مقاتل الطالبيين

- ابو الفرج الأصفهاني المزيد...
663 /
255

و أخوه، و أبو بكر بن عمر، فلم يزل معه حتى انقضى أمره و قتل، فاستخفى عبد اللّه بن عمر، ثم طلب فوجد فأتى به أبو جعفر فأمر بحبسه فحبس في المطبق سنين، ثم دعا به فقال: ألم أفضلك و أكرمك، ثم تخرج عليّ مع الكذاب؟.

فقال: يا أمير المؤمنين، وقعنا في أمر لم نعرف له وجها، و الفتنة كانت شاملة، فإن رأي أمير المؤمنين أن يعفو، و يصفح، و يحفظ فيّ عمر بن الخطاب، فليفعل.

قال: فتركه و خلّى سبيله‏ (1) .

قال: و كان عبد اللّه يكنى أبا القاسم، فتركها و تكنى أبا عبد الرحمن و قال:

لا أتكنى بكنية رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلم، إعظاما لها.

قال الواقدي: فكان عبد اللّه بن عمر كثير الحديث، و روى عن نافع روايات كثيرة، و عمر عمرا طويلا، حتى لقيته الأحداث.

و مات في خلافة هرون‏ (2) سنة إحدى، أو اثنتين و سبعين و مائة.

حدثنا علي بن العباس، قال حدثنا بكار بن أحمد، قال: حدّثنا الحسن بن الحسين، قال: حدّثنا عبد اللّه بن الزبير الأسدي، و كان في صحابة محمد بن عبد اللّه، قال:

رأيت محمد بن عبد اللّه عليه سيف محلى يوم خرج، فقلت له: أتلبس سيفا محلى؟فقال أي بأس بذلك، قد كان أصحاب رسول اللّه (ص) يلبسون السيوف المحلاة.

عبد اللّه بن الزبير هذا أبو أحمد الزبير المحدث، و هو أيضا من وجوه محدثي الشيعة، روى عنه عباد بن يعقوب و نظراؤه، و من هو أكبر منه.

____________

(1) في الطبري 9/233 «و كان أبو جعفر يقول: لو وجدت ألفا من آل عمر كلهم مسي‏ء و فيهم محسن واحد لأعفيتهم جميعا» .

(2) تاريخ الخلفاء 190.

256

أخبرني محمد بن خلف بن وكيع: قال: حدّثنا إسماعيل بن مجمع، عن الواقدي قال:

خرج عبد اللّه بن جعفر بن عبد الرحمن بن المسور بن مخرمة، مع محمد بن عبد اللّه بن الحسن‏ (1) و كان من ثقات أصحاب محمد، و كان يعلم علمه في تواريه، و كان إذا دخل المدينة مستخفيا فجاءه فنزل في داره، فكان أبو جعفر يدخل على الأمراء يسمع كلامهم، و يعرف أمورهم سائر نهاره يروح إليه فيخبره بذلك.

و كان من رجال أهل المدينة، علما بالفقه، و صدقا بالحديث‏و تقدما بالفتوى، و كان يرشح للقضاء.

قال الواقدي: و لقد حدّثني بن أبي الزياد أنه ما مات قاض بالمدينة، و لا عزل إلاّ ظنوا أن عبد اللّه بن جعفر يتولى مكانه، لكمال علمه و مروءته، و فضله، فمات و ما ولّى القضاء، و لا قعد به عن ذلك عندهم إلاّ خروجه إليهم مع محمد. فلما قتل محمد توارى فلم يزل في تواريه حتى استؤمن له فأومن.

قال: و كان عبد اللّه بن جعفر لما دخل إلى جعفر بن سليمان قال له: ما حملك على الخروج مع محمد على ما أنت عليه من العلم و الفقه؟.

فقال: ما خرجت معه و أنا أشك في أنه المهدي، لما روي لنا في أمره، فما زلت أرى أنه هو، حتى رأيته مقتولا، و لا اغتررت بأحد بعده. فاستحيي منه و أطلقه.

أخبرنا جعفر بن محمد بن الحسن بن جعفر بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب أبو عبد اللّه. و حدثني أبو عبيد محمد بن أحمد المؤمل الصيرفي، قالا: حدثنا محمد بن علي بن خلف العطار، قال: أخبرنا محمد بن عمرو الرازي، قال: حدثني الحسين بن المنزل قال:

____________

(1) الطبري 9/233 و ابن الأثير 5/2.

257

قال لي محمد بن إسماعيل بن رجاء:

بعث إليّ سفيان الثوري سنة أربعين و مائة، فأوصاني بحوائجه، ثم سألني عن محمد بن عبد اللّه بن الحسن كيف هو: فقلت: في عافية، فقال: إن يرد اللّه بهذه الأمة خيرا يجمع أمرها على هذا الرجل. قال: قلت: ما علمتك إلاّ قد سررتني. قال: سبحان اللّه!و هل أدركت خيار الناس إلاّ الشيعة. ثم ذكر زبيدا، و سلمة بن كهيل، و حبيب بن أبي ثابت و أبا إسحاق السبيعي، و منصور بن المعتمر، و الأعمش قال: فقلت له: و أبو الجحاف؟قال: ذاك الضرب ذاك الضرب. و أيش كان أبو الجحاف. قال: كان يكفر الشاك في الشاك. قال: ثم قال سفيان: إلا أن قوما من هذه الرفضة، و هذه المعتزلة قد بغضوا هذا الأمر إلى الناس.

حدّثني أحمد بن محمد بن سعيد، قال: حدّثنا عبد الرحمن بن يوسف، قال: حدّثنا عبيد اللّه بن يوسف الجبيري، قال: سمعت محمد بن يحيى بن سعيد القطان يقول سمعت أبي يقول:

خرج عبيد اللّه بن عمر، و هشام بن عروة، و محمد بن عجلان مع محمد بن عبد اللّه بن الحسن. قال عبد الرحمن بن يوسف:

و بلغني عن مسدد أنه حكى مثل هذه الحكاية في مخرجهم معه.

حدّثني أحمد بن سعيد، قال: حدّثنا يحيى بن الحسن، قال: حدّثني أبو عبد الحميد الليثي عن أبيه، قال: كان ابن فضالة النحوي يخبر، قال:

اجتمع واصل بن عطاء، و عمرو بن عبيد في بيت عثمان بن عبد الرحمن المخزومي من أهل البصرة، فتذاكروا الجور، فقال عمرو بن عبيد: فمن يقوم بهذا الأمر ممن يستوجبه و هو له أهل؟.

فقال واصل: يقوم به و اللّه من أصبح خير هذه الأمة، محمد بن عبد اللّه بن الحسن.

258

فقال عمرو بن عبيد: ما أرى أن نبايع، و لا نقوم إلاّ مع من اختبرناه، و عرفنا سيرته.

فقال له واصل: و اللّه لو لم يكن في محمد بن عبد اللّه أمر يدل على فضله إلاّ أنّ أباه عبد اللّه بن الحسن، في سنه، و فضله، و موضعه قد رآه لهذا الأمر أهلا، و قدّمه فيه على نفسه-لكان ذلك يستحق ما نراه له، فكيف بحال محمد في نفسه و فضله؟.

قال يحيى: و سمعت أبا عبيد اللّه بن حمزة يحدث، قال:

خرج جماعة من أهل البصرة من المعتزلة منهم واصل بن عطاء و عمرو بن عبيد و غيرهما حتى أتوا سويقة، فسألوا عبد اللّه بن الحسن أن يخرج لهم ابنه محمدا حتى يكلموه، فطلب لهم عبد اللّه فسطاطا، و اجتمع هو و من شاوره من ثقاته أن يخرج إليهم إبراهيم بن عبد اللّه. فأخرج إليهم إبراهيم، و عليه ريطتان، و معه عكازة، حتى أوقفه عليهم، فحمد اللّه و أثنى عليه، و ذكر محمد بن عبد اللّه و حاله، و دعاهم إلى بيعته، و عذرهم في التأخر عنه فقالوا (1) : اللهم إنا نرضى برجل هذا رسوله فبايعوه و انصرفوا إلى البصرة (2) .

حدثني علي بن العباس، قال: حدثنا بكار بن أحمد، قال حدثنا الحسن بن الحسين، قال حدثني الحسن بن حماد، قال:

كان أبو خالد الواسطي، و القاسم بن مسلم السلمي مع محمد بن عبد اللّه بن الحسن و كانا من أصحاب زيد بن علي، صلوات اللّه عليه.

قال القاسم بن مسلم لمحمد بن عبد اللّه بن الحسن: يا أبا عبد اللّه، إن الناس يقولون: إن صاحبكم محمدا ليس له ذلك الفقه. قال فتناول سوطه من الأرض ثم قال: يا قاسم بن مسلم، ما يسرّني أن الأمة اجتمعت عليّ كمعلاق سوطي هذا و أني سئلت عن باب الحلال أو الحرام‏و لم يكن عندي مخرج منه، يا قاسم بن مسلم، إن أضل الناس بل أظلم الناس، بل أكفر الناس من ادعى

____________

(1) في ط و ق «فقال» .

(2) كتاب نشوان الحميري 70.

259

من هذه الأمة، ثم سئل عن باب الحلال أو الحرام، و لم يكن عنده منه مخرج‏ (1) .

حدّثني أحمد بن محمد بن سعيد، قال يحيى بن الحسن، قال: حدّثني أبو عبد الحميد الليثي، عن أبيه، عن عيسى بن عبد اللّه عن أبيه قال:

بايع أبو جعفر المنصور محمد بن عبد اللّه مرتين إحداهما بالمدينة و الأخرى أنا حاضرها بمكة في المسجد الحرام، فلما بايعه قام معه حتى خرج من المسجد الحرام فركب فأمسك له أبو جعفر بركاب دابته ثم قال له: يا أبا عبد اللّه، أما إنه إن أفضى إليك هذا الأمر نسيت هذا الموقف و لم تعرفه لي‏ (2) .

أخبرني عمر بن عبد اللّه، قال: حدّثني عمر بن شبّة، قال: حدّثني عبد اللّه بن عمر:

أن علي بن محمد بن عبد اللّه بن الحسن لما أخذه أبو جعفر اعترف له، و سمى أصحاب أبيه، فكان فيمن سمى عبد الرحمن بن أبي الموالي فأمر به أبو جعفر فحبس.

أخبرني عمر بن عبد اللّه، قال: حدثنا عمر بن شبّة، قال: حدّثني عبد اللّه بن راشد، قال: سمعت الجراح بن عمرو، و غيره، يقولون:

إن عليا، و حسنا، ابني صالح جاءا مشتملين على سيفين إلى محمد بن عبد اللّه بن الحسن فقالا: قد جئناك يا ابن رسول اللّه فمرنا بالذي نريده، فقال: قد قضيتما ما عليكما و إن لقينا في هؤلاء شيئا، فانصرفا. فانصرفا.

أخبرني عمر قال: حدّثنا عمر بن شبّة (3) قال: حدّثنا محمد بن يحيى،

____________

(1) راجع صفحة 220.

(2) راجع صفحة 187.

(3) في الخطية «حدثنا أبو زيد» .

260

عن الحرث بن سحاق:

أن محمدا استعمل على المدينة عثمان بن محمد بن خالد بن الزبير.

و على قضائها، عبد العزيز بن المطلب‏[بن عبد اللّه المخزومي‏] (1) .

و على الشرط، أبا القلمس‏ (2) عثمان‏[بن عبيد اللّه‏]بن عبد اللّه بن عمر بن الخطاب.

و على ديوان العطاء عبد اللّه بن جعفر بن عبد الرحمن بن المسور بن مخرمة (3) .

أخبرني عمر بن عبد اللّه، قال: حدّثنا أبو زيد، قال: حدّثنا عيسى عن أبيه، قال:

قال: خرج مع محمد بن عبد اللّه، عيسى بن زيد، و كان يقول: من خالف بيعتك من آل أبي طالب فأمكني من ضرب عنقه، فأتى بعبد اللّه بن الحسين بن علي بن الحسين، فغمض عينيه قال: إن على يمينا إن رأيته لأقتلنه، فقال له عيسى: دعني أضرب عنقه، فكف عنه‏ (4) .

دفع إلى عيسى بن الحسين الورّاق كتابا ذكر أنه كتاب أحمد بن الحرث فقرأت فيه:

حدثنا المدائني أن هشام بن عروة بن الزبير، بايع محمد بن عبد اللّه، و جعل له ولاية المدينة.

أخبرني عمر بن عبد اللّه، قال حدثنا أبو زيد، قال حدثني متوكل بن أبي العجوة:

أن أبا جعفر كان يقول: العجب لعبد اللّه بن عطاء إنه بالأمس على بساطي ثم يضربني بعشرة أسياف.

____________

(1) الزيادة من الطبري.

(2) في ط و ق «أبا العلمس» .

(3) الطبري 9/205.

(4) راجع صفحة 247.

261

أخبرني عمر قال: حدثنا أبو زيد قال‏ (1) : حدثني محمد بن الحسن بن زبالة، قال: حدثني حميد بن عبد اللّه بن أبي فروة، قال:

لما درب الناس السكك أيام محمد بن عبد اللّه، أردنا أن ندرب سكتنا، فمنعنا عبد اللّه بن عطاء، قال: فمن أين يمر إلى أمير المؤمنين محمد؟.

فلما قتل تغيب حتى مات في إمارة جعفر بن سليمان، فأخرج على جنازة ليدفن فأمر به فأنزل من نعشه، و صلب، فكلم فيه جعفر، فأمر أن ينزل من خشبته بعد ثالثه، فأنزل و دفن. و عبد اللّه بن عطاء من ثقاة أهل الحديث‏ (2) ، و قد روى عن أبي جعفر محمد بن علي، و عن عبد اللّه بن بريدة؛ و غيرهما من وجوه التابعين. و روى عنه الثقات مثل مالك بن أنس و نظرائه.

و عبد اللّه بن عامر الأسلمي و هو القاري، و يكنى أبا عامر، و هو ثقة.

و روى عنه وكيع، و أبو نعيم، و عبيد اللّه بن موسى، و أبو ضمرة. و قد روى عن الزهري، و وثقه يحيى بن معين، و رووه في الحديث و رثاه علي بن إبراهيم بن عبد اللّه بن الحسن بن الحسن بقوله:

أبو عامر فيها رئيس كأنها # كراديس تغشى حجره المتكبر

أخبرني عمر، قال: حدّثنا عمر بن شبّة، قال حدثنا عبد اللّه بن إسحاق بن القاسم؛ قال: حدّثني إبراهيم بن عبد اللّه بن الحسن، قال:

لقيني موسى بن عبد اللّه بالسيالة، فقال: انطلق أرك ما صنع بنا في سويقة، فذهبت معه، فوجدت نخلها قد عرقبت، فقال: نحن و اللّه كما قال دريد بن الصمة:

تقول: ألا تبكي أخاك!و قد أرى # مكان البكى لكن بنيت على الصّبر (3)

____________

(1) كذا في الخطية، و في ط و ق «حدثني يحيى بن علي و الجوهري و العتكي قالوا» .

(2) ميزان الاعتدال 2/57.

(3) الأغاني 10/5 و ابن أبي الحديد 1/324 و الحماسة 2/309 و في ط «نلبيت» . و في ق «تلبيت» .

262

لمقتل عبد اللّه و الهالك الذي # على الشّرف الأقصى قتيل أبي بكر (1)

و عبد يغوث. أو نديمى خالد # و عزّ مصابا خير قبر على قبر (2)

أبى القتل إلاّ آل صمّة إنهم # أبوا غيره، و القدر يجري على القدر

فإمّا ترينا لا تزال دماؤنا # لدى معشر يسعى لها آخر الدهر (3)

فإنا للحم السيف غير نكيرة # و نلحمه طورا و ليس بذي نكر (4)

يغار علينا واترين فيشتفى # بنا إن أصبنا، أو نغير على وتر (5)

بذاك قسمنا الدهر شطرين بيننا # فما ينقضي إلاّ و نحن على شطر (6)

قال أبو زيد: حدثت المدائني هذا أو أمليته عليه فتركني و ترك الرجلين و قال: قال موسى.

27-الحسن بن معاوية

و ممن أخذه أبو جعفر من آل أبي طالب، و حبسه، و ضربه بالسوط من أصحاب محمد بن عبد اللّه بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب: - الحسن بن معاوية بن عبد اللّه بن جعفر بن أبي طالب.

أمه و أم إخوته: يزيد، و صالح ابني معاوية: فاطمة بنت الحسين بن الحسن بن علي بن أبي طالب‏ (7) و أمها أم ولد.

____________

(1) كذا في النسخ و الأغاني و ابن أبي الحديد. و في الحماسة فقلت أبا عبد اللّه أبكي أم الذي: له الحدث الأعلى قتيل أبي بكر و في الأغاني 10/4 «و كان لدريد بن الصمة إخوة و هم عبد اللّه الذي قتلته غطفان، و عبد يغوث قتله بنو مرة، و قيس قتله بنو أبي بكر بن كلاب. و خالد قتله بنو الحارث بن كعب» .

(2) كذا في النسخ و في الأغاني «حثو قبر» . و في ابن أبي الحديد «و جل مصابا حشو قبر» . و في الحماسة «يغوث

تحمل الطير حوله # و عز المصاب حثو قبر» .

(3) كذا في النسخ و في الحماسة و ابن أبي الحديد «لدى واتر تسعى بها و في الأغاني. لدى واتر يشفي بها آخر الدهر» .

(4) قال التبريزي: «يقول: إنا نخاطر بأنفسنا فنقتل، و نقتل، و ليس ذلك فينا و منا بمنكر» .

(5) في النسخ «فيشتفي لنا» .

(6) في النسخ «شطرين قسمة» .

(7) المعارف 90.

263

و خرجوا جميعا مع محمد بن عبد اللّه‏ (1) . و استعمل الحسن بن معاوية على مكة (2) .

فلما قتل محمد بن عبد اللّه أخذه أبو جعفر فضربه بالسوط و حبسه. فلم يزل في الحبس حتى مات أبو جعفر، فأطلقه المهدي.

أخبرني الحرمي بن أبي العلاء، قال: حدثنا الزبير، قال: حدّثني عيسى بن عبد اللّه قال:

دخل عيسى بن موسى على المنصور، فقال: ألا أبشرك؟قال: بماذا؟ قال: ابتعت وجه دار عبد اللّه بن جعفر من بني معاوية بن عبد اللّه الحسن‏ (3) ، و يزيد، و صالح.

فقال له‏[أتفرح؟] (4) و اللّه ما باعوك إيّاها إلاّ ليقووا بثمنها عليك.

فخرج الحسن، و يزيد، و صالح، مع محمد بن عبد اللّه.

أخبرني الحرمي بن العلاء، قال: حدثنا الزبير، قال: حدثني غسان، عن أبيه قال: حدثني محمد بن إسحاق بن القاسم بن عبد اللّه بن جعفر بن أبي طالب:

أن محمد بن عبد اللّه بعث الحسن، و القاسم بن إسحاق إلى مكة (5) ، و استعمل الحسن على مكة، و القاسم على اليمن.

أخبرني عمر العتكي، و الجوهري، و يحيى بن علي، عن عمر بن شبّة، عن عبد اللّه بن إسحاق، و هو أخو محمد بن إسحاق، الذي روى عنه الزبير،

____________

(1) الطبري 9/232 و ابن الأثير 5/222.

(2) الطبري 9/214-216.

(3) في ط و ق «بن الحسن» .

(4) راجع الطبري 9/215.

(5) راجع الطبري 9/215.

264

قال: حدّثني عبد اللّه بن يزيد بن معاوية بن عبد اللّه بن جعفر، قال:

أراد بنو معاوية بن عبد اللّه بن جعفر-و كانوا خرجوا مع محمد بن عبد اللّه- أن يظهروا بعد قتله. فقال أبي للحسن‏ (1) بن معاوية: لا نظهر جميعا، فإنا إن فعلنا أخذك جعفر بن سليمان من بيننا. قال: و جعفر يومئذ على المدينة. فقال لا بدمن الظهور.

فقال له: فإن كنت فاعلا فدعني أتغيب فإنه لا يقدم عليك ما دمت متغيبا.

قال: لا خير في عيش لست فيه.

فلما ظهروا أخذ جعفر بن سليمان الحسن، فقال له: أين المال الذي أخذته بمكة؟.

و كان أبو جعفر قد كتب إلى جعفر بن سليمان أن يجلد حسنا إن ظفر به.

فلما سأله عن المال قال: أنفقناه فيما كنا فيه و ذاك شي‏ء قد عفا عنه أمير المؤمنين.

قال: و جعل جعفر بن سليمان يكلمه، و الحسن يبطئ في جوابه، فقال له جعفر: أكلمك و لا تجيبني! قال: ذلك يشق عليك، لا أكلمك من رأسي كلمة أبدا.

قال: فضربه أربعمائة سوط، و حبسه. فلم يزل محبوسا حتى مات أبو جعفر، و قام المهدي فأطلقه و أجازه.

قال أبو زيد: و حدثني عيسى بن عبد اللّه، قال:

لما ضرب جعفر بن سليمان الحسن بن معاوية قال: أين كنت؟فاستعجم عليه، فقال له: علي و عليّ إن أقلعت عنك أبدا أو تخبرني أين كنت؟.

قال: كنت عند غسان بن معاوية، مولى عبد اللّه بن الحسن. فبعث جعفر إلى منزل غسان فهرب منه، فهدم داره، ثم جاء بعد فأمّنه.

____________

(1) في ط و ق «الحسين» .

265

قال: و لم يكن الحسن عند غسان إنما كان عند نفيس صاحب قصر نفيس‏ (1) :

قال أبو زيد: فحدثني عيسى بن عبد اللّه، قال:

لم يزل الحسن بن معاوية في حبس جعفر بن سليمان، حتى حج أبو جعفر، فعرضت له حمادة بنت معاوية، فصاحت به: يا أمير المؤمنين، الحسن بن معاوية قد طال حبسه فانتبه له، و قد كان ذهل عنه، فسار به معه حتى وضعه في حبسه، و لم يزل محبوسا حتى ولي المهدي.

قال الزبير في خبره الذي أخبرني به الحرمي، عن الزبير، قال: حدّثني عبد اللّه بن الحسن بن القاسم:

أن الحسن بن معاوية قال لأبي جعفر، و هو في السجن، و قد أتاه نعي أخيه يزيد بن معاوية، يستعطفه على ولده:

إرحم صغار بني يزيد إنهم # يتموا لفقدي لا لفقد يزيد

و ارحم كبيرا سنّه متهدما # في السجن بين سلاسل و قيود

و لئن أخذت بجرمنا و جزيتنا # لنقتلن به بكل صعيد

أو عدت بالرّحم القريبة بيننا # ما جدّكم من جدّنا ببعيد

قال أبو الفرج علي بن الحسين بن محمد الأصفهاني:

و من مختار ما رثى به محمد بن عبد اللّه من الشعر، قول غالب بن عثمان الهمداني أنشدنيه عمر بن عبد اللّه العتكي، عن عمر بن شبّة:

يا دار هجت لي البكاء فأعولي # حيّيت منزلة دثرت و دار

____________

(1) في القاموس «و نفيس بن محمد من موالي الأنصار، و قصره على ميلين من المدينة» .

266

بالجزع من كنفي سويقة أصبحت # كالبرد بعد بني النبيّ قفارا (1)

الحاملين إذا الحمالة أعجزت # و الأكرمين أرومة و نجارا

و الممطرين إذا المحول تتابعت # دررا تداولها المحول غزارا

و الذّائدين إذا المخافة أبرزت # سوق الكواعب يبتدرن حصارا

و ثبت نتيلة وثبة بعلوجها # كانت على سلفي نتيلة عارا

فتصلمت ساداتها و تهتّكت # حرما محصّنة الخدور كبارا

و لغت دماء بني النبي فأصبحت # خضبت بها الأشداق و الأظفارا

لا تسقني بيديك إن لم أبتعث # لبني نتيلة جحفلا جرّارا (2)

لجبا يضيق به الفضاء عرمرما # يغشى الدكادك قسطلا موّارا (3)

فيه بنات بني الصريح و لا حق # قبّا تغادر في الخليف مهارا (4)

يخرجن من خلل الغبار عوابسا # يورين في حصب الأماعز نارا (5)

فننال في سلفي نتيلة ثارنا # فيما ينال و ندرك الأوتارا

و قال أبو الحجاج الجهني:

بكر النعيّ بخير من وطي‏ء الحصى # ذي المكرمات و ذي الندى و السؤدد (6)

بالخاشع البرّ الذي من هاشم # أمسى ثقيلا في بقيع الغرقد (7)

____________

(1) في القاموس «سويقة موضع بنواحي المدينة يسكنه آل علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه» راجع معجم البلدان 5/180.

(2) في ط و ق «لا يشتفي بيديك أن لم أنيعث» .

(3) في ط و ق «لجبا يضيق به و جيش عرمرم» .

(4) في ط و ق «بني الصريح و لا حق قب» و في القاموس «الصريح كجريح فرس عبد يغوث بن حرب و آخر لبني نهشل و آخر للخم» و لا حق أفراس لمعاوية بن أبي سفيان، و لغني بن أعصر و للحازوق الخارجي، و لعتيبة بن الحارث، و لا حق الأصغر لبني أسد» و القب: جمع أقب و هو من الخيل الدقيق الخصر الضامر البطن.

(5) الأماعز: جمع أمعز و هو المكان الغليظ الكثير الحصى.

(6) في ط و ق «بكر البغي» .

(7) في ق «بالجامع» .

267

ظلّت سيوف بني أبيه تنوشه # أن قام مجتهدا بدين محمد (1)

و قال عبد اللّه بن مصعب‏ (2) :

سالت دموعك ضلّة قد هجت لي # برحاء وجد يبعث الأحزانا (3)

هلاّ على المهدي و ابني مصعب # أذريت دمعك ساكبا تهتانا

و لفقد إبراهيم حين تصدّعت # عنه الجموع فواجه الأقرانا (4)

و اللّه ما ولد الحواضن مثله # أمضى و أرفع محتدا و مكانا (5)

و أشدّ ناهضة و أقول للتي # تتقي مصارع أهلها العدوانا (6)

رزء لعمرك لو يصاب بمثله # ميطان صدّع رزؤه ميطانا (7)

و قال عبد اللّه بن مصعب أيضا (8) . أنشدنيه ابن سعيد عن يحيى بن الحسن، عن اسماعيل بن يعقوب:

يا صاحبيّ دعا الملامة و اعلما # أن لست في هذا بألوم منكما (9)

وقفا بقبر ابن النبي و سلّما # لا بأس أن تقفا به فتسلما

قبر تضمّن خير أهل زمانه # حسبا و طيب سجية و تكرّما (10)

[لم يجتنب قصد السبيل و لم يحد # عنه و لم يفتح بفاحشة فما] (11)

____________

(1) في ط و ق «بني أمية» .

(2) الطبري 9/230.

(3) كذا في الطبري و في النسخ «ترحا و وجدا تبعث الأحزانا» .

(4) في ط و ق «فوجهوا الأقرانا» .

(5) كذا في الطبري و في ط «ما ولدت هواضن مثلهم» و في ق «هوازن» .

(6) و في الطبري «تنفي مصادر عدلها البهتانا» و بعده بيت زائد.

(7) في الطبري «مبطان» و في القاموس: «ميطان كميزان من جبال المدينة» .

(8) الطبري 9/231 و ابن الأثير 5/223.

(9) في ط و ق «دع» .

(10) بعده في الطبري:

رجل نفى بالعدل جور بلادنا # و عفا عظيمات الأمور و أنعما.

(11) الزيادة من الخطية و هو ثابت في الطبري و ابن الأثير و بعده فيهما:

لو أعظم الحدثان شيئا قبله # بعد النبي به لكنت المعظما

أو كان أمتع بالسلامة قبله # أحدا الكان قصاره أن يسلما

ضحوا بإبراهيم خير ضحية # فتصرمت أيامه و تصرما.

268

بطل يخوض بنفسه غمراتها # لا طائشا رعشا و لا مستسلما (1)

حتى مضت فيه السيوف و ربّما # كانت حتوفهم السيوف و ربّما

أضحى بنو حسن أبيح حريمهم # فينا و أصبح نهبهم متقسّما

و نساؤهم في دورهنّ نوائح # سجع الحمام إذا الحمام ترنّما

يتوسّلون بقتلهم و يرونه # شرفا لهم عند الإمام و مغنما (2)

و اللّه لو شهد النبيّ محمد # صلّى الإله على النبي و سلّما

إشراع أمّته الأسنّة لابنه # حتى تقطّر من ظباتهم دما

حقّا لأيقن أنهم قد ضيّعوا # تلك القرابة و استحلوا المحرما

و قال إبراهيم بن عبد اللّه يرثي أخاه:

سأبكيك بالبيض الرّقاق و بالقنا # فإنّ بها ما يدرك الطالب الوترا

و إنّا أناس لا تفيض دموعنا # على هالك منّا و لو قصم الظّهرا

و لست كمن يبكي أخاه بعبرة # يعصّرها من جفن مقلته عصرا

و لكنني أشفي فؤادي بغارة # ألهّب في قطري كتائبها جمرا

28-عبد اللّه الأشتر

و عبد اللّه الأشتر بن محمد (3) بن عبد اللّه ابن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب و أمه أم سلمة بنت محمد بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب.

كان عبد اللّه بن محمد بن مسعدة المعلم أخرجه بعد قتل أبيه إلى بلد

____________

(1) في الطبري و ابن الأثير «بطلا» .

(2) كذا في الطبري و في ط و ق و ابن الأثير «بقتله» .

(3) الطبري 9/279-281 و ابن الأثير 5/239-241.

269

الهند (1) فقتل بها، و وجه برأسه إلى أبي جعفر المنصور. ثم قدم بابنه محمد بن عبد اللّه بن محمد بعد ذلك و هو صغير على موسى بن عبد اللّه بن الحسن.

و ابن مسعدة هذا كان مؤدبا لولد عبد اللّه بن الحسن. و فيه يقول إبراهيم بن عبد اللّه بن الحسن على سبيل التهكم به:

زعم ابن مسعدة المعلّم أنّه # سبق الرّجال براعة و بيانا

و هو الملقّن للحمامة شجوها # و هو الملحّن بعدها الغربانا

و كان ابن مسعدة سمع غرابا ينعق، فقال له: أتلحن ويحك يا غراب؟ تقول: غاق غاق. قيل: فكيف يقول؟قال: يقول: غاق غاق.

أخبرني عمر بن عبد اللّه العتكي، قال: حدّثنا عمر بن شبّة، قال:

حدّثني عيسى بن عبد اللّه بن مسعدة، قال:

____________

(1) ما هنا يخالف ما في الطبري، فقد جاء فيه «لما خرج محمد بن عبد اللّه بالمدينة، و إبراهيم بالبصرة، وجه محمد بن عبد اللّه ابنه عبد اللّه بن محمد الذي يقال له الأشتر في نفر من الزيدية إلى البصرة، و أمرهم أن يشتروا مهارة خيل عتاق بها، و يمضوا بها معهم إلى السند؛ ليكون سببا له إلى الوصول إلى عمر بن حفص، و إنما فعل ذلك به لأنه كان فيمن بايعه من قواد أبي جعفر، و كان له ميل إلى آل أبي طالب، فقدموا البصرة على إبراهيم بن عبد اللّه، فاشتروا منها مهارة، و ليس في بلاد السند و الهند شي‏ء أنفق من الخيل العتاق، و مضوا في البحر حتى صاروا إلى السند، ثم صاروا إلى عمر بن حفص فقالوا: نحن قوم نخاسون، و معنا خيل عتاق، فأمرهم أن يعرضوا خيلهم، فعرضوا عليه، فلما صاروا إليه قال له بعضهم: أدنني منك أذكر لك شيئا، فأدناه منه و قال له: إنا قد جئناك بما هو خير لك من الخيل، و ما لك فيه خير الدنيا و الآخرة. فأعطنا الأمان على خلتين: إما أنك قبلت ما أتيناك به، و إما سترت و أمسكت عن أذانا حتى نخرج من بلادك راجعين، فأعطاهم الأمان، فقالوا: ما للخيل أتيناك و لكن هذا ابن رسول اللّه (ص) عبد اللّه بن محمد بن عبد اللّه حسن بن حسن، أرسله أبوه إليك، و قد خرج بالمدينة و دعا لنفسه بالخلافة، و خرج أخوه إبراهيم بالبصرة و غلب عليها. فقال: بالرحب و السعة، ثم بايعهم له، و أمر به فتوارى عنده، و دعا أهل بيته و قواده و كبراء أهل البلد للبيعة، فأجابوه، فقطع الأعلام البيض، و الأقبية و القلانس البيض، و هيأ لبستة من البياض يصعد فيها إلى المنبر، و تهيأ لذلك يوم خميس، فلما كانوا يوم الأربعاء إذ إحراقة قد وافت من البصرة، فيها رسول لخليدة بنت المعارك امرأة عمر بن حفص بكتاب إليه تخبره بقتل محمد بن عبد اللّه، فدخل على عبد اللّه فأخبره الخبر و عزّاه.... ثم قال له: هاهنا ملك من ملوك السند عظيم المملكة، و هو على شركه أشد الناس تعظيما لرسول اللّه، و هو رجل و في، فأرسل إليه فأعقد بينك و بينه عقدا و أوجهك إليه تكون عنده فلست ترام معه، قال افعل ما شئت ففعل ذلك، فصار إليه فأظهر إكرامه و بره برا كثيرا، و تسللت إليه الزيدية حتى صار إليه منهم أربعمائة إنسان فكان يركب فيهم فيصيد و يتنزه في هيئة الملوك و آلاتهم... إلخ» .

270

لما قتل محمد، خرجنا بابنه الأشتر عبد اللّه بن محمد، فأتينا الكوفة، ثم انحدرنا إلى البصرة، ثم خرجنا إلى السند؛ فلما كان بيننا و بينها أيام نزلنا خانا فكتب فيه‏ (1) :

منخرق الخفّين يشكو الوجى # تنكبه أطراف مرو حداد (2)

شرّده الخوف فأزرى به # كذاك من يكره حرّ الجلاد (3)

قد كان في الموت له راحة # و الموت حتم في رقاب العباد

و كتب اسمه تحتها.

ثم دخلنا المنصورة فلم نجد شيئا، فدخلنا قندهار (4) ، فأحللته قلعة لا يرومها رائم، و لا يطور بها طائر. و كان و اللّه أفرس من رأيت من عباد اللّه، ما إخال الرمح في يده إلاّ قلما، فنزلنا بين ظهراني قوم يتخلقون بأخلاق الجاهلية، يطرد أحدهم الأرنب، فتضيف قصر صاحبه، فيمنعها و يقول: أتطلب جاري.

قال: فخرجت لبعض حاجتي، و خلفني بعض تجار أهل العراق، فقالوا له: قد بايع لك أهل المنصورة، فلم يزالوا به حتى صار إليها.

فحدثت أن رجلا جاء إلى أبي جعفر فقال له: مررت بأرض السند فوجدت كتابا في قلعة من قلاعها، فيه كذا و كذا، فقال له: هو هو. ثم دعا هشام بن عمرو بن بسطام التغلبي‏ (5) ، فقال: اعلم أن الأشتر بأرض السند، و قد وليتك عليها، فانظر ما أنت صانع.

____________

(1) الأبيات في ذيل الأمالي 142 لابن الأشعث، و هي في الطبري 9/191 و ابن الأثير 5/210 و عيون الأخبار 1/291 و البيان و التبيين 1/248 و العقد 2/330 و زهر الآداب 1/117 و شرح مقصورة حازم 2/112 و مجموعة المعاني 100.

(2) يروى «منخرق السربال» و «تنكبه» و «تنكسه» و «تنفقه» و في ذيل الأمالي «أطراف صخر» .

(3) في ط و ق «طرده الخوف» .

(4) قندهار بضم القاف، و سكون النون، و ضم الدال كما في معجم البلدان 7/167.

(5) راجع الطبري 9/280.

271

فشخص هشام إلى السند، فقتله و بعث برأسه إلى أبي جعفر (1) .

قال عيسى: فرأيت رأسه قد بعث به أبو جعفر إلى المدينة، و عليها الحسن بن زيد، فجعلت الخطباء تخطب، و تذكر المنصور، و تثنى عليه، و الحسن بن زيد على المنبر، و رأس الأشتر بين يديه، و كان في خطبة شبيب بن شيبة يا أهل المدينة: ما مثلكم و مثل أمير المؤمنين إلاّ كما قال الفرزدق‏ (2) :

ما ضرّ تغلب وائل أ هجوتها # أم بلت‏ (3) حيث تناطح البحران‏

فتكلم الحسن بن زيد فحض على الطاعة، و قال: ما زال اللّه يكفي أمير المؤمنين من بغاه، و ناوأه و عاداه، و عدل عن طاعته، و ابتغى سبيلا غير سبيله.

____________

(1) في الطبري «فلما قتل محمد و إبراهيم انتهى خبر عبد اللّه الأشتر إلى المنصور فبلغ ذلك منه... و كتب إلى عمر بن حفص بولايته على إفريقية، و ولى على السند هشام بن عمرو التغلبي، و أمره أن يكاتب ذلك الملك، فإن أطاعه و سلم إليه عبد اللّه بن محمد و إلاّ حاربه، و لما صار هشام إلى السند كره أخذ عبد اللّه، و أقبل يرى الناس أنه يكاتب الملك و يرفق به، فاتصلت الأخبار بأبي جعفر بذلك، فجعل يكتب إليه يستحثه، فبينا هو كذلك إذ خرجت خارجة ببعض بلاد السند، فوجه إليهم أخاه سفنجا، فخرج يجر الجيش و طريقه بجنبات ذلك الملك، فبينا هو يسير إذا هو برهج قد ارتفع من موكب، فظن أنه مقدمة للعدو الذي يقصده، فوجه طلائعه، فرجعت فقالت:

ليس هذا عدوك الذي تريد، و لكن هذا عبد اللّه بن محمد الأشتر العلوي ركب متنزها يسير على شاطئ مهران، فمضى يريده، فقال له نصاحة: هذا ابن رسول اللّه، و قد علمت أن أخاك تركه متعمدا مخافة أن يبوء بدمه، و لم يقصدك، و إنما خرج متنزها، و خرجت تريد غيره، فأعرض عنه فقال: ما كنت لأدع أحدا يحوزه و لا أدع أحدا يحظى بالتقرب إلى المنصور بأخذه و قتله، و كان في عشرة فقصد قصده، و ذمر أصحابه فحمل عليه فقاتله عبد اللّه، و قاتل أصحابه بين يديه حتى قتل و قتلوا جميعا، فلم يفلت منهم مخبر، و سقط بين القتلى فلم يشعر به، و قيل إن أصحابه قذفوه في مهران لما قتل لئلا يؤخذ رأسه، فكتب هشام ابن عمرو بذلك كتاب فتح إلى المنصور يخبره أنه قصده قصدا، فكتب إليه المنصور يحمد أمره، و يأمره بمحاربة الملك الذي آواه، و ذلك أن عبد اللّه كان اتخذ جواري و هو بحضرة ذلك الملك، فأولد منهن واحدة محمد بن عبد اللّه، و هو أبو الحسن محمد العلوي الذي يقال له: ابن الأشتر، فحاربه حتى ظفر به و قتله، و وجه بأم ولد عبد اللّه و ابنه إلى المنصور، فكتب المنصور إلى واليه بالمدينة يخبره بصحة نسب الغلام، و بعث به إليه، و أمره أن يجمع آل أبي طالب، و أن يقرأ عليهم كتابه بصحة نسب الغلام و يسلمه إلى أقربائه» .

(2) كذا في ط و ق، و في الخطية «كما قال الأخطل» و لم أجده في ديوانه، و وجدته في ديوان الفرزدق ص 882.

(3) كذا في الديوان، و في ط و ق «أم نلت» .

272

أخبرني عمر بن عبد اللّه، قال: حدّثنا أبو زيد، قال: حدثنا عيسى بن عبد اللّه قال: حدثني من أثق به، عن ابن مسعدة:

إن الأشتر و أصحابه أغذّوا السير، ثم نزلوا فناموا، فبقيت خيلهم في زرع للرهط، فخرجوا إليهم فقتلوهم بالخشب، فبعث هشام‏فأخذ رؤوسهم، فبعث بها إلى أبي جعفر.

قال عيسى: قال ابن مسعدة:

و لم نزل في تلك القلعة أنا و محمد بن عبد اللّه بن محمد حتى توفي أبو جعفر (1) ، و قام المهدي، فقدمت به و بأمّه إلى المدينة.

29-إبراهيم بن عبد اللّه بن الحسن‏

و إبراهيم بن عبد اللّه بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب و يكنى أبا الحسن. و أمه هند بنت أبي عبيدة (2) .

قال أبو الفرج الأصبهاني: حدّثنا يحيى بن علي المنجّم قال: سمعت عمر بن شبّة يقول:

[إن‏]إبراهيم بن عبد اللّه أبو الحسن، كلّ إبراهيم في آل بيت أبي طالب كان يكنى أبا الحسن، فأما قول سديف‏ (3) لإبراهيم بن عبد اللّه:

إيها أبا إسحاق هنّيتها # في نعم تترى و عيش طويل

أذكر هداك اللّه وتر الأولى # سير بهم في مصمتات الكبول‏ (4)

فإنما قال ذلك على مجاز الكلام، و ما يعرف شكلا للأسماء من الكنى و لضرورته في وزن الشعر إلى ذلك.

____________

(1) مات أبو جعفر لست خلون من ذي الحجة سنة ثمان و خمسين و مائة.

(2) الأغاني 28/208.

(3) سديف بن ميمون: شاعر مقل من شعراء الحجاز، و من مخضرمي الدولتين، و كان شديد التعصب لبني هاشم مظهرا لذلك في أيام بني أمية راجع الأغاني 14/162.

(4) في ط «سنريهم في مضمات» و في الخطية «مصميات» .

273

و كان إبراهيم بن عبد اللّه جاريا على شاكلة أخيه محمد في الدين، و العلم، و الشجاعة و الشدة. و كان يقول شيئا من الشعر. فحدثني أحمد بن سعيد، قال: حدثنا يحيى بن الحسن‏[العلوي‏] (1) ، قال حدثني إسماعيل بن يعقوب، قال:

ذكر عبد اللّه بن الحسن بن إبراهيم أن جدّه إبراهيم بن عبد اللّه قال في زوجته بحيرة بنت زياد الشيبانية:

ألم تعلمي يا بنت بكر تشوقي‏ (2) # إليك و أنت الشخص ينعم صاحبه

و علقت ما لو نيط بالصخر من جوى # لهد من الصخر المنيف جوانبه‏ (3)

رأت رجلا بين الركاب ضجيعه # سلاح و يعبوب فباتت تجانبه‏ (4)

تصد و تستحيى و تعلم أنّه # كريم فتدنو نحوه فتلاعبه

فأذهلنا عنها و لم نقل قربها # و لم يقلها دهر شديد تكالبه‏ (5)

عجاريف فيها عن هوى النفس زاجر # إذا اشتبكت أنيابه و مخالبه‏ (6)

أخبرنا عمر[بن عبد اللّه‏] (7) ، قال: حدّثنا عمر بن شبّة، قال حدّثني عبد العزيز بن أبي سلمة العمري، و سعيد بن هريم:

أن محمدا، و إبراهيم كانا عند أبيهما، فوردت إبل لمحمد فيها ناقة شرود لا يردّ رأسها شي‏ء، فجعل إبراهيم يحدّ النظر إليها، فقال له محمد: كأنّ نفسك تحدثك أنك رادها؟قال نعم. قال: فإن فعلت فهي لك، فوثب إبراهيم فجعل يتغير لها و يتستر بالإبل، حتى إذا أمكنته جاءها (8) و أخذ بذنبها،

____________

(1) الزيادة من الخطية، و فيها «... بحيرة بنت ريا» .

(2) كذا في الخطية، و في ط و ق «با بنت بكر بأنني» .

(3) في الخطية «المنيف ذوائبه» .

(4) في ق «الركاب ضجيعة» و اليعبوب-كما في القاموس-: «الفرس السريع الطويل» .

(5) في ط و ق «و لم تقل» .

(6) في ط و ق «زاجرا» .

(7) الزيادة من الخطية.

(8) في ط و ق «امكنة هايجها» .

274

فاحتملته و أدبرت تمخض بذنبها، حتى غاب عن عين أبيه، فأقبل على محمد و قال له: قد عرضت أخاك للهلكة. فمكث هويا ثم أقبل مشتملا بإزاره حتى وقف عليهما. فقال له محمد: كيف رأيت؟زعمت أنك رادها و حابسها. قال:

فألقى ذنبها و قد انقطع في يده. فقال: ما أعذر من جاء بهذا.

حدّثنا يحيى بن علي بن يحيى المنجم، قال: حدّثنا عمر بن شبّة، قال: حدّثنا أبو نعيم عن مطهر بن الحرث، قال:

أقبلنا مع إبراهيم بن عبد اللّه من مكة نريد البصرة، فلما كنا على ليلة منها تقدم إبراهيم و تخلفنا عنه‏ثم دخلنا من غد.

قال أبو نعيم: فقلت لمطهر (1) : أ مرّ إبراهيم بالكوفة[و لقيته؟] (2)

قال: لا، و اللّه ما دخلها[قط]

____________

2 3

و لقد غاب‏ (4) بالموصل، ثم الأنبار، ثم بغداد، و المدائن، و النيل، و واسط.

حدّثنا يحيى بن علي بن يحيى، قال: حدّثنا أبو زيد، قال: حدّثني بكر بن كثير، قال:

استخفى إبراهيم بن عبد اللّه عند إبراهيم بن درست بن رباط الفقمي، و عند أبي مروان مولى يزيد بن عمر بن هبيرة، و معاذ بن عون اللّه.

حدّثنا يحيى بن علي بن يحيى، قال: حدّثنا عمر بن شبّة قال حدّثنا أبو زيد، قال: حدّثني الفضل بن عبد الرحمن بن سليمان بن علي، قال:

قال أبو جعفر: غمض عليّ أمر إبراهيم لمّا اشتملت عليه طفوف‏ (5) البصرة.

____________

(1) الخبر في الطبري 9/244، و في النسخ «فقلت لمظهر» .

(2) (2، 3) الزيادة من الطبري.

(4) في الطبري «و لقد كان» .

(5) الطفوف: جمع طف و هو ما أشرف من أرض العرب على ريف العراق و الجانب و الشاطئ كالطفطاف.

275

حدّثنا يحيى بن علي، قال‏ (1) : حدّثنا عمر بن شبّة، قال: حدّثني نصر بن قديد، قال:

دعا إبراهيم الناس و هو في دار أبي فروة، و كان أول من بايعه نميلة بن مرّة، و عفو اللّه بن سفيان، و عبد الواحد بن زياد، و عمر بن سلمة الهجيمي، و عبد اللّه بن يحيى بن الحصين بن المنذر الرقاشي. و ندبوا الناس إليه‏ (2) ، فأجاب بعدهم فتيان العرب منهم: المغيرة بن الفرع‏ (3) ، و يقال الفزر، حتى ظنوا أن ديوانه قد أحصى أربعة آلاف. و شهر أمره فتحرك إلى واسط (4) من البصرة، في دار أبي مروان مولى بني سليم‏ (5) .

أخبرنا يحيى بن علي، قال: حدّثنا عمر، قال: حدثني ابن عفو اللّه بن سفيان عن أبيه، قال‏ (6) :

أتينا إبراهيم يوما و هو مرعوب، فأخبرني أن كتاب أخيه محمد جاءه يخبره أنه قد ظهر، و يأمره بالخروج‏[قال‏] (7) ، فوجم من ذلك، و اغتم‏[له‏]

____________

7 8

، فجعلت أسهل الأمر عليه، و قلت: قد اجتمع‏[لك‏]أمرك، و معك المضاء، و الطّهوي و المغيرة، و أنا، و جماعة، نخرج بالليل فنقصد السجن فنفتحه، فتصبح حين تصبح، و معك عالم من الناس، فطابت نفسه.

أخبرنا يحيى بن علي، قال: حدّثنا عمر بن شبّة، قال: حدّثنا علي بن الجعد، قال‏ (9) :

____________

(1) الخبر في الطبري 9/247.

(2) في ط و ق «و يدنو إليه الناس» .

(3) في الطبري «ابن الفزع و أشباه له» .

(4) في الطبري «و شهر أمره فقالوا له لو تحولت إلى وسط البصرة أتاك من أتاك و هو مريح فتحول» .

(5) في الطبري «بن سليم رجل من أهل نيسابور» .

(6) الخبر في الطبري 9/247.

(7) (7، 8) الزيادة من الطبري.

(9) الخبر في الطبري 9/249.

276

رأيت أهل الكوفة أيام أخذوا بلبس السواد، حتى إن البقالين إن كان أحدهم ليصبغ الثوب بالأنقاس‏ (1) ثم يلبسه.

حدّثنا يحيى، قال: حدّثنا عمر، قال: حدّثني جواد بن غالب، قال:

حدّثني العباس بن سلم مولى قحطبة، قال‏ (2) :

كان أبو جعفر إذا اتهم أحدا من أهل الكوفة بالميل إلى إبراهيم أمر [أبي‏] (3) سلما بطلبه، فكان يمهل حتى إذا غسق الليل و هدأ الناس، نصب سلّما على منزل الرجل، فطرقه في بيته فيقتله، و يأخذ خاتمه.

قال‏ (4) : فسمعت جميلا مولى‏[محمد] (5) بن أبي العباس يقول للعباس بن سلم‏ (6) : لو لم يورثك أبوك إلاّ خواتيم من قتل من أهل الكوفة لكنت أيسر الأبناء.

حدّثنا يحيى بن علي، قال: حدّثنا عمر بن شبّة، قال: حدّثني سهل بن عقيل قال: حدثني أبي، قال‏ (7) :

كان سفيان بن معاوية بن يزيد بن مهلب قدم إلى إبراهيم على أمره، و كان سفيان عامل أبي جعفر على البصرة، فكان يرسل إلى قائدين قدما عليه، يدعيان ابني عقيل، بعثهما أبو جعفر ردءا له فيكونان عنده. فلما وعده إبراهيم أرسل إليهما فاحتبسهما (8) تلك الليلة، حتى خرج فأحاط به و بهما، و أخذهم.

حدّثنا يحيى بن علي قال: حدّثنا أبو زيد قال: حدّثني عمر بن‏ (9) خالد مولى بني ليث، قال:

____________

(1) في القاموس: «الأنقاس: جمع نقس بالكسر و هو المداد. و في الطبري «حدثني أبو الحسن الحذاء قال: أخذ أبو جعفر الناس بالسواد فكنت أراهم يصبغون ثيابهم بالمداد» .

(2) الخبر في الطبري 9/249.

(3) الزيادة من الخطية و هي في الطبري.

(4) في الطبري «قال أبو سهل جواد» .

(5) الزيادة من الطبري.

(6) في ط و ق «ابن سالم» .

(7) الخبر في الطبري 9/451.

(8) في ط و ق «فاحبسهما» .

(9) في الخطية «عثمان بن خالد» .

277

استلبت و أنا غلام دوّامة من غلام، فاتبعني، و سعيت فدخلت دار أبي مروان فوجدت إبراهيم جالسا في جماعة من أصحابه محتبيا بحمالة سيف-و هي نسعة (1) مدنية عرضها أكثر من إصبع-و رجل قائم على رأسه، و دابة تعرض عليه، و ذلك قبل خروجه بشهر، فلما كانت الليلة التي خرج فيها سمعنا تكبيرة بعد المغرب بهنيهة (2) ، ثم تتابع التكبير و خرجوا حتى صاروا إلى مقبرة بني يشكر، و فيها قصب يباع، فأقاموا في كل ناحية من المقبرة أطنانا، ثم ألهبوا فيها النار، فأضاءت المقبرة. و جعل أصحابهم الذين كانوا وعدوهم يأتونهم، فكلما جاءت طائفة كبّروا (3) حتى تم لهم ما أرادوا، ثم مضوا إلى دار الإمارة، بعد ما ذهبت طائفة من الليل.

حدّثنا يحيى بن علي بن يحيى، قال: حدّثنا عمر بن شبّة، قال:

حدّثنا نصر بن قديد، قال‏ (4) :

خرج إبراهيم ليلة الاثنين غرة شهر رمضان سنة خمس و أربعين و مائة، فصار إلى بني يشكر، في أربعة عشر فارسا، و فيهم عبد اللّه بن يحيى بن حصين الرقاشيّ‏على برذون له أغرّ سمند (5) ، معتم بعمامة سوداء، يساير إبراهيم، فوقف في المقبرة منذ أول الليل إلى نحو من نصفه ينتظر نميلة، و من وعده من [شق‏] (6) بني تميم حتى جاؤوه.

حدثنا يحيى بن علي، قال: حدثنا يونس بن نجدة، قال:

ألقى أصحاب إبراهيم النار في الرحبة، و أدنى القصر حتى أحرقوه.

____________

(1) في ط و ق «تسعة، لسعة» و في القاموس «النسع بالكسر: سير ينسج عريضا على هيئة أعنة النعال، تشد به الرحال، و القطعة منه نسعة، و سمي نسعا لطوله» .

(2) في ط و ق «بهنيئة» .

(3) كذا في الخطية و في ط و ق «كثروا» .

(4) الطبري 9/251.

(5) في القاموس: «السمند الفرس فارسية» .

(6) الزيادة من الخطية.

278

حدثنا يحيى، قال: حدثنا عمر، قال: حدثنا عبد اللّه بن سنان‏ (1) ، قال:

وجّه أبو جعفر جابر بن توبة في جماعة كثيرة، فلما أطاف إبراهيم بدار الإمارة وجد دواب جابر و أصحابه، و هي سبعمائة، فأخذها و استعان بها.

حدّثنا يحيى، قال: حدّثنا عمر، قال: حدّثنا أبو عاصم النبيل، قال:

نزل سفيان بن معاوية من دار الإمارة و من معه إلى إبراهيم على الأمان، فتركهم.

حدّثنا يحيى بن علي بن يحيى، قال: حدّثنا عمر بن شبّة، قال:

حدّثني عمر بن خالد الليثي، قال:

دخل الناس دار الإمارة فلم يروا فيها إلاّ مسحا أسود (2) فتقطعه الناس ينتهبونه، و خرج إبراهيم إلى المسجد.

حدّثنا يحيى بن علي، قال: حدّثنا عمر، قال: حدّثني محمد بن مسعر، قال:

لما دخل إبراهيم دار الإمارة فدخلت معهم فنظرت إلى حصير قد ألقى له في مقدم الإيوان، و عصفت الريح فقلبته ظهره لبطنه، فتطير الناس لذلك.

و قال إبراهيم: لا تتطيروا. ثم جلس عليه مقلوبا و أنا أرى الكراهة في وجهه‏ (3) .

حدّثنا يحيى‏ (4) قال حدثنا عمرو بن خالد، و محمد بن معروف، و محمد بن أبي حرب.

إن إبراهيم دخل المسجد، فبينا هو يتكلم إذ أتاه آت. فقال: هذا جعفر

____________

(1) في الخطية «ابن شيبان» .

(2) في ط و ق «إلاّ شيخا» .

(3) الطبري 9/251.

(4) في الخطية «حدثنا يحيى قال حدثنا عمر قال حدثنا عمرو» .

279

و محمد قد أقبلا في مواليهما، فصاح إبراهيم بالمضاء و الطهوي، و قال اذهبا إليهما، فقولا لهما: يقول لكما ابن خالكما: إن أحببتما جوارنا ففي الأمن و الرحب، لا خوف عليكما، و لا على أحد تؤمنانه؛ و إن كرهتما جوارنا، فحيث شئتما فاذهبا و لا تسفكا بيننا و بينكم دما؛ و إياكما أن تبدآهما بقتال.

قال عمر بن خالد: فلما كانوا عند دارميّة (1) الثقفية، التقوا فتوافقوا، فكلّمهم المضاء و الطهوي، و ارتفعت الأصوات، فنزع الحسين بنشابة فرمى بها، و حمل عليه المضاء، فضربه فقطع يده من وسط ذراعه. و أدبر القوم.

حدّثنا يحيى بن علي، قال: حدّثنا عمر بن شبّة، قال: حدّثنا عبد اللّه بن المغيرة، قال:

إني لجالس على بابكم إذ مرّ بي جعفر و محمد و معهما البغال تحمل النّشاب، فلم يلبثا أن رجعا، و المضاء يتلوهما و في يده الرمح، و هو يقرعهما به قرعا و يقول: النجاء يا بني الإماء (2) فلما بلغنا وقف.

حدّثنا يحيى، قال: حدّثنا عمر بن شبّة قال حدّثنا إبراهيم بن إسحاق، قال: سمعت سعيد بن المشعر يقول:

سمعت محمدا يومئذ يعتزي‏ (3) و يقول: أنا الغلام القرشي، فلما كشفهم المضاء جعل يقول لمحمد: يا غلام أتعتزي عليّ، أما و اللّه لو لا يد كانت لعمك عبد اللّه بن علي عندي لعلمت.

حدّثنا يحيى بن علي، قال: حدّثنا عمر بن شبة، قال:

لما صار المضاء عند متسع الطريق، و قد مضى عمر بن سلمة حتى خالط جمعهم، فطاعنهم في رحبة محمد، ثم انصرف، فقال له المضاء: يا أبا حفص ما أحسبك شهدت حربا قط قبل هذه.

قال: أجل. قال: فلا تفعل مثل فعلتك، فإن الجبان إذا اضطررته قاتلك.

____________

(1) في ط و ق «دارمة النفقية» .

(2) في ط و ق «يا بني الأمان» .

(3) في ط و ق «يومئذ يعتري... يا غلام أتعدي على أم و اللّه» .

280

حدّثنا يحيى بن علي، قال: حدّثنا عمر، قال: حدّثنا يونس بن نجدة، قال أبو زيد، و حدّثني عبد الرحمن بن غيّاث السراج، عن أبيه، و عمّه:

أن إبراهيم وجد في بيت المال ألفي ألف درهم، فقوى بها، و فرض القروض خمسين خمسين لكل رجل‏ (1) ، فكان الناس يقولون: خمسون و الجنة.

حدّثنا يحيى، قال: حدّثنا عمر، قال: حدّثنا الحكم بن بندويه‏ (2) :

أن إبراهيم أنفذ المغيرة بن الفزع‏ (3) و يقال الفزر إلى الأهواز، و عليها محمد بن الحصين، فلقيه على‏[نهر]في فروخ-و بينها و بين الأهواز فرسخان- فقاتله المغيرة، فهزمه. و دخل ابن الحصين الأهواز و تبعه المغيرة فحمل عليه، فانكشفوا و وقفوا في الصيارفة. فتركهم المغيرة، و دخل المسجد، فصعد المنبر فرموه بالنشاب، فجعل يقع في المسجد. فخرج إليهم فقاتلهم عند باب ابن الحصين، فولوا منه و اتّبعهم حتى بلغ الجسر.

حدّثنا يحيى بن علي، قال: حدّثنا عمر بن شبّة، قال حدّثنا الحسين بن سليم، عن أبيه.

أن ابن الحصين انهزم حتى بلغ قنطرة الهندوان، فوقف عليها، و أمر ابنه الحكم فنزل فقاتل وراء القنطرة حتى غشيهم الليل فأنفذ ثقله، و انكشف من الليل.

قال: فبلغني أن أبا أيوب المورياني، و كان له هوى في ابن الحصين، قال لأبي جعفر: يا أمير المؤمنين ألم تر إلى ابن الحصين فاء إلى فئة، و به ثماني عشرة ضربة.

فقيل لأبي أيوب: لو نظرت إلى ابن الحصين فلم تر به أثرا ما كنت تصنع؟.

قال: لو هم بالنظر إليه ضربته ثماني عشرة ضربة ثم أريته إيّاه.

____________

(1) الطبري 9/252.

(2) في الخطية «ابن سدويه» .

(3) في النسخ «ابن الفرع» و في الطبري 9/252 «المغيرة بن الفزع أحد بني بهدلة بن عوف» .

281

حدثنا يحيى، قال: حدثنا عمر، قال حدثنا بكر بن عبد اللّه، عن مبارك‏ (1)

الطبري، عن الربيع الحاجب:

أن إبراهيم لما ظهر بالبصرة، وجّه أبو جعفر خازم بن خزيمة في أربعة آلاف إلى الأهواز.

حدثنا يحيى بن علي، قال: حدثنا عمر بن شبّة، قال: حدثني يوسف بن معبد الفريعي، قال: حدثني محمد بن خالد بن علي بن سويد (2) ، قال:

لبثنا مع المغيرة بالأهواز أياما ثم ذكر لنا أن خازم بن خزيمة قد أظلنا.

فخرج المغيرة فعسكر على شاطئ دجيل، و أمر خريم بن عثمان بقطع الجسر، و أخذ السفن مما حوله فتتبعوا السفن فأخذوها حتى ظنوا أن لم يبق منها شي‏ء.

و ارتفع خازم إلى قرية لبني الهجيم يقال لها قرقوب‏ (3) على فرسخ من قصبة الأهواز، فعسكر بها في اثني عشر ألف فارس سوى رجّالته.

و ارتفع المغيرة فعسكر بإزائه في خمسمائة فارس، و خلف الرجّالة في عسكره، و استخلف على الأهواز عفو اللّه بن سفيان، و طلب خازم السّفن فلم يجدها، فأتاه رجل فقال له: وجه معي خيلا أحدر إليك السفن، فمضى به إلى قرية يقال لها دور قطن مما يلي جنديسابور، فحدر عليهم سفنا قليلة فأتى بها ليلا، فلما واراه الظلام عبر فيها أصحابه حتى أصبح.

فأصبح المغيرة، و قد ساواه القوم على شاطئ الدجيل، و ذلك يوم الأحد، فأصبحنا و الريح لنا عليهم، فلما صففنا و صفّوا لنا انقلبت الريح لهم علينا، و عبأ القوم ميمنتهم و ميسرتهم، و عبأ المغيرة أصحابه، فجعل على ميمنته عصب‏ (4) بن القاسم، و على ميسرته الترجمان بن هريمة، و صار هو في القلب، فبينما نحن كذلك إذ جاءت عقاب مسفّة حتى صدّعت صفّنا، فتطيرت منها.

حدثنا يحيى بن علي بن يحيى المنجم، قال: حدثنا عمر، قال: حدثنا

____________

(1) في ط و ق «مبرك» .

(2) في الخطية «ابن شريك» .

(3) كذا في ط و ق، و في الخطية «قوقوا» .

(4) في الخطية «عصا» .

282

محمد بن أبي حرب، قال: حدثنا المذلق-و اسمه عمر بن الضحاك-قال:

التمس خازم معبرا فلم يجد، فاتخذ طوقا من قصب، فعبّر عليه ثلاثمائة نفس أو نحوها (1) من أصحابه، و قام هو و المغيرة بإزائه، و تقدم إلى أصحابه:

ألا تقاتلوا، فلما صاروا مع المغيرة قصدوا له، و تهيأ القوم لقتالهم، فنظرت إلى خازم ينتف لحية نفسه، و يصيح بالفارسية ينهاهم عن القتال. ثم هيأ طوقا آخر فعبر إليهم خمسمائة أو نحوهم، فكنت فيمن عبر في المرة الثانية. فلما اجتمعنا لقيناهم في زهاء ألف، فما لبثنا حتى هزمناهم.

حدثنا يحيى بن علي، قال: حدثنا عمر، قال: حدّثني الحرّ بن مالك، قال: حدّثني واصل بن محمد السعدي، عن شبيب بن شبّة، قال:

قال لي خازم بن خزيمة: للّه در المغيرة بن الفزع، أي رجل هو، ما ولدت النساء مثله، و اللّه، لقد وجّهت إليه الأجناد، و بعضهم في إثر بعض، و إني لأنظر إليه و بيني و بينه النهر، و إنه ليبول و إلى جنبه فرسه ما معه إلاّ رعاع من الرعاع، ثم ركب فناوش أصحابي، ثم انكفأ، ثم عاود أصحابي، ثم انكفأ، فما زال ذلك دأبه و دأبهم حتى غابوا عن عيني، فرجعوا و قد نقصوا ألفا.

حدّثنا يحيى، قال: حدّثنا عمر، قال: حدّثني الحكم بن بندويه قال:

حدّثني يوسف بن معبد، عن محمد بن خالد، قال:

صاح المغيرة بأصحاب الركب، فلطموا (2) و تترسوا حتى نفذ نشّابهم، ثم حملوا عليهم فطاعنوا حتى ألقوا في الدجيل من أصحاب خازم خلقا، و فصل بين الصفين... فدعا صهر لخازم بن خزيمة على أخته‏ (3) يدعى عبدويه كردا (4) من أهل خراسان، فدعا، للبراز، فبرز له المغيرة فبدره عبدويه فضربه فوقعت ضربته على ترس المغيرة فذهب، فترك المغيرة ترسه مع سيفه، و ضربه على عاتقه فبلغ

____________

(1) في ط و ق «نفس وجودها» .

(2) في ط و ق «مهر» و التصويب من الخطية.

(3) في ط و ق على أخيه!

(4) في الخطية «كردنا» و في الطبري 9/253 «عبدويه كردام الخراساني» .

283

رئته، فرأيت خازم بن خزيمة ينتف لحية نفسه جزعا عليه.

حدّثنا يحيى، قال: حدّثنا عمر، قال: حدّثني ابن عفو اللّه بن سفيان، قال: سمعت أبي يقول:

و اللّه ما ضربت يومئذ بسيف و لقد نظرت أكثر من خمسمائة من أصحاب خازم ألقوا أنفسهم في الماء.

حدّثني يحيى بن علي، قال: حدّثنا أبو زيد عمر بن شبّة، قال: حدّثنا سعيد بن هريم، قال: حدّثني الحسن بن لولا، و حدثني الخليل بن عمران، عن مذعور بن سنان:

أن خازما دس رجالا فنزلوا إلى جانب الجبل في الموضع الذي كان فيه.

قال: و حدّثني يوسف بن معبد عن محمد بن خالد قال: لم يزل‏ (1) المغيرة نازلا بمكانه حتى وافى خازما فبعث طائفة من أصحابه فنزلوا بإزائه و أمرهم إذا رأوا غلاما من بعيد أن يصيحوا: نزل خازم الأهواز ليسمع المغيرة ذلك فينهزم، ففعلوا و عبر أصحابه في السفن، و أمرهم فنصبوا في أعلى السفن الأعلام و الرماح، و جاء سالم بن غالب القمي‏ (2) ، و كان من أصحاب المغيرة، فقال للمغيرة: قد دخل خازم الأهواز، و صاح أولئك القوم الذين كانوا عند الجبل بمثل ذلك، و كر المغيرة راجعا، و حمل عليه رجل من أصحاب خازم ليطعنه، فعدل المغيرة عن فرسه، فأخطأه غير بعيد، و مرّ به فرسه يركض، فنفحه‏ (3)

المغيرة بسيفه فظهر القطر (4) من السواد، ثم ظهر الدم، و صاح المغيرة: أنا أبو الأسود، فما مرّ الرجل إلاّ يسيرا حتى خرّ صريعا.

و دخل المغيرة الأهواز، و صعد المنبر فجعل يخطب و يسكن الناس، إذ قيل له هذه الأغنام ترمى بالنشاب في سكة باب إزاز، فصاح المغيرة بعبد له

____________

(1) في الخطية «لما نزل» .

(2) كذا في الخطية، و في ط و ق «ابن غالب العمي» .

(3) نفحة بسيفه: تناوله، و في الخطية «نخسه» .

(4) في الخطية «القطن» و في القاموس «القطر بالكسر ضرب من البرود» .

284

أسود يدعى كعبويه: «إكفني هؤلاء» ، فخرج فردّهم.

و نزل المغيرة فانحدرنا إلى البصرة، و ولى أبو جعفر سالم بن غالب القمي‏ (1) رامهرمز، ثوابا على ما قاله للمغيرة.

حدّثنا يحيى بن علي، قال: حدّثنا عمر، قال: حدّثنا الحسين بن مسلم ابن سلمة قال: حدّثني أبي، قال: جعل خازم للجند إن دخلوها عنوة[أن يبيحها إيّاهم ثلاثا، فدخلوها عنوة] (2) ، فأذن لهم فيها فدخلوها ليلا فانتهبوها ليلتهم و الغد، ثم نهاهم.

حدثنا يحيى بن علي، قال: حدثنا عمر، قال: حدثني يوسف بن معبد، قال: حدثني محمد بن خالد، قال:

كان دخول المغيرة البصرة منهزما في اليوم الذي جاء فيه مقتل إبراهيم.

حدّثنا يحيى، قال: حدّثنا عمر، قال: حدّثنا الحرث‏ (3) بن مالك بن الخطاب، قال: حدّثني عمر بن الخزاز (4) ، قال:

قدم المغيرة من الأهواز، و سوّار جالس في المسجد في السواد، فصعد المنبر، فأتى سوار، فأخبر بذلك، فشد قمطره، ثم نهض حتى جاء إلى المنبر فصاح بالمغيرة: انزل فإنك جائر، قد قتل صاحبك. فنزل المغيرة.

حدّثنا يحيى، قال: حدّثنا عمر بن شبّة، قال: حدّثنا سهل بن عقيل، قال: حدّثني أبو الهيثم رجل من أهل فارس، قال:

قدم علينا رجل يدعى عمرو بن شداد في ثلاثين إنسانا، من قبل إبراهيم، فذعر منه و إلى فارس فهرب و خلاّه و البلاد، فدخلها و أسرع إليه رؤساؤها.

فلما قتل إبراهيم أتاه نعيه، و هو في أقاصي فارس، و بلغ الخبر الرؤساء و هم مقيمون معه، فتآمروا به و قالوا: ما يغسل ما عند أبي جعفر علينا إلاّ توجيه

____________

(1) في ط و ق «سالم بن غانم العمي» .

(2) الزيادة من الخطية.

(3) في الخطية «الحسن» .

(4) في الخطية «عمران الخزاز» .

285

هذا إليه، فأتوه، و علم بما أجمعوا عليه، فدعا بالمائدة فجعل يأكل على هنيئة (1)

ثم قال لحاجبه: ائذن لهم. فدخلوا عليه، و أخذوا مجالسهم. فقال: يا غلام: ارحل فجعل القوم يرحلون، و القوم على ثقة أنه لا يفوتهم، ثم ركبوا يريدون الرجوع إلى أداني فارس، و ليس معه إلاّ سبعون رجلا، و تبعه عسكر جرار من أهل فارس، فسار حتى أظلم و هو يمضي فيصير في ميمنة أصحابه مرّة، و في ميسرتهم أخرى، و يسر إليهم الخبر، و يعدهم إلى موضع يجتمعون فيه، فيتسللون واحدا واحدا، و لا يعلم أهل فارس لكثرتهم معه، ثم ينسل منهم، و لا يعرف أحدا (2) .

ثم إن عمرا انسل في ليلته، و القوم منحدرون، و لا يعلمون بذهابه، و مضى هو مصعدا، و طلبوه فأعجزهم، و أغذّ السير حتى أتى كرمان، فأوثق و إليها، و أخذ ما استتم له، ثم سار ليلا إلى البحر فركب السفن، فصار إلى البصرة، و استخفى هو و أصحابه.

حدّثنا يحيى بن علي، قال: حدثنا أبو زيد، قال: حدثني عبد الرحمن بن إسماعيل، قال: حدّثني خالد مولى محمد بن إسماعيل، قال:

شهدت عمرو بن شدّاد حين أخذ، فأتى به ابن دعلج، فأمر بقطع يده، فمدهافقطعت، ثم مد اليسرى فقطعت، ثم رجله اليمنى فقطعت، ثم مدّ اليسرى فقطعت، و ما يقر به أحد و لا يمسه، ثم قال له: مدّ عنقك، فمدها، فضربه ضارب بسيف كليل فلم يصنع شيئا.

فقال: اطلبوا سيفا صارما، فعجل الضارب فنبا فلم يصنع شيئا.

فقال عمرو: سيف أصرم من هذا.

فسلّ ابن دعلج سيفا كان عليه، فدفعه إلى رجل فضربه، و قال ابن دعلج لعمرو: أنت و اللّه الصارم.

حدّثنا يحيى، قال: حدثنا عمر، قال: حدثنا محمد بن معروف، قال:

____________

(1) جاء في القاموس: «و الهنيئة في صحيح البخاري أي شي‏ء يسير، و صوابه ترك الهمزة» .

(2) في ط و ق «و لا يعرف أحد أحدا» .

286

حدّثني أبي، قال:

إنما دلّ على عمرو خادم له، ضربه فدلّ عليه، إما الهيثم بن معاوية، أو ابن دعلج، فقتله، و صلب في الموبد، في موضع دار إسحاق بن سليمان.

حدّثنا يحيى بن علي، قال: حدّثنا عمر، قال: حدّثنا إبراهيم بن سلم بن أبي واصل، قال: حدّثني عبد الغفار بن عمرو الفقمي، قال:

كان إبراهيم واجدا على هارون بن سعد لا يكلمه، فلما ظهر إبراهيم قدم هارون بن سعد فأتى أباك سلما فقال له أخبرني عن صاحبك، أما به إلينا حاجة في أمره هذا؟قال: قلت: بلى لعمر اللّه. ثم قام فدخل على إبراهيم، فقال:

هذا هارون بن سعد قد جاءك. قال: لا حاجة لي فيه. قال: لا تفعل في هارون تزهد. فلم يزل به حتى قبله و أذن له، فدخل عليه، فقال له هارون:

استكفني أهم أمورك إليك، فاستكفاه واسطا و استعمله عليها (1) .

حدّثنا يحيى، قال: حدّثنا عمر، قال: حدّثني هشام بن محمد، قال:

وجه إلينا أبو جعفر قوما منهم ابن المرزبان، و صالح بن يزداد، و كانوا يقاتلون أهل واسط، و الخندق بينهم و بين إبراهيم بالبصرة، فلم يزالوا على ذلك حتى قتل إبراهيم و وادع هارون بن سعد و أهل واسط عامرا، فلما قتل إبراهيم أعطاهم عامر الأمان على ألاّ يقتل بواسط أحدا، فتتبعوا كل من وجدوا خارجا من البلد، و هرب هارون بن سعد إلى البصرة فلم يصل إليها حتى مات رحمه اللّه‏ (2) .

حدثني يحيى بن علي، قال: حدّثنا عمر بن شبّة، قال: حدّثني أخي معاذ بن شبّة، قال: سمعت أبي، يقول:

لما ظهر إبراهيم أرسل إلى محمد بن عطية-مولى باهلة، و كان قد ولّى لأبي

____________

(1) الطبري 9/252.

(2) راجع الطبري 9/253.

287

جعفر بعض أعمال فارس-فقال: هل عندك مال؟.

قال: لا و اللّه. قال: خلوا سبيله. فخرج ابن عطية و هو يقول بالفارسية: ليس هذا من رجال أبي جعفر.

حدّثنا يحيى، قال: حدّثنا عمر، قال: حدّثنا القاسم بن أبي شيبة، قال: حدّثني أبو سلمة ابن النجار-و كان من أصحاب إبراهيم-قال:

كنا عنده بالبصرة إذ أتاه قوم من الدهجرانيّة أصحاب الضياع، فقالوا:

يابن رسول اللّه، إنا قوم لسنا من العرب، و ليس لأحد علينا عقد و لا ولاء، و قد أتيناك بمال فاستعن به، فقال: من كان عنده مال فليعن به أخاه، فأما أن آخذه فلا، ثم قال: هل هي إلاّ سيرة علي بن أبي طالب أو النار.

حدّثنا يحيى بن علي، قال: حدّثنا عمر بن شبّة، قال: حدّثني عمّار بن المختار، قال: حدّثني محمد بن طلحة العذري، قال:

أرسل إبراهيم إلى أبي و قد استخفى منه أن عندك مالا فأتنا به، فأرسل إليه أي أجل، إن عندي مالا، فإن أخذته مني أغرمنيه أبو جعفر، فأضرب عنه.

حدّثنا يحيى بن علي، قال: حدّثنا عمر بن شبّة، قال: حدّثنا عمر بن عبد اللّه بن حماد الثقفي، قال: أخبرني عبيد اللّه بن عبد الرحمن، قال:

أرسل إبراهيم إلى عبد الحميد بن لا حق، فقال: بلغني أن عندك أموالا للظلمة-يعني الموريانيين-فقال: ما لهم مال. قال: اللّه قال: اللّه!فتركه، و قال: إن ظهر لي أن لهم عندك مالا عددتك كذابا.

حدثني يحيى، قال: حدثنا عمر، قال: حدثني عبد الحميد بن جعفر مولى محمد بن أبي العباس، قال:

أسر إبراهيم رجلا يعرف بمحمد بن يزيد من قواد أبي جعفر، و كان تحته‏

288

فرس يحاذي رأسه رأسه، قال: فحدثني-يعني محمد بن يزيد-قال: أرسل إليّ إبراهيم أن بعني فرسك. قال: فقلت: هو لك يابن رسول اللّه، فقال لأصحابه: كم يساوي؟قالوا: ألفي درهم، فبعث إليّ بألفي و خمسمائة درهم، فلما أراد المسير أطلقني.

حدثنا يحيى، قال: حدثنا عمر، قال: حدّثني بكر بن كثير، قال:

حدثني شيبة كاتب مسعود المورياني:

أن جماعة من الزيدية دخلوا عليه، فسألوه و قالوا: هات ما معك من مال الظلمة. قال: و أدخلوني إلى إبراهيم؛ فرأيت الكراهية من وجهه، فاستحلفني، فحلفت فخلّى سبيلي، فكنت أسأل عنه بعد ذلك فأدعو له، فنهاني مسعود عن ذلك.

حدّثنا يحيى، قال: حدّثنا عمر، قال: حدّثني بكر بن كثير:

أن إبراهيم أخذ حميد بن القاسم-عاملا كان لأبي جعفر-فقال له المغيرة:

ادفعه إليّ قال: و ما تصنع به؟قال: أعذبه.

قال: لا حاجة لي في مال لا يؤخذ إلاّ بالعذاب.

حدّثني يحيى بن علي، و غير واحد، قالوا: حدثنا عمر بن شبّة، قال:

حدثنا إبراهيم بن محمد بن عبد اللّه بن أبي الكرام الجعفري، قال:

صلّى إبراهيم على جنازة بالبصرة فكبّر عليها أربعا، فقال له عيسى بن زيد: لم نقصت واحدة و قد عرفت تكبير أهلك؟.

فقال: إن هذا أجمع للناس، و نحن إلى اجتماعهم محتاجون، و ليس في تكبيرة تركتها ضرر إن شاء اللّه، ففارقه عيسى و اعتزله، و بلغ أبا جعفر فأرسل إلى عيسى يسأله أن يخذل الزيدية عن إبراهيم، فلم يفعل، و لم يتم الأمر حتى

289

قتل إبراهيم فاستخفي عيسى بن زيد، فقيل لأبي جعفر: ألا تطلبه؟فقال: لا و اللّه لا أطلب منهم رجلا (1) بعد محمد و إبراهيم، أنا أجعل لهم بعد هذا ذكرا؟.

قال أبو الفرج الأصبهاني:

و أظن هذا وهما من الجعفري الذي حكاه، لأن عيسى لم يفارق إبراهيم في وقت من الأوقات و لا اعتزله، قد شهد معه باخمري حتى قتل فتوارى حينئذ إلى أن مات، و سنذكر خبره في موضعه-إن شاء اللّه-.

حدثنا يحيى بن علي، قال: حدّثنا عمر، قال: حدّثني سفيان بن يزيد مولى باهلة، قال: سمعت إبراهيم يخطب فقال:

يا أهل البصرة، لقيتم الحسنى، آويتم الغريب لا أرض و لا سماء، فإن أملك فلكم الجزاء، و إن أهلك فعلى اللّه-عز و جل-الوفاء.

قال: فجعلت الزيدية هذه الكلمة ندبة تندبه بها بعد قتله شبيهة بالنوح:

حدثنا يحيى بن علي، قال: حدثنا عمر قال: حدثني عقيل بن عمرو الثقفي، قال: حدثني أبي، قال أبو زيد: و حدثني عمر بن عبد اللّه مولى بني هاشم عن رجل‏ذكر إبراهيم بن عبد اللّه في خطبة بني العباس فقال: صغّروا ما عظم اللّه جلّ و عز، و عظّموا ما صغّر اللّه. و كان إذا أراد أن ينزل عن المنبر يقول: وَ اِتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اَللََّهِ، ثُمَّ تُوَفََّى كُلُّ نَفْسٍ مََا كَسَبَتْ وَ هُمْ لاََ يُظْلَمُونَ (2) .

حدثنا يحيى بن علي، قال: حدثنا أبو زيد عمر بن شبّة، قال: حدثنا الحسين بن جعفر بن سليمان القنعي، قال: سمعت أبي يقول: خطب

____________

(1) في ط و ق «لا أطلب منهم أبدا بعد محمد» .

(2) سورة البقرة 281.

290

إبراهيم. قال أبو زيد و حدثني عبد الملك بن سليمان، قال: حدثني الحجاج بن بصير الفساطيطي، قال: صعد إبراهيم المنبر فقال:

أيّها الناس، إني وجدت جميع ما تطلب العباد في حقّهم الخير عند اللّه عزّ و جلّ في ثلاث: في المنطق، و النظر، و السكوت.

فكل منطق ليس فيه ذكر فهو لغو.

و كل سكوت ليس فيه تفكّر فهو سهو.

و كل نظر ليس فيه عبرة فهو غفلة.

فطوبى لمن كان منطقه ذكرا، و نظره عبرة. و سكوته تفكرا، و وسعه بيته‏ (1) ، و بكى على خطيئته، و سلم المسلمون منه.

قال: فكان الناس يعجبون من كلامه هذا و هو يريد ما يريد.

قال: ثم رفع صوته و قال:

اللهم إنك ذاكر اليوم إباء بأبنائهم، و أبناء بآبائهم، فاذكرنا عندك بمحمد (ص) [اللهم و حافظ الآباء في الأبناء، و الأبناء في الآباء، احفظ ذرية محمد نبيك (ص) ، ] (2) قال: فارتجّ المصلى بالبكاء.

حدّثني علي بن العباس المقانعي، قال: أنبأنا بكار بن أحمد بن اليسع الهمداني قال: حدّثني علي بن عبد الرحمن، عن عبيد بن يحيى، قال: حدّثنا موفق قال:

بعثني إبراهيم بن عبد اللّه إلى الكوفة بكتب، فجئت بها فأوصلتها و أخذت جواباتها فجعلتها في جرة-يعني ملّة-و كسرتها و جعلتها في جرابي و مضيت إليه، فأخذت في اثنتي عشرة مسلحة (3) ، و أحلف بالطلاق و العتاق، و الحل و الحرام، و صدقة ما أملك، ما أنا لإبراهيم شيعة و لا أهوى هواه و لا أضمر إلاّ مثل ما

____________

(1) في ط «و وسعه بينه» و في ق «بينة» .

(2) الزيادة من الخطية.

(3) في ط و ق «في اثني عشرة مسجلة» .

291

أظهر. و انتهيت إليه في اليوم الثالث عند صلاة الفجر، فلما رآني بكيت و وثب إليّ و سيفه بيده فقال لي: مه، ما وراءك يا أبا عبد اللّه؟و ما يبكيك؟و ما خلفك؟ قلت: الخير، قال: ما مع البكاء خير، فأخبرته بما لقيته من المسالح، و الأيمان، فقال لي: أ هذا الذي أبكاك؟قلت نعم، قال: يا أبا عبد اللّه أمسك عليك أهلك، و مالك، و مملوكك، فإذا لقيت اللّه-عز و جلّ-غدا فقل: إن إبراهيم بن عبد اللّه أمرني بالمقام على ذلك الوفاء، و اللّه لهم بأيمانهم كفر.

حدثنا محمد بن العباس اليزيدي‏ (1) على سبيل المذاكرة، قال: حدثني عمي، عن أبيه، عن جده أبي محمد اليزيدي-فيما أرى-، قال:

كان إبراهيم بن عبد اللّه جالسا ذات يوم فسأل عن رجل من أصحابه، فقال له بعض من حضر: هو عليل و الساعة تركته يريد أن يموت، فضحك القوم منه، فقال إبراهيم: و اللّه لقد ضحكتم منها عربية، قال اللّه عزّ و جلّ:

فَوَجَدََا فِيهََا جِدََاراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقََامَهُ (2) يعني يكاد أن ينقض.

قال: فوثب أبو عمرو بن العلاء (3) فقبل رأسه، و قال: لا نزال و اللّه بخير ما دام مثلك فينا.

حدثنا أحمد بن عبيد اللّه‏ (4) بن محمد بن عمّار الثقفي، قال: حدثني علي ابن محمد النّوفلي، عن أبيه، محمد بن سليمان:

أنّ إبراهيم بن عبد اللّه نزل على المفضّل الضبّي في وقت استتاره-قال:

و كان المفضل زيديا-فقال له إبراهيم: ائتني بشي‏ء من كتبك أنظر فيه، فإن

____________

(1) في ط و ق «البريدي» و اليزيدي نسبة إلى يزيد بن منصور الحميري، كان محمد إماما في النحو و الأدب و نقل النوادر و كلام العرب، و قد استدعاه المقتد باللّه إلى تعليم أولاده فلزمهم مدة. و توفي يوم الأحد أول الليل لاثنتي عشرة ليلة بقيت من جمادي الآخرة سنة عشرة و ثلاثمائة، و عمره اثنتان و ثمانون سنة و ثلاثة أشهر، راجع ابن خلكان 1/502 و بغية الوعاة 1/50، و تاريخ بغداد 3/113.

(2) سورة الكهف 77.

(3) توفي أبو عمرو سنة أربع و خمسين و مائة كما في المعارف ص 235.

(4) في النسخ «عبيد اللّه» .

292

صدري يضيق إذا خرجت، فأتاه بشي‏ء من أشعار العرب، فاختار منها قصائد و كتبها مفردة في كتاب.

قال المفضل: فلما قتل إبراهيم أظهرتها، فنسبتها إليّ، و هي القصائد التي تسمى «اختيار المفضل» السبعين قصيدة، قال: ثم زدت عليها و جعلتها مائة و ثمانية و عشرين‏ (1) .

خبر بشير الرحال في خروجه مع إبراهيم بن عبد اللّه‏

حدثنا يحيى بن علي بن يحيى المنجم‏ (2) ، قال: حدثني أبو زيد، قال:

حدّثني عبد اللّه بن محمد العبسي عن أبيه، قال:

لما عسكر إبراهيم خرجت لأنظر إلى عسكره متقنعا، فقال بشير:

و يتقنعون و ينظرون من بعيد!أ فلا يتقنعون للّه عزّ و جلّ في الحديد. قال: فخفته فجلست بين الناس.

حدثنا يحيى، قال: حدثنا أبو زيد قال حدثنا عمر، قال: حدثني خلاد بن زيد، قال: حدثني عثمان بن عمر، قال أبو زيد: و حدثني سعيد بن حبيب، مولى بني حنيفة، عن زياد بن إبراهيم، قال أبو زيد: و حدثني أيضا محمد بن موسى الأسواري، دخل حديث بعضهم في حديث بعض من قصة بشير الرحّال:

و أول خبر خروجه مع إبراهيم أنّ السعر غلا مرة بالبصرة، فخرج الناس معه على الصّعبة و الذّلول إلى الجبّانة يدعون، فكان القصّاص يقومون فيتكلمون ثم يدعون، فوثب بشير فقال:

____________

(1) راجع فهرست ابن النديم 102 و أمالي القالي 3/130.

(2) كان متكلما معتزلي المذهب، فقيها على مذهب أبي جعفر الطبري، و نادم الموفق و من بعده من الخلفاء، ولد سنة إحدى و أربعين و مائتين، و مات ليلة الاثنين لثلاث عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول سنة ثلاثمائة، راجع فهرست ابن النديم 205.

293

شاهت الوجوه، ثلاثا، عصي اللّه في كل شي‏ء، و انتهكت الحرم، و سفكت الدماء، و استؤثر بالفي‏ء، فلم يجتمع منكم اثنان فيقولان: هل نغيّر هذا و هلّم بنا ندع اللّه أن يكشف هذا، حتى إذا غلت أسعاركم في الدينار بكيلجة (1) جئتم على الصّعب و الذّلول من كل فجّ عميق تصيحون إلى اللّه أن يرخص أسعاركم، لا أرخص اللّه أسعاركم، و فعل بكم و فعل.

قال:

و صليت يوما إلى جنب بشير الرحّال، و كان شيخا عظيم الرأس و اللحية، ملقيا رأسه بين كتفيه، فمكث طويلا ساكتا، ثم رفع رأسه فقال:

عليك أيها المنبر لعنة اللّه و على من حولك، فو اللّه لولاهم ما نفذت للّه معصية، و أقسم باللّه لو يطيعني هؤلاء الأبناء حولي لأقمت كلّ امرئ منهم على حقّه و صدقه، قائلا للحق أو تاركا له، و أقسم باللّه لئن بقيت لأجهدن في ذلك جهدي أو يريحني اللّه من هذه الوجوه المشوّهة المستنكرة في الإسلام.

قال: فو اللّه لخفنا ألاّ نتفرق حتى توضع في أعناقنا الحبال.

قال:

و كان السائل يقف على بشير يسأله فيقول له: يا هذا إن لك حقّا عند رجل ها هنا، و إن أعانني عليه هؤلاء أخذت لك حقك فأغناك، فيقول السائل: فأنا أكلمهم، فيأتي الخلق في المسجد الجامع فيقول: يا هؤلاء، إنّ هذا الشيخ زعم أن لي حقّا عند رجل، و إنكم إن أعنتموه أخذ لي حقي، فأنشدكم اللّه إلاّ أعنتموه. فيقولون له: ذلك شيخ يعبث.

قال: و كان بشير يقول يعرّض بأبي جعفر:

أيها القائل بالأمس: إن ولّينا عدلنا، و فعلنا و صنعنا، فقد وليت فأيّ عدل أظهرت؟و أيّ جور أزلت؟ (2) و أي مظلوم أنصفت؟آه. ما أشبه الليلة

____________

(1) الكيلجة: مكيال و جمعه كيالجة.

(2) كذا في الخطية، و في ط و ق «فقد وليت بأي العدل أظهرت، و أي جوادا ركبت» .

294

بالبارحة[إن‏]في صدري حرارة لا يطفيها إلاّ برد عدل أو حرّ سنان.

(و كان‏ (1) الذي خطب بذلك محمد بن سليمان: قال: فبكى حتى كاد أن يسقط عن المنبر. و أحبه النساك. و قالوا: ملك مترف. و ذكر ذنبه فأبكاه.

فبكى) .

وصول مقتل محمد بن عبد اللّه إلى أخيه إبراهيم، و حركته للنهوض إلى باخمري، و توجيه أبي جعفر القواد إليه و مقتله‏

حدثنا يحيى بن علي بن يحيى المنجم، قال: حدثنا عمر بن شبّة، قال:

حدثني محمد بن عبد اللّه بن حماد الثقفي عمن أخبره، قال أبو زيد، و حدثني محمد بن الحكم، بن عبيدة، عن جدّه مسعود بن الحارث، قال:

لما كان يوم الفطر شهدنا إبراهيم، و كنا قريبا من المنبر، و عبد الواحد بن زياد معنا، فسمعت إبراهيم يتمثل بهذه الأبيات‏ (2) :

أبا المنازل يا خير الفوارس من # يفجع بمثلك في الدنيا فقد فجعا

اللّه يعلم أني لو خشيتهم # و أوجس القلب من خوف لهم فزعا (3)

لم يقتلوه و لم أسلم أخي لهم‏ (4) # حتى نموت جميعا أو نعيش معا

ثم بكى فقال:

اللهم إنك تعلم أن محمدا إنما خرج غضبا لك، و نفيا لهذه المسوّدة و إيثارا لحقك فارحمه و اغفر له، و اجعل الآخرة خير مردّ له، و منقلب من الدنيا. ثم جرض بريقه‏ (5) و ترادّ الكلام في فيّه و تلجلج ساعة، ثم انفجر باكيا منتحبا، و بكى الناس. قال: فو اللّه لرأيت عبد الواحد بن زياد اهتز له من قرنه إلى

____________

(1) هذا الكلام الذي بين القوسين غير موجود في المخطوطة.

(2) ابن أبي الحديد 1/324 و ابن الأثير 5/222 و مروج الذهب 2/170.

(3) كذا في ط و ق، و في الخطية و ابن الأثير، و ابن أبي الحديد «لو خشيتهم» و في الأخير «أو آنس القلب» .

(4) في ط و ق «و لم يسلم أخي لهم» و في ابن الأثير «و لم أسلم أخي أحدا» .

(5) في القاموس: «جرض بريقه كفرح ابتلعه بالجهد على هم» .

295

قدمه، ثم بلت دموعه لحيته.

حدثنا يحيى، قال: حدثنا عمر، قال: حدثنا عبد اللّه بن شيبان‏ (1) ، قال:

قال إبراهيم بن عبد اللّه: ما أتى عليّ يوم بعد قتل محمد إلاّ استطلته حبا للّحاق به.

حدّثنا يحيى، قال: حدّثنا أبو زيد، قال حدّثنا عمر عن النضر بن حماد و غيره:

أن إبراهيم خرج فعسكر بالمأجور يريد قصر أبي جعفر بالكوفة و قتاله.

حدّثنا يحيى، قال: حدثنا عمر، قال: حدثنا سليمان بن أبي شيخ، قال: حدثني عبد الواحد من آل خليفة بن قيس، قال:

كان على ميسرة إبراهيم برد بن لبيد (2) اليشكري.

حدثني يحيى، قال: حدثنا عمر قال حدثني إبراهيم بن سلام، قال:

حدثني أخي عن أبي قال: كان على ميمنة إبراهيم عيسى بن زيد.

قال أبو الفرج:

و هذا الحديث يبطل حديث الجعفري في اعتزال عيسى إبراهيم، و هذا أصح.

حدثنا يحيى بن علي، قال: حدثنا عمر بن شبّة، قال: حدثني محمد ابن معروف عن أبيه، و حدثني محمد بن موسى الأسواري:

أنّ أبا جعفر كتب إلى عيسى، و هو بالمدينة: إذا قرأت كتابي هذا فأقبل، ودع ما أنت فيه. فلم يلبث أن قدم فوجهه على الناس. و قدم سلم بن قتيبة (3)

فضمّه إلى جعفر بن سليمان، و بعثه مع عيسى فأنف جعفر من طاعة عيسى فكان في ناحية الناس.

____________

(1) كذا في الخطية، و في ط و ق «ابن سنان» .

(2) في ط و ق «يزيد بن لبيد» .

(3) في الطبري 9/254 «و كتب إلى سلم بن قتيبة فقدم عليه من الري» .

296

أخبرنا يحيى بن علي، و العتكي عمر بن عبد اللّه، قالا: حدثنا عمر بن شبّة، قال: حدثني عبد اللّه بن عبد الوارث، قال: حدّثنا هاشم بن القاسم، قال:

أراد المضاء أن يبيّت‏ (1) عيسى بن موسى فمنعه بشير.

حدثنا يحيى، قال: حدثنا سعيد بن ستيم، عن عمه:

أن عبد الواحد بن زياد أشار على إبراهيم بأن يبيت عيسى، فقالت الزيدية: إنما البيات من فعال السرّاق.

قال: فارجع إلى البصرة و دعنا نقاتل عيسى فإن‏هزمنا امددتنا بالامداد، فقالت الزيدية: أترجع عن عدوك و قد رأيته؟.

قال: فخندق على عسكرك، فقالت الزيدية: أتجعل بينك و بين اللّه جنّة؟.

فقال عبد الواحد: أما لولا أن يقال: إني أوردتك ثم لم أصدرك لعرفت وجه الرأي.

قال عمر: و حدثني إبراهيم بن سلم‏ (2) ، عن أخيه، عن أبيه سلم: أنه قال له: اجعل عسكرك كراديس، إذا هزم منهم كردوس ثبت كردوس، فقالوا: لا نكون إلاّ صفا واحدا (3) كما قال اللّه تعالى: كَأَنَّهُمْ بُنْيََانٌ مَرْصُوصٌ (4) .

أخبرنا (5) عمر بن عبد اللّه، و يحيى بن علي، قالا: حدثنا عمر بن شبّة، قال: حدثني إبراهيم بن محمد الجعفري، قال: حدثني أبي، قال:

لما تصاف العسكران، خرج رجل أزرق طويل، لكأني أنظر إليه من

____________

(1) في ط و ق «أن يثبت» .

(2) الطبري 9/257.

(3) تاريخ الإسلام للذهبي 7/99 ب.

(4) سورة الصف 4.

(5) في ط و ق «أخبرنا العلاء عمر» .

297

عسكر عيسى فقال: يا أصحاب إبراهيم أنا و اللّه قتلت محمدا. قال: فخرج إليه أربعة رهط من عسكر إبراهيم كأنهم الصقور، فابتدروه بأسيافهم، فو اللّه ما قلت خالطوه حتى رجعوا برأسه‏ (1) ، و اللّه ما نصره أحد من أصحاب عيسى.

أخبرنا عمر، و يحيى، قالا: حدثنا عمر بن شبّة، قال: حدثني أبو الحسن على الحدّاد من أهل بغداد، قال: حدثني مسعود الرحال الكوفي، قال:

شهدت باخمري، فإني لأنظر إلى إبراهيم‏و هو في فسطاطه، و بين يديه علم مذهب مركوز فسمعته يقول: أين أبو حمزة؟فأقبل شيخ قصير على فرس، فلما دنا عرفت وجهه، فإذا هو شيخ كان يعمل القلانس على باب دار ابن مسعود بالكوفة فقال له: خذ هذا العلم فقف به على الميسرة و لا تبرح.

قال: فأخذ العلم و وقف في الميسرة، و التقى الصفان، و قتل إبراهيم فانهزم أصحابه و إنه لواقف مكانه، فقيل له: ألا ترى صاحبك قد قتل و ذهب الناس؟قال: إنه قال لي: لا تبرح، فقاتل حتى عقر به، ثم قاتل راجلا حتى قتل.

أخبر عمر و يحيى، قالا: حدثنا عمر بن شبّة، قال: حدثنا محمد بن زياد قال: حدثني الحسن بن حفص، قال: سمعت شراحيل بن الوضاح يقول:

كنت مع عيسى بن موسى بباخمرى فهزمنا حتى جعل عيسى يقول: أ هي هي؟.

و أنا أقول في نفسي: اللهم حققها، حتى وردنا على جدول، فو اللّه ما تركته ينفذ حتى عبرناه معا.

____________

(1) في ط و ق «حتى رجعت برأسه» .

298

حدثنا عمر، و يحيى، قالا: حدثنا عمر بن شبّة، قال: حدثني سهل بن عقيل، قال: حدّثني سلم بن فرقد (1) ، قال: و حدثني غيره، قال:

لما التقوا هزم عيسى و أصحابه هزيمة قبيحة حتى دخل أوائلهم الكوفة، و أمر أبو جعفر بإعداد الإبل و الدواب على جميع أبواب الكوفة ليهرب عليها. (2)

قال أبو زيد: حدثني سهل بن عقيل‏ (3) عن سلم بن فرقد، قال: تبعهم أصحاب إبراهيم، و كان محمد بن أبي العباس معسكرا في ناحية، فلما رآهم لفّ أعلامه و انهزم، و أخذ على مسنّاة منهزما، و كان في المسنّاة تعريج فنظروا إليه و قد صار في طرفيها و بعد عنهم، فكان يتبين لهم أنه خلفهم، و أنه كمين فصاحوا:

الكمين الكمين، فانهزموا، و جاء سهم بينهم فأصاب إبراهيم فسقط، و أسنده بشير الرحّال إلى صدره حتى مات إبراهيم و هو في حجره، و قتل بشير و إبراهيم على تلك الحال في حجره و هو يقول: «و كان أمر اللّه قدرا مقدورا» (4) .

أخبرنا عمر، و يحيى، قالا: حدّثنا عمر بن شبّة، قال: حدّثنا أخي أحمد، و حفص بن حكيم:

أن أبا جعفر وجل من إبراهيم حتى جعل يقول ويلك يا ربيع‏ (5) فكيف و لم ينلها أبناؤها. فأين إمارة الصبيان؟.

أخبرنا يحيى بن علي، و عمر، قالا: حدثنا أبو زيد، قال: حدثني رجل عن هشام بن محمد، قال: صبر مع إبراهيم أربعمائة يضاربون دونه حتى قتل فجعلوا يقولون: أردنا أن نجعلك ملكا فأبى اللّه إلاّ أن يجعلك شهيدا، حتى قتلوا معه.

____________

(1) في الطبري 9/259 «فذكر سلم بن فرقد حاجب سليمان بن مجالد أنه قال» .

(2) تاريخ الإسلام للذهبي 7/100-أ.

(3) في ط و ق «حدثني سهل بن سلام بن عقيل» .

(4) ابن الأثير 5/230.

(5) يريد الربيع بن يونس حاجبه و وزيره. توفي الربيع كما قال الطبري في سنة تسع و ستين و مائة. راجع ابن خلكان 1/185 و الوزراء و الكتاب ص 25 و ما بعدها.

299

أخبرنا عمر، و يحيى، قالا: حدثنا عمر، قال حدثني عبد الحميد أبو جعفر، قال:

سألت أبا صلابة: كيف قتل إبراهيم؟.

قال: إني لأنظر إليه واقفا على دابة محمد بن يزيد (1) ، ينظر إلى أصحاب عيسى و قد ولّوا و منحوه أكتافهم، و نكص عيسى برايته القهقري، و أصحابه يقتلونهم و على إبراهيم قباء زرد، فأذاه الحر فحلّ أزرار القباء فشال الزّرد (2)

حتى سال على يديه، و حسر عن لبّته، فأتته نشّابة عائرة فأصابت لبّته، فرأيته اعتنق فرسه و كرّ راجعا، و أطافت به الزيدية (3) .

قال أبو زيد: فحدثني ابن أبي الكرام‏[الجعفري‏]أنه شهد الأقطع مولى عيسى بن موسى و قد أتاه فقال: هذا و حياتك رأس إبراهيم في مخلاتي، فقال لي: اذهب فانظر فإن كان رأسه فاحلف لي بالطلاق حتى أصدقك، و إن لم يكن رأسه فاسكت، فأتيته فقلت: أرنيه فأخرجه يختلج خدّه، فقلت ويلك، كيف وصلت إليه؟قال: أتته نشابة فأصابته فصرع، و أكب عليه أصحابه يقبلون يديه و رجليه، فعلمت أنه هو، فعلمت مكانه، و جعل أصحابه يقاتلون دونه لا يبالون، فلما قتلوا أتيته و احتززت رأسه. قال: فأتيت عيسى فأخبرته فنادى بالأمان.

أخبرنا عمر، و يحيى، قالا: حدثنا أبو زيد، قال حدثني إبراهيم بن سلم، عن أخيه علي قال:

لما انهزمنا يومئذ صرنا إلى عيسى بن زيد فصبر مليا ثم قال: ما بعد هذا متلوّم‏ (4) ، و انحاز فصرنا معه إلى قصره، فكنا فيه، فأزمعنا على أن نبيّت عيسى ابن موسى فلما انتصف الليل فقدنا عيسى فانتقض أمرنا.

____________

(1) في ط و ق «واقفا على دابة محذوف يزيد ينظر» .

(2) في ط و ق «فسال» .

(3) الطبري 9/259.

(4) في ط و ق «هذا فنلوم» .

300

أخبرنا يحيى بن علي، و عمر، قالا: حدثنا أبو زيد، قال: حدثني علي بن أبي هاشم، قال: حدثنا إسماعيل بن عليّة (1) ، قال:

خرج إبراهيم في رمضان، سنة خمس و أربعين و مائة، و قتل في ذي الحجة (2) ، و كان شعارهم: أحدأحد.

أخبرنا عمر، و يحيى، قالا: حدثنا أبو زيد، قال: حدثنا أبو نعيم، قال:

قتل إبراهيم يوم الاثنين ارتفاع النهار لخمس بقين من ذي القعدة سنة خمس و أربعين و مائة، و أتى أبو جعفر برأسه ليلة الثلاثاء، و بينه و بين مقتله ثمانية عشر ميلا، فلما أصبح يوم الثلاثاء أمر برأس إبراهيم فنصب بالسوق فرأيته منصوبا مخضوبا بالحناء.

أخبرنا عمر، و يحيى، قالا: حدثنا أبو زيد، قال حدثني عبد الحميد أبو جعفر. قال: أخرج رأس إبراهيم.

[فخرجت و منادي أبي جعفر ينادي هذا رأس الفاسق ابن الفاسق، فرأيت رأس إبراهيم‏] (3) في سفط أحمر، في منديل أبيض، قد غلّف بالغالية، فنظرت إلى وجهه رجلا سايل (؟) رجل سائل الخدين، خفيف العارضين، أقنى، قد أثر السجود بجبهته و أنفه، و شخص ابن أبي الكرام برأسه إلى مصر.

حدثنا علي بن الحسين، قال: حدثني الحسين بن علي السلولي، قال:

حدثنا أحمد بن زيد، قال حدثنا عمي أبو معمر سعيد بن خيثم، قال حدثني يونس بن أبي يعقوب، قال: حدثنا جعفر بن محمد من فيه إلى أذني، قال:

لما قتل إبراهيم بن عبد اللّه بن الحسن بباخمرى حسرنا عن المدينة، و لم يترك فيها منّا محتلم‏ (4) ، حتى قدمنا الكوفة، فمكثنا فيها شهرا نتوقع فيها القتل، ثم

____________

(1) الطبري 9/259-260.

(2) الطبري 9/260.

(3) الزيادة من الخطية.

(4) في ط و ق «محلم» .

301

خرج إلينا الربيع الحاجب فقال: أين هؤلاء العلوية؟أدخلوا على أمير المؤمنين رجلين منكم من ذوي الحجى. قال: فدخلنا إليه أنا و الحسن بن زيد، فلما صرت بين يديه قال لي: أنت الذي تعلم الغيب؟.

قلت: لا يعلم الغيب إلاّ اللّه.

قال: أنت الذي يجبي إليك هذا الخراج؟.

قلت: إليك يجبى-يا أمير المؤمنين-الخراج.

قال: أتدرون لم دعوتكم؟قلت: لا.

قال: أردت أن أهدم رباعكم، و أروع قلوبكم، و أعقر نخلكم، و أترككم بالسراة، لا يقربكم أحد من أهل الحجاز، و أهل العراق؛ فإنهم لكم مفسدة.

فقلت له: يا أمير المؤمنين، إن سليمان أعطى فشكر، و إن أيوب ابتلى فصبر، و إن يوسف ظلم فغفر، و أنت من ذلك النسل.

قال: فتبسم و قال: أعد عليّ، فأعدت فقال: مثلك فليكن زعيم القوم، و قد عفوت عنكم، و وهبت لكم جرم أهل البصرة، حدّثني الحديث الذي حدّثتني عن أبيك، عن آبائه، عن رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلم.

قلت: حدثني أبي، عن آبائه، عن علي، عن رسول اللّه (ص) : صلة الرّحم تعمر الديار، و تطيل الأعمار، و إن كانوا كفّارا.

فقال: ليس هذا.

فقلت: حدّثني أبي، عن آبائه، عن علي، عن رسول اللّه (ص) ، قال:

الأرحام معلقة بالعرش تنادي: اللهم صل من وصلني، و اقطع من قطعني.

قال: ليس هذا.

فقلت: حدثني أبي، عن آبائه، عن علي عن رسول اللّه (ص) أن اللّه عزّ و جلّ يقول: «أنا الرحمن، خلقت الرحم و شققت لها اسما من اسمي، فمن وصلها وصلته، و من قطعها بتّته» .

قال: ليس هذا الحديث.

302

قلت: حدثني أبي، عن آبائه، عن علي عن رسول اللّه (ص) أن ملكا من الملوك في الأرض كان بقي من عمره ثلاث سنين، فوصل رحمه فجعلها اللّه ثلاثين‏سنة.

فقال: هذا الحديث أردت، أيّ البلاد أحب إليك؟فو اللّه لأصلن رحمي إليكم.

قلنا: المدينة، فسرّحنا إلى المدينة، و كفى اللّه مؤنته.

أخبرنا عمر، و يحيى، قالا: حدثنا عمر بن شبّة، قال: حدثني عمر بن إسماعيل بن صالح بن هيثم، قال: حدثني عيسى بن رؤبة، قال:

لما جي‏ء برأس إبراهيم فوضع بين يدي أبي جعفر بكى حتى رأيت دموعه على خدي إبراهيم، ثم قال: أما و اللّه إن كنت لهذا كارها (1) ، و لكنك ابتليت بي، و ابتليت بك‏ (2) .

حدثني أحمد بن محمد الهمداني، قال: قال يحيى بن الحسن، حدثني غير واحد عن علي بن الحسن، عن يحيى بن الحسين بن زيد عن أبيه الحسين عن الحسن بن زيد بن الحسن بن علي، قال:

كنت عند المنصور حين جي‏ء برأس إبراهيم بن عبد اللّه، فأتى به في ترس حتى وضع بين يديه، فلما رأيته نزت من أسفل بطني غصّة فسدت حلقي،

____________

(1) ابن الأثير 5/330.

(2) في الطبري 9/260 بعد ذلك: «و ذكر عن صالح مولى المنصور أن المنصور لما أتى برأس إبراهيم بن عبد اللّه وضعه بين يديه، و جلس مجلسا عاما و أذن للناس، فكان الداخل يدخل فيسلم و يتناول إبراهيم فيسي‏ء القول فيه، و يذكر منه القبيح التماسا لرضى أبي جعفر، و أبو جعفر ممسك متغير لونه، حتى دخل جعفر ابن حنظلة البهراني، فوقف فسلم ثم قال: عظم اللّه أجرك يا أمير المؤمنين في ابن عمك، و غفر له ما فرط فيه من حقك، فاصفر لون أبي جعفر و أقبل عليه فقال: أبا خالد، مرحبا و أهلا، فعلم الناس أن ذلك قد وقع منه، فدخلوا فقالوا مثل ما قال جعفر بن حنظلة» .

303

فجعلت أداري ذلك مخافة أن يفطن بي، فالتفت إليّ فقال لي: يا أبا محمد أهو هو؟.

قلت: نعم يا أمير المؤمنين ولوددت أن اللّه فاء به إلى طاعتك، و إنك لم تكن نزلت منه بهذه المنزلة.

قال: فأنا و إلاّ فأمّ موسى الطلاق‏ (1) -و كانت من غاية أيمانه-لوددت أن اللّه فاء به إلى طاعتي، و أني لم أكن نزلت منه بهذه المنزلة، و لكنه أراد أن ينزلنا بها، و كانت أنفسنا أكرم علينا من نفسه.

حدثنا أحمد بن سعيد قال: حدثنا يحيى بن الحسين، قال: حدثنا هارون بن موسى، قال: حدثني عبد اللّه بن نافع، قال:

لما وضع رأس إبراهيم بين يدي أبي جعفر تمثل‏ (2) :

فألقت عصاها و استقرت بها النّوى # كما قرّ عينا بالإياب المسافر (3)

أخبرنا عمر بن عبد اللّه العتكي، و يحيى بن علي، قالا: حدثنا عمر بن شبّة، قال: حدّثنا محمد بن زياد، قال: حدّثني‏الحسن بن جعفر، قال:

كنت بالكوفة فرأيت فلّ‏ (4) عيسى بن موسى قد دخل الكوفة نهارا، فلما كان الليل رأيت فيما يرى النائم كأن نعشا تحمله رجال يصعدون به إلى السماء و يقولون: من لنا بعدك يا إبراهيم؟قال: و أيقظني أخي من نومي فقلت: ما لك؟فقال: أسمع التكبير على باب أبي جعفر، و لا و اللّه ما كبّروا باطلا، فإذا الخبر قد جاء بقتل إبراهيم‏[بن عبد اللّه‏]بن الحسن بن الحسن.

____________

(1) اسمها أروى بنت منصور، أخت يزيد بن منصور الحميري، و هي أم المهدي، و جعفر الأكبر.

(2) في الطبري 9/259 «فتمثل ببيت معقر بن أوس بن حمار البارقي» .

(3) قيل: إن البيت لمعقر البارقي، و قيل: لابن عبد ربه السلمي، و قيل: لسليم بن ثمامة الحنفي راجع اللسان 19/295.

(4) في ط و ق «كنت بالكوفة نقل عيسى بن موسى» و التصويب من الخطية.

304

تسمية من خرج مع إبراهيم بن عبد اللّه ابن الحسن بن الحسن من أهل العلم و الفقهاء و نقلة الآثار

أخبرنا يحيى بن علي، و أحمد بن عبد العزيز، و عمر بن عبد اللّه، قالوا:

حدثنا عمر بن شبّة، قال: حدثني إبراهيم بن سلام بن أبي واصل الحذاء، قال: حدثني أخي محمد بن مسلم، قال:

قال لي أبي: يا بني، إن إبراهيم قد ظهر بالبصرة. قال: فابتع لي عمامة صوف و قباء و سراويل، و فعلت، فشخص هو و ثلاثة رهط معه حتى قدموا إلى الكوفة.

حدثنا جعفر بن محمد الورّاق، قال: حدثني أحمد بن حازم، قال:

حدثنا الحسن بن الحسين العرني، قال:

خرج نفر من أصحاب زيد بن علي متنكرين في جملة الحاج، حتى لحقوا بإبراهيم بالبصرة، منهم سلام بن أبي واصل الحذّاء.

حدثني الحسن بن علي الخفاف، قال: حدثنا أحمد بن زهير، قال:

حدثني خالد بن خداش بن عجلان، قال: سمعت حمّاد بن يزيد يقول:

ما أحد من النّاس إلاّ أنكرناه أيام إبراهيم، قيل له فسوار (1) ؟.

قال: و اللّه ما حمدنا رأيه.

قال أبو الفرج علي بن الحسين بن محمد الأصبهاني:

أخبرني يحيى بن علي، و أحمد بن عبد العزيز الجوهري، و عمر بن عبد اللّه العتكي قالوا: حدثنا عمر بن شبّة، قال: حدثنا إبراهيم بن سلام بن أبي واصل، قال: حدثني أخي محمد بن سلام عن أبيه قال:

وقفت على باب إبراهيم بن عبد اللّه، و هو نازل في دار محمد بن سليمان، فقلت لآذنه: قل له: سلام بن أبي واصل بالباب، فسمعت الآذن يقول:

____________

(1) هو سوار بن عبد اللّه بن قدامة، ولاه أبو جعفر القضاء بالبصرة سنة 138، و بقي على القضاء إلى أن مات و هو أمير البصرة و قاضيها سنة 156 راجع تهذيب التهذيب 4/و خلاصة تذهيب الكمال 134.