الفردوس الأعلى

- الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء المزيد...
351 /
257

مََا خَلْقُكُمْ وَ لاََ بَعْثُكُمْ إِلاََّ كَنَفْسٍ وََاحِدَةٍ (1) ، و ذلك النفس الرحماني، و العقل الكلي، و الصادر الأول، هو كتاب اللّه التكويني، الذي لا نفاد لكلماته قُلْ لَوْ كََانَ اَلْبَحْرُ مِدََاداً لِكَلِمََاتِ رَبِّي لَنَفِدَ اَلْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمََاتُ رَبِّي وَ لَوْ جِئْنََا بِمِثْلِهِ مَدَداً (2) .

و لو أردنا التوسع في هذه الغوامض و الأسرار أو كشف الرموز عن هذه الكنوز ملأنا القماطير بالأساطير، و لم نأت إلاّ بقليل من كثير.

(مثنوى هفتاد من كاغذ شود)

و لكن ما ذكرناه مع غاية إيجازه لعله كاف للمتدبر في إثبات المعنى الصحيح «لوحدة الوجود» ، و أنه مترفع الأفق عن الإنكار و الجحود، بل هو من الضروريات الأولية، و قد عرّفنا الضروري في بعض مؤلفاتنا بأنه ما يستلزم نفس تصوره حصول التصديق به، و لا يحتاج إلى دليل و برهان، مثل: أنّ الواحد نصف الاثنين، فوحدة الواحد بالمعنى الذي ذكرناه لا ريب فيها و لا إشكال، إنما الإشكال و الإعضال في وحدة الموجود، فإنّ المعقول في بادئ النظر وحدة الوجود، و تعدد الموجود المتحصل من الحدود و القيود و التعينات.

و لكن الذي طفح و طغى في كلمات العرفاء الشامخين و مشايخ الصوفية السالكين و الواصلين، هو وحدة الوجود و وحدة الموجود أيضا، و كانت هذه الكلمة العصماء يلوح بها أكابر العرفاء و الأساطين في القرون الأولى،

____________

(1) -سورة لقمان، الآية 28.

(2) -سورة الكهف، الآية 109.

258

كالجنيد (1) ، و الشبلي‏ (2) ، و بايزيد البسطامي‏ (3) ، و معروف الكرخي‏ (4) ، و أمثالهم، حتى وصلت إلى الحلاج و أقرانه إلى أن نبغ في القرون الوسطى محي الدين العربي و تلميذاه، القونوي‏ (5) ، و القيصري‏ (6) ، فجعلوها فنا من الفنون و المؤلفات الضخام، كالفتوحات المكية و غيرها، و المتون المختصرة كالفصوص و النصوص التي شرحها و نقحها صدر الدين القونوي، و انتشرت عند عرفاء القرون الوسطى من العرب كابن الفارض و ابن عفيف التلمساني‏ (7) و غيرهما.

و من الفرس كثير لا يحصى عددهم، كالعطار (8) و الهاتف‏ (9)

____________

(1) -سعيد بن محمد بن الجنيد القواريري الزاهد المشهور، سلطان الطائفة الصوفية، توفي سنة (297) هـ.

(2) -أبو بكر دلف بن جحدر الشبلي الخراساني البغدادي، من كبار مشايخ الصوفية، نقل أنه كان يبالغ في تعظيم الشرع المطهر، توفي سنة (334) هـ.

(3) -أبو يزيد البسطامي طيفور بن عيسى الصوفي، الزاهد المشهور، توفي سنة (261) هـ.

(4) -معروف بن فيروز الكرخي، أبو محفوظ، أحد أعلام الزهاد و العرفاء، كان من موالي الإمام علي بن موسى الرضا عليه السّلام، توفي ببغداد سنة (200) هـ. أنظر: تنقيح المقال:

ج 3/ص 228؛ الأعلام: ج 3/ص 1056 ط. مصر.

(5) -أبو المعالي صدر الدين محمد بن إسحاق الشافعي القونوي، صاحب التصانيف، توفي سنة (673) هـ.

(6) -داود بن محمود الرومي الساوي، نزيل مصر، صاحب شرح فصوص الحكم القيصري، توفي سنة (751) هـ.

(7) -شمس الدين محمد بن سليمان بن علي، المعروف بـ «ابن العفيف التلمساني» ، و بـ «الشاب الظريف» ، شاعر مترقق، مقبول الشعر، ولد سنة (661) هـ، و توفي سنة (688) هـ. الأعلام: ج 3/ص 902.

(8) -فريد الدين محمد بن إبراهيم النيشابوري، المعروف بـ «الشيخ العطار» ، صاحب الأشعار و المصنفات في التوحيد و المعارف، توفي سنة (627) هـ.

(9) -الهاتف هو السيد أحمد الاصفهاني، الشاعر المشهور، توفي سنة (1198) هـ،

259

و الجامي‏ (1) و أضرابهم.

و أحسن من أبدع فيها نظما العارف التبريزي الشبستري في كتابه المعروف «گلشن راز» .

و خلاصة هذه النظرية: أنّ تلك الطائفة لما أرادوا أن يبالغوا و يبلغوا أقصى مراتب التوحيد الذي ما عليه من مزيد، و أن لا يجعلوا للحق شريكا لا في الربوبية كما هو المعروف عند أرباب الأديان، بل نفوا الشريك له حتى في الوجود، فقالوا: لا موجود سوى الحق، و هذه الكائنات من المجردات و الماديات من أرضين و سماوات، و ما فيها من الأفلاك و الإنسان و الحيوان و النبات، بل العوالم بأجمعها كلها تطوراته و ظهوراته، و ليس في الدار غيره ديار، و كل ما نراه أو نحسّ به أن نتعقله لا وجود له، و إنما الوجود و الموجود هو الحق جلّ شأنه، و نحن أعدام، و ليس وجودنا إلاّ وجوده.

ما عدمهائيم و هستيهانما # تو وجود مطلق و هستى ما

كه همه اوست و نيست جز او # وحده لا إله إلاّ هو

و قد تفنن هؤلاء العرفاء في تقريب هذه النظرية إلى الأذهان، و سبحوا سبحا طويلا في بحر هذا الخيال، و ضربوا له الأمثال، فصوروه تارة بالبحر، و هذه العوالم و الكائنات كأمواج البحر فإنها ليست غير البحر و تطوراته، و ليست

____________

قالمولى عبد اللّه ابن أخت الجامي، توفي سنة (927) هـ.

(1) -المولى عبد الرحمن الجامي الدشتي الصوفي النحوي، المنتهي نسبه إلى محمد بن الحسن الشيباني، و هو صاحب شرح الكافية في النحو، توفي سنة (898) هـ، و قد يطلق الجامي على أبي نصر أحمد بن محمد البجلي المعروف «زنده‏پيل » أحد مشايخ الصوفية، توفي حدود سنة (536) هـ.

260

الأمواج شي‏ء سوى البحر، فإذا تحرك ظهرت، و إذا سكن عدمت و اندحرت، و هو معنى الفناء المشار إليه بقوله تعالى: كُلُّ مَنْ عَلَيْهََا فََانٍ*`وَ يَبْقى‏ََ وَجْهُ رَبِّكَ (1) يفنى وجه الممكن و يبقى وجه الواجب:

چه ممكن گرد امكان برفشاند # بجز واجب ديگر چيزى نماند

نعم، الأمواج تطورات البحر لا شي‏ء موجود غير وجود البحر.

چه درياى است وحدت ليك پر خون # كز او خيزد هزاران موج مجنون‏

هزاران موج خيزد مردم از وى # نگردد قطرهء هرگز كم از وى‏

قالوا: الوجه واحد، و المرايا متعددة.

و ما الوجه إلاّ واحد غير أنه # إذا أنت عددت المرايا تعددا

و كذلك العدد ليس إلاّ تكرار الواحد إلى ما لا نهاية له:

وجود اندر كمال خويش سارى است # تعينها أمور اعتباري است‏

أمور اعتباري نيست موجود # عدد بسيار و يك چيز است معدود

____________

(1) -سورة الرحمن، الآية 26-27.

261

چه واحد گشته در اعداد سارى‏

و من هذا القبيل التمثيل بالشعلة الجوّالة التي ترسم دائرة نارية من سرعة حركتها، و ليست هي إلاّ تلك الشعلة الصغيرة.

همه از وهم تو اين صورت غير # چه نقطه دائره است از سرعت سير

و الوجود واحد و الموجود واحد له ظهورات و تطورات، يتراءى أنها كثرات، و ليس إلاّ الذات و مظاهر الأسماء و الصفات و شئون الجمال و الجلال و القهر و اللطف، و قد رفع الكثير منهم حجب الأستار عن هذه الأسرار حتى أنّ محي الدين العربي‏ (1) عبّر عن كل هذا بتغيير كلمة في البيت المشهور (2) :

____________

(1) -أبو عبد اللّه محمد بن علي الحاتمي الطائي الأندلسي المكي الشامي، صاحب كتاب الفتوحات المكية، المعروف بين العرفاء بـ «الشيخ الأكبر» ، توفي سنة (638) هـ.

(2) -هذا البيت الذي نسبه سماحة شيخنا الإمام-متعنا اللّه تعالى بطول بقائه-إلى الشهرة إنما هو لأبي العتاهية، الشاعر المعروف، و هو أبو إسحاق إسماعيل بن القاسم بن سويد بن كيسان العنزي بالولاء العيني، المولود (130) هـ، و المتوفى (210) أو (211) أو (213) هـ، و المدفون حيال قنطرة الزياتين في الجانب الغربي ببغداد، و يعد من مقدمي المولدين، و في طبقة بشار و أبي نواس و أمثالهما، و نشأ في الكوفة و سكن بغداد.

و عن الصولي أنه كان يتشيع بمذهب الزيدية التبرية، و روي أنه جلس في دكان وراق فأخذ كتابا فكتب على ظهره على البديهة (من المتقارب) :

إلاّ أننا كلنا بائد # و أي بني آدم خالد

و بدؤهم كان من ربهم # و كل إلى ربه عائد

فيا عجبا كيف يعصي الإله # أم كيف يجحده الجاحد

و للّه في كل تحريكة # و في كل تسكينة شاهد

262

____________

ق

و في كل شي‏ء له آية # تدل على أنه الواحد

و في نسخة: «على أنه واحد» و لما انصرف اجتاز أبو نواس الشاعر الشيعي الشهير بالموضع فرأى الأبيات فقال: لمن هذا؟فقيل له: لأبي العتاهية، فقال: لوددتها لي بجميع شعري.

و روى صاحب الأغاني أن أبا العتاهية كان يرمى بالزندقة فجاء يوما إلى الخليل بن أسد النوجشاني، فقال: زعم الناس أني زنديق، و اللّه ما ديني إلاّ التوحيد، فقال له الخليل: فقل شيئا نتحدث به عنك، فقال الأبيات السابقة. أنظر إلى الأنوار الزاهية في ديوان أبي العتاهية المطبوع في بيروت: ص 69 الطبعة الرابعة سنة 1914 م.

أقول: غير خفي على الباحث المنقب أنّ الرمي بالزندقة و الكفر أو الغلو و ما أشبه ذلك ناش في الأغلب من الحسد و الحقد، و من افتراءات الخصوم و المغرضين و المخالفين في المذهب و العقيدة، و لا سيما في حق الشاعر الشيعي أو العالم الديني، أو العارف الإلهي، و لذا نجد بعد البحث و التنقيب و إمعان النظر و التحليل الصحيح أنّ أكثر هذه الأقوال الشائنة في حق الرجال عارية من الصحة، و خالية عن الحقيقة، و لا قيمة لها عند المؤرخ الباحث و المتحري للحقائق، و قد رموا جمعا كثيرا من أكابر الشيعة بالزندقة و الغلو و أمثال هذه المفتريات، و كلها من الهفوات و الشطحات و من التهاب نار البغضاء و العداوة في القلوب و الأحقاد و السخائم في الصدور، و حاشاهم أن يكونوا كذلك، أو يقولوا ما يوجب ذلك.

و حقا أقول: إنّ من العجيب أنّ الشهرة الكاذبة من الخصماء و الأعداء و المغرضين في حق بعض رجال الدين، و نشر الروايات الموضوعة في حقهم و ذمهم و حطهم كانت بدرجة حتى صارت منشأ لاشتباه بعض علمائنا الرجاليين في حق بعض هؤلاء العظماء و ذهولهم عن كيد الأعداء في حق هؤلاء الأتقياء، كما اتفق ذلك في حق معلى بن خنيس الكوفي المدني، و محمد بن سنان الزاهري الخزاعي، و مفضل بن عمر، و جابر الجعفي، و أمثالهم، رضوان اللّه عليهم، و معلى من أصحاب الإمام الصادق عليه السّلام و خواصه و صاحب سرّه، و وكيله و أمينه في جباية الأموال و جمعها من شيعته و إيصالها إليه، و قد شهد الإمام له بالجنة، و هو من أجلاء الشيعة، و جلالته و زعامته بينهم بمثابة لم تخف حتى على علماء أهل السنة.

فقد قال ابن حجر العسقلاني في «لسان الميزان» : ج 6/ص 63 طبع حيدرآباد: «معلى بن خنيس الكوفي من كبار الروافض» أمر بقتله داود بن علي العباسي، و صلبه، و فاز بالشهادة،

263

____________

قو نال السعادة، و لم يصبر الإمام الصادق عليه السّلام على هذه الفاجعة حتى أمر ابنه إسماعيل بقتل قاتله، و هو السيرافي صاحب شرطة داود، و دعا اللّه تعالى على داود حتى أهلكه اللّه في ليلة واحدة، و وردت الروايات الكثيرة عن الصادق عليه السّلام في شأنه و كونه صاحب سر الإمام عليه السّلام، و لذا صرّح المحققون من علمائنا الباحثين في علم الرجال و منهم السيد ابن طاوس، و المجلسي الأول، و المحقق البحراني، و الوحيد البهبهاني، و الشيخ عبد النبي الكاظمي، و غيرهم-قدس اللّه أسرارهم-بجلالة قدره و علو شأنه.

و قال شيخ الطائفة الشيخ أبو جعفر الطوسي قدّس سرّه في كتاب الغيبة: إن المعلى كان من قوام أبي عبد اللّه عليه السّلام، و كان محمودا عنده، و مضى على منهاجه.

و أيضا صرح جمع منهم في نتيجة بحوثهم القيمة بتوثيقه و تعديله، كالعلامة الأردبيلي في جامع الرواة، و المجتهد المحقق شيخنا العلامة المامقاني قدّس سرّه في تنقيح المقال، فراجع تجد بحثا علميا ضافيا حول ترجمة الرجل.

و من النغمات العجيبة و النزعات الممقوتة في القرن العشرين ما تفوه به بعض أهل عصرنا في حق المعلى، حيث رماه بالمجوسية، غفرانك اللهم من هذا البهتان العظيم و الإفك الصريح، و الجرأة العظيمة في حق خاصة الإمام و وكيله، و قد أتى بهذا القول الشائن بعد القرون المتمادية رجما بالغيب في حق رجل جليل بري‏ء من هذه السفاسف و المفتريات.

نعم، إنّ حب الشي‏ء يعمي و يصم، حيث إنه سولت له نفسه جرح رجل كبير من أعاظم الشيعة لإثبات بعض أغراضه و دعاويه الموقدة نارة التفرقة بين المسلمين، مع أنهم عموما و الشيعة خصوصا، في أمس الحاجة اليوم إلى وحدة الكلمة، و نبذ الفرقة، و ترك العداء و رفض الضغائن عصمنا اللّه تعالى عن التفوه بما يسخطه.

و نظير هذه الافتراءات من أرباب الأغراض و الأضغان-كما هو شأن الخصوم في كل عصر و زمان-ما اشتهر في حق أبي العتاهية، حيث رموه بالزندقة حتى أفهموا العامة و الهمج الرعاع بهذا المعنى.

قال جامع ديوانه في مقدمته: ص 10: «و كانت طبقته الأولى تعيبه حسدا له و بغضا، حتى قالوا إنه لا يؤمن بالبعث، و إنه زنديق، و إن شعره و مواعظه إنما هي في ذكر الموت، و قد بان في شعره-لمن طالعه و عنى به-كذبهم، و افتراؤهم لما فيه من ذكر التوحيد و ذكر البعث‏

264

و في كل شي‏ء له آية # تدل على أنّه واحد

فقال: «تدل على أنه عينه» ثمّ تحامل و تقحم إلى ما هو أصرح و أعظم، حيث قال:

سبحان من حجّب ناسوته # نور سنا لاهوته الثاقب‏

ثمّ بدا في خلقه بارزا # بصورة الآكل و الشارب‏

و مشى على السبيل المتوعر كثير من شعراء العرب و عرفائهم في القرون الوسطى يحمل رايتهم و يفرضها ابن الفارض‏ (1) في أكثر شعره، و لا سيما تائيته الصغرى و الكبرى التي يقول فيها:

هو الواحد الفرد الكثير بنفسه # و ليس سواه إن نظرت بدقة

بدا ظاهرا للكل في الكل بيننا # نشاهده بالعين في كل ذرة

____________

قو الإقرار بالجنة و النار و الوعد و الوعيد» .

فيا سبحان اللّه هل كان هذا التكفير في كل زمان، و الحكم في كل أوان بزندقة من تكلم في التوحيد و صفات الحق و آثار عظمة جلاله و جماله؟و هل يرمى في كل الأعصار من أفصح بذكر الموت و تزكية النفس و الزهد في الدنيا و الإعراض عنها، أو صدع بمناقب أهل بيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله بالتصوف، أو الغلو، أو الالحاد، أو في هذا العصر التعيس بالمجوسية السوداء؟و إليك يا رب المشتكى.

القاضي الطباطبائي‏

(1) -شرف الدين أبو القاسم عمر بن علي الحموي المصري العارف المشهور، صاحب القصيدة التائية المعروفة، توفي سنة (632) هـ بالقاهرة.

265

فكل مشاهد محسوس من الذرة إلى الذرى، و من العرش إلى الثرى، هي أطواره و أنواره و مظاهره و تجلياته، و هو الوجود الحق المطلق و لا شي‏ء غيره، فإذا قلت لهم: فالأصنام و الأوثان، يقول لك العارف الشبستري:

مسلمان گر بدانستى كه بت چيست # بدانستى كه دين در بت‏پرستيست‏

و إذا قلت: فالقاذورات، قالوا: نور الشمس إذا وقع على النجاسة هو ذلك النور الطاهر، و لا تؤثر عليه النجاسة شيئا:

نور خورشيد ار بيفتد بر حدث # نور همان نور است نبپذيرد خبث‏

و ما اكتفوا بهذه التمثيلات و التقريبات حتى أخضعوا هذه النظرية المتمردة على العقول لسلطان البرهان الساطع و الدليل القاطع.

و بيانه بتنقيح و توضيح منّا بعد مقدمتين وجيزتين:

الأولى: أنّ الوجود و العدم نقيضان، و النقيضان لا يجتمعان، و لا يقبل أحدهما الآخر بالضرورة، فالوجود لا يقبل العدم، و العدم لا يقبل الوجود، يعني أن الموجود يستحيل أن يكون معدوما، و المعدوم يستحيل أن يكون موجودا، و إلاّ لزم أن يقبل الشي‏ء ضده و نقيضه، و هو محال بالبداهة.

الثانية: أنّ قلب الحقائق مستحيل، فحقيقة الإنسان يستحيل أن تكون حجرا، و حقيقة الحجر تستحيل أن تكون إنسانا، و هذا لمن تدبره من أوضح الواضحات، فالعدم يستحيل أن يكون وجودا، و الوجود يستحيل أن يكون عدما.

266

و بعد وضوح هاتين المقدمتين نقول: لو كان لهذه الكائنات المحسوسة وجود بنفسها لاستحال عليها العدم؛ لأنّ الوجود لا يقبل العدم، و هو منافر له، و ضد له بطبيعته، مع أننا نراها بالعيان توجد و تعدم و تظهر و تفنى، فلا محيص من الالتزام بأنها غير موجودة، و ليس الموجود إلاّ وجود واجب الوجود الأزلي الحق الذي يستحيل عليه العدم بطبيعة ذاته المقدسة، و كل ما نراه من هذه الكائنات التي نحسبها بالوهم موجودة هي أطواره و مظاهره يفيضها و يقبضها، يبقيها و يفنيها، و يأخذها و يعطيها، و هو المانع و المعطي، و القابض و الباسط، و هو على كل شي‏ء قدير، و كل شي‏ء هالك إلاّ وجهه، و كل الأشياء تجلياته و ظهوراته و إشراقاته و أنواره، و كل الكائنات و الممكنات كلها مضافة إليه بالإضافة الإشراقية لا المقولية، أطرافها اثنان لا ثلاثة.

و سواء قلنا بأنّ هذا البرهان صخرة صماء لا تمسه أظافر الخدشة، أو أنّ للمناقشة فيه مجالا فهو برهان منطقي على أصول الحكمة و المنطق، هذا عدا ما يدعونه من الشهود و المكاشفة و العيان الذي هو أسمى من الدليل و البرهان؛ إذ يقولون: إنّ الدليل عكازة الأعمى:

پاى استدلاليان چوبين بود # پاى چوبين سخت بى‏تمكين بود (1)

***

____________

(1) -هذا البيت للعارف الرومي صاحب «المثنوي» ، و انتقده سيد الحكماء السيد الداماد قدّس سرّه بأبيات فارسية مذكورة في ديوانه: ص 20-21 ط. اصفهان سنة (1350) هـ، منها قوله قدّس سرّه:

اى كه گفتى پاى چوبين شد دليل # ورنه بودى فخر رازى بى‏بديل

فخر رازى نيست جز مرد شكوك # گر تو مردى از نصير الدين بكوك‏

267

زهى احمق كه او خورشيد تابان # بنور شمع جويد در بيابان‏

در آن جائى كه نور حق دليل است # چه جاى گفتگوى جبرئيل است‏

سبحانك أ يكون لغيرك من الظهور ما ليس لك حتى يكون هو المظهر لك؟ متى غبت حتى تحتاج إلى دليل يدل عليك؟و متى بعدت حتى تحتاج إلى ما يوصلنا إليك؟عميت عين لا تراك و لا تزال عليها رقيبا (1) .

و مع هذا كله فإنّ علماء الظاهر، و أمناء الشرع يقولون: إنّ سالك هذا الطريق كافر زنديق، و هذه الطريقة-أعني وحدة الوجود و الموجود-عندهم زندقة و إلحاد، تضاد عامة الشرائع و الأديان، مهما قام عليها الدليل و البرهان؛ إذ حينئذ أين الرب و المربوب؟أين الخالق و المخلوق؟و ما معنى الشرائع و التكاليف؟و ما هو الثواب و العقاب؟و ما الجنة و النار؟و ما المؤمن و الكافر؟ و الشقي و السعيد؟إلى آخر ما هنالك من المحاذير و اللوازم الفاسدة.

____________

ق

هست در تحقيق برهان او ستاد # داده خاك خرمن شبهت بباد

در كتاب حق اولو الألباب بين # و ان تدبر را كه كرده است آفرين‏

چيست آن جز مسلك عقل مصون # گر ندارى هستى از لا يعقلون‏

از آهن تثبيت فياض مبين # پاى استدلال كردم آهنين‏

پاى برهان آهنين خواهى براه # از (صراط المستقيم) ما بخواه‏

پاى استدلال خواهى آهنين # (نحن ثبتناه في الأفق المبين)

(1) -هذه الكلمات النيرة-بتغيير يسير-من عبارات دعاء عرفة لسيد الشهداء-سلام اللّه عليه-نقلها السيد رضي الدين ابن طاوس قدّس سرّه في كتابه «الإقبال» .

القاضي الطباطبائي‏

268

و لعل هذا هو مدرك ما ذكره السيد الأستاذ قدّس سرّه «في العروة الوثقى» ما نصه‏ (1) : «القائلين بوحدة الوجود من الصوفية إذا التزموا بأحكام الإسلام فالأقوى عدم نجاستهم» .

و إذا أحطت خبرا بما ذكرنا تعرف ما في هذا و أمثاله من كلمات الفقهاء رضوان اللّه عليهم، و أني لا أرى من العدل و الإنصاف، و لا من الورع و السداد، المبادرة إلى تكفير من يريد المبالغة في التوحيد، و عدم جعل الشريك للّه تعالى في كل كمال، و الكمال و الوجود كله للّه وحده لا شريك له، و مع ذلك فهم يؤمنون بالشرائع، و النبوات، و الحساب و العقاب و الثواب، و التكاليف بأجمعها على ظواهرها، فالحقيقة لا تصح عندهم و لا تنفع بدون الطريقة، و الطريقة لا تجدي بدون الشريعة، و الشريعة هي الأساس، و بها يتوصل ملازم العبادة إلى أقصى منازل السعادة.

و عندهم في هذه المسائل مراحل و منازل و تحقيقات أنيقة، و تطبيقات رشيقة، و معارج يرتقي السالك بها إلى أسمى المناهج، و مؤلفات مختصرة و مطولة فوق حد الإحصاء، نظما و نثرا و أذكارا، سرا و جهرا، و رياضات و مجاهدات لتهذيب النفس و تصفيتها كي تستعد للحوق بالملإ الأعلى، و المبدأ الأول، و هناك من البهجة و المسرة و الجمال و الجلال ما لا عين رأت و لا أذن سمعت، و لا خطر على قلب بشر.

و هاهنا أسرار عميقة، و مباحث دقيقة لا تحيط بها العبارة، و لا تدركها الإشارة، فلنتركها لأهلها، و نسأله تعالى أن يفيض علينا من فضله بفضلها.

____________

(1) -في فصل النجاسات، و أن منها الكافر بأقسامه، مسألة: 2.

269

نعم، لا ريب أن كل طائفة اندس فيها من ليس من أهلها من الدخلاء و أهل الأهواء حتى يكاد أن يغلبوا على أربابها الأصحاء، فلا ينبغي ضرب الجميع بسهم واحد، و أخذهم أو نبذهم على سواء، كما أن بعض المتطرفين المتوغلين في الغرام و الهيام و الشوق إلى ذلك المقام الأسمى قد توقدت شعلة المعرفة في قلوبهم فلم يستطيعوا ضبط عقولهم و ألسنتهم، فصدرت منهم شطحات لا تليق بمقام العبودية، مثل قوله بعضهم: «أنا الحق» «و ما في جبتي إلاّ الحق» ، و أعظم منها في الجرأة و الغلط و الشطط قول بعضهم: «سبحاني ما أعظم شأني» .

و هذه الكلمات قد حملها الثابتون منهم على أنها صدرت من البعض حالة المحو لا حالة الصحو، و في مقام الفناء في الذات، لا في مقام الاستقلال و الثبات، و لو صدرت في غير هذه الحال لكانت كفرا.

على أن المنقول عن الحلاج‏ (1) أنه قال للذين اجتمعوا على قتله: اقتلوني فإنّ دمي لكم مباح؛ لأني قد تجاوزت الحدود، و من تجاوز الحدود «أقيمت عليه الحدود» .

و لكن العارف الشبستري‏ (2) التمس العذر لهذه الشطحات، و حملها على

____________

(1) -أبو معتب الحسين بن منصور الحلاج، الصوفي الشهير، قتل في سنة (309) هـ ببغداد، اختلف الناس حتى الصوفية في حقه. أنظر: الفهرست لابن النديم: ص 269-272 ط.

مصر؛ تنقيح المقال: ج 1/ص 345 ط. النجف؛ الكنى و الألقاب: ج 2/ص 164 ط.

صيدا.

(2) -سعد الدين محمود بن أمين الدين التبريزي الشبستري، من أكابر العرفاء و الحكماء، صاحب كتاب «گلشن راز» ، الذي ناهز شروحه عن أحد عشر شرحا، توفي سنة (720) ه

270

أحسن وجه، حيث قال:

أنا الحق كشف ان أسرار مطلق # بجز حق كيست تا گويد أنا الحق‏

روا باشد انا الحق از درختى # چرا نبود روا از نيك بختى‏

يقول: من ذا يستطيع غير الحق أن يقول أنا الحق، و إذا صح و حسن من الشجرة أن تقول: أنا اللّه، فلما ذا لا يحسن ذلك من العارف الحسن الحظ.

و حقا أقول: إنّ من أجال فكره، و أمعن النظر في جملة من آيات القرآن العزيز، و كلمات النبي و الأئمة المعصومين-سلام اللّه عليهم-و أدعيتهم و أورادهم سيجد في الكثير منها الإشارة إلى تلك النظرية العبقرية، و قد شاعت كلمة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، و هي قوله-سلام اللّه عليه-: «أصدق كلمة قالها شاعر قول لبيد» (1) :

____________

قو لم يتجاوز عمره عن (33) سنة، و قد عد في كشف الظنون بعض مؤلفاته من كتب الشيعة، و كذا شيخنا البحاثة المحقق في الذريعة. أنظر: ج 4/ص 158، و ج 7/ص 42 ط.

طهران.

(1) -لبيد بن ربيعة العامري الأنصاري، من الشعراء المخضرمين، يقال: إنه مات في زمن معاوية و هو ابن مائة و سبع و خمسين سنة، و لم يقل شعرا في الإسلام إلاّ بيتا واحدا و هو قوله:

الحمد للّه إذ لم يأتني أجلي # حتى كساني من الإسلام سربالا

و قال له عمر: أنشدني من شعرك، فقرأ سورة البقرة، و قال: ما كنت لأقول شعرا بعد إذ علمني اللّه سورة البقرة. (الشعر و الشعراء لابن قتيبة: ص 50 ط 1. مصر سنة 1322 هـ) .

غ

271

ألا كل شي‏ء ما خلا اللّه باطل‏ (1)

و قد تضمنت هذه الكلمة في طياتها كل ما قاله العرفاء الشامخون من أنّ الأشياء أعدام؛ إذ ليس الباطل إلاّ العدم، و ليس الحق إلاّ الوجود، فالأشياء كلها باطلة و أعدام، و ليس الحي و الموجود إلاّ واجب الوجود.

و هذا كل ما يقوله و يعتقده أولئك القوم، أفاض اللّه سبحانه هذه الكلمة على لسان ذلك الشاعر العربي الذي عاش أكثر عمره في الجاهلية، و أدرك في أخريات حياته شرف الإسلام فأسلم، و قد صدق تلك الجوهرة الثمينة الصادق الأمين، و مثلها كلمة ولده صادق أهل البيت-سلام اللّه عليه-: «العبودية جوهرة كنهها الربوبية» ، بل لو أمعنت النظر في جملة من مفردات القرآن المجيد تجدها وافية بذلك الغرض واضحة جلية، مثل قوله تعالى: كُلُّ مَنْ عَلَيْهََا فََانٍ (2) ، و كُلُّ شَيْ‏ءٍ هََالِكٌ إِلاََّ وَجْهَهُ (3) ، فإنّ المشتق حقيقة فيمن تلبّس بالمبدإ حالا، فكل شي‏ء فان فعلا و هالك حالا، لا أنه سوف يهلك و يفنى.

و مهما أحاول أن أوضح الحقيقة أجدها عني أبعد من الشمس، بيد أنها أجلى منها، و أنى لهذا اليراع القصير و العقل الصغير أن يجرأ فيتناول جرعة من ذلك البحر الغزير، يا من بعد في دنوّه، و دنى في علوه، ربّنا عليك توكلنا و إليك أنبنا و إليك المصير، سبحانك لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك، و فوق ما يقول القائلون، و إنا للّه و إنا إليه راجعون.

____________

(1) -و المصرع الثاني قوله: «و كل نعيم لا محالة زائل» ، و بعده هذا البيت:

سوى جنة الفردوس أن نعيمها # يدوم و أن الموت لا بد نازل‏

(2) -سورة الرحمن، الآية 26.

(3) -سورة القصص، الآية 88.

272

و حيث وفّقنا جل شأنه لذكر ثلاث مسائل مهمة من مسائل الحكمة نشرت بهذا «الفردوس» ، و هي: قاعدة الواحد لا يصدر عنه إلاّ الواحد، و معنى العقول العشرة، و وحدة الوجود و الموجود، رأينا من المناسب أن نعزّزهن برابعة من معضلات الشرع و الدين، و التي قصرت عنها في الغالب الأدلة و البراهين، و هي قضية «المعاد الجسماني» ، التي ينسب إلى الشيخ الرئيس أبي علي بن سينا رحمه اللّه أنه قال ما مضمونه: إنّ العقل قاصر عن إثباتها، و لا تتم إلاّ من ناحية الشرع.

273

المعاد الجسماني‏

المهم و الاعضال في هذا الموضوع هو تصور كيف يعود هذا الجسم العنصري، التي تعتور عليه الأطوار و الأدوار المختلفة المتنوعة، التي ينتقل فيها من دور إلى دور، لا يدخل في واحد إلاّ بعد مفارقة ما قبله، و لا يتشكل إلاّ بشكل يباينه ما بعده، ينشأ جنينا، ثمّ طفلا رضيعا، ثمّ صبيا و غلاما، ثمّ شبابا و كهلا، ثمّ شيخا و هرما، فبأي صورة من هذه الصور يبعث؟و أي جسم من هذه الأجسام يعود؟

ثمّ كيف يعود، و قد تفرق و رجع كل شي‏ء إلى أصله غازا و ترابا، و كل ما فيه من عناصر، و لو جمعت كلها و أعيدت فهو خلق جديد و جسد حادث، غايته أنه مثل الأول لا عين الأول؟مضافا إلى الشبهات الكثيرة، كاستحالة إعادة المعدوم، و شبهة الآكل و المأكول و غير ذلك.

و حيث إنّ الاعتقاد بالمعاد-روحا و جسما-يعدّ من أصول الدين الخمسة، أو من دعائم الإسلام الثلاثة: التوحيد، و النبوة، و المعاد، و مهما كان فلا مجال للشك بأنّ المعاد الجسماني على الإجمال من ضروريات دين الإسلام، و هل الضروري من الدين إلاّ ما يكون التدين بذلك الدين مستلزما للاعتقاد و التدين به؟

مثلا وجوب الصلاة من ضروريات دين الإسلام، فهل يعقل الالتزام بدين الإسلام مع عدم الالتزام بوجوب الصلاة؟و التصديق بنبوة النبي صلّى اللّه عليه و آله عبارة عن‏

274

التصديق بأنّ كل ما جاء به حق و هو من اللّه جل شأنه.

و هذا القدر يكفي في الاعتقاد بالمعاد، و لا حاجة إلى أكثر من هذا للخروج من عهدة التكليف الشرعي أو العقل، و لا يلزم معرفة كيف يعود؟و متى يعود؟و أين يعود؟فإنّ التكليف بمعرفتها تكليف شاق على الخواص، فكيف بغيرهم؟فإنه يكاد يكون تكليفا بما لا يطاق، و العلم اللازم في أصول الدين لا يقدح فيه الإجمال، و لا يلزم فيه أن يكون قادرا على البرهنة و الاستدلال، بل يكفي فيه حصوله من أي سبب كان، و عدم جواز التقليد في أصول الدين يراد منه عدم كفاية الظن و لزوم القطع و اليقين، لا لزوم إقامة الحجج و البراهين.

و الغاية من هذا البيان و الغرض الأقصى به أنه لا يجب على المكلفين -و لا سيما العوام-البحث عن كيفية المعاد الجسماني، بل قد لا يجوز لهم ذلك، كسائر قضايا القواعد النظرية و المباحث الحكمية مثل قضية القضاء و القدر و الخير و الشر، و الاختيار و الجبر، و ما إلى ذلك من المعضلات العويصة؛ إذ قد تعلق الشبهة بذهن أحدهم‏ (1) و لا يقدر على التخلص منها، فيكون من الهالكين،

____________

(1) -فإنّ الشبهة قد تثبت بالخاطر و تعلق به و يضل فهم أحدهم عن ذكر الجواب إذ الشبهة قد تكون جلية واضحة و لكن الجواب عنها يكون دقيقا علميا غامضا لا يحتمله عقله، فيتورط في الهلكة، كما صرح به الإمام المحقق نصير الدين الطوسي قدّس سرّه أيضا في كلام أجاب به عن بعض من سأله عن إيمان الجاهل بأدلة المعارف الخمسة، و صدع قدّس سرّه بإيمانه و إن كان جاهلا بأدلتها تفصيلا، و نقل تلك الرسالة الوجيزة بتمامها العلامة ابن أبي جمهور الأحسائي قدّس سرّه في كتابه «معين المعين» المخطوط، و نقلها أيضا القاضي نور اللّه الشهيد رحمه اللّه في مجالس المؤمنين، و العلامة الفيض القاشاني رحمه اللّه في كتابه المحجة البيضاء، و لكن بتغيير في بعض العبارات.

و الظاهر أنّ الرسالة المذكورة هي التي أشار إليها الشيخ الأنصاري قدّس سرّه في «الرسائل» ، في‏

275

كما هلك إبليس اللعين بشبهة: خلقتني من نار و خلقته من طين.

فالأولى بل الأسلم هو الالتجاء إلى العلم الحاصل من النقل من كتاب و سنة، و اعتبارات يستفاد من مجموعها اليقين، بأنّ المعاد الجسماني مثلا من أصول الدين، و يلتزم به و يقف عند هذا الحد، و على هذه الجملة و الإجمال لا يتجاوزه إلى تفاصيل الأحوال.

أما الاستدلال عليه كما قد يقال: بأنه ممكن عقلا، و قد أخبر به الصادق الأمين فيجب تصديقه، فهو دليل لا مناعة فيه لدفع الإشكال؛ فإن المانع يمنع الصغرى و يدعي أنه ممتنع عقلا، إما لاستحالة إعادة المعدوم أو لغير ذلك من المحاذير المعروفة، و حينئذ فإذا ورد ما يدل عليه بظاهر الشرع فاللازم تأويله كي لا يعارض النقل دليل العقل، كما في سائر الظواهر القرآنية، مثل: يَدُ اَللََّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ، و اَلرَّحْمََنُ عَلَى اَلْعَرْشِ ، إلى كثير من أمثالها مما هو ظاهر في التجسيم المستحيل عقلا.

إذا، أ ليس الأسد و الأسعد للإنسان القناعة بالسنة و القرآن، و ترك البحث و التعمق، و طلب التفصيل في كل ما هو من هذا القبيل؟

و لعل هذا المراد من الكلمة المأثورة (1) «عليكم بدين العجائز» أي

____________

قالكلام في اعتبار الظن في أصول الدين.

القاضي الطباطبائي‏

(1) -مراد شيخنا الإمام-دام ظله-من كون تلك الكلمة مأثورة: هو كونها مأثورة عن بعض السلف، لا أنها مأثورة بهذه العبارة عن أحد المعصومين عليهم السّلام؛ لأنها ليست من المأثورات عن النبي صلّى اللّه عليه و آله أو أهل بيته عليهم السّلام، و لم يروها أحد من المحدثين بطرق أصحابنا الإمامية، أو بطرق أهل السنة في الجوامع الحديثية عنهم-صلوات اللّه عليهم-كما حققنا ذلك تفصيلا

276

اعتقاد الطاعنين أو الطاعنات في السن؛ فإنّ من نشأ على عقيدة و شب و شاب عليها تكون في أقصى مراتب الرسوخ و القوة، و لا تزيله كل الشبهات و التشكيكات عنها، و إن كانت العقيدة عنده مجردة عن كل دليل، بل تلقاها من الآباء و الأمهات‏ إِنََّا وَجَدْنََا آبََاءَنََا عَلى‏ََ أُمَّةٍ وَ إِنََّا عَلى‏ََ آثََارِهِمْ مُقْتَدُونَ .

و لعل في الكلمة «العجائز» تلميحا أيضا إلى العجز عن إقامة الدليل، فإن أهل الاستدلال و الصناعات العلمية غالبا أقرب إلى التشكيك من أولئك البسطاء

____________

قفي بعض مجاميعنا.

و قال الحافظ أبو الفضل محمد بن طاهر بن أحمد المقدسي في كتابه «تذكرة الموضوعات» :

ص 40 ط 2. مصر سنة 1354: «عليكم بدين العجائز، ليس له أصل من رواية صحيحة، و لا سقيمة، إلاّ لمحمد بن عبد الرحمن البيلماني بغير هذه العبارة له نسخة كان يتهم» .

و ذهب جماعة من العلماء كالشيخ البهائي و تلميذه الفاضل الجواد و الفاضل المازندراني إلى أن تلك الكلمة من كلام سفيان الثوري، من متصوفة العامة. و قال القوشجي في شرح التجريد: إن عمرو بن عبيدة لما أثبت منزلة بين الكفر و الإيمان فقالت عجوزة: قال اللّه تعالى: هُوَ اَلَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كََافِرٌ وَ مِنْكُمْ مُؤْمِنٌ فلم يجعل اللّه من عباده إلاّ الكافر و المؤمن، فقال سفيان: عليكم بدين العجائز.

و قال المحقق القمي قدّس سرّه صاحب القوانين: «المذكور في الألسنة و المستفاد من كلام المحقق البهائي قدّس سرّه في حاشية الزبدة أنّ هذا هو حكاية دولابها و كف اليد عن تحريكها لإظهار اعتقادها بوجود الصانع المحرك للأفلاك المدبر للعالم» .

و حكى سيد الحكماء السيد الداماد قدّس سرّه في «الرواشح السماوية» : ص 202 ط. طهران، عن بعض العلماء: أن «عليكم بدين العجائز» من الموضوعات، و عن كتاب «البدر المنير» أنه لا أصل له بهذا اللفظ.

و لكن روى الديلمي مرفوعا: إذا كان في آخر الزمان، و اختلفت الأهواء فعليكم بدين أهل البادية و النساء، قفوا على ظواهر الشريعة و إياكم و التعمق إلى المعاني الدقيقة، أي فإنه ليس هناك من يفهمها. انتهى.

القاضي الطباطبائي‏

277

المتصلبين في عقائدهم غلطا كانت في الواقع أو صوابا، و لذلك كانت الأنبياء -سلام اللّه عليهم-يقاسون أنواع البلاء و أشد العناء في إقناع أمّتهم بفساد عقائدهم و إقلاعهم عنها عن عبادة الأصنام أو غيرها، و البساطة في كل شي‏ء أقرب إلى البقاء و الدوام من التركيب و الانضمام، و البسائط أثبت من المركبات؛ لقبول الأجزاء الانحلال و التفكك.

و لعل هذا هو السبب في جعل الاعتماد في الاعتقاد بالمعاد و الجسماني منه خاصة على ظواهر الشرع و الأدلة النقلية دون العقلية من بعض أكابر الحكماء كالشيخ الرئيس ابن سينا قدّس سرّه، حيث قال في المقالة التاسعة من إلهيات الشفاء «فصل في المعاد» : و بالحري أن نحقق هاهنا أحوال النفس الإنسانية إذا فارقت أبدانها، و أنها إلى أي حالة تعود، فنقول: يجب أن يعلم أن المعاد منه ما هو مقبول من الشرع، و لا سبيل إلى إثباته إلاّ من طريق الشريعة، و تصديق خبر النبوة، و هو الذي للبدن عند البعث و خيرات البدن و شروره معلومة، و قد بسطت الشريعة الحقة التي أتانا بها سيدنا و نبينا و مولانا محمد بن عبد اللّه صلّى اللّه عليه و آله حال السعادة و الشقاوة التي بحسب البدن، و منه ما هو مدرك بالعقل و القياس البرهاني، و قد صدقته النبوة، و هما السعادة أو الشقاوة التي للأنفس. انتهى محل الحاجة منه.

و عليه فمن حصل له الاعتقاد بالمعاد من الأدلة السمعية، و لم تعرض له فيه شبهة توجب تشكيكه لرسوخ عقيدته و قوتها فقد وفق و أصاب، و بلغ النصاب، و لا ينبغي، بل قد لا يجوز له الخوض في الأدلة العقلية و الأصول النظرية، و لكن من عرضته الشبهة و اعتقد بالاستحالة و الامتناع عقلا و أنه لا بد من تأويل الظواهر الشرعية كي لا يتنافى الشرع مع العقل و يسقط عنده قول‏

278

المستدل: أنه ممكن، و أخبر به الصادق الأمين؛ لاندفاعه عنده بما أشرنا إليه قريبا، فلا بد حينئذ من رفع هذه الدعوى-أعني دعوى الاستحالة و الامتناع- و إثبات أنه ممكن عقلا، بل واقع، فاللازم إثبات إمكانه الذاتي، و إمكانه الوقوعي؛ إبقاء للأدلة الشرعية على ظواهرها، و قطع أيدي التأويل عن منيع مقامها.

و حيث إنّ الحاجة إلى النظر في هذه القضية لا بد أن يكون من غير الظواهر النقلية، بل من المبادئ العقلية، فاعلم أولا أنّ الأقوال في المعاد أربعة:

أحدها: إنكاره مطلقا، لا جسما و لا روحا، و هو قول جميع الملاحدة و الطبيعيين الذين ينكرون المبدأ، فكيف المعاد؟و هما متلازمان في المفاد، و بينهما أقوى مراتب الاتحاد، و إثبات المبدأ يكفي في إبطال هذا القول. راجع الجزء الأول من «الدين و الإسلام» تجد فيه لإثبات الصانع ما يغنيك عن غيره، بأجلى بيان، و أقوى برهان.

ثانيها: إثبات المعاد الروحاني فقط؛ نظرا إلى أنّ الأرواح مجرّدة و المجرد باق، و الجسم مركب من عناصر شتى، و إذا فارقته الروح و دخلت في عالم المفارقات انحل هذا المركب و لحق كل عنصر بأصله، و انعدم و تلاشى ذلك المركب، و انعدمت تلك الصورة، و المعدوم يستحيل عوده، و الروح باقية، و هي التي تعاد للحساب و إنجاز عملية الثواب و العقاب، و لعل إلى هذا الرأي المثالي أو الخيالي يشير المعلم الثاني أبو نصر الفارابي قدّس سرّه‏ (1) في أرجوزته التي يقول

____________

(1) -محمد بن محمد بن طرخان أبو نصر الفارابي، و يعرف بالمعلم الثاني، من أكبر حكماء المسلمين و فلاسفتهم المشاهير، و هو تركي الأصل مستعرب، ولد في فاراب (260 هـ) ،

279

____________

قو انتقل إلى بغداد، فنشأ فيها و رحل إلى الشام و اتصل بسيف الدولة الهمداني، و توفي في دمشق سنة 339 هـ و صلى عليه سيف الدولة في أربعة من خواصه متسترا، و كان مقدما في كل الفنون، لم يشاركه في التعليم أحد إلاّ المعلم الأول (أرسطو) ، و له نحو مائة تصنيف، و بكتبه تخرج الشيخ الرئيس أبو علي ابن سينا، و لولاه لم يكن أبو علي رئيسا لحكماء الإسلام كما نقل عن ابن سينا نفسه، و كان يحسن أكثر اللغات الشرقية المعروفة في عصره، و كان أزهد الناس في الدنيا و الإعراض عنها، و لا شك في تشيعه و حسن عقيدته، و لكنه أيضا كأمثاله من الأكابر وقع هدفا لسهام اللوم و التكفير و الطعن و التفنيد، و قد تقدم منا أنه لا وقع في التأريخ الصحيح بهذه التهم و الأفائك؛ لأنّ أغلب الأكابر لم يسلموا عن هذه السهام المسمومة، و لم يشذ أحد منهم عن القذف بالمروق و الشذوذ و ما شابه ذلك، و لم يسلم أكثرهم سواء في حياتهم أو بعد مماتهم عن الكلمات الخاطئة و التحامل عليهم بالقول الزور و بكل أفيكة، و لذا لا ينبغي التسرع إلى تلقي تلك الكلمات الشائنة في حقهم بالقبول و الإصغاء إليها كما صرح به العلامة الوحيد البهبهاني قدّس سرّه و غيرهم؛ لأنّ للرمي بالتكفير و التفسيق و ما شابههما جهات و أسباب مختلفة لا يسعنا المقام ذكرها، منها الجهل و قصور الفهم، و عدم القابلية و الاستعداد لدرك الحقائق، و نقصان الغريزة عن فهم المطالب الغامضة و المعاني الدقيقة التي دبجوا الأكابر تضاعيف عباراتهم المعضلة و كلماتهم المتشابهة بها، و هي ودائع منهم لأهلها، و لمن نال استعداد فهمها و حفظها، فصلوات اللّه و تسليماته على من تكلم بهذه الكلمة النيرة إن «هذه القلوب أوعية و خيرها أوعاها» .

و من الواجب على رواد العلم و حملة الفضيلة أن يمعنوا النظر في تلك الكلمات و العبارات و المطالب الغوامض و يحملوها على الصحة و السداد لا على الاعوجاج و الفساد، مع الذهول عن المقصود، و الغفلة عن المراد، و يتركوا الجمود و الخمود، مع التجنب عن الاضطهاد و التباعد عن البغضاء و العناد و نبذ المعاداة و التهمات، و إلى غيرها من الصفات و الموبقات، و أن يحملوا كلمات كل طائفة على ما هو ظاهر عندهم و معلوم لديهم، مع رعاية مصطلحاتهم و معرفة اصطلاحاتهم، و إياهم و التداخل في العلوم التي لم يحوموا حولها، و لم يدرسوها بالدراسة التحليلية عند أساتذتها كما أشار بذلك شيخنا و أستاذنا الإمام العلامة- أدام اللّه أيامه-فيما تقدم من ترجمة كلماته الشريفة ص 41-43؛ فإنهم إن لم يراعوا هذه‏

280

____________

قالطريقة المثلى و الشرعة الوسطى، و لم يرفضوا المشاغبات و المضاربات من جميع الجهات، و لم يتركوا المطاعنات و المشاحنات من كافة نواحيها، فلا محالة يتورطون في المهالك و المسالك الوعرة، و الغياهب المدهشة.

و أخزى تلك النكبات و الهلكات تكفير قوم بغير حق، و هذه هلكة هلكاء، و شقة سوداء، و لذا لم يكد يسلم أكثر الأكابر في كل الأعصار و حتى اليوم عن طعن الطاعنين، و رمي المغرضين، و غمز الجاهلين، و تكفير القاصرين.

أ ليس مثل الشيخ الرئيس ابن سينا، و الفقيه الحر المتضلع ابن إدريس الحلي صاحب السرائر، و آية اللّه العلامة الحلي، و الشيخ ابن أبي جمهور الأحسائي صاحب غوالي اللئالي، و شيخنا البهائي، و تلميذه صدر المتألهين صاحب كتاب الأسفار الذي هو من جلائل كتب الإمامية، و من أنفس آثارهم العلمية، و الحكيم الإلهي المولى رجب علي التبريزي، و تلميذه القاضي سعيد القمي، و المحقق الثاني صاحب جامع المقاصد، و الفيض القاشاني صاحب الوافي، و المحقق السبزواري صاحب الكفاية و الذخيرة، و نظرائهم من حماة الحق و ذادته، و أعضاد الدين و قادته، لقوا ما لقاه أمثالهم من الطعن و التشنيع؟بل جم غفير من علمائنا قبل هؤلاء العظماء لم يسلموا من الرمي بالغلو و التكفير، و التصوف البغيض؟

أ ليس القميين رموا جمعا من علمائنا بالغلو و التكفير، و أخرجوا رجالا من «قم» بأدنى غمز فيهم، و كانوا ينسبون إليهم الانحراف في العقائد الدينية بمجرد رؤية رواية في كتابهم، أو نسبة أحد ذلك إليهم حتى أفرطوا في الجمود و طعنوا في مثل يونس بن عبد الرحمن الثقة الكبير الذي كان من أكابر رجال الشيعة، و علامة زمانه، و قد وبّخ سيدنا مفخرة الإمامية السيد المرتضى علم الهدى قدّس سرّه في بعض رسائله-و تشرفت بمطالعة هذه الرسالة و هي مخطوطة-القميين بسبب جمودهم على الظواهر، و إفراطهم في التمسك بها، و استثنى منهم رئيس المحدثين الشيخ الصدوق قدّس سرّه، حيث إنّ الإفراط في الجمود على ظواهر عدة من أخبار الآحاد-التي لا بد من تأويلها و رفع اليد عن ظاهرها-يفضي إلى بعض المحظورات و الأخطار من الجبر و التشبيه و أمثال ذلك، و لذا وبخهم سيد الإمامية و حذرهم من ذلك، و لم يكن مقصود السيد أنّ القميين كانوا يعتقدون بعض العقائد الفاسدة، حاشا سيد الإمامية من نسبة العقائد السخيفة إليهم، و حاشاهم أيضا أن يعتقدوا العقائد الباطلة كما هو معلوم‏

281

فيها:

أصبح في بلابلي و أمسى # أمسي كيومي و كيومي أمسي‏

____________

قبالضرورة.

و قد ذهل العلامة المولى أبو الحسن العاملي قدّس سرّه تلميذ العلامة المجلسي قدّس سرّه عن مقصود سيد الإمامية و زعيمها، و لم يصل إلى مغزى مرامه، فصنف رسالته «تنزيه القميين» المطبوعة بقم سنة (1368) حيث تخيل أنّ مراد السيد قدّس سرّه أنّ القميين يعتقدون بعض العقائد السخيفة حقيقة، فتصدى في تلك الرسالة للذب عنهم، و إثبات نزاهة ساحتهم المقدسة عنها، مع أن جلالة السيد قدّس سرّه الأسمى أجل و أسنى من أن ينسب إليهم بعض الاعتقادات الممقوتة، فما نسبه المولى العاملي قدّس سرّه إلى السيد قدّس سرّه و تصدى للجواب عنه فلعله ذهول منه قدّس سرّه، و لكن هو أبصر و أعرف بما جادت به يراعته، فلو جمعنا ما ضبطه التأريخ من الطعون على الأكابر لصار كتابا مستقلا و سفرا لطيفا.

و قال الوحيد البهبهاني قدّس سرّه: «الذي نراه في زماننا أنه لم يسلم جليل مقدس و إن كان في غاية التقدس عن قدح جليل فاضل متدين، فما ظنك بغيرهم و من غيرهم حتى آل الأمر إلى أنه لو سمعوا من أحد لفظ «الرياضة» و أمثال ذلك اتهموه بالتصوف، و جمع منهم يكفرون معظم فقهائنا بأنهم يجعلون لأهل السنة نصيبا من الإسلام» .

فالتكفير الذي تفوه به بعض في حق الحكيم الفارابي و أمثاله إنما هو من هذا القبيل، و ناشئ من عدم تأمل و تحليل.

و قال بعض الأعلام قدّس سرّه: «اعلم أنّ بعض العلماء تسرع في تكفير الفارابي، حيث وجد في كتبه ما يدل على قدم العالم، و إنكار المعاد، و أمثال ذلك، و لم يلتفت أن هذا كله ترجمة بالعربي لكتب بعض الفلاسفة، لا أنه كتاب عقيدة لأبي نصر الفارابي، أو ليس في رسالة النصوص المنسوبة إليه خلاف هذه الكلمات؟و بالجملة: لا ينبغي التسرع في مثل هؤلاء الأعاظم المعلوم بالضرورة إسلامهم و إيمانهم بمجرد السواد على البياض الذي لم يتحقق موضوعه، و لا حقيقة نسبته، و لا صاحب قيله، نعوذ باللّه من سوء الرأي في الأعاظم» .

و نسأل اللّه تعالى أن يحفظنا من الاعوجاج، و أن يجمع كلمتنا على الخير و الهدى، و إماتة المطاعنات، و هو مجيب الدعوات، و غافر الخطايا و السيئات.

القاضي الطباطبائي‏

282

يا حبذا يوم حلول رمسي # مطلع سعدي و مغيب نحسي‏

من عرض يبقى بدار الحس # و جوهر يرقى لدار القدس‏

و كل جنس لاحق لجنس‏

و يعني بالعرض الجسم التعليمي، ذا الأبعاد الثلاثة، و الكيفيات الخاصة و هو الذي تتفرق بالموت أجزاؤه، و يلحق كل جزء بأصله من العناصر، و لم يعلم رأيه أنها تعود أو لا تعود، و كيف تعود؟

و على كل فبطلان هذا القول يبتني على منع صيرورة البدن معدوما بالموت أو بعد الموت كما سيأتي قريبا إن شاء اللّه تعالى.

ثالثها: القول بالمعاد الجسماني فقط، و هو مذهب جميع أهل الظاهر من المسلمين، و بعض المتكلمين، و هو لازم كل من أنكر وجود النفس و الروح المجردة، بل أنكر وجود كل مجرد سوى اللّه «فلا مجرد إلاّ اللّه» ، أما الملائكة، و العقول، و النفوس و الأرواح، فكلها أجسام، غايته أنها تختلف من حيث اللطافة و الكثافة، و العنصرية و المثالية، يظهر هذا من كلمات عدة من العلماء، و لكني أجلهم عن ذلك، و كلماتهم محمولة على غير ما يتراءى منها، و مغزاها معان أخرى جليلة (1) .

____________

(1) -و لعل من معاني كلامهم أنه إذا أعيدت الأجسام لزمت إعادة الأرواح أيضا، باعتبار المشاركة للطافتها و سريانها فيها، كما حمل قولهم على ذلك بعض العلماء؛ إذ لا معنى لحشر الأجساد فقط، فإنها حينئذ جمادات، و لا يقول بذلك عاقل، فهذا القول يرجع أيضا إلى القول بالمعادين الجسماني و الروحاني معا، و حمله على الجسماني فقط بديهي البطلان؛ و لذا قال شيخنا الإمام-دام ظله-: «و لكني أجلهم عن ذلك» .

القاضي الطباطبائي‏

283

رابعها: و هو أحقها و أصدقها: إثبات المعادين الجسماني و الروحاني، أي معاد هذا الجسد الذي كان في الدنيا بروحه و جسمه، فيعود للنشر يوم الحشر كما كان، و يقف للدينونة بين يدي الملك الديان، كما هو ظاهر جميع ما ورد في القرآن الكريم من الآيات الدالة على رجوع الخلائق إلى اللّه عز شأنه و الرد على منكري البعث و المعاد لمحض العناد، أو الاستبعاد، أو أخذا بقضية استحالة إعادة المعدوم المرتكزة في الأذهان.

و قد ردّ عليهم الفرقان المحمدي بأنحاء من الأساليب البليغة، البالغة إلى أقصى مراتب البلاغة و القوة، يعرفها من يتلو القرآن بتدبر و إمعان.

و حيث إنّ غرضنا المهم من تحرير هذه الكلمات هو إثبات الإمكان، و دفع الاستحالة، كي تبقى ظواهر الأدلة على حالها؛ لذلك لم نتعرض لسرد تلك الآيات النيّرات و اتجهنا إلى تلك الوجهة، و دحض تلك الشبهة، بأوضح بيان، و أصحّ برهان، و منه تعالى نستمد، و على فضل فيضه نعتمد، و نقول:

حيث إنّ من الواضح المعلوم بل المحسوس لكل ذي حس أنّ كل شخص من البشر مركب من جزءين: الجزء المحسوس و هو البدن العنصري الذي يشاهد بالعين الباصرة، و يشغل حيّزا من الفضاء؛ و جزء آخر يحس بعين البصيرة، و لا تراه عين الباصرة، و لكن يقطع كل أحد بوجود شي‏ء في الإنسان، بل و الحيوان غير هذا البدن، بل هو المصرف و المتصرف في البدن، و لولاه لكان هذا البدن جمادا لا حس فيه و لا حركة، و لا شعور و لا إرادة.

إذا فيلزمنا للوصول إلى الحقيقة و الغاية المتوخاة البحث عن هذين الجزءين، فإذا عرفناهما حق المعرفة فقد عرفنا كل شي‏ء ، و اندفع كل إشكال إن شاء اللّه. و إليك البيان:

284

يشهد العيان و الوجدان-و هما فوق كل دليل و برهان، و إليهما منتهى أكثر الأدلة-أنّ هذا البدن المحسوس الحي المتحرك بالإرادة لا يزال يلبس صورة و يخلعها و تفاض عليه أخرى، و هكذا لا تزال تعتور عليه الصور منذ كان نطفة، فعلقة، فعظاما، فجنينا، فمولودا، فرضيعا، فغلاما، فشابا، فكهلا، فشيخا، فميتا، فترابا، تكونت النطفة من تراب، ثمّ عادت إلى التراب، فهو لا يزال بعد أن أنشأه باريه من أمشاج ليبتليه، فجعله سميعا بصيرا، إما شاكرا أو كفورا، في خلع و لبس‏ أَ فَعَيِينََا بِالْخَلْقِ اَلْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ ، يخلع صورة و يلبس أخرى، و ينتقل من حال إلى حال، و من شكل إلى آخر، مريضا تارة و صحيحا و هزيلا و سمينا، و أبيضا و أسمرا، و هكذا تعتوره الحالات المختلفة، و الأطوار المتباينة، و في كل ذلك هو هو لم تتغير ذاته و إن تبدلت أحواله و صفاته، فهو يوم كان رضيعا هو يوم صار شيخا هرما، لم تتبدل هويته و لم تتغير شخصيته، بل هناك أصل محفوظ يحمل كل تلك الأطوار و الصور، و ليس عروضها عليه و زوالها عنه من باب الانقلاب، فإن انقلاب الحقائق مستحيل، فصورة المنوية لم تنقلب دموية أو علقية، و لكن زالت صورة المني و تبدلت بصورة الدم، و هكذا، فالصور متعاقبة متبادلة لا متعاقبة منقلبة «إذ صورة لصورة لا تنقلب» .

و هذه الصور كلها متعاقبة في الزمان لضيق وعائه، مجتمعة في وعاء الدهر لسعته، و المتفرقات في وعاء الزمان مجتمعات في وعاء الدهر، و لا بد من محل حامل و قابل لتلك الصور المتعاقبة، ما شئت فسمه مادة أو هيولى أو الأجزاء الأصلية كما في الخبر الآتي إن شاء اللّه، و كما أنّ المادة ثابتة لا تزول فكذلك الصور كلها ثابتة في محلها في كتاب لا يضل ربي و لا ينسى، و لا يغادر صغيرة و لا كبيرة إلاّ أحصاها.

285

و قد عرفت في ما مرّ عليك من المباحث أن الشي‏ء لا يقبل ضده، و الموجود لا يصير معدوما، و المعدوم لا يصير موجودا، و انقلاب الحقائق مستحيل.

ثمّ إنّ هذا البدن المحسوس العنصري لا ريب في أنه يتحصل من الغذاء، و أن أجزاءه تتحلل و تتبدل، فهذا الهيكل الجسماني بقوة الحرارة الغريزية التي فيه المحركة للقوى الحيوانية العاملة في بنائه و حفظه و تخريبه و تجديده كالجاذبة و الهاضمة و الدافعة و الماسكة و غيرها، لا يزال في هدم و بناء، و إتلاف و تعويض، كما قال شاعرنا الحكيم في بيته المشهور:

(و المتلف الشي‏ء غارمه) # و قاعدة: (المتلف ضامن)

و في بيان أوضح: أن علماء الفيزيولوجيا (علم أعضاء الحيوان) قد ثبت عندهم تحقيقا أن كل حركة تصدر من الإنسان، بل و من الحيوان يلزمها، يعني تستوجب احتراق جزء من المادة العضلية، و الخلايا الجسمية، و كل فعل إرادي أو عمل فكري لا بد و أن يحصل منه فناء في الأعصاب و إتلاف من خلايا الدماغ، بحيث لا يمكن لذرة واحدة من المادة أن تصلح مرتين للحياة، و مهما يبدو من الإنسان، بل مطلق الحيوان، عمل عضلي أو فكري فالجزء من المادة الحية التي صرفت لصدور هذا العمل تتلاشى تماما، ثمّ تأتي مادة جديدة تأخذ محل التالفة، و تقوم مقامها في صدور ذلك العمل مرة ثانية، و حفظ ذلك الهيكل من الانهيار و الدمار، و هكذا كلما ذهب جزء خلفه آخر-خلع و لبس-كما قال عز شأنه: أَ فَعَيِينََا بِالْخَلْقِ اَلْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ (1) ، و يكون

____________

(1) -سورة ق، الآية 15.

286

قدر هذا الاتلاف بمقدار قوة الظهورات الحيوية و الأعمال البدنية، فكلما اشتد ظهور الحياة و تكثرت مزاولة الأعمال الخارجية ازداد تلف المادة و تعويضها و تجديدها، و من هنا تجد أرباب الأعمال اليدوية كالبنائين و الفلاحين و أضرابهم أقوى أجساما، و أعظم أبدانا، بخلاف ذوي الأعمال الفكرية الذين تقل حركاتهم و تسكن عضلاتهم.

ثمّ إنّ هذا التلف الدائم لا يزال يعتوره التعويض المتصل من المادة الحديثة الداخلة في الدم المتكونة من ثلاث دعائم، هي دعائم الحياة، و أسسها الجوهرية: الهواء، و الماء، و الغذاء، و لو فقد الإنسان واحدا منها-و لو بمدة قصيرة-هلك، و فقدت حياته.

و هذا العمل التجديدي عمل باطني سري، لا يظهر في الخارج إلاّ بعد دقة في الفكر، و تعمق في النظر، و لكن عوامل الاتلاف ظاهرة للعيان، يقال عنها إنها ظواهر الحياة، و ما هي في الحقيقة إلاّ عوامل الموت؛ لأنّها لا تتم إلاّ بإتلاف أجزاء من أنسجتنا البدنية و أليافنا العضوية، فنحن في كل ساعة نموت و نحيى، و نقبر و ننشر، حتى تأتينا الموتة الكبرى، و نحيى الحياة الأخرى.

إذا فنحن-بناء على ما ذكر-في وسط تنازع هذين العاملين: عامل الاتلاف، و عامل التعويض، يفنى جسمنا، و يتجدد في مدار الحياة عدة مرات، بمعنى أن جسمنا الذي نعيش به من بدء ولادتنا إلى منتهى أجلنا في هذه الحياة تفنى جميع أجزائه في كل برهة و تتحصل أجزاء يتقوم بها هذا الهيكل ليس فيها جزء من الأجزاء السابقة، و لا يمكن تقدير هذه البرهة على التحقيق، يعني أي مقدار به تتلاشى تلك الأجزاء جميعا و تتجدد غيرها بموضعها.

287

نعم، لا نعلم ذلك و لكن ينسب إلى الفيزلوجي «مولشت» (1) أنّ مدة بقائها ثلاثين يوما، ثمّ تفنى جميعا. و نقل عن «فلورنس» (2) أنّ المدة سبع سنين.

و قد أجرى العلماء المحققون في هذه الأعصار الامتحانات الدقيقة في بعض الحيوانات كالأرانب و غيرها فأثبت لهم البحث و التشريح تجدد كل أنسجتها بل و حتى عظامها ذرة ذرة في مدة معينة، فكيف يتفق هذا مع ما يرتئيه الماديون و منكروا النفس المجردة في زعمهم أنّ الذاكرة قوة تنشأ من اهتزازات فسفورية تخزن في الخلية العصبية من الدماغ عند وصول التأثيرات الخارجية إليها؟

نعم، كيف يجتمع هذا مع ما تقرر في الفن و شهد به الاختبار و الاعتبار من أنّ كل ما فينا من الأنسجة و العظام و الخلايا العصبية تتلاشى ثمّ تجدد بمدة معلومة؟أقصى ما تجدد به السبع سنوات، و لو كانت قوة التذكر و التفكر مادية و قائمة في خلايا الدماغ لكان اللازم أن نضطر في كل سبع سنين إلى تجديد كل ما علمناه و تعلمناه سابقا، و الحالة المعلومة بالضرورة و الوجدان عندنا أن سيال المادة المتجدد و المجدد لما يندثر منا على الاتصال لم يحدث أدنى تغيير في ذاكرتنا، و لم يطمس أي شعلة من علومنا و معارفنا.

و لعمري أنّ هذا لأقوى دليل على وجود قوة فينا مدركة، شاعرة، مجردة

____________

(1) -مولشت: عالم في علم وظائف الأعضاء، ولد في هولندا (1822-1893 م) و كان ماديا في تعاليمه و كتبه. أنظر: مبادي الفلسفة، تعريب الأستاذ أحمد أمين: ص 268 ط 4.

القاهرة.

(2) -فلورنس: عالم فرنسي من أشهر علماء وظائف الأعضاء، و له تأليفات كثيرة في هذا الفن، ولد سنة 1794 م، و توفي سنة 1867 م. أنظر: قاموس الأعلام: ج 5 ط. اسلامبول، لمؤلفه شمس الدين سامي بك، المتوفى سنة 1904 م.

288

عن المادة، باقية بذاتها، مستقلة في وجودها، بقيمومية مبدئها، محتاجة إلى آلاتها المادية في تصرفها، متحدة معها في أدنى مراتبها، و دثور المادة لا يستوجب دثورها، و لا دثور شي‏ء من كمالاتها و ملكاتها، و لا من مدركاتها، و لا من معلوماتها.

كيف لا و لا تزال تخطر على بالنا في وقت الهرم أمور وقعت لنا أيام الشباب، بل أيام الصبا و ما قبله؟

و كيف كان، فإنّ من الوضوح بمكان أنّ كل ما فينا يؤيد ثبات شخصيتنا و عدم تغيرها مع تغير و تبدل جميع ذرات أجسامنا.

و لمزيد الإيضاح و بيان ما يتفرع على هذا الأصل الرصين لا بد لنا من ذكر أصول في فصول للحصول على الوصول إلى حل عقدة المعاد الجسماني التي أعضل حلها، كما عرفت على أكبر حكماء الإسلام.

289

1-فصل و أصل‏

قد تلونا عليك ما هو المعلوم لديك من أنّ هذه الأجسام من الإنسان و الحيوان لا تعيش و لا تمتد حياتها إلاّ بدعائم الحياة الثلاث: الهواء، و الماء، و الغذاء، و ما يلزمها من الحركة، و الحرارة و الضياء.

و لكن لعلك تحسب أنّ الغذاء الذي نعيش به هو بذاته و صورته يكون جزءا من أبداننا و مقوما لأعضائنا و أنسجتنا، كلاّ فإنّ هذا الوهم يذهب شعاعا عند أول نظرة عن تدبر و فكرة؛ و ذلك أن كسرة الخبز التي نأكلها و فدرة اللحم التي نمضغها و تدخل في جوفنا تعتور عليها عدة صور، تخلع صورة و تلبس أخرى، من الكيموس إلى أن تصير دما، ثمّ توزعه العناية الكبرى المدبرة للكائنات و المربية للعوالم، تلك العناية التي تحير العقول و تدهش الألباب، فتجعل من ذلك الدم لحما و عظما و شحما و عصبا و أليافا و عروقا و كبدا و قلبا و رية و طحالا، إلى آخر ما يحتوي و يتكوّن منه هذا الهيكل الإنساني، و الجسد الحيواني.

اضرب بأجواء فكرك ما اتسع لك التفكير و اعرف سرّ قولهم-عليهم آلاف التحية و التسليم-: «تفكر ساعة خير من عبادة سبعين سنة» ، فكّر و كبّر عظمة المبدع، كيف أنشأ من كسرة الخبز التي نأكلها سبعين نوعا من الأنواع المختلفة، و الأجناس المتباينة، فأين العظم من اللحم؟و أين الشحم من الغاز؟و أين الغاز من المخ؟و أين المخ من الشعر؟و هكذا، و هلمّ جرّا.

290

كل هذا تكون من لقمة الخبز التي نأكلها، فهل في لقمة الخبز كل هذه الأنواع مندمجة مطوية؟أم انقلبت و تحولت من صورة إلى صورة و من حقيقة إلى أخرى، أو أنها كانت معدة للنطفة بأن تفيض العناية إليها صورة العلقة و المضغة و هكذا حتى تصير إنسانا كاملا؟

كل ذلك مما تقف عنده العقول حائرة خاسرة مهما سطروا و حرروا، و ألّفوا و صنّفوا، فإنهم دون الحقيقة وقفوا، و عنها صرفوا، و لكن مهما تغلغل الأمر و الواقع في مجاهل الغيب و الخفاء فإنّ من الواضح الجلي أن تلك اللقمة التي تدخل في جوفنا و تتصرف بها المشية تلك التصاريف المتنوعة لم تدخل هي في كياننا، و لم تصر جزءا من أجسامنا، بل تطورت عدة أطوار و تعاورتها صورة بعد صورة، دخلت في معامل مكانيكية و تحليلات كيمياوية إلى أن بلغت هذه المرحلة، و نزلت من أجسامنا بتلك المنزلة.

فلو أنّ مؤمنا أكل كل لحم في بدن الكافر، أو أكل الكافر كل لحم في بدن المؤمن، فلا لحم الكافر صار جزءا من بدن المؤمن، و لا لحم المؤمن دخل في بدن الكافر، بل اللحم لما دخل في الفم و طحنته الأسنان-و هو الهضم الأول- زالت الصورة اللحمية منه و ارتحلت إلى رب نوعها-حافظ الصور-و اكتست المادة صورة أخرى، و هكذا صورة بعد صورة.

و من القواعد المسلّمة عند الحكماء بل عند كل ذي لبّ: أنّ الشي‏ء بصورته لا بمادته، إذا فأين تقع شبهة «الآكل و المأكول» ؟و كيف يمكن تصويرها و تقريرها فضلا عن الحاجة إلى دفعها، و الجواب عنها؟

و كيف استكبرها ذلك الحكيم الكبير الإلهي فقال: «يدفعها من كان من الفحول» ؟

291

و يزيدك وضوحا لهذا: أنّ جميع المركبات العنصرية يطّرد فيها ذلك الناموس العام، ناموس التحوّل و التبدل و الدثور و التجدد.

أنظر حبة العنب مثلا، فهل هي إلاّ ماء و سكر؟و هل فيها شي‏ء من الخمر أو الخل أو الكحول؟و لكنها بالاختمار تصير خلا ثمّ خمرا ثمّ غازا أو بخارا، و هكذا.

أ ترى أنّ العنب صار جزءا من الخل، و الخل صار جزءا من الخمر؟

إذا فمن أين جاءت شبهة الآكل و المأكول التي لا يدفعها إلاّ من كان من الفحول؟

و من أين اتّجه القول بأنّ لحم الكافر يصير جزءا من بدن المؤمن، و لحم المؤمن جزءا من بدن الكافر؟

لا أدري. غ

292

2-فصل و وصل‏

لعلك تقول: إذا كان هذا الهيكل الإنساني عبارة عن صور متعاقبة يتلو بعضها بعضا، و يتصل بعضها ببعض، إذا فشخصية كل فرد من هذا النوع بما ذا تتحقق؟و تعيّنه بأي شي‏ء يكون؟و المادة بنفسها غير متحصّلة فكيف يتحصل بها غيرها، و هي صرف القوة و الاستعداد؟

فنقول: فليكن هذا أيضا من أحد الأدلة على وجود النفس المجردة ذاتا، المادية تعلقا و تصرفا، و تشخّص كل فرد و تعيّنه إنما يكون بتلك النفس التي تتعلق بتلك الصور المختلفة المتعاقبة بنحو الاتصال على المادة المبهمة و الهيولى الأولى التي لا توجد و لا تخرج من القوة إلى الفعل إلاّ بصورة من الصور و هي متحدة معها وجودا، منفكة عنها تعقلا و مفهوما، و النفس الجزئية المستمدة من النفوس الكلية حافظة لها معا، و هي أيضا متحدة بهما وجودا و متصلة بهما ذاتا، و تواكب و تصاحب كل تلك الصور المتعاقبة على نحو الاتّصال و الواحد السيّال.

و أضرب لك مثلا محسوسا لتقريب ذاك إلى ذهنك و استحضاره بعقلك:

أ رأيت النهر الجاري في الليلة القمراء، حيث يطل القمر على الماء المتدافع و كل موجة تأتي يشع القمر عليها، و ترتسم صورته فيها، ثمّ تمضي و تأتي موجة أخرى ترتسم صورة القمر فيها، و هكذا حتى يجف الماء، و يغيب البدر؟فالقمر هو النفس، و النهر هو البدن، و الموجات المتدافعة من الينبوع هي الصورة المتعاقبة على البدن التي يشرق عليها و يتحد مع كل واحد منها، و هي مع كثرتها

293

واحدة، و مع انفصال بعضها عن بعض متصلة، و النهر واحد سيال على الاتصال، و كذلك البدن من حيث الصور المتعاقبة عليه واحد كثير متّصل منفصل، و النفس مشرقة عليه هي المدبرة له الباعثة فيه النور و الحرارة و الحركة و الحياة.

و هذا العالم الصغير يحكي لك العالم الكبير بل «و فيك انطوى العالم الأكبر» ، و هو المثل‏ وَ لِلََّهِ اَلْمَثَلُ اَلْأَعْلى‏ََ ، «أيها الإنسان اعرف نفسك تعرف ربك» .

نعم، النهر يجري من ينبوع الأرض، و الجسد و النفس تجري من ينبوع السماء، بل من ينابيع العرش، بل من ينابيع رب العرش عظمت جلالته، و جلّت عظمته.

شد مبدل آب اين جو چند بار # عكس ماه و عكس أختر برقرار

تبدل ماء هذا الجدول عدة مرات و عكس القمر و الشمس لم يتحول و لم يتبدل عن ذلك القرار.

294

3-فصل و أصل‏

هل في هذا الهيكل الإنساني سوى ما هو المعروف و المحسوس من أنه:

جسد و روح؟روح مجردة بسيطة، و جسد مادي مركب من العناصر، فهل ثمة شي‏ء ثالث؟

الجواب: نعم، و لكن لا تستغرب و لا تعجب لو قلت لك: إنّ في كل جسم حي مادي عنصري، جسم آخر أثيري سيال شفاف، أخف و ألطف من الهواء، هو برزخ بين الجسم المادي الثقيل، و الروح المجرد الخفيف، و لعل هذا هو الجسم البرزخي الذي يسأل في القبر و يحاسب، و ينعم إن كان تقيا، و يعذّب إن كان شقيا، و يبقى في نعيم أو حميم إلى يوم البعث، إلى يوم القيامة الذي تعود فيه هذه الأبدان العنصرية للحياة الأبدية.

و قد تلونا عليك من قبل أنّ الحقائق الحكمية و الدقائق الفلسفية لا تسعها العبارات اللفظية، و أنّ الألفاظ لا يقتنص منها شوارد المعاني، و أوابد الأسرار، و لكنها إذا كانت لا تحكي عن الحقيقة من كل وجه فقد تحكي عنها من وجه.

أ رأيتك حين تقول: روحي و جسدي و عقلي، من تعني بياء المتكلم؟و من هو الذي تقصده بقولك: «أنا و أنت و هو» و أمثالها من الضمائر؟

فهل تريد بقولك «أنا» لهذا الجسد الخاص، و لشخصيتك المتعينة من الجسد و النفس؟إذا فما ذا تريد بقولك «جسدي» ؟و من هو الذي أضفت إليه جسدك، أو أضفت جسدك أو نفسك أو عقلك إليه؟

295

ثمّ هل تدبرت حالك حين تتلو سورة من القرآن؟تحفظها في نفسك و تقرأها في خاطرك من دون أن تحرك لسانك، أو يظهر صوتك و أنت في تمام السكوت و السكون، كأنّ في داخلك شخصا يقرأ و يتلو عليك بغير صوت و لا لسان، فقد تقرأ سورة من الطوال، أو قصيدة ساحبة الأذيال مرتلا لها و مترسلا فيها، و اللسان صامت، و المقول ساكت، و قد قرأتها كلمة كلمة، و تلوتها حرفا حرفا، فمن ذا الذي أملاها عليك؟و أين كانت مخزونة و مجتمعة، ثمّ جاءت واحدة بعد واحدة متقطعة؟

حقا إنّ التفكّر في هذه السلسلة، سلسلة الفكر و الذكر، و الحفظ و النسيان، و التصور و التفكر، و التصديق و الشك و اليقين، و كل ما هو خارج عن المادة الجسمانية، و الأعضاء الحسية، حقا إنّ معرفة كل ما هو من هذا النطاق أمر لا يطاق، و لا تصل أنسرة العقول مهما حلقت في سماء التفكير إلى كبرياء معراجه، و مفتاح رتاجه، و لكن مهما استعصى على أولي الحجى سره فهو يدل دلالة واضحة على أنّ في الإنسان بشخصه الخاص جوهر مفيض و آخر مستفيض، و غلاف و قشر يحمل هذين الجوهرين، فالمفيض هو النفس الجزئية المتصلة بالنفس الكلية و المبدأ الأعلى، و المستفيض هو ذلك البدن المثالي الأثيري، و الغلاف هذا البدن العنصري.

على أنّ التحقيق و البحث الدقيق أوصلنا إلى حقيقة جلية و هي أنّ هذه الحقائق الثلاث شي‏ء واحد، و أنها تنشأ نشأة واحدة، و أنّ النفس جسمانية الحدوث، روحانية البقاء، فهي تتدرج في تكونها و نشوئها و نموها من النطفة إلى أن تصير إنسانا كاملا عاقلا، بل إلى أن تصير عقلا مجردا، ملكا أو شيطانا.

فهذا العنصر هو النفس و لكن بمرتبتها السافلة، و النفس هي البدن و لكن‏

296

بمرتبته العالية، و كل ما فيه من الحواس الظاهرة و الباطنة و القوى العاملة من الهاضمة و الماسكة و الدافعة و المصورة و المقدرة، إلى غير ذلك، كلها آلات للنفس، و أدوات تمدها و تستمدها و تتعاكس معها و تتعاون أخذا وردا، و سلبا و إيجابا، فكل الانفعالات النفسية تظهر فورها على البدن.

أ لا ترى حمرة الخجل، و صفرة الوجل، و ضربان العروق، و خفقان القلب عند الخوف، و ابتهاج البدن عند الفرح، و بالعكس، كل ما يصيب البدن من ضربة أو صدمة أو جرح تنفعل النفس به و تتألم؟

و كل هذا شاهد و دليل على وحدة النفس مع البدن، و أن البدن المادي و البدن الامتدادي المجرد عن المادة و الروح المجردة عنهما شي‏ء واحد، و هذا البدن الامتدادي الأثيري هو همزة الوصل بين الروح المجردة عن المادة ذاتا، المتعلقة بها تصرفا، و بين البدن المادي ذاتا و الذي هو آلة الروح تعلقا و تصرفا، و هو الذي تجد الإشارة عنه حينا، و التصريح به حينا آخر في كلمات أكابر الفلاسفة الأقدمين و الحكماء الشامخين، و العرفاء السالكين، مثل قول أرسطو فيما نقل عنه: أنه ربما خلوت بنفسي، و خلعت بدني، و صرت كأني جوهر مجرد بلا بدن، فأكون داخلا في ذاتي، خارجا عن جميع الأشياء، فأرى في ذاتي من الحسن و البهاء ما أبقى له متعجبا مبهوتا، فأعلم أني جزء من أجزاء العالم الأعلى الشريف.

297

و عن الوصية الذهبية لفيثاغورس‏ (1) أو ديوجانس‏ (2) : إذا فارقت هذا البدن أصبحت سابحا في عوالم الفلك، غير عائد إلى الإنسانية، و لا قابلا للموت.

و قال آخر: من قدر على خلع جسده صعد إلى الفلك، و جوزي هناك بأحسن الجزاء، و الصعود إلى الفلك إنما هو بذلك الجسم الأثيري بحكم التناسب، فكما أنّ الجسم العنصري أخلد إلى الأرض؛ لأنه منها و يعود إليها، فكذلك الجسم الأثيري يرقى إلى الأجسام الفلكية الأثيرية؛ لأنه منها و يعود إليها.

و لا غرابة لو قال بعض العرفاء: ربما تجردت من بدني هذا، و ارتقيت إلى الأفلاك، و سمعت تسبيح الملائكة.

و كل هذه الأحوال إنما هي لهذا البدن الأثيري المثالي، لا للعنصري، و لا للروح، فإنها ترقى إلى عوالم المجردات المحضة بعد كمالها لا إلى الأجسام الفلكية و العوالم الأثيرية.

و على كل، فيغنيك الوجدان عن البرهان في إثبات تلك الأبدان، الأبدان المثالية التي هي أنت، و أنت هي، و بقاؤك به لا بهذا الجسد العنصري الذي قد

____________

(1) -فيثاغورس: فيلسوف يوناني، كان في القرن السادس قبل الميلاد، لم يعرف عن حياته إلاّ القليل، و تعاليمه التي نقلت إلينا موضع شك، و لكن مما لا شك فيه أنه كان يقول بتناسخ الأرواح، و ينسب إليه القول بأنّ نهاية الأشياء كلها العدد. أنظر: كتاب مبادي الفلسفة:

263-264 ط 4. القاهرة.

(2) -ديوجانس (ديوژن) الكلبي، من مشاهير الحكماء في المائة الرابعة قبل الميلاد، و سمي بهذا الاسم خمسة من حكماء اليونان. أنظر: كتاب «مطرح الأنظار في تراجم أطباء الأعصار و فلاسفة الأمصار» لفيلسوف الدولة ميرزا عبد الحسين خان التبريزي رحمه اللّه:

ج 1/ص 373-375 ط. تبريز سنة 1334 هـ.

298

عرفت أنه في كل برهة يتلاشى و لا يبقى منه شي‏ء ، ثمّ يتجدد و تتعاقب في تقويمه الصور، صورة بعد صورة، و هيئة بعد هيئة، و هو الذي يستعمل الحواس و يستخدمها و تملي عليه الروح المعارف و الأمور العامة، فيمليها على القلب و اللسان.

أنظر إذا كنت تحفظ سورة من القرآن، أو خطبة من الخطب أو قصيدة من الشعر، فربما تلوتها في نفسك و قرأتها في خاطرك فتجد كأن شخصا في طويتك يتلوها عليك كلمة كلمة، و أنت سامد ساكن لم تفتح فما، و لم تحرك لسانا.

و طالما كنت أمسك القلم بأناملي فأجد كأن إنسانا أو ملاكا يملي عليّ الخطبة أو الشعر أو المقال، و يجري مع القلم من دون فكرة و لا روية، كأني أنقله من كتاب أمامي و ليس شي‏ء من هذه الأعمال من وظائف الروح و النفس، و إنما وظائفها العلم و الإدراك و معرفة الكليات المجردة و الأمور العامة، مثل أنّ الكثرة هي الوحدة، و الوحدة هي الكثرة، و أنّ العلة تعالي المعلول، و المعلول تنازل العلة، و أنّ الغاية هي الرجوع إلى البداية، و البداية هي النهاية، و أمثال هذه من قواعد الحدوث و القدم، و الوجوب و الإمكان، و الجواهر و الأعراض، كما أنها أيضا ليست من وظائف الجسد المادي الحي، فإنّ وظيفته إدراك الجزئيات و ثورة العواطف من تأثير الحس الظاهري أو الباطني.

نعم، بحكم الوحدة و الاتصال بين تلك القوى يستمد بعضها من بعض، و يتقوى بعضها ببعض، و حكم العالم الصغير مثل العالم الكبير، فكما أنّ الجسمانيات العنصرية مرتبطة بالفلكيات و هي مرتبطة بالمجردات و النفوس الجزئية تستمد من النفوس الكلية، و هي تستمد من العقول المجردة، فكذلك هذا الجسد الإنساني الذي انطوى فيه العالم الأكبر، و لا تعدّ قواه و لا تحصر.

299

غيب و لكنه بلا ريب‏

حيث عرفت جيدا أنّ في الإنسان بدنا برزخيا بين الروح المجرد و الجسد المادي، فاعلم أنّ هذا البدن قد تغلب عليه الناحية الروحية و النزعات العقلية، فيغلب على الجسد المادي و يسخره لحكمه، و يكون تابعا له و منقادا لأمره، و قد ينعكس الأمر، فتتغلب النواحي المادية و الشهوات الحسية على الملكات الروحية، فتصير الروح مسخرة للمادة تابعة لها منقادة لرغباتها و شهواتها، و هنا تصير الروح مادة تهبط إلى الدرك الأسفل، و ظلمات الجهالات، و لكنه أخلد إلى الأرض، و هناك تصير المادة روحا حتى تخف و تلطف، و تنطبع بطابع المجردات، فتسمو إلى الملأ الأعلى في هذه الحياة الدنيا، فضلا عن الحياة الأخرى، و قديما ما قال بعض الشعراء في سوانحهم الشعرية:

خفت و كادت أن تطير بجسمها # و كذا الجسوم تخف بالأرواح‏

بل الجسم قد يطير بالروح، و قد قلت في كلمة سابقة: إنّ الأنبياء و الحكماء و العرفاء و من هو على شاكلتهم-من رجال اللّه تعالى-جعلوا أبدانهم أرواحا، أما نحن فقد جعلنا أرواحنا أبدانا، و إذا صار البدن روحا و غلب حكم الملك على الملكوت، لم يعسر على ذلك أن يخترق حدود الزمان و سدود المكان، فيحكم على الزمان و المكان، و لا يحكم شي‏ء منهما عليه.

و بهذا يسهل عليك تصور المعراج الجسماني، و سيره في الملكوت الأعلى و رجوعه قبل أن يبرد فراشه، و إحضار آصف عرش بلقيس قبل أن يرتد

300

إليه طرفه، و مبارحة أمير المؤمنين عليه السّلام المدينة إلى المدائن لتجهيز سلمان رحمه اللّه و رجوعه من ليلته، بل و ما هو أشد غرابة من ذلك و هو حضوره عند كل محتضر في شرق الأرض و غربها من مؤمن أو منافق «يا حار همدان من يمت يرني» .

يسهل عليك تصور هذه القضايا يا الخارقة لنواميس الطبيعة، يسهل إليك تصورها، بل و التصديق بها.

نعم و إنما يستعصي علينا الإذعان بها، و يجعل عندنا هذا القبيل من المستحيل انغمارنا في المادة و انطمار أرواحنا في مفازات الطبيعة، فلا نبصر و لا نتعقل إلاّ من وراء حجبها الكثيفة، و من للأعمى و الأكمه أن يرى نور الشمس، أو يستلذ بلحن نغمات الأوتار، و ليس عندنا لرد هذه الأنوار سوى الإنكار و سد باب الاعتبار.

أ رأيت هذين الملوين المتعاقبين على هذه الكرة؟لو قيل لك: إنّ أحدا يراهما دفعة واحدة بعينه، هل تعد هذا المقال إلاّ من المحال؟

و لكن لو كان في إحدى كواكب المجرة التي تبعد عن نظامنا الشمسي ملايين الملايين من الأميال ذو بصر حديد، و أيد شديد، نظر إلى الأرض لأبصر الليل و النهار فيها بآن واحد، يعني يرى وجهها المقابل للشمس و المعاكس له دفعة واحدة، و ما ذاك إلاّ لأنّه ترفع عن أفق الزمان و المكان، و خرج عن الحدود و القيود، و لو أنّ البدن المثالي بما فيه من الروح تكاملت ملكاته و تعالت روحياته لغلبت قوته على هذا البدن العنصري و سار أو طار به حيث شاء، كما ربما ينقل مثل ذلك عن بعض المرتاضين من العرفاء الواصلين.

و قد قيل لبعضهم: إنه روي أنّ عيسى عليه السّلام مشى على الماء، فقال: لو كمل يقينه لمشى على الهواء، و لعل إلى هذا و مثله الإشارة في الحديث القدسي المعروف: أطعني تكن مثلي، أقول للشي‏ء كن فيكون، و تقول له: كن فيكون.

301

البداية و النهاية و البدء هو الغاية

كل جسم نام من نبات أو حيوان أو إنسان فبدء تكوينه بذرة مختلطة من أمشاج الأرض و عناصرها المختلفة، ثمّ تستمد نموّها و رقيها من المواد الأرضية، و تتعاقب عليها الصور فتلبس صورة ثمّ تخلعها، و تكتسي صورة أخرى، فهي بما فيها من القوة و الاستعداد لا تزال في خلع و لبس، و نمو و سمو، دائبة في صراط السير و الحركة إلى الغاية المعدة لها، و جميع تلك الصور و الفعليات التي تتعاور على تلك البذرة الحاملة للقوة و الاستعداد لقبول كل تلك الصور، يفيضها المبدا الأعلى بتوسط المثل العليا و العقول المفارقة، و النفوس الكلية متدرجة في قوس النزول إلى تلك المادة، و البذرة الحاملة، أو المحمولة للهيولى الأولى، و التي هي محض القوة و الاستعداد، و هي آخر تنزلات تلك الفعلية التامة و الهوية الوجودية الكاملة.

ثمّ بعد أن نزلت إلى أقصى مراتب الضعف و الشأنية أخذت ترتقي في قوس الصعود من صعدة إلى أخرى حتى تصل إلى ما منه بدأت، منه البدء و إليه المعاد و كَمََا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ .

فالنهاية هي العود إلى البداية، و المبدا هو الغاية، و كل تلك الصور المتعاقبة في قوس الصعود تتلاشى موادّها و تتفرق عناصرها، و تضمحل تراكيبها، أما صورها فهي محفوظة عند أرباب أنواعها و مثلها العليا من العقول‏

302

المفارقة، و المجردات القادسة فَالْمُدَبِّرََاتِ أَمْراً ، التي هي وجه اللّه الذي لا يفنى، و لن يفنى أبدا وَ إِنْ مِنْ شَيْ‏ءٍ إِلاََّ عِنْدَنََا خَزََائِنُهُ ، و مََا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَ مََا عِنْدَ اَللََّهِ بََاقٍ .

كما أن تلك المادة الأولية و البذرة المعينة محفوظة في خزائن الغيب وَ عِنْدَهُ مَفََاتِحُ اَلْغَيْبِ لاََ يَعْلَمُهََا إِلاََّ هُوَ ، فإذا جاءت الساعة بأشراطها و قامت القيامة بالبعث و النشور و نفخ في الصور و أمطرت العناية الأزلية من سماء المشيئة فبرزت تلك البذور عند النفخة الثانية في الصور، و أعشبت الأرض و ألقت ما فيها و تخلت، و هي غير هذه الأرض طبعا يَوْمَ تُبَدَّلُ اَلْأَرْضُ غَيْرَ اَلْأَرْضِ وَ اَلسَّمََاوََاتُ وَ بَرَزُوا لِلََّهِ اَلْوََاحِدِ اَلْقَهََّارِ ، ظهر كل إنسان بجسمه و بدنه، و عاد عليه بدنه المثالي المتجسد المتحد بروحه، فلو رأيته لقلت: هذا فلان بعينه، كما لو رأيت زيدا أيام شبابه ثمّ رأيته كهلا، لا تشك في أنه هو زيد بعينه مهما تغيرت صورته، و تبدلت ألوانه و أشكاله، و لكن بما أن الدار الآخرة دار الجمع و دار القرار و الثبات، و دار الحس و الحياة، و كل شي‏ء هناك حي و ناطق‏ وَ إِنَّ اَلدََّارَ اَلْآخِرَةَ لَهِيَ اَلْحَيَوََانُ لَوْ كََانُوا يَعْلَمُونَ .

نعم، كل شي‏ء هناك حي و ناطق حتى لحمك و دمك و جلدك‏ وَ قََالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنََا قََالُوا أَنْطَقَنَا اَللََّهُ اَلَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْ‏ءٍ ، حيث إنها دار الحس و الحياة، و دار الجمع و الثبات، تجتمع عندك جميع صورك في جميع أدوار حياتك، و يتمثل لديك كل أعمالك صغيرة و كبيرة، حسناتك و سيئاتك، و تكون نفسك و ذاتك و هويتك الخاصة، و روحك البارزة في بدنك المثالي الأخروي العنصري المناسب لدار الحس و الحياة التي تذوب و تنصهر فيها العنصريات و الماديات، و بسّت الجبال بسّا فكانت هباء منبثّا، و تكون الجبال

303

كالعهن المنفوش، و الشمس كورت، و الكواكب انتثرت، و البحار سجرت، يعني أنّ المادة تتلاشى و تضمحل و يبقى الروح و الجوهر و الحس و الشعور و الحياة بارزة بأشكالها الدنيوية، و لكنها جوهرية أخروية.

نعم، تكون ذاتك و نفسك هي كتابك‏ اِقْرَأْ كِتََابَكَ كَفى‏ََ بِنَفْسِكَ اَلْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً ، كتاب حسناتك بيمينك، و كتاب سيئاتك بشمالك، كل أعمالك بارزة أمامك، مجسمة بأجسامها المناسبة لها، من خير أو شر، و هذا معنى تجسم الأعمال، و هي نفس أعمالك ترد إليك «إنما هي أعمالكم ردّت إليكم» إنما تجزون ما كنتم تعملون، جزاؤكم نفس أعمالكم لكن بصورتها الحقيقية و حقيقتها الجوهرية، و جوهرتها الروحية لا المادية، أعمالك الصالحة و إحسانك للناس يعود وجها حسنا جميلا تأنس به، و إساءتك و شرّك يعود وجها قبيحا تستوحش منه. نعم، و قد تعود حيات و عقارب تلسعك، و هكذا أعضاؤك، تعود عينك و لكن بغير شحم، و يعود سمعك و لكن بغير عظم، و يعود قلبك و لكن بدون لحم، و هكذا يعود كل شي‏ء منك و لكن بأقوى و أصح مما كان في الدنيا و كُلَّمََا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنََاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهََا هي غيرها و هي عينها، و لو كانت غيرها تماما لما جاز عقابها، و لا تنس حديث اللبنة (1) ، و ذاتك و أعمالك، و سريرتك

____________

(1) -رواه حفص بن غياث القاضي، قال: شهدت المسجد الحرام و ابن أبي العوجاء يسأل أبا عبد اللّه عليه السّلام عن قوله تعالى: كُلَّمََا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنََاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهََا لِيَذُوقُوا اَلْعَذََابَ ما ذنب الغير؟قال: ويحك هي هي، و هي غيرها، قال: فمثّل لي ذلك شيئا من أمر الدنيا، قال: نعم، أ رأيت لو أن رجلا أخذ لبنة فكسرها، ثمّ ردها في ملبنها، فهي هي، و هي غيرها.

أنظر الحديث في تفسير البرهان، للعلامة السيد هاشم البحراني قدّس سرّه، و قد نقله بتغيير في بعض ألفاظ الحديث، عن كتاب «المجالس» للشيخ الطوسي، و «الاحتجاج» للطبرسي‏

304

و أخلاقك و معارفك، و إيمانك و يقينك، و كفرك و جحودك هي ميزانك، و هي كتابك، و هي حسابك، و هي صراطك، و هي جنتك، و هي جحيمك، و أشهد أنّ الموت حق، و النشور حق، و الصراط حق، و الميزان حق، و كل ما في القرآن العظيم حق، على ظاهره و حقيقته من غير تأويل و لا تبديل.

و لكن أشهد أنّ الموت حق ليس معناه و المراد منه أن الموت أمر واقع، فتكون شهادة تافهة باردة؛ لأنه أمر محسوس لا ينكره أحد، بل المراد أنّ الموت حق لازم موافق للحكمة و حقيقة لا بد منها، و لو لا الموت لكان الكون و إيجاد الخلق عبثا و باطلا أَ فَحَسِبْتُمْ أَنَّمََا خَلَقْنََاكُمْ عَبَثاً وَ أَنَّكُمْ إِلَيْنََا لاََ تُرْجَعُونَ (1) ، فالموت و البعث و النشور، و الحساب و الثواب و العقاب، و كل ما ورد في الكتاب من المبدأ و المعاد، و أحوال البرزخ بينهما، و أحوال يوم القيامة بعدهما كله حق موافق للحكمة، و ضرورة لا بدّ منها في العناية الأزلية، فالحياة و الموت و البرزخ و القيامة و الحشر و النشر و الكتاب و الحساب، و هكذا كلها مراحل تطويها النفس الإنسانية لتصل إلى الغاية التي منها بدأت نازلة ثمّ تعود إليها صاعدة.

تفكر و تدبر، و أحسن التفكر و التدبر بقوله تعالى: اَلَّذِي خَلَقَ اَلْمَوْتَ وَ اَلْحَيََاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَ هُوَ اَلْعَزِيزُ اَلْغَفُورُ (2) .

و قوله عز شأنه: أَ يَطْمَعُ كُلُّ اِمْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ

____________

قو غيرهما. أنظر: البرهان: ج 1/ص 233 ط. طهران.

القاضي الطباطبائي‏

(1) -سورة المؤمنون، الآية 115.

(2) -سورة الملك، الآية 2.

305

كَلاََّ إِنََّا خَلَقْنََاهُمْ مِمََّا يَعْلَمُونَ (1) ، و هذه الإشارة خير من ألف عبارة، فهذه النطفة القذرة كيف يصح لها أن تلتحق بعظمة جبروت اللّه وسعة ملكوته، و تدخل في جنانه و بهاء رضوانه إلاّ بعد التصفية و التهذيب، و طي تلك المراحل و المنازل فتعود إليه كما بدأت منه و إلاّ بقيت مخلدة في سجن الطبيعة و سجين المادة، و ظلمات الأهواء، و جحيم الرذائل النفسانية، لهم نار جهنم خالدين فيها أبدا، عافانا اللّه منها، و من كل سوء.

و أحسب أني بعد هذا كله قد أوضحت لك البيان، و خرجت لك من العهدة، و محضتك بعد المخض الحثيث بالزبدة، و عرّفتك من غوامض المبدأ ما يحل لك العقدة، و تضحى لك به أنوار الحقيقة، و لكني حرصا على مزيد إقناعك، و رسوخ يقينك و شموخ عرفانك أضرب لك مثلا من نفسك، هو أقرب شي‏ء إلى وجدانك و حسّك، ففي الحكمة العالية، و لعلها من معين ينابيع النبوة: أيها الإنسان اعرف نفسك تعرف ربك «من عرف نفسه عرف ربه» (2) طردا و عكسا.

____________

(1) -سورة المعارج، الآية 38-39.

(2) -المعروف في الألسن و المشهور في الكتب أنّ هذه الكلمة النيرة صادرة عن صاحب الرسالة المقدسة صلّى اللّه عليه و آله، و لكن نقل العلامة الشيخ عبد الهادي نجا الأبياري في كتابه «باب الفتوح لمعرفة أحوال الروح» : ص 8 ط 1. مصر سنة 1304 هـ، عن القاضي الخفاجي أنه قال-عند استشهاد القاضي البيضاوي في كلامه بقوله عليه السّلام: من عرف نفسه فقد عرف ربه-:

إنّه «ليس بحديث، بل هو من كلام أبي بكر الرازي، كما ذكره الحفاظ، و بعض الجهلة يظنه حديثا كما يقع في بعض الموضوعات» .

و قال العلامة السيد عبد اللّه شبر قدّس سرّه في كتابه مصابيح الأنوار: ص 204 ج 1 ط. بغداد:

الحديث الثلاثون ما رويناه عن جملة من علمائنا الأعلام و فضلائنا الكرام، و اشتهر بين الخاص و العام من قول النبي صلّى اللّه عليه و آله: «من عرف نفسه فقد عرف ربه» ، و مما هو جدير بالذكر

306

و لعلني بهذه اللمحة أحسن لك التمثيل و التصوير، و أفتح لك بابا من التفكير، طالع و تطلع و انظر جسدك هذا الذي به حسّك و حياتك، و تدبر ما فيه من القوى و الحواس ظاهرة و باطنة، و ما اشتمل عليه من الجوارح و الأعضاء، تجد لكل جارحة، و لكل عضو وظيفة معينة لا يتعداها و لا يشاركه غيره فيها، فوظيفة العين مثلا النظر، و وظيفة الاذن السمع، فلا الأذن تتدخل يوما في وظيفة البصر، و لا العين تتدخل يوما بوظيفة السمع، بل كل منها ملازم لوظيفته لا يتعداها و لا يتجاوز إلى ما سواها، و هكذا جميع الأعضاء و الجوارح، بل حتى الشرايين و العروق و الأوردة و الشغاف و اللحم و الدم و العظم و القلب و الكبد و الرئة و الدماغ، بل و خلايا الدماغ، بل و كريات الدم البيض و الحمر لكل منها وظيفة معينة، و عمل خاص، لا يتجاوزه إلى غيره.

و الكل و الجميع و إن كان يعمل لغاية واحدة، و يرمي إلى هدف واحد، و هو حراسة هذه المدينة، و ترميم ما يتداعى منها، و دفع الأعداء المتهاجمين عليها لقلع قلاعها و ردم حصونها، و لكن كل واحد من أولئك العمال و الموظفين يقوم بعمله مستقلا كأنه ليس له أي ارتباط بالآخر، و لا يصده الآخر عن عمله،

____________

قأن هذه الكلمة لم يذكرها القاضي القضاعي في كتابه «الشهاب» من كلمات رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، بل هذه الكلمة المباركة هي الكلمة السابعة من مائة كلمة التي أخرجها و اختارها كبير أئمة الأدب أبو عثمان الجاحظ من كلام أمير المؤمنين عليه السّلام.

قال الجاحظ: «إن لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب مائة كلمة، كل كلمة منها تفي بألف كلمة من محاسن كلام العرب» . أنظر مستدرك نهج البلاغة، للعلامة الكبير الشيخ هادي آل كاشف الغطاء قدّس سرّه: ص 47 ط. النجف؛ و انظر أيضا إلى هذه الكلمة الشريفة: ص 90 من ذلك الكتاب.

فظهر مما ذكرنا أنّ نسبتها إلى الرازي كذب محض، و حديث خرافة أصلا و أساسا.

القاضي الطباطبائي‏