الفردوس الأعلى

- الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء المزيد...
351 /
207

و مما قدمنا ظهر لك أنّ المدار في جواز السجود و عدمه هو تحقق عنوان الأرضية، و ما أنبتته الأرض غير المأكول و الملبوس على النحو المتقدم.

و من هنا ظهر الحال في القطن و الكتان لأنهما و إن كانا من نبات الأرض إلاّ أنهما ملبوسان بل الأغلب في نوع الألبسة هو القطن و الكتان، فلذا يقال: إن قدر المتيقن من عنوان الملبوس المستثنى من جواز السجود هو الكتان و القطن، مضافا إلى الأخبار الدالة على عدم جواز السجود عليهما، و وقوع التعليل في بعض الأشياء التي منع الشارع عن السجود عليها بأنه من القطن أو الكتان فلا يعارضها ظهور بعض الأخبار في جواز السجود عليها، و لو سلّم فالترجيح لأخبار المنع لكونها أقوى دلالة و أكثر عددا، فلا بد من حمل أخبار المنع على مورد الضرورة أو التقية، و لا ينافيه وقوع السؤال في بعضها مقيدا بلا تقية و لا ضرورة، بداهة عدم لزوم بيان الحكم الواقعي على الإمام عليه السّلام في مقام التقية، بل وقوع السؤال على النحو المذكور يؤكد حملها على التقية كما لا يخفى.

و الحاصل: الأخبار الحاصرة جواز السجود على الأرض أو ما أنبتته الأرض غير المأكول و الملبوس حجة في الموارد كلها، و لا يرفع اليد عنها إلاّ بالدليل المعتبر الغير المعارض، و أما الأخبار المعارضة بمثلها فلا يصلح للتقيد و رفع اليد عنها أبدا، و لا سيّما إذا كانت غير معمول بها و معرض عنها لدى الأصحاب.

و أما القرطاس فقد اتفقت كلمة الأصحاب في الجملة على جواز السجود

____________

قمؤلفات ممتعة نافعة في الفقه و أصوله، و كتابه «مصباح الفقيه» من أنفس الكتب الفقهية الاستدلالية، خرج منه كتاب الطهارة و الصلاة و الخمس و الزكاة مع حسن التقرير و سلاسة التحرير، توفي سنة (1322) هـ.

208

عليه؛ للأخبار الصريحة في الجواز، و لا وجه لرفع اليد عنها بعد ما كانت غير معارضة، و لا مجملة، كما لا وجه لحملها على حال الضرورة بعد أن كانت ظاهرة في العموم، و كذا الخدشة فيه من جهة اشتماله على أجزاء النورة أو أخذه من الكتان و الإبريسم؛ بداهة صيرورته حقيقة على حدة، و الأجزاء المادية مندكة فيه و غير ملحوظة أبدا، بل و لا يخطر على بال العرف و لا يرونه إلاّ موضوعا من الموضوعات الخارجية، و حقيقة من الموجودات الإمكانية.

209

المقدمة السادسة:

في الأذان و الإقامة

مشروعيتهما في الجملة من الضروريات، بل كاد أن يكون منكرهما منكرا لضرورة المذهب، بل ضرورة الإسلام، و هذا مما لا ريب فيه أبدا، و إنما الكلام في كيفية مشروعيتهما و اعتبارهما في الصلاة، فنقول:

إنّ الأقوال في المسألة خمسة:

أحدها: هو اعتبارهما في الجماعة دون غيرها.

ثانيها: هو اعتبار هما للرجال مطلقا دون النساء.

ثالثها: هو اعتبار هما في الغداة و المغرب لا غير.

رابعها: عدم اعتبارهما مطلقا.

خامسها: هو التفصيل بين الأذان و الإقامة.

فالقول بالاستحباب في الأول مطلقا، و بالوجوب في الثاني كذلك، و إلى هذا ذهب جمع من المحققين و منهم أستاذنا الأعظم كاشف الغطاء-مد ظله العالي-نظرا إلى ظهور جملة من الأخبار في الوجوب، بل و في بعضها: لا صلاة إلاّ بالأذان و الإقامة، غايته يرفع اليد عنه بالنسبة إلى الأذان لقيام الدليل الخارجي، فمقتضى الجمع بين الأخبار بالنسبة إليه هو حمل الأخبار الظاهرة

210

في الوجوب على الاستحباب بنصوصية بعض الأخبار الدالة على عدم اعتباره.

و أما الإقامة فحيث لم يقم دليل معتبر على ما ينافي ظواهر الأخبار فلا وجه لرفع اليد عنها بالنسبة إليها، نعم غاية ما يقال في المقام أمور:

أحدها: منع ظهور الأخبار في الوجوب؛ و ذلك لأنّ الأخبار الصادرة في الباب على طوائف بحسب التركيب و الأسلوب:

منها: ما فيه مادة الإجزاء، و أنّ الإقامة مجزية عن الأذان، و هو الأكثر و العمدة في الباب، و غاية مفاد تلك الأخبار هو إجزاء الإقامة وحدها عن التكليف الثابت في المقام، و أما التكليف الثابت هل هو وجوب أو استحباب فغير ناظرة إليه أصلا؛ لأنّ الإجزاء يستعمل في المندوبات كاستعماله في الواجبات بلا تجوّز و لا تكلف أبدا.

و منها: ما يدل على لزوم الإقامة في الصلاة على صيغ مختلفة، مثل قوله عليه السّلام: لا صلاة إلاّ بالأذان و الإقامة، أو أنه لا بد من الإقامة و أنه لا يسقط بحال، و غير ذلك من الأخبار، و هذه الأخبار كما ترى لا تدل على أزيد من اللزوم المطلق، و النفي راجع إلى الكمال، كما هو غالب موارد استعماله.

و ثانيها: أن القول بالوجوب في الإقامة و الاستحباب في الأذان خرق للإجماع المركب، هذا عمدة اتكال المانعين كما يظهر من ملاحظة كلماتهم.

ثالثها: هو ظهور بعض الأخبار في الاستحباب كما في صحيح زرارة أو خبره: سألت أبا جعفر عليه السّلام عن رجل نسي الأذان و الإقامة حتى دخل في الصلاة، قال عليه السّلام: فليمض في صلاته، و إنما الأذان سنّة، بناء على ظهور السنة في الاستحباب و إرادة الأعم من الأذان لكي يطابق السؤال.

211

و يؤيد ذلك اختلاف الأخبار في ترتب الثواب و الأجر على من أذّن و أقام، و أنه يصلي خلفه صفان من الملائكة.

رابعها: هو قيام الشهرة على القول بالاستحباب فيهما مطلقا، و هي أقوى قرينة على عدم ظهور تلك الأخبار في الوجوب، أو أنها تكشف عن القرينة الدالة على الاستحباب، و إلاّ لما صار جلّ الأصحاب إليه مع كون هذه الأخبار بمسمع منهم و مرأى.

هذا زبدة ما يقال في المقام و خلاصته، و لكنه لا يكاد يتم شي‏ء منها:

أما الأول، فلأنّ التراكيب المأخوذة فيها مادة الإجزاء و أساليبها على نحو لو ألقيت إلى العرف لا يفهمون منها إلاّ وجوب التكليف الذي أقل ما يجزيه هو الإقامة، و ما ذكر في المقام إنما هو تطبيق الدليل على ما ارتكز في الذهن من ذهاب الأكثر إلى الاستحباب لا أخذ الحكم منه، و إلاّ لو خلي الذهن عن هذا الارتكاز لما فهم منها إلاّ الوجوب.

و أما الثاني، فهو على اللزوم و الحتم أدلّ؛ لأنّ المركب الذي هو مفاد كان الناقصة ظاهرة في اللزوم و الأبدية، و بعبارة أخرى ظاهر في لزوم شي‏ء في شي‏ء بحسب العرف؛ بداهة أنّ الظاهر من قوله عليه السّلام: لا صلاة لجار المسجد إلاّ في المسجد، و لا صلاة إلاّ بإقامة، و نحو ذلك من التراكيب المشتملة على اللاء المركب، هو لزوم وقوع صلاة جار المسجد في المسجد، و لزوم الاتيان بالإقامة معها، و أنه لا بد منه، إلاّ أن يأتي دليل آخر يستوجب رفع اليد عن هذا الظهور.

212

الكلام في قسمة الدين‏

بسم اللّه الرحمن الرحيم‏

و الحمد للّه رب العالمين، و صلوات اللّه على محمد و آله الطاهرين.

الكلام في قسمة الدين، تارة يقع في قسمة المديونين ما عليهم من الديون، و أخرى في قسمة الدائنين ما لهم من الديون.

أما الأول، فكورثة الميت الذي تعلق حق الغرماء في تركته، فللورثة أن يقتسموا الديون، فيتقبل كل واحد منهم دين غريم من الغرماء، فإن رضي الغرماء أجمع بذلك صحت القسمة و برأت ذمة الميت، و انتقلت الديون إلى ذمم الورثة، فلو خاس بعض الورثة بحق صاحبه لم يكن له الرجوع على باقي الورثة و لا الغرماء و لا التركة؛ لأن الحق لكل واحد منهم و قد رضي و التزم بانتقاله و تحويله إلى ذمة الغير، فليس له إلاّ مطالبة تلك الذمة بحقه.

أما صحة القسمة فلا إشكال فيها لدخولها في عمومات القسمة، كما أن لزومها كذلك.

و أما الثاني، أعني قسمة أرباب الدين فهي أيضا تقع على وجهين؛ لأنّ الدين المشترك إما في ذمة واحدة، او في ذمم متعددة سواء كان الدين المشترك المشاع عوض مال مشاع أيضا، كما لو كانت دار مشاعة بين جماعة فباعوها من واحد أو جماعة، أو لم يكن كذلك، كما لو باع رجلان صفقة واحدة هذا داره و ذاك عقاره بمائة دينار، فتكون المائة مشاعة بينهما بالنسبة و إن لم يكن العوض مشاعا.

213

و كيف كان فالكلام يقع تارة في الديون المتعددة على ذمة واحدة، و أخرى في المتعلقة بذمم متعددة.

أما الثاني فالمشهور بينهم عدم الصحة، و خالف في ذلك ابن إدريس و جماعة من المتأخرين كالمحقق الاردبيلي قدّس سرّه‏ (1) و غيره.

و يظهر من صاحب الجواهر رحمه اللّه أن مقتضى الأصل عدم الصحة، و كأنه ناظر إلى أصالة بقاء المال على إشاعته و اشتراكه، بناء على ما هو الحق من تحقق الإشاعة و الاشتراك بما في الذمة، و لكنك خبير بانقطاع الأصل بشمول أدلة القسمة للمقام، و عدم المانع، فلو كان مائة لشخصين في ذمة زيد و مثلها لهما في ذمة عمرو، ثمّ اقتسما ذينك المائتين المشاعتين فعيّنا حق أحدهما بما في ذمة زيد، و الآخر بما في ذمة عمرو، كانت قسمة صحيحة، و تمييزا للحقين و تعيينا لأحدهما من الآخر.

و الظاهر أنه لا كلام لهم في أنّ مقتضى الأصل و القاعدة صحة القسمة في هذا الفرض-أعني صورة الذمم المتعددة-و إنما المانع عندهم في صحتها إطلاق الأخبار المانعة بزعمهم، و سيأتي الكلام عليها.

نعم قد يشكل الحال في صورة تعدد الديون على الذمة الواحدة، و ذلك كالمثال المتقدم فيما لو باع زيد داره و عمرو عقاره صفقة واحدة من خالد بمائة مثلا، فالمائة في الفرض و إن كانت مشاعة بينهما في الذمة، و مقتضى إشاعتها أنّ

____________

(1) -مولانا العالم الرباني أحمد بن محمد الاذربيجاني الأردبيلي، من آيات اللّه الباهرة، و من أكبر فقهاء الإمامية و رؤساء الأمة، قال العلامة المجلسي رحمه اللّه: «لم أسمع بمثله في المتقدمين و المتأخرين» ، توفي سنة (993) هـ و دفن في جوار القبة العلوية البيضاء في النجف الأشرف، قدس اللّه روحه.

214

كل مقدار يستوفيه أحدهما منها، فهو لهما، و كل ما هلك و توى فهو عليهما، فهما بمنزلة الدائن الواحد، و قبض أحدهما النصف نصف قبض، لا قبض النصف، و لكن ذلك لا يمنع قبوله للقسمة و صحتها لو اتفقا عليها بأن يعيّنا حق كل واحد منهما فيما يقبضه، فإن قبضا معا فكل واحد قبض حقه، و إن قبض أحدهما تعيّن الباقي للآخر، فدعوى عدم إمكان القسمة لعدم إمكان التعيين مما لا وجه لها، و هذا القدر كاف في صحة القسمة بلا ريب، فإنه تعيين للحق، رافع لتلك الإشاعة و الاشتراك حقيقة، فإذا عينه المالك-أعني كل واحد من الشريكين-تعيّن، فإن المال الكلي الثابت في الذمة لهما، و لهما التصرف فيه كيف شاءا، سواء رضي من عليه الحق أم لا، و إن كان له اختيار تعيين الكلي في أي مصداق أراد.

و بالجملة: فلا مجال للتأمل في صحة القسمة و إمكانها، و شمول عموماتها لهذا النوع، بل و لزومها بعد تحققها فيكون لكل منهما ما يقبضه، و لا يشاركه الآخر فيه، و لو قبض أحدهما و تعذر قبض الآخر بحيث عدّ كالتالف كان من نصيبه فقط، بل يمكن القول بصحة قبض أحدهما نصيبه من ذلك المشاع حتى مع عدم القسمة، فلو عمد أحد الشريكين و قبض نصف المال ممن عليه الحق و لكن بقصد أنه قبض حقه و تمام حصته لا بقصد الحصة المشتركة من المال المشترك صح، و كان المقبوض له بتمامه و لو مع عدم إذن شريكه، بل و لو مع عدم رضاه، كما يظهر من ابن إدريس‏ (1) من أنّ لأحد الشريكين أن يقبض حقه، كما له أن يهبه أو يبرئ الغريم منه، أو يصالح عليه، فلو شاركه في المقبوض لكان في هذه الصور كلها يشارك من لم يهب و لم يبرئ فيما يستوفيه... الخ؛ لأن هذه

____________

(1) -محمد بن أحمد بن إدريس الحلي، صاحب كتاب السرائر، من أعاظم فقهائنا، و هو في الرعيل الأول بين المحققين، توفي سنة (598) هـ.

215

التصرفات كلها لا تنافي الإشاعة؛ ضرورة جواز الصلح على المشاع و هبته و نحو ذلك، بل لأن الدين المشترك و لو على ذمة واحدة في نظر العرف و بناء العقلاء كدينين مستقلين في ذمة واحدة، أو ذمم متعددة، فهو كما لو كان لزيد مال في ذمة بكر و لعمرو مال مستقل في ذمته فلكل منها أن يستوفيه مستقلا غير منوط أحدهما بالآخر، هذا ما يقتضيه الأصل و القاعدة في جميع تلك الصور.

و أما الأخبار التي قد يتوهم منها دلالتها على مقالة المشهور من عدم الصحة، فليس في شي‏ء منها ما يدل على المنع في محل الفرض-أعني قسمة الدين-إذ ليس في شي‏ء منها التصريح بلفظ الدين عدا موثق ابن سنان، و هو لا يصلح وحده لإثبات مثل هذا الحكم المخالف للأصل و للقاعدة كما عرفت.

و أما بقية الأخبار فالظاهر منها إرادة قسمة المال الحاضر و الغائب من الأعيان المشتركة، و من المعلوم عدم صحة قسمة الأعيان الغائبة مع جهالتها.

و يحتمل أن يراد به قسمة الدين و لكن لا على نحو القسمة الشرعية، بل على نحو التفويض و التخويل من غير جبر و لا تعديل، أو تحمل على أنه قد جعل التاوي لأحدهما بعد العلم بتوائه عادة.

و يحتمل بعيدا أن يراد وجوب أن يردّ أحدهما على الآخر شيئا مما استوفاه تعبدا و جبرا لا استحقاقا، و لكن ينافيه قوله ما يذهب بماله.

و كيف كان فالوجوه المحتملة فيها كثيرة تصادم ظهورها في إرادة قسمة الدين إن لم نقل بظهورها في غيره، و ليس الصريح سوى خبر واحد يقصر عن إثبات حكم مثل هذا مصادم للقواعد المتقنة و الأصول المحكمة.

و أما الشهرة فمعلومة الحال، و يكفي فيها أنهم تخيلوا دلالة الأخبار على‏

216

المنع، أو تخيل شيخ من الأكبار ذلك ثمّ اتباع الباقين له كالشيخ الطوسي قدّس سرّه‏ (1) حتى صار مشهورا، فالحكم بالصحة في جميع الصور هو المطابق للقاعدة، مضافا إلى أنّ في بعض الأخبار ما يدل على الصحة أيضا، كخبر علي بن جعفر عليه السّلام عن أخيه موسى عليه السّلام المروي عن قرب الإسناد: سألته عن رجلين اشتركا في سلم، أ يصلح لهما أن يقتسما قبل أن يقبضا؟قال: لا بأس‏ (2) .

و حمله المشهور على إرادة بيان الجواز، و أنت خبير بأنّ لازم قولهم -بعدم إمكان التعيين، فلا يمكن القسمة-عدم الجواز أصلا، و طرح الخبر، فلا محيص عن الالتزام بالإمكان و الجواز و الصحة، بل و اللزوم، هذا.

و قد أفرط بعضهم فقال: بعدم جواز الصلح عليه، بأن يصالح من عليه الحق على حصته و يقبض حقه منه، بدعوى إطلاق النصوص في المنع تارة، و بكون القسمة نوعا من الصلح أو قريبة منه فمع ظهور النصوص في عدم قسمة الدين قد يستفاد منه عدمها و لو بالصلح أيضا، و لكن الجميع كما ترى.

هذا جميعا خلاصة ما أفاده شيخنا الأعظم آية اللّه-أدام اللّه ظله-في الدرس، نسأله تعالى دوام أيام إفاداته.

____________

(1) -أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي النجفي، من دعائم الدين و أركانه، شيخ الطائفة و إمامها و رئيسها الأعظم، صاحب المؤلفات المشهورة الجليلة في جميع العلوم الإسلامية، ولد سنة (385) هـ، و توفي سنة (460) هـ.

(2) -قرب الإسناد لأبي العباس عبد اللّه بن جعفر الحميري: ص 151 ط. النجف.

217

بعض ما في العبادات من الحكم و الأسرار

و ما تشتمل عليه من جلب المنافع و دفع المضار بقلمه الشريف‏

ذكرنا في آخر المجلد الأول من تعاليقنا على «السفينة» جملة من أسرار الطهارة أعني الطهارة المائية، و لم نتعرض لبدلها، و هو الطهارة الترابية؛ لأن الذي يظهر من الأخبار أنّ الغرض منها محض التعبد و إطاعة الأمر، و لكن يمكن أن يكون فيها مضافا إلى ذلك فائدة للمحدث في إزالة الحدث و لو بالنسبة إلى تخفيفه و إزالة مرتبة منه.

و قد حققنا في بعض مؤلفاتنا أنّ الحدث الحاصل من الأسباب المعروفة أقرب تمثل له هو الظلمة الحاصلة في البيت، فهو ظلام و انقباض و كدر يحصل في البدن، و الطهارة كنور يطرد ذلك الظلام، و يزيل ذلك الكدر، و يبدله بالصفاء، و لعل إلى هذا يشير ما في بعض الأخبار من أنّ تجديد الوضوء نور على نور، و كما أنّ النور له مراتب، و يقبل الشدة و الضعف، فكذا الظلمة و ما يشبهها من الحدث.

و هذا واضح جلي، فإنّ حدث الحيض و الجنابة أشد من حدث المس

218

و الاستحاضة فضلا عن الأحداث الصغرى كالنوم و البول، و كما أنّ الأحداث تختلف في مراتبها ضعفا و شدة فكذا روافعها-أعني النور الحاصل-أيضا يختلف قوة و ضعفا، فالغسل هو الرافع الأعظم و الأعلى، و الوضوء هو الأصغر و الأدنى، و يجوز أن يكون مس التراب و الأرض و هي «أمنا الحنون» كما في بعض الأخبار، و هي التي نشأنا منها و إليها نعود كما ألمعنا إلى لمحة من هذا في رسالتنا «الأرض و التربة الحسينية» ، و التي تختلف أيضا في الشرف و القداسة كأرض الكعبة و التربة الحسينية، و أرض المساجد المعظمة، و مراقد الأئمة و العلماء التي يحرم تنجيسها، و هتك حرماتها، حرمة مؤكدة، و لا سيما تربة الحسين عليه السّلام، و هي تربة الشفاء و تربة السجود، و تربة الدفن كي تنجي من عذاب البرزخ، و قد أشرنا إلى نبذة من خواصها و أسرار عظمتها في تلك الرسالة، و إنما الغرض هنا أنه ليس من الغريب جدا أن يكون لمس الأرض أو التراب و مسح الجبين و اليدين خصوصية في الحدث لا لرفع كله، بل لرفع مرتبة منه، و لذا اخترنا في أبحاثنا الفقهية أنّ التيمم رافع لا مبيح، كما لعله المشهور، غايته أنه رافع لمقدار منه، و ليس وجود الماء أو التمكن من استعماله ناقض للتيمم كما قد يتوهم، بل التمكن من استعماله مستوجب للطهارة المائية لإزالة ما بقي من الحدث، يعني إزالة الحدث بجميع مراتبه، و رفع الظلمة بكل طبقاتها.

و بهذا تنحل عقدة الإشكال الذي يصدم القول بالرافعية، و من تدبر فيما تخرجه الأرض و التراب من الفواكه و الحبوب و الخضروات يندهش عقله لما يحتوي هذا التراب من العناصر و الأواصر و المواد، و ما فيها من الأجزاء ذات القوة و الاستعداد و العتاد لمنافع العباد، فسبحان المبدع الحكيم، و لأحكامه و حكمته الانقياد و التسليم.

219

و حيث إنّ ما كتبناه من أسرار الطهارة و الصلاة في ذلك الجزء و إن كان من النزر اليسير و لكنه على قلّته كثير و خطير، و من أراد معرفة عظمة التشريع الإسلامي في كافة أحكامه فلينظر فيه فإنه يجد فيه ما يكفيه إن شاء اللّه.

و لكن تكملة لتلك المباحث نعيد النظر في قوله تعالى: إِنَّ اَلصَّلاََةَ تَنْهى‏ََ عَنِ اَلْفَحْشََاءِ وَ اَلْمُنْكَرِ وَ لَذِكْرُ اَللََّهِ أَكْبَرُ (1) ، فإنا ذكرناها طردا و لم نقف عندها و لو قليلا، و تداركا لذلك نقول: إنّ علماء التفسير و أهل الذكر، و إن ذكروا في تفسيرها وجوها، و حملوها على معان شتى، و لكن الذي اطمأن إليه و أعتمد عليه أنّ المراد-و اللّه أعلم-أنّ الصلاة التي هي ذكر و دعاء و توجيه إلى المبدأ الأعلى و استحضار عظمته و كبريائه في كل تكبير استحضارا يستوجب أقصى مراتب الخضوع و الخشوع في السجود و الركوع، و بالضرورة أنّ مثل هذه الصلاة تنهى العبد عن ارتكاب أي معصية، كبيرة أو صغيرة، بل كل الذنوب كبائر بالنظر إلى مخالفة ذلك الكبير، و لا شك أنها تصدّه و تمنعه عن ارتكاب الفحشاء و المنكر، و ذكر اللّه و تصور عظمته و عظيم نعمه على العبد أكبر من أن يجتمع مع الفحشاء و المنكر، فالصلاة أكبر من أن تجتمع مع المعصية، و العبد إذا ذكر اللّه فصلى، و لكن ذكر اللّه له بالرحمة و التوفيق في اجتناب المنكر أكبر من ذكره للّه، فذكره للّه يمنعه عن المنكر، و هذا كبير، و لكن ذكر اللّه له أكبر.

و قد جمعت الآية على وجازتها كلتا الجهتين و أعلى الناحيتين، و ذكر اللّه أكبر، فأنعم النظر فيه و تدبر، و لذا فإني لا أزال أدعو الشبان بل و غيرهم ممن يتقاذفهم تيار من الشهوات في الغمرات و يرمي بهم على غرة من غمرة إلى غمرة، أنصحهم أنهم مهما انجرفوا في شهواتهم و معاصيهم، و لكن عليهم أن

____________

(1) -سورة العنكبوت، الآية 45.

220

يلتزموا بإقامة الصلاة و لو بأقل مراتبها، فإنهم إذا التزموا بها لا شك أنها تجرهم إلى خير، و تختم لهم بالحسنى، و إذا ضيّعوها ضاعوا و ضاع عنهم كل خير، فإنها الحبل الذي يوصل العبد بربه، و بتركها ينقطع الحبل المتين، و هنالك الخسران المبين في الدنيا و الآخرة، و لا حول و لا قوة.

221

الزكاة و الاشتراكية الصحيحة

و التعاون في الإسلام‏ لما قضت العناية الأزلية، و الحكمة البليغة لبقاء هذا النوع-البشر-أن يكونوا مختلفين غير متساوين في القوى و الملكات و الأفهام و الذكاء كاختلافهم في الأخلاق و الصفات، و الخلق و الهيئات، و كاختلافهم في الغنى و الفقر، و السعادة و الشقاء، و لو كانوا جميعا في رتبة واحدة من الذكاء و الفقر و الغنى و السعادة و العناء لهلكوا جميعا.

و إلى هذا أشار الإمام الجواد عليه السّلام في كلمة موجزة، من أبلغ الكلمات القصار، حيث يقول: «لو تساويتم لهلكتم» ، و هذا جلي واضح لا حاجة إلى إيضاحه.

و لكن لازم هذا الاختلاف الواسع و التباين الشاسع لحفظ بقاء النوع هو التعاون مع رعاية التوازن، و التعاون ضرورة من ضرورات الحياة، و هو في الجملة غريزة و طبيعة قضت به حاجة بعضهم إلى بعض، و تبادل المنفعة و تكافؤ المصالح، و به يتم النظام، و تحفظ الهيئة الاجتماعية، و هذا التعاون الذي تدفع إليه الحاجة و تدعو له الضرورة هو في غنى عن الحث و البعث إليه، و إنما الذي يحتاج إلى التشريع و البعث إليه هو التعاون بلا عوض، و عمل الخير و الإحسان، و صنع المعروف لوجه اللّه، و في سبيل اللّه، لجميع عباد اللّه، للفقير و الغني، و العاجز و القوي، للمؤمن و الكافر، و هذه الفضيلة هي فضيلة الجود

222

و السخاء التي يقابلها رذيلة الشح و البخل، فالكرم عطاء بلا عوض، و بذل من دون نظر إلى الاستحقاق و عدمه، و البخل المنع حتى مع الاستحقاق، و الأولى هي بمرتبتها العليا هي صفة الحق جل شأنه، و الأمثل فالأمثل من الأنبياء و المرسلين، و الأوصياء و الصديقين، و لعلها في بعض البشر من الغرائز و المواهب لا تحصل بالطلب و الكسب كصفاء اللؤلؤة و إشراق الشمس و فيض الينابيع، و مثلها رذيلة البخل، قد تكون طبيعة في بعض البشر و غريزة.

و هناك أوساط و نفوس ساذجة ليس في جبلتها هذا و لا ذاك، فيؤثر فيها المحيط و التربية، و الأقران، فضيلة أو رذيلة، و ما من شريعة من الشرائع، و لا دين من الأديان، و لا كتاب من الكتب قد حث و بعث و بالغ في الدعوة إلى الإحسان و المعروف و بذل المال في سبيل الخير مجانا و لوجه اللّه تعالى كشريعة الإسلام و كتابها المجيد، و قلّما تجد سورة من سور القرآن لم يتكرر فيها طلب الإنفاق و الوعد بالأجر العظيم له.

خذ أول سورة بعد الفاتحة و هي أوسع سورة بعد الفاتحة، و هي أوسع سورة تضمنت التشريع الإسلامي و عامة فرائضه من الصلاة و الصوم و الزكاة و الحج و النكاح و الرضاع و الطلاق و المعاملات و الديون و الرهن و القصاص و الديات و غير ذلك، افتتح الباري جل شأنه هذه السورة بالإنفاق، و قرنه بالإيمان باللّه، و بأهم دعائم الإسلام و هي الصلاة فقال: اَلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَ يُقِيمُونَ اَلصَّلاََةَ وَ مِمََّا رَزَقْنََاهُمْ يُنْفِقُونَ (1) ، ثمّ قال جل شأنه فيها بعد جملة آيات: وَ لََكِنَّ اَلْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللََّهِ وَ اَلْيَوْمِ اَلْآخِرِ ... وَ آتَى اَلْمََالَ عَلى‏ََ حُبِّهِ ذَوِي

____________

(1) -سورة البقرة، الآية 3.

223

اَلْقُرْبى‏ََ وَ اَلْيَتََامى‏ََ وَ اَلْمَسََاكِينَ (1) .

ثمّ قال بعد فصول طويلة، و بيان أحكام كثيرة: يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمََّا رَزَقْنََاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لاََ بَيْعٌ فِيهِ وَ لاََ خُلَّةٌ وَ لاََ شَفََاعَةٌ (2) ، و لم يكتف بهذا كله في هذه السورة المباركة حتى أفاض في فضل الإنفاق و أجره العظيم، و أنه يعود بأضعافه المضاعفة و جاء بأبلغ الأمثال، و أبدع المقال، فندب إلى البذل و الإحسان، و حرمة الربا الذي فيه قطع سبيل المعروف، و أكل المال بالباطل، و جعل من يصرّ على استعماله محاربا للّه العظيم، و اللّه محارب له، كل ذلك في ضمن أكثر من ثلاثة عشر آية مطولة، بدأها عزّ شأنه بقوله: مَثَلُ اَلَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوََالَهُمْ فِي سَبِيلِ اَللََّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنََابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَ اَللََّهُ يُضََاعِفُ لِمَنْ يَشََاءُ وَ اَللََّهُ وََاسِعٌ عَلِيمٌ (3) إلى قوله تعالى: اَلَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوََالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَ اَلنَّهََارِ سِرًّا وَ عَلاََنِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَ لاََ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لاََ هُمْ يَحْزَنُونَ (4) .

ثمّ بعدها أربعة عشر في فضل الإنفاق ألحقها بتحريم الربا، و فظاعة شأنه، و تهويل جريمته، و بيان جملة من أحكامه فقال: اَلَّذِينَ يَأْكُلُونَ اَلرِّبََا لاََ يَقُومُونَ إِلاََّ كَمََا يَقُومُ اَلَّذِي يَتَخَبَّطُهُ اَلشَّيْطََانُ مِنَ اَلْمَسِّ (5) ، و هذا تصوير بديع لحال

____________

(1) -سورة البقرة، الآية 177.

(2) -سورة البقرة، الآية 254.

(3) -سورة البقرة، آية 261.

(4) -سورة البقرة، الآية 274.

(5) -سورة البقرة، الآية 275، قوله تعالى: كَمََا يَقُومُ اَلَّذِي يَتَخَبَّطُهُ اَلشَّيْطََانُ أي المصروع، و تخبط الشيطان من زعمات العرب، يزعمون أنّ الشيطان يخبط الإنسان فيصرع، و الخبط

224

المرابين، و عظيم جشعهم، و حرصهم على جمع المال و ادخاره و توفيره، فهو كالذي فيه مس من الجنون يذهب و يجي‏ء و يقوم و يقعد و يأخذ و يعطي، فهو في حركة دائبة، و عمل متواصل لا يقرّ له قرار، و لا يستريح من التفكير و التوفير و الادخار في ليل و لا نهار، و إذا اعترضه معترض قال مبررا عمله: إنما البيع مثل الربا، و البيع حلال، فالربا مثله، و هو قياس فاسد، و يعرف فساده من القاعدة الشرعية المباركة «الغنم بالغرم» (1) ، فكل معاملة فيها غنم بلا غرم فهي أكل مال

____________

قالضرب على غير استواء كخبط العشواء، فورد على ما كانوا يعتقدون، و اَلْمَسِّ الجنون، و هذا أيضا من زعماتهم و أن الجنّي يمسه فيختلط عقله، و لهم في الجن قصص و أخبار و عجائب، و إنكار ذلك عندهم كإنكار المشاهدات، هذا مختصر ما قاله الزمخشري في الكشاف.

القاضي الطباطبائي‏

(1) -و قد شرح سماحة شيخنا الإمام-متعنا اللّه تعالى بطول بقائه-هذه القاعدة الشريفة في كتابه القيم «تحرير الجملة» : ج 1/ص 55-56، في مادة 85-87، و أدى حقها في التحقيق و التنقيب، و من أراد أن يطلع عليها و يفهم المراد منها فعليه أن يراجع ذلك السفر الجليل الذي جادت به براعته منذ سنين، و هو من جلائل الكتب الممتعة، و من نفائس الآثار المترشحة من قلم سماحته، و فيه تستبين الموازين العلمية بين فقه سائر المذاهب الإسلامية و فقه المذهب الجعفري، و ما فيه من غزارة المادة، وسعة الينبوع، و كثرة الفروع، و قوة المدارك، و تشعب المسالك، و رصانة المباني، و سمو المعاني، و مطابقة العقل و العرف، و غير ذلك من المزايا العالية و الخصائص الكامنة فيه.

و كيف لا يكون هذا الفقه جامعا لهذه الأوصاف مع أنه مأخوذ من أهل البيت النبوي، و من الأئمة الطاهرين عليهم السّلام، خزان علم اللّه، و حفظة وحيه، و تراجمة كلامه، و علومهم مقتبسة من مشكاة النبوة، و هم أعرف بفقه شريعة جدهم من غيرهم، كأبي حنيفة الفارسي (*) و أمثاله.

فدع عنك الجنايات الصادرة من أقلام ابن خلدون البربري المغربي و نظرائه، الذي عاش في أقصى المغرب و لم يطلع على مزايا الفقه الجعفري حتى تفوه في حقه بزخرف القول‏

225

بالباطل، و البيع غنم بغرم، و مبادلة مال بمال، بخلاف الربا فإنه للآخذ غنم بلا غرم، و للدافع غرم بلا غنم، فإذا أعطى العشرة باثنتي عشر من جنس واحد، فقد أخذ اثنين بلا عوض، فهو أكل مال بالباطل، و لذا اختص الربا بالمتجانسين، أي أن يكون العوضان من جنس واحد، و يكون من المكيل و الموزون؛ إذ المعاملة بالمعدود، و المشاهدة نادرة، و النادر ملحق بالعدم، و مدار المعاملات في العالم على الكيل و الوزن، مضافا إلى جهات أخرى.

و ما أبدع و أروع تعقيب آيات الحث على الإنفاق إحسانا و كرما بآيات تحريم الربا، فإنّ ذلك فضل و إحسان، و هذا جور و عدوان.

و هذه الفصول في آخر هذه السورة التي هي أطول أو أفضل سور القرآن من حيث بيان النواميس الإسلامية، محبوكة كالسرد الوضين، فإنه عزّ شأنه ذكر فضل الإنفاق في سبيل اللّه و العطاء المجاني، و ربط به حرمة الربا، و هو الأخذ العدواني، ثمّ أردفه بالدين و الرهن و أحكامهما، و الأمر بإنظار المعسر

____________

قو الكلام المقذع كما هو موجود في مقدمته المشهورة، و كم له من أمثال هذه الجنايات الفظيعة التي اقتفى فيها المقلدة من كتبة العصر فتحاملوا على الشيعة بأقلامهم المستأجرة، و ألصقوا بهم كل شنعاء. و إلى اللّه المشتكى.

(*) لا شك أن أبا حنيفة كان من الفرس. أنظر: كتاب تبييض الصحيفة في مناقب أبي حنيفة، من تصانيف جلال الدين السيوطي الشهير: ص 3 ط 2. حيدرآباد الدكن، و في ذلك الكتاب من القضايا العجيبة التي أدوها من المناقب في حق أبي حنيفة مما تأباها العقول السليمة، ففي صفحة 19 أنه حفظ على أبي حنيفة أنه ختم القرآن في الموضع الذي توفي فيه سبعين ألف مرة، و لم تقطر منذ ثلاثين سنة، و في صفحة 35 أنه صلى خمسا و أربعين سنة على وضوء واحد، و أمثال هذه الترهات كثير، و لا يزيدك إلاّ تعجبا، فراجع.

القاضي الطباطبائي‏

226

وَ إِنْ كََانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلى‏ََ مَيْسَرَةٍ (1) .

أنظر و اعجب لهذه الرحمة الواسعة، و هذا التشريع الرفيع، و هل يبقى لك شك في أنّ هذا القرآن من الوحي المعجز و الذكر المبين، نزل به الروح الأمين من رب العالمين؟و هل تجد شيئا من هذه الأساليب في شي‏ء من التوراة و الإنجيل و الزبور و غيرها، و هي أكبر حجما، و أكثر ألفاظا و رقما؟

أ رأيت كيف تنازل العظيم من أوج عظمته إلى مخلوقه العاجز الضعيف فصار يستقرضه و يقول: مَنْ ذَا اَلَّذِي يُقْرِضُ اَللََّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضََاعِفَهُ لَهُ وَ لَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ (2) ؟

ثمّ لم يكتف بهذا كله في الدعوة إلى التعاون و تعاطف البشر بعضهم على بعض بالإحسان و المعروف، نعم لم يكتف بما ندب إليه من المعروف على سبيل الندب و الاستحباب و إن كان واجبا أخلاقيا، نعم لم يكتف بذلك العموم و الإطلاق في الترغيب إلى الإنفاق و الإحسان لكل ذي روح حتى البهائم و الهوام، بل و حتى الكلب العقور، فإذا رأيت كلبا يلهث من العطش استحب لك في الشريعة الإسلامية أن تسقيه الماء «فإنّ لكل كبد حرى أجر» كما في الحديث.

أما الرفق بالحيوان و الحمولة و الدواب فقد عنيت الآداب الإسلامية برعايتها و الرحمة لها عناية بالغة، و في الحديث ما مضمونه: إذا وصلت المنزل فابدأ بسقي دابتك و علفها و راحتها قبل نفسك، و لا تتخذوا ظهور دوابكم منابر، و لا تحملوا عليها فوق طاقتها، و لا تجهدوها، و لا تضربوا وجوهها، إلى كثير من

____________

(1) -سورة البقرة، الآية 280.

(2) -سورة الحديد، الآية 11.

227

أمثال ذلك مما لا مجال لإحصائه في هذا البيان.

أما الفقراء و الضعفاء و العجزة فلم يكتف لهم الشارع المقدس و رحمته الواسعة بهذه العمومات و المطلقات، بل جعل لهم مزيد عناية تخصّهم، و فرض لهم في أموال الأغنياء نصيبا مفروضا، و صيرهم شركاء لهم فيما بأيديهم، و لكن من دون إجحاف و اعتساف بأموالهم، بل قال الشارع الأقدس في كتابه المقدس: يَسْئَلُونَكَ مََا ذََا يُنْفِقُونَ قُلِ اَلْعَفْوَ (1) يعني الزائد من المال على حاجته حسب شأنه في سنة أو سنوات، و قال المبلغ عنه من فضول أموال أغنيائكم ترد على فقرائكم، و في الحديث، ما مؤداه: لما علم اللّه أن نسبة الفقراء من الأغنياء العشر فرض لهم العشر من أموالهم، و ما جاع فقير إلاّ بما منعه الغني من حقه.

نعم، فرض للفقراء الحق على الأغنياء، و لكن جعل السلطنة للأغنياء و أعطاهم الحرية الواسعة و الاختيار العام فيما يدفعون من نقود أو عروض و لأيّ فقير يدفعون، و بأي وقت يشاءون، و الفقير و إن صار شريكا و لكن لا سلطة له على الأخذ، و إنما سلطة الدفع و التعيين لرب المال، و عدلت الشريعة الإسلامية هذه القضية حذرا من تفشّي داء الكسل، و الاتكال في النفوس، و ترك الناس السعي و العمل و تغلب البطالة و الكسالة على المجتمع، فخص ذلك الحق بالفقير الذي لا يستطيع العمل لعذر من الأعذار، أو كان عمله لا يفي بمئونة عياله، ثمّ حث الناس على الكسب و السعي في توفير المال، و أوجبه لتحصيل الرزق له و للعيال، كما أوجب للعمال دفع حقوقهم موفرة من أرباب الأموال و عدم بخس ما يستحقونه من الأجر، و أن يدفع للعامل أجرته فورا قبل أن يجف عرقه.

____________

(1) -سورة البقرة، الآية 219.

228

و هذه هي الاشتراكية الصحيحة العادلة السمحاء التي وقعت وسطا بين إفراط الاشتراكية الحمراء، و تفريط الرأسمالية القاسية السوداء، فلم تسلب الغني حرّيته فيما بيده و ما استحصله بجهده كما تسلبه الشيوعية الظالمة التي تسلب بعسفها و ظلمها أفضل نعم اللّه على العبد و هو الحرية، و لا سلبت العامل ما يستحقه بعمله من الأجرة، و لم تبخس حقه كالرأسمالية وَ كَذََلِكَ جَعَلْنََاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً (1) .

أنظر سعة نظر التشريع الإسلامي و عنايته بسد الحاجة و تدارك مواضع الضعف في الأمة فيما فرض من الزكاة و تعيين مصرفها و مستحقيها، فجعل الفقراء و المساكين في الدرجة الأولى، ثمّ للعاملين في جبايتها، ثمّ للمدينين الذين لا يستطيعون وفاء دينهم، ثمّ الأسراء و العبيد و عتقهم، ثمّ أبناء السبيل المنقطعين في الغربة، و المؤلفة قلوبهم، و في سبيل اللّه أي المصالح العامة، كبناء القناطر و المدارس و المعاهد و المعابد و تعبيد الطرق و أمثال ذلك، فرض اللّه للفقراء العاجزين عن تحصيل ما يمونهم و عيالهم لنقص في أبدانهم من مرض و نحوه أو عدم مواتاة الحظ لهم، إن صحّ أن شيئا يسمى الحظ له شي‏ء من التأثير في المقادير.

نعم، فرض اللّه الزكاة و قرنها بالصلاة اهتماما بها في زهاء عشرين آية متفرقة أَقِيمُوا اَلصَّلاََةَ وَ آتُوا اَلزَّكََاةَ ، أربع منها في سورة البقرة (2) ، ثمّ تكررت في عامة سور الطوال، و المفصل و القصار، و آخرها في سورة «البيّنة» آخر القرآن

____________

(1) -سورة البقرة، الآية 143.

(2) -سورة البقرة، الآية 43 و 83 و 110؛ أيضا سورة البقرة، الآية 177 أَقََامَ اَلصَّلاََةَ وَ آتَى اَلزَّكََاةَ ؛ أيضا سورة البقرة، الآية 277 أَقََامُوا اَلصَّلاََةَ وَ آتَوُا اَلزَّكََاةَ .

غ

229

وَ مََا أُمِرُوا إِلاََّ لِيَعْبُدُوا اَللََّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ اَلدِّينَ حُنَفََاءَ وَ يُقِيمُوا اَلصَّلاََةَ وَ يُؤْتُوا اَلزَّكََاةَ وَ ذََلِكَ دِينُ اَلْقَيِّمَةِ (1) ، و في الجميع قدمت الصلاة على الزكاة إلاّ في آية واحدة قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكََّى*`وَ ذَكَرَ اِسْمَ رَبِّهِ فَصَلََّى (2) ؛ لنكتة معلومة، و لكن في الحديث ما يشير إلى أنه تعالى ربط الزكاة بالصلاة؛ للدلالة على أنّ من لا زكاة له لا صلاة له، يعني أن من وجبت عليه زكاة في أمواله و لم يدفعها لمستحقيها لم تقبل صلاته، و إن أتى بها على أصح وجوهها.

و من سعة رحمته و عنايته بخلقه جعلها في أهم الأشياء و أعمها، و ألزمها في حياة البشر و مقومات العيش، و هي الأجناس التسعة: النقدان، و الغلات الأربع، و الأنعام الثلاثة، و هو عزّ شأنه و إن فرض فيها النزر اليسير، و هو العشر و نصفه أو ربعه، و لكن الحاصل من مجموعه الشي‏ء الكثير.

و ليست فوائد هذا التشريع و هذه الاشتراكية العادلة الحرة مقصورة على الناحية المادية فقط، بل فيها من الفوائد الاجتماعية و التأليف بين الطبقات، و تعاطف الناس بعضهم على بعض، و قطع دابر الفساد و الشغب فيما بينهم ما هو أوسع و أنفع، و أجل و أجمع، فإنّ فيه غرس بذور المحبة بين الغني و الفقير، فالغني يدفع و ينفع الفقير باليسير من ماله عن طيب خاطره؛ أداء لواجبه؛ و رغبة بطلبه المثوبة من ربه، و الفقير يأخذ من غير مهانة و لا ذلة؛ لأنه أخذ الحق الواجب له من مالكه و خالقه.

ثمّ أردف الزكاة بالخمس؛ توفيرا لحق الفقراء، و تكريما للعترة الطاهرة عن تلك الفضول التي هي صدقات، و نوع من الاستجداء، ثمّ رعاية شبه الجزاء

____________

(1) -سورة البيّنة، الآية 5.

(2) -سورة الأعلى، الآية 14-15.

230

و الأجر لجدهم الأعظم فيما تحمل من عناء التبليغ و أعباء أداء الرسالة.

و بعد ذلك الحث على الإنفاق عموما، و تشريع الزكاة و الخمس خصوصا، هل قنعت و استكفت سعة تلك الرحمة و بليغ هاتيك الحكمة؟

هل اكتفت للفقراء و العناية بهم بكل ذلك؟كلا، بل فتحت في التشريع الإسلامي باب «الكفارات» ، و هو باب واسع يدخل في أكثر العبادات و غير العبادات من المحرمات و غير المحرمات، فقد مشت و فشت فريضة هذه الضريبة حتى في الصلاة، و تكثرت في الصوم و الاعتكاف و الحج و الإيلاء و الظهار و النذر و اليمين و قتل الخطأ، بل و العمد و غير ذلك مما يجد المتتبع في أكثر أبواب الفقه، و هو إطعام للفقراء تارة، و كسوة أخرى، و عتق ثالثة.

جمعت الشريعة الإسلامية بسعة رحمتها و عظيم حكمتها بين رعاية الفضل و العدل، و أقامت قواعد الاقتصاد و الاعتدال في بذل الأموال و لمّا ندبت و بالغت في الحث على الإنفاق في سبيل اللّه، و تدرجت فيه إلى أبعد غاية الإنفاق من فاضل المال و حواشيه أولا، لا من صلبه، ثمّ المواساة و المشاطرة من صميمه ثانيا وَ اَلَّذِينَ فِي أَمْوََالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ `لِلسََّائِلِ وَ اَلْمَحْرُومِ (1) ، ثمّ الإيثار على النفس ثالثا وَ يُؤْثِرُونَ عَلى‏ََ أَنْفُسِهِمْ وَ لَوْ كََانَ بِهِمْ خَصََاصَةٌ (2) .

و هذا أقصى ما يتصور من السخاء و الكرم و الردع عن رذيلة البخل و الشح، و حذرا من أن تطغى هذه العاطفة فتجحف بالمال و تضر بالأهل و العيال، و يضطرب بها حبل المعيشة و العائلة. تداركت الشريعة ذلك و عدلت هذا العمل

____________

(1) -سورة المعارج، الآية 24-25؛ و في سورة الذاريات، الآية 19 قوله تعالى: وَ فِي أَمْوََالِهِمْ حَقٌّ لِلسََّائِلِ وَ اَلْمَحْرُومِ .

(2) -سورة الحشر، الآية 9.

231

على المال، و قالت: لا صدقة و ذو رحم محتاج، بل سبق ذلك كتاب اللّه المجيد، فإنه جلّت عظمته لما بالغ في دعوة الناس عموما، و المسلمين خصوصا إلى البذل و الإحسان و إنفاق المال على الفقراء و المساكين فيما يزيد على سبعين آية بأساليب مختلفة، و تراكيب عجيبة توجه الكتاب الكريم إلى تعديل ذلك، فأمر بالاقتصاد و التدبير و الاعتدال و مجانبة التبذير، فقال جل و علا: وَ آتِ ذَا اَلْقُرْبى‏ََ حَقَّهُ وَ اَلْمِسْكِينَ وَ اِبْنَ اَلسَّبِيلِ وَ لاََ تُبَذِّرْ تَبْذِيراً*`إِنَّ اَلْمُبَذِّرِينَ كََانُوا إِخْوََانَ اَلشَّيََاطِينِ وَ كََانَ اَلشَّيْطََانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً (1) ، بل زاد فقال: كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذََا أَثْمَرَ وَ آتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصََادِهِ وَ لاََ تُسْرِفُوا (2) ، أي لا تسرفوا في العطاء، بل أوضح ذلك في سورة الإسراء و سورة الفرقان، فقال في الأولى: وَ لاََ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى‏ََ عُنُقِكَ وَ لاََ تَبْسُطْهََا كُلَّ اَلْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً (3) ، و في الثانية: اَلَّذِينَ إِذََا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَ لَمْ يَقْتُرُوا وَ كََانَ بَيْنَ ذََلِكَ قَوََاماً (4) ، إلى كثير من أمثالها.

و من هنا كانت الشريعة الإسلامية شريعة العدل و الفصل‏ وَ كَذََلِكَ جَعَلْنََاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً (5) ، لا تدعو إلى فضيلة إلاّ و تقرنها بالاعتدال و العقل و التوسط «و خير الأمور أوسطها» .

فلله شريعة الإسلام المقدسة ما أوسعها و أجمعها و أمنعها و أنفعها.

أ فلا قائل يقول لهذا الشباب الطائش المخدوع بتلك الشيوعية الحمراء،

____________

(1) -سورة الإسراء، الآية 26-27.

(2) -سورة الأنعام، الآية 141.

(3) -سورة الإسراء، الآية 29.

(4) -سورة الفرقان، الآية 67.

(5) -سورة البقرة، الآية 143.

232

و البلشفية السوداء؟أ تطلبون اشتراكية أعلى و أصح من هذه الاشتراكية المنظمة العادلة التي توسع على الفقراء و المحاويج ما يرفع حاجتهم، و يحفظ لأرباب الأموال و الأغنياء مكانتهم و حرّيتهم، و لا تضايقهم و لا ترهقهم و لا تحرم العاملين ثمرة أتعابهم، و لا تجعلهم كآلة ميكانيكية، أو كالبهائم ليس لها إلاّ علفها و معلفها؟

نعم، إنك لا تهدي من أحببت و لكن اللّه يهدي من يشاء، بل الشيطان سوّل لهم و أملى لهم، و لعل العناية تدركهم فتردهم إلى صوب الصواب، و المنهج القويم، إن شاء اللّه تعالى‏ (1) .

____________

(1) -و بمناسبة ذكر الزكاة نذكر فيما يلي بعض تعليقات سماحة شيخنا الإمام-دام ظله-على «العروة الوثقى» -للسيد آية اللّه الشريف الطباطبائي اليزدي قدّس سرّه-مما لم تذكر في حاشيته المطبوعة على الحجر سنة (1367) هـ في النجف الأشرف، التي لم يكتب مثلها على كثرة التعاليق و الحواشي مع الإشارة إلى المدارك و القواعد، و زيادة بعض الفروع و المباحث العالية و الفوائد النافعة و الثمار اليانعة، فراجعها تجدها فوق ما نقول.

القاضي الطباطبائي‏

233

بسم اللّه الرحمن الرحيم‏

و له الحمد، و صلى اللّه على محمد و آله‏

كتاب الزكاة

يشترط في وجوبها أمور:

الأول: البلوغ: و هو و العقل من الشرائط العامة في كل تكليف، مضافا إلى المعتبرة المستفيضة المشتملة على أنه لا زكاة في مال الطفل، أو لا زكاة على مال الطفل، و لا زكاة في مال اليتيم، و أمثال هذه التراكيب الظاهرة أو الصريحة في نفي الوجوب وضعا كنفيه عن غير البالغ تكليفا، و هذه أخص مما دل على تعلق الزكاة و حق الفقير فيما بلغ النصاب من غير اختصاص بالبالغ، مثل قولهم عليهم السّلام: «فيما سقت السماء العشر، و في كل أربعين شاة شاة» على أنّ الإطلاق-فضلا عن العموم-في أمثال هذه الأدلة ممنوع؛ فإنها مسوقة لبيان المقدار لا لبيان من عليه المقدار، فالقول بوجوبها على الطفل إذا بلغ أثناء الحول و يؤديها عنه وليّه أو هو بعد البلوغ ضعيف، و لكنه الأحوط.

الثاني: العقل: فلا زكاة في مال المجنون في تمام الحول أو بعضه و لو أدوارا، فلا تجب لا وضعا؛ للأصل، بعد ما عرفت من قصور ما دل على ثبوت الحق في تلك المقادير الخاصة عن شمولها للصبي و المجنون بقسميه، مضافا إلى‏

234

صحيحة ابن الحجاج و خبر ابن بكير و الإجماع المستفيض، و لا تكليفا لحديث رفع القلم عن المجنون حتى يفيق، و ظاهر معاقد الإجماعات و بعض الأدلة اعتبار العقل في تمام الحول على حد اعتبار البلوغ و الملك و نحوهما، فالمجنون أدوارا يعتبر حوله من حين إفاقته كما صرح به العلامة قدّس سرّه في محكي المنتهى، حيث قال: و لو كان الجنون يعتوره أدوارا اشترط الكمال طول الحول، فلو جن في أثنائه سقط و استأنف من حين عوده.

و خالفه في المدارك فقال: إنما تسقط الزكاة عن المجنون المطبق، و أما ذو الأدوار فالأقرب تعلق الوجوب به في حال الإفاقة؛ إذ لا مانع من توجه الخطاب إليه في تلك الحال. انتهى.

و فيه: أنّ المراد إن كان عدم المانع من توجه الخطاب المنجز إليه بالزكاة حال إفاقته و لو في أثناء الحول، أو أوّله، ففيه-مضافا إلى ما قيل من استلزام كون غير المكلف أسوأ حالا من المكلف، و أنّ عدم التكليف لا يصير منشأ للتكليف-أنّ هذا مخالف لجميع ما دل على اعتبار الحول مطلقا في النقدين و المواشي، و اعتبار بدو الصلاح في الغلاّت.

و إن كان المراد عدم المانع من توجه الخطاب المعلق إلى تمام الحول، بمعنى اعتبار مدة الجنون من الحول، ففيه أنّ هذا يحتاج إلى دليل خاص يفي بهذا الشرح و البيان. أما إطلاق أدلة الحول فهي قاصرة عن شمولها لمثل هذا الفرد.

و بعبارة أجلى: أنّ هنا إطلاقين: إطلاق أدلة لا زكاة على مال المجنون، و أفراده المتيقنة المجنون المطبق، و إطلاق أدلة اعتبار الحول، و أفراده المتيقنة العاقل طول الحول، و بقي من يجن في بعض الحول و يفيق في بعضه، و ليس‏

235

دخوله في أحد الإطلاقين أولى، و مع الشك و قصور الأدلة فالمرجع إلى أصالة عدم الوجوب.

و بعد بطلان الاحتمالين تعين أنّ عدم المانع إنما هو عن توجه الخطاب المعلق على تمام الحول من حين إفاقته، و هذا هو الذي اختاره العلامة رحمه اللّه، و عليه ظاهر المشهور.

الثالث: الحرية: فلا زكاة على العبد و إن قلنا بملكه، بل و لو قلنا بعدم منعه من التصرف في بعض أمواله، كما يظهر من موثقة ابن عمار: في رجل وهب لعبده ألف درهم استحلالا منه عما لعله ظلمه بضرب أو نحوه، هل يحل ذلك المال للمولى؟فقال عليه السّلام: لا يحل له، و ليردها له. و غيرها من الأخبار الظاهرة في ملكيته المطلقة، فليس المانع من وجوب الزكاة عدم الملكية، أو المنع من التصرف، بل المانع نفس العبودية و الرقية، كما يظهر من ملاحظة مجموع الأدلة.

كما لا تجب على العبد، كذا لا تجب على سيده، كما ذكر قدّس سرّه في المسألة (3) ، و هو على القول بملكية العبد واضح، و أما على القول بعدم ملكه فيجب عليه-أي على سيده-الزكاة مع التمكن العرفي من التصرف في المال الذي بيد العبد على نحو الوكالة و العمالة، كمال المضاربة، أو العارية و الوديعة بحيث يقال عرفا: هو مال السيد في يد العبد، أما لو كان منسوبا إلى العبد عرفا، كالمال الموهوب له من مولاه، أو من أجنبي بحيث لم تبق للواهب به علاقة فالأقوى عدم الوجوب عليهما معا؛ فإنه كالطعام المعد للضيف الذي لا يسع صاحبه المنع عنه.

مضافا إلى صحيحة ابن سنان: قلت له: مملوك في يده المال عليه زكاة؟ قال: لا، قلت: فعلى سيده؟قال: لا؛ لأنه لم يصل إلى السيد و ليس هو للمملوك.

236

و المراد منها على الظاهر-بعد التأمل-الأموال التي يكتسبها العبد المأذون من مولاه بالكسب، فإنها أموال في يد العبد و لكنها ليست له، فلا تجب عليه الزكاة، بل لمولاه، و لكن لا تجب عليه الزكاة أيضا؛ لأنها لم تصل و لم تحصل في يده و تستقر حولا عنده.

الرابع: أن يكون مالكا: اعتبار الملك ضروري عقلا، فضلا عنه شرعا، و إنما المعتبر هنا شرطا شرعيا هو تمامية الملك، فقبل تمام الملك لا زكاة قبل القبض، كالموهوب، بناء على أنّ القبض شرط في الصحة و حصول الملكية، سواء جعلناه ناقلا فلا ملكية قبله، أو كاشفا و هو ممنوع من التصرف قبله.

و قول صاحب المدارك إن الخلاف في القبض بالهبة واقع بأنّه شرط في الصحة أو اللزوم، لا في كونه كاشفا أو ناقلا، مدفوع بأنهم متفقون على أنّ الهبة بالقبض لا تصير لازمة، و أنها من العقود الجائزة بذاتها، و لا تلزم إلاّ بأسباب مخصوصة، و أن مرادهم باللزوم الكشف عن تحقيق الملكية السابقة لا اللزوم بالمعنى المصطلح في البيع و نحوه، كما نبه عليه كاشف الغطاء قدّس سرّه.

و كيف كان، فلا إشكال في وجوب الزكاة بعد مضي الحول من حين القبض و لو كان الملك متزلزلا، نعم لو رجع الواهب في أثناء الحول سقطت، أما بعده فلا، و كذا فيما لا يعتبر فيه الحول كالغلات، فإنه يرجع المال إلى الواهب بعد أداء الزكاة، و كذا القرض، لا تجب إلاّ بعد قبض المقرض، و زكاته قبل ذلك على المقترض، كما سيأتي.

و الفرق بين الهبة و القرض من حيث وجوبها على المقترض، و يرجع المال بتمامه للمقرض، و في الهبة يرجع إلى الواهب بعد إخراج الزكاة منه ظاهر بالتأمل.

237

الخامس: تمام التمكن من التصرف: يظهر هذا الشرط من المستفيضة التي اعتبرت في وجوب الزكاة أن يكون المال عنده، أو في يده، و أن يكون وصل إليه، و أن لا يكون غائبا عنه، و أمثال ذلك.

و لا ينبغي الريب في أن المراد بهذه الكلمات الكناية عن السلطنة التامة الفعلية للمالك بحيث لا مانع له من التصرف بأي نحو أراد لا شرعا و لا عرفا، فمثل المغصوب و المجحود و المسروق و الضائع و أمثالها، لا مانع له من التصرف شرعا فيه بأي نحو أراد، و لكنه ممنوع عرفا، بمعنى أن تصرفاته تعد لغوا عند العرف.

أما مثل المرهون و الموقوف و المحجر عليه لفلس و نحوه، مما يتعلق بالعين حق الغير، فهو ممنوع من التصرفات فيه شرعا، بل و عرفا، ؛ و لعله قدّس سرّه نظرا لهذا قال: و المدار في التمكن على العرف، فإنّ العرف إذا أحرز المنع الشرعي اكتفى به مانعا.

أما النذر فسيأتي الكلام فيه.

(مسألة 1) : يستحب للولي الشرعي إخراج الزكاة في غلات غير البالغ...

الخ.

جمعا بين صحيحة محمد بن مسلم، و زرارة عن أبي جعفر و أبي عبد اللّه عليهما السّلام: مال اليتيم ليس عليه في العين، و الصامت شي‏ء ، فأما الغلات فإن عليها الصدقة واجبة. و بين موثقة أبي بصير: و ليس على جميع غلاته من نخل أو زرع أو غلة زكاة، فيحمل الوجوب على تأكد الاستحباب على إشكال؛ لأن احتمال الاستحباب ليس بأقوى من احتمال جريها مجرى التقية؛ لأن زكاة الغلات بل و المواشي كان يأخذها عامل السلطان في تلك الأزمنة، حتى من‏

238

مال الصغير، و من هنا ظهر الإشكال في استحباب إخراجها من مواشيه، و أن الأحوط-كما ذكره قدّس سرّه-الترك، بل هو الأقوى؛ لعدم دليل عليه سوى ما يدعى من عدم القول بالفصل، و هو كما ترى.

(مسألة 2) : يستحب للولي الشرعي... الخ.

مستنده صحيحة ابن الحجاج: امرأة من أهلنا مختلطة أ عليها زكاة؟فقال:

إن كان عمل به فعليها الزكاة، و إن كان لم يعمل به فلا.

و مثله خبر موسى بن بكير، و هو ظاهر في النقدين، فلا تستحب في غيرهما و لو عمل به.

(مسألة 3) : الأظهر وجوب الزكاة على المغمى عليه... الخ.

و نقل سيد المدارك‏ (1) عن العلامة قدّس سرّه في التذكرة أنه قال: و تجب الزكاة على الساهي، و النائم، و المغفل، دون المغمى عليه؛ لأنه تكليف، و ليس من أهله، ثمّ قال السيد: في الفرق نظر، فإن أراد أنه ليس أهلا للتكليف حال الإغماء فمسلّم، لكن النائم كذلك، و إن أراد كونه مقتضيا لانقطاع الحول، كما في ذي الأدوار، طولب بدليله. انتهى ملخصا و هو جيد.

____________

(1) -محمد بن علي بن الحسين الموسوي العاملي الجبعي، من أكابر فقهاء الإمامية، سيد المحققين، له كتاب المدارك في الفقه، توفي سنة (1009) هـ.

239

بعض أسرار الحج‏

وَ أَذِّنْ فِي اَلنََّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجََالاً وَ عَلى‏ََ كُلِّ ضََامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ*`لِيَشْهَدُوا مَنََافِعَ لَهُمْ وَ يَذْكُرُوا اِسْمَ اَللََّهِ (1) .

بما أن الإنسان متكون من جوهرين: جسم و روح، فقد جعل شارع الشريعة الإسلامية لكل من الجوهرين فرائض، و تكاليف، ليس الغرض منها سوى سعادة الإنسان، و تعاليه في معارج الكرامة، و مدارج العظمة، و أهمّ فرائض الروح العقيدة و الإيمان، و أهمّ فرائض البدن أعمال خاصة يسميها الشرع بالعبادات و الفروع، أي فروع الدين، كما يسمي تلك بأصول الدين.

و تلك العبادات خمسة: الصلاة، و الصوم، و هي بدنية محضة، و الخمس، و الزكاة، و هي مالية محضة، و الحج يتضمّنهما معا، فهو عبادة مالية و بدنية، و قد جمعت كل واحدة من هذه العبادات أسرارا و حكما إذا لم يكن الحج أكبرها مقاصد و أكثرها أسرارا و فوائد، فليس هو بأقلها.

و قد أشارت الآيات إلى بعض تلك الأسرار و المزايا، و هي مادية اقتصادية، و أخلاقية اجتماعية، و رموز علوية، و رياضات روحية.

نعم، الناظر إلى أعمال الحج نظرة سطحية قد ينسبق إلى ذهنه أنها ألاعيب من العبث، و أضراب من اللهو و النصب، و لكن لا تلبث تلك النظرة العابرة حتى

____________

(1) -سورة الحج، الآية 27-28.

240

تعود عبرة و فكرة، تذهل عندها الألباب و تطيش في سبحات جلالها العقول.

أما الذي فيه من الفوائد المادية، و الاجتماعية، و الأخلاقية، فلعل سطحه الأول ظاهر مكشوف، و التوسع فيه يحتاج إلى مجال أوسع، و نظر أعلى و أرفع، و هي التي أشير إليها بقوله عز شأنه: لِيَشْهَدُوا مَنََافِعَ لَهُمْ ، و لكن إذا لم يتسع لنا المجال للإشارة إلى تشريح هذه المنافع أ فلا يمكن التلويح إلى بعض تلك النفحات التي تهب نسائمها من الكنوز و الرموز الروحية التي تتضمنها أعمال الحج؟

أولها الإحرام، أ رأيت المحرم حين يتجرد من ثيابه التي يتجمل بها بين الناس فيستبدل بها قطعتين من القطن الأبيض، إشارة إلى قطعه جميع علائق هذه الحياة، و زخارفها، و اكتفائه بثوبين، كمن ينتقل من هذه الحياة إلى الحياة الأخرى، لابسا أكفانه، منصرف النفس عن كل شهواتها، و عازفا عن كل لذاتها؟

أ تراه حين يرفع صوته كلما علا جبلا أو هبط واديا أو نام أو استيقظ:

«لبيك اللهم لبيك لا شريك لك لبيك» كأنه يجيب داعيا، و يخاطب مناديا؟

نعم، يجيب داعي الضمير، و خطاب الوجدان خطابا يجيب به نداء ربه، و أذان أبيه إبراهيم، و دعوة نبيه محمد صلّى اللّه عليه و آله.

أ تراه كيف يتجرد عن الدنيا و يتحلى عن الروح الحيوانية فيصير روحا مجردا، و ملائكا بشرا، فيحرّم على نفسه التمتع حتى من النساء و الطيب و الطيبات، بل حتى العقد على النساء، و يحرم عليه أن يؤذي حيوانا، و لو من الهوام، و أن يصيد صيدا و لو من الأنعام، و أن يقطع شجرا، أو يقطع نباتا، و إذا عقد على امرأة في إحرامه حرمت عليه أبدا؟

أ رأيته حين يطوف حول الكعبة-رمز الخلود، و مركز الأبدية، و تمثال

241

العرش، الذي تطوف حوله الملائكة وَ تَرَى اَلْمَلاََئِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ اَلْعَرْشِ (1) -طالبا أن تفتح أبوابها فيدخل في فردوسها الأبهى، و يخلد في نعيمها الأبدي، مع الخالدين؟

أتراك حيث تبتدئ بطوافك من الحجر فتلمسه قاصدا أنك تبايعه و تأخذ العهد منه، و تقبله و كأنك تقبل يد الرحمن، و أنه قد نزل من السماء أبيض من اللجين، و لكن ذنوب العباد كسته حلة السواد، كناية أنه تحمل ذنوبهم و تعهد بغفرانها من خالقهم؟

أ رأيت كيف ينقلب الطائف حول الكعبة بعد الفراغ من طوافه إلى مقام إبراهيم فيصلي فيه؟إشارة إلى أنه بعد طوافه على القلب قام مقام أبيه إبراهيم في دعائه إلى الرب: وَ اِتَّخِذُوا مِنْ مَقََامِ إِبْرََاهِيمَ مُصَلًّى ، رَبَّنََا تَقَبَّلْ مِنََّا إِنَّكَ أَنْتَ اَلسَّمِيعُ اَلْعَلِيمُ ، وَ تُبْ عَلَيْنََا إِنَّكَ أَنْتَ اَلتَّوََّابُ اَلرَّحِيمُ .

أ تراه حين ينفلت بعد الفراغ من الطواف إلى السعي بين الصفا و المروة مهرولا، يدفعه الشوق إلى السوق حذار أن تعرضه خطرات الوساوس فتكون حجر عثرة في طريقه إلى مشاهدة الحق، و تكدر عليه ذلك الصفا المتجلي عليه من أشعة تلك اللمعات.

و الصفا هو الصخرة التي وقف عليها نبي الرحمة في أول دعوته الناس إلى التوحيد، و الدخول في دين الإسلام، و التخلي عن عبادة الأصنام، و ما بين الصفا و المروة هو الموقع الذي سعت فيه هاجر أم إسماعيل سبعة أشواط في طلب الماء لولدها الذي تركته في المسجد الحرام حول الكعبة، و لما أيست رجعت

____________

(1) -سورة الزمر، الآية 75.

242

لولدها، رجعت إليه فوجدت ماء زمزم قد نبع من تحت قدميه.

ثمّ بعد إكمال السعي يقصر من شعره، و لعله إشارة إلى أن السالك إلى الحق مهما جد في المسير، فإن مصيره و منتهاه إلى القصور في شعوره، أو التقصير، فإذا عرف قصوره، و اعترف به، حل من إحرامه، و أحل اللّه له الطيبات التي حرمها عليه، و رجع من الحق إلى الخلق، و هو أحد الأسفار الأربع، و إلى هنا تنتهي عمرته.

ثمّ يوم الثامن يوم التروية يعقد الإحرام ثانيا، و هو إحرام الحج، و يتوجه إلى منى، و قبل الظهر يوم التاسع يكون في عرفات من الظهر إلى غروب الشمس، ثمّ يفيض إلى المشعر، و قبل طلوع الشمس يعود إلى منى، فيأتي بمناسكها الثلاثة: الرمي، و الذبح، و الحلق، يوم عيد الأضحى، و بعد الحلق يحل من كل ما حرم عليه بالإحرام إلاّ الطيب، و الصيد، و النساء.

ثمّ يعود إلى مكة لإحرام الحج، و يحل له بعده الصيد، و الطيب، ثمّ يعود إلى منى و يبيت فيها ليالي النفر، الحادية و الثانية عشر، و يرمي الجمرات في اليومين، أو الثلاث بعد الأضحى، ثمّ يطوف طواف النساء فتحل له، و هنا تنتهي أعمال الحج و المناسك بأجمعها.

و في كل واحد من هذه الأعمال رموز و أسرار و حكم و مصالح، لو أردنا شرح بعضها فضلا عن كلها لاحتجنا إلى مؤلف مستقل لا نستطيع القيام به، و قد و هن العظم مني و اشتعل الرأس شيبا.

و لكن ليعلم أنّ الأسرار و المصالح التي في الحج، بل و في كل عبادة، نوعان، خاصة و عامة:

أما الخاصة: فهي الأسرار التي يتوصل إليها السالكون و العلماء

243

الراسخون، و العرفاء الشامخون، و لا تنكشف أستارها، و كنوزها لعامة الناس، بل و لا يتصورها بلمح الخيال أحد منهم.

و أما العامة: فهي الواضحة المكشوفة التي يستطيع كل متفكر و متدبر أن يعرفها و يتوصل إليها، و أعظمها و أهمها و أجلى المصالح و الأهداف التي يرمي إليها، و يتطلبها على الظاهر المكشوف، و التي يدركها كل ذي شعور، هي الناحية الاجتماعية.

و من المعلوم أنّ الإسلام دين اجتماعي، و قد أعطى للنواحي الاجتماعية أعظم الأهمية، فشرّع صلاة الجماعة في مسجد المحلة كل يوم ثلاث مرات، أو خمس، و صلاة الجمعة في المسجد كل أسبوع، و صلاة العيدين لعموم أهل كل بلد و ضواحيها كل سنة مرتين، و لم يكتف بذلك كله حتى دعى إلى مؤتمر عام بجميع أهل الحجى، و الثروة، و الطبقة الراقية، مالا و عقلا، من المسلمين المتفرقين في أقطار الأرض الشاسعة في صعيد واحد، ليتعارفوا أولا، فإذا تعارفوا تآلفوا، و إذا تآلفوا تكاتفوا و صار كل واحد منهم قوة للآخر، يتفقد شئونه، و يشاركه في سرّائه و ضرّائه، و نعيمه و شقائه، فتكون من ذلك للمسلمين قوة هائلة، لا تقاومها كل قوة في العالم.

أذكر أني عام (1330) هـ-أعني قبل إحدى و أربعين سنة-لما تشرفت للحج اجتمعت على ربوة (1) مساء حول مسجد الخيف بجماعة من الحجاج، فكان فيهم الصيني، و المراكشي، و اليماني، و العراقي، و الهندي، و كان فيهم من يحسن أكثر اللغات، فانجرّ الحديث إلى الحج و منافعه و فوائده، مع كثرة متاعبه،

____________

(1) -الربوة المكان المرتفع-بضم الراء، قال الفيومي: و هو الأكثر، و الفتح لغة بني تميم، و الكسر لغة-سميت ربوة لأنها ربت فعلت، و الجمع ربى، مثل مدية و مدى.

244

و تكاليفه، فقلت: أيّ فائدة تريدون أعظم من اجتماعنا هذا؟و هل كان يدور في خلد أحد أن يجتمع الصيني في أقصى الشرق بالمراكشي و هو في أقصى الغرب، و العراقي و الفارسي و هو في طرف الشمال باليماني و هو في أقصى الجنوب؟

و لكنّ المسلمين و يا للأسف لو كان يجدي الأسف أنهم لما فاتهم الحجى و اللب أصبحت أعمالهم بل و عباداتهم قشرا بلا لبّ، يجتمعون و هم متفرقون، و يتقاربون و هم متباعدون، متقاربة أجسامهم متضاربة أحلامهم، يحجّون و لا يتعرف أحدهم بأخيه، و لا يرى إلاّ صورته، و لا يعرف شيئا من أحواله بل و لا اسمه، و بهذا و مثله وصلنا إلى الحال التي نحن فيها اليوم، فلا حول و لا قوة، و باللّه المستعان على هذا الزمان و أهل الزمان.

245

بعض أسرار الصوم و امتيازه عن سائر العبادات‏

تشترك العبادات عموما بأنها أفعال وجودية، هي بمنزلة الجسد، و روحها النية، فالصلاة و الطواف و السعي، كالغسل و الوضوء و أمثالها أعمال جسدية، إذا لم يأت بها المكلف بداعي القربة فهي كجسد ميت لا حياة فيه، و كأشباح بلا أرواح، و لكن مهما كان فهو جسم عبادة، و صورة طاعة، و كل العبادات في ذلك سواء، أعني أنها أجساد و لها أرواح، فإن كانت تلك الروح فيه فهو حي، و إلاّ فهو ميت، إلاّ الصوم فقد كاد بل كان روحا مجردة، و حياة متمحضة لا جسم له و لا مادة، و هذه ميزة امتاز بها الصوم عن سائر العبادات، و لم يشاركه فيها سوى الإحرام، فإنّ الصيام و الإحرام كل منهما تروك محضة، و عدميات صرفة، ليس فيها من الأعمال الجسمانية شي‏ء ، و لكن الإحرام فضحته ثياب الإحرام و لبسها، و بقي الصيام محتفظا بروحيته و تجرّده من كل عمل ظاهري، و لم يتجاوز عن كونه نية خالصة، و عبادة قلبية خفية، لا يعلم بها إلاّ صاحبها و ربها العالم بالسرائر.

و من هنا اختص الصوم بميزة انفرد بها دون كل عبادة، و هي عدم إمكان دخول الرياء فيه، بل يستحيل ذلك إلاّ بالقول، فيكون الرياء حين ذاك بالعبارة لا بالعبادة، و بالكلام لا بالصيام.

و الإحرام أيضا بجوهره و إن كان نية و تروكا كالصوم إلاّ أن الإحرام فيه‏

246

عمل واحد وجودي، و هو لبس ثياب الإحرام، و منه قد يتأتى تدخل الرياء فيه، بخلاف الصوم المتمحض في النية و التروك فقط، فهو عبادة صامتة خرساء، و معاملة سرية بين القلب و الرب.

و لعل هذا هو المراد من الحديث المشهور: «الصوم لي و أنا أجزي به» - مبنيا للفاعل-فيكون القصد أنه تعالى تكريما للصائم يتولى جزاءه مباشرة من دون وسائط الفيض، و على المفعول: فيكون المراد أنه هو جزائي و اللائق بمقام عظمتي و تجردي، فإنّ الصائم يتجرد و يصير روحانيا، و المتخلق بأخلاق الروحانيين يلحق بهم، و يكون لحوقه بهم جزاؤه لهم، سواء عاد الضمير إلى الصوم، أو للصائم، هذا.

مضافا إلى ما يتضمنه الصوم من الفوائد الصحية، و الرياضة البدنية، و تربية قوة الإرادة، و مضاء العزم، و تهذيب النفس، و قمعها عن الانقياد إلى بواعث الشهوات، و كبح جماح قوتي الشهوة و الغضب اللتين هما أصل كل جريمة، و السبب في هتك كل حرمة.

و من آثاره تذكر حال الفقراء و أهل الفاقة، و من كضه الطوى و أمضه الجوع، فإنّ الصيام يوجب رقة القلب و اندفاع الدمعة، فيواسي إخوانه، و يكون حليما و رحيما و مهبطا للرحمة، و الراحمون يرحمهم اللّه تعالى.

247

وحدة الوجود أو وحدة الموجود (1)

هذه القضية من أمهات أو مهمات قضايا الفلسفة الإلهية، و هي تتصل اتصالا وثيقا بعلم الحكمة العالية.

و الإلهي بالمعنى الأعم الذي يبحث فيه عن الأمور العامة، كالوجود و الموجود، و كالواجب و الممكن، و العلة و المعلول، و الوحدة و الكثرة، و أمثالها، مما لا يتعلق بموضوع خاص، و لا حقيقة معينة من الأنواع، لا ذهنا و لا خارجا.

و للتمهيد و المقدمة نقول:

إنّ من المسائل الخلافية بين حكماء الإسلام و فلاسفة المسلمين مسألة

____________

(1) -طلب مني غير واحد من الفضلاء أن أكتب عن هذه المسألة المعضلة (*) ، ما يندفع به إشكالها، و يرتفع إعضالها، و كنت في حدود سنة الرابعة أو الخامسة و خمسين بعد الألف و ثلاثمائة بعد رجوعنا من المؤتمر الإسلامي في القدس كتبت مقالة ضافية وافية نشرها الفاضل الأديب «تاج الدين الفاروقي» في صحيفته الغراء «الجامعة الإسلامية» التي كانت تصدر في «يافا» ، و لكن ذهب ذلك العدد و لا يحضرني حالا، و لذا ألجأني ذلك إلى كتابتها مجددا، و كتبنا شيئا عنها في أجوبة الفاضل الأديب «أحمد حامد الصراف» و هي مرسومة في دائرة المعارف العليا من مجاميعنا. (منه دام ظله العالي) .

(*) مسألة وحدة الوجود أو الموجود من معضلات المسائل العلمية و المباحث الغامضة، و مقصود شيخنا الإمام-دام ظله-في هذا المقام هو بيان هذه المسألة، و تشريح هذه النظرية و بحثها بحثا علميا تحليليا على حسب معتقد القائلين بها، و إظهار حقيقة رأيهم حول هذا الاعتقاد كما يعتقدون أنفسهم بأجلى بيان و أوضح عبارة.

القاضي الطباطبائي‏

248

أصالة الوجود أو الماهية، بمعنى أنّ المتحقق في العين و الخارج هل هو الوجود، و الماهية أمر اعتباري ينتزع من الوجود المحدود المقيد المتعين بالتعين الذي يميزه عن غيره بالجنس و النوع و غيرهما من الاعتبارات، أو أنّ المتحقق في ظرف العين و الخارج و نفس الأمر و الواقع هو الماهية، و الوجود مفهوم اعتباري خارج عنها منتزع منها، محمول عليها، من خوارج المحمول لا المحمولات بالضميمة؟

فماهية النار مثلا إذا تحققت في الخارج و ترتبت عليها آثارها الخاصة من الإضاءة و الإحراق و الحرارة صح انتزاع الوجود منها، و حمله عليها، فيقال:

النار موجودة، و إلاّ فهي معدومة.

و هذا القول-أعني أصالة الماهية، و أنّ الوجود في جميع الموجودات حتى الواجب اعتبار محض-على الظاهر كان هو المشهور عند الحكماء إلى أوائل القرن الحادي عشر، و عليه تبتني شبهة الحكيم «ابن كمونة» (1) التي

____________

(1) -عز الدولة سعد بن منصور بن سعد بن الحسن بن هبة اللّه بن كمونة البغدادي، الشهير بـ «ابن كمونة» ، له مؤلفات بخطه في الخزانة الغروية في النجف الأشرف. أنظر: كتاب «خزائن الكتب القديمة في العراق: ص 135 ط. بغداد» لمؤلفه البحاثة العراقي كوركيس عواد، عضو المجمع العلمي العربي بدمشق، يظهر منها إسلامه و حسن عقيدته. و جده الأعلى هبة اللّه بن كمونة الإسرائيلي، كان من فلاسفة اليهود في عصر الشيخ الرئيس ابن سينا، و صاحب الشبهات المعروفة، و نسب إلى عز الدولة كتاب «تنقيح الأبحاث في البحث عن الملل الثلاث» . أنظر: كشف الظنون: ج 1/ص 495 ط. اسلامبول سنة (1360) هـ؛ و الحوادث الجامعة: ص 441 ط. بغداد؛ و في الذريعة لشيخنا البحاثة الكبير-مد ظله-:

ج 2/97 و 286 و 358 ط. النجف، و أيضا ج 4/ص 460 ط. طهران، أنّ نسبة هذا الكتاب إليه من تهمة العوام له، و له شرح الإشارات فرغ منه سنة (679) هـ، و أهداه لشمس‏

249

أشكل بها على التوحيد زاعما أنه ما المانع من أن يكون في ظرف التحقق و نفس الأمر و الواقع هويتان مجهولتا الكنه و الحقيقة، بسيطتان، متباينتان بتمام ذاتيهما، و ينتزع وجوب الوجود من كل منهما، و يحمل على كل واحدة منهما من قبيل خارج المحمول لا المحول بالضميمة؛ لأنّ ذات كل منهما بسيطة لا تركيب فيها؛ إذ التركيب يلازم الإمكان، و قد فرضنا وجوب كل منهما.

و قد أعضلت هذه الشبهة في عصره على أساطين الحكمة، و استمر إعضالها عدة قرون حتى صار يعبّر عنها كما في أول الجزء الأول من الأسفار «افتخار الشياطين» ، و سمعنا من أساتذتنا في الحكمة أنّ المحقق الخونساري‏ (1) صاحب «مشارق الشموس» الذي كان يلقب بالعقل الحادي عشر، قال: لو ظهر الحجة-عجل اللّه فرجه-لما طلبت معجزة منه إلاّ الجواب عن شبهة ابن كمونة، و لكن في القرن الحادي عشر الذي نبغت فيه أعاظم الحكماء كالسيد الداماد (2) ، و تلميذه ملاّ

____________

قالدين الجويني صاحب ديوان الممالك، و توفي سنة (690) هـ، أو (683) هـ، فلا وجه لما في كشف الظنون أنه توفي سنة (676) هـ، و من ملاحظة ما ذكرناه على الإجمال و كذا المصادر التي أوعزنا إليها يظهر مواضع الخلل فيما ذكره اللغوي المعاصر «دهخدا» في كتابه الكبير الفارسي « لغت‏نامه» : ج 1/ص 343 ط. طهران، فراجع.

القاضي الطباطبائي‏

(1) -الحسين بن محمد الخونساري المحقق، علامة زمانه في العلوم، له مؤلفات نافعة، ولد سنة (1016) هـ، و توفي سنة (1098) هـ.

(2) -مولانا محمد باقر الحسيني الشهير بـ «الداماد» ، سيد الحكماء، و من أعظم رؤساء الدين، له مقام شامخ في العلوم و مرتبة سامية في الفقاهة و الرئاسة و السياسة، له مؤلفات نفيسة، توفي سنة (1041) هـ. أنظر: سلافة العصر: ص 485-487 ط. مصر؛ الأعلام للزركلي:

ج 3/ص 868 ط. مصر.

250

صدرا (1) ، و تلميذيه الفيض‏ (2) و اللاهجي صاحب الشوارق الملقب بالفياض‏ (3) ، انعكس الأمر، و أقيمت البراهين الساطعة على أصالة الوجود، و أنّ الماهيات جميعا اعتبارات صرفة ينتزعها الذهن من حدود الوجود.

أما الوجود الغير المحدود كوجود الواجب جلّ شأنه فلا ماهية له، بل «ماهيته إنّيته» ، و قد ذكر الحكيم السبزواري رحمه اللّه‏ (4) -في منظومته-البراهين القاطعة على أصالة الوجود، مع أنه من أوجز كتب الحكمة، فما ظنك بالأسفار و هي أربع مجلدات بالقطع الكبير، و يكفيك منها برهان واحد و هو اختلاف نحوي الوجود، حيث نرى بالضرورة و الوجدان أن النار مثلا بوجودها الذهني لا يترتب عليها شي‏ء من الآثار من إحراق و غيره، بخلاف وجودها الخارجي، و لو كانت هي المتأصلة في كلا الوجودين لترتبت آثارها ذهنا و خارجا، و إليه أشار في المنظومة بقوله:

____________

(1) -محمد بن إبراهيم صدر الدين الشيرازي، الشهير بـ «ملا صدرا» ، و «صدر المتألهين» ، أكبر فيلسوف عارف متشرع، أعلم حكماء الإسلام و أفضلهم، و هو إمام من تأخر عنه، و اقتفى أثره كل من نشأ بعده من حكماء الإمامية، توفي سنة (1050) هـ. أنظر: روضات الجنات: ص 331 ط 1. طهران.

(2) -محمد بن المرتضى الشهير بـ «ملا محسن القاشاني» الفقيه العارف المحقق الحكيم المتأله، صاحب التصانيف الكثيرة الشهيرة، توفي (1091) هـ. أنظر الكنى و الألقاب للقمي: ج 3/ص 32-33 ط. صيدا.

(3) -المولى عبد الرزاق اللاهيجي، العالم الحكيم المحقق المدقق، صاحب التصانيف الجيدة، توفي سنة (1051) هـ، و قد كتبنا في ترجمته رسالة مستقلة لم تطبع.

(4) -المولى هادي بن مهدي السبزواري، من أكبر حكماء الإمامية، الفيلسوف الفقيه العارف، صاحب التصانيف الجليلة، ولد سنة (1212) هـ، و توفي سنة (1289) هـ. أنظر: المآثر و الآثار: ص 147 ط. طهران.

251

و إنه منبع كل شرف # و الفرق بين نحوي الكون يفي‏

و حيث أسفرت الأبحاث الحكمية عن هذه الحقيقة الجلية من أصالة الوجود الخارجي الغير المحدود الذي نعبر عنه بواجب الوجود-جلّت عظمته- يستحيل أن يفرض له ثان، فإن كل حقيقة بسيطة لا تركيب فيها يستحيل أن تتثنى و تتكرر لا ذهنا و لا خارجا، و لا وهما و لا فرضا، و قد أحسن المثنوي‏ (1) في الإشارة إلى هذه النظرية القطعية، حيث يقول عن أستاذه شمس التبريزي‏ (2) :

شمس در خارج اگرچه هست فرد # مى‏توان هم مثل او تصوير كرد

شمس تبريزى كه نور مطلق است # آفتاب است و ز انوار حقست‏

شمس تبريزى كه خارج از أثير # نبودش در ذهن و در خارج نظير

و بعد أن اتضح بطلان أصالة الماهية، و أشرق نور الوجود بأصالته، اختلف القائلون بأصالة الوجود بين قائل: بأنّ الوجودات بأجمعها واجبها و ممكنها

____________

(1) -المولى جلال الدين محمد المولوي البلخي الرومي، من أشهر مشايخ العرفاء و قادتهم الأكابر، صاحب ديوان «المثنوي» الفارسي المشهور، ولد سنة (604) هـ، و توفي سنة (672) هـ.

(2) -شمس الدين محمد بن ملك‏داد التبريزي، من مشاهير العرفاء و الصوفية و مشايخهم الأكابر، توفي سنة (645) هـ. أنظر: ريحانة الأدب: ج 2/ص 338-339 ط. طهران.

غ

252

الذهني منها و الخارجي، المتباينة في تشخصها و تعيينها قطعا، هل إطلاق الوجود عليها من باب المشترك اللفظي؟و هو إطلاق اللفظ على المعاني المتكثرة و المفاهيم المتباينة التي لا تندرج تحت حقيقة واحدة، و لا يجمعها قدر مشترك كالعين التي تستعمل في الباصرة و في النابعة و الذهب إلى آخر ما لها من المعاني الكثيرة المتباينة، على عكس المترادف ألفاظ كثيرة لمعنى واحد، و المشترك معاني كثيرة تحت لفظ واحد، و قد نسب هذا القول إلى المشائين، أو لأكثرهم.

أو أنه من المشترك المعنوي، فوجود النار و وجود الماء في باب المفاهيم، و وجود زيد و وجود عمرو في باب المصاديق، شي‏ء واحد، و حقيقة فاردة، و إنما التباين و التعدد في الماهيات المنتزعة من حدود الوجود، و تعيّنات القيود، فحقيقة الوجود من حيث هو واحدة بكل معاني الوحدة، و ما به الامتياز هو عين ما به الاشتراك. فتدبر هذه الجملة جيدا كي تصل إلى معناها جيدا.

و حيث إنّ القول الأول يستلزم محاذير قطعية الفساد، و ما يستلزم الفاسد فاسد قطعا.

و من بعض محاذيره لزوم العزلة بين وجود الواجب و وجود الممكن، و عدم السنخية بين العلة و المعلول المنتهي إلى بطلان التوحيد من أصله و أساسه.

و إلى هذا أشار سيد الموحدين و إمام العرفاء الشامخين، أمير المؤمنين -سلام اللّه عليه-حيث يقول: «توحيده تمييزه عن خلقه، و حكم التمييز بينونة صفة لا بينونة عزلة» .

و للّه هذه الحكمة الشامخة، و الكلمة الباذخة، ما أجلها و أجمعها لقواعد التوحيد و التجريد و التنزيه و دحض التشبيه.

253

و الأصح الذي لا غبار عليه أنّ حقيقة الوجود من حيث هي واحدة لا تعدد فيها، و لا تكرار، بل كل حقيقة من الحقائق و ماهية من الماهيات أيضا بالنظر إلى ذاتها مجردة عن كل ما سواها يستحيل تعددها و تكررها، و من قواعد الحكمة المتفق عليها أنّ «حقيقة الشي‏ء لا تتثنى و لا تتكرر، و الماهيات إنما تتكثّر و تتكرر بالوجود» ، كما أن الوجود إنما يتكثر بالماهيات و الحدود، يعني أنّ ماهية الإنسان و حقيقته النوعية إنما تكثرت بالأفراد العينية و المصاديق الخارجية، و التعيّن إنما جاء من الوجود، و به تكررت الماهية و تكثرت، و لو لا الوجود لما كانت الماهية من حيث هي إلاّ هي، لا تعدد و لا تكثر، و كما أنّ الماهية بالوجود تكررت و تكثرت فكذلك الوجود إنما تكرر و تكثر بالحدود و التعيّنات التي انتزعت منها الماهيات، فالقضية مطردة منعكسة، تكثر الوجود بالماهية، و تكثرت الماهية بالوجود.

ثمّ إنّ الوجود نوعان، ذهني و خارجي:

أما الذهني، فهو اعتبار صرف، و مفهوم محض، كسائر المفاهيم الذهنية المنتزعة من المصاديق يحمل عليها بالحمل الشائع الصناعي من المحمولات بالضميمة، لا خوارج المحمول، فقولك: زيد موجود، كقولك: زيد كاتب، و هو كلي واحد منطبق على أفراده التي لا تحصى، و من المعقولات الثانوية باصطلاح الحكيم.

أما الوجود العيني الخارجي الذي يحكي عنه ذلك المفهوم و ينتزع منه فهو بأنواعه الأربعة، الذاتي و هو بشرط لا، و المطلق و هو لا بشرط، و المقيد و هو بشرط شي‏ء ، و يندرج فيه الوجود الرابط، و هو مفاد كان الناقصة، و الرابطي و هو ما يكون وجوده في نفسه عين وجوده لغيره، كالأعراض، و الربطي و هو ما

254

يكون وجوده لنفسه في نفسه، و لكن بغيره، كالجواهر فإنها موجودة لنفسها و في نفسها، لكن بغيرها، أي بعلتها. أما واجب الوجود فوجوده لنفسه في نفسه بنفسه.

و هو أي الوجود أيضا بذاته و بجميع هذه الأنواع و حداني ذو مراتب متفاوتة بالقوة و الضعف، و الأولية و الأولوية، أعلى مراتبه و أولها و أولاها الوجود الواجب الجامع لكمالات جميع ما دونه من مراتب الوجود بنحو البساطة و الوحدة الجامعة لجميع الكثرات، و كل الكثرات نشأت منها و رجعت إليها «إنا للّه و إنا إليه راجعون» ، و إليه الإشارة بقولهم: «بسيط الحقيقة كلّ الأشياء و ليس بشي‏ء من الأشياء» ، و التوحيد الكامل «رد الكثرة إلى الوحدة و الوحدة إلى الكثرة» .

و هذا الوجود الخارجي من أعلى مراتبه الوجوبية إلى أخس مراتبه الإمكانية و هي الهيولى‏ (1) التي لها أضعف حظ من الوجود و هي القوة القابلة لكل صورة، و لعلها هي المشار إليها في دعاء السمات: و انزجر لها العمق الأكبر كله، واجبه و ممكنه و ماديه و مجرده، حقيقة واحدة و إن اختلف في القوة و الضعف، و الوجوب و الإمكان، و العلية و المعلولية، و لكن كل هذا الاختلاف العظيم لا يخرجه عن كونه حقيقة واحدة، و لا يصيره حقائق متباينة و إن كان بالنظر إلى حدوده و مراتبه متعددا و متكثرا، و لكن حقيقته من حيث هي واحدة لا تعدد فيها و لا تكثر.

أ لا ترى أنّ الماء من حيث أنواعه و أصنافه ما أكثره و أوسعه؟فماء السماء و ماء البحر و ماء النهر و ماء البئر و هكذا، و لكن مهما تكثرت الأنواع، و تعددت

____________

(1) -ذكرنا-في هامش ترجمة المسائل القندهارية-معنى الهيولى، و مرتبتها. أنظر صفحة 51-53 من هذا الكتاب.

255

المصاديق، فحقيقة الماء و طبيعته في الجميع واحدة، و هكذا سائر الماهيات و الطبائع.

إذا فوحدة الوجود بهذا المعنى تكاد أن تكون من الضروريات التي لا تستقيم حقيقة التوحيد إلاّ بها، و لا تنتظم مراتب العلة و المعلول، و الحق و الخلق إلاّ بها، فالوجود واحد مرتبط بعضه ببعض من أعلى مراتبه من واجب الوجود نازلا على أدناها و أضعفها و هو الهيولى التي لا حظ لها من الوجود سوى القوة و الاستعداد، ثمّ منها صاعدا إلى المبدأ الأعلى، و العلة الأولى، منه المبدأ و إليه المعاد.

ثمّ إنّ أول صادر منه و أقرب موجود إليه هو العقل الكلي و الصادر الأول «أول ما خلق اللّه العقل» الحديث، و هو العقل الكلي الخارجي العيني، لا الكلي الذهني المفهومي، و هو ظل اللّه و فيضه الأقدس.

نعم، هو ظل اللّه الممدود من سماء الجبروت، عالم السكون المطلق، و مركز الثبات، إلى عالم الملك و الملكوت و الناسوت، موطن التغير و الحركات أَ لَمْ تَرَ إِلى‏ََ رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ اَلظِّلَّ وَ لَوْ شََاءَ لَجَعَلَهُ سََاكِناً ، و هذا هو وجه اللّه الكريم، الذي لا يفنى، و لن يفنى أبدا، و هو اسم اللّه العظيم الأعظم، و نوره المشرق على هياكل الممكنات الذي يطلق عليه عند الحكماء بالنفس الرحماني، و عند العرفاء بالحق المخلوق به، و في الشرع رحمته التي وسعت كل شي‏ء ، و الحقيقة المحمدية، و الصادر الأول «أول ما خلق اللّه نوري» ، و هو الجامع لكل العوالم، عالم الجبروت و الملكوت و الملك و الناسوت.

و جميع العقول المفارقة، و المجردة و المادية، الكلية و الجزئية، عرضية و طولية، و النفوس كذلك، كلية و جزئية، و الأرواح و الأجسام و المثل العليا،

256

و أرباب الأنواع التي يعبر عنها في الشرع بالملائكة، و الروح الأعظم الذي هو سيد الملائكة و رب نوعها، كل هذه العوالم صدرت من ذلك الوجود المطلق، و المبدأ الأعلى الذي هو فوق ما لا يتناهى بما لا يتناهى قوة و شدة، و عدة و مدة، أوجد عزّ شأنه ذلك الصادر الأول الجامع لجميع الكائنات و الوجودات الممكنات، أوجده بمحض المشيئة، و صرف الإرادة في أزل الآزال إلى أبد الآباد وَ مََا أَمْرُنََا إِلاََّ وََاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ (1) و التشبيه من ضيق نطاق الألفاظ، و إلاّ فالحقيقة أدقّ و أرقّ من ذلك و هو المثل الأعلى الحاكي بنوع من الحكاية عن تلك الذات المقدسة المحتجبة بسرادق العظمة و الجبروت و غيب الغيوب «يا من لا يعلم ما هو إلاّ هو» .

و ذلك العقل الكلي أو الصادر الأول-ما شئت فعبّر-أو الحقيقة المحمدية متصلة بمبدئها، غير منفصلة عنه، لا فرق بينك و بينها إلاّ أنهم عبادك و خلقك، بدؤها منك و عودها إليك «أنا أصغر من ربي بسنتين» ، و الكل وجود واحد ممتد بلا مدة و لا مادة، من صبح الأزل إلى عشية الأبد، بلا حد و لا عدّ، و لا بداية و لا نهاية، و من المجاز البعيد، و ضيق خناق الألفاظ قولنا: هو الأول و الآخر، و الظاهر و الباطن، وجوده قبل القبل، في أزل الآزال، و بقاؤه بعد البعد من غير انتقال و لا زوال.

همه عالم صداى نغمهء اوست # كه شنيد اين چنين صداى دراز

____________

(1) -سورة القمر، الآية 50.