مقاتل الطالبيين

- ابو الفرج الأصفهاني المزيد...
663 /
305

سلام الحذّاء بالباب، فنسبني إلى اللقب الغالب عليّ، فأذن لي، فدخلت فقال: ما أبطأ بك عنا؟فقلت: كنت أجهز الرجال إليك، قال: صدقت، فأنزلني معه في الدار. قال: فبينا أنا جالس يوما إذا شي‏ء فيه رقعة: إن بيت المال ضائع فأكفناه، فقلت لبعض من حضر أين بيت المال؟قال في الدار، فقمت فإذا شيخ قد كان موكلا به، فقال لي: أمرت فيما ها هنا بأمر؟قلت:

نعم. قال: فأنت إذا سلام بن أبي واصل، قال: فوليت بيت المال.

أخبرني محمد بن الحسين الأشناني، قال: حدثنا أحمد بن حازم الغفاري، قال: حدثني نصر بن مزاحم، قال:

خرج أبو داود الطهوي مع إبراهيم و كان عنده أثيرا (1) .

أخبرنا يحيى بن علي، و الجوهري و العتكي، قالوا: حدثنا عمر بن شبّة، قال: حدثني عبد اللّه بن محمد بن حكيم، قال:

خرج فطر (2) بن خليفة مع إبراهيم، و كان يومئذ شيخا كبيرا.

حدثني علي بن العباس، قال: حدثنا الحسن بن عبد الواحد، قال:

حدثني الحسن بن الحسين، قال:

خرج سلام بن أبي واصل الحذاء، و عيسى بن أبي إسحاق السبيعي‏ (3) ، و أبو خالد الأحمر (4) مصطحبين متنكرين مع الحاج، عليهم جباب الصوف و عمائم الصوف، يسوقون الجمال في زي الجمّالين، حتى أمنوا فعدلوا إلى إبراهيم، و كانوا معه حتى قتل.

____________

(1) في النسخ «الظهوري... و كان عنده أميرا» .

(2) في النسخ «قطر» و هو خطأ.

(3) يكنى أبا عمرو، توفي سنة إحدى و تسعين و مائة، كما في المعارف 199 و خلاصة تذهيب الكمال 258 و تذكرة الحفاظ 1/257.

(4) اسمه سليمان بن حيان، كوفي ثقة، مات سنة تسع و ثمانين و مائة، و كان سفيان يعيب عليه خروجه مع إبراهيم، و لم يكلمه حتى مات راجع تاريخ بغداد 9/21-24 خلاصة تذهيب الكمال 138.

306

أخبرنا يحيى بن علي، و العتكي، و الجوهري، قالوا: حدثنا عمر بن شبّة، قال: حدثني القاسم بن أبي شيبة، قال:

خرج أبو خالد الأحمر، و يونس بن أبي إسحاق‏ (1) مع إبراهيم بن عبد اللّه بن الحسن.

أخبرني محمد بن الحسين، قال: حدثنا أحمد بن حازم، قال: حدثنا أبو نعيم، قال: خرج عيسى بن يونس بن أبي إسحاق من الكوفة إلى إبراهيم، فشهد معه حربه.

حدثنا يحيى بن علي، و العتكي، و الجوهري، قالوا: حدثنا عمر بن شبّة، قال: حدثني إبراهيم بن سلام بن أبي واصل، عن أخيه محمد بن سلام، قالوا:

شهد مع إبراهيم بن عبد اللّه من أصحاب زيد بن علي ثلاث نفر:

سلام بن أبي واصل الحذاء، و حمزة بن عطاء البرني، و خليفة بن حسان الكيال، و كان أفرس الناس.

أخبرني محمد بن زكريا الصحاف، قال: حدثنا قعيب‏ (2) بن محرز، قال: حدثني العريان بن أبي سفيان بن العلاء، قال:

خرج مع إبراهيم بن عبد اللّه عبد اللّه بن جعفر المدائني‏ (3) ، فقال له ليلة:

قم بنا حتى نطوف في العسكر، فقام معه فسمع في ناحية عسكره صوت طنبور، فاغتم لذلك و قال لعبد اللّه بن جعفر: ما أرى عسكرا فيه مثل هذا ينصر (4) .

عبد اللّه بن جعفر هذا والد علي بن المدائني.

أخبرنا يحيى بن علي، و عمر، و أحمد، قالوا: حدثنا عمر بن شبّة، عن

____________

(1) يكنى أبا إسرائيل توفي سنة تسع و خمسين و مائة كما في خلاصة تذهيب الكمال 379.

(2) كذا في ط و ق، و في الخطية «قعين» .

(3) في الطبري «ابن جعفر المديني» .

(4) الطبري 9/256 و ابن الأثير 5/229.

307

عريان بن أبي سفيان، قال: حدثني الثقة عندي عن عبد اللّه بن جعفر، ثم ذكر مثل هذه الحكاية أو قريبا منها.

أخبرنا يحيى بن علي، و الجوهري، و العتكي، قالوا: حدثنا عمر بن شبّة، قال: حدثني إبراهيم بن سلام بن أبي واصل، قال: حدثني عبد الغفار بن عمرو الفقيمي ابن أخي الفضيل‏ (1) ، و الحسين بن أبي عمرو، قال:

كان إبراهيم بن عبد اللّه واجدا على هارون بن سعد لا يكلمه، فلما ظهر قدم هارون فأتى أباك سلاما (2) فقال له: أخبرني عن صاحبنا، أما به إلينا حاجة في أمره هذا؟قال: قلت له بلى لعمر اللّه، ثم قام فدخل على إبراهيم فقال له:

هذا هارون بن سعد قد جاءك.

فقال: لا حاجة لنا به. فقال له لا تفعل، أفي هارون تزهد؟فلم يزل به حتى قبله و أذن له، فدخل عليه فقال له هارون: استكفني أهمّ أمرك إليك، فاستكفاه واسطا و استعمله عليها (3) .

قال أبو زيد: و حدثني أبو نعيم الفضل بن دكين‏ (4) ، قال: حدثني عبد اللّه بن سلمة الأفطس، قال: ولي إبراهيم هرون بن سعد واسطا، فبادرت فدخلت إليه في السفينة فحدثني بأربعة أحاديث. قال أبو نعيم: و الذي رواه الأعمش عن أبي عمرو الشيباني إنما سمعه من هارون بن سعد.

قال أبو زيد: حدثني هشام بن محمد أبو محمد من أهل واسط، قال:

قدم علينا هارون بن سعد في جماعة ذات عدد فرأيته شيخا كبيرا كنت أراه راكبا قد انحنى على دابته، فبايعه أهل واسط.

قال أبو زيد: و حدثني عمر بن عون، قال:

____________

(1) في الطبري «ابن أخي الفضل بن عمرو الفقيمي قال» .

(2) في الطبري «فأتى سلم بن أبي واصل فقال له» .

(3) الطبري 9/252.

(4) توفي سنة تسع عشرة و مائتين كما في فهرست ابن النديم ص 317.

308

كان هارون بن سعد رجلا صالحا، قد روى عن الشعبي، و لقى إبراهيم، و كان فقيها.

حدثني عيسى بن الحسن الورّاق، قال: حدثني سليمان بن أبي شيخ، قال: حدثني أبو الصعداء، قال:

لما قدم هارون بن سعد واليا على واسط من قبل إبراهيم خطب الناس، و نعى على أبي جعفر أفعاله، و قتله آل رسول اللّه، و ظلمه الناس، و أخذه الأموال، و وضعها في غير مواضعها، و أبلغ في القول حتى أبكى الناس، و رقّت لقوله قلوبهم، فاتبعه عباد (1) ابن العوام، و يزيد بن هارون، و هشيم بن بشير، و العلاء بن راشد.

حدثني محمد بن الحسين الخثعمي، قال حدثنا إبراهيم بن سليمان المقري، قال: حدثني نصر بن مزاحم، قال:

حدثني من رأى هشيما واقفا بين يدي هارون بن سعد متقلدا سيفا، رث الهيئة، يدعو الناس إلى بيعة إبراهيم.

أخبرني علي بن العباس المقانعي، قال: حدثنا محمد بن مروان الغزال، قال: حدثنا زيد بن المعذل النمري، عن هشام بن محمد، قال:

ولّى إبراهيم بن عبد اللّه بن الحسن هارون بن سعد واسطا، و ضمّ إليه جيشا كثيفا من الزيدية، فأخذها و تبعه الخلق، و لم يتخلف أحد من الفقهاء، و كان ممن تبعه عواد بن العوام، و يزيد بن هارون، و هشيم، و كان موقف هشيم في حروبه مشهرا، و قتل ابنه معاوية، و أخوه الحجاج بن بشير في بعض الوقائع.

قال: و شهد معه العوام بن حوشب يومئذ و هو شيخ كبير، و أسامة بن زيد، فلما قتل إبراهيم انحدر هارون بن سعد إلى البصرة، فبلغنا أنه مات بها حين دخلها، رحمه اللّه و رضي عنه.

____________

(1) راجع تذكرة الحفاظ 1/241.

309

أخبرنا يحيى بن علي، و العتكي، و الجوهري، قالوا: حدثنا عمر بن شبّة، قال: حدثني عامر بن يحيى العقيلي، قال: حدثني أبو مخارق بن جابر، قال:

نادى منادي المسوّدة: أمن الناس أجمعون إلاّ العوام بن حوشب، و أسامة بن زيد.

فأما العوام فاستخفى سنتين ثم عمل معن بن زائدة (1) في أمره، و كان يسأله حتى أخرج له أمانا.

و أما أسامة بن زيد (2) فتوارى مدة ثم هرب إلى الشام.

قال أبو زيد: و حدثني عبد اللّه بن راشد بن يزيد، قال:

استخفى هارون بن سعد، فلم يزل مستخفيا حتى ولى محمد بن سليمان الكوفة، فأعطاه الأمان و استدرجه حتى ظهر، و أمره أن يعرض ثمانين من أهل بيته، فهمّ أن يفعل، فركب إلى محمد و لقيه ابن عم له يدعى الفرافصة فقال:

أنت مخدوع، فرجع فتوارى حتى مات، و هدم محمد بن سليمان داره.

قال أبو زيد، و حدثني سعد بن الحسن بن بشير الحواري، قال: سمعت أصحابنا يقولون:

كان عبد الواحد بن زياد بنهر أبان، و كان قد تقدم إلى إبراهيم ألا يخفى عليه مخرجه، فلما ظهر أقبل عبد الواحد من نهر أبان مبيضا حتى عبدس، فهرب و إليها و خلف في بيت مالها سبعين ألف درهم، فأخذها عبد الواحد، فكانت أول ما قدم به على إبراهيم.

قال أبو زيد، و حدثني خالد بن خداش، قال:

بيّض أيوب بن سليمان نهر ابان، و غلب عليها، و أيوب هذا محدث

____________

(1) قتل معن في مدينة بست سنة إحدى و خمسين و مائة راجع ترجمته في ابن خلكان 2/142-147.

(2) راجع خلاصة تذهيب الكمال ص 22.

310

راو، قد روى عنه الواسطيون، و ممن روى عنه سليمان بن أبي شيخ.

أخبرني محمد بن الحسين الأشناني، قال: حدثنا أحمد بن حازم، قال:

حدثنا أبو نعيم، قال: سمعت زفر بن الهذيل يقول:

كان أبو حنيفة يجهر في أمر إبراهيم جهرا شديدا، و يفتي الناس بالخروج معه، فقلت له: و اللّه ما أنت بمنته عن هذا حتى نؤتي فتوضع في أعناقنا الحبال:

قال: و كتب إليه هو و مسعر بن كدام‏ (1) يدعوانه إلى أن يقصد الكوفة، و يضمنا له نصرتهما و معونتهما، و إخراج أهل الكوفة معه، فكانت المرجئة تعيبهما بذلك.

حدثنا يحيى بن علي، و عمر، و أحمد، قالوا: حدثنا عمر بن شبة، قال حدثنا القاسم بن أبي شيبة، قال: حدثني الفضل بن شعيب، قال:

رأيت مسلم بن سعيد، و الأصبغ بن زيد، مع هارون بن سعد، عليهما سيفان أيام إبراهيم بن عبد اللّه، بواسط.

قال القاسم بن أبي شيبة، و حدثني أزهر بن سعد، قال:

رأيت هشيما عليه سيف حمائله شريط يرامى المسودة من وراء السور.

حدثنا عمر، و يحيى، و أحمد، قالوا: حدثنا عمر بن شبّة، قال: حدثني زكريا بن عبد اللّه بن صبيح، و يلقب رحمويه، قال:

قال المهدي لابن علائة (2) : ابغني قاضيا لمدينة الوضاح. قال: قد أصبته، عباد بن العوام‏ (3) . فقال له: و كيف مع ما في قلوبنا عليه.

____________

(1) يكنى أبا سلمة، توفي بالكوفة سنة اثنتين و خمسين و مائة كما في المعارف 211.

(2) تهذيب التهذيب 9/269 و في ط و ق «علانة ايعنى» .

(3) راجع ترجمته في تاريخ بغداد 11/104-106.

311

قال رحمويه: و هدم الرشيد دار عباد بن العوام في خلافته، و منعه الحديث، ثم أذن فيه بعد (1) .

أخبرني جعفر بن محمد الورّاق، قال: حدثنا أحمد بن حازم، قال: حدثنا نصر بن حازم، قال:

خرج هارون بن سعد من الكوفة في نفر من أصحاب زيد بن علي إلى إبراهيم بن عبد اللّه بن الحسن، و كان فيمن خرج معه عامر بن كثير السراج، و هو يومئذ شاب جلد شجاع، و حمزة التركي، و سالم الحذّاء، و خليفة بن حسان.

قال: لمّا قدموا على إبراهيم وليّ سالم بن أبي واصل بيت المال، و ولّي هارون بن سعد واسطا، فأنفذ معه جيشا كثيفا، فدخل واسطا، و هرب منه أصحاب أبي جعفر، و أسرع الناس إليه، و لم يبق أحد من أهل العلم إلاّ تبعه، و كان منهم عباد بن العوام، و هشيم بن بشير، و إسحاق بن يوسف الأزرق‏ (2) ، و يزيد بن هارون، و مسلم بن سعيد، و الأصبغ بن زيد (3) .

و دعا عاصم بن علي فاعتل عليه بالمرض و الضعف، فقال له: أنا أفتي الناس بالخروج معك، ثم هرب منه، فجعل هارون بن سعد عبّاد بن العوام قائدا و ضم إليه الفقهاء أجمعين، و كانوا في قيادته، و شاوره و قدّمه فلما قتل إبراهيم و انقضت حياته، هرب عبّاد بن العوام، فهدمت داره و انفضت جموعه، و لم يزل متواريا حتى مات أبو جعفر.

أخبرنا يحيى بن علي، و الجوهري، و العتكي، قالوا: حدثنا عمر بن شبّة، قال: حدثني سهل بن عقيل، قال:

____________

(1) جاء في تاريخ بغداد: «عباد بن العوّام يكنى أبا سهل، كان من أهل واسط، و كان يتشيع فأخذه هارون أمير المؤمنين فحبسه زمانا، ثم خلى عنه، و أقام ببغداد، و توفي سنة خمس و ثمانين و مائة» .

(2) مات سنة خمس و تسعين و مائة، عن ثمان و سبعين سنة، كما في خلاصة تذهيب الكمال ص 26.

(3) في خلاصة تذهيب الكمال: «قال ابن سعد: توفي سنة 159» .

312

قدم هارون بن سعد عبّاد بن العوام و رأسه و شاوره، فكان في أصحابه يزيد بن هارون و إسحاق بن يوسف الأزرق، و غيرهما.

قال أبو زيد، و حدثني عاصم بن علي بن عاصم، قال أخبرني علي بن عبد اللّه بن زياد، قال:

رأيت هشيم بن بشير (1) واقفا موقفا في وقعة واقعناها القوم، لا و اللّه، ما وقفه قط إلاّ شجاع مجتمع القلب.

قال أبو زيد، و حدثني ابن بنت هشيم، قال:

بلغ يزيد بن هارون أن علي بن حرملة يتهدده و يقول: سيعلم يزيد على رأس من كانت الرايات تحقق، فبلغ ذلك يزيد فقال: غلط، إنما كانت الراية لعبّاد بن العوام.

قال أبو زيد، قال لي عاصم بن علي: صدق يزيد، كان القائد عباد بن العوام و كان يزيد بن هارون من أصحابه‏ (2) .

أخبرنا يحيى بن علي، و عمر، و محمد، قالوا: حدثنا عمر بن شبة، قال:

حدثني أحمد بن خالد بن خداش، قال: سمعت حماد بن زيد يقول:

ما كان بالبصرة أحد إلاّ و قد تغيّر أيام إبراهيم إلاّ ابن عون.

قيل له: فهشام بن حسان‏ (3) .

قال: ما حمدنا قوله، كان يذكر أبا جعفر فيقول: اللهم أهلك أبا الدوانيق، فقلت له في ذلك. فقال: إني أخاف أن يظهر فيشتتنا.

حدثني أبو عبد اللّه الصيرفي محمد بن أحمد بن المؤمل، قال حدثني فضل

____________

(1) ولد سنة خمس و مائة، و مات ببغداد سنة ثلاث و ثمانين و مائة كما في المعارف 221 و تذكرة الحفّاظ 1/229.

(2) توفي يزيد سنة ست و مائتين كما في خلاصة تذهيب الكمال 374.

(3) في خلاصة تذهيب الكمال ص 351 «مات هشام سنة ثمان و أربعين و مائة» .

313

المصري قال: حدثني يعقوب الدورقي قال أبو الفرج: و قرأت أنا في بعض الكتب عن يعقوب الدورقي، عن بعض أصحابه، عن اسماعيل بن عيسى بن علي الهاشمي، قال: قال أبو إسحاق الفزاري:

جئت إلى أبي حنيفة فقلت له: ما اتقيت اللّه حيث أفتيت أخي بالخروج مع إبراهيم بن عبد اللّه بن الحسن حتى قتل.

فقال: قتل أخيك حيث قتل يعدل قتله لو قتل يوم بدر، و شهادته مع إبراهيم خير له من الحياة.

قلت له: ما منعك أنت من ذاك؟.

قال: ودائع للناس كانت عندي.

أخبرني محمد بن الحسين الأشناني، عن عباد بن يعقوب، عن عبد اللّه بن إدريس، قال:

سمعت أبا حنيفة و هو قائم على درجته، و رجلان يستفتيانه في الخروج مع إبراهيم، و هو يقول: أخرجا.

أخبرنا يحيى بن علي، و الجوهري، و العتكي، قالوا: حدثنا عمر بن شبّة، قال: حدثني نصير بن حماد أبو سهل، قال:

ما زلت أسمع أن شعبة (1) كان يقول في نصرة إبراهيم بن عبد اللّه للناس إذا سألوه: ما يقعدكم؟هي بدر الصغرى.

قال أبو زيد، و حدثني يعقوب بن القاسم، عن بعض أصحابه، عن أبي إسحاق الفزاري، و اسمه إبراهيم بن محمد بن الحرث بن أسماء بن حارثة، قال:

____________

(1) هو شعبة بن الحجاج بن الورد العتكي الأزدي، يكنى أبا بسطام، كان من سادات أهل زمانه قال عنه الشافعي: لولا شعبة ما عرف الحديث بالعراق، و قال الأصمعي: لم نر أحدا أعلم بالشعر منه، توفي بالبصرة سنة ستين و مائة، و هو ابن خمس و سبعين سنة راجع تهذيب التهذيب 4/338-346 و المعارف 219.

314

لما خرج إبراهيم ذهب أخي إلى أبي حنيفة فاستفتاه، فأشار عليه بالخروج، فقتل معه، فلا أحب أبا حنيفة أبدا.

قال أبو زيد: و حدثني نصر بن حماد، قال:

كان صالح المروزي يحرض الناس على نصرة إبراهيم.

قال أبو زيد، و حدثني القاسم بن شيبة، قال سمعت أبا نعيم يقول:

سمعت عمار بن زريق يقول:

سمعت الأعمش‏ (1) يقول أيام إبراهيم:

ما يقعدكم؟أما أني لو كنت بصيرا لخرجت.

أخبرني محمد بن الحسين الخثعمي، قال: حدثنا أحمد بن حازم، قال:

حدثني أبو نعيم:

أن مسعر بن كدام كتب إلى إبراهيم بن عبد اللّه يدعوه إلى أن يأتي الكوفة و يعده أن ينصره، و كان مسعر مرجئا، فلما شاع ذلك عاتبته المرجئة.

أخبرني محمد بن الحسين، قال: حدثنا محمد بن حازم، قال: حدثنا أبو نعيم، و أخبرنا ابن علي و أصحابه عن عمر بن شبّة، عن عبد اللّه بن محمد بن حكيم، قالا:

كتب أبو حنيفة إلى إبراهيم يشير عليه أن يقصد الكوفة ليعينه الزيدية، و قال له: ائتها سرّا فإن من ها هنا من شيعتكم يبيتون أبا جعفر فيقتلونه، أو يأخذون برقبته فيأتونك به.

قال عمر بن شبّة في خبره:

و كانت المرجئة تنكر ذلك على أبي حنيفة و تعيبه به.

حدثني أحمد بن سعيد، قال: حدثني محمد بن منصور الرازي، عن

____________

(1) هو سليمان بن مهران، مات سنة ثمان و أربعين و مائة عن أربع و ثمانين سنة كما في خلاصة تذهيب الكمال 131 و المعارف 214.

315

الحسن بن الحسين، و غيره من أصحابه:

أنّ أبا حنيفة كتب إلى إبراهيم بن عبد اللّه لما توجّه إلى عيسى بن موسى:

إذا أظفرك اللّه بعيسى و أصحابه فلا تسر فيهم سيرة أبيك في أهل الجمل فإنه لم يقتل المنهزم، و لم يأخذ الأموال، و لم يتبع مدبرا، و لم يذفّف على جريح؛ لأن القوم لم يكن لهم فئة، و لكن سر فيهم بسيرة يوم صفين، فإنه سبى الذرية، و ذفف على الجريح، و قسم الغنيمة، لأن أهل الشام كانت لهم فئة، و كانوا في بلادهم.

فظفر أبو جعفر بكتابه، فسيره و بعث إليه فأشخصه، و سقاه شربة فمات منها، و دفن ببغداد (1) .

أخبرني محمد بن زكريا الصحاف، قال: حدثنا قعيب بن محرز، عن المدائني:

أن عبّاد بن العوام‏ (2) خرج إلى إبراهيم بن عبد اللّه، و شهد معه حربه، فلما ظفر أبو جعفر و قتل إبراهيم، طلبه، فسأله فيه المهدي فوهبه له، و قال: لا تظهرن و لا تحدثن. فقال الناس: هذا رجل من أهل العلم خرج مع إبراهيم فيأخذون عنه الفتيا، فلم يزل متواريا حتى مات أبو جعفر، و أذن له المهدي في الظهور و الحديث، و ظهر و حدّث‏ (3) .

حدثنا محمد بن الحسين، قال: حدثنا أحمد بن حازم، قال: حدثنا أبو نعيم، و أخبرنا يحيى بن علي، و رواه أبو زيد، قالوا: حدثنا عمر بن شبّة، قال: حدثنا القاسم بن أبي شيبة، عن أبي نعيم، قال:

____________

(1) توفي أبو حنيفة ببغداد في رجب سنة خمسين و مائة و هو يومئذ ابن سبعين سنة.

(2) ولد عباد سنة 118 و ترجمته في تهذيب التهذيب 5/99-100 و تاريخ بغداد 11/104-106.

(3) في تهذيب التهذيب: «قال ابن سعد: كان يتشيع فأخذه هارون فحبسه ثم خلى عنه. فأقام ببغداد، و مات سنة خمس و ثمانين و مائة» .

316

كتب أبو جعفر إلى عيسى بن موسى، و هو على الكوفة، يأمره بحمل أبي حنيفة إلى بغداد، فغدوت إليه أريده، و لقيته راكبا يريد وداع عيسى بن موسى، و قد كان وجهه يسودّ، فقدم بغداد فسقى بها شربة فمات و هو ابن سبعين، و كان مولده سنة ثمانين.

حدثني محمد بن الحسين، قال: حدثنا أبو نعيم، قال:

دعا أبو جعفر أبا حنيفة إلى الطعام فأكل منه، ثم استسقى فسقى شربة عسل مجدوحة (1) و كانت مسمومة فمات من غد و دفن في بغداد في المقابر المعروفة بمقابر الخيزران.

أخبرني يحيى بن علي، و الجوهري، و العتكي، قالوا: حدثنا عمر بن شبة، قال:

حدثني عامر بن يحيى مولى بني عقيل من أهل واسط، و كان في حرس الحجاج، قال: حدثني سعيد بن مجاهد، قال:

و صاحبت العوام بن حوشب‏ (2) يوما فقال: رميت في هؤلاء القوم-يعني المسودة-ثمانية عشر سهما ما سرني أني رميت بها أهل بدر مكانهم. قال: فكان عليه خف منخرق. فقلت: المسح أعلى من هذا. قال: نعم ما لم تدخله الربح و تخرج منه.

أخبرني يحيى بن علي، و العتكي، و الجوهري، قالوا: حدثنا عمر بن شبة، قال: حدثني ابن العباس، قال: حدثني عكرمة بن دينار مولى بني عامر ابن حنيفة، قال:

خرج لبطة بن الفرزدق مع إبراهيم، و كان شيخا كبيرا جليلا، فلما قتل إبراهيم مررت به فقال لي: ما الخبر؟.

____________

(1) في اللسان: «جدح الشي‏ء إذا خلطه» .

(2) توفي سنة ثمان و أربعين و مائة، كما في خلاصة تذهيب الكمال 253 و المعارف 198.

317

فقلت: الشر، و اللّه انهزم أصحابنا.

قال: قف ها هنا نعش جميعا أو نمت جميعا.

فقلت ليس بذاك، و وليت هاربا، فلم أجاوزه بكثير حتى أدركه القوم، فسمعته يقول (لا ملجأ من اللّه إلاّ إليه) فقتل، و علقت في أذنه رقعة مكتوب فيها: رأس لبطة بن الفرزدق.

قال: و كان شهد مع إبراهيم و هو شيخ كبير، فقودّه.

قال أبو الفرج:

لبطة هذا قد روى الحديث، و روى عن أبيه، عن الحسين بن علي حديثا مشهورا حدثنا في مقتله يقول: لقيت الحسين بالصفّاح، و روى عن غير أبيه، و كان له أخوان خبطة، و حنظلة (1) .

قال أبو زيد: و حدثني عاصم بن علي و سهل بن غطفان: أن إبراهيم لما قتل، و تواري هارون بن سعد، أراد الحجاج بن بشير الانحدار إلى نهر أبان، فأدركوه فقتلوه، و قتلوا ابن أخيه معاوية بن هشيم.

قال أبو زيد، و حدثني بكر بن كثير، عن حمزة التركي، قال:

قدم عيسى بن زيد بعد قتل محمد، فذكر أن محمدا جعل الأمر إليه، و دعا الزيدية إلى نفسه فأجابوه، و أبى البصريون ذلك، حتى قالوا لإبراهيم: إن شئت أخرجناهم عنك من بلادنا فالأمر لك و ما نعرف غيرك، حتى كادت تقع فرقة، فسفروا بينهم سفرا، و قالوا: إنا إن اختلفنا ظهر علينا أبو جعفر، و لكن نقاتله جميعا، و الأمر لإبراهيم، فإن ظهرنا عليه نظرنا في أمرنا بعد، فأجمعوا على ذلك.

____________

(1) راجع الأغاني 19/2 و ابن خلكان 2/266.

318

أخبرنا يحيى بن علي، و عمر بن عبد اللّه، قالا: حدثنا عمر بن شبّة، قال: حدثني خالد بن خداش، قال: حدثني عبد السلام بن شعيب بن الحبحاب‏ (1) ، قال: قلت لعثمان الطويل: خرج هذا الرجل و قعدتم عنه، قال. و من أخرجه غيرنا. قال: فلما قتل إبراهيم قال: يا أبا صالح، أحب ألاّ تفشي عليّ ذلك الحديث.

أخبرنا عمر و يحيى، قالا: حدثنا عمر بن شبّة، قال: حدثني حفص بن عمر بن حفص: أن أبا حرى نصر بن ظريف خرج مع إبراهيم فأصابت يده جراحة أجبّتها قال: فعطلتها، ثم انهزم لما قتل إبراهيم فاستخفى.

أخبرنا عمر، و يحيى، قالا: حدثنا أبو زيد، قال: حدثني عفان بن مسلم‏ (2) ، قال: خرج مع إبراهيم أبو العوام القطان و اسمه عمران بن داود (3) ، قال فحدثت بذلك عمر بن مروان فقال لي: ما شهد الحرب، و لكن ولى له عملان. و أقام بالبصرة. قال أبو الفرج:

و أبو العوام هذا من جملة محدثي البصرة و هو من أصحاب الحسن البصري و قد روى عنه أبو جري نصر بن ظريف كلهم من ثقاة محدثي البصرة و مشاهيرهم.

قال أبو زيد، و حدثني سعيد بن نوح، قال:

خرج مع إبراهيم عبد ربه بن يزيد و كان شيخا كبيرا أبيض الرأس و اللحية فقيل له: لو اختصبت، فقال: لا حتى أعلم أن رأسي لي أو لهم.

قال أبو زيد، و حدثني سنان بن المثنى الهذلي، من آل سلمة بن المحبّق، قال:

____________

(1) في النسخ «ابن الحيحاب» و التصويب من خلاصة تذهيب الكمال 201.

(2) كذا في الخطية، و في ط و ق «عطاء بن مسلم» .

(3) خلاصة تذهيب الكمال 201.

319

شهد مع إبراهيم بباخمرى من آل سلمة بن المحبّق: عبد الحميد بن سنان بن سلمة بن المحبّق، و الحكم بن موسى بن سلمة، و عمران بن شبيب بن سلمة.

قال أبو زيد، و حدثني إبراهيم بن سلام الحذاء، قال: حدثني أخي عن ابن سلام، قال:

لما انهزمنا صرنا إلى عيسى بن زيد فصبر مليّا ثم قال: ما بعد هذا متلوم‏ (1)

فانحاز و صار إلى قصره، و نحن معه، فأزمعنا على أن نبيت عيسى بن موسى، فلما انتصف الليل فقدنا عيسى بن زيد، فانتقض أمرنا.

أخبرنا يحيى بن علي، و الجوهري، و العتكي، قالوا: حدثنا عمر بن شبّة، قال: حدثنا عمر بن الهيثم المؤذن، و الوليد بن هشام، و يونس بن نجدة:

أن إبراهيم استقضى عباد بن منصور (2) على البصرة:

قال أبو زيد، و حدثني أبو علي القداح، قال: حدثني علي بن أبي سارة، قال: لما ظهر إبراهيم استقضى سوّار بن عبد اللّه في بيته، و أرسل إليه إبراهيم يدعوه، فاعتل بالمرض، فتركه، و أمر عبّاد بن منصور فقضى بالبصرة حتى جاءت الهزيمة فلزم عباد بيته، فلما قدم أبو جعفر بعد الهزيمة تلقاه الناس في الجسر الأكبر فيهم سوار بن عبد اللّه، و أقام عبّاد في بيته و خافه و لم يدعه الناس حتى خرج على أمانه، فلما رآه سأله و لم يخاطبه بشي‏ء مما صنع.

حدثني أحمد بن عبد اللّه بن عمّارة، قال: حدثني ميسرة بن حسان، قال: حدثني ابن الأعرابي، عن المفضل، و حدثني محمد بن الحسن بن دريد، قال: حدثنا أبو حاتم، عن أبي عثمان اليقطري، عن المفضل‏ (3) . و حدثنا

____________

(1) في ط و ق «ما بعد هذا فنلوم» .

(2) توفي سنة اثنتين و خمسين و مائة كما في خلاصة تذهيب الكمال 158.

(3) في الأغاني 17/109 البقطري أبيه عن المفضل» .

320

يحيى بن علي بن يحيى، و عمرو بن عبد اللّه، و أحمد بن عبد العزيز؛ قالوا:

حدثنا عمر بن شبّة، قال: حدثني عبد الملك بن سليمان، عن علي بن أبي الحسن، عن المفضل الضبي. و رواية ابن الأعرابي و اليقطري عن المفضل أتم، و سائر من ذكرت يأتي بشي‏ء لا يأتي به الآخر قال‏ (1) :

كان إبراهيم بن عبد اللّه بن الحسن متواريا عندي، فكنت أخرج و أتركه، فقال لي: إنك إذا خرجت ضاق صدري، فأخرج إليّ شيئا من كتبك أتفرج به، فأخرجت إليه كتبا من الشعر، فاختار منها السبعين قصيدة التي صدرت بها اختيار الشعراء (2) ثم أتممت عليها باقي الكتاب.

فلما خرج خرجت معه، فلما صار بالمربد مرّ بدار سليمان بن علي فوقف عليها، و استسقى ماء، فأتى بشربة فشرب، فأخرج صبيان من صبيانهم فضمهم إليه و قال: هؤلاء و اللّه منا و نحن منهم، و هم أهلنا ولحمنا و منّا، و لكن آباءهم غلبونا على أمرنا، و ابتزوا حقوقنا، و سفكوا دماءنا، و تمثل:

مهلا بني عمنا ظلامتنا # إنّ بنا سورة من الغلق‏ (3)

لمثلكم تحمل السيوف و لا # تغمز أحسابنا من الرّقق‏ (4)

إني لأنمي إذا انتميت إلى # عز عزيز و معشر صدق

بيض سباط كأنّ أعينهم # تكحل يوم الهياج بالعلق‏ (5)

فقلت: ما أجود هذه الأبيات و أفحلها: فلمن هي؟.

فقال: هي يقولها ضرار بن الخطاب الفهري يوم عبر الخندق‏ (6) على رسول اللّه (ص) ، و تمثل بها علي بن أبي طالب يوم صفين، و الحسين يوم

____________

(1) ابن أبي الحديد 1/324 و الأغاني 17/109.

(2) في ابن أبي الحديد «فاختار منها القصائد السبعين التي صدر بها كتاب المفضليات» .

(3) في ط و ق «العلق» و في الأغاني «القلق» و السورة: الوثوب، و الغلق: الضجر و الحدة و ضيق الصدر.

(4) في ط و ق «يحمل السيوف» و الرقق: الضعف.

(5) كذا في الأغاني و ابن أبي الحديد، و في ط و ق «بالرزق» و العلق: الدم يريد أن عيونهم حمر لشدة الغيظ و الغضب، فكأنها كحلت بالدم.

(6) كذا في الخطية و ابن أبي الحديد و في ط و ق «يوم جذع الخندق» .

321

الطف، و زيد بن علي يوم السبخة، و يحيى بن زيد يوم الجوزجان، و نحن اليوم.

فتطيرت له من تمثّله بأبيات لم يتمثل بها أحد إلاّ قتل.

ثم سرنا إلى باخمري، فلما قرب منها أتاه نعي أخيه محمد، فتغيّر لونه، و جرض بريقه، ثم أجهش باكيا و قال:

اللهم إن كنت تعلم أن محمدا خرج يطلب مرضاتك، و يبتغي طاعتك، و يؤثر أن تكون كلمتك العليا، و أمرك المتبع المطاع، فاغفر له، و ارحمه، و ارض عنه، و اجعل ما نقلته إليه من الآخرة خيرا له مما نقلته عنه من الدنيا.

ثم انفجر باكيا و تمثل بقول الشاعر (1) :

أبا المنازل يا خير الفوارس من # يفجع بمثلك في الدنيا فقد فجعا

اللّه يعلم أني لو خشيتهم # أو آنس القلب من خوف لهم فزعا

لم يقتلوه و لم أسلم أخي لهم # حتى نعيش جميعا أو نموت معا

قال‏[المفضل‏]: فجعلت أعزيه و أعاتبه على ما ظهر من جزعه، فقال:

إني و اللّه في هذا كما قال دريد بن الصّمّة

____________

1 2

:

تقول ألا تبكي أخاك!و قد أرى # مكان البكاء لكن بنيت على الصبر

لمقتل عبد اللّه و الهالك الذي # على الشّرف الأعلى قتيل أبي بكر

و عبد يغوث أو نديمي خالد # و جلّ مصابا حثو قبر على قبر

أبى القتل إلاّ آل صمّة إنهم # أبوا غيره و القدر يجري على القدر

فإمّا ترينا ما تزال دماؤنا # لدى واتر يشقى بها آخر الدهر

فإنّا للحم السيف غير نكيرة # و نلحمه طورا و ليس بذي نكر

يغار علينا واترين فيشتفى # بنا إن أصبنا. أو نغير على وتر

بذاك قسمنا الدّهر شطرين بيننا # فما ينقضي إلاّ و نحن على شطر

قال: ثم ظهرت لنا جيوش أبي جعفر مثل الجراد، فتمثل‏[إبراهيم‏] بهذه الأبيات:

____________

(1) (1، 2) راجع صفحة 292.

322

نبّئت أن بني خزيمة أجمعوا # أمرا خلالهم لتقتل خالدا (1)

إن يقتلوني لا تصب أرماحهم # ناري و يسعى القوم سعيا جاهدا

أرمي الطريق و إن رصدت بضيقه # و أنازل البطل الكميّ الحاردا (2)

فقلت: من يقول هذا الشعر يا ابن رسول اللّه؟.

فقال: يقوله خالد بن جعفر بن كلاب في يوم شعب جبلة (3) ، و هو اليوم الذي لقيت فيه قيس تميما.

قال: و أقبلت عساكر أبي جعفر، فطعن رجلا، و طعنه آخر، فقلت له: أتباشر الحرب بنفسك و إنما العسكر منوط بك؟.

فقال: إليك عني يا أخا بني ضبة كأن عويفا أخا بني فزارة كان ينظر إلينا في يومنا هذا:

المت خناس و المامها # أحاديث نفس و أحلامها (4)

يمانية من بني مالك # تطاول في المجد أعمامها (5)

و إن لنا أصل جرثومة # ترد الحوادث أيامها

نردّ الكتيبة مفلولة # بها أفنها و بها ذامها

و التحمت الحرب، و اشتدت، فقال لي: يا مفضل: حركني بشي‏ء، فذكرت أبياتا لعويف القوافي لما تقدّم بشعره، فأنشدته قوله‏ (6) :

ألا أيّها النّاهي فزارة بعد ما # أجدّت بسير إنما أنت حالم‏ (7)

____________

(1) في الأغاني 17/109 «أن بني ربيعة» و في ابن أبي الحديد «جذيمة أمرا تدبره لتقتل خالدا» و هو غير مستقيم.

(2) في ط و ق «رصدت بضيعة» و في الأغاني «صددت» يقول أسلك الطريق الضيق و لو جعل على فيّه الترصد لقتلى، و الحارد المنفرد في شجاعته لا مثيل له.

(3) في ط و ق «يوم سعت خيله» .

(4) في ابن أبي الحديد و المخطوط «ألمت سعاد» .

(5) كذا في الأغاني، و في ط و ق «ثمانية» و في ابن أبي الحديد «محجبة... في المجد أعلامها» .

(6) الأبيات في أمالي القالي 1/258 و في سمط اللآلي 575 «الأبيات أربعة لأبي حرجة الفزاري في نسخة الوحشيات لأبي تمام ص 82 باستنبول» .

(7) في الأمالي «أحدت لغزو» .

323

أبى كل حر أن يبيت بوتره‏ (1) # و تمنع منه النوم إذ أنت نائم

أقول لفتيان كرام تروّحوا # على الجرد في أفواههن الشكائم‏ (2)

قفوا وقفة من يحي لا يخز بعدها # و من يخترم لا تتّبعه اللّوائم

و هل أنت إن باعدت نفسك منهم # لتسلم فيما بعد ذلك سالم؟

فقال: أعد، و تبينت‏ (3) في وجهه أنه سيقتل، فتنبهت و ندمت فقلت:

أو غير ذلك؟.

قال: لا بل أعد الأبيات، فأعدتها، فتمطى على ركابيه فقطعهما، و حمل فغاب عني، و أتاه سهم عائر فقتله، و كان آخر عهدي به.

حدثنا محمد بن محمد بن سليمان الباغندي. قال: سمعت إسحاق بن شاهين الواسطي يقول:

كان خالد بن عبد اللّه الواسطي‏ (4) ، من أهل السنة و الجماعة، خرج الناس مع إبراهيم بن عبد اللّه بن الحسن غيره، فإنه لزم بيته.

قال أبو الفرج علي بن الحسين:

حدثني بهذه الحكاية أحمد بن محمد بن سعيد، قال: حدثني داود بن يحيى، قال: سمعت إسحاق بن شاهين يوما، ذكر خالد بن عبد اللّه الطحان، مثله، و زاد فيه: و لكنّ أصحاب الحديث خرجوا معه جميعا:

شعبة بن الحجاج، و هشيم بن بشير، و عباد بن العوام، و يزيد بن هارون.

حدثني أحمد بن سعيد، قال: حدثنا جعفر بن محمد بن هشام، قال:

____________

(1) كذا في الأغاني و ابن أبي الحديد و في ط و ق «ترى كل حر» و في الأمالي «أركل ذي تبل يبيت بهمه» .

(2) كذا في ابن أبي الحديد، و في الأغاني «أقول لفتيان العشي تروحوا» و في ط و ق «على الحرب» و هذا البيت و ما يليه في مجموعة المعاني ص 39.

(3) في ط و ق «و تبلبلت في وجهه» .

(4) في خلاصة تذهيب الكمال 86 «قال أحمد: كان ثقة دينا، بلغني أنه اشترى نفسه من اللّه ثلاث مرات، يتصدق بوزن نفسه فضة، قيل: توفى سنة تسع و سبعين و مائة، و قيل سنة اثنتين و ثمانين، و مولده سنة عشر و مائة» .

324

حدثنا محمد بن حفص بن راشد، قال: حدثنا أبي، قال:

خرج هشيم بن بشير مع إبراهيم بن عبد اللّه، و قتل معه ابن له.

قال أحمد بن سعيد، و حدثني أحمد بن محمد بن بشر، قال حدثنا أيوب بن الحسن، قال: حدثني سليمان الشاذكوني، قال:

خرج هشيم مع إبراهيم بن عبد اللّه، و قتل معه ابنه معاوية، فقال له رجل: يا أبا معاوية، رأيتك مع إبراهيم و الرايات تخفق على رأسه.

حدثنا أحمد بن سعيد، قال حدثنا يحيى بن زكريا بن شيبان، قال: حدثنا يحيى بن صالح الجريري، قال:

سمعت يونس بن أرقم العنزي، و كان من أصحاب إبراهيم بن عبد اللّه، يقول: كان المفضل بن محمد الضبي له غاشية على التشيّع، و كان إبراهيم بن عبد اللّه بن الحسن إذا اجتمعنا إليه يجمعنا عند المفضل.

حدثنا أحمد بن سعيد، قال: حدثنا عبد الملك بن محمد الرقاشي، قال:

حدثنا أبي قال: سمعت يزيد بن ذريع يقول:

و أما المفضل الضبي فكان أكثر إقامة إبراهيم عنده حتى خرج، فكان لا يزال يدس و يحتال لكل من أمكنه أن يحوزه إلى مذهبه.

حدثني أحمد، قال: حدثنا يعقوب بن يوسف بن زكريا الضبي، قال:

حدثنا قاسم بن الضحاك، قال حدثني معاوية بن سفيان المازني، قال حدثني إبراهيم بن سويد الحنفي، قال:

سألت أبا حنيفة، و كان لي مكرما أيام إبراهيم، قلت: أيهما أحب إليك بعد حجة الإسلام: الخروج إلى هذا أو الحج؟.

فقال: غزوة بعد حجة الإسلام أفضل من خمسين حجة.

حدثني أحمد، قال: حدثنا محمد بن إسماعيل بن إسحاق الراشدي،

325

قال: حدثنا محمد بن عديس، قال: حدثني الحسين بن سلمة الأرحبي‏ (1) ، قال:

جاءت امرأة إلى أبي حنيفة أيام إبراهيم فقالت: إن ابني يريد هذا الرجل، و أنا أمنعه، فقال: لا تمنعيه.

حدثني أحمد بن سعيد، قال: حدثنا محمد بن أحمد بن عمر بن سميع الأزدي قال: حدثنا محمد بن عديس الأزدي. قال: سمعت حماد بن أعين، يقول:

كان أبو حنيفة يحض الناس على الخروج مع إبراهيم و يأمرهم باتباعه.

أخبرني جعفر بن محمد الوراق‏ (2) ، قال: حدثنا أحمد بن يوسف الجعفي، قال: حدثنا محمد بن خالد البرقي، قال:

كان أبو حنيفة يقول في أيام إبراهيم ليبلغه ذلك!إنما أمر علي عليه السلام ألاّ يجهز على جريح، و لا يقتل مدبّر في قوم لم يكن لهم فئة يوم الجمل، و لم يفعل ذلك بصفّين، لأن القوم كانت لهم فئة.

حدثنا يحيى بن علي، قال: حدثنا عمر بن شبة، قال: حدثني سليمان بن أبي شيخ قال:

خرج معي هارون بن سعد لما ولاّه إبراهيم واسطا، و برز إلى القتال عامر بن عباد بن العوام، و يزيد بن هارون، و العلاء بن راشد.

أخبرنا يحيى بن علي، قال: حدثنا عمر بن شبة، قال: حدثني جناب ابن الشخشاخ، قال:

لما خرج إبراهيم اتبعه معاذ بن نصر العنبري‏ (3) .

____________

(1) توفي في حدود الخمسين و المائتين، كما في خلاصة تذهيب الكمال ص 70.

(2) توفي سنة ست و مائتين، كما في خلاصة تذهيب الكمال 374.

(3) لعلّه أبو المثنى معاذ بن معاذ التميمي العنبري، قاضي البصرة المتوفي سنة تسعين و مائة راجع خلاصة تذهيب الكمال 325.

326

حدثنا يحيى بن علي، قال: حدثنا عمر بن شبة، قال: حدثنا عمر بن عون، قال:

ما زال عباد مستخفيا بالبصرة حتى مات أبو جعفر.

حدثنا يحيى، قال: حدثنا أبو زيد، قال: حدثنا عاصم بن علي، قال:

قتل في تلك المعركة الحجاج أخو هشيم، و معاوية ابنه.

حدثنا يحيى، قال: حدثنا عمر، قال: حدثنا عثمان بن الهيثم المؤذن و القحذمي، و يونس بن نجدة:

أن إبراهيم استقضى عباد بن منصور على البصرة.

حدثنا يحيى، قال: حدثنا عمر، قال: حدثنا القاسم بن أبي شيبة، قال:

خرج مع إبراهيم أبو خالد الأحمر.

حدثنا عمر بن عبد اللّه، و يحيى بن علي، قالا: حدثنا أبو زيد، قال:

حدثنا عبد اللّه بن محمد بن حكيم، قال: حدثني نصر بن مزاحم المنقري، قال:

خرج مع إبراهيم أبو داود الطّهوي‏ (1) . و أبو داود هذا ثقة قد روى عنه أبو نعيم و الحسن بن الحسين السعدي، و غيرهما من المحدثين.

أخبرنا عمر و يحيى، قالا: حدثنا أبو زيد، حدثنا عبد اللّه بن محمد بن حكيم، قال: حدثني عباد بن حكيم قال:

خرج مع إبراهيم بن عبد اللّه جنادة بن سويد فقوّده على ثلثمائة و شهد معه باخمري، و شهد معه المفضل بن محمد الضبي الرّاوية.

أخبرنا عمر بن عبد اللّه، و يحيى، قالا: حدثنا أبو زيد، قال: حدثنا عقيل بن عمرو الثقفي، قال:

____________

(1) في ط و ق «الطهوري» و هو تحريف، جاء في الخلاصة ص 258: «عيسى بن مسلم الطهوي-بضم الطاء و فتح الهاء-أبو داود الكوفي الأعمى» .

327

خرج مع إبراهيم الأزرق بن تمة الصريمي متقلدا سيفين، و كان من أصحاب عمرو بن عبيد.

أخبرنا عمر بن عبد اللّه، و يحيى بن علي، قالا: حدثنا أبو زيد قال حدثني إبراهيم بن سالم، قال:

كان إبراهيم الأسدي ممن سار بإبراهيم و أتى به أبو جعفر فحقره. فقال:

أنت بريده؟قال: نعم. قال: فاحلف لئن رأيت إبراهيم لتأتيني به، فحلف فخلاّه، فلما ظهر إبراهيم أتاه، فقال: إن أبا جعفر أحلفني إن رأيتك لآتينه بك، فاشخص بنا إليه.

أخبرنا عمر، و يحيى، قالا: حدثنا أبو زيد، قال: حدثني الحسين بن جعفر بن سليمان الضبي، قال: سمعت أخي داود يقول:

أحصى ديوان إبراهيم من أهل البصرة مائة ألف.

أخبرنا عمر، و يحيى، قالا: حدثنا أبو زيد، قال: حدثني عبد اللّه بن عبد الوارث قال:

حدثني هاشم بن القاسم: أنه شهد مع إبراهيم وقعة باخمري.

و هاشم بن قاسم يكنى أبا النضر، و قد روى عن سفيان الثوري، و شعبة بن الحجاج، و نضر ابنهما و هو من ثقات المحدثين‏ (1) .

أخبرنا عمر، و يحيى، قالا: حدثنا عمر بن شبّة عن سلم بن فرقد.

أن عمر بن عون‏ (2) شهد مع إبراهيم باخمري، و كان من أصحاب هشام، و روى عنه الحديث.

____________

(1) كان أهل بغداد يفتخرون به، مات سنة سبع و مائتين كما في خلاصة تذهيب الكمال 250.

(2) توفي عمر سنة خمس و عشرين و مائة راجع الخلاصة 248.

328

أخبرنا عمر و يحيى، قالا: حدثنا أبو زيد، قال: حدثنا القاسم بن أبي شيبة قال حدثنا محمد بن بشر، قال:

كنت عند سفيان الثوري أيام إبراهيم فجعل يقول: وا عجبا لأقوام يريدون الخروج لمن يخرج، و قد خرج قوم لم يكونوا يرون الخروج.

قال: و خرج مع إبراهيم من أصحاب سفيان مؤمل، و حنبص.

و مؤمل هذا يقال له: مؤمل بن إسماعيل.

حدثنا عمر و يحيى، قالا: حدثنا أبو زيد، قال:

سألت أبا نعيم عن حنبص هذا فقال: كان خليلا من أصحاب سفيان، و فيه يقول الشاعر:

يا ليت قومي كلهم حنابصا (1)

قال أبو زيد: و حدثني إبراهيم بن سلم، قال: حدثني ابن هراسة، قال:

قتل مع إبراهيم بن عبد اللّه صاحبان كانا لسفيان الثوري، كانا من خاصته.

أخبرنا عمر و يحيى، قالا: حدثنا أبو زيد، قال: حدثني عبد اللّه بن محمد بن حكيم قال:

خرج مع إبراهيم داود بن المبارك الهمداني عمّ أبي حييّ فقتل في المعركة.

أخبرنا عمر، و يحيى، قالا: حدثنا أبو زيد، قال: حدثني خلاّد الأرقط، قال: حدثني عمر بن النضر، قال:

قتل إبراهيم و أنا بالكوفة، فأتيت الأعمش بعد قتله، فقال: أ هاهنا أحد تنكرونه؟قلنا لا: قال: فإن كان ها هنا أحد تنكرونه فأخرجوه إلى نار اللّه، ثم قال: أما و اللّه لو أصبح أهل الكوفة على مثل ما أرى لسرنا حتى نتنزل بعقوته-يعني أبا جعفر-فإذا قال لي: ما جاء بك يا أعمش؟قلت: جئت لأبيد

____________

(1) في لسان العرب «قال الفراء: الحنبصة الروغان في الحرب» .

329

خضراءك، أو تبيد خضرائي؛ كما فعلت بابن رسول اللّه (ص) .

حدثني أبو عباد الصيرفي، قال: سمعت محمد بن علي بن خلف العطار، يقول:

لما قتل إبراهيم بن عبد اللّه، قال سفيان الثوري: ما أظن الصلاة تقبل، إلاّ أن الصلاة خير من تركها.

أخبرني علي بن العباس المقانعي قال: حدثنا علي بن أحمد البناني، قال:

سمعت محمد بن خلف العطار، يقول:

لما قتل إبراهيم بن عبد اللّه، قال سفيان صاحب أبي السرايا لعامر بن كثير السّراج: خرجت مع إبراهيم بن عبد اللّه بن الحسن؟قال: نعم.

قال أبو الفرج:

وجدت في كتابي الذي دفعه إلى عيسى بن الحسين، عن أحمد بن الحرث الخزاز عن المدائني:

خرج أبو محمد البريدي المؤدب مع إبراهيم بن عبد اللّه، و انهزم فيمن انهزم.

و من مختار ما رثي به إبراهيم بن عبد اللّه قول غالب بن عثمان الهمداني:

و قتيل باخمرى الذي # نادى فأسمع كلّ شاهد

قاد الجنود إلى الجنو # د تزحّف الأسد الحوارد (1)

بالمرهفات و بالقنا # و المبرقات و بالرّواعد

فدعا لدين محمد # و دعوا إلى دين بن صايد (2)

فرماهم بلبان أبـ # لق سابق للخيل سائد

بالسيف يفري مصلتا # هاماتهم بأشدّ ساعد

فأتيح سهم قاصد # لفؤاده بيمين جاحد

____________

(1) الحوارد: الغواضب.

(2) في هامش ط «ابن الصائد الذي كان يظن أنه الدجال» .

330

فهوى صريعا للجبيـ # ن و ليس مخلوق بخالد

و تبددت أنصاره # و ثوى بأكرم دار واحد

نفسي فداؤك من صريـ # ع غير ممهود الوسائد

وفدتك نفسي من غريـ # ب الدّار في القوم الأباعد

أي امرئ ظفرت به # أبناء أبناء الولائد (1)

فأولئك الشهداء و الصـ # بر الكرام لدى الشدائد

و نجار يثرب و الأبا # طح حيث معتلج العقائد (2)

أقوت منازل ذي طوى # فبطاح مكة فالمشاهد

و الخيف منهم فالجما # ر بموقف الظّعن الرّواشد (3)

فحياض زمزم فالمقا # م فصادر عنها و وارد

فسويقتان فينبع # فبقيع يثرب ذي اللّحائد

أمست بلاقع من بني الـ # حسن بن فاطمة الأراشد

قال أبو زيد: و قال غالب أيضا:

كيف بعد المهدي أو بعد إبرا # هيم نومي على الفراش الوثير

و هم الذائدون عن حرم الإسـ # لام و الجابرون عظم الكسير

حاكموهم لما تولوا إلى اللّ # ه لمصقولة الشّفار الذّكور (4)

و أشاحوا للموت محتبسي الأنـ # فس للّه ذي الجلال الكبير

أفردوني أمشي بأعضب مجبو # با سنامي و الحرب ذات زفير

غيل فيها فوارسي و رجالي # بعد عزّ و ذلّ فيها نصير

ليتني كنت قبل وقعة باخمـ # ري توفيت عدتي من شهور

و لياليّ من سنيّ البواقي # و تكملت عدّة التعمير

كنت فيمن ثوى ثويت تعود الط # ير لحمي مبيّن التّعفير (5)

____________

(1) الولائد: جمع وليدة، و هي الأمة.

(2) في ط و ق «و بحار» .

(3) في ط و ق «بموقف الطعن» .

(4) في القاموس: «المدكر من السيوف: ذو الماء» .

(5) في ط و ق «ثوى نويت» .

331

و مجال الخيلين منا و منهم # و أكف تطير كلّ مطير (1)

قول مستبسل يرى الموت في # اللّه رباحا رئبال غاب عقير (2)

قد تلبثت بالمقادير عنهم # ملبث الرائحين عن ذي البكور (3)

إذ هم يعثرون، في حلق الأو # داج حولي في قسطل مستدير (4)

آخر مقتله صلوات اللّه عليه و لعن قاتله.

30-الحسين بن زيد بن علي‏

و ممن‏ (5) توارى منهم من شهد مع محمد و إبراهيم عليهما السلام تواريا طويلا فلم يطلب و أمن فظهر الحسين بن زيد بن علي عليه السلام.

و يكنى أبا عبد اللّه.

حدثني علي بن العباس، قال: حدثني أحمد بن حازم، قال: حدثنا محول بن إبراهيم، قال:

شهد الحسين بن زيد حرب محمد و إبراهيم بني عبد اللّه بن الحسن بن الحسن ثم توارى. و كان مقيما في منزل جعفر بن محمد. و كان جعفر ربّاه، و نشأ في حجره منذ قتل أبوه، و أخذ عنه علما كثيرا. فلما لم يذكر فيمن طلب ظهر لمن يأنس به من أهله و إخوانه.

و كان أخوه محمد بن زيد مع أبي جعفر مسوّدا لم يشهد مع محمدا و إبراهيم حربهمافكان يكاتبه بما يسكن منه، ثم ظهر بعد ذلك بالمدينة ظهورا تامّا إلاّ أنه كان لا يجالس أحدا و لا يدخل إليه إلاّ من يثق به.

____________

(1) في ط و ق «و تجول الخيول منا و منهم» .

(2) في ط و ق «رباحا ذا بال» .

(3) في ط «لبث في الرياحين» و في ق «لبث في الرياح» .

(4) في ط و ق «في علق الأوداج» .

(5) لم يرد في الخطية حرف واحد من ترجمة الحسين بن زيد هذا.

332

حدثني علي بن العباس، قال: حدثنا عباد بن يعقوب، قال:

كان الحسين بن زيد يلقب ذا الدمعة لكثرة بكائه.

حدثني علي بن أحمد بن حاتم، قال: حدثنا الحسن بن عبد الواحد، قال: حدثنا يحيى بن الحسين بن زيد، قال:

قالت أمي لأبي: ما أكثر بكاءك!. فقال: و هل ترك السهمان و النار سرورا يمنعني من البكاء-تعني السهمين الذين قتل بهما أبوه زيد و أخوه يحيى.

حدثني علي بن العباس، قال: حدثنا إسماعيل بن إسحاق الراشدي قال: حدثنا أبو غسان مالك بن إسماعيل الهندي، عن الحسين بن زيد، قال:

مررت على عبد اللّه بن الحسن و هو يصلي فأشار إليّ فجلست، فلما صلّى قال لي:

يا ابن أخي، إن اللّه-عزّ و جلّ-وضعك في مرضع لم يضع فيه أحدا إلاّ من هو مثلك، و إنك قد أصبحت في حداثة سنك و شبابك يبتدرك الخير و الشر كلاهما يسرعان إليك، فإن تعش حتى نرى منك ما يشبه سلفك فتلك السعادة الثانية. و اللّه لقد توالى لك آباء ما رأيت فينا و لا في غيرنا مثلهم، إن أدنى آبائك الذي لم يكن فينا مثله: أبوك زيد بن علي، لا و اللّه ما كان فينا مثله، ثم كلما رفعت أنا فهو أفضل.

حدثني محمد بن الحسين الخثعمي، و علي بن العباس جميعا، قالا:

حدثنا عباد بن يعقوب، قال: حدثنا الحسين بن زيد، قال:

مررت بعبد اللّه بن الحسن و هو يصلي في مصلى النبي (ص) فأشار إليّ بيده و هو قائم يصلي فأتيته فلما انصرف قال لي:

رأيتك مختارا فأردت أن أعظك لعلّ اللّه ينفعك بها. إن اللّه قد وضعك موضعا لم يضع به أحدا إلاّ من هو مثلك، و إنك قد أصبحت في حداثة سن، و إن الناس يبتدرونك بأبصارهم، و الخير و الشر يبتدران إليك، فإن تأت بما يشبه سلفك فما نرى شيئا أسرع إليك من الخير، و إن تأت بما يخالف ذلك فو اللّه‏

333

لا ترى شيئا أسرع إليك من الشر، و إنه قد توالى لك آباء، و إن أدنى آبائك زيد بن علي الذي لم أر فينا و لا في غيرنا مثله، فلا ترفع إلاّ أخذت الفضل، فعلي، فحسين، فعلي عليهم السلام.

حدثني علي بن العباس، قال: أنبأنا بكار بن أحمد، قال:

حدثنا الحسن بن الحسين، عن الحسين بن زيد، قال:

شهد مع محمد بن عبد اللّه بن الحسن‏ (1) من ولد الحسين بن علي أربعة:

أنا، و أخي عيسى، و موسى، و عبد اللّه ابنا جعفر بن محمد عليهما السلام.

31-موسى بن عبد اللّه بن الحسن‏

خبر موسى بن عبد اللّه‏ (2) بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب حين ضربه المنصور بالسياط و يكنى أبا الحسن.

و أمه هند بنت أبي عبيدة بن عبد اللّه بن زمعة بن الأسود بن المطلب بن أسد بن عبد العزّى.

ولدته هند و لها ستون سنة.

قال حرمي بن أبي العلاء: حدثني الزبير، قال: حدثني عمي مصعب:

أن هندا ولدت موسى و لها ستون سنة. قال: و لا تلد لستين إلاّ قرشية (3) ، و لخمسين إلاّ عربية.

و لموسى تقول أمه هند بنت أبي عبيدة بن عبد اللّه و هو صغير ترقصه:

إنّك إن تكون جونا أنزعا # أجدر أن تضرهم و تنفعا

و تسلك العيش طريقا مهيعا # فردا من الأصحاب أو مشيّعا

____________

(1) في ط و ق «ابن الحسين» .

(2) تاريخ بغداد 13/25-27، و زهر الآداب 1/129.

(3) زهر الآداب 1/130.

334

أخبرني بقصته و ضرب المنصور إيّاه في الدفعة الأولى، عمر بن عبد اللّه بن جميل العتكي، قال: حدثنا عمر بن شبّة عن رجاله، و نسخت من كتاب أحمد بن الحرث الخرّاز ذلك و لم أسمعه، إلاّ أن عيسى بن الحسين دفع الكتاب الذي نسخت هذا منه إليّ و قال لي: هذا كتاب أحمد بن الحرث.

و حدثني بقصته في المرة الأخيرة أحمد بن عبيد اللّه بن عمّار، قال: حدثني محمد بن أبي الأزهر، قال: أخبرنا عمر بن خلف الضرير، قال: حدثتني بثينة (1) الشيبانية، و قد دخل بعض الحديث في بعض‏[و سقت خبره فيه‏] (2)

قال عمر بن شبّة في حديثه: حدثني موسى بن عبد اللّه بن موسى، عن أبيه، عن جده، قال:

لما صرنا بالرّبذة، أرسل أبو جعفر إلى أبي أن أرسل إليّ أحدكم، و اعلم أنه غير عائد إليكم أبدا، فابتدره بنو إخوته يعرضون أنفسهم عليه، فجزاهم خيرا و قال لهم: أنا أكره أن أفجعهم بكم، و لكن اذهب أنت يا موسى.

قال: فذهبت و أنا يومئذ حديث السن، فلما نظر إليّ قال: لا أنعم اللّه بك عينا، السياط يا غلام، قال: فضربت-و اللّه-حتى غشي عليّ، فما أدري بالضرب، ثم رفعت السياط عني و استدناني، فقربت منه، فقال: أتدري ما هذا؟هذا فيض فاض مني، فأفرغت عليك منه سجلا، لم أستطع رده، و من ورائه و اللّه الموت أو تفتدي منه.

قال: قلت: و اللّه يا أمير المؤمنين إن كان ذنب، فإني لبمعزل عن هذا الأمر.

قال: فانطلق فأتني بأخويك.

قال: فقلت: [يا أمير المؤمنين‏]تبعثني إلى رياح بن عثمان فيضع عليّ العيون و الرصد، فلا أسلك طريقا إلاّ اتبعني له رسول، و يعلم أخواي فيهربان مني.

____________

(1) في ط و ق «نبيتة» .

(2) الزيادة من الخطية.

335

قال: فكتب إلى رياح: لا سلطان لك على موسى.

قال: فأرسل معي حرسا أمرهم أن يكتبوا إليه بخبري. فقدمت المدينة فنزلت في دار ابن هشام بالبلاط، فأقمت بها شهورا (1) .

قال أحمد بن الحرث في حديثه عن المدائني:

فكتب رياح إلى أبي جعفر: إن موسى مقيم يتربص بك الدوائر، و ليس عنده شي‏ء مما تحب، فأمره أن يحمله إليه، فحمله، و بلغ محمدا خبره فخرج من وقته.

قال: و وجه محمد موسى إلى الشام يدعو إليه فقتل محمد قبل أن يصل، و قيل: إنه رجع إليه فشهد معه مقتله، ثم هرب حتى أتى البصرة مستترا فأقام بها:

فحدثني أحمد بن عبيد اللّه بن عمّار قال: حدثني محمد بن الأزهر، قال:

حدثنا عمر بن خلف الضرير، قال: حدثتني بثينة الشيبانية، و كانت أرضعت أحمد بن عيسى بن زيد، و الفضل بن جعفر بن سليمان:

أن موسى لما قدم من الشام إلى البصرة أتاها فنزل عندها في منزلها ببني غبر. قالت: فقلت له: بأبي أنت، قد قتل أخواك، و ولى البصرة محمد بن سليمان، و أنت خاله، و ليس عليك بأس. قالت فأرسل رسولا ليشتري له طعاما، فحمله‏على حمّال أسود صغير من الغلمان الذين يحملون حوائج الناس، فقالوا له: كم كراء ما حملت؟قال: أربعة دوانيق، فأعطوه فلم يرض فازداد حتى أعطوه أربعة دراهم، فرضي و انصرف.

قالت: فو اللّه ما غسل يده من طعامه حتى أحاطت الخيل بالدار، فلما أحس موسى بذلك جزع، و أشرفت أنظر و قلت: ليست هذه الخيل إليكم، هؤلاء يطلبون قوما من الدعار من جيراننا، فو اللّه ما أتممت الكلام حتى وافتنا الخيل في الدار. و كان مع موسى ابنه عبد اللّه، و مولى له، و رجل آخر من شيعته، فدخل الجند الدار، و مع بعضهم شي‏ء ملفوف في كساء على كفل دابة

____________

(1) الطبري 9/196.

336

من دوابهم فكشفوا الكساءفإذا الأسود الحمال، فقال لهم: هذا موسى بن عبد اللّه، و هذا ابنه عبد اللّه، و هذا مولاه، و هذا لا أعرفه.

فو اللّه لكأنه صحبهم من الشام. و أخذوهم حتى صاروا بهم إلى محمد بن سليمان فقال لهم: لا قرّب اللّه قرابتكم، و لا حيّى وجوهكم، تركتم كل بلد في الأرض إلاّ بلدا أنا فيه. فإن وصلت أرحامكم عصيت أمير المؤمنين، و إن أطعت أمير المؤمنين قطعت أرحامكم، و هو و اللّه أولى بكم مني.

قال: فحملهم إلى المنصور، فضرب موسى بن عبد اللّه خمسمائة سوط فصبر، فقال المنصور لعيسى بن علي: عذرت أهل الباطل في صبرهم-يعني الشطار-ما بال هذا الغلام المنعّم الذي لم تره الشمس.

فقال موسى: يا أمير المؤمنين، إذا صبر أهل الباطل على باطلهم، فأهل الحق أولى.

فلما فرغوا من ضربه أخرجوه، فقال له الربيع: يا فتى، قد كان بلغني أنك من نجباء أهلك، و قد رأيت خلاف ما بلغني.

فقال له موسى: و ما ذاك؟.

قال: رأيتك بين يدي عدوك تحب أن تبلغ في مكروهك و تزيد في مساءتك. و أنت تماحكه في جلدك، كأنك تصبر على جلد غيرك.

فقال موسى:

إني من القوم الذين تزيدهم # قسوا و صبرا شدة الحدثان‏ (1)

و قد قيل: إن موسى لم يزل محبوسا حتى أطلقه المهدي، و قيل إنه توارى بعد ذلك حتى مات.

و كان موسى يقول شيئا من الشعر، فحدثني أحمد بن سعيد، قال: حدثنا يحيى بن الحسن، قال‏ (2) :

____________

(1) في زهر الآداب 1/129 «جلدا و صبرا قسوة السلطان» .

(2) تاريخ بغداد 13/26.

337

كتب موسى بن عبد اللّه إلى زوجته أم سلمة بنت محمد بن طلحة بن عبد الرحمن بن أبي بكر[بن أبي قحافة] (1) أم ابنه عبد اللّه بن موسى يستدعيها للخروج إلى العراق:

لا تتركيني بالعراق فإنها # بلاد بها أس الخيانة و الغدر

فإني ملي‏ء أن أجي‏ء بضرّة # مقابلة الأجداد طيّبة النّشر

إذا انتسبت من آل شيبان في الذّرا # و مرّة لم تحفل بفضل أبي بكر

قال يحيى بن الحسن و الزبير فيما حدثني أحمد بن سعيد، عن يحيى، و حرمي بن أبي العلاء عن الزبير، عن محمد بن إسماعيل الجعفري، و محمد بن عبد اللّه البكري:

أن موسى بن عبد اللّه قال‏ (2) :

إني زعيم أن أجي‏ء بضرة # قراسية فرّاسة للضرائر (3)

فتكرم مولاها و ترضي خليلها # و تقطع من أقصى أصول الحناجر

فأجابه الربيع بن سليمان، مولى محمد و إبراهيم بني عبد اللّه بن الحسن بن الحسن فقال في ذلك:

أبنت أبي بكر تكيد بضرة؟ # لعمري لقد حاولت إحدى الكبائر

تغطّ غطيط البكر شدّ خناقه # و أنت مقيم بين صوحي عباثر (4)

قال: و عباثر: ماء كان لموسى بن عبد اللّه.

قال يحيى بن الحسن: فسمعت محمد بن يوسف يقول، و لم يذكر هذا الزبير، قال:

____________

(1) الزيادة من الخطية.

(2) تاريخ بغداد 13/26.

(3) في اللسان: «القراسية: الضخمة» .

(4) في اللسان: «الصوح الجانب من الرأس و الجبل، و يقال صوح لوجه الجبل كأنه حائط، و صوحا الوادي:

حائطاه» و العبائر كما في معجم البلدان 6/104 نقب منحدر من جبل جهينة يسلكه من خرج من إضم يريد ينبع» .

338

أمر موسى بهدايا كان أعطاها ربيعا فارتجعت منه، فبلغ أم سلمة زوجته ذلك، فحلفت لتضعفن له بيع الهدايا في مال موسى بن عبد اللّه، فأجاز ذلك موسى.

قال أبو الفرج:

و هذا ليس من هذا الباب، و لكن الحديث ذو شجون، و الشي‏ء يذكر بالشي‏ء.

حدثني أحمد بن سعيد، قال: حدثنا يحيى بن الحسن، قال: حدثني إسماعيل بن يعقوب، قال: حدثني عبد اللّه بن موسى، عن أبيه، قال:

دخلت مع أبي على أبي العباس السفاح، و أنا غلام حديث السن، فالتفت إلى أبي فقال: لعلّ ابنك هذا يروي لأميّة أبي طالب.

قال له: نعم يا أمير المؤمنين. قال: مره لينشدها. فقال لي: قم فأنشده إيّاها، فقمت فأنشدته إيّاها، و أنا قائم.

قال: و دخل موسى يوما على الرشيد ثم خرج من عنده، فعثر بالبساط فسقط، فضحك الخدم. و ضحك الجند، فلما قام التفت‏إلى هارون فقال: يا أمير المؤمنين، إنه ضعف صوم لا ضعف سكر (1) .

أخبرني عمر بن عبد اللّه، قال: حدثنا عمر بن شبة، قال: قال عيسى بن عبد اللّه:

و حدثني أحمد بن سعيد، قال: حدثني يحيى بن الحسن، قال حدثني إسماعيل بن يعقوب:

أنا أبا جعفر لما قبض أموال عبد اللّه بن الحسن، حج فصاحت به عاتكة بنت عبد الملك-و هي أم عيسى، و سليمان، و إدريس بني عبد اللّه بن الحسن- و هي تطوف في ستارة: يا أمير المؤمنين، أيتامك بنو عبد اللّه بن الحسن مات

____________

(1) تاريخ بغداد 13/27.

339

أبوهم في حبسك، و أمرت بقبض ضياعهم.

فأمر أبو جعفر بردها عليهم، فجاءت عاتكة (1) إلى الحسن بن زيد فقال لها: لم أسمع فأتيني ببينة، فأتت عيسى بن محمد، و محمد بن إبراهيم الإمام فشهدوا بذلك، فردّ أموالهم، فقال موسى: لا نقسم إلاّ على ما رسم عبد اللّه بن الحسن.

فقالت عاتكة: هذا شي‏ء قد كان السلطان قبضه، و إنما ردّه بمسئلتي.

فقال: لا نحكم فيها-و اللّه-إلاّ بحكم عبد اللّه بن الحسن، و كان عبد اللّه قد فضّل بني هند فيها على غيرهم من إخوتهم.

فقيل له: إن هذا إن بلغ السلطان قبض الأموال.

فقال: و اللّه لقبضها أحب إليّ من تغيير شروط عبد اللّه.

فكتب إلى أبي جعفر في ذلك، فأمر أن يرد و يقسم على حكم عبد اللّه.

أنشدني أحمد بن سعيد، قال: أنشدنا أحمد بن الحسن لموسى بن عبد اللّه:

لئن طال ليلي بالعراق لقد مضت # عليّ ليال بالنظيم قصائر

إذا الحي منداهم معلاّة فاللوى‏ (2) # فمشعر منهم منزل فقراقر

و إذ لا يريم البئر بئر سويقة (3) # قطين بها و الحاضر المتجاور

32-علي بن الحسن بن زيد

و علي بن الحسن بن زيد بن علي بن أبي طالب عليه السلام و يكنى أبا الحسن.

و أمه أم ولد تدعى أمة الحميد.

____________

(1) في هامش الخطية: «هي عاتكة بنت عبد الملك بن الحارث بن خالد بن العاص بن هشام بن المغيرة من بني مخزوم» .

(2) منداهم: محضرهم و مجمعهم، و في الخطية «معلى و باللوى» .

(3) كذا في الخطية، و في ط و ق «و لو لا أديم البئر» .

340

كان أبو جعفر حبسه مع أبيه الحسن بن زيد لما سخط عليه، و صرفه عن المدينة و أقامه للناس، فلم يزل عليّ محبوسا مع أبيه حتى مات في الحبس.

و لما ولي المهدي أطلق الحسن بن زيد، و له خبر طويل قد وضعناه‏ (1) في موضعه من كتابنا الكبير

____________

1 2

، إذ كان هذا ليس مما يجري مجرى من قتل في معركة أو غيرها فيذكر خبره هاهنا.

33-حمزة بن إسحاق بن علي‏

و حمزة بن إسحاق بن علي بن عبد اللّه بن جعفر بن أبي طالب و أمه أم ولد.

وجد عليه أبو جعفر فأقامه للناس، و حبسه فمات في حبسه، رضوان اللّه عليه و رحمته.

____________

(1) (1، 2) في ط و ق «وصفناه» .

341

ذكر أيام المهدى‏

محمد بن عبد الله و من قتل فيها أو حبس أو توارى فمات حال تواريه‏

342

34-علي بن العباس بن الحسن‏

و علي‏ (1) بن العباس بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب عليه السلام و يكنى أبا الحسن.

و أمه عائشة بنت محمد بن عبد اللّه بن محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر.

و كان قدم بغداد، و دعا إلى نفسه‏[سرا] (2) ، فاستجاب له جماعة من الزيدية و بلغ المهدي خبره فأخذه، فلم يزل في حبسه حتى قدم الحسين بن علي صاحب فخ فكلمه فيه، و استوهبه منه فوهبه له.

فلما أراد إخراجه من حبسه دس إليه شربة سم فعملت فيه، فلم يزل ينتقض عليه في الأيام حتى قدم المدينة فتفسخ‏ (3) لحمه، و تباينت أعضاؤه، فمات بعد دخوله المدينة بثلاثة أيام‏ (4) .

أخبرني بذلك علي بن إبراهيم العلوي قال: حدثنا الحسن بن علي بن هاشم، قال‏ (5) :

حدثنا الحسن بن محمد المزني عن أحمد بن الحسن بن مروان الهاشمي، عن عبد العزيز بن عبد الملك، قال الحسن بن محمد المزني. و حدثني محمد بن علي بن إبراهيم، عن بكر بن صالح، عن عبد اللّه‏ (6) بن إبراهيم الجعفري بهذا.

35-عيسى بن زيد بن علي‏

و ممن توارى منهم في هذه الأيام فمات متواريا:

عيسى بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب و يكنى أبا يحيى.

____________

(1) في ط و ق: «حدثنا أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد بن محمد الطبري قال: حدثنا أبو الفرج علي بن الحسين بن محمد الأصبهاني و علي إلخ» .

(2) الزيادة من الخطية.

(3) في ط و ق «ففسخ لحمه و تناثرت أعضاؤه» .

(4) في الخطية «بأيام يسيرة» .

(5) الزيادة من الخطية.

(6) في ط و ق «عن عبد الملك» .

343

و أمه أم ولد، ولد في الوقت الذي أشخص فيه أبوه زيد بن علي إلى هشام بن عبد الملك، و كانت أم عيسى بن زيد معه في طريقه، فنزل ديرا للنصارى و وافق نزوله إيّاه ليلة الميلاد، و ضربها المخاض هنالك فولدته له تلك الليلة، و سمّاه أبوه عيسى باسم المسيح عيسى ابن مريم-صلوات اللّه عليهما-.

حدثني بذلك محمد بن سعيد، قال: حدثنا بذلك محمد بن منصور، عن أحمد بن عيسى بن زيد.

و شهد عيسى مع محمد بن عبد اللّه بن الحسن و أخيه إبراهيم حربهما.

و اختلف في سبب تواريه، فقيل إنه أنكر على إبراهيم بن عبد اللّه أنه كبّر على جنازة أربعا ففارقه، و قيل بل ثبت معه حتى قتل ثم توارى بعد ذلك.

أخبرنا يحيى بن علي، و أحمد بن عبد العزيز، قالا: حدثنا عمر بن شبّة، قال: حدثنا إبراهيم بن محمد بن عبد اللّه بن أبي الكرام، قال‏ (1) :

صلّى إبراهيم على جنازة بالبصرة و كبّر عليها أربعا، فقال له عيسى بن زيد: لم نقصت واحدة و قد عرفت تكبير أهل بيتك؟.

فقال: هذا أجمع لهم، و نحن إلى اجتماعهم محتاجون، و ليس في تكبيرة تركتها ضرر إن شاء اللّه، ففارقه عيسى و اعتزل. و بلغ ذلك أبا جعفر فأرسل إلى عيسى يبذل له ما سأل على أن يخذل الزيدية عن إبراهيم، فلم يتم الأمر بينهما حتى قتل إبراهيم، فاستخفى عيسى، فقيل لأبي جعفر: ألا تطلبه. فقال: لا و اللّه. لا أطلب منهم رجلا أبدا بعد محمد و إبراهيم، أنا أجعل لهم بعدها ذكرا (2) .

____________

(1) راجع صفحة 286.

(2) راجع نقد المؤلف لهذه الرواية في صفحة 287.

344

أخبرني علي بن العباس المقانعي، قال: حدثنا عبّاد بن يعقوب، قال:

حدثنا عيسى بن عبد اللّه بن محمد بن عمر بن علي:

أن عيسى بن زيد كان على ميمنة إبراهيم بن عبد اللّه بن الحسن، و كان مع محمد بن عبد اللّه بن الحسن، على ميمنته أيضا.

أخبرنا عيسى بن الحسن، قال: حدثنا علي بن محمد النوفلي، عن أبيه، قال:

كان عيسى و الحسين ابنا زيد بن علي مع محمد و إبراهيم‏ (1) ابني عبد اللّه بن الحسن في حروبهما من أشد الناس قتالا و أنفذهم بصيرة، فبلغ ذلك عنهما أبا جعفر فكان يقول: ما لي و لابني زيد و ما ينقمان علينا؟ألم نقتل قتلة أبيهما، و نطلب بثأرهما، و نشفي صدورهما من عدوهما؟.

أخبرني يحيى بن علي، و أحمد بن عبد العزيز و عمر العتكي، قالوا: حدثنا عمر بن شبّة، قال: حدثنا عيسى بن عبد اللّه بن محمد بن عمر[بن علي‏]، قال:

خرج عيسى بن زيد مع محمد بن عبد اللّه بن الحسن، فكان يقول له: من خالفك أو تخلّف عن بيعتك من آل أبي طالب فأمكني منه أن أضرب عنقه.

أخبرني يحيى بن علي، و أحمد[بن عبد العزيز الجوهري‏]، قالا: حدثنا عمر بن شبّة، قال: حدثني إبراهيم بن سلم بن أبي واصل الحذاء، قال:

حدثني أخي علي بن سلم قال:

لما انهزمنا صرنا إلى عيسى بن زيدو هو واقف فخففنا به و صبرنا مليّا فقال:

ما بعد هذا متلوّم‏ (2) ، فانحاز و صار إلى قصر خراب و نحن معه، فأزمعنا على أن نبيّت عيسى بن موسى، فلما انتصف الليل فقدنا عيسى فانتقض أمرنا (3) .

____________

(1) الطبري 9/232 و ابن الأثير 5/222.

(2) في ط و ق «ابن سالم» .

(3) في ط و ق «فتلوم» .

345

و كان عيسى أفضل من بقي من أهله دينا، و علما، و ورعا، و زهدا، و تقشفا (1) ، و أشدهم بصيرة في أمره و مذهبه، مع علم كثير، و رواية للحديث و طلب له؛ صغره و كبره، و قد روى عن أبيه، و جعفر بن محمد، و أخيه عبد اللّه بن محمد، و سفيان بن سعيد الثّوري و الحسن بن صالح‏ (2) [بن حي‏] و شعبة بن الحجاج‏ (3) و يزيد بن أبي زياد، و الحسن بن عمارة و مالك بن أنس، و عبد اللّه بن عمر العمري‏ (4) و نظراء لهم كثير عددهم.

و لما ظهر محمد بن عبد اللّه بن الحسن، و زحف إليه عيسى بن موسى، جمع إليه وجوه الزيدية و كل من حضر معه من أهل العلم، و عهد إليه أنه‏إن أصيب في وجهه ذلك، فالأمر إلى أخيه إبراهيم، فإن أصيب إبراهيم، فالأمر إلى عيسى بن زيد.

حدثني بذلك أحمد بن محمد بن سعيد، قال: حدثنا يحيى بن الحسن، قال إن عبد اللّه بن محمد بن عمر ذكر ذلك من وصية محمد إلى أخيه إبراهيم، ثم إلى عيسى بن زيد، فلما أصيبا توارى عيسى بن زيد بالكوفة في دار علي بن صالح بن حي أخي الحسن بن صالح، و تزوج ابنة له، و ولدت منه بنتا ماتت في حياته، و خبره في ذلك يذكر بعد إن شاء اللّه.

حدثنا أحمد بن محمد بن سعيد على سبيل المذاكرة فحفظته عنه لم أكتبه من‏ (5) لفظه، و الحديث يزيد و ينقص و المعنى واحد، قال: حدثني محمد بن المنصور المرادي، قال: قال يحيى بن الحسين بن زيد:

قلت لأبي: يا أبة، إني أشتهي أن أرى عمي عيسى بن زيد، فإنه يقبح

____________

(1) في ط و ق «و نفسا» .

(2) في ط و ق «الحسين» .

(3) ولد سنة ثمانين، و مات سنة ستين و مائة، كما في خلاصة تذهيب الكمال ص 140.

(4) راجع تاريخ بغداد 10/310.

(5) في الخطية «لم أكشفه من» .

346

بمثلي أن لا يلقى مثله من أشياخه، فدافعني عن ذلك مدة و قال: إن هذا أمر يثقل عليه، و أخشى أن ينتقل عن منزله كراهية للقائك إيّاه فتزعجه، فلم أزل به أداريه و ألطف به حتى طابت نفسه لي بذلك، فجهزني إلى الكوفةو قال لي:

إذا صرت إليها فاسأل عن دور بني حي، فإذا دللت عليها فاقصدها في السكة الفلانية، و سترى في وسط السكة دارا لها باب صفته كذا و كذا فاعرفه و اجلس بعيدا منها في أول السكة، فإنه سيقبل عليك عند المغرب كهل طويل مسنون‏ (1)

الوجه، قد أثر السجود في جبهته، عليه جبة صوف، يستقي الماء على جمل، [و قد انصرف يسوق الجمل‏] (2) لا يضع قدما و لا يرفعها إلاّ ذكر اللّه-عز و جلّ-و دموعه تنحدر، فقم و سلّم عليه و عانقه، فإنه سيذعر منك كما يذعر الوحش، فعرّفه نفسك و انتسب له، فإنه يسكن إليك و يحدثك طويلا، و يسألك عنّا جميعا و يخبرك بشأنه و لا يضجر بجلوسك معه، و لا تطل عليه و ودعه؛ فإنه سوف يستعفيك من العودة إليه، فافعل ما يأمرك به من ذلك؛ فإنك إن عدت إليه توارى عنك، و استوحش منك و انتقل عن موضعه، و عليه في ذلك مشقة.

فقلت: أفعل كما أمرتني. ثم جهزني إلى الكوفة و ودعته و خرجت، فلما وردت الكوفة قصدت سكة بني حيّ بعد العصر، فجلست خارجها بعد أن تعرفت الباب الذي نعته لي، فلما غربت الشمس إذا أنا به قد أقبل يسوق الجمل، و هو كما وصف لي أبي، لا يرفع قدما و لا يضعها إلاّ حرك شفتيه بذكر اللّه، و دموعه ترقرق في عينيه و تذرف أحيانا، فقمت فعانقته، فذعر مني كما يذعر الوحش من الإنس، فقلت: يا عم أنا يحيى بن الحسين بن زيد بن أخيك، فضمني إليه و بكى حتى قلت قد جاءت نفسه، ثم أناخ جمله، و جلس معي، فجعل يسألني عن أهله رجلا رجلا، و امرأة امرأة، و صبيا صبيا، و أنا أشرح له أخبارهم و هو يبكي، ثم قال: يا بني، أنا أستقي على هذا الجمل الماء، فأصرف ما أكتسب، يعني من أجرة الجمل. إلى صاحبه، و أتقوت باقيه، و ربما عاقني عائق عن استقاء الماء فأخرج إلى البريّة، يعني بظهر الكوفة،

____________

(1) في الخطية «مستور» .

(2) الزيادة من الخطية.

347

فألتقط ما يرمي الناس به من البقول فأتقوته.

و قد تزوجت إلى هذا الرجل ابنته، و هو لا يعلم من أنا إلى وقتي هذا، فولدت مني بنتا، فنشأت و بلغت، و هي أيضا لا تعرفني، و لا تدري من أنا، فقالت لي أمها: زوّج ابنتك بابن فلان السقاء-لرجل من جيراننا يسقي الماء- فإنه أيسر منا و قد خطبها، و ألحّت عليّ، فلم أقدر على إخبارها بأن ذلك غير جائز، و لا هو بكف‏ء لها، فيشيع خبري، فجعلت تلح عليّ فلم أزل أستكفي اللّه أمرها حتى ماتت بعد أيام، فما أجدني‏ (1) آسي على شي‏ء من الدنيا أساي على أنها ماتت و لم تعلم بموضعها من رسول اللّه (ص) .

قال: ثم أقسم عليّ أن أنصرف و لا أعود إليه و ودّعني.

فلما كان بعد ذلك صرت إلى الموضع الذي انتظرته فيه لأراه فلم أره، و كان آخر عهدي به.

حدّثني أحمد بن عبيد اللّه بن عمّار، قال: نسخت من خط هارون بن محمد بن عبد الملك الزيّات، قال: حدثني عتبة (2) بن المنهال، قال:

كان جعفر الأحمر (3) ، و صباح الزعفراني ممن يقوم بأمر عيسى بن زيد، فلما بذل المهدي لعيسى بن زيد من جهة يعقوب بن داود ما بذل له من المال و الصلة نودي‏ (4) بذلك في الأمصار ليبلغ عيسى بن زيد فيأمن، فقال عيسى لجعفر الأحمر و صباح: قد بذل لي من المال ما بذل، و و اللّه ما أردت حين أتيت الكوفة الخروج عليه، و لأن أبيت خائفا ليلة واحدة أحبّ إليّ من جميع ما بذل لي، و من الدنيا بأسرها.

أخبرني عبد اللّه بن زيدان‏ (5) ، قال: حدّثني أبي، قال: حدّثني سعيد بن

____________

(1) في ط و ق «فما أحد» .

(2) في ط و ق «عيينة» .

(3) هو جعفر بن زياد الكوفي الأحمر. قال أبو داود عنه إنه شيعي ثقة، و قال أبو نعيم: مات سنة خمس و ستين و مائة، راجع خلاصة تذهيب الكمال 53.

(4) في ط و ق «يؤدي» .

(5) في ط و ق «بن زيد» .

348

عمر بن جنادة البجلي، قال:

حج عيسى بن زيد و الحسن‏[بن صالح‏]، فسمعنا مناديا ينادي: ليبلغ الشاهد الغائب أن عيسى بن زيد آمن في ظهوره و تواريه، فرأى عيسى بن زيد الحسن بن صالح قد ظهر فيه سرور بذلك فقال: كأنك قد سررت بما سمعت، فقال: نعم. فقال له عيسى: و اللّه لإخافتي إيّاهم ساعة أحبّ إليّ من كذا و كذا.

حدّثني عيسى بن الحسين الورّاق، قال: حدثنا محمد بن الحسين بن مسعود الروقي، قال: حدّثني السري بن مسكين الأنصاري المدني، قال:

حدثني‏ يعقوب بن داود، قال:

دخلت مع المهدي في قبة في بعض الخانات في طريق خراسان، فإذا حائطها عليه أسطر مكتوبة، فدنا و دنوت معه فإذا هي هذه الأبيات:

و اللّه ما أطعم طعم الرّقاد # خوفا إذا نامت عيون العباد

شرّدني أهل اعتداء و ما # أذنبت ذنبا غير ذكر المعاد

آمنت باللّه و لم يؤمنوا # فكان زادي عندهم شر زاد

أقول قولا قاله خائف # مطرد قلبي كثير السهاد

منخرق الخفّين يشكو الوجى # تنكبه أطراف مرو حداد

شرده الخوف فأزرى به # كذاك من يكره حرّ الجلاد

قد كان في الموت له راحة # و الموت خم في رقاب العباد (1)

قال: فجعل المهدي يكتب تحت كل بيت: «لك الأمان من اللّه و مني فأظهر متى شئت» حتى كتب ذلك تحتها أجمع، فالتفت فإذا دموعه تجري على خده، فقلت له: من ترى قائل هذا الشعر يا أمير المؤمنين؟.

قال: أتتجاهل عليّ؟من عسى أن يقول هذا الشعر إلاّ عيسى بن زيد.

____________

(1) راجع صفحة 267.

349

قال: أبو الفرج الأصبهاني:

و قد أنشدني علي بن سليمان الأخفش هذا الشعر عن المنذر لعيسى بن زيد فقال فيه:

شرّدني فضل و يحيى و ما # أذنبت ذنبا غير ذكر المعاد

آمنت باللّه و لم يؤمنا # فطرداني خيفة في البلاد

و الأول أصح، لأن عيسى لم يدرك سلطان آل برمك و مات قبل ذلك.

حدثني أحمد بن محمد، قال: حدّثني أحمد بن يحيى الحجري، قال حدثني الحسن بن الحسين الكندي، عن خصيب الوابشي، و كان من أصحاب زيد بن علي و كان خصيصا بعيسى بن زيد، قال:

كان عيسى بن زيد على ميمنة محمد بن عبد اللّه بن الحسن يوم قتل، ثم صار إلى إبراهيم فكان معه على ميمنته حتى قتل، ثم استتر بالكوفة في دار علي بن صالح بن حي، فكنا نصير إليه حال خوف، و ربما صادفناه في الصحراء يستقي الماء على جمل لرجل من أهل الكوفة، فيجلس معنا و يحدثنا. و كان يقول لنا: و اللّه لوددت أني آمن عليكم هؤلاء فأطيل مجالستكم، فأتزود من محادثتكم و النظر إليكم، فو اللّه إني لأتشوقكم و أتذكركم في خلوتي و على فراشي عند مضجعي، فانصرفوا لا يشهر موضعكم و أمركم فيلحقكم معرة و ضرر.

حدّثني أحمد بن محمد بن سعيد، قال: حدثني أحمد بن عبد الحميد، قال حدثني محمد بن عمرو بن عتبة، عن المختار بن عمر، قال:

رأيت خصيبا الوابشي قبّل يد عيسى بن زيد، فجذب عيسى يده و منعه من ذلك، فقال له خصيب: قبّلت يد عبد اللّه بن الحسن فلم ينكر ذلك عليّ.

قال أبو الفرج:

و كان خصيب هذا من أصحاب زيد بن علي، و قد شهد معه حربه، و شهد مع محمد و إبراهيم حروبهما، و روى عنهم جميعا، و روى عن زيد بن علي أيضا عدة حكايات، و لم أسمع في روايته عنه حديثا مسندا.

حدثني أحمد بن سعيد، قال: حدثني أحمد بن يحيى بن المنذر، قال: ـ

350

حدثنا الحسن بن الحسين الكندي، قال حدثنا خصيب الوابشي، قال:

كنت إذا رأيت زيد بن علي رأيت أسارير النور تجري في وجهه.

حدثنا جعفر بن محمد بن جعفر بن الحسن بن جعفر بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، قال: حدثني محمد بن علي بن خلف العطار، قال حدثني محمد بن عمر و الفقمي الرازي، قال: سمعت علي بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب العابد و هو أبو الحسين بن علي صاحب فخ، يقول:

لقد رأيتنا و نحن متوفرون و ما فينا أحد خير من عيسى بن زيد.

حدّثنا جعفر بن محمد العلوي، قال: حدّثني محمد بن علي بن خلف، قال: حدّثني محمد بن عمرو الفقمي، قال:

قرأ عيسى بن زيد على عبد اللّه بن جعفر.

قال أبو الفرج:

عبد اللّه بن جعفر هذا والد علي بن عبد اللّه بن جعفر المدني المحدث، و كان من قراء القرآن، و كبار المحدثين، و خرج مع محمد بن عبد اللّه، فلم يزل معه حتى قتل محمد و طلبه المنصور فتوارى منه، و قد ذكرت خبره في ذلك في مقتل إبراهيم‏ (1) .

حدّثني عبد اللّه بن زيدان البجلي، قال: حدّثني أبي، قال: حدّثني سعيد بن عمر بن جنادة البجلي، قال:

كان الحسن بن صالح، و عيسى بن زيد بمنى، فاختلفا في مسألة من السيرة، فبينما هما يتناظران فيها جاءهما رجل فقال: قد قدم سفيان الثوري، فقال الحسن بن صالح: قد جاء الشفاء.

فقال عيسى بن زيد: فأنا أسأله عن هذا الذي اختلفنا فيه، و سأل عن

____________

(1) راجع صفحة 304.

351

موضعه فأخبر به، فقام إليه فمر في طريقه بجناب بن نسطاس‏ (1) العرزمي فسلم عليه، و مضى إلى سفيان فسأله عن المسألة فأبى سفيان أن يجيبه خوفا على نفسه من الجواب لأنه كان شي‏ء فيه على السلطان، فقال له الحسن‏[بن صالح‏]إنه عيسى بن زيد، فتنبه سفيان و استوفز، ثم نظر إلى عيسى بن زيد كالمستثبت فتقدم إليه فقال له: نعم أنا عيسى بن زيد. فقال: أحتاج إلى من يعرفك.

قال: جناب بن نسطاس أجيئك به.

فقال: افعل. قال: فذهب عيسى فجاءه به، فقال جناب بن نسطاس:

نعم يا أبا عبد اللّه هذا عيسى بن زيد، فبكى سفيان فأكثر البكاء، و قام من مجلسه فأجلسه فيه و جلس بين يديه، و أجابه عن المسألة، ثم ودعه و انصرف.

قال أبو الفرج:

و قد حدّثني بهذا الحديث أحمد بن محمد بن سعيد، و كنت ذكرت له ما حدثني به ابن زيدان من ذلك فقال: حدثني محمد بن سالم بن عبد الرحمن قال:

حدّثني المنذر بن جعفر العبدي عن أبيه، قال:

خرجت أنا و الحسن، و علي بن صالح ابنا حي، و عبد ربه بن علقمة، و جناب بن نسطاس مع عيسى بن زيد حجاجا بعد مقتل إبراهيم، و عيسى بيننا يستر نفسه في زي الجمالين، فاجتمعنا بمكة ذات ليلة في المسجد الحرام، فجعل عيسى بن زيد، و الحسن بن صالح يتذاكران أشياء من السيرة، فاختلف هو و عيسى في مسألة منها، فلما كان من الغد دخل علينا عبد ربه بن علقمة فقال:

قدم عليكم الشفاء فيما اختلفتم فيه، هذا سفيان الثوري قد قدم، فقاموا بأجمعهم فخرجوا إليه، فجاءوه و هو في المسجد جالس، فسلموا عليه، ثم سأله عيسى بن زيد عن تلك المسألة، فقال: هذه مسألة لا أقدر على الجواب عنها لأن فيها شيئا على السلطان.

فقال له الحسن: إنه عيسى بن زيد، فنظر إلى جناب بن نسطاس مستثبتا، فقال له جناب: نعم هو عيسى بن زيد، فوثب سفيان فجلس بين يدي

____________

(1) في ط و ق «بن قسطاس» راجع إتقان المقال 173.

352

عيسى و عانقه و بكى بكاء شديدا و اعتذر إليه مما خاطبه به من الرد، ثم أجابه عن المسألة و هو يبكي و أقبل علينا فقال: إن حب بني فاطمة و الجزع لهم مما هم عليه من الخوف و القتل و التطريد ليبكي من في قلبه شي‏ء من الإيمان، ثم قال لعيسى:

قم بأبي أنت فأخف شخصك لا يصيبك من هؤلاء شي‏ء نخافه، فقمنا فتفرقنا.

أخبرني أحمد بن محمد بن سعيد، قال: حدثني محمد بن سالم بن عبد الرحمن، قال علي بن جعفر الأحمر، حدثني أبي، قال:

كنت أجتمع أنا، و عيسى بن زيد، و الحسن، و علي ابنا صالح بن حي، و إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق، و جناب بن نسطاس، في جماعة من الزيدية في دار بالكوفة، فسعى ساع إلى المهدي بأمرنا و دلّه على الدار، فكتب إلى عامله بالكوفة بوضع الأرصاد علينا، فإذا بلغه اجتماعنا كبسنا و أخذنا و وجه بنا إليه.

فاجتمعنا ليلة في تلك الدار، فبلغه خبرنا فهجم علينا، و نذر القوم به و كانوا في علو الدار، فتفرقوا و نجوا جميعا غيري، فأخذني و حملني إلى المهدي فأدخلت إليه، فلما رآني شتمني بالزنا (1) و قال لي: يابن الفاعلة أنت الذي تجتمع مع عيسى بن زيد و تحثّه على الخروج عليّ و تدعو إليه الناس؟.

فقلت له: يا هذا، أما تستحيي من اللّه، و لا تتقي اللّه و لا تخافه، تشتم المحصنات و تقذفهن بالفاحشة، و قد كان ينبغي لك و يلزمك في دينك و ما وليته، أن لو سمعت سفيها يقول مثل قولك أن تقيم عليه الحد.

فأعاد شتمي ثم وثب إليّ فجعلني تحته، و ضربني بيديه، و خبطني برجليه، و شتمني.

فقلت له: إنك لشجاع شديد أيّد، حين قويت على شيخ مثلي تضربه، لا يقدر على المنع من نفسه و لا انتصار لها.

فأمر بحبسي و التضيق عليّ، فقيدت بقيد ثقيل و حبست سنين، فلما بلغه وفاة عيسى بن زيد بعث إليّ فدعاني فقال لي: من أي الناس أنت؟قلت من المسلمين. قال: أعرابي أنت؟قلت لا. قال فمن أي الناس أنت؟. قلت: كان

____________

(1) في ط و ق «شتمني بالرأي» .

353

أبي عبدا لبعض أهل الكوفة و أعتقه فهو أبي.

فقال لي: إن عيسى بن زيد قد مات.

فقلت: أعظم بها مصيبة، رحمه اللّه، فلقد كان عابدا ورعا، مجتهدا في طاعة اللّه، غير خائف لومة لائم.

قال: أ فما علمت بوفاته؟قلت: بلى. قال: فلم لم تبشرني بوفاته؟.

فقلت: لم أحب أن أبشرك بأمر لو عاش رسول اللّه (ص) فعرفه لساءه.

فأطرق طويلا ثم قال: ما أرى في جسمك فضلا للعقوبة، و أخاف أن أستعمل شيئا منها فيك فتموت و قد كفيت عدوي، فانصرف في غير حفظ اللّه، و اللّه لئن بلغني أنك عدت لمثل فعلك لأضربن عنقك.

قال: فانصرفت إلى الكوفة فقال المهدي للربيع: أما ترى قلّة خوفه و شدّة قلبه، هكذا يكون و اللّه أهل البصائر.

قال علي بن جعفر: و حدثني أبي، قال:

اجتمعت أنا، و إسرائيل بن يونس، و الحسن، و علي ابنا صالح بن حي، في عدة من أصحابنا، مع عيسى بن زيد، فقال له الحسن بن صالح بن حي: متى تدافعنا بالخروج و قد اشتمل ديوانك على عشرة آلاف رجل؟.

فقال له عيسى: ويحك، أتكثر عليّ العدد و أنا بهم عارف، أما و اللّه لو وجدت فيهم ثلثمائة رجل أعلم أنهم يريدون اللّه عزّ و جلّ، و يبذلون أنفسهم له، و يصدقون للقاء عدوه في طاعته، لخرجت قبل الصباح حتى أبلي عند اللّه عذرا في أعداء اللّه، و أجري أمر المسلمين على سنّته و سنّة نبيه (ص) ، و لكن لا أعرف موضع ثقة يفي ببيعته للّه عزّ و جلّ، و يثبت عند اللقاء! قال: فبكى الحسن بن صالح حتى سقط مغشيا عليه.

قال: و حدثني أبي، قال:

دخلت على عيسى بن زيد و هو يأكل خبزا و قثاء، فأعطاني رغيفين و قثائتين‏

354

و قال لي: كل، فأكلت رغيفا و نصف الآخر مع قثاءة و نصف فشبعت و تركت الباقي، فلما كان بعد أيام جئته فأخرج لي الكسرة و نصف القثاءة و قد ماتت فقال لي: كل فقلت: و أي شي‏ء كان في هذا حتى خبأته لي.

قال: قد أعطيتك إيّاه فصار لك فأكلت بعضه و بقي البعض، فكله إن شئت أو فتصدق به.

حدثنا محمد بن العباس اليزيدي، قال: حدثني عمي عبيد اللّه، عن القاسم بن أبي شيبة، عن أبي نعيم، قال:

حدّثني من شهد عيسى بن زيد لما انصرف من واقعة باخمري و قد خرجت عليه لبؤة معها أشبالها، فعرضت للطريق و جعلت تحمل على الناس، فنزل عيسى فأخذ سيفه و ترسه ثم‏نزل إليها فقتلها، فقال له مولى له: أيتمت أشبالها يا سيدي فضحك فقال: نعم أنا ميتم الأشبال، فكان أصحابه بعد ذلك إذا ذكروه كنوا عنه و قالوا: قال موتم الأشبال كذا، و فعل موتم الأشبال كذا، فيخفى أمره.

و قد ذكر ذلك يموت بن المزرّع‏ (1) في قصيدة رثى فيها أهل البيت عليهم السلام.

و ذكرها أيضا الشّميطي‏ (2) ، و كان من شعراء الامامية، في قصيدة عاب فيها من خرج من الزيدية رضوان اللّه عليهم فقال:

سنّ ظلم الإمام للناس زيد # إنّ ظلم الإمام ذو عقّال

و بنو الشيخ و القتيل بفخ # بعد يحيى و موتم الأشبال‏

أخبرنا عيسى بن الحسين الورّاق، قال: حدثني علي بن محمد بن سليمان

____________

(1) راجع ترجمته في تاريخ بغداد 14/358-360.

(2) في ط و ق «الشمطي» و في الخطية «السميطي» و هو أبو السري معدان الأعمى الشميطي، و الشميطية فرقة من الشيعة الإمامية الرافضة نسبت إلى أحمر بن شميط. راجع الحيوان 2/268 و البيان و التبيين 3/212.