بقيع الغرقد في دراسة شاملة

- محمد أمين الأميني المزيد...
431 /
155

2-الامام علي بن الحسين زين العابدين عليه السلام‏

هو الإمام علي بن الحسين، لقبه الزكي وزين العابدين وذو الثفنات والأمين‏ (1) ، رابع الأئمة عند الشيعة الإمامية، وحجة اللََّه على أرضه، ولد في الخامس من شعبان‏ (2) سنة ثمان وثلاثين من الهجرة (3) ، و أمه شاه زنان‏ (4) بنت شيرويه بن‏كسرى أبرويز (5) ، وقيل: شاه زنان بنت يزدجرد بن كسرى‏ (6) ، ويقال:

كان اسمها شهربانو بنت يزدجرد (7) ، وقيل: أم ولد اسمها غزالةالة، 2 (8) ، ويقال: بل كان اسمها برة بنت النوشجان‏ (9) ، وقبض بالمدينة يوم السبت لاثنتي عشرة ليلة بقيت من‏المحرم‏ (10) سنةخمس‏وتسعين‏ (11) ، وقيل: أربع‏وتسعين‏ (12) ، وله‏يومئذسبع وخمسون سنة (13) ، وولد له ثمان بنين ولم يكن له انثى‏ (14) ، وكان إمامته أربعاً وثلاثين سنة (15) ،

____________

(1) كشف الغمة 2/317.

(2) الجامع العباسى‏189.

(3) المقنعة472؛ تهذيب الأحكام‏6/77؛ تحرير الأحكام‏2/122.

(4) المستجاد من الارشاد 162؛ كشف الغمة2/317.

(5) الجامع العباسى‏189.

(6) المقنعة472؛ تهذيب الأحكام‏6/77؛ تحرير الأحكام‏2/122.

(7) كشف الغمة2/303.

(8) المقنعة472؛ تهذيب الأحكام‏6/77؛ تحرير الأحكام‏2/122.

(9) كشف الغمة2/303.

(10) اعلام الورى‏1/481.

(11) كشف الغمة2/303؛ تحرير الأحكام‏2/122.

(12) تاريخ مدينة دمشق 41/362، 414.

(13) تهذيب الأحكام‏6/77؛ تحرير الأحكام‏2/122.

(14) كشف الغمة 2/317.

(15) بحار الانوار 46/12.

156

وقبره ببقيع المدينة (1) .

قال الذهبي: علي بن الحسين ابن الإمام علي بن أبى طالب.. السيد الإمام زين العابدين الهاشمي العلوي المدني.. (2)

ونُقل عن ابن تيمية-مع تعصبه وعناده-أنه قال: علي بن الحسين زين العابدين، وقرة عين الإسلام، لكثرة ما اشتهر عنه من عبادة وزهد وورع وتسامح وعلوّ أخلاق‏ (3) .

وقال الزهري: ما كان أكثر مجالستي مع علي بن الحسين، وما رأيت أحداً أفقه منه‏ (4) .

وقال: ما رأيت قريشاً أفضل من علي بن الحسين‏ (5) .

وروى أن رجلاً قال لابن المسيب: ما رأيت أورع من فلان، قال: هل رأيت علي بن الحسين؟قال: لا، قال: ما رأيت أورع منه‏ (6) .

وروى إبن سعد عن عبد اللََّه بن أبي سليمان قال: كان علي بن الحسين.. إذا قام‏

____________

(1) المقنعة/472؛ منتخب الأنوار/67؛ الارشاد2/137؛ تهذيب الأحكام‏6/77؛ دلائل الامامة/192، شرح الأخبار 3/275؛ تاريخ الأئمة/31؛ مناقب آل أبي طالب 3/311؛ تاريخ مواليد الأئمة عليهم السلام ووفياتهم/24؛ المنتخب من ذيل المذيل/120؛ تاريخ مدينة دمشق‏41/362 و416؛ الجوهرة في نسب الإمام علي وآله/51؛ اعلام الورى‏1/481؛ عيون المعجزات/65؛ تحرير الأحكام‏2/122؛ منتهى المطلب 2/893؛ كشف الغمة2/294 و303؛ العدد القوية/316؛ المعارف لابن قتيبة/215؛ سير أعلام النبلاء 4/400؛ الجامع العباسي/189؛ مناقب أهل البيت/255؛ بحار الانوار 46/12-13، و151 و154؛ ينابيع المودة3/109.

(2) سير اعلام النبلاء 4/386.

(3) علموا أولادكم محبة آل بيت النبي صلى الله عليه و آله، الدكتور محمد عبده يماني/161.

(4) سير اعلام النبلاء 4/389.

(5) الجوهرة في نسب الامام علي وآله 51؛ مناقب أهل البيت، المولى حيدر الشيرواني 255.

(6) سير اعلام النبلاء 4/391.

157

إلى الصلاة أخذته رعدة، فقيل له ما لك؟فقال: ماتدرون بين يدي من أقوم ومن أناجي؟! (1)

وروى المفيد عن زرارة بن أعين قال: سمع سائل في جوف الليل وهو يقول:

أين الزاهدون في الدنيا والراغبون في الآخرة، فهتف به هاتف من ناحية البقيع يسمع صوته ولا يرى شخصه: ذاك عليّ بن الحسين عليه السلام‏ (2) .

وذكر الذهبي عن مالك: أحرم علي بن الحسين، فلما أراد ان يلبّي قالها، فأغمي عليه، وسقط من ناقته فهشم.. وكان يسمى زين العابدين لعبادته‏ (3) .

وعن سفيان بن عيينة: حجّ عليّ بن الحسين بن أبي طالب، فلما أحرم واستوت به راحلته اصفرّ لونه وانتفض ووقعت عليه الرعدة ولم يستطع أن يلبّي، فقيل: ما لك لا تلبّي؟قال: «أخشى أن أقول لبيك، فيقول لي: لا لبّيك، .. » فلمّا لبّى غشى عليه وسقط من راحلته، فلم يزل يعتريه ذلك حتى قضى حجّه‏ (4) .

ثمّ أن الإمام عليه السلام مات شهيداً، سمّه الوليد بن عبد الملك بن مروان‏ (5) ، وتوفي عليه السلام بالمدينة سنة خمس وتسعين للهجرة، وله يومئذ سبع وخمسون سنة، ودفن بالبقيع مع عمه الحسن بن علي بن أبي طالب عليه السلام‏ (6) .

____________

(1) الطبقات الكبرى 5/216؛ سير اعلام النبلاء 4/392.

(2) الارشاد 2/142؛ مناقب آل أبي طالب 3/289؛ كشف الغمة 2/298؛ العدد القوية/64؛ بحار الأنوار46/76.

(3) سير اعلام النبلاء 4/392.

(4) تاريخ مدينة دمشق‏41/378؛ تهذيب الكمال 20/390؛ سير اعلام النبلاء4/392؛ تهذيب التهذيب 7/269.

(5) مناقب أهل البيت/257؛ بحار الأنوار 46/154.

(6) الارشاد 2/138؛ عنه بحار الانوار 46/12-23؛ انظر: تهذيب الاحكام 6/77؛ سير اعلام النبلاء 4/400؛ المناقب 3/310؛ كشف الغمة 2/275.

158

وقد أخبروا بموضع دفنه قبل ذلك بسنين، حيث إنّه جاء في الخبر: «يدفن في أرض طيبة في الموضع المعروف بالبقيع» (1) .

ذكر ابن سعد وسبط ابن الجوزى: انه توفي سنة أربع وتسعين، وكان يقال لهذه السنة: سنة الفقهاء (2) ، لكثرة من مات منهم فيها (3) ، وكان عليّ سيد الفقهاء، مات أولها (4) .

وروى عن حسين بن علي بن حسين بن علي بن أبي طالب، قال: مات أبي، علي بن حسين سنة أربع وتسعين، وصلينا عليه بالبقيع‏ (5) .

وجاء في الخبر أيضا: «ثمّ يكون القائم من بعده‏ (6) ابنه علي سيد العابدين، وسراج المؤمنين، يموت موتاً، يدفن بالبقيع من أرض طيبة» (7) .

3-الامام محمد بن علي الباقر عليه السلام‏

هو الإمام محمد بن علي بن الحسين بن أبي طالب، باقر علم الدين، وعلم الأولين والآخرين‏ (8) ، وإمام المتقين، كنيته أبوجعفر، خامس الأئمة عند الشيعة الإمامية، وحجة اللََّه في أرضه، ولد بالمدينة سنة سبع وخمسين من الهجرة، وأمه أم

____________

(1) مقتضب الأثر 13؛ بحار الانوار 36/219.

(2) المنتخب من ذيل المذيل/120.

(3) كشف الغمة 2/295.

(4) الطبقات الكبرى 5/221؛ تذكرة الخواص، سبط ابن الجوزي/332.

(5) الطبقات الكبرى 5/221؛ تاريخ مدينة دمشق 41/414؛ تهذيب الكمال 20/404؛ كشف الغمة 2/295.

(6) أي بعد الإمام الحسين بن علي عليه السلام.

(7) مقتضب الأثر/13.

(8) تحرير الاحكام 2/123؛ منتهى المطلب 2/893.

159

عبد اللََّه‏ (1) فاطمة (2) بنت الحسن بن علي بن أبي طالب، فهو أول هاشمي ولد من هاشميين علوي من علويين‏ (3) ، أي: أنه أول من جمع ولادة الحسن والحسين‏ (4) ، لقبه باقر العلم والشاكر والهادي‏ (5) ، وكان واسع العلم، وافر الحلم‏ (6) ، وقبض بالمدينة في ذي الحجة ويقال: في شهر ربيع الأول ويقال: في شهر ربيع الآخر-والأول أشهر- (7) ، سنة أربع عشرة ومائة، وكان سنه يومئذ سبعاً وخمسين سنة، وقبره بالبقيع من مدينة الرسول صلى الله عليه و آله‏ (8) .

وفي الخبر: «ثمّ يكون الإمام القائم بعده‏ (9) المحمود فعاله محمد، باقر العلم ومعدنه وناشره ومفسره، يموت موتاً، يدفن بالبقيع من أرض طيبة» (10) .

____________

(1) ام عبدة/كذا في تهذيب الأحكام 6/77؛ وفي منتهى المطلب‏2/893: أمه ام عبيدة بنت الحسن بن‏علي بن أبي طالب.

(2) تاريخ مواليد الأئمة عليهم السلام ووفياتهم/28.

(3) تاج العروس‏3/111؛ وقال العلامة الحلي في منتهى المطلب 2/893: وهو هاشمي من هاشميين‏علوي من علويين.

(4) المجدي في الأنساب 94.

(5) تاريخ مواليد الأئمة عليهم السلام ووفياتهم/28.

(6) المجدي في الأنساب 94.

(7) تاج المواليد 41.

(8) المقنعة 472-473؛ وانظر: الكافي‏1/469؛ تهذيب الأحكام 6/77؛ منتخب الأنوار/69؛ الارشاد 2/158؛ اعلام الورى 1/498؛ المناقب 3/340؛ كشف الغمة 2/331؛ تاج المواليد/37 و41؛ سبل السلام 2/80؛ تاريخ الأئمة/31؛ تاريخ مواليد الأئمة عليهم السلام ووفياتهم/28؛ عمدة الطالب/195؛ عيون المعجزات/75؛ المجدي في الأنساب/94؛ تحرير الأحكام 2/123؛ منتهى المطلب 2/893؛ مناقب أهل البيت/260 و262؛ شرح مسند أبي حنيفة/211؛ تاج العروس 3/55؛ الجامع العباسي 189؛ بحار الانوار 46/215 و218؛ ينابيع المودة 3/111.

(9) أي بعد الإمام زين العابدين عليه السلام.

(10) أي بعد الإمام زين العابدين عليه السلام.

160

قال الذهبي: هو السيد الإمام أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن علي العلوي الفاطمي المدني.. وكان أحد من جمع بين العلم والعمل والسؤدد والشرف والثقة والرزانة، وكان أهلاً للخلافة، وهو أحد الأئمة الأثنى عشر الذين تبجّلهم الشيعة الأمامية وتقول بعصمتهم وبمعرفتهم بجميع الدين.. وشهر أبو جعفر بالباقر من بقر العلم أي شقّه، فعرف أصله وخفيّه.. (1)

قال قطب الدين الراوندي: وأما محمد بن علي عليهما السلام، فلم يظهر من أحد بعد آبائه عليهم السلام من علم الدين والآثار والسنة وعلم القرآن والسيرة وفنون العلم ما ظهر منه، وروى عنه معالم الدين بقايا الصحابة ووجوه التابعين ورؤساء الفقهاء، وصار في الفضل علماً يضرب به الأمثال‏ (2) .

قال الزبيدي: وإنّما لقب به لتبحره في العلم وتوسعه، وفي اللسان: لأنه بقر العلم وعرف أصله واستنبط فرعه‏ (3) .

ثمّ قال: قلت: وقد ورد في بعض الآثار عن جابر بن عبد اللََّه الأنصاري: أنّ النبي صلى الله عليه و آله قال له: «يوشك أن تبقي حتى تلقى ولداً لي من الحسين، يقال له محمد، يبقر العلم بقراً، فإذا لقيته فاقرئه مني السلام» ، خرجه أئمة النسب‏ (4) .

قال ابن حجر: وسمي بالباقر لأنه تبقر في العلم، أي توسع فيه‏ (5) .

وروى الشيخ المفيد عن جابر قال: قلت لأبي جعفر بن علي الباقر عليهما السلام: حدّثتني بحديث فأسنده لي، فقال: «حدّثني أبي، عن جدّي، عن

____________

(1) سير اعلام النبلاء 4/404.

(2) الخرائج والجرائح 2/892.

(3) تاج العروس‏3/55.

(4) تاج العروس‏3/55.

(5) سبل السلام 2/80؛ وانظر: شرح مسند أبي حنيفة 211.

ـ

161

رسول اللََّه صلى الله عليه و آله، عن جبرئيل عليه السلام، عن اللََّه عزوجل، وكلّ ما أحدّثك بهذا الإسناد» (1) ، وروى نحوه الراوندي بتفاوت يسير (2) .

وعن مسند أبى حنيفة، قال الراوي: ما سألت جابر الجعفي قطّ مسألة إلا أتى فيها بحديث، وكان جابر الجعفي إذا روى عنه قال: حدثني وصيّ الأوصياء ووارث علم الأنبياء (3) .

وعن أبي نعيم في الحلية (انه عليه السلام) الحاضر الذاكر الخاشع الصابر (4) .

وقالوا: لم يظهر عن أحد من ولد الحسن والحسين عليهما السلام من العلوم ما ظهر منه من التفسير والكلام والفتيا والأحكام والحلال والحرام، قال محمد بن مسلم:

سألته عن ثلاثين ألف حديث، وقد روى عنه معالم الدين بقايا الصحابة ووجوه التابعين ورؤساء فقهاء المسلمين، فمن الصحابة نحو جابر بن عبداللََّه الأنصاري، ومن التابعين نحو جابر بن يزيد الجعفي وكيسان السختاني صاحب الصوفية، ومن الفقهاء نحو ابن المبارك والزهري والأوزاعي وأبو حنيفة ومالك والشافعي وزياد ابن المنذر النهدي‏ (5) .

وعن حلية الأولياء: قال عبد اللََّه بن عطاء المكي: ما رأينا العلماء عند أحد أصغر منهم عند أبي جعفر عليه السلام يعني الباقر، ولقد رأيت الحكم بن عينية مع جلالته وسنّه عنده كأنّه صبّي بين يدي معلم يتعلّم منه‏ (6) .

وعن جابر بن عبد اللََّه الأنصاري عن رسول اللََّه صلى الله عليه و آله: «إنك ستدرك رجلاً منّي

____________

(1) أمالي المفيد 42/ح 10.

(2) الخرائج الجرائح 2/893.

(3) المناقب 4/180.

(4) المصدر نفسه.

(5) المصدر 4/195؛ بحار الانوار46/294.

(6) المصدر 4/204.

162

اسمه اسمي وشمائله شمائلي، يبقر العلم بقراً.. » (1) .

وقال ابن عنبة في شأنه: وافر الحلم، وجلالة قدره أشهر من أن ينبه عليها (2) .

روى الشيخ الكليني باسناده عن أبي بصير قال: سمعت أبا عبد اللََّه عليه السلام يقول:

«إنّ رجلاً كان على أميال من المدينة، فرأى في منامه فقيل له: انطلق! فصلّ على أبي جعفر عليه السلام، فإنّ الملائكة تغسّله في البقيع، فجاء الرجل فوجد أباجعفر قد توفّي عليه السلام» (3) .

قبض عليه السلام في سنة أربع عشرة ومائة.. وقبره بالبقيع من مدينة الرسول عليه وآله السلام‏ (4) .

ومات الامام عليه السلام مسموماً شهيداً كأبيه‏ (5) ، قال أبو جعفر ابن بابويه: سمّه إبراهيم بن الوليد بن يزيد (6) .

وفي الكافي: انه دفن عليه السلام في القبر الذي دفن فيه أبوه علي بن الحسين عليه السلام‏ (7) .

4-الامام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام‏ (8)

هو الإمام جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، الصادق،

____________

(1) الخرائج والجرائح 1/279، ح 12.

(2) عمدة الطالب 195.

(3) الكافي 8/183، ح 207؛ مدينة المعاجز 5/61؛ بحار الانوار 46/218 و ج‏58/183.

(4) الارشاد 2/158؛ كشف الغمة 2/322؛ بحار الانوار 46/215، 216، 218.

(5) انظر: دلائل الامامة 216؛ مناقب أهل البيت 262؛ ينابيع المودة 3/111.

(6) المناقب 4/210؛ دلائل الامامة 216؛ بحار الانوار 46/216.

(7) الكافي 1/469.

(8) لقد بسطنا الكلام في بعض جوانب حياته عليه السلام في كتاب «الإمام جعفر الصادق رمز الحضارة الإسلامية» ، طبع بقم المقدسة وبيروت، فراجع.

163

الإمام، العادل، الصابر والفاضل والطاهر (1) ، كنيته أبو عبد اللََّه، ولد بالمدينة يوم الإثنين سابع عشر من الربيع الأول‏ (2) سنة ثلاث وثمانين من الهجرة، وقبض بالمدينة في شوال سنة ثمان وأربعين ومائة، وله يومئذ خمس وستون سنة، وأمه أم فروة فاطمة (3) بنت القاسم بن محمد النجيب بن أبي بكر، وقبره بالبقيع‏ (4) أيضاً مع أبيه وجده وعمه الحسن عليهم السلام أجمعين‏ (5) ، وقد جاء في الأخبار: أنهم انزلوا على جدتهم فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف رضوان اللََّه عليها (6) .

وجاء في الخبر: «يكون بعده‏ (7) الإمام جعفر، وهو الصادق بالحكمة ناطق، مظهر كلّ معجزة، وسراج الأمة، يموت موتاً بأرض طيبة، موضع قبره بالبقيع» (8) .

نعم، إنه حجّة اللََّه في أرضه، ومهما قيل في شأنه يبقى اللسان قاصراً عن الإحاطة بكلّ أبعاد شخصيّته، ولنعم ما قال ابن داود الحلّي: «جعفر بن محمّد بن علي بن الحسين بن أبي طالب عليه السلام... الإمام أبو عبد اللََّه الصادق عليه السلام، لا تتّسع

____________

(1) كشف الغمة 2/380؛ تاريخ مواليد الأئمة عليهم السلام ووفياتهم/31.

(2) وصول الأخيار إلى أصول الأخبار 42؛ الجامع العباسي 189.

(3) مناقب آل أبي طالب 3/399؛ وصول الأخيار 42؛ الجامع العباسي 189.

(4) انظر: منتخب الأنوار/72؛ دلائل الإمامة/246؛ كشف الغمة 2/374 و403؛ اعلام الورى 1/514؛ تاريخ الأئمة/31؛ تاريخ مواليد الأئمة عليهم السلام ووفياتهم/31؛ عيون المعجزات/84؛ تاج المواليد/44؛ وصول الأخيار/42؛ الجامع العباسي/189؛ الأنساب 5/450؛ مناقب أهل البيت/267.

(5) انظر: الكافي 1/472؛ تهذيب الأحكام 6/78؛ الارشاد 2/179؛ تحرير الأحكام 2/123؛ منتهى‏المطلب 2/893؛ بحار الانوار 47/1 و3 و5 و6.

(6) المقنعة/473؛ وانظر: كشف الغمة 2/380؛ بحار الأنوار97/219.

(7) أي بعد الإمام محمد بن علي الباقر عليه السلام.

(8) مقتضب الأثر/13؛ بحار الانوار 36/219.

164

الصحف ذكر مناقبه، وعلوّ مناقبه، فالأدب يقتضي الوقوف دونها» (1) .

إلّا أنّه لا بأس بذكر أقوال بعض العلماء، خاصّة مع اختلاف نهج بعضهم، وإقرارهم بالواقع:

قال زيد بن عليّ بن الحسين (استشهد سنة 120) : «في كلّ زمان رجل منّا أهل البيت، يحتجّ اللََّه به على خلقه، وحجّة زماننا ابن أخي جعفر بن محمّد، لا يضلّ من تبعه، ولا يهتدي من خالفه» (2) .

وقال ابن أبي ليلى (م 148) -حينما قال له نوح بن درّاج: أكنتَ تاركاً قولاً قلتَه، أو قضاءاً قضيتَه لقول أحد؟! قال-: «لا، إلّارجل واحد، قلت: من هو؟ قال: جعفر بن محمد» (3) .

وقال أبو حنيفة (م 150) : «ما رأيتُ أحداً أفقه من جعفر بن محمّد عليه السلام» (4) .

روى‏ََ الذهبي عن حسن بن زياد قال: سمعت أبا حنيفة وسئل من أفقه من رأيت؟قال: ما رأيت أحداً أفقه من جعفر بن محمد، لما أقدمه المنصور الحيرة بعث إليّ، فقال: يا أبا حنيفة، إنّ الناس قد فتنوا بجعفر بن محمد، فهيىّ‏ء له من مسائلك

____________

(1) رجال ابن داود/65.

(2) . أمالي الصدوق/637؛ المناقب 4/277؛ روضة الواعظين 1/208؛ تفصيل وسائل الشيعة 19/396؛ بحار الأنوار 46/173، و47/19؛ معجم رجال الحديث، 14/103.

(3) . تهذيب الأحكام 6/292ح‏807؛ المناقب 4/249؛ بحار الأنوار 47/29.

(4) . تذكرة الحفّاظ، الذهبي‏1/166؛ تاريخ الإسلام، الذهبي (حوادث سنة 141-160) /89؛ تهذيب الكمال 5/79؛ وانظر: مناقب أبي حنيفة 1/173؛ جامع أسانيد أبي حنيفة 1/222؛ الكامل لابن عدي 2/132؛ تاريخ بغداد 13/347؛ سير أعلام النبلاء 6/257؛ الوافي بالوفيات 11/126؛ النجوم الزاهرة 2/9؛ الإمام الصادق والمذاهب الأربعة، أسد حيدر1/53؛ موسوعة الإمام الصادق عليه السلام، السيد محمد كاظم القزويني‏1/344؛ الفائق في رواة وأصحاب الإمام الصادق عليه السلام، عبد الحسين الشبستري 1/18.

165

الصعاب، فهيّأت له أربعين مسألة، ثم أتيت أبا جعفر وجعفر جالس عن يمينه، فلمّا بصرت بهما دخلني لجعفر من الهيبة ما لا يدخلني‏ (1) لأبي جعفر، فسلّمت وأذن لي فجلست، ثم التفت إلى جعفر فقال: يا أبا عبداللََّه، تعرف هذا؟قال: نعم، هذا أبو حنيفة، ثم اتبعها: قد أتانا، ثمّ قال: يا أبا حنيفة، هات من مسائلك نسأل أبا عبداللََّه، فابتدأت أسأله، فكان يقول في المسألة: أنتم تقولون فيها كذا وكذا، وأهل المدينة يقولون كذا وكذا، ونحن نقول كذا وكذا، فربما تابعنا، وربما تابع أهل المدينة، وربما خالفنا جميعاً، حتى أتيت على أربعين مسألة ما أخرم منها مسألة، ثم قال أبو حنيفة: أ ليس قد روينا أنّ أعلم الناس أعلمهم باختلاف الناس‏ (2) .

وروي عنه أنّه قال: «لولا السَنَتانِ لهلك النعمان» (3) .

وقال سفيان الثوري (م 161) في حقّه: «اللََّه أعلم حيث يجعل رسالته» (4) .

وقال مالك بن أنس (م 179) : «ما رأت عين، ولا سمعت أذن، ولا خطر على قلب بشر أفضل من جعفر بن محمّد الصادق علماً وعبادةً وورعاً» (5) .

وقال: «اختلفتُ إليه زماناً فما كنتُ أراه إلّاعلى ثلاث خصال: إمّا مصلٍّ، وإمّا صائم، وإمّا يقرأ القرآن، وما رأيته يحدّث إلّاعلى طهارة» (6) .

____________

(1) ما لم يدخلني. كذا في الكامل لابن عدي‏2/132، ونحوه في تهذيب الكمال‏5/79 بتفاوت يسير.

(2) سير اعلام النبلاء 6/257.

(3) . مختصر التحفة الإثني عشرية، الآلوسي/8؛ الإمام جعفر الصادق، عبد الحليم الجندي/252؛ نظرات في الكتب الخالدة، حامد حفني داود/182؛ المراجعات/150؛ الموسوعة الفقهية الميسّرة، محمد علي الأنصاري 1/33؛ العارف باللََّه سيّدي الإمام جعفر الصادق/19. وقال الجاحظ: ويقال: إنّ أبا حنيفة من تلامذته.. انظر: رسائل الجاحظ، السندوبي/106.

(4) غاية الاختصار/102.

(5) . تهذيب التهذيب 2/89 رقم‏156؛ المناقب (ط النجف) 3: 373.

(6) . تهذيب التهذيب 2/89 رقم 156.

166

وعن جابر بن حيّان‏ (1) (م 200 (2) ) : «وحقّ سيّدي لولا أنّ هذه الكتب باسم سيّدي صلوات اللََّه عليه لما وصلت إلى حرف من ذلك إلى الأبد» (3) .

وقال عمرو بن أبي المقدام: «كنتُ إذا نظرتُ إلى جعفر بن محمّد علمتُ أنّه من سلالة النبيّين» (4) .

وأمّا محمّد بن إدريس الشافعي‏ (5) (م 204) فقد قال إسحاق بن راهويه:

قلت للشافعي: كيف جعفر بن محمّد عندك؟فقال: ثقة. في مناظرة جرت بينهما (6) .

وأمّا أبو حاتم الرازي (م 277) فقد روى ابن أبي حاتم عن أبيه: «جعفر بن محمّد ثقة لا يسأل عن مثله» (7) .

____________

(1) قال السيّد بن طاوس: من العلماء بالنجوم جابر حيّان صاحب الصادق عليه السلام، وذكره ابن النديم في‏رجال الشيعة. سفينة البحار 1/140.

(2) انظر: الذّريعة إلى تصانيف الشيعة 2/419رقم‏1929، وهناك قول بأنّه مات سنة 161، والظاهر عدم تماميّته.

(3) الإمام جعفر الصادق، عبد الحليم الجندي: 224.

(4) حلية الأولياء 2/193؛ تهذيب التهذيب 2/88؛ تهذيب الكمال 5/79.

(5) له أشعار في حبّ آل بيت رسول اللََّه صلى اللََّه عليه وآله، منها ما رواه الذهبي في سير أعلام النبلاء8: 401 عن الربيع بن سليمان قال: حججنا مع الشافعي، فما ارتقى شرفاً ولا هبط وادياً إلّاوهو يبكي وينشد:

يا راكباً قف بالمحصَّب من منى # واهتف بقاعد خيفنا والناهض

سحراً إذا فاض الحجيج إلى منى # فيضاً كملتطم الفرات الفائض

إنْ كان رفضاً حبّ آل محمّد # فليشهد الثقلان أنّي رافضي‏

(6) الجرح والتعديل 2/487 رقم 1987؛ تهذيب التهذيب 2/88.

(7) الجرح والتعديل 2/487؛ تذكرة الحفّاظ 1/166؛ تاريخ الإسلام (حوادث سنة 141-160) : 89؛ تهذيب التهذيب 2/88؛ الوافي بالوفيات 11/177.

167

وقال‏الجاحظ (م‏250أو 255) : «جعفر بن‏محمد الذي ملأ الدنياعلمه وفقهه» (1) .

وأمّا أبو زرعة (م 264 أو 281 (2) ) فقد قال عبد الرحمن: «سمعت أبا زرعة وسئل عن جعفر عن أبيه، وسهيل بن أبي صالح عن أبيه، والعلاء عن أبيه، أيّما أصحّ؟قال: لا يقرن جعفر إلى هؤلاء، يريد جعفر أرفع من هؤلاء في كلّ معنى» (3) .

وقال ابن الواضح الكاتب العبّاسي المعروف باليعقوبي (المتوفّى بعد سنة 292) : «.. أبو عبد اللََّه جعفر بن محمّد بن عليّ بن الحسين بن أبي طالب.. وكان أفضل الناس وأعلمهم بدين اللََّه، وكان من أهل العلم الّذين سمعوا منه، إذا رووا عنه قالوا: أخبرنا العالم» (4) .

وقال أبو حاتم محمد بن حبان (م 354) : «جعفر بن محمد بن عليّ بن الحسين ابن عليّ بن أبي طالب رضوان اللََّه عليهم، كنيته أبو عبد اللََّه، يروي عن أبيه، وكان من سادات أهل البيت فقهاً وعلماً وفضلاً.. » (5) .

وقال ابن عدي (م 365) : «ولجعفر أحاديث ونسخ، وهو من ثقات الناس، كما قال يحيى بن معين» (6) .

وعن الحاكم النيسابوري (م 405) : «وأصحّ طريق يروى في الدنيا أسانيد

____________

(1) رسائل الجاحظ/106.

(2) إن كان المقصود من أبي زرعة هنا هو عبيد اللََّه بن عبد الكريم أبو زرعة الرازي، فانّه توفي سنة 264 (تهذيب الكمال 19/102) ، وإن كان أبو زرعة عبد الرحمن بن عمرو الدمشقي فإنّه مات عام 281 (تهذيب الكمال 17: 304) وعبد الرحمن بن أبي حاتم يروي عن كليهما.

(3) الجرح والتعديل 2/487رقم 1987.

(4) تاريخ اليعقوبي 2/381.

(5) كتاب الثقات 6/131.

(6) تهذيب التهذيب 2/88.

ـ

168

أهل البيت عليهم السلام جعفر بن محمّد بن عليّ بن الحسين بن عليّ، عن أبيه، عن جدّه، عن عليّ، إذا كان الراوي عن جعفر ثقة» (1) .

وعن عبداللََّه بن أسعد بن عليّ اليافعي اليماني نزيل الحرمين الشريفين في تاريخه: «كان جعفرالصادق رضى الله عنه واسع‏العلم، وافر الحلم، و له من الفضائل والمآثر مالا يُحصى» (2) .

وقال أبو عبد الرحمن السلمي النيسابوري (م 412) : «جعفر الصادق فاق جميع أقرانه من أهل البيت، وهو ذو علم غزير، وزهد بالغ في الدنيا، وورع تام عن الشهوات، وأدب كامل في الحكمة» (3) .

وقال الشيخ المفيد (م‏413) : وكان له عليه السلام من الدلائل الواضحة في إمامته ما بهرت القلوب، وأخرست المخالف عن الطعن فيها بالشبهات‏ (4) .

وقال أبو نعيم الإصفهاني (م 430) : «.. الإمام الناطق، ذو الزمام السابق، أبو عبد اللََّه جعفر بن محمّد الصادق، أقبل على العبادة والخضوع، وآثر العزلة والخشوع، ونهى عن الرئاسة والجموع!» (5) .

وعن حلية أبي نعيم: ان جعفر الصادق حدّث عنه من الأئمة والأعلام: مالك ابن انس وشعبة بن الحجاج وسفيان الثوري وابن جريح وعبداللََّه بن عمرو وروح ابن القاسم وسفيان بن عيينة وسليمان بن بلال واسماعيل بن جعفر وحاتم بن

____________

(1) تدريب الراوي/36؛ على ما في إحقاق الحق، القاضي نور اللََّه التستري‏12/238؛ موسوعة الإمام الصادق 2/27.

(2) ينابيع المودّة 3/163.

(3) ينابيع المودّة 3/160 عن كتاب طبقات مشايخ الصوفيّة. ونحوه فيه 1/222 وفيه: «إنّ جعفر الصادق فاق جميع أقرانه في جميع أهل بيته» .

(4) الارشاد 2/179.

(5) حلية الأولياء 1/192؛ المناقب (ط النجف) 3/394؛ بحار الأنوار 47/23.

169

اسماعيل وعبد العزيز بن المختار ووهب بن خالد وإبراهيم بن طهمان في آخرين، قال: واخرج عنه مسلم في صحيحه محتجاً بحديثه، وقال غيره: وروى عنه: مالك والشافعي والحسن بن صالح، وأبو أيوب السجستاني وعمرو بن دينار واحمد بن حنبل‏ (1) .

وقال المقدسي المعروف بابن القيسراني الشيباني (م 507) : «جعفر بن محمّد الصادق.. كان من سادات أهل البيت» (2) .

وقال الشهرستاني (م 548) : «.. جعفر بن محمّد الصادق. هو ذو علم غزير في الدين، وأدب كامل في الحكمة، وزهد بالغ في الدنيا، وورع تامّ عن الشهوات» (3) .

وقال السمعاني (م 562) : «الصادق.. هذه اللفظة لقب لجعفر الصادق، لصدقه في مقاله» (4) .

وقال ابن شهرآشوب (م‏588) : «ينقل عنه من العلوم ما لا ينقل عن أحد، وقد جمع اصحاب الحديث أسماء الرواة من الثقات على اختلافهم في الآراء والمقالات، وكانوا أربعة آلاف رجل، (بيان ذلك) : أن ابن عقدة مصنف كتاب الرجال لأبي عبداللََّه عليه السلام عددهم فيه» (5) .

وقال ابن الجوزي (م 597) : «جعفر بن محمّد بن عليّ بن الحسين بن أبي‏طالب، أبو عبد اللََّه، جعفر الصادق.. كان عالماً زاهداً عابداً» (6) .

____________

(1) المناقب 4/248.

(2) الجمع بين رجال الصّحيحين 1/70 رقم‏271.

(3) الملل والنّحل 1/147.

(4) الأنساب 3/507.

(5) المناقب 4/247؛ بحار الانوار 47/27.

(6) المنتظم 8/110 رقم‏787.

170

وقال كمال الدين محمّد بن طلحة الشافعي (م 652) : «هو من عظماء أهل‏البيت وساداتهم عليهم السلام، ذو علوم جمّة، وعبادة موفورة، وأوراد متواصلة، وزهادة بيّنة، وتلاوة كثيرة، يتتبّع معاني القرآن الكريم، ويستخرج من بحره جواهره، ويستنتج عجائبه، ويقسّم أوقاته على أنواع الطاعات، بحيث يحاسب عليها نفسه، رؤيته تذكّر بالآخرة، واستماع كلامه يزهّد في الدنيا، والاقتداء بهداه يورث الجنّة، نور قسماته شاهد أنّه من سلالة النبوّة، وطهارة أفعاله تصدع أنّه من ذرّية الرسالة، نقل عنه الحديث، واستفاد منه العلم جماعة من أعيان الأئمّة وأعلامهم، مثل يحيى بن سعيد الأنصاري، وابن جريح، ومالك بن أنس، والثوري، وابن عيينة، وأبي حنيفة، وشعبة، وأيّوب السجستاني، وغيرهم رضي اللََّه عنهم، وعدّوا أخذهم عنه منقبةً شُرِّفوا بها، وفضيلةً اكتسبوها. وأمّا مناقبه وصفاته فتكاد تفوت عدد الحاصر، ويحار في أنواعها فهمُ اليقظ الباصر، حتّى أنّ من كثرة علومه المفاضة على قلبه من سجال التقوى صارت الأحكام التي لا تدرك عللها والعلوم التي تقصر الأفهام عن الإحاطة بحكمها تُضاف إليه، وتروى عنه، وقد قيل: إنّ كتاب الجفر الذي بالمغرب ويتوارثه بنو عبد المؤمن هو من كلامه عليه السلام، وإنّ في هذه لمنقبة سنيّة، ودرجة في مقام الفضائل عليه، وهذه نبذة يسيرة ممّا نقل عنه» (1) .

وقال ابن خلّكان (م 681) : «أبو عبد اللََّه جعفر الصادق، ابن محمّد الباقر بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب صلوات اللََّه عليهم أجمعين، أحد الأئمّة الاثني عشر على مذهب الإماميّة، كان من سادات أهل البيت، ولقّب بالصادق لصدقه في مقالته، وفضله أشهر من أن يذكر، وله كلام في صناعة الكلام والزجر والفأل،

____________

(1) مطالب السؤول 2/110؛ كشف الغمّة 2/367.

171

وكان تلميذه أبو موسى جابر بن حيّان الصوفي قد ألّف كتابا يشتمل على ألف ورقة يشير فيه إلى رسائل أبي جعفر الصادق، وهي خمسمائة رسالة» (1) .

وقال الذهبي (م 748) : «جعفر بن محمّد، ابن عليّ، بن الشهيد أبي عبد اللََّه ريحانة النبيّ صلى الله عليه و آله وسبطه ومحبوبه الحسين بن أمير المؤمنين، أبي الحسن عليّ بن أبي‏طالب.. الإمام الصادق، شيخ بني هاشم، أبو عبد اللََّه، القرشي، الهاشميّ، العلويّ، النبويّ، أحد الأعلام‏ (2) ، شيخ المدينة (3) ، كان كبير الشأن» (4) .

وقال: «جعفر الصادق.. كبير الشأن، من أئمّة العلم، كان أولى بالأمر من أبي جعفر المنصور (5)(6) .

وقال: «جعفر الصادق.. الإمام العلم، أبو عبد اللََّه الهاشمي العلوي الحسيني المدني.. ومناقب‏جعفركثيرة، و كان يصلح للخلافة، لسؤدده و فضله و علمه وشرفه.. » (7) .

وقال: «جعفر بن محمد بن عليّ بن الحسين الهاشمي أبو عبد اللََّه، أحد الأئمّة الأعلام، برٌّ، صادق، كبير الشأن» (8) .

وقال: «جعفر بن محمّد بن علي، ابن الشهيد الحسين بن علي بن أبي طالب،

____________

(1) وفيات الأعيان 1/128.

(2) سير أعلام النبلاء 6/255.

(3) نفس المصدر 6/245.

(4) نفس المصدر 14/106.

____________

(5) أين الثّرى‏ََ والثّريّا؟!

(6) نفس المصدر 13/120.

(7) تاريخ الاسلام (حوادث 141-160) : 88-93.

(8) ميزان الاعتدال 1/414 رقم 1519.

172

الهاشمي، الإمام، أبو عبد اللََّه العلوي، المدني، الصادق. أحد السادة الأعلام» (1) .

وقال السيّد تاج الدين ابن محمّد بن حمزة بن زهرة الحسيني نقيب حلب (كان حيّاً سنة 753) : .. «وأمّا جدّهم الصادق عليه السلام فهو أبو عبد اللََّه، الإمام المعظّم جعفر، صاحب الخارقات الظاهرة، والآيات الباهرة، المخبر بالمغيّبات الكائنة.. » (2) .

وقال صلاح الدين خليل بن ايبك الصفدي (م 764) : «جعفر بن محمّد بن عليّ بن الحسين بن أبي طالب رضي اللََّه عنهم، هو المعروف بالصادق، الإمام العَلَم المدنيّ... وله مناقب كثيرة، وكان أهلاً للخلافة، لسؤدده وعلمه وشرفه.. لقّب بالصادق لصدقه في مقاله» (3) .

وقال اليافعي (م 768) : «الإمام الجليل، سلالة النبوّة، ومعدن الفتوّة، أبو عبد اللََّه جعفر بن محمّد بن أبي جعفر محمّد الباقر بن زين العابدين عليّ بن الحسين الهاشميّ العلويّ.. وأكرم بذلك وما جمع من الأشراف الكرام أولي المناقب، وإنّما لُقّب بالصادق لصدقه في مقالته، وله كلام نفيس في علوم التوحيد وغيرها، وقد ألّف تلميذه جابر بن حيّان الصوفي كتاباً يشتمل على ألف ورقة، يتضمّن رسائله، وهي خمسمائة رسالة» (4) .

وقال محمّد خواجة پارسا البخاري (م 822) : «اتّفقوا على جلالة الصادق عليه السلام وسيادته» .

وقال ابن عنبة (م 828) : «جعفر الصادق عليه السلام له عمود الشرف، ومناقبه متواترة بين الأنام، مشهورة بين الخاصّ والعامّ، وقصده المنصور الدوانيقي

____________

(1) تذكرة الحفّاظ 1/166.

(2) غاية الإختصار في البيوتات العلويّة المحفوظة من الغبار 100.

(3) الوافي بالوفيات 11/127.

(4) مرآة الجنان 1/304؛ على ما في موسوعة الإمام الصادق عليه السلام 1/474.

173

بالقتل مراراً.. » (1) .

وقال ابن صبّاغ المالكي (م 855) : «.. وهو الإمام السادس.. كان جعفر الصادق عليه السلام من بين أخوته خليفة أبيه ووصيّه، والقائم بالإمامة من بعده، برز على جماعة بالفضل، وكان أنبههم ذكراً، وأجلّهم قدراً، نقل الناس عنه من العلوم ما سارت به الرُّكبان، وانتشر صيته وذكره في سائر البلدان، ولم ينقل العلماء عن أحد من العلماء عن أحد من أهل بيته ما نقل عنه في الحديث.. أمّا مناقبه فتكاد تفوت من عدّ الحاسب، ويحير في أنواعها فهم اليقظ الكاتب» (2) .

وقال البسطامي (م 858) : «جعفر بن محمّد، ازدحم على بابه العلماء، واقتبس من مشكاة أنواره الأصفياء، وكان يتكلّم بغوامض الأسرار وعلوم الحقيقة وهو ابن سبع سنين» (3) .

وقال ابن التغري (م 874) : وفيها (سنة 148) توفّي جعفر الصادق بن محمّد الباقر بن عليّ زين العابدين بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب رضي اللََّه عنهم، الإمام السيّد أبو عبد اللََّه، الهاشميّ، العلويّ، الحسينيّ، المدنيّ، يقال: مولده سنة ثمانين من الهجرة، وهو من الطبقة الخامسة من تابعي أهل المدينة، وكان يلقّب بالصابر، والفاضل، والطاهر. وأشهر ألقابه الصادق.. » (4) .

وقال محمّد سراج الدين الرفاعي المخزومي الواسطي (م 885) : «.. وكانت مدّة إمامته أربعاً وثلاثين سنة، وقد نقل الناس عنه على اختلاف مذاهبهم

____________

(1) عمدة الطالب/176.

(2) الفصول المهمّة/222.

(3) مناهج التوسّل/106؛ على ما في الإمام الصادق عليه السلام والمذاهب الأربعة 1/55؛ موسوعة الإمام الصادق عليه السلام 2/19.

(4) النجوم الزاهرة 2/8.

174

ودياناتهم من العلوم ما سارت به الركبان، وانتشر ذكره في البلدان، وقد جمع أسماء الرواة عنه فكانوا أربعة آلاف رجل.. استشهد وليّ اللََّه الصادق ومضى إلى رضوان اللََّه تعالى وكرامته، توفّى يوم الاثنين النصف من رجب، ويقال: توفي في شوال سنة ثمان وأربعين ومائة من الهجرة، ودفن بالبقيع مع أبيه وجدّه.. وقيل:

قتله المنصور الدوانيقي بالسمّ» (1) .

وقال السخاوي (م 902) : «جعفر الصادق بن محمّد الباقر بن زين العابدين عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب، الإمام العَلَم أبو عبد اللََّه، الهاشمي، العلوي، الحسيني، المدني، سبط القاسم بن محمد بن أبي بكر.. وكان من سادات أهل البيت فقهاً وعلماً وفضلاً وجوداً، يصلح للخلافة لسؤدده وفضله وعلمه وشرفه، ومناقبه كثيرة تحتمل كراريس.. » (2) .

وقال الجزري (م 923) : «جعفر بن محمّد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي‏طالب الهاشمي، أبو عبد اللََّه الصادق المدنيّ، أحد الأعلام، حدّث عن أبيه وجدّه وأبي أمّه القاسم بن محمّد وعروة، وعنه خلق لا يُحصون، فمنهم إبنا موسى وشعبة والسفيانان.. » (3) .

وقال ابن الحجر الهيثمي (م 974) : «جعفر الصادق.. نقل الناس عنه من العلوم ما سارت به الركبان، وانتشر صيته في جميع البلدان، وروي عنه الأئمّة الأكابر» (4) .

____________

(1) صحاح الأخبار في نسب السادة الفاطميّة الأخيار/44.

(2) التحفة اللطيفة 1/241.

(3) الخلاصة/76؛ على ما في الإمام الصادق عليه السلام والمذاهب الأربعة 1/61؛ موسوعة الإمام الصادق 2/31.

(4) الصّواعق المحرقة/201.

175

وقال علي القاري (م 1014) : «جعفر بن محمّد بن عليّ بن الحسين بن أبي‏طالب، الهاشمي، المدني، المعروف بالصادق، أمّه أم فروة بنت القاسم بن محمد ابن أبي بكر.. متّفق على إمامته وجلالته» (1) .

وقال أحمد بن يوسف القرماني (م 1019) : «كان-أي الإمام الصادق عليه السلام- بين إخوته خليفة أبيه ووصيّه، نقل عنه من العلوم ما لم ينقل عن غيره، كان رأساً في الحديث» (2) .

وقال المناوي (م 1031) : «وكانت له كرامات كثيرة، ومكاشفات شهيرة.. » (3) .

وقال شهاب الدين الخفاجي (م 1069) : «.. اتّفقوا على إمامته، وجلالته، وسيادته.. » (4) .

وقال ابن عماد الحنبلي (م 1089) : «.. الإمام، سلالة النبوّة، أبو عبد اللََّه جعفر الصادق بن محمد الباقر بن زين العابدين علي بن الحسين، الهاشمي العلوي..

وكان سيّد بني هاشم في زمنه، عاش ثمانياً وستّين سنة وأشهراً.. وقد ألّف تلميذه جابر بن حيّان الصوفي كتاباً في ألف ورقة يتضمّن رسائله، وهي خمسمائة رسالة» (5) .

وقال الشبراوي (م 1172) : «السادس من الأئمّة جعفر الصادق، ذوالمناقب الكثيرة، والفضائل الشهيرة، روى عنه الحديث أئمّة كثيرون.. وغرر فضائله

____________

(1) شرح الشفاء 2/35؛ على ما في الإمام الصادق والمذاهب الأربعة 1/57؛ موسوعة الإمام الصادق‏2/54.

(2) تاريخ القرماني 1/334.

(3) الكوكب الدريّة 1/94؛ على ما في موسوعة الإمام الصادق 2/57.

(4) موسوعة الإمام الصادق 2/57.

(5) شذرات الذهب 2/216.

ـ

176

وشرفه على جبهات الأيّام كامله، وأندية المجد والعزّ بمفاخره ومآثره آهله.. » (1) .

وقال السيّد عبّاس المكّي (م 1180) : «الإمام جعفر الصادق بن محمّد الباقر ابن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب عليه السلام أحد الأئمّة الاثني عشر، كان من سادات أهل البيت، لقّب بالصادق لصدقه في مقالته، وفضله أشهر من نار على علم، كيف لا وهو ابن سيّد الأمم» (2) .

وقال الصبان (م 1206) : «وأمّا جعفر الصادق فكان إماماً نبيلاً.. وكان مجاب الدعوة، إذا سأل اللََّه شيئاً لا يتمّ قوله إلّاوهو بين يديه» (3) .

وقال محمّد أمين السويدي (م 1246) : «جعفر الصادق كان من بين أخوته خليفة أبيه، ووصيّه، نقل عنه من العلوم ما لم ينقل عن غيره، وكان إماماً في الحديث.. ومناقبه كثيرة» (4) .

وقال الشيخ مصطفى رشدي بن الشيخ إسماعيل الدمشقي المتوفّى بعد 1309:

«الإمام جعفر الصادق عليه السلام كان فارس ميدان العلوم، غوّاص بَحْرَي المنطوق والمفهوم، نقل عنه أكثر الناس على اختلاف مذاهبهم من العلوم ما سارت به الركبان، وانتشر ذكره في سائر الأقطار والبلدان، وقد جمع أسماء من يروي عنه فكانوا أربعة آلاف رجل» (5) .

وقال الشيخ الأزهري محمّد أبو زهرة: «ما أجمع علماء الإسلام على اختلاف طوائفهم في أمر كما أجمعوا على فضل الإمام الصادق وعلمه» (6) .

____________

(1) الإتحاف بحبّ الأشراف، الشبراوي/146.

(2) نزهة الجليس 2/35.

(3) إسعاف الراغبين؛ على ما في موسوعة الإمام الصادق عليه السلام 2/62.

(4) سبائك الذهب، السويدي/74.

(5) الروضة النديّة/12؛ على ما في إحقاق الحق 2/218؛ موسوعة الإمام الصادق عليه السلام 2/133.

(6) مؤتمر الإمام جعفر الصادق والمذاهب الإسلاميّة 153.

177

وجاء في الموسوعة العربيّة المعاصرة-لمجموعة من العلماء والباحثين العرب-: «جعفر الصادق (699-765) سادس أئمّة الشيعة الإماميّة، ولد بالمدينة، وعاش زمناً طويلاً في العراق، عاصر الدولة الأمويّة والعبّاسيّة، ولكنّه سلم من اضطهادهما! (1) .. كان عالماً حكيماً زاهداً متبحّراً في علوم الدين.. وكان أستاذاً لجابر ابن حيّان» (2) .

وقال سعد القاضي: «الإمام جعفر الصادق رضى الله عنه، إنّه واحد من عظماء الرجال، وعظماء الرجال كالشموع تحترق لتضي‏ء الطريق للبشريّة في صراعاتها مع الحياة، لتحدّد معالم الطريق للمسترشدين، إنّه واحد من الذين قدّموا لأمّته عصارة أفكاره وخلاصة علمه، فكان كالنحلة التي تمتصّ الأزهار المختلفة لتقدّم للناس العسل الذي فيه شفاء، إنّه الإمام الذي أقبل على العبادة والخضوع، وآثر العزلة والخشوع، إنّه الإمام الذي إذا نظرت إليه علمت أنّه من سلالة الأنبياء، إنّه الإمام المجاب الدعوة، فإذا سأل اللََّه شيئاً لا يتمّ قوله إلّاوهو بين يديه، إنّه الإمام الذي يطالب الناس أن يفكّروا ليعرفوا اللََّه، أن يعرفوا اللََّه بعقولهم ليستقرّ إيمانهم على أساس وطيد.. وأنشأ في الحياة الفكرية تيّاراً جديداً خصباً أعلى فيه العقل والنظر والتّأمّل والعلم.. لقد رحل إمام الشيعة وشيخ أهل السنّة بعد أن ترك ثروةً من الفقه والعلم والتأمّلات، وجمع المعارف كلّها، وعلوم الدنيا والدين، إنّه معلّم الفقهاء: الإمام جعفر الصادق» (3) .

وقال: «وقالوا عن الإمام جعفر الصادق وعن مجلسه العلمي: حياة الرجال

____________

(1) كيف سلم عليه السلام من اضطهادهما ولقد واجه المصاعب و العراقيل، و تحمّل الأذى الكثير، و سُمّ‏بأمر المنصور الدوانيقي عليه اللعنة.

(2) الموسوعة العربيّة المعاصرة 1/634؛ على ما في موسوعة الإمام الصادق 2/134.

(3) العارف باللََّه سيدي الإمام جعفر الصادق 3-5 (طبع القاهرة) .

178

لا تقاس بالسنين، ولكن تقاس بما قدّموه للبشريّة من خير ونفع.. ومن هذه الدروس الأوليّة في مجلس الإمام جعفر الصادق تعلّم الناس أن يسعوا لعمارة الدنيا بالعمل للرزق ومجانبة التواكل والبطانة» (1) .

وكتب الباحث الأستاذ برهان البخاري الدمشقي: «إنّ أهمّ ما تميّز به القرن الثاني للهجرة هو نشوء المذاهب الفقهيّة، حيث ظهرت مجموعة من الفقهاء أبرزهم حسب تسلسل تاريخ الوفاة: جعفر الصادق (80-148) ، أبو حنيفة (80- 150) ، الأوزاعي (88-157) ، الليث بن سعد (94-179) ، مالك (93-179) ، الشافعي (150-204) ، أحمد بن حنبل (164-241) ، لقد أسّس كلّ واحد من هؤلاء الفقهاء السبعة مذهباً خاصّاً به، واستمرّت هذه المذاهب حتّى يومنا هذا، عدا مذهبَي الأوزاعي والليث بن سعد، ومن بين هؤلاء الفقهاء السبعة برز الإمام الصادق عليه السلام علاََمة فارقة من حيث الترتيب الزمني، وتأثيره على الذين جاؤوا بعده، والأهمّ من ذلك تفرّده كسليل لآل بيت النبوّة وفقيههم المتميّز، وليس لهذا الحين أن يفي ولو بجزء بسيط من مناقب الصادق، فلقد وضعت فيه مؤلّفات عديدة، وشهد له العدوّ قبل الصديق، يكفي أنّ أبا جعفر المنصور الذي بطش بالطالبيّين بطشة لم يجاره بها أحد كان يجلّه ويهابه، ويحسب له ألف حساب‏ (2) . إنّ أهمّ ما تميّز به الصادق في نظري هو عمق النظرة وشموليّتها.. كانت غيرته على الدين واضحة، ووقوفه ضدّ الوضّاعين والغلاة معروفة، ومجابهته للتطرّف أثبتها أكثر من موقف.. ولا أدلّ على مكانة الصادق عند بقيّة المذاهب وعند السنّة بخاصّة من عدد المصادر التي ترجمت له أو أوردت طرفاً من أخباره والتي بلغت (64) أربعة وستّين مصدراً سنّياً حسب إحصاءاتنا، ولقد تلمذ على يديه عدد من

____________

(1) نفس المصدر: 6-7.

(2) ومع ذلك سمّه المنصور، ومات الإمام الصادق عليه السلام شهيداً كآبائه.

179

كبار العلماء، على رأسهم الإمامان أبو حنيفة ومالك، وتورد المصادر مدى إعجاب أبي حنيفة بالصادق.. » (1) .

وقال: «إنّ الصادق يمكن أن يشكّل أحد أهمّ نقاط الارتكاز بالنسبة لأيّ تقارب إسلامي-إسلامي، فمن الثّابت أنّه يشكّل نقطة التقاء لا خلاف عليها بالنسبة لجميع المذاهب والفِرَق التي نشأت بعد وفاته، أمّا فيما يخصّ مكانته الفقهيّة فيكفي القول أنّ الأحاديث المسندة إليه وحده حسب إحصاءاتنا تشكّل 64 % من التراث الإمامي الاثني عشري.. وإذا كنّا أوجدنا أسسا للحوار مع بقيّة الديانات أفلا نستطيع أن نوجد أسساً لحوار جادّ وفعّال بين المذاهب داخل الدين الواحد؟ أم أنّ هذا الأمر ما زال ضمن حدود منطقة التابو؟!» (2) (3) .

والامام الصادق عليه السلام أيضاً مات مسموماً (4) شهيداً، كسائر الأئمة عليهم السلام، ذكر ابن شهراشوب عن أبي جعفر القمي انه سمّه المنصور، ودفن-عليه السلام-بالبقيع. (5)

ورثاه أبو هريرة العجلي الذي عدّ في شعراء أهل البيت، فانه رثى مولانا الإمام الصادق عليه السلام لما حمل عليه السلام على سريره وأخرج إلى البقيع ليدفن بقوله:

أقول وقد راحوا به يحملونه # على كاهل من حامليه وعاتق

أتدرون ماذا تحملون إلى الثرى # ثبيراً ثوى من رأس علياء شاهق

غداة حثى الحاثون فوق ضريحه # تراباً واولى كان فوق المفارق‏

____________

(1) الإمام الصادق، برهان البخاري/17، 18، 20.

(2) نفس المصدر/29.

(3) انظر: الإمام جعفر الصادق رمز الحضارة الاسلامية، للمؤلف 14-31.

(4) انظر: مناقب أهل البيت 269.

(5) المناقب 4/280؛ انظر: الفصول المهمة/208؛ كشف الغمة 2/369؛ اعلام الورى/266؛ بحار الانوار 47/605.

180

أيا صادق ابن الصادقين الية (1) # بآبائك الأطهار حلفة صادق

لحقا بكم ذوالعرش قسم في الورى # فقال تعالى اللََّه ربّ المشارق‏

نجوم هي اثنا عشرة كن سبقاًإلى اللََّه في علم من اللََّه سابق‏ (2)

قال السمعاني: والأمة كلها تزور قبره بالبقيع من المدينة (3) .

ملاحظات:

ملاحظات نذكرها تتميماً للفائدة:

الأولى: هل دفنت فاطمة الزهراء عليها السلام في البقيع) بَقيع الغَرْقَد ( البقيع أم لا؟ما هي الأقوال؟

اختلفت الأقوال والآراء حول موضع قبر سيدة نساء العالمين، الصديقة الشهيدة، فاطمة الزهراء، بنت رسول اللََّه صلى الله عليه و آله، وهي ناشئة عن وصيتها بالدّفن ليلاً، وذلك لأسباب معروفة؛ اذ هي المجهولة قبراً، والمدفونة سراً، والمغصوبة جهراً.

قال ابن أبي الحديد: إن دفنها ليلاً في الصحة أظهر من الشمس، وأن منكر ذلك كالدافع للمشاهدات، ولم يجعل دفنها ليلاً بمجرده هو الحجة ليقال: لقد دفن فلان وفلان ليلاً، بل يقع الإحتجاج بذلك على ما وردت به الروايات المستفيضة الظاهرة التي هي كالتواتر (4) .

وقال صاحب المدارك: إنّ سبب خفاء قبرها عليها السلام ما رواه المخالف والمؤالف من‏

____________

(1) أي قسماً ويميناً.

(2) مقتضب الأثر 52؛ بحار الأنوار 47/332؛ الكنى والألقاب 1/181؛ الأنوار البهية 174؛ مستدرك سفينة البحار 6/227.

(3) الأنساب 5/450.

(4) شرح نهج البلاغة 16/282.

181

أنها عليها السلام أوصت إلى أمير المؤمنين عليه السلام أن يدفنها ليلاً، لئلا يصلي عليها من آذاها ومنعها ميراثها من أبيها صلوات اللََّه عليه، مع أنّ العامة رووا في صحاحهم عن النبي صلى الله عليه و آله قال: «إنّما فاطمة بضعة مني يؤذيني ما آذاها، ويغضبني ما أغضبها (1) » (2) .

إنّ المأساة أعظم من قضية مطالبتها بإرثها فحسب، وإن كانت هي جزء من ظلامتها، ولكن الأعظم هو موقفها الرسالي للدفاع عن أمر الولاية وإثبات ظلم ظالميها إلى أبد الدهر، كما يظهر ذلك في احتجاجها على مخالفيها، فتكون المسألة أكبر من مطالبتها بحقها الشخصي.

وكيف ماكان، فالأقوال في موضع دفنها عليها السلام ثلاثة:

1- البقيع) بَقيع الغَرْقَد ( البقيع

روى ابن شبة اخباراً دالة على الدفن بالبقيع، منها ما رواه عن محمد بن علي ابن عمر: أنه كان يقول: قبر فاطمة بنت رسول اللََّه صلّى اللََّه عليه وسلم زاوية دار عقيل اليمانية الشارعة في البقيع‏ (3) .

وروى الطبري: .. سألت ابن عباس متى دفنتم فاطمة؟قال: دفناها ليلاً بعد هدأة، قلت: فمن صلّى عليها؟قال: علي بن أبي طالب عليه السلام، قال ابن عمر: وسألت

____________

(1) انظر: صحيح البخاري‏4/210 و219، باب مناقب المهاجرين وفضلهم؛ صحيح مسلم‏7/141، باب فضائل فاطمة بنت النبي؛ سنن الترمذي 5/360؛ باب ما جاء في فضل فاطمة؛ فضائل الصحابة، النسائي/78؛ مصنف بن أبي شيبة 7/526؛ الآحاد والمثاني‏5/361؛ المستدرك على الصحيحين 3/158، 159؛ السنن الكبرى، النسائي‏5/97؛ المعجم الكبير22/404؛ السنن الكبرى، البيهقي 10/201؛ الجامع الصغير2/208؛ كنز العمال 12/106، ح‏34215؛ ارواء الغليل 8/294 و.. (بتفاوت يسير) .

(2) مدارك الأحكام 8/279.

(3) تاريخ المدينة المنورة 1/105.

182

عبد الرحمن بن أبي الموالي، قلت: إنّ الناس يقولون: إنّ قبر فاطمة عند المسجد الذي يصلون إليه على جنائزهم بالبقيع، فقال: واللََّه ما ذلك إلى مسجد رقية، يعني امرأة عمرته، وما دفنت فاطمة عليها السلام إلا في زاوية دار عقيل، مما يلي دار الجحشيين مستقبل خوخة بني نبيه من بني عبد الدار بالبقيع، وبين قبرها وبين الطريق سبعة أذرع‏ (1) .

وعن عبد اللََّه بن حسن قال: وجدت المغيرة بن عبد الرحمن واقفاً ينتظرني بالبقيع نصف النهار في حرّ شديد، فقلت: ما يوقفك يا أبا هاشم هاهنا؟قال:

انتظرتك، بلغني أن فاطمة دفنت في هذا البيت في (زاوية) دار عقيل مما يلي دار الجحشيين، فأحب أن تبتاعه لي بما بلغ أدفن فيها، فقال عبد اللََّه: واللََّه لأفعلنّه، قال: فجهد بالعقيليين، فأبوا. قال عبد اللََّه بن جعفر: وما رأيت أحداً يشك أنّ قبرها في ذلك الموضع‏ (2) .

وقال أبو علي محمد بن همام الكاتب الإسكافي: وتوفيت عليها السلام ولها ثماني عشرة سنة وخمسة وسبعون يوماً، فدفنها بالبقيع ليلاً، وعفي قبرها، ولم يحضرها غير أمير المؤمنين والحسن والحسين والعباس بن عبد المطلب، ويقال: (دفنت) إلى جانب صدر رسول اللََّه صلى الله عليه و آله، وخبر البقيع أصحّ وأثبت، فلمّا أصبح الناس قال بعضهم لبعض: يا قوم، تموت فاطمة بنت رسول اللََّه صلى الله عليه و آله ولا نحضرها؟فخرج الناس إلى البقيع يطلبون قبرها، وأظهر اللََّه في الموضع سبعين قبراً، لم يدروا قبرها من القبور، فرجعوا (3) .

قال الشيخ المفيد في المزار: تقف على قبرها بالبقيع، وهو القبر الذي فيه

____________

(1) المنتخب من ذيل المذيل/91؛ الطبقات الكبرى 8/30؛ الاصابة 8/268.

(2) الطبقات الكبرى 8/30؛ المنتخب من ذيل المذيل 91.

(3) منتخب الانوار/49.

ـ

183

ولدها الحسن عليه السلام، وتقول: السلام عليك يا ممتحنة.. (1) .

وقال ابن ادريس: روي أنهامدفونة بالبقيع، ويعرف ببقيع الفرقد (2) .

وقال المسعودي: وتولّى غسلها أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، ودفنها ليلاً بالبقيع، وقيل غيره، ولم يؤذن بها أبوبكر، وكانت مهاجرة له منذ طالبته بإرثها من أبيها صلى الله عليه و آله من فدك وغيرها، وما كان بينهما من النزاع في ذلك، إلى أن ماتت. (3)

وفي رواية: لما دفنها أمير المؤمنين عليه السلام، وعفى على موضع قبرها بيده، ثمّ قام فحوّل وجهه إلى قبر رسول اللََّه صلى الله عليه و آله وقال: «السلام عليك يا رسول اللََّه، السلام عليك من ابنتك وحبيبتك وقرة عينك وزائرتك، والبائنة في الثرى ببقيعك‏ (4) .. » (5) .

وقال الشبراوي: وتولّى غسلها أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضى اللََّه عنه ودفنها ليلاً بالبقيع، وقيل غيره‏ (6) .

وعن المناقب: توفيت عليها السلام ليلة الأحد لثلاث عشرة خلت من شهر ربيع الآخر سنة إحدى عشرة من الهجرة، ومشهدها بالبقيع، وقالوا: انها دفنت في بيتها، وقالوا: قبرها بين قبر رسول اللََّه صلى الله عليه و آله ومنبره‏ (7) .

وفي كشف الغمة: فغسلوها وكفّنوها وحنّطوها وصلّوا عليها ليلاً ودفنوها بالبقيع، وماتت بعد العصر.. (قال الأربلى) قلت: الظاهر المشهور مما نقله الناس

____________

(1) المزار/178.

(2) السرائر 1/652.

(3) التنبيه والاشراف/249.

(4) وجاء في بعض النسخ: ببقعتك.

(5) شرح الأخبار 3/70؛ دلائل الإمامة 138؛ بحار الأنوار 43/211.

(6) التنبيه والأشراف/250.

(7) بحار الأنوار 43/180، ح 16.

184

وارباب التواريخ والسير انها عليها السلام دفنت بالبقيع‏ (1) .

وقال ابن كثير: عاشت بعد النبي صلى الله عليه و آله ستة أشهر، ودفنت ليلاً، ويقال: إنها لم تضحك في مدة بقائها بعده عليه السلام، وأنها كانت تذوب من حزنها عليه وشوقها إليه..

ودفنت بالبقيع‏ (2) .

وفي عيون المعجزات: وروي أن فاطمة عليها السلام توفيت ولها ثماني عشرة سنة وشهران، وأقامت بعد النبي صلى الله عليه و آله خمسة وسبعين يوماً، وروي أربعين يوماً، وتولّى غسلها وتكفينها أمير المؤمنين عليه السلام، وأخرجها ومعه الحسن والحسين عليهما السلام في الليل، وصلّوا عليها، ولم يعلم بها أحد، ودفنها في البقيع، وجدّد أربعين قبراً، فاشتكل على الناس قبرها، فأصبح الناس ولام بعضهم بعضا وقالوا: إنّ نبيّنا صلى الله عليه و آله خلّف بنتاً ولم نحضر وفاتها والصلاة عليها ودفنها، ولا نعرف قبرها فنزورها.. (3) .

وعن مصباح الأنوار عن أبي جعفر عليه السلام قال: دفن أمير المؤمنين عليه السلام فاطمة بنت محمد صلوات اللََّه عليه بالبقيع، ورشّ ماء حول تلك القبور لئلا يعرف القبر.. (4) .

وعن المسعودي: .. وعلى قبورهم‏ (5) في هذا الموضع من البقيع رخامة مكتوب عليها: بسم اللََّه الرحمن الرحيم، الحمد للََّه‏مبيد الأمم، ومحيي الرمم، هذا قبر فاطمة بنت رسول اللََّه صلى الله عليه و آله سيدة نساء العالمين، وقبر الحسن بن علي بن أبي‏طالب، وعلي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، ومحمد بن علي، وجعفر بن محمد، رضي اللََّه عنهم. (6)

____________

(1) كشف الغمة 2/123؛ بحار الأنوار 43/187.

(2) البداية والنهاية 6/367.

(3) عيون المعجزات 47-48؛ بحار الأنوار 43/212.

(4) بحار الأنوار 81/255، ح 15.

(5) أي أئمة البقيع.

(6) الأنوار البهية في تواريخ الحجج الإلهية، الشيخ عباس القمي/174.

185

وفي اثبات الوصية: ودفن (اي الأمام الحسن المجتبى عليه السلام) بالبقيع، مع سيدة النساء أمّه فاطمة في قبر واحد (1) .

وعن بعض كتب المناقب القديمة: .. فلما أرادوا ان يدفنوها نودوا من بقعة من البقيع: إليّ اليّ، فقد رفع تربتها منّي، فنظروا فإذا هي بقبر محفور، فحملوا السرير إليها فدفنوها.. (2) .

وروى ابن حمزة عن علي بن أسباط، قال: ذهبت إلى الرضا عليه السلام في يوم عرفة، فقال لي: اسرج لي حماري، فاسرجت له حماره، ثمّ خرج من المدينة إلى البقيع يزور فاطمة عليها السلام، فزار وزرت معه.. (3) .

ويظهر من صاحب الحدائق اختيار ذلك، حيث إنه بعد ذكر هذا الخبر: «فلما قضت نحبها وهم في جوف الليل أخذ علي عليه السلام في جهازها من ساعته، واشعل النار في جريد النخل، ومشى مع الجنازة بالنار حتى صلى عليها ودفنها ليلاً» ، قال: ..

ويفهم من هذين الخبرين أنّ قبرها عليها السلام ليس في البيت كما هو أحد الأقوال، بل ربما أشعرت بكونه في البقيع، كما قيل أيضاً (4) .

ورجحه أيضاً البكري الدمياطي‏ (5) ، وأحمد بن عبد اللََّه الطبري‏ (6) والسيد محمد بن علوي المالكي‏ (7) .

قال المرندي: وفي مناقب ابن شهراشوب أن مضجع فاطمة في البقيع، يعني

____________

(1) اثبات الوصية، المسعودي/138.

(2) بحار الأنوار 43/215.

(3) الثاقب في المناقب/473؛ مدينة المعاجز 7/230.

(4) الحدائق الناضرة 4/84.

(5) حاشية إعانة الطالبين 2/357.

(6) ذخائر العقبى/54.

(7) البشرى في مناقب خديجة الكبرى/35.

186

بيت الأحزان‏ (1) .

هذا، ولكن لا يمكن الإعتماد على شي‏ء منها، ويأتي نفي هذا الإحتمال عن أهل البيت الذين هم أدرى بما في البيت، وأما ما روي عن الباقر عليه السلام فمبتلى بالإرسال، فلايتم الإحتجاج به.

قال الشيخ الطوسي: وأما من قال: إنها دفنت بالبقيع فبعيد من الصواب‏ (2) .

2- الرَّوضة الشّريفة الروضة

نجد بعض الأخبار تلمح أو تدل على دفنها عليها السلام بالروضة الشريفة، وإليك بعضها:

منها: ما روي في مرسلة ابن أبي عمير عن الإمام الصادق عليه السلام قال: قال رسول اللََّه صلى الله عليه و آله: «ما بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة، ومنبري على ترعة من ترع الجنة» ، لأنّ قبرها روضة من رياض الجنة، وإليه ترعة من ترع الجنة» (3) .

ومنها: ما رواه الطبري عن محمد بن همام أنّ عليّاً عليه السلام اخرجها عليها السلام إلى البقيع، وصلّى عليها، ودفنها بالروضة، وعمى موضع قبرها (4) .

ويظهر من الشيخ الطوسي في المبسوط أنه مال إلى ذلك، حيث قال:

ويستحب أن يصلى ما بين القبر والمنبر ركعتين، فإنّ فيه روضة من رياض الجنة (5) ، وقد روي: أنّ فاطمة عليها السلام مدفونة هناك، وقد روي: أنها مدفونة في بيتها،

____________

(1) مجمع النورين/158.

(2) تهذيب الأحكام 6/9؛ بحار الأنوار 97/192.

(3) معانى الأخبار، الصدوق/267، ح 1؛ عنه البحار 100/192 ح 3.

(4) دلائل الأمامة 46؛ عنه البحار 43/171.

(5) انظر: روضة الواعظين 152.

187

وقد روي: أنها مدفونة بالبقيع، وهذا بعيد، والروايتان الأوليان أشبه وأقرب إلى الصواب، وينبغي أن يزور فاطمة عليها السلام من عند الروضة (1) .

وقال أيضاً في المصباح: والذي عليه أكثر أصحابنا: أنّ زيارتها من عند الروضة، ومن زارها في هذه الثلاث المواضع كان أفضل‏ (2) .

وقال العلامة الحلي في الإرشاد: ويستحب زيارة النبي صلى الله عليه و آله مؤكداً، وزيارة فاطمة عليها السلام من الروضة (3) . وبه قال السبزواري أيضاً (4) .

ويظهر من يحيى بن سعيد الحلي أيضاً: اختيار موضع دفنها بالروضة (5) .

هذا، ولكن الشهيد الثاني لم يرتض ذلك، وجعله أبعد الإحتمالات‏ (6) .

وقيل: إنّ في الأخبار أيضاً ما يدل بظاهره على أنّ مابين الروضة إلى البقيع من رياض الجنة (7) ،

أقول: لم نعثر عليه، ومن المعلوم أنه متبرك بأقدام النبي وعترته عليهم السلام.

3- بَيْت فاطمة) س ( بيت فاطمة عليها السلام :

قال الصدوق رحمه الله: اختلفت الروايات في موضع قبر فاطمة سيدة نساء العالمين عليها السلام، فمنهم من روى: أنها دفنت في البقيع، ومنهم من روى أنها دفنت بين القبر والمنبر، وأنّ النبي صلى الله عليه و آله إنّما قال: «ما بين قبري ومنبري روضة من رياض

____________

(1) المبسوط 1/386.

(2) مصباح المتهجد 711.

(3) ارشاد الأذهان 1/339.

(4) ذخيرة المعاد 3/707.

(5) الجامع للشرائع 231.

(6) مسالك الافهام 2/383؛ كشف اللثام 6/275.

(7) ذخيرة المعاد 1، ق‏2/248.

188

الجنة» ، لأنّ قبرها بين القبر والمنبر، ومنهم من روى أنها دفنت في بيتها، فلما زادت بنو أمية في المسجد صارت في المسجد، وهذا هو الصحيح عندي‏ (1) .

وقال الشيخ الطوسي رحمه الله: وقد اختلف اصحابنا في موضع قبرها، فقال بعضهم: إنها دفنت بالبقيع، وقال بعضهم: دفنت بالروضة، وقال بعضهم: إنها دفنت في بيتها، فلما زاد بنو امية لعنهم اللََّه في المسجد صارت من جملة المسجد، وهاتان الروايتان كالمتقاربتين، والأفضل عندي أن يزور الإنسان من الموضعين جميعاً، فإنّه لايضره ذلك، ويحوز به أجراً عظيماً، وأما من قال إنها دفنت بالبقيع فبعيد من الصواب‏ (2) .

وقال ابن‏ادريس: .. وقد روي: أنها مدفونة في‏بيتها، وهو الأظهر في الروايات‏ (3) .

وقال صاحب المدارك: والأصح أنها دفنت في بيتها (4) .

وقال السيد ابن طاووس: وتزار.. عند حجرة النبي عليه السلام لمن حضر هناك..

وقد ذكر جامع كتاب المسائل واجوبتها من الأئمة عليهم السلام فيها ماسئل عنه مولانا علي ابن محمد الهادي عليه السلام، فقال فيه ما هذا لفظه: أبوالحسن إبراهيم بن محمد الهمداني قال: كتبت إليه: إني رأيت أن تخبرني عن بيت أمّك فاطمة عليها السلام، أهي في طيبة (اي المدينة) ، أو كما يقول الناس في البقيع؟فكتب: «هي مع جدّي صلوات اللََّه عليه وآله» (5) ، قلت أنا: وهذا النصّ كاف في أنها عليها السلام مع النبي صلى الله عليه و آله‏ (6) .

____________

(1) من لا يحضره الفقيه 2/572؛ تفصيل وسائل الشيعة 14/369.

(2) تهذيب الأحكام 6/9.

(3) السرائر 1/651.

(4) مدارك الاحكام 8/279.

(5) مستدرك الوسائل 10/210.

(6) اقبال الأعمال، السيد ابن طاووس‏3/161؛ عنه البحار 97/198، ح 18.

189

وقال: والظاهر أن ضريحها المقدس في بيتها المكمل بالآيات والمعجزات، لأنها أوصت أن تدفن ليلاً، ولا يصلي عليها من كانت مهاجرة لهم إلى حين الممات، وقد ذكر حديث دفنها وستره عن الصحابة البخاري ومسلم في ما شهدا أنه من صحيح الروايات، ولو كان قد أخرجت جنازتها الطاهرة إلى بقيع الغرقد أو بين الروضة والمنبر في المسجد ما كان يخفي آثار الحفر والعمارة عمن كان قد أراد كشف ذلك بأدنى اشارة، فاستمرار ستر حال ضريحها الكريم يدل على أنها ما أخرجت من بيتها أو حجرة والدها الرؤوف الرحيم، ويقتضي أن يكون دفنها في البيت الموصوف بالتعظيم.. وقد فضح اللََّه جل جلاله بدفنها ليلاً على وجه المساترة عيوب من أحوجها إلى ذلك الغضب الموافق لغضب جبار الجبابرة، وغضب أبيها صلوات اللََّه عليه صاحب المقامات الباهرة، إذ كان سخطها سخطه ورضاها رضاه، وقد نقل العلماء: أنّ أباها عليه السلام قال: «فاطمة بضعة مني يؤذيني ما آذاها» ..

ولقد انقطعت اعذار المتعذرين وحيلة المحتالين بدفنها ليلاً، ودعواهم أنّ أهل بيت النبي صلوات اللََّه عليه وعلى عترته الطاهرين كانوا موافقين لمن تقدم عليهم من المتقدمين.. (1) .

وروى الحميرى عن البزنطي قال: سألت الرضا عليه السلام عن فاطمة بنت رسول اللََّه صلى الله عليه و آله، ايّ مكان دفنت؟فقال: سأل رجل جعفراً عن هذه المسألة وعيسى ابن موسى حاضر، فقال له عيسى: دفنت في البقيع! فقال الرجل: ما تقول؟فقال:

قد قال لك! فقلت له: أصلحك اللََّه، ما أنا وعيسى بن موسى؟أخبرني عن آبائك، فقال: «دفنت في بيتها» (2) .

____________

(1) اقبال الأعمال 3/163.

(2) قرب الاسناد 367، ح 1314؛ عنه بحار الأنوار 2/100ح‏193 و97/192؛ مستدرك الوسائل 10/211.

190

وروى مضمونه الصدوق في العيون بعدة طرق عن البزنطي عنه عليه السلام‏ (1) ، وإليه مال في المعاني‏ (2) .

أقول: الظاهر أن المراد من عيسى بن موسى هو عيسى بن موسى بن محمد بن علي بن عبد اللََّه بن العباس، الذي كان ولي العهد، ثمّ تحيل عليه المنصور فأخّره‏ (3) .

وعن السمهودي في وفاء الوفا عن جعفر الصادق عن ابيه عليهما السلام: «ان علياً دفن فاطمة عليها السلام ليلاً في منزلها الذي دخل في المسجد، فقبرها عند باب المسجد، المواجه دار أسماء بنت حسين بن عبد اللََّه (في وقته) ، وهو الباب الذي كان في شامي باب النساء في المشرق‏ (4) .

وروى ابن شبة عدة روايات تدل على كون موضع قبرها في بيتها (5) .

وقال السيد محسن الأمين: واختلف في موضع دفنها، فقيل دفنت في بيتها، وهو الأصح الذي يقتضيه الإعتبار (6) .

وذكر الشيخ الميرزا أبوالحسن الشعراني وجهاً عقلياً في توجيه ذلك، حيث

____________

(1) عيون الخبار الرضا عليه السلام 1/311، باب 26، ح 76.

(2) معاني الأخبار/268.

(3) قال الذهبي في سير أعلام النبلاء 7/329، رقم 1165: عيسى بن موسى بن محمد بن علي بن عبد اللََّه بن العباس، ولي العهد، أبو موسى الهاشمي، عاش خمساً وستين سنة، وكان فارس بني العباس وسيفهم المسلول، جعله السفاح ولي عهد المؤمنين! بعد المنصور، وهو الذي انتدب لحرب ابني عبد اللََّه بن حسن، فظفر بهما، وقتلا، وتوطدت الدولة العباسية به، وقد تحيّل عليه المنصور بكلّ ممكن، حتّى أخّره، وقدم في العهد عليه المهدي، فيقال: بذل له بعد الرغبة والرّهبة عشرة آلاف ألف درهم!، توفي سنة ثمان وستين ومائة بالكوفة، وله أولاد و أموال وحشمة وشأن.

(4) في رحاب النبي وآله/176.

(5) اخبار المدينة المنورة 1/106، 107، 108.

(6) أعيان الشيعة1/322.

ـ

191

قال: قوله «دفنت في بيتها» هو الأظهر في العقل أيضاً، لأنّ الدفن في البيت كان معهوداً متداولاً، .. وكان دفنها في بيتها صلوات اللََّه عليها أوفق بهذا الغرض، وأما الدفن في الروضة وهو من المسجد فغير معقول في ذلك العصر وبعده، وأما البقيع فلم يكن حاجة إليه، ولم يكن يوافق غرض الإخفاء، ولم يرد إلا في بعض روايات ضعيفة لا اعتماد عليها (1) .

خلاصة الكلام‏

الحاصل: أن بعض العلماء لم يرجح أحد الأقوال الثلاثة (2) ، وقال باستحباب زيارتها في المواضع الثلاثة، ومنهم ابن حمزة الطوسي‏ (3) ، والشهيد الأول‏ (4) ، وابن طي‏الفقعاني‏ (5) ، والمحقق‏الكركي‏ (6) ، والنراقي‏ (7) ، وصاحب الجواهر (8) ، والطبسي‏ (9) .

وبعضهم نفى القول بدفنها بالبقيع، وقال باستحباب زيارتها في الموضعين، أي الروضة والبيت، كالشيخ الطوسي في التهذيب‏ (10) ، و استبعد ذلك أيضاً الشيخ الطوسي

____________

(1) هامش شرح أصول الكافي 7/214.

(2) تاريخ الأئمة/31؛ مناقب آل أبي طالب 3/132.

(3) الوسيلة، ابن حمزة الطوسي/197.

(4) الدروس الشرعية 2/6، 20.

(5) الوسيلة، ابن حمزة الطوسي/197.

(6) الدروس الشرعية 2/6، 20.

(7) مستند الشيعة 13/335 (حيث إنّه وان رأى صحة خبر البزنطي الدال على الدفن ببيتها، إلا أنه يرى أن في اثبات أمثال تلك الأمور الواقعية بأخبار الآحاد نظر) .

(8) جواهر الكلام 20/86.

(9) ذخيرة الصالحين‏4/205، قال: واللََّه إني متحير في تعيين قبرها، ومحل زيارتها في أي مكان هو، ومن أعظم المصائب خفاء قبرها.

(10) تهذيب الأحكام 6/9.

192

في النهاية والمبسوط، والعلامة الحلي في التحرير والمنتهى، وابن ادريس وسعيد (1) .

وقال الطبرسي: والأصح والأقرب أنها مدفونة في الروضة أو في بيتها، فمن استعمل الاحتياط إذا أراد زيارتها وزارها في المواضع الثلاثة كان أولى وأصوب، واللََّه أعلم‏ (2) ، وقال نحوه في اعلام الورى أيضاً (3) .

ويظهر من بعضهم القول بدفنها بالبقيع، كالإسكافي‏ (4) والمفيد (5) .

وبعضهم مال إلى دفنها بالروضة الشريفة، كالشيخ الطوسي‏ (6) ، ونسبها إلى أكثر الأصحاب‏ (7) والمحقق‏ (8) الحلي‏ (9) ، والعلامة الحلي في الإرشاد (10) ، ويحيى ابن سعيد (11) ، وابن فهد الحلي‏ (12) ، والسبزواري‏ (13) ، بينما استبعد الشهيد الثاني ذلك،

____________

(1) كشف اللثام 6/275.

(2) تاج المواليد/23.

(3) اعلام الورى 1/301.

(4) منتخب الانوار/50.

(5) المزار 178.

(6) المبسوط 1/386؛ مصباح المتهجد 711.

(7) مصباح المتهجد 711.

(8) مستند الشيعة 13/335.

(9) مسالك الأفهام 2/383؛ قال الشهيد الثاني في شرح عبارة المحقق في الشرائع: «يستحب أن تزار فاطمة عليها السلام من عند الروضة» : الروضة جزء من مسجده صلى الله عليه و آله، وهو ما بين قبره الشريف ومنبره إلى طرف الظلال، وقد روي أن قبرها عليها السلام بالروضة، فلذلك استحب المصنف زيارتها من عندها، ويظهر من تخصيصها اختياره ذلك.

(10) ارشاد الأذهان 1/339.

(11) مصباح المتهجد 711.

(12) مستند الشيعة 13/335.

(13) مسالك الأفهام 2/383؛ قال الشهيد الثاني في شرح عبارة المحقق في الشرائع: «يستحب أن تزار فاطمة عليها السلام من عند الروضة» : الروضة جزء من مسجده صلى الله عليه و آله، وهو ما بين قبره الشريف ومنبره إلى طرف الظلال، وقد روي أن قبرها عليها السلام بالروضة، فلذلك استحب المصنف زيارتها من عندها، ويظهر من تخصيصها اختياره ذلك.

193

وجعله أبعد الإحتمالات‏ (1) ، ووافقه الطبسي‏ (2) .

وبعضهم قال أو رجح القول بدفنها في بيتها، كالكليني‏ (3) ، والشيخ الصدوق‏ (4) ، وابن ادريس‏ (5) ، والمحقق الأردبيلي‏ (6) ، وصاحب المدارك‏ (7) ، والمحدث البحراني‏ (8) ، وصاحب الرياض‏ (9) ، والسيد الأمين‏ (10) ، والسيد الحكيم‏ (11) ، وهو المختار.

ومع ذلك، فإستتار قبرها علامة مظلوميتها، وأصبحت وسيلة لإثارة العقول، ولعله يستمر ذلك إلى يوم القيامة.

ولنختم القول بما أنشده الشيخ كاظم الأزري:

ولأيّ الأمور تدفن سرّا # بضعة المصطفى ويعفى ثراها (12)

____________

(1) مسالك الافهام 2/383.

(2) ذخيرة الصالحين‏4/205.

(3) شرح أصول الكافي 6/158.

(4) من لايحضره الفقيه 2/572؛ مسالك الافهام 2/383؛ مدارك الأحكام 8/278.

(5) السرائر 1/651.

(6) مجمع الفائدة 7/429.

(7) مدارك الأحكام 8/279.

(8) الحدائق الناضرة 4/84.

(9) رياض المسائل 7/166 (وفيه: ولكن الأحوط زيارتها في المواضع الثلاثة) .

(10) أعيان الشيعة1/322.

(11) دليل الناسك/449.

(12) الأزرية، الشيخ كاظم الازري/144.

194

الثانية: هل دفن أمير المؤمنين علي عليه السلام في البقيع) بَقيع الغَرْقَد ( البقيع ؟

روى ابن عساكر عن شريك أنّ الحسن بن علي حمله بعد صلح معاوية والحسن، فدفنه بالمدينة، ويقال: حمله فدفنه بالثوبة، ويقال: دفن بالبقيع مع فاطمة بنت رسول اللََّه صلى الله عليه و آله‏ (1) .

و روى الخطيب البغدادي مضمونه عن الفضل بن دكين‏ (2) .

أقول: هذا قول شاذ لا يعتنى به، والمشهور البالغ حد التواتر أن موضع قبره الشريف هو بالغري في النجف الأشرف، كما زاره أحفاده مثل الإمام جعفر الصادق عليه السلام في ذلك المكان، وأهل البيت أدرى بما في البيت، وقد أفرد السيد أبو المظفر غياث الدين عبد الكريم بن أبي الفضائل أحمد بن موسى بن طاووس الحلي المتوفى سنة 692 رسالة مستقلة باسم «فرحة الغري بصرحة الغري» (3) في ذلك، وقد أصبح مزاره وضريحه الشريف رمزاً للتضحية والجهاد، على مدى العصور والأزمان، وذلك‏ «يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اَللََّهِ بِأَفْوََاهِهِمْ وَ يَأْبَى اَللََّهُ إِلاََّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَ لَوْ كَرِهَ اَلْكََافِرُونَ» (4) .

الثالثة: هل دفن رأس الحسين عليه السلام في البقيع) بَقيع الغَرْقَد ( البقيع ؟

قال‏ابن‏سعد: قالوا: وكان‏عمروبن‏سعيد من‏رجال‏قريش، وكان يزيدبن معاوية قد ولاه المدينة، فقتل الحسين وهو على المدينة، فبعث إليه برأس الحسين، فكفنه

____________

(1) تاريخ مدينة دمشق 42/566.

(2) البداية والنهاية 7/365، و8/14.

(3) الذريعة إلى تصانيف الشيعة 16/159 رقم 433.

(4) سورة التوبة: 32.

195

ودفنه بالبقيع إلى جنب قبر أمه فاطمة بنت رسول اللََّه صلى اللََّه عليه‏وسلم‏ (1) .

وحكي عن صاحب المناقب انه قال: وذكر الإمام أبو العلاء الحافظ بإسناده عن مشايخه أنّ يزيد بن معاوية حين قدم عليه رأس الحسين عليه السلام بعث (به) إلى المدينة، فأقدم عليه عدة من موالي بني هاشم، وضمّ إليهم عدة من موالي أبي سفيان، ثم بعث بثقل الحسين ومن بقي من أهله معهم وجهّزهم بكلّ شى‏ء، ولم يدع لهم حاجة بالمدينة إلا أمر لهم بها، وبعث برأس الحسين عليه السلام إلى عمرو بن سعيد بن العاص، وهو إذ ذاك عامله على المدينة، فقال عمرو: وددت أنه لم يبعث به الّي، ثم أمر عمرو به فدفن بالبقيع عند قبر أمه فاطمة عليها السلام‏ (2) .

هذا هو أحد الأقوال في المسألة، وهناك أقوال أخر وهي: الدفن في الشام، مصر، أو النجف، أو أنه أُلحق بجسده الشريف بكربلاء، كما هو المشهور. (3)

قال العلامة المجلسى رحمه الله: .. والمشهور بين علمائنا الإمامية أنه دفن رأسه مع جسده، ردّه علي بن الحسين عليهما السلام، وقد وردت أخبار كثيرة في انه مدفون عند قبر أمير المؤمنين عليه السلام‏ (4) .

أقول: المشهور والمعول عليه هو إلحاق الرأس الشريف بالجسد الطاهر بكربلاء المقدسة، كما قاله السيد المرتضى وغيره‏ (5) ، وهو المختار، ولقد قمنا بتحقيقه

____________

(1) الطبقات الكبرى 5/237؛ انظر: رأس الحسين، ابن تيمية 197 و208؛ فيض القدير في شرح الجامع الصغير 1/265؛ البداية والنهاية 8/222؛ جواهر المطالب 2/29؛ سير أعلام النبلاء 3/315؛ العوالم 17/453.

(2) بحار الأنوار 45/145.

(3) انظر: فيض القدير 1/265؛ جواهر المطالب 2/29.

(4) بحار الانوار 45/145.

(5) انظر: أمالي الصدوق/131؛ رسائل الشريف المرتضى 3/130؛ الآثار الباقية 321؛ مقتل الحسين‏للخوارزمي 2/75؛ تذكرة الخواص/265؛ روضة الواعظين 1/192؛ الاتحاف بحب الأشراف/70؛ اللهوف/225؛ توضيح المقاصد، الشيخ البهائي/6؛ نور الأبصار/133؛ تسلية المجالس، محمد بن أبي طالب‏2/459.

196

في كتاب «الأيام الشامية» (1) ، فراجع.

فضل زيارة أئمة البقيع) بَقيع الغَرْقَد ( البقيع

قال الرضا عليه السلام: «إنّ لكلّ إمام عهداً في أعناق شيعته وأوليائه، وإنّ من تمام الوفاء بالعهد وحسن الأداء زيارة قبورهم، فمن زارهم رغبة في زيارتهم وتصديقاً بما رغبوا فيه كانوا شفعاءه يوم القيامة» (2) .

وقيل للصادق عليه السلام: ما حكم من زار أحدكم؟قال: «يكون كمن زار رسول اللََّه صلى اللََّه عليه وآله» (3) .

وعن‏الصادق عليه السلام: «من زار إماماً مفترض الطاعة كان له ثواب حجة مبرورة» (4) .

وعن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال: «أتمّوا برسول اللََّه صلى الله عليه و آله حجكم إذا خرجتم إلى بيت اللََّه، فإنّ تركه جفاء، وبذلك أمرتم، وأتموا بالقبور التي ألزمكم اللََّه عزوجلّ زيارتها وحقها، واطلبوا الرزق عندها» (5) .

وروي عن أبي محمد الحسن بن علي العسكري عليه السلام أنه قال: «من زار جعفراً وأباه لم يشتك عينه، ولم يصبه سقم، ولم يمت مبتلى‏ (6) » .

____________

(1) الأيام الشامية من عمر النهضة الحسينية، للمؤلف/376-391.

(2) المقنعة 474؛ رسائل الكركي 2/162؛ ونحوه في منتهى المطلب 2/893 (بتفاوت يسير) .

(3) المقنعة 474.

(4) رسائل الكركي 2/162؛ انظر: جواهر الكلام 20/87.

(5) بحار الأنوار 97/139.

(6) المقنعة/474؛ تحرير الأحكام 2/123 (وفيه: لم يمت قتيلاً) ؛ منتهى المطلب 2/893.

197

وعن الصادق عليه السلام: «من زار إماماً من الأئمة وصلى عنده أربع ركعات كتبت له حجة وعمرة» (1) .

وعن الباقر عليه السلام: «ابدؤا بمكة واختموا بنا» (2) .

وعن الباقر عليه السلام: «إنّما أمر الناس أن يأتوا هذه الأحجار فيطوفوا بها، ثمّ يأتونا فيخبرونا بولايتهم، ويعرضوا علينا نصرهم» (3) .

وعن‏الصادق عليه السلام: «إذا حج أحدكم فليختم حجّه بزيارتنا، لأنّ ذلك من تمام الحج» (4) .

روى المفيد عن الصادق عليه السلام، عن آبائه أنهم قالوا: بينا الحسن عليه السلام ذات يوم في حجر رسول اللََّه صلى الله عليه و آله إذ رفع رأسه فقال: يا أبت، ما لمن زارك بعد موتك؟قال: «يا بني، من أتاني زائراً بعد موتي فله الجنة، ومن أتى أباك زائراً بعد موته فله الجنة، ومن أتى أخاك زائراً بعد موته فله الجنة، ومن أتاك زائراً بعد موتك فله الجنة» (5) .

وروي: أن رسول اللََّه صلى الله عليه و آله قال للحسن عليه السلام: «من زارك بعد موتك، أو زار أباك، أو زار أخاك، فله الجنة» (6) .

وروي عن رسول اللََّه صلى الله عليه و آله: أنه قال للحسن عليه السلام: «من زارني حيّاً أو ميّتاً، أو زار أباك حياً أو ميتاً، أو زار أخاك حياً أو ميتاً، أو زارك حياً أو ميتاً، كان حقّاً عليّ استنقذه يوم القيامة» (7) .

____________

(1) المقنعة/474.

(2) رسائل الكركي 2/163.

____________

(3) رسائل الكركي 2/162.

(4) بحار الأنوار 97/139.

(5) المقنعة/464.

(6) مستدرك الوسائل 10/350، ح 12157.

(7) منتهى المطلب 2/891؛ تحرير الأحكام 2/121.

ـ

198

وعن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه و آله: «من زار الحسن في بقيعه ثبت قدمه على الصراط يوم تزلّ فيه الأقدام» (1) .

وروي عن الصادق عليه السلام أنه قال: «من زارني غُفِرَتْ له ذنوبه، ولم يمت فقيراً» (2) .

وفي الخبر: «فمن بكاه لم تعم عيناه يوم تعمى الأعين، ومن حزن عليه لم يحزن قلبه يوم تحزن القلوب، ومن زاره في البقيع ثبتت قدماه على الصراط يوم تزل فيه الأقدام.. » (3) .

وروى البختري عن الصادق عن أبيه عليهما السلام: «أن الحسين بن علي عليهما السلام كان يزور قبر الحسن بن علي عليهما السلام في كلّ عشية جمعة» (4) .

قال العلامة الحلي: وفي زيارتهم فضل كثير (5) .

آداب زيارتهم‏

1. الغسل‏ (6)

2. الزيارة

____________

(1) بحار الأنوار 97/141.

(2) المقنعة/474؛ تذكرة الفقهاء 8/454؛ تحرير الأحكام 2/123؛ منتهى المطلب 2/893.

(3) الفضائل، شاذان بن جبرئيل القمي 10؛ انظر: بشارة المصطفى 308؛ بحار الأنوار 44/149؛ مستدرك سفينة البحار 2/303.

(4) جواهر الكلام 20/88.

(5) تحرير الأحكام 2/123و 121؛ منتهى المطلب 2/891 و893.

(6) تهذيب الأحكام 6/79؛ المقنعة/475؛ المختصر النافع/98؛ قواعد الأحكام 1/449؛ منتهى المطلب 2/893؛ المهذب 1/279؛ المهذب البارع 2/221؛ كشف الرموز 1/387؛ جامع المقاصد 3/274؛ الحدائق الناضرة 17/430؛ رياض المسائل 7/11؛ بحار الأنوار 97/206، جامع المدارك 2/551.

199

3. أن يصلي ثمان ركعات، لكلّ امام ركعتان‏ (1) .

كيفية زيارتهم‏

قال الشيخ الصدوق: فإذا أتيت قبور الأئمة عليهم السلام بالبقيع فاجعلها بين يديك ثمّ قل:

«السلام عليكم يا أئمة الهدى، السلام عليكم يا أهل التقوى، السلام عليكم يا حجج اللََّه على أهل الدنيا، السلام عليكم أيها القوامون في البرية بالقسط، السلام عليكم يا أهل الصفوة، السلام عليكم يا أهل النجوى، أشهد أنكم قد بلغتم ونصحتم وصبرتم في ذات اللََّه عزوجل، وكذبتم وأسي‏ء لكم فغفرتم، وأشهد أنكم الأئمة الراشدون، وأنّ طاعتكم مفروضة، وأنّ قولكم الصدق، وأنكم دعوتم فلم تجابوا، وأمرتم فلم تطاعوا، وأنكم دعائم الدين، وأركان الأرض، لم تزالوا بعين اللََّه، ينسخكم في أصلاب المطهرين، وينقلكم في أرحام المطهرات، لم تدنّسكم الجاهلية الجهلاء، ولم تشرك فيكم فتن الأهواء، طبتم وطابت منبتكم، أنتم الذين منّ بكم علينا ديّان الدين، فجعلكم في بيوت أذن اللََّه أن ترفع ويذكر فيها اسمه، وجعل صلواتنا عليكم رحمة لنا، وكفارة لذنوبنا، إذا اختاركم لنا، وطيّب خلقنا بما منّ علينا من ولايتكم، وكنّا عنده بفضلكم معترفين، وبتصديقنا إياكم مقرّين، وهذا مقام من أسرف وأخطأ واستكان وأقرّ بما جنى، ورجا بمقامه الخلاص، وأن يستنقذه بكم مستنقذ الهلكى من النار، فكونوا لي شفعاء، فقد وفدت إليكم إذ رغب عنكم أهل الدنيا، واتخذوا آيات اللََّه هزوا، واستكبروا عنها، يا من هو قائم لا يلهو، ومحيط بكلّ شي‏ء، لك المنّ بما وفقتني وعرّفتني بما ائتمنتني عليه، إذ صدّ

____________

(1) من لا يحضره الفقيه 2/577 (وفيه: ثمّ صل هناك ثمان ركعات، في المسجد الذي هناك) ؛ منتهى المطلب 2/894؛ الرسائل العشر/272؛ الحدائق الناضرة 17/432.

200

عنه عبادك، وجهلوا معرفتهم، واستحقوا بحقهم، ومالوا إلى سواهم، فكانت المنة منك علي مع أقوام خصصتهم بما خصصتني به، فلك الحمد إذ كنت عندك في مقامي مكتوباً، فلا تحرمني ما رجوت، ولا تخيبني في ما دعوت» ، وادع لنفسك بما أحببت‏ (1) .

وذكر الشيخ المفيد زيارة مختصرة لهم، وقال: تغتسل وتقف على قبورهم، وتقول:

«السلام عليكم يا خزان علم اللََّه، وحفظة سره، وتراجمة وحيه، أتيتكم يا بني رسول اللََّه (زائراً) عارفاً بحقكم، مستبصراً بشأنكم، معادياً لأعدائكم، موالياً لأوليائكم، بأبي أنتم وأمي، صلى اللََّه على أجسادكم وأرواحكم ورحمة اللََّه وبركاته، اللهم إنّي أتولّى آخرهم كما توليت أولهم، وأبرأ إلى اللََّه من كلّ وليجة دونهم، آمنت باللََّه، وكفرت بالجبت والطاغوت واللات والعزى وكلّ ندّ يدعى من دون اللََّه، اللهم صل على محمد وآل محمد، واجعل زيارتي لهم مقبولة، ودعائي بهم مستجاباً، يا أرحم الراحمين» .

ثمّ انكبّ على القبور فقبّلها، وضع خدّك عليها، وتحوّل من مكانك، فصلّ ست ركعات، وإن جعلت زيارتك هذه للأئمة الأربعة فصلّ ثماني ركعات إن شاء اللََّه‏ (2) .

وذكر الشيخ المفيد زيارة مختصرة للإمام الحسن المجتبى عليه السلام، قال: تغتسل

____________

(1) من لا يحضره الفقيه 2/575؛ ونحوه (بتفاوت يسير) في كامل الزيارات 118، الكافي 4/559 (وجاء فيه: إذا أتيت القبر الذي بالبقيع فاجعله بين يديك ثم تقول.. ) ؛ تهذيب الأحكام 6/79؛ مصباح المتهجد/713؛ المهذب 1/279؛ منتهى المطلب 2/893؛ الحدائق الناضرة 17/430، بحار الأنوار 97/203.

(2) المقنعة 475-476؛ تهذيب الأحكام 6/80؛ منتهى المطلب 2/894؛ الحدائق الناضرة 17/432؛ بحار الأنوار 97/206.

201

لزيارته عليه السلام، وتلبس أطهر ثيابك، وتقف على قبره، وتقول:

«السلام عليك يا ابن رسول اللََّه، السلام عليك يا بقية المؤمنين، وابن أول المسلمين، أشهد أنك سبيل الهدى، وحليف التقوى، وخامس أصحاب الكساء، غذتك يد الرحمة، وتربيت في حجر الإسلام، ورضعت من ثدي الإيمان، فطبت حياً وميتاً، صلى اللََّه عليك، أشهد أنك أديت صادقاً، ومضيت على يقين، لم تؤثر عمى على هدى، ولم تمل من حق إلى باطل، لعن اللََّه من ظلمك، ولعن اللََّه من خذلك، ولعن اللََّه من قتلك، أنا إلى اللََّه منهم براء» .

ثم قبّل القبر، وضع خديك عليه، وتحوّل إلى عند الرأس، فقل:

«السلام عليك يا وصي أمير المؤمنين، أتيتك زائراً، عارفاً بحقك، موالياً لأوليائك، معادياً لأعدائك، فاشفع لي عند ربك» ، وصلّ ركعين لزيارته‏ (1) .

فإذا أردت الإنصراف فقف على قبورهم وقل:

«السلام عليكم أئمة الهدى ورحمة اللََّه وبركاته، أستودعكم اللََّه، وأقرأ عليكم السلام، آمنّا باللََّه وبالرسول، وبما جئتم به، ودللتم عليه، اللهم فاكتبنا مع الشاهدين» .

ثمّ ادع اللََّه كثيراً، واسأله أن لا يجعله آخر العهد من زيارتهم، إن شاء اللََّه‏ (2) .

وزاد ابن البراج والمشهدي: «اللهم لا تجعله آخر العهد مني لزيارتهم، وارزقنيها أبداً ما أحييتني، فإذا توفيتني فاحشرني معهم وفي زمرتهم، أستودعكم اللََّه وأقرأ عليكم السلام» (3) .

____________

(1) المقنعة 466؛ وانظر: منتهى المطلب 2/891؛ بحار الأنوار 97/206.

(2) المقنعة 475-476؛ تهذيب الأحكام 6/80؛ منتهى المطلب 2/894؛ الحدائق الناضرة 17/432؛ بحار الأنوار 97/206.

(3) المهذب 1/284؛ المزار 108.

202

وقال الشيخ المفيد في وداع زيارة الإمام الحسن عليه السلام: فإذا أردت الإنصراف فقف على القبر-كما وقفت في أول الزيارة-وقل:

«السلام عليك يا مولاي ورحمة اللََّه وبركاته، أستودعك اللََّه وأسترعيك، وأقرأ عليك السلام، آمنّا باللََّه وبالرسول، وبما جئت به، ودللت عليه، اللهمّ اكتبنا مع الشاهدين» .

ثم ادع اللََّه أن لا يجعله آخر العهد منك، وادع بما أحببت إن شاء اللََّه‏ (1) .

____________

(1) المقنعة/467.

203

بعض المدفونين في البقيع) بَقيع الغَرْقَد ( البقيع

نلفت‏القاري‏ء الكريم إلى‏نظرة قصيرة إلى‏بعض‏من دفن في‏البقيع، من الصحابة والتابعين، والشهداء والصالحين، وسائر الناس والمؤمنين، مع اعلامنا بأمرين:

الأول: ان البقيع اليوم قد توسع عما كان هو عليه سابقاً، و أُلحق به كثير، كحش كوكب وغيرها التى كانت خارجة عنه، انّ ما نذكره يشمل ما يطلق عليه اسم البقيع حالياً.

الثاني: ان ما نذكره من اسماء المدفونين فيه، هو ما عثرنا عليه خلال تصفّحنا الكتب التاريخية والرّوائية والتراجم‏ (1) ، مع غمض العين عن انتمائاتهم المذهبية، وميولهم السياسية، ونوردها على حسب حروف المعجم‏ (2) .

____________

(1) يقول ابن جبير في رحلته: ومشاهد هذا البقيع أكثر من أن تحصى، لأنه مدفن الجمهور الأعظم من‏الصحابة والمهاجرين. كذا في دائرة المعارف الاسلامية الشيعية 8/265.

(2) اهتمّ بعض الباحثين بجمع أسماء المدفونين بالبقيع، منهم أبو عبد اللََّه محمد بن أحمد بن أمين الأقشهري المتوفى سنة 731هـ ق، عمل كتاباً سماه: «الروضة في أسماء من دفن بالبقيع» ، ذكره الصالحي الدمشقي في سبل الهدى والرشاد3/279 والزركلي في الأعلام 5/325، ولم نعثر عليه.

204

وإليك أيها القاري‏ء الكريم ذلك:

1-إبراهيم ابن رسول اللََّه‏

لم يكن لرسول اللََّه صلى الله عليه و آله ولد من غير خديجة إلا إبراهيم من مارية (1) القبطية (2) ، ولد في ذي الحجة (3) بعالية في قبيلة مازن في مشربة أم إبراهيم‏ (4) بالمدينة سنة ثمان من الهجرة، ومات بها وله سنة وستة أشهر وبعض أيام‏ (5) ، وقبره بالبقيع‏ (6) .

روي عن علي عليه السلام قال: «لما مات إبراهيم ابن رسول اللََّه صلى الله عليه و آله أمرني فغسلته، و كفّنه رسول اللََّه صلى الله عليه و آله وحنطه، وقال لي: احمله يا علي، فحملته حتى جئت به إلى البقيع فصلى عليه، ثمّ أتى القبر فقال لي: انزل يا علي، فنزلت ودلاه عليّ رسول‏اللََّه صلى الله عليه و آله، فلمّا رآه منصبّاً بكى، فبكى المسلمون لبكائه، حتى ارتفعت أصوات الرجال على أصوات النساء، فنهاهم رسول اللََّه صلى الله عليه و آله أشدّ النهي، وقال: تدمع العين، ويحزن القلب، ولا نقول ما يسخط الرب، وإنا بك لمصابون، وإنا عليك لمحزونون» (7) .

وروى أحمد بن عبد اللََّه الطبري: أخذ النبي صلى الله عليه و آله بيد عبد الرحمن بن عوف فأتى

____________

(1) مارية القبطية هي التي أهداها المقوقس صاحب الاسكندرية إلى النبي صلى الله عليه و آله، فأسكنها في أحدالحوائط السبعة (الحائط: البستان المسيج) . معالم المدرستين‏2/132.

(2) انظر: الطبقات الكبرى‏1/141؛ الجامع لأحكام القرآن‏14/241؛ مستدرك سفينة البحار1/346.

(3) بحار الأنوار21/409.

(4) مناقب آل أبي طالب‏1/140.

(5) وفي المناقب‏1/140: ومات بها وله سنة وعشرة أشهر وثمانية أيام.

(6) اعلام الورى‏1/276؛ انظر: المناقب‏1/140؛ مستدرك سفينة البحار1/346 و8/381.

____________

(7) دعائم الاسلام، القاضي نعمان‏1/224؛ بحار الانوار 79/100، ح‏48؛ مستدرك الوسائل 2/460، ح 2464.