الفردوس الأعلى

- الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء المزيد...
351 /
57

أو ميكروبات-بأي لسان شئت فعبّر-تصير بتغسيل الميت الذي بالغ الشارع فيه و حرّض الناس عليه، و أوجبه بمزج السدر و الكافور مع الماء ثلاث دفعات، و في أحاديث أهل السنة اعتبار خمس دفعات، مضمحلة و متلاشية و تزول تلك المواد و جراثيم الفساد، و عند ذلك فلا مضرة في المس أصلا.

و ليعلم أنا بهذه الاعتبارات و المناسبات لا نقدر على جعل حكم أو إنشاء أحكام واقعية، و لكن بعد أن جاء الحكم من قبل الشارع بدليل معتبر يكون واجب الاتباع، و حينئذ يمكن التعليل و بيان الحكم و المصالح و لو احتمالا بهذه الاعتبارات و لو لرفع الاستبعاد و كسر سورة الأشخاص المدعين بأنّ هذا حكم مخالف لضرورة العقل، مع أن بعد بيان تلك الشواهد و التقريبات يمكن للإنسان الجزم بحكمة هذا الحكم، و أنها عبارة عن هذه الاعتبارات و الجهات التي ذكرنا، أو ما يقرب منها.

و حقا أقول: إنّه كلما ازداد الإنسان رقيا في عقله، و تقدما في معرفته، و كان عميق الفكر، و حاد النظر، رأى دلائل باهرة، و شاهد معاجز واضحة للعترة الطاهرة عليهم السّلام، و لمذهب الإمامية ما يعبر عنه بمعجزات العلم، و هذه المعجزة من أسمى مراتب المعاجز و أوضحها و أعلاها، بل أجلى ألف مرة من معجزة شقّ القمر، و تسبيح الحصى و حنين الجذع، و ما نحن فيه من جملة تلك المعجزات العلمية.

و إنا و إن أسهبنا في الجواب و لكن المقام كان يقتضي ذلك، بل أزيد من هذا، و اختصرنا المقال بالنسبة إلى المقام، فصلوات اللّه و سلامه عليهم، و له الحمد و المنّة على ما منّ به علينا من معرفتهم و التمسك بولايتهم و الاقتباس من أنوارهم، و السلام على كافة إخواننا المؤمنين و رحمة اللّه و بركاته.

في: 9-ج 2-1339 ه

58

السؤال الثاني:

إلى سماحة الإمام حجة الإسلام أدام اللّه ظلكم العالي:

هل يوجد دليل على استحباب أو جواز لطم الصدور في عزاء أبي عبد اللّه الحسين أرواحنا فداه، أو لا؟فإنّ بعض من ليسوا من أهل نحلتنا ينكرون الجواز، و بعض آخر يقولون إنا نستكشف الجواز من لطم الفاطميات. فتفضلوا ببيان الجواب و لو على نحو الإجمال.

الجواب:

مسألة لطم الصدور و نحو ذلك من الكيفيات المتداولة في هذه الأزمنة، كالضرب بالسلاسل و السيوف و أمثال ذلك، إن أردنا أن نتكلم فيها على حسب ما تقتضيه القواعد الفقهية و الصناعة المقررة لاستنباط الأحكام الشرعية فلا تساعدنا إلاّ على الحرمة، و لا يمكننا إلاّ الفتوى بالمنع و التحريم؛ فإنه لا مخصص للعمومات الأولية و القواعد الكلية من حرمة الإضرار و إيذاء النفس و إلقائها في التهلكة، و لا دليل لنا يخرجها عنها في المقام، و لكن الذي ينبغي أن يقال بالقول الصريح: إنّ من قطعيات المذهب الإمامي، و من مسلّمات هذه الفرقة الحقة الاثنا عشرية، أنّ فاجعة الطف و الواقعة الحسينية الكبرى واقعة عظيمة، و نهضة دينية عجيبة، و الحسين عليه السّلام رحمة اللّه الواسعة، و باب نجاة الأمة، و وسيلة الوسائل، و الشفيع الذي لا يرد، و باب الرحمة الذي لا يسد (1) .

____________

(1) -و قد خدم عليه السّلام الدين بنهضته المقدسة، و أحيا التوحيد في العالم بتلك التضحية العظيمة،

59

و إني أقول: إنّ حق الأمر و حقيقة هذه المسألة إنما هو عند اللّه جل و علا، و لكن هذه الأعمال و الأفعال إن صدرت من المكلف بطريق العشق الحسيني و المحبة و الوله لأبي عبد اللّه على نحو الحقيقة و الطريقة المستقيمة، و انبعثت من احتراق الفؤاد و اشتعال النيران، نيران الأحزان في الأكباد بمصاب هذا المظلوم ريحانة الرسول صلّى اللّه عليه و آله، المصاب بتلك الرزية، بحيث تكون خالية و مبرأة من جميع الشوائب و التظاهرات و الأغراض النفسانية، فلا يبعد أن يكون جائزا، بل يكون حينئذ من القربات و أجلّ العبادات.

و على هذا يحمل ما صدر من الأعمال و نظائر هذه الأفعال من أهل بيت العصمة و الطهارة عليهم السّلام، مثل ما نقل عن العقيلة الكبرى، و الصديقة الصغرى

____________

قو لو لا شهادته لم تقم للإسلام قائمة؛ فإنّ الأحقاد القديمة من بني أمية و تلك الضغائن الخبيثة من تلك الشجرة الملعونة نهضت على محو الدين الإسلامي الذي ظهر من أسرة عريقة بالمجد و الشرف، أعني البيت الهاشمي البازغ منهم شمس الرسالة و النبوة، فلو أرخينا عنان القلم نحو الوجهة التاريخية و ما كان للأمويين من النيات الممقوتة في هدم الإسلام لخرجنا عن الغرض المقصود في هذه الرسالة و هي ترجمة الكلمات المترشحة من قلم سماحة الإمام دام ظله.

و لكن أستطيع أن أقول أيها القارئ العزيز على الإجمال: إنّ بني أمية سلكوا في سياستهم الغاشمة في هدم الإسلام و نسفه المسلك و الشرعة التي علمها لهم رئيسهم و رئيس المنافقين و الزنادقة أبو سفيان، في تلقينه لهم تعاليمه الجاهلية و نزعاته الأموية حين دخل على عثمان بعد أن ولي الخلافة و خاطبهم بكلامه المعلن بكفره و نفاقه و قال: «يا بني أمية تلقفوها تلقّف الكرة، و الذي يحلف به أبو سفيان ما زلت أرجوها لكم، و لتصيرنّ إلى صبيانكم وراثة» ، و قال لعثمان: أدرها كالكرة، و اجعل أوتادها بني أمية، فإنما هو الملك و لا أدري ما من جنة و لا نار. و أتى قبر حمزة سيد الشهداء رضى اللّه عنه فركله برجله، ثمّ قال: يا حمزة إنّ الأمر الذي كنت تقاتلنا عليه بالأمس قد ملكناه اليوم، و كنّا أحق به من تيم و عدي.

القاضي الطباطبائي‏

60

زينب سلام اللّه عليها من «أنها نطحت جبينها بمقدّم المحمل حتى سال الدم من تحت قناعها» (1) . و مثل ما ورد في زيارة الناحية المقدسة في وصف مخدّرات

____________

(1) -البحار، للعلامة المجلسي: ج 10/ص 220، طبع أمين الضرب باختلاف يسير في العبارة، و يكفي في الاعتماد بهذا الخبر نقل المجلسي له عن بعض الكتب المعتبرة، و لهذا اعتمد سماحة شيخنا الإمام-دام ظله-عليه أيضا في المقام، فدع عنك ما يظهر من كلمات بعض من يدعي التتبع من المناقشة في هذا الخبر، فإنها مناقشة واهية لا وجه لها سوى الاستبعاد المحض الذي لا يعبأ به بعد ما عرفت من كلام سماحة الإمام-دام ظله-الوجه في فعل الصديقة الصغرى زينب سلام اللّه عليها.

و زينب الكبرى هي عقيلة بني هاشم، و هي الصديقة الصغرى، عالمة أهل البيت عليهم السّلام، و كريمة أمير المؤمنين عليه السّلام، و أمها الصديقة الكبرى سيدة نساء العالمين، و هي شريكة الحسين عليه السّلام في إبادة كبرياء الظالمين و إطفاء نائرة سلطتهم الجائرة، و لولاها لانقرضت سلالة العترة الطاهرة، و هي وحيدة عصرها في الصبر و الثبات و قوة الإيمان و التقوى و العفاف، و في الفصاحة كأنها تفرغ عن لسان أمير المؤمنين عليه السّلام، و أوصى أخيه إليها بجملة من وصاياه، و أنابها السجاد عليه السّلام نيابة خاصة في بيان الأحكام، و كان ما يخرج عن علي بن الحسين عليه السّلام من علم ينسب إلى زينب عليها السّلام تسترا على الإمام السجاد عليه السّلام.

و ذكرها علماء الرجال من الفريقين في كتبهم، و أفرد بعضهم في حقها مؤلفا خاصا ككتاب «السيدة زينب» ، و كتاب «زينب الكبرى» للعلامة النقدي رحمه اللّه، و كتاب «الطراز المذهب» بالفارسية لولد صاحب ناسخ التواريخ، و قد خلط مؤلفه فيه الصحيح بالسقيم، و لا ينبغي الاعتماد عليه من غير تثبّت و تحقيق. و صنّفت الدكتورة بنت الشاطئ كتاب «بطلة كربلاء زينب بنت الزهراء» و هو عدد 11 لسنة 1371 هـ من كتب الهلال التي هي سلسلة شهرية تصدر عن دار الهلال بالقاهرة، و كتاب «زينب عقيلة بني هاشم» ، و غير ذلك من المؤلفات الخاصة في حق هذه العقيلة التي هي في المقدمة بين الأتقياء المجاهدين و الطيبات و الطيبين من آل البيت النبوي الذين ضحّوا في سبيل الحق و العدالة و إصلاح زيغ البشرية، و احتملوا من المآسي ما كان له أثره الخالد و وقعه العظيم في التاريخ الإسلامي.

و في مدفنها و تأريخ وفاتها آراء و أقوال شتى لم أهتد إلى تحقيقها و التحري الدقيق فيها كي‏

61

أهل البيت سلام اللّه عليهم «للشعور ناشرات و للخدود لاطمات» ، و لكن هذا المعنى الذي أشرنا إليه لا يتيسّر لكل أحد، و ليس شرعة لكل وارد، و لا مطمع لكل طامع، و لا يحصل بمحض الادعاء و التخيل؛ فإنّه مرتبة عالية و محل رفيع و مقام شامخ منيع، و أغلب الأشخاص الذين يرتكبون هذه الأمور و الكيفيات لا يأتون بها إلاّ من باب التظاهر و المراءات و التحامل و المداجاة.

مع أنّ هذا المعنى بغير القصد الصحيح و النية الصادقة لا يخلو من إشكال، بل حرام، و حرمته تتضاعف لبعض الجهات و العوارض الحالية و الطواري

____________

قتطمئن النفس بإحداها؛ لقلة المصادر؛ و لأسباب أخرى. قيل: إنها ولدت في حياة النبي صلّى اللّه عليه و آله من غير ذكر سنة الولادة كما في الإصابة و غيرها، و قيل: ولدت في الخامس من جمادى الأولى في السنة الخامسة للهجرة، و هو الراجح في نظري، و قيل: في السنة السادسة، و قيل: في الرابعة، و توفيت نحو سنة 65 هـ كما ذهب إليه الزركلي في الأعلام: ج 1/ص 351، و عمر رضا كحالة في أعلام النساء: ج 1/ص 508، و في الأخير أنها دفنت بمصر، و إليه ذهب جمع من علماء أهل السنة، و ذهب العلامة الشهرستاني في نهضة الحسين عليه السّلام إلى أنها توفيت في نصف رجب سنة 65 هـ، و قيل: إنها لم تمكث بعد أخيها إلاّ يسيرا، و توفيت بعد ورودها المدينة بثمانين يوما، و أن قبرها بها، كما في تنقيح المقال: ج 3 /فصل النساء ص 80، و استظهر صاحب كتاب أعيان الشيعة: ج 33/ص 207-210 ط. بيروت أيضا أن قبرها بالمدينة، و قيل: إنها توفيت في النصف من رجب سنة 62 هـ بمصر كما ذهب إليه العبيدلي في رسالة «الزينبات» المنسوبة إليه، و قيل: إنها توفيت في إحدى قرى الشام و دفنت بها، و هذا القول بعيد عن الصواب؛ فإن الألسن تلهج في سبب ذلك بحديث (حديث المجاعة و مجي‏ء عبد اللّه بن جعفر مع زينب عليها السّلام إلى الشام) لا أثر له في صفحات التاريخ و السير، و ما ذكره العبيدلي من تاريخ وفاتها و مدفنها بمصر بعيد أيضا للقرائن التي لا يسعنا المجال و لا المقام لذكرها، و الحق أنّ لهذه السيدة شباهة تامة لأمها الصديقة الطاهرة عليها السّلام في اختفاء قبرها و مدفنها، سلام اللّه عليهما.

القاضي الطباطبائي‏

غ

62

المقامية، و أحسن الأعمال و أنزهها في ذكرى الحسين السبط صلوات اللّه عليه هو النياحة و الندبة و البكاء لريحانة الرسول صلّى اللّه عليه و آله، و المظلوم الموتور، و السلام عليه و الزيارة له، و اللعن على أعدائه، و التبرّي من ظالميه و المشاركين في دمه و قاتليه، و الراضين بقتله، صلوات اللّه عليه و على آبائه الطاهرين، و أولاده الميامين المنتجبين.

السؤال الثالث:

حضرة المجتهد الأكبر متّعنا اللّه و المؤمنين بطول بقائكم:

هل يكفي في زيارة عاشوراء قراءة كل من السلام و اللعن مرة واحدة بدلا عن مائة مرة، كما يرى ذلك العلامة الميرزا حسين النوري قدّس سرّه‏ (1) ، أم لا؟ فالمرجو من سماحتكم أن تتفضلوا ببيان الجواب مشفوعا بالدليل.

الجواب:

لا بدّ و أن يعلم أنّ أكثر المستحبات المركبة غير ارتباطية، بمعنى أنّ ثواب بعض أجزائها و صحّتها غير موقوفة على صحة و ثواب الباقي، بل كثير منها من باب المستحب في المستحب، كما أن القنوت في الصلاة مستحب، و دعاء الفرج أيضا في القنوت مستحب آخر.

فإن قلنا: إنّ زيارة عاشوراء من هذا القبيل، فيمكن الاكتفاء بلعن واحد و سلام واحد، و لكن هذا المعنى من مساق الأدلة و الأخبار بعيد في الغاية، بل

____________

(1) -هو العلامة المحدث المتبحر الحاج ميرزا حسين بن محمد تقي النوري الطبري، صاحب مستدرك الوسائل، المتوفى (1320) هـ.

63

زيارة عاشوراء نظير صلاة جعفر الطيار، و التسبيحات الأربع المعتبرة فيها بعدد ستين و ثلاثمائة تسبيحة على الترتيب المعروف، فإن نقص عدد واحد منها في هذه الصلاة المخصوصة التي لها آثارها الخاصة فكأنه لم يأت المكلف بتلك الصلاة.

و هكذا في زيارة عاشوراء الواردة برواية سيف بن عميرة، و رواية صفوان الجمال، بالكيفيات المعهودة و الآثار المخصوصة، فإن تركت تكبيرة واحدة من تكبيراتها فضلا عن اللعن و السلام كل واحد منهما مائة مرة يكون هذا العمل باطلا، نعم لا يحرم المكلف ثواب مطلق زيارة سيد الشهداء سلام اللّه عليه، بل يحسب من زائريه بلا شك.

و يمكن لنا استفادة مطلب آخر من هذه الأخبار، و هو أنّ الزائر إن كان له شغل أو عذر و لا سيما الشغل الذي هو مستحب مؤكّد عند الشارع المقدس مثل عيادة المؤمن و تشييع جنازته، أو قضاء حوائج إخوانه في الدين و نظائر ذلك فيمكن له أن يكتفي بلعن واحد و سلام واحد، بمعنى أنّ له الشروع باللعن و إتمامه و لو حال المشي في الطريق أو في مجلس آخر؛ فإنّ الأمر إذا دار بين فوات الأجزاء أو الشرائط فمراعاة الإتيان بالأجزاء أولى و أهم.

و الظاهر أنّ شيخ مشايخنا المحقق الأنصاري قدّس سرّه‏ (1) تعرّض لهذا المطلب في فرائده في رسالة أصل البراءة، و يمكن أن نتوسّع في هذا المعنى حتى بالنسبة

____________

(1) -هو الإمام آية اللّه الشيخ مرتضى بن محمد أمين الأنصاري التستري النجفي، المؤسس في أصول الفقه، و إليه انتهت رئاسة الإمامية، و عكف على مصنفاته و آرائه و نظرياته البديعة في أصول الفقه كل من نشأ بعده إلى اليوم، ولد في (1214) هـ، و توفي سنة (1281) هـ.

القاضي الطباطبائي‏

64

إلى الصلوات المستحبة كصلاة جعفر و غيرها، بمعنى أنه إن عرض شغل مهم للمكلف أمكن له أن يصلي تلك الصلاة حيثما أراد أربع ركعات متعارفة بنيّة صلاة جعفر و بقصدها، و بعد إتمامها يسبّح ستّين و ثلاثمائة تسبيحة (1) ، فإن لم يتكلم في الأثناء كان أحسن و أولى.

و أما في زيارة عاشوراء فإن اكتفى بلعن واحد و سلام واحد فينبغي إتمام العمل حتى السجدة الأخيرة، و بعد ذلك يتمّ اللعن و السلام مائة مرة إلى آخر العمل، و هذا النحو أيضا أحسن و أولى البتة، و اللّه العالم.

السؤال الرابع:

ظاهر الآية الشريفة في القرآن الكريم: فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَ أَيْدِيَكُمْ إِلَى اَلْمَرََافِقِ (2) يدلّ على أنّ الغسل من الأصابع إلى المرافق، فما وجه العكس، أي الغسل من المرافق إلى رءوس الأصابع؟تفضلوا ببيانه زاد اللّه تعالى في علومكم.

____________

(1) -هنا كتب-دام ظله-في أصل الكتاب كما في ترجمته في الطبعة الأولى (ثلاثمائة و ستين تسبيحة) ، ثمّ كتب بقلمه الشريف في هامش النسخة المصححة التي أرسلها إلينا ما يلي:

كتبنا (ثلاثمائة و ستين تسبيحة) يعني بزيادة ستين؛ نظرا إلى وقوع العدد خارج الصلاة، فلا يكون تغييرا لكيفية الصلاة الواردة بالنص، و تكون الزيادة ذكرا مستحبا في نفسه، و ذكر اللّه حسن في كل حال، و يطابق عدد أيام السنة لكل يوم تسبيحة؛ و جبرا لفوات التسبيح في داخل الصلاة، فأنت أيها العامل مخير بين الثلاثمائة و الثلاثمائة و ستين إذا اضطررت إلى الذكر خارج الصلاة، و باللّه المستعان. (منه دام ظله) .

القاضي الطباطبائي‏

(2) -سورة المائدة، الآية 6.

65

الجواب:

المتحصّل و المستفاد من هذه الآية الشريفة هو أنه لا بدّ من غسل الوجه و الأيدي، و مسح الرأس و الأرجل في الوضوء، و لما كان عند الشارع المقدّس يكفي في خصوص الرأس مسمّى المسح بمقدار من مقدّم الرأس، كما يدل على ذلك دخول باء التبعيض في قوله تعالى: بِرُؤُسِكُمْ ليفيد هذا المعنى، و أما باقي الأعضاء فلما كان غسلها أو مسحها بأجمعها مما لا بد منه فلم يدخل الباء عليها، و لكن لا بد من بيان حدودها:

أما حدود الوجه فهي معلومة، و لا يطلق عند العرف على المعاني المختلفة، فإنّ المعلوم عند عموم الناس أنّ الوجه هو ما يواجه به في مجلس التخاطب، و يشاهد حين التقابل، و حدّه منتهى شعر الرأس من طرف الجبين إلى آخر الذقن.

و أما الأيدي و الأرجل فلما كانت حدودهما مشتبهة و لها إطلاقات كثيرة عند العرف، فتارة يراد من اليد عندهم خصوص الكف التي هي عبارة عن الأصابع إلى الزند، و تارة أخرى تطلق إلى المرفق، و ثالثة إلى الكتف، كان من اللازم تعيين المراد من اليد، و أنه أي معنى أراد سبحانه من هذه المعاني، فقال تبارك و تعالى: إِلَى اَلْمَرََافِقِ ، و هكذا الحال في الأرجل حيث كان لها إطلاقات كثيرة، فقال تعالى: إِلَى اَلْكَعْبَيْنِ ، فيعلم من ذلك أنّ هاتين الكلمتين في الآية الشريفة إنما هما لبيان غاية المغسول و الممسوح، و بيان حدودهما لا لبيان غاية الغسل و المسح.

و الحق أنّ الغسل و المسح في الآية الشريفة مطلقان من حيث النكس‏

66

و غير النكس، أما بطلان الوضوء بالنكس فهو مستفاد من الأخبار لا من الآية.

و ما ذكرناه في المقام هو تحقيق أنيق في فهم المراد من الآية الشريفة، و اللّه الموفق، و به المستعان.

السؤال الخامس:

إلى سماحة حجة الإسلام-أدام اللّه بركاته-:

هل يلزمنا اجتناب أهل السنة و الجماعة، مع العلم بأنهم يباشرون أهل الكتاب و المشركين بالرطوبة حتى في الأكل و الشرب، و أنهم قائلون بطهارة الدم و المني، أو لا يلزم ذلك؟و هل يجوز أكل الدم المتخلف في رقبة الحيوان إذا طبخ، أو لا، من جهة استصحاب النجاسة؟تفضلوا ببيان الدليل في المسألة، لا زلتم مرجعا للعلم و الدين.

الجواب:

اعلم أنّ كل من يشهد الشهادتين يحكم عليه شرعا بالطهارة، غير الغلاة و النواصب و الخوارج، فأهل السنة من حيث الذات في أنفسهم طاهرون ببركة الشهادتين، و أما من حيث نجاستهم العرضية بسبب ملاقاة إحدى النجاسات فلا بد من اعتبارهم متنجسين، و لا فرق في هذه الجهة بين الخاصة و العامة، و عموم المسلمين الذين هم محكومون بالطهارة، بل و جميع الأشياء التي يحكم بكونها طاهرة بالذات لا يحكم بنجاستها باحتمال التنجس، و قاعدة الطهارة حاكمة، و ليس لنا أن نخرج من هذا الأصل إلاّ بالعلم اليقيني الوجداني، أو ما يقوم مقام العلم شرعا كالبيّنة أو خبر العدل الواحد على القول به في‏

67

الموضوعات، و أما الاعتماد على العلم العادي في هذه الموارد فمشكل.

و بناء على هذا ففي كل مقام و مورد جاء احتمال الطهارة و لو كان في غاية الضعف فلا بد من البناء على الطهارة، و هذه القاعدة المباركة حاكمة، و من المعلوم أنّ الطهارة في نظر الشارع المقدس مبنيّة على التوسعة، و أما أمر النجاسة و التنجس فهو مبني على الضيق و عدم التوسّع‏ يُرِيدُ اَللََّهُ بِكُمُ اَلْيُسْرَ وَ لاََ يُرِيدُ بِكُمُ اَلْعُسْرَ (1) ، بل الغالب أنّ هذه الخيالات و التوهمات تنجرّ إلى الوساوس و المخاطر و هي الطامّة الكبرى المفسدة للدين و الدنيا.

فعلى هذا فإن رأيت بعينك أنّ العامي باشر الدم أو المني و لم يجتنب منهما، أو أنه باشر الكافر و لم يتباعد عنه ففي ذاك المجلس اجتنب عنه، و كذا إن علمت أنه في الأمس أو في مجلس قبل هذا المجلس باشر الكافر لزم الاجتناب أيضا، و ليست الغيبة في هذا المقام مطهرة؛ فإنّه يشترط فيها العلم بالنجاسة و هو ليس بقائل بنجاسة هذه الأمور المذكورة، ففي هذا الفرض يجري استصحاب النجاسة، و أما إذا علمت أنّ المباشرة إنما وقعت في وقت من الأوقات و لكن لم يعلم أنّها في أي وقت وقعت بالخصوص، ففي هذه الصورة لا يجري الاستصحاب، بل تجري قاعدة الطهارة.

فصارت النتيجة أن في كل مورد تزاحم احتمال الطهارة مع احتمال النجاسة فاحتمال الطهارة مقدّم عليه عند الشارع المقدس، و لو كان احتمال النجاسة أقوى عند العرف و العادة، أو من قرائن الأحوال، إلاّ أن يجري أصل، أو تقوم بيّنة، و مع عدمهما و عدم كون المقام موردا لهما يبنى على الطهارة، و هذا المقام من الموارد التي يحسن الاحتياط فيها، و لكن في غير موارد العسر

____________

(1) -سورة البقرة، الآية 185.

68

و الحرج.

و أما الدم المتخلّف في الرقبة أو في مطلق الذبيحة من الحيوان الطاهر بعد قذف القدر المتعارف منه فهو من الخبائث، و أكله مستقلا حرام و لو كان بعد الطبخ، و أما تبعا للّحم فيجوز أكله؛ فإنه ليس له في نظر العرف وجود مستقل، فلا يكون موردا للاستصحاب، و اللّه العالم.

السؤال السادس:

إلى سماحة حجة الإسلام-متعنا اللّه تعالى بطول بقائه-:

هل يعتبر في سهم الإمام عليه السّلام، و كذا في سائر الحقوق الشرعية إذن مطلق الحاكم الشرعي، أو هو مختص بكون المقلّد مأذونا من مجتهده و مقلّده، كما يعتقد ذلك بعض العوام، و في اعتقادهم أنه ورد في هذا الباب نصّ خاص؟

الجواب:

لا يكفي في ذلك إذن مطلق الحاكم الشرعي الجامع للشرائط، بل لا بدّ من إذن الأعلم، و الإذن المخصوص من مجتهده و مقلّده ليس بلازم، و لم يرد نصّ خاص في هذا الباب، و لكن لما كان خصوص سهم الإمام-أرواحنا فداه-من بين سائر الحقوق مبنيا على الاحتياط التام و الشديد فالأحوط على نحو التأكيد، بل لا ينبغي تركه، هو الرجوع إلى المجتهد الذي قلّده في الأحكام الشرعية إن كان أعلم، و إلاّ فعلى القول بجواز الرجوع إلى غير الأعلم يلزم الرجوع في خصوص أخذ الإذن أو التسليم إلى الأعلم، و الأحوط هو الرجوع إليهما، و إن كان الأقوى كفاية الأعلم.

69

و الحاصل: أنّ سهم الإمام-صلوات اللّه عليه-عندي أمر مهمّ‏ (1) ، و موضوع صعب في الغاية، و صرفه في الموارد التي يحصل للمجتهد القطع برضاء الإمام عليه السّلام فيها مقام متعذّر أو متعسّر، بل ردّه لكل مجتهد أيضا مشكل

____________

(1) -و لعل نظر شيخنا المجتهد الأكبر دام ظله-في كون سهم الإمام عليه السّلام أمرا مهما و موضوعا صعبا عنده-إلى أنّ لفقهاء الإمامية في زمن الغيبة خلافا شديدا، و أقوالا شتى في حكم سهم الإمام عليه السّلام، و في موارد مصرفه، تربو تلك الأقوال عن التسعة مع عدم دليل خاص في البين بحيث يوضح حكمه على نحو يوجب الوثوق و الاطمئنان به، و لهذا اختلفت الآراء و المذاهب الفقهية في هذه المسألة، و كشف رضاء الإمام عليه السّلام في الموارد الخاصة التي يصرف فيها في غاية التعذر، و لذا كان أهل الورع و التقوى من أهل العلم و الدين في الزمن الغابر في أشد الاجتناب عن صرفه في حاجاتهم المادية، و أما اليوم فينهبه كل من استولى عليه.

و من الغريب أنه تحسب عدة من الناس أنّ الشارع شرع سهم الإمام عليه السّلام و هيأه في زمن الغيبة لمئونتهم و لصرفهم في حوائجهم و معايشهم و حاجاتهم الشخصية، مع أنا نرى احتياج جمع من أسرة الإمام عليه السّلام و رهطه من بني فاطمة عليها السّلام-من الذين لا يشك في صحة انتسابهم و اتصال سلاسل نسبهم لبيت النبوة-إلى المساعدات اللازمة، و سهم الإمام عليه السّلام إنما هو من الخمس، و الخمس في الدين الإسلامي شرع لبيت الهاشمي النبوي-الإمام عليه السّلام و سائر الذرية الطيبة، و السلالة الهاشمية-و لا ينبغي لغيرهم التصرف فيه، كما لا تحل للذرية الطاهرة التصرف في الصدقات من الزكاة-أوساخ الناس-و مع احتياج الذرية فصرفه في غيرهم في غاية الصعوبة.

و لهذا ذهب جمع كثير من الفقهاء الأكابر زعماء الدين و رؤساء المذهب، كالشيخ المفيد و المحقق و العلامة و المحقق الثاني و المجلسي و الشيخ كاشف الغطاء و غيرهم-رضوان اللّه عليهم-إلى أن سهم الإمام عليه السّلام كسهم الذرية يصرف إليهم، و قال الشهيد الثاني في شرح اللمعة: «إنه المشهور بين المتأخرين» ، و قال السيد صاحب الرياض: «إنه الذي استقر عليه رأي المتأخرين كافة على الظاهر المصرّح به في المدارك» ، و صرح جمع آخر أيضا أن هذا القول هو المشهور و الموافق للاحتياط، و اللّه العالم بأحكامه.

القاضي الطباطبائي‏

70

غاية الإشكال، بل لا بد من الرجوع إلى الأعلم، و اللّه أعلم.

السؤال السابع:

إلى سماحة شيخنا الحجة-أطال اللّه بقاه-:

ما المراد من العقول العشرة؟و ما هي تلك العقول؟نرجو من ألطافكم أن تتفضلوا ببيان الجواب على نحو التصريح و التوضيح.

الجواب:

اعلم أولا أنّ المراد من العقول هي الموجودات المقدسة و الجواهر الخالصة، المنزهة من شوب المادة و المادي و الجسم و الجسماني، و معروف أنّ العقل هو الجوهر المجرد في ذاته و في فعله، و اتفق الحكماء بالأدلة و البراهين المحكمة، كقاعدة إمكان الأشرف و غيرها: أنّ العقول أول الموجودات، و مبدأ الصوادر، و وسائط الفيض.

و ذهب المشّاءون-و هم طائفة من الحكماء و رئيسهم المعلم الأول أرسطو (1) -إلى حصر العقول الكلية في العشرة، و ليس المراد الكلي المفهومي،

____________

(1) -أرسطو (322-384 ق. م) : خاتمة حكماء اليونان و سيد علمائهم، و إليه انتهت فلسفتهم، و يلقب بالمعلم الأول؛ لأنه أول من جمع علم المنطق و رتبه، و خلص صناعة البرهان من سائر الصناعات المنطقية، و صورها بالأشكال الثلاثة، و جعلها آلة للعلوم النظرية، و يسمى أتباعه بالمشائين.

و ذكروا في وجه تسميتهم: أنّ أستاذه أفلاطون الحكيم كان يدرس تلاميذه و هو ماش احتراما للفلسفة و تكريما لها، أو أنهم كانوا يمشون في ركاب أرسطو، أو أن هذا الاسم رمز

71

بل الكلي الوجودي، و يسمّونه على اصطلاح الحكماء بربّ النوع.

و بيان ذلك إجمالا: هو أنّ بحكم القاعدة المبرهنة في محلها و هي أنّ «الواحد لا يصدر عنه إلاّ الواحد» لا بد و أن يكون الصادر الأول من الواحد البسيط من جميع الجهات هو الواحد، و لما كان الحق سبحانه واحدا من جميع الجهات، و بسيطا من كل الحيثيات، فلا بد و أن يكون الصادر الأول من ذاته الأحدية العقل الأول، و الأحاديث الشريفة عند الفريقين متواترة، و في كتاب «الكافي» و غيره من الجوامع الحديثية مروية من أنّ أول ما خلق اللّه العقل فقال له: أقبل... الخ‏ (1) .

____________

قإلى المشي الفكري في تحصيل العلوم، إلى غير ذلك مما قالوا أو تخيلوا في وجه هذه التسمية، و لكن المنقول عن بعض الكتب الغربية: أنّ في سنة إحدى و ثلاثين و ثلاثمائة قبل الميلاد ورد أرسطو الحكيم اليوناني إلى بلدة «آثينة» ، و كان حول البلدة محل للتفرج يسمى «ليكيون» ، و بنى هذا الحكيم فيه مدرسة و سميت باسم المحل، و قالوا لها مدرسة «ليكيون» ، ثمّ سميت هذه المدرسة باليوناني مدرسة التفرج و التنزه، و الحكماء التابعون لآراء أرسطو كانوا ساكنين في تلك المدرسة فنسبهم الناس إليها، فقالوا: طائفة المشائين و المتفرجين، و قالوا لأرسطو و هو زعيم المدرسة: رئيس المشائين، بيد أن نقلة الكتب اليونانية إلى العربية لعدم تحريهم الصادق في تأريخ اليونانيين غفلوا عن حقيقة الأمر في وجه هذه التسمية، فتخيلوا ما هو المشهور إلى اليوم. و قد كتبنا ذلك في بعض ملاحظاتنا في مجلة «العرفان» الزاهرة ج 10-مج 39 ص 1247 ط. صيدا.

القاضي الطباطبائي‏

(1) -روى ثقة الإسلام الكليني قدّس سرّه بإسناده عن سماعة بن مهران، قال: كنت عند أبي عبد اللّه عليه السّلام و عنده جماعة من مواليه فجرى ذكر العقل و الجهل، فقال أبو عبد اللّه عليه السّلام: اعرفوا العقل و جنده، و الجهل و جنده، تهتدوا، قال سماعة: فقلت: جعلت فداك، لا نعرف إلاّ ما عرفتنا، فقال أبو عبد اللّه عليه السّلام: إن اللّه عز و جل خلق العقل و هو أول خلق من الروحانيين عن‏

72

و هذا العقل الأول عبارة عن مرتبة العقل المحمدي صلّى اللّه عليه و آله، و لهذه الجهة قال صلّى اللّه عليه و آله: إنّ أول ما خلق اللّه نوري، فلا تنافي بين هذين الحديثين، و هذا العقل الأول هو الذي يعبّر عنه في لسان الشرع المقدس بالعبارات المختلفة، فهو العقل الأول، و الحقيقة المحمدية، و نور محمد و آله، و رحمته التي وسعت كل شي‏ء ، و أمثال ذلك، و هذا العقل و إن كان واحدا و لم يصدر إلاّ عن الواحد لكن لما كان ممكنا و معلولا و حادثا و متعدد الجهات و الحيثيات اعتبر فيه ثلاث جهات:

الأولى: من حيث نسبته إلى علته يعني وجوبه الغيري.

و الثانية: من حيث ذاته و وجوده يعني وجوده الإمكاني.

و الثالثة: من حيث ماهيته و حقيقته يعني ماهيته الإمكانية.

فتحصل فيه ثلاثة معان و جهات: وجوب، و وجود، و ماهية، و بعبارة أخرى: نور، و ظلّ، و ظلمة.

فمن حيث تعقّله أو تعلقه بمبدئه صدر منه العقل الثاني، و نال فيض الوجود، و من حيث تعقّله لوجود ذاته خلق نفس الفلك الأعلى، و من حيث تعقله لماهيته و حدّه و إمكانه-و هذه الثلاثة عبارة عن معنى واحد-خلق جسم الفلك الأعلى.

و هكذا الكلام في العقل الثاني، و تلك الجهات و الحيثيات الثلاثة فيه أيضا موجودة، فمن الجهة الأولى صدر العقل الثالث، و من الثانية خلقت النفس

____________

قيمين العرش من نوره، فقال له: أدبر فأدبر، ثمّ قال له: أقبل فأقبل، إلى آخر الحديث الشريف.

أنظر كتاب العقل و الجهل من الجامع الكبير «الكافي» ، و هو الحديث الثالث عشر منه، و تأمّل فيه.

القاضي الطباطبائي‏

73

الفلكية للفلك الثاني، و من الجهة الثالثة خلق جسم الفلك الثاني، و هكذا، فهلم جرا إلى العقل العاشر و هو آخر العقول، و يقال له: العقل الفعال، و هو من جهة بعده عن مبدئه الأصلي و علته الأولى ظهر فيه الضعف، و من جهة أنه لما لم يكن فيه صلاحية الفيض لم يصدر عنه عقل أيضا، و لكن بوجوده الإمكاني أفيضت هيولى العوالم العنصرية من فلك القمر و ما هو في ضمنه، و بوجوبه الغيري و وجوده أفيضت النفوس و الصور على تلك الهيولى، و لهذا قال بعض الحكماء:

إنه فوّض للعقل الفعال ربوبية عالم العناصر، فصدر من كل واحد من تلك العقول عقل واحد و فلك واحد و نفس فلكية حتى تمّت العقول العشرة و الأفلاك التسعة الحية، بمعنى أن لها نفسا مدركة عالمة.

و بعض كلمات أرباب العصمة و الطهارة-سلام اللّه عليهم-دالة على حياة الأفلاك بهذا المعنى، فمن تأمّل في دعاء رؤية الهلال‏ (1) من أدعية زبور آل محمد صلّى اللّه عليه و آله-أعني الصحيفة السجادية-ظهر له هذا المطلب غاية الظهور و الوضوح.

و ليعلم أنّ الحكماء شرحوا هذه القضايا و نظموا هذه البيانات و نضدوها كنضد الدرر، و لكن لم يذهبوا-معاذ اللّه-إلى أنّ العقل الأول خالق للعقل الثاني و الفلك الأول حتى يقال في حقهم إنهم يجعلون شريكا للحق جل و علا في الخلق و الإيجاد، حاشاهم أن يقولوا هذا، و لم يتفوّه أحد منهم بهذه المقالة الفاسدة و الكلمة الفاضحة، كيف و جميع طوائف الحكماء اتّفقوا على أنه «لا مؤثّر في الوجود إلاّ اللّه» ، بل مرادهم أنّ كل عقل بالنسبة إلى الآخر واسطة للفيض و معدّ للوجود له، بمعنى أنّ الحق-جل و علا-يفيض الوجود إلى العقل

____________

(1) -دعاء 43 من أدعية الصحيفة السجادية، فلاحظ و تأمّل.

74

الأول ابتداء، و إلى العقل الثاني و الفلك الأول ثانيا و بالواسطة، كما أنكم تقولون في محاوراتكم: إنّ من الأب و الأم خلق الولد، و الوالد علة لوجود الولد، و ليس المراد-و العياذ باللّه-أنّ الوالد خالق للولد أو مفيض الوجود للولد، بل لا خالق و لا موجد إلاّ اللّه تبارك و تعالى، و لكنّ الشخص الذي هو عبارة عن زيد بن عمرو و هند، لا يكون موجودا بهذه الخصوصيات إلاّ بعد وجود عمرو و هند.

و هكذا العقل الثاني وجود واحد في مرتبة خاصة لا يكون موجودا بهذه المرتبة من الخصوصية إلاّ بعد العقل الأول، فالعقل الأول له نحو إعداد لوجود العقل الثاني، كمعدّية وجود الآباء و الأجداد في وجودي و وجودك.

و بناء على مذهب المشائين الذي ذكرنا خلاصته، العقول الكلية عندهم إنما تكون طولية و ليست هناك عقول عرضية كلية، و العقول الكلية الطولية عندهم محصورة في العشرة، و أما العقول الجزئية فهي غير متناهية، و ليس على هذا الحصر برهان، و البيان الذي ذكروه و التقريب الذي صدعوا به لا يفيد الحصر ؛ فإنّ المرتبة النازلة حيثيات و جهات متضاعفة من جهة تعدد الواسطة و الوسائط.

و لذا ينبغي الإفصاح بأنّ الحق في هذه المسألة هو مذهب الإشراقيين من الحكماء، فإنهم ذهبوا إلى أنّ العقول الكلية الطولية و العرضية-فضلا عن العقول الجزئية-غير متناهية، و هذا موضوع واسع الأطراف، و مسألة في غاية الإحكام و المتانة، و أقرب إلى الشرع المقدس، و ألصق بكلمات أصحاب الوحي و التنزيل، و أليق بعظمة الحق سبحانه، و عدم تناهي قدرته و هي أسماؤه التي ملأت أركان كل شي‏ء ، و في دعاء مولانا الحجة المنتظر-عجّل اللّه تعالى فرجه-في أيام شهر رجب و أوله: «اللهم إني أسألك بمعاني جميع ما يدعوك به‏

75

ولاة أمرك» إلى آخره‏ (1) إشارات و رموز تحتها معادن و كنوز و دلالات لتلك المباني و المعاني.

و شرح هذه المطالب و المذاهب، و تنسيق تلك الحقائق و الرقائق يحتاج إلى إفراد رسالة مستقلة في التأليف و الترصيف، و لا فسحة في المقام، و لا وسعة لتلك التحقيقات الطويلة الذيل:

شرح اين هجران و اين خون جگر # اين زمان بگذار تا وقت ديگر

و له الحمد و المنة أولا و آخرا، و به المستعان و عليه التكلان.

السؤال الثامن:

المرجو من سماحة حجة الإسلام-أدام اللّه تعالى ظله-أن يتفضل ببيان المراد في قولهم: «الواحد لا يصدر عنه إلاّ الواحد» .

الجواب:

هذه القاعدة الجليلة هي من مهمّات المسائل الحكمية و أمهاتها، و إن ناقش فيها بعض الحكماء و الأكابر من المتقدمين و المتأخرين.

____________

(1) -رواه شيخ الطائفة أبو جعفر الطوسي قدّس سرّه-شيخ الإمامية منذ زمنه إلى اليوم-في كتابه «مصباح المتهجدين» قال: أخبرني جماعة عن ابن عياش قال: مما خرج على يد الشيخ الكبير أبي جعفر محمد بن عثمان بن سعيد رضى اللّه عنه من الناحية المقدسة ما حدثني به خير بن عبد اللّه قال: كتبته من التوقيع الخارج إليه... الخ.

القاضي الطباطبائي‏

76

و لكن حقا أقول: إنّ التوحيد الحق لحضرة الحق جل و علا و ما يليق بوحدانية ذاته المقدسة الأحدية، بل أصل وجوب الوجود للواجب تعالى شأنه لا يتم إلاّ بهذه القاعدة.

و بيان ذلك على سبيل الإجمال و الاختصار: أن حضرة الحق سبحانه لا بد أن يكون أحديّ الذات، أحديّ الصفات، فإنه إن لم يكن كذلك يلزم التركيب، و التركيب ملازم للإمكان، و الإمكان يطارد الوجوب و لا يجتمع معه، فلو كانت فيه حيثيتان متباينتان لكان مركبا، و لو كان مركبا لكان ممكنا، و لو كان ممكنا لم يكن واجبا، و هذا خلف.

و هنا قاعدة أخرى يطابقها البرهان، و يساعدها الوجدان، و هي: أنّ بين كل علة و معلول لا بد أن تكون سنخية و مناسبة، بمعنى أن تكون بينهما جهة و حيثية و بتلك الجهة و الحيثية يصدر هذا المعلول من تلك العلة، فإن لم يكن بينهما السنخية و الاقتضاء الخاص يلزم أن يؤثر كل شي‏ء في كل شي‏ء ، و معروف أنه لو لا السنخية بين العلة و المعلول لزم تأثير كل شي‏ء في كل شي‏ء ، فإن صحّت هاتان القاعدتان و أذعنّا بتصديقهما فنقول حينئذ: إن صدر شيئان متباينان من جميع الجهات و الحيثيات من واحد بسيط من جميع الجهات و الحيثيات بحيث لا يتعقل فيه حيثية دون أخرى و جهة دون جهة يلزم إما بطلان القاعدة الأولى أو الثانية؛ لأن هذين المعلولين المتباينين إن صدرا من حيثيتين متباينتين لزم التركيب في العلة، و انقلب الواجب ممكنا، و إن صدر المعلولان المتباينان من تلك العلة البسيطة التي ليست فيها حيثيات متغايرة و جهات متعددة أصلا و أبدا فلا بد حينئذ من صدور إحدى الحيثيتين الذاتيتين، بمعنى أنّ تمام ذات العلة البسيطة تقتضي و تستدعي وجود ذلك المعلول،

77

و حينئذ فإما أن لا يصدر منه معلول آخر فيثبت المطلوب من أن الواحد لم يصدر عنه إلاّ واحد، و إما أن يصدر عنه معلول آخر فيلزم عدم السنخية و الاقتضاء الخاص بين العلة و المعلول، بمعنى أنه يلزم صدور المباين عنه مباينه، و هذا مستحيل بضرورة العقل.

فملخّص البرهان على صحة هذه القاعدة: أنه إن صدر من واحد غير الواحد يلزم إما التركيب في ذات الواجب فيكون ممكنا، و إما عدم السنخية بين العلة و المعلول، و كلاهما باطلان بضرورة العقل، فصح أنّ الواحد لا يصدر عنه إلاّ الواحد.

و هذا البرهان بهذا النحو من البيان و السهولة و الاختصار لم أقف عليه في محلّ، و البراهين التي ذكرها القوم فيها تطويلات و تفصيلات لا يفهم منها شي‏ء إلاّ بعد ألف ليت و لعل.

و لا بدّ و أن يعلم أني لا أستحسن أن يسأل مني نظائر هذه الأسئلة؛ فإنه مضافا إلى أن هذه المعاني لا يتحملها خصوص أذهان العوام و لا ينتفع منها أغلب الأنام، أنّ أذهان أكثر الطلاب و الناشئة المنتمين للعلم أيضا لا تتحملها و لا تسعها، و لا يصلون إلى لباب نكات معانيها و أسرار دقائق مطاويها.

و يمكنني أن أدّعي أني لم أراجع أمثال هذه المطالب و المسائل منذ خمس عشرة سنة، بل انحصر عملي و اشتغالي بفقه آل محمد صلّى اللّه عليه و آله، فإن عرض لي صدفة أمثال هذه الأسئلة و البحوث و المطالب أفصح عنه و أكتب من بقايا تلك المكنونات المغروسة في الضمير، و ما اختمر من تلك المطالب في الفكر من دون تجديد مراجعة حتى إلى المختصرات فضلا عن المطولات، و أغلب المطالب الحكمية و البحوث القيمة التي لها نفع في أصول الدين و تبتني عليها

78

العقائد الحقة أوردناها بأحسن بيان و أوفى برهان في كتابنا «الدين و الإسلام» ، فإن رجع إليه أهل الفضل و أولي النجدة و الكمال وجدوا في ذلك السفر الجليل فلسفة وثيقة، و كنوزا من العلوم الجمّة، و فيه ضالتهم المنشودة، و ما الثقة إلاّ باللّه، و ما المستعان إلاّ به.

دفع وهم:

إني بعد ما أقمت البرهان على صحة قاعدة «الواحد لا يصدر عنه إلاّ الواحد» خلج ببالي و خطر في ضميري أنه من الممكن أن يقع في ذهن بعض الناس في زمرة الخواطر و الأوهام أنه يلزم على هذا أن تصدر هذه الممكنات و الموجودات-التي لا تعد و لا تحصى-من غير الحق جل شأنه، فلا بد حينئذ إما من الالتزام-و العياذ باللّه-بالشريك للحق سبحانه في الخلق و الإيجاد، و إما القول ببطلان القاعدة المذكورة.

و دفع هذا التوهم: بأنه مع القول بأنّ الواحد لا يصدر عنه إلاّ الواحد، نقول أيضا: إنّ جميع الموجودات و الكائنات-من عالم النفوس و الأملاك و الأفلاك و العناصر جزئية و كلية بكافتها من أولها إلى آخرها-صادرة عن حضرة الحق جل جلاله، و قد أشرنا فيما سبق بأن لا مؤثّر في الوجود إلاّ اللّه، و هذه الكثرة ليست منافية للوحدة، بل الكثرة مؤكدة للوحدة وَ مََا أَمْرُنََا إِلاََّ وََاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ ، و لكن لمسألة صدور الكثرة عن الوحدة و ربط الحادث بالقديم مباحث مفصّلة و مسائل متنوعة و هي من معظم المسائل الحكمية، و صنّف الحكماء في خصوصها كتبا و رسائل مستقلة، و هي تبتني على مقدمات كثيرة، و لا يسع المقام لذكر واحد منها فضلا عن جميعها، و لكن نشير إجمالا إلى‏

79

محصّلها:

و نتيجة تلك المقدمات: هي أنّ الصادر الواحد الذي نعبر عنه بالنفس الرحماني، و الرحمة التي وسعت كلّ شي‏ء ، و الحق المخلوق به، هو هذا الواحد الجامع لجميع الوجودات، و الموجودات كلها ما هي إلاّ واحد صدر من واحد، و لكن مع وحدته و تمام بساطته محيط و مستوعب لجميع الموجودات من العقل العلوي إلى العالم السفلي، و من العقل المجرّد إلى الهيولى العنصري، و الكثرات الواقعة في البين كلها عرضية و موجودة بالتبع، و منتزعة من الحدود و الاعتبارات للوجود، فالوجود للوجود، و العدم للعدم، و كل شي‏ء يرجع إلى أصله، و كل شي‏ء هالك إلاّ وجهه، و وجه وجود الواجب وجودات إمكانية معلولة، و وجه العدم ماهيات اعتبارية كما قلنا في ما سبق إنه نور و ظل و ظلمة.

فالواحد لم يصدر عنه إلاّ الواحد، و لكن في هذا الوجه الواحد كل الكثرات، و لا خالق و لا موجد إلاّ اللّه، و لا حول و لا قوة إلاّ باللّه، و جميع الموجودات باتحادها صارت موجودة بنحو جامع للكثرة و حافظ للوحدة، و ليس التوحيد الكامل إلاّ بأن ترى الوحدة في الكثرة، و الكثرة في الوحدة:

همه عالم صداى نغمهء اوست # كه شنيد اين چنين صداى دراز

و هذا الوجود الممتد الساري و المستوعب الذي أشرق على ظلمات الماهيات و هياكل الممكنات هو الواحد الجامع للكثرات، و هو وجه الواحد الأحد الباقي ببقائه، الدائم بدوامه، و إنما الفناء و التغيرات للحدود و الاعدام و الوجود يستحيل أن يقبل ضده:

80

قرنها بر قرنها رفت اى همام # و اين معانى برقرار و بر دوام‏

شد مبدّل آب اين جو چند بار # عكس ماه و عكس اختر برقرار

فيا أيها الاخوان، هذه المطالب و الحقائق الشامخة، و المباحث السامية، ليست وليدة الأهواء و الميول، و إن فرض أنها من ميول النفس و هواها، فقد كفى هذا، و ما كان يخطر في مخيلتي ذكرها بهذا المقدار أيضا، و لكن اندفعت بحكم ضميري، و جرى على قلمي، و محطّ نظري، و عمدة قصدي إنما هو التنبيه على أنه إياك و سوء الظن في حق الحكماء الشامخين، و العلماء الراسخين، خصوصا بحكمائنا الإسلاميين، و إياك و المبادرة إلى التفسيق مثل بعض الناس ممن لا يفهم مرادهم، و لا يصل إلى مغزى مقاصدهم و مطالبهم فيتسرع إلى التجوال في ساحة الطعن و الإيراد مع الذهول و الغفلة عن المراد.

و حقا أقول: إنّ الرشادة و الكمال و العبقرية و المهارة إنما هو في فهم كلمات العلماء و الأكابر، و فهم بحوثهم النظرية و مطالبهم العلمية من حيث المراد مع التعمق و تحصيل الاستعداد لا التشنيع و الإيراد، فإنّ ذلك من دأب القاصرين، و عادة الجاهلين.

و اعلموا-بالقطع و اليقين-أنّ أغلب مطالب الحكماء بل جميعها مأخوذة من كلمات أرباب الوحي و أمناء العصمة سلام اللّه عليهم، و قد بيّن جميع هذه المطالب مولانا سيد العارفين و الموحّدين أمير المؤمنين عليه السّلام في طي خطبه المباركة، و تضاعيف كلماته الشريفة التي جمعها سيدنا الشريف الرضي رضوان‏

81

اللّه عليه‏ (1) في كتاب «نهج البلاغة» و غيره، و في كلماته التي أنشأها عليه السّلام في ضمن أدعيته المباركة، و لكن أين من يفهم هذه الحقائق و الدقائق، و تلك النكات و الرقائق.

و الظاهر بل اليقين أن أقوى المساعدات و أعد الأسباب و الموجبات للوصول إلى مقاصد أمناء الوحي و كلمات الأنبياء و الأوصياء عليهم السّلام إنما هو في فهم كلمات الحكماء المتشرعين.

و كان من السابقين الأولين من أولياء الدين أناس أدركوا فيض حضورهم، و وصلوا إلى السعادة، و نالوا الشرافة و الكرامة، كسلمان المحمدي الفارسي، و أبي ذر الغفاري، و أضرابهم من الملازمين لبيت النبوة، و الواصلين ببركة ملازمتهم لمعادن العلم و خزّان الحكمة إلى مرتبة صاروا بها في غنى عن الصناعات العلمية و القواعد الرسمية، و وصلوا إلى النتيجة من أقرب الطرق و أسهلها، و أكمل السبل و أشرفها.

فمن أراد الخوض في تلك المطالب الحكمية، و الغوص في بحار المباحث العلمية فاللازم له أخذها و تعلّمها من أساتذة الفن و أكبار الصناعة، و التلمّذ لديهم و التعلم منهم مدة طويلة و سنين عديدة كما هو الشأن في تعلم كل علم و صناعة، و لا يكتفى بمحض المطالعة و مجرد النظر في كتب القوم و مؤلفات الحكماء كما هو دأب بعض الناس و ديدن كثير من الأشخاص من دون أن يتلمذ

____________

(1) -أبو الحسن محمد بن الحسين الموسوي، أخو الشريف المرتضى علم الهدى، أمره في العلم و الفضل و الجلالة و الأدب و الورع و الوثاقة أشهر من أن يذكر، و قد صنّف جمع من علماء الفريقين في حقه كتبا و رسائل مستقلة، توفي يوم الأحد لست خلون من المحرم سنة (406) هـ.

القاضي الطباطبائي‏

82

عند أستاذ، و إلاّ فلا محيص له إلاّ أن يضل عن الطريق، و لا محالة يقع في إحدى المفسدتين، و يتورّط في إحدى المهلكتين: إما الوقوع بنفسه في الكفر، أو تكفير قوم بغير حق.

و قد رأيت في خلال هذه الأيام رسالة خطية ألّفها أحد الأعاظم من العلماء المعاصرين و قد توفى في هذه السنة، و كان موضوع تلك الرسالة إبطال هذه القاعدة، أعني «الواحد لا يصدر عنه إلاّ الواحد» ، و أورد فيها بزعمه إيرادات كثيرة على الحكماء، فطالعتها برهة و قرأتها مدة فرأيت أنّ هذا الرجل الجليل تحمّل المشقات الكادحة و أتعب نفسه في إيراد المناقشات و الطعون و الإيرادات، و ليته تحمل تلك المشقات و الرياضات و لا أقل من صرف بعض تلك المشاق في فهم كلمات الحكماء و تفهّم مرادهم من هذه القاعدة، و لم يقع في ورطة الإيراد و الإشكال، و قلت لتلميذ هذا الرجل الجليل-و قد كنت رأيت تلك الرسالة المؤلفة عنده-: الأحسن أن لا تنشروا هذه الرسالة و احفظوا كرامة أستاذكم.

و ما الفضل إلاّ باللّه، يؤتيه من يشاء و اللّه ذو الفضل العظيم.

و اتفق الفراغ من تعريبها في اليوم الثامن و العشرين من جمادى الأولى سنة (1370) هـ في النجف الأشرف، على من حلّ فيها آلاف الصلاة و السلام و التحف.

القاضي الطباطبائي‏غ

83

المرحلة الاولى من أجوبة المسائل السيد القاضى الطباطبائى‏

بسم الله الرحمن الرحيم‏ النجف الأشرف 18 ربيع الأول 1366 هـ:

هذه أيضا أجوبة المسائل التي سألنا بها ذلك العالم العلاّمة الحبر الشريف ثقة الإسلام السيد محمد علي القاضي التبريزي، أيده اللّه تعالى، و قد أرسلها من قم دار هجرته الأولى.

بسم الله الرحمن الرحيم‏ المرجو من سماحة الإمام العلامة الشهير آية اللّه شيخنا الشيخ محمد الحسين آل كاشف الغطاء المحترم-أدام اللّه تعالى ظله العالي-أن يتفضل علينا ببيان أجوبة هذه الأسئلة، لا زال وجوده الشريف مرجعا للعلم و الدين.

محمد علي القاضي الطباطبائي -قم-

السؤال الأول:

قوله تعالى في سورة الجمعة المباركة: وَ إِذََا رَأَوْا تِجََارَةً أَوْ لَهْواً اِنْفَضُّوا إِلَيْهََا وَ تَرَكُوكَ قََائِماً قُلْ مََا عِنْدَ اَللََّهِ خَيْرٌ مِنَ اَللَّهْوِ وَ مِنَ اَلتِّجََارَةِ وَ اَللََّهُ خَيْرُ

84

اَلرََّازِقِينَ (1) ، بيّنوا لنا النكتة في تقديم التجارة على اللهو في صدر الآية و تأخيرها عنه في ذيلها.

الجواب:

النكتة في تقديم التجارة على اللهو و تأخيرها في التنزيل في آية الجمعة واضحة و بديهة؛ فإنّ التجارة لما كانت عملا عقلائيا و هي أشرف من اللهو طبعا ناسب أن يكون الترقي منها إلى اللهو في الجملة الأولى، فكأنه تعالى يقول: إذا رأوا تجارة بل ما هو أخس من التجارة و هو اللهو تركوا الصلاة و اشتغلوا باللهو، أما في الجملة الثانية فالمناسبة تقتضي العكس، فكأنه تعالى يقول: ما عند اللّه خير من اللهو بل خير من التجارة التي هي أشرف من اللهو، و هذه من نكات بلاغة القرآن المجيد.

و في الآية سؤال آخر و هو: ما وجه إفراد الضمير في قوله تعالى: اِنْفَضُّوا إِلَيْهََا ، مع أنّ المقام يقتضي أن يقال: انفضوا إليهما؟و يخطر على بالي أنّ المفسّرين يجعلونه من باب الحذف و التقدير، و إذا رأوا تجارة انفضوا إليها أو لهوا انفضوا إليه، و مثله في قوله تعالى: وَ اَلَّذِينَ يَكْنِزُونَ اَلذَّهَبَ وَ اَلْفِضَّةَ وَ لاََ يُنْفِقُونَهََا فِي سَبِيلِ اَللََّهِ (2) ، و حقها أن يقال: و لا ينفقونهما، و الوجه المتقدم في هذه الآية مقبول في الجملة، يعني حذف من الأول لدلالة الثاني عليه.

أما في آية الجمعة فغير مستحسن كما لا يخفى، بعد أدنى تأمل، و الذي أراه في الآيتين و أمثالهما عدم الحاجة إلى التقدير، بل المراد بالضمير

____________

(1) -سورة الجمعة، الآية 11.

(2) -سورة التوبة، الآية 34.

85

المذكورات‏ وَ إِذََا رَأَوْا تِجََارَةً أَوْ لَهْواً اِنْفَضُّوا إِلَيْهََا أي إلى المذكورات، و هكذا في الثانية، و لعل نظائره في القرآن الكريم و غيره غير عزيز.

السؤال الثاني:

قوله تعالى في سورة الأحزاب: وَ أَنْزَلَ اَلَّذِينَ ظََاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ اَلْكِتََابِ مِنْ صَيََاصِيهِمْ وَ قَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ اَلرُّعْبَ فَرِيقاً تَقْتُلُونَ وَ تَأْسِرُونَ فَرِيقاً (1) ، لم يعبّر سبحانه في الجملتين المتعاطفتين بنسق واحد، لم يقل جلّ و علا: «فريقا تقتلون و فريقا تأسرون» ، و لا بالعكس، فما النكتة في ذلك.

الجواب:

و لعل السر في التغيير هو المحافظة على الرويّ، فإنّ آيات سورة الأحزاب من أولها إلى آخرها رويها الألف، مضافا إلى احتمال الإشارة إلى أنّ الأسر كالقتل لا فرق و لا فاصل بينهما، فاتصالهما في الألفاظ يشير إلى اتصالهما في المعنى.

السؤال الثالث:

السموات التي نطق بها القرآن الكريم، ما حقيقتها في الديانة المقدسة؟ و تطبيقها مع الأفلاك التي تقول بها الهيئة القديمة، و كذا تطبيقها مع الهيئة الجديدة لا تطمئن به النفس، و أيضا أيّ دليل دلّ صريحا من الكتاب و السنة على كون

____________

(1) -سورة الأحزاب، الآية 26، قوله تعالى: مِنْ صَيََاصِيهِمْ : أي من حصونهم و قلاعهم، نزلت الآية الشريفة في بني قريظة. أنظر تفصيل ذلك في التفاسير.

القاضي الطباطبائي‏

86

العرش و الكرسي شيئا جسمانيا؟المرجو من لطفكم العميم أن تكشفوا لنا الغطاء عن هذه المعضلة.

الجواب:

ظاهر القرآن العزيز أنّ السموات أجسام و أجرام مبدأها دخان‏ ثُمَّ اِسْتَوى‏ََ إِلَى اَلسَّمََاءِ وَ هِيَ دُخََانٌ (1) ، و لعله كناية عن الغاز أو الأثير أو ما أشبه ذلك من العناصر اللطيفة الشفافة السائلة ثمّ تماسكت و جمدت كما تشير إليه بعض خطب أمير المؤمنين عليه السّلام في النهج و غيره.

و هذا قريب إلى ما تصوره الهيئة القديمة من الأفلاك السبعة بل التسعة من فلك الأفلاك إلى فلك القمر، و أنّ كل واحد منهما جسم أثيري مستدير لا يقبل الخرق و الالتئام، و الكوكب يعني زحل و المشتري و المريخ و أخواتها، كل واحد منها مركوز في ثخن فلكه، و فرضوا لبعضها حوائل و موائل و جوزهرات إلى تمام ما هو مبسوط في الهيئة القديمة من الحدسيات و نحوها مما اضطرّهم إلى فرضه حركات تلك الكواكب السبعة، و لا سيما الخمسة المتحيّرة منها ذوات الرجوع و الإقامة و الاستقامة.

نعم، ما هو الظاهر من الشرع في السموات و الكواكب لا ينطبق على الهيئة الحديثة بل هي قديمة أيضا، فإنها مبنية على الفضاء الغير المتناهي، و كل كوكب يتحرك في ذلك الفضاء في مدار مخصوص، و يرتسم من حركته فلك أي دائرة لا ينفك سيره عليها، و فرضوا شموسا، و لكل شمس نظام من أقمار و كواكب و أراضي تدور حول شمسها، أحدها بل أصغرها نظامنا الشمسي، و ليس في

____________

(1) -سورة فصلت، الآية 11.

87

إنكارهم للسماوات بالمعنى الظاهر من الشرع دعوى اليقين بعدمها، بل بمعنى أن علمهم و بحثهم لم يوصلهم إليها، و هي-أي هذه الطريقة-أسلم و أبسط من الأولى، و الاعتبار و الآثار تدل عليها، و لم يحتاجوا إلاّ إلى فرض الأثير المائي لذلك الفضاء لنقل النور من كوكب إلى آخر، و قد اكتشفوا بآلاتهم الرصدية سيارات أخرى كثيرة غير السبعة المشهورة مما لا مجال لذكرها في هذا المقام.

و أما العرش و الكرسي فليس في الشرع-كتابا و سنة-ما يدل صريحا على جسمانيتهما سوى بعض إشارات طفيفة مثل قوله تعالى: وَسِعَ كُرْسِيُّهُ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضَ (1) ، و قوله: عَلَى اَلْعَرْشِ اِسْتَوى‏ََ (2) ، و هي مصروفة عن هذا الظاهر قطعا.

و أما السنة فالأخبار كما في السماء و العالم من البحار و غيره مختلفة أشد الاختلاف، و فيها ما يشعر بأنهما جسمان، و أكثرها صريح في عدم الجسمية، و أنهما من مقولة العلم و القدرة و الملك و صفات الذات المقدسة.

و بالجملة، فإمعان النظر في الأخبار و كلمات العلماء و المفسرين لا يزيد إلاّ الحيرة و الارتباك، و الذي أراه في هذا الموضوع الدقيق و السر العميق و البحث المغلف بسرائر الغيب و حجب الخفاء أنّ المراد بالكرسي هو الفضاء المحيط بعالم الأجسام كلها من السموات و الأرضين و الكواكب و الأفلاك و الشموس، فإنّ هذه العوالم الجسمانية بالقطع و الضرورة لها فضاء يحويها و يحيط بها، سواء كان ذاك الفضاء متناهيا، بناء على تناهي الأبعاد، أو غير متناه أي مجهول النهاية، بناء على صحة عدم تناهي معلولات العلة الغير المتناهية،

____________

(1) -سورة البقرة، الآية 255.

(2) -سورة طه، الآية 5.

88

و هذا الفضاء المحيط بعوالم الأجسام هو الكرسي‏ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضَ ، و هو المعبّر عنه أيضا بلسان الشرع بـ «عالم الملك» ، تبارك الذي بيده الملك، ثمّ تحمل هذا الفضاء و كل ما فيه القوة المدبرة المتصرفة فيه، و ليست هي من الأجسام بل نسبتها إلى الأجسام نسبة الروح إلى الجسم، و هذه هي «العرش» الذي يحيط بالكرسي، و يحمله و يدبّره و يصرّفه و يتصرّف فيه.

و تقوم تلك القوة بثمانية أركان، كل واحد متكفل بجهة من التدبير، فتحمل ذلك العرش المحيط بالكرسي و ما فيه و هي حملة العرش‏ وَ يَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمََانِيَةٌ ، و لعل هذه الثمانية هي الصفات الثمانية: العلم، و القدرة، و الحياة، و الوجود، و الإرادة، و السمع، و البصر، و الإدراك، فهي بالنظر إلى نسبتها إلى تدبير الأجسام و السماء و الأرض و ما فيهما «العرش الأولى» ، و بالنظر إلى نسبتها إلى الذات المقدسة و أنها صفات تلك الذات «العرش الأعلى» ، و الملائكة الكروبيين، و العرش الأعلى و الأدنى هو عالم الملكوت.

ثمّ فوق القوة المدبرة للأجسام عالم العقول و المجردات و الملائكة الروحانيين، و هذا هو عالم الجبروت، ثمّ يحيط بهذا العالم و يدبّره و يتصل به عالم الأسماء و الصفات و الإشراقات و التجليات، و هو عالم اللاهوت، فانتظمت العوالم الأربعة هكذا: عالم اللاهوت، ثمّ عالم الجبروت، ثمّ عالم الملكوت و هو العرش، ثمّ عالم الملك و هو الكرسي، أعني الأجسام و الجسمانيات.

أما أهل الهيئة القديمة من علماء المسلمين فقد جعلوا فلك الثوابت هو الكرسي، و الفلك التاسع الأطلس هو العرش.

و مهما كان الواقع فإنّ كل هذه العوالم أشعة تلك الذات المقدسة الأحدية، و مضافة إليها إضافة إشراقية لا مقولية، و سارية تلك الحقيقة سريان العلة في‏

89

المعلول.

جمالك في كل الحقائق سائر # و ليس له إلاّ جلالك ساتر

إلى آخر الأبيات.

و هذا البيان في توجيه العرش و الكرسي و تطبيقه على العوالم الكونية من متفرداتنا، و لنا هنا مباحث دقيقة و أسرار عميقة لا يتسع لها الوقت و لا المجال، و للّه الحمد و المنّة على كل حال.

السؤال الرابع:

الدعاء الموسوم بدعاء الصباح المنسوب إلى أمير المؤمنين عليه السّلام، هل هو مرويّ مسندا عنه عليه السّلام، أو وجد بخطه الشريف بحيث تطمئن به النفس أم لا؟ و قد نقل العلامة المولى إسماعيل الخاجوئي رحمه اللّه‏ (1) في شرحه عليه عن بعض الأصحاب أنه وجده بأسانيد صحيحة و روايات صريحة متصلة إليه عليه السّلام، بعد أن صرّح هو نفسه أولا بعدم وجدان سند صحيح إليه، و قال ما لفظه: «و نحن و إن لم نجده بسند صحيح متصل إلى ذلك الجناب المستطاب، لكن نقل بعض الأصحاب أنه وجده بأسانيد صحيحة و روايات صريحة متصلة إليه عليه السّلام» ، فتفضلوا ببيان ما تحقق عندكم في ذلك، فكم من تحقيقات جليلة أنيقة جرت بقلم آية اللّه العلامة-أدام اللّه أيامه-حتى عمّ نفعها العالم الإسلامي.

____________

(1) -المولى إسماعيل بن محمد حسين بن محمد رضا المازندراني، العلامة الورع الحكيم المتأله، من أكابر علماء الإمامية، سكن في محلة «خاجو» بأصفهان و توفي بها سنة (1173) هـ، و دفن في مقبرة تخته فولاذ، و له تصانيف ممتعة، منها شرح دعاء الصباح.

القاضي الطباطبائي‏

90

الجواب:

لا يخفى على أحد أنّ لكل طائفة من أرباب الفنون و العلوم، بل لكل أمة، بل لكل بلد، أسلوبا خاصا من البيان و لهجة متميزة عن غيرها، فلهجة اليزدي غير لهجة الاصفهاني، و نغمة الاصفهاني غير نغمة الطهراني و الخراساني، و الكل فارسي إيراني.

و للأئمة-سلام اللّه عليهم-أسلوب خاص في الثناء على اللّه، و الحمد للّه، و الضراعة له، و المسألة منه، يعرف ذلك من مارس أحاديثهم، و آنس بكلامهم، و خاض في بحار أدعيتهم، و من حصلت له تلك الملكة و ذلك الأنس لا يشك في أنّ هذا الدعاء صادر منهم، و هو أشبه ما يكون بأدعية الأمير عليه السّلام، مثل دعاء كميل و غيره، فإنّ لكل إمام لهجة خاصة و أسلوبا خاصا على تقاربها و تشابهها جميعا.

و هذا الدعاء في أعلى مراتب الفصاحة و البلاغة و المتانة و القوة مع تمام الرغبة و الخضوع و الاستعارات العجيبة، أنظر إلى أول فقرة منه «يا من دلع لسان الصباح بنطق تبلجه» ، و اعجب لبلاغتها و بديع استعاراتها.

و إذا اتهجت إلى قوله: «يا من دلّ على ذاته بذاته» ، تقطع بأنها من كلماتهم-سلام اللّه عليهم-مثل قول زين العابدين عليه السّلام: «بك عرفتك، و أنت دللتني عليك» .

و بالجملة: فما أجود ما قال بعض علمائنا الأعلام: إننا كثيرا ما نصحح الأسانيد بالمتون، فلا يضرّ بهذا الدعاء الجليل ضعف سنده مع قوة متنه، فقد دلّ على ذاته بذاته، سبوح، لها منها عليها شواهد.

91

السؤال الخامس:

على القول بوجوب تقليد الأعلم، هل يتعين بالشياع في زماننا هذا مع شيوع بعض الأغراض الفاسدة من الأغراض السياسية (1) و غيرها، أو لا بد من

____________

(1) -نعم ما صدع بالحق بعض الأساتذة بقوله: ألا قاتل اللّه السياسة و الرئاسة، فما دخلا شيئا إلاّ أفسداه.

قلت: ألا قاتل اللّه السياسة الغاشمة و عمالها الجائرة ذوي المطامع و الأغراض الفاسدة من أرباب الأقلام المستأجرة في هذه الصحف و الجرائد السوداء، الذين لهم الدعايات الكاذبة و النيات الممقوتة في تعيين المرجع للتقليد و الفتوى، و قد تداخلت أيديهم الظالمة في هذه السنين الأخيرة في البلاد الإيرانية في تعيين المجتهد الذي يتعين الرجوع إليه، و لذا قد يلتبس الأمر على العوام، و لا بد لهم من التيقظ و عدم الغفلة في هذا العصر التعيس، و التثبت و التحقيق في تعيين المرجع للتقليد، و عدم الإصغاء لهذه الأصوات المنكرة و هذه الدعايات المشئومة في الصحف و الجرائد المنحوسة، و لا سيما المنتشرة منها في هذه البلاد، و الرجوع في معرفة المجتهد و القائد المذهبي إلى تشخيص أهل الورع و التقوى و الفضل و الاجتهاد من العلماء.

و حقا أقول و ما في الحق مغضبة: إنه ضاعت الموازين الشرعية، و المعيار الصحيح في تعيين المرجع الديني في هذا الزمان، و أضف إلى ذلك أنه كثر من يدعي الاجتهاد و هذا المنصب العظيم من غير أهله ممن ليس له أهلية التصدي للفتوى أصلا، و لشيخنا الإمام-دام ظله- في الصفحة التي أشار سماحته إليها من السفينة، أعني صفحة (61) ، كلمة نيرة أبان بها الحقائق الراهنة، حيث كتب تعليقة على قول أخيه آية اللّه الفقيه المرحوم قدّس سرّه في السفينة «و من ادعى الاجتهاد و الأهلية، فإن كان ممن يحتمل في حقه ذلك حمل على الصحة، و لم يفسق بذلك، و لكن لا يجوز ترتيب الآثار بمجرد ذلك، و أما إذا خالف الضرورة في دعواه فشارب الخمر خير منه» ، و ذكر ما يلي: «و ما أكثر المدعين لهذا المنصب، و لا سيما في هذه العصور التعيسة جهلا بأنفسهم و بهذا المقام، و ما أكثر المخدوعين بهم جهلا أو لغرض،

92

قيام البيّنة؟و إذا تعارضتا فأيتهما مقدّمة؟

الجواب:

ذكرنا في تعاليقنا على كتاب «سفينة النجاة» (الجزء الأول صفحة 28-61 ط. نجف) ما هو المعيار و الميزان الصحيح الذي لا ميل فيه و لا حيف.

و خلاصة ذلك: أن طريقة الإمامية في تعيين من له أحقية المرجعية من زمن الشيخ المفيد إلى زمن الشيخ الأنصاري-رضوان اللّه عليهما-هي النظر إلى مقدار انتاجه و كثرة مؤلفاته و عظيم خدماته للشرع و الإسلام، و مساعيه في صيانة الحوزة، و الذبّ عنها، لا ببذل المال و كثرة الدعايات الناشئة من المطامع و الأغراض، أعاذنا اللّه و عصمنا من كلّ سوء و شين إن شاء اللّه.

____________

قو الغرض يعمي و يصم، و لا حول و لا قوة إلاّ باللّه، و قد ذكرنا أنّ أحسن معيار للكشف عن صدق هذه الدعوى و كذبها هو الانتاج العلمي و كثرة المؤلفات النافعة، و أن طريقة الإمامية من زمن الأئمة-سلام اللّه عليهم-إلى عصرنا القريب هو أن المرجعية العامة و الزعامة الدينية تكون لمن انتشرت و كثرت مؤلفاته، كالشيخ المفيد و السيد المرتضى و الشيخ الطوسي الذي تكاد مؤلفاته تزيد على الأربعمائة، و الشيخ الصدوق له ثلاثمائة مؤلف، و هكذا، كان هذا هو المعيار الصحيح و الميزان العادل إلى زمن السيد بحر العلوم صاحب المصابيح و الشيخ الأكبر صاحب كشف الغطاء إلى الشيخ الأنصاري صاحب المؤلفات المشهورة التي عليها مدار التدريس اليوم.

أما الرسالة العملية و إن تعددت فلا تدل على شي‏ء ، و ما أكثر ما يأخذها اللاحق من السابق، و ليس له فيها سوى تبديل الاسم، أو تغيير بعض الكلمات، و إليه تعالى نفزع في إصلاح هذه الطائفة و تسديد خطواتها إلى السداد إن شاء اللّه» ، و للّه در القائل:

و ما أفسد الناس إلاّ الملوك # و أحبار دين و رهبانها

القاضي الطباطبائي‏

غ

93

السؤال السادس:

عموم الولاية للفقيه في زمن الغيبة ثابت أم لا؟أفيدونا ما هو المحقق عندكم في ذلك.

الجواب:

الولاية على الغير نفسا، أو مالا، أو أيّ شأن من الشئون لها ثلاث مراتب، بل أربعة:

الأولى: ولاية اللّه جل شأنه على عباده، و هو المالك لهم و لما يملكون بالملك الحقيقي الذاتي لا الجعلي العرضي‏ هُنََالِكَ اَلْوَلاََيَةُ لِلََّهِ ، و هذه الولاية بدرجتها «الثانية» جعلا و ذاتا لرسول اللّه و الأئمة سلام اللّه عليهم‏ اَلنَّبِيُّ أَوْلى‏ََ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ (1) أي فضلا عن الكافرين، و هذه الآية واسعة مطلقة بتمام السعة و الإطلاق بحيث لو أنّ النبي أو الإمام طلّق زوجة رجل طلقت رغما عليه، فضلا عن المال و غيره.

المرتبة الثانية: ولاية الفقيه المجتهد النائب عن الإمام، و هي طبعا أضيق من الأولى، و المستفاد من مجموع الأدلة أنّ له الولاية على الشئون العامة و ما يحتاج إليه نظام الهيئة الاجتماعية المشار إليه بقولهم عليهم السّلام: «مجاري الأمور بأيدي العلماء، و العلماء ورثة الأنبياء» ، و أمثالها، و هي المعبّر عنها في لسان المتشرعة بالأمور الحسبية، مثل التصرف بأموال القاصرين الذين لا ولي لهم،

____________

(1) -سورة الأحزاب، الآية 6.

94

و الأوقاف التي لا متولي عليها، و تجهيز الأموات الذين لا ولي لهم، و أخذ إرث من لا وارث له، و طلاق زوجة من لا ينفق على زوجته و لا يطلقها، أو الغائب غيبة منقطعة و كثيرة من أمثال ذلك مما لا بد منه و عدم إمكان تعطيله للزوم العسر و الحرج، و لعل من هذا الباب إقامة الحدود مع الإمكان، و أمن الضرر.

و بالجملة: فالعقل و النقل يدل على ولاية الفقيه الجامع على مثل هذه الشئون فإنها للإمام المعصوم أولا، ثمّ للفقيه المجتهد ثانيا بالنيابة المجعولة بقوله عليه السّلام: «و هو حجتي عليكم، و أنا حجة اللّه عليكم» ، و من هنا يتضح جواب السؤال الآتي.

المرتبة الثالثة بل الرابعة (1) : ولاية عدول المؤمنين عند تعذر الفقيه المجتهد، و هي في أمور خاصة، ضابطتها ما تقضي الضرورة به مثل دفن الموتى و الإنفاق على الصغير من ماله، و أمثال ذلك، و هي أضيق من ولاية الفقيه طبعا، فإنها تختص بما لا يمكن تعطيله، و ولاية الفقيه تعمّ كل ما فيه المصلحة.

السؤال السابع:

ما الدليل على لزوم إعطاء سهم الإمام عليه السّلام من الخمس إلى المجتهد؟ و على تقدير لزوم الإعطاء له ما الدليل على لزوم إعطاء كل شخص للمجتهد الذي قلّده في الأحكام الفرعية؟و أي مورد يكون قدرا متيقنا من محل مصرفه و يكون الصرف فيه موافقا للاحتياط؟تفضلوا علينا ببيان مختاركم في هذه المسألة.

____________

(1) -علما أنّ هذه المرتبة وردت-في الطبعة التي اعتمدنا عليها-ضمن السؤال السابع، و لعل هذا اشتباه، و اللّه العالم. (الناشر) .

95

الجواب:

أما الدليل على لزوم إعطاء سهم الإمام عليه السّلام للمجتهد فإنه يكفي في ذلك كون المجتهد هو الوكيل العام للإمام، فهو مال لغائب يجب دفعه إلى وكيله، و لا أقل من أنه هو القدر المتيقن لبراءة الذمة، فيجب، و أما دفعه إلى خصوص المقلد فالواجب أن يدفعه إلى الأعلم، فكما يجب تقليد الأعلم كذلك يجب دفع الحق إليه، و قد عرفت من هو الأعلم الذي يجب تقليده و دفع الحق إليه و لا تبرأ ذمة المكلف بدون ذلك، أما اليوم فقد صار مال الإمام-سلام اللّه عليه-كمال الكافر الحربي ينهبه كل من استولى عليه، فلا حول و لا قوة إلاّ باللّه.

السؤال الثامن:

الموضوعات العرفية في نظر المجتهد إذا خالف نظر المقلد هل يجب عليه اتباع المجتهد؟و كذا الموضوعات الخارجية إذا ثبت حكم عند المجتهد و المقلد لا يعتقد ذلك الحكم، فهل يجب على المقلد تنفيذ هذا الحكم أم لا؟

الجواب:

الموضوعات العرفية لا تقليد فيها، فإذا اعتقد المقلد أنّ هذا المائع ماء و قال المجتهد هو خمر، لا يجب عليه اتباع المجتهد، نعم في بعض الموارد يكون كشهادة العدل الواحد، و كذلك الموضوعات الخارجية من حيث نفس الموضوع، أما من حيث الحكم فإن كان شرعيا وجب على المقلد اتباعه، و إلاّ فلا تقليد في غير الأحكام الشرعية، و قد ذكرنا مفصلا هذه المباحث في باب‏

96

الاجتهاد و التقليد من السفينة، فلا حاجة إلى الإعادة.

السؤال التاسع:

الجلود التي تباع في سوق المسلمين، و معلوم أنها مجلوبة من بلاد الكفّار، و لكنّ البائع مسلم، فهل هي محكومة بالطهارة و يجوز الصلاة فيها، أم لا؟ تفضلوا علينا ببيان مختاركم في حكم المسألة مع الإشارة إلى دليله.

الجواب:

الجلود إذا أخذها من يد المسلم، أو من سوق المسلمين و هو يعلم بأنّها مجلوبة من بلاد الكفار إن احتمل أنها من صنع المسلمين و لو في بلد الكفر أمكن البناء على طهارتها و تذكيتها، و إن لم يحتمل ذلك و علم أنها من صنع الكفار فهي محكومة بأنها ميتة، و لا يجوز الصلاة فيها، و لا استعمالها في مشروط بالطهارة، و ذلك لأنّ شرط جواز الاستعمال التذكية و هي أمر وجودي، و الأصل عدمه عند الشك فيه.

السؤال العاشر:

لو وقع التنازع بين الزوجين في دوام العقد و انقطاعه، فمن يقدّم قوله منهما؟أفيدونا مع الإشارة إلى الدليل.

الجواب:

التحقيق أنّ الدوام و الانقطاع صنفان من حقيقة واحدة، و لكنّ الأصل هو الدوام بمعنى أنه مع الشك يبنى على الدوام لأصالة الإطلاق؛ لأنّ الانقطاع قيد

97

و الأصل عدمه.

و بالجملة: فالقول قول مدعي الدوام حتى يثبت خلافه.

السؤال الحادي عشر:

أنه قد تعارف بين الأعاجم عقد الأخوة بين اثنين و وضعوا له صيغة تداولوها و نقلها المحدث المعاصر القمي رحمه اللّه‏ (1) في مفاتيح الجنان أخذا عن شيخه في المستدرك، و قال: ينبغي إيجادها في يوم عيد الغدير، و هي: أن يقول الأكبر سنا بعد أن وضع يده اليمنى على يد أخيه المؤمن: «آخيتك في اللّه، و صافيتك في اللّه، و صافحتك في اللّه، و عاهدت اللّه و ملائكته و كتبه و رسله و أنبياءه و الأئمة المعصومين عليهم السّلام على أني إن كنت من أهل الجنة و الشفاعة و أذن لي بأن أدخل الجنة لا أدخلها إلاّ و أنت معي» ، فيقول الآخر: «قبلت و أسقطت عنك جميع حقوق الأخوة ما خلا الشفاعة و الدعاء و الزيارة» ، و أثبتها بعض من صنّف في صيغ العقود في كتابه، و لكن قال بعض الأجلة قدّس سرّه من مشايخنا الذين عاصرناهم: «إنّ إيجاد العقد المذكور بقصد الشرعية تشريع محرّم» ، فما هذه الأخوة؟و أي دليل دل على شرعية إيجاد هذا العقد؟و كيف يمكن إسقاط الحقوق الثابتة بأصل الشرع؟

فالمرجو من سماحة الإمام-دام ظله-كشف الغطاء عن وجه الحقيقة في هذه المسألة.

____________

(1) -الحاج شيخ عباس بن محمد رضا القمي العالم المحدث المتتبع، صاحب التصانيف المنتشرة باللغتين-العربية و الفارسية-توفي بالنجف الأشرف في 23 ذي الحجة سنة (1359) هـ، و دفن بها رحمه اللّه تعالى.

القاضي الطباطبائي‏

98

الجواب:

الذي دفع المتشرعين إلى تفشي هذه الأعمال و شيوع استعمالها، هو اشتهار قاعدة التسامح بالسنن، و أنّ من بلغه ثواب على عمل فعمله كان له ذلك الثواب و إن لم يكن الأمر كما بلغه.

و من هذا الباب ما شاع من الختومات مثل ختم الواقعة، و ختم أمّن يجيب المضطر، و هكذا في جميع الأعمال التي لم يرد بها نص خاصّ معتبر، بل و في بعضها ليس فيها خبر لا ضعيف و لا قوي، فكل هذه الأمور بما أنها لا تخرج عن كونها ذكرا، أو دعاء، أو عملا مستحسنا عقلا، و لا نص على المنع منه فلا مانع من العمل به برجاء المحبوبية، أو المصلحة الواقعية، أما الإتيان به مع قصد الورود فهو مشكل لدخوله في عنوان التشريع الحرام.

أما إسقاط الحقوق الثابتة شرعا فلا مانع منه مثل حق الزيارة و العيادة، بل و حق الغيبة و الجوار و أمثالها من الحقوق الوجوبية أو الإيجابية.

و الحاصل: لا أهمية في البحث عن الدليل الخاص على رجحان هذه الأعمال أو جوازها بعد اندراجها في العمومات و أنّ الأعمال بالنيات و لكل امرئ ما نوى، و ما على المحسنين من سبيل، و على اللّه قصد السبيل.

و بالجملة: فرجاء الواقع له نصيب من الحق و الواقع، و قصد الخير من خير القصد، و اللّه ولي التوفيق و به المستعان.

99

السؤال الثاني عشر:

هل البيّنة حجة من البلد في ثبوت الهلال فيما إذا لم يكن في السماء علة أم لا؟كما تأمل في حجيتها من البلد بعض المعاصرين من الأعلام في حواشيه على العروة الوثقى، أفيدونا مع بيان الدليل.

الجواب:

في السؤال نوع إجمال، و لكن الضابطة الكلية أنّ أدلة حجية البينة مطلقة غير مقيدة بعدم الاستبعاد، و عدم الريب فيها بعد تحقق موضوعها، إلاّ أن يعلم اشتباهها أو خطأها، و لا فرق بين كونها من البلد أو خارج البلد، بعيدة أو قريبة، كما أنها حجة عند كل من شهدت عنده و لا حاجة إلى حكم الحاكم، كالشياع، نعم الأحوط التوقف على حكمه لأنه أعرف بموازين البينات.

السؤال الثالث عشر:

ما يقول فقيه الشيعة في هذه المسألة الشرعية: أنه قد تعارف بين الناس و لا سيما الإيرانيين أن الرجل يعطي إلى ابنته حين إرسالها إلى بيت زوجها أموالا من أثاث البيت و غيرها، يسمونها «جهيزية» ، ثمّ بعد وفاة الرجل يدعي ورثته أن تلك الأموال داخلة في جملة ما تركه الميت، و لا بد من تقسيمها على ما فرضه اللّه تعالى كسائر أمواله، و الحال أنه لم يعلم أنّ الرجل بأي عنوان أعطاها تلك الأموال، فهل هو بعنوان الهبة أو غيرها، أو أعطاها بعنوان كونها أمانة في يدها؟فهل الإعطاء ظاهر في الملكية و لا تدخل في تركة الميت، أو

100

الظاهر كونها أمانة في يدها ما لم يعلم أحد النواقل الشرعية؟و بأي الطرفين يتوجه القسم؟أفيدونا حكم المسألة مشروحا مع بيان الدليل و الاستدلال على مختاركم تفصيلا، أدام اللّه تعالى ظلكم العالي على رءوس الأنام.

الجواب:

لا يخفى أن للأعمال ظهورا كظهور الأقوال، و ظهورها أيضا حجة كظهور الألفاظ، و لا شك أن إعطاء الأثاثية من الآباء للبنات ظاهر في التمليك، و الهبة المجانية، مضافا إلى الغلبة و المتعارف، و ما سمعنا في العراق أو إيران أنّ الورثة أخذوا ما أعطاه الأب لابنته و قسّموه ميراثا، و الغلبة في مثل هذه الأمور حجة، و لكن يخطر على بالي أنّ الميرزا القمي-أعلى اللّه مقامه‏ (1) -في جامع الشتات جعل القول قول الورثة، و على البنت الإثبات، و لعل مدركه الاستصحاب، و قد عرفت أنه مقطوع و مرفوع بالأمارتين الاجتهاديتين، ظهور الإعطاء في التمليك مع الغلبة، و على البنت يتوجه القسم بأنها ما سمعت من أبيها أنّ ما دفعه لها عارية أو أمانة.

____________

(1) -أبو القاسم بن محمد حسن الجيلاني المعروف بـ «ميرزا القمي» ، العالم الرباني، شيخ الفقهاء، و أحد أركان الدين في عصره، صاحب التصانيف النفيسة في الفقه و أصوله، منها القوانين و الغنائم، و جامع الشتات، و المناهج و غير ذلك، و رأيت الأخير بخطه الشريف، و كان له إلماما بالأدب و الشعر و حسن الخط، ولد سنة (1151) هـ، و ضبط تأريخ وروده إلى جامعة النجف الأشرف لدراسة العلوم بسنة (1174) هـ كما في أشعاره الفارسية التي أنشدها في تأريخ وروده إليها، و رأيتها بخطه الشريف و نقلناها في كتابنا «خاندان عبد الوهاب» بالفارسية، و توطن قدّس سرّه في بلدة «قم» ، و توفي بها سنة (1231) هـ و قبره الشريف مشهور بـ «قم» يزار و يتبرك.

القاضي الطباطبائي‏

101

السؤال الرابع عشر:

في حدّ السرقة عند اجتماع الشرائط تقطع الأصابع الأربع من يده اليمنى، فإن عاد قطعت رجله اليسرى من مفصل القدم، و يترك له العقب، و قد علل الإمام عليه السّلام قطع الأصابع من اليد: بأنّ المساجد للّه تعالى، و ورد في رواياتنا أنّ ما كان للّه لا يقطع، فكيف يأتي هذا التعليل في قطع الرجل اليسرى، أ ليس رأس الإبهام من جملة المساجد على المشهور، فلم يقطع من مفصل القدم؟تفضلوا ببيان حل الإشكال.

الجواب:

لا يبعد أن السرّ في ذلك نظير من جنى جناية عليها حدّ خارج الحرم، ثمّ التجأ إلى الحرم لا يقام عليه الحد حتى يخرج رعاية لحرمة الحرم، أما لو جنى في الحرم أقيم عليه الحد و لو في الحرم؛ لأنه هو الذي هتك حرمة الحرم، و إلى مثله يومئ قوله عز شأنه: وَ مَنْ عََادَ فَيَنْتَقِمُ اَللََّهُ مِنْهُ (1) ، و منه أيضا قضية فداء اليد بخمسمائة دينار و قطعها بربع دينار، و هو الاعتراض الذي اعترضه الحكيم المعري‏ (2) بقوله المشهور:

____________

(1) -سورة المائدة، الآية 95.

(2) -أبو العلاء أحمد بن عبد اللّه بن سليمان بن محمد بن سليمان المعري، ولد بمعرّة النعمان في عام (363) هـ، و توفي عام (449) هـ، و هو شاعر فيلسوف زاهد متشائم، أوصى أن يكتب على قبره:

هذا جناه أبي علي # و ما جنيت على أحد

102

يد بخمس مئين عسجد فديت # ما بالها قطعت في ربع دينار (1)

و الأجوبة التي أجابوا بها و أجادوا، فبين قائل:

هاتيك مظلومة غالى بقيمتها # و تلك ظالمة هانت على الباري‏

و بين قائل:

عزّ الأمانة أغلاها و أرخصها # ذل الخيانة فانظر حكمة الباري‏

و حيث إنّ السارق في أول مرة له بعض العذر لذا روعي في حقه حرمة المساجد، فلم يحكم بقطعها، بل أبقاها الشارع له رأفة به، ثمّ لما تجرّأ و عاد إلى السرقة ثانيا و بعد إقامة الحد أيضا قد هتك هو حرمة مساجده، بل هتك حرمة اللّه في مساجده التي هي للّه فقوبل بمثل عمله، أي أن عمله و عوده إلى الجريمة كان قاسيا فناسب أن يكون جزاؤه أيضا قاسيا، و لعل هذا من أسرار أحكام

____________

قأنظر ذيل تاريخ الفلسفة في الإسلام تعريب الأستاذ محمد عبد الهادي أبو ريدة: ص 93 ط 2. القاهرة.

(1) -و أول البيت:

تناقض ما لنا إلاّ السكوت به # و أن نعوذ بمولانا من النار

103

الشارع و بدائع حكمته، و يكاد العارف يقطع به بعد التأمل فيه، و اللّه العالم‏ (1) .

محمد الحسين آل كاشف الغطاء حرره في مدرسته العلمية بالنجف الأشرف‏

____________

(1) -تفضل شيخنا الإمام-دام ظله-في آخر هذه الأجوبة الشريفة و كتب بخطه الشريف خطابا لهذا العبد الضعيف ما يلي:

أيها السيد الحبر، الرجاء و المعذرة من رداءة الخط و ضعف الإنشاء و الإملاء، فقد و هنت العظام و تراكمت العلل و الأسقام، و لو رأيتني لم تجد سوى الهيكل العظمي و لعجبت كيف أستطيع هذا القدر من الكتابة و إملاء هذه الأبحاث و إن و هنت و هانت و تواضعت و استكانت، و لاستكثرت مني هذا القليل و استكبرت هذا البيان الضئيل، مضافا إلى تزاحم الأشغال الباهضة من الفتاوى و المكاتيب و الوكالات و فصل الخصومات، فلا صحة و لا راحة و لا حول و لا قوة.

و على كل فالمستعان باللّه و ما قصدنا سوى خدمة هذا الشرع الشريف، و إقامة الحق و العدل، و كسح ما شاع من الأباطيل و الأضاليل، و الأمل فيكم أيدكم اللّه أن نجد منكم أقوى ساعد و مساعد، و نرى أثر مساعيكم الكريمة و إرشاداتكم الثمينة لأهل آذربايجان عموما، و في تبريز خصوصا، نرى أثركم و تأثيركم في القريب العاجل محسوسا و ملموسا تعاونا في نصرة الحق و نشر الحقيقة و قمع الباطل، و أي ذات كريمة أولى من ذاتك الشريفة في نصرة الشريعة، و عرفونا وصول هذه الأجوبة و رأيكم فيها، و اللّه يحفظك و يرعاك بدعاء.

الأب الروحي محمد الحسين‏

104

المرحلة الثانية من أجوبة المسائل السيد القاضى الطباطبائى

و وردت منه أيضا أيده اللّه هذه السؤالات:

السؤال الأول:

رجل هاشمي علوي يملك ما لا يتّجر به أو ضيعة يستغلها و لا يفي ربح المال أو الضيعة بقوت سنته، فهل يجوز له أخذ العائز من الخمس أو لا؟كما أنّ العامي الذي حاله هذه يأخذ العائز من الزكاة، فهل فرق بين الخمس و الزكاة في هذه المسألة أو لا؟أو النصوص واردة في الزكاة، و قياس الخمس عليها فيما نحن فيه من القياس الذي لا يقول به الإمامية، أفيدونا أدام اللّه تعالى ظلكم العالي.

الجواب:

نعم، يجوز للهاشمي أن يأخذ تتمة نفقته من الخمس حيث تكون له ضيعة أو رأس مال لا يفي ربحه بنفقته و نفقة عياله، كما يجوز للعامي أن يأخذ ذلك من الزكاة، و ليس هو من القياس في شي‏ء ، بل من باب تحقق الموضوع فيتبعه الحكم، و الأحكام تتبع الموضوعات، و أخبار الزكاة كصحيحة معاوية بن وهب و نظائرها تحقق موضوع الفقير الشرعي، و الخمس للفقير من السادة كما أنّ الزكاة للفقير من العوام، و الظاهر أنّ المسألة متفق عليها كما في الزكاة، و اللّه العالم. غ

105

السؤال الثاني:

رجل تزوّج صغيرة بالعقد الدائم، ثمّ ارتكب الحرام و أدخل بها، و لما بلغت طلقها بدون الدخول فهل يجب لها العدة أو لا؟و هل لها المطالبة بتمام المهر أو بنصفه؟

الجواب:

نعم يجب عليها العدة، و لها المطالبة بتمام المهر؛ لأنّ المدار على مطلق الدخول و المس، و أخبار أنّ الصغيرة لا عدة عليها ناظرة بل ظاهرة في غير المدخول بها دلالة اقتضائية، مضافا إلى موافقة الاحتياط، و حرمة الدخول قبل البلوغ تكليفية فقط، كالوطئ في الحيض ليس له أثر وضعي أصلا، و اللّه العالم.

السؤال الثالث:

أنه قد تعارف بين الناس أنهم إذا وجدوا جسد ميت من العلماء و غيرهم بعد سنين من دفنه طريا لم يتغير يعدون ذلك من الكرامات له، و يحسبون أن ذلك من علائم السعادة، فما وجه هذا الاعتقاد؟هل له دليل و مستند مستفاد من أخبار أهل البيت عليهم السّلام، خزان علم اللّه و حفظة وحيه، أو لا؟مع أنا نشاهد بالوجدان و العيان ظهور جسد بعض الفساق، بل و من هو أسوأ حالا منهم أيضا بعد أعوام كثيرة من موته طريا لم يتغير، اكشفوا لنا الغطاء عن هذه المعضلة، لا زلتم مرجعا في أحكام الدين، و كهفا للمسلمين.

106

الجواب:

يخطر على بالي أنّ في أحد الكتب، من إرشاد الديلمي، أو معالم الزلفى، أو الأنوار النعمانية: أنّ الأنبياء و الأئمة سلام اللّه عليهم، بل و العلماء، لا تبلى أجسادهم، و هذه القضية شائعة عند عوام الشيعة، بل و بعض الخواص، و لعله بلغكم ما يقال: من أنّ أحد الأمراء أراد نبش قبر الإمام موسى بن جعفر-سلام اللّه عليهما-ليتحقق هذه القضية، فقيل له: إنّ الشيعة يعتقدون ذلك في علمائهم أيضا، فنبش قبر الكليني‏ (1) ، أو المفيد (2) رضوان اللّه عليهما، فوجده بحاله لم يتغير، و مثلها للشاه إسماعيل الصفوي‏ (3) مع الحر سلام اللّه عليه، و مثل هذه

____________

(1) -أبو جعفر محمد بن يعقوب بن إسحاق الكليني الرازي، ثقة الإسلام، صاحب الجامع الكبير (الكافي) ، الذي هو من جلائل الكتب الإسلامية، و من نفائس الآثار الدينية لم يعمل للإمامية مثله، توفي ببغداد سنة (329) هـ.

(2) -أبو عبد اللّه محمد بن محمد بن النعمان البغدادي، الملقب بـ «المفيد» ، شيخ الإمامية و رئيس الشيعة الاثنا عشرية، صاحب المؤلفات النفيسة و الآثار الخالدة، تولد سنة (336) هـ، و توفي ببغداد سنة (413) هـ.

(3) -الشاه إسماعيل بن سلطان حيدر الموسوي الصفوي، من أكبر سلاطين الشيعة الإمامية، ولد سنة (892) هـ، و أمه كريمة جدنا السلطان حسن بك آق‏قيونلو المعروف بـ «اوزون حسن» ، فإن والده حيدر كان ابن أخت الحسن بك و صهرا على ابنته أيضا، كما أن جدنا الفقيه الشهيد في أعماق السجون و ظلمات الجباب الأمير عبد الوهاب الحسني الطباطبائي (شيخ الإسلام) الشهير قدّس سرّه كان صهرا آخر أيضا للحسن بك، أطلب تفصيل ذلك من كتابنا «خاندان عبد الوهاب» .

و جلس الشاه إسماعيل على عرش السلطنة سنة (906) هـ بتبريز، و توفي سنة (930) هـ، و دفن باردبيل عند جده سلطان العارفين الشيخ صفي الدين إسحاق الموسوي‏