مقاتل الطالبيين

- ابو الفرج الأصفهاني المزيد...
663 /
405

أن هارون أخذه، و عبد ربه بن علقمة، و مخول بن إبراهيم النهدي، و كانوا من أصحاب يحيى بن عبد اللّه، فحبسهم جميعا في المطبق، فمكثوا فيه اثنتي عشرة سنة.

حدثني محمد بن الحسين الأشناني، قال: حدثنا يحيى بن محمد بن مخول بن إبراهيم، قال:

كنت أغمز ساق جدي فقلت له: يا أبي الكبير (1) ما أدق ساقيك!فقال:

دققتها يا يحيى قيود هارون في المطبق.

حدثنا محمد بن الحسين، قال: حدثنا أحمد بن حازم الغفاري، قال: حدثني مخول، قال:

حبست أنا، و عبد ربه بن علقمة في المطبق، فمكثنا فيه بضع عشرة سنة.

قال: ثم دعاني هارون الرشيد، فمروا بي على عبد ربه بن علقمة، فصاح بي: يا مخول، احذر أن تلقى اللّه و رسوله (ص) و قد شركت في دم ولده، أو دللتهم على أثر يتعلقون به عليه، و إذا مرّ بك هول من عقوباتهم فاذكر عذاب اللّه و عقابه يوم القيامة و الموت!فإنه يسهل عليك. فو اللّه لقد صير قلبي مثل زبرة حديد. و أدخلت على هارون فدعا بالسيف و النطع فقال: و اللّه لتدلّني على أصحاب يحيى أو لأقطعنك قطعا.

فقلت يا أمير المؤمنين، أنا رجل سوقة ضعيف، محبوس منذ أربع سنين، من أين أعرف مواضع أصحاب يحيى و قد تفرقوا في البلاد خوفا منك؟.

فأراد قتلي، فقالوا له: قد صدق فيما ذكر، من أين يعرف مواضع قوم هرّاب؟فردّني إلى محبسي، فمكثت فيه بضع عشرة سنة.

و مما رثي به يحيى بن عبد اللّه بن الحسن، أنشدنيه علي بن إبراهيم العلوي:

يا بقعة مات بها سيّد # ما مثله في الأرض من سيّد

مات الهدى‏ (2) من بعده و الندى # و سمى الموت به معتدي

فكم حيا حزت من وجهه # و كم ندى‏ (3) يحيى به المجتدي‏

____________

(1) في ط و ق «فقلت له جد» .

(2) في الخطية «مات السدي» .

(3) «و كم ثرى» .

406

[لا زلت غيث اللّه يا قبره # عليك منه رائح مغتدي‏] (1)

كان لنا غيثا به نرتوي # و كان كالنجم به نهتدي

فإن رمانا الدهر عن قوسه # و خاننا في منتهى السؤدد

فعن قريب نبتغي ثاره # بالحسني الثائر المهتدي

إنّ ابن عبد اللّه يحيى ثوى # و المجد و السؤدد في ملجد

41-إدريس بن عبد اللّه‏

و إدريس بن عبد اللّه‏ (2) بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب عليه السلام و أمه عاتكة بنت عبد الملك بن الحرث الشاعر بن خالد بن العاص بن هشام بن المغيرة المخزومي. و في خالد بن العاص يقول الشاعر:

لعمرك إن المجد ما عاش خالد # على الغمر من ذي كندة لمقيم‏

يعني غمر ذي كندة و هو موضع كان ينزله. و قد ذكره عمر بن أبي ربيعة في شعره فقال‏ (3) :

إذا سلكت غمر ذي كندة # مع الصبح قصدا لها الفرقد

يمر بك العصران يوم و ليلة # فما أحدثا إلاّ و أنت كريم

و تندي البطاح البيض من جود خالد # و تخصب حتى نبتهن عميم‏ (4)

حدثني بخبره أحمد بن عبيد اللّه بن عمار، قال: حدثني علي بن محمد بن سليمان النوفلي، قال: حدثني أبي و غيره من أهلي، و حدثني به أيضا علي‏ (5) بن إبراهيم العلوي، قال: كتب إلى محمد بن موسى يخبرني عن محمد بن يوسف عن عبد اللّه بن عبد الرحيم بن عيسى:

____________

(1) الزيادة من الخطية.

(2) الطبري 10/29 و البدء و التاريخ 6/100 و الاستقصاء في أخبار المغرب الأقصى 1/67 و شرح شافية أبي فراس 171، و الدر النفيس في مناقب إدريس 99، و ابن خلدون 4/12-14 و أبو الفداء 2/12.

(3) ديوانه ص 166.

(4) في ط و ق «و يحصر حتى ما يكاد يريم» .

(5) في ط و ق «أيضا عن إبراهيم» .

407

أن إدريس بن عبد اللّه بن الحسن بن الحسن أفلت من وقعة فخ‏ (1) و معه مولى يقال له‏ راشد فخرج به في جملة حاج مصر و إفريقية. و كان إدريس يخدمه و يأتمر له حتى أقدمه مصر (2) فنزلها ليلا فجلس على باب رجل من موالي بني العباس فسمع كلامهما و عرف الحجازية فيهما. فقال: أظنكما عربيين‏ (3) . قالا: نعم. قال:

و حجازيين. قالا: نعم. فقال له راشد: أريد أن ألقى إليك أمرنا على أن تعاهد اللّه أنك تعطينا خلة من خلتين: إما أن تؤوينا و تؤمننا، و إما سترت علينا أمرنا حتى نخرج من هذا البلد.

قال: افعل: فعرفه نفسه و إدريس بن عبد اللّه، فآواهما و سترهما. و تهيأت قافلة إلى إفريقية فأخرج معها راشدا إلى الطريق و قال له: إن على الطريق مسالح و معهم أصحاب أخبار تفتش كل من يجوز الطريق، و أخشى أن يعرف، فأنا أمضي به معي على غير الطريق حتى أخرجه عليك بعد مسيرة أيام، و هناك تنقطع المسالح. ففعل ذلك و خرج به عليه فلما قرب من إفريقية ترك القافلة و مضى مع راشد حتى دخل بلد البربر في مواضع منه يقال لها فاس و طنجة، فأقام بها و استجابت له البربر.

و بلغ الرشيد خبره فغمه، فقال النوفلي خاصة في حديثه و خالفه علي بن إبراهيم و غيره فيه، فشكا ذلك إلى يحيى بن خالد، فقال: أنا أكفيك أمره. و دعا سليمان بن جرير الجزري‏ (4) ، و كان من متكلمي الزيدية البترية (5) و من أولى الرياسة فيهم، فأرغبه و وعده عن الخليفة بكل ما أحب على أن يحتال لإدريس حتى يقتله، و دفع إليه غانية مسمومة، فحمل ذلك و انصرف من عنده، فأخذ معه صاحبا له، و خرج يتغلغل في البلدان حتى وصل إلى إدريس بن عبد اللّه فمتّ إليه بمذهبه و قال: إن السلطان طلبني لما يعلمه من مذهبي، فجئتك. فأنس به و اجتباه. و كان ذا لسان و عارضة، و كان يجلس في مجلس البربر فيحتج للزيدية و يدعو إلى أهل البيت كما كان

____________

(1) راجع الدر النفيس في مناقب إدريس ص 100 و جذوة الاقتباس لابن القاضي ص 7.

(2) في الطبري 10/29 «أفلت إدريس من وقعة فخ في خلافة الهادي فوقع إلى مصر، و على بريد مصر واضح مولى لصالح ابن أمير المؤمنين المنصور، و كان رافضيا، فحمله على البريد إلى أرض المغرب... » .

(3) في ط و ق «غريبين» .

(4) في الاستقصاء 7/69 «و يعرف بالتمساح» .

(5) راجع الفرق بين الفرق 24.

408

يفعل، فحسن موقع ذلك من إدريس إلى أن وجد فرصة لإدريس فقال له: جعلت فداك، هذه قارورة غالية حملتها إليك من العراق، ليس في هذا البلد من هذا الطيب شي‏ء. فقبلها و تغلل بها و شمّها، و انصرف سليمان إلى صاحبه، و قد أعدّ فرسين، و خرجا يركضان عليهما. و سقط إدريس مغشيّا عليه من شدة السم فلم يعلم من بقربه ما قصته. و بعثوا إلى راشد مولاه فتشاغل به ساعة يعالجه و ينظر ما قصته، فأقام إدريس في غشيته هاته نهاره حتى قضي عشيا، و تبين راشد أمر سليمان فخرج في جماعة يطلبه فما لحقه غير راشد و تقطعت خيل الباقين، فلما لحقه ضربه ضربات منها على رأسه و وجهه، و ضربة كتعت أصابع يديه‏ (1) و كان بعد ذلك مكتعا.

هذه رواية النوفلي.

و ذكر علي بن إبراهيم، عن محمد بن موسى:

أن الرشيد وجه إليه الشّماخ مولى المهدي، و كان طبيبا (2) ، فأظهر له أنه من الشيعة و أنه طبيب، فاستوصفه فحمل إليه سنونا (3) و جعل فيه سما، فلما استن به جعل لحم فيه ينتثر و خرج الشماخ هاربا حتى ورد مصر. و كتب ابن الأغلب إلى الرشيد بذلك، فولّى الشماخ بريد مصر و أجازه.

حدثني أحمد بن محمد بن سعيد، قال: حدثنا يحيى بن الحسن، قال:

حدثني داود بن القاسم الجعفري:

أن سليمان بن جرير أهدى إلى إدريس سمكة مشوية مسمومة فقتله، رضوان اللّه عليه و رحمته.

قالوا: و قال رجل من أولياء بني العباس يذكر قتل إدريس‏ (4) بن عبد اللّه بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب عليه السلام.

أتظن يا إدريس أنك مفلت # كيد الخليفة أو يقيك فرار (5)

فليدركنّك أو تحلّ ببلدة # لا يهتدي فيها إليك نهار

____________

(1) أي أيبستها.

(2) الطبري 10/29.

(3) في ط و ق «سفوفا» .

(4) في الطبري 10/29 «فقال في ذلك بعض الشعراء، أظنه الهنازي» .

(5) في الطبري «أو يفيد قرار» .

409

إن السيوف إذا انتضاها سخطه # طالت و تقصر دونها الأعمار (1)

ملك كأن الموت يتبع أمره # حتى يقال تطيعه الأقدار

قال ابن عمار: و هذا الشعر عندي يشبه شعر أشجع بن عمرو السلمي، و أظنه له.

قال أبو الفرج الأصبهاني:

هذا الشعر لمروان بن أبي حفصة، أنشدنيه علي بن سليمان الأخفش له.

قالوا:

و رجع راشد إلى الناحية التي كان بها إدريس مقيما فدفنه‏ (2) ، و كان له حمل فقام له راشد بأمر المرأة حتى ولدت، فسمّاه باسم أبيه إدريس، و قام بأمر البربر حتى كبر و نشأ فولى أمرهم أحسن ولاية.

و كان فارسا شجاعا جوادا شاعرا (3) ، و أنا أذكر خبره في موضعه من هذا الباب إن شاء اللّه تعالى‏ (4) .

42-عبد اللّه بن الحسن‏

و عبد اللّه بن الحسن بن علي بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليه السلام و هو الذي يقال له ابن الأفطس‏ (5) .

و يكنى أبا محمد.

و أمه أم سعيد بنت سعيد بن محمد بن جبير بن مطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف.

حدثني أحمد بن سعيد، قال: حدثنا يحيى بن الحسن، قال: حدثني عبد اللّه بن الحسين بن زيد، قال:

____________

(1) في الطبري «و قصر دونها» و في ط و ق «و يقصر عندها» .

(2) في تاريخ ابن خلدون 4/13 «و دفن بوليلى سنة خمس و سبعين» .

(3) أبو الفداء 2/12.

(4) في الخطية «و قد شرحنا خبره في الكتاب الكبير» .

(5) مروج الذهب 2/234.

410

حدثني من رأى عبد اللّه بن الحسن بن الأفطس يوم فخ متقلدا سيفين يقاتل بهما.

حدثني أحمد بن سعيد، قال: حدثنا يحيى، قال: سمعت عبد اللّه بن حمزة يحكي عمن شهد ذلك‏ (1) ، قال:

ما كان بفخ أحد أشد غناء من عبد اللّه بن الحسن بن علي بن علي.

حدثني أحمد، قال: حدثنا يحيى، قال: حدثنا عبد اللّه بن محمد بن عمر:

أن الحسين صاحب فخ أوصى إلى عبد اللّه بن الحسن بن علي بن علي ان حدث به حدث فالأمر إليه.

ذكر الخبر عن مقتله‏

حدثني أحمد بن عبيد اللّه بن عمار، قال: حدثني النوفلي عن أبيه، قال:

كان الرشيد مغري بالمسألة عن أمر آل أبي طالب، و عمن له ذكر و نباهة منهم فسأل يوما الفضل بن يحيى هل سمعت بخراسان ذكرا يحد منهم؟.

قال: لا و اللّه و لقد جهدت فما ذكر لي أحد منهم، إلا أني سمعت رجلا يقول و ذكر موضعا، فقال: ينزل فيه عبد اللّه بن الحسن بن علي، و لم يزد على هذا.

فوجه الرشيد من وقته إلى المدينة فأخذ فجي‏ء به، فلما أدخل عليه قال له:

بلغني أنك تجمع الزيدية و تدعوهم إلى الخروج معك.

قال قال: نشدتك باللّه يا أمير المؤمنين في دمي، فو اللّه ما أنا من هذه الطبقة و لا لي فيهم ذكر، و إن أصحاب هذا الشأن بخلافي، أنا غلام نشأت بالمدينة، و في صحاريها أسعى على قدمي، و أتصيد بالبواشيق ما هممت بغير ذلك قط.

قال: صدقت، و لكني أنزلك دارا، و أوكل بك رجلا واحدا يكون معك و لا يحجبك أحدا يدخل عليك، و إن أردت أن تلعب بالحمام فافعل.

فقال: يا أمير المؤمنين، نشدتك باللّه في دمي، فو اللّه لئن فعلت ذلك بي لأوسوسن و ليذهبن عقلي.

فلم يقبل ذلك منه و حبسه، فلم يزل يحتال لأن تصل رقعته إلى الرشيد حتى

____________

(1) في الخطية «يحكى عن شهردار» .

411

قدر على ذلك، فأنفذ إليه رقعة مختومة فيها كل كلام قبيح و كل شتم شنيع، فلما قرأها طرحها و قال: قد ضاق صدر هذا الفتى فهو يتعرض للقتل، و ما يحملني فعله ذلك على قتله. ثم دعا جعفر بن يحيى فأمره أن يحوله إليه و يوسع عليه في محبسه.

فلما كان يوم غد، و هو يوم نيروز، قدّمه جعفر بن يحيى فضرب عنقه، و غسل رأسه و جعله في منديل، و أهداه إلى الرشيد مع هدايا، فقبلها و قدمت إليه فلما نظر إلى الرأس أفظعه فقال له: ويحك لم فعلت هذا؟.

قال: لإقدامه على ما كتب به إلى أمير المؤمنين، و بسط يده و لسانه بما بسطهما.

قال: ويحك فقتلك إيّاه بغير أمري أعظم من فعله. ثم أمر بغسله و دفنه.

فلما كان من أمره ما كان في أمر جعفر قال لمسرور: إذا أردت قتله فقل له:

هذا بعبد اللّه بن الحسن بن عمي الذي قتلته بغير أمري. فقالها مسرورعند قتله إيّاه.

43-محمد بن يحيى بن عبد اللّه‏

و محمد بن يحيى بن عبد اللّه بن الحسن ابن الحسن بن علي بن أبي طالب عليهم السلام و أمه خديجة بنت إبراهيم بن طلحة بن عمر بن عبيد اللّه بن معمر التيمي.

حبسه بكار بن عبد اللّه الزبيري، فمات في حبسه.

حدثني أحمد بن محمد بن سعيد، قال: حدثنا يحيى بن الحسن بن جعفر بن عبد اللّه قال: حدثني مالك بن يزيد الجعفري‏ (1) . و حدثني علي بن إبراهيم العلوي، قال: كتب إليّ محمد بن موسى بن حماد أن محمد بن الحسن بن مسعود حدثه، قال: أخبرني عمر بن عثمان الزهري:

أن بكار بن عبد اللّه الزبيري وجّه إلى محمد بن يحيى بن عبد اللّه بن الحسن، و قد ورد سويقة ليصوم شهر رمضان في منزله، فجاءه الرسول فأخذه فمضى به إلى الحبس و جعل يتبعه برسول بعد رسول يأمره بالتضييق عليه، ثم أتبعه بآخر يأمره

____________

(1) في الخطية «الجعفي» .

412

بتقييده، ثم أتبعه بآخر يأمره بإثقاله و الزيادة في حديده، فالتفت إلى الرسول فقال له: قل لصاحبك:

إني من القوم الذين تزيدهم # قسوا و صبرا شدة الحدثان‏

فلم يزل محبوسا ثم أخرجه فقال له من يكفل بك.

قال: جماعة ولد أبي طالب. فقال بعضهم لسنا نكفل لمن عصى أمير المؤمنين، فوثب و أنشأ يقول:

و ما العود إلاّ نابت في أرومة # أبي صالح العيدان أن يتقطرا (1)

بنو الصالحين الصالحون و من يكن # لآباء صدق تلقهم حيث ستّرا (2)

قال: فرده إلى محبسه، فلم يزل فيه حتى مات.

44-الحسين بن عبد اللّه بن اسماعيل‏

و الحسين بن عبد اللّه بن إسماعيل بن عبد اللّه بن جعفر ابن أبي طالب عليه السلام أمه حمادة بنت معاوية بن عبد اللّه بن جعفر.

ذكر محمد بن علي بن حمزة أن بكارا الزّبيري أخذه بالمدينة أيام ولايته إيّاها فضربه بالسوط ضربا مبرّحا، فمات من ذلك الضرب.

45-العباس بن محمد بن عبد اللّه‏

و العباس بن محمد بن عبد اللّه بن علي بن الحسين ابن علي بن أبي طالب عليه السلام و يكنى أبا الفضل.

و أمه أم سلمة بنت محمد بن علي بن الحسين.

حدثني أحمد بن محمد بن سعيد، قال: حدثني يحيى بن الحسن العلوي،

____________

(1) في ط و ق «تنفطرا» .

(2) في الخطية «لآباء سوء تلقهم حيث سيرا» .

413

قال: حدثني عبد اللّه بن محمد، قال:

دخل العباس بن محمد بن عبد اللّه بن علي بن الحسين، على هارون فكلمه كلاما طويلا، فقال هارون: يابن الفاعلة.

قال: تلك أمك التي تواردها النخاسون.

فأمر به فأدنى فضربه بالجرز (1) حتى قتله.

46-موسى بن جعفر بن محمد

و موسى بن جعفر بن محمد (2) بن علي بن الحسين ابن علي بن أبي طالب عليه السلام و يكنى أبا الحسن، و أبا إبراهيم.

و أمه أم ولد تدعى حميدة.

حدثني أحمد بن محمد بن سعيد، قال: حدثنا يحيى بن الحسن قال:

كان موسى بن جعفر إذا بلغه عن الرجل ما يكره بعث إليه بصرة دنانير، و كانت صراره ما بين الثلثمائة إلى المائتين دينار، فكانت صرار موسى مثلا (3) .

حدثني أحمد بن سعيد، قال: حدثنا يحيى:

أن رجلا من آل عمر بن الخطاب كان يشتم علي بن أبي طالب إذا رأى موسى ابن جعفر، و يؤذيه إذا لقيه، فقال له بعض مواليه و شيعته: دعنا نقتله، فقال: لا، ثم مضى راكبا حتى قصده في مزرعة له فتواطأها بحماره، فصاح لا تدس زرعنا فلم يصغ إليه و أقبل حتى نزل عنده فجلس معه و جعل يضاحكه، و قال له: كم غرمت على زرعك هذا؟قال: مائة درهم. قال: فكم ترجو أن تربح؟قال: لا أدري.

قال: إنما سألتك كم ترجو. قال مائة أخرى. قال: فأخرج ثلثمائة دينار فوهبها له فقام فقبل رأسه، فلما دخل المسجد بعد ذلك وثب العمري فسلم عليه و جعل

____________

(1) في القاموس: «الجرز: عمود من حديد» .

(2) تاريخ بغداد 13/27-32 و مروج الذهب 2/195 و صفة الصفوة 1/103-105 و الفخري 176- 177 و ابن خلكان 2/172-173 و الإرشاد 263، و شرح شافية أبي فراس 161، 162، 172.

(3) تاريخ بغداد 13/27.

414

يقول: اللّه أعلم حيث يجعل رسالته، فوثب أصحابه عليه و قالوا: ما هذا؟ فشاتمهم، و كان بعد ذلك كلما دخل موسى خرج يسلم عليه و يقوم له.

فقال موسى لمن قال ذلك القول: أيما كان خيرا ما أردتم أو ما أردت‏ (1) .

حدثني أحمد بن عبيد اللّه بن عمار، قال: حدثني محمد بن عبد اللّه المدائني قال:

حدثني أبي، قال: حدثني بعض أصحابنا.

أن الرشيد لما حج لقيه موسى بن جعفر على بغلة (2) . فقال له الفضل بن الربيع: ما هذه الدابة التي تلقيت عليها أمير المؤمنين؟فأنت إن طلبت عليها لم تدرك، و إن طلبت لم تفت.

قال: إنها تطأطأت عن خيلاء الخيل، و ارتفعت عن ذلة العير، و خير الأمور أوسطها.

(ذكر السبب في أخذه و حبسه)

حدثني‏ (3) بذلك أحمد بن عبيد اللّه بن عمار، قال: حدثنا علي بن محمد النوفلي عن أبيه و حدثني أحمد بن سعيد، قال: حدثني يحيى بن الحسن العلوي، و حدثني غيرهما ببعض قصته، فجمعت ذلك بعضه إلى بعض.

قالوا (4) :

كان السبب في أخذ موسى بن جعفرأن الرشيد جعل ابنه محمدا في حجر جعفر بن محمد بن الأشعث‏ (5) ، فحسده يحيى بن خالد بن برمك على ذلك و قال:

إن أفضت الخلافة إليه زالت دولتي و دولة ولدي. فاحتال على جعفر بن محمد، و كان يقول بالإمامة، حتى داخله و أنس به، و أسر إليه، و كان يكثر غشيانه في منزله فيقف على أمره و يرفعه إلى الرشيد و يزيد عليه في ذلك بما يقدح في قلبه. ثم قال يوما لبعض ثقاته: أتعرفون لي رجلا من آل أبي طالب ليس بواسع الحال يعرفني ما أحتاج إليه من

____________

(1) تاريخ بغداد 13/28.

(2) في زهر الآداب 1/132 «و لقى موسى بن جعفر محمد بن الرشيد و موسى على بغلة... » .

(3) في ط و ق «حدثنا أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد بن محمد الطبري قال: حدثنا أبو الفرج: علي بن الحسين الأصبهاني قال حدثني... » .

(4) نقل هذا الخبر الشيخ المفيد في كتاب الإرشاد ص 273.

(5) في الخطية «... جعل ابنه في حجر محمد بن الأشعث» .

415

أخبار موسى بن جعفر؟فدلّ على علي بن إسماعيل بن جعفر بن محمد، فحمل إليه يحيى ابن خالد البرمكي مالا. و كان موسى يأنس إليه و يصله و ربما أفضى إليه بأسراره، فلما طلب ليشخص به أحس موسى بذلك، فدعاه فقال: إلى أين يابن أخي؟قال: إلى بغداد قال:

و ما تصنع؟قال: عليّ دين و أنا مملق. قال: فأنا أقضي دينك و أفعل بك و اصنع، فلم يلتفت إلى ذلك، فعمل على الخروج، فاستدعاه أبو الحسن موسى فقال له: أنت خارج؟ فقال له: نعم لا بد لي من ذلك فقال له: انظر يابن أخي و اتق اللّه لا تؤتم أولادي!و أمر له بثلاثمائة دينار، و أربعة آلاف درهم.

قالوا: فخرج علي بن اسماعيل حتى أتى يحيى بن خالد البرمكي، فتعرّف منه خبر موسى بن جعفر، فرفعه إلى الرشيد و زاد فيه، ثم أوصله إلى الرشيد فسأله عن عمّه فسعى به إليه، فعرف يحيى جميع خبره و زاد عليه و قال له: إن الأموال تحمل إليه من المشرق و المغرب، و إن له بيوت أموال، و إنه اشترى ضيعة بثلاثين ألف دينار فسماها اليسيرة، و قال له صاحبها و قد أحضره المال: لا آخذ هذا النقد و لا آخذ إلاّ نقدا كذا و كذا، فأمر بذلك المال فرد و أعطاه ثلاثين ألف دينار من النقد الذي سأل بعينه، فسمع ذلك منه الرشيد و أمر له بمائتي ألف درهم نسبت‏ (1) له على بعض النواحي، فاختار كور المشرق، و مضت رسله لقبض المال. و دخل هو في بعض الأيام إلى الخلاء فزحر زحرة فخرجت حشوته كلها فسقطت، و جهدوا في ردّها فلم يقدروا، فوقع لما به، و جاءه المال و هو ينزع فقال: و ما أصنع به و أنا أموت؟! و حج الرشيد في تلك السنة فبدأ بقبر النبي (ص) فقال: يا رسول اللّه إني أعتذر إليك من شي‏ء أريد أن أفعله، أريد أن أحبس موسى بن جعفر؛ فإنه يريد التشتت بين أمتك و سفك دمائها.

ثم أمر به فأخذ من المسجد فأدخل إليه فقيده، و أخرج من داره بغلان عليهما قبتان مغطاتان هو في إحداهما، و وجه مع كل واحد منهما خيلا، فأخذوا بواحدة على طريق البصرة، و الأخرى على طريق الكوفة، ليعمى على الناس أمره، و كان موسى في التي مضت إلى البصرة، فأمر الرسول أن يسلّمه إلى عيسى بن جعفر بن المنصور، و كان على البصرة حينئذ فمضى به، فحبسه عنده سنة، ثم كتب إلى الرشيد: أن خذه

____________

(1) في ط و ق «يسبب بها» .

416

مني و سلّمه إلى من شئت، و إلاّ خلّيت سبيله، فقد اجتهدت أن آخذ عليه حجة فما أقدر على ذلك، حتى إني لأتسمع عليه إذا دعا لعلّه يدعو عليّ أو عليك فما أسمعه يدعو إلاّ لنفسه، يسأل اللّه الرحمة و المغفرة.

فوجه من تسلّمه منه، و حبسه عند الفضل بن الربيع ببغداد، فبقي عنده مدة طويلة. و أراده الرشيد على شي‏ء من أمره فأبى، فكتب إليه ليسلمه‏ إلى الفضل بن يحيى، فتسلمه منه، و أراد ذلك منه فلم يفعله، و بلغه أنه عنده في رفاهية وسعة و دعة، و هو حينئذ بالرقة، فأنفذ مسرورا الخادم إلى بغداد على البريد، و أمره أن يدخل من فوره إلى موسى فيعرف خبره، فإن كان الأمر على ما بلغه أوصل كتابا منه إلى العباس بن محمدو أمره بامتثاله، و أوصل كتابا منه إلى السّندي بن شاهك يأمره بطاعة العباس بن محمد.

فقدم مسرور فنزل دار الفضل بن يحيى لا يدري أحد ما يريد، ثم دخل على موسى فوجده على ما بلغ الرشيد، فمضى من فوره إلى العباس بن محمد و السندي بن شاهك، فأوصل الكتابين إليهما. فلم يلبث الناس أن خرج الرسول يركض ركضا إلى الفضل بن يحيى، فركب معه و خرج مشدوها دهشا حتى دخل على العباس فدعا العباس بالسياط و عقابين، فوجّه بذلك إليه السندي، فأمر بالفضل فجرد ثم ضربه مائة سوط.

و خرج متغير اللون بخلاف ما دخل، فذهبت قوته‏ (1) فجعل يسلم على الناس يمينا و شمالا.

و كتب مسرور بالخبر إلى الرشيد، فأمر بتسليم موسى إلى السندي بن شاهك و جلس الرشيد مجلسا حافلا و قال:

أيها الناس، إن الفضل بن يحيى قد عصاني و خالف طاعتي، و رأيت أن ألعنه فالعنوه. فلعنه الناس من كل ناحية حتى ارتج البيت و الدار بلعنه.

و بلغ يحيى بن خالد الخبر فركب إلى الرشيد، فدخل من غير الباب الذي يدخل منه الناس حتى جاءه من خلفه و هو لا يشعر، ثم قال له: التفت إليّ يا أمير المؤمنين، فأصغي إليه فزعا، فقال له: إن الفضل حدث‏و أنا أكفيك ما تريد،

____________

(1) في الخطية «قد ذهبت نخوته» .

417

فانطلق وجهه و سرّ، فقال له يحيى: يا أمير المؤمنين، قد غضضت من الفضل بلعنك إيّاه فشرّفه بإزالة ذلك، فأقبل‏ (1) على الناس فقال: إن الفضل قد عصاني في شي‏ء فلعنته، و قد تاب و أناب إلى طاعتي فتولوه.

فقالوا: نحن أولياء من واليت، و أعداء من عاديت، و قد توليناه.

ثم خرج يحيى بن خالد بنفسه على البريد حتى وافى بغداد، فماج الناس و أرجفوا بكل شي‏ء، و أظهر أنّه ورد لتعديل السواد، و النظر في أعمال العمال، و تشاغل ببعض ذلك.

ثم دخل و دعا بالسندي و أمره فيه بأمره فلفه على بساط، و قعد الفراشون النصارى على وجهه.

و أمر السنديّ عند وفاته أن يحضر مولى له ينزل عند دار العباس بن محمد في مشرعة القصب ليغسله، ففعل ذلك.

قال: و سألته أن يأذن لي في أن أكفنه فأبى و قال: إنا أهل بيت مهور نسائنا، و حجّ صرورتنا (2) ، و أكفان موتانا من طاهر أموالنا، و عندي كفني.

فلما مات أدخل عليه الفقهاء و وجوه أهل بغداد و فيهم الهيثم بن عدي و غيره، فنظروا إليه لا أثر به، و شهدوا على ذلك، و أخرج فوضع على الجسر ببغداد، فنودي هذا موسى بن جعفر قد مات، فانظروا إليه، فجعل الناس يتفرسون في وجهه و هو ميت.

و حدثني رجل من أصحابنا عن بعض الطالبيين:

أنه نودي عليه: هذا موسى بن جعفر الذي تزعّم الرافضة أنه لا يموت، فانظروا إليه، فنظروا (3) .

____________

(1) في ط و ق «بإزالة ذلك فأقبل على الناس فقال: إنه قد بلغني عن الفضل أمر أنكرته و كان فيه فساد ملكي، ثم تبينت بعد ذلك و قد رجعت له و توليته فأقيل على الناس إلخ» .

(2) أي الحج الذي يسقط به الفرض.

(3) توفي موسى لخمس بقين من رجب سنة ثلاث و ثمانين و مائة، و كانت ولادته سنة تسع و عشرين و مائة راجع ابن خلكان 2/173 و تاريخ بغداد 13/32.

418

قالوا:

و حمل فدفن في مقابر قريش رحمه اللّه، فوقع قبره إلى جانب قبر رجل من النوفليين يقال له: عيسى بن عبد اللّه.

47-إسحاق بن الحسن بن زيد

و إسحاق بن الحسن بن زيد (1) بن الحسن ابن علي بن أبي طالب عليه السلام و أمه أم ولد.

حبسه هارون فمات في حبسه.

ذكر ذلك محمد بن علي بن حمزة، فيما أخبرنا به ابن أخيه عنه.

____________

(1) شرح شافية أبي فراس 275.

419

ذكر أيام محمد الأمين ابن الرشيد

420

ذكر أيام محمد الأمين ابن هارون الرشيد و كانت سيرة محمد في أمر آل أبي طالب خلاف من تقدم؛ لتشاغله بما كان فيه من اللهو، و الإدمان له، ثم الحرب التي كانت بينه و بين المأمون حتى قتل، فلم يحدث على أحد منهم في أيامه حدث بوجه و لا سبب.

421

ذكر أيّام المأمون ابن الرشيد

422

48-محمد بن محمد بن زيد

فممن قتل بها أو سقي السم فمات منهم:

محمد بن محمد بن زيد (1) بن علي بن الحسن بن علي بن أبي طالب (ع) و أمه فاطمة بنت علي بن جعفر بن إسحاق بن علي بن عبد اللّه بن جعفر بن أبي طالب.

و هو الخارج في أيام أبي السّرايا (2) .

و إذا ذكرنا من قتل في أيامه، و أيام محمد بن إبراهيم الخارج قبله منهم-شرحنا من أخبارهم ما يحتاج إليه، لتنساق قصصهم؛ إذ كان إفرادهم مما تنقطع معه الأخبار.

49-الحسن بن الحسين بن زيد

و الحسن بن الحسين بن زيد بن علي ابن الحسين بن علي بن أبي طالب عليه السلام و هو القتيل يوم قنطرة الكوفة، في الحرب التي كانت بين هرثمة (3) و أبي السرايا و أمه أم ولد.

____________

(1) في الطبري 10/228 «لما مات ابن طباطبا في يوم الخميس لليلة خلت من رجب سنة 199 هـ-أقام أبو السرايا مكانه غلاما أمردا حدثا يقال له: محمد بن محمد بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، فكان أبو السرايا هو الذي ينفذ الأمور و يولي من رأى و يعزل من أحب، و إليه الأمور كلها... » . راجع ابن الأثير 6/112.

(2) في الطبري 10/244 «و فيها-أي في سنة 201 مات محمد بن محمد صاحب أبي السرايا.

(3) ذكر الطبري في حوادث سنة 200 خاتمة أمر هرثمة بعد فراغه من قتال أبي السرايا فقال 10/236 «و في هذه السنة شخص هرثمة من معسكره إلى المأمون بمرو، فقال له المأمون: مالأت أهل الكوفة و العلويين و داهنت و دسست إليّ أبا السرايا حتى خرج و عمل ما عمل، و كان رجلا من أصحابك، و لو أردت أن تأخذهم جميعا لفعلت، و لكنك أرخيت خناقهم، و أجررت لهم رسنهم. فذهب هرثمة ليتكلم و يعتذر و يدفع عن نفسه ما قرف به فلم يقبل ذلك منه، و أمر به فوجئ على أنفه، و ديس بطنه و سحب من بين يديه... » .

423

50-الحسن بن إسحاق بن علي بن الحسين‏

و الحسن بن إسحاق بن علي بن الحسين ابن علي بن أبي طالب‏ (1) عليه السلام و أمه أم ولد.

قتل في وقعة السوس مع أبي السرايا لما خرج عن الكوفة.

51-محمد بن الحسين بن الحسن‏

و محمد بن الحسين بن الحسن بن علي بن علي ابن الحسين بن علي بن أبي طالب عليه السلام و أمه أمينة بنت حمزة بن المنذر بن الزبير.

قتل باليمن في أيام أبي السرايا (2) .

52-علي بن عبد اللّه بن محمد

و علي بن عبد اللّه بن محمد بن عبد اللّه بن محمد بن علي بن عبد اللّه بن جعفر بن أبي طالب قتل باليمن في أيام أبي السرايا أيضا (3) .

____________

(1) في ط و ق «و في نسخة و الحسين بن إسحاق بن الحسين بن زيد بن الحسين بن علي بن أبي طالب» و في الخطية «الحسن بن إسحاق بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب» .

(2) في الطبري 10/231 «لما قتل أبو السرايا بعث علي بن أبي سعيد ممن كان معه من القواد: عيسى بن يزيد الجلودي، و ورقاء بن جميل، و حمدويه بن علي بن عيسى بن ماهان، و هارون بن المسيّب إلى مكة، و المدينة، و اليمن، و أمرهم بمحاربة من بها من الطالبيين» .

(3) في الطبري 10/232 «و في هذه السنة-يعني سنة 200-خرج إبراهيم بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن حسين بن علي بن أبي طالب باليمن. و كان بمكة حين خرج أبو السرايا، فلما بلغه خبره خرج من مكة مع من كان معه من أهل بيته يريد اليمن، و والي اليمن يومئذ المقيم بها من قبل المأمون إسحاق بن موسى بن عيسى بن موسى بن محمد بن علي بن عبد اللّه بن عباس، فلما سمع بإقبال إبراهيم و قربه من صنعاء خرج منصرفا عن اليمن و خلاّها له و كره قتاله.... » .

424

ذكر السبب في خروج أبي السرايا

كتب إليّ علي بن أبي قربة العجلي، قال: حدثنا يحيى بن عبد الرحمن الكاتب قال: حدثني نصر بن مزاحم المنقري بما شاهد من ذلك، قال و حدث بما غاب عنه عمن حضره فحدثني به، و يحيى بن عبد الرحمن أيضا بنتف من خبره عن غير نصر بن مزاحم، و أخبرني أحمد بن عبيد اللّه بن عمار، عن علي بن محمد بن سليمان النوفلي بأخباره.

فربما ذكرت الشي‏ء اليسير منها و المعنى الذي يحتاج إليه؛ لأن علي بن محمد كان يقول: بالإمامة فيحمله التعصب لمذهبه على الحيف فيما يرويه‏ (1) ، و نسبة من روى خبره من أهل هذا المذهب إلى قبيح الأفعال، و أكثر حكاياته في ذلك بل سائرها عن أبيه موقوفا عليه لا يتجاوزه، و أبوه حينئذ مقيم بالبصرة لا يعلم بشي‏ء من أخبار القوم، إلاّ ما يسمعه من ألسنة العامة على سبيل الأراجيف و الأباطيل، فيسطره في كتابه عن غير علم، طلبا منه لما شان القوم، و قدح فيهم.

فاعتمدت على رواية من كان بعيدا عن فعله في هذا، و هي رواية نصر بن مزاحم، إذ كان ثبتا في الحديث و النقل، و يظهر أنه ممن سمع خبر أبي السرايا عنه.

قالوا (2) :

كان سبب خروج محمد بن إبراهيم و هو محمد إبراهيم بن إسماعيل، و هو ابن طباطبا، بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب‏ (3) و أبي

____________

(1) في الخطية «على التكذيب فيما يرويه» .

(2) الطبري 10/227 و مروج الذهب 2/224 و ابن الأثير 6/111-114.

(3) ما بين النجمتين ساقط من الخطية.

425

السرايا ان نصر بن شبيب كان قدم حاجّا و كان متشيعا حسن المذهب، و كان ينزل الجزيرة، فلما ورد المدينة سأل عن بقايا أهل البيت و من له ذكر منهم، فذكر له: علي بن عبيد اللّه بن الحسن بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، و عبد اللّه بن موسى بن عبد اللّه بن الحسن بن الحسن، و محمد بن إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن.

فأما علي بن عبيد اللّه فإنه كان مشغولا بالعبادة لا يصل إليه أحد و لا يأذن له.

و أما عبد اللّه بن موسى فكان مطلوبا خائفا لا يلقاه أحد.

و أما محمد بن إبراهيم فإنه كان يقارب الناس و يكلمهم في هذا الشأن، فأتاه نصر ابن شبيب فدخل إليه و ذاكره مقتل أهل بيته و غصب الناس إيّاهم حقوقهم، و قال: حتى متى توطئون بالخسف و تهتضم شيعتكم و ينزى على حقكم؟و أكثر من القول في هذا المعنى إلى أن أجابه محمد بن إبراهيم، و واعده لقاءه بالجزيرة.

و انصرف الحاج، ثم خرج محمد بن إبراهيم إلى الجزيرة، و معه نفر من أصحابه و شيعته، حتى قدم على نصر بن شبيب للموعد، فجمع إليه نصر أهله و عشيرته و عرض ذلك عليهم، فأجابه بعضهم و امتنع عليه بعض، و كثر القول فيهم و الاختلاف حتى تواثبوا و تضاربوا بالنعال و العصي، و انصرفوا عن ذلك.

ثم خلا بنصر بعض بني عمه و أهله فقال له:

ما ذا صنعت بنفسك و أهلك؟أفتراك إذا فعلت هذا الأمر و تأبدت‏ (1) السلطان يدعك و ما تريد؟لا و اللّه بل يصرف همّه إليك وكيدة، فإن ظفر بك فلا بقاء بعدها، و إن ظفر صاحبك و كان عدلا كنت عنده بمنزلة رجل من أفناء (2) أصحابه، و إن كان غير ذلك فما حاجتك إلى تعريض نفسك و أهلك و أهل بيتك لما لا قوام لهم به؟و أخرى إن جميع هذا البلد أعداء لآل أبي طالب، فإن أجابوك الآن طائعين، فرّوا عنك غدا منهزمين إذا احتجت إلى نصرهم، على أنك إلى خلافهم أقرب منك إلى إجابتهم، ثم تمثل‏[بقوله‏]:

و

أبذل لابن العم نصحي و رأفتي # إذا كان لي بالخير في الناس مكرما

فإن راغ عن نصحي و خالف مذهبي # قلبت له ظهر المجن ليندما

____________

(1) تأبد: غضب و توحش.

(2) في الخطية «من أمناء أصحابه» و الأفناء: الأخلاط من الناس واحده فنو بكسر الفاء.

426

فثنى نصرا عن رأيه‏ (1) ، و فتر نيته، فصار إلى محمد بن إبراهيم معتذرا إليه بما كان من خلاف الناس عليه، و رغبتهم عن أهل البيت، و أنه لو ظن ذلك بهم لم يعده نصرهم، و أومأ إلى أن يحمل إليه مالا و يقويه بخمسة آلاف دينار، فانصرف محمد عنه مغضبا، و أنشأ يقول، و الشعر له:

سنغني بحمد اللّه عنك بعصبة # يهشّون للدّاعي إلى واضح الحقّ

طلبت لك الحسنى فقصرت دونها # فأصبحت مذموما و زلت عن الصدق‏ (2)

جروا فلهم سبق و صرت مقصّرا # ذميما بما قصرت عن غاية السّبق

و ما كل شي‏ء سابق أو مقصر # يؤول به التقصير إلاّ إلى العرق

ثم مضى محمد بن إبراهيم راجعا إلى الحجاز، فلقى‏في طريقه أبا السّرايا السري بن منصور أحد بني ربيعة (3) بن ذهل بن شيبان، و كان قد خالف السلطان و نابذه، و عاث في نواحي السّواد، ثم صار إلى تلك الناحية فأقام بها خوفا على نفسه، و معه غلمان له فيهم:

أبو الشوك‏ (4) ، و سيّار، و أبو الهرماس، غلمانه.

و كان علوي الرأي ذا مذهب في التشيّع، فدعاه إلى نفسه فأجابه و سر بذلك، و قال له: انحدر إلى الفرات حتى أوافي على ظهر الكوفة (5) ، و موعدك الكوفة.

ففعل ذلك و وافى محمد بن إبراهيم‏الكوفة يسأل عن أخبار الناس و يتحسسها، و يتأهب لأمره و يدعو من يثق به إلى ما يريد، حتى اجتمع له بشر كثير، و هم في ذلك ينتظرون أبا السرايا و موافاته، فبينا هو في بعض الأيام يمشي في بعض طريق الكوفة إذ نظر إلى عجوز تتبع أحمال الرطب، فتلقط ما يسقط منها فتجمعه في كساء عليها رث، فسألها عما تصنع بذلك. فقالت: إني امرأة لا رجل لي يقوم بمؤنتي، ولي بنات لا يعدن على أنفسهن بشي‏ء، فأنا أتتبع هذا من الطريق و أتقوته أنا و ولدي. فبكى بكاء شديدا، و قال:

أنت و اللّه و أشباهك تخرجوني غدا حتى يسفك دمي.

و نفذت بصيرته في الخروج، و أقبل أبو السرايا لموعده على طريق البر حتى

____________

(1) في ط و ق «فقيل تصاغر عن رأيه» .

(2) في الخطية «مذموما و فاز «ذوي» الصدق» .

(3) في ط و ق «السري بن منصور، حدثني أبي ربيعة» .

(4) في ط و ق «أبو السيول و بشار» .

(5) في الخطية «حتى أوافي على الظهر» .

427

ورد عين التمر في فوارس معه، جريدة لا راجل فيهم، و أخذ على النهرين حتى ورد إلى نينوى فجاء إلى قبر الحسين.

قال نصر بن مزاحم: فحدثني رجل من أهل المدائن، قال:

إني لعند قبر الحسين في تلك الليلة، و كانت ليلة ذات ريح و رعد و مطر، إذا بفرسان قد أقبلوا فترجلوا و دخلوا إلى القبر فسلموا، و أطال رجل منهم‏الزيارة ثم جعل يتمثل أبيات منصور بن الزبرقان النمري:

نفسي فداء الحسين يوم عدا # إلى المنايا عدو لا قافل‏ (1)

ذاك يوم أنحى بشفرته‏ (2) # على سنام الإسلام و الكاهل

كأنما أنت تعجبين ألاّ # ينزل بالقوم نقمة العاجل

لا يعجل اللّه إن عجلت و ما # ربك عمّا ترين بالغافل

مظلومة و النبي والدها # يدير أرجاء مقلة جافل

ألا مساعير يغضبون لها # بسلّة البيض و القنا الذابل‏

قال: ثم أقبل عليّ فقال: ممن الرجل؟.

فقلت: رجل من الدهاقين من أهل المدائن.

فقال سبحان اللّه، يحن الولي إلى وليّه كما تحن الناقة إلى حوّارها، يا شيخ إن هذا موقف يكثر لك عند اللّه شكره و يعظم أجره.

قال: ثم وثب فقال: من كان ها هنا من الزّيدية فليقم إليّ، فوثبت إليه جماعات من الناس، فدنوا منه فخطبهم خطبة طويلة ذكر فيها أهل البيت و فضلهم و ما خصّوا به، و ذكر فعل الأمّة بهم و ظلمهم لهم، و ذكر الحسين بن علي فقال:

أيها الناس، هبكم لم تحضروا الحسين فتنصروه، فما يقعدكم عمن أدركتموه و لحقتموه؟و هو غدا خارج طالب بثأره و حقه، و تراث آبائه و إقامة دين اللّه، و ما يمنعكم من نصرته و مؤازرته؟إنني خارج من وجهي هذا إلى الكوفة للقيام بأمر اللّه، و الذّب عن دينه، و النصر لأهل بيته، فمن كان له نية في ذلك فليلحق بي. ثم مضى من فوره عائدا إلى الكوفة و معه أصحابه.

____________

(1) في ط و ق «عدوا و لا قافل» .

(2) في ط و ق «يوم الحي يسفر به» .

428

قال: و خرج محمد بن إبراهيم في اليوم الذي واعد فيه أبا السّرايا للاجتماع بالكوفة (1) ، و أظهر نفسه و برز إلى ظهر الكوفة، و معه علي بن عبيد اللّه بن الحسين بن علي بن الحسين، و أهل الكوفة منبثون مثل الجراد إلاّ أنهم على غير نظام و غير قوة، و لا سلاح إلاّ العصي و السكاكين و الآجر، فلم يزل محمد بن إبراهيم و من معه ينتظرون أبا السرايا و يتوقعونه فلا يرون له أثرا حتى أيسوا منه، و شتمه بعضهم، و لاموا محمد بن إبراهيم على الاستعانة به، و اغتم محمد بن إبراهيم بتأخره، فبينما هم كذلك إذ طلع عليهم من نحو الجرف علمان أصفران و خيل، فتنادى الناس بالبشارة فكبروا و نظروا، فإذا هو أبو السرايا و من معه، فلما أبصر محمد بن إبراهيم ترجل و أقبل إليه فانكب عليه و اعتنقه محمد، ثم قال له: يابن رسول اللّه، ما يقيمك هاهنا؟ادخل البلد فما يمنعك منه أحد. فدخل هو و خطب الناس، و دعاهم إلى البيعة إلى الرضا من آل محمد و الدعاء إلى كتاب اللّه و سنّة نبيه (ص) ، و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، و السيرة بحكم الكتاب. فبايعه جميع الناس حتى تكابسوا و ازدحموا عليه، و ذلك في موضع بالكوفة يعرف بقصر الضرتين.

فحدثني أحمد بن محمد بن سعيد الهمداني، قال: حدثنا محمد بن منصور بن يزيد أبو جعفر المرادي، قال: حدثنا الحسن بن عبد الواحد الكوفي، قال: حدثنا الحسن بن الحسين عن سعيد بن خيثم بن معمر (2) ، قال:

سمعت زيد بن علي يقول: يبايع الناس لرجل منا عند قصر الضرتين، سنة تسع و تسعين و مائة، في عشر من جمادي الأولى، يباهي اللّه به الملائكة.

قال الحسن بن الحسين: فحدثت به محمد بن إبراهيم فبكى.

حدثني أحمد بن محمد بن سعيد، قال: حدثنا محمد بن منصور، قال: حدثنا علي بن الحسين، قال: حدثنا عمر بن شبة المكي، عن جابر الجعفي، عن أبي جعفر محمد بن علي، قال:

يخطب على أعوادكم يا أهل الكوفة سنة تسع و تسعين و مائة في جمادي الأولى-

____________

(1) في الطبري 10/227 «و فيها-أي في سنة 199 خرج بالكوفة محمد بن إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، يوم الخميس لعشر خلون من جمادي الآخرة يدعو إلى الرضا من آل محمد، و العمل بالكتاب و السّنّة، و هو الذي يقال له ابن طباطبا، و كان القيم بأمره في الحروب و تدبيرها و قيادة جيوشه أبو السرايا و اسمه السري بن منصور» .

(2) في الخطية «بن خيثم أبي معمر» .

429

رجل منا أهل البيت، يباهي اللّه به الملائكة.

حدثني محمد بن الحسين الأشناني، قال: حدثنا أحمد بن حازم الغفاري، قال: حدثنا الحسن بن الحسين، عن عمر بن شبة المكي‏ (1) بنحوه.

رجع الحديث إلى خبر أبي السرايا.

قال: و وجه محمد بن إبراهيم إلى الفضل بن العباس بن عيسى بن موسى رسولا يدعوه إلى بيعته و يستعين به في سلاح و قوة، فوجد العباس قد خرج عن البلد و خندق حول داره، و أقام مواليه في السلاح للحرب، فأخبر الرسول محمدا بذلك فأنفذ محمد أبا السرايا إليهم، و أمره أن يدعوهم و لا يبدأهم بقتال، فلما صار إليهم تبعه أهل الكوفة كالجراد المنتشر، فدعاهم فلم يصغوا إلى قوله و لم يجيبوا دعوته، و رموه بالنشاب من خلف السور، فقتل رجل من أصحابه أو جرح، فوجه به إلى محمد بن إبراهيم، فأمره بقتالهم فقاتلهم. و كان على السور خادم أسود واقف بين شرفتين يرمي لا يسقط له سهم، فأمر أبو السرايا غلامه أن يرميه، فرماه بسهم فأثبته بين عينيه، و سقط الخادم على أم رأسه إلى أسفل فمات و فرّ موالي الفضل بن العباس فلم يبق منهم أحد (2) و فتح الباب فدخل أصحاب أبي السرايا ينتهبونها و يخرجون حرّ المتاع منها، فلما رأى ذلك أبو السرايا حظره و منع أحدا من الخروج أو يأخذ ما معه و يفتشه، فأمسك الناس عن النهب.

قال: فسمعت أعرابيا يرتجز و معه تخت فيه ثياب و هو يقول:

ما كان إلاّ ريث زجر الزاجره # حتى انتضيناها سيوفا باتره

حتى علونا في القصور القاهره # ثم انقلبنا بالثياب الفاخره‏

قال: و مضى الفضل بن العباس فدخل على الحسن بن سهل فشكا إليه ما انتهك منه فوعده النصر و الغرم و الخلف، ثم دعا بزهير بن المسيب‏ (3) فضم إليه الرجال و أمده بالأموال و ندبه إلى المسير نحو أبي السرايا و أن يودعه من وقته و يمضي لوجهه فيه و لا ينزل إلاّ بالكوفة، و كان محمد بن إبراهيم عليلا علته التي مات فيها.

____________

(1) في ط و ق «عمر بن شبيب» .

(2) في ط و ق «فمات، و من موالي العباس فلم يبق منهم أحد» .

(3) راجع الطبري 10/227.

430

و كان الحسن بن سهل، لانتحاله النجوم و نظره فيها، ينظر في نجم محمد فيراه محترقا، فيبادر في طلبه، و يحرص على ترويحه، و يشغله ذلك عن النظر في أمر عسكره.

فسار زهير بن المسيب حتى ورد قصر ابن هبيرة فأقام به، و وجه ابنه أزهر بن زهير على مقدمته، فنزل سوق أسد.

و سار أبو السرايا من الكوفة وقت العصر فأغذ السّير حتى أتى معسكر أزهر بن زهير بسوق أسد، و هم غارون فيه و بيته، فطحن العسكر و أكثر القتل فيه، و غنم دوابهم و أسلحتهم، و انقطع الباقون في الليل منهزمين حتى وافت زهيرا بالقصر، فتغيظ من ذلك.

و رجع أبو السّرايا إلى الكوفة، و زحف زهير حتى نزل و وافت خريطة من الحسن بن سهل، يأمره ألا ينزل إلاّ بالكوفة، فمضى حتى نزل عند القنطرة.

و نادى أبو السرايا في الناس بالخروج، فخرجوا حتى صادفوا زهيرا على قنطرة الكوفة في عشية صردة باردة، فهم يوقدون النار يستدفئون بها، و يذكرون اللّه و يقرأون القرآن، و أبو السّرايا يسكن منهم و يحثهم.

و أقبل أهل بغداد يصيحون يا أهل الكوفة: زيّنوا نساءكم و أخواتكم و بناتكم للفجور، و اللّه لنفعلن بهم كذا و كذا. و لا يكنون.

و أبو السرايا يقول لهم: اذكروا اللّه و توبوا إليه، و استغفروه و استعينوه، فلم يزل الناس في تلك الليلة يتحارسون طول ليلتهم، حتى إذا أصبح نهد إليهم فوقف في عسكره، و قد عشيت أبصار الناس من الدروع و البيض و الجواش و هم على تعبئة حسنة، و أصوات الطبول و البوقات مثل الرعد العاصف، و أبو السرايا يقول:

يا أهل الكوفة صححوا نياتكم، و أخلصوا للّه ضمائركم، و استنصروه على عدوكم، و ابرأوا إليه من حولكم و قوتكم، و اقرأوا القرآن، و من كان يروي الشعر فلينشد شعر عنترة العبسي:

قال: و مرّ بنا الحسن بن الهذيل يعترض الناس ناحية ناحية و يقول:

يا معشر الزيدية، هذا موقف تستزل فيه الأقدام، و تزايل فيه الأفعال.

و السعيد من حاط دينه، و الرشيد من وفّى للّه بعهده، و حفظ محمدا في عترته.

431

ألا إن الآجال موقوتة، و الأيام معدودة، من هرب بنفسه من الموت كان الموت محيطا به، ثم قال:

من لم يمت عبطة يمت هرما # الموت كأس و المرء ذائقها

قال أبو الفرج الأصبهاني:

الحسن بن الهذيل هذا، صاحب الحسين المقتول بفخ، و قد روى عنه الحديث. قال: فطلع رجل من أهل بغداد مستلئما شاكي السلاح، فجعل يشتم أهل الكوفة و يقول: لنفجرن بنسائكم و لنفعلن بكم و لنصنعن، و انتدب إليه رجل من أهل الوازار-قرية بباب الكوفة-عليه إزار أحمر و في يده سكين، فألقى نفسه في الفرات و سبح ساعة حتى صار إليه، فدنا منه فأدخل يده في جيب درعه و جذبه إليه فصرعه، و ضرب بالسكين حلقه فقتله، و جر برجله يطفو مرة و يغوص مرة أخرى حتى أخرجه إلى الكوفةفكبّر الناس و ارتفعت أصواتهم بحمد اللّه و الثناء عليه و الدعاء.

و خرج رجل من ولد الأشعث بن قيس فعبر إلى البغداديين و دعا للبراز، فبرز إليه رجل فقتله، و برز إليه آخر فقتله، و برز إليه ثالث فقتله، حتى قتل نفرا.

و أقبل أبو السرايا، فلما رآه شتمه و قال: من أمرك بهذا؟ارجع فرجع فمسح سيفه بالتراب ورده في غمده و قنع فرسه و مضى نحو الكوفة، فلم يشهد حربا بعدها معهم.

و وقف أبو السرايا على القنطرة طويلا، و خرج رجل من أهل بغداد فجعل يشتمه بالزنا لا يكنى‏ (1) . و أبو السرايا واقف لا يتحرك، ثم تغافل ساعة حتى هم بأن ينصرف، ثم حمل عليه فقتله و حمل على عسكرهم حتى خرج من خلفهم، ثم حمل عليهم من خلف العسكر حتى رجع من حيث جاء. و وقف في موقفه و هو ينفخ و ينفض علق الدم عن درعه.

ثم دعا غلاما له فوجهه في نفر من أصحابه و أمره أن يمضي حتى يصير من وراء العسكر، ثم يحمل عليهم لا يكذب‏ (2) ، فمضى الغلام لوجهه مع من معه قاصدا لما

____________

(1) في ط و ق «يشتمه بالرأي» .

(2) في الخطية «لا يكر» .

432

أمره به، و وقف أبو السرايا على القنطرة على فرس له أدهم محذوف، و قد اتكأ على رمحه فنام على ظهر الفرس حتى غط، و أهل الكوفة جزعون لما يرونه من عسكر زهير، و يسمعونه من تهددهم و وعيدهم، و هم يضجون و يصيحون بالتكبير و التهليل حتى يسمع أبو السرايا فينتبه من نومه، فلم ينتبه حتى ظن أن الكمين الذي بعثه قد انتهى إلى حيث أمره فصاح بفرسه: قتال، ثم قنعه حتى رضي بحفزه، ثم أومأ بيده نحو الكمين الذي بعثه، و صاح بأهل الكوفة: احملوا، و حمل و تبعوه فلم يبق من أصحاب زهير أحد إلاّ التفت نحو الإشارة.

و خالط أبو السرايا و غلامه سيار العسكر، و تبعه أهل الكوفة و صاح بغلامه:

ويلك يا سيّار ألا تراني، فحمل سيّار على صاحب العلم فقتله و سقط العلم، و انهزمت المسودة.

و تبعهم أبو السرايا و أصحابه و نادى: من نزل عن فرسه فهو آمن، فجعلوا يترجّلون، و أصحاب أبي السرايا يركبون، و تبعوهم حتى جاوزوا شاهي، ثم التفت زهير إلى أبي السرايا فقال: ويحك، أتريد هزيمة أكثر من هذه؟إلى أين تتبعني؟فرجع و تركه. و غنم أهل الكوفة غنيمة لم يغنم أحد مثلها، و صاروا إلى عسكر زهير بن المسيّب و مطابخه قد أعدت و أقيمت، و كان قد حلف ألاّ يتغدى إلاّ في مسجد الكوفة، فجعلوا يأكلون ذلك الطعام، و ينتهبون الأسلحة و الآلة (1) ، و كانوا قد أصابهم جوع و جهد شديد.

و مضى زهير لوجهه حتى دخل بغداد مستترا، و بلغ خبره الحسن بن سهل فأمر بإحضاره، فلما رآه رماه بعمود حديد كان في يده، فشتر إحدى عينيه، و قال لبعض من كان بحضرته: أخرجه فاضرب عنقه، فتشفعوا فيه، فلم يزل يكلم فيه حتى عفا عنه.

و دخل أبو السرايا الكوفة، و معه خلق كثير من الأسارى، و رؤوس كثيرة على الرماح مرفوعة، و في صدور الخيل مشدودة، و من معه من أهل الكوفة قد ركبوا الخيل‏و لبسوا السلاح، فهم في حالة واسعة، و أنفسهم بما رزقوه من النصر قوية.

و اشتد غم الحسن بن سهل و من بحضرته من العباسيين، لما جرى على عسكر

____________

(1) الطبري 10/227 و ابن الأثير 6/112.

433

زهير، و طال اهتمامهم به، فدعا الحسن بن سهل بعبدوس بن عبد الصمد (1) ، و ضم إليه ألف فارس و ثلاثة آلاف راجل، و أزاح علته في الإعطاء، و قال: إنما أريد أن أنوه باسمك فانظر كيف تكون، و أوصاه بما احتاج إليه، و أمره ألاّ يلبث.

فخرج من بين يديه و هو يحلف أن يبيح الكوفة، و يقتل مقاتلة أهلها، و يسبي ذراريهم، ثلاثا.

و مضى لوجهه لا يلوي على شي‏ء حتى صار إلى الجامع، و قد كان الحسن بن سهل تقدم إليه بذلك، و أمره ألا يأخذ على الطريق الذي انهزم فيه زهير، لئلا يرى أصحابه بقايا قتلى عسكره، فيجبنوا (2) من ذلك. فأخذ على طريق الجامع فلما وافاها و بلغ أبا السرايا خبره، صلى الظهر بالكوفة، ثم جرد فرسان أصحابه و من يثق به منهم و أغذ السير بهم، حتى إذا قرب من الجامع فرّق أصحابه ثلاث فرق و قال:

شعاركم: «يا فاطمي يا منصور» ، و أخذ هو في جانب السوق، و أخذ سيار في سيره الجامع و قال لأبي الهرماس: خذ بأصحابك على القرية فلا يفتك أحد منهم، ثم احملوا دفعة واحدة من جوانب عسكر عبدوس، ففعلوا ذلك فأوقعوا به و قتلوا منه مقتلة عظيمة، و جعل الجند يتهافتون في الفرات طلبا للنجاة، حتى غرق منهم خلق كثير.

و لقي أبو السرايا عبدوسا في رحبة الجامع‏ (3) فكشف خوزته عن رأسه و صاح: أنا أبو السرايا، أنا أسد بني شيبان، ثم حمل عليه، و ولّى عبدوس من بين يديه، و تبعه أبو السرايا فضربه على رأسه ضربة فلقت هامته، و خرّ صريعا عن فرسه.

و انتهب الناس من أصحاب أبي السرايا و أهل الجامع عسكر عبدوس،

____________

(1) في الطبري 10/228 «و كان الحسن بن سهل قد وجه عبدوس بن محمد بن أبي خالد المروروذي إلى النيل، حين وجه زهيرا إلى الكوفة، فخرج بعد ما هزم زهير عبدوس يريد الكوفة بأمر الحسن بن سهل حتى بلغ الجامع هو و أصحابه... » .

(2) في ط و ق «فتنحوا» .

(3) في الطبري 10/228 «فتوجه أبو السرايا إلى عبدوس، فواقعه بالجامع يوم الأحد لثلاث عشرة بقيت من رجب، فقتله، و أسر هارون بن محمد بن أبي خالد، و استباح عسكره، و كان عبدوس فيما ذكر في أربعة آلاف فارس، فلم يفلت منهم أحد كانوا بين قتيل و أسير. و انتشر الطالبيون في البلاد. و ضرب أبو السرايا الدراهم بالكوفة، و نقش عليها «إن اللّه يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص» .

434

و أصابوا منه غنيمة عظيمة، و انصرفوا إلى الكوفة بقوة و أسلحة.

و دخل أبو السرايا إلى محمد بن إبراهيم و هو عليل يجود بنفسه فلامه على تبييته العسكر، و قال:

أنا أبرأ إلى اللّه مما فعلت، فما كان لك أن تبيتهم، و لا تقاتلهم حتى تدعوهم، و ما كان لك أن تأخذ من عسكرهم إلاّ ما أجلبوا به علينا من السلاح.

فقال أبو السرايا: يابن رسول اللّه، كان هذا تدبير الحرب، و لست أعاود مثله. ثم رأى في وجه محمد الموت فقال له: يابن رسول اللّه، كل حي ميت، و كل جديد بال، فاعهد إليّ عهدك.

فقال: أوصيك بتقوى اللّه، و المقام على الذب عن دينك، و نصرة أهل بيت نبيك (ص) ، فإن أنفسهم موصولة بنفسك، و ول الناس الخيرة فيمن يقوم مقامي من آل علي، فإن اختلفوا فالأمر إلى علي بن عبيد اللّه، فإني قد بلوت طريقته، و رضيت دينه.

ثم اعتقل لسانه، و هدأت جوارحه، فغمضه أبو السرايا و سجّاه، و كتم موته‏ (1) ، فلما كان الليل أخرجه في نفر من‏الزّيدية إلى الغري فدفنه.

فلما كان من الغد جمع الناس فخطبهم، و نعى محمدا إليهم و عزاهم عنه، فارتفعت الأصوات بالبكاء إعظاما لوفاته، ثم قال:

و قد أوصى أبو عبد اللّه رحمة اللّه عليه إلى شبيهه و من اختاره، و هو أبو الحسن علي بن عبيد اللّه، فإن رضيتم به فهو الرضا، و إلاّ فاختاروا لأنفسكم.

فتواكلوا و نظر بعضهم إلى بعض، فلم ينطق أحد منهم فوثب محمد بن محمد بن زيد (2) و هو غلام حدث السن، فقال:

يا آل علي: فات الهالك النجا، و بقي الثاني بكرمه، إنّ دين اللّه لا ينصر بالفشل، و ليست يد هذا الرجل عندنا بسيئة، و قد شفي الغليل، و أدرك الثأر، ثم التفت إلى علي بن عبد اللّه فقال: ما تقول يا أبا الحسن رضي اللّه عنك؟فقد وصانا بك، امدد يدك نبايعك، فحمد اللّه و أثنى عليه ثم قال:

____________

(1) راجع الطبري 10/227.

(2) ابن الأثير 6/112.

435

إن أبا عبيد اللّه رحمة اللّه عليه قد اختار فلم يعد الثقة في نفسه، و لم يأل جهدا في حق اللّه الذي قلده، و ما أردّ وصيته تهاونا بأمره، و لا أدع هذا نكولا عنه، و لكن أتخوّف أن أشتغل به عن غيره مما هو أحمد و أفضل عاقبة، فامض رحمك اللّه لأمرك، و اجمع شمل ابن عمك، فقد قلدناك الرياسة علينا، و أنت الرضا عندنا، الثقة في أنفسنا.

ثم قال لأبي السرايا: ما ترى؟أرضيت به؟.

قال: رضائي في رضاك، و قولي مع قولك، فجذبوا يد محمد بن محمد فبايعوه، و فرّق عماله.

فولى إسماعيل بن علي بن إسماعيل بن جعفر خلافته على الكوفة.

و ولى روح بن الحجاج شرطته.

و ولى أحمد بن السري الأنصاري رسائله.

و ولى عاصم بن عامر القضاء.

و ولى نصر بن مزاحم السوق.

و عقد لإبراهيم بن موسى بن جعفر على اليمن.

و ولى زيد بن موسى بن جعفر الاهواز.

و ولى العباس بن محمد بن عيسى بن محمد بن علي بن عبد اللّه بن جعفر بن أبي طالب البصرة.

و ولى الحسن بن الحسن الأفطس مكة.

و عقد لجعفر بن محمد بن زيد بن علي، و الحسين بن إبراهيم بن الحسن بن علي واسطا.

فخرجوا إلى أعمالهم.

فأما ابن الأفطس فلم يمنعه أحد مما وجه له، فأقام الحج تلك السنة و هي سنة تسع و تسعين و مائة.

و أما إبراهيم بن موسى فأذعن له أهل اليمن بالطاعة، بعد وقعة كانت بينهم يسيرة المدة.

و أما صاحبا واسط فان نصرا البجلي صاحب واسط خرج إليهما فقاتلهما قتالا شديدا، فثبتا له ثم انهزم و دخلا واسطا و جبيا الخراج و تألفا الناس.

436

و أما الجعفري صاحب البصرة فإنه خرج إليه علي بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين‏ (1) فاجتمعا، و وافاهم زيد بن موسى بن جعفر ماضيا إلى الأهواز، فاجتمعوا، و لقيهم الحسن بن علي المعروف بالمأموني‏ (2) -رجل من أهل باذغيس و كان على البصرة-فقاتلوه و هزموه و حووا عسكره.

و حرق زيد بن موسى دور بني العباس بالبصرة، فلقب بذلك و سمي زيد النار (3) .

و تتابعت الكتب و تواترت على محمد بن محمد بالفتوح من كل ناحية.

و كتب إليه أهل الشام و الجزيرة أنهم ينتظرون أن يوجه إليهم رسولا ليسمعوا له و يطيعوا.

و عظم أمر أبي السرايا على الحسن بن سهل‏و بلغ منه، فكتب إلى طاهر بن الحسين أن يصير إليه لينفذه لقتاله، فكتبت إليه رقعة لا يدري من كتبها، فيها أبيات و هي:

قناع الشك يكشفه اليقين # و أفضل كيدك الرأي الرصين

تثبت قبل ينفد فيك أمر # يهيج لشره داء دفين

أتندب طاهرا لقتال قوم # بنصرتهم و طاعتهم يدين

سيطلقها عليك معقلات # تصر و دونها حرب زبون

و يبعث كامنا في الصدر منه # و لا يخفى إذا ظهر المصون

فشأنك و اليقين فقد أنارت # معالمه و أظلمت الظنون

و دونك ما نريد بعزم رأي # تدبره ودع ما لا يكون‏

فرجع عن رأيه ذلك، و كتب إلى هرثمة بن أعين يأمره بالقدوم عليه، و دعا بالسندي بن شاهك فسأله التعجيل و ترك التلوّم، و كان ردءا له، و كانت بين الحسن بن سهل و بين هرثمة شحناء (4) ، فخشي أن لا يجيبه إلى ما يريد، ففعل ذلك

____________

(1) في الخطية «خرج إليه علي بن محمد بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين» .

(2) الطبري 10/231.

(3) الطبري 10/231.

(4) في الطبري 10/228 «فلما رأى الحسن بن سهل أن أبا السرايا و من معه لا يلقون عسكرا إلاّ هزموه، و لا يتوجهون إلى بلدة إلاّ دخلوها، و لم يجد فيمن معه من القواد من يكفيه حربه، اضطر إلى هرثمة، و كان هرثمة حين قدم عليه الحسن بن سهل العراق واليا عليها من قبل المأمون سلم له ما كان بيده بها من-

437

السندي و مضى إلى هرثمة فلحقه بحلوان، فأوصل إليه الكتاب، فلما قرأه تغيظ و قال:

نوطئ نحن الخلافة، و نمهد لهم أكنافها، ثم يستبدون بالأمور، و يستأثرون بالتدبير علينا، فإذا انفتق عليهم فتق بسوء تدبيرهم و إضاعتهم الأمور، أرادوا أن يصلحوه بنا، لا و اللّه و لا كرامة حتى يعرف أمير المؤمنين سوء آثارهم، و قبيح أفعالهم.

قال السندي: و باعدني مباعدة آيسني فيها من نفسه، فبينا أنا كذلك‏إذ جاءه كتاب من منصور بن المهدي‏ (1) فقرأه فجعل يبكي بكاء طويلا، ثم قال:

فعل اللّه بالحسن بن سهل و صنع، فإنه عرض هذه الدولة للذهاب، و أفسد ما صلح منها، ثم أمرض فضرب بالطبل، و انكفأ راجعا إلى بغداد.

فلما صار بالنهروان تلقاه أهل بغداد، و القواد، و بنو هاشم، و جميع الأولياء مسرورين بقدومه داعين له، و ترجلوا جميعا حين رأوه، فدخل بغداد في جمع عظيم حتى أتى منزله.

و أمر الحسن بن سهل بدواوين الجيش فنقلت إليه ليختار الرجال منها و ينتخبهم، و أطلق له بيوت الأموال فانتخب من أراد، و أزاح الغلة في العطيات و النفقات، و خرج إلى الياسريّة (2) فعسكر بها.

قال الهيثم بن عدي:

فدخلت إليه و سلمت عليه و مازحته، و هو في نحو ثلاثين ألف فارس و راجل، فقلت له: أيها الأمير، لو خضبت لكان للعدو أهيب و أحسن للمنظر، فضحك ثم قال: إن كان رأسي لي فسأخضبه، و إن انقلب به أهل الكوفة فما يصنع بالخضاب.

قال: ثم نادى بالرحيل إلى الكوفة، فرحل الناس.

و أبو السرايا بالقصر (3) ، و قد عقد لمحمد بن إسماعيل محمد بن عبد اللّه

____________

ق الأعمال، و توجه نحو خراسان مغاضبا للحسن، فسار حتى بلغ حلوان، فبعث إليه السندي و صالحا صاحب المصلى يسأله الانصراف إلى بغداد لحرب أبي السرايا، فامتنع و أبى، و انصرف الرسول إلى الحسن بإبائه، فأعاد إليه السندي بكتب لطيفة فأجاب، و انصرف إلى بغداد. فقدمها في شعبان... » .

(1) راجع الطبري 10/228.

(2) في الخطية «الناشرية» .

(3) راجع الطبري 10/229.

438

الأرقط بن عبد اللّه بن علي بن الحسين، على المدائن، و وجه معه العباس الطبطبي‏ (1) ، و المسيب، في جمع عظيم، فلقوا الحسين بن علي المعروف بأبي البط فالتقوا بساباط المدائن، فاقتتلوا قتالا شديدا، و هزم أبو البط و استولى محمد بن إسماعيل على البلد.

53-محمد بن جعفر بن محمد

خبر محمد بن جعفر (2) بن محمد بن علي بن الحسين ابن علي بن أبي طالب عليه السلام قالوا:

و ظهر في هذه الأيام محمد بن جعفر بن محمد بالمدينة و دعا إلى نفسه، و بايع له أهل المدينة بامرة المؤمنين‏ (3) ، و ما بايعوا عليها بعد الحسين بن علي أحدا سوى محمد بن جعفر بن محمد.

و أم محمد بن جعفر أم ولد.

و يكنى أبا جعفر (4) .

و كان فاضلا مقدما في أهله‏ (5) .

و أمر المأمون آل أبي طالب بخراسان أن يركبوا مع غيره من آل أبي طالب فأبوا أن يركبوا إلاّ معه فأقرهم.

و قد روى الحديث و أكثر الرواية عن أبيه، و نقل عنه المحدثون مثل: محمد بن أبي عمر العبدي، و محمد (6) بن سلمة، و إسحاق بن موسى الأنصاري، و غيرهم من الوجوه.

____________

(1) في الخطية «الطبكي» .

(2) راجع ترجمته في تاريخ بغداد 2/113-115، و الطبري 10/233.

(3) تاريخ بغداد 2/113 و في ص 114 «و بايعوا محمد بن جعفر بن محمد بن علي بن حسين بن علي بن أبي طالب بالخلافة يوم الجمعة لثلاث خلون من شهر ربيع الآخر سنة مائتين، فلم يزل يسلم عليه بالخلافة حتى كان يوم الثلاثاء لخمس خلون من جمادي الأولى سنة مائتين» .

(4) في تاريخ بغداد بعد ذلك «و هو أخو إسحاق و موسى و علي بني جعفر» .

(5) في الطبري 10/233 «... و كان شيخا وادعا محببا في الناس مفارقا لما عليه كثير من أهل بيته من قبح السيرة، و كان يروي العلم عن أبيه جعفر بن محمد، و كان الناس يكتبون عنه، و كان يظهر سمتا و زهدا... » .

(6) في ط و ق «موسى بن سلمة» .

439

قال أبو الفرج:

حدثنا أحمد بن محمد بن سعيد، قال: حدثنا محمد بن منصور، قال:

ذكر محمد بن جعفر بحضرة أبي الطاهر أحمد بن عيسى بن عبد اللّه، فسمعنا أبا الطاهر يحسن الثناء عليه، و قال: كان عابدا فاضلا، و كان يصوم يوما و يفطر يوما (1) .

قال أبو الفرج:

حدثني أحمد بن محمد بن سعيد، قال أخبرنا يحيى بن الحسن قال: سمعت مؤملا يقول:

رأيت محمد بن جعفر يخرج إلى الصلاة بمكة في سنة بمائتي رجل من الجارودية، و عليهم ثياب الصوف، و سيماء الخير ظاهر.

قال أبو الفرج:

حدثني أحمد بن محمد بن سعيد، قال: حدثنا يحيى، قال:

كانت خديجة بنت عبيد اللّه بن الحسين بن علي بن الحسين تحت محمد بن جعفر بن محمد، و كانت تذكر أنه ما خرج من عندهم قط في ثوب فرجع حتى يهبه‏ (2) .

حدثني أحمد، قال: حدثنا يحيى، قال: حدثنا موسى بن سلمة، قال:

كان رجل قد كتب كتابا في أيام أبي السرايا يسب فاطمة بنت رسول اللّه (ص) و جميع أهل البيت، و كان محمد بن جعفر معتزلا تلك الأمور لم يدخل في شي‏ء منها، فجاءه الطالبيون‏ (3) فقرءوه عليه فلم يرد عليهم جوابا حتى دخل بيته، فخرج عليهم و قد لبس الدرع، و تقلّد السيف، و دعا إلى نفسه، و تسمى بالخلافة و هو يتمثل:

____________

(1) تاريخ بغداد 2/113.

(2) تاريخ بغداد 2/113.

(3) في الطبري 10/233 «... فلما رأى حسين بن حسن و من معه من أهل بيته تغبر الناس لهم بسيرتهم، و بلغهم أن أبا السرايا قد قتل، و أنه قد طرد من الكوفة و البصرة و كور العراق من كان بها من الطالبيين، و رجعت الولاية بها لولد العباس اجتمعوا إلى محمد بن جعفر... فقالوا له: قد تعلم حالك في الناس، فأبرز شخصك نبايع لك بالخلافة فإنك إن فعلت ذلك لم يختلف عليك رجلان، فأبى ذلك عليهم، فلم يزل به ابنه علي بن محمد بن جعفر، و حسين بن حسن الأفطس حتى غلبا الشيخ على رأيه فأجابهم، فأقاموه يوم الجمعة بعد الصلاة، لست خلون من ربيع الآخر، فبايعوه بالخلافة، و حشروا إليه الناس من أهل مكة و المجاورين فبايعوه طوعا و كرها، و سموه بامرة المؤمنين، فأقام بذلك أشهرا و ليس له من الأمر إلاّ اسمه، و ابنه علي و حسين بن حسن، و جماعة منهم أسوأ ما كانوا سيرة و أقيح ما كانوا فعلا..... » .

440

لم أكن من جناتها علم اللّه و إني بحرها اليوم صالي‏ (1) .

قال يحيى بن الحسن: فسمعت إبراهيم بن يوسف يقول:

كان محمد بن جعفر قد أصاب أحد عينيه شي‏ء فأثر فيها، فسر بذلك و قال:

لأرجو أن أكون المهدي القائم: قد بلغني أن في إحدى عينيه شيئا، و أنه يدخل في هذا الأمر و هو كاره له.

قال أبو الفرج:

أخبرنا أحمد بن عبيد اللّه بن عمّار، قال: حدثنا محمد بن علي المدائني، قال:

حدثنا إسحاق بن موسى الأنصاري، قال سمعت محمد بن جعفر يقول:

شكوت إلى مالك بن أنس ما نحن فيه و ما نلقى، فقال: اصبر حتى يجي‏ء تأويل هذه الآية: وَ نُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى اَلَّذِينَ اُسْتُضْعِفُوا فِي اَلْأَرْضِ وَ نَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَ نَجْعَلَهُمُ اَلْوََارِثِينَ (2) .

أخبرني أحمد بن عبيد اللّه، عن علي بن محمد النوفلي عن أبيه، و أخبرني علي بن الحسين بن علي بن حمزة العلوي، عن محمد، عن عمه.

أن جماعة من الطالبيين اجتمعوا مع محمد بن جعفر، فقاتلوا هارون بن المسيّب‏ (3) بمكة قتالا شديدا، و فيهم: الحسين بن الحسن الأفطس، و محمد بن سليمان بن داود بن الحسن بن الحسن، و محمد بن الحسن المعروف بالسّيلق، و علي بن الحسين بن عيسى بن زيد، و علي بن الحسين بن زيد، و علي بن جعفر بن محمد، فقتلوا من أصحابه مقتلة عظيمة، و طعنه خصي كان مع محمد بن جعفر فصرعه.

وكر أصحابه فتخلصوه ثم رجعوا فأقاموا بثبير في جبله مدة، و أرسل هارون إلى محمد بن جعفر، و بعث إليه ابن أخيه علي بن موسى الرضا، فلم يصغ إلى رسالته، و أقام على الحرب.

ثم وجه إليه هارون خيلا فحاصرته في موضعه، لأنه كان موضعا حصينا لا يوصل إليه، فلما بقوا في الموضع ثلاثا و نفد زادهم و ماؤهم، جعل أصحابه يتفرقون و يتسللون يمينا و شمالا، فلما رأى ذلك لبس بردا و نعلا، و صار إلى مضرب هارون

____________

(1) البيت للحارث بن عباد كما في ابن الأثير 1/322.

(2) سورة القصص 5.

(3) الطبري 10/234.

441

فدخل إليه و سأله الأمان لأصحابه، ففعل هارون ذلك.

هكذا ذكره النوفلي‏ (1) .

و أما محمد بن علي بن حمزة فإنه ذكر أن هذا كان من جهة عيسى الجلودي لا من جهة هارون، ثم وجه إلى أولئك الطالبيين فحملهم مقيدين في محامل بلا وطاء ليمضي بهم إلى خراسان، فخرجت عليهم بنو نبهان.

قال علي بن محمد النوفلي: خرج عليهم الغاضريون بزبالة، فاستنقذوهم منه بعد حرب طويلة صعبة، فمضوا هم بأنفسهم إلى الحسن بن سهل، فأنفذهم إلى خراسان إلى المأمون.

فمات محمد بن جعفر هناك، فلما أخرجت جنازته دخل المأمون بين عمودي السرير فحمله حتى وضعه في لحده، و قال: هذه رحم مجفوة منذ مائتي سنة (2) ، و قضى دينه، و كان عليه نحوا من ثلاثين ألف دينار.

رجع الحديث إلى خبر أبي السرايا

قالوا:

فلما خرج هرثمة عسكر في شرقي نهر صرصر. و عسكر أبو السرايا في غربيه‏ (3) . و وجه الحسن بن سهل إلى المدائن علي بن أبي سعيد، و حمادا التركي و جماعة، فقاتلوا محمد بن إسماعيل فهزموه و استولوا على المدائن.

و مضى أبو السرايا من فوره بالليل‏ (4) ، و لا يعلم هرثمة، و كان جسر صرصر مقطوعا بينهما، يريد المدائن فوجد أصحابه و قد أخرجوا عنها و استولى عليها المسوّدة فكانت بينهم مناوشة، و قتل غلامه أبو الهرماس أصابه حجر عراده، فدفنه بها و مضى نحو القصر، فلما صار بالرحب صار هرثمة إليه فلحقه هناك فقاتله قتالا شديدا، فهزم أبو السرايا، و قتل أخوه، و مضى لوجهه حتى نزل الجازية، و أتبعه هرثمة، و اجتمع رأيه

____________

(1) راجع الطبري 10/234-235.

(2) تاريخ بغداد 2/115.

(3) راجع الطبري 10/228-229.

(4) في الطبري «و أخذ علي بن أبي سعيد المدائن، فلما كان ليلة السبت لخمس خلون من شوال رجع أبو السرايا من نهر صرصر إلى قصر ابن هبيرة فنزل به، و أصبح هرثمة فجد في طلبه، فوجد جماعة كثيرة من أصحابه فقتلهم، و بعث برؤوسهم إلى الحسن بن سهل... » .

442

على سد الفرات عليهم و منعهم الماء، و صبه في الآجام و المغايض التي في شرقي الكوفة، ففعل ذلك، و انقطع الماء من الفرات، فتعاظم ذلك الكوفيون، و سقط في أيديهم، و أزمعوا معالجة هرثمة و منازلته، فبيناهم كذلك: إذ فتق السّكر الذي سكروه‏ (1) ، و أقبل الماء تحت الخشب، و كبروا و حمدوا اللّه كثيرا، و سرّوا بما وهب اللّه لهم من الكفاية.

ثم إن هرثمة نهد إلى الكوفة مما يلي الرصافة.

و خرج أبو السرايا إليه في الناس فعبأهم، و جعل على الميمنة الحسن بن الهذيل.

و على الميسرة جرير بن الحصين، و وقف هو في القلب.

و عبأ هرثمة خيلا نحو البر، فبعث أبو السرايا عدتهم يسيرون بإزائهم لئلا يكونوا كمينا.

ثم إن أبا السرايا حمل حملة فيمن معه، فانهزم أصحاب هرثمة هزيمة رقيقة، ثم عطفوا وجوه دوابهم فنادى أبو السرايا: لا تتبعوهم فإنها خديعة و مكر، فوقفوا و تبعهم أبو كتلة فأبعد، ثم رجع و أعلم أبا السرايا أنهم قد عبروا الفرات، فرجع بالناس إلى الكوفة ثم خرج يوم الاثنين لتسع خلون من ذي القعدة و خرج الناس معه. و قد كان جاسوسه أخبره أن هرثمة يريد مواقعته في ذلك اليوم، فعبأ الناس مما يلي الرّصافة، و مضى هو تحت القنطرة، فلم يبعد حتى أقبلت خيل هرثمة، فرجع أبو السرايا كالجمل الهائج يكاد الغضب أن يلقيه عن سرجه إلى الناس فقال: سووا عسكركم، و اجمعوا أمركم، و أقيموا صفوفكم. و أقبل هرثمة فاقتتلوا قتالا شديدا لم يسمع بمثله.

و نظر أبو السّرايا إلى روح بن الحجاج قد رجع فقال: و اللّه لئن رجعت لأضربن عنقك، فرجع يقاتل حتى قتل.

و قتل يومئذ الحسن بن الحسين بن زيد بن علي بن الحسين.

و قتل أبو كتلة غلام أبي السّرايا.

و اشتدت الحرب، و كشف أبو السرايا رأسه و جعل يقول: أيها الناس، صبر ساعة، و ثبات قليل، فقد-و اللّه-فشل القوم، و لم يبق إلاّ هزيمتهم.

ثم حمل، و خرج إليه قائد من قواد هرثمة و عليه الدرع و المغفر، فتناوشا ساعة، ثم ضربه أبو السرايا ضربة على بيضته فقدّه، حتى خالط سيفه قربوس سرجه.

____________

(1) في القاموس: «السكر: سد النهر، و بالكسر الاسم منه» .

443

و انهزمت المسودة هزيمة قبيحة، و تبعهم أهل الكوفة يقتلونهم حتى بلغوا صعنبا فنادى أبو السرايا: يا أهل الكوفة أحذروا كرّهم بعد الفرّة، فإن العجم قوم دهاة، فلم يصغوا إلى قوله و تبعوهم.

و كان هرثمة قد أسر في ذلك الوقت، و لم يعلم أبو السرايا، أسره عبد سندي، و قبل ذلك خلّف في عسكره زهاء خمسة آلاف فارس يكونون ردءا له إن انهزم أصحابه، و خلّف عليهم عبيد اللّه بن الوضاح، فلما وقعت الهزيمة و نادى أبو السرايا: لا تتبعوهم، كشف عبيد اللّه بن الوضاح رأسه، و أصحابه يقولون: قتل الأمير، قتل الأمير فناداهم: فماذا يكون إذا قتل الأمير؟يا أهل خراسان إليّ أنا عبد اللّه بن الوضاح، اثبتوا، فو اللّه ما القوم إلاّ غوغاء و رعاع، فثابت إليه طائفة، و حمل على أهل الكوفة فقتل منهم مقتلة عظيمة، و تبعوهم حتى جاوزوا صعنبا، و وجدوا هرثمة أسيرا في يد عبد أسود، فقتلوا العبد، و حلّوا وثاق هرثمة، و عاد إلى معسكره و لم تزل الحرب مدة متراخية في كل يوم أو يومين تكون سجالا بينهم.

ثم إن أبا السرايا بعث علي بن محمد بن جعفر المعروف بالبصري في خيل، و أمره أن يأتي هرثمة من ورائه، فمضى لوجهه و لم يشعر هرثمة حتى قرب منه، و حمل أبو السرايا عليه فصاح هرثمة:

يا أهل الكوفة علام تسفكون دماءنا و دماءكم؟إن كان قتالكم إيّانا كراهية لإمامنا فهذا المنصور بن المهدي رضي لنا و لكم نبايعه، و إن أحببتم إخراج الأمر من ولد العباس فانصبوا إمامكم، و اتفقوا معنا ليوم الاثنين نتناظر فيه، و لا تقتلونا و أنفسكم.

فأمسك أهل الكوفة عن الحملة، و ناداهم أبو السرايا: و يحكم إن هذه حيلة من هؤلاء الأعاجم، و إنما أيقنوا بالهلاك فاحملوا عليهم، فامتنعوا و قالوا: لا يحل لنا قتالهم و قد أجابوا. فغضب أبو السرايا و انصرف معهم، و قد أراد قبل ذلك إجابة هرثمة و أن يمضي إليه مع محمد بن محمد بن زيد فيستأمن، ثم خشي الغدر به.

فلما كان يوم الجمعة خطب أهل الكوفة فحمد اللّه و أثنى عليه ثم قال:

يا أهل الكوفة، يا قتلة علي، و يا خذلة الحسين، إن المعتز بكم لمغرور، و إن المعتمد على نصركم لمخذول، و إن الذليل لمن أعززتموه، و اللّه ما حمد عليّ أمركم فنحمده، و لا رضي مذهبكم فنرضى به، و لقد حكّمكم فحكمتم عليه، و ائتمنكم فخنتم أمانته و وثق بكم فحلتم عن ثقته، ثم لم تنفكوا عليه مختلفين، و لطاعته ناكثين،

444

إن قام قعدتم، و إن قعد قمتم، و إن تقدّم تأخّرتم، و إن تأخّر تقدمتم، خلافا عليه و عصيانا لأمره، حتى سبقت فيكم دعوته، و خذلكم اللّه بخذلانكم إيّاه، أيّ عذر لكم في الهرب عن عدوكم، و النكول عمّن لقيتم و قد عبّروا خندقكم؟و علوا قبائلكم؟ ينتهبون أموالكم و يستحيون حريمكم، هيهات لا عذر لكم إلاّ العجز و المهانة، و الرضا بالصغار و الذلة، إنما أنتم كفي‏ء الظل، تهزمكم الطبول بأصواتها، و يملأ قلوبكم الحرق بسوادها، أما و اللّه لأستبدلن بكم قوما يعرفون اللّه حق معرفته، و يحفظون محمدا في عترته. ثم قال:

و مارست أقطار البلاد فلم أجد # لكم شبها فيما وطئت من الأرض

خلافا و جهلا و انتشار عزيمة # و وهنا و عجزا في الشدائد و الخفض

لقد سبقت فيكم إلى الحشر دعوة # فلا عنكم راض و لا فيكم مرضي

سأبعد داري من قلى عن دياركم # فذوقوا إذا ولّيت عاقبة البغض‏

فقامت إليه جماعة من أهل الكوفة فقالوا: ما أنصفتنا في قولك، ما أقدمت و أحجمنا، و لا كررت و فررنا، و لا وفيت و غدرنا، و لقد صبرنا تحت ركابك، و ثبتنا مع لوائك، حتى أفنتنا الوقائع، و اجتاحتنا (1) ، و ما بعد فعلنا غاية إلاّ الموت، فامدد يدك نبايعك على الموت، فو اللّه لا نرجع حتى يفتح اللّه علينا أو يقضي قضاءه فينا.

فأعرض عنهم، و نادى في الناس بالخروج لحفر الخندق، فخرجوا فحفروا و أبو السرايا يحفر معهم عامة النهار، فلما كان الليل خرج الناس من الخندق و أقام إلى الثلث الأول من الليل، ثم عبأ بغاله و أسرج خيله، و ارتحل هو و محمد بن محمد بن زيد، و نفر من العلويين و الأعراب، و قوم من أهل الكوفة، و ذلك في ليلة يوم الأحد لثلاث عشرة ليلة مضت من المحرم‏ (2) فأقام بالقادسية ثلاثا حتى تتام أصحابه، ثم مضى على خفان و أسفل الفرات حتى صار على طريق البر.

و وثب بالكوفة أشعث بن عبد الرحمن الأشعثي فدعا إلى هرثمة.

و خرج أشراف أهل الكوفة إلى هرثمة فسألوه الأمان للناس فأجابهم إلى ذلك و تألفهم.

و دخل المنصور بن المهدي الكوفة، و أقام هرثمة خارجها، و فرق عسكره حوالي

____________

(1) في ط و ق «و احناحينا» .

(2) الطبري 10/230.

445

خندقها و أبوابها خوفا من حيلة، و خطب المنصور بن المهدي بالناس فصلى بهم.

و ولّى هرثمة غسان بن الفرج‏ (1) الكوفة و أقام هو أياما بظهر البلد، حتى أمن الناس و هدأت قلوبهم من وحشة الحرب، ثم ارتحل إلى بغداد.

قالوا:

و مضى أبو السرايا يريد البصرة، فلقيه أعرابي من أهل البلد، فسأله عن الخبر و أعلمه غلبة السلطان عليه و إخراج عماله عنه، و أن المسودة في خلق كثير لا يمكنه مقاومتهم منها، فعدل عنها و أراد المسير نحو واسط فأعلمه الرجل أن صورة أمرها مثل ما ذكر له عن البصرة، فقال له: فأين ترى؟.

قال: أرى أن تعبر دجلة فتكون بين جوفي و الجبل، فيجتمع معك أكرادهم و يلحق بك من أراد صحبتك من أعراب السواد و أكراده، و من رأى رأيك من أهل الأمصار و الطساسيج فقبل أبو السرايا مشورته، و سلك ذلك الطريق، فجعل لا يمرّ بناحية إلاّ جبى خراجها و باع غلاتها.

ثم عمد إلى الأهواز حتى صار إلى السوس، فأغلقوا الباب دونه، فنادى:

افتحوا الباب، ففتحوا له فدخلها. و كان على كور الأهواز الحسن بن علي المأموني‏ (2)

فوجه إلى أبي السرايا يعلمه كراهيته لقتاله و يسأله الانصراف عنه إلى حيث أحب، فلم يقبل ذلك، و أبى إلاّ قتاله، فخرج إليه المأموني فقاتله قتالا شديدا.

و ثبتت الزيدية تحت ركاب محمد بن محمد بن زيد، و ثبت العلويون معه فقتلت منهم عدة، و خرج أهل السوس فأتوهم من خلفهم، فخرج غلام أبي السرايا ليقاتلهم فظن القوم أنها هزيمة فانهزموا، و جعل أصحاب المأموني يقتلونهم، حتى أجنهم الليل فتفرقوا و تقطعت دوابهم.

و مضى أبو السرايا حتى أخذ على طريق خراسان، فنزلوا قرية يقال لها: برقانا.

و بلغ حمّاد الكندغوش‏ (3) خبرهم، و كان يتقلدتلك الناحية، فوجه إليهم خيلا، ثم

____________

(1) في الطبري 10/231 «غسان بن أبي الفرج أبو إبراهيم بن غسان صاحب حرس خراسان فنزل في الدار التي كان فيها محمد بن محمد و أبو السرايا» .

(2) في الطبري 10/231 «... و أتاهم الحسن بن علي الباذغيسي المعروف بالمأموني، فأرسل إليهم اذهبوا حيث شئتم فإنه لا حاجة لي في قتالكم، و إذا خرجتم من عملي فلست أتبعكم، فأبى أبو السرايا إلاّ القتال، فقاتلهم فهزمهم الحسن، و استباح عسكرهم، و جرح أبو السرايا جراحة شديدة فهرب... » .

(3) كذا في الطبري 10/231 و في ط و ق «محمد الكندي عوس» .

446

ركب بنفسه حتى لقيهم و آمنهم على أن ينفذ بهم إلى الحسن بن سهل فقبلوا ذلك منه، و أعطى الذي أعلمه خبرهم عشرة آلاف درهم، و حملهم إلى الحسن بن سهل‏ (1) .

و بادر محمد بن محمد بكتاب إلى الحسن بن سهل، يسأله أن يؤمنه على نفسه و يستعطفه، فقال الحسن بن سهل: لا بد من ضرب عنقك. فقال له بعض من كان يستنصحه: لا تفعل أيها الأمير، فإن الرشيد لما نقم على البرامكة احتج عليهم بقتل ابن الأفطس، و هو عبد اللّه بن الحسن بن الحسن بن علي بن علي بن الحسين بن علي فقتلهم به، و لكن احمله إلى أمير المؤمنين، فعمل ذلك و حلف أنه يقتل أبا السرايا.

فلما أتته بهم الرسل و هو نازل بالمدائن معسكرا قال لأبي السرايا: من أنت؟.

قال: السري بن المنصور.

قال: لا بل أنت النذل ابن النذل، المخذول ابن المخذول، قم يا هارون بن أبي خالد فاضرب عنقه بأخيك عبدوس‏ (2) بن عبد الصمد، فقام إليه فقدمه فضرب عنقه.

ثم أمر برأسه فصلب في الجانب الشرقي، و صلب بدنه في الجانب الغربي‏ (3) .

و قتل غلامه أبا الشوك و صلب معه.

و حمل محمد بن محمد إلى خراسان‏ (4) ، فأقيم بين يدي المأمون و هو جالس في مستشرف له، ثم صاح الفضل بن سهل اكشفوا رأسه فكشف رأسه‏ (5) فجعل المأمون يتعجب من حداثة سنه، ثم أمر له بدار فأسكنها، و جعل له فيها فرشا و خادما، فكان فيها على سبيل الاعتقال و التوكيل، و أقام على ذلك مدة يسيرة يقال: إن مقدارها أربعون يوما، ثم دست إليه شربة فكان يختلف كبده و حشوته، حتى مات.

____________

(1) في الطبري «و كان الحسن مقيما بالنهروان حين طردته الحريبة» .

(2) في الطبري 10/231 «... ضربت عنق أبي السرايا يوم الخميس لعشر خلون من ربيع الأول. و الذي تولى ضرب عنقه هارون بن محمد بن أبي خالد، و كان أسيرا في يدي أبي السرايا، و ذكر أنه لم يروا أحدا عند القتل أشد جزعا من أبي السرايا، كان يضطرب بيديه و رجليه، و يصيح أشد ما يكون الصياح، حتى جعل في رأسه حبل، و هو في ذلك يضطرب و يلتوي و يصيح، حتى ضربت عنقه، ثم بعث برأسه فطيف به في عسكر الحسن بن سهل... » .

(3) راجع المحبر لابن حبيب ص 489، و في الطبري 10/231 «و كان بين خروجه بالكوفة و قتله عشرة أشهر» .

(4) الطبري 10/231.

(5) في ط و ق «السقوا رأسه فألسقوه» .

447

حدثني أحمد بن محمد بن سعيد، قال: قال يحيى بن الحسن، حدثني محمد بن جعفر:

أن محمد بن محمد سقى السم بمرو، و توفي بها و كان يختلف حتى اختلف كبده.

قال:

و نظر في الدّواوين فوجد من قتل من أصحاب السلطان في وقائع أبي السرايا مائتا ألف رجل.

(ذكر من خرج معه و بايعه)

حدثني محمد بن الحسين الأشناني، قال: حدثني أبي، قال:

خرج مع أبي السرايا أكثر أهل الكوفة إلاّ من لا فضل فيه و لا غناء، فإنما عد من تخلّف عنه، ثم ذكر لي أنّ مبلغهم كان زهاء مائتي ألف و أكثر، فقلت لمحمد بن الحسين: إن أحمد بن عبيد اللّه بن عمار روى لنا، عن محمد بن داود بن الجراح، عن محمد بن أبي خيثمة، عن يحيى بن عبد الحميد الحماني، قال:

رأيت أبا بكر و عثمان‏ (1) ابني شيبة و قد خرجا مع أبي السرايا و على أحدهما عمامة صفراء و الآخر حمراء، و قالا: يتأسى بنا الناس. فقال: لم يكونا في ذلك الوقت بهذا المحل، و قد بايع لمحمد بن إبراهيم الأكابر ممن حدث عنه ابنا أبي شيبة (2) مثل يحيى بن آدم‏ (3) فإنه بايعه فجعل محمد يشترط عليه و يحيى يقول: ما استطعت ما استطعت، و يقول له محمد: هذا قد استثناه لك القرآن إن اللّه تعالى يقول: فَاتَّقُوا اَللََّهَ مَا اِسْتَطَعْتُمْ (4) .

____________

(1) هو أبو الحسن عثمان بن محمد بن إبراهيم بن عثمان العبسي، المعروف بابن أبي شيبة، كان من ثقاة أهل الكوفة، رحل إلى مكة و الري ثم نزل بغداد و حدث بها، و توفي سنة تسع و ثلاثين و مائتين راجع تاريخ بغداد 11/283-288 و خلاصة تذهيب الكمال ص 122.

(2) حدث عثمان عن شريك بن عبد اللّه، و أبي الأحوص و سفيان بن عيينة، و جرير بن عبد الحميد، و هشيم و عمرو بن عبيد، و عبيد اللّه الأشجعي، و عبد اللّه ابن إدريس، و حميد بن عبد الرحمن كما في تاريخ بغداد 11/284.

(3) هو يحيى بن آدم بن سليمان الأموي مولاهم، أبو زكريا الكوفي. قال ابن سعد: مات سنة ثلاث و مائتين، كما في خلاصة تذهيب الكمال 361.

(4) سورة التغابن 16.

448

ثم حدثني الأشناني، عن أحمد بن حازم الغفاري، أن مخول بن إبراهيم خرج معه أيضا، و ذكر جماعة منهم عاصم بن عامر، و عامر بن كثير السرّاج، و أبو نعيم الفضل بن دكين‏ (1) و عبد ربه بن علقمة، و يحيى بن الحسن بن الفرات الفزار، و نظراء هؤلاء.

حدثني أبو أحمد بن محمد بن سعيد، قال: حدثنا محمد بن المنصور، قال:

حدثني الحسين بن علي بن أخي ليث، و موسى بن أحمد القطواني:

أنه حضر يحيى بن آدم يبايع محمد بن إبراهيم، و ذكر مثل حديث الأشناني.

[حدثني أحمد بن سعيد، قال: حدثني الحسين بن القاسم، قال: حدثني جعفر بن هذيل، قال: سمعت بن نمير يقول، و كان قد فاته أكثر كتب أبي معاوية عن الأعمش، قال:

لما قدم يحيى بن عيسى جعلت أكتب عنه حديث الأعمش الحمد للّه الذي كفاني مؤنة أبي معاوية ذلك المرح أتبدل به من يحيى بن عيسى فما مكثنا إلاّ يسيرا حتى خرج أبو السرايا، فخرج معه يحيى بن عيسى، فقلت: إنا للّه فررت من ذلك و وقعت مع هذا] (2) .

حدثني أحمد بن محمد بن سعيد، قال: حدثنا محمد بن المنصور، قال:

سمعت مصفى بن عاصم يقول: سمعت أبا السرايا يقول:

ما دخلت في معصية اللّه جلّ و عزّ من الفواحش قط.

قال: و سمعته يقول: ما هبت أحدا قط هيبتي محمد بن إبراهيم.

حدثني أبو عبيد الصيرفي، قال: حدثني أبي، قال:

رأيت أبا السرايا يؤتى بمكّوكي‏ (3) شعير فيطرح أحدهما بين يديه، و الآخر بين يدي فرسه فيستوفي الشعير قبل فرسه.

حدثني محمد بن الحسين الأشناني، قال: حدثني إبراهيم بن سليمان المقرئ، قال:

كنت واقفا مع أبي السرايا على القنطرة، و محمد بن محمد بصحراء أثير،

____________

(1) تذكرة الحفاظ 1/338.

(2) الزيادة هكذا من الخطية.

(3) في القاموس «المكوك: مكيال يسع صاعا و نصفا» .

449

فجاءه رجل دسه هرثمة فقال له: إن المسوّدة قد دخلت من جانب الجسر، و أخذ محمد بن محمد و إنما أراد أن بنتحي أبو السرايا عن موضعه، فلما سمع ذلك وجّه فرسه نحو صحراء أثير، و أقبل هرثمة حتى دخل الكوفة، و بلغ إلى موضع يعرف بدار الحسن، و صار أبو السرايا إلى الموضع فوجد محمدا قائما على المنبر يخطب، فعلم أنها حيلة، فكر راجعا و معه رجل يقال له مسافر الطائي، و كان من بني شيبان إلاّ أنه نزل في قبائل طي فنسب إليهم، فحمل على المسودة فهزمهم حتى ردهم إلى موقفهم.

و جاءه رجل فقال: إن جماعة منهم قد كمنوا لك في خرابة ها هنا. فقال:

أرينهم، فأراه الخرابة، فدخل إليهم فأقام طويلا ثم خرج يمسح سيفه و ينفض علق الدم عن نفسه، و مضى لوجهه نحو هرثمة، فدخلت فإذا القوم صرعى و خيلهم يثب بعضها على بعض، فعددتهم فإذا هم مائة رجل، أو مائة رجل إلاّ رجلا.

حدثني أحمد بن سعيد، قال: حدثنى محمد بن المنصور، قال:

سمعت القاسم بن إبراهيم و نحن في منزل للحسينيين يقال له الورينة، يقول:

انتهى إليّ نعي أخي محمد و أنا بالمغرب، فتنحبت فأرقت من عيني سجلا أو سجلين، ثم رثيته بقصيدة، على أنه كان يقول بشي‏ء من التشبيه، قال: ثم قرأها عليّ من رقعة، فكتبتها، و هي هذه:

يا دار دار غرور لا وفاء لها # حيث الحوادث بالمكروه تستبق

أبرحت أهلك من كدّ و من أسف # بمشرع شربه التصدير و الرّنق‏ (1)

فإن يكن فيك للآذان مستمع # يصبى و مرأى تسامى نحوه الحدق

فأيّ عشك إلاّ و هو منتقل # و أي شملك إلاّ و هو مفترق‏ (2)

من سرّه أن يرى الدنيا معطّلة # بعين من لم يخنه الخدع و الملق

فليأت دارا جفاها الأنس موحشة # مأهولة حشوها الأشلاء و الخرق

قل للقبور إذا ما جئت زائرها # و هل يزار تراب البلقع الخلق؟

____________

(1) و في الخطية «شربه التصريف» .

(2) في ط و ق «و أي ممسك إلاّ سوف» .

450

ما ذا تضمّنت يا ذا اللحد من ملك # لم يحمه منك عقيان و لا ورق

بل أيّها النّازح المرموس يصحبه # وجد و يصحبه التّرجيع و الحرق

يهدى لدار البلى عن غير مقلية # قد خطّ في عرصة منها له نفق

و بات فردا و بطن الأرض مضجعه # و من ثراها له ثوب و مرتفق

نائي المحل بعيد الأنس أسلمه # برّ الشفيق فحبل الوصل منخرق

قد أعقب الوصل منك اليأس فانقطعت # منك القرائن و الأسباب و العلق

يا شخص من لو تكون الأرض فديته # ما ضاق منّي بها ذرع و لا خلق

بينا أرجيّك تأميلا و أشفق أن # يغبّر منك جبين واضح يقق

أصبحت يحثى عليك الترب في جدث # حتى عليك بما يحثى به طبق

إن فجّعتني بك الأيام مسرعة # فقلّ منّي عليك الحزن و الأرق

فأيّما حدث تخشى غوائله # من بعد هلكك يعنيني به الشفق‏ (1)

قال أبو الفرج:

و أخبرنا أحمد بن سعيد، عن محمد بن منصور، قال: سمعت القاسم بن إبراهيم يقول:

أعرف رجلا دعا اللّه في ليلة و هو في بيت فقال: اللهم إني أسألك بالاسم الذي دعاك به‏[صاحب‏] (2) سليمان فجاءه السرير فتهدل البيت عليه رطبا.

قال: و سمعت القاسم يقول:

أعرف رجلا دعا اللّه فقال: اللهم إني أسألك بالاسم الذي من دعاك به أجبته، و هو في ظلمة، فامتلأ البيت نورا.

قال محمد: عنى به نفسه.

و قد كان القاسم بن إبراهيم أراد الخروج و اجتمع له أمره فسمع في عسكره صوت طنبور فقال: لا يصلح هؤلاء القوم أبدا، و هرب و تركهم.

قال أبو الفرج علي بن الحسين الأصبهاني:

و فيما كتب به إليّ علي بن أحمد العجلي، قال: أخبرنا يحيى بن عبد الرحمن،

____________

(1) كذا في الخطية و في ط و ق «تغشيني» .

(2) الزيادة من الخطية.

451

قال: قال الهيثم بن عبد اللّه الخثعمي يرثي أبا السرايا، و ذكرها ابن عمار و وصف أنه لا يعرف قائلها:

و سل عن الظاعنين ما فعلوا # و أين بعد ارتحالهم نزلوا

يا ليت شعري و الليت عصمة من # يأمل ما حال دونه الأجل

أين استقرت نوى الأحبة أم # هل يرتجى للأحبة القفل

ركب ألحت يد الزّمان على # إزعاجهم في البلاد فانتقلوا

بني البشير النذير الطاهر الطّهر الّ # ذي أقرت بفضله الرسل

خانهم الدهر بعد عزهم # و الدهر بالناس خائن ختل‏ (1)

بانوا فظلت عيون شيعتهم # عليهم لا تزال تنهمل

و استبدلوا بعدهم عدوّهم # بئس لعمري بالمبدل البدل

يا عسكرا ما أقلّ ناصره # لم تشفه من عدوه الدّول

فبكّهم بالدماء إن نفد الدّمـ # ع فقد خان فيهم الأمل

لا تبك من بعدهم على أحد # فكلّ خطب سواهم جلل

أخوهم يفتدي صفوفهم # زحفا إليهم و ما بها خلل‏ (2)

في فيلق يملأ الفضاء به # كأنما فيه عارض و بل

رماهم الشيخ من كنانته # و الشيخ لا عاجز و لا وكل

بالخيل تردى و هنّ ساهمة # تحت رجال كأنها الإبل

و السّابقات الجياد فوقهم # و البيض و البيض و القنا الذبل

و الرّجل يمشون في أظلّتها # كما تمشّى المصاعب البزل

و اليزنيّات في أكفّهم # كأنّما في رءوسهما الشعل

حتى إذا ما التقوا على قدر # و القوم في هوّة لهم زجل

شدوا على عترة الرسول و لم # تثنيهم رهبة و لا وهل‏ (3)

فما رعوا حقّه و حرمته # و لا استرابوا في نفس من قتلوا

و اللّه أملى لهم و أمهلهم # و اللّه في أمره له مهل‏

____________

(1) في ط و ق «خائن خيل» .

(2) في ط و ق «أخوهم يعتدي صفولهم» .

(3) في ط و ق «يثبتهم رهبة» .

452

بل أيها الراكب المخبر أو النا # عي ابن لي لأمّك الهبل

ما فعل الفارس المحامي إذا ما الـ # حرب فرّت أنيابها العصل‏ (1)

أأنت أبصرته على شرف # للّه عيناك أيها الرجل

من فوق جذع أناف شائلة # ترمي إليها بلحظها المقل

إن كنت أبصرته كذاك فما # أسلمه ضعفه و لا الفشل

و لو تراه عليه شكته # و الموت دان و الحرب تشتعل

في موطن و الحتوف مشرعة # فيها قسيّ المنون تنتضل

و القوم منهم مضرّج بدم # و موثق أسره و منجدل

و فائظ نفسه و ذو رمق # يطمع فيه الضباع و الحجل

في صدره كالوجار من يده # يغيب فيها السنان و الفتل

يميل منها و الموت يحفزه # كما يميل المرنّح الثّمل

في كفه عضبة مضاربها # و ذابل كالرّشاء معتدل

لخلت أنّ القضاء من يده # و للمنايا من كفّه رسل

يا ربّ يوم حمى فوارسه # و هوّ لا مرهق و لا عجل

كأنه آمن منيّته # في الرّوع لما تشاجر الأسل

في موطن لا يقال عاثره # يغصّ فيه بريقه البطل

أبا السّرايا نفسي مفجّعة # عليك و العين دمعها خضل

من كان يغضي عليك مصطبرا # فإن صبري عليك مختزل

هلاّ وقاك الرّدى الجبان إذا # ضاقت عليه بنفسه الحيل

أم كيف لم تخشك المنون و لم # يرهبك إذ حان يومك الأجل

فاذهب حميدا فكل ذي أجل # يموت يوما إذا انقضى الأجل

الموت مبسوطة حبائله # و الناس ناج منهم و محتبل

من تعتلقه تفت به أبدا # و من نجا يومه فلا يئل‏ (2)

____________

(1) في ط و ق «قرت أنيابها» .

(2) فلا يئل: أي فلا يخلص، جاء في تاج العروس: «و في حديث علي رضي اللّه عنه أن درعه كانت صدرا بلا ظهر، فقيل له: لو احترزت من ظهرك، فقال: إذا أمكنت من ظهري فلا و ألت، أي لا نجوت» .

453

هذا آخر خبر أبي السرايا (1) رحمه اللّه.

54-عبد اللّه بن جعفر بن إبراهيم‏

و عبد اللّه بن جعفر بن إبراهيم بن جعفر بن الحسن [ابن الحسن‏] (2) بن علي بن أبي طالب عليه السلام و أمه آمنة بنت عبيد اللّه‏ (3) بن الحسين بن علي‏[بن الحسين‏].

و كان خرج أيام المأمون إلى فارس، فقتله قوم من الخوارج في طريقه.

55-علي بن موسى بن جعفر

و الرضا علي بن موسى بن جعفر (4) بن محمد بن علي بن الحسين ابن علي بن أبي طالب عليهم السلام و يكنى أبا الحسن‏[و قيل: يكنى أبا بكر].

و أمه أم ولد (5) .

قال أبو الفرج:

حدثني الحسن بن علي الخفاف، قال: حدثنا عيسى بن مهران، قال: حدثنا أبو الصلت الهروي‏ (6) ، قال:

سألني المأمون يوما عن مسألةفقلت: قال فيها أبو بكر كذا و كذا.

____________

(1) راجع الطبري 10/245.

(2) الزيادة من الخطية.

(3) في الخطية «بنت عبد اللّه» .

(4) الطبري 10/243-244 و 250 و ابن الأثير 6/120، 130 و مروج الذهب 2/235 و التنبيه و الإشراف 302 و تاريخ الخلفاء 205 و الفخري 196-198 و مناقب الأئمة 387 و ابن خلكان 1/321 و الإرشاد 277-289 و عيون أخبار الرضا (مخطوط) .

(5) يقال لها: أم البنين كما في الإرشاد 278.

(6) هو عبد السلام بن صالح بن سليمان العبشمي مولاهم روى عن حماد بن زيد و مالك و روى عنه محمد بن رافع، و أحمد بن سيار و قال: رأيته يقدم أبا بكر و عمر قيل: توفي سنة ست و ثلاثين و مائتين. راجع خلاصة تذهيب الكمال 201.

454

فقال: من‏[هو]أبو بكر؟أبو بكرنا أو أبو بكر العامة؟.

قلت: أبو بكرنا.

قال عيسى: قلت لأبي الصلت: من أبو بكركم؟فقال: علي بن موسى الرضا، كان يكنى بها، و أمه أم ولد.

كان المأمون عقد له على العهد من بعده، ثم دس إليه فيما ذكر بعد ذلك سما فمات منه.

ذكر الخبر في ذلك‏

أخبرني ببعضه علي بن الحسين بن علي بن حمزة، عن عمه محمد بن علي بن حمزة العلوي. و أخبرني بأشياء (1) منه أحمد بن محمد بن سعيد، قال: حدثنا يحيى بن الحسن العلوي، و جمعت أخبارهم:

أن المأمون وجه إلى جماعة من آل أبي طالب‏فحملهم إليه من المدينة، و فيهم علي بن موسى الرضا، فأخذ بهم على طريق البصرة حتى جاءوه بهم، و كان المتولي لإشخاصهم المعروف بالجلودي من أهل خراسان، فقدم بهم على المأمون فأنزلهم دارا، و أنزل علي بن موسى الرضا دارا (2) .

و وجه إلى الفضل بن سهل فأعلمه أنه يريد العقد له، و أمره بالاجتماع مع أخيه الحسن بن سهل على ذلك، ففعل و اجتمعا بحضرته، فجعل الحسن يعظم ذلك عليه، و يعرفه ما في إخراج الأمر من أهله عليه.

فقال له‏ (3) : إني عاهدت اللّه أن أخرجها إلى أفضل آل أبي طالب إن ظفرت بالمخلوع، و ما أعلم أحدا أفضل من هذا الرجل.

فاجتمعا معه على ما أراد، فأرسلهما إلى علي بن موسى فعرضا ذلك عليه فأبى، فلم يزالا به و هو يأبى ذلك و يمتنع منه، إلى أن قال له أحدهما: إن فعلت و إلاّ فعلنا بك و صنعنا، و تهدده، ثم قال له أحدهما: و اللّه أمرني بضرب عنقك إذا خالفت ما يريد.

____________

(1) الإرشاد ص 282.

(2) راجع ما دار بينه و بين المأمون في الإرشاد ص 283.

(3) الإرشاد 284.