مقاتل الطالبيين

- ابو الفرج الأصفهاني المزيد...
663 /
355

النوفلي قال: حدثني أبي عن أبيه و عمه، قال:

إن عيسى بن زيد انصرف من وقعة باخمري بعد مقتل إبراهيم فتوارى في دور ابن صالح بن حي، و طلبه المنصور طلبا ليس بالحثيث. و طلبه المهدي و جدّ في طلبه حينا فلم يقدر عليه، فنادى بأمانه ليبلغه ذلك فيظهر، فبلغه فلم يظهر، و بلغه خبر دعاة له ثلاثة و هم: ابن علاق الصيرفي، و حاضر مولى لهم، و صباح الزعفراني، فظفر بحاضر فحبسه، و قرّره و رفق به و اشتد عليه ليعرّفه موضع عيسى فلم يفعل، فقتله.

و مكث طول حياة عيسى يطلب صباحا و ابن علاق فلم يظفر بهما.

ثم مات عيسى بن زيد فقال صباح للحسن بن صالح: أما ترى هذا العذاب و الجهد الذي نحن فيه بغير معنى، قد مات عيسى بن زيد و مضى لسبيله و إنما نطلب خوفا منه، فإذا علم أنه قد مات أمنوه و كفوا عنا، فدعني آتي هذا الرجل-يعني المهدي-فأخبره بوفاته حتى نتخلص من طلبه لنا، و خوفنا منه.

فقال: لا و اللّه لا تبشر عدو اللّه بموت ولي اللّه ابن نبي اللّه، و لا نقر عينه فيه و نشمته به، فو اللّه لليلة يبيتها خائفا منه أحبّ إليّ من جهاد سنة و عبادتها.

قال: و مات الحسن بن صالح بعده بشهرين، فحدث صباح الزعفراني قال:

أخذت أحمد بن عيسى، و أخاه زيدا فجئت بهما إلى بغداد فجعلتهما في موضع أثق به عليهما، ثم لبست أطمارا و جئت إلى دار المهدي، فسألت أن أوصل إلى الربيع و أن يعرف أن عندي نصيحة و بشارة بأمر يسر الخليفة. فدخلوا عليه فأعلموه بذلك فخرجوا إليّ فأذنوا لي، فدخلت إليه و قال: ما نصيحتك؟.

فقلت: لا أقولها إلاّ للخليفة.

فقال: لا سبيل إلى ذلك دون أن تعلمني النصيحة ما هي.

فقلت: أما النصيحة فلا أذكرها إلاّ له، و لكن أخبره أني صباح الزعفراني، داعية عيسى بن زيد، فأدناني منه ثم قال:

356

يا هذا: لست تخلو من أن تكون صادقا أو كاذبا، و هو على الحالين قاتلك، إن كنت صادقا فأنت تعرف سوء أثرك عنده، و طلبه لك، و بلوغه في ذلك أقصى الغايات، و حرصه عليه، و حين تقع عينه عليك يقتلك.

و إن كنت كاذبا و إنما أردت الوصول إليه من أجل حاجة لك غاظه ذلك من فعلك فقتلك، و أنا ضامن لك قضاء حاجتك كائنة ما كانت لا أستثني شيئا.

فقلت: أنا صباح الزعفراني، و اللّه الذي لا إله إلاّ هو ما لي إليه حاجة، و لو أعطاني كل ما يملك ما أردته و لا قبلته، و قد صدقتك فإن أخبرته و إلاّ توصلت إليه من جهة غيرك.

فقال: اللهم اشهد اني بري‏ء من دمه، ثم وكّل بي جماعة من أصحابه و قام فدخل، فما ظننت أنه وصل إليه حتى نودي: هاتوا الصباح الزعفراني.

فأدخلت إلى الخليفة فقال لي: أنت صباح الزعفراني؟قلت: نعم.

قال: فلا حيّاك اللّه و لا بيّاك، و لا قرّب دارك، يا عدو اللّه، أنت الساعي على دولتي، و الداعي إلى أعدائي؟.

قلت: أنا و اللّه هو، و قد كان كل ما ذكرته.

فقال: أنت إذا الخائن الذي أتت به رجلاه، أتعترف بهذا مع ما أعلمه منك، و تجيئني آمنا؟.

فقلت: إني جئتك مبشرا و معزيا.

قال: مبشرا بماذا؟و معزيا بمن؟.

قلت: أما البشرى فبوفاة عيسى بن زيد.

و أما التعزية ففيه لأنه ابن عمك و لحمك و دمك.

فحول وجهه إلى المحراب و سجد و حمد اللّه، ثم أقبل عليّ و قال: و منذ كم مات؟قلت: منذ شهرين.

قال: فلم لم تخبرني بوفاته إلاّ الآن؟.

357

قلت: منعني الحسن بن صالح، و أعدت عليه بعض قوله. قال: و ما فعل؟قلت: مات، و لولا ذلك ما وصل إليك الخبر ما دام حيا. فسجد سجدة أخرى و قال: الحمد للّه الذي كفاني أمره، فلقد كان أشدّ الناس عليّ، و لعلّه لو عاش لأخرج عليّ غير عيسى، سلني ما شئت فو اللّه لأغنينك، و لا رددتك عن شي‏ء تريده.

قلت: و اللّه ما لي حاجة، و لا أسألك شيئا إلاّ حاجة واحدة.

قال: و ما هي؟قلت: ولد عيسى بن زيد، و اللّه لو كنت أملك ما أعولهم به ما سألتك في أمرهم و لا جئتك بهم، و لكنهم أطفال‏يموتون جوعا و ضرّا، و هم ضائعون، و ما لهم شي‏ء يرجعون إليه، إنما كان أبوهم يستقي الماء و يعولهم، و ليس لهم الآن من يكفلهم غيري، و أنا عاجز عن ذلك و هم عندي في ضنك، و أنت أولى الناس بصيانتهم، و أحق بحمل ثقلهم، فهم لحمك و دمك، و أيتامك و أهلك.

قال: فبكى حتى جرت دموعه، ثم قال: إذا يكونون و اللّه عندي بمنزلة ولدي، لا أوثرهم عليهم بشي‏ء، فأحسن اللّه يا هذا جزاءك عني و عنهم، فلقد قضيت حق أبيهم و حقوقهم، و خففت عني ثقلا، و أهديت إليّ سرورا عظيما.

قلت: و لهم أمان اللّه و رسوله و أمانك، و ذمتك و ذمة آبائك في أنفسهم و أهليهم و أصحاب أبيهم أن لا تتبع أحدا منهم بتبعة و لا تطلبه؟.

قال: ذلك لك لوهم من أمان اللّه و أماني، و ذمتي و ذمة آبائي، فاشترط ما شئت، فاشترطت عليه و استوثقت حتى لم يبق في نفسي شي‏ء.

ثم قال: يا حبيبي، و أي ذنب لهؤلاء و هم أطفال صغار، و اللّه لو كان أبوهم بموضعهم حتى يأتيني أو أظفر به ما كان له عندي إلاّ ما يحب، فكيف بهؤلاء، إذهب يا هذا أحسن اللّه جزاءك فجئني بهم، و أسألك بحقي أن تقبل مني صلة تستعين بها على معاشك.

قلت: أما هذا فلا، فإنما أنا رجل من المسلمين يسعني ما يسعهم.

و خرجت فجئته بهم، فضمهم إليه و أمر لهم بكسوة و منزل و جارية

358

تحضنهم، و مماليك يخدمونهم، و أفرد لهم في قصره حجرة.

و كنت أتعهدهم فأعرف أخبارهم. فلم يزالوا في دار الخلافة إلى أن قتل محمد الأمين و انتصر أمر دار الخلافة، و خرج من كان فيها، فخرج أحمد بن عيسى فتوارى، و كان أخوه زيد مرض قبل ذلك و مات.

حدّثني أحمد بن عبيد اللّه بن عمّار بهذا الخبر على خلاف هذه الحكاية، قال: حدّثني هاشم بن أحمد البغوي، قال: حدّثنا جعفر بن محمد بن إسماعيل، قال: حدّثني إبراهيم بن رياح، قال: حدّثني الفضل بن حماد الكوفي، و كان من أصحاب الحسن بن صالح بن حي:

أن عيسى بن زيد صار إلى الحسن بن صالح فتوارى عنده، فلم يزل على ذلك حتى مات في أيّام المهدي، فقال الحسن لأصحابه: لا يعلم بموته أحد فيبلغ السلطان فيسره ذلك، و لكن دعوه بخوفه و وجله منه و أسفه عليه حتى يموت، و لا تسروه بوفاته فيأمن مكروهه.

فلم يزل ذلك مكتوما حتى مات الحسن بن صالح رحمه اللّه، فصار إلى المهدي رجل يقال له ابن علاّق الصيرفي، و كان اسمه قد وقع إليه و بلغه أنه من أصحاب عيسى، فلما وقف ببابه و استأذن له الحاجب أمر بإدخاله إليه، فأدخل فسلم على المهدي بالخلافة و قال: أعظم اللّه أجرك يا أمير المؤمنين في ابن عمك عيسى.

فقال له: ويحك ما تقول؟.

قال: الحق و اللّه أقول. فقال: و متى مات؟فعرفه فقال: ما منعك أن تعرفني قبل هذا؟قال: منعني الحسن بن صالح. و صدقه عن قوله فيه فقال له: لئن كنت صادقا لأحسنن صلتك، و لأوطئن الرجال عقبك.

قال: ليس لهذا قصدت، إنما علمت أنك في شك من أمره، و لم آمن أن يتشوف به الناس عندك، فأحببت أن تقف على خبره فتستريح و تريح.

قال: أما إنك جئتني ببشارتين يجل خطرهما موت عيسى و الحسن بن صالح، و ما أدّى بأيّهما أنا أشدّ فرحا، فسلني حاجتك.

359

قال: ولده تحفظهم، فو اللّه ما لهم من قليل و لا كثير. و كان الحسن بن عيسى بن زيد قد مات في حياة أبيه، و كان الحسين متزوجا ببنت الحسن بن صالح، فأتاه أحمد و زيد ابنا عيسى فنظر إليهما و أجرى لهما أرزاقا، و مضيا بإذنه إلى المدينة، فمات زيد بها، و بقي أحمد إلى خلافة الرشيد و صدرا من خلافته و هو ظاهر، ثم بلغ الرشيد بعد ذلك أنه يتنسك و يطلب الحديث و تجتمع إليه الزيدية، فبعث فأخذه و حبسه مدة إلى أن أمكنه التخلّص من الحبس، و خبره في ذلك يذكر مشروحا إذا انتهى الكتاب إلى أخباره، إن شاء اللّه تعالى.

حدثني عمي الحسن بن محمد، قال: حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه. قال: حدثنا محمد بن أبي العتاهية، قال: حدثني أبي‏ (1) :

لما امتنعت من قول الشعر و تركته أمر المهدي بحبسي في سجن الجرائم، فأخرجت من بين يديه إلى الحبس، فلما أدخلته دهشت و ذهل عقلي، و رأيت منظرا هالني، فرميت بطرفي أطلب موضعا آوي إليه أو رجلا آنس بمجالسته، فإذا أنا بكهل حسن السمت، نظيف الثوب، يبين عليه سيماء الخير فقصدته فجلست إليه من غير أن أسلم عليه أو أسأله عن شي‏ء من أمره؛ لما أنا فيه من الجزع و الحيرة، فمكثت كذلك مليا و أنا مطرق مفكر في حالي، فأنشد هذا الرجل هذين البيتين. فقال:

تعوّدت مسّ الضرّ حتى ألفته # و أسلمني حسن العزاء إلى الصبر

و صيّرني يأسي من الناس واثقا (2) # بحسن صنيع اللّه من حيث لا أدري‏

فاستحسنت البيتين و تبركت بهما و ثاب إلى عقلي، فأقبلت على الرجل فقلت له: تفضل أعزّك اللّه بإعادة هذين البيتين.

فقال لي: ويحك يا إسماعيل، و لم يكنني، ما أسوأ أدبك، و أقل عقلك و مروءتك، دخلت إليّ و لم تسلم عليّ بتسليم المسلم على المسلم، و لا توجعت لي توجع المبتلي للمبتلى، و لا سألتني مسألة الوارد على المقيم حتى إذا سمعت من

____________

(1) الأغاني 3/172.

(2) في الأغاني «راجيا لحسن» .

360

ببيتين من الشعر الذي لم يجعل اللّه فيك خيرا و لا أدبا (1) و لا جعل لك معاشا غيره، لم تتذكر ما سلف منك فتتلافاه، و لا اعتذرت مما قدمته و فرّطت فيه من الحق حتى استنشدتني مبتديا، كأن بيننا أنسا قديما، و معرفة شافية، و صحبة تبسط المنقبض! فقلت له: اعذرني متفضلا؛ فإن دون ما أنا فيه يدهش.

قال: و في أي شي‏ء أنت، إنما تركت قول الشعر الذي كان جاهك عندهم و سبيلك إليهم، فحبسوك حتى تقوله، و أنت لا بد من أن تقوله، فتطلق، و أنا يدعى بي الساعة فأطالب بإحضار عيسى بن زيد بن رسول اللّه (ص) ، فإن دللت عليه فقتل لقيت اللّه بدمه، و كان رسول اللّه (ص) خصمي فيه، و إلاّ قتلت، فأنا أولى بالحيرة منك، و أنت ترى احتسابي و صبري.

فقلت: يكفيك اللّه و أطرقت خجلا منه‏ (2) .

فقال لي: لا أجمع عليك التوبيخ و المنع، اسمع البيتين و احفظهما.

فأعادهما عليّ مرارا حتى حفظتهما، ثم دعى به و بي فلما قمنا قلت: من أنت أعزك اللّه؟.

قال: أنا حاضر (3) صاحب عيسى بن زيد. فأدخلنا على المهدي، فلما وقف بين يديه قال له: أين عيسى بن زيد؟.

____________

(1) في ط و ق «لولا أدبا» و في الأغاني «من الشعر الذي لا فضل فيك غيره لم تصبر عن استعادتهما، و لم تقدم قبل مسئلتك عنهما عذرا لنفسك في طلبهما، فقلت له إلخ» .

(2) في الأغاني «فقلت له أنت و اللّه أولى، سلمك اللّه و كفاك، و لو علمت أن هذه حالك ما سألتك، فقال:

فلا نبخل عليك إذا... » .

(3) في الأغاني «أنا خالص داعية عيسى بن زيد و ابنه أحمد، و لم نلبث أن سمعنا صوت الأقفال فقام فسكب عليه ماء كان عنده في جرة، و لبس ثوبا نظيفا كان عنده، و دخل الحرس و الجند معهم الشمع فأخرجونا جميعا، و قدم قبلي إلى الرشيد فسأله عن أحمد بن عيسى. فقال: لا تسألني عنه و اصنع ما أنت صانع، فلو أنه تحت ثوبي هذا ما كشفته عنه، و أمر بضرب عنقه، فضرب. ثم قال لي: أظنك قد ارتعت يا اسماعيل، فقلت: دون ما رأيته تسيل منه النفوس. فقال ردوه إلى محبسه، فرددت، و انتحلت هذين البيت وزدت فيهما:

إذا أنا لم أقبل من الدهر كل ما # تكرهت منه طال عتبي على الدهر

361

قال: ما يدريني أين عيسى، طلبته و أخفته‏ (1) فهرب منك في البلاد، و أخذتني فحبستني، فمن أين أقف على موضع هارب منك و أنا محبوس؟.

فقال له: فأين كان متواريا؟و متى آخر عهدك به؟و عند من لقيته؟.

فقال: ما لقيته منذ توارى، و لا أعرف له خبرا.

قال: و اللّه لتدلني عليه، أو لأضربن عنقك الساعة.

قال: اصنع ما بدا لك، أنا أدلك على ابن رسول اللّه (ص) لتقتله، فألقى اللّه و رسوله و هما يطالباني بدمه، و اللّه لو كان بين ثوبي و جلدي ما كشفت عنه.

قال: اضربوا عنقه. فقدم فضرب عنقه.

ثم دعاني فقال: أتقول الشعر أو ألحقك به.

فقلت: بل أقول الشعر، فقال: أطلقوه.

قال محمد بن القاسم بن مهرويه، و البيتان اللذان سمعهما من حاضر في شعره الآن.

قال أبو الفرج:

و قد روى هذا الخبر غير ابن مهرويه بغير هذا الإسناد، فذكر أن حاضرا كان داعيةلأحمد بن عيسى بن زيد، و ان قصته مع أبي العتاهية كانت في أيام الرشيد، و أن الرشيد قتله بسبب أحمد بن عيسى بن زيد و مطالبته إيّاه بإحضاره أو الدلالة عليه.

و الأول عندي أصح.

____________

(1) في ط و ق «و أخفيته» .

362

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

363

أيام موسى الهادي‏

ابن محمد المهدى بن أبى جعفر المنصور و من قتل منهم فيها

364

36-الحسين بن علي بن الحسن‏

و الحسين بن علي بن الحسن بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب صاحب فخ‏ (1)

و يكنى أبا عبد اللّه.

و أمه زينب بنت عبد اللّه بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب.

و أمها هند بنت أبي عبيدة بن عبد اللّه بن زمعة بن الأسود (2) .

و هي أخت محمد و إبراهيم و موسى لأبيهم و أمهم.

و كانت زينب ترقص الحسين و هو صغير و أخاه و هو الحسن و تقول:

تعلم يابن زينب و هند # كم لك بالبطحاء من معدّ

من خال صدق ماجد و جدّ و كان يقال لزينب و زوجها علي بن الحسن: الزوج الصالح؛ لعبادتهما.

و لما قتل أبو جعفر أباها و أخاها و عمومتها و بنيهم و زوجها كانت تلبس المسوح، و لا تجعل بين جسدها و بينها شعارا حتى لحقت باللّه عزّ و جلّ.

و كانت تندبهم و تبكي حتى يغشى عليها، و لا تذكر أبا جعفر بسوء تحرجا من ذلك و كراهة لأن تشفي نفسها بما يؤثمها، و لا تزيد على أن تقول: يا فاطر السموات و الأرض، يا عالم الغيب و الشهادة، الحاكم بين عباده احكم بيننا و بين قومنا بالحق و أنت خير الحاكمين.

حدّثنا أحمد بن سعيد، قال: حدّثنا يحيى بن الحسن العلوي، قال:

حدّثنا موسى بن عبد اللّه بن موسى، قال: حدّثتني عمتي رقية بنت موسى، قالت:

ما فارقت عمتي زينب بنت عبد اللّه درع شقائق حتى لحقت باللّه.

____________

(1) الطبري 10/24-32 و ابن الأثير 6/32-34 و مروج الذهب 2/183-184 و الفخري 171 و ابن كثير 10/40 و المعارف 166 و المحبر 37 و شرح شافية أبي فراس 169.

(2) الأغاني 18/208.

365

قال أبو الفرج الأصبهاني: [شقائق تعني الأمساح‏] (1) .

و نبدأ بذكر من قتل معه من أهل بيته حسبما شرطناه في هذا الكتاب ثم نأتي بسياقة خبرهم.

37-سليمان بن عبد اللّه‏

فمنهم سليمان بن عبد اللّه‏ (2) بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب و أمه عاتكة بنت عبد الملك بن الحرث الشاعر بن خالد بن العاص بن هشام بن المغيرة بن عبد اللّه بن عمرو بن مخزوم.

و هي التي كلمت أبا جعفر لما حج، و قالت: يا أمير المؤمنين أيتامك بنو عبد اللّه بن الحسن فقراء لا شي‏ء لهم، فردّ عليهم ما قبضه من أموالهم‏ (3) .

38-الحسن بن محمد

و الحسن بن محمد بن عبد اللّه بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب و أمه أم سلمة بنت محمد بن الحسن بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب عليهم السلام.

ضربت عنقه صبرا بعد وقعة فخ‏ (4) .

39-عبد اللّه بن إسحاق‏

و عبد اللّه بن إسحاق بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب و أمه رقية بنت عبد اللّه بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب عليه السلام.

____________

(1) كذا في الخطية.

(2) الطبري 10/28، و في مروج الذهب 2/183 «أسر سليمان و ضربت رقبته بمكة صبرا» .

(3) راجع صفحة 396.

(4) مروج الذهب 2/183.

366

و هو الذي يقال له الجدّي‏ (1) قتل في الوقعة.

ثم نرجع الخبر الآن إلى أخبار الحسين بن علي بن الحسن صاحب فخ‏

حدّثني علي بن إبراهيم بن محمد بن الحسن بن محمد بن عبيد اللّه بن الحسن بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب‏ (2) ، و أحمد بن محمد بن سعيد، قالا: حدّثنا الحسين بن الحكم، و قال: حدّثنا الحسن بن الحسن، قال:

حدّثنا الحكم بن جامع الثّمالي، عن الحسين بن زيد، قال: حدّثتني أمي ريطة بنت عبد اللّه بن محمد الحنفية عن زيد، قال: و كان الحسين بن زيد يسميها أمي و لم تكن أمه‏ (3) ، إنما كانت أم أخيه يحيى بن زيد، عن زيد بن علي، قال:

انتهى رسول اللّه (ص) إلى موضع فخ فصلّى بأصحابه صلاة الجنازة ثم قال: يقتل ها هنا رجل من أهل بيتي في عصابة من المؤمنين، ينزل لهم بأكفان و حنوط من الجنة، تسبق أرواحهم أجسادهم إلى الجنة.

و ذكر من فضلهم أشياء لم تحفظها ريطة.

أخبرني علي‏ (4) بن العباس المقانعي:

قال: [حدّثني علي بن إبراهيم، قال: حدّثنا محمد بن إبراهيم المقري، قال: حدّثنا الحسن بن علي الأسدي‏] (5) .

قال: حدّثنا الحسن بن عبد الواحد، قال: حدّثني عبد الرحمن بن القاسم بن إسماعيل، قال: حدّثنا الحسين بن المفضل العطار، قال: حدّثنا محمد بن فضيل، عن محمد بن إسحاق، عن أبي جعفر محمد بن علي، قال:

مرّ النبي (ص) بفخ فنزل فصلّى ركعة، فلما صلّى الثانية بكى و هو في

____________

(1) مروج الذهب 2/183.

(2) في ط و ق «... أبي طالب الحوابي» و صوابها «الجواني» نسبة إلى قرية من قرى المدينة تسمى «جوانية» .

(3) كانت أمه أم ولد كما في المعارف ص 95.

(4) في ط و ق «يحيى بن العباس» .

(5) الزيادة من الخطية.

367

الصلاة، فلما رأى الناس النبي (ص) يبكي بكوا، فلما انصرف قال: ما يبكيكم؟قالوا: لما رأيناك تبكي بكينا يا رسول اللّه، قال: نزل عليّ جبريل لمّا صلّيت الركعة الأولى فقال: يا محمد إن رجلا من ولدك يقتل في هذا المكان، و أجر الشهيد معه أجر شهيدين.

حدّثني أحمد بن محمد بن سعيد، و علي بن إبراهيم العلوي، قالا:

حدّثنا الحسين بن الحكم، قال: حدّثنا الحسن بن الحسين، قال: حدّثنا النضر بن قرواش‏ (1) ، قال:

أكريت جعفر بن محمد من المدينة إلى مكة، فلما ارتحلنا من بطن مرّ، قال لي: يا نضر إذا انتهيت إلى فخ فأعلمني، قلت: أ و لست تعرفه؟قال: بلى! و لكن أخشى أن تغلبني عيني. فلما انتهينا إلى فخ دنوت من المحمل، فإذا هو نائم فتنحنحت فلم يتنبه، فحركت المحمل فجلس، فقلت: فقد بلغت، فقال. حلّ محملي، فحللته ثم قال: صل القطار، فوصلته ثم تنحيت به عن الجادة؛ فأنخت بعيره فقال: ناولني الإداوة و الرّكوة، فتوضأ و صلّى ثم ركب فقلت له: جعلت فداك، رأيتك قد صنعت شيئا أفهو من مناسك الحج؟قال:

لا، و لكن يقتل ها هنا رجل من أهل بيتي في عصابة تسبق أرواحهم أجسادهم إلى الجنة.

حدّثني أحمد بن سعيد، قال: حدّثنا الحسين بن الحكم، قال: حدّثنا الحسن بن الحسين‏[بن جامع عن موسى بن عبد اللّه بن الحسن‏] (2) ، قال:

حججت مع أبي فلما انتهينا إلى فخ أناخ محمد بن عبد اللّه بعيره فقال لي أبي: قل له يثير بعيره، فقلت له، فأثاره ثم قلت لأبي: يا أبة لم كرهت له هذا؟قال: إنه يقتل في هذا الموضع رجل من أهل بيتي يتعاوى عليه الحاج، فنفست أن يكون هو.

حدّثني علي بن إبراهيم، قال: حدثنا محمد بن إبراهيم، قال: حدّثنا

____________

(1) في الخطية «حدثنا نصر بن قرواش» راجع إتقان المقال ص 239.

(2) الزيادة من الخطية.

368

علي بن صاعد، قال: حدّثنا حسن بن محمد المولى‏ (1) .

قال: حدّثنا علي بن الحسين الحضرمي، قال: سمعت‏الحسن بن هذيل، يقول:

بعت لحسين بن علي صاحب فخ حائطا (2) بأربعين ألف دينار، فنثرها على بابه، فما دخل إلى أهله منها حبة، كان يعطيني كفّا كفّا فأذهب به إلى فقراء أهل المدينة.

حدثني علي بن إبراهيم الجواني‏ (3) قال: حدّثنا الحسن بن‏[علي بن‏] (4)

هاشم قال: حدّثنا علي بن إبراهيم مؤذن مسجد الأشتر، قال: حدّثني الحسن ابن هذيل، قال:

قال لي الحسين صاحب فخ: اقترض لي أربعة آلاف درهم، فذهبت إلى صديق لي فأعطاني ألفين و قال لي: إذا كان غد (5) فتعال حتى أعطيك ألفين، فجئت فوضعتها تحت حصير كان يصلي عليه، فلما كان من الغد أخذت الألفين الأخريين‏ثم جئت أطلب الذي وضعته تحت الحصير فلم أجده، فقلت له:

يابن رسول اللّه، ما فعل الألفان؟قال: لا تسأل عنهما، فأعدت فقال: تبعني رجل أصفر من أهل المدينة فقلت: ألك حاجة؟فقال: لا و لكني أحببت أن أصل جناحك فأعطيته إيّاها، أما اني أحسبني ما أجرت على ذلك لأني لم أجد لها حبّا

____________

4 6

، و قال اللّه عزّ و جلّ: لَنْ تَنََالُوا اَلْبِرَّ حَتََّى تُنْفِقُوا مِمََّا تُحِبُّونَ (7) .

حدّثنا علي بن إبراهيم، قال: حدّثنا جعفر بن محمد، قال: حدثنا عباد بن يعقوب، قال: أخبرني‏يحيى بن سليمان، قال:

اشترى لحسين بن علي صاحب فخ ثوبان فكسا أبا حمزة، و كان يخدمه،

____________

(1) كذا في الخطية و في ط و ق «حدثني علي بن العباس قال حدثنا الحسن بن عبد الواحد» .

(2) في ق «بعث... مائطا» .

(3) في النسخ «الحوابي» راجع إتقان المقال 89.

(4) (4، 6) الزيادة من الخطية.

(5) في ط و ق «حسنا» .

(7) سورة آل عمران 92.

369

ثوبا منها، و ارتدى هو بثوب، فأتاه سائل و هو ذاهب إلى المسجد فسأله، فقال: أعطه يا أبا حمزة ثوبك، قال: فقلت له: أمشي بغير رداء. فلم يزل بي حتى أعطيته، ثم مشى السائل معه حتى إذا أتى منزله نزع رداءه و قال ائتزر برداء أبي حمزة و ارتد بهذا، فتبعته فاشتريت الثوبين منه بدينارين و أتيته بهما، فقال:

بكم اشتريتهما؟قلت: بدينارين، فأرسل إلى السائل يدعوه، فقلت له:

امرأتي طالق إن رددتهما عليه أو دعوته، فحين حلفت تركه.

حدثني علي بن إبراهيم‏ (1) ، قال: حدّثنا جعفر بن أحمد، قال: حدّثني هاشم بن قريش، قال:

أتى رجل الحسين بن علي صاحب فخ فسأله، فقال: ما عندي شي‏ء أعطيكه و لكن اقعد فإن حسنا أخي يجي‏ء فيسلم عليّ فإذا جاء فقم فخذ الحمار، فلم يكن أسرع من أن جاء الحسن فنزل عن الحمار و قاده الغلام، و كان الحسن مكفوفا فأشار الحسين إلى الرجل أن قم فخذ الحمار، فجاء إليه ليأخذه فمنعه الغلام، فأشار إليه الحسين أن يدفعه إليه فدفعه إليه، فمضى الرجل و قعد الحسن عنده فتحدث ما شاء اللّه ثم وثب فقال يا غلام قدم الحمار، فقال:

جعلت فداك، أمرني أخوك أن أدفعه إلى رجل فدفعته إليه، فأدار وجهه إلى أخيه و قال: جعلت فداك، أعرت أم وهبت؟بل و اللّه ما أرى مثلك يعير، يا غلام قدني.

حدّثني علي بن إبراهيم، قال: حدّثنا الحسن بن علي بن هشام، قال:

حدّثنا محمد بن مروان، قال: حدّثني حمدون القرا (2) ، قال:

ركب الحسين بن علي صاحب فخ دين كثير فقال لغرمائه: الحقوني إلى باب المهدي، و خرج فجاء إلى باب المهدي فقال لآذنه: ابن عمك الينبعي‏ (3)

على الباب، قال: و كان راكبا على جمل، فقال له ويلك، أدخله على جمله،

____________

(1) في الخطية «حدثني علي قال حدثني محمد بن إبراهيم» .

(2) في الخطية «حدثنا الفرا» .

(3) في ط و ق «البليفي» .

370

فأدخله حتى أناخه في وسط الدار، فوثب المهدي فسلّم عليه و عانقه و أجلسه إلى جنبه، و جعل يسأله عن أهله، ثم قال: يابن عم، ما جاء بك؟قال: ما جئت و ورائي أحد يعطيني درهما، قال: أ فلا كتبت إلينا، قال: أحببت أن أحدث بك عهدا، فدعا المهدي ببدرة دنانير، و بدرة من دراهم، و تخت من ثياب حتى دعا له بعشر بدر دنانير، و عشر بدر دراهم و عشرة تخوت فدفعها إليه، و خرج فطرح ذلك في دار ببغداد، و جاء غرماؤه فكان يقول للواحد: كم لك علينا؟فيقول: كذا و كذا، فيزن له، ثم يدخل يده في تلك الدراهم و الدنانير فيقول: هذا صلة منّا لك، فلم يزل حتى لم يبق من ذلك المال إلاّ شي‏ء يسير، ثم انحدر إلى الكوفة يريد المدينة فنزل قصر ابن هبيرة في خان، فقيل لصاحب الخان: هذا رجل من ولد رسول اللّه (ص) ، فأخذ له سمكا فشواه و جاء به و معه رقاق و قال له: لم أعرفك يابن رسول اللّه، فقال لغلامه: كم بقي معك من ذلك المال؟قال: شي‏ء يسير و الطريق بعيد، قال: إدفعه إليه، فدفعه إليه.

حدّثنا علي بن إبراهيم العلوي، قال: حدّثنا محمد بن إبراهيم المقري‏ (1) ، قال: حدّثنا جعفر بن محمد، قال: حدّثني إسماعيل بن إبراهيم الواسطي قال:

جاء رجل إلى الحسين بن علي صاحب فخ فسأله فلم يكن عنده شي‏ء فأقعده، و بعث إلى أهل داره من أراد أن يغسل ثيابه فليخرجها، فأخرجوا ثيابهم ليغسلوها (2) فلما اجتمعت قال للرجل: خذها (3) .

حدثني علي بن إبراهيم، قال: حدثنا الحسن بن علي بن هاشم، قال:

حدثنا القاسم بن خليفة الخزاعي، قال:

عاتب رجل الحسن بن علي صاحب فخ في سنة تسع و ستين و مائة و قال:

____________

(1) في الخطية «حدثنا علي قال حدثني محمد بن إبراهيم قال» .

(2) كذا في الخطية، و في ط «إلى أهل داره أن يغسل ثيابه فليخرجها فأخرجوا ثيابه ليغسلوها» . و في ق «إلى أهل داره أن يغسل ثيابه فأخرجوا ثيابه ليغسلوها فلما اجتمعت فليخرجها فأخرجوا ثيابه ليغسلوها» .

(3) في ط «غابت دخيل الحسين» و في هامشها «رجل» و في ق «غابت رجل و خيل الحسين» .

371

عليك‏ (1) دين سبعون ألف دينار فقال‏ (2) أخذت من المزرفن يعني المقير (3) زيتا بألف دينار فجعل الرجل يجيئني و المرأة فأعطيها الزق و الزقين حتى لم يبق شي‏ء، ثم قلت له: ما أخذه منك فلان من شي‏ء فاحسبه عليّ، فأخذ منه عشرة آلاف، فكنت أقول له ما هذا؟.

حدّثني علي بن إبراهيم، قال حدثنا أحمد بن حمدان بن إدريس، قال:

حدثنا محمد بن إبراهيم بن أبي العلاء، قال: حدثني كردي بن يحيى، عن الحسن بن هذيل، قال:

كنت أصحب الحسين بن علي صاحب فخ فقدم إلى بغداد فباع ضيعه له بتسعة آلاف دينار، فخرجنا فنزلنا سوق أسد فبسط لنا على باب الخان، فأتى رجل معه سلة فقال له: مرّ الغلام يأخذ مني هذه السلة، فقال له: و ما أنت؟ قال: أنا أصنع الطعام الطيّب فإذا نزل هذه القرية رجل من أهل المروءة أهديته إليه، قال: يا غلام خذ السلة منه، وعد إلينا لتأخذ سلّتك، قال: ثم أقبل علينا رجل عليه ثياب رثة فقال: أعطوني مما رزقكم اللّه، فقال لي الحسين:

ادفع إليه السلة، و قال له: خذ ما فيها و ردّ الإناء، ثم أقبل عليّ و قال: إذا رد السائل السلة فادفع إليه خمسين دينارا، و إذا جاء صاحب السلة فادفع إليه مائة دينار، فقلت إبقاء مني عليه‏ (4) : جعلت فداك، بعت عينا لك لتقضي دينا عليك فسألك سائل فأعطيته طعاما هو مقنع له، فلم ترض حتى أمرت له بخمسين دينار، و جاءك رجل بطعام لعلّه يقدر فيه دينارا أو دينارين، فأمرت له بمائة دينار. فقال: يا حسن إن لنا ربّا يعرف الحسنات، إذا جاء السائل فادفع له مائة دينار، و إذا جاء صاحب السلة فادفع إليه مائتي دينار، و الذي نفسي بيده إني لأخاف أن لا يقبل مني؛ لأن الذهب و الفضة و التراب عندي بمنزلة واحدة.

(ذكر مقتله رضوان اللّه عليه و رحمته)

حدثني به جماعة من الرواة منهم: أحمد بن عبيد اللّه‏[بن محمد]بن عمّار

____________

(1) في ط و ق «عليك دين تسعون ألف دينار» .

(2) كذا في الأصول.

(3) في ط و ق «أخذت من المزربة لي يعني المعين» .

(4) في ط و ق «أنفامني» .

372

[الثقفي‏] (1) و علي بن إبراهيم العلوي، و غيرهما ممن كتبت الشي‏ء عنه من أخباره متفرقا، أو رواه لي مجتمعا، قال: أحمد بن عبيد اللّه بن عمّار، قال:

حدثني علي بن محمد بن سليمان النوفلي، عن أبيه، قال، و حدثني أحمد بن سليمان بن أبي شيخ، و عمر بن شبّة (2) النميري، عن أبيه، قال، و حدثني يعقوب بن إسرائيل مولى المنصور، و نسخت أيضا من أخباره ما وجدته بخط أحمد بن الحرث الخرّاز. و حدثنا علي بن العباس المقانعي، قال: حدثنا محمد بن الحسن المزني، قال: حدثنا أحمد بن الحسن بن مروان، قال: قرأ عليّ هذه الأخبار عبد العزيز بن عبد الملك الهاشمي، قال علي بن إبراهيم، قال الحسن بن محمد المزني، حدثني علي بن محمد بن إبراهيم، عن بكر بن صالح، عن عبد اللّه بن إبراهيم الجعفري، و قد دخل حديث بعضهم في حديث الباقين، و أحدهم يأتي بالشي‏ء لا يأتي به الآخر، و قد أثبتّ جميع رواياتهم في ذلك، إلاّ ما لعلّه أن يخالف المعنى خلافا بعيدا فأفرده، قالوا (3) :

كان سبب خروج الحسين بن علي بن الحسن بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب ان موسى الهادي ولّى المدينة إسحاق بن عيسى بن علي، فاستخلف عليها رجلا من ولد عمر بن الخطاب يعرف بعبد العزيز بن عبد اللّه‏ (4) ، فحمل على الطالبيين و أساء إليهم، و أفرط في التحامل عليهم، و طالبهم بالعرض كل يوم، و كانوا يعرضون في المقصورة، و أخذ كل واحد منهم بكفالة قرينه و نسيبه فضمن الحسين بن علي و يحيى بن عبد اللّه بن الحسن، الحسن بن محمد بن عبد اللّه بن الحسن، و وافى أوائل الحاج، و قدم من الشيعة نحو من سبعين رجلا، فنزلوا دار ابن أفلح بالبقيع و أقاموا بها، و لقوا حسينا

____________

(1) الزيادة من الخطية.

(2) في الخطية «و عمر بن شبت» .

(3) الطبري 10/24، و ابن الأثير 6/32.

(4) في الطبري «كان إسحاق بن عيسى بن علي على المدينة، فلمات مات المهدي و استخلف موسى شخص إسحاق وافدا إلى العراق إلى موسى، و استخلف على المدينة عمر بن عبد العزيز بن عبد اللّه بن عبد اللّه بن عمر بن الخطاب. و ذكر الفضل بن إسحاق الهاشمي أن إسحاق بن عيسى بن علي استعفى الهادي و هو على المدينة و استأذنه في الشخوص إلى بغداد فأعفاه و ولى مكانه عمر بن عبد العزيز... » .

373

و غيره، فبلغ ذلك العمري فأنكره، و كان قد أخذ قبل ذلك الحسن بن محمد بن عبد اللّه، و ابن جندب الهذلي الشاعر، و مولى لعمر بن الخطاب‏ (1) ، و هم مجتمعون، فأشاع أنه وجدهم على شراب، فضرب الحسن ثمانين سوطا، و ضرب ابن جندب خمسة عشر سوطا، و ضرب مولى عمر سبعة أسواط، و أمر بأن يدار بهم في المدينة مكشفي الظهور ليفضحهم. فبعثت إليه الهاشمية صاحبة الراية السوداء في أيام محمد بن عبد اللّه فقالت له: لا و لا كرامة لا تشهر أحدا من بني هاشم و تشنع عليهم و أنت ظالم. فكفّ عن ذلك و خلّي سبيلهم.

رجع الحديث إلى خبر الحسين.

قالوا: فلما اجتمع النفر من الشيعة في دار بن أفلح أغلظ العمري أمر العرض، و ولّى على الطالبيين رجلا يعرف بأبي بكر بن عيسى الحائك مولى الأنصار، فعرضهم‏يوم جمعة فلم يأذن لهم بالانصراف حتى بدأ أوائل الناس يجيئون إلى المسجد، ثم أذن لهم فكان قصارى أحدهم أن يغدو و يتوضأ للصلاة و يروح إلى المسجد، فلما صلّوا حبسهم في المقصورة إلى العصر، ثم عرضهم فدعا باسم الحسن بن محمد فلم يحضر، فقال ليحيى و الحسين بن علي: لتأتياني به أو لأحبسنكما فإن له ثلاثة أيّام لم يحضر العرض و لقد خرج أو تغيّب، فرادّه بعض المرادّة و شتمه يحيى، و خرج فمضى ابن الحائك هذا فدخل على العمري فأخبره فدعا بهما فوبخهما و تهددهما، فتضاحك الحسين في وجهه و قال: أنت مغضب يا أبا حفص.

فقال له العمري: أ تهزأ بي و تخاطبني بكنيتي؟.

فقال له: قد كان أبو بكر و عمر، و هما خير منك، يخاطبان بالكنى فلا ينكران ذلك، و أنت تكره الكنية و تريد المخاطبة بالولاية.

فقال له: آخر قولك شر من أوله.

فقال: معاذ اللّه، يأبى اللّه لي ذلك و من أنا منه.

فقال له: أ فأنما أدخلتك إليّ لتفاخرني و تؤذيني؟فغضب يحيى بن عبد اللّه

____________

(1) في الطبري 10/25 «و عمر بن سلام مولى آل عمر» .

374

فقال له: فما تريد منا؟.

فقال: أريد أن تأتياني بالحسن بن محمد.

فقال: لا نقدر عليه، هو في بعض ما يكون فيه الناس، فابعث إلى آل عمر بن الخطاب فاجمعهم كما جمعتنا، ثم اعرضهم رجلا رجلا، فإن لم تجد فيهم من قد غاب أكثر من غيبة الحسن عنك فقد أنصفتنا، فحلف على الحسين بطلاق امرأته و حرية مماليكه أنه لا يخلي عنه أو يجيئه به في باقي يومه و ليلته، و أنه إن لم يجي‏ء به ليركبن إلى سويقه فيخربها و يحرقها، و ليضربن الحسين ألف سوط، و حلف بهذه اليمين إن وقعت عينه على الحسن بن محمد ليقتلنه من ساعته.

فوثب يحيى مغضبا فقال له: أنا أعطي اللّه عهدا، و كل مملوك لي حر إن ذقت الليلة نوما (1) حتى آتيك بالحسن بن محمد أو لا أجده، فأضرب عليك بابك حتى تعلم أني قد جئتك. و خرجا من عنده و هما مغضبان، و هو مغضب، فقال الحسين ليحيى بن عبد اللّه: بئس لعمر اللّه ما صنعت حين تحلف لتأتينه به، و أين تجد حسنا؟.

قال: لم أرد أن آتيه بالحسن و اللّه، و إلاّ فأنا نفي من رسول اللّه (ص) [و من علي عليه السلام‏]بل أردت إن دخل عيني نوم حتى أضرب عليه بابه و معي السيف، إن قدرت عليه قتلته.

فقال له الحسين: بئسما تصنع تكسر علينا أمرنا.

قال له يحيى: و كيف أكسر عليك أمرك، و إنما بيني و بين ذلك عشرة أيام حتى تسير إلى مكة، فوجه الحسين إلى الحسن بن محمد فقال: يابن عمي، قد بلغك ما كان بيني و بين هذا الفاسق، فامض حيث أحببت.

فقال الحسن: لا و اللّه يابن عمي، بل أجي‏ء معك الساعة حتى أضع يدي في يده.

____________

(1) في الخطية «إن وقت الليلة يوما» .

375

فقال له الحسين: ما كان اللّه ليطلع عليّ‏و أنا جاء إلى محمد (ص) و هو خصمي و حجيجي في دمك، و لكن أقيك بنفسي لعلّ اللّه أن يقيني من النار.

قال: ثم وجه، فجاءه يحيى، و سليمان، و إدريس، بنو عبد اللّه بن الحسن، و عبد اللّه بن الحسن الأفطس، و إبراهيم بن إسماعيل طباطبا و عمر بن الحسن بن علي بن الحسن بن الحسين بن الحسن، و عبد اللّه بن إسحاق بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن بن علي، و عبد اللّه بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب. و وجّهوا إلى فتيان من فتيانهم و مواليهم، فاجتمعوا ستة و عشرين رجلا من ولد علي، و عشرة من الحاج، و نفر من الموالي. فلما أذّن المؤذن للصبح دخلوا المسجد ثم نادوا: «أحد، أحد» و صعد عبد اللّه بن الحسن الأفطس المنارة التي عند رأس النبي (ص) عند موضع الجنائز فقال للمؤذن: أذّن بحيّ على خير العمل، فلما نظر إلى السيف في يده أذّن بهاو سمعه العمري فأحس بالشرودهش، و صاح: أغلقوا (1) البغلة الباب و أطعموني حبتي ماء.

قال علي بن إبراهيم في حديثه: فولده‏[إلى‏]الآن بالمدينة يعرفون ببني حبتي ماء.

قالوا: ثم اقتحم إلى دار عمر بن الخطاب و خرج في الزقاق المعروف بزقاق عاصم بن عمر، ثم مضى هاربا على وجهه يسعى و يضرط حتى نجا، فصلى الحسين بالناس الصبح و دعا بالشهود العدول الذين كان العمري أشهدهم عليه أن يأتي بالحسن إليه، و دعى بالحسن و قال للشهود: هذا الحسن قد جئت به فهاتوا العمري و إلاّو اللّه خرجت من يميني و مما عليّ.

و لم يتخلف عنه أحد من الطالبيين إلاّ الحسن بن جعفر بن الحسن بن الحسن، فإنه استعفاه فلم يكرهه. و موسى بن جعفر بن محمد. فحدثني علي بن إبراهيم العلوي، قال: حدثني حمدان بن إبراهيم، قال: حدثنا يحيى بن الحسين بن الفرات، قال: حدثني عنيزة القصباني، قال:

رأيت موسى بن جعفر بعد عتمة و قد جاء إلى الحسين صاحب فخ، فانكب عليه شبه الركوع و قال: أحب أن تجعلني في سعة و حل من تخلفي عنك، فأطرق

____________

(1) في ط و ق «اعلفوا» .

376

الحسين طويلا لا يجيبه، ثم رفع رأسه إليه فقال: أنت في سعة.

حدثني علي بن إبراهيم، قال: حدثني جعفر بن محمد الفزاري، قال: حدثنا عباد بن يعقوب، قال: حدثنا عنيزة القصباني‏ (1) (2) بهذا:

رجع الحديث إلى حيث انتهى من قصصهم.

قال: و قال الحسين لموسى بن جعفر في الخروج فقال له: إنك مقتول فأحدّ الضراب فإن القوم فسّاق يظهرون إيمانا، و يضمرون نفاقا و شركا، فإنا للّه و إنا إليه راجعون، و عند اللّه عز و جل أحتسبكم من عصبة.

قال: و خطب الحسين بن علي بعد فراغه من الصلاة فحمد اللّه و أثنى عليه و قال:

أنا ابن رسول اللّه، على منبر رسول اللّه، و في حرم رسول اللّه، أدعوكم إلى سنة رسول اللّه (ص) (3) .

أيّها الناس: أتطلبون آثار رسول اللّه في الحجر و العود، و تتمسحون بذلك، و تضيعون بضعة منه! فقال الراوي للحديث: فقلت في نفسي قولا أسره: إنا للّه ما صنع هذا بنفسه. قال: و إلى جنبي عجوز مدنية فقالت: اسكت ويلك، ألابن رسول اللّه تقول هذا؟ قلت: يرحمك اللّه و اللّه ما قلت هذا إلاّ للإشفاق عليه.

قالوا: فأقبل خالد البربري‏ (4) و كان مسلحة للسلطان بالمدينة في السلاح‏ (5)

و معه أصحابه حتى وافوا باب المسجد الذي يقال له: باب جبرائيل، فنظرت إلى يحيى بن عبد اللّه قد قصده و في يده السيف فأراد خالد أن ينزل فبدره يحيى فضربه

____________

(1) في الخطية «حدثني عمرة القضاعي» .

(2) في الخطية: «القصابي» .

(3) في الطبري 10/31 «أدعوكم إلى كتاب اللّه، و سنة نبيه (ص) ؛ فإن لم أف لكم بذلك فلا بيعة لي في أعناقكم» .

(4) هذا في الطبري، و في ط «حماد البربري» و في ق «حماد البريدي» .

(5) في الطبري 10/26 «و أقبل خالد البربري و هو يومئذ على الصوافي بالمدينة قائد على مائتين من الجند مقيمين بالمدينة» .

377

على جبينه، و عليه البيضة و المغفر و القلنسوة، فقطع ذلك كلّه و أطار قحف رأسه، و سقط عن دابته، و حمل على أصحابه فتفرقوا و انهزموا (1) .

و حج في تلك السنة مبارك التركي فبدأ بالمدينة للزيارة فبلغه خبر الحسين فبعث إليه من الليل: إني و اللّه ما أحب أن تبتلى بي و لا أبتلي بك‏ (2) ، فبعث الليلة إليّ نفرا من أصحابك و لو عشرة يبيتون عسكري حتى أنهزم و اعتل بالبيات، ففعل ذلك الحسين، و وجه عشرة من أصحابه فجعجعوا بمبارك و صيّحوا في نواحي عسكره، فطلب دليلا يأخذ به غير الطريق فوجده فمضى به حتى انتهى إلى مكة (3) .

و حج في تلك السنة العباس بن محمد، و سليمان بن أبي جعفر، و موسى بن عيسى‏ (4) ، فصار مبارك معهم، و اعتل عليهم بالبيات.

و خرج الحسين بن علي قاصدا إلى مكة و معه من تبعه من أهله و مواليه و أصحابه و هم زهاء ثلثمائة، و استخلف على المدينة دنيار الخزاعي، فلما قربوا من مكة فصاروا بفخ و بلدح‏ (5) تلقتهم الجيوش، فعرض العباس على الحسين الأمان و العفو و الصلة فأبى ذلك أشد الإباء.

قال الحسن بن محمد: و حدثني سليمان بن عبّاد، قال:

لما أن رأى الحسين المسودة أقعد رجلا على جمل، معه سيف يلوّح به، و الحسين يملي عليه حرفا حرفا يقول: نادي، فنادى:

يا معشر الناس، يا معشر المسودة، هذا الحسين بن رسول اللّه (ص) ، و ابن عمه، يدعوكم إلى كتاب اللّه و سنّة رسول اللّه (ص) .

قال الحسن: و حدثني محمد بن مروان عن أرطاة، قال:

____________

(1) الطبري 10/30.

(2) في الطبري 10/21 «... أن مباركا التركي أرسل إلى حسين بن علي: و اللّه لأن أسقط من السماء فتخطفني الطير، أو تهوي بي الريح في مكان سحيق أيسر عليّ من أن أشوكك بشوكة، أو أقطع من رأسك شعرة، و لكن لا بد من الاعذار فبيتني فإني منهرم عنك، فأعطاه بذلك عهد اللّه و ميثاقه... » .

(3) و من أجل ذلك غضب الهادي على مبارك التركي و أخذ أمواله، و جعله سائس الدواب. فبقي كذلك حتى مات الهادي، راجع الطبري 10/30 و ابن الأثير 6/33.

(4) الطبري 10/27.

(5) في القاموس: «و بلدح واد قبل مكة» .

378

لما كانت بيعة الحسين بن علي صاحب فخ قال:

أبايعكم على كتاب اللّه، و سنّة رسول اللّه، و على أن يطاع اللّه و لا يعصى، و أدعوكم إلى الرضا من آل محمد، و على أن نعمل فيكم بكتاب اللّه و سنّة نبيه (ص) ، و العدل في الرعية، و القسم بالسّوية، و على أن تقيموا معنا، و تجاهدوا عدوّنا، فإن نحن و فينا لكم و فيتم لنا، و إن نحن لم نف لكم فلا بيعة لنا عليكم.

قال الحسن بن محمد في حديثه: فحدثني كثير عن إسحاق بن إبراهيم، قال:

سمعت الحسن ليلة جمعة و نحن ببطن مرّ، و لقينا عبيد بن يقطين، و مفضل الوصيف و هما في سبعين فارسا، و الحسين راكب على حمار إدريس بن عبد اللّه و هو يقول:

يا أهل العراق، إن خصلتين إحداهما الجنة لشريفتان، و اللّه لو لم يكن معي غيري لحاكمتكم إلى اللّه عزّ و جلّ حتى ألحق بسلفي.

رجع الحديث إلى أوله. (1)

قال: و لقيته الجيوش بفخ و قادها: العباس بن محمد، و موسى بن عيسى، و جعفر و محمد ابنا سليمان، و مبارك التركي، و منارة، و الحسن الحاجب، و الحسين بن يقطين، فالتقوا في يوم التروية وقت صلاة الصبح، فأمر موسى بن عيسى بالتعبئة، فصار محمد بن سليمان في الميمنة؛ و موسى في الميسرة، و سليمان بن أبي جعفر، و العباس بن محمد في القلب‏ (2) .

فكان أول من بدأهم موسى فحملوا عليه فاستطرد لهم شيئا حتى انحدروا في الوادي، و حمل عليهم محمد بن سليمان من خلفهم، فطحنهم طحنة واحدة حتى قتل أكثر أصحاب الحسين. و جعلت المسودة تصيح للحسين: يا حسين، لك الأمان فيقول: ما أريد الأمان، و يحمل عليهم حتى قتل.

و قتل معه سليمان بن عبد اللّه بن الحسن، و عبد اللّه بن إسحاق بن إبراهيم بن الحسن.

____________

(1) الطبري 10/29.

(2) الطبري 10/28.

379

و أصابه الحسن بن محمد بنشابة في عينه و تركها في عينه‏ (1) ، و جعل يقاتل أشد القتال، فناداه محمد بن سليمان: يابن خال، اتق اللّه في نفسك و لك الأمان.

فقال: و اللّه ما لكم أمان، و لكني أقبل منكم، ثم كسر سيفا هنديّا كان في يده، و دخل إليهم، فصاح العباس بن محمد بابنه عبد اللّه: قتلك اللّه إن لم تقتله، أبعد تسع جراحات تنتظر هذا؟.

فقال له موسى بن عيسى: إي و اللّه عاجلوه!فحمل عليه عبيد اللّه فطعنه، و ضرب العباس بن محمد عنقه بيده صبرا، و نشبت الحرب بين العباس بن محمد، و محمد بن سليمان، و قال: أمّنت ابن خالي‏فقتلتموه، فقالوا: نحن نعطيك رجلا من العشيرة تقتله مكانه.

و ذكر أحمد بن الحرث في روايته:

أن موسى بن عيسى هو الذي ضرب عنق الحسن بن محمد.

قال أحمد بن الحرث: و حدثني يزيد بن عبد اللّه الفارسي، قال:

كان حماد التركي ممن حضر وقعة فخ، فقال للقوم: أروني حسينا، فأروه إيّاه، فرماه بسهم فقتله، فوهب له محمد بن سليمان مائة ألف درهم و مائة ثوب.

قالوا: و غضب موسى على مبارك التركي‏لانهزامه عن الحسين و حلف ليجعلنه سائسا.

و غضب على موسى في قتله الحسن بن محمد صبرا، و قبض أموالهم‏ (2) .

و كان يقول: متى توافي فاطمة أخت الحسين بن علي؟و اللّه لأطرحنها إلى السّوّاس، فمات قبل أن يوافي بها (3) .

حدثني علي بن إبراهيم العلوي، قال: حدثنا الحسن بن علي بن هاشم، قال: حدثني محمد بن منصور، عن القاسم بن إبراهيم، عمن ذكره، قال:

رأيت الحسين صاحب فخ و قد دفن شيئا، فظننت أنه شي‏ء له مقدار، فلما

____________

(1) في الخطية: «و أصابت الحسن بن عبد اللّه نشابة... فتركها» .

(2) الطبري 10/29.

(3) في الطبري 10/28 «و أخذت أخت الحسين و كانت معه فصيرت عند زينب بنت سليمان» .

380

كان من أمره ما كان، نظرنا فإذا هو قطعة من جانب قد قطع فدفنه ثم عاد فكّر عليهم.

قال الحسن: و حدثني محمد بن منصور، قال: حدثني مصفى بن عاصم، قال: حدثني سليمان بن إسحاق القطان، قال: حدثني أبو العرجا الجمال‏ (1) :

أن موسى بن عيسى دعاه فقال له: أحضرني جمالك. قال: فجئته بمائة جمل ذكر، فختم أعناقها، و قال: لا أفقد منها و برة إلاّ ضربت عنقك، ثم تهيأ للمسير إلى الحسين صاحب فخ، فسار حتى أتينا بستان بني عامر فنزل فقال لي: إذهب إلى عسكر الحسين حتى تراه و تخبرني بكل ما رأيت. فمضيت فدرت فما رأيت خللا و لا فللا، و لا رأيت إلاّ مصليا أو مبتهلا، أو ناظرا في مصحف أو معدا للسلاح قال:

فجئته فقلت: ما أظن القوم إلاّ منصورين. فقال: و كيف ذاك يابن الفاعلة؟ فأخبرته فضرب يدا على يد و بكى حتى ضننت أنه سينصرف ثم قال: هم و اللّه أكرم عند اللّه، و أحق بما في أيدينا منا، و لكن الملك عقيم، و لو أن صاحب القبر-يعني النبي (ص) -نازعنا الملك ضربنا خيشومه بالسيف، يا غلام، اضرب بطبلك. ثم سار إليهم، فو اللّه ما انثنى عن قتلهم.

رجع الحديث إلى حيث انقطع.

قالوا: جاء الجند بالرؤوس‏ (2) إلى موسى، و العباس، و عندهم‏جماعة من ولد الحسن و الحسين، فلم يتكلم أحد منهم بشي‏ء إلاّ موسى بن جعفر فقال له: هذا رأس الحسين.

قال: نعم إنا للّه و إنا إليه راجعون، مضى و اللّه مسلما صالحا صوّاما قوّاما آمرا بالمعروف، ناهيا عن المنكر، ما كان في أهل بيته مثله. فلم يجيبوه بشي‏ء.

قال: و حملت الأسرى إلى موسى الهادي، و فيهم العذافر الصيرفي، و علي بن سابق القلانسي، و رجل من ولد الحاجب بن زرارة، فأمر بهم فضربت أعناقهم‏ (3) ،

____________

(1) كذا في الخطية، و في ط و ق «أبو القرنا الجمال» .

(2) في الطبري 10/28 «و احتزت الرؤوس فكانت مائة رأس و نيفا فيها رأس سليمان بن عبد اللّه بن حسن، و ذلك يوم التروية» .

(3) في الطبري 10/29 «و امر بقتل عذافر الصيرفي، و علي بن السابق الفلاس الكوفي، و أن يصلبا، فصلبوهما بباب الجسر» .

381

و من بين يديه رجل آخر من الأسرى واقف، فقال أنا مولاك يا أمير المؤمنين.

فقال: مولاي يخرج عليّ، و مع موسى سكين، فقال: و اللّه لأقطعنك بهذه السكين مفصلا مفصلا.

قال: و غلبت عليه‏العلة فمكث ساعة طويلة ثم مات، و سلم الرجل من القتل فأخرج من بين يديه.

فحدثني أحمد بن عبيد اللّه بن عمّار، قال: قال أحمد بن الحارث‏ (1) ، عن عمر بن خلف الباهلي، عن بعض الطالبيين، قال:

لما قتل أصحاب فخ جلس موسى بن عيسى بالمدينة، و أمر الناس بالوقيعة (2) على آل أبي طالب، فجعل الناس يوقعون عليهم حتى لم يبق أحد، فقال بقي أحد.

قيل له: موسى بن عبد اللّه. و أقبل موسى بن عبد اللّه على أثر ذلك، و عليه مدرعة و إزار غليظ، و في رجليه نعلان من جلود الإبل، و هو أشعث أغبر حتى قعد مع الناس و لم يسلم عليه، و إلى جنبه السري بن عبد اللّه من ولد الحرث بن العباس بن عبد المطلب، فقال لموسى بن عيسى: دعني أكشف عليه باله، و أعرفه نفسه.

قال: أخافه عليك. قال: دعني، فأذن له فقال له: يا موسى.

قال: أسمعت فقل.

قال: كيف رأيت مصارع البغي الذي لا تدعونه لبني عمكم المنعمين عليكم.

فقال موسى أقول في ذلك:

بني عمّنا ردوا فضول دمائنا # ينم ليلكم أو لا يلمنا اللّوائم‏ (3)

فإنا و إيّاكم و ما كان بيننا # كذي الدين يقضي دينه و هو راغم‏

فقال السري: و اللّه ما يزيدكم البغي إلاّ ذلّة، و لو كنتم مثل بني عمكم سلمتم-يعني موسى بن جعفر-و كنتم مثله، فقد عرف حق بني عمّه و فضّلهم عليه، فهو لا يطلب ما ليس له.

____________

(1) في ط و ق «ابن الحارث الحوار و حدثني محمد بن الأزهر، عن عمر» .

(2) في ط و ق «بالرفيعة... يرفعون عليهم» .

(3) في ط و ق «بنوا عمنا... تنم... كذا الدين» .

382

فقال له موسى بن عبد اللّه:

فإنّ الأولى تثني عليهم تعيبني # أولاك بنو عمّي و عمّهم أبي

فإنك إن تمدحهم بمديحة # تصدق و إن تمدح أباك تكذب‏

قالوا (1) : و لما بلغ العمري و هو بالمدينة قتل الحسن بن علي صاحب فخ عمد إلى داره و دور أهله فحرقها (2) ، و قبض أموالهم و نخلهم، فجعلها في الصوافي المقبوضة.

ذكر من خرج مع الحسين صاحب فخ‏

حدثني أحمد بن عبيد اللّه بن عمار، قال: قال أحمد الحارث الخرّاز، حدثني المدائني قال:

خرج مع الحسين صاحب فخ من أهل بيته: يحيى، و سليمان، و إدريس، بنو عبد اللّه بن الحسن بن الحسن، و علي بن إبراهيم بن الحسن بمكة، و إبراهيم بن إسماعيل طباطبا، و الحسن بن محمد بن عبد اللّه بن الحسن، و عبد اللّه و عمر ابنا إسحاق بن الحسن بن علي بن الحسين. و عبد اللّه بن إسحاق بن إبراهيم بن الحسن.

هؤلاء من ذكره المدائني‏[و قد ذكرت‏]في صدر خبر الحسين‏[أسماء من خرج معه من أهله و فيهم زيادة على هذا كرهنا إعادتها] (3) .

حدثني علي بن إبراهيم العلوي، قال: حدثني جعفر بن محمد بن سابور، قال: حدثنا الحسن بن محمد، قال: حدثني يحيى بن الحسن بن فرات، قال:

حدثنا سعيد بن خيثم، قال:

كنت مع الحسين صاحب فخ، أنا، و علي بن هشام بن البريد، و يحيى بن يعلى‏ (4) .

____________

(1) في الطبري 10/30 «قال المفضل بن سليمان» .

(2) في الطبري «وثب على دار الحسين و دور جماعة من أهل بيته و غيرهم ممن خرج مع الحسين فهدمه و حرق النخل، و قبض ما لم يحرقه و جعله في الصوافي و المقبوضة» .

(3) الزيادة من الخطية.

(4) في ط و ق «ابن العتكي» .

383

حدثني علي بن إبراهيم قال: حدثني جعفر بن محمد الفزاري، قال: حدثني علي بن أحمد الباني‏ (1) ، قال:

سمعت محمد بن إبراهيم صاحب أبي السرايا بالكوفة يقول لعامر بن كثير السراج: خرجت مع الحسين بن علي صاحب فخ؟قال: نعم.

حدثنا علي بن العباس، قال: حدثنا الحسن بن محمد، عن أحمد بن كثير الذهبي، قال: حدثنا إبراهيم بن إسحاق القطان‏ (2) ، قال سمعت الحسين بن علي، و يحيى بن عبد اللّه يقولان:

ما خرجنا حتى شاورنا أهل بيتنا، و شاورنا موسى بن جعفر فأمرنا بالخروج.

حدثنا علي بن العباس، قال: حدثنا الحسن بن محمد، قال: حدثنا ابن أبي ليلى محمد بن عمران، قال: حدثني نصر الخفاف، قال:

أصابتني ضربة و أنا مع الحسين بن علي صاحب فخ فبرت اللحم و العظم، فبتّ ليلتي أعوي منها، و أنا أخاف أن يجيئوني فيأخذوني إذا سمعوا الصوت، فغلبتني عيني فرأيت النبي (ص) و قد جاء فأخذ عظما فوضعه على عضدي، فأصبحت و ما أجد من الوجع قليلا و لا كثيرا.

حدثني أحمد بن عبيد اللّه، عن الخرّاز، عن المدائني، عن عمر بن مساور الأهوازي، قال: أخبرني جماعة من موالي محمد بن سليمان:

أنه لما حضرته الوفاة جعلوا يلقنونه الشهادة و هو يقول:

ألا ليت أمي لم تلدني و لم أكن # لقيت حسينا يوم فخ و لا الحسن‏

فجعل يرددها حتى مات.

قال أبو الفرج الأصبهاني:

حكى هذه الحكاية بعض مشايخنا على هذا و خالف في روي البيت و قال فيه:

ألا ليت أمي لم تلدني # و لم أشهد حسينا يوم فخ‏

قال: و كان محمد إذا رأى أخاه جعفرا يئن و ينشد هذا البيت:

____________

(1) في ط و ق «فحدثني علي بن العباس.... بن أحمد الثاني» .

(2) في الخطية «بن إسحاق العطار» .

384

ألا ليت أمي لم تلدني # و لم أشهد حسينا يوم فخ‏

و مما رثى به الحسين بن علي من الشعر: حدثني أحمد بن سعيد، قال: حدثنا يحيى بن الحسن العلوي، قال: قال عيسى بن عبد اللّه‏ (1) يرثي الحسين صاحب فخ‏ (2) .

فلأبكين على الحسين # بعولة و على الحسن‏ (3)

و على ابن عاتكة الذي # أثووه ليس بذي كفن‏ (4)

تركوا بفخ غدوة # في غير منزلة الوطن

كانوا كراما فانقضوا (5) # لا طائشين و لا جبن

غسلوا المذلة عنهم # غسل الثياب من الدّرن

هدى العباد بجدّهم # فلهم على الناس المنن‏

فحدثني علي بن أبي إبراهيم العلوي عن نفسه، أو رواه عن غيره، أنا أشك، قال:

رأيت في النوم رجلا يسألني أن أنشده هذه الأبيات فأنشدته إيّاها فقال لي زد فيها:

قوم كرام سادة # منهم و من هم ثم من‏ (6)

حدثني أحمد بن عبيد اللّه‏[بن عمار]، قال: قال أحمد بن الحارث، و حدثني المدائني، قال: حدثني أبو صالح الفزاري، قال:

____________

(1) في هامش الخطية «هو عيسى بن عبد اللّه بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب عليهم السلام، كان يلقب بالمبارك. و أمه أم الحسن بنت عبد اللّه بن الباقر. و كان سيدا شريفا راو للحديث، و له شعر حسن» .

(2) مروج الذهب 2/184 و الاستقصاء 1/67 و معجم البلدان 6/341.

(3) هو الحسن بن محمد بن الحسن المثنى بن الحسن السبط بن علي بن أبي طالب و كان أسر في ذلك اليوم فضربت عنقه صبرا.

(4) هو عبد اللّه بن إسحاق بن إبراهيم بن الحسن المثنى بن الحسن السبط بن علي بن أبي طالب كما في الاستقصاء 1/67.

(5) في ط و ق «كراما هيجوا» .

(6) في ط و ق «من و من» .

385

سمع على مياه غطفان كلها ليلة قتل الحسين صاحب فخ هاتف يهتف و يقول:

ألا يا لقوم للسواد المصبّح # و مقتل أولاد النبي ببلدح

لبيك حسينا كل كهل و أمرد # من الجن ان لم يبكك من الأنس نوح

فإني لجني و إن معرّسي # لبلبرقة السوداء من دون زحزح‏

فسمعها الناس لا يدرون ما الخبر حتى أتاهم قتل الحسين.

أنشدني أحمد بن عبد اللّه بن عمار، قال: أنشدني عمر بن شبّة، قال: أنشدني سليمان بن داود بن علي العباسي لأبيه يرثي من قتل بفخ.

و أنشدنيها أحمد بن سعيد، قال أنشدنا يحيى بن الحسن، قال أنشدني موسى بن داود السلمي لأبيه‏ (1) يرثيهم، فلا أدري الوهم ممن هو:

يا عين أبكي بدمع منك منهتن‏ (2) # فقد رأيت الذي لاقى بنو حسن

صرعى بفخ تجر الريح فوقهم # أذيالها و غوادي الدلج المزن

حتى عفت أعظم لو كان شاهدها # محمد ذبّ عنها ثم لم تهن‏ (3)

ما ذا يقولون و الماضون قبلهم # على العداوة و البغضاء و الأحن

ما ذا يقولون إن قال النبي لهم: # ما ذا صنعتم بنا في سالف الزمن؟

لا الناس من مضر حاموا و لا غضبوا # و لا ربيعة و الأحياء من يمن

يا ويحهم كيف لم يرعوا لهم حرما # و قد رعى الفيل حق البيت ذي الركن‏

____________

(1) في معجم البلدان 6 ك 342 «ابن موسى داود بن سلم لأبيه» .

(2) في معجم البلدان «منك منهمر» .

(3) في المعجم «ثم لم يهن» .

386

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

387

أيام الرّشيد

هارون بن المهدى بن أبى جعفر المنصور و من قتل منهم فيها

388

40-يحيى بن عبد اللّه بن الحسن‏

و يحيى بن عبد اللّه بن الحسن‏ (1) بن الحسن بن علي بن أبي طالب عليهم السلام و يكنى أبا الحسن.

و أمه قريبة بنت عبد اللّه. و هو ذبيح بن أبي عبيدة بن عبد اللّه بن زمعة بن الأسود بن المطلب بن أسد بن عبد العزى بن قصي.

و هي بنت أخي هند بنت أبي عبيدة.

و كان حسن المذهب و الهدى، مقدما في أهل بيته، بعيدا مما يعاب على مثله.

و قد روى الحديث و أكثر الرواية عن جعفر بن محمد. و روى عن أبيه، و عن أخيه محمد، و عن أبان بن تغلب.

و روى عنه مخول بن إبراهيم، و بكار بن زياد، و يحيى بن مساور، و عمرو بن حمّاد.

و أوصى إليه جعفر بن محمد لما حضرته الوفاة، و إلى أم موسى، و إلى أم ولد، فكان يلي أمر تركاته و الأصاغر من ولده، جاريا على أيديهم.

حدثني‏ (2) علي بن إبراهيم العلوي، قال: حدثنا الحسين بن علي بن هاشم

____________

(1) الطبري 10/54-59 تاريخ بغداد 14/110 و الاستقصاء 1/67 و الوزراء و الكتاب 189-190 و ابن الأثير 6/44 و ابن أبي الحديد 4/352-453 و الفخري 174-176 و شرح شافيه أبي فراس ص 188.

(2) توفي سنة إحدى و أربعين. راجع خلاصة تذهيب الكمال 13 و إتقان المقال ص 5.

389

المزني‏ (1) ، قال: حدثنا سعيد بن عثمان، قال: حدثنا بكار بن زياد، عن يحيى بن عبد اللّه بن الحسن، قال: قال الحسن بن محمد المزني، و حدثني حرب بن الحسن الطحان، قال: حدثني بعض أصحابنا، قال:

سمعنا يحيى بن عبد اللّه بن الحسن يقول: أوصى إليّ جعفر بن محمد، و إلى موسى، و إلى أم ولد كانت له، فأينا كان الوصي.

حدثنا علي بن العباس، قال: حدثنا الحسن بن علي بن هاشم‏ (2) ، قال:

حدثني علي بن حسان عن عمّه عبد الرحمن بن كثير، قال:

كان جعفر بن محمد قد ربّى يحيى بن عبد اللّه بن الحسن، فكان يحيى يسميه حبيبي، و كان إذا حدّث عنه قال: حدّثني حبيبي جعفر بن محمد.

حدّثني علي، قال حدّثنا الحسن بن هاشم، قال حدّثنا الحسن بن محمد، قال: حدّثني إسماعيل بن موسى الفزاري، قال:

رأيت يحيى بن عبد اللّه بن الحسن جاء إلى مالك بن أنس بالمدينة فقام له عن مجلس و أجلسه إلى جنبه.

قال: و رأيته بالسوق أو بغيره من طريق مكة.

و كان قصيرا، آدم، حسن الوجه و الجسم، تعرف سلالة الأنبياء في وجهه، رضوان اللّه عليه و رحمته.

ذكر الخبر عن مقتله‏

حدثني أحمد بن عبيد اللّه بن عمار، قال: حدثني علي بن محمد بن سليمان النوفلي عن أبيه، قال: و حدثني أيضا أحمد بن سليمان بن أبي شيخ، و هاشم بن أحمد

____________

(1) في ط و ق «حدثني علي بن العباس قال: حدثنا الحسن بن محمد المدني» .

(2) في ط و ق «حدثنا الحسن بن محمد المزني» .

390

البغوي و غيرهم. و حدثني علي بن إبراهيم العلوي، قال: كتب إليّ محمد بن حماد يذكر أن محمد بن إسحاق البغوي حدثه عن أبيه و غيره من مشايخه، و حدثني علي بن إبراهيم، قال: كتب إليّ إبراهيم بن بنان الخثعمي يذكر عن محمد بن أبي الخنساء.

و قد جمعت روايتهم في خبر يحيى إلاّ ما عسى أن يكون من خلاف بينهم فأفرده و أذكر رواته.

قالوا:

إن يحيى بن عبد اللّه بن الحسن لما قتل أصحاب فخ كان في قبلهم، فاستتر مدة (1) يجول في البلدان، و يطلب موضعا يلجأ إليه، و علم الفضل بن يحيى بمكانه في بعض النواحي فأمره بالانتقال عنه و قصد الديلم، و كتب له منشورا لا يتعرض له أحد.

فمضى متنكرا حتى ورد الدّيلم، و بلغ الرشيد خبره و هو في بعض الطريق، فولى الفضل بن يحيى نواحي المشرق، و أمره بالخروج إلى يحيى.

فحدثني علي بن إبراهيم العلوي، قال: كتب إليّ موسى بن محمد بن حماد (2)

يخبرني أن محمد بن يوسف حدثه عن عبد اللّه بن خوات‏ (3) ، عن جعفر بن يحيى الأحول عن إدريس بن زيد، قال:

عرض رجل للرشيد فقال: يا أمير المؤمنين نصيحة.

فقال لهرثمة: اسمع ما يقول.

قال: إنها من أسرار الخلافة. فأمره ألا يبرح، فلما كان في وقت الظهيرة دعا به فقال: اخلني، فالتفت الرشيد إلى ابنيه فقال: انصرفافانصرفا، و بقي خاقان، و الحسن على رأسه فنظر الرجل إليهما، فقال الرشيد: تنحيا عني، ففعلا، ثم أقبل على الرجل فقال: هات ما عندك.

____________

(1) في ط و ق «كان في فيئهم أسير مدة» .

(2) في الخطية «كتب إلى محمد بن حماد» .

(3) في ط و ق «جواب» .

391

قال: على أن تؤمنني‏ (1) من الأسود و الأحمر.

قال: نعم، و أحسن إليك.

قال: كنت في خان من خانات حلوان، فإذا أنا بيحيى بن عبد اللّه في درّاعة صوف غليظة و كساء صوف أحمر غليظ، و معه جماعة ينزلون إذا نزل و يرتحلون إذا رحل و يكونون معه ناحية، فيوهمون من رآهم أنهم لا يعرفونه و هم أعوانه، مع كل واحد منهم منشور بياض يؤمن به إن عرض له.

قال: أو تعرف يحيى؟ قال: قديما و ذاك الذي حقق معرفتي بالأمس له.

قال: فصفه لي.

قال: مربوع، أسمر، حلو السمرة، أجلح، حسن العينين، عظيم البطن.

قال: هو ذاك. فما سمعته يقول؟قال ما سمعته يقول شيئا، غير أني رأيته و رأيت غلاما له أعرفه، لما حضر وقت صلاته فأتاه بثوب غسيل فألقاه في عنقه و نزع جبته الصوف ليغسلها، فلما كان بعد الزوال صلّى صلاة ظننتها العصر، أطال في الأولتين و حذف الأخيرتين.

فقال له الرشيد: للّه أبوك، لجاد ما حفظت، تلك صلاة العصر و ذلك وقتها عند القوم، أحسن اللّه جزاءك، و شكر سعيك فما أنت؟و ما أصلك؟.

فقال: أنا رجل من أبناء (2) هذه الدولة، و أصلي مرو، و منزلي بمدينة السلام.

فأطرق مليا ثم قال: كيف احتمالك لمكروه مني تمتحن به في طاعتي؟ قال: أبلغ في ذلك حيث أحبّ أمير المؤمنين.

قال: كن بمكانك حتى أرجع، فقام فطعن في حجرة كانت خلفه، فأخرج صرة فيها ألف دينار، فقال: خذ هذه و دعني و ما أدبّر فيك، فأخذها الرجل و ضم عليها ثوبه، ثم قال: يا غلام، فأجابه مسرور، و خاقان، و الحسين فقال: اصفعوا ابن

____________

(1) في ط و ق «تقر مني» .

(2) في ط و ق «من أعقاب» .

392

اللخناء. فصفعوه نحو مائة صفعة، فخفى الرجل بذلك، و لم يعلم أحد بما كان ألقى إليه الرجل، و ظنوا أنه ينصح بغير ما يحتاج إليه، لما جرى عليه من المكروه، حتى كان من الرشيد ما كان في أمر البرامكة فأظهر ذلك.

رجع الحديث إلى سياقة خبر يحيى.

قالوا: فلما علم الفضل بمكان يحيى بن عبد اللّه كتب إلى يحيى:

إني أحبّ أن أحدث بك عهدا، و أخشى أن تبتلى بي و أبتلى بك، فكاتب صاحب الديلم، فإني قد كاتبته لك لتدخل في بلاده فتمتنع به.

ففعل ذلك يحيى.

و كان قد صحبه جماعة من أهل الكوفة، فيهم ابن الحسن بن صالح بن حي، كان يذهب مذهب الزيدية البتريّة (1) في تفضيل أبي بكر و عمر و عثمان في ست سنين من إمارته و يكفره في باقي عمره، و يشرب النبيذ و يمسح على الخفين، و كان يخالف يحيى في أمره و يفسد أصحابه.

قال يحيى بن عبد اللّه:

فأذّن المؤذن يوما و تشاغلت بطهوري، و أقيمت الصلاة فلم ينتظرني و صلّى بأصحابي، فخرجت فلما رأيته يصلى قمت أصلي ناحية و لم أصل معه؛ لعلمي أنه يمسح على الخفين، فلما صلّى قال لأصحابه: علام نقتل أنفسنا مع رجل لا يرى الصلاة معنا، و نحن عنده في حال من لا يرضى مذهبه؟.

قال: و أهديت إليّ شهدة في يوم من الأيام و عندي قوم من أصحابي، فدعوتهم إلى أكلها، فدخل في أثر ذلك فقال: هذه الأثرة، أتأكله أنت و بعض أصحابك دون بعض؟.

فقلت له: هذه هدية أهديت إليّ، و ليست من الفي‏ء الذي لا يجوز هذا فيه.

فقال لا: و لكنك لو وليت هذا الأمر لاستأثرت و لم تعدل.

و أفعال مثل هذا من الاعتراض.

و ولى الرشيد الفضل بن يحيى جميع كور المشرق و خراسان، و أمره بقصد يحيى و الخديعة به، و بذل له الأموال‏ (2) و الصلة إن قبل ذلك، فمضى الفضل فيمن

____________

(1) في القاموس مادة بتر «و لقب المغيرة بن سعد و البترية من الزيدية بالضم تنسب إليه» .

(2) في ط و ق «و الجد به و بذل له الأمان» .

393

ندب معه، و راسل يحيى بن عبد اللّه فأجابه إلى قبوله، لما رأى من تفرق أصحابه، و سوء رأيهم فيه، و كثرة خلافهم عليه، إلاّ أنه لم يرض الشرائط التي شرطت له، و لا الشهود الذين شهدوا[عليه، و كتب لنفسه شروطا، و سمى شهودا] (1) ، و بعث بالكتاب إلى الفضل، فبعث به إلى الرشيد فكتب له على ما أراد، و أشهد له من التمس.

فحدثني أحمد بن عبيد اللّه بن عمار، و أبو عبيد الصيرفي، قالا: حدثنا محمد بن علي بن خلف، قال: حدثني بعض الحسنيين، عن عبيد اللّه بن محمد بن سليمان بن عبد اللّه بن الحسن، قال:

قال عبد اللّه بن موسى: أتيت عمي يحيى بن عبد اللّه بعد انصرافه من الديلم و بعد الأمان فقلت: يا عم، ما بعدي مخبر و لا بعدك مخبر، فأخبرني بما لقيت فقال: ما كنت إلاّ كما قال حيي بن أخطب اليهودي:

لعمرك ما لام ابن أخطب نفسه # و لكن من لا ينصر اللّه يخذل

فجاهد حتى أبلغ النفس عذرها # و قلقل يبغي العزّ كلّ مقلقل‏ (2)

رجع الحديث إلى سياقة خبر يحيى بن عبد اللّه.

قالوا: فلما جاء الفضل إلى بلاد الديلم قال يحيى بن عبد اللّه:

اللهم اشكر لي إخافتي قلوب الظالمين، اللهم إن تقض لنا النصر عليهم فإنما نريد إعزاز دينك، و إن تقض لهم النصر فبما تختار لأوليائك و أبناء أوليائك من كريم المآب و سنيّ الثواب.

فبلغ ذلك الفضل فقال: يدعو اللّه أن يرزقه السلامة، فقد رزقها.

قالوا: فلما ورد كتاب الرشيد على الفضل و قد كتب الأمان على ما رسم يحيى و أشهد الشهود الذين التمسهم، و جعل الأمان على نسختين إحداهما مع يحيى و الأخرى معه، شخص يحيى مع الفضل حتى وافى بغداد و دخلها معادله في عمارية

____________

(1) الزيادة من الخطية.

(2) الطبري 10/55.

394

على بغل، فقال مروان بن أبي حفصة (1) :

و قالوا الطالقان يجن كنزا # سيأتينا به الدهر المديل

فأقبل مكذبا لهم بيحيى # و كنز الطالقان له زميل‏ (2)

فحدثني علي بن إبراهيم العلوي، عن محمد بن موسى‏ (3) بن حماد، قال:

حدثني‏محمد بن إسحاق البغوي، قال: حدثني أبي، قال:

كنا مع يحيى بن عبد اللّه بن الحسن فسأله رجل كان معنا كيف تخيرت الدخول إلى الديلم من بين النواحي؟.

قال: إن للديلم معنا خرجة فطمعت أن تكون معي.

رجع الحديث إلى سياقة الخبر.

قالوا (4) : فلما قدم يحيى أجازه الرشيد بجوائز سنية يقال إن مبلغها مائتا ألف دينار، و غير ذلك من الخلع و الحملان، فأقام على ذلك مدة و في نفسه الحيلة على يحيى و التفرغ له، و طلب العلل عليه و على أصحابه، حتى أخذ رجلا يقال له: فضالة بلغه أنه يدعو إلى يحيى فحبسه، ثم دعا به فأمره أن يكتب إلى يحيى‏بأنه قد أجابه جماعة من القواد و أصحاب الرشيد ففعل ذلك، و جاء الرسول إلى يحيى فقبض عليه و جاء به إلى يحيى بن خالد فقال له: هذا جاءني بكتاب لا أعرفه، و دفع الكتاب إليه.

فطابت نفس الرشيد بذلك، و حبس فضالة هذا، فقيل له: إنك تظلمه في حبسك إيّاه.

فقال: أنا أعلم ذلك، و لكن لا يخرج و أنا حي أبدا.

قال فضالة: فلا و اللّه ما ظلمني‏لقد كنت عهدت إلى يحيى إن جاءه مني كتاب ألا يقبله و أن يدفع الرسول إلى السلطان، و علمت أنه سيحتال عليه بي.

قالوا: فلما تبين يحيى بن عبد اللّه ما يراد به استأذن في الحج فأذن له.

____________

(1) راجع ترجمة مروان في الأغاني 9/36-48 و ابن خلكان 2/117-119.

(2) في ط و ق «و ابن الطالقان لهم» .

(3) في ط و ق «بن يحيى» .

(4) ابن الأثير 6/45.

395

و قال علي بن إبراهيم في حديثه: لم يستأذن في الحج، و لكنه قال للفضل ذات يوم: اتّق اللّه في دمي، و احذر أن يكون محمد (ص) خصمك غدا فيّ فرقّ له و أطلقه.

و كان على الفضل عين للرشيد قد ذكر ذلك له، فدعا بالفضل و قال: ما خبر يحيى بن عبد اللّه؟.

قال: في موضعه عندي مقيم.

قال: و حياتي! قال: و حياتك إني أطلقته، سألني برحمه من رسول اللّه فرققت له.

قال: أحسنت، قد كان عزمي أن أخلي سبيله.

فلما خرج أتبعه طرفه و قال: قتلني اللّه إن لم أقتلك.

قالوا: ثم إن نفرا من أهل الحجاز تحالفوا على السعاية بيحيى بن عبد اللّه بن الحسن و الشهادة عليه بأنه يدعو إلى نفسه، و أن أمانه منتقض، فوافق ذلك ما كان في نفس الرشيد له، و هم: عبد اللّه بن مصعب الزبيري‏ (1) ، و أبو البختري وهب بن وهب‏ (2) ، و رجل من بني زهرة، و رجل من بني مخزوم. فوافوا الرشيد لذلك و احتالوا إلى أن أمكنهم ذكرهم له، فأشخصه الرشيد إليه و حبسه عند مسرور الكبير (3) في سرداب، فكان في أكثر الأيام يدعو به فيناظره، إلى أن مات في حبسه رضوان اللّه عليه.

و اختلف الناس في أمره، و كيف كانت وفاته، و سأذكر ذلك في موضعه.

حدثني أحمد بن عبيد اللّه بن عمار، قال: حدثنا أحمد بن سليمان بن أبي شيخ، عن أبيه، و عن غيره:

أن الرشيد دعا بيحيى يوما فجعل يذكر ما رفع إليه في أمره، و هو يخرج كتبا

____________

(1) ترجم له أبو الفرج في الأغاني 20/180-182 و قال عنه إنه «شاعر فصيح خطيب ذو عارضة و بيان، و اعتبار من الرجال، و كلام في المحافل، و قد نادم الخلفاء من بني العباس و تولى لهم أعمالا، و كان خرج مع محمد بن عبد اللّه بن الحسن بالمدينة على أبي جعفر المنصور فيمن خرج من آل الزبير، فلما قتل محمد استتر عنه، و قيل بل كان استتاره مدة يسيرة إلى أن حج أبو جعفر المنصور و أمن الناس جميعا فظهر» .

(2) ولاّه هارون الرشيد القضاء بعسكر المهدي، ثم عزله فولاه مدينة الرسول (ص) بعد بكار بن عبد اللّه، و جعل إليه صلاتها و قضاءها و حربها، و كان جوادا سخيا ثم عزل عن المدينة فقدم بغداد و أقام بها حتى مات في سنة مائتين. راجع تاريخ بغداد 13/481-487 و ميزان الاعتدال.

(3) في ط و ق «مسرور و كثير» .

396

كانت في يده حججا له، فيقرؤها الرشيد و أطراف الكتب في يد يحيى، فتمثل بعض من حضر (1) :

أنّى أتيح له حرباء تنصبة # لا يرسل الساق إلاّ مرسلا ساقا (2)

فغضب الرشيد من ذلك و قال للمتمثل: أتؤيده و تنصره؟ قال: لا، و لكني شبهته في مناظرته و احتجاجه بقول هذا الشاعر.

ثم أقبل عليه فقال: دعني من هذا، يا يحيى أينا أحسن وجها أنا أو أنت؟ قال: بل أنت يا أمير المؤمنين، إنك لأنصع لونا و أحسن وجها.

قال: فأينا أكرم و أسخى، أنا أو أنت؟.

فقال: و ما هذا يا أمير المؤمنين، و ما تسألني عنه، أنت تجبي إليك خزائن الأرض و كنوزها، و أنا أتمحل معاشي من سنة إلى سنة.

قال: فأينا أقرب إلى رسول اللّه (ص) ، أنا أو أنت؟.

قال: قد أجبتك عن خطتين، فاعفني من هذه! قال: لا و اللّه. قال: بل فاعفني، فحلف بالطلاق و العتاق ألاّ يعفيه.

فقال: يا أمير المؤمنين لو عاش رسول اللّه (ص) و خطب إليك ابنتك أكنت تزوجه؟.

قال: إي و اللّه! قال: فلو عاش فخطب إليّ أ كان يحل لي أن أزوجه؟.

قال: لا قال: فهذا جواب ما سألت.

فغضب الرشيد و قام من مجلسه، و خرج الفضل بن ربيع و هو يقول:

لوددت أني فديت هذا المجلس بشطر ما أملكه.

قالوا: ثم ردّه إلى محبسه في يومه ذلك.

ثم دعا (3) به و جمع بينه و بين عبد اللّه بن مصعب الزبيري ليناظره فيما رفع إليه،

____________

(1) في تاريخ بغداد 14/111 «لأنت أصغر من حرباء تنضبة» .

(2) في اللسان «قال أبو عبيد: و من الأشجار التنضب، واحدتها تنضبة، شجرة ضخمة تقطع منها العمد» .

(3) نقل ذلك ابن أبي الحديد 4/352.

397

فجبهه ابن مصعب بحضرة الرشيد و قال له: نعم يا أمير المؤمنين إن هذا دعاني إلى بيعته.

قال له يحيى: يا أمير المؤمنين، أتصدّق هذا و تستنصحه؟و هو ابن عبد اللّه بن الزبير الذي أدخل أباك و ولده الشعب و أضرم عليهم النار حتى تخلّصه أبو عبد اللّه الجدلي‏صاحب علي بن أبي طالب منه‏[عنوة] (1) .

و هو الذي بقي أربعين جمعة لا يصلي على النبي (ص) في خطبته حتى التاث عليه الناس، فقال: إن له أهل بيت سوء إذا[صليت عليه أو]ذكرته‏[أتلعوا أعناقهم‏ (2) و اشرأبوا لذكره‏]و فرحوا بذلك فلا أحب أن أقر عينهم بذكره.

و هو الذي فعل بعبد اللّه بن العباس ما لا خفاء به عليك‏ (3) حتى لقد ذبحت يوما عنده بقرة فوجدت كبدها قد نقبت فقال ابنه علي بن عبد اللّه: يا أبة أما ترى كبد هذه البقرة؟.

فقال: يا بني، هكذا ترك ابن الزبير كبد أبيك، ثم نفاه إلى الطائف، فلما حضرته الوفاة قال لعلي ابنه: يا بني، ألحق بقومك من بني عبد مناف بالشام، [و لا تقم في بلد لابن الزبير فيه إمرة] (4) . فاختار له صحبة يزيد بن معاوية على صحبة عبد اللّه بن الزبير.

و و اللّه إن عداوة هذا[يا أمير المؤمنين‏]لنا جميعا بمنزلة سواء، و لكنه قوى عليّ بك، و ضعفت عنك، فتقرّب بي إليك، ليظفر منك بما يريد، إذ لم يقدر على مثله، منك، و ما ينبغي لك أن تسوّغه ذلك فيّ، فإن معاوية بن أبي سفيان، و هو أبعد نسبا منك إلينا، ذكر يوما الحسن بن علي فسفهه‏ (5) فساعده عبد اللّه بن الزبير على ذلك، فزجره معاوية[و انتهره‏]فقال: إنما ساعدتك يا أمير المؤمنين! فقال: إن الحسن لحمي آكله. و لا أوكله.

____________

(1) الزيادة من ابن أبي الحديد.

(2) الزيادة من ابن أبي الحديد، و في ط و ق «إذا ذكرته استرابت نفوسهم إليه» .

(3) في ابن أبي الحديد «و هو الذي كان يشتم أباك و يلصق به العيوب حتى ورم كبده، و لقد ذبحت بقرة يوما لأبيك... » .

(4) الزيادة من ابن أبي الحديد.

(5) في ط و ق «فشنعه» .

398

فقال عبد اللّه بن مصعب: إن عبد اللّه بن الزبير طلب أمرا فأدركه، و إنّ الحسن باع الخلافة من معاوية بالدراهم، أتقول هذا في عبد اللّه بن الزبير و هو ابن صفية بنت عبد المطلب‏ (1) ؟.

فقال يحيى: يا أمير المؤمنين، ما أنصفنا أن يفخر علينا بامرأة من نسائنا و امرأة منا، فهلا فخر بهذا على قومه من النّوبيات و الأساميات و الحمديات! فقال عبد اللّه بن مصعب: ما تدعون بغيكم علينا و توثبكم في سلطاننا؟.

فرفع يحيى رأسه إليه، و لم يكن يكلّمه قبل ذلك، و إنما كان يخاطب الرشيد بجوابه لكلام عبد اللّه، فقال له: أ توثبنا في سلطانكم؟و من أنتم-أصلحك اللّه- عرفني فلست أعرفكم؟.

فرفع الرشيد رأسه إلى السقف يجيله فيه ليستر ما عراه من الضحك ثم غلب عليه الضحك ساعة، و خجل ابن مصعب.

ثم التفت يحيى فقال: يا أمير المؤمنين، و مع هذا فهو الخارج مع أخي على أبيك‏ (2) و القائل له‏ (3) :

إن الحمامة يوم الشعب من دثن‏ (4) # هاجت فؤاد محب دائم الحزن

إنا لنأمل أن ترتد ألفتنا # بعد التدابر و البغضاء و الأحن

حتى يثاب على الإحسان محسننا (5) # و يأمن الخائف المأخوذ بالدّمن

و تنقضي دولة أحكام قادتها # فينا كأحكام قوم عابدي وثن

فطالما قد بروا بالجور أعظمنا (6) # بري الصناع قداح النّبع بالسّفن

قوموا ببيعتكم ننهض بطاعتنا # إن الخلافة فيكم يا بني الحسن‏ (7)

____________

(1) توفيت صفية في خلافة عمر، راجع ترجمتها في طبقات ابن سعد 8/27-28.

(2) مروج الذهب 2/189.

(3) الأبيات في العقد 3/276 و ابن أبي الحديد 4/352.

(4) في ابن أبي الحديد «من وثن» و في العقد «من حضن» يقال «دثن الطائر تدثينا: طار و أسرع السقوط في مواضع متقاربة، و في الشجرة: اتخذ عشا» .

(5) في ط و ق «محتسبا» .

(6) في ط و ق «فكان ما قد» .

(7) البيت في مروج الذهب و تاريخ بغداد.

399

لا عزّ ركنا نزار عند سطوتها # إن أسلمتك و لا ركنا ذوي يمن‏ (1)

ألست أكرمهم عودا إذا انتسبوا # يوما و أطهرهم ثوبا من الدّرن

و أعظم الناس عند الناس منزلة # و أبعد الناس من عيب و من وهن‏ (2)

قال: فتغير وجه الرشيد عند استماع هذا الشعر، فابتدأ ابن مصعب يحلف باللّه الذي لا إله إلاّ هو، و بأيمان البيعة أن هذا الشعر ليس له و أنه لسديف‏ (3) .

فقال يحيى: و اللّه يا أمير المؤمنين ما قاله غيره، و ما حلفت كاذبا و لا صادقا باللّه قبل هذا، و إن اللّه إذا مجّده العبد في يمينه بقوله: الرحمن الرحيم، الطالب الغالب، استحيى أن يعاقبه، فدعني أحلّفه بيمين ما حلف بها أحد قط كاذبا إلاّ عوجل. قال: حلّفه.

قال: قل: برئت من حول اللّه و قوته، و اعتصمت بحولي و قوتي، و تقلّدت الحول و القوة من دون اللّه، استكبارا على اللّه، و استغناء عنه، و استعلاء عليه، إن كنت قلت هذا الشعر.

فامتنع عبد اللّه من الحلف بذلك، فغضب الرشيد و قال للفضل بن الربيع‏ (4) : يا عباسي ما له لا يحلف إن كان صادقا؟هذا طيلساني عليّ، و هذه ثيابي لو حلّفني أنها لي لحلفت. فرفس الفضل بن الربيع عبد اللّه بن مصعب برجله و صاح به:

احلف ويحك-و كان له فيه هوى-فحلف باليمين و وجهه متغير و هو يرعد، فضرب يحيى بين كتفيه ثم قال: يابن مصعب قطعت و اللّه عمرك، و اللّه لا تفلح بعدها (5) .

فما برح من موضعه حتى أصابه الجذام فتقطع و مات في اليوم الثالث‏ (6) .

____________

(1) في العقد:

لا عز ركن نزار عند نائبة # إن أسلموك و لا ركن لذي يمن‏

(2) في العقد «من عجز و من أفن» .

(3) الشعر في العقد منسوب لسديف، و هو شاعر حجازي مقل من مخضرمي الدولتين، و كان شديد التعصب لبني هاشم مظهرا لذلك في أيام بني أمية، راجع ترجمته في الأغاني 14/162.

(4) توفي الفضل في سنة ثمان و مائتين، و ترجمته في ابن خلكان 1/412-413 و تاريخ بغداد 12/133- 134.

(5) في ابن أبي الحديد 4/353 بعد ذلك «قالوا: فما برح من موضعه حتى عرض له أعراض الجذام، استدارت عيناه، و تفقأ وجهه، و قام إلى بيته فتقطع و تشقق لحمه و انتثر شعره و مات بعد ثلاثة أيام» .

(6) راجع تاريخ الخلفاء ص 190.

400

فحضر الفضل بن الربيع جنازته، و مشى معها و مشى الناس معه، فلما جاءوا به إلى القبر و وضعوه في لحده و جعل اللّبن فوقه، انخسف القبر فهوى به حتى غاب عن أعين الناس، فلم يروا قرار القبر و خرجت منه غبرة عظيمة، فصاح الفضل:

التراب التراب، فجعل يطرح التراب و هو يهوي، و دعا بأحمال الشوك فطرحها فهوت، فأمر حينئذ بالقبر فسقف بخشب‏و أصلحه و انصرف منكسرا. فكان الرشيد بعد ذلك يقول للفضل: رأيت يا عباسي، ما أسرع ما أديل ليحيى من ابن مصعب‏ (1) .

فحدثني ابن عمارة قال: حدثني الحسن بن العليل العنزي، قال: حدثني أحمد بن محمد بن سليمان بن عبد اللّه بن أبي جهم بن حذيفة بن غانم العدوي عن عبد الرحمن بن عبد اللّه بن أبي بكر بن سليمان بن أبي خيثمة، قال:

كنت مع إسماعيل بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عبد اللّه بن أبي ربيعة المخزومي فقال لي: أتحب أن أريك الرجل الذي ألقى عبد اللّه بن مصعب في رحم أمه؟قلت: نعم فأرنيه فأومأ إلى إنسان سندي على حمار، يكري الحمير بالمدينة، و قال لي: ما زال مصعب بن أبي ثابت يخرج أم عبد اللّه بن مصعب من بيت هذا أبدا، و كانت سندية اسمها تحفة، فولدت عبد اللّه فهو أشبه الناس بوردان، فنفاه مصعب بن ثابت عن نفسه، فلم يزل مدة على ذلك، ثم استلاطه بعد ذلك.

قال: و قال بعض الشعراء يهجوا مصعب بن عبد اللّه الزبيري و أخاه بكارا (2)

و يذكر عبد اللّه بن مصعب:

تدعى حواري الرسول تكذبا # و أنت لوردان الحمير سليل‏ (3)

و لولا سعايات بآل محمد # لألفى أبوك العبد و هو ذليل

و لكنه باع القليل بدينه # فطال له وسط الجحيم عويل

فنال به مالا وجاها و منكحا # و ذلك خزي في المعاد طويل‏

____________

(1) تاريخ بغداد 14/112 و مروج الذهب 2/190.

(2) في الطبري 10/55 «و كان بكار شديد البغض لآل أبي طالب، و كان يبلغ هارون عنهم، و يسي‏ء بأخبارهم، و كان الرشيد ولاّه المدينة و أمره بالتضييق عليهم... » .

(3) البيت في الأغاني 20/181.

401

ثم نرجع إلى سياقة الخبر في مقتل يحيى بن عبد اللّه.

قالوا: ثم جمع له الرشيد الفقهاءو فيهم: محمد بن الحسن‏ (1) صاحب أبي يوسف القاضي، و الحسن بن زياد اللؤلؤي‏ (2) ، و أبو البختري وهب بن وهب، فجمعوا في مجلس و خرج إليهم مسرور الكبير بالأمان، فبدأ محمد بن الحسن فنظر فيه فقال: هذا أمان مؤكد لا حيلة فيه-و كان يحيى قد عرضه بالمدينة على مالك، و ابن الدّراوردي‏ (3) و غيرهم، فعرفوه أنه مؤكد لا علة فيه.

قال: فصاح عليه مسرور و قال: هاته، فدفعه إلى الحسن بن زياد اللؤلؤي فقال بصوت ضعيف: هو أمان.

و استلبه أبو البختري وهب بن وهب فقال: هذا باطل‏ (4) منتقض، قد شق عصا الطاعة و سفك الدم فاقتله و دمه في عنقي.

فدخل مسرور إلى الرشيد فأخبره فقال له: اذهب فقل له: خرقه إن كان باطلا بيدك، فجاءه مسرور فقال له ذلك فقال: شقّه يا أبا هاشم.

قال له مسرور: بل شقه أنت إن كان منتقضا.

فأخذ سكينا و جعل يشقه و يده ترتعد حتى صيّره سيورا، فأدخله مسرور على الرشيد فوثب فأخذه من يده و هو فرح و هو يقول له: يا مبارك يا مبارك، و وهب لأبي البختري ألف ألف و ستمائة ألف، و ولاه القضاء، و صرف الآخرين، و منع محمد بن الحسن من الفتيا مدة طويلة، و أجمع على إنفاذ ما أراده في يحيى بن عبد اللّه.

قال أبو الفرج الأصبهاني:

و قد اختلف في مقتله كيف كان: فحدثني جعفر بن أحمد الوراق‏ (5) ، قال:

____________

(1) كان الرشيد ولاّه القضاء، و خرج معه في سفره إلى خراسان فمات بالري سنة تسع و ثمانين و مائة، ترجمته في تاريخ بغداد 2/172-182 و ابن خلكان 1/453-454.

(2) تولى القضاء بعد وفاة القاضي حفص بن غيّاث في سنة أربع و تسعين و مائة، و توفي سنة أربع و مائتين، و ترجمته في تاريخ بغداد 7/314-317.

(3) هو أبو محمد عبد العزيز بن محمد عبيد الجهني المدني الدراوردي، توفي سنة تسع و ثمانين و مائة كما في خلاصة تذهيب الكمال 204 و تذكرة الحفاظ 1/248 و المعارف 224.

(4) الطبري 10/57 و ابن الأثير 5/45.

(5) في الخطية «فحدثني علي بن إبراهيم العلوي قال حدثنا محمد بن إبراهيم قال: حدثنا أحمد بن يحيى... » .

402

حدثنا أحمد بن يحيى، قال: حدثنا محمد بن عثمان، عن الحسن بن علي، عن عمرو بن حماد، عن رجل كان مع يحيى بن عبد اللّه في المطبق، قال:

كنت قريبا منه فكان في أضيق البيوت و أظلمها، فبينا نحن ذات ليلة كذلك إذ سمعنا صوت الأقفال و قد مضت من الليل هجعة، فإذا هارون قد أقبل على برذون له، ثم وقف و قال: أين هذا؟يعني يحيى بن عبد اللّه بن الحسن. قالوا: في هذا البيت. قال عليّ به فأدنى إليه فجعل هارون يكلمه بشي‏ء لم أفهمه فقال: خذوه، فأخذوه فضرب مائة عصا، و يحيى يناشده اللّه و الرحم و القرابة من رسول اللّه (ص) و يقول: بقرابتي منك، فيقول: ما بيني و بينك قرابة.

ثم حمل فرد إلى موضعه فقال: كم أجريتم عليه؟قالوا: أربعة أرغفة و ثمانية أرطال ماء.

قال: اجعلوه على النصف.

ثم خرج و مكثنا ليالي ثم سمعنا وقعا فإذا نحن به حتى دخل فوقف موقفه فقال: عليّ به، فأخرج ففعل به مثل فعله ذلك، و ضربه مائة عصا أخرى، و يحيى يناشده اللّه، فقال: كم أجريتم عليه؟.

قالوا: رغيفين و أربعة أرطال ماء.

قال: اجعلوه على النصف.

ثم خرج و عاد الثالثة، و قد مرض يحيى بن عبد اللّه و ثقل، فلما دخل قال:

عليّ به، قالوا: هو عليل مدنف لما به.

قال: كم أجريتم عليه؟.

قالوا: رغيفا و رطلين ماء.

قال: فاجعلوه على النصف.

ثم خرج فلم يلبث يحيى بن عبد اللّه أن مات، فأخرج إلى الناس، و دفن رضي اللّه عنه و أرضاه.

و قال ابن عمار في روايته عن إبراهيم بن رياح‏ (1) .

____________

(1) في الخطية «قال ابن عمار في روايته و إبراهيم بن رياح» .

403

إنه بني عليه اسطوانة بالرافقة و هو حي.

و قال ابن عمار في خبره‏عن علي بن محمد بن سليمان:

إنه دس إليه في الليل من خنقه حتى تلف.

قال: و بلغني أنه سقاه سما.

و قال علي بن إبراهيم، عن إبراهيم بن بنان الخثعمي، عن محمد بن أبي الخنساء: أنه أجاع السباع ثم ألقاه إليها فأكلته.

فحدثني أحمد بن سعيد، قال: حدثنا يحيى بن الحسن، قال: حدثني موسى بن عبد اللّه عن أبيه، و محمد بن عبيد اللّه البكري، عن سلمة بن عبد اللّه بن عبد الرحمن المخزومي، عن عبد الرحمن بن عبد اللّه بن عمر بن حفص العمري، قال:

دعينا لمناظرة يحيى بن عبد اللّه بن الحسن بحضرة الرشيد، فجعل يقول له:

اتق اللّه و عرّفني أصحابك السبعين لئلا ينتقض أمانك. و أقبل علينا فقال: إن هذا لم يسم أصحابه، فكلما أردت أخذ إنسان بلغني عنه شي‏ء أكرهه، ذكر أنه ممن أمّنت.

فقال يحيى: يا أمير المؤمنين، أنا رجل من السبعين فما الذي نفعني من الأمان، أفتريد أن أدفع إليك قوما تقتلهم معي، لا يحلّ لي هذا.

قال: ثم خرجنا ذلك اليوم، و دعانا له يوما آخر، فرأيته أصفر الوجه متغيرا، فجعل الرشيد يكلمه فلا يجيبه، فقال: ألا ترون إليه لا يجيبني، فأخرج إلينا لسانه و قد صار أسود مثل الفحمة (1) ، يرينا أنه لا يقدر على الكلام فتغيظ الرشيد و قال:

إنه يريكم أني سقيته السم، و و اللّه لو رأيت عليه القتل لضربت عنقه صبرا.

قال: ثم خرجنا من عنده فما وصلنا في وسط الدار حتى سقط على وجهه لا حراك به‏ (2) .

حدثني أحمد بن سعيد، قال: حدثني يحيى بن الحسن، قال: كان

____________

(1) في الخطية «مثل الحمة» .

(2) في ط و ق «لا حراما به» .

404

إدريس بن محمد بن يحيى بن عبد اللّه بن الحسن بن الحسن، يقول:

قتل جدي بالجوع و العطش في الحبس.

و أمّا حرمي بن أبي العلاء، فحدثنا عن الزبير بن بكار، عن عمه:

أن يحيى لما أخذ من الرشيد المائتي ألف دينار قضى بها دين الحسين صاحب فخ، و كان الحسين خلف مائتي ألف دينار دينا.

تسمية من خرج مع يحيى بن عبد اللّه ابن الحسن من أهل العلم و الحديث‏

حدثني علي بن إبراهيم العلوي، حدثنا جعفر بن محمد الفزاري:

أن يحيى بن مساور كان ممن خرج مع يحيى بن عبد اللّه.

حدثني علي بن العباس، قال: حدثنا علي بن أحمد الباني‏ (1) ، قال:

سمعت عامر بن كثير السراج‏ (2) يحدث محمد بن إبراهيم أنه خرج مع يحيى بن عبد اللّه بن الحسن.

حدثني أبو عبيد محمد بن أحمد المؤمل الصيرفي، قال: سمعت محمد بن علي بن خلف العطار يقول:

خرج سهل بن عامر البجلي مع يحيى بن عبد اللّه.

كتب إليّ علي بن العباس المقانعي، قال: حدثنا عباد بن يعقوب، قال:

أعطى يحيى بن عبد اللّه يحيى بن مساور من المال الذي أعطاه هارون ثلاثة بدور، فلما كان بعد ذلك قال يحيى: احتل لي في ألفي درهم قرضا، فقال له: ابعث برسول و معه بغل، فوجه إلى يحيى بالثلاث بدور، فقال له ما هذا؟قال: هذا الذي كنت أعطيتني، علمت أنك ستحتاج إليه، قال له: خذ بعضه، فقال: لا و اللّه ما كان اللّه ليراني آكل على حبكم درهما أبدا.

حدثني علي بن إبراهيم العلوي، قال: حدثنا محمد بن إبراهيم، قال: قال محمد بن يحيى، عن محمد بن عثمان، عن الحسن بن علي، عن علي بن هاشم بن البريد:

____________

(1) في ط و ق «الثاني» .

(2) إتقان المقال ص 74.