الفردوس الأعلى

- الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء المزيد...
351 /
307

عمل الآخر بوظيفته أم لا، و سواء كان الآخر موجودا أم لا، فالعين تبصر و تؤدي وظيفتها سواء كانت الاذن موجودة أم مفقودة، و سواء قامت بوظيفتها تماما أم قصرت فيها، و هكذا كل واحد من الأعضاء و الجوارح الظاهرة، أو الباطنة، مملكة مستقلة لا يرتبط أحدها بالآخر، و لا يستمد بعضها من بعض حتى القلب و إن كان هو خزانة التوزيع و التموين، و لكن المدد الأعظم و الفيض الأتم و الذي ترتبط به جميع الأعضاء حتى القلب، و لا يعمل شي‏ء منها عمله إلاّ بإشارته و بعثه، هو الدماغ الذي هو عرش النفس، و كرسيها الأعظم، فالنفس أي الروح تعطي الحس و تبث الحياة لكل الجوارح و الأعضاء و جميع الحواس الظاهرة و الباطنة، و هي تعين و تعين كل جارحة و حاسة في وظيفتها، فالعين لا تؤدي وظيفتها إلاّ بتوجه النفس إليها، و توجيهها للبصر و النظر.

أ لا ترى أنّ النفس إذا كانت مشغولة في التفكر في موضوع مهم قد يمر به شخص فلا يراه و عيناه سالمة مفتوحة، و كذا قد يتكلم بحضوره متكلم فلا يسمعه، كل ذلك لأنّ الروح منصرفة عن الحواس و الجوارح منقطعة عن إمدادها و إرفادها التي به تستطيع أداء وظيفتها.

فالروح هي كل القوى و كلّها تستمد من الروح، كما أن القوى كلها جنود تعمل لها و تقدم كل ما يتحصل لديها إلى النفس، و كل الصور المتحصلة للحواس على نحو البسط و النشر و التفصيل من الخارج كانت كامنة و متحصلة في النفس على نحو القبض و الطي و الإجمال في الداخل افاضتها النفس على الحواس إجمالا و قوة و استعدادا فأدركتها و تحصلت لديها بسطا و تفصيلا، و ارتسمت في لوحها تعينا و هوية، فكانت المعلومات الذهنية المتحصلة من الأعيان الخارجية بدأت من النفس ثمّ عادت إليها، فهي المبدأ و إليها المعاد، النفس تبسطها

308

و تطويها و تعديها و تبديها.

أ رأيت السحاب كيف ينشأ من البحر ثمّ يعود إلى البحر؟أ رأيت النواة حيث تغرسها في تربة و تسقيها ثمّ بعد قليل من الزمن تجد منها الخير و تجود لك بسعف و ليف و كرب، ثمّ بعد برهة بسرا ثمّ رطبا ثمّ تمرا، و هكذا سبع سنين أو سبعين، ثمّ بعد ذلك تفنى النخلة و تعود إلى النواة، ما أدري هل النخلة و كل ما نمى فيها و أفيض منها كله كان في النواة، بنحو الكمون و البطون و الإعداد و الاستعداد و القوة و الإجمال، ثمّ ظهر بنحو البسط و النشر و التفصيل و الفعلية، فكانت هي المبدأ، و إليها المعاد؟

لا أدري.

و لكن أيها الإنسان «اعرف نفسك تعرف ربك» أو اعكسها، و قل: «اعرف ربك تعرف نفسك» ، العين لا تبصر إلاّ بالنفس، و النفس لا تبصر إلاّ بالعين.

نعم، قد ترتقي النفس إلى حظاير القدس و تلحق بالمجردات فلا تحتاج في مدركاتها إلى استعمال آلة فتكون بشدة اتصالها و تعلقها بمثلها العليا و مبادئها المقدسة سميعة بلا أذن، بصيرة بلا عين، قابضة و باسطة بلا يد، عاقلة بلا قلب، ذاك مقام «كنت سمعه الذي يسمع به، و بصره الذي يبصر به» (1) :

____________

(1) -إشارة إلى الحديث الشريف عن الإمام الصادق عليه السّلام، قال: قال اللّه تعالى: ما تقرب إليّ عبدي المؤمن بمثل أداء الفرائض، و إنه ليتنفل لي حتى أحبه... الخ. أنظر إلى كتب الأحاديث للإمامية تجد الحديث باختلاف في بعض ألفاظه.

و رواه الشيخ الثقة الجليل الحسين بن سعيد الأهوازي رحمه اللّه صاحب التصانيف الكثيرة، و بكثرة كتبه يضرب المثل، و هو من أصحاب الإمام علي بن موسى الرضا و الجواد و الهادي عليهم السّلام، في كتابه «المؤمن» -المخطوط-عن أبي جعفر و أبي عبد اللّه عليهما السّلام.

القاضي الطباطبائي‏

309

«چه بى‏يسمع و بى‏يبصر عيان شد»

هناك ترتقي النفس من جنات تجري من تحتها الأنهار إلى «رضوان من اللّه أكبر» ، بل هناك-أي في ذات نفسك-الجنان و الرضوان، و الحور و الولدان، هناك مقام أعددت لعبدي المؤمن ما لا عين رأت و لا أذن سمعت، و لا خطر على قلب بشر وَ هُمْ فِي مَا اِشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خََالِدُونَ ، هناك مقام:

بأسمائك الحسنى أروح خاطري # إذا هب من قدس الجلال نسيمها

إذا ظمأت نفسي فإنك ريها # و إن شقيت يوما فأنت نعيمها

***

گر باقليم عشق روى آرى # همه آفاق گلستان بينى‏

آنچه بينى دلت همان خواهد # و آنچه خواهد دلت همان بينى‏

رزقنا اللّه تلك المنازل الرفيعة، و جعلنا من السالكين إليها، الواصلين إليه، و من أهل الزلفى عنده، و الكرامة عليه، فإنه لا ينال ذلك إلاّ بفضله، و فيضه و لطفه و كرمه.

و إن أردت الخلاصة و الزبدة، فاعلم: أن كل حركة تستلزم أربعة أركان:

المحرّك، و المتحرك، و ما منه الحركة، و ما إليه الحركة، و لا شك أنك واقع في صراط الحركة، و المحرّك علتك، و المتحرك شخصيتك و هويتك‏ (1) ، و ما منه

____________

(1) -و قولنا المتحرك شخصيتك و هويتك إشارة إلى الحركة الجوهرية التي شيد أركانها، و أنار برهانها الحكيم الإلهي، أستاذ الحكماء المتألهين «الملا صدرا قدّس سرّه» ، و تبعه من بعده، و هي مبنية على أن تبدل الصفات و الأعراض يستلزم تبدل الذات، و إلاّ كان العرض مستقلا عن‏

310

الحركة أول ما خلق اللّه النفس الرحماني‏ (1) و العقل الكلي، فإنّ منه الحركة

____________

قمعروضه، و هو باطل قطعا.

و على ذلك يبتني برهان حدوث العالم متغير، و كل متغير حادث، فلو كان تغير الصفات لا يستلزم تغير الذات لم يتم هذا البرهان كما هو ظاهر.

و عليه فلا ريب أن كل شخص يتحرك في أعراضه و أوصافه فهو إذا متحرك بجوهره و ذاته، و لكن على نحو الاتصال، و كل مرتبة لاحقة واجدة لما قبلها من المراتب حتى تصل إلى غايتها صاعدة و راجعة، فسبحان الذي بيده ملكوت كل شي‏ء و إليه ترجعون. (منه دام ظله) .

(1) -قد تكرر في عبارات هذا السفر الجليل، كما في عبائر كثير من الحكماء و العرفاء، خاصة في كتب صدر المتألهين قدّس سرّه التعبير عن أول ما خلق اللّه تعالى، تارة «بالنفس الرحماني» ، و أخرى بـ «الحق المخلوق به» ، و ثالثة بـ «الرحمة التي وسعت كل شي‏ء » ، أما الأول فالمشهور أنه بفتح حرف الفاء، و النفس عبارة عن الهواء الذي يدخل من الفم و الأنف حال التنفس في الرئتين، و يخرج منهما إلى الخارج، و هذا الهواء النقي ضروري لاستمرار حياة الإنسان الحي، بل لكل حي ذي الرئة بإصلاح الدم الفاسد بواسطة الرئتين في حركتي الشهيق و الزفير، و إحالته إلى دم أحمر شرياني بعد أن كان أسود وريديا.

و هذا الهواء الداخل و الخارج باعتماده على المخارج يصير حروفا مختلفة بالنوع، و ذلك الهواء بمنزلة الوجود و انبساطه، و المخارج بمنزلة الماهيات الممكنة، و الحروف المختلفة بمنزلة مراتب الماهيات المختلفة المتكثرة، و النفس بمنزلة حقيقة الوجود الصرف، و البحث البسيط و غيب الغيوب، و لذا قال بعض الأكابر من أساتذة الحكمة و العرفان في مقام التمثيل: «النفس الرحماني كالنفس الإنساني، و نسبة الماهيات الممكنة إلى النفس الرحماني كنسبة الحروف و الكلمات إلى النفس الإنساني، فكما أنّ الحروف و الكلمات عين النفس الإنساني في الخارج و متحدة معه و متحصلة به، فكذلك الماهيات عين النفس الرحماني و متحدة معه، و متحصلة به» ، قُلْ لَوْ كََانَ اَلْبَحْرُ مِدََاداً لِكَلِمََاتِ رَبِّي لَنَفِدَ اَلْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمََاتُ رَبِّي وَ لَوْ جِئْنََا بِمِثْلِهِ مَدَداً ، و الغرض من هذه الكلمات إثبات المثال له تعالى، لا إثبات المثل له، فإنه لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ وَ هُوَ اَلسَّمِيعُ اَلْبَصِيرُ ، كما في التنزيل المجيد.

و احتمل بعض أساتذتنا-دام بقاه-أنّ التعبير بالنفس الرحماني لعله اقتباس من قوله تعالى:

311

نزولا، و إليه الحركة صعودا، اللهمّ لك الجود، و أنت الجواد، و منك الوجود و الإيجاد، و منك البدء، و إليك المعاد.

النور واحد أحدي بسيط لا تعدد فيه و لا تكرار، و لكن إذا أشرق على هياكل الممكنات ظهرت الأشباح و الظلال على حسب القابليات، فالنور سطع من شمس الشموس، و روح الأرواح، و غيب الغيوب، و الأظلة هي الوجودات الإمكانية، و القابلية هي حدود الماهية، و الأعيان الثابتة.

أ لم تر إلى ربك كيف مدّ الظل بإشراق شمس الحقيقة عليه بسطا، ثمّ ينطوي ذلك النهار و تلك الأنوار فلا يبقى أثر لظله، و لا لذي ظل قبضا، و لكن قبضا يسيرا. فتدبر نكتة اليسير هنا، و أحسن التفكير.

____________

ق وَ اَلصُّبْحِ إِذََا تَنَفَّسَ ؛ حيث إنهم شبهوا هذا النور-أعني نور الوجود المنبسط على هياكل الممكنات-بتنفس الصبح، و إشراق نور الشمس و انبساطه، كما أشرق ذلك النور على الماهيات، و أخذ كل واحد منها من هذا النور بقدرها أَنْزَلَ مِنَ اَلسَّمََاءِ مََاءً فَسََالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهََا .

و أما الثاني-أعني التعبير بالحق المخلوق به-فإنهم قالوا: إنّ المراد بالحق هاهنا هو الثابت، و لما كان هذا الوجود ثابتا بذاته فلذا أطلق عليه الحق، و كونه مخلوقا به؛ لكون الماهيات موجودة به.

و أما الثالث فهو اقتباس من قوله تعالى: وَ رَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْ‏ءٍ ؛ لأنّ المراد من الرحمة هو الخير و الفيض الفائض من الفياض، و الانعطاف و الإحسان منه، و لما كان الفيض المنبسط خيرا، بل هو الخير الفائض، و شاملا لجميع الموجودات، عبر عنه بها كما صرح به بعضهم.

و أما الاختلاف في التعبير فإنما هو بحسب الاصطلاحات، كما أشار به شيخنا الإمام-دام ظله-فيما سبق من كلامه الشريف. أنظر صفحة 255.

القاضي الطباطبائي‏

غ

312

و حقا إذا أشرقت الشمس انطمست الكواكب، و زالت الأشباح و الأظلة، و قامت القيامة، و أتى النداء من معاقد عرش العظمة، و سبحات وجه الجلال و الجبروت‏ لِمَنِ اَلْمُلْكُ اَلْيَوْمَ لِلََّهِ اَلْوََاحِدِ اَلْقَهََّارِ ، و كُلُّ شَيْ‏ءٍ هََالِكٌ إِلاََّ وَجْهَهُ ، و كُلُّ مَنْ عَلَيْهََا فََانٍ*`وَ يَبْقى‏ََ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو اَلْجَلاََلِ وَ اَلْإِكْرََامِ ، تندك الجهات، و يبقى الوجه، ثمّ قبضناه أي قبضنا وجه الكائنات، و ظل الممكنات إلينا قبضا سهلا يسيرا وَ مََا أَمْرُنََا إِلاََّ وََاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ .

و عساك قد اقتنعت بما أترعت لك من البيان في تصوير المعاد الجسماني، و أنه ممكن ذاتا، واجب وقوعا، و ليس هو من إعادة المعدوم، و لا من الفرض الموهوم، و إنما هو سير و حركة، و تفريق و جمع، و استبدال و انتقال من حال إلى حال.

و يحسن أن نختم المقال ببعض ما جاء في الكتاب الكريم، و أحاديث أهل البيت عليهم السّلام، و نجعله «مسك الختام» .

و ليس الغرض من ذكرها الاستدلال بالأدلة النقلية، بل لبيان مطابقة العقل للنقل، و موافقة الوحي للوجدان، و البرهان للعيان.

أما القرآن العزيز: فأكثر الآيات ظاهرة في أن الذي يرجع إلى اللّه-عز شأنه-و يعود إليه هو هذا الجسد المعين، و الهوية الخاصة، التي يشار إليها بهذا، و يعبر عن نفسه «أنا» ، مثل قوله تعالى: إِلَى اَللََّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً (1) ، وَ اِتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اَللََّهِ (2) ،

____________

(1) -سورة المائدة، الآية 48.

(2) -سورة البقرة، الآية 281.

313

أَ فَحَسِبْتُمْ أَنَّمََا خَلَقْنََاكُمْ عَبَثاً وَ أَنَّكُمْ إِلَيْنََا لاََ تُرْجَعُونَ (1) ، و قوله تعالى: كَمََا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (2) ، كَمََا بَدَأْنََا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ (3) ، هُوَ اَلَّذِي يَبْدَؤُا اَلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ (4) ، و تشير هذه الآية الكريمة و نظائرها إلى أنّ ثبوت المبدأ يستلزم ثبوت المعاد، بل هما متلازمان ثبوتا أو إثباتا، و لو لا المعاد بطلت الحكمة، و إذا بطلت الحكمة بطل المبدأ، و لزم التعطيل، أو العبث، أو الصدفة، و ما أشبه ذلك من اللوازم الفاسدة التي أوضحنا بطلانها في الجزء الأول من كتاب «الدين و الإسلام» (5) .

فالمعاد في الجملة ضروري، لا بد من الاعتراف به و المصير إليه، و بعض الآيات كالصريحة بأنه جسماني‏ وَ ضَرَبَ لَنََا مَثَلاً وَ نَسِيَ خَلْقَهُ قََالَ مَنْ يُحْيِ اَلْعِظََامَ وَ هِيَ رَمِيمٌ*`قُلْ يُحْيِيهَا اَلَّذِي أَنْشَأَهََا أَوَّلَ مَرَّةٍ (6) ، و الآية التي بعدها تشير إلى كيفية الإحياء و أسلوبه‏ اَلَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ اَلشَّجَرِ اَلْأَخْضَرِ نََاراً فَإِذََا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ (7) ، و هي طريقة البروز و الكمون و الطي و النشر.

____________

(1) -سورة المؤمنون، الآية 115.

(2) -سورة الأعراف، الآية 29.

(3) -سورة الأنبياء، الآية 104.

(4) -سورة الروم، الآية 27.

(5) -طبع هذا الكتاب القيم في جزءين، و برز إلى عالم الوجود بالطبع الجيد النفيس، و عم نفعه العالم الإسلامي سنة 1330 هـ في بلدة صيدا-لبنان، في مطبعة «العرفان» للشيخ العلامة المجاهد الشيخ أحمد عارف الزين، شيخ العلم و الأدب، مدير مجلة «العرفان» الغراء، و كم لهذا الرجل الفذ أمثال هذه الخدمات الجليلة التي أداها إلى المجتمع الديني، و العالم المذهبي، نسأل اللّه تعالى دوام توفيقه و تأييده.

القاضي الطباطبائي‏

(6) -سورة يس، الآية 78-79.

(7) -سورة يس، الآية 80.

314

أَ وَ لَيْسَ اَلَّذِي خَلَقَ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضَ بِقََادِرٍ عَلى‏ََ أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ (1) ، و هذه المثلية هي العينية، فهو مثله باعتبار، و عينه باعتبار آخر، و اختلاف الاعتبارين من اختلاف طباع النشأتين، كما أوضحناه فيما مر عليك.

أما الأخبار الشريفة: فقد جاءت بأوسع من ذلك البيان، و أفصحت عن كل ما جلّ دقّ، و ما هو بالحق أحق.

ففي الاحتجاج عن أمير المؤمنين عليه السّلام، و مثله عن الصادق عليه السّلام، و نقله في البحار بطوله، و فيه بعض القضايا المحتاجة إلى التأويل أو التحصيل، و لكن محل شاهدنا منه لا غموض فيه، بعد مراجعة ما ذكرناه من الفصول و الأصول، قال-أي الزنديق، يسأل الصادق سلام اللّه عليه، بعد قوله عليه السّلام: هو سبحانه يحيي البدن بعد موته و يعيده بعد فنائه-: فأين الروح؟قال: في بطن الأرض حيث مصرع البدن إلى وقت البعث، قال: فمن صلب، فأين روحه؟قال: في كف الملك الذي قبضها حتى يودعها الأرض.

و أقول: لعله يشير-سلام اللّه عليه-بهذه الجملة إلى علاقة الروح بالبدن بعد فراقها، و أنها مرتبطة به لشدة الاتصال في الدنيا به، كما عرفت من أنّ آثار الروح تظهر على البدن كحمرة الخجل، و صفرة الوجل، و ضربان القلب، و رعشة البدن، و انفعالات البدن تظهر و تسري إلى الروح كألم الضربة و الطعنة، و سائر العوارض على البدن التي تتألم منها الروح بحكم تحقق الوحدة بينهما، أي أن البدن هو الروح بمرتبته العليا، و الروح هو البدن بمرتبته السفلى، و الموت نوع من التعطيل في التصرف.

____________

(1) -سورة يس، الآية 81.

315

ثمّ قال-أي الزنديق-: أ فيتلاشى الروح بعد خروجه من قالبه، أم هو باق؟قال: بل هو باق إلى وقت ينفخ في الصور، فعند ذلك تبطل الأشياء، و تفنى، فلا حس و لا محسوس، ثمّ أعيدت الأشياء كما بدأها مدبّرها.

أقول: هذا إشارة إلى ما بين النفختين يوم يأتي النداء: لِمَنِ اَلْمُلْكُ اَلْيَوْمَ ؟فلا مجيب إلاّ نور الأنوار لِلََّهِ اَلْوََاحِدِ اَلْقَهََّارِ ، حيث عرفت أنّ شمس الشموس إذا تجلّت بتمام نورها للعقول و النفوس، استولى عليها الفناء و الطموس، فلا ظل و لا ذو ظل، و لا حس و لا محسوس.

«همه آنست و نيست جز او» # «وحده لا إله إلاّ هو»

ثمّ قال الزنديق‏ (1) : فأنى له بالبعث و البدن قد بلي، و الأعضاء قد تفرقت،

____________

(1) -الزنديق: كلمة فارسية معربة، قال ثعلب: ليس زنديق و لا فرزين من كلام العرب، ثمّ قال:

و يلي البياذقة و هم الرجالة-يريد أنّ الفرزين في الشطرنج يلي البياذقة، و الفرزين هو الملك في اصطلاح الشطرنج-و ليس في كلام العرب زنديق، و إنما تقول العرب: رجل زندق و زندقي: إذا كان شديد البخل، و إذا أرادت العرب معنى ما تقوله العامة قالوا: ملحد و دهري، فإذا أرادوا معنى السن قالوا: دهري-بالضم-للفرق بينهما.

و قال سيبويه: الهاء في زنادقة و فرازنة عوض عن الياء في زنديق و فرزين. قال ابن دريد:

قال أبو حاتم: الزنديق فارسي معرب، كأن أصله عنده زنده كرد، زنده: الحياة، و كرد: العمل، أي يقول بدوام الدهر.

قال أبو بكر: قالوا: رجل زندقي، و زندقي يعني بفتح الزاي و كسرها، و ليس من كلام العرب، و في المعيار: و هو بالفارسية «زندكيش» . أنظر تفصيل ذلك في كتاب «المعرب» للجواليقي، و هامشه: ص 166-167 ط. مصر.

و قيل: هو معرب زندي، أي متدين بكتاب، يقال له «زند» ادعى المجوس أنه كتاب زرادشت، ثمّ استعمل في العرف لمبطن الكفر، و هم أصحاب مزدك الذي ظهر في أيام قباذ

316

فعضو ببلدة يأكله سباعها، و عضو بأخرى تمزقه هوامها، و عضو قد صار ترابا بني به مع الطين حائط؟قال: إن الذي أنشأه من غير شي‏ء ، و صوّره على غير مثال سبق، قادر أن يعيده كما بدأه، قال: أوضح لي ذلك، قال الإمام عليه السّلام: إن الروح مقيمة في مكانها، روح المحسن في ضياء و فسحة، و روح المسي‏ء في ضيق و ظلمة، و البدن يصير ترابا كما منه خلق، و ما تقذف به السباع و الهوام من

____________

قبن فيروز. قيل: إنه معرب «زن دين» أي دين المرأة. أنظر: محيط المحيط: ص 889 ج 1 ط. بيروت، للمعلم بطرس البستاني المتوفى سنة (1301) هـ.

و قال شيخنا الإمام-دام ظله-في (الآيات البينات: ص 2-15 ط. النجف) عند بيان أنواع الالحاد و ضروب الزندقة: «لا تحسب أن الزندقة مذهب من المذاهب، أو دين من الأديان، كلا بل هي ذلك الالحاد البحت، و الكفر المحض، سوى أن لفظة الالحاد عربية صراح، و الزندقة فارسية معربة» ، ثمّ شرع-دام ظله العالي-لبيان أن دخول هذا اللفظ في لسان المسلمين كان على الظن الغالب في أواخر القرن الأول، و أيضا شرع لبيان تطورات الالحاد على مر القرون و مناقضته مع الأديان و تشكله بأشكال مختلفة حتى وصل إلى البابية و البهائية (*) الذين هم من أركان الالحاد و الزندقة، و ذكر السيد المرتضى علم الهدى قدّس سرّه أيضا شطرا وافرا من أحوال الزنادقة في الإسلام في كتاب أماليه. أنظر: ص 88-102 ج 1 ط. مصر.

(*) أحسن ما ألف في تاريخ هذه الفرقة الضالة هو كتاب «مفتاح باب الأبواب» المطبوع في مطبعة المنار بمصر سنة (1321) هـ ألفه المؤرخ المحقق زعيم الدولة، رئيس الحكماء الدكتور ميرزا محمد مهدي خان التبريزي، نزيل مصر-القاهرة، المتوفى في الرابع من شهر محرم سنة (1333) هـ، و هو من أنفس الآثار الخالدة، و أصح الكتب التأريخية و أتقنها في تأريخهم، و سرد خرافاتهم و كونهم من ولائد السياسة الغاشمة بالتحقيق و التنقيب، و التحليل الصحيح، و كفتنا مئونة التعريف بهذا الكتاب و الاعتماد على ما جادت به يراعة مؤلفه إطراء شيخنا الإمام-دام ظله-عليه و على مؤلفه المرحوم-طاب ثراه-في كتابه «الآيات البينات» : ص 15-16 ط. النجف.

القاضي الطباطبائي‏

317

أجوافها مما أكلته و مزقته كل ذلك في التراب محفوظ عند من لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في ظلمات الأرض، و يعلم عدد الأشياء و وزنها، و أن تراب الروحانيين بمنزلة الذهب في التراب، فإذا كان حين البعث مطر الأرض مطر النشور، فتربو الأرض، ثمّ تمخض مخض السقاء فيصير تراب البشر كمصير الذهب من التراب إذا غسل بالماء، و الزبد من اللبن إذا مخض، فيجمع تراب كل قالب إلى قالبه ينتقل بإذن اللّه القادر إلى حيث الروح، فتعود الصور بإذن المصوّر كهيئاتها، و تلج الروح فيها، فإذا قد استوى لا ينكر من نفسه شيئا. انتهى ما أردنا نقله من هذا الخبر الشريف.

و لو أردنا شرح هذه الكلمات النيرة و تفسير كل جملة منها كما هو حقه اقتضى ذلك تأليف رسالة مستقلة، و لكن نعلق على بعضها إشارة إجمالية تكون مفتاحا لرتاجها، و ذبالة لسراجها.

قوله عليه السّلام: الروح مقيمة في مكانها، و حيث إنها من المجردات، و التجرد فوق الزمان و المكان، أي ليس للمجرد زمان و لا مكان، فلعل المراد من كونها مقيمة في مكانها وقوفها عن الحركة لوصولها إلى الغاية التي تحصلت لها من سيرها إلى الكمال الميسر لها في نشأتها الأولى «و كل ميسر لما خلق له» .

أما انتقالها إلى النشأة الثانية فهي هناك واقفة و مقيمة في مكانها قد خرجت عن عالم الترقي و الإعداد و الاستعداد الذي كان لها بتلك الدار، و نزلت بدار القرار و الاستقرار، بخلاف الجسد الذي بقي في صراط الحركة و دار الإعداد و الاستعداد و التبدل و الانتقال من حال إلى حال، و من صورة إلى أخرى حتى ينتهي إلى الصورة الأخيرة الجامعة لجميع الصور، ذلك يوم الجمع، و هي التي يبلغ البدن بها إلى الغاية التي يكون بها بدنا أخرويا يصلح للاتصال‏

318

بالروح، فيعود إليها كما كان في النشأة الأولى، فالمعاد هو معاد البدن إلى الروح، لا معاد الروح إلى البدن، و هنا تقف الحركة، و ينتهي السير و الإعداد و الاستعداد، و رُدُّوا إِلَى اَللََّهِ مَوْلاََهُمُ اَلْحَقِّ ، وَ هُوَ اَلَّذِي يَبْدَؤُا اَلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَ هُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَ لَهُ اَلْمَثَلُ اَلْأَعْلى‏ََ ، و الأهونية هنا من جهة القابل لا من جهة الفاعل؛ فإنه جل و علا ليس شي‏ء أهون عليه من شي‏ء ؛ إذ الجميع في ظرف قدرته سواء، وَ مََا أَمْرُنََا إِلاََّ وََاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ ، و لكن حيث إنّ تراب البدن-كما عرفت- صارت له مع الروح علاقة خاصة اكتسب بها بعض المزايا و امتاز بذلك عن سائر الأتربة، فرجوعه إلى الروح التي له معها تمام الأنس و أقوى العلاقة، بل لا تزال العلاقة ثابتة فضعفت ثمّ تضاعفت أهون من إنشاء الروح من التراب، أي البدن الذي لم تكن لها به أي علاقة سابقا حسبما عرفت من أنّ النفس جسمانية الحدوث، روحانية البقاء.

إذا فما أبعد الفرق بين المقامين، و هل من شك بأنّ النشأة الثانية أهون النشأتين؟

و قوله عليه السّلام: و يعود ترابا، كما منه خلق، لعله يشير إلى ناحية من تلك الجوهرة، يعني يصير ترابا كالتراب الذي خلق منه، و حق المعنى أن يقال: يعود إلى التراب الذي خلق منه، و لكن حيث إنّ التراب الذي خلق منه قد اكتسب من ملابسة الروح في النشأة ملكات و كمالات كانت فيه على نحو الاستعداد فصارت على نحو الفعلية لذا قال-سلام اللّه عليه-: كما منه خلق، أي التراب الذي خلق منه من حيث نوعه، لا من خصوصياته، أو من حيث إنّ طريق نزوله كطريق صعوده، فتدبّره جيدا.

قوله عليه السّلام: و ما تقذف به السباع إلى الآخر، إشارة إلى دفع شبهة الآكل‏

319

و المأكول، و أنّ التغذية و النمو في الأجسام ليس بصيرورة المأكول جزءا من الآكل، بل هو معد لإفاضة النفس الكلية بمشيئته تعالى صورة أخرى عليه بدلا عما تحلل من ذلك الجسم، فالمراد أنّ جميع الصور المفاضة المتعلقة كلها محفوظة في التراب عند ربّ الأرباب.

قوله عليه السّلام: و أنّ تراب الروحانيين بمنزلة الذهب في التراب، لعله إشارة إلى أنّ النفوس القادسة التي بلغت أقصى مراتب الصفاء و التجرد حتى تجردت أجسامها و صارت أرواحا لا تبلى و لا تتغير كالذهب الذي لا يغيره التراب، و لا يؤثر فيه، كما ورد في كثير من الأخبار المنقولة في البحار و غيره، و لعل المراد بمطر النشور نفخة الصور الثانية التي تقوم بها الخلائق أحياء بعد فناء الجميع بالنفخة الأولى، و في بعض الأخبار أن اللّه سبحانه يرسل سحابا فتمطر على أرض المحشر، فينشر البشر و يخرج كما يخرج النبات من الأرض غب المطر، و أكثر آيات المعاد و الحشر و النشر في القرآن العزيز تشير إلى ذلك، مثل قوله تعالى: وَ نَزَّلْنََا مِنَ اَلسَّمََاءِ مََاءً مُبََارَكاً فَأَنْبَتْنََا بِهِ جَنََّاتٍ وَ حَبَّ اَلْحَصِيدِ (1) ، وَ أَحْيَيْنََا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً كَذََلِكَ اَلْخُرُوجُ (2) ، وَ كَذََلِكَ تُخْرَجُونَ (3) ، كَذََلِكَ اَلنُّشُورُ (4) ، إلى كثير من أمثالها.

و قوله عليه السّلام: فيجمع تراب كل قالب إلى قالبه، ينتقل بإذن اللّه القادر إلى حيث الروح، فتعود الصور بإذن المصور كهيئاتها، و تلج الروح فيها. صريح فيما سبق من أن البدن بعد استكماله و كماله و بلوغه أقصى ما قدّر له من السير في

____________

(1) -سورة ق، الآية 9.

(2) -سورة ق، الآية 11.

(3) -سورة الروم، الآية 19.

(4) -سورة فاطر، الآية 9.

320

صراط الحركة و الإعداد و الاستعداد ينتقل إلى الروح، و يتحد معها أقوى من اتحاده بها في النشأة الأولى؛ لأنه صار لطيفا روحيا، و كان كثيفا ماديا، و لعل في قوله عليه السّلام: فتعود الصور بإذن المصور كهيئاتها و تلج الروح فيها، إيماء إلى ما ذكرنا من أنّ الصور المتعاقبة على البذرة الأولى التي تكون الإنسان منها جنينا، ثمّ رضيعا و شابا و كهلا و شيخا، كلها محفوظة في مبادئها العالية و النفوس الكلية، و يوم الحشر و النشر-و هو يوم الجمع-تعود كهيئاتها و تتصل بالروح الاتصال الذي عبّر عنه الإمام عليه السّلام بقوله: و تلج الروح فيها، فإذن قد استوى، لا ينكر من نفسه شيئا فتجمع كل الصور فيه ماثلة لديه.

و ليس العائد تلك الصور المحسوسة فحسب، بل يعود لك حتى أعمالك و صفاتك و ملكاتك، و كل عمر خير أو شر يعود ماثلا لديك بحقيقته و جوهره، فالنميمة عقرب يلسعك، و السعاية أفعى تلدغك، و الغيبة لحم ميت تأكله، و هكذا كل ما جنت جوارحك، و اقترفته يدك أو لسانك، و مثل ذا كل عمل حسن أو معروف تجده صورة جميلة تؤنسك‏ وَ وَجَدُوا مََا عَمِلُوا حََاضِراً وَ لاََ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً (1) ، وَ مََا ظَلَمْنََاهُمْ وَ لََكِنْ كََانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (2) ، إِنَّمََا تُجْزَوْنَ مََا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (3) ، و لا حذف هنا، و لا تقدير، كما يتخيله بعض المفسرين، بل الجزاء نفس العمل، و في الحديث يقول-جل شأنه-يوم القيامة للعباد: أعمالكم ردت إليكم، و لكن بجوهرها و حقائقها، فكل ما في هذه الدار مجاز، و الحقيقة هناك، و هذا معنى ما سمعته أو تسمعه من تجسم الأعمال، فإن عملك هو

____________

(1) -سورة الكهف، الآية 49.

(2) -سورة النحل، الآية 118.

(3) -سورة الطور، الآية 16.

321

الكتاب الذي لا يغادر صغيرة و لا كبيرة إلاّ أحصاها وَ كُلَّ إِنسََانٍ أَلْزَمْنََاهُ طََائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَ نُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ اَلْقِيََامَةِ كِتََاباً يَلْقََاهُ مَنْشُوراً*`اِقْرَأْ كِتََابَكَ كَفى‏ََ بِنَفْسِكَ اَلْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً (1) .

فعن العياشي، عن خالد بن نسيج، عن أبي عبد اللّه الصادق عليه السّلام: إذا كان يوم القيامة دفع إلى الإنسان كتابه، ثمّ قيل له: اقرأ، قلت: فيعرف ما فيه؟فقال: إن اللّه يذكره، فما من لحظة و لا كلمة، و لا نقل قدم، و لا شي‏ء فعله إلاّ ذكره كأنه فعله تلك الساعة قالوا: يََا وَيْلَتَنََا مََا لِهََذَا اَلْكِتََابِ لاََ يُغََادِرُ صَغِيرَةً وَ لاََ كَبِيرَةً إِلاََّ أَحْصََاهََا .

و من ناحية تجسم الأعمال يأتي القرآن يوم القيامة شافعا مشفعا، أو شاكيا إلى ربه ممن هجره أو لم يحفظه، و من قرأ سورة لا أقسم‏ و كان يعمل بها بعثها اللّه معه من قبره في أحسن صورة، تبشره و تضحك في وجهه، حتى يجوز الصراط، و بعض السور تصير صورة جميلة تؤنسه في قبره.

و من هذا ما ورد من أن أهل الجنة جرد مرد، و المتكبرون يحشرون كالذر يطأهم الناس بأقدامهم، و أنّ ضرس أحدهم كجبل أحد إِنَّ اَلَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوََالَ اَلْيَتََامى‏ََ ظُلْماً إِنَّمََا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نََاراً (2) .

و في الكافي من حديث طويل، يقول الصادق عليه السّلام فيه: يدعى المؤمن للحساب فيتقدم القرآن أمامه في أحسن صورة، فيقول: يا رب أنا القرآن، و هذا عبدك المؤمن قد كان يتعب نفسه بتلاوتي، و يطيل ليله بترتيلي، و تفيض عيناه إذا تهجد، فأرضه كما أرضاني، فيقول العزيز الجبار: ابسط يمينك، فيملأها من

____________

(1) -سورة الإسراء، الآية 13-14.

(2) -سورة النساء، الآية 10.

غ

322

رضوان اللّه، و يملأ شماله من رحمة اللّه، ثمّ يقال: هذه الجنة مباحة لك، فاقرأ و اصعد، فكلما قرأ آية صعد درجة.

و في خبر طويل روي بعضه في البحار عن عقد الدرر في الإمام المنتظر عليه السّلام، يقول فيه: إنه تعالى يسلط على الكافر في قبره تسعة و تسعين تنينا ينهشن لحمه، و يكسرن عظمه، يترددن عليه كذلك إلى يوم يبعث.

أقول: و في أربعين الشيخ البهائي قدّس سرّه: و يسلط عليه حيات الأرض.

روى في الكافي عن الإمام أبي عبد اللّه الصادق عليه السّلام: أن اللّه يسلط عليه تسعة و تسعين تنينا، لو أنّ واحدا منها نفخ على الأرض ما أنبتت شجرا أبدا.

و روى الجمهور هذا المضمون بهذا العدد الخاص أيضا عن النبي صلّى اللّه عليه و آله.

قال بعض أصحاب الحال: و لا ينبغي أن يتعجب من التخصيص بهذا العدد، فلعل عدد هذه الحيّات بقدر عدد الصفات المذمومة من الكبر و الرياء و الحسد و الحقد، و سائر الأخلاق و الملكات الردية، فإنما تتشعب و تتنوع أنواعا كثيرة، و هي بعينها تنقلب حيات في تلك النشأة. انتهى.

و أقول: إنّ التعبير الأصح هو ما قلناه من أنها هي بعينها حيات في تلك النشأة، و في هذه، لا أنها تنقلب، و لكنما الدنيا غلاف الآخرة و قشرها، و الآخرة هي اللب و الحقيقة، و هي موجودة حالا في باطن الدنيا كما يشير إليه قوله تعالى: يَعْلَمُونَ ظََاهِراً مِنَ اَلْحَيََاةِ اَلدُّنْيََا وَ هُمْ عَنِ اَلْآخِرَةِ هُمْ غََافِلُونَ (1) ، يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذََابِ وَ إِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكََافِرِينَ (2) ، و اسم الفاعل حقيقة

____________

(1) -سورة الروم، الآية 7.

(2) -سورة العنكبوت، الآية 54.

323

فيما تلبس بالمبدإ حالا، لا ما يتلبس به في المستقبل.

نعم، الآخرة داخلة في الدنيا دخول الرقيقة في الحقيقة، و المعنى في اللفظ، و الروح في الجسم، و الهيولى مع الصورة.

من هنا يتجه ببعض الاعتبارات دعوى اتحاد الدنيا مع الآخرة اتحادا حقيقيا، و الاتحاد الحقيقي-كما مرت الإشارة إليه-هو اتحاد المتحصل مع غير المتحصل، يعني اتحاد ما بالقوة مع ما بالفعل، كاتحاد المادة بالصورة، و الجنس مع الفصل تحقيقا و اعتبارا، أما الشيئان المتحصلان فلا يتحدان أبدا، كما أن الشيئين غير المتحصلين يستحيل أن يكونا متحدين إلاّ اعتبارا و جعلا، لا حقيقة و واقعا.

و قد أحسن التلميح المليح إلى هذه الحقيقة الشاعر العرفاني، ممن عاصرناه حيث يقول في ارتجالية له بديعة مطربة:

روحي في روحك ممزوجة # و ربما تمزج روحان‏

حتى كأنّي منك في وحدة # لو صحّ أن يتحد اثنان‏

و يعجبني منها قوله قدست روحه الزكية:

هاموا هيامي فيك لو أنهم # قد عرفوا معناك عرفاني‏

لكن تجليت فأعشيتهم # بفرط أنوار و نيران‏

و إليه يشير أيضا العارف الإلهي الشيخ محمود التبريزي الشبستري:

324

حلول و اتحاد اينجا محالست # كه در وحدت دوئى عين ضلالست‏

و مهما يكن من شي‏ء فلا شك عند العارفين من أرباب اليقين أنّ كل شي‏ء في هذه الدنيا قشر و صورة، و لبابه و جوهره في الآخرة، و إلى هذا يرجع ما مر عليك من أن الآيات و الأحاديث قد استفاضت صريحة بتجسم الأحوال و الأعمال و الملكات و غيرها، و كل ذلك حق ليس فيه ريب، و إنما يؤمن به الواصلون الذين شاهدوا الحقائق عيانا، و ارتفعوا عن درجة الإيمان بالغيب‏ (1) .

____________

(1) -فاستمع هنا أيها القارئ العزيز لقضية نقلها العلامة القاضي سعيد القمي قدّس سرّه، المتوفى سنة (1103) هـ في رسالة الطلائع و البوارق الملكوتية في تحقيق أن لكل حقيقة من الحقائق الإمكانية صورة، و أن أحسنها الصورة الإنسانية، و هي الرسالة العاشرة من رسائل كتابه «الأربعينيات» -المخطوط-.

قال قدّس سرّه: «قد وصل إلينا ممن يوثق به عن أستاذ أساتيذنا بهاء الملة و الدين العاملي-عامله اللّه بلطفه الخفي و الجلي-أنه ذهب يوما إلى زيارة بعض أرباب الحال، و هو يأوي إلى مقبرة من مقابر أصفهان، فلما جلس عنده ذكر ذلك العارف للشيخ الأستاذ أنه رأى قبل ذلك اليوم أمرا غريبا في تلك المقبرة، قال: رأيت جماعة جاءوا بجنازة إلى هذه المقبرة و دفنوا ميتهم في موضع كذا و رجعوا، فلما مضت ساعة شممت رائحة طيبة لم تكن من روائح هذه النشأة، فتحيرت من ذلك و نظرت متفحصا يمنة و يسرة لأعلم من أين جاءت تلك الرائحة الطيبة، فإذا شاب حسن الهيئة، جميل الوجه، في زي الملوك يمشي نحو ذلك القبر إلى أن وصل إليه-خلف فصيل كان هناك-فتعجبت كثيرا، فلما جلس عند القبر فقدته و كأنه نزل إلى القبر، ثمّ لم يمض من ذلك زمان إذ فاجأتني رائحة خبيثة أخبث ما يكون، فنظرت فإذا كلب يمشي على أثر الشاب إلى أن وصل إلى القبر و استتر هناك، فبقيت متعجبا، إذ خرج الشاب الذي جاء أولا و هو رث الهيئة، مجروح الجثة، فأخذ في الطريق الذي جاء منه، فتبعته و التمست منه حقيقة الحال، فقال: إني كنت مأمورا بأن أصحب هذا الميت في قبره لأني‏

325

و النواة التي تدور عليها هذه الكهارب هي ما تكرر ذكره، و أشرنا إليه من أنّ شيئية الشي‏ء و شخصيته التي تكون بها هويته و يصير هو هو، و يمتاز عن غيره، إنما تحقق بصورته لا بمادته، و إنما المادة هيولى صرفة و قوة محضة، و استعداد خاص لكل الصور المتعاقبة، و كل صورة لاحقة جامعة لكمال ما قبلها من الصورة السابقة، و كل سابقة فهي معدة لكل لا حقة حتى تنتهي إلى الصورة الأخروية الأخيرة التي تعاد يوم المعاد، و تقف بين يدي رب العباد، و هي الصورة الدنيوية الأخروية الجامعة لكل الصور طولا لا عرضا، بل طولا و عرضا، فإنه و إن كان من المستحيل اجتماع صورتين فعليتين في شي‏ء واحد كاستحالة اجتماع شخصيتين و هويتين في شخص واحد، و لكن هذا إنما هو في هذه النشأة دار التزاحم و التصادم، بخلاف النشأة الثانية دار الجمع و النظم، و كل هذا من جهة ضيق المادة و ما يتألف منها.

أما الصور المجردة عن المواد المتعالية عن القوة و الاستعداد كالمفارقات العلوية، فلا تزاحم فيها و لا تضاد، فتدبره عساك تكون من أهله.

ثمّ إنّ المراد بالصورة في قولهم «إنّ حقيقة كل شي‏ء بصورته لا بمادته» :

____________

قكنت عمله الصالح، و قد جاء هذا الكلب الذي رأيته و أنه عمل غير صالح، فأردت أن أخرجه من قبره؛ وفاء لحق الصحبة و أداء لدين الأخوة، فنهشني و جرحني، و دفعني و صيرني إلى ما ترى، فلم أملك الوقوف هناك، فخرجت و تركته يصحبه هو، فلما أتى العارف المكاشف بتمام القصة قال شيخنا قدّس سرّه: صدقت فيما قلت، و حقا قلت، فنحن قائلون بتجسم الأعمال و تصورها بالصور المناسبة بحسب الأحوال، و صدقه البرهان و الدليل، و أذعنه كشف أرباب الحال، و أبناء هذا السبيل» .

نقلنا القصة من نسخة منقولة عن خط القاضي سعيد رحمه اللّه، نسأل اللّه تعالى أن يوفقنا للأعمال الصالحة بحق النبي صلّى اللّه عليه و آله و عترته الطاهرة عليهم السّلام.

القاضي الطباطبائي‏

326

الصورة التي هي أحد الأنواع، الجواهر الخمسة، و هي الوجود الخاص المعين لا الصورة بمعناها العرفي و استعمالها الدارج التي ترتسم بالمرآة أو بالخطوط و النقوش أو بالماء و نحوه، أو بالتصوير الشمسي، فإنها أعراض و أشكال ترجع إلى كم أو كيف أو إضافة... و القصارى أنّ بهذه القاعدة الحكمية المحكمة تمشي قضية المعاد الجسماني في سبيل لاحب لا ترى فيه عوجا و لا أمتا، و لا التواء، و لا تعاريج، و تتهافت على أشعة كل الشبهات و المناقشات تهافت الفراش على النار، و لا يبقى مجال لشبهة الآكل و المأكول، و لا لاستحالة إعادة المعدوم، و لا لغير ذلك مما قيل أو يقال في هذا المجال.

نعم، هنا خاطرة خاطئة لا بد من التعرض لها، و نفض ما يعلق على بعض الأذهان من غبارها، و إقالة عثارها، و هي توهم أنّ في عود الروح إلى البدن، أو عود البدن إلى الروح، نوعا من التناسخ، و يشهد له ما قيل: من أنه ما من دين من الأديان إلاّ و للتناسخ فيه قدم راسخ، و قد قامت الأدلة العقلية و النقلية على بطلان التناسخ بجميع أنواعه، و لكن من عرف معنى التناسخ عند القائلين به يتضح له جليا أنه لا مجال لورود هذه الشبهة أصلا؛ فإنّ التناسخيين يقولون: إنّ عالم الكون و الفساد محدود لا يزيد ذرّة، و لا ينقص شعرة، و ما الدنيا عندهم إلاّ جمع متفرقات، أو تفريق مجتمعات، و هذا العالم المحسوس ما هو إلاّ عناصر امتلأ بها الفضاء تجتمع فتصير أجساما، و تتفرق فتصير غازا، أو بخارا، أو سديما أو سحابا، ثمّ تجتمع كرة أخرى فتصير إنسانا أو حيوانا، و هكذا.

ثمّ إنّ النفوس أيضا أرواح من الأزل محدودة لا تزيد و لا تنقص، تدخل واحدة منها في جسم قد استعد لقبول روح إنسانية أو حيوانية أو نباتية، و بحسب ما اكتسب من خير أو شر، إذا فارقت هذا الجسد دخلت في جسد آخر، إنسانا أو

327

حيوانا، معذبة أو منعمة، و هكذا لا تزال متنقلة إلى الأبد إن صح أن يكون للأبد غاية، أو يكون هو غاية، و لذا جعلوا للتناسخ أربعة أنواع: نسخ، أو مسخ، أو فسخ، أو رسخ‏ (1) .

فالعمود الفقري للتناسخ هو انتقال الروح من بدن إلى آخر في هذه الحياة الدنيا.

أما المعاد الجسماني في الإسلام فحبل وريده انتقال الروح أو عود الروح إلى بدنها الذي فارقته لا إلى بدن آخر، أو عوده هو إليها، فكم من الفرق بين

____________

(1) - «النسخ» : في اصطلاح الحكماء و المتكلمين عبارة عن انتقال النفس الناطقة الإنسانية بعد الموت من بدن إنساني إلى بدن إنساني آخر.

و «المسخ» : انتقال النفس من بدن الإنسان إلى بدن حيوان آخر غير الإنسان.

و «الفسخ» : انتقال النفس من بدن الإنسان إلى جسم نباتي.

و «الرسخ» : انتقال النفس الإنسانية إلى جسم معدني.

و أخس هذه المراتب الأربعة هو المرتبة الرابعة، كما أن أخس مرتبة النفس هو المرتبة الجمادية المسلوبة عنها جميع الكمالات الحسية و العقلية، فإنّ للنفس مراتب و هي متدرجة في الكمال و النقص و الشدة و الضعف، و أكمل تلك المراتب مرتبة النفس الناطقة الإنسانية التي هي الجوهر النفيس الرباني.

ثمّ النفس الحيوانية التي ليس لها قابلية الترقي و التقدم في الفضائل و الكمالات سوى إدراك المحسوسات و الشهوات البدنية، ثمّ النفس النباتية الفاقدة لمرتبة الإحساس و الإدراك و ليس لها سوى قوة التغذية و التنمية، ثمّ مرتبة الجمادية التي عرفت أنها أخس المراتب و أسفلها.

و الإنسان جامع لجميع تلك المراتب و خواصها موجودة فيه، و لذا تظهر آثارها منه، قال تعالى: وَ لَقَدْ كَرَّمْنََا بَنِي آدَمَ ... وَ فَضَّلْنََاهُمْ عَلى‏ََ كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنََا تَفْضِيلاً (سورة الإسراء، الآية 70) .

القاضي الطباطبائي‏

328

الأمرين؛ و لذا ينكر التناسخيون الدار الأخرى و الحياة الثانية، فلا مبدأ و لا معاد، و لا حساب و لا كتاب، و لا ثواب و لا عقاب، بل كل جزاء من خير أو شر هو في الحياة الدنيا، و من هنا أجمع أرباب الأديان على بطلان التناسخ تماما؛ لأنه يصادم الأديان تماما.

ثمّ إذا أحطت علما بما ذكرناه يظهر لك الخلل فيما ذكره المجلسي رحمه اللّه في المجلد الثالث من البحار، في «فذلكة له» حيث يقول: فالمراد بالقبر في أكثر الأخبار ما يكون الروح فيه في عالم البرزخ، و هذا يتم على تجسم الروح و تجرده، و إن كان يمكن تصحيح بعض الأخبار بالقول بتجسم الروح أيضا بدون الأجساد المثالية، و لكن مع ورود الأجساد المثالية في الأخبار المعتبرة لا محيص عن القول بها، و ليس هذا من التناسخ الباطل في شي‏ء ؛ إذ التناسخ لم يقم دليل عقلي على امتناعه؛ إذ أكثرها عليلة مدخولة، و العمدة في نفيه ضرورة الدين، و إجماع المسلمين، و هذا غير داخل فيما انعقد الإجماع و الضرورة على نفيه. انتهى.

و من المؤسف صدور مثل هذا الكلام من أمثال هؤلاء الأعلام، و لكن ليت من لا يعرف شيئا لا يتدخل فيه، و ما أشد الخطأ و الخطل بقوله: «التناسخ لم يقم دليل عقلي على امتناعه» ، ثمّ التمسك لإبطاله بالأدلة السمعية كالإجماع و ضرورة الدين التي لا مجال لها في القضايا العقلية، بل و العقلية المحضة، كالتناسخ و تجسم الروح الذي هو من قبيل الجمع بين الضدين، بل النقيضين، و أين المجرد من المادي، و المحسوس من المعقول، و البسيط من المركب؟

ثمّ أي برهان عقلي أقوى من أنّ النفس التي تدرجت من القوة المحضة في الجنين إلى أن تكاملت فعليتها إلى الكهولة و بلغ العقل أشده في الأربعين‏

329

فالخمسين، و هكذا، و تستحيل أن ترجع القهقرى فتعود قوة محضة في جسم جنين آخر، فإنّ ما بالقوة يقع في صراط الحركة، كما عرفت، و ينتهي إلى الفعلية، و لكن ما هو بالفعل يستحيل أن يعود إلى ما بالقوة، فالبرهان و الوجدان شاهدان عدلان على بطلان التناسخ.

مضافا إلى أدلة أخرى لا مجال لسردها، فلا حاجة إلى الإجماع و غيره في إبطاله، بل ذلك لا يجدي شيئا في نقير، أو فتيل، و لا غرابة إذا غرب مثل هذا عن مثل شيخنا المجلسي-طاب ثراه-فإنّه من المتخصصين بعلم المنقول لا المعقول.

و لكن الغريب جدا أن يشتبه الأمر على مثل شيخنا البهائي قدّس سرّه، و هو من المتضلعين في المباحث العقلية، قال في كتابه «الأربعين» : «وهم و تنبيه: قد يتوهم أنّ القول بتعلق الأرواح بعد مفارقة أبدانها العنصرية بأشباح أخرى-كما دلت عليه تلك الأحاديث-قول بالتناسخ، و هذا توهم سخيف؛ لأنّ التناسخ الذي أطبق المسلمون على بطلانه هو تعلق الأرواح بعد خراب أجسامها بأجسام أخر في هذا العالم، إما عنصرية كما يزعمه بعضهم، و يقسمه إلى النسخ و المسخ و الفسخ و الرسخ، أو فلكية ابتداء، أو بعد ترددها في الأبدان العنصرية على اختلاف آرائهم الواهية المفصلة في محلها.

و أما القول بتعلّقها في عالم آخر بأبدان مثالية مدة البرزخ إلى أن تقوم قيامتها الكبرى فتعود إلى أبدانها الأولية بإذن مبدعها إما بجميع أجزائها المتشتتة، أو بإيجادها من كتم العدم، كما أنشأها أول مرة، فليس من التناسخ في شي‏ء ، أو أن تسميته تناسخا فلا مشاحة في التسمية إذا اختلف المسمى، و ليس إنكارنا على التناسخية و حكمنا بكفرهم لمجرد قولهم بانتقال الروح من بدن إلى‏

330

آخر، فإن المعاد الجسماني كذلك عند كثير من المسلمين، بل لقولهم بقدم النفوس، و ترددها في أجسام هذا العالم، و إنكارهم المعاد الجسماني. انتهى.

و لعمر الحق أن عجبي لا يتناهى من قوله: إنّ المعاد الجسماني كذلك عند كثير من أهل الإسلام، أي أنه عبارة عن انتقال الروح من بدن إلى آخر، و هل التناسخ الباطل إلاّ هذا، و لا ينبغي نسبة ذلك إلى أحد من المسلمين، بل المتسالم عندهم عودها و انتقالها إلى بدنها الأول، لا إلى بدن آخر.

و كيف كان، فلا شي‏ء من الأبدان المثالية البرزخية و لا العنصرية الأخروية التي تعود يوم القيامة أبدان أخرى، بل هي تلك الأبدان التي نشأت من جرثومة الحياة الأولى، و التي منها تكونت الروح، و أخذت تنمو مع البدن المثالي و العنصري على ما سبق توضيحه بأقوى بيان، و أجلى برهان.

و في المعاد لم يحصل بدن جديد، و لا روح جديدة، و إنما هو اختلاف في نحوي التعلّق و الاتصال، كاختلاف تعلق الروح بالبدن بين حالتي النوم و اليقظة، أو الصحو و السكر.

و على ذكر حديث التناسخ نذكر أنّ بعض المتنطعين الذين يتكلفون ما ليس من شأنهم كتب إلينا من «بغداد» كتابا مطولا يقول فيه ما خلاصته: إنّ بعض الآيات في القرآن العزيز تدل على التناسخ، و لما ذا يحملها علماء الأديان على غير ظاهرها؟و ذلك مثل قوله تعالى: رَبَّنََا أَمَتَّنَا اِثْنَتَيْنِ وَ أَحْيَيْتَنَا اِثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنََا بِذُنُوبِنََا فَهَلْ إِلى‏ََ خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ (1) ، فإنّ ظاهر الإماتة يقتضي أن تكون هناك حياة قبلها، و لازم ذلك أنّ لنا قبل هذه الحياة حياة، و قبل هذا الموت الذي نحمل

____________

(1) -سورة المؤمن، الآية 11.

331

بعده إلى القبر موتا، و هذا هو التناسخ.

و قد أجبناه عن هذا التوهم، و لعل الكتاب و الجواب قد أثبتا في كتابنا «دائرة المعارف العليا» ، و قد تعرض المفسرون لتوجيه هذه الآية بوجوه أربعة، كلها تصادم مبدأ التناسخ، و قد استعمل الكتاب الموت و الميت فيمن لم يعلم بأنّ له حياة سابقة، أو معلوم عدمها أَ وَ مَنْ كََانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنََاهُ (1) ، فَسُقْنََاهُ إِلى‏ََ بَلَدٍ مَيِّتٍ (2) ، كَيْفَ يُحْيِ اَلْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهََا (3) ، إلى كثير من أمثالها.

و أصح و أصرح من الجميع قوله: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللََّهِ وَ كُنْتُمْ أَمْوََاتاً فَأَحْيََاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ (4) ، و هو من العدم في مقابل الملكة، كقولك للأعمى: ذهب بصره، و لا تقوله للحجر، و مثله: صغّر اللّه جسم البقة، و كبّر جسد الفيل، و ضيّق فم الركية، و في هذا كفاية إن شاء اللّه.

و نقل الشيخ البهائي أنّ الكتب الكلامية احتجوا بها على إثبات عذاب القبر، فراجع.

ثمّ إنّ الشيخ البهائي-رضوان اللّه عليه-ذكر في آخر «الأربعين» جملة من أخبار المعاد و البرزخ و تجسيم الأعمال، و علق عليها تعاليق كلها تحقيق و توفيق.

فمن تلك الأخبار الشريفة: ما رواه من الكافي من كتاب الجنائز عن الصادق-سلام اللّه عليه-أنه سئل عن الميت يبلى جسده؟قال: نعم، حتى لا

____________

(1) -سورة الأنعام، الآية 122.

(2) -سورة فاطر، الآية 9.

(3) -سورة الروم، الآية 50.

(4) -سورة البقرة، الآية 28.

غ

332

يبقى له لحم و لا عظم إلاّ طينته التي خلق فيها، فإنها لا تبلى، بل تبقى مستديرة حتى يخلق منها كما خلق أول مرة.

أقول: إنّ كلامه-سلام اللّه عليه-هنا شبيه بما تقدم نقله في احتجاجه مع الزنديق حيث يقول الإمام عليه السّلام: إنّ تراب الروحانيين بمنزلة الذهب في التراب، فإذا كان حين البعث مطر الأرض مطر النشور فتربو الأرض، ثمّ تمخض مخض السقاء فيصير تراب البشر كمصير الذهب من التراب إذا غسل بالماء، و الزبد من اللبن إذا مخض إلى آخره.

و الشيخ رحمه اللّه لم يفسر الحديث المتقدم، و لا ذكر شيئا من المتأخر هنا، بل انتقل إلى إشادة بناء تجسيم الأعمال، و سرد الشواهد عليه و الأدلة، و ينبغي أن يكون مآل الخبرين الشريفين إلى جوهرة واحدة هي أنّ الجرثومة الأولى التي ينشأ شخص الإنسان منها بنشوئها و نموها و يرتقي صاعدا من الجمادية إلى أقصى ما قدّر له من الكمال في الإنسانية التي قد تعلو على الملكية كالبذرة التي تغرس في الأرض الطيبة فتنمو و تتصاعد حتى تثمر ثمرا جنيا، فصارت بعد الموت حياة، و بعد الجمادية نامية، و بعد الشحوب خضرة يانعة، ثمّ إذا فارقته الحياة و خرجت منه الروح تتلاشى لحمه و دمه، بل و كل شي‏ء منه، و لا يبقى في القبر إلاّ بذرته الأولى، و جرثومته السابقة على بساطتها مستديرة على نفسها، و أبسط الأشكال هو المستدير، و لكن علاقتها مع الروح، و ما استفادت بواسطتها من الملكات محفوظة في التراب الذي قبرت فيه، مستكنة في باطنه، فإذا شاء اللّه البعث و نشر الخلائق أمطرت الأرض العناية بالنشور فتمور الأرض مورا، و تسير الجبال سيرا، و جاءت الراجفة تتبعها الرادفة، فتمخض الأرض مخض السقاء الذي يرج و يهزّ هزا عنيفا لإخراج ما يستكن منتشرا فيه من الزبد،

333

فتخلص تلك البذور البشرية من التراب، و تفاض عليها تلك الصور المحفوظة عند أرباب أنواعها و مثلها العليا، فيخلق منها كما خلق أول مرة، و ما الفرق بين الخلقتين إلاّ بالجملة و التفريق، و الدفعة و التدريج، و في ظرف الزمان تارة، و في وعاء الدهر أخرى، فتعود الصور بإذن المصور كهيئاتها، و تلج الروح فيها، فإذا قد استوى لا ينكر من نفسه شيئا.

و في الكافي عن أبي بصير، قال: سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن أرواح المؤمنين، فقال: في الجنة، على صور أبدانهم، لو رأيته لقلت فلان.

و في خبر آخر في الكافي أيضا، عنه عليه السّلام: الأرواح في صفة الأجساد في شجرة في الجنة، تتعارف و تتساءل، إلى آخر الحديث.

و عنه-سلام اللّه عليه-: أنّ أرواح المؤمنين في حجرات الجنة، يأكلون من طعامها، و يشربون من شرابها.

و الأخبار الشريفة بهذه المضامين كثيرة و معتبرة، و منها أخبار «وادي السلام» ، و أنهم-أي الموتى-يجلسون حلقا حلقا يتذاكرون و يعرفون من زارهم، و تصلهم صدقة من تصدق عنهم و أحسن إليهم، و من أراد الاستقصاء فليطلبها من مظانها.

و يحسن طلبا للحسنى منه تعالى: أن نردف هذه الأخبار ببعض الأخبار الواردة في تجسيم الأعمال صراحة، عسى أن تكون لنا و لإخواننا المؤمنين فيها عظة و عبرة و نصا:

ففي الكافي بسنده إلى سويد بن غفلة (1) قال أمير المؤمنين-سلام اللّه

____________

(1) -غفلة بالغين المعجمة و الفاء، و قد صرح به جمع من علماء الرجال، و ضبطه ابن‏

334

عليه-: إنّ ابن آدم إذا كان في آخر يوم من أيام الدنيا، و أول يوم من الآخرة، مثل له ماله و ولده و عمله، فيلتفت إلى ماله فيقول: و اللّه إني كنت عليك حريصا شحيحا، فما لي عندك؟فيقول: خذ مني كفنك، قال: فيلتفت إلى ولده فيقول: و اللّه إني كنت لكم محبا، و عليكم محاميا، فما لي عندكم؟فيقولون: نؤديك إلى حفرتك فنواريك فيها، قال: فيلتفت إلى عمله، فيقول: و اللّه إني كنت فيك لزاهد، و إن كنت عليّ لثقيلا، فما لي عندك؟فيقول: أنا قرينك في قبرك، و يوم نشرك حتى أعرض أنا و أنت على ربك، فإن كان للّه وليا أتاه أطيب الناس ريحا، و أحبهم منظرا، و أحسنهم رياشا، فيقول: أبشر بروح و ريحان و جنة نعيم، و مقدمك خير مقدم، فيقول له: من أنت؟فيقول: أنا عملك الصالح، ارتحل من

____________

قداود قدّس سرّه بالعين المهملة و الفاء المفتوحتين، و لكن لم نجد له في هذا الضبط موافقا إلى اليوم من الفريقين.

و سويد بن غفلة بن عوسجة بن عامر الجعفي العراقي، مخضرم، من كبار التابعين، قاله ابن حجر. و قال سيد الحكماء السيد الداماد قدّس سرّه: «إنه من أولياء أمير المؤمنين عليه السّلام، و خلص أصحابه، و من أصحاب أبي محمد الحسن عليه السّلام» ، و عده جمع من علماء أهل السنة من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، و عده شيخ الطائفة (الطوسي) من أصحاب أمير المؤمنين عليه السّلام، و الحسن عليه السّلام. ولد عام الفيل، أو بعده بعامين، و قدم المدينة يوم دفن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، و كان مسلما في حياته، ثمّ نزل الكوفة و شهد مع أمير المؤمنين عليه السّلام صفين، و مات في زمن الحجاج، و له مائة و ثلاثون سنة، و في مدة عمره خلاف بينهم.

و قال الذهبي: إنه «كان ثقة، نبيلا، عابدا، زاهدا، قانعا باليسير، كبير الشأن رحمه اللّه، يكنى أبا أمية» ، و هو راوي الخطبة الموجزة لسيدتنا وجدتنا الصديقة الطاهرة-سلام اللّه عليها-، تلك الخطبة البليغة و الكلمات النيرة التي صدعت فيها بالحقائق الراهنة و الحجج البالغة، و أفصحت بالمصائب الواردة و النوائب النازلة عليها و على زوجها بعد أبيها، صلوات اللّه و سلامه عليهما و آلهما الطاهرين.

القاضي الطباطبائي‏

335

الدنيا إلى الجنة، و إنه ليعرف غاسله، و يناشد حامله أن يعجّله، ثمّ وصف-سلام اللّه عليه-مجي‏ء الملكين في القبر و سؤالهما و قولهما له: ثبتك اللّه فيما تحب و ترضى، ثمّ يفسحان له في قبره مدّ بصره، و يفتحان له بابا إلى الجنة، و يقولون له: نم قرير العين، نوم الشاب الناعم، فإنّ اللّه يقول: أَصْحََابُ اَلْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَ أَحْسَنُ مَقِيلاً ، و إذا كان لربه عدوا، فإنه يأتيه أقبح من خلق اللّه زيا، و أنتنه ريحا، فيقول: أبشر بنزل من حميم، و تصلية جحيم، و إنه ليعرف غاسله و يناشد حامله أن يحبسوه.

و في خبر الصادق عليه السّلام، فيقول له: يا عبد اللّه من أنت، فما رأيت شيئا أقبح منك؟فيقول: أنا عملك السيئ الذي كنت تعمله و رأيك الخبيث-إلى أن قال-:

ثمّ يفتحان له بابا إلى النار، و يقولان له: نم بشرّ حال، و يسلط اللّه حيات الأرض و عقاربها و هوامها فتنهشه حتى يبعثه اللّه من قبره. أعاذنا اللّه من كل ذلك، و سلك بنا إلى رضوانه، أنجح المسالك.

و مثل هذا الحديث المستفيض نقله عند الفريقين، عن قيس بن عاصم، قال: وفدت مع جماعة من بني تميم على النبي صلّى اللّه عليه و آله فقلت: يا نبي اللّه، عظنا موعظة ننتفع بها، فإنا قوم نغير (أو نعبر) في البرية، فقال رسول اللّه: يا قيس، إنّ مع العزّ ذلا، و إن مع الحياة موتا، و إن مع الدنيا آخرة، و إن لكل شي‏ء رقيبا، و على كل شي‏ء حسيبا، و إن لكل أجل كتابا، و إنه لا بد لك يا قيس من قرين يدفن معك، و هو حي، و تدفن معه و أنت ميت، فإن كان كريما أكرمك، و إن كان لئيما أسلمك، ثمّ لا يحشر إلاّ معك، و لا تحشر إلاّ معه، و لا تسأل إلاّ عنه، فلا تجعله إلاّ صالحا، فإنه إن صلح أنست به، و إن فسد لا تستوحش إلاّ منه، و هو عملك.

فقلت: يا نبي اللّه، أحب أن يكون هذا الكلام في أبيات من الشعر، نفتخر به‏

336

على من يلينا من العرب، و ندخره، فأمر النبي من يأتيه بحسان، فاستبان لي القول قبل مجيئه، فقلت:

تخير خليطا من فعالك إنما # قرين الفتى في القبر ما كان يفعل‏

و لا بد بعد الموت من أن تعده # ليوم ينادى المرء فيه فيقبل‏

فإن تك مشغولا بشي‏ء فلا تكن # بغير الذي يرضى به اللّه تشغل‏

فلن يصحب الإنسان من بعد موته # و في قبره إلاّ الذي كان يعمل‏

ثمّ إنّ الشيخ البهائي-رضوان اللّه عليه-ختم كتابه «الأربعين» بفائدة جليلة، فقال: «ختام: ما ورد في بعض أحاديث أصحابنا-رضي اللّه عنهم-من أنّ الأشباح التي تتعلق بها النفوس ما دامت في عالم البرزخ ليست بأجسام، و أنهم يجلسون حلقا حلقا على صور أجسادهم العنصرية، يتحدثون و يتنعمون بالأكل و الشرب، و أنهم ربما يكونون في الهواء بين الأرض و السماء يتعارفون في الجوّ، و يتلاقون، و أمثال ذلك مما يدل على نفي الجسمية و إثبات بعض لوازمها على ما هو منقول في الكافي و غيره عن أمير المؤمنين و الأئمة من أولاده عليهم السّلام، يعطي أنّ تلك الأشباح ليست في كثافة الماديات، و لا في لطافة المجردات، بل هي ذوات جهتين و واسطة بين العالمين، و هذا يؤيد ما قاله طائفة من أساطين الحكماء من أنّ في الوجود عالما مقداريا غير العالم الحسي هو

337

واسطة بين عالم المجردات و عالم الماديات، ليس في تلك اللطافة، و لا في هذه الكثافة، فيه ما للأجسام و الأعراض من الحركات و السكنات و الأصوات و الطعوم و الروائح و غيرها، و مثل قائمة بذواتها، معلقة لا في مادة، و هو عالم عظيم الفسحة، و سكانه على طبقات متفاوتة في اللطافة و الكثافة، و قبح الصورة و حسنها، و لأبدانها المثالية جميع الحواس الظاهرة و الباطنة، فيتنعمون و يتألمون باللذات و الآلام النفسانية و الجسمانية، و قد نسب العلامة (1) في شرح حكمة الإشراق القول بوجود هذا العالم إلى الأنبياء و الأولياء و المتألهين من الحكماء، و هو و إن لم يقم على وجوده شي‏ء من البراهين العقلية، لكنه قد تأيد بالظواهر النقلية، و عرفه المتألهون بمجاهداتهم الذوقية، و تحققوه بمشاهداتهم الكشفية، و أنت تعلم أن أرباب الأرصاد الروحانية أعلى قدرا، و أرفع شأنا من أصحاب الأرصاد الفلكية الجسمانية، فكما أنك تصدق هؤلاء فيما يلقونه إليك من خفايا الهيئات الفلكية، فحقيق أن تصدق أولئك أيضا فيما يتلونه عليك من خبايا العوالم الملكية. انتهى. و بهذا انتهى كتابه، قدس اللّه سره و ضاعف أجره.

و قد أحسن بهذا البيان غاية الإحسان، و لكن يؤسفني أشد الأسف أن يغيب عن سعة علمه، و قوة فهمه، البراهين و القواعد العقلية على الأجسام المثالية مع كثرتها و متانتها: مثل قاعدة اللطف، و قاعدة إمكان الأشرف، و إمكان الأخس، و عدم الطفرة في الوجود، و عدم البخل في المبدأ الفياض، و غير ذلك من القواعد التي لا تحضرني كلها حالا، و أنا أكتب على جري القلم من غير

____________

(1) -قطب الدين محمود بن مسعود الشيرازي الكازروني الشافعي، الملقب عند العامة بـ «العلامة» ، تلميذ الإمام الخواجة نصير الدين الطوسي قدّس سرّه، له مؤلفات كثيرة شهيرة، كان مولده بشيراز، و استوطن بتبريز، و توفي بها سنة (710) هـ، و دفن بقرب القاضي البيضاوي.

338

مراجعة و لا مطالعة و لا استعمال فكرة، و للّه الحمد و المنّة، و لو أردنا شرح هذه القواعد و البرهنة عليها، و ما يبتني من المباحث و الفروع على أساسها، لاحتجنا إلى مؤلف مستقل، و لكن بما ذكرناه من الإشارة كفاية لأهل الفهم و الدراية.

و حيث إننا قد خرجنا لك من العهدة، و محضنا لك الزبدة، و أعطيناك من الحقائق أصحها، و من البيضة محها، فلنختم هذا الجزء شاكرين للّه عظيم ما تفضّل به علينا من عظيم النعمة، و وفقنا له من جسيم الخدمة، سائلين منه عزّ شأنه أن يتقبل هذا العمل بأحسن القبول، و يفسح لنا بالأجل حتى نؤدي رسالتنا كاملة غير منقوصة، إن شاء اللّه تعالى، ربنا عليك توكلنا و إليك أنبنا، و إليك المصير.

و آخر دعواهم أن الحمد للّه رب العالمين‏

و سلام على المرسلين‏

وقع الفراغ منه على يد مؤلفه يوم (14)

شهر رمضان المبارك (1371) ه

339

ختامه مسك‏

جادت يراعة شيخنا الإمام-دام ظله-أثناء طبع الكتاب بكتاب كريم، أرسله إلينا بمقتضى لطفه و كرمه العميم نحو المخلص الصميم، ننشره هنا ليكون ختامه مسكا:

بسمه تعالى شأنه‏ سيدي الشريف العلامة-أدام اللّه أيامه-:

أريد أن أكتب إليك هذه المرة بالعربية، و أنت العربي الصميم، و ابن سيد العرب و العجم، وردني كتابك مؤرخ (29) شوال يوم (14) ذي القعدة (1372) هـ ضمن ملازم «الفردوس» الستة، و قد كنت بغاية التشويش لانقطاع كتبك أكثر من شهرين حتى راجعت ولدنا العزيز الشيخ «محيي الدين المامقاني» ، فراجعكم في هذا الشأن، و كل تشويشي كان خوفا من انحراف صحتكم الغالية علينا و على كل عارف بسجاياكم العالية، و قد كشف عنا كتابكم هذا غمامة سوداء، مضافا إلى مرضي الشديد الذي أصابني من أول شوال إلى اليوم، و قد عجز أطباء النجف و كربلاء و الكوفة عن رفعه، و اتفقوا على ضرورة السفر إلى مستشفى بغداد خوف الخطر على بقية رمق هذه الحياة المرة التي‏

340

سئمتها و سئمتني‏ (1) .

تلخ است مرا عيش ولى مى‏چشمش و قد منعوني عن كل عمل حتى الكتابة و المطالعة و إشغال الفكر، و أنى لي بذلك.

و أشكركم أجزل الشكر على اهتمامكم في طبع الكتاب، و لا سيما على مبالغتكم في الصحة التي هي أهم ما يطلب، و قد طالعت الملازم صفحة صفحة، فلم أجد فيها سوى غلطتين بسيطتين:

الأولى: صفحة (و) أول السطر الثامن: «النفسية» و صوابها «النفيسة» بتقديم الياء.

و الثانية: صفحة (23) سطر (7) : «القنوة» و صوابها «القنوت» ، كما أنهما في الطبعة الأولى مرسومان على الصحة (2) .

____________

(1) -أسفنا جدا لانحراف صحة الإمام مرجع الشيعة المجتهد الأكبر، و ذلك لكثرة مشاغله و كثرة ما يرد عليه من الكتب و الفتاوى التي يجيب عنها كلها، فقرر الأطباء عليه إلزاما باتا بالكف عن كل عمل و كل حركة، و لا سيما الأعمال الفكرية حتى عن تحرير المكاتيب العادية، ألبس اللّه إمامنا ثوب العافية و الصحة الضافية ليعود إلى النجف «الجامعة الكبرى» ، و يقر عين الأمة جمعاء:

من قال آمين أبقى اللّه مهجته # فإن ذاك دعاء يشمل البشرا

القاضي الطباطبائي‏

(2) -تمّ مراعاة هاتين الملاحظتين في هذه الطبعة. (الناشر) .

341

و لعل هناك ما زاغ عنه بصري، و لكنه على كل حال لكم الفضل و الفخر بهذا العمل الشاق، و قد أحسنتم و أحسن السيد الفاضل العالم النجيب السيد «محمد حسين الطباطبائي» -حفظه اللّه-و أجركم على اللّه، و اَللََّهَ لاََ يُضِيعُ أَجْرَ اَلْمُحْسِنِينَ.

و أرجو بتوفيقه تعالى أن يكون الباقي سالما حتى من هذه الأغلاط الطفيفة، و إن كنت جد خبير بما في ذلك من الصعوبة و لكن الهمم العالية تنسف جبال المصاعب نسفا.

و نقدم إليه-أطال اللّه عمره-أسنى سلامنا، و تحياتنا، و لا شك أنه يقتبس من أنوار معارفكم فيقدر شرف هذا العمل مهما كان شاقا و متعبا، و لكنه هو الأثر الخالد، و الذكر الباقي إلى أبد الدهر، مضافا إلى الأجر الجزيل، و الذكر الجميل، وفقكم اللّه تعالى لإتمامه على أحسن ما يرام، و أنتم بخير و عافية إن شاء اللّه تعالى، و لا برحتم مؤيدين بدعاء المخلص:

محمد الحسين آل كاشف الغطاء

النجف الأشرف 15 ذي القعدة 1372 هغ

342

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

343

الفهارس‏

فهرس تعليقات الكتاب‏

مختصر من تأريخ جامعة النجف 31

العلامة الحلي و الشاه خدابنده و ترهات ابن بطوطة 44

أسماء بنت عميس الخثعمية 48

الشارح الزرقاني 49

معنى الهيولى و مرتبتها بالتحليل العلمي 51

النهضة الحسينية و نيات بني أمية في هدم الإسلام و كلام أبي سفيان 58

زينب الكبرى عليها السّلام و تأريخ وفاتها و الأقوال في مدفنها 60

الحاج ميرزا حسين النوري 62

الشيخ الأنصاري 63

نقل ما جادت به يراعة الإمام-دام ظله-في هامش النسخة المصححة 64

كون سهم الإمام عليه السّلام موضوعا صعبا و صرفه في غير الذرية في غاية الصعوبة 69

أرسطو و وجه تسمية أتباعه بالمشائين 70

حديث العقل و الجهل 71

سند دعاء «اللهم إني أسألك بمعاني جميع... » 75

الشريف الرضي 81

معنى قوله تعالى: مِنْ صَيََاصِيهِمْ 85

344

الخاجوئي 89

الدعايات الممقوتة بالأقلام المستأجرة في الجرائد في تعيين المرجع للتقليد 91

الشيخ عباس القمي 97

ميرزا القمي الجيلاني صاحب القوانين 100

أبو العلاء المعري و شعره 101

خطاب الشيخ الإمام-دام ظله-إلى القاضي الطباطبائي 103

أبو جعفر الكليني الرازي 106

الشيخ المفيد 106

الشاه إسماعيل الصفوي 106

الشيخ الرئيس ابن سينا 107

النصيحة التي ذكرها الشيخ في الإشارات 107

سودة بنت زمعة زوجة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله 122

سودة بنت عمارة الهمدانية 123

مارية القبطية و تمارض عائشة في وفاة الصديقة الطاهرة عليها السّلام 124

حبرون 127

المولى أحمد النراقي 137

الشهيد الثاني 148

الشيخ الأكبر كاشف الغطاء و أشعار أشرف الطسوجي في رثائه 153

الشهيد الأول 155

الشيخ صاحب الجواهر 160

الفاضل الهندي 174

345

المحقق الحلي 174

ابن سعيد الحلي 176

السيد بحر العلوم 176

السيد محمد كاظم اليزدي النجفي 180

والد الشيخ البهائي 181

الطبرسي صاحب الاحتجاج 183

الشيخ البهائي 186

المجلسي 186

الجعفي 187

معنى كلمة «كوى» 190

أبو الصلاح الحلبي 193

السيد المرتضى علم الهدى 193

كلمة «الشاذكونة» و معناها 193

فخر المحققين 195

الشيخ الصدوق 198

تحقيق التصحيف الواقع في رواية محمد بن الحسين 201

الحاج آقا رضا الهمذاني صاحب مصباح الفقيه 206

المحقق الأردبيلي 213

ابن إدريس الحلي 214

الشيخ الطوسي 216

معنى قوله تعالى: كَمََا يَقُومُ اَلَّذِي يَتَخَبَّطُهُ اَلشَّيْطََانُ 223

346

«تحرير المجلة» وفقه المذهب الجعفري و الانتقاد على ابن خلدون في‏

أنّ أبا حنيفة كان من الفرس 224

بعض تعليقات الإمام-دام ظله-بمناسبة ذكر الزكاة 232

صاحب المدارك 238

معنى «الربوة» 243

مقصود الإمام-دام ظله-من بيان مسألة وحدة الوجود 247

ابن كمونة البغدادي 248

المحقق الخونساري 249

السيد الداماد 249

صدر المتألهين 250

الفيض القاشاني 250

المولى عبد الرزاق اللاهيجي 250

المولى هادي السبزواري 250

المولوي البلخي 251

شمس الدين التبريزي 251

الجنيد 258

الشبلي 258

بايزيد البسطامي 258

معروف الكرخي 258

صدر الدين القونوي 258

القيصري 258

ابن عفيف التلمساني 258

347

الشيخ العطار 258

الهاتف و الهاتفي 258

الجامي 259

محيي الدين العربي 261

أبو العتاهية و أن الرمي بالكفر و الغلو في الأغلب ناشئ من الجمود و افتراءات الخصوم و جلالة معلى بن خنيس الكوفي 261

ابن الفارض 264

أشعار السيد الداماد في الانتقاد على شعر المولوي 266

الكلمات النيرة من دعاء عرفة 267

الحلاج الصوفي 269

الشيخ محمود التبريزي الشبستري 269

لبيد الشاعر و شعره 270

في أنّ الشبهة قد تكون واضحة و الجواب عنها دقيقا 274

تحقيق حول كلمة «عليكم بدين العجائز» 275

الفارابي و الطعن على الأكابر و سبب ذلك 278

شرح كلام القائلين بالمعاد الجسماني فقط 282

مولشت 287

فلورانس 287

فيثاغورس 297

ديوجانس 297

حديث اللبنة و سنده 303

حول كلمة «من عرف نفسه فقد عرف ربه» و مدركها 305

348

الإشارة إلى حديث «ما تقرب إليّ عبدي المؤمن» الخ 308

الحركة الجوهرية 309

وجه تعبير الحكماء عن أول ما خلق اللّه تعالى بالنفس الرحماني و بالحق المخلوق به و بالرحمة التي وسعت كل شي‏ء 310

تقدير عن الشيخ أحمد عارف الزين مدير مجلة «العرفان» 313

حول كلمة «الزنديق» و أنها فارسية معربة 315

نقل كلمة للشيخ الإمام-دام ظله-في كتابه «الآيات البينات» 316

كتاب «مفتاح باب الأبواب» و مؤلفه 316

نقل القضية التي نقلها القاضي سعيد القمي عن بعض العرفاء 324

معنى النسخ و المسخ و الفسخ و الرسخ 327

ضبط كلمة «غفلة» و ترجمة سويد بن غفلة 323

قطب الدين الشيرازي 337

ختامه مسك 339

349

المحتويات‏

مقدمة بقلم القاضي الطباطبائي 13

كلمة «العالم العربي» عن مجلة «الغري» 15

كلمة مجلة الرفيق 20

كلمة مجلة المواهب 24

مقدمة ترجمة المسائل القندهارية بقلم القاضي الطباطبائي 27

كلمة الإمام المجتهد الأكبر آية اللّه كاشف الغطاء 29

ترجمة المسائل القندهارية الثمان 42

غسل مس الميت و فلسفته و إثباته بطرق أهل السنة 44

لطم الصدور و الضرب بالسلاسل في عزاء سيد الشهداء عليه السّلام 58

هل يكفي في زيارة عاشوراء قراءة كل من السلام و اللعن مرة واحدة؟62

السؤال عن آية فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ 64

هل يلزمنا اجتناب أهل السنة؟66

هل يعتبر في سهم الإمام عليه السّلام إذن مطلق الحاكم؟68

معنى العقول العشرة عند الحكماء 70

350

معنى قولهم: الواحد لا يصدر عنه إلاّ الواحد 75

أسئلة القاضي الطباطبائي 83

السؤال عن آية وَ إِذََا رَأَوْا تِجََارَةً أَوْ لَهْواً 83

السؤال عن آية وَ أَنْزَلَ اَلَّذِينَ ظََاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ اَلْكِتََابِ 85

السؤال عن حقيقة السموات التي نطق بها القرآن الكريم 85

السؤال عن الدعاء المعروف بـ «دعاء الصباح» 89

هل يتحقق أعلمية المجتهد بالشياع في زماننا؟91

عموم الولاية للفقيه ثابت أم لا؟93

ما الدليل على لزوم إعطاء سهم الإمام عليه السّلام إلى المجتهد؟94

الموضوعات العرفية في نظر المجتهد 95

الجلود التي تباع في سوق المسلمين 96

التنازع بين الزوجين في دوام العقد و انقطاعه 96

عقد الأخوة الذي تعارف بين الأعاجم 97

هل البينة حجة من البلد في ثبوت الهلال؟99

مسألة الجهيزية 99

قطع الرجل اليسرى في حد السرقة مع أنّ المساجد للّه تعالى 101

رجل هاشمي لا يفي ربح المال أو الضيعة بقوت سنته 104

رجل تزوج صغيرة و أدخل بها 105

هل ظهور جسد ميت طريا لم يتغير من علائم السعادة؟105

القول بالنشوء و الارتقاء موافق لمذهب الإسلام أو لا؟109

هل القرآن دال على كون آدم أبا البشر؟111

ما معنى الخبر أنّ سبب الكسوف و الخسوف كثرة الذنوب؟113

351

ما معنى المعاد الجسماني؟114

ولد الزنا هل له نجاة في الآخرة أم لا؟115

ظاهر القرآن أو العقل يساعد كون نبينا صلّى اللّه عليه و آله خاتم الأنبياء 116

ما معنى حديث أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله قال لأمير المؤمنين عليه السّلام أنت لا تطيق حمل النبوة؟116

فلسفة الأضحية في منى 117

التوفيق بين قوله تعالى‏ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنََا حِسََابَهُمْ و قوله عليه السّلام: «و حسابهم عليكم» 120

الحكمة في تعدد أزواج النبي صلّى اللّه عليه و آله 121

ما وجه القسم بالتين و الزيتون؟126

لما ذا منع الدين الإسلامي من لبس الرجال الحرير و الذهب؟128

مسألة الفرق بين الحقوق و الأحكام 129

مسألة مهمة في بيان حقيقة البيع و الملك و الملكية 143

المعاطاة 160

فرع 175

المقدمة السادسة في الأذان و الإقامة 209

بعض ما في العبادات من الحكم و الأسرار 217

الزكاة و الاشتراكية الصحيحة و التعاون في الإسلام 221

كتاب الزكاة 233

بعض أسرار الحج 239

بعض أسرار الصوم و امتيازه عن سائر العبادات 245

وحدة الوجود أو وحدة الموجود 247

352

المعاد الجسماني 273

1-فصل و أصل 289

2-فصل و وصل 292

3-فصل و أصل 294

غيب و لكنه بلا ريب 299

البداية و النهاية و البدء هو الغاية 301

فهرس تعليقات الكتاب 343