الفردوس الأعلى

- الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء المزيد...
351 /
157

المملوك هنا إنما هو بالمملوك عليه لا المالك، فلو اشترى ما في ذمته لزم قيام الطرفين-المالك و المملوك عليه-بشخص واحد، و لزومه أيضا أظهر من لزومه في الحق.

و يندفع كل هذه الأوهام بأنّ المصحح في المقامين هو اختلاف الحيثية و الاعتبار، فباعتبار السبب الأول كان عليه الحق و مملوكا عليه، و باعتبار السبب الثاني صار له الحق و مالكا، و يكون أثر ذلك السقوط فيهما معا حقا أو ملكا، فتدبره جيدا.

و الحق ما ذكرناه أولا من أنّ الحق إن كان يقابل بالمال و يمكن سقوطه أو انتقاله صح جعله عوضا، و إلاّ فلا.

و هل البيع و غيره من أسماء المعاملات موضوع للصحيح أو الأعم؟

فاعلم أولا: أنّ هذا من المباحث المستحدثة من زمن الشهيدين و ما بعدهما، و لم يكن له عند المتقدمين عنوان و لا أثر. و في الحقيقة أن هذا البحث ساقط من أصله، و باطل من ذاته.

و بيان ذلك: أنّ من المعلوم أن عامة أسماء الأجناس سواء كانت معانيها من الحقائق الخارجية العينية كالإنسان و الشجر و نحوهما، أو من المعاني الجعلية الاعتبارية كالبيع و الإجارة و الزوجية و الملكية و نحوهما إنما هي موضوعة للماهيات و المفاهيم الكلية، و الماهية من حيث هي ليست إلاّ هي، و يستحيل أن تتصف بصحة أو فساد؛ ضرورة أنّ الصحة عبارة عن كون الشي‏ء بحيث يترتب عليه الأثر المطلوب منه، و فساده عبارة عن عدم ترتب ذلك الأثر عليه، و الماهية من حيث هي لا يعقل أن يترتب عليها أثر من الآثار، و إنما الأثر للوجود، فالإحراق لا يترتب على ماهية النار، و إنما يترتب على وجودها

158

و مصاديقها، و هكذا كل ماهية واقعية أو اعتبارية.

نعم، لما كانت الماهية الاعتبارية لا وجود لها في الخارج إلاّ بوجود منشأ انتزاعها، و ليس منشأ انتزاعها سوى الأسباب التي اعتبرها العقلاء محققة لها، فالصحة و الفساد إنما تعرض على أسبابها أولا و بالذات، و تعرضها ثانيا و بالعرض.

و الخلاصة: أنّ البيع مثلا بمعنى تمليك العين بعوض لا يعقل أن يتصف بصحة أو فساد، نعم السبب فيه و هو العقد إن كان بحيث يترتب عليه أثره و هو التمليك كان صحيحا، و إلاّ كان فاسدا، و هكذا سائر المعاملات إنما تكون صحتها و فسادها باعتبار أسبابها، كما أن العبادات من الصلاة و الصوم و الحج و نحوها إنما تتصف بالصحة و الفساد باعتبار وجودها و بالنظر إلى مصاديقها، فإن كان جامعا لما اعتبر فيه من أجزاء و شرائط بحيث يترتب عليه الأثر كان صحيحا، و إلاّ كان فاسدا.

و إذا اتّضح أن الماهيات و المعاني لا تتصف بصحة أو فساد، و أن أسماء العبادات و المعاملات لتلك المفاهيم، و الصحة متأخرة عنها رتبة، ظهر لك سقوط النزاع من أصله في أنّ تلك الأسماء موضوعة للصحيح أو الأعم، و أنّ مبحث الصحيح و الأعم من الأبحاث التي هي-مضافا إلى عدم الفائدة و الثمرة فيها- غير معقولة في نفسها. و فساد ما ذكروه من الثمرات لهذا النزاع أوضح من أن تحتاج إلى بيان.

نعم، يمكن أن يقال: إنّ إطلاق البيع في مقام الإخبار ينصرف إلى وجود البيع الصحيح، أي السبب الجامع لشرائط التأثير، أما في مقام الإنشاء فالصحة و الفساد ينتزعان منه بلحاظ متأخر لا أنّ الإنشاء يتعلق بالصحيح كما يتعلق‏

159

الفاسد كما لا يخفى على المتدبر.

أما وجه تمسك العلماء قديما و حديثا بعمومات المعاملات مثل‏ أَحَلَّ اَللََّهُ اَلْبَيْعَ فهو بالنظر إلى أنّ البيع بمعنى التمليك لمّا كان غير فعل اختياري إلاّ بالواسطة كسائر الأفعال التوليدية فلا تتعلق الحلية و غيرها من الأحكام به إلاّ بواسطة سببه، فيكون مفاد الآية: حلية أسباب التمليك، و يدل بإطلاقه على حلية كل ما هو سبب للتمليك عند العرف.

و المراد بالحلية في مثل هذه الموارد الإمضاء و التقرير، يعني أنّ اللّه أنفذ و قرر أسباب البيع التي هي أسباب عند العرف، و أمضى سببيتها وضعا، و حلية التصرفات في المبيع تكليفا تابعة لتلك الحلية الوضعية و منتزعة منها، لا أنها هي المقصودة بالأصالة و المدلول عليها بالجملة بحيث يكون المراد من البيع المبيع، و تكون حليته باعتبار حلية التصرفات، فيستلزم خلاف الأصل من وجهين:

الحذف و المجاز، و لا يلزم شي‏ء من ذلك على ما ذكرناه؛ ضرورة أنّ تعلق الأحكام بالأعيان و الأفعال التوليدية و إرادة أسبابها شائع لا يعد من المجاز أصلا؛ لعدم العناية و التكلف فيه بالضرورة، فحلية البيع، و حرمة الربا، و وجوب الوفاء بالعقود، لا يفهم منها إلاّ إرادة نفوذ العقود العرفية، و وجوب الالتزام بها على ما هي عليه عند العرف، و مضيّ سببية كل ما هو سبب عند العرف للبيع و نحوه، و عدم سببية الربا للملكية و إن كان سببا عند العرف فليس للشارع في العقد و البيع و الربا اصطلاح خاص، أو حقيقة شرعية، و إنما له الإمضاء و التقرير أو عدمه لا غير، فكل عقد و كل سبب للبيع بمقتضى هذه الإطلاقات نافذ إلاّ ما قام الدليل على بطلانه.

160

المعاطاة:

و من هنا ظهر لك أن المعاطاة بعد تسالمهم على كونها بيعا عرفا، و صحيحة شرعا، و أنها ليست بيعا فاسدا، و لم ينسب احتمال ذلك إلاّ إلى العلامة قدّس سرّه في النهاية، و قد ثبت رجوعه عنه، كما أنه لا خلاف أيضا في أنّ قصد المتعاطيين هو التمليك، و حينئذ فتشمله عمومات‏ أَحَلَّ اَللََّهُ اَلْبَيْعَ و تِجََارَةً عَنْ تَرََاضٍ و أمثالها، و لكن اتفق الأكثر على الظاهر، بل الجميع على ما يقال، أنها تفيد الإباحة لا التمليك، و بهذا اعضلت المسألة، و تضاربت الأصول و القواعد، و اضطربت فيها مذاهب العلماء، فبين قائل بالإباحة عامة أو خاصة، و بين قائل بالتمليك جائزا أو لازما.

كما أنّ المتأخرين اختلفوا في تحرير محل النزاع عند المتقدمين، فبين قائل إنه فيما إذا قصد المتعاطيان التمليك، و بين قائل-كصاحب الجواهر (1) - إنه فيما إذا قصد الإباحة.

انتهى ما وجد بخطه، دامت إفاضاته.

____________

(1) -الشيخ محمد حسن بن الشيخ باقر النجفي، من مشاهير فقهاء الإمامية، صاحب الجامع الكبير «جواهر الكلام» ، توفي سنة (1266) هـ في النجف الأشرف، و دفن في مقبرته المعروفة.

161

هذه تقريرات درس العلامة آية الله كاشف الغطاء

بسم اللّه الرحمن الرحيم‏

هذه تقريرات درس شيخنا الإمام العلامة المرجع الديني الأكبر، آية اللّه كاشف الغطاء، أدام اللّه علينا أيام إفاداته‏ بقلم: بعض الفضلاء من تلاميذه أيده اللّه تعالى لا تجوز الصلاة في المكان المغصوب عينا أو منفعة فيما إذا كان ملكا طلقا، و هذا مما لا إشكال فيه، و إن أمكن القول بجواز الصلاة في كل مكان مملوك أو غيره، رضي صاحبه أو لا؛ لأنّ حق الصلاة للّه المالك الحقيقي مقدم على حق المالك الصوري المجازي، كما لعله يشير إليه في الحديث: «جعلت لي الأرض مسجدا و طهورا، أينما أدركتني الصلاة صليت» و غيره، و اللّه العالم.

نعم، لا إشكال على المشهور في بطلان الصلاة في المكان المغصوب، و إنما الإشكال فيما لو وقعت في حق الغير من غير رضاه، و أنها هل هي صحيحة مطلقا، أو باطلة كذلك، أو يفصل بين الحقوق المالية التي تقبل الإسقاط و المعاوضة و النقل، و بين الحقوق الغير المالية التي هي عكس الحقوق المالية، و قد يشتبه الأمر و لا يفرق بينهما في بعض الحقوق التي يقبل بعضها دون البعض الآخر.

و تنقيح المقام بحيث يرتفع به غواشي الأوهام يحتاج إلى بيان الفرق بين الحقوق و الأحكام، ثمّ ملاحظة أنّ الحقوق التي وقعت فيها الصلاة بغير إذن‏

162

صاحبها هل تكون مما يصدق عليه التصرف العرفي. و بعبارة أخرى: الصلاة فيها موجبة للتصرف المحرم أم لا؟

فنقول: إنّ الحق نحو سلطنة، و السلطنة عبارة عن القاهرية و التسلط، و لها مراتب كثيرة، أعلاها و أجلها هو سلطنة الحق تعالى شأنه و قهاريته على مخلوقاته، و هو من أعظم الحقوق، و لا يتبدل و لا يتغير بحال أبدا، و هو ذاتي متأصل، و إليه ترجع سائر الحقوق، بل الحقوق كلها له جل شأنه، و بسلطنته خلق الخلق.

و الحاصل: أنّ حق الخالقية حق ذاتي غير مجعول، و هو ثابت له تعالى في تمام الأحوال، و له آثار كثيرة لا تعد و لا تحصى، و من آثاره شكره و حمده و عبادته و إطاعته و تسبيحه و تقديسه و القيام بما أمر به و الانتهاء عما نهى عنه، و هذه السلطنة العظيمة سلطنة لا تنالها يد الجعل، و لا توجد في غيره تعالى.

ثمّ بعد التنزل عن هذه المرتبة هو حق النبوة، ثمّ حق الولاية، ثمّ حق العلماء و المدرس و الأب و الابن، و حق الجار على جاره، و جميع هذه الحقوق ترجع إلى حقه تعالى في المعنى، و لكل واحد من هذه الحقوق آثار كثيرة تترتب عليها.

ثمّ إنّ أمهات الحقوق-غير حقه تعالى-على ثلاثة أقسام؛ لأنّ السلطنة الخاصة الثابتة للإنسان إما أن تكون على إنسان آخر كسلطنة النبوة و الولاية و غيرهما من الحقوق إلى أضعف مراتبها، و هو حق مرشد الأعمى و هاديه إلى منزله، أو رافع الحجر عن طريق الآخر، و إما أن تكون على الأعيان، و إما على النسب و الإضافات.

و إن شئت قلت: إنّ الحق نحو سلطنة إنسان على غيره، من إنسان، أو

163

أعيان، أو عقد و إضافة و نسبة.

أما الأول فقد يكون منشؤه أفعال خارجية و أمور حقيقة كالهداية و الإرشاد و التعليم و رفع الحجر و غير ذلك من الأفعال الخارجية الجوارحية، فإنّ هداية النبي صلّى اللّه عليه و آله و إرشاده إليه تعالى صار سببا و منشئا لحقه صلّى اللّه عليه و آله على العباد، و هكذا الولي عليه السّلام، و العالم و المعلم إلى آخر مراتبه و أضعفها، و في مقابل هذه الهداية و الإرشاد لا بد من التشكر و الامتنان و العمل بما يأمره و ينهاه، و كذا بالنسبة إلى غيره صلّى اللّه عليه و آله، و هذا النحو من الحق أثره أنه لا يتبدل أبدا، فلا يقبل الإسقاط و لا المعاوضة و لا النقل؛ لأنّ منشؤه أمر لا يقبل شيئا مما ذكر؛ بداهة كونه أفعالا خارجية لا يمكن عودها بعد وقوعها.

و قد يكون منشؤه أمورا إضافية و اعتبارات صرفة ليس لها ما بإزاء في الخارج، و لكنه مما له منشأ انتزاع محقق فيه، لا كأنياب الأغوال، مثل حق المولى و الزوج على عبده و زوجته، فحق المالك و الزوج نشأ من الملكية و الزوجية اللتين هما من المعقولات الثانوية ليس لهما ما بإزاء في الخارج، و لكنهما انتزعتا من العقد الخاص الذي صدر عن أهله في محله.

و بالجملة: الحقوق المنتزعة عن المعقولات الثانوية الحاصلة بعد التقابل بينها و بين طرفها التي ليست من الأمور الوهمية، بل من الأمور الواقعية و لها منشأ انتزاع في الخارج، و هذا النحو من الحقوق أيضا لا تقبل النقل و الإسقاط و المعاوضة أبدا، كالحقوق الأولى، نعم يمكن رفع الأمور المذكورة بتوسط حلّ منشأ انتزاعها و هو من المعقولات الثانوية، كالملكية و الزوجية، و حل ذاك المنشأ لا يمكن أولا و بالذات أيضا بل يحتاج في حلّه إلى حل منشأ انتزاعه و هو العقد الصادر عن أهله في محله، و حق الزوجية و الملكية مثلا لا يتبدل و لا

164

يتغير إلاّ بتبدل ذاك العقد و انحلاله الموجب لانحلال الزوجية و الملكية المستلزم لانحلال هذا الحق، هذا بخلاف الحقوق الأولى، فإنّ منشأ انتزاعها هو الأمور الحقيقية و الأفعال الخارجية التي ليس لها استقرار و ثبات في الخارج حتى يمكن حلّها، و من هذا القبيل حق الإنسان على نفسه، فإنه من أهمّ الحقوق و أجلها، و هو أيضا لا يقبل النقل و الإسقاط و المعاوضة أصلا، كحق الإنسان على الإنسان، و هو مسلط على نفسه، و مختار في حركاته و سكناته، إلاّ أن يستلزم المعصية و التجرّي على المولى الحقيقي.

و أما الثاني، و هو سلطنة الإنسان على الأعيان و الأموال، فقد يكون السبب و العلة في حصول تلك الأموال هو الأمور الاختيارية من تجارة و ولاية و إجارة و صناعة، و قد يكون السبب فيه هو الأمور الغير الاختيارية كما في الإرث و البذل، و منه تملك الفقراء و المساكين الزكاة، و السادات المحترمين الخمس، بل أخذ الزوجة النفقة من زوجها، و تملكها لها، بخلاف إنفاق الوالد على أولاده فإنهم لا يملكونه أبدا.

و على كلا التقديرين إما تكون الأموال ملكا مطلقا له بحيث يملكها بجميع أنحائها و اعتبارياتها، و إما لا يكون ملكا طلقا، بل ملكا محدودا و مضيقا، و من هذا القبيل حق الرهن و التحجير و الخيار، فإنّ حق الراهن مثلا و سلطنته ما زالت عن ماله بشراشرها، بل له أخذه و لو ببيع المرهون، فإن هذا الحق و السلطنة من شئون السلطنة المطلقة و حدودها.

و بالجملة: الحق يتبع الملك في الإطلاق و التحديد، فالمالك إن كان محدودا فالسلطنة محدودة، و إن كان مطلقا فالسلطنة أيضا كذلك، و هذا النحو من الحقوق كلها و بأنحائها المختلفة و اعتباراتها الملحوظة قابلة للنقل‏

165

و الانتقال، و الإسقاط و المعاوضة، و من هذا القبيل حق الخيار أيضا، و يتحقق فيها عنوان الغصبية فيمن غصب ملك إنسان أو منفعته و لو لم يكونا طلقا، بل مضيقا محدودا، فصلى فيه تكون صلاته باطلة، هذا.

و قد تنتزع من الحكم التكليفي المتعلق على موضوع خاص لا يصلح للملكية صورة حق و هو ليس بحق واقعا، بل و هو حكم تكليفي محض، كما في المعابد و المساجد المحترمة، و البقاع المتبركة، و كالشوارع العامة كالطرق و سوق المسلمين.

و بالجملة: المشتركات العامة بأنحائها سواء كانت مشتركة بين الناس و العناصر و الطبقات كلها كالطرق و الأسواق، أو مختصة بنوع خاص و عناصر مخصوصة، مثل مكة المشرفة و المشعر الحرام و منى و المساجد، أو على صنف كالحرم الشريف و المدارس العلمية، و من سبق إلى مكان في هذه الأمكنة المباركة و زاحمه آخر و أخرجه من مكانه و صلى فيه لا تكون صلاته باطلة، و إن فعل حراما؛ لأنّ الغرض من وضع هذه الأمكنة ليس إلاّ استيفاء الانتفاع، و جواز السكنى، و التوقف لأجل العبادة، أما المساجد فقد ألغى الشارع المالية فيها و حررها، بل و كذا غيرها من المشتركات العامة، فإنّ الغرض من بنائها و وضعها ليس إلاّ انتفاع الأناسي بطبقاتهم و باختلاف عناصرهم لا تملكهم العين و لا المنفعة، بل لهم جواز الانتفاع و لغيرهم حرمة المزاحمة لما استمر عليها السيرة القطعية من ذم العقلاء كل من زاحم آخرا و أخرجه من مكانه، مضافا إلى ورود أخبار كثيرة من أنّ أسواق المسلمين كمساجدهم.

و الحاصل: بعد القول بأنّ الغرض منها ليس إلاّ الانتفاع و جواز الدخول و التوقف و الخروج لا التملك العيني و لا المنفعتي، لا معنى للغصبية أبدا؛ لأنه‏

166

عبارة عن التصرف بمال الغير من دون إذنه، و إذا انتفى المالية القائمة بالتمليك العيني أو المنفعتي فقد انتفى موضوع الغصبية و عنوانها.

و أما الموقوفات العامة فعلى قسمين: بعضها كالمشتركات العامة ليس الغرض منها إلاّ انتفاع المسلمين على طبقاتهم المتشتتة، و بعضها ليس كذلك، بل الغرض منه هو تمليك المنافع، كالوقف الخاص، بل هو وقف خاص، و لا ينافيه كثرة الموقوف عليهم.

و الحاصل: الوقف الذي هو عبارة عن تحبيس المال تارة يكون قصد الواقف مجرد انتفاع المسلمين كوقف القرآن على الحرم الشريف، و كوقف البساتين لانتفاع المسلمين من ثمراتها، لا فيما إذا وقفها لأن يتملكوا منافعها، فهذا القسم من الوقف هو الوقف العام و إن لم يجر عليه اصطلاح القوم، و قد يكون قصده هو تملكهم المنافع كما في كثير من الموقوفات، فهذا القسم هو الوقف الخاص بالدقة، و أما الاصطلاح فلا مشاحة فيه، و الغرض هو عدم تحقق الغصبية في القسم الأول لو دفع بعضهم بعضا و أزاله عن مكانه؛ لعدم المالية التي تحقق عنوان الغصبية، و تحققه في القسم الثاني؛ لأن المنفعة مال فمن غصبها و صلى فيها بطلت صلاته بلا إشكال.

و أما الثالث و هو سلطنة الإنسان على النسب و العقود و الإضافات فقد علم حكمها مما قدمناه من القسمين الأولين؛ لأنها إن رجعت إلى السلطنة المالية و حقوقها فيكون كالقسم الثاني من قبولها النقل و الإسقاط و المعاوضة كما في جميع السلطنات المتعلقة بالعقود، لازمة كانت أو جائزة، و سواء جعلت السلطنة لكلا الطرفين أو لأحدهما، فإنّ في العقود الجائزة لكل من الطرفين سلطنة على حلّ النسبة و إن لم ترجع إليها، بل كانت السلطنة على أمر غير مالي

167

كما في الوكالة و الكفالة، فيكون كالقسم الأول في عدم قبولها النقل و الإسقاط و المعاوضة؛ لأنها على هذا الفرض ليست إلاّ مجرد حكم و هو مجعول شرعي لا يقبل شيئا مما ذكر.

بقي في المقام شي‏ء جامع لكلتا الصفتين و هو عقود الأنكحة بأنحائها فإنها برزخ بين المعاملات و العبادات كما صرّح به بعض الأساطين من حيث إنها سلطنة إنسان على ما يرجع بالآخرة على المال فيقتضي أن تقبل كلا من الأمور المذكورة، و من حيث إنها سلطنة إنسان على إنسان لا على الأموال فيقتضي عدمه.

و بعبارة أخرى: من حيث إنّ الغرض منها ليس إلاّ أخذ المال الذي هو عبارة عن المهر فيقتضي دخولها في المعاملات، و السلطنة الحاصلة فيها تكون راجعة إلى سلطنة مالية، و من حيث إنها ليست من جنس المعاملات بل مباينة لها كل التباين فيقتضي عدم قبولها لشي‏ء مما ذكر لكونها سلطنة الإنسان على مثله، و التدبر في ملاك الأنكحة يقتضي هذا الوجه، بل المتعين هو هذا الوجه، و الجهة المالية تبعة محضة، و لذا تصح بلا مهر يعتد به، بل بقراءة القرآن، و الغرض منها هو حفظ نظام العالم و رفع نقصانية المرء و دينه؛ لأن الرجل بلا زوجة فاقد لأحد طرفيه؛ و لذا قال الشارع: من تزوج فقد أحرز نصف دينه، و هذا لا ينافي خروج بعض الأفراد لعارض و لعلة خارجية.

و كيف ما كان، فإنّ فذلكة المقام و خلاصة ما تلوناه من المرام هو أنّ الحقوق و السلطنة إن تعلقت على المال و لو بوسائط كانت الصلاة فيه بدون إذن مالكه باطلة؛ لتحقق عنوان الغصبية كما في الخيار إن قلنا إن السلطنة تعلقت على فك النسبة لا على استرجاع المال، و إن تعلقت على نسب و عقود غير

168

راجعة إلى المال فلا تجي‏ء فيه قضية الغصبية أصلا؛ لعدم تحقق عنوانها، و إن شك فيهما، أي في كون متعلق الحق مالا أو غير مال، فربما يقال بالرجوع إلى العمومات الدالة على صحة البيوع و المصالحة، و لكنه غير صحيح؛ لكونه تمسكا بها في الشبهات المصداقية كما لا يخفى.

و الحق هو الرجوع إلى الاستصحاب في كل مورد بالنسبة إلى إثبات آثارها، ففي الشك في قبول الإسقاط و عدمه يستصحب عدمه فلا تجري فيه آثاره، و كذا بالنسبة إلى المعاوضة و النقل.

هذا إجمال الكلام في هذا المقام، و لتوضيحه و بسطه مقام آخر.

ثمّ إننا حيث قلنا إنّ الصلاة في ملك الغير من غير إذنه باطلة لا تصحّ أبدا، بل تحتاج إلى رضا مالكه الكاشف عنه الإذن أو شاهد الحال و الفحوى.

و بيان ذلك: أنّ الرضا حال من حالات النفس، و طور من أطوارها، و هو ليس إلاّ مثل سائر أوصاف النفس القائمة بها، و الظاهر المتبادر منه هو الرضا الفعلي، و أما التقديري فيأتي بيانه، و له كواشف ثلاثة على المشهور: الإذن الصريح الذي هو أعلى الكواشف و أجلّها، و شاهد الحال، و إذن الفحوى الذي هو عبارة عن الأولوية القطعية، و لكنها غير منحصرة فيها؛ لإمكان الكشف عنه بغيرها.

و بالجملة: بعد أن قلنا إن الرافع للغصبية و الظلم هو الرضا-و هو من حالات النفس، فلا يمكن الاطلاع عليها إلاّ بمئونة الأمارة و الكواشف-ظهر لك أنّ الكاشف مقدمة صرفة، فلا مانع من تعدده أصلا.

169

إذا عرفت ذلك‏ (1) فاعلم أنه وقع الخلاف بين الأكابر و الأعلام في توجيه صحة العبادة و التصرف في الأراضي المتسعة و البعيدة المسافة، و الأنهار الكبيرة، حيث استمرت السيرة القطعية على التصرف فيها بلا احتياج إلى الإذن من مالكها، بل و لا يخطر ببال أحد الاستيذان للصلاة و الوضوء و الشرب فيها، و كذا في غيرها من أنحاء التصرفات مثل التظليل و غيره.

و الصحة في الجملة مما لا ريب فيه أبدا، و إنما الكلام في وجهها و مناطها، و قد اختلفت كلمات الأصحاب و اضطربت في وجهها، و يظهر من المستند أن الوجه فيها هو قصور شمول أدلة الغصب على مثل تلك الموارد مثل قوله: «لا يحل مال امرئ إلاّ بطيب نفسه» ، حيث قصرها على صورة المنع، أي العلم بمنع المالك أو الظن المعتبر على منعه، و أما في غير هذين الموردين فمشكوك الشمول و العموم، و أنت خبير بفساده و أنه مستلزم للهرج و المرج في نظام العالم ؛ لأنه مستلزم لجواز التصرف في مال الغير فيما إذا احتمل رضاء مالكه أو تساوى الاحتمالان عنده.

و أضعف من هذا ما يقال من أنّ الملاك في الجواز في الأراضي و الأنهار هو الإذن التقديري، و كما يكفي الفعلي منه و كذلك يكفي التقديري؛ لأن قوله:

«لا يحل مال امرئ إلاّ بطيب نفسه» أعم من طيب النفس الفعلي أو التقديري؛ لأنه يستلزم جواز التصرف في مال الغير و أخذ أمواله لكل من هو محتاج في الواقع على نحو يعلم بأنّ صاحب المال لو اطلع على احتياجه و فقره لرضي بتصرفه في ماله و أخذه منه، و قد تمسك بعضهم بالعسر و الحرج، و مع أنه مختص بالأحكام الإلهية لا يثبت المدعى؛ لكونه أخص منه.

____________

(1) -قد تقدم هذا البحث بقلمه الشريف، و هذا بقلم بعض أفاضل تلاميذه في حوزة درسه.

170

و الذي ينبغي أن يقال في وجه صحة ذلك هو أحد أمرين: إما القول بعدم تحقق عنوان التصرف العرفي، أو بعدم تحقق عنوان المالية.

أما الأول فلما أشرنا إليه من أنّ الغصب هو التصرف في مال الغير عرفا بحيث يعدّ في العرف تصرفا، فالتصرف في هذه الأراضي و الأنهار لا يعد تصرفا في العرف لتوسعة المتصرف فيه، و أما الثاني فلأنّ الأراضي بأنحائها المختلفة و بأقسامها المتشتتة كانت لمالك الملوك، و إنما ملكها العباد بالعرض، مثل الحيازة و غيرها، فيمكن القول بأنّ اللّه تبارك و تعالى-الذي هو مالك الملوك الحقيقي-لما أباح الأراضي المتسعة و الأنهار الكبيرة لعباده ما أذن لهم بالمزاحمة في التصرفات الغير المعتدة بها، بل أباحها من هذه الحيثية و الجهة لنوع عباده، و كذا الإمام عليه السّلام في الأراضي الراجعة إليه من قبل مالكها الأوّلي، و هو اللّه تعالى، فإنّ الأئمة عليهم السّلام أباحوها لشيعتهم لأجل انتفاعهم من الأنكحة و العبادة و غيرها.

و كيف ما كان فإنّ اعتبار الرضا المستكشف بالإذن الصريح و غيره في هذه الأراضي و الأنهار ساقط للسيرة المستمرة.

و هل يعتبر الرضا في الموقوفات كالأموال و الأعيان أم لا؟الحق التفصيل؛ لأن الموقوفات باعتبار تغير حكمها على ثلاثة أقسام-و أما بالاعتبارات التي لا دخل لها في تغيير حكمها، مثل كونها عاما أو خاصا و غيرهما فلا فائدة للبحث عنها من هذه الجهة-:

أحدها: هو أنّ الغرض منها هو سلب المالية بكليتها و جعلها محررا، كما في البيت العتيق و المشاهد المقدسة التي جعلها اللّه تعالى في أصل خلقتها محررة، و كالمساجد التي بناها العباد، فهذا القسم منها مما لا إشكال في عدم‏

171

مدخلية إذن المالك و لا الموقوف عليهم أبدا لعدم لحاظ المالية، و لا الملكية هنا أصلا.

و ثانيها: هو كون الغرض منها منفعة الموقوف عليهم مع تحبيس عين المال و توقيفه كما في الموقوفات التي تعلق غرض الواقف فيها بهذا النحو، و هذا القسم من الموقوفات لا بدّ في التصرف فيها من إذن المالك أو المتولي أو الحاكم الشرعي، و لا فرق فيه بين كون الموقوف عليهم هو خصوص الآحاد و الأشخاص، أو هو عموم الأناسي كالقسم الأول، و هذا القسم نظير الدار المستأجرة.

و ثالثها: هو تحبيس العين و توقيفها و إلغاء المنفعة، و ملاحظة الانتفاع للأفراد المعينة و الأشخاص المخصوصة.

و بالجملة: الغرض منه هو انتفاع نوع واحد كالمدارس العلمية مثلا، فإنّ الغرض من وقفها هو انتفاع الطلاب بالسكنى فيها لطلب العلم بحيث لو زاحمهم غيرهم لا يجوز له ذلك أبدا، و بالنسبة إلى الانتفاعات الغير المزاحمة لحقهم فهي داخلة في القسم الأول من أنها محررة و مسبّلة لم تلاحظ فيها سلطنة المالك أصلا؛ لإلغائه الانتفاعات بأسرها.

و الحاصل: المدار في تغير الحكم هو قصود الواقفين من تحبيسهم العين و تمليكهم المنفعة أو إباحتهم الانتفاع فقط و إلغاء جهة المالية بالكلية لا خصوصية الموقوف عليهم، و عموميتهم، و من هنا ظهر وجه التصرف في مياه الحياض الواقعة في المدارس و غيرها لغير الموقوف عليهم من الأناسي، فإنّه يتبع قصد الواقف، إن علم به من الخارج أو حصل الظن المعتبر فيعمل على طبقه و إلاّ الأصل هو عدم جواز التصرف من غير إحراز الإذن من مالكها أو متولّيها

172

أو ممن له الإذن.

و ظهر مما ذكرنا: أنّ التصرف في مال الغير من دون رضاء مالكه حرام، و الصلاة فيه باطلة، إلاّ في الأراضي المتسعة و الأنهار العظيمة و الموقوفات التي حررت و سبلت لعموم الأناسي أو نوع و صنف منهم، بل و كذا في بعض الموقوفات الخاصة كالمقابر الموقوفة لأشخاص معينة لكي يدفنوا فيها، فإنّ حلية التصرف فيها بما لا ينافي جهة الوقفية مما لا ريب فيه، و ليس وجهه إلاّ تسبيل المالك الانتفاعات الغير المزاحمة لجهة الوقفية و تحريره لها بالنسبة إلى عموم أفراد البشر.

ثمّ الرضاء المعتبر الذي يتوقف عليه التصرف هو الرضا الفعلي المستكشف عنه بالإذن الصريح، أو بشاهد الحال، أو شاهد الفحوى، و قد أشرنا إلى كل منها في تضاعيف كلامنا، و اعتبار هذا الرضا و كفايته في دفع القبح و قطعه العذر في التصرف في أموال الغير مما لا إشكال فيه، و إنما الكلام في الرضا التقديري و الفرضي بحيث لو علمه لرضي به، و ربما يقال بكفايته تعويلا على أخبار لا تدل على المطلوب، بل و لا صدرت لبيان الأحكام الإلهية أبدا، بل إنما صدرت لبيان مراتب الكمال و الفضيلة من الأخوة الواقعة بين المسلمين، و أنّ المسلم الذي يدعي الأخوة لا بد بأن يرضى لإدخال أخيه يده إلى جيبه و كيسه و عدم دفعه لها، و لو سلم فهذه الأخبار أدلّ على الرضا الفعلي من التقديري، فتأمل.

و استدل أيضا بالسيرة القطعية بحيث يكتفي جميع أفراد البشر بالرضا التقديري في تصرفاتهم و عليه نظام معيشتهم.

أقول: الرضا التقديري يتصور على وجوه:

173

أحدها: هو ما لم يجامع المنع و لا الرضا الفعليين، و هذا هو القدر المتيقن منه في المقام.

ثانيها: هو ما يجامع المنع الفعلي، فهذا يتصور على نحوين: لأنه تارة يمنعه لذاته جهلا بصفاته مثل أن تقول: لا تدخل إلى داري بحيث جعل المتعلق هو الذات جهلا بأنه محبة أو فيه أوصاف حسنة بحيث لو علم بها لما منعه، و أخرى يمنعه لذاته جهلا بذاته، كمن تخيل أن زيدا يحبه، و عمرا يبغضه فمنعه.

و ثالثها: يجامع المنع الفعلي مع دخوله تحت عنوان من له الرضا الفعلي، فالأحكام تختلف حسب اختلافه، فيمكن القول في الأول بالمنع و عدم كفاية الرضا المقارن له، كما يمكن القول بالجواز في الآخرين، فإن حصل الشك فيرجع إلى الأصول العملية لا إلى الأدلة الدالّة على عدم جواز التصرف في مال الغير إلاّ بعد إحراز إذن صاحبه؛ لكونه تمسكا بها في الشبهة المصداقية، و الجاري من الأصول هو استصحاب عدم الرضا و حرمة التصرف، فهو يجري بكلا قسميه حكما و موضوعا.

و ظهر من جميع ما ذكرنا أنّ الصلاة في مال الغير من غير رضاه باطلة لا تسقط الأمر أصلا، بل في جميع العبادات بحيث لو تحقق عنوان التصرف في مال الغير لبطلت، و هذا المعنى لا يتفاوت بين العبادات أبدا، و كذا بين أنحاء الصلاة، يومية أو ليلية، فرضية أو نفلية، بجميع أقسامها و أنواعها، و لم يخالف فيه أحد، و لم نستثن منه إلاّ موردين:

أحدهما: ما استثناه بعض العامة و هو صلاة العيدين و الجمعة و الجنازة؛ معللا بأنه لو بطلت صلاة المأمومين للزم سقوط الواجب من أصله، و زعم بعضهم أنّ المسألة داخلة تحت تعارض الأهم و المهم، و يمكن تصحيحه‏

174

بتخصيصه على ما لو جهل الإمام الغصبية، أو صلى في مكان مباح و المأمومين صلوا في المكان الغصبي ائتماما له.

و كيف كان، لا يتم هذا القول بالنسبة إلى صلاة الجنازة لسقوط الوجوب بصلاة الإمام فقط، فلا يحتاج معه إلى المأمومين.

و كيف كان‏ (1) .

و المورد الثاني: هو صلاة النوافل، ذكره كاشف اللثام‏ (2) نقلا عن المحقق‏ (3) نظرا إلى أنّ الحركات الكونية غير مضرّة فيها؛ لعدم كونها من شروطها و لا من مقوماتها، بخلاف الفرائض فإنّ الحركات الخاصة المتحدة مع الغصب خارجا شرط فيها، كالوقوف و الطمأنينة و الركوع و السجود إلى غير ذلك من أجزاء الصلاة، فالمعتبر في النوافل هو القراءة من حيث هي، و التصرف في الهواء مقدمة لها، و من هنا يمكن القول بالصحة فيما لو صلى صلاة الاختيار؛ لأن الركوع و السجود و القيام لم تكن معتبرة و لا مأمورا بها، و لا أخذت شرطا فيها حتى يقال بأنها تفسد بفساد شرطها، هذا غاية ما يوجه به هذا الكلام.

____________

(1) -هذا الكلام غير منقح، يحتاج إلى المراجعة منه دام ظله.

(2) -محمد بن الحسن بن محمد الاصفهاني، الشهير بـ «الفاضل الهندي» ، من أكبر فقهاء الإمامية في القرن الثاني عشر، وحيد عصره، و أعجوبة دهره، له مؤلفات ممتعة، منها «كشف اللثام» في الفقه، توفي في فتنة الأفغان بأصبهان سنة (1137) هـ، تلك الفتنة الفجيعة و الكارثة المفجعة، و دفن في مقبرة تخته فولاذ.

(3) -الشيخ نجم الدين أبو القاسم جعفر بن الحسن الحلي المحقق، إمام الطائفة، أحد أركان الدين، شيخ الفقهاء و مربي العلماء، الجامع لجميع الفضائل و الكمالات الإنسانية، صاحب التصانيف الرائقة، أشهرها كتاب «شرائع الإسلام» في الفقه، توفي في ربيع الثاني سنة (676) هـ.

175

و لكن بعد الإحاطة بما قدمناه لا يبقى مجال لهذا الكلام أصلا؛ لأن المناط و الملاك على ما قدمناه تفصيلا في حرمة الغصب هو صدق عنوان التصرف العرفي، و متى تحقق هذا العنوان في نظرهم يكون موجبا لبطلان الصلاة مطلقا، و معه لا مجال للتلفيقات أصلا.

فرع:

من دخل ملك الغير بإذن صاحبه ثمّ منعه و هو يريد الصلاة، أو بعد أن دخل فيها، و المسألة ذات صور أربعة: لأنّ المنع من المالك إما يصدر قبل الشروع في الصلاة، أو بعده، و على كلا التقديرين الوقت إما موسع، أو مضيّق.

و الصورة الواحدة منها و هو ما لو صدر المنع منه قبل الشروع فيها مع سعة الوقت متفق على أنه يجب عليه الخروج، و يصلي في المكان المباح، بل و كذا فيما لو شرع بها و الوقت واسع فإنه يجب القطع و الخروج، غاية ما يقال عليه هو حرمة القطع مع الشروع فيها على وجه صحيح، و لكنه غير مفيد؛ لأن الأدلة الدالة على حرمة القطع غير شاملة لأمثال هذه المقامات؛ لكونها ضعيفة و قاصرة؛ و لذا يجوز قطعها بعروض أدنى مرجع كقتل حية، و فوت أمر من الأمور اللازمة و لو عادة.

و أما الصورة الثالثة و هو ما لو صدر المنع منه و الوقت مضيق، و هو غير متلبس بها، فالمشهور بل الإجماع فيها هو وجوب الخروج و الإتيان بها خارجا؛ جمعا بين حق اللّه تعالى و حق العباد، فيصلي خروجا مقتصرا على واجباتها.

و قد أورد عليها صاحب الجواهر قدّس سرّه بما مفاده و هو: أنّ حق اللّه تعالى‏

176

لتقدمه و أسبقيته مقدم على حق الناس، فالصلاة فيه مع الضيق صحيحة و لو منعه فيه و لم يرض بوقوفه؛ لأنّ الأمر بالصلاة سابق على منعه فلا يؤثر شيئا. هذا ملخص مرامه.

و الأولى نقل عبارته بلفظها، قال فيه بعد تأييد القول المشهور و هو لزوم الإتيان بها و هو خارج، لكن عن ابن سعيد (1) أنه نسب صحة هذه الصلاة إلى القول مشعرا بنوع توقف فيها، و مثله العلامة الطباطبائي‏ (2) في منظومته، و لعله لعدم ما يدل على صحتها، بل قد يدعى وجود الدليل على العدم باعتبار معلومية اعتبار الاستقرار و الركوع و السجود و نحو ذلك، و لم يعلم سقوطه هنا، و الأمر بالخروج بعد الإذن في الكون و ضيق الوقت و تحقق الخطاب بالصلاة غير مجد، فهو كما لو أذن له في الصلاة و قد شرع فيها و كان الوقت ضيقا، مما ستعرف عدم الإشكال في إتمام صلاته، فالمتجه حينئذ عدم الالتفات إلى أمره بعد فرض كونه عند ضيق الوقت الذي هو محل الأمر بصلاة المختار المرجح على أمر المالك بسبق التعلق، فلا جهة للجمع بينهما بما سمعت، بل يصلي صلاة المختار مقتصرا فيها على الواجب، مبادرا في أدائها على حسب التمكن، لكن لم أجد قائلا بذلك، بل و لا أحدا احتمله ممن تعرض للمسألة. انتهى ما هو المهم من كلامه

____________

(1) -أبو زكريا يحيى بن أحمد بن يحيى بن الحسن بن سعيد الحلي الهذلي، الإمام الفقيه الورع الزاهد المعروف بـ «الشيخ نجيب الدين» ابن عم المحقق، و سبط صاحب السرائر، ولد سنة (601) هـ، و توفي سنة (689) هـ، و دفن بالحلة.

(2) -السيد محمد مهدي ابن السيد مرتضى الحسني الطباطبائي النجفي، الشهير بـ «بحر العلوم» ، سيد علماء الإسلام، صاحب الكرامات الباهرة، زعيم الإمامية، و مفخرة الطائفة، تولد في الحائر الشريف سنة (1155) هـ، و توفي سنة (1212) هـ، و دفن في النجف الأشرف في مقبرته المعروفة.

غ

177

رفع مقامه.

و أنت خبير بفساد هذه المقالة من وجوه:

أولا: أنها مخالفة للقاعدة المسلمة عند الكل و هو أنه لو وقع التزاحم و التعارض بين ما له بدل و بين ما ليس له بدل، لا بدّ من ترجيح ما ليس له البدل، و تقديمه على ما له البدل؛ لكونه أخذا بهما في الواقع، و جمعا بينهما، و هو مهما أمكن أولى من الطرح.

و ثانيا: يمنع التعارض و التزاحم؛ لأن أدلة السلطنة حاكمة و واردة على الأدلة الدالة على اعتبار صلاة المختار، و رافعة لموضوعها؛ بداهة أنّ أدلة السلطنة تجعله معذورا غير مختار، و ليت شعري كيف يمكن تقدم حقه تعالى على حق العباد؟و هل هو إلاّ الالتزام لتقيد أدلة السلطنة، و هو مخالف للقاعدة المعروفة؛ ضرورة عدم قابلية تقيد السلطنة الثابتة للعباد أبدا، بخلاف الأدلة الدالة على اعتبار الأجزاء و الشرائط.

و ثالثا: أنّ قياسه بما أذن له و قد شرع فيها، و نفي الإشكال فيه مما لا وجه له أصلا؛ لما يأتي من أنّ الأقوى فيه أيضا هو الاتيان بها خارجا.

و رابعا: لا يحصل الفرق حينئذ بين ضيق الوقت وسعته، فافهم.

الصورة الرابعة: ما لو تضيق الوقت و هو قد شرع فيها، و المشهور هنا أيضا هو الخروج مصليا صلاة المضطر، مبادرا في أدائها على حسب التمكن، و ربما يقال هنا: بالاتمام و المضي فيها؛ استنادا إلى أمور:

أحدها: هو تعارض أدلة السلطنة و أدلة الأجزاء و الشرائط، و بعد التساقط يرجع إلى أصالة الصحة.

178

و ثانيها: هو التمسك بالاستصحاب بعد تعارضهما و تساقطهما.

ثالثها: هو قياسه على الميت المدفون في أرض الغير بإذنه، فإن نفوذ أمره بإخراجه مستلزم لهتك حرمة الميت، و هو مخالف للكلّ و لم يقل به أحد.

رابعها: هو التمسك بقوله عليه السّلام: «إنّ الصلاة على ما افتتحت» .

خامسها: أنه أمر بالمنكر، فلا ينفذ في حقه.

و غير ذلك من الوجوه المذكورة، و أنت خبير بفسادها كلها، و عدم نهوضها حجة له.

أما الأول فلما عرفت بما لا مزيد عليه من أنه لا تعارض بين أدلة السلطنة و بين أدلة الأجزاء و الشرائط أبدا، و أن أدلة السلطنة رافعة لموضوعها، على أنه فاسد في أصله كما حققناه تفصيلا.

و من هنا ظهر فساد القول بالرجوع إلى أصالة الصحة كما في الأمر الأول، أو إلى الاستصحاب كما في الأمر الثاني.

و أما الثالث-و هو قياسه بالميت-فهو غريب؛ لأن الميت بعد دفنه في الأرض بوجه شرعي يكون ذا حق بحيث يكون إعمال السلطنة إضرارا لحقه و هتكا لحرمته، فإنّ حرمة الأموات أزيد من حرمة الأحياء.

و بالجملة: هو قياس مع الفارق.

و أما الرابع فهو-كما ترى-غير ناظر إلى موارد قطع الصلاة و عدمه أبدا، بل هو مسوق لبيان جواز العدول و عدمه.

و أما الخامس فهو أول الكلام؛ لأنّ منكريته غير محرزة، و من هنا ظهر فساد القول به من جهة حرمة القطع؛ لأنه مصادرة محضة.

179

و الحق هو ما ذهب إليه المشهور من الإتيان بها خارجا و إن شرع بها.

ثمّ اعلم أنه قد ظهر مما ذكرنا أنّ إباحة المكان من الشروط العقلية التي لم يقم دليل لفظي على اعتبارها أبدا، كالطهارة و الحدث و الاستدبار و غيرها من الشروط الشرعية المعتبرة بجعل الشارع و اعتباره، فشرطيتها حينئذ منتزعة من التكليف المنجز النفسي المستقل، و هو حرمة الغصب، فلو لم يتنجز ذلك التكليف لجهل أو لسهو أو لاضطرار أو لإجبار مثلا، لم تتحقق تلك الشرطية أصلا، و من هنا ظهر الحال في صلاة المحبوس في المكان المغصوب، فإن صلاته صحيحة فيه كصلاته في المكان المباح؛ و ذلك لعدم تنجز التكليف المنتزع عنه شرطية الإباحة لاضطراره و لإجباره فيه، و النهي عنها تكليف بما لا يطاق.

و بالجملة: فالأدلة العقلية و النقلية قاضية بصحة صلاته، و كذا سائر تصرفاته العادية التي قضت الحاجة و الضرورة إليها بحسب عادة البشر؛ لأن إجباره في الكون غير مقيد بشي‏ء آخر، و هو مجبور في ذات الكون لا في الكون المخصوص، فحينئذ لا يفرق الحال بين قيامه و قعوده، و سائر حركاته العادية، نعم لا بد أن لا يتصرف أزيد من التصرفات العادية.

و من هنا ظهر فساد ما ذهب إليه بعض الأعلام من أنه لا يجوز له أن يتصرف أزيد من الكيفية التي كان عليها من أول الدخول إلى المكان المحبوس فيه، إن قائما فقائم، و إن جالسا فجالس، بل ترقى و قال: لا يجوز له الانتقال إلى حالة أخرى في غير الصلاة أيضا.

و لقد أجاد صاحب الجواهر قدّس سرّه حيث قال فيه بعد نقل هذا القول و لم يتفطن أنّ البقاء على الكون الأول تصرف أيضا لا دليل على ترجيحه على ذلك التصرف، كما أنه لم يتفطن أنه عامل هذا المظلوم المحبوس قهرا بأشد ما عامله‏

180

الظالم، بل حبسه حبسا ما حبسه أحد لأحد. اللهمّ إلاّ أن يكون في يوم القيامة مثله، خصوصا و قد صرّح بعض هؤلاء أنه ليس له حركة أجفان عيونه زائدا على ما يحتاج إليه، و لا حركة يده، أو بعض أعضائه كذلك، بل ينبغي أن تخص الحاجة في التي تتوقف عليها حياته و نحوها مما ترجح على حرمة التصرف في مال الغير، و كل ذلك ناش عن عدم التأمل في أول الأمر، و الأنفة عن الرجوع بعد ذلك، أعاذ اللّه الفقه من أمثال هذه الخرافات.

أقول: ثمّ استغرب دعواهم أنّ الفقهاء على ذلك، و استشهد بأقوال العلماء و شدد النكير و الغرابة على هؤلاء، فراجع.

ثمّ اعلم أنّ الشرط المستقل النفسي في المكان هو إباحته فقط، أما الشروط التي ذكرها السيد قدّس سرّه‏ (1) في العروة من اشتراط كونه في المكان القار، و أن لا يكون في معرض التلف، و أن لا يكون معرضا لعدم إمكان الاتمام و التزلزل في البقاء إلى آخر الصلاة، و غير ذلك من الأمور التي جعلها من شروط المكان، فليس على ما ينبغي؛ بداهة عدم كون شي‏ء منها من شروط المكان، فإطلاق الشرط على بعضها لا يخلو من تأمل، بل هي واجبات أو محرمات نفسية مقارنة للصلاة لا يوجب فقدها فسادا في الصلاة، و بعضها يرجع إلى شرط آخر كشرط كونه قارا، بل بعضها راجع إلى شروط أصل الصلاة، و بعضها الآخر غير راجع إلى الشرطية أبدا، فالبطلان في المكان الغير القار إنما هو لأجل الإخلال بالطمأنينة التي شرط فيها و في معرض التلف؛ لكونه إلقاء النفس على

____________

(1) -سيدنا الإمام آية اللّه السيد محمد كاظم الطباطبائي اليزدي، مرجع الشيعة الإمامية في الأقطار الإسلامية، له أياد مشكورة للشيعة في إيقاظهم عن رقدة الغفلة، توفي سنة (1337) هـ قدس اللّه روحه.

181

التهلكة، و لا دخل له بالصلاة أصلا، بل هو حرام في جميع الأحوال.

و الحاصل: كل من كان له أدنى تأمّل يعلم بأنّ الأمور المذكورة ليست من شروط المكان بشي‏ء ، بل بعضها مستلزم للاخلال ببعض شروط أصل الصلاة، فتبطل به، و بعضها غير راجع إلى الشرطية أصلا، فلا وجه لبطلانها به، مثل اشتراط عدم كونه في معرض عدم إمكان الاتمام فإنه لا وجه لبطلانها به فيما إذا صدر عنه النية، و مع عدمه يرجع إلى الإخلال بها، فمعه تكون الصلاة باطلة؛ للاخلال بها لا له.

نعم، قد وقع الخلاف في الشرط السابع من الشروط المذكورة في العروة، و هو اشتراط عدم كونه مقدما على قبر معصوم، بل و لا مساويا على قول، كما في العروة، و لو قلنا بشرطية هذا الشرط مستقلا فإنما هو للنص الوارد في المقام، بخلاف سائر الشروط المذكورة فيها، فحينئذ ينبغي أن ينظر في الأخبار الواردة في المقام لكي يتضح الحال من أنّ قبور الأئمة عليهم السّلام من حيث هي علة للحكم و مناط له، أو لكون الصلاة أمامهم موجبة لهتك حرمتهم سلام اللّه عليهم.

فنقول-قبل ذكر الأخبار-: إنّ المشهور بين القدماء هو الكراهة، و لم ينقل الحرمة من أحد إلى زمن والد الشيخ البهائي قدّس سرّه‏ (1) ، و هو و من تأخر عنه ذهبوا إلى الحرمة، حتى صارت في هذا العصر مشهورة.

و كيف كان لا بدّ من الرجوع إلى الأدلة و النظر في مداليلها لكي يعلم الغرض منها، و أنها مفيدة للحرمة، أو للكراهة. و على الأول هل تكون الحرمة

____________

(1) -الشيخ عز الدين حسين بن عبد الصمد الحارثي الهمداني العاملي (والد الشيخ البهائي) ، من أكابر علماء الإمامية، تصدى لمشيخة الإسلام في عهد الشاه طهماسب الصفوي. توفي سنة (484) هـ، و من غرائب فتاواه القول بعينية وجوب صلاة الجمعة في زمن الغيبة.

182

تكليفية أو يعمّها و الوضعية؟فينبغي البحث في المقامين:

المقام الأول: في الحرمة و عدمها تكليفا، فاعلم أنّ الأخبار الواردة في المقام على طوائف: منها ما يدل على حرمة الصلاة بين المقابر مطلقا، و منها ما ينفي البأس عنها كذلك فيها، فتجمع بينهما بحمل الأول على الكراهة، و هذا مما لا إشكال فيه.

و طائفة تدل على حرمة جعل قبور الأئمة عليهم السّلام بخصوصها مسجدا و قبلة، و في مقابلها أخبار كثيرة متواترة تدل على أفضلية الصلاة عند قبورهم عليهم السّلام، و أن ركعة من الصلاة عندهم يقابل كذا و كذا، كما في زيارة مولى الموالي أمير المؤمنين عليه السّلام، و سيد الشهداء، و أئمة البقيع و الكاظمية و العسكريين و المشهد الرضوي، سلام اللّه عليهم أجمعين.

و ربما يقال بالتنافي بين الأخبار الدالة على عدم جواز جعل قبورهم و قبر النبي صلّى اللّه عليه و آله مسجدا و قبلة، و بين الأخبار المجوّزة، و لكنه واضح الفساد؛ لأن المراد من جعل قبورهم قبلة و مسجدا هو اتخاذها قبلة و كعبة للعبادة، كالكعبة زادها اللّه شرفا، كما هو ظاهر، و طائفة منها تدل على حرمة جعل قبورهم في الخلف، بل و في اليمين و اليسار في حال الصلاة.

منها: مكاتبة الحميري التي ذكرها في الاحتجاج و التهذيب، و وقع الخلاف بين النسختين، و لذا توهّم بعضهم بأنها روايتان، و الحق أنها رواية واحدة لاستبعاد سؤال الحميري عن حكم الشي‏ء الواحد بسؤالين مع ما هو عليه من العلم و الفضل و المعرفة، و كان من وكلاء الحجة-عجل اللّه فرجه-في الغيبة الصغرى.

و المروي في التهذيب قال: كتبت إلى الفقيه عليه السّلام أسأله عن الرجل يزور

183

قبور الأئمة عليهم السّلام هل يجوز أن يصلي على القبر أم لا؟و هل يجوز لمن صلى عند قبورهم أن يقوم وراء القبر و يجعل القبر قبلة و يقوم عند رجليه؟و هل يجوز أن يتقدم القبر و يصلي و يجعله خلفه؟فأجاب، و قرأت التوقيع، و منه نسخت: أما السجود على القبر فلا يجوز في نافلة و لا فريضة، و لا زيارة، بل يضع خده الأيمن على القبر. و أما الصلاة فإنها خلفه، و يجعله الامام، و لا يجوز أن يصلي بين يديه؛ لأن الإمام لا يتقدم، و يصلي عن يمينه و شماله.

و رواها الطبرسي‏ (1) في الاحتجاج بهذا المتن إلاّ أنه قال في آخرها: و لا يجوز أن يصلي بين يديه و لا عن يمينه و لا شماله؛ لأن الإمام لا يتقدم، و لا يساوى.

و الظاهر بل المقطوع به-بعد أدنى تأمل-وحدة الرواية؛ إذ من المستبعد

____________

(1) -أحمد بن علي بن أبي طالب الطبرسي، من أكابر فقهاء الإمامية و ثقاتهم، صاحب كتاب الاحتجاج على أهل اللجاج، و هو من الكتب المعتبرة. أنظر: الذريعة لشيخنا العلامة الطهراني مد ظله: ج 1/ص 281 ط. النجف.

و طبرسي نسبة إلى «طبرس» و هي رستاق بين اصفهان و قاشان و قم، و «طبرس» -بالطاء المهملة المفتوحة و الباء الموحدة الساكنة و الراء المكسورة و السين المهملة-معرب «تفرش» الحالية بإيران، كما عن العلامة المجلسي رحمه اللّه.

و القول بأنّ الطبرسي منسوب إلى «طبرستان» كما هو المشهور اشتباه من بعض السلف، و منه تسرب الوهم إلى أكثر الخلف كما حققنا ذلك تفصيلا في المقالة التي نشرناها في مجلة «العرفان» : ص 371-375 ج 3 مج 39 ط. صيدا. و انظر أيضا إلى تاريخ بيهق: ص 242 ط. طهران، و إلى ذيل ذلك التاريخ: ص 347-353، و إلى ما ذكره خطيبنا العلامة الواعظ الجرندابي في تعليقاته على شرح عقائد الصدوق: ص 59 ط 2 تبريز-إيران.

القاضي الطباطبائي‏

184

أن يكون الحميري قد سأل الإمام عليه السّلام مرتين، و أجابه عليه السّلام بجوابين مختلفين.

و القائلون بالكراهة لم يعتبروا هذه الرواية؛ نظرا إلى ضعف سنده، و معارضة نسخة الشيخ رحمه اللّه مع نسخة الطبرسي رحمه اللّه.

و يؤيد التعبير فيها بالفقيه، و المراد به في عرف الرواة خصوص أبي الحسن موسى عليه السّلام، و الحميري ليس من أصحابه، و لكن لا يكاد يتم شي‏ء منها.

أما الأول و هو ضعف السند، لكونها مرسلة؛ فلأن ظاهر الشيخ في الفهرست كون الواسطة بينه و بين الراوي جماعة ثقات.

و أما الثاني فلما قد ثبت في محله أنّ الرواية المشتملة على أحكام متعددة لو تعارضت في خصوص بعضها لما سقطت عن الاعتبار بالكلية، و في الجهات الأخرى و الأحكام الباقية.

و أما الثالث و هو التعبير بالفقيه فإنه قد يعبر به عن غيره عليه السّلام من الأئمة للتقية و طلب الستر الذي هو في الحجة-عجل اللّه فرجه-أشد و أقوى. و يؤيد أن المراد به هو الحجة عليه السّلام التصريح به في الاحتجاج.

و من هنا ظهر أنّ الأقوى هو ترجيح رواية التهذيب لو سلمنا التعارض، فلا ينافيه إرساله لها، و التعبير عن الحجة عليه السّلام بالفقيه كما عرفت.

و كيف كان فلا ريب في اعتبار هذه المكاتبة و صحة الاعتماد عليها، و لا سيما مع اعتضادها بجملة من الأخبار كخبر هشام بن سالم، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام في حديث طويل، قال: أتاه رجل فقال: يا ابن رسول اللّه، هل يزار والدك؟قال:

نعم، و يصلى عنده، و لا يتقدم عليه.

و مفادها على الظاهر عدم جواز الصلاة مع التقدم على القبر، و لكن الشأن‏

185

في تنقيح مفادها و مواردها، فإن قوله عليه السّلام: يجعله الإمام-إلى قوله-لأن الإمام لا يتقدم عليه، محتمل لوجهين:

الأول: أن يكون المراد: يجعله الإمام أي يجعل القبر بمنزلة من فيه، فكما أنّ نفس الإمام لا يتقدم عليه فكذلك قبره الشريف.

الثاني: أن يكون المراد: يجعله بمنزلة إمام الجماعة، فكما لا تجوز الصلاة جماعة مع التقدم على الإمام فكذلك لا تجوز الصلاة هنا مقدما على القبر، فيكون الغرض مجرد تشبيه القبر بإمام الجماعة في عدم التقدم عليه.

و الأول أنسب بالمقام و المورد و هو قبر الإمام المعصوم، و لكن يبعده أنّ المناسب حينئذ عدم جواز التقدم عليه في سائر الأحوال، في صلاة أو غيرها، و ليس الحال في القبر بل و لا في نفس الإمام عليه السّلام كذلك، اللهمّ إلاّ مع الاستخفاف فإنه حرام مطلقا، لكنه خارج عن محل الكلام.

و يبعد الثاني أنه يكون التعليل حينئذ بمنزلة التأكيد بل التكرار لقوله عليه السّلام:

يصلي خلفه، بل لا يظهر للتعليل وجه مناسبة حينئذ بعد تعذر أن يراد أنه يجعله كإمام الجماعة في الائتمام و التابعية.

و الأظهر عندي إرادة الوجه الأول؛ لأنه أنسب بالمقام و أقرب إلى عموم الشبه، و يكون الغرض من التشبيه إشارة في تأكيد الحكم إلى مناسبة لطيفة، و هي أنه كما أنّ الإمام عليه السّلام لو كان حاضرا حيا لا تعذر أن تصلي و تدعه خلفك، فكذلك قبره، فالملحوظ في الحكم و محط النظر في التشبيه و التنزيل هو خصوص حال الصلاة، و أما سائر الأحوال فغير ملحوظة، كانت كذلك أو لا تكون، و أما حمله على إمام الجماعة فبعيد جدا، و لا يظهر من العبارة أصلا.

ثمّ إنّ الكلام يقع في أنّ النهي هل هو الكراهة أو التحريم، و التحريم هل‏

186

هو تكليفي أو وضعي؟

ظاهر المشهور حمله على الكراهة، بل في الحدائق: أني لم أقف على من قال بالتحريم عملا بظاهر الصحيحة المذكورة، يعني مكاتبة الحميري، شوى شيخنا البهائي طاب ثراه‏ (1) ، ثمّ اقتفاه جمع ممن تأخر عنه، منهم شيخنا المجلسي رحمه اللّه‏ (2) ، و هو الأقرب عندي؛ إذ لا معارض للخبر المذكور، بل في الأخبار ما يؤيده، مثل حديث هشام بن سالم المتقدم. انتهى.

أقول: قد عرفت أنّ المشهور بين القدماء هو الكراهة؛ نظرا إلى ضعف المكاتبة، و عدم نهوضها حجة للحرمة، فيحمل على الكراهة لأجل التسامح في أدلتها، و لكنه قد ظهر لك حقيقة الحال و أنها صحيحة معتبرة لا يجوز أن يرفع اليد عنها للأمور المذكورة.

فإذا، فالأقوى هو الحرمة من حيث التكليف، و أما حرمته الوضعية فربما يقال بها نظرا إلى أنّ النهي في الخبر وقع عن الصلاة، و النهي في العبادة يقتضي الفساد، فيكون التحريم وضعيا، بل يمكن دعوى صراحة قوله-لا يجوز أن

____________

(1) -الشيخ بهاء الدين محمد بن الحسين الجبعي العاملي، من أشهر فقهاء الإمامية و أعلام الدين الشاهقة، الجامع لأنواع العلوم و الفنون، انتهت رئاسة الدين إليه، و تصدى لمشيخة الإسلام بإيران، و اشتهر في الآفاق، و سمع باسمه الشريف كل من نشأ بعده منذ زمنه إلى اليوم، و له مؤلفات فائقة نفيسة أكثرها مطبوعة منتشرة، ولد سنة (953) هـ، و توفي سنة (1031) هـ. أنظر سلافة العصر للعلامة السيد علي خان: ص 289-302 ط. مصر.

(2) -المولى محمد باقر ابن العلامة المولى محمد تقي المجلسي، شيخ الإسلام و المسلمين، و رئيس المحدثين، صاحب الجامع الكبير «بحار الأنوار» الذي هو بمنزلة دائرة المعارف في جمع شتات الأخبار و متفرقات الآثار، تصدى لمشيخة الإسلام بإيران، توفي سنة (1111) هـ أو سنة (1110) هـ.

غ

187

يصلي بين يديه... الخ-فيه.

و يؤيده أنّ الأصل في النواهي الواردة في العبادات أنها ظاهرة في الغيرية و الشرطية، لا في النفسية، و لكن الأستاذ-مد ظله-مع قوله به كان مصرا على ظهور الأخبار في النفسية، و أنها وقعت عنها بحسب الظاهر، و لكن المراد به و هو حرمة التقدم فيها لكونه هتكا لشأنه، كيف يجعل وجه اللّه خلفه و يصلي أمامه؟ و اختصاصها بها لكونها مقام القرب و الإطاعة، فتأمل.

الشرط العاشر من شروط المكان-على ما ذكره في العروة-أن لا يصلي الرجل و المرأة في مكان واحد، بحيث تكون المرأة مقدمة على الرجل، أو مساوية له، إلاّ مع الحائل، إلى آخر ما ذكره فيها.

أقول: و اعلم أنّ الأخبار في هذه المسألة كثيرة، و اختلافها هو منشأ اختلاف الأصحاب، فبين قائل بالحرمة و هو المشهور بين المتقدمين إلاّ مع الحائل أو فصل عشرة أذرع، و بين قائل بالكراهة و هو الأشهر عند المتأخرين، و عن الجعفي‏ (1) المنع، إلاّ مع الفصل بقدر عظم الذراع.

و كيف كان فلا بد من سرد الأخبار أولا.

فنقول: هي على طوائف أربع: مطلقة في الجواز، و مطلقة في المنع، و مفصلة بين وجود الفاصل فيجوز و بين عدمه فلا، فالفاصل في بعضها عشرة فأكثر، و في بعضها شبر و ما يقاربه، و الأولى بين صريحة في الكراهة أو ظاهرة فيها، و بين مطلقة في عدم البأس، و الأقوى هو الكراهة؛ وفاقا للمتأخرين، لأنّ

____________

(1) -محمد بن أحمد بن إبراهيم الجعفي الكوفي ثمّ المصري، المعروف بـ «الصابوني» من قدماء فقهاء الإمامية و أعلامهم المشاهير، أدرك الغيبتين، و له مؤلفات كثيرة في الفقه، منها كتاب الفاخر. أنظر: تنقيح المقال: ج 2 باب الميم ص 65، رقم 10291.

188

أخبار الجواز صريحة فيه و نص في عدم البأس، بحيث لا تقبل التخصيص، و لا تتحمل التصرف فيها بنحو من أنحائه، بخلاف أخبار الحرمة فإنها بين ظاهرة فيها و بين ظاهرة في الكراهة، فيرفع اليد عن ظهورها لنصوصية تلك الأخبار المجوزة، فالمراد بالنهي فيها هو النهي التنزيهي.

و يؤيده اختلاف الأخبار في تعيين مقدار الفاصل، فإن اختلاف الأخبار في المقادير يكشف عن كراهيتها، و مراتبها تختلف شدة و ضعفا، كما في تعيين الوقت و منزوحات البئر.

و يؤيده و وجاهة حمل نصوص المنع على الكراهة التي هي من مراتبه بخلاف ما إذا قلنا بالحرمة، فإنه يقتضي طرح الأخبار الدالة على الجواز صريحا.

ثمّ اعلم أنّ المتبادر من الأوامر و النواهي الواردة في العبادات هو الشرطية و الغيرية، و كونها مسوقة لبيان التكليف الغيري، فالنهي عن الصلاة بحذاء امرأة تصلي ظاهر في المانعية و الشرطية مطلقا و لو في حال الغفلة و عدم الالتفات، اللهم إلاّ أن يقال بالمعذورية فيه لحديث الرفع، و حديث «لا تعاد» ، كما هو كذلك.

و ينبغي التنبيه على أمور:

منها: أن هذا الحكم غير مختص بالرجال، بل يعمه و الامرأة، كما هو ظاهر كلمات الأصحاب، و جملة من الأخبار، كما هو ظاهر صحيحة محمد بن مسلم، و رواية أبي بصير، و إن كانت هذه الأخبار بحسب الظاهر مسوقة لبيان حكم كل منهما.

و منها: لو اقترن الصلاتان بطلتا جميعا، و لو تعاقبا اختص المنع باللاحقة

189

دون السابقة؛ و ذلك أن المدار على تحقق عنوان القضية المذكورة في الخبر و هي قوله: لا يصلي الرجل و بحياله امرأة تصلي، و متى تحققت هذه القضية، و حيثما وجدت، لصارت موجبة للمنع.

فإن قلت: كيف يصدق هذا العنوان على صلاته مع أنها منهية، و النهي في العبادة يقتضي الفساد، و هو بعد تعلق النهي غير قادر على إتيانها؟

قلت: و المدار على الصلاة الغير الملحوظة في ضمن النهي و هو قادر عليها لو لا هذا النهي، فيكون مفاده: لا يصلي الرجل صلاة صحيحة لو لا هذا النهي، و من هنا ظهر وجه بطلان صلاتهما فيما لو اقترنا؛ لأنه يصدق على كل منهما:

صلى على حيال الآخر صلاة صحيحة لو لا النهي.

فإن قلت: يلزم على هذا بطلان صلاة السابق منهما أيضا؛ بداهة صدق هذا العنوان في حقه، فإنه صلى بحيال الآخر و لو استمرارا، و هو صلى بحيال من يصلي صلاة صحيحة لو لا النهي.

قلت: و الظاهر من هذه القضايا هو حرمة الشروع فيها و الإيجاد في الخارج ابتداء لا مطلقا، فعلى هذا يكون مفاد القضية: لا يصلي الرجل-أي لا يشرع فيها-و بحياله امرأة مصلية، و هذا العنوان يصدق على كل منهما فيما لو اقترنا، و لذا تكون صلاتهما باطلة، بخلاف فيما لو تعاقبا فإنه لا يصدق على السابق أصلا، بخلاف اللاحق منهما فإنه يصدق عليه كما لا يخفى.

و من هنا ظهر وجه الصحة فيما لو حصلت اللاحقة لا عن عمد، فإن صلاتها صحيحة للغفلة، و كذا صلاة السابقة على ما حققنا؛ لأنه ما شرع فيها و بحياله امرأة مصلية، بل كان مصليا و شرع فيها من غير عذر أصلا، و لو عممنا الابتداء أو الاستمرار لكان مشكلا كما لا يخفى، و منه ظهر عدم الحاجة إلى‏

190

الجواب عنه بمنع شمول الأدلة على هذا المورد.

و منها: حكم الخنثى، فيجب عليها الاجتناب دون غيرها، كما في اللباس، و القول بأنّ الأدلة غير شاملة عليها مجازفة؛ لأنها مسوقة لبيان أحكام الموضوعات الواقعية، و المفروض أنها إما داخلة في الذكور أو الإناث بحسب الواقع و نفس الأمر، كما لا يخفى.

ثمّ إذا قلنا بالكراهة-كما هو المختار-فالأمر بالنسبة إلى الفواصل سهل، و أما إذا قلنا بالحرمة-كما عليه المشهور-فتزول إذا كان بينهما حائل بلا خلاف ؛ للأخبار المستفيضة الدالة على المضي فيها فيما إذا كان بينهما حائل.

نعم، وقع الخلاف في الجملة في اعتبار الحائل على نحو يكون مانعا عن المشاهدة و عدمه، و الأقوى هو عدمه؛ لصحيحة علي بن جعفر عليه السّلام المروية عن كتاب مسائله، عن أخيه موسى عليه السّلام، قال: سألته عن الرجل هل يصلح أن يصلي في مسجد حيطانه كوى‏ (1) كله، قبلته و جانباه، و امرأة تصلي بحياله يراها و لا تراه، قال عليه السّلام: لا بأس.

و خبره الآخر المروي عن قرب الإسناد عن أخيه موسى عليه السّلام المتضمن لنفي البأس فيما إذا كان بينهما حائط قصير أو طويل.

فإن هذين الخبرين صريحان في عدم اعتبار الحائل المانع عن

____________

(1) -الكوة-تفتح و تضم-الثقبة في الحائط، و جمع المفتوح على لفظه كوات، مثل حبة و حبات، و كواء أيضا-بالكسر و المد-مثل ظبية و ظباء: جمع المضموم كوى بالضم و القصر، مثل مدية و مدى، كذا ذكره الفيومي في المصباح.

القاضي الطباطبائي‏

191

المشاهدة، و بهما تقيد الأخبار المطلقة.

و يؤيده الأخبار الدالة على نفي البأس فيما إذا كان بينهما شبر أو ذراع، بناء على أن المراد به ما كان ارتفاعه عن الأرض بهذا المقدار.

و الحاصل: لا ريب في عدم اعتبار الفاصل المانع، كما لا ريب في أنّ المتبادر من الحائل هو الحائل الجسماني، فلو حصل الفصل بينهما لظلمة أو لعدم الإبصار لا يكفي، فضلا عن تغميض عينه، على أنّ القياس كما ترى من العلة المستنبطة، كما ذكره في الجواهر، و كذا تزول الحرمة فيما إذا كان بينهما مقدار عشرة أذرع، كما يدل عليه جملة من الأخبار، مضافا إلى كونه مما لا خلاف فيه.

نعم، يقع الكلام في أنّ المدار في ارتفاع الحرمة هو هذا المقدار، أو يكفي و لو كان مقدار عظم ذراع، أو شبر كما يدل عليهما جملة منها؟

و الضابط هو ملاحظة الأخبار إن أمكن الجمع بينها بحيث لم يكن الأخبار الدالة على الأزيد منافيا للأخبار الدالة على الأقل لا منطوقا و لا مفهوما، فيؤخذ بكل منهما، كما في الواجبات التخييرية، و إلاّ فيرفع اليد عن الظهور بنصوصية الأخرى، و إن تساويا فالمدار إما على الطرح و الرجوع إلى الأصل الأوّلي، أو القول بالتخيير بملاحظة الأخبار العلاجية المانعة عن الرجوع إليه بعد التساوي، هذا كله فيما إذا لم يكن المرجح لأحدها فيؤخذ به، و لعل الأخذ بمقدار الزائد هنا هو الموافق للاحتياط؛ و لذا أخذ الفقهاء به، و اللّه العالم.

ثمّ هذا كله فيما إذا تحاذى كل منهما بحسب المكان و لا يتقدم أحدهما على الآخر في موقفهما، أو موضع سجودهما فيعتبر المحاذاة بين الموقفين في حال القيام، و بين مسجده و موقفها عند السجود، و لو كان بينهما بمقدار العشرة

192

في حال القيام فتباعدا حال السجود بحيث حصل الفصل بينهما من هذه الحالة أيضا بهذا المقدار أجزأهما، فلو كان أحدهما على بناء أو نحوه مرتفع عن طول قامة الأخرى فهو خارج عن منصرف الأدلة، فيرجع فيه إلى الأصل المقرر عند الشك في المانعية و الشرطية.

نعم، يمكن القول بالصدق يمينا و يسارا، يعني صدق الصلاة عن يمينه و يساره و لو لم يتحاذى بحسب المكان.

و بالجملة: و إن كان يصدق مفردات القضية من اليمين و اليسار و الحذاء؛ بداهة انتزاع تلك المفاهيم عند تقابل الجسمين بأي نحو كان، و لكن العمدة و المدار هو على صدق القضية بعد التركيب بحيث يصدق مفاد قوله عليه السّلام: لا يصلي الرجل بحيال امرأة تصلي، في نظر العرف، فلو وقعا في مكان لا يمكن التباعد و لا التقدم يصلي الرجل أولا ثمّ تصلي المرأة، كما تدل عليه صحيحة محمد بن مسلم، و رواية أبي بصير، و الظاهر أنه على سبيل الأولوية و الفضل من باب تقدم من له الفضل على غيره؛ إذ من المستبعد كون تأخيرها لها واجبا شرطيا أو شرعيا تعبديا، كما يشهد لذلك صحيحة ابن أبي يعفور، إلاّ أن يتقدم هي أو أنت، و من هنا ظهر أنه لو ضاق الوقت لا يسقط الصلاة عنهما بل يصليان معا، و لا وجه للقول بالعزيمة أصلا.

ثمّ هل يعمّ الحكم على الصبيان و البنات، أم لا؟فربما يقال: نعم؛ لورود لفظ البنت في بعض الأخبار، و لكنه ضعيف؛ لعدم إحراز كونها مصلية، فالمدار فيه على الصدق و عدمه.

الشرط الثاني من شروط المكان: هو اعتبار طهارته، و الكلام فيه يقع في مقامين:

193

المقام الأول: هل يشترط الطهارة في ما عدا موضع الجبهة مما يصلى عليه، أم لا؟و قد حكي عن أبي الصلاح‏ (1) أنه اعتبر طهارة موضع المساجد السبعة، و عن السيد المرتضى قدّس سرّه‏ (2) أنه اعتبر طهارة مكان المصلي.

و يستدل على قول أبي الصلاح بالنبوي صلّى اللّه عليه و آله: «جنبوا مساجدكم النجاسة» ، و هذا كما ترى ظاهر في الأماكن المعدة للصلاة، المسماة بالمسجد، و على فرض العموم لا يعلم منه العموم، غايته هو موضع الجباه كما لا يخفى.

و كذا مفهوم صحيحة ابن محبوب عن الرضا عليه السّلام أنه كتب إليه عليه السّلام يسأله عن الجص يوقد عليه بالعذرة و عظام الموتى، يجصص به المسجد، أ يسجد عليه؟فكتب إليه: أن الماء و النار قد طهراه، و هذا كما ترى لو سلم المفهوم لا تدل أزيد من الطهارة في الجملة.

و أما القول المحكي عن السيد قدّس سرّه فاستدل له بالنهي عن الصلاة في المجزرة، و هي مواطن النجاسة، فهو أيضا كسابقه، مضافا إلى احتمال النهي التنزيهي في هذه الموارد غالبا.

و استدل أيضا بموثقة ابن بكير عن أبي عبد اللّه عليه السّلام في الشاذكونة (3)

____________

(1) -أبو الصلاح الشيخ تقي بن النجم الحلبي الفقيه، الثقة الجليل، من أكابر فقهاء الإمامية، قرأ على السيد المرتضى و الشيخ الطوسي، و يروي عنه القاضي ابن البراج، و له مؤلفات في الفقه.

(2) -أبو القاسم ذو المجدين علي بن الحسين الموسوي، الشهير بـ «السيد المرتضى علم الهدى» ، سيد علماء الأمة، و زعيم الشيعة الأكبر، و مفخرة الإمامية، جمع من العلوم ما لم يجمعه أحد، و كان له ثروة طائلة و أموال و قرى كثيرة، و صنف المؤلفات الرائقة الممتعة، ولد سنة (355) هـ، و توفي سنة (436) هـ قدس اللّه روحه.

(3) -كلمة فارسية معربة تستعمل في الطراحة التي ينام عليها، و معناها بالتركية

194

يصيبها الاحتلام أ يصلى عليه؟قال: لا.

و موثقة عمار الدالة على عدم جواز الصلاة في موضع القذر ما دام لم تكن الشمس جففته و إن يبس بغير الشمس أيضا لا يجوز الصلاة فيه.

و لكن هذين الموثقتين متعارضتان بالصحاح المستفيضة المعمول بها عند الأصحاب، و الترجيح يكون بها؛ لكونها أكثر عددا، و أوضح دلالة، و أقوى سندا، فلا بد من الأخذ لها و التصرف في ظهور الموثقتين بحملهما على الكراهة؛ لأن استعمال النهي فيها في غاية الكثرة، و هذا مما لا إشكال فيه، و إنما الكلام في المكان النجس بالنجاسة المسرية، فالمشهور بل الإجماع على بطلان الصلاة فيه؛ لطائفتين من الأخبار:

الطائفة الأولى: هي الأخبار الدالة على اعتبار الطهارة في الثوب و البدن فيها، فمع السراية يفقد ذاك الشرط كما لا يخفى.

و الطائفة الثانية: هي مفاهيم المطلقات، الدالة بمنطوقها على جواز الصلاة في النجس اليابس؛ و لدعوى الإجماع و الاتفاق، و هذا لا كلام فيه على الظاهر، و إنما الكلام في أنّ هذا الشرط من شروط المكان من حيث هو هو، أو اعتباره لكونه مستلزما لفقدان الشرط الآخر و هو الطهارة، و الظاهر من كلامهم هو الثاني، و الأخبار منصرفة إلى هذا لأجل الأنس و الارتكاز من الخارج، فأنس

____________

ق «توشك» ، و تستعمل أيضا في المتكإ (المخدة) و الجبة و اللبادة و نحوها مما يلبس فوق الثياب.

أنظر: المعجم الفارسي الكبير «برهان قاطع» للشيخ محمد حسين بن خلف التبريزي:

ص 1223-1224 ج 2، و إلى مادة «توشك» : ص 534 ج 1 ط. طهران سنة 1331 هـ. ش.

القاضي الطباطبائي‏

195

الذهن بأنّ الطهارة شرط فيها و ارتكازه فيه مانع عن إطلاق الأدلة و صالح لأن يكون بيانا. و يشهد على ذلك تعبيرهم بالنجاسة المسرية، فحينئذ لو صلى في النجس المسري لكن بمقدار يعفى عنه فيها، أو في دم القروح و الجروح، أو صلى فيه و لكن ما سرت إلى لباسه و بدنه، فالصلاة فيه صحيحة، بخلاف ما إذا قلنا إنه شرط في المكان مستقلا فإنها تكون باطلة مطلقا سواء سرت أم لا، و سواء كان النجس مما يعفى عنه أم لا، و إليه ذهب فخر المحققين‏ (1) .

و يؤيده بأن قضية تأنس الذهن لا يوجب الانصراف أبدا؛ لأنه مستلزم لتطبيق الأدلة بما فيه لا استخراج حكم من الأدلة بل الأدلة مطلقة فلا استبعاد من أن يكون للمكان النجس بالنجاسة المسرية خصوصية مانعة عنها، فحينئذ فما ذهب إليه فخر المحققين رحمه اللّه لا يخلو عن قوة.

و يؤيده أنه كيف يمكن توجه سؤال كبراء الأصحاب عن حكم طهارة اللباس و البدن بعد علمهم به أولا، و لو لم يكن فيه خصوصية زائدة لما وقع التأكيد فيه عن الأئمة عليهم السّلام، و الصحابة، و التشديد بهذه المثابة.

و أما المقام الثاني: و هو اشتراط طهارة موضع الجبهة، فهو إجماعي على الظاهر، و لا ينافيه جواز السجود على النجس اليابس بالشمس عند بعضهم، فإنه من الممكن تخصيص المورد المخصوص بالأدلة الخارجية، فتحمل الأخبار الدالة على طهارة ما جففته الشمس على جواز السجود عليه، و القول بأنه لا يكشف عن الطهارة بل يمكن أن يبقى على النجاسة و مع ذلك كان السجود عليه جائزا، كما ادعى جماعة من الأصحاب، غير مناف للإجماع المدعى أصلا، فإنّ

____________

(1) -أبو طالب فخر المحققين محمد بن آية اللّه العلامة الحلي، من وجوه هذه الطائفة و ثقاتها، وحيد عصره، و فريد دهره، صاحب التصانيف الجيدة، توفي سنة (771) هـ.

196

المطلوب هو إثبات الموجبة الجزئية، فلا ينافيه السلب كذلك.

و ربما يستدل على طهارته بمفهوم صحيحة ابن محبوب المتقدمة، فإن قوله عليه السّلام بعد الجواب بأنّ الماء و النار قد طهراه، و تعليله هذا كاشف عن اعتبار الطهارة كما لا يخفى، و لكنه في غاية الضعف؛ لأن الصحيحة في غاية الإجمال من وجوه لا يخفى، فالاعتماد بمثل مفهوم هذه الصحيحة أو بغيرها من المطلقات المحمولة عليه لا يخلو من عدم المبالاة و الجسارة في الحكم؛ بداهة أنّ الحمل إنما يصح إذا كان أصل الحكم محرزا قبله، فظهر أنّ المسألة كأنها أخذت عن الأئمة عليهم السّلام يدا بيد حتى وصلت إلى زماننا هذا، و هي غير منصوصة بخصوصها.

هذا، و ينبغي التنبيه على أمور:

الأول: لو كان موضع السجدة بمقدار ما يعتبر فيها طاهرا و الباقي نجسا، فهل يصح السجود عليه أم لا؟ وجهان؛ نظرا إلى أنّ المسألة لما كانت غير منصوصة بل المدار فيها الإجماع الذي هو من الأدلة اللبية فلزم الاكتفاء فيها على القدر المتيقن، و هو الطهارة في الجملة، و نظرا إلى أن عبائر الفقهاء التي كالنص في المقام لما كانت ظاهرة في الاستيعاب بحسب الفهم العرفي فيشترط طهارة الجميع؛ لأن المتبادر من طهارة الشي‏ء هو طهارة جميعه بحيث لو كان جزء من أجزائه نجسا لما صدق الطهارة عليه أصلا، أ لا ترى أنه لا يقال-لمن صلى في لباس كان خيطه نجسا فضلا عن طرفه-إنه صلى في لباس طاهر؟

هذا بخلاف طرف النجاسة فإنه لو تحقق طبيعة النجاسة في الخارج و لو كانت الطهارة غالبة عليها لصدق وصف النجاسة، فيقال-لمن صلى في لباس خيطه نجس-: إنه صلى في لباس نجس، كما لا يخفى. غ

197

إن قلت: فعلى هذا يلزم بطلان الصلاة فيما إذا وقعت السجدة على الأرض و المعادن و لو كانت الأرض بمقدار ما يعتبر في السجود عليه، مع أن الصحة و عدم البطلان وفاقي، و ما ذهب إليه أحد.

قلنا: الفرق بين الطهارة و غيرها ظاهر؛ لأن الأول من شروط موضع السجدة، و غيرها شروط في أصل السجدة بماهيتها، و فرق واضح بين أن يقال:

يشترط فيما يقع عليه السجود الطهارة، و بين أن يقال: يشترط في السجدة أن لا تقع إلاّ على الأرض أو ما ينبت فيها، بحيث ينافي تحقق النجاسة في الأول و لو كانت قليلة، و لا ينافي وقوعها عليها مع المعادن و غيرها من الأجزاء الغير الجائزة عليها السجود وحدها، كما لا يخفى لمن له أدنى تأمّل.

الثاني: لو انحصر مكان السجدة في النجس، هل يسجد عليه، أو ينتقل إلى بدله و هو الإيماء؛ لأن انتفاء الشرط موجب لانتفاء المشروط؟و الأقوى هو الأول؛ لأن المستفاد من سبر مجموع الأخبار هو انتقاض هذه القاعدة في باب الصلاة، إلاّ في قضية الحدث؛ لأن انتفاء الطهارة بكلا قسميه موجب لانتفاء الصلاة على الأقوى.

و بالجملة: انتفاء وصف الشرط لا يستلزم انتفاء أصل الشرط بماهيته، أ لا ترى غير العالم بالفاتحة على نحو ما اعتبره الشارع يقرأ حسب مقدوره منها، لا أنها تكون ساقطة في حقه من أصلها.

الثالث: لو صلى في المكان النجس سهوا ثمّ علم به بعد الصلاة، و المسألة مبنية على كيفية اعتبار شرطية طهارة المكان من أنها شرط واقعي أو ذكري، اللهم إلاّ أن يقال إنّ الأدلة الثانوية موجبة لصحتها و عدم إعادتها، و إن كان مقتضى القاعدة الأولية هو الشرط الواقعي كما مر التنبيه عليه غير مرّة.

198

الشرط الثالث: أن يكون ما يسجد عليه الإنسان أرضا، أو ما أنبتت الأرض، إلاّ إذا كان مأكولا أو ملبوسا، و الدليل على ذلك كله هو الأخبار المستفيضة.

منها: صحيحة هشام بن الحكم عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال له: أخبرني عما يجوز السجود عليه، و عما لا يجوز، قال عليه السّلام: السجود لا يجوز إلاّ على الأرض و على ما أنبتته الأرض، إلاّ ما أكل و لبس.

و خبر الصدوق قدّس سرّه‏ (1) في العلل مثله بزيادة: فقلت له: جعلت فداك، ما العلة في ذلك؟قال عليه السّلام: لأنّ السجود خضوع للّه عز و جل، فلا ينبغي أن يكون على ما يؤكل و يلبس؛ لأن أبناء الدنيا عبيد ما يأكلون و يلبسون، و الساجد في سجوده في عبادة للّه عز و جل، فلا ينبغي أن يضع جبهته في سجوده على معبود أبناء الدنيا الذين اغتروا بغرورها، و السجود على الأرض أفضل؛ لأنه أبلغ في التواضع و الخضوع للّه عز و جل.

و خبر الأعمش المروي عن الخصال عن الصادق عليه السّلام في شرايع الدين، قال: لا يسجد إلاّ على الأرض أو على ما أنبتت الأرض إلاّ المأكول و القطن و الكتان.

و عن الفضل أبي العباس قال: قال أبو عبد اللّه عليه السّلام: لا يسجد إلاّ على الأرض أو ما أنبتت الأرض إلاّ القطن و الكتان.

و صحيحة حماد بن عثمان، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: السجود على ما

____________

(1) -أبو جعفر محمد بن علي بن بابويه القمي، رئيس المحدثين، من أعظم أركان الدين، صاحب كتاب «من لا يحضره الفقيه» الذي هو أحد الكتب الأربعة للإمامية، له نحو من ثلاثمائة مصنف، توفي سنة (381) هـ بالري، و دفن بها، و قبره مشهور يزار و يتبرك به.

199

أنبتت الأرض إلاّ ما أكل و لبس.

إلى كثير من أمثال هذه الأخبار مما هو صريح في عدم جواز السجود إلاّ على الأرض، أو النبات الخارج منه الغير المأكول و الملبوس.

و الظاهر أنّ المسألة إجماعية، بل هو من ضروريات المذهب، و إنما الإشكال في بعض المصاديق و المحققات الخارجية التي وقع الاشتباه في خروجه عن الأرضية.

فنقول: إن المراد من الأرض هو كل ما صدق عليه اسمها في العرف، متصلة كانت أم منفصلة، و القول بأن المنفصلة منها لا يصدق عليها الأرض كما ترى، و لا سيما بعد ورود الأخبار الخاصة الدالة بأنّ الأئمة عليهم السّلام كانوا يسجدون عليها متصلة و منفصلة، و كالأخبار الدالة على أفضلية السجود على طين قبر الحسين عليه السّلام، و القول بأنّ التربة الحسينية إنما خرجت بالنص كما ترى.

و كيف كان، لا إشكال في السجود على الأرض المنفصلة ما دام يصدق عليها اسمها مع بقائها على حقيقتها و عدم انقلابها إلى حقيقة أخرى، و إنما الكلام في جملة من الموارد التي يشك في تحقق هذا المعنى، و أما الأشياء الغير الصادقة عليها اسم الأرضية كالمعادن بأنحائها المختلفة التي لا شك في انقلابها عن حقيقة الأرضية فهو مما لا ريب في عدم جواز السجود عليها، لا لكونها معادنا بل لعدم كونها أرضا في نظر العرف، فالتعليل في بعض الأشياء-بأنه معدن لا يجوز السجود عليه-ليس على ما ينبغي.

و بالجملة: و من الموارد المشكوكة هو الجص و الخزف و النورة و الآجر مما هو معلوم الأرضية، و أما الذين يقولون بأنها أرض لا شك في صدقها عليها فلا نزاع إن كانت دعواهم مطابقة للواقع.

200

و كيف كان، ربما يقال بجواز السجود على تلك الأشياء لأمور:

منها: منع الانقلاب و خروجها عن حقيقة الأرض لأجل بعض التغيرات و هي ليست إلاّ مثل ما كانت قبل أن يوقد عليها النار.

و منها: التمسك باستصحاب الأرضية بداهة و لا أقل من الشك في الانقلاب و عدمه فيستصحب الأرضية المتيقنة.

و منها: دعوى دلالة صحيحة حسن بن محبوب على ذلك، حيث اقتصر الإمام عليه السّلام فيها على جواب طهارة الجص، و كأنّ جواز السجود عليه كان مفروغا عنه، و إنما المانع كان هو النجاسة، فأجابه عليه السّلام بأنّ الماء و النار قد طهراه.

و منها: الأخبار الدالة على جواز التيمم بها، فإنّ المسألة من واد واحد، و لا ينافي ما ذكرنا خبر عمرو بن سعيد الدال على عدم جواز السجود على الصاروج و منعه عنه؛ لأن الصاروج ليس هو النورة، بل مركب منها و من الرماد، فيحتمل أن يكون منعه عليه السّلام للرماد لما نهي عن التيمم عليه في بعض الأخبار معللا بأنه يخرج من الشجر و ليس يخرج من الأرض، هذا.

و ربما يقال بخروجها عن حقيقة الأرض، كما يكشف عنه اختلاف الآثار و تبدلت حقيقة الأرضية إلى الحقيقة الثانوية، و يشهد لذلك اتفاقهم على خروج الرماد عن حقيقتها، و عن حقيقة إنباتها، مع أنه إحراق كإحراق الجص و النورة، و التمسك بالصحيحة غير جائز لما قلنا من أنها مجملة من وجوه، و الملازمة بين السجود و التيمم غير ثابتة، و الأخبار الدالة على جواز التيمم بهما محتملة فيما إذا كان المراد من الجص و النورة هو قبل الإحراق لا بعده، و من هنا ظهر فساد التمسك بالاستصحاب لتبدل الموضوع كما لا يخفى.

201

و بالجملة: بعد القول بأنّ الأرضية شرط في صحة السجود فلا بد من إحرازها، و الاحتياط في موارد الاشتباه لما نثبت في محله أنّ الشك في مصاديق الشروط و محققاتها موجب للاحتياط، هذا بخلاف الشك في مصاديق الموانع.

و أما البلور و الزجاج و الرماد فلا إشكال في عدم جواز السجود على شي‏ء منها، و هو على الظاهر موضع وفاق، سواء كان من الأرض و أجزائها المحضة، أم من غيرها من حجارة أو حصى، أو غيرهما من ملح أو غيره؛ لعدم صدق عنوان الأرضية على شي‏ء منها، فهذه الأشياء في نظر العرف صارت حقائق مباينة لحقيقة الأرض، بل لا يخطر ببالهم أنها من الأرض أو غيرها.

و يشهد لما ذكرنا صحيحة محمد بن الحسين قال: بعض أصحابنا كتب إلى أبي الحسن الماضي عليه السّلام يسأله عن الصلاة على الزجاج، قال: فلما نفذ كتابي إليه تفكرت و قلت: هو مما أنبتت الأرض، و ما كان لي أن أسأل عنه، قال: فكتب إليّ: لا تصلّ على الزجاج، و إن حدثتك نفسك بأنه مما أنبتت الأرض، و لكنه من الملح و الرمل و هما ممسوخان‏ (1) ، و المراد من مسخهما هو صيرورتهما زجاجا

____________

(1) -أثبتنا الرواية كذلك، فإنها هكذا وردت في أغلب نسخ جوامعنا الحديثية الموجودة بأيدينا اليوم، و كذا فيما وقفنا عليها من الكتب الفقهية الاستدلالية، فقد روى ثقة الإسلام الكليني قدّس سرّه في فروع الكافي: ج 1/ص 92 عن محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين:

أن بعض أصحابنا كتب... الخ.

و رواها شيخ الطائفة قدّس سرّه بإسناده عن محمد بن يحيى أيضا.

و روى الشيخ الصدوق قدّس سرّه في كتابه العلل، عن أبيه، عن محمد بن يحيى، عن محمد بن أحمد، عن السياري: أن بعض أهل المدائن كتب إلى أبي الحسن الماضي عليه السّلام... الخ، ثمّ قال الصدوق رحمه اللّه-بعد نقل الرواية-: «ليس كل رمل ممسوخا، و لا كل ملح، و لكن الرمل‏

202

____________

قو الملح الذي يتخذ منه الزجاج ممسوخان» ، و يظهر من ذلك أنّ الرواية هكذا وصلت إليه قدّس سرّه، و لذا اضطر إلى التوجيه، و أخذ بعض بظاهر هذه الرواية، و لكن حملها المحققون على خلاف ظاهرها من الكراهة بعد أن كان مقتضى الظاهر هو الحرمة، و لا سيما بعد وقوع الرمل تعليلا للنهي عن السجود على الزجاج، مع أن النص و الإجماع يدلان على جواز السجود على الرمل، و من المعلوم أيضا كونه من الأرض و دخوله في مسماها بلا شك.

و لكني أقول-بتوفيق اللّه تعالى و منه العميم-أنه يظهر بعد التتبع و الفحص في كتب أحاديث أصحابنا الإمامية (رض) -و لعله يحصل الاطمئنان بذلك-أن في الرواية تصحيفا في أولها و آخرها، أما في أولها فهو أن «أبي الحسن الماضي» إنما هو تصحيف «أبي الحسن الهادي» ، و يعبر بأبي الحسن الماضي على ما هو المشهور عن مولانا الكاظم عليه السّلام لشدة التقية في زمانه، و طغيان بعض الفراعنة في أوانه، نعم لشيخنا العلامة المامقاني قدّس سرّه كلام في التعبير عن الإمام عليه السّلام بـ «الماضي» ذكره في كتابه القيم «تنقيح المقال» : ج 1/ص 189، فراجع.

و أما التصحيف الواقع في ذيلها فإن الرواية مروية باختلاف الألفاظ في ذيلها. فقد نقل الشيخ الثقة الجليل بهاء الدين علي بن عيسى الاربلي قدّس سرّه في كشف الغمة في معجزات الهادي عليه السّلام عن الدلائل للحميري ما لفظه: «و كتب إليه محمد بن الحسين بن مصعب المدائني يسأله عن السجود على الزجاج، قال: فلما نفذ الكتاب حدثت نفسي أنه مما أنبتت الأرض، و أنهم قالوا لا بأس بالسجود على ما أنبتت الأرض قال: فجاء الجواب: لا تسجد عليه و إن حدثتك نفسك أنه مما أنبتت الأرض، فإنه من الرمل و الملح، و الملح سبخ» .

و رواه الشيخ المؤرخ الكبير المسعودي قدّس سرّه باختلاف في ذيل الرواية في كتابه إثبات الوصية، في معجزات الهادي عليه السّلام: ص 189 طبعة النجف الثالثة، عن الحميري، عن الحسن بن مصعب المدائني، و قال في آخرها: «فإنه من الرمل و الملح، و الملح سبخ، و السبخ أرض ممسوخة» .

و رواه الشيخ أبو جعفر الطبري الإمامي في الدلائل عند ذكر معجزات الهادي عليه السّلام باختلاف أيضا: ص 218 طبع النجف، عن المعلى بن محمد البصري، عن أحمد بن محمد بن عبد اللّه، قال: كتب محمد بن الحسين بن مصعب إلى أبي الحسن عليه السّلام، و قال في ذيل الرواية:

203

لا كونهما في الأصل من الممسوخات كما يوهمه ظاهر العبارة، و من هنا حكم بعضهم بمنع جواز السجود على الرمل، و لكنه بعيد جدا، كيف و هو أرض! و الإجماع قائم على خلافه مع بعض النصوص.

و مما ذكرنا ظهر حال كل ما هو خارج عن حقيقة الأرضية بحيث لا يصدق عليه بحسب العرف، و لا يعد من الأرض و لا من نباتها؛ لأن الأدلة-كما عرفت جملة منها-صريحة في الجواز على العنوانين، و المنع عن غيرهما من العناوين المغايرة لهما، اللهم إلاّ أن يقوم دليل خاص في الموارد الخاصة

____________

ق «فإنه من الرمل و الملح سبخ، و الرمل المسبخ بلد ممسوخ» .

و ليعلم أن محمد بن الحسين الواقع في طريق الكليني هو محمد بن الحسين بن أبي الخطاب أبو جعفر الزيات الهمداني الثقة الجليل المتوفى (262) هـ، بقرينة رواية محمد بن يحيى العطار الأشعري الثقة عنه، و كان أبو جعفر الزيات من أصحاب الجواد و الهادي و العسكري عليهم السّلام، و المراد من قوله: بعض أصحابنا كتب... الخ، هو محمد بن الحسين بن مصعب المدائني كما ظهر ذلك من رواية الطبري و الحميري، بل من رواية الصدوق رحمه اللّه أيضا، و لكن طريق شيخنا الصدوق رحمه اللّه في العلل ضعيف، فإنّ المراد من السياري الواقع في طريقه هو أحمد بن محمد السياري من أصحاب العسكري عليه السّلام، و هو ضعيف الحديث، و ما ذكره العلامة النوري قدّس سرّه في خاتمة المستدرك-من إثبات وثاقته و الاعتماد عليه-لا يلتفت إليه، فإنه اجتهاد في مقابل النص، و قد صرّح علماء الرجال بتضعيفه و تخليطه.

ثمّ إنه لا شك عند المتأمل أنّ هذه الروايات المختلفة ذيلها لفظا كلها رواية واحدة و هي سؤال محمد بن الحسين المدائني عن مولانا الهادي عليه السّلام، و إنما جاء الاختلاف من قبل الرواة و من غلط النساخ، و مع هذا الاختلاف و الاضطراب في ذيلها بحيث أوجب خفاء الواقع لنا لا يمكن الاستدلال بها على كراهية السجود على الرمل أصلا بعد عدم إمكان الأخذ بظاهرها، و لعل مع هذا الاختلاف في ذيلها يظهر أيضا أن النهي عن السجود على الزجاج إنما هو من جهة الملح و استحالته، و اللّه العالم.

القاضي الطباطبائي‏

204

فيقتصر عليه لا غير، كما في القرطاس و القير، و لكن أخبار جواز القير معارضة بما هو أقوى منها، و هي غير معمول بها عند الأصحاب، فحملها على التقية أو الاضطرار حذرا من الطرح أولى من حمل النهي في تلك الأخبار على الكراهة بعد إعراض الأصحاب عنها.

و بالجملة: إعراض الأصحاب قرينة على وجوب التصرف في أخبار الجواز، مع مخالفتها لعمومات الباب الدالة على حصر السجود في العنوانين، و لكنه علل في بعض أخبار الجواز بأنه من نبات الأرض، و لكنه غير موافق لما هو متراءى من أنظار العرف.

ثمّ المراد من المأكول و الملبوس هل هو المأكول و الملبوس الفعلي، أو يعمه و الشأني الاقتضائي؟و على كلا التقديرين هل المراد هو المأكول و الملبوس بحسب النوع، أو يعمه و الصنف و الأفراد؟ثمّ الشي‏ء المأكول أو الملبوس عند قوم هل يحرم عليهم، أو على جميع المكلفين؟وجوه.

و أما المأكول و الملبوس من غير عادة كما في حال الاضطرار فهو غير مشمول للأخبار قطعا.

و الظاهر بل المقطوع به هو أنّ المراد من المأكول المنهي عن السجود عليه ليس هو خصوص المأكول بالفعل، بل يعمه و الشأني، فكل ما أعد لأكل الإنسان من الحنطة و الشعير و أشباههما مما هو غير مأكول بالفعل بحسب العادة، بل يحتاج إلى العلاج فلا يجوز السجود عليه قبل نضجها و قبل انفصال قشرها و إن كان القشر مما لا يؤكل، كالجوز و اللوز، و السر في ذلك أنّ القشر غير ملحوظ في حيال اللب باللحاظ الاستقلالي، فالسجود على القشر سجود على اللباب؛ لأنه مندكّ فيها كما لا يخفى. نعم بعد الانفصال لا مانع من السجود عليه؛ لعدم‏

205

دخوله تحت الأدلة و هي منصرفة عنه.

و قد حكي عن العلامة قدّس سرّه في التذكرة و المنتهى: أنه جوّز السجود على الحنطة و الشعير قبل الطحن معللا بكونهما غير مأكولين، و أنّ القشر حائل بين المأكول و الجبهة، و لكن لا يخفى ضعفه؛ لما عرفت من اندكاك القشور في اللباب بحيث لا وجود لها عند العرف وراء وجود اللباب، بل إطلاق جملة من الأدلة شامل لها، مثل ما في خبر محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السّلام قال عليه السّلام: لا بأس بالصلاة على البواري و الخصفة و كل نبات إلاّ الثمرة. و في صحيحة زرارة:

و لا شي‏ء من ثمار الأرض.

و قد يتوهم التنافي بين هذه الأخبار الظاهرة في العموم لما يؤكل من الأثمار و ما لا يؤكل، و بين الأخبار المتقدمة الدالة على منع السجود على المأكول لا غيره من الأثمار، و قد يدعى عدم التنافي بين استثناء الثمرة و استثناء المأكول؛ لأنّ النسبة بينهما العموم المطلق، فتخص الثمرة بالمأكول منها، و على هذا لا حاجة إلى دعوى انصراف المأكول إلى النبات المتعارف.

قال الأستاذ-مد ظلّه-في كتابه في هذا المقام ما لفظه: و أجاب أستاذنا الفقيه عنه: بأنّ التنافي في أمثال هذه الموارد ينشأ من قبل الحصر المستفاد من الاستثناء لا من الاستثناءين.

و بيانه: أنّ في المقام طائفتين من الأخبار: الأولى ما وقع فيها استثناء ما أكل و لبس مما أنبتت الأرض، و الثانية ما اشتمل على استثناء مطلق الثمرة، و كل منها بحسب ما فيها من الاستثناء ينحل إلى عقدين: إيجابي و سلبي، أما العقد الإيجابي و هو عمدة ما سيق له الكلام، فمن الأولى أنه يجوز السجود على ما عدا المأكول و الملبوس مما أنبتته الأرض مطلق الثمرة كانت أم غيرها، و من

206

الثانية أنه يجوز السجود على ما عدا الثمرة منه مطلقا، و العقد السلبي من الأولى أنه لا يجوز السجود على المأكول و الملبوس مما أنبتته الأرض، و من الثانية أنه لا يجوز السجود على الثمرة.

و من الواضح أنه لا منافاة بين الإيجابين و لا بين السلبين، و إنما التنافي بين العقد الإيجابي من الأولى و السلبي من الثانية، بناء على كون الثمرة أعم مطلقا من المأكول كما هو المفروض، فلا بد في رفع التنافي إما من رفع اليد عن ظاهر الحصر و ارتكاب تخصيص آخر في المستثنى منه زائدا على التخصيص الذي تضمنه الكلام، أو تقييد الثمرة بما إذا كانت مأكولة، و لا شبهة أن الثاني أولى، كما أنا إن قلنا بأنّ المأكول أيضا أعم من وجه من الثمرة لصدقه على الخس و أشباهه مما لا يعد في العرف ثمرة، لتحقق التنافي بين العقد الاثباتي من الثانية حيث تدل على جواز السجود على ما عدا الثمرة مطلقا، و العقد السلبي من الأولى، فلا بد في مقام الجمع إما من تقييد المأكول الذي نهي عن السجود عليه بما إذا كان ثمرة، أو التصرف في ظاهر ما دل على انحصار ما هو الخارج عن عموم ما أنبتته الأرض بالثمرة إما بارتكاب التخصيص في المستثنى منه بالنسبة إلى ما عدا الثمرة من المأكول، أو التوسع في الثمرة بحملها على إرادة مطلق المأكول و تخصيصها بالذكر للجري مجرى الغالب، و لكن يبعد الأول-أي تقيد المأكول بكونه ثمرة-إطلاق فتاوى الأصحاب المعتضد بظاهر صحيحة هشام المشتملة على التعليل القاضي بإناطة المنع بالمأكولية لا بكونه ثمرة كما لا يخفى. انتهى ما نقله الأستاذ-مد ظله العالي-عن شيخه الفقيه الهمذاني قدّس سرّه‏ (1) .

____________

(1) -الحاج آقا رضا بن محمد هادي الهمذاني، من أكابر فقهاء الإمامية في أوائل هذا القرن، له‏