أبي مخنف عن يوسف بن يزيد، قال: فقال عبد اللّه ابن الزّبير الأسدي‏ (4) :

إذا كنت لا تدرين ما الموت فانظري # إلى هانئ في السوق و ابن عقيل

إلى بطل قد هشّم السيف وجهه # و آخر يهوي من طمار قتيل‏ (5)

ترى جسدا قد غيّر الموت لونه # و نضح دم قد سال كلّ مسيل‏ (6)

أصابهما أمر الأمير فأصبحا # أحاديث من يسعى بكل سبيل‏

____________

(1) راجع ما دار بينهما من حوار قبل ذلك في الطبري 6/212-213.

(2) في الطبري «و لا أحد من الناس أحق بها منك» .

(3) راجع الطبري 6/213، و كان قتله في يوم عرفة سنة 60 و صلب ابن زياد جثته.

(4) في الطبري 6/214 «و يقال قاله الفرزدق» و نسبه في اللسان 6/174 لسليم بن سلام الحنفي و الشعر في ابن الأثير 4/16 و مقتل الحسين 38 و الإرشاد 197 و تهذيب ابن عساكر 7/424 و ابن سعد 4/29.

(5) في اللسان 6/174 «يقال انصب عليهم فلان من طمار و هو المكان العالي» و فيه «قد عقر السيف وجهه» .

(6) بعده في الطبري:

فتى هو أحيا من فتاة حيية # و أقطع من ذي شفرتين صقيل‏

110

أيركب أسماء الهماليج آمنا # و قد طلبته مذحج بذحول‏ (1)

تطيف حواليه مراد و كلهم # على رقبة من سائل و مسول

فإن أنتم لم تثأروا بأخيكم # فكونوا بغايا أرضيت بقليل‏

قالوا: و كان مسلم قد كتب إلى الحسين بأخذ البيعة له، و اجتماع الناس عليه، و انتظارهم إيّاه، فأزمع الشخوص إلى الكوفة، و لقيه عبد اللّه بن الزبير في تلك الأيام و لم يكن شي‏ء أثقل عليه من مكان الحسين بالحجاز، و لا أحب إليه من خروجه إلى العراق طمعا في الوثوب بالحجاز، و علما بأن ذلك لا يتم له إلاّ بعد خروج الحسين، فقال له: على أيّ شي‏ء عزمت يا أبا عبد اللّه؟فأخبره برأيه في إتيان الكوفة، و أعلمه بما كتب به مسلم بن عقيل إليه، فقال له ابن الزبير:

فما يحبسك، فو اللّه لو كان لي مثل شيعتك بالعراق ما تلوّمت في شي‏ء، و قوى عزمه، ثم انصرف. و جاءه به عبد اللّه بن عباس و قد أجمع رأيه على الخروج، و حققه، فجعل يناشده في المقام، و يعظم عليه القول في ذم أهل الكوفة، و قال له: إنك تأتي قوما قتلوا أباك، و طعنوا أخاك، و ما أراهم إلاّ خاذليك، فقال له: هذه كتبهم معي، و هذا كتاب مسلم باجتماعهم، فقال له ابن عباس: أما إذا كنت لا بد فاعلا فلا تخرج أحدا من ولدك، و لا حرمك و لا نسائك فخليق أن تقتل و هم ينظرون إليك كما قتل ابن عفان، فأبى ذلك و لم يقبله.

قال: فذكر من حضره يوم قتل و هو يلتفت إلى حرمه و إخوته و هن يخرجن من أخبيتهن جزعا لقتل من يقتل معه و ما يرينه به، و يقول: للّه در ابن عباس فيما أشار علي به.

قال: فلما أبى الحسين قبول رأي ابن عباس قال له: و اللّه لو أعلم أني إذا تشبثت بك و قبضت على مجامع ثوبك، و أدخلت يدي في شعرك حتى يجتمع الناس عليّ و عليك، كان ذلك نافعي لفعلته، و لكن اعلم أن اللّه‏بالغ أمره،

____________

(1) يعني بأسماء: أسماء بن خارجة، و الهماليج: جمع هملاج نوع من البراذين، و الذحل: الثأر.

111

ثم ارسل عينيه فبكى، و ودّع الحسين، و انصرف. و مضى الحسين لوجهه، و لقى ابن عباس بعد خروجه عبد اللّه بن الزبير فقال له:

يا لك من قبّرة بمعمر # خلا لك الجوّ فبيضي و اصفري

و نقّري ما شئت أن تنقّري # هذا الحسين خارجا فاستبشري‏ (1)

فقال: قد خرج الحسين و خلت لك الحجاز.

قال أبو مخنف في حديثه خاصة عن رجاله:

إن عبيد اللّه بن زياد وجه الحر بن يزيد ليأخذ الطريق على الحسين، فلما صار في بعض الطريق لقيه أعرابيان من بني أسد، فسألهما عن الخبر، فقالا له:

يا ابن رسول اللّه، إن قلوب الناس معك، و سيوفهم عليك، فارجع، و أخبراه بقتل ابن عقيل و أصحابه، فاسترجع الحسين، فقال له بنو عقيل: لا نرجع و اللّه أبدا أو ندرك ثأرنا أو نقتل بأجمعنا، فقال لمن كان لحق به من الأعراب: من كان منكم يريد الإنصراف عنّا فهو في حلّ من بيعتنا. فانصرفوا عنه، و بقي في أهل بيته، و نفر من أصحابه‏ (2) .

و مضى حتى دنا من الحرّ بن يزيد، فلما عاين أصحابه العسكر من بعيد كبّروا، فقال لهم الحسين: ما هذا التكبير؟قالوا: رأينا النخل، فقال بعض أصحابه: ما بهذا الموضع و اللّه نخل، و لا أحسبكم ترون إلاّ هوادي الخيل و أطراف الرماح، فقال الحسين: و أنا و اللّه أرى ذلك؛ فمضوا لوجوههم، و لحقهم الحرّ بن يزيد في أصحابه، فقال للحسين: إني أمرت أن أنزلك في أيّ موضع لقيتك و أجعجع بك، و لا أتركك أن تزول من مكانك‏ (3) .

قال: إذا أقاتلك، فاحذر أن تشقى بقتلي ثكلتك أمك. فقال: [أما و اللّه لو غيرك من العرب يقولها و هو على مثل الحال التي أنت عليها ما تركت ذكر أمه بالثكل أن أقوله كائنا من كان، و لكن و اللّه ما لي إلى ذكر أمك من سبيل إلاّ

____________

(1) ابن الأثير 4/17 و مقتل الحسين 41 و الطبري 6/217 و ابن عساكر 4/331.

(2) في الأثير 4/19 «و إنما فعل ذلك لأنه علم أن الأعراب ظنوا أنه يأتي بلدا قد استقامت له طاعة أهله فأراد أن يعلموا ما يقدمون عليه» .

(3) كذا في الخطية و في ط و ق «و لا أثر كان أن تزول من حكايات» .

112

بأحسن ما يقدر عليه‏] (1) .

و أقبل يسير و الحر يسايره و يمنعه من الرجوع من حيث جاء، و يمنع الحسين من دخول الكوفة، حتى نزل بأقساس مالك، و كتب الحر إلى عبيد اللّه يعلمه ذلك.

قال أبو مخنف: فحدّثني عبد الرحمن بن جندب، عن عتبة بن سمعان الكلبي، قال:

لما ارتحلنا من قصر ابن مقاتل، و سرنا ساعة خفق رأس الحسين خفقة ثم انتبه فأقبل يقول: إِنََّا لِلََّهِ، وَ إِنََّا إِلَيْهِ رََاجِعُونَ ، و اَلْحَمْدُ لِلََّهِ رَبِّ اَلْعََالَمِينَ* مرتين. فأقبل إليه علي بن الحسين و هو على فرس فقال له: يا أبي جعلت فداك، مم استرجعت؟و علام حمدت اللّه؟قال الحسين: يا بني، إنه عرض لي فارس على فرس فقال: القوم يسيرون، و المنايا تسري إليهم، فعلمت أنها أنفسنا نعيت إلينا، فقال: يا أبتاه لا أراك اللّه سوءا أبدا، أ لسنا على الحق؟قال: بلى و الذي يرجع إليه العباد. فقال: يا أبت، فإذا لا نبالي، قال: جزاك اللّه خير ما جزى ولد عن والده‏ (2) .

قال: و كان عبيد اللّه بن زياد-لعنه اللّه-قد ولّى عمر بن سعد الرّي، فلما بلغه الخبر وجّه إليه أن سر إلى الحسين أولا فاقتله، فإذا قتلته رجعت و مضيت إلى الرّي، فقال له: أعفني أيّها الأمير. قال: قد أعفيتك من ذلك، و من الريّ، قال: اتركني أنظر في أمري فتركه، فلما كان من الغد غدا عليه فوجه معه بالجيوش لقتال الحسين، فلما قاربه و تواقفوا قام الحسين في أصحابه خطيبا فقال‏ (3) :

اللهم إنك تعلم أني لا أعلم أصحابا خيرا من أصحابي، و لا أهل بيت

____________

(1) الزيادة من الطبري ليستقيم بها النص المحرف في الأصول و هو «فقال و اللّه لو غيرك يقول هذا و نكري و أكن لم أكن أذكر أمك إلاّ بخير الذكر» .

(2) مقتل الحسين 48 و الطبري 6/231 و الإرشاد 257 و ابن الأثير 4/22.

(3) الطبري 6/238 و ابن الأثير 4/25.

113

خيرا من أهل بيتي، فجزاكم اللّه خيرا فقد آزرتم و عاونتم‏ (1) ، و القوم لا يريدون غيري، و لو قتلوني لم يبتغوا غيري أحدا، فإذا جنّكم الليل فتفرقوا في سواده، و انجوا بأنفسكم.

فقام إليه العباس بن علي أخوه، و علي ابنه، و بنو عقيل، فقالوا له:

معاذ اللّه و الشهر الحرام، فماذا نقول للناس إذا رجعنا إليهم، إنا تركنا سيدنا، و ابن سيدنا و عمادنا، و تركناه غرضا للنبل، و دريئة للرماح، و جزرا للسباع، و فررنا عنه رغبة في الحياة، معاذ اللّه، بل نحيا بحياتك، و نموت معك، فبكى و بكوا عليه، و جزاهم خيرا، ثم نزل-صلوات اللّه عليه-.

فحدّثني عبد اللّه بن زيدان البجلي، قال: حدّثنا محمد بن زيد التميمي، قال: حدّثنا نصر بن مزاحم، عن أبي مخنف عن الحرث بن كعب، عن علي بن الحسين قال‏ (2) :

إني و اللّه لجالس مع أبي في تلك الليلة، و أنا عليل، و هو يعالج سهاما له، و بين يديه جون مولى أبي ذر الغفاري، إذ ارتجز الحسين:

يا دهر أف لك من خليل # كم لك في الإشراق و الأصيل

من صاحب و ماجد قتيل # و الدهر لا يقنع بالبديل

و الأمر في ذاك إلى الجليل # و كل حي سالك السبيل‏

قال: و أما أنا فسمعته و رددت عبرتي.

و أما عمتي فسمعته دون النساء فلزمتها الرقة و الجزع‏ (3) ، فشقت ثوبها، و لطمت وجهها، و خرجت حاسرة تنادي: و اثكلاه!وا حزناه!ليت الموت أعدمني الحياة، يا حسيناه يا سيداه، يا بقية أهل بيتاه، استقلت و يئست من الحياة؛ اليوم مات جدي رسول اللّه (ص) ، و أمي فاطمة الزهراء، و أبي علي،

____________

(1) في ط و ق «أبرزتم» .

(2) الطبري 6/239 و الإرشاد 213 و مقتل الحسين 49 و ابن الأثير 4/26 و اليعقوبي 2/217.

(3) كذا في الأصول مع نقص الفاء في «فسمعته» و في الطبري «فإنها سمعت ما سمعت، و هي امرأة، و في النساء الرقة و الجزع» .

114

و أخي الحسن، يا بقية الماضين، و ثمال الباقين.

فقال لها الحسين: يا أختي «لو ترك القطا لنام» .

قالت: فإنما تغتصب نفسك اغتصابا، فذاك أطول لحزني و أشجى لقلبي؛ و خرت مغشيا عليها؛ فلم يزل يناشدها و احتملها حتى أدخلها الخباء (1) .

(رجع الحديث إلى مقتله صلوات اللّه عليه) قال: فوجه إلى عمر بن سعد-لعنه اللّه-فقال: ما ذا تريدون مني؟إني مخيّركم ثلاثا: بين أن تتركوني ألحق بيزيد، أو أرجع من حيث جئت، أو أمضي إلى بعض ثغور المسلمين فأقيم فيها.

ففرح ابن سعد بذلك، و ظن أن ابن زياد-لعنه اللّه-يقبله منه، فوجه إليه رسولا يعلمه ذلك، و يقول: لو سألك هذا بعض الديلم و لم تقبله ظلمته.

فوجه إليه ابن زياد: طمعت يا ابن سعد في الراحة، و ركنت إلى دعة، ناجز الرجل و قاتله، و لا ترض منه إلاّ أن ينزل على حكمي.

فقال الحسين: معاذ اللّه أن أنزل على حكم ابن مرجانة أبدا (2) ، فوجه ابن زياد شمر بن ذي الجوشن الضّبابي-أخزاه اللّه-إلى ابن سعد-لعنه اللّه- يستحثه لمناجزة الحسين، فلما كان في يوم الجمعة لعشر خلون من المحرم سنة إحدى و ستين، ناجزه ابن سعد-لعنه اللّه-فجعل أصحاب الحسين يتقدمون رجلا رجلا يقاتلون حتى قتلوا.

و قال المدائني، عن العباس بن محمد بن رزين، عن علي بن طلحة، و عن أبي مخنف، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، عن حميد بن مسلم، و قال عمر بن سعد البصري: عن أبي مخنف، عن زهير بن عبد اللّه الخثعمي،

____________

(1) راجع تفصيل ذلك في الطبري 6/240.

(2) العقد 4/379 و شرح شافية أبي فراس 137.

115

و حدّثنيه أحمد بن سعيد، عن يحيى بن الحسن‏[العلوي‏]، عن بكر بن عبد الوهاب، عن إسماعيل بن أبي إدريس، عن أبيه، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، دخل حديث بعضهم في حديث الآخرين: إن أول قتيل قتل من ولد أبي طالب مع الحسين ابنه علي، قال: فأخذ يشد على الناس و هو يقول:

أنا علي بن الحسين بن علي # نحن و بيت اللّه أولى بالنبي

من شبث ذاك و من شمر الدني # أضربكم بالسيف حتى يلتوي

ضرب غلام هاشمي علوي # و لا أزال اليوم أحمي عن أبي

و اللّه لا يحكم فينا ابن الدعي‏

(1)

ففعل ذلك مرارا، فنظر إليه مرة بن منقذ العبدي فقال: عليّ آثم العرب إن هو فعل مثل ما أراه يفعل، و مرّ بي أن أثكله أمه. فمر يشد على الناس و يقول كما كان يقول، فاعترضه مرّة و طعنه بالرمح فصرعه، و اعتوره الناس فقطعوه بأسيافهم.

و قال أبو مخنف: عن سليمان بن أبي راشد، عن حميد بن مسلم، قال:

سماع أذني يومئذ الحسين و هو يقول: قتل اللّه قوما قتلوك يا بني، ما أجرأهم على اللّه، و على انتهاك حرمة الرسول (ص) ثم قال: على الدنيا بعدك العفاء.

قال حميد: و كأني أنظر إلى امرأة خرجت مسرعة كأنها الشمس الطالعة تنادي: يا حبيباه، يا ابن أخاه، فسألت عنها، فقالوا: هذه زينب بنت علي بن أبي طالب؛ ثم جاءت حتى انكبت عليه‏ فجاءها الحسين فأخذ بيدها إلى الفسطاط، و أقبل إلى ابنه، و أقبل فتيانه إليه فقال: احملوا أخاكم، فحملوه من مصرعه ذلك، ثم جاء به حتى وضعه بين يدي فسطاطه‏ (2) .

حدّثني أحمد بن سعيد، قال: حدّثني يحيى بن الحسن العلوي، قال:

حدثنا غير واحد، عن محمد بن عمير، عن أحمد بن عبد الرحمن البصري، عن

____________

(1) الإرشاد 220 و مقتل الحسين 81 و ابن الأثير 4/33 و الطبري 6/256.

(2) مقتل الحسين 82 و ابن الأثير 4/33 و الطبري 6/256.

116

عبد الرحمن بن مهدي، عن حماد بن سلمة عن سعيد بن ثابت، قال:

لما برز علي بن الحسين إليهم، أرخى الحسين-صلوات اللّه عليه و سلامه -عينيه فبكى، ثم قال: اللهم كن أنت الشهيد عليهم، فبرز إليهم غلام أشبه الخلق برسول اللّه (ص) ، فجعل يشد عليهم ثم يرجع إلى أبيه فيقول: يا أباه، العطش، فيقول له الحسين: اصبر حبيبي فإنك لا تمسي حتى يسقيك رسول اللّه (ص) بكأسه، و جعل يكر كرّة بعد كرّة، حتى رمى بسهم فوقع في حلقه فخرقه، و أقبل ينقلب في دمه، ثم نادى: يا أبتاه عليك السلام، هذا جدّي رسول اللّه (ص) يقرئك السلام، و يقول: عجّل القدوم إلينا، و شهق شهقة فارق الدنيا.

قال أبو مخنف: فحدّثني سليمان بن أبي راشد، عن حميد بن مسلم قال:

أحاطوا بالحسين عليه السلام، و أقبل غلام من أهله نحوه، و أخذته زينب بنت علي لتحبسه، فقال لها الحسين: احبسيه، فأبى الغلام، فجاء يعدوا إلى الحسين، فقام إلى جنبه، و أهوى أبحر بن كعب بالسيف إلى الحسين، فقال الغلام لأبجر: يا ابن الخبيثة أتقتل عمي؟فضربه أبجر بالسيف، و اتقاه الغلام بيده فأطنّها إلى الجلد. و بقيت معلقة بالجلد، فنادى الغلام: يا أماه، فأخذه الحسين فضمّه إليه، و قال: يا ابن أخي احتسب فيما أصابك الثواب، فإن اللّه ملحقك بآبائك الصالحين، برسول اللّه (ص) ، و حمزة، و علي، و جعفر، و الحسن عليهم السلام‏ (1) .

قال: و جاء رجل حتى دخل عسكر الحسين، فجاء إلى رجل من أصحابه فقال له: إن خبر ابنك فلان وافى، إن الديلم أسروه، فتنصرف معي حتى نسعى في فدائه، فقال: حتى أصنع ما ذا؟عند اللّه أحتسبه و نفسي، فقال له الحسين: انصرف و أنت في حل من بيعتي، و أنا أعطيك فداء ابنك. فقال:

____________

(1) الطبري 259 و ابن الأثير 4/34.

117

هيهات أن أفارقك ثم أسأل الركبان عن خبرك. لا يكون و اللّه هذا أبدا، و لا أفارقك، ثم حمل على القوم‏ فقاتل حتى قتل رحمة اللّه عليه و رضوانه.

قال: و جعل الحسين يطلب الماء، و شمر-لعنه اللّه-يقول له: و اللّه لا ترده أو ترد النار، فقال له رجل: ألا ترى إلى الفرات يا حسين كأنه بطوان الحيات، و اللّه لا تذوقه أو تموت عطشا، فقال الحسين: اللهم أمته عطشا.

قال: و اللّه لقد كان هذا الرجل يقول: اسقوني ماء، فيؤتى بماء، فيشرب حتى يخرج من فيه و هو يقول: اسقوني، قتلني العطش، فلم يزل كذلك حتى مات‏ (1) .

قال أبو مخنف: فحدثني سليمان بن أبي راشد، عن حميد بن مسلم، قال:

لما اشتد العطش على الحسين دعا أخاه العبّاس بن علي، فبعثه في ثلاثين راكبا و ثلاثين راجلا، و بعث معه بعشرين قربة، فجاءوا حتى‏دنوا من الماء فاستقدم أمامهم نافع بن هلال الجملي، فقال له عمرو بن الحجاج: من الرجل؟ قال: نافع بن هلال، قال: مرحبا بك يا أخي ما جاء بك؟قال: جئنا لنشرب من هذا الماء الذي حلأتمونا عنه، قال: اشرب، قال: لا و اللّه لا أشرب منه قطرة و الحسين عطشان. فقال له عمرو: لا سبيل إلى ما أردتم، إنما وضعونا بهذا المكان لنمنعكم من الماء، فلما دنا منه أصحابه قال للرجالة: املئوا قربكم، فشدت الرجالة فدخلت الشّريعة فملأوا قربهم، ثم خرجوا، و نازعهم عمرو بن الحجاج و أصحابه، فحمل عليهم العباس بن علي، و نافع بن هلال الجملي‏ (2) جميعا، فكشفوه، ثم انصرفوا إلى رحالهم، و قالوا للرجالة: انصرفوا. فجاء أصحاب الحسين بالقرب حتى أدخلوها عليه.

قال المدائني: فحدثني أبو غسان، عن هارون بن سعد، عن القاسم بن الأصبغ ابن نباتة، قال:

____________

(1) ابن الأثير 4/34.

(2) في ط و ق «البجلي» و في الخطية «الحملي» تحريف، و «الجملي» منسوب إلى جمل بطن من مذحج.

118

رأيت رجلا من بني أبان بن دارم أسود الوجه، و كنت أعرفه جميلا، شديد البياض، فقلت له: ما كدت أعرفك، قال: إني قتلت شابا أمرد مع الحسين، بين عينيه أثر السجود، فما نمت ليلة منذ قتلته إلاّ أتاني فيأخذ بتلابيبي حتى يأتي جهنم فيدفعني فيها، فأصيح، فما يبقى أحد في الحي إلاّ سمع صياحي.

قال: و المقتول العباس بن علي-عليه السلام-.

قال المدائني. فحدثني مخلد بن حمزة بن بيض، و حباب بن موسى، عن حمزة بن بيض، قال حدثني هانئ بن ثبيت القابضي زمن خالد، قال: قال:

كنت ممن شهد الحسين، فإني لواقف على خيول إذ خرج غلام من آل الحسين مذعورا يلتفت يمينا و شمالا، فأقبل رجل‏ (1) منا يركض حتى دنا منه، فمال عن فرسه، فضربه فقتله.

قال: و حمل شمر-لعنه اللّه-على عسكر الحسين، فجاء إلى فسطاطه لينهبه، فقال له الحسين: ويلكم، إن لم يكن لكم دين فكونوا أحرارا في الدنيا، فرحلى لكم عن ساعة مباح، قال: فاستحيا و رجع.

قال: و جعل الحسين يقاتل بنفسه، و قد قتل ولده و إخوته و بنو أخيه و بنو عمه فلم يبق منهم أحد، و حمل عليه ذرعة بن شريك-لعنه اللّه-، فضرب كتفه اليسرى بالسيف فسقطت-صلوات اللّه عليه-. و قتله أبو الجنوب زياد بن عبد الرحمن الجعفي، و القثعم، و صالح بن وهب اليزني و خولى بن يزيد، كل قد ضربه و شرك فيه.

و نزل سنان بن أنس النخعي فاحتز رأسه.

و يقال: إن الذي أجهز عليه شمر بن ذي الجوشن الضبابي لعنه اللّه.

و حمل خولي بن يزيد رأسه إلى عبيد اللّه بن زياد.

و أمر ابن زياد-لعنه اللّه، و غضب عليه-أن يوطأ صدر الحسين، و ظهره

____________

(1) في ابن الأثير 4/34 «رجل قيل هو ثبيت بن هانئ الحضرمي» .

119

و جنبه و وجهه فأجريت الخيل عليه‏ (1) .

و حمل أهله أسرى‏ (2) و فيهم، عمر، و زيد، و الحسن بنو الحسن بن علي بن أبي طالب عليهم السلام، و كان الحسن بن الحسن بن علي قد ارتث جريحا فحمل معهم، و علي بن الحسين الذي أمه أم ولد، و زينب العقيلة، و أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب و سكينة بنت الحسين لما أدخلوا على يزيد-لعنه اللّه-أقبل قاتل الحسين بن علي يقول‏ (3) .

أوقر ركابي فضة أو ذهبا # فقد قتلت الملك المحجبا

قتلت خير الناس أما و أبا # و خيرهم إذ ينسبون نسبا (4)

و وضع الرأس بين يدي يزيد-لعنه اللّه-في طست، فجعل ينكته على ثناياه بالقضيب و هو يقول‏ (5) :

نفلّق هاما من رجال أعزة # علينا و هم كانوا أعق و أظلما

و قد قيل: إن ابن زياد-لعنه اللّه فعل ذلك.

و قيل: إنه تمثل أيضا و الرأس بين يديه بقول عبد اللّه بن الزّبعري‏ (6) :

ليت أشياخي ببدر شهدوا # جزع الخزرج من وقع الأسل

قد قتلنا القرم من أشياخهم # و عدلناه ببدر فاعتدل‏

ثم دعا يزيد-لعنه اللّه-بعلي بن الحسين، فقال: ما اسمك؟فقال:

علي بن الحسين، قال: أولم يقتل اللّه علي بن الحسين، قال: قد كان لي أخ

____________

(1) راجع الطبري 6/261 و ابن الأثير 4/35 و مروج الذهب 2/66.

(2) الإرشاد 224.

(3) في ابن الأثير 4/35 أنه قال ذلك لما وقف على فسطاط عمر بن سعد.

(4) العقد 4/381 و مروج الذهب 2/65 و الشريشي 1/193.

(5) الإرشاد 227 و مروج الذهب 2/65.

و في ابن الأثير 4/37، و الطبري 6/267 «ثم قال: إن هذا و إيانا كما قال الحصين بن الحمام:

أبى قومنا أن ينصفونا فأنصفت # قواضب في أيماننا تقطر الدما

(6) الأبيات في الحيوان 5/564 و سيرة ابن هشام 3/144.

120

أكبر مني يسمى عليا، فقتلتموه‏ (1) . قال: بل اللّه قتله، قال علي: اَللََّهُ يَتَوَفَّى اَلْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهََا (2) ، قال له يزيد: وَ مََا أَصََابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمََا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ (3) فقال علي: مََا أَصََابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي اَلْأَرْضِ وَ لاََ فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاََّ فِي كِتََابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهََا إِنَّ ذََلِكَ عَلَى اَللََّهِ يَسِيرٌ. `لِكَيْلاََ تَأْسَوْا عَلى‏ََ مََا فََاتَكُمْ وَ لاََ تَفْرَحُوا بِمََا آتََاكُمْ وَ اَللََّهُ لاََ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتََالٍ فَخُورٍ (4) .

قال: فوثب رجل من أهل الشام فقال: دعني أقتله، فألقت زينب نفسها عليه.

فقام رجل آخر فقال: يا أمير المؤمنين، هب لي هذه‏ (5) أتخذها أمة.

قال: فقالت له زينب: لا و لا كرامة، ليس لك ذلك، و لا له إلاّ أن يخرج من دين اللّه.

فصاح به يزيد: اجلس. فجلس، و أقبلت زينب عليه، و قالت: يا يزيد حسبك من دمائنا.

و قال علي بن الحسين: إن كان لك بهؤلاء النسوة رحم، و أردت قتلي فابعث معهن أحدا يؤديهن‏ (6) . فرق له و قال: لا يؤديهن غيرك.

ثم أمره أن يصعد المنبر فيخطب فيعذر إلى الناس مما كان من أبيه فصعد المنبر، فحمد اللّه و أثنى عليه و قال:

أيها الناس، من عرفني فقد عرفني، و من لم يعرفني فأنا أعرفه بنفسي، أنا علي بن الحسين، أنا ابن البشير النذير، أنا ابن الداعي إلى اللّه بإذنه، أنا ابن السراج المنير. و هي خطبة طويلة كرهت الإكثار بذكرها، و ذكر نظائرها.

____________

(1) الإرشاد 228 و ابن الأثير 4/38 و الطبري 6/263.

(2) سورة الزمر 42.

(3) سورة الشورى 30.

(4) سورة الحديد 23.

(5) في ابن الأثير 4/38 «هب لي هذه-يعني فاطمة» راجع الطبري 6/265.

(6) في الطبري 6/263 و ابن الأثير 4/36 أن عليا قال هذا الكلام لابن زياد.

121

ثم أمره يزيد، بالشخوص إلى المدينة مع النسوة من أهله و سائر بني عمّه، فانصرف بهم‏ (1) .

و قال سليمان بن قتّة يرثي الحسين‏ (2) :

مررت على أبيات آل محمد # فلم أرها أمثالها يوم حلت‏ (3)

ألم تر أن الشمس أضحت مريضة # لفقد حسين و البلاد اقشعرت

و كانوا رجاء ثم صاروا رزية # لقد عظمت تلك الرزايا و جلت‏ (4)

أ تسألنا قيس فنعطي فقيرها # و تقتلنا قيس إذا النعل زلت

و عند غنيّ قطرة من دمائنا # سنطلبها يوما بها حيث حلت

فلا يبعد اللّه الديار و أهلها # و إن أصبحت منهم برغمي تخلّت

فإن قتيل الطّف من آل هاشم # أذل رقاب المسلمين فذلت‏ (5)

قال أبو الفرج:

و قد رثى الحسين بن علي-صلوات اللّه عليه-جماعة من متأخري الشعراء أستغني عن ذكرهم في هذا الموضع كراهية الإطالة.

و أما من تقدم‏ (6) فما وقع إلينا شي‏ء رثى به، و كانت الشعراء لا تقدم على ذلك مخافة من بني أمية، و خشية منهم.

و هذا آخر ما أخبرنا به من مقتله-صلوات اللّه عليه و رضوانه و سلامه-.

____________

(1) الطبري 6/267.

(2) ابن الأثير 4/40 و تهذيب ابن عساكر 4/342 و مروج الذهب 2/60 و زهر الآداب 1/134 و معجم البلدان 6/52 و الحماسة 3/13.

(3) أي وجدتها موحشة خالية بعد أن رأيتها مؤنسة مأهولة و في الأصول «فلم أر أمثالا لها يوم حلت» .

(4) في الحماسة «و كانوا غياثا ثم أضحوا» .

(5) في الحماسة «ألا إن قتلى الطف... أدلت... و كان الشاعر قال: أذلت رقابا من قريش فذلت. فقال عبد اللّه بن الحسين: أذلت رقاب المسلمين فذلت فقال ابن قتة: أنت و اللّه أشعر مني» .

(6) راجع رثاء أبي دهبل «أغاني 6/167، و امرأته الرباب أغاني 14/165، و دعبل معجم الأدباء 11/110.

122

6-أبو بكر بن عبد اللّه بن جعفر

و أبو بكر بن عبد اللّه بن جعفر بن أبي طالب عليه السلام.

لا يعرف اسمه؛ و أمّه الخوصاء بنت حفصة بن بكر بن وائل.

حدّثنا أحمد بن محمد بن شبيب، قال: حدّثنا أحمد بن الحرث الخراز (1) ، عن المدائني، قال:

قتل أبو بكر بن عبد اللّه بن جعفر بن أبي طالب يوم الحرة (2) في الوقعة بين مسرف‏ (3) ابن عقبة و بين أهل المدينة.

7-عون بن عبد اللّه بن جعفر

و عون بن عبد اللّه بن جعفر بن أبي طالب.

و هو عون الأصغر، و الأكبر قتل مع الحسين بن علي.

و أم عون هذا جمانة بنت المسيب‏ (4) بن نجبة بن ربيعة بن رياح بن عوف بن هلال بن ربيعة بن شمخ بن فزارة.

و أمها من بني مرة بن عوف الفزاري.

و المسيّب أحد أمراء التوابين الذين دعوا إلى الخروج على ابن زياد-لعنه اللّه-و الطلب بدم الحسين، فقتلوا بعين الوردة (5) ، و له صحبة بأمير المؤمنين علي بن أبي طالب، و قد شهد معه مشاهده.

____________

(1) كذا في تاريخ بغداد و في الأصول «الخزاز» و هو أحمد بن الحارث بن المبارك، أبو جعفر الخراز مولى أبي جعفر المنصور، و هو صاحب أبي الحسن المدايني روى عنه تصانيفه. و كان صدوقا من أهل الفهم و المعرفة مات ببغداد في ذي الحجة سنة ثمان و خمسين و مائتين، راجع الخطيب البغدادي 4/122-123.

(2) كانت وقعة الحرة يوم الأربعاء لليلتين بقيتا من ذي الحجة سنة ثلاث و ستين راجع ابن الأثير 4/48-52 و الطبري 7/5-12 و العقد 2/387-391 و أبو الفداء 1/192 و ابن أبي الحديد 3/306 و التنبيه و الإشراف 264، و مروج الذهب 2/69.

(3) اسمه مسلم بن عقبة و سمي بعد وقعة الحرة مسرفا.

(4) المعارف 90.

(5) راجع الطبري 7/66-77 و مروج الذهب 2/79-81.

123

و قتل عون يوم الحرة (1) حرة واقم، قتله أصحاب مسرف بن عقبة، أخبرني بذلك أحمد بن محمد بن شبيب، عن الخراز، عن علي بن نجم المدائني.

8-عبيد اللّه بن علي‏

و عبيد اللّه‏ (2) بن علي بن أبي طالب، و أمه ليلى بنت مسعود (3) بن خالد بن مالك بن ربعي بن سلمى بن جندل بن نهشل بن دارم بن حنظلة.

قتله أصحاب المختار بن أبي عبيدة يوم المذار، و كان صار إلى المختار فسأله أن يدعو إليه و يجعل الأمر له، فلم يفعل، فخرج فلحق بمصعب بن الزبير (4)

فقتل في الوقعة و هو لا يعرف‏ (5) .

9-عبد اللّه بن محمد بن علي‏

و عبد اللّه بن محمد بن علي بن أبي طالب.

و يكنى أبا هاشم، و أمه أم ولد، تدعى نائلة.

و كان لسنا خصما عالما، و كان وصي أبيه، و هو الذي يزعم الشيعة من أهل خراسان أنه‏ ورث الوصية عن أبيه، و أنه كان الإمام، و أنه أوصى إلى محمد بن علي بن عبد اللّه بن العباس‏ (6) ، و أوصى محمد إلى إبراهيم الإمام، فصارت الوصية في بني العباس من تلك الجهة (7) .

____________

(1) ذكر ابن حبيب في المحبر في باب من نصب رأسه من الأشراف ص 941 «... و محمد و عون ابنا عبد اللّه بن جعفر حملت رؤوسهم إلى يزيد بن معاوية فنصبها بالشام» .

(2) في النسخ «عبد اللّه» و التصويب من طبقات ابن سعد 6/86 و الطبري 6 و ابن الأثير 3/172 و المعارف 96.

(3) في طبقات ابن سعد 5/87 «و كان قدم من الحجاز على المختار بالكوفة و سأله فلم يعطه و قال: أقدمت بكتاب من المهدي؟قال: لا، فحبسه أياما ثم خلى سبيله و قال: أخرج عنا فخرج إلى مصعب بالبصرة هاربا من المختار... » .

(4) انظر مبايعته بالخلافة و قتله في طبقات ابن سعد 5/87-88.

(5) المعارف 176 و مروج الذهب 2/82.

(6) التنبيه و الإشراف 292 و طبقات ابن سعد 5/240-241.

(7) المعارف 95.

124

و دس سليمان بن عبد الملك سما إليه، فمات منه بالحميمة من أرض الشام.

حدّثني أحمد بن سعيد، قال: حدّثنا يحيى بن الحسن، قال: حدّثني عبيد اللّه بن حمزة، و ذكر ذلك محمد بن علي بن حمزة، عن المدائني، عن غسان بن عبد الحميد قال:

وفد أبو هاشم إلى سليمان بن عبد الملك يقضي حوائجه، ثم تجهز للمسير إلى المدينة، فقدّم، ثقله و أتى سليمان ليودعه، فحبسه سليمان حتى تغدى معه في يوم شديد الحر، و خرج نصف النهار، و سار ليلحق الثقل فعطش في مسيره، فدس إليه سليمان شربة فلما شربها فتر فسقط، و أرسل رسولا إلى محمد بن علي بن عبد اللّه بن العباس، و عبد اللّه بن الحرث بن نوفل، يعلمهما حاله فخرجا إليه فولياه حتى مات. و دفن بالحميمة في أرض الشام، و أوصى إلى محمد بن علي بن العباس‏ (1) .

10-زيد بن علي‏

و زيد بن علي‏ (2) بن الحسين، بن علي بن أبي طالب، و يكنى أبا الحسين.

و أمه أم ولد أهداها المختار بن أبي عبيدة لعلي بن الحسين فولدت له زيدا، و عمر، و عليا، و خديجة.

حدثني محمد بن الحسين الخثعمي، و علي بن العباس، قالا: حدثنا عباد ابن يعقوب، قال: حدّثنا الحسين بن حماد أخو الحسن بن حماد، قال: حدّثنا زياد بن المنذر، قال: اشترى المختار بن أبي عبيدة جارية بثلاثين ألفا، فقال لها: أدبري. فأدبرت، ثم قال لها: أقبلي. فأقبلت، ثم قال: ما أدري أحدا

____________

(1) الإمامة و السياسة 2/107-108.

(2) طبقات ابن سعد 5/229 و ابن أبي الحديد 1/315 و الطبري 8/260، 270، 278، و ابن الأثير 5/91 -97 و ابن عساكر 14/572، و البداية و النهاية 9/329-331، و مروج الذهب 2/129- 130 و فوات الوفيات 1/210، و شرح شافية أبي فراس 153-154، و زهر الآداب 1/117 و المحبر 95 و الروض النضير 9/81 و المعارف 95.

125

أحق بها من علي بن الحسين، فبعث بها إليه، و هي أم زيد بن علي.

حدثني أحمد بن سعيد، قال: حدثنا أحمد بن يحيى، قال: حدثنا الحسن بن الحسين الكندي، عن خصيب الوابشي قال:

كنت إذا رأيت زيد بن علي رأيت أسارير النور في وجهه.

حدثني الحسن بن علي السلولي، قال: حدثنا أحمد بن راشد، قال:

حدثني عمي سعيد بن خيثم، قال: حدثني أبو قرة، قال:

خرجت مع زيد بن علي ليلا إلى الجبّان، و هو مرخي اليدين لا شي‏ء معه، فقال لي: يا أبا قرة أجائع أنت؟قلت نعم، فناولني كمثراة مل‏ء الكف ما أدري أريحها أطيب أم طعمها، ثم قال لي: يا أبا قرة أتدري أين نحن؟نحن في روضة من رياض الجنة، نحن عند قبر أمير المؤمنين علي، ثم قال لي: يا أبا قرة و الذي يعلم ما تحت وريد زيد بن علي إن زيد بن علي لم يهتك للّه محرما منذ عرف يمينه من شماله، يا أبا قرة من أطاع اللّه أطاعه ما خلق.

حدثني علي بن محمد، بن علي بن مهدي العطار، قال: حدّثنا أحمد بن يحيى، قال: حدّثنا الحسن بن الحسين، عن أبي داود العلوي‏ (1) عن عاصم بن عبيد اللّه العمري قال ذكر عنده زيد بن علي فقال: أنا أكبر منه، رأيته بالمدينة و هو شاب يذكر اللّه عنده فيغشى عليه حتى يقول القائل: ما يرجع إلى الدنيا.

حدّثنا أحمد بن سعيد، قال: حدّثنا يحيى بن الحسين‏ (2) قال: حدّثنا هرون بن موسى، قال: سمعت محمد بن أيوب الرافقي يقول:

كانت المرجئة (3) و أهل النسك لا يعدلون بزيد أحدا.

____________

(1) في الخطية «الطهوري» .

(2) في الخطية «يحيى بن الحسن العلوي» .

(3) في النسخ كانت «البراجم، البراحم، المراحم» . و هو تحريف و التصويب من الروض النضير 54.

126

حدّثني علي بن العباس المقانعي، و محمد بن الحسين الخثعمي، قالا:

حدّثنا إسماعيل بن إسحاق الراشدي، قال حدّثنا الحسن بن الحسين، قال المقانعي: عن عبد اللّه بن حرب و قال الأشناني‏ (1) : عن عبد اللّه بن جرير، قال:

رأيت جعفر بن محمد يمسك لزيد بن علي بالركاب، و يسوي ثيابه على السرج.

حدّثني علي بن العباس، قال: حدّثنا الحسن بن الحسين، قال: حدّثنا أبو معمر سعيد بن خيثم، قال:

كان بين زيد بن علي، و عبد اللّه بن الحسن مناظرة في صدقات علي، فكانا يتحاكمان إلى قاض من القضاة، فإذا قاما من عنده أسرع عبد اللّه إلى دابة زيد فأمسك له بالركاب.

حدّثني علي بن العباس، قال: حدّثنا عباد بن يعقوب، قال: أخبرنا محمد بن الفرات، قال:

رأيت زيد بن علي و قد أثر السجود بوجهه أثرا خفيفا.

حدّثنا محمد بن علي بن مهدي، قال: حدّثنا الحسن بن محمد بن أبي عاصم، قال: حدّثنا عيسى بن عبد اللّه بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب، عن البابكي، و اسمه عبد اللّه بن مسلم بن بابك، قال:

خرجنا مع زيد بن علي إلى مكة فلما كان نصف الليل و استوت الثريا فقال: يا بابكي أما ترى هذه الثريا أترى أحدا ينالها؟قلت: لا، قال: و اللّه لوددت أن يدي ملصقة بها فأقع إلى الأرض أو حيث أقع، فأتقطع قطعة قطعة،

____________

(1) هذه النسبة إلى بيع الأشنان و شرابه، و هو أبو جعفر محمد بن الحسين بن حفص بن عمر الأشناني الكوفي، كان ثقة صالحا مأمونا، و كانت ولادته سنة إحدى و عشرين و مائتين و وفاته في صفر سنة خمس عشرة و ثلثمائة. راجع الأنساب للسمعاني 40.

127

و أن اللّه أصلح بين أمة محمد (ص) .

حدثني أحمد بن سعيد، قال: حدثنا يحيى بن الحسن، قال: حدثنا الحسن بن يحيى بن الحسين بن زيد، قال: حدّثنا الحسن بن الحسين، عن يحيى بن مساور، عن أبي الجارود، قال:

قدمت المدينة فجعلت كلما سألت عن زيد بن علي قيل لي ذاك حليف القرآن.

حدّثني أحمد بن سعيد، قال: حدّثنا يحيى، قال: سألت الحسن بن يحيى كم كانت سن زيد بن علي يوم قتل؟قال: اثنتان و أربعون سنة (1) .

حدثني علي بن العباس، قال: حدثني اسماعيل بن إسحاق الراشدي، قال: حدثنا محمد بن داود بن عبد الجبار، عن أبيه، عن جابر، عن أبي جعفر، قال:

قال رسول اللّه (ص) للحسين: «يخرج رجل من صلبك يقال له زيد يتخطى هو و أصحابه يوم القيامة رقاب الناس غرّا محجّلين، يدخلون الجنة بغير حساب» .

حدثني محمد بن الحسين، قال: حدثنا عباد بن يعقوب، قال أخبرنا خالد بن عيسى أبو زيد العكلي، عن عبد الملك بن أبي سليمان، قال:

قال رسول اللّه (ص) : «يقتل رجل من أهل بيتي فيصلب لا ترى الجنة عين رأت عورته» .

أخبرني أحمد بن سعيد، قال: حدّثنا أحمد بن محمد بن قني، قال: حدّثنا محمد بن علي بن أخت خلاد المقرئ، قال: حدّثنا أبو حفص الأعشى، عن أبي داود المدني، عن علي بن الحسين، عن أبيه، عن علي، قال:

____________

(1) طبقات ابن سعد 5/240.

128

يخرج بظهر الكوفة رجل يقال له زيد في أبهة و الأبهة الملك لا يسبقه الأولون و لا يدركه الآخرون إلاّ من عمل بمثل عمله، يخرج يوم القيامة هو و أصحابه معهم الطّوامير أو شبه الطوامير حتى يتخطوا أعناق الخلائق تتلقاهم الملائكة فيقولون هؤلاء حلف الخلف، و دعاة الحق، و يستقبلهم رسول اللّه (ص) فيقول: «يا بني قد عملتم ما أمرتم به، فادخلوا الجنة بغير حساب» .

حدّثني علي بن العباس، و محمد بن الحسين، قال: حدثنا عباد بن يعقوب، قال: أخبرنا الحسين بن زيد بن علي، عن ريطة بنت عبد اللّه بن محمد بن الحنفية، عن أبيها، قال:

مرّ زيد بن علي بن الحسين، على محمد بن الحنفية فرقّ له و أجلسه، و قال: أعيذك باللّه يا ابن أخي أن تكون زيدا المصلوب بالعراق، و لا ينظر أحد إلى عورته. و لا ينظره إلاّ كان في أسفل درك من جهنم.

حدثني محمد بن علي بن مهدي بالكوفة على سبيل المذاكرة، و نبأني أحمد بن محمد (1) في إسناده قال: حدثنا أبو سعيد الأشج‏ (2) ، قال: حدثنا عيسى بن كثير الأسدي، قال: حدثنا خالد مولى آل الزبير، قال:

كنا عند علي بن الحسين فدعا ابنا له يقال له زيد، فكبا لوجهه و جعل يمسح الدم عن وجهه و يقول: أعيذك باللّه أن تكون زيدا المصاب بالكناسة، من نظر إلى عورته متعمدا أصلى اللّه وجهه النار.

حدّثني أحمد بن سعيد، قال: حدثني أحمد بن محمد قني، قال: حدثنا محمد بن علي بن أخت خلاد، قال: حدثنا عثمان بن سعيد، قال: سعيد بن عمرو، عن يونس بن جناب، قال:

جئت مع أبي جعفر إلى الكتّاب فدعا زيدا فاعتنقه، و ألزق بطنه ببطنه و قال: أعيذك باللّه أن تكون صليب الكناسة.

____________

(1) في الخطية «و نبأني أحمد بن سعيد» .

(2) في الخطية «أبو سعيد الأشح» و في ط و ق «الأنبح» .

129

حدثنا علي بن العباس، قال: حدثنا محمد بن مروان، قال: حدثنا موسى الصفار عن محمد بن فرات، قال:

رأيت زيد بن علي يوم السبخة و على رأسه سحابة صفراء تظلّه من الشمس، تدور معه حيث ما دار.

حدثني الحسن بن علي، قال: حدثنا جعفر بن أحمد الأزدي، قال:

حدثنا حسين بن نصر، عن أبيه، عن أبي خالد، قال:

كان في خاتم زيد بن علي‏ «أصبر تؤجر، و توقّ تنج» .

حدثني علي بن أحمد بن حاتم، قال: حدثنا الحسين بن عبد الواحد، قال: حدثنا زكريا بن يحيى الهمداني، قال: حدثتني عمتي عزيزة بنت زكريا، عن أبيها، قال:

أردت الخروج إلى الحج فمررت بالمدينة فقلت: لو دخلت على زيد بن علي. فدخلت فسلمت عليه، فسمعته يتمثل‏ (1) :

و من يطلب المال الممنّع بالقنا # يعش ماجدا أو تخترمه المخارم‏ (2)

متى تجمع القلب الذّكي و صارما # و أنفا حميّا تجتنبك المظالم

و كنت إذا قوم‏ (3) غزوني غزوتهم # فهل أنا في ذا يال همدان ظالم‏

قال: فخرجت من عنده و ظننت أن في نفسه شيئا، و كان من أمره ما كان.

(مقتل زيد بن علي و السبب فيه) حدّثني به محمد بن علي بن شاذان، قال: حدثنا أحمد بن راشد، قال:

حدثني عمي أبو معمر سعيد بن خيثم، و حدثني علي بن العباس، قال: أخبرنا

____________

(1) الأبيات لعمرو بن براقة الهمداني كما في أمالي القالي 2/122.

(2) في الأمالي «متى تطلب... تعش... تخترمك... » .

(3) في الأصول «إذا قومي» .

130

محمد بن مروان قال: حدثنا زيد بن المعذل النمري، قال: أخبرنا يحيى بن صالح الطيانسي، و كان قد أدرك زمان زيد بن علي، و حدثني أحمد بن محمد بن سعيد، قال: حدثنا المنذر بن محمد، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا هشام بن محمد بن السائب الكلبي، قال: حدثنا أبو مخنف، و أخبرني المنذر بن محمد في كتابه إليّ بإجازته أن أرويه عنه من حيث دخل، يعني حديث بعضهم في حديث الآخرين، و ذكرت الاتفاق بينهم مجملا، و نسبت ما كان من خلاف في رواية إلى رواية.

قالوا (1) : كان أول أمر زيد بن علي-صلوات اللّه عليه-أن خالد بن عبد اللّه القسري‏ (2) ادعى مالا قبل زيد بن علي، و محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب، و داود بن علي بن عبد اللّه بن عباس، و سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف‏ (3) ، و أيوب بن سلمة بن عبد اللّه بن عباس بن الوليد بن المغيرة (4) المخزومي.

و كتب فيهم يوسف بن عمر بن محمد بن الحكم، عامل هشام على العراق، إلى هشام، و زيد بن علي، و محمد بن عمر يومئذ بالرصافة. و زيد يخاصم الحسن بن الحسن في صدقة رسول اللّه (ص) .

فلما قدمت كتب يوسف، بعث إليهم فذكر ما كتب به يوسف، فأنكروا فقال لهم هشام: فإنا باعثون بكم إليه يجمع بينكم و بينه.

قال له زيد: أنشدك اللّه و الرحم أن لا تبعث بنا إلى يوسف. قال له هشام: و ما الذي تخاف من يوسف؟قال: أخاف أن يتعدى علينا. فدعا هشام كاتبه فكتب إلى يوسف:

«أما بعد، فإذا قدم عليك زيد، و فلان، و فلان، فاجمع بينهم و بينه،

____________

(1) الطبري 8/260 و ابن الأثير 5/91.

(2) و في الطبري «أن يزيد بن خالد القسري» أما ابن الأثير فروايته كالأصول.

(3) في الطبري «و إبراهيم بن سعد بن عبد الرحمن بن عوف الزهري» .

(4) في الطبري «بن سلمة بن عبد اللّه بن الوليد بن المغيرة» .

131

فإن أقروا بما ادعى عليهم فسرح بهم إليّ، و إن هم أنكروا فاسأله البينة، فإن لم يقمها فاستحلفهم بعد صلاة العصر باللّه الذي لا إله إلاّ هو ما استودعهم وديعة (1) ، و لا له قبلهم شي‏ء، ثم خل سبيلهم» .

فقالوا لهشام: إنا نخاف أن يتعدى كتابك‏[و يطول علينا]. قال: كلا أنا باعث معكم رجلا من الحرس ليأخذه بذلك حتى يفرغ و يعجل. قالوا:

جزاك اللّه عن الرحم خيرا، لقد حكمت بالعدل.

فسرح بهم إلى يوسف، و هو يومئذ بالحيرة، فاجتنبوا أيوب بن سلمة لخؤولته من هشام و لم يؤخذ بشي‏ء من ذلك‏ (2) . فلما قدموا على يوسف دخلوا عليه فسلموا، فأجلس زيدا قريبا منه، و لا طفه في المسألة، ثم سألهم عن المال فأنكروا، فأخرجه يوسف إليهم، و قال: هذا زيد بن علي، و محمد بن عمر بن علي اللذان ادعيت قبلهما ما ادعيت قال: ما لي قبلهما قليل و لا كثير. قال له يوسف: أفبي كنت تهزأ و بأمير المؤمنين؟فعذبه عذابا ظن أنه قد قتله.

ثم أخرج زيدا و أصحابه بعد صلاة العصر إلى المسجد فاستحلفهم، فحلفوا، فكتب يوسف إلى هشام يعلمه ذلك، فكتب إليه هشام خل سبيلهم، فخلى سبيلهم.

فأقام زيد بعد خروجه من عند يوسف بالكوفة أياما، و جعل يوسف يستحثه بالخروج فيعتل عليه بالشغل و بأشياء يبتاعها، فألح عليه حتى خرج، فأتى القادسية.

ثم إن الشيعة لقوا زيدا (3) فقالوا له: أين تخرج عنا-رحمك اللّه-و معك مائة ألف سيف من أهل الكوفة و البصرة و خراسان يضربون بني أمية بها دونك، و ليس قبلنا من أهل الشام إلاّ عدة يسيرة. فأبى عليهم، فما زالوا يناشدونه حتى

____________

(1) في الطبري «ما استودعهم يزيد بن خالد القسري وديعة» .

(2) في الطبري «فسرح بهم إلى يوسف، و احتبس أيوب بن سلمة لأن أم هشام بن عبد الملك ابنة هشام بن إسماعيل بن هشام بن الوليد بن المغيرة المخزومي و هو في أخواله فلم يؤخذ بشي‏ء من ذلك القرف فلما قدموا... » .

(3) ابن الأثير 5/93 و الطبري 8/264.

132

رجع بعد أن أعطوه العهود و المواثيق. فقال له محمد بن عمر: أذكرك اللّه يا أبا الحسين لما لحقت بأهلك و لم تقبل قول أحد من هؤلاء الذين يدعونك، فإنهم لا يفون لك، أ ليسوا أصحاب جدك الحسين بن علي؟قال: أجل. و أبى أن يرجع.

و أقبلت الشيعة و غيرهم يختلفون إليه، و يبايعون حتى أحصى ديوانه خمسة عشر ألف رجل من أهل الكوفة خاصة، سوى أهل المدائن، و البصرة، و واسط، و الموصل و خراسان، و الري، و جرجان.

و أقام بالكوفة بضعة عشر شهرا، و أرسل دعاته إلى الآفاق و الكور، يدعون الناس إلى بيعته، فلما دنا خروجه أمر أصحابه بالاستعداد و التهيؤ فجعل من يريد أن يفي له يستعد، و شاع ذلك فانطلق سليمان بن سراقة البارقي إلى يوسف بن عمر، و أخبره خبر زيد، فبعث يوسف فطلب زيدا ليلا فلم يوجد عند الرجلين اللذين سعى إليه أنه عندهما فأتى بهما يوسف فلما كلّمهما استبان أمر زيد و أصحابه، و أمر بهما يوسف فضربت أعناقهما، و بلغ الخبر زيدا-صلوات اللّه عليه-فتخوف أن يؤخذ عليه الطريق فتعجل الخروج قبل الأجل الذي بينه و بين أهل الأمصار، و استتب لزيد خروجه، و كان قد وعد أصحابه ليلة الأربعاء أول ليلة من صفر سنة اثنين و عشرين و مائة فخرج قبل الأجل.

و بلغ ذلك يوسف بن عمر (1) فبعث الحكم بن الصلت يأمره أن يجمع أهل الكوفة في المسجد الأعظم فيحضرهم فيه، فبعث الحكم إلى العرفاء، و الشرط، و المناكب، و المقاتلة، فأدخلوهم المسجد، ثم نادى مناديه: أيما رجل من العرب و الموالي أدركناه في رحبة (2) المسجد فقد برئت منه الذمة؛ ائتوا المسجد الأعظم.

فأتى الناس المسجد يوم الثلاثاء قبل خروج زيد. و طلبوا زيدا في دار معاوية بن إسحاق‏[بن زيد بن حارثة الأنصاري‏] (3) ، فخرج ليلا، و ذلك ليلة الأربعاء لسبع بقين من المحرم، في ليلة شديدة البرد، من دار معاوية بن إسحاق،

____________

(1) الطبري 8/272 و ابن الأثير 5/96.

(2) كذا في ق و في ط «في رحلة المسجد» و في الطبري «في رحله» .

(3) الزيادة من الطبري.

133

فرفعوا الهرادي فيها النيران، و نادوا بشعارهم شعار رسول اللّه: «يا منصور أمت» ، فما زالوا كذلك حتى أصبحوا، فلما أصبحوا بعث زيد-عليه السلام- القاسم بن عمر التبعي، و رجلا آخر، يناديان بشعارهما. و قال سعيد بن خيثم في رواية القاسم بن كثير بن يحيى بن صالح بن يحيى بن عزيز بن عمرو بن مالك بن خزيمة التّبعي و سمى الآخر الرجل، و ذكر أنه صدام.

قال سعيد: و بعثني أيضا و كنت رجلا صيّتا أنادي بشعاره.

قال: و رفع أبو الجارود زياد بن المنذر الهمداني هرديا من ميمنتهم، و نادى بشعار زيد. فلما كانوا في صحارى عبد القيس لقيهما جعفر بن العباس الكندي، فشدوا عليه، و على أصحابه فقتل الرجل الذي كان مع القاسم، و ارتثّ القاسم فأتى به الحكم بن الصلت فكلّمه فلم يرد عليه، فأمر به فضربت عنقه على باب القصر، و كان أول قتيل منهم رضوان اللّه عليه.

قال سعيد بن خيثم: قالت بنته سكينة:

عين جودي لقاسم بن كثير # بدرور من الدموع غزير

أدركته سيوف قوم لئام # من أولي الشرك و الردى و الشّرور

سوف أبكيك ما تغنّى حمام # فوق غصن من الغصون نضير

قال أبو مخنف: و قال يوسف بن عمر و هو بالحيرة: من يأتي الكوفة فيقرب من هؤلاء فيأتينا بخبرهم؟.

قال عبد اللّه بن العباس المنتوف الهمداني‏ (1) : أنا آتيك بخبرهم، فركب في خمسين فارسا، ثم أقبل حتى أتى جبانة سالم فاستخبر، ثم رجع إلى يوسف فأخبره، فلما أصبح يوسف خرج إلى تل قريب من الحيرة فنزل‏[عليه و] (2) معه قريش، و أشراف الناس، و أمير شرطته يومئذ العباس بن سعيد المزني‏ (3) .

قال: و بعث الريان بن سلمة البلوي‏ (4) في نحو من ألفي فارس و ثلثمائة

____________

(1) في الطبري 8/273 «فقال جعفر بن العباس الكندي أنا» .

(2) الزيادة من الطبري.

(3) كذا في الطبري و في الأصول «العباس بن سعد المري» .

(4) في الطبري «الريان بن سلمة الإراشي» .

134

من القيقانية رجالة ناشبة.

قال: و أصبح زيد بن علي و جميع من وافاه تلك الليلة مائتان و ثمانية عشر من الرجالة، فقال زيد بن علي-عليه السلام-سبحان اللّه فأين الناس؟قيل:

هم محصورون في المسجد، فقال: لا و اللّه ما هذا لمن بايعنا بعذر.

قال‏ (1) : و أقبل نصر بن خزيمة إلى زيد فتلقاه عمر بن عبد الرحمن صاحب شرطة الحكم بن الصلت في خيل من جهينة عند دار الزبير بن أبي حكيمة في الطريق الذي يخرج إلى مسجد بني عدي فقال: يا منصور أمت، فلم يرد عليه عمر شيئا، فشد نصر عليه و على أصحابه فقتله، و انهزم من كان معه.

و أقبل زيد حتى انتهى إلى جبانة الصيادين‏ (2) و بها خمسمائة من أهل الشام، فحمل عليهم زيد في أصحابه فهزمهم، ثم مضى حتى انتهى إلى الكناسة فحمل على جماعة من أهل الشام فهزمهم. ثم شلهم حتى ظهر إلى المقبرة، و يوسف بن عمر على التل ينظر إلى زيد و أصحابه و هم يكرون، و لو شاء زيد أن يقتل يوسف يومئذ قتله‏ (3) .

ثم إن زيدا أخذ ذات اليمين على مصلى خالد بن عبد اللّه حتى دخل الكوفة، فقال بعض أصحابه لبعض: ألا ننطلق إلى جبانة كندة، فما زاد الرجل أن تكلم بهذا إذ طلع أهل الشام عليهم، فلما رأوهم دخلوا زقاقا ضيقا فمضوا فيه، و تخلّف رجل منهم فدخل المسجد فصلى فيه ركعتين، ثم خرج إليهم فضاربهم بسيفه و جعلوا يضربونه بأسيافهم، ثم نادى رجل منهم فارس مقنع بالحديد: اكشفوا المغفر عن وجهه و اضربوا رأسه بالعمود، ففعلوا، فقتل الرجل، و حمل أصحابه عليهم فكشفوهم عنه، و اقتطع أهل الشام رجلا منهم فذهب ذلك الرجل حتى دخل على عبد اللّه بن عوف بن الأحمر فأسروه، و ذهبوا به إلى يوسف بن عمر فقتله‏ (4) .

____________

(1) الطبري 8/273.

(2) ابن الأثير 5/97.

(3) الطبري 8/274.

(4) الطبري 8/274.

135

و أقبل زيد بن علي فقال: يا نصر بن خزيمةأتخاف أهل الكوفة أن يكونوا فعلوها حسينية؟.

قال: جعلني اللّه فداك أما أنا فو اللّه لأضربن بسيفي هذا معك حتى أموت.

ثم خرج بهم زيد يقودهم نحو المسجد، فخرج إليه عبيد اللّه بن العباس الكندي في أهل الشام، فالتقوا على باب عمر بن سعد، فانهزم عبيد اللّه بن العباس و أصحابه حتى انتهوا إلى دار عمر بن حريث، و تبعهم زيد عليه السلام حتى انتهوا إلى باب الفيل، و جعل أصحاب زيد يدخلون راياتهم من فوق الأبواب و يقولون: يا أهل المسجد اخرجوا، و جعل نصر بن خزيمة يناديهم: يا أهل الكوفة اخرجوا من الذل إلى العز، و إلى الدين و الدنيا.

قال: و جعل أهل الشام يرمونهم من فوق المسجد بالحجارة، و كانت يومئذ مناوشة بالكوفة في نواحيها. و قيل: في جبانة سالم.

و بعث يوسف بن عمر الريان بن سلمة في خيل إلى دار الرزق، فقاتلوا زيدا-عليه السلام-قتالا شديدا. و خرج من أهل الشام جرحى كثيرة، و شلهم أصحاب زيد من دار الرزق حتى انتهوا إلى المسجد الأعظم، فرجع أهل الشام مساء يوم الأربعاء و هم أسوأ شي‏ء ظنا.

فلما كان غداة يوم الخميس دعى يوسف بن عمر الريان بن سلمة فأفف به‏ (1) . فقال له: أف لك من صاحب خيل. و دعا العباس بن سعد المزني‏ (2)

صاحب شرطته فبعثه إلى أهل الشام، فسار بهم حتى انتهوا إلى زيد في دار الرزق، و خرج إليهم زيد و على مجنبته نصر بن خزيمة، و معاوية بن إسحاق، فلما رآهم العباس نادى: يا أهل الشام‏[الأرض‏]. فنزل ناس كثير. و اقتتلوا قتالا شديدا في المعركة، و قد كان رجل من أهل الشام من بني عبس يقال له نائل بن فروة (3) قال ليوسف: و اللّه لئن ملأت عيني من نصر بن خزيمة لأقتلنه أو

____________

(1) كذا في الطبري و في الأصول «فأنف به» .

(2) في الأصول: «بن سعد المري» .

(3) كذا في الخطية و الطبري و في ط و ق «ابن مروة» .

136

ليقتلني. فقال له يوسف: خذ هذا السيف. فدفع إليه سيفا لا يمر بشي‏ء إلاّ قطعه. فلما التقى أصحاب العباس بن سعد، و أصحاب زيد. أبصر نائل- لعنه اللّه-نصر بن خزيمة-رضوان اللّه عليه فضربه فقطع فخذه، و ضربه نصر فقتله، و مات نصر رحمه اللّه.

ثم إن زيدا-عليه السلام-هزمهم، و انصرفوا يومئذ بأسوأ حال‏ (1) فلما كان العشي عبأهم يوسف ثم سرحهم نحو زيد، و أقبلوا حتى التقوا فحمل عليهم زيد فكشفهم، ثم تبعهم حتى أخرجهم إلى السبخة، ثم شد عليهم‏حتى أخرجهم من بني سليم فأخذوا على المسنّاة.

ثم ظهر لهم زيد فيما بين بارق و رؤاس‏ (2) فقاتلهم قتالا شديدا. و صاحب لوائه رجل من بني سعد بن بكر يقال له: عبد الصمد.

قال سعيد بن خيثم:

و كنا مع زيد في خمسمائة، و أهل الشام اثنا عشر ألفا-و كان بايع زيدا أكثر من اثني عشر ألفا فغدروا-إذ فصل رجل من أهل الشام من كلب على فرس رائع فلم يزل شتما لفاطمة بنت رسول اللّه (ص) ، فجعل زيد يبكي حتى ابتلت لحيته و جعل يقول: أما أحد يغضب لفاطمة بنت رسول اللّه (ص) ؟أما أحد يغضب لرسول اللّه (ص) ؟أما أحد يغضب للّه؟قال: ثم تحول الشامي عن فرسه فركب بغلة. قال: و كان الناس فرقتين نظارة و مقاتلة. قال سعيد:

فجئت إلى مولى فأخذت منه مشملا كان معه، ثم استترت من خلف النظارة حتى إذا صرت من ورائه ضربت عنقه و أنا متمكن منه بالمشمل، فوقع رأسه بين يدي بغلته، ثم رميت جيفته عن السرج، و شد أصحابه عليّ حتى كادوا يرهقونني، و كبّر أصحاب زيد و حملوا عليهم و استنقذوني، فركبت فأتيت زيدا فجعل يقبل بين عيني و يقول: أدركت و اللّه ثأرنا، أدركت و اللّه شرف الدنيا و الآخرة و ذخرها، إذهب بالبغلة فقد نفلتكها.

قال‏ (3) : و جعلت خيل أهل الشام لا تثبت لخيل زيد بن علي. فبعث

____________

(1) الطبري 8/275 و ابن الأثير 5/97.

(2) كذا في الطبري و في الأصول «و بين دواس» .

(3) ابن الأثير 5/97.

137

العباس بن سعد إلى يوسف بن عمر يعلمه ما يلقى من الزيدية، و سأله أن يبعث إليه الناشبة، فبعث إليه سليمان بن كيسان في القيقانية و هم نجارية، و كانوا رماة، فجعلوا يرمون أصحاب زيد. و قاتل معاوية بن إسحاق الأنصاري يومئذ قتالا شديدا، فقتل بين يدي زيد. و ثبت زيد في أصحابه حتى إذا كان عند جنح الليل رمى زيد بسهم فأصاب جانب جبهته اليسرى فنزل السهم في الدماغ، فرجع و رجع أصحابه، و لا يظن أهل الشام‏[أنهم‏] (1) رجعوا إلاّ للمساء و الليل.

قال أبو مخنف: فحدّثني سلمة بن ثابت، و كان من أصحاب زيد، و كان آخر من انصرف عنه هو و غلام لمعاوية بن إسحاق، قال:

أقبلت أنا و أصحابي نقتفي أثر زيد (2) فنجده قد دخل بيت حرّان بن أبي كريمةفي سكة البريد في دور أرحب و شاكر، فدخلت عليه‏[فقلت له جعلني اللّه فداك أبا الحسين‏] (3) و انطلق ناس من أصحابه فجاؤا بطبيب يقال له سفيان مولى لبني دواس‏ (4) . فقال له: إنك إن نزعته من رأسك مت.

قال: الموت أيسر عليّ مما أنا فيه.

قال: فأخذ الكلبتين فانتزعه، فساعة انتزاعه مات صلوات اللّه عليه.

قال القوم: أين ندفنه؟و أين نواريه؟ فقال بعضهم نلبسه درعين، ثم نلقيه في الماء.

و قال بعضهم: لا، بل نحتز رأسه، ثم نلقيه بين القتلى.

قال: فقال يحيى بن زيد: لا و اللّه لا يأكل لحم أبي السباع.

و قال بعضهم: نحمله إلى العباسية فندفنه فيها. فقبلوا رأيي.

قال: فانطلقنا فحفرنا له حفرتين و فيها يومئذ ماء كثير، حتى إذا نحن

____________

(1) الزيادة من الطبري 8/275.

(2) الطبري 8/275 و ابن الأثير 5/97.

(3) الزيادة من الطبري.

(4) في الطبري «و يقال له شقير مولى لبني رواس» و في الأصول «دواس» .

138

مكّنّا له دفنّاه ثم أجرينا عليه الماء، و معنا عبد سندي. قال سعيد بن خيثم في حديثه: عبد حبشي كان مولى لعبد الحميد الرؤاسي و كان معمر بن خيثم قد أخذ صفقته لزيد، و قال يحيى بن صالح: هو مملوك لزيد سندي و كان حضرهم.

قال أبو مخنف عن كهمس، قال: كان نبطي يسقي زرعا له حين وجبت الشمس، فرآهم حيث دفنوه، فلما أصبح أتى الحكم بن الصلت، فدلهم على موضع قبره، فسرح إليه يوسف بن عمر العباس بن سعيد المزني‏ (1) . قال أبو مخنف: بعث الحجاج بن القاسم‏ فاستخرجوه على بعير (2) .

قال هشام فحدّثني نصر بن قابوس قال: فنظرت و اللّه إليه حين أقبل به على جمل قد شدّ بالحبال، و عليه قميص أصفر هروي، فألقى من البعير على باب القصر فخرّ كأنه جبل. فأمر به فصلب بالكناسة، و صلب معه معاوية بن إسحاق، و زياد الهندي، و نصر بن خزيمة العبسي‏ (3) .

قال أبو مخنف: و حدثني عبيد بن كلثوم: أنه وجه برأس زيد مع زهرة بن سليم، فلما كان بمضيعة ابن أم الحكم ضربه الفالج، فانصرف و أتته جائزته من عند هشام.

فحدّثني الحسن بن علي الأدمي، قال: حدثنا أبو بكر الجبلي، قال:

حدثنا عبد اللّه بن عبد الرحمن العنبري، قال: حدثنا موسى بن محمد، قال:

حدثنا الوليد بن محمد الموقري، قال:

كنت مع الزهري بالرّصافة فسمع أصوات لعابين. فقال لي: يا وليد، أنظر ما هذا، فأشرفت من كوّة في بيته فقلت: هذا رأس زيد بن علي، فاستوى جالسا ثم قال:

أهلك أهل هذا البيت العجلة. فقلت: أو يملكون؟قال: حدثني علي بن الحسين، عن أبيه، عن فاطمة أن رسول اللّه (ص) قال لها: المهدي من ولدك.

____________

(1) في الأصول «بن سعيد المري» .

(2) راجع الطبري 8/276.

(3) المحبر 483 و الطبري.

139

قال أبو مخنف: حدثني موسى بن أبي حبيب: أنه مكث مصلوبا إلى أيام الوليد بن يزيد، فلما ظهر يحيى بن زيد كتب الوليد إلى يوسف:

«أما بعد. فإذا أتاك كتابي هذا فانظر عجل أهل العراق فأحرقه، و انسفه في اليم نسفا، و السلام» .

فأمر به يوسف-لعنه اللّه-عند ذلك خراش بن حوشب‏ (1) . فأنزله من جذعه فأحرقه بالنار، ثم جعله في قواصر، ثم حمله في سفينة، ثم ذراه في الفرات.

حدثني الحسن بن عبد اللّه، قال: حدثنا جعفر بن يحيى الأزدي، قال:

حدثنا محمد بن علي بن أخت خلاد المقري، قال: حدثنا أبو نعيم الملائي عن سماعة بن موسى الطحان، قال:

رأيت زيد بن علي مصلوبا بالكناسة فما رأى أحد له عورة، استرسل جلد من بطنه، من قدامه و من خلفه حتى ستر عورته.

حدثنا علي بن الحسين، قال: حدثني الحسين بن محمد بن عفير، قال:

حدثنا أبو حاتم الرازي، قال: حدثنا عبد اللّه بن أبي بكر العتكي، عن جرير بن حازم، قال: رأيت النبي (ص) في المنام، و هو متساند إلى جذع زيد بن علي و هو مصلوب، و هو يقول للناس: «أ هكذا تفعلون بولدي» .

حدثنا علي بن الحسين، قال: حدثني أحمد بن سعيد، قال: حدثنا يحيى بن الحسن بن جعفر، قال:

قتل زيد بن علي يوم الجمعة في صفر سنة إحدى و عشرين و مائة.

____________

(1) راجع الطبري 8/278.

140

(تسمية من عرف ممن خرج مع زيد بن علي) من أهل العلم و نقلة الآثار و الفقهاء قال علي بن الحسين بن محمد الأصفهاني: حدثنا علي بن العباس، و محمد بن الحسين الأشناني، قال: حدثنا عباد بن يعقوب، قال: حدثنا مطلب بن زياد، عن ليث، قال:

جاء منصور بن المعتمر يدعو إلى الخروج مع زيد بن علي.

حدثنا علي بن الحسين، قال: حدثنا أبو عبد اللّه الصيرفي، قال: حدثنا فضل بن الحسن المصري، قال: سمعت أبا نعيم يقول:

أبطأ منصور عن زيد لما بعثه يدعو إليه، فقتل زيد و منصور غائب عنه، فصام سنة يرجو أن يكفّر ذلك عنه تأخره. ثم خرج بعد ذلك مع عبد اللّه بن معاوية بن عبد اللّه بن جعفر (1) .

حدثني أحمد بن محمد، قال: أخبرني الحسين بن هاشم في كتابه إليّ، قال: حدثنا علي بن إبراهيم بن معلى، قال: حدّثنا عمرو بن عبد الغفار، عن عبدة بن كثير السراج الجرمي، قال:

قدم يزيد بن أبي زياد، مولى بني هاشم، صاحب عبد الرحمن بن أبي ليلى الرقّة، يدعو الناس إلى بيعة زيد بن علي، و كان من دعاة زيد بن علي، و أجابه ناس من أهل الرقّة، و كنت فيمن أجابه.

حدّثنا علي بن الحسين، قال: حدّثني علي بن العباس، قال: حدّثنا أحمد بن يحيى، قال: حدّثنا عبد اللّه بن مروان بن معاوية، قال: سمعت محمد بن جعفر بن محمد في دار الإمارة يقول:

رحم اللّه أبا حنيفة. لقد تحققت مودّته لنا في نصرته زيد بن علي، و فعل بابن المبارك في كتمانه فضائلنا، و دعا عليه‏ (2) .

____________

(1) توفي منصور سنة اثنتين و ثلاثين و مائة كما في المعارف 209.

(2) ولد ابن المبارك سنة ثمان عشرة و مائة، و توفي سنة إحدى و ثمانين و مائة.

141

حدثنا علي بن الحسين، قال: أخبرنا الحسين بن القاسم، قال: حدثنا علي بن إبراهيم، قال: حدثنا عمرو بن عبد الغفار، عن عبدة بن كثير الجرمي، قال:

كتب زيد بن علي إلى هلال بن حباب، و هو يومئذ قاضي المدائن، فأجابه و بايع له.

حدثنا علي بن الحسين، قال: أخبرنا الحسين بن القاسم، قال: حدثنا علي بن إبراهيم، قال: حدثنا عمرو، قال حدثني عطاء بن مسلم، عن سالم بن أبي الحديد، قال:

أرسلني زيد بن علي إلى زبيد الإمامي أدعوه إلى الجهاد معه.

حدثنا علي بن الحسين، قال: أخبرني الحسين، قال: حدّثنا علي بن إبراهيم، قال: حدّثنا عمرو، عن الفضل بن الزبير، قال:

قال أبو حنيفة من يأتي زيدا في هذا الشأن من فقهاء الناس؟.

قال: قلت سليمة بن كهيل، و يزيد بن أبي زياد، و هرون بن سعد، و هاشم بن البريد، و أبو هاشم الرّماني، و الحجاج بن دينار، و غيرهم.

فقال لي: قل لزيد لك عندي معونة و قوة على جهاد عدوك فاستعن بها أنت و أصحابك في الكراع‏ (1) و السلاح؛ ثم بعث ذلك معي إلى زيد، فأخذه زيد.

[حدثنا علي بن الحسين‏]، قال: حدثني أبو عبيدة الصيرفي، قال:

حدثنا الفضل بن الحسين المصري، قال: حدثنا العباس العنبري، قال:

حدثنا أبو الوليد، قال: حدثنا أبو عوانة، قال:

فارقني سفيان‏ (2) على أنه زيدي.

____________

(1) الكراع: اسم لجماعة الخيل.

(2) ولد سفيان سنة سبع و تسعين و مات سنة إحدى و ستين و مائة.

142

حدثني علي بن الحسن بن القاسم، قال: حدثنا علي بن إبراهيم، قال:

حدثنا عمرو بن عبد الغفار[عن عبدة بن كثير] (1) ، قال:

كان رسول زيد إلى خراسان عبدة بن كثير الجرمي، و الحسن بن سعد الفقيه.

حدثنا علي بن الحسين قال: أخبرني الحسين قال: حدثنا علي بن إبراهيم، قال: حدثنا عمرو بن عبد الغفار، قال: حدثني شريك، قال:

إني لجالس عند الأعمش أنا، و عمرو بن سعيد أخو سفيان بن سعيد الثوري، إذ جاءنا عثمان بن عمير أبو اليقظان الفقيه، فجلس إلى الأعمش فقال: أخلنا فإن لنا إليك حاجة. فقال: و ما خطبكم هذا شريك، و هذا عمرو بن سعيد أذكر حاجتك. فقال: أرسلني إليك زيد بن علي أدعوك إلى نصرته و الجهاد معه، و هو من عرفت. قال: أجل؛ ما أعرفني بفضله. أقرئاه مني السلام، و قولا له: يقول لك الأعمش لست أثق لك-جعلت فداك- بالناس، و لو أنا وجدنا لك ثلثمائة رجل أثق بهم لغيّرنا لك جوانبها.

حدثنا علي بن الحسين، قال: حدثني أحمد بن محمد بن سعيد، قال:

حدثنا محمد بن زيد (2) الثقفي. قال: حدثنا أحمد بن محمد بن عمران بن أبي ليلى، قال: حدثني أبي، قال:

كان محمد بن أبي ليلى، و منصور بن المعتمر، بايعا زيد بن علي. قال:

و بعث يوسف بن عمر إلى الناس فأخذ عليهم أبواب المسجد فحال بينه و بينهم.

حدثنا علي بن الحسين قال: حدّثني الحسين بن محمد بن عفير [الأنصاري‏]قال: حدثنا يوسف بن موسى القطان، قال: حدثنا حكام بن مسلم، قال: حدثنا عنبسة بن سعيد الأسدي:

____________

(1) الزيادة من الخطية.

(2) في الخطية «ابن سعيد الثقفي» .

143

أنا أبا حصين قال لقيس بن الربيع: يا قيس. قال: لبيك. قال: لا لبيك، و لا سعديك، لتبايعن رجلا من ولد رسول اللّه (ص) ثم تخذله، و ذلك أنه بلغه أنه بايع زيد بن علي.

و قال فضل بن العباس بن عبد الرحمن بن ربيعة بن الحرث بن عبد المطلب يرثي زيد بن علي عليه السلام:

ألا يا عين لا ترقى وجودي # بدمعك ليس ذا حين الجمود

غداة ابن النبي أبو حسين # صليب بالكناسة فوق عود

يظل على عمودهم و يمسي # بنفسي أعظم فوق العمود

تعدى الكافر الجبار فيه # فأخرجه من القبر اللحيد (1)

فظلوا ينبشون أبا حسين # خضيبا بينهم بدم جسيد

فطال به تلعبهم عتوًّا # و ما قدروا على الرّوح الصّعيد

و جاور في الجنان بني أبيه # و أجدادا هم خير الجدود

فكم من والد لأبي حسين # من الشهداء أو عم شهيد

و من أبناء أعمام سيلقى # هم أولى به عند الورود

دعاه معاشر نكثوا أباه # حسينا بعد توكيد العهود

فسار إليهم حتى أتاهم # فما أرعوا على تلك العقود

و كيف تظنّ بالعبرات عيني # و تطمع بعد زيد في الهجود

و كيف لها الرقاد و لم تراءى # جياد الخيل تعدوا بالأسود

تجمع للقبائل من معد # و من قحطان في حلق الحديد

كتائب كلّما أردت قتيلا # تنادت: أن إلى الأعداء عودي

بأيديهم صفائح مرهفات # صوارم أخلصت من عهد هود

بها نسقي النفوس إذا التقينا # و نقتل كل جبّار عنيد

و نحكم في بني الحكم العوالي # و نجعلهم بها مثل الحصيد

____________

(1) في ط و ق «فأحرقه من القبر» .

144

و ننزل بالمعيطيين حربا # عمارة منهم و بنو الوليد

و إن تمكن صروف الدهر منكم # و ما يأتي من الأمر الجديد (1)

نجازيكم بما أوليتمونا # قصاصا أو نزيد على المزيد

و نترككم بأرض الشام صرعى # و شتى من قتيل أو طريد

تنوء بكم خوامعها (2) و طلس # و ضاري الطير من بقع و سود

و لست بآيس من أن تصيروا # خنازيرا و أشباه القرود

و قال أبو ثميلة الأبّار يرثي زيدا عليه السلام:

يا أبا الحسين أعار فقدك لوعة # ما لقيت منها يكمد

فقد السهاد و لو سواك رمت به الأ # قدار حيث رمت به لم يسهد (3)

و نقول: لا تبعد، و بعدك داؤنا # و كذاك من يلق المنية يبعد

كنت المؤمّل للعظائم و النهى # ترجى لأمر الأمة المتأوّد

فقتلت حين رضيت كل مناضل # و صعدت في العلياء كل مصعد

فطلبت غاية سابقين فنلتها # باللّه في سير كريم المورد

و أبى إلهك أن تموت و لم تسر # فيهم بسيرة صادق مستنجد

و القتل في ذات الإله سجية # منكم و أحرى بالفعال الأمجد

و الناس قد أمنوا، و آل محمد # من بين مقتول و بين مشرّد

نصب إذا ألقى الظلام ستوره # رقد الحمام، و ليلهم لم يرقد

يا ليت شعري و الخطوب كثيرة # أسباب موردها و ما لم يورد

ما حجة المستبشرين بقتله # بالأمس أو ما عذر أهل المسجد

____________

(1) خلت الخطية من هذا البيت و اللذين بعده.

(2) في القاموس «الخوامع: الضباع جمع خامعة، و الطلس: جمع أطلس و هو الذئب الأمعط في لونه غبرة إلى السواد» .

(3) في ط و ق «فعرى السهاد و لو سواك زهت به» .

145

11-يحيى بن زيد

و يحيى بن زيد (1) بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام.

و أمه ريطة بنت أبي هاشم عبد اللّه بن محمد بن الحنفية، و إيّاها عنى أبو ثميلة الأبّار بقوله:

فلعلّ راحم أم موسى و الذي # نجاه من لجج خضم مزبد

سيسرّ ريطة بعد حزن فؤادها # يحيى و يحيى في الكتائب يرتدي‏

و أم ريطة بنت أبي هاشم ريطة بنت الحرث بن نوفل بن الحرث بن عبد المطلب. و أمها ابنة المطلب بن أبي وداعة السهمي.

(ذكر السبب في مقتله)

(2)

حدثنا علي بن الحسين بن محمد الأصبهاني، قال: أخبرني به محمد بن علي بن شاذان، قال: حدثنا أحمد بن راشد، قال: حدثني عمي سعيد بن خيثم بن أبي الهادية العبدي. حدثنا علي بن الحسين، قال: أخبرني أحمد بن محمد بن سعيد، قال: حدثني المنذر بن محمد، قال: حدثني أبي، قال:

حدثنا هشام بن محمد عن أبي مخنف عن سلمة بن ثابت‏[الليثي‏] (3) قال:

و خبرنيه أبو المنذر في كتابه إليّ بمثله. حدثنا علي، قال: أخبرني أحمد بن محمد بن سعيد، قال: حدّثنا يحيى بن الحسن العلوي، قال: قال أبو مخنف لوط بن يحيى، حدثنا علي، قال: و أخبرني علي بن العباس المقانعي، قال:

حدثنا محمد بن مروان، قال: حدثنا زيد بن المعذل، قال: حدثنا يحيى بن صالح الطيالسي، عن أبي مخنف، عن عبيدة بن كلثوم. حدثنا علي، قال:

____________

(1) الطبري 8/277-278، 299-301 و ابن الأثير 5/98، 107-108 و شرح شافية أبي فراس 154 و المعارف 95 و المحبر 483 و مروج الذهب 2/132-133.

(2) طبقات ابن سعد 5/239 و ابن الأثير 5/108.

(3) الزيادة من الخطية.

146

و أخبرني الحسين بن القاسم، قال: حدثنا علي بن إبراهيم، قال: حدّثنا عمرو بن عبد الغفار، قال: حدثنا سلم الحذاء، و قد دخل حديث بعضهم في حديث الآخرين.

قالوا: إن زيد بن علي لما قتل، و دفنه يحيى ابنه، رجع و أقام بجبانة السبيع، و تفرّق الناس عنه، فلم يبق معه إلاّ عشرة نفر. قال سلمة بن ثابت:

فقلت له أين تريد؟قال: أريد النهرين، و معه أبو الصبار العبدي، قال:

فقلت له: إن كنت تريد النهرين فقاتل ها هنا حتى نقتل. قال: أريد نهري كربلاء. فقلت له: فالنجاء قبل الصبح. قال: فخرجنا معه، فلما جاوزنا الأبيات سمعنا الأذان فخرجنا مسرعين. فكلما استقبلني قوم استطعمتهم فيطعمونني الأرغفة فأطعمه إيّاها و أصحابي حتى أتينا نينوى، فدعوت سابقا فخرج من منزله و دخله يحيى، و مضى سابق إلى الفيوم‏ (1) . فأقام به و خلف يحيى في منزله. قال سلمة: و مضيت و خلّيته، و كان آخر عهدي به.

قالوا: و خرج يحيى بن زيد إلى المدائن، و هي إذ ذاك طريق الناس إلى خراسان، و بلغ ذلك يوسف بن عمر فسرّح في طلبه حريث بن أبي الجهم الكلبي، فورد المدائن و قد فاته يحيى، و مضى حتى أتى الرّي.

قالوا: و كان نزوله بالمدائن على دهقان من أهلها إلى أن خرج منها.

قالوا: ثم خرج من الري حتى أتى سرخس فأتى يزيد بن عمرو التيمي، و دعى الحكم بن يزيد أحد بني أسيد بن عمرو، و كان معه، و أقام عنده ستة أشهر. و على الحرب بتلك الناحية رجل يعرف بابن حنظلة من قبل عمر بن هبيرة. و أتاه ناس من المحكمة يسألونه أن يخرج معهم ليقاتلوا بني أمية، فأراد لما رأى من نفاذ رأيهم أن يفعل، فنهاه يزيد بن عمرو و قال: كيف تقاتل بقوم تريد أن تستظهر بهم على عدوك و هم يبرؤون من علي و أهل بيته. فلم يطمئن إليهم غير أنه قال لهم جميلا.

ثم خرج فنزل ببلغ على الحريش بن عبد الرحمن الشيباني‏ (2) فلم يزل عنده

____________

(1) في ط «كذا في النسخ» .

(2) في ابن الأثير 5/107 «الحريش بن عمرو بن داود» .

147

حتى هلك هشام بن عبد الملك لعنه اللّه، و ولى الوليد بن يزيد، و كتب يوسف إلى نصر بن سيّار، و هو عامل على خراسان حين أخبر أن يحيى بن زيد نازل بها، و قال: ابعث إلى الحريش‏ (1) . حتى يأخذ بيحيى أشد الأخذ، فبعث نصر إلى عقيل بن معقل الليثي، و هو عامله على بلخ، أن يأخذ الحريش فلا يفارقه حتى تزهق نفسه أو يأتيه بيحيى بن زيد، فدعى به فضربه ستمائة سوط، و قال: و اللّه لأزهقن نفسك أو تأتيني به.

فقال: و اللّه لو كان تحت قدمي ما رفعتها عنه فاصنع ما أنت صانع.

فوثب قريش بن الحريش فقال لعقيل: لا تقتل أبي، و أنا آتيك بيحيى، فوجّه معه جماعة فدلهم عليه، و هو في بيت في جوف بيت، فأخذوه و معه يزيد بن عمر، و الفضل مولى لعبد القيس كان معه من الكوفة، فبعث به عقيل إلى نصر بن سيّار فحبسه و قيّده، و جعله في سلسلة، و كتب إلى يوسف بن عمرو فأخبره بخبره‏ (2) .

حدثنا علي بن الحسين، قال: فحدّثني محمد بن العباس البريدي، قال: أخبرني الرياشي، قال:

قال رجل من بني ليث يذكر ما صنع بيحيى بن زيد:

أليس بعين اللّه ما تصنعونه # عشيّة يحيى موثق في السلاسل

ألم تر ليثا ما الذي حتمت به # لها الويل في سلطانها المتزايل

لقد كشفت للناس ليث عن استها # أخيرا و صارت ضحكة في القبائل

كلاب عوت لا قدس اللّه أمرها # فجاءت بصيد لا يحل لآكل‏

حدثنا علي، قال: أخبرني أحمد بن محمد بن سعيد، عن يحيى بن الحسن أن هذا الشعر لعبد اللّه بن معاوية بن عبد اللّه بن جعفر بن أبي طالب.

حدثنا (3) علي بن الحسين، قال: فحدّثني عيسى بن الحسين الوراق،

____________

(1) في ط و ق «الجريش» .

(2) الطبري 8/300.

(3) من هنا إلى قوله: رجع الحديث إلى سياقه ساقط من الخطية.

148

قال: حدثنا علي بن محمد النوفلي، قال: حدثني أبي، عن عمه عيسى، قال:

لما أطلق يحيى بن زيد، و فكّ حديده، صار جماعة من مياسير الشيعة إلى الحداد الذي فكّ قيده من رجله فسألهم أن يبيعهم إيّاه، و تنافسوا فيه و تزايدوا حتى بلغ عشرين ألف درهم، فخاف أن يشيع خبره فيؤخذ منه المال. فقال لهم: اجمعوا ثمنه بينكم فرضوا بذلك، و أعطوه المال فقطّعه قطعة قطعة، و قسّمه بينهم، فاتخذوا منه فصوصا للخواتيم يتبركون بها.

رجع الحديث إلى سياقه:

قال: فكتب يوسف بن عمر إلى الوليد-لعنه اللّه-يعلمه ذلك‏ (1) ، فكتب إليه يأمره أن يؤمنه، و يخلي سبيله و سبيل أصحابه، فكتب يوسف بذلك إلى نصر بن سيّار فدعى به نصر فأمره بتقوى اللّه و حذّره الفتنة.

فقال له يحيى: و هل في أمة محمد فتنة أعظم مما أنتم فيه من سفك الدماء و أخذ ما لستم له بأهل؟.

فلم يجبه نصر بشي‏ء، و أمر له بألفي‏ درهم و نعلين، و تقدم إليه أن يلحق بالوليد. فخرج يحيى حتى قدم سرخس، و عليها عبد اللّه بن قيس بن عباد البكري، فكتب إليه نصر أن أشخص يحيى عن سرخس. و كتب إلى الحسن بن زيد التميمي عامله على طوس:

إذا مرّ بك يحيى فلا تدعه يقيم ساعة، و أرسله إلى عمرو بن زرارة بأبرشهر ففعلوا ذلك‏ (2) . و وكل به سرحان بن نوح العنبري، و كان على مسلحة المتعب. فذكر يحيى بن زيد نصر بن سيّار فطعن عليه، كأنه إنما فعل ذلك مستقلا لما أعطاه، و ذكر يوسف بن عمر فعرض به، و ذكر أنه يخاف غيلته إيّاه، ثم كف عن ذكره فقال له الرجل: قل ما أحببت-رحمك اللّه-فليس عليك مني عين‏ (3) .

____________

(1) الطبري 8/300.

(2) راجع الطبري 8/300.

(3) في ط و ق «فليس عليك شي‏ء لو لا عين» .

149

فقال: العجب لهذا الذي يقيم الأحراس عليّ، و اللّه لو شئت أن أبعث إليه فأوتي به و آمر من يتوطاه لفعلت ذلك-يعني الحسن بن زيد التميمي-.

قال: فقلت له: و اللّه ما لك فعل هذا، إنما هو رسم في هذا الطريق لتشبث الأموال.

قال: ثم أتينا عمرو بن زرارة بأبرشهر، فأعطى يحيى ألف درهم نفقة له، ثم أشخصه إلى بيهق، فأقبل يحيى من بيهق، و هي أقصى عمل خراسان في سبعين رجلا، راجعا إلى عمرو بن زرارة، و قد اشترى دواب، و حمل عليها أصحابه. فكتب عمرو إلى نصر بن سيار بذلك، فكتب نصر إلى عبد اللّه بن قيس بن عباد البكري عامله بسرخس، و الحسن بن زيد عامله بطوس، أن يمضيا إلى عامله عمرو بن زرارة، و هو على أبرشهر، و هو أمير عليهم، ثم يقاتلوا يحيى بن زيد.

قال: فأقبلوا إلى عمرو، و هو مقيم بأبرشهر فاجتمعوا معه فصار في زهاء عشرة آلاف. و خرج يحيى بن زيد و ما معه إلاّ سبعون فارسا، فقاتلهم يحيى فهزمهم، و قتل عمرو بن زرارة، و استباح عسكره و أصاب منه دواب كثيرة، ثم أقبل حتى مرّ بهراة، و عليها المغلّس بن زياد (1) ، فلم يعرض أحد منها لصاحبه، و قطعها يحيى‏ (2) حتى نزل بأرض الجوزجان، فسرّح إليه نصر بن سيار سلم بن أحور (3) في ثمانية آلاف فارس من أهل الشام و غيرهم، فلحقه بقرية يقال لها ارغوى، و على الجوزجان يومئذ حماد بن عمرو السعيدي‏ (4) ، و لحق بيحيى بن زيد أبو العجارم الحنفي، و الخشخاش الأزدي‏ (5) فأخذ الخشخاش بعد ذلك نصر فقطع يديه و رجليه و قتله.

و عبأ سلم-لعنه اللّه-أصحابه فجعل سورة بن محمد الكندي على

____________

(1) كذا في الطبري و في الأصول «المعلس» .

(2) في ط و ق «فقطعه» .

(3) في الطبري و ابن الأثير «سلم بن أحوز» .

(4) في الطبري «بن عمرو السغدي» .

(5) في الطبري 8/301 «و لحق بيحيى بن زيد رجل من بني حنيفة يقال له: أبو العجلان فقتل يومئذ معه، و لحق به الحساس الأزدي فقطع نصر بعد ذلك يده و رجله» .

150

ميمنته، و حماد بن عمرو السعيدي على ميسرته.

و عبأ يحيى أصحابه على ما كان عبأهم عند قتال عمرو بن زرارة، فاقتتلوا ثلاثة أيام و لياليها أشد قتال، حتى قتل أصحاب يحيى كلهم، و أتت يحيى نشابة في جبهته، رماه رجل من موالي عنزة يقال له عيسى، فوجده سورة بن محمد قتيلا فاحتزّ رأسه.

و أخذ العنزي الذي قتله سلبه، و قميصه، فبقيا بعد ذلك حتى أدركهما أبو مسلم فقطع أيديهما و أرجلهما و قتلهما و صلبهما (1) .

و صلب يحيى بن زيد على باب مدينة الجوزجان‏ (2) في وقت قتله-صلوات اللّه عليه و رضوانه.

حدثنا أبو الفرج علي بن الحسين، قال: حدثني أبو عبيد الصيرفي، قال: حدثنا محمد بن علي بن خلف العطار، قال: حدثنا سهل بن عامر، قال: حدثنا جعفر الأحمر، قال: رأيت يحيى بن زيد مصلوبا على باب الجوزجان.

قال عمرو بن عبد الغفار عن أبيه:

فبعث برأسه إلى نصر بن سيّار، فبعث به نصر إلى الوليد بن يزيد.

فلم يزل مصلوبا حتى إذا جاءت المسودة فأنزلوه و غسلوه و كفنوه و حنطوه ثم دفنوه فعل ذلك خالد بن إبراهيم أبو داود البكري، و حازم بن خريمة و عيسى بن ماهان. و أراد أبو مسلم أن يتبع قتلة يحيى بن زيد فقيل له: عليك بالديوان، فوضعه بين يديه و كان إذا مرّ به اسم رجل ممن أعان على يحيى قتله، حتى لم يدع أحدا قدر عليه ممن شهد قتله‏ (3) .

____________

(1) ابن الأثير 5/108.

(2) المحبر 484 و زهر الآداب 1/119.

(3) في المحبر «فما زال مصلوبا حتى خرج أبو مسلم فأنزله و وراه و تولى الصلاة عليه و دفنه. ثم أخذ كل من خرج لقتاله و ذلك أنه تصفح الديوان فنظر إلى كل من كان في بعثه فقتله إلاّ من أعجزه. فسود أهل خراسان ثيابهم عليه فصار لهم زيا» .

151

12-عبد اللّه بن محمد

و عبد اللّه بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب أخو جعفر بن محمد (1) .

أمهما جميعا أم فروة بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر (2) .

و أمها أسماء بنت عبد الرحمن بن أبي بكر لأم ولد (3) .

حدّثنا علي بن الحسين، قال: أخبرني أحمد بن محمد بن سعيد، قال:

حدّثنا يحيى بن الحسن العلوي، قال: حدّثنا إسماعيل بن إبراهيم، قال:

حدّثنا محمد بن مسلمة، قال: حدّثنا زكريا بن يحيى، عن عمرو بن أبي المقدام عن أبيه، قال:

دخل عبد اللّه بن محمد بن علي بن الحسين بن علي على رجل من بني أمية فأراد قتله. فقال عبد اللّه بن محمد: لا تقتلني أكن للّه عليك عينا، و لك على اللّه عونا، فقال: لست هناك، و تركه ساعة، ثم سقاه سما في شراب سقاه إيّاه فقتله‏ (4) .

13-عبد اللّه بن المسور

و عبد اللّه بن المسور بن عون بن جعفر بن أبي طالب عليه السلام حدثنا علي بن الحسين، قال: حدثنا أحمد بن عبيد اللّه بن عمار، قال:

حدثنا سليمان بن أبي شيخ، قال: حدثنا محمد بن الحكم، عن عوانه، قال:

كان عبد اللّه بن معاوية بن عبد اللّه بن جعفر بن أبي طالب، من أشد الناس عقوبة (5) ، و كان معه عبد اللّه بن المسور بن عون بن جعفر بن أبي

____________

(1) قال ابن قتيبة في كتاب المعارف 94: «فأما جعفر بن محمد فيكنى أبا عبد اللّه، و إليه تنسب الجعفرية.

و مات بالمدينة سنة ست و أربعين و مائة، و أما عبد اللّه بن محمد فهو الملقب بدقدق و مات بالمدينة» .

(2) المعارف 76.

(3) المعارف 94.

(4) شرح شافية أبي فراس 155.

(5) راجع الأغاني 11/75.

152

طالب‏ (1) فبلغه أنه يقول: أنا ابن عون بن جعفر، فيضربه بالسياط حتى قتله.

قال: و ذكر أحمد بن الحرث الخراز، عن المدائني، عن رجاله:

أن معاوية دعا بامرأة ابن السور و كلّمها بشي‏ء فراجعته، فأمر بقتلها فقتلت.

14-عبد اللّه بن معاوية

و عبد اللّه بن معاوية (2) بن عبد اللّه بن جعفر بن علي بن أبي طالب عليه السلام. و يكنى أبا معاوية. و إيّاه عني إبراهيم بن هرمة بقوله‏ (3) :

أحب مدحا أبا معاوية الما # جد لا تلقه حصورا عييا

بل كريما يرتاح للمجد بسّا # ما إذا هزه السؤال حييا (4)

إن لي عنده و إن رغم الأعـ # داء ودا من نفسه وقفيا

إن أمت تبق مدحتي و ثنائي # و إخائي من الحياة مليا (5)

يا ابن أسماء فاسق دلوى فقد أو # ردتها مشربا يثجّ رويا (6)

يعني أمه أسماء، و هي أم عون بنت العباس بن ربيعة بن الحرث بن عبد المطلب‏ (7) .

و كان عبد اللّه بن معاوية جوادا فارسا شاعرا، و لكنه كان سيئ السيرة، ردي‏ء المذهب، قتالا، مستظهرا ببطانة السوء و من يرمى بالزندقة، و لو لا أن يظن أن خبره لم يقع علينا لما ذكرناه مع من ذكرناه. و لا بد من ذكر بعض أخباره.

____________

(1) جاء في المعارف 89 «و أما عون بن جعفر بن أبي طالب فقتل بشتر أيضا، و لا عقب له.. »

(2) الطبري 9/48-52 و 93-95، و ابن الأثير 5/130-132 و 149-151 و الأغاني 11/71-79 و زهر الآداب 1/124-126، و المعارف 90 و لسان الميزان 3/363-364.

(3) قال أبو الفرج: 11/72 «و أول هذه القصيدة:

عاتب النفس و الفؤاد الغويا # في طلاب الصبا فلست صبيا

(4) كذا في الأغاني و في الأصول «حثيا» .

(5) بعد هذا البيت و الذي يليه ثلاثة أبيات في الأغاني.

(6) في الأغاني «منهلا يثج» و في الأصول «مشربا تنج» و في القاموس «ثج الماء سال» .

(7) الأغاني 11/72.

153

حدّثني أحمد بن عبد اللّه بن عمّار، قال: حدّثني علي بن محمد النوفلي، قال: حدّثني أبي، قال: حدّثني عمي عيسى، قال:

كان عمارة بن حمزة يرمى بالزندقة، فاستكتبه عبد اللّه بن معاوية، و كان له نديم يعرف بمطيع بن إيّاس‏ (1) ، و كان زنديقا مأبونا، و كان له نديم آخر يعرف بالبقلي و إنما سمي بذلك لأنه كان يقول الإنسان كالبقلة فإذا مات لم يرجع، قتله المنصور بعد أن أفضت إليه الخلافة. و كان هؤلاء الثلاثة خاصته، و كان له صاحب شرطة يقال له: قيس و كان دهريا لا يؤمن باللّه، معروفا بذلك، فكان يعس بالليل فلا يلقاه أحد إلاّ قتله، فدخل يوما على ابن معاوية، فلما رآه قال:

إن قيسا و إن تقنّع شيبا # لخبيث الهوى على شمطه

ابن تسعين منظرا و شيبا # و ابن عشرين يعدّ في سقطه‏

فأقبل على مطيع فقال: أجز أنت. فقال:

و له شرطة إذا جنّه الليـ # ل فعوذوا باللّه من شرطه‏ (2)

قال أبو العباس بن عمّار: أخبرني أحمد بن الحرث الخراز (3) ، عن المدائني، عن أبي اليقظان، و شهاب بن عبد اللّه‏ (4) و غيرهما. قال ابن عمّار:

و حدثني سليمان بن أبي شيخ، عمن ذكره:

إن ابن معاوية كان يغضب على الرجل فيأمر بضربه بالسياط، و هو يتحدث، و يتغافل عنه حتى يموت تحت السياط. و أنه فعل ذلك برجل فجعل يستغيث فلا يلتفت إليه، فناداه يا زنديق، أنت الذي تزعم أنه يوحى إليك.

فلم يلتفت إليه، و ضربه حتى مات‏ (5) .

حدّثني أحمد بن عبيد اللّه‏[بن عمّار]، قال: حدثني النوفلي، عن أبيه،

____________

(1) ترجمته في الأغاني 12/78-: 11.

(2) الأغاني 11/75.

(3) كذا في الأغاني و في الأصول «الخزار» .

(4) في الأغاني «و شباب بن عبد اللّه» .

(5) الأغاني 11/75.

154

عن عمّه عيسى، قال:

كان ابن معاوية أقسى خلق اللّه قلبا، فغضب على غلام له، و أنا عنده جالس في غرفة بأصبهان، فأمر أن يرمي به منها إلى أسفل، ففعل ذلك به، فسقط و تعلّق بدرابزين كان على الغرفة، فأمر بقطع يده التي أمسكه بها، فقطعت و خرّ الغلام يهوي حتى بلغ الأرض فمات. و كان مع هذه الأحوال من ظرفاء بني هاشم، و شعرائهم، و هو الذي يقول:

ألا تزغ القلب عن جهله # و عما تؤنب من أجله

فيبدل بعد الصبي حكمة # و يقصر ذو العذل عن عذله‏ (1)

فلا تركبنّ الصنيع الذي # تلوم أخاك على مثله‏ (2)

و لا يعجبنك قول امرئ # يخالف ما قال في فعله

و لا تتبع الطرف ما لا ينال # و لكن سل اللّه من فضله

و كم من مقل ينال الغنى # و يحمد في رزقه كله‏ (3)

أنشدنا هذا[الشعر]ابن عمّار، عن أحمد بن أبي خيثمة، عن يحيى بن معين.

و ذكر محمد بن علي بن حمزة العلوي أن يحيى بن معين أنشد له:

إذا افتقرت نفسي قصرت افتقارها # عليها فلم يظهر لها أبدا فقر

و إن تلقني في الدهر مندوحة الغنى # يكن لأخلائي التوسع و اليسر (4)

فلا العسر يزري بي إذا هو نالني # و لا اليسر يوما إن ظفرت هو الفخر (5)

أنشدنا أحمد[بن محمد]بن سعيد[بن عقدة]قال:

أنشدني يحيى بن الحسن لعبد اللّه بن معاوية في الحسين بن عبد اللّه بن عبيد اللّه بن العباس‏ (6) :

____________

(1) في الأغاني «الصبا حلمه و أقصر» .

(2) هذا البيت و الذي بعده في الطبري 9/49 و ابن الأثير 5/132 و في الأصول «فلا تركبن الشنيع» .

(3) كذا في الأغاني، و في الأصول «من مقل يبين الغنى» .

(4) في الأغاني «التوسع في اليسر» .

(5) في الأغاني «ظفرت به فخرى» .

(6) في الأغاني «و كان حسين هذا و عبد اللّه بن معاوية يرميان بالزندقة. فقال الناس إنما تصافيا على ذلك... » .