بقيع الغرقد في دراسة شاملة

- محمد أمين الأميني المزيد...
431 /
105

البقيع، فسار إلى الناس النذير وقالوا: هذا علي بن أبي طالب قد أقبل كما ترونه، يقسم باللََّه لئن حوّل من هذه القبور حجر ليضعنّ السيف على غابر الآخر.. (1) .

5. وجدتهم خير جيران‏

روي عن علي بن أبي طالب عليه السلام أنه قيل له: ما لك تركت مجاورة قبر رسول‏اللََّه صلى الله عليه و آله وجاورت المقابر-يعني البقيع-فقال: «وجدتهم جيران صدق، يكفون السيئة، ويذكرون الآخرة» (2) .

6. اخرجوا الليلة البقيع) بَقيع الغَرْقَد ( البقيع

جاء في الخبر عن أمير المؤمنين عليه السلام في قضية مهمة: «اخرجوا الليلة البقيع، فستجدون من علي عجباً» ، قال حذيفة بن اليمان: فاجتمع الناس من العصر في البقيع، إلى أن هدأ الليل، ثمّ خرج إليهم أمير المؤمنين عليه السلام ومعه ذوالفقار (3) ، وقال لهم: اتبعوني، فاتبعوه، فإذا بنارين متفرقة قليلة وكثيرة، فدخل في النار القليلة، قال حذيفة: فسمعنا زمجرة كزمجرة الرعد، فقلبها على النار الكثيرة، ودخل فيها.. (4) .

7. رجفة البقيع) بَقيع الغَرْقَد ( قبور البقيع

روى ابن ميثم البحراني عن الحسين بن عبد الرحمن التمار، قال: انصرفت عن

____________

(1) بحار الأنوار43/171؛ وانظر: البحار 30/350؛ و31/593؛ و43/212؛ بيت الأحزان/185.

(2) كنز العمال 15/759.

(3) الفضائل/161.

(4) نوادر المعجزات، الطبري الإمامي/43؛ انظر: الروضة في المعجزات والفضائل/153؛ الفضائل، شاذان بن جبرئيل القمي/161؛ بحار الأنوار39/188.

ـ

106

مجلس بعض الفقهاء، فمررت بسليم الشاذكوني‏ (1) ، فقال لي: من أين أقبلت؟ فقلت: من مجلس فلان العالم، قال: فما قوله؟قلت: شي‏ء من كرامات عليّ، قال:

واللََّه لأحدثنّك بعظيمة سمعتها من قرشي عن قرشي عن قرشي، قال: رجفت قبور البقيع على عهد عمر بن الخطاب، فضجّ أهل المدينة من ذلك، فخرج عمر ومعه أهل المدينة إلى المصلى يدعون اللََّه تعالى لتسكن تلك الرجفة، فما زالت تزيد في كلّ يوم إلى أن تعدّى ذلك إلى حيطان المدينة، فقال عمر: انطلقوا بنا إلى أبي الحسن علي بن أبي طالب، فمضوا إليه ودخلوا عليه، فأخبروه الخبر، فقال: عليّ بمائة من أصحاب رسول اللََّه صلى الله عليه و آله، فاختار عليه السلام من المائة عشرة، فجعلهم أمامه، وخرج بهم، ولم يبق بالمدينة بنت عاتق إلا خرجت إلى البقيع، حتى إذا توسطه ضرب الأرض برجله، وقال: ما لك؟ما لك؟ما لك؟ثلاثاً، فسكنت الرجفة، فقال عليه السلام: صدق حبيبي رسول‏اللََّه صلى الله عليه و آله، ولقد أنبأني بهذا الخبر، وبهذا اليوم، وباجتماع الناس له‏ (2) .

وفي تأويل الآيات: رجفت قبور البقيع على عهد عمر بن الخطاب، فضجّ أهل المدينة من ذلك، فخرج عمر وأصحاب رسول اللََّه صلى الله عليه و آله يدعون لتسكن الرجفة، فما زالت تزيد إلى أن تعدّى ذلك إلى حيطان المدينة، وعزم أهلها على الخروج عنها، فعند ذلك قال عمر: عليّ بأبي الحسن علي بن أبي طالب عليه السلام، فحضر فقال: يا أبا الحسن، ألاترى إلى قبور البقيع ورجفها، حتى تعدى ذلك إلى حيطان المدينة، وقد همّ أهلها بالرحلة عنها، فقال علي عليه السلام: عليّ بمائة رجل من أصحاب رسول اللََّه صلى الله عليه و آله البدريين، فاختار من المائة عشرة، فجعلهم خلفه، وجعل التسعين

____________

(1) الظاهر كونه سليمان الشاذكوني، كما أورده ابن حمزة في الثاقب/274 حديث‏238، واما سليمان‏الشاذكوني فقد قال الذهبي في حقه: «قلت: مع ضعفه لم يكد يوجد له حديث ساقط» ، كذا في سير أعلام النبلاء9/308، طبع دار الفكر، لبنان.

(2) شرح مئة كلمة/259؛ وانظر: الثاقب في المناقب، ابن حمزة الطوسي/273.

107

من ورائهم، ولم يبق بالمدينة سوى هؤلاء إلا حضر، حتى لم يبق بالمدينة ثيب ولا عاتق إلا خرجت، ثمّ دعا بأبي ذر وسلمان والمقداد وعمار، فقال لهم: كونوا بين يدي حتى توسط البقيع، والناس محدقون به، فضرب الأرض برجله، ثمّ قال: ما لك-ثلاثاً-فسكنت، فقال: صدق اللََّه وصدق رسوله صلى الله عليه و آله، فقد أنبأني بهذا الخبر وهذا اليوم وهذه الساعة، وباجتماع الناس له، إنّ اللََّه عزوجل يقول في كتابه: «إِذََا زُلْزِلَتِ اَلْأَرْضُ زِلْزََالَهََا*`وَ أَخْرَجَتِ اَلْأَرْضُ أَثْقََالَهََا*`وَ قََالَ اَلْإِنْسََانُ مََا لَهََا» (1) ، أما لو كانت هي هي لقالت ما لها وأخرجت إليّ أثقالها. ثم انصرف وانصرف الناس معه، وقد سكنت الرجفة. (2)

8. إحياء الميت بإذن اللََّه‏

روى الشيخ الكليني باسناده عن عيسى شلقان، قال: سمعت أبا عبد اللََّه عليه السلام يقول: «إن أمير المؤمنين عليه السلام له خؤولة في بني مخزوم، وإنّ شاباً منهم أتاه فقال: يا خالي، إنّ أخي مات، وقد حزنت عليه حزناً شديداً، قال: فقال له: تشتهي أن تراه؟قال: بلى، قال: فأرني قبره، قال: فخرج ومعه بردة رسول اللََّه صلى الله عليه و آله متّزراً بها، فلما انتهى إلى القبر تلملمت‏ (3) شفتاه، ثمّ ركضه برجله، فخرج من قبره وهو يقول‏ (4) بلسان الفرس، فقال أمير المؤمنين عليه السلام: ألم تمت وأنت رجل من العرب؟! فقال: بلى، ولكنّا متنا على سنة فلان وفلان، فانقلبت ألسنتنا» (5) .

____________

(1) سورة الزلزلة: 1-3.

(2) تأويل الآيات الظاهرة في فضائل العترة الطاهرة، شرف الدين علي الحسيني‏2/838؛ بحار الأنوار 48/298؛ و41/272؛ مستدرك سفينة البحار1/386.

(3) وفي بعض النسخ: تململت.

(4) جاء في الثاقب/228: وهو يقول: «منكل» ، بلسان الفرس، وفي‏المناقب‏2/164: «وميكا» .

(5) الكافي‏1/380، كتاب الحجة، باب مولد أمير المؤمنين عليه السلام، ح‏8.

108

وقال ابن جبر: وقال الحميري رحمه اللََّه:

فقال له قوم إن عيسى بن مريم # بزعمك يحيي‏كلّ ميت و مقبر

فما ذا الذي أعطيت قال محمّد # لمثل الذي أعطيه إن شئت فانظر

إلى مثل ما أعطي فقالوا لكفرهم # ألا أرنا ما قلت غير معذر

فقال رسول اللََّه قم لوصيه # فقام وقد ما كان غير مقصر

ورداه بالمستجاب واللََّه خصّه # وقال اتبعوه بالدعاء المبرّر

فلمّا أتى ظهر البقيع دعا به # فرجت قبور بالورى لم تبعثر

فقالوا له يا وارث العلم اعفنا # ومن علينا بالرضى منك واغفر (1)

9. خبر الصّخرَة الصخرة

خبر الصخرة التي كانت في البقيع؛ فأمر أمير المؤمنين الحسن عليهما السلام أن يأتي إليها، ويضرب عليها قضيب رسول اللََّه صلى الله عليه و آله، ليخرج مائة حمراء فيعطيها الأعرأبي، لإنجاز عدة رسول اللََّه صلى الله عليه و آله، ففعل ما أمر به، فطلع من الصخرة ناقة بزمامها، فجذب مائة ناقة، ثمّ انضمت الصخرة (2) .

فاطمة الزهراء عليها السلام و البقيع) بَقيع الغَرْقَد ( البقيع

موضع صلاتها في البقيع) بَقيع الغَرْقَد ( البقيع

قال الشيخ الصدوق بعد ذكر زيارة أئمة البقيع عليهم السلام: ثمّ صلّ ثمان ركعات‏ (3) في

____________

(1) نهج الإيمان، ابن جبر/647؛ انظر: المناقب‏2/165؛ أعيان الشيعة، السيد محسن الأمين‏3/422.

(2) مستدرك سفينة البحار 6/211؛ انظر: بحار الأنوار41/201.

(3) أي يصلي الزائر في زيارة كلّ من الأئمة الأربعة ركعتين، وهم: الامام الحسن المجتبى، والإمام زين‏العابدين علي بن الحسين، والإمام محمد بن علي الباقر، والإمام جعفر بن محمد الصادق عليهم السلام.

109

المسجد الذي هناك، وتقرأ فيها ما أحببت، وتسلّم في كلّ ركعتين. ويقال: إنه مكان صلّت فيه فاطمة عليها السلام‏ (1) .

بكاء فاطمة عليها السلام عند مدفن أُمّ كلثوم) س ( قبر أم كلثوم البقيع) بَقيع الغَرْقَد ( بالبقيع

روى الكليني باسناده عن أحدهما عليهما السلام: «لما ماتت رقية ابنة رسول اللََّه صلى الله عليه و آله قال رسول اللََّه صلى الله عليه و آله: ألحقي بسلفنا الصالح 1 مان بن مظعون، 2عثمان بن مظعون وأصحابه، قال: وفاطمة عليها السلام على شفير القبر تنحدر دموعها في القبر، ورسول اللََّه صلى الله عليه و آله يتلقاه بثوبه قائماً يدعو، قال: إني لأعرف ضعفها، وسألت اللََّه عزّوجل أن يجيرها من ضمة القبر» (2) .

بَيْت الأحْزَان بيت الأحزان

بعد الأحداث المأساوية التي جرت في حق فاطمة الزهراء بنت رسول اللََّه، وشكواها إلى سيد المظلومين الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب بقولها: «.. ما أقل مكثي بينهم، وما أقرب مغيبي من بين أظهرهم، فواللََّه لا أسكت ليلاً ولا نهاراً أو ألحق بأبي رسول اللََّه صلى الله عليه و آله» ، فقال لها علي عليه السلام: «افعلي يا بنت رسول اللََّه ما بدا لك» ، ثمّ إنه بنى لها بيتاً في البقيع نازحاً عن المدينة يسمى بيت الأحزان، وكانت إذا أصبحت قدمت الحسن والحسين عليهما السلام أمامها، وخرجت إلى البقيع باكية، فلا تزال بين القبور باكية، فإذا جاء الليل أقبل أمير المؤمنين عليه السلام إليها وساقها بين يديه إلى منزلها (3) .

____________

(1) من لايحضره الفقيه‏2/577.

(2) الكافي 3/241 ح‏4730.

____________

(3) بحار الأنوار 43/177؛ اللمعة البيضاء في شرح خطبة الزهراء، محمد علي القراچه داغي التبريزي/858؛ مجمع النورين وملتقى البحرين، المرندي/141؛ بيت الأحزان/165.

110

يقول ابن جبير الرحالة في القرن السادس: ويلي هذه البقعة العباسية بيت ينسب لفاطمة بنت رسول اللََّه صلى الله عليه و آله، ويعرف بـ «بيت الحزن» ، يقال: إنه البيت الذي آوت إليه، والتزمت فيه الحزن على موت أبيها المصطفى صلى الله عليه و آله‏ (1) .

والجدير أن نسمي هذا البيت ببيت أسرار فاطمة، وكان هذا البيت معموراً إلى زمن استيلاء الوهابيين على الحجاز، فقاموا بهدمه، وهدم سائر الآثار، لقصور فهمهم، واعوجاج نهجهم.

يقول الإمام السيد عبد الحسين شرف الدين رحمه الله: وهنا نلفت أولي الألباب إلى البحث عن السبب في تنحي الزهراء عن البلد في نياحتها على أبيهاصلى اللََّه عليه وآله، وخروجها بولديها في لمة من نسائها إلى البقيع، يندبن رسول اللََّه صلى الله عليه و آله في ظل أراكة كانت هناك، فلما قطعت بنى لها علي بيتاً في البقيع كانت تأوي إليه للنياحة، يدعى بيت الأحزان، وكان هذا البيت يزار في كلّ خلف من هذه الأمة، كما تزار المشاهد المقدسة، حتى هدم في هذه الأيام.. وهدم المقدسات في البقيع، عملاً بما يقتضيه مذهبه الوهابي، وذلك سنة 1344 للهجرة، وكنا سنة 1339 تشرفنا بزيارة هذا البيت (بيت الأحزان) ، إذ منّ اللََّه علينا في تلك السنة بحج بيته وزيارة نبيه ومشاهد أهل بيته الطيبين الطاهرين في البقيع.. إلى أن قال:

هدموا بيت الأحزان الذي بناه الإمام علي لسيدة النساء فاطمة الزهراء لتبكي على أبيها (2) .

وقال صاحب الذريعة: ولكن انهدم بيت الأحزان في بقيع الغرقد، لمجاورته مراقد أئمة الشيعة، وذلك لأجل أنه قد يؤخذ الجار بجرم الجار! (3) .

____________

(1) دائرة المعارف الاسلامية الشيعية8/265، عن رحلة ابن جبير.

(2) النص والاجتهاد/301-303.

(3) الذريعة إلى تصانيف الشيعة، الشيخ آقا بزرك الطهراني‏7/52.

111

وجاء في البقيع الغرقد: وكانت خارج القبة (1) -بفاصلة قليلة-قبة مبنية على بيت الأحزان، حيث كانت الزهراء عليها السلام تخرج إلى ذلك المكان وتبكي على أبيها (2) .

وقالوا في موضع دفن بعض: دفن في البقيع تحت الميزاب، خلف الحائط الذي فيه أئمة البقيع عليهم السلام، مقابل بيت الأحزان، بيت الزهراء عليها السلام‏ (3) .

الإمام الحسين عليه السلام و البقيع) بَقيع الغَرْقَد ( البقيع

زيارته مقابر الشهداء البقيع) بَقيع الغَرْقَد ( بالبقيع

ذكر ابن كثير عن اسحاق بن إبراهيم، قال: بلغني أنّ الحسين زار مقابر الشهداء بالبقيع، فقال:

ناديت سكان القبور فأسكتوا # وأجابني عن صمتهم ترب الحصا

قالت: أتدري ما فعلت بساكني؟ # مزقت لحمهم وخرقت الكسا

وحشوت أعينهم تراباً بعد ما # كانت تأذى باليسير من القذا

أما العظام فإنّني مزّقتها # حتى تباينت المفاصل والشوا

قطعت ذا زاد من هذا كذا # فتركتها رمماً يطوف بها البلا (4)

مع أبي سفيان‏

روى الطبرسي: أن أبا سفيان أخذ بيد الحسين حين بويع لعثمان، وقال: يا ابن أخي، أخرج معي إلى بقيع الغرقد، فخرج حتى إذا توسط القبور اجتره، فصاح

____________

(1) أي قبة قبور آل البيت عليهم السلام بالبقيع.

(2) البقيع الغرقد، السيد محمد الشيرازي/44.

(3) مرآة الكتب/265.

(4) البداية والنهاية8/228؛ تاريخ مدينة دمشق‏14/186؛ جواهر المطالب‏2/31؛ أعيان الشيعة 1/621؛ حياة الإمام الحسين 1/187.

112

بأعلى صوته: يا أهل القبور! الذي كنتم تقاتلونا عليه صار بأيدينا وأنتم رميم.

فقال الحسين بن علي عليه السلام: قبّح اللََّه شيبتك، وقبّح وجهك، ثمّ نتر يده وتركه، فلولا النعمان بن بشير أخذ بيده وردّه إلى المدينة لهلك‏ (1) .

الامام الباقر عليه السلام و البقيع) بَقيع الغَرْقَد ( البقيع

من شقاوة أهل الدنيا قلة معرفتهم بأولاد الأنبياء

روي عن القاسم بن محمد بن أبي بكر أنه قال: رأيت فتى أحسن من الشمس الطالعة ببقيع الفرقدين قبرين قبر الحسن وعلي بن الحسين، والباقر يبكي بكاءً لم أسمع أشجى منه، فقلت: يا صبي! ما الذي أفردك بالخلوة في المقابر؟فقال:

إنّ الصبي صبيّ العقل لا صغر # أزرى بذي العقل فينا (2) ولا كبر

فقلت: أراك اللََّه حدثاً تأتي بمثل هذا الكلام، فقال: «إنّ اللََّه إذا أودع عبداً حكمة لم يزدره الحكماء (3) لصغر سنّه، وكان عليه من اللََّه نوره والمهابة» ، فقلت:

بأبي (ما (4) ) سمعت كلاماً أرصن من كلامك، لا شك انك من أهل بيت حكمة، فمن أنت؟قال: من شقاوة أهل الدنيا قلة معرفتهم بأولاد الأنبياء، أنا محمد بن علي بن الحسين، وهذا قبر أبي.

فأيّ أنس آنس من قربه # وأيّ وحشة لاتكون مع فقده‏ (5)

____________

(1) الإحتجاج‏1/409؛ بحار الأنوار44/78.

(2) وفي نسخة: فيها.

(3) وفي نسخة: العلماء.

(4) هذه الزيادة منا.

(5) ألقاب الرسول وعترته/58، لبعض المحدثين والمؤرخين من قدمائنا (المطبوع مع المجموعة النفيسة/214) .

ـ

113

ورواه ابن عساكر باسناده عن قيس بن نعمان عنه عليه السلام، بتفاوت وزيادة (1) .

اللهم ارحم غربته‏

روى الكليني باسناده عن عمرو بن أبي المقدام، قال: مررت مع أبي جعفر عليه السلام بالبقيع، فقال عليه السلام: «اللهم ارحم غربته، وصل وحدته، وآنس وحشته، واسكن إليه من رحمتك ما يستغني بها عن رحمة من سواك، وألحقه بمن كان يتولاه» (2) .

ورواه الشيخ الطوسي، ثم قال: ثمّ قرأ: «إِنََّا أَنْزَلْنََاهُ فِي لَيْلَةِ اَلْقَدْرِ» سبع مرات‏ (3) .

مع الرجل الشامي‏

روى ابن حمزة الطوسي عن أبي عيينة، قال: إنّ رجلاً جاء إلى أبي جعفر صلوات اللََّه عليه، وقال: أنا رجل من أهل الشام لم أزل-واللََّه-أتولاكم أهل البيت، وأبرأ من عدوكم، وإنّ أبي-لا رحمه اللََّه-كان يتولى بني أمية ويفضلهم عليكم، وكنت أبغضه على ذلك، وقد كان له مال كثير، ولم يكن له ولد غيري، وكان مسكنه بالرملة، وكان له بيت يخلو فيه بنفسه، فلما مات طلبت ماله في كلّ موضع، فلم أظفر به، ولست أشك أنه دفنه في موضع وأخفاه عني، لا رضي اللََّه عنه.

____________

(1) تاريخ مدينة دمشق‏54/281.

(2) الكافي 3/229؛ كامل الزيارات/531؛ المزار، المفيد/218؛ الدعوات/271؛ الحبل المتين/73؛ تفصيل وسائل الشيعة 3/200؛ بحار الأنوار79/55 و99/297؛ مستدرك الوسائل 2/340.

(3) تهذيب الاحكام 6/105؛ المعتبر 1/339؛ تفصيل وسائل الشيعة 14/591؛ تفسير نور الثقلين 5/614.

114

فقال أبو جعفر صلوات اللََّه عليه: أفتحب أن تراه وتسأله أين موضع ماله؟

فقال له: أجل، فإني فقير محتاج.

فكتب له أبو جعفر صلوات اللََّه عليه كتاباً بيده الكريمة في رق أبيض، ثمّ ختمه بخاتمه، وقال: إذهب بهذا الكتاب الليلة إلى البقيع، حتى تتوسطه، ثمّ تنادي: يا ذرجان، فإنه سيأتيك رجل معتم، فادفع إليه الكتاب، وقل له: أنا رسول محمد بن علي بن الحسين بن زين العابدين-صلوات اللََّه عليه-واسأله عما بدا لك.

قال: فأخذ الرجل الكتاب وانطلق، فلما كان من الغد أتيت أبا جعفر صلوات‏اللََّه عليه متعمداً لأنظر ما كان حال الرجل، فإذا هو على باب أبي جعفر ينتظر حتى أذن له، فدخلنا عليه، فقال له الرجل: اللََّه أعلم حيث يجعل رسالته، وعند من يضع علمه، قد انطلقت بكتابك الليلة، حتى توسطت البقيع، فناديت: يا ذرجان، فأتاني رجل معتمّ، فقال: أنا ذرجان، فما حاجتك؟فقلت: أنا رسول محمد بن علي بن الحسين صلوات اللََّه عليهم إليك، وهذا كتابه، فقال: مرحباً برسول حجة اللََّه على خلقه، وأخذ الكتاب وقرأه، وقال: أتحبّ أن ترى‏ََ أباك؟ قلت: نعم، قال: فلا تبرح من موضعك حتى آتيك به، فإنه بضنجان، فانطلق، فلم يلبث إلا قليلاً حتى أتاني برجل أسود، في عنقه حبل أسود، فقال لي: هذا أبوك، ولكنّ غيّره اللهب، ودخل الجحيم، وجرع الحميم والعذاب الأليم، فقلت: أنت أبي؟قال: نعم، قلت: ما غيّرك صورتك؟قال: انى كنت أتولّى بني أمية وأفضّلهم على أهل بيت رسول اللََّه صلى الله عليه و آله، فعذّبني اللََّه على ذلك، وإنك تتولى أهل بيت النبي، وكنت أبغضك على ذلك، وحرمتك مالي وزويته عنك، وأنا اليوم على ذلك من النادمين، فانطلق إلى بيتي، واحتفر تحت الزيتونة، وخذ المال وهو مائة ألف وخمسون ألفاً، فادفع إلى محمد بن علي صلوات اللََّه عليه خمسين ألفاً، ولك الباقي، قال: فإني منطلق حتى آتي بالمال.

115

قال أبو عيينة: فلما حال الحول قلت لأبي جعفر صلوات اللََّه عليه: ما فعل الرجل؟قال: قد جاءنا بالخمسين ألفاً، فقضيت منها ديناً كان عليّ، وابتعت منها أرضاً، ووصلت منها أهل الحاجة من أهل بيتي، أما إنّ ذلك سينفع الميت النادم على ما فرط من حبنا، وضيّع من حقنا، بما أدخل عليّ من الرفق والسرور (1) .

الإمام جعفر الصادق عليه السلام و البقيع) بَقيع الغَرْقَد ( البقيع

لعن اللََّه المغيرة

روى الشيخ الطوسي عن الحسين بن أبي العلاء، عن أبي عبد اللََّه عليه السلام، قال:

سألته عن المغيرة وهو بالبقيع، ومعه رجل ممن يقول: إنّ الأرواح تتناسخ، فكرهت أن أسأله، وكرهت أن أمشي فيتعلق بي، فرجعت إلى أبي ولم أمض، فقال: يا بني! لقد أسرعت؟

فقلت: يا أبة، إني رأيت المغيرة مع فلان.

فقال أبي: لعن اللََّه المغيرة، قد حلفت أن لا يدخل عليّ أبداً.

وذكرت أنّ رجلاً من أصحابه تكلم عندي ببعض الكلام، فقال هو:

أشهد اللََّه أنّ الذي حدثك لمن الكاذبين، وأشهد اللََّه أنّ المغيرة عند اللََّه لمن المدحضين. ثمّ ذكر صاحبهم الذي بالمدينة، فقال: واللََّه ما رآه أبي، وقال: واللََّه ما صاحبكم بمهدي ولا بمهتدي، وذكرت لهم أنّ فيهم غلماناً أحداثاً، لو سمعوا كلامك لرجوت أن يرجعوا، قال: ثمّ قال: ألا يأتوني فأخبرهم؟ (2) .

____________

(1) الثاقب في المناقب/370؛ مدينة المعاجز5/136؛ بحار الأنوار46/245 و267؛ مستدرك سفينة البحار 3/267.

(2) اختيار معرفة الرجال‏2/493؛ معجم رجال الحديث، السيد أبوالقاسم الخوئي‏19/301.

116

أقول: قال النمازي: المغيرة بن سعيد، هو غير سعيد، خبيث ملعون غير سديد، كان يكذب على مولانا الباقر عليه السلام، فلعنه مولانا الصادق عليه السلام، وأذاقه اللََّه حرّ الحديد، وبذلك كله نطقت الروايات المستفيضة التي تزيد عن عشرة رواها الكشي وغيره. (1)

الإمام موسى الكاظم عليه السلام و البقيع) بَقيع الغَرْقَد ( البقيع

قضية علي بن يقطين‏

روى محمد بن علي الصوفي: استأذن إبراهيم الجمّال رضي اللََّه عنه على أبي الحسن علي بن يقطين الوزير فحجبه، فحجّ علي بن يقطين في تلك السنة، فاستأذن بالمدينة على مولانا موسى بن جعفر عليه السلام فحجبه، فرآه ثاني يومه، فقال علي بن يقطين: يا سيدي، ما ذنبي؟

فقال: حجبتك لأنك حجبت أخاك إبراهيم الجمال، وقد أبي اللََّه أن يشكر سعيك، أو يغفر لك إبراهيم الجمّال.

فقلت: سيدي ومولاي، من لي بابراهيم الجمال في هذا الوقت، وأنا بالمدينة وهو بالكوفة؟

فقال: إذا كان الليل فامض إلى البقيع وحدك من غير أن يعلم بك أحد من أصحابك وغلمانك، واركب نجيباً هناك مسرجاً.

قال: فوافى البقيع، وركب النجيب، ولم يلبث أنْ أَناخهُ على باب إبراهيم الجمال بالكوفة، فقرع الباب وقال: أنا علي بن يقطين.

فقال إبراهيم الجمال من داخل الدار: وما يعمل علي بن يقطين الوزير ببابي؟!

____________

(1) مستدركات علم الرجال، النمازي‏7/470، رقم 15122. وانظر: قاموس الرجال، التستري 10/188 رقم 7687.

117

فقال علي بن يقطين: يا هذا، إنّ أمري عظيم، وآلى‏ََ عليه أن يأذن له.

فلما دخل قال: يا إبراهيم، إنّ المولى عليه السلام أبى‏ََ أن يَقْبلني أو تغفر لي.

فقال: يغفر اللََّه لك.

فآلى‏ََ عليّ بن يقطين على‏إبراهيم الجمال أن يطأ خدّه، فامتنع إبراهيم من ذلك، فآلى‏ََ عليه ثانياً ففعل، فلم يزل إبراهيم يطأ خده وعلي بن يقطين يقول: اللهم اشهد، فانصرف وركب النجيب، وأناخه من ليلته بباب المولى موسى بن جعفر عليه السلام بالمدينة، فأذن له ودخل عليه فقبله‏ (1) .

الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام و البقيع) بَقيع الغَرْقَد ( البقيع

قضية دفن يونس بن يعقوب‏

روي عن العياشي: مات يونس بن يعقوب بالمدينة، فبعث إليه أبو الحسن الرضا عليه السلام بحنوطه وكفنه وجميع ما يحتاج إليه، وأمر مواليه وموالي أبيه وجدّه أن يحضروا جنازته، وقال لهم: هذا مولى لأبي عبد اللََّه عليه السلام وكان يسكن العراق، وقال لهم: احفروا له في البقيع، فإن قال لكم أهل المدينة: إنه عراقي ولا ندفنه في البقيع، فقولوا لهم: هذا مولى لأبي عبد اللََّه وكان يسكن العراق، فإن منعتمونا أن ندفنه في البقيع منعناكم أن تدفنوا مواليكم في البقيع، فدفن في البقيع، ووجه أبو الحسن علي ابن موسى إلى زميله محمد بن الحباب وكان رجلاً من أهل الكوفة، فقال: صلّ عليه أنت‏ (2) .

____________

(1) بحار الأنوار 48/85.

(2) انظر: اختيار معرفة الرجال‏2/683؛ بحار الأنوار66/298 و79/26؛ الحدائق الناضرة 4/150؛ خاتمة المستدرك‏5/394؛ سماء المقال في علم الرجال، الكلباسي‏2/238؛ معجم رجال الحديث 21/240.

118

وعن محمد بن الوليد: رآني صاحب المقبرة وأنا عند القبر بعد ذلك، فقال لي:

من هذا الرجل، صاحب هذا القبر؟فإنّ أبا الحسن علي بن موسى عليهما السلام أوصاني به، وأمرني أن أرشّ قبره أربعين شهراً أو أربعين يوماً (1) .

____________

(1) بحار الأنوار66/298 و79/26.

119

الصحابة و البقيع) بَقيع الغَرْقَد ( البقيع

1. سلمان الفارسي و البقيع) بَقيع الغَرْقَد ( البقيع

تقبيل خاتم النبوة البقيع) بَقيع الغَرْقَد ( بالبقيع

روى الطبراني وأبو نعيم الإصفهاني في قضية فحص سلمان الفارسي عن علامات خاتم الأنبياء والمرسلين صلى الله عليه و آله، إلى أن قال: ثمّ جئت رسول اللََّه صلى الله عليه و آله ببقيع الغرقد، قد اتبع جنازة رجل من الأنصار وهو جالس، فسلمت عليه، ثمّ استدرت أنظر إلى ظهره هل أرى الخاتم الذي وصف لي صاحبي، فلما رآني رسول اللََّه صلى الله عليه و آله استدرت عرف أني أستثبت من شي‏ء وصف لي، فألقى ردائه عن ظهره، فنظرت إلى الخاتم فعرفته، فأكببت عليه أقبّله‏ (1) .

2. أبو بكر و البقيع) بَقيع الغَرْقَد ( البقيع

مبيت أبي بكر ليلة البقيع) بَقيع الغَرْقَد ( بالبقيع

روي أنه لما مرضت فاطمة عليها السلام مرضها الذي ماتت فيه، أتاها أبو بكر وعمر

____________

(1) المعجم الكبير6/225؛ دلائل النبوة/42؛ مجمع الزوائد9/335.

120

عائدين، واستأذنا عليها، فأبت أن تأذن لهما، فلما رأى ذلك أبو بكر أعطى اللََّه عهداً ألا يظله سقف بيت حتى يدخل على فاطمة يترضاها، فبات ليلة في البقيع ما أظله شي‏ء، ثمّ انّ عمر أتى عليا عليه السلام، قال له: انّ أبا بكر شيخ رقيق القلب، وقد كان مع رسول اللََّه في الغار، وله صحبة، وقد أتيناها غير هذه المرة مراراً، نريد الإذن.. (1) .

أقول: بالصيف ضيعت اللبن، كما في المثل‏ (2) .

احراق أبي بكر فجاءة الأسلمي البقيع) بَقيع الغَرْقَد ( بالبقيع

قال ابن كثير: الفجاءة اسمه إياس بن عبد اللََّه بن عبد ياليل بن عميرة بن خفاف من بني سليم، قاله ابن اسحاق، وقد كان الصدّيق حرق الفجاءة بالبقيع في المدينة، وكان سببه: أنه قدم عليه فزعم أنه أسلم، وسأل منه أن يجهز معه جيشاً يقاتل به أهل الردّة، فجهز معه جيشاً، فلما سار جعل لا يمرّ بمسلم ولا مرتد إلا قتله وأخذ ماله، فلما سمع الصديق بعث وراءه جيشاً فردّه، فلما أمكنه بعث به إلى البقيع، فجمعت يداه إلى قفاه وألقي في النار، فحرقه وهو مقموط (3) .

وفي تاريخ اليعقوبي: أنه قال لأبي بكر: يا خليفة رسول اللََّه! اني قد أسلمت، فأعطاه أبو بكر سلاحاً، فخرج من عنده، فبلغه أنه يقطع الطريق، فكتب إلى طريفة بن حاجزة: انّ عدو اللََّه ابن الفجاءة خرج من عندي، فبلغني أنه قطع

____________

(1) اللمعة البيضاء/873؛ مجمع النورين/143.

(2) يقال ذلك إذا فرط في أمره في وقته، معناه: طلبت الشي‏ء في غير وقته. انظر: لسان العرب، مادة (صيف) .

(3) البداية والنهاية6/351؛ انظر: تاريخ الأمم والملوك (الطبري) 2/493؛ الغدير7/157؛ معالم المدرستين‏2/78.

121

الطريق، وأخاف السبيل، فسر إليه حتى تأخذه، وتقدم طريفة، فسار إليه، فقتل قوماً من أصحابه، ثمّ لقيه فقال: اني مسلم، وأنه مكذوب عليّ، فقال طريفة: فإن كنت صادقاً فاستأسر حتى تأتي أبا بكر فتخبره! فاستأسر، فلما قدم به على أبي بكر أخرجه إلى البقيع فحرقه بالنار، وحرق أيضاً رجلاً من بني أسد يقال له شجاع بن ورقاء.. (1) .

أقول: إذا كان جزاؤه القتل فلا داعي للحرق، فكان بإمكانه أن يقتله من دون أن يحرقه، فكم حصلت المآسي وبرزت مظاهر العنف مما شوّه سمعة الاسلام والمسلمين، قيل: ان أبا بكر ندم على فعله وقال في مرض موته: أما إني لا آسي على شي‏ء إلا على ثلاث فعلتهنّ، وددت أني لم أفعلهنّ.. فوددت إني لم أكن كشفت بيت فاطمة، وتركته وإن أغلق عليّ الحرب، .. وددت أني يوم أتيت بالفجاءة السلمي لم أكن أحرقه، وقتلته سريحاً أو أطلقته نجيحاً.. (2) .

3. عمر بن الخطاب و البقيع) بَقيع الغَرْقَد ( البقيع

من أولى الناس بعد رسول اللََّه صلى الله عليه و آله؟

روى اليعقوبي عن ابن عباس: طرقني عمر بن الخطاب بعد هدأة من الليل، فقال: اخرج بنا نحرس نواحي المدينة! فخرج وعلى عنقه درّته حافياً، حتى أتى بقيع الغرقد، فاستلقى على ظهره، وجعل يضرب أخمص قدميه بيده، وتأوه صعداً، فقلت له: يا أمير المؤمنين، ما أخرجك إلى هذا الأمر؟قال: أمر اللََّه يا ابن عباس،

____________

(1) تاريخ اليعقوبي، أحمد بن أبي يعقوب اليعقوبي‏2/134.

(2) المعجم الكبير 1/63؛ انظر: الخصال، الشيخ الصدوق‏172/؛ تاريخ الأمم والملوك (الطبري) 2/619؛ ميزان الاعتدال‏3/109؛ لسان الميزان‏4/189؛ تاريخ مدينة دمشق‏3/419 و30/421 و422؛ السقيفة وفدك، الجوهري/43؛ شرح نهج البلاغة 2/46؛ كنز العمال 5/631.

ـ

122

قلت: إن شئت أخبرتك بما في نفسك، قال: غص يا غواص، إن كنت لتقول فتحسن.

قال: ذكرت هذا الأمر بعينه وإلى من تصيّره.

قال: صدقت!

قال: قلت له: أين أنت عن عبد الرحمن بن عوف؟

فقال: ذاك رجل ممسك، وهذا الأمر لا يصلح إلا لمعط في غير سرف ومانع في غير إقتار.

قال: فقلت: سعد بن أبي وقاص؟

قال: مؤمن ضعيف.

قال: فقلت: طلحة بن عبد اللََّه؟

قال: ذاك رجل يناول للشرف والمديح، يعطي ماله حتى يصل إلى مال غيره، وفيه بأو وكبر.

قال: فقلت: فالزبير بن العوام، فهو فارس الإسلام؟

قال: ذاك يوم إنسان ويوم شيطان، وعفة نفس، إن كان ليكادح على المكيلة من بكرة إلى الظهر حتى يفوته الصلاة.

قال: فقلت: عثمان بن عفان؟

قال: إن ولي حمل ابن أبي معيط وبني أمية على رقاب الناس، وأعطاهم مال اللََّه، ولئن ولي ليفعلنّ واللََّه، ولئن فعل لتسيرنّ العرب إليه حتى تقتله في بيته.

ثمّ سكت. قال: فقال: امضها يا ابن عباس! أترى صاحبكم‏ (1) لها موضعاً؟

قال: فقلت: وأين يتبعّد من ذلك، مع فضله وسابقته وقرابته وعلمه؟

____________

(1) أي الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام.

123

قال: هو واللََّه كما ذكرت، ولو وليهم تحملهم على منهج الطريق، فأخذ المحجة الواضحة، إلا أنّ فيه خصالاً: الدعابة في المجلس، واستبداد الرأي، والتبكيت للناس، مع حداثة السن!

قال: قلت: يا أمير المؤمنين! هلا استحدثتم سنّه يوم الخندق إذ خرج عمرو ابن عبد ود، وقد كعم عنه الأبطال، وتأخرت عنه الأشياخ، ويوم بدر إذ كان يقطّ الأقران قطّاً، ولا سبقتموه بالإسلام، إذ كان جعلته السعب‏ (1) وقريش يستوفيكم؟

فقال: إليك يا ابن عباس! أتريد أن تفعل بي كما فعل أبوك وعليّ بأبي بكر يوم دخلا عليه؟!

قال: فكرهت أن أغضبه فسكتّ.

فقال: واللََّه يا ابن عباس إنّ علياً ابن عمك لأحقّ الناس بها، ولكنّ قريشاً لا تحتمله، ولئن وليهم ليأخذنّهم بمرّ الحق لا يجدون عنده رخصة، ولئن فعل لينكثنّ بيعته، ثمّ ليتحاربنّ‏ (2) .

وروى ابن أبي الحديد عن ابن عباس، قال: مرّ عمر بعليّ وأنا معه بفناء داره، فسلّم عليه، فقال له علي: أين تريد؟

قال: البقيع.

قال: أفلا تصل صاحبك ويقوم معك؟

قال: بلى.

فقال لي عليّ: قم معه.

فقمت فمشيت إلى جانبه، فشبك أصابعه في أصابعي، ومشينا قليلاً، حتى إذا

____________

(1) هكذا دون نقط في الأصل، كذا في هامش الكتاب.

(2) تاريخ اليعقوبي‏2/158؛ مواقف الشيعة2/328؛ من حياة الخليفة عمر بن الخطاب، عبد الرحمن أحمد البكري/303؛ انظر: شرح نهج البلاغة 6/326.

124

خلفنا البقيع قال لي: يا ابن عباس! أما واللََّه انّ صاحبك هذا لأولى الناس بالأمر بعد رسول اللََّه صلى الله عليه و آله، إلا أنا خفناه على اثنين.

قال ابن عباس: فجاء بكلام لم أجد بدّاً من مسألته عنه، فقلت: ما هما يا أمير المؤمنين؟

قال: خفناه على حداثة سنه، وحبّه بني عبد المطلب‏ (1) !.

أقول: يلزمه اقراره بأنّ علياً كان أولى الناس بعد رسول اللََّه صلى الله عليه و آله، وأما اعتذاره فمردود بما جاء في كتاب رسول اللََّه صلى الله عليه و آله لعتاب بن أسيد: «ليس الأكبر هو الأفضل، بل الأفضل هو الأكبر» (2) ، وقول علي عليه السلام: «ولقد كنا مع رسول اللََّه صلى الله عليه و آله نقتل آبائنا وأبنائنا وإخواننا وأعمانا، ما يزيد ذلك إلا إيماناً وتسليماً ومضيّاً على اللقم، وصبراً على مضض الألم، وجدّاً في جهاد العدو» (3) .

رجفة البقيع) بَقيع الغَرْقَد ( قبور البقيع في عهد عمر (4)

ذكرناها في بحث الإمام أمير المؤمنين عليه السلام والبقيع، فلا نعيد.

وددت أنّ لي رجلاً مثل عمير بن سعد

روى ابن أبي الحديد: خرج عمر مع رهط من أصحابه ماشين إلى بقيع الغرقد، فقال لأصحابه: ليتمنّينّ كلّ واحد منّا أمنيته، فكل واحد تمنى شيئاً،

____________

(1) شرح نهج البلاغة 6/50 وانظر: 2/57؛ مواقف الشيعة1/148.

(2) التفسير المنسوب إلى الإمام العسكري عليه السلام/557؛ بحار الأنوار21/123؛ مكاتيب الرسول‏2/662.

(3) نهج البلاغة1/104، كلام‏56؛ وقعة صفين/520؛ شرح نهج البلاغة2/240 و4/33؛ بحار الانوار 30/546.

(4) مستدرك سفينة البحار1/386.

125

وانتهت الأمنية إلى عمر، فقال: وددت أنّ لي رجلاً مثل عمير بن سعد، أستعين به على أمور المسلمين‏ (1) .

أقول: كان عمير بن سعد والي عمر بن الخطاب على حمص، وقتل يوم القادسية سنة عشرة، وهو إبن أربع وستين سنة (2) ، وقالوا: إنه كان من محبي معاوية بن أبي سفيان‏ (3) .

أخبار ما عندنا

روى ابن أبي الدنيا عن محمد بن جبير أنّ عمر بن الخطاب مرّ ببقيع الغرقد، فقال: السلام عليكم يا أهل القبور، أخبار ما عندنا أنّ نساءكم قد تزوّجن، ودوركم قد سكنت، وأموالكم قد فارقت.. (4) .

أقول: ولكن المتقي الهندي روى عن أبي محمد الحسن بن محمد الخلال في كتاب النادمين، عن علي قال: دخلت مع علي الجبان، فسمعته يقول: «السلام عليكم يا ندامى! أما الدور فقد سكنت، وأما الأموال فقد اقتسمت، وأما النساء فقد نكحت، هذا خبر ما عندنا، هاتوا خبر ما عندكم. ثمّ التفت فقال: لو أذن لهم في الكلام لتكلموا فقالوا: «وَ تَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ اَلزََّادِ اَلتَّقْوى‏ََ (5) » » (6) .

____________

(1) شرح نهج البلاغة12/116؛ وانظر: المعجم الكبير17/53؛ تاريخ مدينة دمشق‏46/491؛ مجمع الزوائد 9/384.

(2) الطبقات الكبرى‏3/458 و4/374 و7/402؛ تهذيب التهذيب‏8/128.

(3) انظر: سير أعلام النبلاء3/125.

(4) كتاب الهواتف/76؛ كنز العمال‏15/751؛ الجامع لأحكام القرآن‏2/73.

(5) سورة البقرة: 197.

(6) كنز العمال‏15/756، ح‏42983.

126

ورواه غيره مثل ابن حبان‏ (1) وابن عساكر (2) وابن أبي الحديد (3) وصاحب الجوهرة (4) ، وسائر علماء الامامية (5) عن علي عليه السلام بتفاوت يسير.

مع الثوم والبصل‏

روى ابن ماجة عن عمر بن الخطاب: أنه قام يوم الجمعة خطيباً أو خطب يوم الجمعة، فحمد اللََّه وأثنى عليه، ثمّ قال: يا أيها الناس! إنكم تأكلون شجرتين لا أراهما إلا خبيثتين، هذا الثوم وهذا البصل، ولقد كنت أرى الرجل على عهد رسول‏اللََّه صلى الله عليه و آله يوجد ريحه منه، فيؤخذ بيده حتى يخرج إلى البقيع‏ (6) .

أقول: لا ريب أن للبصل والثوم آثاراً وخواصَ كثيرة مذكورة في الكتب

____________

(1) كتاب الثقات‏9/234.

(2) تاريخ مدينة دمشق‏58/79.

(3) شرح نهج البلاغة18/322.

(4) الجوهرة في نسب الامام علي وآله، التلمساني البري/86.

(5) انظر: الهداية، الشيخ الصدوق/123؛ من لايحضره الفقيه 1/180؛ أمالي الصدوق/169؛ أمالي الطوسي/55 و595؛ تحف العقول، ابن شعبة الحراني/188؛ نهج البلاغة 4/31؛ خصائص الأئمة، الشريف الرضي/102؛ روضة الواعظين/439؛ تفسير أبي الفتوح الرازي‏1/148؛ بحار الأنوار 32/619 و70/101 و75/34 و71 و79/169 و180؛ مستدرك الوسائل‏7/160، نهج السعادة 1/357 و3/164.

(6) سنن ابن ماجة 1/324؛ و2/116؛ وانظر: صحيح مسلم‏2/81؛ سنن النسائي 2/43؛ مسند أحمد 1/15 و28 و48؛ الطبقات الكبرى‏3/336؛ مسند أبي داود الطيالسي‏11؛ مسند الحميدي 1/7؛ مصنف ابن أبي شيبة 2/393 و5/561 8/578؛ سنن النسائي 1/260، و4/158؛ مسند أبي يعلى‏1/166 و220؛ صحيح ابن خزيمة3/84؛ شرح معاني الآثار 4/238؛ صحيح ابن حبان‏5/444؛ الجامع لأحكام القرآن 12/267؛ السنن الكبرى‏3/78؛ و8/150؛ تاريخ مدينة دمشق‏44/407؛ شرح مسلم 5/53؛ رياض الصالحين‏663؛ العهود المحمدية 684؛ كنز العمال‏5/715.

127

الروائية والطبية، فاطلاق كلمة الخبيث عليهما ليس في محله، نعم لابدّ من مراعاة أحوال المجتمع واجتناب ايذاء الناس، إلا أن الخليفة كان شديداً في تعامله، غليظاً في تعاطيه، ومما يؤيد ذلك ما رواه الطبراني عن الأسود بن سريع قال: كنت أنشده-يعني النبي صلى الله عليه و آله-ولا أعرف أصحابه، حتى جاء رجل بعيد ما بين المناكب أصلع، فقيل لي: أسكت أسكت، فقلت: واثكلاه! من هذا الذي أسكت له عند النبي صلى الله عليه و آله؟فقيل: إنه عمر بن الخطاب! فعرفت واللََّه بعد أنه كان يهون عليه لو سمعني أن لا يكلمني حتى يأخذ برجلي فيسحبني إلى البقيع‏ (1) .

اللهم كبرت سني!

روى عبد الرزاق عن سعيد بن أبي العاص قال: رصدت عمر ليلة، فخرج إلى البقيع، فصلى ثمّ رفع يديه، فقال: اللهمّ كبرت سنّي، وضعفت قوّتي، وخشيت الإنتشار من رعيتي، فاقبضني إليك غير عاجز ولا ملوم، فما يزال يقولها حتى أصبح‏ (2) .

مع المطلب بن حنطب‏

روي عن عبد الأعلى بن عبد اللََّه أنه قال: كنت بالبقيع وعمر، فجاء المطلب ابن حنطب، فذهبت أوسع له، فجلس حجرة. (3)

سياسة الخليفة

روى ابن سعد: أن عمر دعا ابنه فقال: يا بني، إني قد أرسلت إلى عائشة

____________

(1) المعجم الكبير1/282.

(2) مصنف عبد الرزاق‏11/315.

(3) غريب الحديث‏1/229.

128

أستأذنها أن أدفن مع أخوي فأذنت لي، وأنا أخشى أن يكون ذلك لمكان السلطان، فإذا أنا متّ فاغسلني وكفّنّي ثمّ احملني حتى تقف على باب عائشة، فتقول: هذا عمر يستأذن يقول الخ‏ (1) ، فإن أذنت لي فادفني معهما، وإلا فادفني بالبقيع، قال ابن عمر: فلما مات أبي حملناه حتى وقفنا به على باب عائشة، فاستأذنها في الدخول، فقالت: ادخل بسلام! (2) .

وروى الحاكم النيسابوري: أنّ عمر بن الخطاب لما طعن قال لعبد اللََّه: اذهب إلى عائشة، فاقرأ عليها منّي السلام وقل: إنّ عمر يقول لك: إن كان لا يضرك ولا يضيق عليك، فإنّي أحبّ أن أدفن مع صاحبي، وإن كان ذلك يضرك ويضيق عليك فلعمري لقد دفن في هذا البقيع من أصحاب رسول اللََّه صلى الله عليه و آله وأمهات المؤمنين من هو خير من عمر، فجاءها الرسول فقالت: إنّ ذلك لا يضرّني ولا يضيق عليّ‏ (3) ، قال: فادفنوني معهما (4) .

ملاحظتان:

1. لقد ضاق عليها الأمر بعدئذ، اذ روي أنها اتخذت الجلباب بعد دفن الخليفة في بيتها! روى أبو يعلى والهيثمي أنها قالت: فلما دفن عمر أخذت الجلباب فتجلببت به، قال: فقيل لها: ما لك وللجلباب؟قالت: كان هذا زوجي، وهذا أبي، فلما دفن عمر تجلببت!، أضف على ذلك أن الموجود في صدر الخبر أن عمر قال:

إذا أنا متّ فاحملوني إلى باب بيت عائشة، فقولوا لها: هذا عمر بن الخطاب! يقرئك

____________

(1) كذا في المصدر، وجاء في تاريخ مدينة دمشق‏44/446: أألج.

(2) الطبقات الكبرى‏3/363؛ كتاب الثقات‏2/240؛ تاريخ مدينة دمشق‏44/446.

(3) المستدرك على الصحيحين‏3/93.

(4) المستدرك على الصحيحين‏3/93؛ انظر: مصنف ابن أبي شيبة8/582؛ كنز العمال 12/689 و 695.

129

السلام، ويقول: أدخل أو أخرج، قال: فسكتت ساعة! ثمّ قالت: أدخلوه‏ (1) .

2. البيت راجع إلى رسول اللََّه صلى الله عليه و آله، وبعد وفاته ينتقل المال إلى الورثة، فبطبيعة الحال الزوجة ترث من المال بقدر الُّثمن، هذا إذا كانت واحدة، وإلا يقسم بين الزوجات، ومع العلم بأنّ النبي صلى الله عليه و آله مات وله تسع أزواج، فسهم عائشة من البيت لا يكون إلا سهماً من اثنين وسبعين حصة! وفي ذلك قال الصحابي الجليل ابن عباس لعائشة-في قضية منعها لدفن سبط الرسول وثمرة البتول الإمام الحسن بن علي عليه السلام بالحجرة النبوية-: «واسوأتاه! يوماً على بغل، ويوماً على جمل، تريدين أن تطفئي نور اللََّه، وتقاتلين أولياء اللََّه.. » (2) (3) .

4. عبيد اللََّه بن عمر و البقيع) بَقيع الغَرْقَد ( البقيع

عبيد اللََّه بن عمر يقتل ثلاثاً البقيع) بَقيع الغَرْقَد ( بالبقيع

روى ابن حبان في قضية مقتل عمر: وخرج أبو لؤلؤة على وجه يريد البقيع، وطعن في طريقه اثني عشر رجلاً، فخرج خلفه عبيد اللََّه بن عمر، فرأى أبا لؤلؤة والهرمزان وجفينة وكان نصرانياً وهم يتناجون بالبقيع، فسقط منهم خنجر له رأسان ونصابه في وسطه، فقتل عبيد اللََّه أبا لؤلؤة (4) والهرمزان وجفينة ثلاثتهم،

____________

(1) انظر: مسند أبي يعلى‏8/372؛ مجمع الزوائد9/33.

(2) الإرشاد في معرفة حجج اللََّه على العباد، الشيخ المفيد2/18.

(3) وأخذه ابن الحجاج البغدادي، فقال:

يا بنت أبي بكر لا كان ولا كنت # لك تسع من الثمن وبالكلّ تملّكت‏

تجمّلت تبغّلت وإن عشت تفيّلت‏

انظر: الخرائج والجرائح‏1/243؛ بحار الأنوار44/154؛ مواقف الشيعة1/377.

(4) قال الزيلعي في نصب الراية6/334: انطلق عبيد اللََّه إلى ابنة أبي لؤلؤة صغيرة تدعي الاسلام فقتلها، وأراد أن لا يترك من السبي يومئذ أحداً إلا قتله!.

ـ

130

فجرى بين سعد بن أبي وقاص وبين عبيد اللََّه في شأن جفينة ملاحاة، وكذلك بين علي بن أبي طالب وبينه في شأن الهرمزان‏ (1) ، حتى قال علي بن أبي طالب: «إن وليت هذا الأمر شيئاً قتلت عبيد اللََّه‏ (2) بالهرمزان» (3) .

5. عثمان و البقيع) بَقيع الغَرْقَد ( البقيع

عثمان يحوّل القبور التي كانت عند المسجد إلى البقيع) بَقيع الغَرْقَد ( البقيع

روي عن عمدة القاري: أمر عثمان بقبور كانت عند المسجد، أن تحوّل إلى البقيع، وقال: توسّعوا في مسجدكم‏ (4) .

6. ابن الزبير و البقيع) بَقيع الغَرْقَد ( البقيع

ابن الزبير يقتل سارقاً البقيع) بَقيع الغَرْقَد ( بالبقيع

روى الذهبي وابن عساكر وغيرهما في قضية لص سارق، إلى أن قال: فقال ابن الزبير: أمروني عليكم، فأمرناه، فانطلقنا به إلى البقيع فقتلناه‏ (5) .

____________

(1) جاء في نصب الراية 6/334: فلما استخلف عثمان دعا المهاجرين والأنصار وقال لهم: أشيروا عليّ‏في هذا الرجل الذي فتق في الدين ما فتق، فأشار عليه علي وبعض الصحابة بقتل عبيد اللََّه..

(2) جاء في نصب الراية 6/334: فلما استخلف عثمان دعا المهاجرين والأنصار وقال لهم: أشيروا عليّ في هذا الرجل الذي فتق في الدين ما فتق، فأشار عليه علي وبعض الصحابة بقتل عبيد اللََّه..

(3) كتاب الثقات‏2/239؛ انظر: نصب الراية6/334.

(4) الغدير5/77.

(5) سير أعلام النبلاء3/366؛ تاريخ مدينة دمشق‏3/366؛ وانظر: مسند أبي يعلى‏1/35؛ الآحاد و المثاني 2/88؛ مجمع الزوائد6/277.

131

7. أبو هريرة و البقيع) بَقيع الغَرْقَد ( البقيع

ما رواه البقيع) بَقيع الغَرْقَد ( بالبقيع

وروى أحمد عن ابن دارة مولى عثمان، قال: أنا لبالبقيع مع أبي هريرة، إذ سمعناه يقول: أنا أعلم الناس بشفاعة محمد صلى الله عليه و آله يوم القيامة، قال: فتداك الناس عليه فقالوا: ايه يرحمك اللََّه، قال: يقول: اللهمّ اغفر لكلّ عبدمسلم‏لقيك، يؤمن بي‏ولايشرك بك‏ (1) .

8. عبد اللََّه بن جعفر و البقيع) بَقيع الغَرْقَد ( البقيع

ما قاله البقيع) بَقيع الغَرْقَد ( بالبقيع

روى الحاكم النيسابوري بسنده إلى ابن أبي الزناد عن أبيه، قال: كنت جالساً مع عبد اللََّه بن جعفر بن أبي طالب بالبقيع، فاطلع علينا بجنازة، فأقبل علينا ابن جعفر، فتعجب من ابطاء مشيهم بها، فقال: عجباً لما تغير من حال الناس، واللََّه ان كان الا الجمز، وإن كان الرجل ليلاحي الرجل فيقول: يا عبد اللََّه، اتق اللََّه لكأنّه قد جمز بك، متعجباً لإبطاء مشيهم‏ (2) .

____________

(1) مسند أحمد2/454 و499.

(2) المستدرك على الصحيحين‏1/355، ح‏1343؛ تاريخ مدينة دمشق‏28/46؛ شرح معاني الآثار 1/477؛ كنز العمال‏15/724.

132

بقيع) بَقيع الغَرْقَد ( مشاهد مشاهير البقيع

حينما يبادر الزائر بزيارة البقيع، يجد قبوراً لا تزال ظاهرة، لقد اهتم المسلمون بزيارتها اهتماماً بالغاً، وهي عبارة عن قبور:

أئمة المسلمين من آل بيت رسول اللََّه صلى الله عليه و آله‏

وهم:

1-الإمام الحسن بن علي عليه السلام.

2-الإمام علي بن الحسين زين العابدين عليه السلام.

3-الإمام محمد بن علي الباقر عليه السلام.

4-الإمام جعفر الصادق عليه السلام.

ونوافيك بالبحث عنهم موجزاً، في الفصل الآتي، في مبحث «أئمة البقيع» (1) .

____________

(1) انظر: صفحة 145 من هذا الكتاب.

133

عباس عم رسول اللََّه صلى الله عليه و آله‏

قال العلامة الحلي: ثمّ تزور العباس وتودعه بالمنقول‏ (1) .

فاطمة بنت أسد الهاشمية

هي أم الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، ذكر العلامة المجلسي زيارة لها (2) ، وعن السمهودي: أنّ قبرها حفر في موضع المسجد الذي يقال له اليوم قبر فاطمة (3) .

قال العلامة السيد جعفر مرتضى: دفنت رحمها اللََّه تعالى في البقيع، ودفن الحسن عليه السلام عندها، كما نصّ عليه المفيد وغيره، ولكن أبا الفرج يقول: إنها دفنت في الروحاء مقابل حمام أبي قطيفة، ولم نفهم المبرر لدفنها هناك لو صحّ ذلك، والحسنان عليهما السلام أعرف بقبر جدتهم من غيرهم‏ (4) .

بنات رسول اللََّه صلى الله عليه و آله‏

وهنّ عبارة عن:

1-زينب‏ (5)

2-رقية (6)

____________

(1) منتهى المطلب‏2/893.

(2) بحار الأنوار97/218؛ وانظر: كلمة التقوى‏3/516.

(3) الصحيح من سيرة النبي الأعظم صلى الله عليه و آله 7/66.

(4) الصحيح من سيرة النبي الأعظم صلى الله عليه و آله 7/67.

(5) البشرى في مناقب خديجة الكبرى، السيد محمد بن علوي المالكي/33.

(6) الطبقات الكبرى‏2/19؛ تاريخ مدينة دمشق 39/258؛ شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 14/185؛ السيرة النبوية2/471.

134

3-أم كلثوم‏ (1) .

أقول: وقع الخلاف في أنه هل كانت رقية و أم كلثوم وكذا زينب‏ (2) بنات رسول اللََّه صلى الله عليه و آله، أم هنّ ربائبه؟الذي عليه بعض أهل التحقيق-تبعاً لبعض القدماء- هو الثاني‏ (3) .

قال أبوالقاسم الكوفي (المتوفى سنة 352) : إن رقية وزينب زوجتي عثمان لم تكونا ابنتي رسول اللََّه صلى الله عليه و آله، ولا ولد خديجة زوجة رسول اللََّه صلى الله عليه و آله، وإنّما دخلت الشبهة على العوام فيهما لقلة معرفتهم بالأنساب وفهمم بالأسباب‏ (4) .

وقال: صحّ لنا فيهما ما روى مشايخنا من أهل العلم عن الأئمة من أهل‏البيت عليهم السلام، وذلك ان الرواية صحت عندنا عنهم انه كانت لخديجة بنت خويلد من أمها أخت يقال لها هالة، قد تزوجها رجل من بني مخزوم، فولدت بنتاً اسمها هالة، ثم خلف عليها بعد أبي هالة رجل من بني تميم يقال له أبو هند، فأولدها إبناً كان يسمى هنداً بن أبي هند وابنتين، فكانتا هاتان الإبنتان منسوبتين إلى رسول‏اللََّه صلى الله عليه و آله زينب ورقية من إمرأة أخرى قد ماتت، ومات أبو هند وقد بلغ ابنه مبالغ الرجال، والإبنتان طفلتان، وكان في حدثان تزويج رسول اللََّه صلى الله عليه و آله بخديجة بنت خويلد، وكانت هالة أخت خديجة فقيرة، وكانت خديجة من الأغنياء الموصوفين بكثرة المال، فأما هند بن أبي هند فإنه لحق بقومه وعشيرته بالبادية، وبقيت الطفلتين عند أمهما هالة أخت خديجة، فضمت خديجة أختها هالة مع

____________

(1) البشرى في مناقب خديجة الكبرى/34.

(2) انظر: الصحيح من سيرة النبي الأعظم صلى الله عليه و آله 2/129.

(3) انظر: الصحيح من سيرة النبي الأعظم صلى الله عليه و آله 2/127، و5/273؛ بنات النبي صلى الله عليه و آله أم ربائبه؟للعلامة المحقق السيد جعفر مرتضى العاملي حفظه اللََّه.

(4) كتاب الاستغاثة، أبوالقاسم الكوفي/76.

135

الطفلتين إليها وكفلت جميعهم، وكانت هالة أخت خديجة هي الرسول بين خديجة وبين رسول اللََّه صلى الله عليه و آله في حالة التزويج، فلما تزوج رسول اللََّه صلى الله عليه و آله بخديجة ماتت هالة بعد ذلك بمدة يسيرة، وخلفت الطفلتين زينب ورقية في حجر رسول اللََّه صلى الله عليه و آله وحجر خديجة، فربّياهما، وكان من سنة العرب في الجاهلية من يربّي يتيماً ينسب ذلك اليتيم إليه.. فكان رسول اللََّه صلى الله عليه و آله في نسب ابنتي أبي هند على ما وصفناه من سنة العرب في الجاهلية، فدرج نسبهما عند العامة كذلك‏ (1) .

وقال الكراجكي (المتوفى 449) : وقد اختلف الأقوال فيهما (2) ، فمن قائل إنهما ربيبتاه، وانهما ابنتا خديجة من سواه‏ (3) ، ومن قائل انهما ابنتا أخت خديجة من أمها، وان خديجة ربّتهما لما ماتت أختها في حياتها، وقد قال: انّ اسم ابيهما هالة، ومن قائل انهما ابنتا النبي صلى الله عليه و آله‏ (4) .

وقال ابن شهراشوب: ذكر في كتابي الأنوار والبدع أن رقية وزينب كانتا ابنتي هالة أخت خديجة (5) .

ونقل عن الشيخ آل ياسين قوله: وأما زينب ورقية وأم كلثوم وقد اشتهر بكونهن بنات محمد صلى الله عليه و آله، فهن بنات خديجة رضي اللََّه عنها من زوجتها الأولين، ولم يؤيد التحقيق التاريخي المتعمق بنوتهنّ لمحمد صلى الله عليه و آله‏ (6) .

ولكن السيد جعفر مرتضى لم يقبل ذلك، وقال: إن التحقيق يدل على انهن

____________

(1) كتاب الاستغاثة/80-82.

(2) أي في زوجتي عثمان بن عفان.

(3) أي من سوى رسول اللََّه صلى اللََّه عليه وآله.

(4) كتاب التعجب، أبو الفتح محمد بن علي الكراجكي/36 (المطبوع مع كنز الفوائد) .

(5) المناقب‏1/159؛ بحار الأنوار22/191؛ وانظر: كشف الغطاء1/5.

(6) الامام علي بن أبي طالب سيرة وتاريخ/27، على ما في الصحيح من سيرة النبي الأعظم صلى الله عليه و آله 5/273.

136

ربيبات للنبي صلى الله عليه و آله ولخديجة، ولسن بناته ولا بناتها (1) .

ثمّ إن الظاهر أنّ زوجتي عثمان كانتا رقية وام كلثوم، لا زينب-التي كانت زوجة أبي العاص‏ (2) -، كما روي عن الصادق عليه السلام: «وتزوج عثمان بن عفان أم كلثوم، فماتت ولم يدخل بها، فلما ساروا إلى بدر زوجه رسول اللََّه صلى الله عليه و آله رقية» (3) ، وقريب منه ما في خبر قرب الاسناد (4) ، وهو المصرح في كلام ابن سعد (5) وابن حجر (6) وغيرهما.

فيظهر من ذلك وجه التأمل في ما نقل من تزوّج عثمان بزينب، كما ذكرناه عن أبي‏القاسم‏الكوفي‏ (7) ، و كذا ما ذكره الشيخ المفيد (8) ، كمانبه على ذلك المحقق التستري‏ (9) .

زوجات رسول اللََّه صلى الله عليه و آله‏

وهنّ:

-أم سلمة (10)

-حفصة (11)

____________

(1) الصحيح من سيرة النبي الأعظم صلى الله عليه و آله 5/273.

(2) انظر: الصحيح من سيرة النبي الأعظم صلى الله عليه و آله 2/129.

(3) الخصال/404؛ عنه: قاموس الرجال‏12/77.

(4) قرب الاسناد، الحميري/9، خ‏29.

(5) الطبقات الكبرى‏8/217.

(6) الاصابة8/128.

(7) الاستغاثة/76.

(8) انظر: المسائل السروية (مصنفات الشيخ المفيد) 7/92.

(9) رسالة في تاريخ النبي والآل، محمد تقي التستري‏76/، المطبوع مع قاموس الرجال‏12/77.

(10) تحفة الأحوذي‏1/300؛ شرح مسند أبي حنيفة/203.

(11) أحاديث أم المؤمنين عائشة، السيد مرتضى العسكري‏1/61.

137

-ريحانة بنت زيد (1)

-زينب بنت جحش‏ (2)

-زينب بنت خزيمة (3)

-صفية بنت حيي‏ (4)

-عائشة بنت أبي بكر (5)

-مارية القبطية (6)

عمات رسول اللََّه صلى الله عليه و آله‏

ذكر أرباب السير والتفسير أن صفية بنت عبد المطلب عمة رسول اللََّه صلى الله عليه و آله دفنت بالبقيع‏ (7) .

____________

(1) الطبقات الكبرى‏8/130؛ المنتخب من ذيل المذيل/89؛ تاريخ مدينة دمشق‏3/240؛ الإصابة 8/146؛ السيرة النبوية4/605 و606؛ البداية والنهاية5/327 و328؛ الجامع لأحكام القرآن‏14/166؛ الصحيح من سيرة النبي الأعظم صلى الله عليه و آله 11/220.

(2) الطبقات الكبرى‏8/109و113؛ المستدرك على الصحيحين‏4/24؛ أسد الغابة5/465؛ عون المعبود 8/338؛ البداية والنهاية 4/169 و7/119؛ السيرة النبوية 3/284؛ حاشية إعانة الطالبين 3/313.

(3) عيون الأثر2/385؛ الطبقات الكبرى‏8/115؛ المنتخب من ذيل المذيل/89؛ تاريخ مدينة دمشق 3/206؛ الجامع لأحكام القرآن‏14/166؛ سبل الهدى والرشاد11/206؛ الصحيح من سيرة النبي الأعظم صلى الله عليه و آله 7/61.

(4) الطبقات الكبرى 8/129؛ مسند ابن راهوية4/33؛ المنتخب من ذيل المذيل/102؛ المستدرك على الصحيحين‏4/29و50؛ تاريخ مدينة دمشق‏3/223؛ تحفة الأحوذي 10/267؛ سيرأعلام النبلاء 2/237.

(5) المعجم الكبير23/17 و29؛ المستدرك على الصحيحين‏4/4 و6؛ مسند اسحاق ابن راهويه‏2/33 و42؛ مسند عائشة، السجستاني/90؛ شرح نهج البلاغة 9/191.

(6) المستدرك على الصحيحين‏4/39 و40؛ البداية والنهاية7/85؛ السيرة النبوية4/603.

(7) الجامع لأحكام القرآن‏14/166؛ أعيان الشيعة7/390.

138

عقيل بن أبي طالب‏

وهو أخ الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، كان أكبر منه بعشرين سنة، وكان عالماً بأنساب العرب.

عبد اللََّه بن جعفر بن أبي طالب‏

هو ابن الشهيد جعفر بن أبي طالب المعروف بجعفر الطيار، وكان زوجاً لزينب الكبرى سلام اللََّه عليها بنت الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب سلام اللََّه عليه.

قال الشهيدالأول: و يزور قبر إبراهيم ابن رسول‏اللََّه صلى الله عليه و آله، وعبد اللََّه بن جعفر.. (1) .

أم البنين‏

هي فاطمة الكلابية، زوجة الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، وأم قمر بني هاشم أبي الفضل العباس بن علي عليه السلام.

مالك‏

وهو مالك بن أنس، الفقيه المدني، أحد رؤساء المذاهب الأربعة، صاحب كتاب «الموطأ» .

نافع‏

وقع الخلاف في هويته، فهو إما نافع القاري‏ء الشهير، أو غيره، قال السخاوي: إما نافع القاري، أو نافع مولى لابن عمر (2) .

____________

(1) الدروس الشرعية2/20.

(2) مواهب الجليل‏1/39؛ انظر: الغدير5/160.

ـ

139

إبراهيم ابن رسول اللََّه‏

امه مارية القبطية، مات صغيراً، وحزن عليه رسول اللََّه صلى الله عليه و آله كثيراً.

بعض شهداء أحد

وهم الذين استشهدوا في غزوة أحد، ونقلوا إلى المدينة، فدفنوا في البقيع.

شهداء وقعة الحرة

وهم الذين استشهدوا في زمن سلطة يزيد بن معاوية، عليه اللعنة، في سنة 62 من الهجرة النبوية.

يقول الشيخ الأعظم الأنصاري قدس سره: لا شي‏ء أوضح وأشهر من كفر يزيد، لعنه اللََّه‏ (1) .

حليمة السعدية

هي مرضعة رسول اللََّه صلى الله عليه و آله ووالدته بالرضاعة.

أبو سعيد الخدري‏

من أصحاب رسول اللََّه صلى الله عليه و آله‏

تحديد موضع القبور

رغم دفن عشرات الآلاف من الصحابة والتابعين والعلماء والصالحين والشهداء والمؤمنين وسائر المسلمين في بقيع الغرقد، إلا أنّ المعروف منها قليل

____________

(1) كتاب الطهارة2/358.

140

جداً، وهذا مما يوجب الأسف الشديد، مع العلم بأنّ النبي صلى الله عليه و آله وضع حجراً على قبر عثمان بن مظعون مما يرشدنا إلى الاهتمام بحفظ قبور الصلحاء والأولياء، ومما يزيد الأسف هو هدم الآثار في ظل إستيلاء التيار الوهابي.

ومع ذلك، فإنّ الزائر يجد في البقيع قبوراً معلومة لأهل المدينة جيلاً بعد جيل وللمحققين بالتواتر، مثل قبور أئمة أهل البيت عليهم السلام، وقبور بنات النبي صلى الله عليه و آله، وزوجاته، وعمه، وعماته، وابنه، وغيرهم، نذكر تحديدها.

وفي ما يلي نذكر القبور على الترتيب على أساس الدخول إلى البقيع من الباب الغربي المقابل للمسجد النبوي الشريف في الوقت الحاضر:

1. البقيع، قبور أئمة أهل البيت) ع ( قبور أئمة أهل البيت عليهم السلام

أمام المدخل الرئيسي باتجاه‏الجنوب، على يمين‏الواقف قبوربنات رسول‏اللََّه صلى الله عليه و آله، وفيه القبور الآتية:

الف) الإمام الحسن بن علي بن أبي طالب عليه السلام.

ب) الإمام زين العابدين علي بن الحسين عليه السلام.

ج) الإمام محمد بن علي الباقر عليه السلام.

د) الإمام جعفر الصادق عليه السلام.

هـ) فاطمة بنت أسد الهاشمية، أم الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام.

و) العباس بن عبد المطلب‏ (1) عم رسول اللََّه صلى الله عليه و آله.

2. قبور بنات رسول الله) ص ( قبور بنات رسول اللََّه صلى اللََّه عليه وآله

أمام المدخل الرئيسي للبقيع وعلى بعد منه بحوالي 30 متراً، ولا يفصلها عن

____________

(1) الطبقات الكبرى‏4/31.

141

المدخل إلا الساحة الرئيسية له، نجد قبور بنات رسول اللََّه صلى الله عليه و آله.

3. قبور همسران رسول الله) ص ( قبور زوجات رسول اللََّه صلى اللََّه عليه وآله

شمال قبور بنات النبي صلى الله عليه و آله، على يسار الواقف أمام قبور البنات، وعلى بعد حوالي ثمانية أمتار، نجد قبور زوجات رسول اللََّه صلى الله عليه و آله.

4. مدفن عقيل بن ابي طالب قبر عقيل بن أبي طالب، وابن أخيه عبد اللََّه بن جعفر الطيار

على بعد نحو خمسة أمتار شمال قبور زوجات رسول اللََّه صلى الله عليه و آله نجد قبري عقيل وابن أخيه عبد اللََّه بن جعفر.

5. مدفن الإمام مالك و نافع قبر الإمام مالك ونافع

في الشرق من قبر عقيل بن أبي طالب وعلى نحو عشرة أمتار عند التقاء الممرات الإسمنتية الحديثة يوجد قبران:

الأول: للإمام مالك بن أنس، امام المالكية من المذاهب الأربعة.

الثاني: لنافع، وهو إما شيخ القراء المعروف، أو غيره.

6. مدفن إبراهيم بن رسول الله) ص ( قبر إبراهيم ابن رسول اللََّه صلى الله عليه و آله

على بعد 20 متراً من قبر مالك، باتجاه الشرق، نجد قبره الشريف.

والظاهر: أنّ موضع قبر عثمان بن مظعون يكون قريباً منه، وذلك لقول رسول اللََّه صلى الله عليه و آله في تعيين موضع دفن ابنه إبراهيم: «ألحقوه بالسلف الصالح» .

7. أُحُد، مدفن شهداء وقعة الحَرَّة مدفن شهداء أحد ووقعة الحرة

على بعد نحو 75 متراً من قبر إبراهيم بن رسول اللََّه صلى الله عليه و آله، نجد مدفن شهداء

142

أحد ووقعة الحرة، وهم الذين استشهدوا أيام سلطة يزيد بن معاوية عليه اللعنة، وهو حالياً على شكل مستطيل من الحجر، بارتفاع لا يتجاوز المتر الواحد عن سطح الأرض، ومن المعلوم أنه يتضمن بعض أجساد الشهداء رضوان اللََّه عليهم، وأنهم دفنوا في المكان وحواليه، وذلك لكثرتهم.

8. مدفن إسماعيل بن جعفرالصادق) ع ( قبر اسماعيل بن جعفر الصادق عليه السلام

اسماعيل بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن أبي طالب، توفي سنة 133 في حياة أبيه الصادق عليه السلام بعشرين سنة، كذا في عمدة الطالب، عن أبي القاسم بن جذاع نسابة المصريين‏ (1) .

قال السيد الأمين: قبره الآن خارج البقيع، بينهما الطريق بجانب سور المدينة المنورة، ولعلّه كان داخلاً فيه قبل جعل هذا الطريق، وهو مشيد معظم عليه قبة عظيمة، هدمها الوهابيون في هذا العصر، بعد استيلائهم على الحجاز (2) .

وقال الشيخ المدني: وكان يقع (قبر اسماعيل بن جعفر) في الوسط بين الحرم النبوي والبقيع، وأنا شاهدت هذا القبر قبل طمسه وهدمه‏ (3) .

وقالوا: كان القبر خارج البقيع في الجهة الغربية الجنوبية، ويفصله عن البقيع شارع بعرض 15 متراً، وكان محاطاً بسور مرتفع بنحو 3 أمتار، وكان مبنى الشرشورة وهو مبنى مصلحة الموتى يقع شرقي هذا القبر، وقد نقل الجسد في التوسعة التي تمت قبل التوسعة الأخيرة، وأدخل داخل سور البقيع الحالي‏ (4) .

____________

(1) أعيان الشيعة3/316.

(2) أعيان الشيعة3/316 وانظر: منتخب التواريخ، محمد هاشم الخراساني/102.

(3) التاريخ الأمين/342.

(4) انظر: بقيع الغرقد/84.

143

أقول: قد سمعنا من الأفواه أنه دفن شرق شهداء الحرة، ولكن الوهابيين أزالوا العلامة والأثر، كما هو دأبهم.

9. مدفن حليمة السّعدية قبر السيدة حليمة السعدية

قيل: ان قبرها شمال شرق قبر عثمان بن عفان، أي شمال شرق حش كوكب، والمعروف أنه شمال قبر عثمان.

10. قبور عمات النبي) ص ( قبور عمات النبي صلى اللََّه عليه وآله

على بعد أربعين متراً من مدخل البقيع الرئيسي إلى الشمال على يسار الداخل، ملاصقاً لسور البقيع نجد القبور الآتية:

الف) قبر صفية بنت عبد المطلب عمة رسول اللََّه صلى الله عليه و آله.

ب) قبر عاتكة بنت عبد المطلب عمة رسول اللََّه صلى الله عليه و آله.

ج) قبر أم البنين فاطمة الكلابية، زوجة الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام.

11. مدفن أبوسعيد الخدري قبر أبي سعيد الخدري

وقبره في الجهة الشرقية الشمالية، كان على قارعة الطريق المؤدي إلى الحرة الشرقية.

12. مدفن سعد بن معاذ الأشهلي قبر سعد بن معاذ

على بعد حوالي خمسين متراً شمال قبر عثمان بن عفان، يوجد قبر الصحابي الجليل سعد بن معاذ.

144

13. مدفن عثمان بن عفان قبر عثمان بن عفان

دفن بحش كوكب، الذي كان خارجاً عن البقيع، ولكن أدخله معاوية فيه، وحالياً يقع قبره على بعد 135 متراً من قبور شهداء الحرة، في الجهة الشرقية الشمالية (1) .

قال ابن كثير: وقد اعتنى معاوية في أيام إمارته بقبر عثمان، ورفع الجدار بينه وبين البقيع، وأمر الناس أن يدفنوا موتاهم حوله، حتى اتصلت بمقابر المسلمين‏ (2) .

قال ابن أبي الحديد: فخرج به نفر يسير من أهله وهم يريدون به حائطاً بالمدينة يعرف بحش كوكب، كانت اليهود تدفن فيه موتاهم، فلما صار هناك رجم سريره، وهموا بطرحه، فأرسل علي عليه السلام يعزم عليهم ليكفوا عنه، فكفوا، فانطلقوا به حتى دفنوه في حش كوكب.. وزاد الطبري: ان معاوية لما ظهر على الناس أمر بذلك الحائط، فهدم حتى أفضى به إلى البقيع، وأمر الناس أن يدفنوا موتاهم حول قبره، حتى اتصل ذلك بمقابر المسلمين‏ (3) .

____________

(1) استفدنا تحديد القبور بالأمتار من كتاب بقيع الغرقد/59-86.

(2) البداية والنهاية7/214.

(3) شرح نهج البلاغة10/6-7.

145

أئمة البقيع) بَقيع الغَرْقَد ( البقيع (عليهم السلام)

1-الامام الحسن المجتبى عليه السلام‏

هو الحسن بن علي بن أبي طالب، الإمام الزكي، سيد شباب أهل الجنة، أبو محمد (1) ، سبط الرسول، وريحانة البتول، وحجة اللََّه على أرضه.

ولد عليه السلام بالمدينة في النصف‏ (2) من شهر رمضان سنة اثنتين (أو ثلاث‏ (3) ) من الهجرة، وقبض مسموماً بالمدينة في صفر سنة تسع وأربعين من الهجرة، فكان سنه عليه السلام يومئذ سبعاً وأربعين سنة، وأمه سيدة نساء العالمين، فاطمة بنت محمد، خاتم النبيين، صلى الله عليه و آله الطاهرين، وقبره بالبقيع من مدينة الرسول صلى الله عليه و آله‏ (4) ، عند جدته

____________

(1) المقنعة 464.

(2) عمدة الطالب 65 عن المفيد؛ سبل السلام 1/186.

(3) انظر: جواهر الكلام 20/87؛ عمدة الطالب 65؛ المجموع 3/503؛ سبل السلام 1/186؛ المجدي في أنساب الطالبيين 13.

(4) المقنعة/464؛ وانظر: الكافي 1/303؛ تهذيب الأحكام 6/39؛ رجال الطوسي/35؛ منتخب‏الأنوار، محمد بن همام/60؛ الغارات، إبراهيم بن محمد الثقفي‏2/843؛ تاريخ اليعقوبي 2/225؛ تاريخ الأئمة، ابن أبي الثلج/31؛ تاريخ مواليد الأئمة عليهم السلام ووفياتهم، ابن الخشاب البغدادي/18؛ المجدي في أنساب الطالبيين/13؛ الجوهرة في نسب الإمام علي وآله/32؛ المناقب 3/192؛ منتهى المطلب 2/891؛ تحرير الأحكام 2/121؛ روضة الواعظين/168؛ شرح الأخبار 3/127؛ عمدة الطالب/65؛ بحار الأنوار 44/140؛ جواهر الكلام 20/87؛ كتاب الفتن/91؛ الأخبار الطوال 221؛ الآحاد والمثاني 1/297؛ كتاب الثقات 3/68؛ تاريخ بغداد 1/150؛ تاريخ مدينة دمشق 13/293، 301، 302؛ ذخائر العقبى في مناقب ذوي القربى، محب الدين الطبري/141؛ المجموع 3/503؛ مقاتل الطالبيين/48؛ الحواشي على تحفة المحتاج 3/206؛ سبل السلام 1/186.

146

فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف‏ (1) ، لقبه: الوزير، والتقي، والقائم، والطيب، والحجة، والسيد، والسبط، والولي‏ (2) .

قال الذهبي: الحسن بن علي بن أبي طالب.. الإمام، السيد، ريحانة رسول اللََّه صلّى اللََّه عليه وسلّم وسبطه وسيد شباب أهل الجنة، أبو محمد القرشي الهاشمي المدني الشهيد.. وكان يشبه‏جدّه رسول‏اللََّه صلّى‏اللََّه عليه وسلّم، قاله أبو جحيفة (3) .

قال ابن عنبة: وجاءت به فاطمة إلى النبي صلى الله عليه و آله يوم السابع من مولده في خرقة من حرير الجنة كان جبرئيل عليه السلام نزل بها إلى رسول اللََّه صلى الله عليه و آله، فسماه حسناً، وعقّ عنه كبشاً (4) .

وروي عن الجعديات لفضيل بن مرزوق، عن عدّي بن ثابت، عن البراء، قال النبي صلى الله عليه و آله للحسن: «اللهمّ إنّي أحبه فأحبّه، وأحب من يحبّه» ، صححه الترمذي‏ (5) .

____________

(1) الارشاد 2/19؛ تاج المواليد 27؛ مناقب آل أبي طالب 3/192؛ عمدة الطالب 65؛ بحار الأنوار44/157-158؛ الصحيح من سيرة النبي الأعظم صلى الله عليه و آله 7/67.

(2) تاريخ مواليد الأئمة عليهم السلام ووفياتهم، ابن خشاب البغدادي/18.

(3) سير اعلام النبلاء 3/245.

(4) عمدة الطالب 65.

(5) سير أعلام النبلاء 3/250.

147

وروي عنه صلى الله عليه و آله أنه قال: «الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة» ، صححّه الترمذي‏ (1) .

وقال النبي صلى الله عليه و آله في حقه وحق أخيه: «من أحبهما فقد أحبني، ومن أبغضهما فقد أبغضني: الحسن والحسين» (2) .

وقال صلى الله عليه و آله: «اللهم اني أحبهما فأحبهما» (3) .

وقال النووي: مناقبه كثيرة مشهورة في الصحيحين وغيرهما (4) .

وقال ابن حجر العسقلاني: فضائله لا تحصى، وقد ذكرنا منها شطراً في الروضة الندية (5) .

روى الكليني باسناده عن محمد بن مسلم قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: «لما حضر الحسن بن علي عليهما السلام الوفاة قال للحسين عليه السلام: يا أخي، إنّي أوصيك بوصية فاحفظها، إذا أنا مّت فهيئني، ثمّ وجّهني إلى رسول اللََّه صلّى اللََّه عليه وآله لأُحدث به عهداً، ثمّ اصرفني إلى امّي عليها السلام، ثمّ ردّني فادفّني بالبقيع.. » (6) .

وقال المفيد: روى عبداللََّه بن إبراهيم، عن زياد المخارقي قال: لما حضرت الحسن الوفاة استدعى الحسين بن علي عليهما السلام فقال: يا أخي، إنّي مفارقك ولاحق بربّي جلّ وعز، وقد سقيت السم ورميت بكبدي في الطست، وانّي لعارف بمن سقاني السمّ، ومن أين دُهيت، وأنا اخاصمه إلى اللََّه تعالى، فبحقي عليك أن

____________

(1) سير أعلام النبلاء 3/251.

(2) فضائل الصحابة/20.

(3) فضال الصحابة/24.

(4) المجموع 3/503.

(5) سبل السلام 1/186.

(6) الكافي 1/300، ح 1، ونحوه في 1/302؛ الخرائج والجرائح 1/242؛ اعلام الورى 1/421؛ عيون المعجزات/58؛ تفصيل وسائل الشيعة 3/163 و164؛ بحار الانوار 99/264؛ العوالم 17/77.

ـ

148

تكلّمت بشى‏ء، وانتظر ما يحدث اللََّه عز ذكره فيّ، فاذا قبضت فغمّضني وغسّلني وكفّنّي واحملني على سريري الى‏قبرجدّي رسول اللََّه صلى الله عليه و آله لأجدّد به عهداً، ثمّ ردّني الى‏ََ قبر جدّتي فاطمة بنت أسد رحمه الله فادفّني هناك، وستعلم يا ابن أُم أنّ‏القوم يظنّون‏أنكم تريدون دفني عند رسول اللََّه صلى الله عليه و آله، فيُجْلبون في منعكم عن ذلك، وباللََّه أُقسم عليك أن تهريق في أمري محجمة دم.. » (1) .

فظهر أن الإمام الحسن عليه السلام دفن بالبقيع تنفيذاً لوصيته‏ (2) ، لعلمه عليه السلام بالأحداث المؤلمة (3) ، وما تظهره الأحقاد الدفينة (4) والأنفس الشريرة، وبه يظهر ضعف ما نقله ابن كثير (5) وغيره‏ (6) من أنه عليه السلام عهد إلى أخيه الحسين عليه السلام أن يدفن مع رسول اللََّه صلى الله عليه و آله، ثمّ جرى ماجرى.

نعم، جاء في منتخب الأنوار لمحمد بن همام الكاتب الإسكافي: ولما حضرته الوفاة دعا أخاه الحسين بن علي عليهما السلام، وقال له: يا أخي، إذا أنا متّ، وأخذت في أمري، وصيّرتني على السرير، فأنشدك اللََّه بحقّ جدي رسول اللََّه‏ (7) وأمي فاطمة، إذا صرت إلى قبر رسول اللََّه صلى الله عليه و آله، فإن تركوك فادفنّي معه، وإن منعوك فباللََّه عليك

____________

(1) الإرشاد 2/17؛ اعلام الورى 1/422؛ وانظر: دلائل الإمامة/160-162؛ الهداية الكبرى/186.

(2) انظر: الخرائج والجرائح 1/242-243؛ ذخائر العقبى/141؛ الصراط المستقيم 3/115؛ مدينةالمعاجز 3/340 و373؛ بحار الأنوار 44/154و 174.

(3) انظر: الجوهرة/32؛ كتاب الفتن/91؛ الأخبار الطوال/221؛ بحار الأنوار 44/142 و144.

(4) انظر: تاريخ مدينة دمشق 13/287.

(5) البداية والنهاية 8/48.

(6) انظر: كتاب الفتن (لنعيم بن حماد) /91؛ الأخبار الطوال/221؛ كتاب الثقات 3/67؛ مقاتل الطالبيين/48؛ جواهر المطالب، الباعوني‏2/209؛ ذخائر العقبى 142؛ الجوهرة/32؛ تاريخ مدينة دمشق 13/291؛ فتح الباري 13/259؛ شرح نهج البلاغة 17/215؛ سير أعلام النبلاء3/275.

(7) وفي بعض المصادر: وأبي أمير المؤمنين.

149

يا أخي، وبحقّ جدي وأمي إن كلّمت أحداً، وارددني فادفنّي بالبقيع‏ (1) .

ولكن ما ذكره الشيخ المفيد هو المعتمَد.

ثم‏قال المفيد: فلمّا مضى عليه السلام لسبيله غسّله الحسين عليه السلام وكفّنه وحمله على سريره، ولم يشك مروان ومن معه من بني أمية أنهم سيدفنونه عند رسول اللََّه صلّى اللََّه صلى الله عليه و آله، فتجمعوا له ولبسوا السلاح، فلما توجّه به‏الحسين‏بن‏علي عليهما السلام إلى قبر جدّه رسول اللََّه عليه وآله ليجدّد به عهداً أقبلوا إليهم في جمعهم.. -إلى ان قال: -وكادت الفتنة (2)

____________

(1) منتخب الأنوار/61.

(2) روى‏ابن عساكر في تاريخ مدينة دمشق 13/293 عن عباد بن‏عبد اللََّه بن الزبير، قال سمعت عائشةتقول يومئذ: «هذا الأمر لا يكون أبداً، يدفن ببقيع الغرقد! ولا يكون لهم (تعني‏رسول‏اللََّه وأبا بكر وعمر) رابعاً، واللََّه انه لبيتي أعطانيه‏رسول اللََّه في حياته، وما دفن فيه عمر وهو خليفة إلا بأمري، وما آثر على عندنا بحسن.. » .

وروى محمد بن همام الكاتب الاسكافي في منتخب الانوار/61: فلما توفّى حمله الحسين عليه السلام حتى صار إلى قبر جده؛ وجاء مغيرة بن شعبة إلى عائشة وقال لها: لقد مات الحسن، وقد حمله الحسين حتى صار إلى قبر جده، وإن دفنه معه ذهب ذكر ابيك وذكر عمر إلى يوم القيامة، فقالت: ما أصنع؟قال: تركبين بغلتي، وتربحين به (وفي بعض المصادر: تمنعين من أن يدفن معه) ، فركبت بغلة المغيرة، وصارت إلى قبر رسول اللََّه صلى اللََّه عليه واله، فإذا بسرير الحسن عليه السلام موضوع من يحول، فمنعت من دفنه بمقام، رجال من بني هاشم، وشهروا سيوفهم وقالوا: بلى، يدفن مع جده، وأراد أن تقع نائرة بينهم، فقال الحسين عليه السلام: «نشدتكم باللََّه إلا سكتّم، فإنّ أخي أوصاني بكذا وكذا» ، فسكتوا، وردّه الحسين ودفنه بالبقيع.

واما مغيرة بن شعبة، فهو الذي قال له الإمام الحسن المجتبى عليه السلام: «وأما أنت يا مغيرة بن شعبة، فإنك للََّه‏عدوّ، ولكتابه نابذ، ولنبيّه مكذّب، وأنت الزاني وقد وجب عليك الرجم، وشهد عليك العدول البررة الأتقياء، فأخّر رجمك، ودفع الحقّ بالباطل، والصدق بالأغاليط، وذلك لما أعدّ اللََّه لك من العذاب الأليم، والخزي في الحياة الدنيا، ولعذاب الآخرة أخزى، وأنت الذي ضربت فاطمة بنت رسول اللََّه صلى الله عليه و آله حتى أدميتها، وألقت ما في بطنها، استذلالاً منك لرسول اللََّه صلى الله عليه و آله ومخالفة منك لأمره، وانتهاكاً لحرمته، وقد قال لها رسول اللََّه صلى الله عليه و آله: «يا فاطمة، أنت سيدة نساء أهل الجنة» ، واللََّه مصيرك إلى النار» ، كذا في الاحتجاج 2/40؛ بحار الأنوار 44/83؛ مستدركات علم الرجال‏7/470 رقم 15124.

150

تقع بين بني هاشم وبني أميّة (1) (2) ، فبادر إبن عباس إلى مروان فقال له: ارجع يا مروان من حيث جئت، فإنّا ما نريد أن ندفن صاحبنا عند رسول اللََّه صلى الله عليه و آله، لكنّا نريد أن نجدّد به عهداً بزيارته، ثمّ نردّه إلى جدته فاطمة عليها السلام، فندفنه عندها بوصيته بذلك، ولو كان وصىّ بدفنه مع النبي صلّي اللََّه عليه وآله لعلمت أنّك أقصر باعاً من ردّنا عن ذلك.. وقال الحسين عليه السلام: «واللََّه لولا عهد الحسن إليّ بحقن الدّماء، وأن لا أهريق في أمره محجمة دم، لعلمتم كيف تأخذ سيوف اللََّه منكم مأخذها، وقد نقضتم العهد بيننا وبينكم، وأبطلتم ما اشترطنا عليكم لأنفسنا» .

ومضوا بالحسن عليه السلام فدفنوه بالبقيع عند جدته فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبدمناف، رضي اللََّه عنها واسكنها جنات النعيم‏ (3) .

وذكر ابن فتال النيسابوري‏ (4) والطبرسي نحوه بتفاوت يسير (5) .

وقال أبو هريرة يوم دفن الحسن بن علي عليه السلام: قاتل اللََّه مروان، قال: واللََّه ما

____________

(1) انظر: بشارة المصطفى/418؛ أمالي الطوسي/160؛ كتاب الفتن/91؛ الجوهرة/32؛ كتاب الثقات‏3/68؛ سير أعلام النبلاء 3/279؛ تاريخ مدينة دمشق 13/289، 290، 293؛ البداية والنهاية 8/48؛ اعلام الورى 1/415؛ كشف الغمة 2/209.

(2) جاء في الجوهرة/32: .. وتنازعوا حتى دخلت بنو هاشم مع الحسين في السلاح وبنو أمية مع مروان كذلك، فأصلح الناس وأبو هريرة بينهم، وقال أبو هريرة: واللََّه إنّ هذا لظلم! يمنع الحسن أن يدفن مع جدّه؟! وفي كتاب الفتن لنعيم بن حماد المروزي/91: قال أبو حازم: قال أبو هريرة: أرأيت لو أنّ إبناً لموسى أوصى أن يدفن مع أبيه فمنع ألم يكن ظلموا؟! قلت: بلى، قال: فهذا ابن رسول اللََّه صلى اللََّه عليه وسلم يمنع أن يدفن مع أبيه! (ورواه الذهبي في سير أعلام النبلاء3/275) .

(3) الأرشاد 2/18-19؛ انظر: بحار الأنوار 44/154.

(4) روضة الواعظين 1/167.

(5) اعلام الورى/211.

151

كنت لأدع ابن أبي تراب يدفن مع رسول اللََّه صلى الله عليه و آله وقد دفن عثمان بالبقيع!، فقلت: يا مروان! اتق اللََّه، ولا تقل لعلي إلا خيراً، فأشهد لقد سمعت رسول اللََّه صلى الله عليه و آله يقول يوم خيبر: «لأعطينّ الراية رجلاً يحبه اللََّه ورسوله، ليس بفرار (1) » ، وأشهد لسمعت رسول اللََّه صلى الله عليه و آله يقول في حسن: «اللهم اني أحبه فأحبه، وأحب من يحبّه» (2) .

ولا يخفى أنّ مروان بن الحكم كان وقتئذٍ أمير المدينة (3) ، أو أنه كان معزولاً، وإنّما فعل ما فعل ابتغاء مرضاة معاوية (4) ، وطلباً للرئاسة (5) .

ومات الامام الحسن المجتبى عليه السلام شهيداً، إذ أنّه قد سمّ بدسيسة معاوية، تمهيداً لسلطة ابنه يزيد.

قال أبو علي محمد بن همام الإسكافي: استشهد عليه السلام في سنة خمسين من الهجرة، بعد مضيّ عشر سنين من ملك معاوية، وكان سبب وفاته شربة وجهها معاوية على يد امرأته جعدة بنت الأشعث-لعنه اللََّه-وأقطعها على ذلك ضيعة نقية وعشرة آلاف، وروي: أنه سقي برادة الذهب، حتى قاء كبده، وقال: «سقيت السمّ مرتين، وهذه الثالثة» ، ودفن بالمدينة في البقيع‏ (6) .

____________

(1) انظر: العمدة/13؛ تاريخ مدينة دمشق‏13/288 و42/107، 111، 113، 123؛ فتح الباري 7/60؛ بحار الأنوار37/27.

(2) تاريخ مدينة دمشق 13/288؛ خلاصة عبقات الأنوار، الميلاني‏3/255؛ وانظر: الجوهرة في نسب الإمام علي وآله 32؛ سير أعلام النبلاء 3/275؛ الغدير 8/265؛ و11/14.

(3) تاريخ المدينة 1/110.

(4) تاريخ مدينة دمشق 13/287 (وفيه: فلم يزل مروان عدواً لبني هاشم حتى مات) ؛ الغدير8/265.

(5) روى ابن عساكر في تاريخ مدينة دمشق 21/127: انّ معاوية كتب إلى مروان يشكر له ما صنع واستعمله على المدينة، ونزع سعيد بن العاص، وكتب إلى مروان: إذا جاءك كتابي هذا فلا تدع لسعيد بن العاص قليلاً ولا كثيراً إلا قبضته.

(6) منتخب الأنوار/60.

152

وقال ابن حبان: الحسن بن علي بن أبي طالب.. ، ابن فاطمة الزهراء، كان أشبه‏الناس برسول اللََّه صلى اللََّه عليه وسلم، كنيته أبو محمد، سمّ حتى نزل كبده‏ (1) .

وروى ابن عساكر عن أبي سليمان بن زبر، قال: مات الحسن بن علي يعني سنة تسع وأربعين، وكان قد سقي السم، فوضع كبده.. (2) .

وقال ابن شهراشوب: وكان بذل معاوية لجعدة بنت محمد الأشعث الكندي، وهي ابنة أم فروة، أخت أبي بكر بن أبي قحافة، عشرة آلاف دينار، وإقطاع عشرة ضياع من سقى سوراء وسواد الكوفة، على أن تسمّ الحسن‏ (3) .

جاء في كشف الغمة: لما اراد معاوية أخذ البيعة ليزيد، دسّ إلى جعدة بنت الأشعث بن قيس-وكانت زوجة الحسن بن علي عليهما السلام-من حملها على سمّه، وضمن لها أن يزوّجها بابنه يزيد، فأرسل إليها مأة الف درهم، فسقته جعدة السمّ‏ (4) ، وبقي عليه السلام أربعين يوماً مريضاً، ومضى لسبيله في صفر سنة خمسين من الهجرة، وله يومئذ ثمان وأربعون سنة، وتولّى أخوه ووصيه الحسين عليهما السلام غسله وتكفينه ودفنه عند جدّته فاطمة بنت أسد.. بالبقيع‏ (5) .

____________

(1) كتاب الثقات 3/67؛ مشاهير علماء الأمصار، محمد بن حبان/24.

(2) تاريخ مدينة دمشق 13/302 و300؛ وانظر: التعديل والتجريح، سليمان بن خلف الباجي 1/475؛ نظم درر السمطين/205.

(3) مناقب آل أبي طالب 3/192؛ بحار الأنوار 44/135.

(4) انظر: التنبيه والاشراف، المسعودي/260؛ رجال الطوسي/35؛ سبل الهدى والرشاد 11/64؛ عمدة الطالب/67.

(5) كشف الغمة 1/584؛ انظر: الارشاد 2/15؛ تهذيب الأحكام 6/39؛ مشاهير علماء الأمصار 24؛ تاريخ اليعقوبي 2/225؛ تاريخ مدينة دمشق 13/288؛ تهذيب الكمال 6/254؛ كشف الغمة 2/208؛ المناقب 4/28؛ اعلام الورى 1/403؛ العدد القوية لدفع المخاوف اليومية، علي بن يوسف المطهر الحلي/351؛ الجامع العباسي 188.

153

وفي الخبر: ثم القائم من بعده-أي أمير المؤمنين علي عليه السلام-ابنه الحسن سيد الشباب وزين الفتيان، يقتل‏مسموماً، يدفن‏بأرض طيبة، في‏الموضع‏المعروف بالبقيع‏ (1) .

وذكر الحاكم النيسابوري بإسناده عن ثعلبة بن أبي مالك قال: شهدنا الحسن ابن علي يوم مات ودفنّاه بالبقيع، ولو طرحت إبرة ما وقعت إلا على رأس انسان‏ (2) .

قال نعيم بن حماد: فلم يشهده أحد من بني أمية إلا خالد بن الوليد بن عقبة، فإنه ناشدهم اللََّه وقرابته فخلّوا عنه‏ (3) .

وروى الذهبي عن مساور السعدي قال: رأيت أبا هريرة قائماً على مسجد رسول اللََّه صلّى عليه وسلّم يوم مات الحسن يبكي وينادي بأعلى صوته: يا أيها الناس! مات اليوم حبّ رسول اللََّه صلّى اللََّه عليه وسلم، فابكوا (4) .

وروي عن مساور مولى بني سعد بن بكر، قال: وقد اجتمع الناس لجنازته، حتّى ما كان البقيع يسع أحداً من الزّحام‏ (5) .

وقد بكاه الرجال والنساء سبعاً، واستمرّ نساء بني هاشم ينحن عليه شهراً، وحدت نساء بني هاشم عليه سنة (6) .

____________

(1) مقتضب الأثر 13؛ بحار الأنوار 36/218.

(2) المستدرك على الصحيحين 3/173؛ الإصابة 2/65؛ المنتخب من ذيل المذيل 19؛ تاريخ مدينة دمشق 13/297؛ تهذيب الكمال 6/256.

(3) كتاب الفتن 91.

(4) سير اعلام النبلاء 3/277؛ جواهر المطالب 2/21.

(5) جواهر المطالب 2/21.

(6) البداية والنهاية 8/48.

ـ

154

وجاء في الخبر: «.. وأما الحسن، فانه ابني وولدي، ومنّي، وقرة عيني، وضياء قلبي، وثمرة فؤادي، وهو سيد شباب أهل الجنة، وحجة اللََّه تعالى على الأئمة، أمره أمري، وقوله قولي، فمن تبعه فإنه مني، ومن عصاه فليس مني، وإني نظرت إليه فذكرت ما يجري عليه من الذّل بعدي، فلا يزال الأمر به حتى يقتل بالسمّ ظلماً وعدواناً، فعند ذلك تبكي الملائكة والسبع الشداد بموته، ويبكيه كلّ شي‏ء حتى الطير في جوّ السماء، والحيتان في جوف الماء، فمن بكاه لم تعم عيناه يوم تعمى الأعين، ومن حزن عليه لم يحزن قلبه يوم تحزن القلوب، ومن زاره في البقيع ثبتت قدماه على الصراط يوم تزل فيه الأقدام.. » (1) .

جاء في كامل الزيارة باسناده عن عمر بن يزيد بياع السابري، رفعه، قال:

كان محمد بن علي ابن الحنفية يأتي قبر الحسن بن علي عليهما السلام فيقول: السلام عليك يا بقية المؤمنين، وابن أول المسلمين، وكيف لا تكون كذلك وأنت سليل الهدى، وحليف التقوى، وخامس أهل الكساء، غذتك يد الرحمة، وربيت في حجر الإسلام، ورضعت من ثدي الإيمان، فطبت حيّاً، وطبت ميّتاً، غير أن الأنفس غير طيبة بفراقك، ولا شاكة في حياتك، يرحمك اللََّه. ثمّ التفت إلى الحسين عليه السلام فقال: يا أبا عبد اللََّه الحسين، فعلى أبي محمد السلام‏ (2) .

ولنختم الكلام بماجاء في إحدى الزيارات الجامعة: «السلام على الإمام المعصوم، والسبط المظلوم، والمضطهد المسموم، بدر النجوم، والمودّع بالبقيع، ذي الشرف الرفيع، السيد الزكي والمهذّب التقي، أبي محمد الحسن بن علي عليهما السلام» (3) .

____________

(1) الفضائل، شاذان بن جبرئيل القمي 10.

(2) كامل الزيارات/117، ح‏129؛ المزار (للمفيد) 181/؛ بحار الأنوار 97/205؛ جامع أحاديث الشيعة 12/266؛ ذخيرة الصالحين‏4/209.

(3) بحار الأنوار 102/192 عن مصباح الزائر 254، وج 99/192؛ المزار لمحمد بن المشهدي 104.