الفردوس الأعلى

- الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء المزيد...
351 /
107

الأشياء لا ينبغي الجزم بتصديقها و لا تكذيبها، بل «فذروه في سنبله» ، و قاعدة الشيخ الرئيس‏ (1) «كل ما قرع سمعك» إلى آخرها (2) .

____________

قالأردبيلي قدّس سرّه، المتوفى (735) هـ، أنظر توضيح المقاصد للشيخ البهائي قدّس سرّه: ص 4، ط.

مصر؛ و لاحظ إطراء الشيخ عليه، و قصة نبشه قبر الحر-سلام اللّه عليه-مشهورة، ذكرها السيد المحدث الجزائري رحمه اللّه في الأنوار النعمانية، و نقلها العلامة المامقاني قدّس سرّه في تنقيح المقال في ترجمة الحر رضوان اللّه عليه: ج 1/ص 260، و ذكر أحمد زيني دحلان في الفتوحات الإسلامية: ج 2/ص 136، و ابن العماد في شذرات الذهب في حق الشاه إسماعيل من الشطحات و الأباطيل ما يضحك منه الثكلى، أعاذنا اللّه من العصبيات الممقوتة و التعصبات القومية لتلك التعصبات و الخلافات التي وقعنا من جرائها في أعمق مهاوي الذل و الصغار، و رزايا الفتن و الاستعمار.

القاضي الطباطبائي‏

(1) -أبو علي الحسين بن عبد اللّه بن سينا البلخي البخاري، الفيلسوف الطائر الصيت، رئيس فلاسفة الإسلام، صاحب المصنفات المشهورة، توفي (427) هـ، و دفن بـ «همدان» ، و هو القائل في حق أمير المؤمنين عليه السّلام: «علي بين الخلق كالمعقول بين المحسوس» . أنظر أعيان الشيعة: ج 26/ص 298 ط. دمشق، و غيره من كتب التراجم و الرجال للفريقين.

(2) -إشارة إلى القاعدة أو النصيحة التي ذكرها الشيخ الرئيس ابن سينا رحمه اللّه في النمط العاشر من كتابه «الإشارات» و قال: «نصيحة: إياك أن يكون تكيسك و تبرؤك عن العامة هو أن تبرئ منكرا لكل شي‏ء فذلك طيش و عجز، و ليس الخرق في تكذيبك ما لم يستبن لك بعد جليته دون الخرق في تصديقك به ما لم تقم بين يديك ببينة، بل عليك الاعتصام بحبل التوقف و إن أزعجك استنكار ما يوعاه سمعك ما لم تتبرهن استحالته لك، فالصواب أن يسرح أمثال ذلك إلى بقعة الإمكان ما لم يذدك عنه قائم البرهان» .

و قال المحقق الطوسي قدّس سرّه في شرحه: «و الغرض من هذه النصيحة النهي عن مذاهب المتفلسفة الذين يرون إنكار ما لا يحيطون به علما، حكمة و فلسفة و التنبيه على أن إنكار أحد طرفي الممكن من غير حجة ليس إلى الحق أقرب من الإقرار بطرفه الآخر من غير بيّنة، بل الواجب في هذا المقام التوقف» .

القاضي الطباطبائي‏

108

أما في الأدلة الشرعية من الكتاب و السنة فلا أتخطر دليلا في ذلك معتبرا يعتمد عليه، نعم في خواص بعض الأعمال المستحبة كغسل الجمعة ربما يوجد أنّ من خواصها حفظ الجسد من البلا، و على فرضه فلا بد أن يكون المراد إلى مدة ما و إلاّ فكل شي‏ء فان و لا يبقى إلاّ وجهه الكريم، و بقاء الأجسام و تلاشيها ببطء أو سرعة يختلف باختلاف استعدادها، و التربة التي يدفن فيها، و رب جسد يبقى مائة سنة و آخر إلى جنبه تلاشى بخمسين سنة، و لله البقاء، و منه البدء وحده، و إليه المعاد.

حرره الفقير محمد الحسين آل كاشف الغطاء في مدرسته العلمية بالنجف الأشرف ربيع الثاني-1368 ه

109

مسائل اخرى‏

بسم الله الرحمن الرحيم‏

الحمد للّه، و الصلاة على رسوله و على آله.

و بعد: فهذه مسائل سألتها من حضرة الأستاذ العلامة الأكبر و المصلح الأعظم، فيلسوف الإسلام آية اللّه في الأنام، الشيخ محمد الحسين آل كاشف الغطاء مدّ ظله.

السؤال الأول:

القول بالنشوء و الارتقاء و أدوار الأرض الجيولوجية موافق لمذهب الإسلام أم مخالف؟و ما الدليل على الوفاق، أو الخلاف؟

الجواب:

الإسلام عقيدة و عمل، يعني تهذيب للروح و تكميل للقوة العاقلة، و لا علاقة له بالعلوم الطبيعية و خواص المادة، و المهمة التي جاءت بها الأديان و نزلت بها الكتب هي معالجة النفوس من الأمراض الخبيثة التي هي السبب الوحيد فيما يقع في الحياة الاجتماعية من الشرور، و سفك الدماء، كالحسد، و الحرص، و الطمع، و الشهوة، و نظائرها، و تبديلها بأضدادها الموجبة للصحة و الاستقامة و تعديل القوتين الغضبية و الشهوية.

هذه هي مهمة الشرائع و الأديان، و أساس كل ذلك هو رسوخ الاعتقاد

110

بالمبدإ المقدس و الصانع و الدينونة بأنّ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقََالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ، `وَ مَنْ يَعْمَلْ مِثْقََالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ.

نعم القرآن العزيز مثله الأعلى و مهمته الأولى هي الدعوة إلى اللّه، و تقوية الاعتقاد بالمبدإ و المعاد، و نشر الفضيلة، و قمع الرذيلة، و لكن بما أنه كتاب الأبد و سفر الخلود، و المعجزة الباقية، تعرّض تلويحا مرة و تصريحا أخرى، و بين التصريح و التلويح ثالثة إلى فلسفة التكوين و بدء الخليقة، و بعض أسرار الطبيعة، و لا يبعد أن يكون أمثال قوله تعالى: خَلَقَ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيََّامٍ (1) ، ثمّ فصلها في سورة «فصلت» بقوله تعالى: بِالَّذِي خَلَقَ اَلْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ ، وَ جَعَلَ فِيهََا رَوََاسِيَ ... وَ قَدَّرَ فِيهََا أَقْوََاتَهََا فِي أَرْبَعَةِ أَيََّامٍ إلى قوله:

فَقَضََاهُنَّ سَبْعَ سَمََاوََاتٍ فِي يَوْمَيْنِ (2) ، و قوله عز شأنه: خَلَقَ سَبْعَ سَمََاوََاتٍ وَ مِنَ اَلْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ (3) .

نعم، لا يبعد أن يكون عز شأنه أشار بهذه الآيات إلى أدوار الأرض، و طبقاتها و مبادي تكوينها من الغاز ثمّ البخار ثمّ الجليد ثمّ التراب و هكذا، وفق ما اهتدى إليه العلم الحديث، و ما سيكشفه البحث و التنقيب في المستقبل، فإن كان المراد بهذه الآيات تلك المعاني و المقاصد فذاك، و إلاّ فلا يقدح بكرامة القرآن العظيم خلوّه من ذلك؛ فإنّه مسوق لغير هذه الغاية، نعم هو مسوق لتلك المقاصد الشريفة، و الغايات المقدسة التي لو أخذ الناس بها لأصبحت الدنيا جنة من جنان الفردوس التي وعد اللّه بها عباده المتقين، فليس في القرآن الكريم

____________

(1) -سورة يونس، الآية 3.

(2) -سورة فصلت، الآية 9-12.

(3) -سورة الطلاق، الآية 12.

111

نص صريح بتلك الأمور حتى نقول: إنها توافق الإسلام أو تخالف.

السؤال الثاني:

هل القرآن دالّ على كون آدم أبا البشر، و أول خليقة من هذا النوع أم لا؟ و على فرض كون آدم أول مخلوق من النوع الإنساني فكيف التناسل بين أولاده؟

الجواب:

جميع الآيات الكريمة في هذا الموضوع صريحة في أنّ آدم خلق من تراب، و تكون بالخلق الفجائي، و أنّ ينبوع الحياة الأزلي نفخ فيه نسمة الحياة، و هو حيّ مستحدث من جماد، بل الحق الصراح عند أرباب الفلسفة العالية أنّ الروح في سائر الأجسام الحية هي جسمانية الحدوث روحانية البقاء، فآدم الذي نوّه عنه القرآن الكريم هو الأب الأعلى لهذا النوع الموجود على هذه البسيطة، و كلهم من نسله، و لكن ليس في القرآن و لا الأحاديث ما يدل على أنه الأول من هذا النوع، بل في الكتاب و الحديث ما يدل على خلاف ذلك.

ففي تفسير قوله تعالى: بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ (1) ، وردت عدة أخبار عن الصادقين-سلام اللّه عليهم-مضمونها، أو نصها تقريبا: «تحسبون أنه ليس غير آدمكم هذا، بلى أن اللّه سبحانه خلق ألف ألف آدم، و ألف ألف عالم قبل هذا، و يخلق بعد انقراض هذا العالم و دخول أهل الجنة جنتهم، و أهل الجحيم جحيمهم ألف ألف آدم، و ألف ألف عالم» ، و تجد معظم هذه الأخبار في كتاب

____________

(1) -سورة ق، الآية 15.

112

«الخصال» للصدوق أعلى اللّه مقامه.

و صريح هذه الأخبار أن هناك ما لا يحصى من الآدميين و العوالم، و هو الموافق لعدم تناهي قدرته تعالى، و أنّ‏ يَدََاهُ مَبْسُوطَتََانِ ، و أن فيضه ما زال و لا يزال و لا ينقطع في حال من الأحوال‏ وَ قََالَتِ اَلْيَهُودُ يَدُ اَللََّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَ لُعِنُوا بِمََا قََالُوا .

أما كيفية التناسل في بدء هذا الدور-أعني دور آدمنا هذا الذي نحن من نسله-فلها حسب ما ورد في بعض الآثار و الأخبار طريقتان:

الأولى: و لعلها الأصح: أنّ حوّاء كانت تلد توأما، كل بطن ذكر و أنثى، فكان يزوج الذكر من هذا البطن من الأنثى من البطن الآخر، و هكذا.

و الإشكال أنه كيف يزوج الأخت من أخيها و لو من بطن آخر، و أنه لا يخرج عن كونه زنا و بذات المحارم؟مدفوع بأنّ الزنا ليس إلاّ مخالفة القوانين المشروعة، و النواميس المقررة من المشرّع الحكيم، و حيث إنّ في بدء الخليقة لا يمكن التناسل إلاّ بهذا الوضع أجازه الشرع في وقته لوجود المقتضي و عدم المانع.

ثمّ لما تكثر النسل، و مسّت الحاجة إلى حفظ الأنساب و تميّز الأسر و الأرحام، و حفظ النظام العائلي، و حصل المانع من تزوّج الأخ بأخته و أمثال ذلك مما تضيع فيه العائلة و تهد دعائم الأسر، و لا يتميز الأخ من الابن، و الأخت من البنت؛ لذلك وضع الشارع قوانين للزواج يصون النسل عن الاختلاط و الامتزاج، و هذا المحذور لم يكن في بدء الخليقة يوم كانت أسرة آدم و حوّاء نفرا معدودا.

الطريقة الثانية: ما في بعض الأخبار من أنّ اللّه-جل شأنه-أنزل‏

113

حوريتين، فتزوّجهما ولد آدم، فكان النسل منهما، و لعل المراد من الحوريتين امرأتين بقيتا من السلائل البشرية المتقدمة على آدمنا هذا.

و على كل حال، فلا يلزم الزنا، و لا مخالفة حرمة نكاح المحارم.

السؤال الثالث:

ذكر علماء الهيئة أن سبب الخسوف هو حيلولة الأرض بين القمر و الشمس، و سبب الكسوف هو حيلولة القمر بين الأرض و الشمس، و بهذا يعلم المنجمون وقت الخسوف، و الكسوف، فحينئذ أيّ ربط بين ما ذكروه و بين ما في بعض الأخبار بأنّ سببهما كثرة الذنوب، و هاتان من علامة غضب اللّه، فكيف يعلم المنجمون وقت غضب اللّه؟فلو فرضنا عدم وجود إنسان في الدنيا لا يكون خسوف و لا كسوف؟

الجواب:

ما ذكره علماء الهيئة في سببهما كاد يكون محسوسا، أو كالمحسوس، أما ما ورد في الأخبار من أن سببهما كثرة الذنوب فهو مضافا إلى ضعفها المانع عن جواز التعويل عليها، و معارضة بعض الأحاديث النبوية لها الواردة في الخسوف المقارن لموت إبراهيم ابن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، و اعتقاد الناس أنّ ذلك لموت إبراهيم فردعهم النبي صلّى اللّه عليه و آله، و خطب قائلا: إنّ الشمس و القمر آيتان من آيات اللّه لا يخسفان لموت أحد و لا لحياة أحد... الخ، يمكن تأويلها و حملها على إرادة المعنى الكنائي: و هي أنّ كثرة الذنوب هي التي تطمس نور شمس الهداية و تذهب بنور أقمار العقول، فالذنوب هي التي ينخسف بها قمر العقل، و ينكسف شمس المعرفة، فلا يبقى للعقل و لا للمعارف أثر، كما ينكسف الشمس بحيلولة

114

القمر، و القمر بحيلولة الأرض، و هذا معنى حسن و مقبول عند ذوي العقول، و إن أبيت فطرح تلك الأخبار هو الأصح، و اللّه العالم.

السؤال الرابع:

ما معنى المعاد الجسماني، هل يعود عين البدن الدنيوي أو غيره؟فلو كان عين البدن الدنيوي فما معنى قوله تعالى: لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى‏ََ وَ قَدْ كُنْتُ بَصِيراً (1) ؟

الجواب:

معنى المعاد الجسماني كما في بعض الأخبار: أنك لو رأيته لقلت هذا هو فلان بعينه، و كما أنك لو رأيت شخصا في الدنيا و هو صحيح سليم الأعضاء ثمّ رأيته بعد عشر سنين مثلا مقطوع الاصبع، أو اليد، أو قد ذهبت عينه، أو أذنه، تقول هو فلان بعينه، و لا يقدح في شخصيته فقدان يده أو عينه، فكذلك في الآخرة لا يقدح في وحدته، و تشخصه كونه كان في الدنيا بصيرا و يحشر في الآخرة أعمى، و هذا العمى هو العمى الحقيقي الذي كان له في الدنيا، و هو عمى البصيرة، و حيث إنّ الدار الآخرة هي الدار التي تبلى فيها السرائر و تظهر الحقائق، فلا محيص من أن يحشر الكافر و الفاسق أعمى، و يعرف أهل المحشر أنّ هذا هو الذي كان أعمى في الدنيا حقيقة و إن كان بصيرا صورة قد حشره اللّه بصورته الحقيقية في الآخرة التي هي دار الحق و الحقيقة.

و يؤيده قوله تعالى: كَذََلِكَ أَتَتْكَ آيََاتُنََا فَنَسِيتَهََا وَ كَذََلِكَ اَلْيَوْمَ تُنْسى‏ََ ،

____________

(1) -سورة طه، الآية 125.

115

فتدبره جيدا و اغتنمه فإنك لا تجده في شي‏ء من كتب التفاسير و لا غيرها، و المنّة للّه وحده، و عسى أن يأتي البحث عن المعاد الجسماني مفصلا.

السؤال الخامس:

ولد الزنا هل له نجاة في الآخرة أم لا؟و فرض كونه من الهالكين خلاف مقتضى العدل؛ لأنّ الذنب على أبويه.

الجواب:

ولد الزنا حسب قواعد العدلية المطابقة للموازين العقلية و الأدلة القطعية من أنه لاََ تَزِرُ وََازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى‏ََ ، و لا يعاقب شخص بجريمة غيره، فحاله إذا حال سائر المكلفين، إن اختار الطاعة و عمل الخير فهو من أهل الجنة و النعيم، و إن اختار المعصية و عمل الشر كان من أهل الجحيم، و كل ما في الأخبار مما ينافي هذا فلا بد من تأويلها، و حملها على ما لا ينافي تلك القاعدة المحكمة، و خبث نطفته و شقاوة أبيه ليسا بحيث يسلبان منه القدرة و الاختيار على الطاعة و المعصية، فهذه الأخبار كأخبار الطينة و السعادة و الشقاوة، مثل أنه تعالى قبض قبضة من طينة البشر و قال: هذه للنار، و لا أبالي، و قبض أخرى و قال: هذه للجنة، و لا أبالي، و أمثال قوله تعالى: طَبَعَ اَللََّهُ عَلى‏ََ قُلُوبِهِمْ (1) ، و أَضَلَّهُ اَللََّهُ عَلى‏ََ عِلْمٍ (2) ، و هي كثيرة في القرآن العزيز، مما يدل بظاهره أن الإغواء و الإضلال و الطبع و الشقاء هو من اللّه قهرا و جبرا على العباد، و ليس ذلك هو المراد قطعا، و لا مجال لبسط الكلام في هذا المقام بأكثر من هذا.

____________

(1) -سورة التوبة، الآية 93.

(2) -سورة الجاثية، الآية 23.

116

السؤال السادس:

ظاهر القرآن، أو الدليل العقلي يساعد كون نبينا محمد صلّى اللّه عليه و آله خاتم الأنبياء -بالكسر-أم لا؟

الجواب:

نعم، ظاهر القرآن في قوله تعالى: وَ خََاتَمَ اَلنَّبِيِّينَ (1) ، على القراءتين -الفتح و الكسر- «اسم فاعل، و اسم مفعول» ، هو أنه صلوات اللّه عليه و آله قد ختمت به النبوة.

و أما الدليل العقلي فهو واضح لمن تدبّر نواميس هذه الشريعة و أحكامها، و أنها بلغت الغاية في الإحاطة بمصالح البشر و النظام الاجتماعي الذي لا تتصور العقول أرقى منه و أكمل، فلا بدّ أن تكون هي الغاية و الخاتمة، كما قال جل شأنه: اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ (2) ، و إذا كمل الشي‏ء فقد تمّ و انتهى، و لا مجال لجعل غيره؛ إذ المجعول إما مثله أو أنقص فهو قبيح، و أما الإكمال فهو حاصل في هذه الشريعة، و اللّه العالم.

السؤال السابع:

في الحديث أنّ النبي صلّى اللّه عليه و آله لما فتح مكة و دخل الكعبة و كسر الأصنام، كان صنم في موضع مرتفع، فقال علي عليه السّلام: يا رسول اللّه، أنا أحملك لتكسر هذا

____________

(1) -سورة الأحزاب، الآية 40.

(2) -سورة المائدة، الآية 3.

غ

117

الصنم، فقال رسول اللّه: أنت لا تطيق حمل النبوة، ما معنى هذا الحديث، و الحال أنّ النبي يركب الدواب؟

الجواب:

نعم، فرق بين حمل الدواب للنبي صلّى اللّه عليه و آله، و حمل أمير المؤمنين عليه السّلام له؛ إذ من المعلوم الضروري أنّ البدن سواء في الحيوان، أو الإنسان، هو الذي يحمل الأثقال، و ينهض نهضة الأبطال، و لكن إنما ينهض البدن بحملها بقوة الروح و عزيمة الهمة و الشعور.

ضرورة أنّ الجبل الشامخ لا يقوى على حمل طائر، بل لا يقدر على حمل ذبابة، بل الطائر و الذبابة تحمل نفسها عليه، فإنّ الإنسان بقدر عزمه و همّته و شعوره يحمل الأثقال، و لما كان مثل أمير المؤمنين عليه السّلام، يعرف عظمة النبي صلّى اللّه عليه و آله، و يقدر هيبة النبوة، و يدرك معنى تلك المرتبة و الوظيفة الإلهية، فلا ريب أنّ قوة البشرية مهما كانت عظيمة فهي تتصاغر أمام تلك العظمة و تندك لدى إشراق لمعات تلك الهيبة؛ لأنّ تقديرها على مقدار إدراكها و الشعور بها.

أما الحيوان و سائر أفراد الإنسان فلا يدرك من النبي صلّى اللّه عليه و آله و لا يعرف من حقيقته إلاّ جسده الظاهري و هيكله المادي، و معلوم أنه خفيف الطبع لطيف الجسد، يقوى على حمله من هذه الجهة كل أحد، و لكن أمير المؤمنين عليه السّلام و جبرئيل يعرفان من فضله ما يعجزهما عن حمله، فتدبّر و اغتنم، و باللّه التوفيق.

السؤال الثامن:

ما هي فلسفة الاضحية في منى؟نرى كثرة الحجاج، و عدم المصرف‏

118

للحوم ذبائحهم في منى، فلو فرضنا الحجاج مائة ألف فلا يقل كل واحد غالبا عن ذبيحتين، في الأضحية و الكفارة، تصير مائتي ألف ذبيحة، فيذبح و لا مصرف لها، و لا أحد يأخذ، فيطرح على الأرض و يفسد الهواء و يتولد الأمراض، و في هذا الزمان يقولون يجمعها ابن سعود في بئر و يطرح عليها التراب، فأي فائدة فيها، اجتماعية و انفرادية؟فلو عيّن الشارع الإسلامي على كل أحد من الحجاج بدل الهدي مقدارا معينا من النقود فيجمع للصرف في مصالح العامة للمسلمين، أ ليس أحسن؟

الجواب:

قضية الذبائح و القرابين، و تقديمها للآلهة بكثرة، شعيرة من الشعائر القديمة في أكثر الأديان، حتى عند المشركين و عبدة الأوثان، فضلا عن الديانات الثلاث المشهورة.

و حيث إنّ الشريعة الإسلامية جعلت الكعبة قبلة للمسلمين و إليها حجّهم و موقع الكعبة هو الحجاز، و هي أرض-كما يعلم كل أحد-قاحلة و حرة سوداء، لا يعيش فيها ضرع و لا زرع، و أهل الحجاز على الغالب فقراء بالفقر المدقع الذي كان يدفعهم إلى استطابة أكل الحشرات و الوحوش من الضب، و اليربوع، و الأرانب و نحوها، بل ربما يضطرون في بعض السنوات إلى أكل الدم الممتزج بالصوف، بل ما هو أسوأ من ذلك، فقضت الحكمة الإلهية الإرفاق بأهل تلك البلاد و التوسعة عليهم.

و من يتجوّل في القبائل الحجازية و ينظر شحوب تلك الشعوب، و غبرة وجوههم، و رثّ ملابسهم، و جشوبة طعامهم، يعرف سعة الرحمة الإلهية،

119

و الشفقة الربوبية في فرض هذا النسك.

و من يراجع الآيات الكريمة الواردة في هذا الموضوع يعرف جليا أنّ الحكمة و الغرض من هذا الحكم هو التوسعة على الفقراء و الهلكى الذين هم أكثر أهل الحجاز، و إشباع نهمهم و سد فورتهم، يقول جل شأنه: فَكُلُوا مِنْهََا وَ أَطْعِمُوا اَلْبََائِسَ (1) ، ثمّ يقول: فَإِذََا وَجَبَتْ جُنُوبُهََا فَكُلُوا مِنْهََا وَ أَطْعِمُوا اَلْقََانِعَ وَ اَلْمُعْتَرَّ (2) .

فقول السائل: إنه لا مصرف لها، غير صحيح، و كل أحد يعلم أنّ جمعا كبيرا من أعراب تلك النواحي يجتمعون و يتقاسمون تلك الذبائح فيما بينهم، و يتناهبون تلك الأغنام انتهاب الغنائم، و إن بقي فضلة منها فهي من التوابع القهرية، و الغالب أنّ الخير الكثير ليستتبع الشر اليسير، و هذا أيضا لا يعود إلى نقص في التشريع؛ فإنّ قبائل الحجاز لو اجتمع نصفهم فضلا عن كلهم لما كان يقع سهم كل واحد منهم شاة واحدة من تلك الأضاحي الكثيرة؛ لأنهم يبلغون على أقل تقدير أكثر من مليونين، و نصفهم على أقل فرض فقراء، فلو اجتمعوا في صحراء منى و عرفات، و هي قريبة منهم، أو أرسلوا وكيلا، أو وكلاء يحملون إليهم حصصهم لكان سهم كل عشرة شاة واحدة، و لكن هم المقصرون في الانتفاع بما فرضه اللّه لهم على حدّ قول شاعر الفرس:

«گر گدا كاهل بود تقصير صاحب خانه چيست»

أما تعين مقدار من النقود بدلها فهو خلاف غرض الشارع الذي يحب إطعام الطعام، و بذل الزاد لإشباع الجائع، و دفع كضّة النهم، و القرم، فإنّه قد يمر

____________

(1) -سورة الحج، الآية 28.

(2) -سورة الحج، الآية 36.

120

على البدوي في الصحراء الشهر أو الشهرين لا يذوق فيها طعم اللحوم، و لا يشمّ قتار الدسوم، على أنّ الشارع ببركة ما أوجب على أغنياء المسلمين في الحج إلى تلك المشاعر و الشعائر، و ما ينفقون فيها من الأموال الطائلة قد صبّ عليهم البركة صبّا، و ملأ جيوبهم بالنقود، فأوجب الأضاحي تكميلا لغاية، و اتساعا في المنفعة، و استقصاء في الأخذ بأسباب الجود، و عموم الكرم.

و لعل هذا هو السر أو بعض المصالح و الحكمة التي نظرت إليها العناية العليا و الرعاية الأزلية حتى صارت القرابين و الأضاحي من النواميس المقدسة في أكثر الشرائع و الأديان، و حثت على الإكثار منها، و لأن كان هذا بالغا مرتبة الرجحان في سائر الأقطار و البلدان فهو للحجاز، و لا سيّما البيت الحرام، و هو بواد غير ذي زرع، و لا سبد، و لا لبد، ينبغي بل يلزم أن يكون بحد الوجوب، و هكذا كان الأمر من لدن حكيم عليم.

نعم، يلزم على أولياء الأمور في تلك المشاعر التنظيم و العناية بما يستوجب الانتفاع بتلك الذبائح، و دفع مضارها، أو بيع ما لا يمكن الانتفاع منه إلاّ بالاحتفاظ به بعمل و تدبير كجلودها و أصوافها، فيلزم إصلاحه أولا ثمّ بيعه و توزيع ثمنه على الفقراء، أو المصالح العامة بإجازة حاكم الشرع، أو الحاكم العادل.

السؤال التاسع:

كيف يمكن التوفيق بين قوله تعالى: ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنََا حِسََابَهُمْ (1) ، و قوله عليه الصلاة و السلام في زيارة الجامعة المشهورة: «و حسابهم عليكم» ؟

____________

(1) -سورة الغاشية، الآية 26.

121

الجواب:

هذا سهل واضح، و ما أكثر التوسع في لغة العرب، و أنواع الكنايات و المجاز فنقول: بنى الأمير المدينة، و نقول: بنى العمّال المدينة. الأول تسبيبا و إشرافا، و الثاني مباشرة و عملا، و اللّه سبحانه هو الذي يأمر أنبياءه و أوصياءهم بمحاسبة الخلق، فيكون حسابهم عليه أمرا و إشرافا و إحاطة و الأنبياء محاسبون معاشرة، و ولاية، و يصحّ نسبة الحساب من هذه الحيثيات إلى اللّه جل شأنه من جهة، و إلى الأئمة عليهم السّلام من جهة أخرى.

السؤال العاشر:

ما الحكمة في تعدد أزواج النبي صلّى اللّه عليه و آله؟

الجواب:

أننا لو أردنا أن نكتب مؤلفا خاصا في الحكم، و المصالح التي اشتملت عليه هذه الشرعة النبوية و السياسة المحمدية لكان يلزمنا القيام بأكبر مؤلّف، و قد لا نحيط بسائر الجهات منها.

نعم، نعلم على الجملة أنّ اقترانه بكل واحدة من تلك الزوجات كانت المصلحة في تلك الظروف المعينة تقتضي وجوبه الحتمي، و للمجموع أعني لمجموع التعدد إجمالا حكم و مصالح أيضا توجبه و تلزم به، و لا يسعنا إيضاح تلك المصالح جميعا، و لكن نشير إلى واحدة منها إشارة إجمالية، و هي:

أنه-سلام اللّه عليه-أراد أن يضرب المثل الأعلى و البرهان الأتم الأجلى‏

122

لنفسه الملكوتية و مقدار رزانتها، و قوة استقامتها و عدلها، و عدالتها، و كل أحد يعلم كيف تتلاعب النساء بأهواء نفوس الرجال، و تتصرّف فيها حسب ما تشاء، كما يعلم كل أحد ما بين النساء و الزوجات من التنافس، و الغيرة، و إعمال الدسائس و المكائد فيما بينهن، و اضطراب حبل النظام العائلي و القلق الداخلي، و هذه الذات المقدسة الغريبة في جميع أطوارها، ضربت المثل الأعلى في ضبط النفس، و إقامة العدل بين زوجاته المتعددات، و عدم الانحراف عن محجة العدل و الإنصاف بينهن قيد شعرة، مع جمعه لهنّ في منزل واحد، و اختلافهن في السن و الجمال، و سائر الجهات التي تستهوي النفوس.

و نحن نجد في الكثير الغالب أنّ الرجل الصلب القوي قد يعجز عن إرضاء زوجتين و إقامة ميزان العدل بينهن على أتم حدوده و مقاييسه، و لا بد أن ترجح إحدى الكفّتين عنده و لو قليلا، مهما بالغ في التحفظ و الكتمان، فكيف بمن يحسن معاشرة تسع نساء، أو أكثر في منزل واحد، فيرضي الجميع، و يعدل بين الكل، و يخضعن له جميعا، و هن «حبائل الشيطان» ، و لا يرضيهن في الغالب كل ما في الكون من ثروة و سلطان، حتى أنّ إحدى زوجاته و هي سودة بنت زمعة (1) لما أراد النبي طلاقها و هبت لعائشة ليلتها، و لم ترض أن يطلّقها، و قالت:

____________

(1) -سودة بنت زمعة بن قيس بن عبد شمس، القرشية العامرية، عدها شيخ الطائفة الطوسي قدّس سرّه في رجاله من الصحابيات، و كذلك جمع من علماء أهل السنة، و كانت قبل أن يتزوجها رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله تحت ابن عم لها يقال له: السكران بن عمرو، و لما أسلمت و بايعت النبي صلّى اللّه عليه و آله أسلم زوجها معها، و هاجرا جميعا إلى أرض الحبشة، فلما توفي عنها تزوجها رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، و كان ذلك في شهر رمضان سنة عشر من النبوة بعد وفاة خديجة بمكة، و قيل: سنة ثمان للهجرة، على صداق قدره أربعمائة درهم، و هاجر بها إلى المدينة، و كانت امرأة ثقيلة ثبطة، و من فواضل عصرها، و أسنت عند رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، و لم تصب منه ولدا، و وهبت ليلتها

123

____________

قلعائشة حين أراد طلاقها فقالت: لا تطلقني و أمسكني، و اجعل يومي لعائشة لا رغبة لي في الرجال، و إنما أريد أن أحشر في أزواجك، ففعل صلّى اللّه عليه و آله، فنزلت: فَلاََ جُنََاحَ عَلَيْهِمََا أَنْ يُصْلِحََا بَيْنَهُمََا صُلْحاً وَ اَلصُّلْحُ خَيْرٌ .

و روى محمد بن إسحاق عن حكيم بن حكيم، عن محمد بن علي بن الحسين، عن أبيه عليه السّلام قال: كان جميع ما تزوج رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله خمس عشرة امرأة، و كان أول امرأة تزوجها بعد خديجة بنت خويلد: سودة بنت زمعة.

و ذكر النسابة محمد بن حبيب البغدادي المتوفى سنة (245) هـ بسر من رأى، في زمن خلافة المتوكل العباسي، في كتابه المحبر: ص 79 طبعة حيدرآباد الدكن: أنّ سودة كانت قد رأت في المنام أن النبي صلّى اللّه عليه و آله أقبل يمشي حتى وطئ على عنقها، فأخبرت زوجها، فقال:

و أبيك لئن صدقت رؤياك لأموتن و ليتزوجنك محمد صلّى اللّه عليه و آله، ثمّ رأت في المنام ليلة أخرى كأنّ قمرا انقض عليها من السماء و هي مضطجعة، فأخبرت زوجها فقال: و أبيك لا ألبث إلاّ يسيرا حتى أموت ثمّ تتزوجين من بعدي، فاشتكى السكران من يومه ذلك فلم يلبث إلاّ قليلا حتى مات، فتزوجها النبي صلّى اللّه عليه و آله ثمّ طلقها تطليقة، و كانت قد كبرت، فبلغها ذلك فجمعت ثيابها، ثمّ جلست على طريقه الذي يخرج منه إلى الصلاة، فلما دنا منها بكت، ثمّ قالت: يا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله هل غمصت علي في الإسلام؟فقال: اللهم لا، قالت: فإني أسألك لما راجعتني، فراجعها، فقالت له: يا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يومي لعائشة في رضاك، لأنظر إلى وجهك، فو الله ما بي ما تريد النساء، و لكني أحب أن يبعثني اللّه في نسائك يوم القيامة، و كانت حاضنة ولده صلّى اللّه عليه و آله.

توفيت سودة بالمدينة في شوال سنة (54) هـ في زمن معاوية، و قيل: توفيت في خلافة عمر، و قيل: توفيت سنة (55) هـ.

ثمّ إنّ سودة التي كانت في زمن خلافة أمير المؤمنين عليه السّلام هي سودة بنت عمارة بن الأشتر الهمدانية، و هي شاعرة من شواعر العرب، ذات فصاحة و بيان، و وفدت على معاوية فاستأذنت عليه، فأذن لها، فلما دخلت عليه سلمت، فقال لها: كيف أنت يا ابنة الأشتر؟ قالت: بخير، قال لها: أنت القائلة لأبيك:

شمر كفعل أبيك يا ابن عمارة # يوم الطعان و ملتقى الأقران‏

124

أريد أن أحشر في أزواجك، و كانت بيئته و قلة ذات يده، و جشوبة عيشه، و خشونة أزيائه، كلها تستدعي على الدوام بينهن حدوث الشغب، و تقطع حبل الراحة بمقاريض التعب، و لكنه-على ذكره السلام-لم يحدث شي‏ء واحد من ذلك في بيته مدة عمره بينهنّ، سوى واقعة واحدة هي في غاية البساطة، بل هي من أعلام النبوة و دلائل الوحي و الرسالة.

و إحدى قضايا الإعجاز، و هي قضية مارية القبطية (1) التي نزلت فيها

____________

ق

و انصر عليا و الحسين و رهطه # و اقصد لهند و ابنها بهوان‏

إنّ الإمام أخا النبي محمد # علم الهدى و منارة الإيمان‏

فقد الجيوش و سر أمام لوائه # قدما بأبيض صارم و سنان‏

قالت: إي و اللّه، ما مثلي من رغب عن الحق أو اعتذر بالكذب، قال لها: فما حملك على ذلك؟قالت: «حب علي و اتباع الحق» إلى آخر كلامها مع معاوية.

و للّه درها و قد أشادت بالحق و صدعت بما يرضي اللّه و رسوله صلّى اللّه عليه و آله، و صارحت بما في نفسها من حب أمير المؤمنين عليه السّلام، و جاهرت به في وجه معاوية عدو الإسلام و مبغضه الذي صارت الخلافة الإسلامية بيده ملكا عضوضا و سلطنة كسروية.

المصادر: أنظر بلاغات النساء، العقد الفريد، رجال الشيخ الطوسي، تنقيح المقال، أسد الغابة، الإصابة، الاستيعاب، طبقات ابن سعد، المحبر، التاريخ الصغير للبخاري، شرح الزرقاني على المواهب، أعلام النساء.

القاضي الطباطبائي‏

(1) -مارية بنت شمعون القبطية، من فواضل نساء عصرها، عدّها جمع من علماء الرجال من الصحابيات، و هي مولاة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سريته، و هي أم ولده إبراهيم ابن النبي صلّى اللّه عليه و آله، و كانت أم مارية رومية، و كانت مارية بيضاء جعدة، جميلة، فأهداها المقوقس صاحب الاسكندرية إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله سنة (7) هـ و معها أختها سيرين، و ألف مثقال ذهبا و عشرين ثوبا لينا، و بغلته «دلدل» و حماره «عفير» ، و معهم خصي يقال له: مابور، و هو شيخ كبير، و بعث كل ذلك مع حاطب ابن أبي بلتعة، و عرض حاطب على مارية الإسلام و رغبها

125

أوائل سورة التحريم، و في قضية الزوجتين اللتين أودعهما النبي صلّى اللّه عليه و آله سرا فأظهرتاه.

و المرأة مهما كانت رخوة العنان ضعيفة الكتمان و لكن أراد النبي صلّى اللّه عليه و آله أن يصهرهنّ في بوتقة الامتحان حتى يظهر الذهب الخالص من المزيف.

و على كل حال، فقد أظهر اللّه جل شأنه لنبيه في تعدد الزوجات معجزتين:

الأولى: في داخليته و عدله المستمر بينهن أكثر من عشر سنين.

____________

قفيه، فأسلمت و أسلمت أختها، و أقام الخصي على دينه حتى أسلم بالمدينة في عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، فأعجب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله بمارية و أنزلها بالعالية، و كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يختلف إليها هناك، و ضرب عليها الحجاب.

و في ذي الحجة من سنة ثمان للهجرة ولدت مارية إبراهيم، فدفعه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله إلى أم بردة بنت المنذر بن زيد بن النجار، فكانت ترضعه، و قالت عائشة: ما غرت على امرأة إلاّ دون ما غرت على مارية، و ذلك أنها كانت جميلة من النساء، جعدة، و أعجب بها رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، و كان أنزلها أول ما قدم بها في بيت لحارثة بن النعمان، فكانت جارتنا، فكان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله عامة النهار و الليل عندها حتى فرغنا لها فجزعت، فحولت إلى العالية، فكان يختلف إليها هناك، فكان ذلك أشد علينا، ثمّ رزق اللّه منها الولد و حرمناه منه.

قلت: إني أتعجب من غيرة عائشة على مارية، كما أن من العجب حقدها على الصديقة الطاهرة فاطمة بنت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، و كان من جراء ذلك أنه توفيت فاطمة عليها السّلام، فجاء نساء رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله كلهن إلى بني هاشم في العزاء إلاّ عائشة فإنها لم تأت و أظهرت مرضا، و نقل إلى علي عليه السّلام عنها ما يدل على السرور. راجع: أعلام النساء لعمر رضا كحالة:

ج 2/ص 852 ط. دمشق.

و توفيت مارية في خلافة عمر سنة (16) هـ، و دفنت بالبقيع بالمدينة. أنظر: أعلام النساء، تاريخ الطبري، أسد الغابة، الإصابة، الاستيعاب، طبقات ابن سعد، تنقيح المقال.

القاضي الطباطبائي‏

126

و الثانية: و هي أكبر آية و أعظم إعجازا، و أسطع برهانا، ذاك أنّ من يستقرئ سيرة النبي صلّى اللّه عليه و آله بعد هجرته من وطنه البيت الحرام إلى مصيره الأخير -يثرب-يجده في هذه السنوات الأخيرة من عمره الشريف كالرجل الفارغ البال من أثقال العيال، يجده كالوادع الآمن و الهادئ المطمئن، كأنه لا علاقة له بشي‏ء من النساء، و لا واحدة، فضلا عن المتعدد، فهو قائد جيش، و مشرع أحكام، و إمام محراب، و قاضي خصومات، و عاقد رايات، و مؤسس شريعة، و عابد منقطع إلى التهجد و العبادة، و لقد كان يصلي حتى و رمت قدماه، فكيف مع ذلك كله استطاع إدارة تسع نساء أو أكثر مع شدة الغيرة و التنافس بينهن؟و كيف لم يقسمن فكره و يشغلن باله عن تلك الأعمال الجبارة و العزيمة القهّارة؟فهل هذه إلاّ معجزة بذاتها، و القدرة الإلهية بأجلى مظاهرها؟

و هل تريد لتعدد الزوجات أعظم من هذه الحكمة، و أبلغ من هذه الفائدة؟ و لعل هذه واحدة من ألف، و إشراقة من شمس، و إلاّ فالمسألة كما ذكرنا تستحق أن تفرد بالتآليف لكثرة ما فيها من السياسات و الحكم.

السؤال الحادي عشر:

ما وجه القسم بالتين، و الزيتون؟و ما سبب امتيازهما بين المخلوقات؟ و ما تفسيرها؟

الجواب:

جرت سنة اللّه العظيم في كتابه: أنّ يقسم بمخلوقاته، العظيمة البركة، العميمة الفائدة، كالشمس و القمر، و النون و القلم، و الرياح الذاريات و المرسلات، كما يقسم بالقرآن الذي هو شمس الهداية الحقيقية، و هداية

127

الأرواح، و النفوس و العقول، بل بما دون ذلك كالصبح و الليل، و الجواري الخنّس، و الكواكب الكنّس، و أمثال ذلك مما هو كثير في الكتاب الكريم.

و حيث إنّ التين و الزيتون من الأطعمة العظيمة الخير و البركة؛ فإنّ التين فاكهة و حلوى، رطبة نافع، و جافة أنفع، و هو غذاء و دواء، و طعام و إدام، و فيه منافع كثيرة، و مثله الزيتون و لعله أشرف و ألطف، و أعظم بركة و نفعا، باعتبار دهنه الذي لا تعد و لا تحصى منافعه و خيراته و خواصه و آثاره، و هو مع أنه من أحسن الإدام، و الصبغ للآكلين، فيه منافع عظيمة و خواص بليغة في المعالجات، فلهذا حسن القسم بهما لعظيم فائدتهما.

هذا كله بناء على أنّ المراد بهما تلك الثمرتان، أو الشجرتان المباركتان، و من الجائز القريب، بل لعله الأقرب أن المراد بالتين جبل يكثر فيه شجرة التين من جبال القدس و حبرون‏ (1) الذي تجلى عليه الجليل لإبراهيم الخليل عليه السّلام، و الزيتون جبل الزيتا الذي تجلى الرب فيه لإسرائيل يعقوب أبي الأسباط، و للمسيح فيه مواقف كثيرة، و يشهد له عطف طور سينين عليهما، و هو الجبل الذي تجلى فيه الجليل لكليمه موسى عليه السّلام، ثمّ عطف عليهما البلد الأمين، و فيه جبل حراء الذي تجلى فيه الحق لحبيبه محمد صلوات اللّه عليه و آله، فهذه

____________

(1) -حبرون-بالفتح ثمّ السكون و ضم الراء و سكون الواو و نون-اسم القرية التي فيها قبر إبراهيم الخليل عليه السّلام بالبيت المقدس، و قد غلب على اسمها الخليل، و يقال لها أيضا حبرى، قاله ياقوت في معجم البلدان: ج 3/ص 208. و قدم على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله تميم الداري في قومه و سأله أن يقطعه حبرون، فأجابه و كتب له كتابا. أنظر نسخته في معجم البلدان: ج 3/ ص 209، و هامش كتاب الأموال لأبي عبيد القاسم بن سلام المتوفى (224) هـ: ص 274 ط. مصر.

القاضي الطباطبائي‏

128

الجبال الأربع هي مظاهر الأنوار الإلهية، و التجليات الربوبية على الأرواح النبوية و الهياكل البشرية، و لا شي‏ء أحق منها للحق بأن يقسم بها من مخلوقاته، و اللّه أعلم و أحكم بأسرار كلماته و سائر آياته.

السؤال الثاني عشر:

لأيّ علة منع لبس خاتم الذهب وزر الذهب للرجال؟

الجواب:

حق السؤال أن يكون هكذا: لما ذا منع الدين الإسلامي من لبس الرجال الحرير و الذهب؟

و الجواب: أنّ الدين الإسلامي يريد من الرجال الخشونة و الصلابة، و أن يكونوا أشداء و أقوياء، و لما كان في الحرير و الذهب من النعومة و الطراوة و الميعان و اللمعان ما ليس في غيرهما، حرّمهما على الرجال لعلمه تعالى- و لعله من المشاهد المحسوس-أنّ الزينة بمثل هذه الأشياء يوجب التأنث و التخنث و سفالة الهمة، و الميل و الانقياد إلى الشهوات البهيمية، و يسقط همّة الرجل فيها عن السمو إلى نيل المعالي و عظائم الفتوح و عزائم الروح، و لا يقاس هذا بلبس الأحجار الكريمة، و الجواهر الثمينة؛ فإنها توجب العزّة و الكرامة و السمو و علو الهمة، و أين هذا من نعومة الحرير و لمعان الذهب التي تلائم ربّات الحجال، و يجب أن تترفع عنها الرجال حتى لو لم يحرّمهما الشارع.

فللّه شريعة الإسلام ما أعظمها و أجلّها، و لله هذه الأمة المسلمة ما أضعفها و أجهلها، و الحكم لله، و لا حول و لا قوة إلاّ باللّه عليه توكلت و إليه أنيب.

129

مسألة مهمة و هي مسألة الفرق بين الحقوق و الأحكام‏ (1)

الحق نحو سلطنة، و السلطنة عبارة عن القاهرية و التسلط، و لها مراتب كثيرة، أعلاها و أجلها هو سلطنة الحق تعالى شأنه و قهّاريته على مخلوقاته، و هو حق لا يتغير و لا يتبدّل، و لا ينتقل بحال أبدا، و يستحيل سقوطه بوجه من الوجوه، و هو ذاتي متأصل، و إليه ترجع سائر الحقوق بل الحقوق كلها له جلّ شأنه، و بسلطنته خلق الخلق و ثبت الحق، فحق الخالقية و الإيجاد و الجعل و التكوين حق ذاتي غير مجعول، و هو ثابت له تعالى في تمام الأحوال، و له آثار كثيرة لا تعد و لا تحصى.

و من آثاره شكره و حمده و عبادته و إطاعته و تسبيحه و تقديسه، و القيام بما أمر به، و الانتهاء عما نهى عنه، و هذه السلطنة العظمى كما أشير إليه لا تنالها يد الجعل، و هي من خصائصه عز شأنه، و لا توجد في غيره، و أقرب المراتب إلى هذه المرتبة من الحقوق حق النبوة، ثمّ حق الولاية، ثمّ حق العلماء و المعلم و الأب و الابن، و حق الجوار و الصحبة و أمثالها، و جميع هذه الحقوق ترجع إلى حقه تعالى في المعنى باعتبار صدور الكل منه، و رجوع الكل إليه. و لكل واحد من هذه الحقوق آثار كثيرة يترتب عليها.

____________

(1) -هذه المسألة بقلمه الشريف، و هي مختصر ما ألقاه شيخنا الإمام-دام ظله-في حوزة الدرس قبل ثلاثين سنة في النجف الأشرف، الجامعة الكبرى للشيعة الإمامية.

130

ثمّ إنّ أمهات الحقوق بعد حقه تعالى تنحصر في ثلاثة أقسام؛ لأنّ السلطنة الثابتة للإنسان إما أن تكون على إنسان آخر، كسلطنة النبوة و الولاية، و غيرهما من الحقوق متنزلة إلى أضعف المراتب كحق الصاحب و الجليس، و إما أن تكون تلك السلطنة على الأعيان الخارجية غير الإنسان، و إما على النسب و الإفاضات.

و إن شئت قلت: إنّ الحق نحو سلطنة إنسان على غيره مطلقا، من إنسان أو أعيان أو عقد أو إضافة أو نسبة.

أما الأول فقد يكون منشؤه أفعال خارجية و أمور حقيقية، كالهداية و الإرشاد و التعليم، فإنّ هداية النبي صلّى اللّه عليه و آله و إرشاده إليه تعالى صار سببا و منشأ لحقه صلّى اللّه عليه و آله على العباد، و هكذا الولي و العالم و المعلم إلى آخر المراتب و أضعفها، و في مقابل هذه الهداية و الإرشاد لا بدّ من الشكر، و الامتنان و الانقياد و الإطاعة.

و هذا النحو من الحق لا يتبدل و لا يتحول و لا ينتقل و لا يقبل الإسقاط، و لا المعاوضة؛ لأنّ منشؤه لا يقبل شيئا مما ذكر؛ بداهة أنّ الفعل الخارجي بعد وقوعه على وجه مخصوص لا يتغير عما وقع عليه.

و قد يكون منشأ الحق أمورا اعتبارية، و جهات إضافية مما ليس لها ما بإزاء في الخارج، نعم لها منشأ انتزاع محقق، لا كأنياب الأغوال، و ذلك مثل حق المولى على عبده، و الزوج على زوجته، فإنّ حق المالك و الزوج نشأ من الملكية و الزوجية، و هما من المعقولات الثانوية التي ليس لها ما بإزاء في الخارج، و لكنهما منتزعان من أمر خارجي، و هو العقد الخاص الصادر من أهله في محله باعتبار الشرع، أو العرف، و ليس هو من الأمور الوهمية، بل الأمور

131

الواقعية بحسب منشأ انتزاعها.

و هذا النحو من الحقوق لا يقبل النقل و الإسقاط و المعاوضة ابتداء كالأولى، نعم يمكن رفع الحق بتوسط رفع منشأ انتزاعه، أو حلّه، و هذه هي السلطنة على تلك النسب و الإضافات من حيث وضعها و رفعها.

و أما سلطنة الإنسان على الأعيان من مال و غيره فقد يكون السبب فيه، و العلة، أمرا اختياريا من تجارة أو إجارة أو صناعة أو زراعة أو حيازة و نحو ذلك، و قد يكون أمرا غير اختياري، كالإرث و الدية و نحوهما، و من هذا القبيل تملك الفقراء و المساكين و السادات للحقوق. و تلك الأسباب بقسميها قد توجب السلطنة المطلقة، أي الملكية العامة، و قد توجب سلطنة مقيدة محدودة، و هي الحقوق الخاصة، كحق الرهن و الخيار و الحجر و نحوها، كما أن حق الراهن مثلا و سلطنته على العين المرهونة ما زالت و لا انتقلت بشراشرها و جميع شئونها، بل له استرجاعها و لو ببيعها، فكذلك حق المرتهن، فإنه حق و سلطنة مقيدة بعدم أداء الدين، و الاستيلاء على الاستيفاء.

و هذه الحقوق كلها-بأنحائها المختلفة و اعتباراتها الملحوظة-قابلة للنقل و الانتقال و الإسقاط و المعاوضة، و يتحقق فيها عنوان الغصبية؛ لأنها أجمع حقوق مالية و أمور اعتبارية جعلية، فهي تتبع مقدار جعلها، و تدور مدار اعتبارها، فإنها أحكام وضعية تستتبع أحكاما تكليفية، فمن غصب عينا أو منفعة للغير أو ما فيه حق له، كحق الرهن أو الخيار أو نحو ذلك، فصلى فيه، تكون صلاته باطلة، و هو ضامن له لو تلف.

بالجملة: فتلك الحقوق هي عبارة عن أحكام وضعية تستتبع أحكاما تكليفية من حرمة أو وجوب، و قد ينعكس الأمر فيكون الحكم التكليفي منشأ

132

لانتزاع حكم وضعي، بمعنى أن الحكم التكليفي المتعلق بموضوع خاص ينتزع منه صورة حق و سلطنة، و لا سلطنة هناك و لا حق واقعا، بل كلها أحكام تكليفية صرفة، كما في المعابد و المساجد المحترمة، و كالشوارع العامة، و الأسواق المشتركة بين سائر العناصر و الطبقات، فإنّ جميع المشتركات العامة سواء كانت مشتركة بين عامة البشر كالطرق و الشوارق و الأسواق و أمثالها، أو بين نوع خاص منهم، مثل مكة المشرّفة و منى، أو على صنف مخصوص، كالحضرات و المدارس و أمثالها، محكومة بأنّ من سبق إلى مكان من هذه المواضع فهو أحق به، و معنى هذا الحق أنه لا يجوز لغيره دفعه عنه و مزاحمته فيه، فيرجع هذا الحق إلى حكم تكليفي صرف، و هو جواز الانتفاع به، و الجلوس فيه، أو المرور لكل إنسان، أو لكل مسلم، و هكذا، و حرمة مزاحمة الغير له، فليس هنا سوى أحكام تكليفية متبادلة ينتزع منها حق لمن له الحكم، و يكون منشأ انتزاع ذلك الحق من الحكمين المتضايفين بين من يجوز له الجلوس و الانتفاع، و من يحرم عليه المزاحمة، و ليس الحق هنا كما هو في سائر المقامات من كونه نحو سلطنة على الغير مقيدة أو مطلقة تستتبع تلك السلطنة أحكاما وضعية و تكليفية لمن له السلطنة و عليه و لغيره و لغيره و عليه.

و إذا كانت العين التي هي متعلق السلطنة لها مالية أو ترجع إلى مال كان من آثارها حرمة غصبها، و لزوم ضمانها، و بطلان كل تصرف فيها بدون رخصة صاحب الحق و السلطنة المعبر عنها بالمالك.

و من هنا ظهر أنّ المساجد و المدارس و ما على شاكلتها لا يعقل تحقق الغصب فيه أصلا:

أما المساجد فقد اخترنا زوال ماليتها كلية، و جعلها محررة كما في تحرير

133

العبد الذي تزول ماليته بعتقه و تحريره، و كذلك المعابد و المشاهد و المشاعر، و بعد ارتفاع المالية عنها لا يعقل تحقق الغصب فيها، كما لا يعقل تعلق السلطنة لأحد بها، فلو دفع إنسان آخر كان قد سبق إلى مكان فيها لم يغصب منه مالا، و لا دفعه عن حق مالي له في المسجد أو المشهد، نعم فعل حراما، و لكن لو صلى الدافع في مكان المدفوع له لم تبطل صلاته؛ لأنهما سواء من حيث الاستحقاق و جواز الانتفاع.

و أما الأسواق و الشوارع فهي و إن لم تزل عن المالية بالكلية كما في المساجد، و لكنها ما دامت متصفة بذلك العنوان الخاص-أعني عنوان المرور و السوقية-فليس لأحد سلطنة خاصة به دون غيره على شي‏ء منها، بل الجميع فيها شرع سواء، يجوز لكل واحد منهم الانتفاع بها على النحو الخاص، و لا يجوز للاحق مزاحمة السابق، و لكن لو زاحمه لم يكن أخذ منه حقا ماليا يجب ضمانه و دفع بدله، بل يكون فعل حراما، و خالف تكليفا شرعيا.

و الحاصل: أنه لم يغتصب منه عينا أو منفعة مملوكتين، أو عينا ذات حق مالي كحق الرهن و الحجر و نحوهما.

و أما الأعيان الموقوفة فهي على قسمين:

موقوفات عامة ليس الغرض منها سوى إباحة نفس الانتفاع، و حبس العين، و وقوفها عن الانتقال، و سائر التصرفات، و لا ملكية هنا، و لا مالية أصلا.

و موقوفات خاصة، الغرض منها تمليك المنفعة و حبس العين، فالمنافع هنا باقية ملحوظة للواقف كما هي باقية في نظر العرف و الشرع، بخلافها في القسم الأول، فإنها قد ألغيت في نظر الواقف، فلا العين و لا المنافع مملوكة، و إنما أباح المالك الانتفاع فقط، كما في المدارس العلمية و الخانات في طرق‏

134

المسافرين و أشباهها، فإنّ الواقف لم يملكهم المنفعة، و لذا لا يقدرون و لا يسوغ لهم نقلها و هبتها و بيعها، بخلافها في النوع الثاني، و ليس هو في الحقيقة حق بل صورة حق، و إنما هو حكم محض، يعني جواز انتفاعه بمنافع العين الموقوفة، كجواز انتفاعه بالطرق و الشوارع و المشتركات العامة، و إنما ينتزع صورة ذلك الحق من حكمين: جواز الانتفاع لمن سبق إلى مكان منه، و حرمة مزاحمة الغير، فالمنافع مسبلة و الانتفاع مباح.

و الحاصل: أنّ الوقف الذي هو عبارة عن تحبيس الأصل، تارة يكون قصد الواقف مجرد انتفاع المسلمين، كوقف القرآن على الحرم الشريف، و وقف المشاهد و المعابد، و المعابر كالخانات و التكايا، و هذا هو الوقف العام، و قد يكون قصده تمليك المنفعة لطائفة مخصوصة أو أفراد متعاقبة مع بقاء العين، و وقوفها عن الجري و الحركة، و هذا هو الوقف الخاص الذي يجري على المنفعة فيه جميع آثار الملكية و النواقل. بخلاف القسم الأول الذي لا يجري فيه شي‏ء من خواص الملك و آثاره، الكاشف ذلك عن عدم الملكية أصلا، و إنما هو حكم محض، نعم الولاية العامة فيه للإمام أو نائبه، و الخاصة للمتولي الخاص إن كان.

و أما الثالث، و هو السلطنة على النسب و الإضافات كعقد العقود و حلها، فحيث إنّ حقيقة أمرها و واقع لبّها ترجع إلى شئون السلطنة على العين، فإنّ من شئون السلطنة على الدار و الدابة مثلا هو نقلها بالعقد اللازم الذي لا خيار فيه أو بيع خياري يمكنه حله، و هكذا سائر العقود، لازمة أو جائزة، و جميع تلك العقود إن كان متعلقها مالا فهي مالية، و الحقوق المتعلقة بها حقوق مالية، كالخيار و الرهن و الحجر كلها أيضا تقبل بحسب طباعها و أصل وضعها للنقل و المصالحة و الإسقاط و المعاوضة إلاّ أن يمنع الدليل الخاص عن شي‏ء من ذلك.

135

و أما ما لا يتعلق بالمال، كحقوق الولايات و الوصايات و أكثر حقوق الزوجية فإنّها بحسب الأصل و القاعدة لا تقبل شيئا من ذلك، و هي في الحقيقة سلطنة خاصة، و سلطنة مقيدة.

و الخلاصة: أنّ الحق إن كان جل الغرض منه استيفاء أو استعادة أو استفادة مال للإنسان فذاك حق مالي، تجري عليه جميع تلك الأحكام. و إن كان جل الغرض منه شئون أخرى لا ترجع إلى استفادة مال لنفس صاحب الحق، بل الغرض السلطنة على حفظ مال الغير أو توفيره، و سائر التقلبات و التصرفات فيه أو نحو مخصوص من التصرفات، أو غير ذلك من الشئون التي لا ترجع إلى جر مال لصاحب الحق، فمقتضى القاعدة في القسم الأول هو جريان الإسقاط و النقل و المعاوضة فيه إلاّ ما خرج، و تقتضي القاعدة في القسم الثاني عدم جريان شي‏ء من ذلك إلاّ ما خرج أيضا.

و هنا قسم ثالث من الحقوق، و هو ما اشتمل على كلا الجهتين-أعني جهة المالية و جهات أخرى-و ذلك كعقود الأنكحة التي يقال إنها برزخ بين العبادات و المعاملات، فمن حيث المهر تكون جهة مالية، و من حيث إنّ الغرض المهم من عقد الزواج هو حفظ النظام و تواصل النسل و صلاح البيت و العائلة، فهو عقد غير مالي، و حيث إنّ هذه الجهة أقوى من الأولى، بل لا أثر للأولى في جنب الثانية أصلا، و لذا ربما يصح بدون المهر، و لذلك صارت عقود الأنكحة عقود غير مالية، و أكثر الحقوق فيها حقوق لا تقبل النقل و لا الإسقاط، و لا المعاوضة إلاّ ما خرج و قام عليه الدليل بخصوصه.

فالضابطة الكلية في المقام: أنّ الحق الذي علم أن عمدة الغرض منه هو المال فالأصل فيه قبول المعاوضة و النقل و الإسقاط، و ما علم بأنّ عمدة الغرض‏

136

منه غير ذلك فالأصل فيه عدم قبوله لشي‏ء من ذلك، و مع الشك في ماليته و عدمها، و قبوله لتلك الأحكام و عدم قبوله، فالمرجع إلى الأصل، أي أصالة عدم ترتب الأثر في كل مقام بحسبه، و لا وجه للرجوع إلى عمومات العقود، مثل‏ أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ، و أَحَلَّ اَللََّهُ اَلْبَيْعَ ، و «الصلح جائز بين المسلمين» ، و أمثال ذلك؛ لأنّه من قبيل التمسك بالعام في الشبهة المصداقية.

و من جميع ما مرّ عليك ظهر لك أنّ الصلاة في ملك الغير عينا أو منفعة أو حقا من غير رضاه باطلة بالضرورة؛ لأنها حرام، و الحرام لا يكون مقرّبا.

و الكاشف عن الرضا: إما القول مع العلم الصريح، أو شاهد الحال، أو الفحوى؛ بداهة أنّ الرضا حال من أحوال النفس التي لا تحسّ إلاّ بواسطة كاشف يكشف عنها، أو أمارة تدل عليها، كسائر أوصاف النفس القائمة بها من الحزن و الفرح و الانقباض و الانبساط، و كالملكات مثل الشجاعة و الجبن التي لا تعرف إلاّ بكواشفها.

و الكاشف عن الرضا إما القول الصريح، و هو أقواها و أدلها، أو شاهد الحال، مثل من يفتح بابه و يتلقى الداخلين عليه بالبشر و البشاشة، أو الفحوى، و هي الأولوية، مثل أن يأذن لغير العبد أو الولد من جهة المولى و الوالد، فيكشف ذلك عن إذنه لهما بطريق أولى.

و اعتبار تحقق الرضا بأحد هذه الكواشف على سبيل منع الخلو في صحة التصرف بمال الغير و حرمته بدونه مما لا كلام فيه.

نعم، يظهر من كلمات أكثر العلماء جواز الصلاة و المكث في الأراضي الواسعة، و الوضوء و الشرب من الأنهار الكبيرة.

و قد استمرّت السيرة المستمرة الشائعة على تلك التصرفات من دون

137

حاجة إلى إحراز رضا المالك أو إذنه، بل تجد عامة المسلمين يصلون و يمرون في تلك الأراضي التي يعلمون بأنّ لها مالكا مخصوصا، و يتوضئون و يشربون من تلك الأنهار و لا يخطر ببال أحدهم رضا المالك و عدمه، و إذا خطر ببال أحدهم لا يعتني و لا يتوقف عن أكثر أنحاء التصرفات، كالنزول و التظليل و ضرب الخيام إلى غير ذلك، و قد اختلفت كلمات الأعلام في مدرك ذلك، و وجه صحته مع قضاء تلك القاعدة المحكمة شرعا و عقلا بحرمته، و فساد العبادة معه.

فعن صاحب المستند (1) على ما يخطر ببالي أنه قال: بأنّ القدر المتيقن

____________

(1) -المولى أحمد ابن العلامة المولى مهدي النراقي، العلامة الفقيه العارف الجامع للمعقول و المنقول، من أعاظم الفقهاء و مشاهيرهم في القرن الثالث عشر، صاحب المؤلفات الثمينة في مختلف العلوم، منها مستند الشيعة في الفقه، و معراج السعادة بالفارسية في الأخلاق، و عوائد الأيام، و الخزائن و غير ذلك، و قد نسج في الخزائن على منوال والده في كتابه مشكلات العلوم، و لم يكن قدّس سرّه فقيها محضا، بل كان له إلماما بالفنون، و له في الأدب و الشعر و التأريخ و الرد على الأديان الباطلة خطوات شاسعة، و ديوان شعره بالفارسية يسمى «طاقديس» ، و قد برز إلى عالم المطبوعات، و هو غير ديوانه الفارسي الكبير. أنظر إلى فهرست مؤلفاته في «ريحانة الأدب» بالفارسية، لأستاذنا العلامة ميرزا محمد علي المدرس التبريزي: ج 4/ص 184 ط. طهران، و يروي عنه تلميذه الشيخ الإمام الأنصاري قدّس سرّه، و رأيت نسخة إجازة روايته له بأصفهان عند بعض الأصدقاء.

و يروي الشيخ المترجم له عن العلامة الطباطبائي بحر العلوم، و عن والده العلامة الشهير، و عن الشيخ الأكبر كاشف الغطاء، و عن العلامة المتبحر ميرزا محمد مهدي الشهرستاني، كما أن جدنا العالم الرباني ميرزا محمد مهدي القاضي الطباطبائي المتوفى (1241) هـ أيضا يروي عن أستاذه و سميه ميرزا الشهرستاني المذكور.

توفي المترجم له سنة (1244) هـ، و دفن بالنجف الأشرف في الصحن الشريف العلوي.

138

من أدلة حرمة الغصب هو ما إذا علم بمنع المالك و عدم رضاه، أما مع الشك و احتمال الرضا فلا دليل على الحرمة، و هو كما ترى، فإنّ الأدلة كلها ظاهرة بل صريحة في خلاف مدعاه، و أنّ الجواز معلق و مشروط بالرضا الذي لا يحرز إلاّ بالعلم أو الظن المعتبر، مثل قوله: «لا يحل مال امرء إلاّ بطيب نفسه» ، لا تعليق الحرمة بالمنع و عدم الرضا، مضافا إلى استلزامه الهرج و المرج و فساد نظام العالم؛ لاستلزامه جواز تصرف كل أحد في مال غيره إلاّ أن يمنعه أو إلى أن يمنعه، على أنّ قبحه عقلا كاف في حرمته شرعا، بناء على الملازمة.

و أضعف منه ما قد يقال من كفاية الرضا التقديري الحاصل في مثل تلك الموارد غالبا، و قد عرفت قريبا أنّ الرضا و طيب النفس حال من الأحوال النفسانية، و ما لم يكن حاصلا و محققا لا يصير وصفا حقيقيا.

و الحاصل: أنّ مقتضى حكم العقل، و ظاهر الأدلة الشرعية، هو اعتبار وجود الرضا و الطيب من المالك في جواز التصرف في ماله، فلا يجوز التصرف بمقتضى الحصر إلاّ بعد طيب النفس، و الرضا التقديري ليس برضا حقيقة بالحمل الشائع، و إنما الرضا هو تلك الصفة الخاصة التي تقوم بالنفس، و لا تحصل إلاّ بعد مقدمات كثيرة، و تصورات متعاقبة، مضافا إلى استلزامه اختلال النظام أيضا؛ فإنّ كل فقير مضطر حينئذ يجوز له التصرف في مال غيره مع عدم رضاه فعلا باعتقاد أنه لو اطّلع على شدة فقره لرضي و طابت نفسه، بل يمكن تسرية ذلك حتى مع المنع الفعلي، و هو كما ترى.

____________

قو «نراق» -بفتح النون كما هو المشهور في الألسنة، و قيل: بكسرها، كعراق-قرية من قرى بلدة كاشان بإيران، تبعد عنها عشرة فراسخ.

القاضي الطباطبائي‏

139

و قد يقال: إنّ الوجه في ذلك هو العسر و الحرج، و أنت خبير بأنّ الحرج إنما يؤثر في ارتفاع الأحكام الإلهية، أي ما يتعلق بحقوق اللّه تعالى، و لا يوجب العسر و الحرج استباحة أموال الناس بغير رضا منهم.

نعم، ورد في خصوص الأكل في المخمصة جواز تناول ما يتوقف حفظ النفس المحترمة عليه، و لكن مع ضمانه بالمثل أو القيمة، كما ربّما يستشعر ذلك من الآية الشريفة، و الذي يخطر لنا في وجه صحة ذلك أحد أمرين:

الأول: أنّ حقيقة الغصب هو التصرف في مال الغير، و تحقق عنوان التصرف موكول إلى نظر العرف، و هو يختلف باختلاف المقامات و الأشخاص و الأزمان، و الأعيان التي يقع التصرف فيها، و الأعمال التي يتحقق التصرف بها، فربّ عمل يعد تصرّفا و إن كان قليلا، و ربّ عمل لا يعد تصرّفا و إن كان كثيرا، فمثل الاستضاءة بضوء الغير، و الاستظلال بظل أشجاره أو داره لا يعدّ تصرّفا و إن عظم الانتفاع به، و وضع اليد و القدم على بساط الغير أو فراشه يعدّ تصرّفا و إن لم تكن فيه منفعة. فالاستطراق و المرور في الأراضي الشاسعة، و الوضوء و الشرب من الأنهار الكبيرة لا يعدّ تصرفا؛ فإن تصرف كل شي‏ء بحسبه، و التصرف في الأراضي الواسعة إنما يكون بمثل البناء أو الغرس أو الزرع بها أو نحو ذلك.

و التصرف في النهر الكبير أن يسقي منه، أو يشق نهرا صغيرا في أثنائه، و حيث لا يعدّ تصرفا لا يكون غصبا، و لا سيما و أنّ جميع الأدلة الدالة على حرمة الغصب مرجعها إلى حكم العقل بقبح التصرف في مال الغير بغير رضاه، فإذا زال التصرف زال موضوع القبح و الحرمة.

الثاني: أنه لا يبعد كون أصل الملكية المجعولة من المالك الحقيقي في مثل‏

140

هذه الموارد ضعيفة؛ لضعف سببها و هو الإمضاء المنتزع من وجوب الوفاء، فكأنّ مالكها ليس له السلطنة التامة هنا كسلطنته على سائر أمواله و أملاكه، نعم له السلطنة على جميع التصرفات و التقلبات إلاّ منع المارة من النزول و المرور و نحو ذلك.

و معلوم أنّ السلطنة أمر مجعول يتبع دليل جعله سعة و ضيقا، و شدة و ضعفا، و الملكية من الأمور القابلة للشدة و الضعف، و السعة و الضيق، بالضرورة، و تكون السيرة المستمرة على وقوع تلك التصرفات من غير إذن المالك هو الدليل الكاشف عن ضعف تلك الملكية المستلزم لعدم اعتبار رضاه و إذنه في جواز التصرف في هذا النحو من أمواله، بل يمكن على الوجهين أن يقال بجواز التصرف حتى مع منعه الصريح، و إن كان الاحتياط يقتضي خلافه، و لكنه قويّ، و اللّه العالم.

أما الموقوفات و المسبلات كالمدرسة و الخان و التكايا و الحسينيات و ما أشبهها فنقول: إن نحو الوقف من جهة الواقف لا يخلو من ثلاثة أقسام:

الأول: المحررات، و هي على أقسام: فمنها ما جعل مشعرا أو معبدا، و منها ما جعل وقفا عاما أو خاصا، و منها ما خصص محفلا أو محشدا إلى غير ذلك من الجهات المقصودة للواقفين، و يجمعها جميعا قصد بقاء العين و تسبيل المنفعة على نوع البشر، أو صنف خاص منهم تجمعهم وحدة دين أو مذهب أو عنصر أو غير ذلك، و يشترك الجميع في سلب المالية عن العين و المنفعة و تحريرها، و عدم تمليك المنفعة لأحد، و إنما فائدة الوقف و الغرض منه إباحة تلك الأعيان لطائفة من الناس أو لعامتهم.

و حيث إنّ المنفعة غير مملوكة لأحد بل هو تسبيل و إباحة فلا يعتبر فيها

141

الإذن و الرضا، بل يكفي ذلك الإذن العام و الرضا الأول بانتفاع كل واحد من لحظه بالعنوان و أباح له الانتفاع.

نعم، من كان خارجا عنه يحرم عليه الانتفاع لعدم شمول إذن المالك له.

و هذا القسم هو الذي أشرنا إليه من عدم تحقق الغصب فيه؛ لعدم بقاء ماليته، و عدم تملك المنفعة لأحد.

الثاني: ما يكون الغرض فيه تمليك المنفعة لأفراد مخصوصة تندرج تحت عنوان خاص، كأولاده أو المشتغلين أو الفقراء و نحو ذلك، و حال هذا القسم حال الملك الخاص في توقف التصرف على إذن المالك أو الموقوف عليه الخاص، فإنّ العين و إن لم تنتقل عن ملك الواقف على الأصح عندنا، و لكن المنافع مملوكة تماما للموقوف عليهم، و هي مضمونة على الغاصب، و تجري عليه جميع أحكام الملك.

و الحاصل: أنّ القسم الأول إباحة الانتفاع، و الثاني تمليك المنفعة، و الفرق بينهما واضح؛ ضرورة أن الموقوف عليه في الأول لا يملك شيئا، و ليس له أن يبيع المنفعة، و لا أن يهبها، و لا يصالح عليها، بخلافه في الثاني.

الثالث: ما يكون برزخا بينهما، فتكون المالية في المنفعة محفوظة، و لكن الملكية لأحد غير ملحوظة، و تلك كالأعيان الموقوفة على المساجد و المدارس كالبساتين و الدكاكين و نحوها، فإن المنفعة محفوظة تباع و تؤجر و تملك، و لكن ليس للمالية الناتجة منها مالك مخصوص كما في الوقف الخاص الذي يملك الموقوف عليه منافعها بتمام معنى الملكية، و جميع آثارها، أما هنا فالموقوف عليهم عاما كان كالمسلمين بالنسبة إلى المساجد و الأعيان الموقوفة عليها للضياء و الخادم و الفرش، أو خاصا كالمشتغلين بالنسبة إلى المدارس و الأموال‏

142

الموقوفة للضياء و الماء أيضا، فإنّ الجميع يملكون الانتفاع لا المنفعة، و قد عرفت أنّ ملكية الانتفاع راجعة إلى إباحة الانتفاع و لا ملكية هنا حقيقة.

نعم، مالية المنفعة هنا محفوظة بيد المتولي يبيعها و يؤجرها و ينفقها في تلك الجهات لينتفع بها الموقوف عليهم، و ليست هنا كالمنفعة في القسم الأول التي أسقط الواقف ماليتها عن الاعتبار و أباحها للموقوف عليهم، و حيث إنّ المالية محفوظة و زمامها بيد المتولي فلا بدّ من الإذن، و يتحقق فيها الغصب بالنسبة إلى نفس الأعيان الموقوفة و منافعها، أما بالنسبة إلى مصرفها من الضياء و نحوه فلا يتحقق الغصب بالانتفاع به بدون غصب العين أو المنفعة.

أما الانتفاع فلا يتجه به الغصب و إن حرم مطلقا، أو مع مزاحمة الموقوف عليهم.

و قد استبان لك من كل ما ذكرنا الفرق بين الحق و الحكم، و أنّ الأول نوع سلطنة تستتبع أثرا وضعيا، أو تكليفيا يقبل الإسقاط و المعاوضة غالبا، بخلاف الحكم فإنه خطاب يتضمن الاقتضاء أو التخيير، لا يقبل الإسقاط و لا المعاوضة، فمثل الطلاق و الرجعة فيه حكم لا يقبل شيئا منهما، بعكس النفقة للزوجة فإنها تقبل الإسقاط، كما تقبل المعاوضة.

143

بسم اللّه الرحمن الرحيم‏

و له الحمد و به المستعان، و صلى اللّه على محمد و آله الطاهرين

في بيان حقيقة البيع و الملك و الملكية (1)

الملك و الملكية نسبة و إضافة خاصة بين الإنسان و عين مميزة من الأعيان، إما في الذمة، أو في الخارج، أو منفعة عين كذلك، و لا وجود لها إلاّ بوجود منشأ انتزاعها، و لا تحقق لها إلاّ بتحقق اعتبارها عند العرف و العقلاء، و ليس لها ما بحذاء في الخارج، فليست من المحمولات بالضميمة بل من خوارج المحمول، و من المعقولات الثانوية باصطلاح الحكيم لا المنطقي، فالعروض ذهني و الاتصاف خارجي، كالأبوة و البنوة، لا كالكلية للإنسان، و هي إما مقولة مستقلة أو من مقولة الإضافة.

و على كل حال، فإنما تتحقق عند العقلاء بتحقق منشأ انتزاعها، و هي أمور خارجية تعتبر كأسباب لها عرفا و شرعا، و تلك إما قهرية كالإرث و النذر و نحوها، أو اختيارية و هي إما بفعل الإنسان فقط مباشرة أو تسبيبا، كالحيازة و نحوها، أو بفعله المنوط بغيره و هي عقود المعاملات، و هي إما معاوضات

____________

(1) -هذا المطلب بقلم الشيخ الإمام-دام ظله-و هو مختصر ما ألقاه في حوزة الدرس قبل (35) سنة في النجف الأشرف.

144

حقيقية ليس المقصود بالأصالة منها إلاّ المال، و هي خمسة: كالبيع و الإجارة و الصلح و الهبة المعوضة و القرض، أو يكون مقصودا بالتبع، فيكون شبه المعاوضات، كعقود النكاح دواما أو انقطاعا.

و الأصل في تمليك الأعيان بالعوض هو البيع، كما أن الأصل في تمليك المنافع بالعوض هو الإجارة، و سيأتي قريبا إن شاء اللّه الإشارة إلى بيان معنى الأصل في ذلك.

و حيث إنّ البيع باعتبار أسبابه و غاياته و أحكامه و ذات حقيقته متعدد الجهات و الحيثيات متكثر الاعتبارات و ليس له على التحقيق عند الشرع و لا المتشرعة حقيقة خاصة، بل هو باق على حقيقته العرفية، لذلك اختلفت عبارات اللغويين و الفقهاء في التعبير عنه بمرادفه و شرح اسمه، و الإشارة إلى بعض خواصه، و لم يكن مرادهم بيان الحد الشارح للحقيقة و الماهية.

فبالنظر إلى ما يحصل به من تبادل المالين قيل إنه مبادلة مال بمال، و بالنظر إلى ما يترتب عليه من النقل و الانتقال قيل إنه نقل العين و انتقالها بعوض، و بالنظر إلى أنه لا يتحقق إلاّ باللفظ الخاص قيل إنه هو اللفظ الدال على النقل، و بلحاظ لزوم القبول في تحققه خارجا قيل إنه الإيجاب و القبول الدالان على النقل، و بلحاظ لزوم قصد الإنشاء في حصوله قيل إنه إنشاء تمليك العين بمال، و هكذا كل نظر إلى جهة من الجهات، و لازم من اللوازم و إن كان لازما أعمّ فعبر به، و الكل و إن أصابوا بالنظر إلى الجهة التي أشاروا إليها و لكن حيث إنّ جميع تلك الجهات و إن أشارت إلى الحقيقة من وجه، و لكنها لا تفي بتمام الحقيقة من كل وجه، و لا يتميز البيع به عن اخوته من العقود المملكة، كالإجارة و الصلح و الهبة المعوضة و القرض، لذلك كثر النقض و الإبرام في تلك التعاريف،

145

و بيان الخلل في تلك العبارات نظرا لكون حقيقة البيع و مفهومه لا يرادف مفهوم المبادلة، و لا يساوي مفهوم النقل و الانتقال و التمليك، و لا إنشاء التمليك.

و يشهد لذلك الاتفاق ظاهرا على أنه لو قال: بادلت أو نقلت أو ملكت لا يكون بيعا، فمفهوم البيع إذا مغاير لكل تلك المفاهيم، مضافا إلى صدق أكثر تلك العبارات على غير البيع من عقود المعاوضات، كالصلح و الهبة المعوضة و غيرها، و لم نجد في كلماتهم على كثرتها من عبّر عن ذات حقيقة البيع و جوهر معناه الذي يمتاز به عن كافة ما يشاركه في النقل و التمليك من عقود المعاوضات.

فنقول و باللّه التوفيق: لا ريب أن للأعيان الخارجية في نظر العرف و العقلاء جهتين: تارة من حيث شخصيتها و وجودها الخارجي، و بما هي دار أو عقار أو بستان أو غير ذلك، و أخرى من حيث ماليتها الناشئة من وفور الانتفاع بها، و كثرة فوائدها الباعثة على توفر الرغبات فيها و كثرة الطلب لها، و مزيد العناية بها، و على مقدار ما في العين من المنفعة و الرغبة تزداد ماليتها و تنقص.

و مالية كل عين هي قوامها و قيمتها الكامنة فيها، فالعين تلحظ تارة بشخصها، و أخرى بقيمتها و ماليتها، فإذا احتاج صاحب العين إلى المال انبعث في نفسه العزم على بذلها و إبدالها بالمال، و لكن لا بمطلق المال، بل بماليته الكامنة فيها، و قيمتها المقومة لها بنظر العرف، و لذا يتحرى البائع قيمته الواقعية، و أن لا يقع فيها غبن و لا نقص، و كذلك المشتري يتحرى أن لا يبذل أزيد من قيمتها، فتمليك شخصية العين بماليتها و قيمتها الواقعية الكامنة فيها هو حقيقة البيع، و بها يمتاز عن سائر العقود سوى الإجارة، فإنها أيضا تمليك المنفعة بماليتها و قيمتها الواقعية، و تمتاز عن البيع بأنها لنقل المنافع، و البيع لنقل الأعيان.

146

و أما الصلح فهو عقد وضع في الأصل للتسالم و قطع الخصومة.

و الاتفاق على تمليك عين أو منفعة أو إسقاط حق أو دين أمر تبعي، و لو اشتمل على عوض، فلا يلزم أن يكون مالية تلك العين أو المنفعة محفوظة كما في البيع، و لذا يصح الصلح على ما يساوي الألف بواحد أو أقل، كقطعة نبات أو نحوها، فيصح صلحا و لا يصح بيعا.

و في الحقيقة أن العوض في الصلح ليس عوض عن العين المصالح عليها، بل عوضا عن الرضا التام على تمليك العين.

و مثله الكلام في الهبة المعوّضة، فإنّ المعاوضة بين الهبتين لا بين الموهوبين؛ ضرورة أنّ المجانية و كون الموهوب بلا عوض مأخوذ في حقيقة الهبة و ماهيتها، و لكن لا مانع من أن يهبه العين مجانا، و يشترط في ضمن العقد أن يهبه الموهوب له عينا أخرى بقيمتها، أو أقل أو أكثر، فإذا لم يف كان له الرجوع في هبته.

و أما الدين فهو و إن كان تمليك العين لكونها إحدى المصاديق أو بمثلها من سائر المصاديق، فليس حقيقة من باب المعاوضات أصلا و إن استلزم المعاوضة ضمنا و ضمانا.

فالخاصة اللازمة للبيع التي لا توجد في غيره، و الكاشفة عن تمام حقيقته، هي كونه تمليكا للعين من الغير بماليتها منه، و هذا المعنى له ثلاثة أنحاء من التحقق:

الأول: في مقام التصور و الفكر و الإرادة، و هو كمعنى خبري.

و الثاني: تحققه في مقام الإنشاء قولا أو فعلا، حيث يقول: بعت داري من

147

فلان.

و الثالث: تحققه خارجا و حصول البيع الذي يترتب عليه آثاره واقعا شرعا و عرفا، و ذلك إذا تعقبه القبول مع سائر الشرائط.

فإن نظرنا إلى مقامه في المرتبة الأولى قلنا: هو تمليك العين بماليتها، و إذا نظرنا إليه في المرتبة الثانية قلنا: إنشاء تمليك العين بماليتها، و إذا نظرنا إلى المرتبة الثالثة، قلنا: إنشاء تمليكها بماليتها من الغير مع قبوله.

و بهذا تعرف أنّ كل واحد من الفقهاء نظر إلى مرتبة فعبّر بما يناسبها، وفاتهم الإشارة إلى أنّ العوض ليس هو مطلق المال، بل ماليتها الخاصة الكامنة فيها المقومة لها، التي تعتبر في العرف قيمة لها، فكأنّ صاحب السلعة إذا أخذ قيمتها قد استرد سلعته، و لكن من حيث ماليتها، و باذل المال قد استرده و لكن في ضمن عين تلك السلعة.

و هذا المعنى ارتكازي في النفوس، موجود في أذهان المتبايعين إجمالا، و مغفول عنه تفصيلا، و لذا لو تبين الغبن و الزيادة و النقيصة في الثمن أو المثمن كان للمغبون الفسخ؛ لأنه لم يصل إليه تمام مالية العين، أو دفع المشتري زائدا عليها، فلم يصل إليه في العين تمام ما دفع من المال.

ثمّ إنّ تلك المراتب التي ذكرناها للبيع ليست معان متباينة، و مفاهيم متغايرة، بل هو معنى واحد، و تلك أنحاء تحققاته و أطوار تشخّصه، فإذا قيل:

«البيع و الشراء» فهي مرتبة وجوده المفهومي التصوري، و إذا قال البائع في مقام الإيجاب: بعت، فهي مرتبة وجوده الإنشائي، و إذا قيل: «أحل اللّه البيع و حرّم الربا» فهي إشارة إلى مرتبة وجوده الخارجي بحسب مصاديقه الشخصية.

و أما استعماله في الانتقال فهو من قبيل استعمال لفظ السبب في المسبب،

148

فإنّ التمليك سبب للانتقال، و عليه يحمل تعريف المبسوط و من تبعه، و تعريف الشي‏ء بذكر أثر من آثاره ليس بغريب. فكأنهم أرادوا أنّ البيع الذي هو التمليك ما يكون مؤثّرا للانتقال نظرا إلى مرتبة وجوده الحقيقي الذي ترتبت عليه آثاره الخارجية، أي ما هو بيع بالحمل الشائع الصناعي، لا ما هو بيع بحسب المفهوم و الماهية و بالحمل الذاتي، و هذا أحسن من توجيهه بإرادة التبعية، فإنه من البعد بمكان.

و أما استعماله في العقد، بمعنى الإيجاب و القبول كما هو الشائع في لسان الفقهاء، حيث يجعلونه عقدا من العقود في مقابل الصلح و الإجارة و نحوها مما يقابل الإيقاعات، فهو أيضا توسع في الاستعمال، و من علاقة السببية أيضا، كما صرح به الشهيد الثاني‏ (1) ، فإنّ الإيجاب بالضرورة سبب للتمليك الحقيقي فيستعمل اللفظ الموضوع للتمليك في سببه و هو الإيجاب و القبول.

و قول شيخنا المرتضى قدّس سرّه: و الظاهر أنّ المسبب هو الأثر الحاصل في نظر الشارع؛ لأنه المسبب عن العقد... الخ، مشيرا: إلى أنّ مسبب العقد و أثره النقل الشرعي لا التمليك و النقل الحاصل بإيجاب البائع فإنّه غير موقوف على القبول، فاستعمال لفظ البيع الموضوع لتمليك الموجب و نقله من الإيجاب و القبول، أي العقد، استعمال بلا علاقة؛ لأنه لا سببية بين العقد و التمليك الإنشائي، و إنما السببية بين العقد و بين النقل الشرعي الذي لا دخل له بالبيع، غريب جدا،

____________

(1) -زين الدين بن نور الدين علي العاملي الجبعي الشهير بـ «الشهيد الثاني» ، من أشهر فقهاء الإمامية و قادتهم المشاهير، ولد في 3 شوال سنة 911 هـ، و نال الشهادة و السعادة سنة (965) هـ. أنظر: أعيان الشيعة: ج 33/ص 223-296 ط. بيروت؛ تنقيح المقال:

ج 1/ص 472.

القاضي الطباطبائي‏

149

و منشؤه الذهول عن المرتبة الحقيقية للبيع، و وجوده الخارجي الذي هو التمليك الحقيقي في نظر العرف و العقل، و ليس للشارع سوى الإمضاء و عدمه، و الحكم بالإلزام أو عدم اللزوم.

و بالجملة: فكون التمليك الحقيقي الذي يترتب عليه أثره و هو الانتقال، و تبدل الملكية ثمنا و مثمنا، مسببا عن العقد-أي الإيجاب و القبول-مما لا يمكن إنكاره، و هو ضروري لكل أحد، و لا ينافيه أنّ النقل الإنشائي أثر حاصل بإيجاب الموجب فقط، بل هو مؤيد لما ذكرناه: فإنّ النقل الصوري الإنشائي أثر الإيجاب فقط، و النقل الحقيقي أثرهما معا.

هذا كله مع قطع النظر عن الشارع الذي ليس له سوى الأمر بوجوب الوفاء و الالتزام بما التزما به، أو عدم وجوب الوفاء الراجع إلى مخالفة العرف في الأسباب لتلك الملكية الحقيقية، أو اعتبار بعض الشروط في السبب و هو العقد، لا إلى الاختلاف في حقيقة البيع، أو أنّ العقد ليس مسببا للملكية كما يظهر منه قدّس سرّه، فتدبره جيدا.

و من هنا ظهر الوجه أيضا في استعماله في الإيجاب بشرط تعقبه بالقبول، و الفرق بينه و بين سابقه اعتباري، و هما بالنتيجة سواء، و هو أيضا بعلاقته السببية كما سبق بيانه.

و لا مانع من أن يكون قول المخبر «بعت» مستعملا في الإيجاب المتعقب بالقبول؛ إذ لا ثمرة في الإيجاب المجرد، و قرينة المقام قرينة التجوز باستعمال اللفظ في المقيد لا أنّ القيد مستفاد من الخارج.

و قوله: «نعم تحقق شرط للانتقال في الخارج لا في نظر الناقل... الخ» ، ففيه:

150

أولا: أنّ الحال في نظر الناقل و نظر غيره سواء في المقام، فإنّ النقل الإنشائي بالإيجاب وحده حاصل في نظر الناقل و في نظر غيره، و النقل الحقيقي غير حاصل به في نظر الناقل و في نظر غيره أيضا؛ إذ لا يعقل أن الناقل يرى حصول النقل الحقيقي بإيجابه فقط، كيف، و هو بإيجابه قد ملك العين، و تملك الثمن، و هو في تمليكه المثمن أصيل، و في تملك الثمن الذي هو ملك المشتري كفضولي يحتاج إلى إجازة المشتري، و إجازته قبوله و رضاه بجملة عمل البائع تمليكا و تملكا، و لذا قلنا فيما سبق: إنّ البيع بتمامه من عمل البائع، و لكن لا يتحقق في الخارج، و لا تحصل ثمرته بنظر العرف و العقل، إلاّ بقبول المشتري.

و ثانيا: أنّ الأثر و إن كان لا ينفك عن التأثير، كما أفاده قدّس سرّه، و لكن أثر كل مرتبة لا ينفك عن التأثير في تلك المرتبة لا في مرتبة أخرى، فتأثيره مرتبة الإنشاء لا ينفك عن أثرها و هو التمليك الإنشائي لا التمليك الحقيقي الذي هو أثر الإيجاب و القبول معا.

و ثالثا: أنّ قياس البيع و ما يساويه معنى على الوجوب و الإيجاب قياس مع الفارق، فإنّ الوجوب و الإيجاب من المعاني الإيقاعية الاستقلالية التي يكفي في تحققها صرف إنشائها من طرف واحد، و لا تحتاج إلى إنشاءين، بل يكفيها إنشاء واحد، و الطلب الإيجابي من العالي و السافل و المساوي كله من سنخ واحد، و هو في الجميع يستلزم تحقق الوجوب من الموجب، غايته أنّ العقل يلزم بوجوب الامتثال إن كان من العالي؛ تحرزا من العقاب، دون الأخيرين؛ للأمن من العقاب فيهما، و هذا أمر خارج عن حقيقة الوجوب.

أما البيع فهو من المعاني الارتباطية التي لا تتحقق حقائقها بصرف‏

151

إنشائها، و لا يكفي فيها الإنشاء من واحد، و ما أبعد التفاوت بين العقود و الإيقاعات، فالبيع و أخواته من قبيل الأبوة و البنوة، غايته أنه إضافة و اعتبار ينتزع من عمل إنشائي، بخلاف الأبوة فإنها إضافة تنتزع من أمر خارجي غير الإنشاء.

أما الإيجاب و الوجوب فهما من قبيل العتاق و الطلاق التي تنتزع من إنشائها من الفاعل القابل في المحل القابل، و البيع يحتاج إلى فاعل و قابل في المحل القابل، فلو تخيل التراب حنطة و قال: بعتك منّا من هذه الحنطة، و قال المشتري: قبلت، لم يقع التمليك الحقيقي، و إن حصل الإيجاب و القبول، و التمليك الصوري و النقل الإنشائي اللغوي، فالإيجاب و القبول في المحل القابل عرفا و عقلا مستلزم للتمليك الحقيقي و النقل الواقعي، كالكسر و الانكسار لا ينفك أحدهما عن الآخر أبدا، لا ذهنا و لا خارجا.

نعم، الكسر و الانكسار من الأمور الخارجية التي ليس لها مرتبة إنشاء كالبيع، فهما يشابهان العقد و أثره-أعني النقل الحقيقي-من جهة، و يختلفان عنه من جهة، و كذا الأبوة و البنوة.

و الخلاصة: أنّ البيع الحقيقي لا ينفك أبدا عن العقد في المحل القابل في نظر الناقل و غير الناقل.

نعم، قد يقع في الاعتبار الغير الصحيح تحقق التملك الحقيقي بدون قبول المالك، كما يتملك أرباب النهب و الغصب أموال المغصوبين و المنهوبين بمجرد الاستيلاء، و هذا-مع أنه ليس بيعا حتى عند الغاصب-خارج عما نحن فيه من الاعتبارات الصحيحة.

و مما ذكرنا-من توضيح حقيقة البيع-ظهر لك أنه مختص بحسب طباعه‏

152

و جوهر معناه بنقل الأعيان، لا أنه اصطلاح من الفقهاء فقط، كما يظهر منه قدّس سرّه في أول البحث، كيف، و قد صرّح بعده بقليل أنه ليس له حقيقة شرعية و لا متشرعية، بل هو باق على معناه العرفي.

و لا يخفى أن البيع المبحوث عن معناه في المقام ما هو عمل البائع، لا ما هو عملهما معا، غايته أن عمل البائع و تمليكه العين و تملكه الثمن لا يكون حقيقيا عند العقلاء، بل و في نظره، إلاّ بالقبول، أما المبادلة بين المالين فهي من عمله فقط، و المشتري قد أمضى تلك المبادلة و رضي بها، فما أورده بعض أساتيذنا في حاشيته-من أن المبادلة من عمل البائع و المشتري، و البيع المقصود بالتعريف هو عمل البائع-غير سديد.

و حيث عرفت اختصاص المعوض في البيع بالأعيان، و أن إطلاقه على تمليك المنافع في كلمات بعضهم و بعض الأخبار، كخبر إسحاق بن عمار في بيع سكنى الدار التي لا يعلم صاحبها، و خبر أبي مريم، و السكوني في المدبّر يبيع خدمته و لا يبيع رقبته، كل ذلك توسع في الاستعمال، و ضرب من المجاز.

أما استعمال الإجارة في نقل بعض الأعيان كإجارة الشجرة لتمليك الثمرة، و الشاة و المرضعة للصوف و اللبن و نحوها، فهو على الحقيقة؛ لأنّ الثمرة و اللبن يعد منفعة للشجرة و الشاة، حيث يقع عقد الإجارة عليها، لا على نفس الثمرة و اللبن فيستقلان باللحاظ.

فاعلم أنهم قد اتفقوا ظاهرا على عدم اختصاص العوض بالأعيان، و أنه لا إشكال في كونه منفعة، سواء كانت محققة قبل المعاوضة، أو يتحقق اعتبارها بنفس المعاوضة، كعمل الحرّ لو قلنا بأن منافعه ليست بمال قبل المعاوضة كما هو الظاهر، و عبارة المصباح لا يظهر منها اعتبار تقدم المالية، و كما لا يعتبر في‏

153

المعوض أن تكون ماليته قبل المعاوضة كما في بيع الكلي في الذمة، فكذا في العوض حيث يكون منفعة.

و أما الحقوق فهي على ثلاثة أقسام:

منها: ما يقبل الإسقاط و الانتقال، و يعاوض بالأموال، كحق الخيار و التحجير، فلا ينبغي الإشكال في صحة جعله عوضا؛ إذ كل ما يقابل بالمال فهو مال بالضرورة.

و منها: ما لا يقبل شيئا من ذلك، كحق الولاية على اليتيم و نحوه، و لا إشكال في عدم صحة التعويض به.

و منها: ما يقبل الإسقاط دون الانتقال، فإن كان يقابل بالمال كحق الشفعة لو دفع المشتري مالا إلى الشريك ليسقط حق شفعته، فلا مانع من جعله عوضا في البيع، و إلاّ فلا يصحّ؛ لعدم ماليته حينئذ.

نعم، جعل جدّنا كاشف الغطاء قدّس سرّه‏ (1) -في شرحه على القواعد-الوجه

____________

(1) -الشيخ جعفر بن الشيخ خضر الجناحي النجفي، إمام الطائفة و شيخها الأكبر، من أساطين الدين و أركان المذهب، و زعيم الشيعة الأعظم، و شيخ الفقهاء، صاحب كشف الغطاء و غيره من المؤلفات النفيسة. و أولاده الأمجاد أسرة عريقة بالعلم و الفضيلة، و نبغ منهم الفقهاء الأكابر زعماء الدين و رؤساء الإسلام، و منهم اليوم شيخنا الإمام-أدام اللّه ظله-الذي يحتاج تأريخ شئون حياته و ترجمته الشريفة إلى تأليف مستقل.

و كان بين الشيخ الأكبر و بين معاصره جدنا العلامة الفقيه ميرزا محمد تقي القاضي المتوفى (1222) هـ-تلميذ الوحيد البهبهاني قدّس سرّه-صداقة كاملة، و كذا أيضا بين الشيخ الأكبر و بين تلميذه جدنا العالم الرباني الحاج ميرزا مهدي القاضي الكبير، المتوفى (1241) هـ، كما يشهد بذلك المراسلات المتوالية بينه و بين الشيخ قدّس سرّه، الموجودة عندنا بخطه الشريف.

154

في عدم صلاحية الحق لجعله ثمنا و لا مثمنا، ضعف الملكية، و عدم تبادره من الملك، و لكنه على إطلاقه محل نظر.

و الحق أنّ المدار في الحق على المالية، فمتى تحققت صح جعله عوضا، و إلاّ فلا.

أما ما أفاده شيخنا المرتضى قدّس سرّه بقوله: «و أما الحقوق الأخر كحق الشفعة و حق الخيار-إلى قوله-: و السر أنّ الحق سلطنة فعلية لا يعقل قيام طرفيها

____________

قو قد جاء الشيخ الأكبر إلى تبريز في أوائل الثورة الروسية حينما تداخلت أيديهم الظالمة على إيران في أيام فتح علي الشاه القاجاري ليحرض الناس على الدفاع عن البلاد الإيرانية، و اتفق في تبريز لقاء الشيخ قدّس سرّه مع جدنا القاضي الكبير، و أوجد بذلك أثرا عظيما في النفوس.

توفي الشيخ قدّس سرّه سنة (1228) هـ، و ممن رثاه بالفارسية هو الشيخ الفاضل علي أشرف التبريزي الطسوجي المتولد (1189) هـ و المتوفى (1268) هـ، و أنشأ أشعارا تتضمن تأريخ وفاته، و رأيتها بخطه، و لا بأس بنقلها في هذا المقام:

چون جناب شيخ جعفر را روان # شد بسوى جنة المأوى روان‏

وهن فاحش شد بدين جعفرى # دين جعفر را شكستى شد عيان‏

شد مدارك را مسالك بى‏سلوك # شد شرايع را قواعد بى‏نشان

بعد از آن آوخ مفاتيح و دروس # بعد از اين هيهات تحرير و بيان‏

بود تا بودش زمين را صد شرف # با وجود او بهفتم آسمان‏

بى‏وجود او نيارم هيچ گفت # خاك بر فرق من و اين خاكدان‏

رونق گلشن كجا ماند دگر # رخت بربندد چو گل از گلستان‏

خواستم تأريخ سال فوت او # بالبديهة «أشرف» تأريخ دان‏

با دريغ و حسرت و افسوس گفت # بود دين جعفرى رفت از ميان‏

(1228) ه

و له أبيات أخرى أيضا في تأريخ وفاته قدّس سرّه تركنا ذكرها خوف الإطالة.

القاضي الطباطبائي‏

155

بشخص واحد... الخ» فتوضيح مراده: أنّ ما لا يقبل الانتقال من الحقوق لا يصح جعله عوضا في البيع؛ ضرورة أنّ البيع تمليك الغير عوضا و معوضا، فإذا كان الحق لا يمكن نقله إلى الغير فكيف يكون عوضا و يملك للغير، و التمليك لا يتحقق بدون النقل، فحيث لا نقل لا تمليك، فلا بيع.

فإن قيل: لا يتوقف البيع دائما على النقل و التمليك فإنّ الكلي يصح بيعه على من هو عليه اتفاقا، مع أنّ التمليك و النقل فيه غير معقول.

لأنا نقول: لا مانع من كونه تمليكا أثره السقوط، و لذا جعل الشهيد (1) الإبراء بين الإسقاط و التمليك، فإنه ظاهر في أنّ الكلي يمكن أن يملك لمن هو عليه.

فإن قيل: فليكن جعل الحق عوضا أيضا تمليكا لمن هو عليه، و يكون أثره سقوط الحق كما في الدين، فيصح لمن له حق الشفعة مثلا أن يجعله عوضا للمشتري الذي عليه الحق-حق الشفعة-و يكون أثره السقوط.

لأنا نقول: فرق بين الحق و الملك، فيعقل أن يكون مالكا لما في ذمته فيسقط، و لا يعقل أن يتسلط على نفسه.

____________

(1) -أبو عبد اللّه محمد بن جمال الدين مكي الدمشقي العاملي الجزيني، رئيس المذهب، و زعيم الملة، و أفقه فقهاء الآفاق بعد المحقق على الإطلاق، و هو رأس المحققين و رئيسهم، و ألف التصانيف الرائقة في الفنون الشرعية، و له أنظار دقيقة و نظريات بديعة، ولد سنة (734) هـ، و نال الشهادة في يوم الخميس التاسع من جمادى الأولى سنة (786) هـ قتل بالسيف ثمّ صلب ثمّ رجم ثمّ أحرق بدمشق في دولة «بيدمرو» و سلطنة «برقوق» بفتوى القاضي برهان الدين المالكي، و عباد بن جماعة الشافعي بعد ما حبس سنة كاملة في قلعة الشام، قدس اللّه روحه و حشره مع الشهداء و الصديقين، و حسن أولئك رفيقا.

القاضي الطباطبائي‏

156

و السر أنّ الحق سلطنة لمن له الحق على من عليه الحق، فهو موقوف على طرفين، و لا يعقل قيامهما بشخص واحد، بخلاف الملك فإنه لا يحتاج إلى من عليه الملك بل هو نسبة بين المالك و المملوك، فيصحّ أن يملك ما في ذمته، و لا يلزم اتحاد المالك و المملوك عليه المستحيل، و لعله يشير قدّس سرّه إلى أنّ انتقال الحق إلى من هو عليه من قبيل انتقال العرض، و هو مستحيل، بخلاف انتقال الملك إلى من هو عليه، فإنه من قبيل تبدل العرض و هو ممكن.

هذا غاية ما يمكن أن يقال في توضيح مراده، و تنقيحه، و لكنه واضح الضعف من وجوه.

و حل هذه العقدة بحيث ينكشف مواضع الخلل فيما أفاده قدّس سرّه: أنّ الملك كما لا يحتاج إلى من يملك عليه أحيانا، كما في ملك الأعيان و المنافع، كذلك الحق قد لا يحتاج إلى من عليه الحق، كحق التحجير و حق الخيار و أمثالها، و كما أنّ الحق قد يحتاج إلى من عليه الحق كحق القصاص و حق الجناية و حق الشفعة في وجه، فكذلك الملك كملك الكلي في الذمة و نحوه، و كما يصح لحاظ الملك بين المالك و المملوك يصح لحاظ الحق نسبة بين الحق و بين من له الحق، و كما يصح لحاظ سلطنة بين من له الحق على من هو عليه، فلا يعقل اتحاد طرفيها في شخص واحد، فكذا يصح لحاظ الملك سلطنة فعلية لمن له ملك على من هو عليه، فلا يعقل اتحادهما.

و منشأ التوهم أخذ الحق بالمعنى المفعولي، و أخذ الملك بالمعنى المصدري، و لو أخذا بنسبة واحدة لم يكن فرق بينهما بالضرورة. كيف، و لو لم يؤخذ المملوك عليه في بيع الكلي لم يكن هناك مال و لا مملوك أصلا حتى يصح بيعه و ماليته و باعتبار ذمة المملوك عليه و إلزامه تحقق الكلي، فقوام