اصول البحث

- الشيخ عبد الهادي الفضلي المزيد...
288 /
205

و هذا يفرض على المتكلم أن يكون ذا ثقافة واسعة ليتوصل إلى تنسيق خطبته، و توضيح الأفكار التي يعالجها، و طريقة عرضها لتتوافق مع المحرضات النفسية و العقلية في الجمهور.

2- من المفروض في الخطيب أن يكون مفيدا جذابا مؤثرا.

و كل هذا يقضي بتمتعه بعدد من الميزات الذهنية و الجسمية و الأخلاقية الضرورية.

و أول ما يطلب منه أن يكون بيّن الذكاء، سريع الخاطر، نافذ الحجة، قادرا على تقليب الأفكار على مختلف وجوهها.

و أن تكون أحكامه صادقة، مفصحة عن الحقيقة، متينة المقدمات و النتائج.

و أن يكون مطلعا على علم النفس لدى الجماهير فيشعر برهافة حسه ما يجب أن يقال، و ما يتحتم أن يهمل.

و أن يدرك حجج الخصم و موقف الجمهور، فيهي‏ء لكل موقف ما يتطلب من حجج و براهين.

و أن يقدم على الهجوم عند الحاجة، و ينكفى‏ء للإنقضاض عند المناسبة المؤاتية.

و أن يغلف أفكاره بأقوال دقيقة المدلول، فكهة حينا، ساخرة أحيانا، آسرة لإنتباه الجمهور.

كما يفرض عليه فن الخطابة أن تكون ذاكرته أمينة، زاخرة بالمعلومات و المعارف و الشواهد.

و أن يكون خياله حادا قادرا على تجسيد الأفكار و المواقف.

و أن يتفرد باحساس رهيف لإثارة العواطف و تحويلها من حالة إلى أخرى، فإذا شاء أشجى جمهوره، و إذا أراد أثار مرحه و ضحكه.

و كل هذه الصفات مجتمعة هي التي تكوّن الخطيب البارع.

206

3- لا حدود لمضمون الخطبة، لأن موضوعها شامل، يعني بجميع النشاطات الإنسانية التي يتيسر التعبير عنها بالكلام، فليس ثمت موضوع عام أو خاص، مادي أو فكري، أو أخلاقي، أو ديني، أو اقتصادي، أو اجتماعي، أو سياسي، أو أدبي، أو فني، أو علمي، أو قضائي، لم يعبّر عنه بخطبة من الخطب» .

-نموذج للأسلوب الخطابي:

و أروع نموذج يذكر هنا مثالا للأسلوب الخطابي هو خطبة الإمام أمير المؤمنين (ع) في الجهاد.

و هي من خطب (نهج البلاغة) رقم 27.

قال عليه السلام:

«أمّا بعد:

فإن الجهاد باب من أبواب الجنة، فتحه اللّه لخاصة أوليائه، و هو لباس التقوى، و درع اللّه الحصينة، و جنته الوثيقة، فمن تركه رغبة عنه ألبسه اللّه ثوب الذل، و شمله البلاء، و ديث بالصغار و القماء، و ضرب على قلبه بالإسداد، و أديل الحق منه بتضييع الجهاد، و سيم الخسف، و منع النصف.

ألا و إني قد دعوتكم إلى قتال هؤلاء القوم ليلا و نهارا، و سرا و إعلانا، و قلت لكم: اغزوهم قبل أن يغزوكم، فواللّه ما غزي قوم قط في عقر دارهم إلاّ ذلوا، فتواكلتم و تخاذلتم، حتى شنت عليكم الغارات، و ملكت عليكم الأوطان.

و هذا أخو غامد و قد وردت خيله الأنبار، و قد قتل حسان بن حسان البكري، و أزال خيلكم عن مسالحها.

و لقد بلغني أن الرجل منهم كان يدخل على المرأة المسلمة، و الأخرى المعاهدة، فينتزع حجلها و قلبها و قلائدها و رعاثها، ما تمتنع منه إلاّ بالإسترجاع و الإسترحام.

ثم انصرفوا وافرين، ما نال رجلا منهم كلم، و لا أريق لهم دم، فلو أن‏

207

امرءا مسلما مات من بعد هذا أسفا، ما كان به ملوما، بل كان به جديرا.

فيا عجبا، عجبا، و اللّه، يميت القلب، و يجلب الهم، من اجتماع هؤلاء القوم على باطلهم، و تفرقكم على حقكم.

فقبحا لكم و ترحا، حين صرتم غرضا يرمى، يغار عليكم و لا تغيرون، و تغزون و لا تغزون، و يعصى اللّه و ترضون.

فإذا أمرتكم بالسير إليهم في أيام الصيف قلتم: هذه حمّارة القيظ، أمهلنا يسبّخ عنا الحر، و إذا أمرتكم بالسير إليهم في الشتاء قلتم: هذه صبّارة القر، أمهلنا ينسلخ عنا البرد، كل هذا فرارا من الحر و القر، فإذا كنتم من الحر و القر تفرّون، فأنتم و اللّه من السيف أفر.

يا أشباه الرجال، و لا رجال، حلوم الأطفال، و عقول ربات الحجال، لوددت أني لم أركم، و لم أعرفكم معرفة و اللّه جرت ندما، و أعقبت سدما، قاتلكم اللّه، لقد ملأتم قلبي قيحا، و شحنتم صدري غيظا، و جرعتموني نغب التهمام أنفاسا، و أفسدتم عليّ رأيي بالعصيان و الخذلان حتى قالت قريش: إن ابن أبي طالب رجل شجاع، و لكن لا علم له بالحرب.

للّه أبوهم؟؟؟، و هل أحد منهم أشد لها مراسا، و أقدم فيها مقاما مني، لقد نهضت فيها و ما بلغت العشرين، و ها أنا ذا قد ذرّفت على الستين، و لكن لا رأي لمن لا يطاع» .

إن من يقرأ هذه الخطبة الشريفة قراءة نقدية سيخلص إلى أن الإمام (ع) قد اعتمد في أسلوبها على العناصر التالية:

1- انتقاء المفردات انتقاء يتناسب و موضوع الخطابة و يلتقي و جوّ الخطبة.

2- قوة التعبير المعرب عن مدى التأثر و التأثير.

3- استخدام الصيغ الإنشائية كالتعجب و الإستفهام استخداما يضع‏

208

الصيغة في موضعها السياقي الفني اندفاعا و دفعا.

و هذه العناصر من أهم مكونات الأسلوب و مقوماته.

إلى غيرها من عناصر أخرى أشار إليها دارسو بلاغة الإمام (ع) (1) .

و يرجع هذا إلى أن «التعبير: هو القالب اللفظي الذي ينقل العاطفة و يرسم الخيال و يبرز المعنى» .

كما أنه «عنصر أصيل ذو قيمة عظيمة في النص الأدبي» (2) .

و إلى هنا، اترك للطالب العزيز تعيين مواضع هذه العناصر المذكورة من الخطبة الشريفة.

2-الأسلوب الأدبي:

نسبة إلى الأدب الذي يراد به-هنا- «الكلام الإنشائي البليغ الذي يقصد به التأثير في عواطف القراء و السامعين» (3) .

و هو ما يعرف قديما بـ (صناعة الأدب) .

أو كما يعرّفه (المورد-مادة erutaretiL -الأدب: مجموع الآثار النثرية و الشعرية المتميزة بجمال الشكل أو الصياغة، و المعبرة عن فكرات ذات قيمة باقية» .

و من قبله عرّفه الزيات بقوله: «أدب اللغة: ما أثر عن شعرائها و كتّابها من بدائع القول المشتمل على تصوير الأخيلة الدقيقة و تصوير المعاني الرقيقة مما يهذب النفس و يرقق الحس و يثقف اللسان» (4) .

و يتحدث عنه عبد النور فيقول: «الأدب في معناه الحديث هو علم يشمل أصول فن الكتابة، و يعنى بالآثار الخطية، النثرية و الشعرية.

____________

(1) انظر-على سبيل المثال-: (بلاغة الإمام علي) للدكتور الحوفي-فصل: التعبير.

(2) بلاغة الإمام علي ص 236.

(3) معجم مصطلحات الأدب ص 5.

(4) تاريخ الأدب العربي ص 3 ط 26.

209

و هو المعبر عن حالة المجتمع البشري، و المبين بدقة و أمانة عن العواطف التي تعتمل في نفوس شعب أو جيل من الناس، أو أهل حضارة من الحضارات.

موضوعه:

وصف الطبيعة في جميع مظاهرها، و في معناها المطلق، في أعماق الإنسان، و خارج نفسه، بحيث أنه يكشف عن المشاعر من أفراح و آلام، و يصور الأخيلة و الأحلام، و كل ما يمر في الأذهان من الخواطر.

من غاياته:

أن يكون مصدرا من مصادر المتعة المرتبطة بمصير الإنسان و قضاياه الإجتماعية الكبرى، فيؤثر فيها و يغنيها بعناصره الفنية.

و بذلك يكون أداة في صقل الشخصية البشرية و إسعادها، و يتيح لها التبلور و الكشف عن مكنوناتها.

و هو يؤدي من خلال فنونه المتطورة، المعاني المتراكمة خلال الأزمنة، و المستحدثات المعاصرة في شموليتها الإنسانية أو حصريتها الفردية.

و يبرز في نصوصه المتوارثة إسهام الشعوب كبيرة و صغيرة، قديمة و معاصرة، في بناء الحضارة، متوخيا المزاوجة بين المضمون و الشكل ليجعل منهما وحدة فنية.

يستوعب الأدب معظم الفنون الأخرى و يتجاوزها.

باستعماله الأصوات و الجرس و تناغم المقاطع هو موسيقى.

و بالتأليف و التركيب و اللون و براعة الأسلوب هو هندسة معمارية و رسم و نحت.

و هو يحلق بجناحي الفكر متخطيا الزمان و المكان.

و لذلك يعتبر الأدب أكمل الفنون و أسماها.

و هو أقلها تعرضا للفناء، لأن عوامل الزمان و المكان تعجز عن تدميره‏

210

و القضاء عليه، لا سيما بعد اهتداء الإنسان إلى عملية النساخة و الطباعة.

ففي حين أن لوحة الرسام قد تتعرض للفساد أو للحريق، و أن التمثال قد يتحطم، فإن الأثر الأدبي لتعدد نسخه، و انتشاره في أماكن مختلفة ينجو في معظم الأحيان من الضياع» .

-نموذج الأسلوب الأدبي:

(من النثر) :

نص رسالة من عبد الحميد بن يحيى بعث بها إلى أهله و هو منهزم مع مروان إثر سقوط الدولة الأموية:

«أما بعد: فإن اللّه تعالى جعل الدنيا محفوفة بالكره و السرور، فمن ساعده الحظ فيها سكن إليها، و من عضته بنابها ذمها ساخطا عليها، و شكاها مستزيدا لها، و قد كانت أذاقتنا أفاويق استحليناها، ثم جمحت بنا نافرة، و رمحتنا مولية، فملح عذبها، و خشن لينها، فأبعدتنا عن الأوطان، و فرقتنا عن الإخوان، فالدار نازحة، و الطير بارحة.

و قد كتبت و الأيام تزيدنا منكم بعدا، و إليكم وجدا، فإن تتم البلية إلى أقصى مدتها يكن آخر العهد بكم و بنا، و إن يلحقنا ظفر جارح من أظفار عدونا نرجع إليكم بذل الإسار، و الذل شر جار.

نسأل اللّه تعالى الذي يعز من يشاء و يذل من يشاء، أن يهب لنا و لكم ألفة جامعة في دار آمنة، تجمع سلامة الأبدان و الأديان، فإنه رب العالمين و أرحم الراحمين» (1) .

(من الشعر) :

مقتطفة من قصيدة لأبي تمام:

ديمة سمحة القياد سكوب # مستغيث بها الثرى المكروب‏

____________

(1) تاريخ الأدب العربي للزيات 199.

211

لوسعت بقعة لإعظام نعمى # لسعى نحوها المكان الخصيب‏

لذّ شؤبوبها و طاب فلو تسطيع قامت فعانقتها القلوب

هي ماء يجري و ماء يليه # و عزال تهمي و أخرى تذوب‏

كشف الروض رأسه و استسر المحل منها كما استسر المريب فإذا الريّ بعد محل و جرجان لديها يبرين أو ملحوب أيها الغيث حيّ أهلا بمغداك و عند السرى و حين تؤوب و الأسلوب الأدبي-كما رأينا في هذين الأنموذجين- «يمتاز بالخيال الرائع، و التصوير الدقيق، و تلمس أوجه الشبه البعيدة بين الأشياء، و إلباس المعنى ثوب المحسوس، و إظهار المحسوس في صورة المعنوي» (1) .

و على الطالب الكريم استخراج السمات المشار إليها من النصين الأدبيين المذكورين.

3-الأسلوب العلمي:

نسبة إلى العلم، و العلم-كما مر-هو المعرفة المنظمة.

و الأسلوب العلمي: هو الشكل أو الصورة اللفظية التي تصاغ فيها المادة العلمية أو المضمون الفكري.

(عناصره) :

و أهم مقومات الأسلوب العلمي:

1- الإلتزام باللغة العلمية شكلا، و الفكر المنطقي مضمونا.

2- الدقة في صوغ العبارة صياغة تعتمد الألفاظ الحقائق، و تبتعد عن استخدام الألفاظ المجازية و المحسنات الكلامية.

3- الوضوح في الأداء، و الإبتعاد عن الغموض.

4- الإقتراب من ذهن المخاطب بالأسلوب-قارئا كان أو سامعا-ما أمكن ذلك.

____________

(1) معجم مصطلحات الأدب 542 عن: البلاغة الواضحة للجارم و أمين.

212

5- وضع العبائر في خط سياقها مترابطة لفظا و معنى، بحيث تمهد السابقة للاحقة، و تأخذ التالية بعناق المتقدمة.

-نموذج للأسلوب العلمي:

بحث (المصالح المرسلة) .

و هو القسم السابع من الباب الأول من كتاب (الأصول العامة للفقه المقارن) لأستاذنا السيد محمد تقي الحكيم.

213

نموذج للاسلوب العلمي‏

بحث المصالح المرسلة

تحديدها، تقسيم الأحكام المترتبة عليها: الضروري، الحاجي، التحسيني، الإختلاف في حجيتها، أدلة الحجية من العقل، الإستدلال بسيرة الصحابة، الإستدلال بحديث لا ضرر، غلو الطوفي في المصالح المرسلة، نفاة الإستصلاح و أدلتهم، تلخيص و تعقيب.

214

-

215

تحديدها:

و لتحديد معنى المصالح المرسلة لا بد من تحديد معنى المصلحة أولا ثم تحديد معنى الإرسال فيها ليتضح معنى هذا التركيب الخاص.

يقول الغزالي: المصلحة هي: «عبارة في الأصل عن جلب منفعة أو دفع مضرة» ، و قال: «و لسنا نعني به ذلك، فإن جلب المنفعة و دفع المضرة مقاصد الخلق و صلاح الخلق في تحصيل مقاصدهم، لكنا نعني بالمصلحة المحافظة على مقصود الشرع» .

«و مقصود الشرع من الخلق خمسة: و هو أن يحفظ عليهم دينهم، و نفسهم، و عقلهم، و نسلهم، و مالهم، فكل ما يتضمن هذه الأصول الخمسة فهو مصلحة، و كل ما يفوت هذه الأصول فهو مفسدة و دفعها مصلحة» (1) .

و عرفها الطوفي بقوله: هي «السبب المؤدي إلى مقصود الشرع عبادة و عادة» (2) و أراد بالعبادة «ما يقصده الشارع لحقه» (3) و العادة «ما يقصده

____________

(1) المستصفى، ج 1 ص 140.

(2، 3) رسالة الطوفي المنشورة في مصادر التشريع، ص 93.

غ

216

الشارع لنفع العباد و انتظام معايشهم و أحوالهم» (1) .

أما تعريفهم للإرسال فقد وقع موقع الإختلاف لديهم، فالذي يبدو من بعضهم أن معناه عدم الإعتماد على أي نص شرعي، و إنما يترك للعقل حق اكتشافها، بينما يذهب البعض الآخر إلى أن معناها هو عدم الإعتماد على نص خاص و إنما تدخل ضمن ما ورد في الشريعة من نصوص عامة، و استنادا إلى هذا التفاوت في معنى الإرسال، تفاوتت تعاريف المصلحة المرسلة.

فابن برهان يعرفها بقوله هي: «ما لا تستند إلى أصل كلي أو جزئي» (2) و ربما رجع إلى هذا التعريف ما ورد على لسان بعض الأصوليين المحدثين من «أنها الوصف المناسب الملائم لتشريع الحكم الذي يترتب على ربط الحكم به جلب نفع أو دفع ضرر، و لم يدل شاهد من الشرع على اعتباره أو إلغائه» (3) .

بينما يذهب الأستاذ معروف الدواليبي إلى إدخالها ضمن ما شهد له أصل كلي من الشريعة يقول-و هو يتحدث عن الإستصلاح-: «الإستصلاح في حقيقته هو نوع من الحكم بالرأي المبني على المصلحة، و ذلك في كل مسألة لم يرد في الشريعة نص عليها، و لم يكن لها في الشريعة أمثال تقاس بها، و إنما بني الحكم فيها على ما في الشريعة من قواعد عامة برهنت على أن كل مسألة خرجت عن المصلحة ليست من الشريعة بشي‏ء، و تلك القواعد هي مثل قوله تعالى: إِنَّ اَللََّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَ اَلْإِحْسََانِ ، و قوله عليه الصلاة و السلام: «لا ضرر و لا ضرار» (4) .

و قد رادف بعضهم بينها و بين الإستصلاح‏ (5) ، كما رادف آخر بينها و بين

____________

(1) المصدر السابق.

(2) إرشاد الفحول، ص 242.

(3) سلم الوصول، ص 309.

(4) المدخل إلى أصول الفقه، ص 284.

(5) أصول الفقه للخضري، ص 302.

217

الإستدلال‏ (1) .

و هو ما لم يتضح له وجه لبعده عما لهذه الألفاظ من مداليل لديهم، فالإستصلاح، كما هو صريح كلامهم، هو بناء الحكم على المصلحة المرسلة لا أنه عينها، كما أن الإستدلال إنما يكون بها لا أنها عين الإستدلال.

و بما أن هذه التعاريف التي نقلنا نموذجين منها لا تحكي عن واقع واحد ليلتمس تعريفه الجامع المانع من بينها، و ربما اختلف الحكم فيها لديهم باختلاف مفاهيمها فلا جدوى بمحاكمتها.

و الأنسب أن تعرض أحكامها و تحاكم على أساس ما ينتظمها من الأدلة نفيا أو إثباتا على أسس من تعدد المفاهيم.

تقسيم الأحكام المترتبة على المصلحة:

و قد قسموا أحكامها المترتبة عليها بلحاظ ما لمصالحها من رتب إلى أقسام ثلاثة:

1-الضروري:

«و هو المتضمن لحفظ مقصود من المقاصد الخمس التي لم تختلف فيها الشرائع بل هي مطبقة على حفظها» (2) . يقول الغزالي:

«و هذه الأصول الخمسة حفظها واقع في رتبة الضرورات فهي أقوى المراتب في المصالح، و مثاله قضاء الشرع بقتل الكافر المضلّ، و عقوبة المبتدع الداعي إلى بدعته فإن هذا يفوت على الخلق دينهم، و قضاؤه بإيجاب القصاص إذ به حفظ النفوس، و إيجاب حد الشرب إذ به حفظ العقول التي هي ملاك التكليف، و إيجاب حد الزنا إذ به حفظ النسل و الأنساب، و إيجاب

____________

(1) إرشاد الفحول، ص 242.

(2) إرشاد الفحول، ص 216.

218

زجر الغصاب و السراق إذ به يحصل حفظ الأموال التي هي معاش الخلق و هم مضطرون إليها» (1) ؛ ثم يقول: «و تحريم تفويت هذه الأصول الخمسة و الزجر عنها يستحيل أن لا تشتمل عليها ملة من الملل، و شريعة من الشرائع التي أريد بها إصلاح الخلق، و لذلك لم تختلف الشرائع في تحريم الكفر، و القتل، و الزنا، و السرقة، و شرب المسكر» (2) .

2-الحاجي:

و أرادوا به «ما يقع في محل الحاجة لا الضرورة» (3) كتشريع أحكام البيع، و الإجارة، و النكاح لغير المضطر إليها من المكلفين.

3-التحسيني:

و أرادوا به ما يقع ضمن نطاق الأمور الذوقية كالمنع عن أكل الحشرات، و استعمال النجس فيما يجب التطهر فيه، أو ضمن ما تقتضيه آداب السلوك كالحث على مكارم الأخلاق، و رعاية أحسن المناهج في العادات و المعاملات، و قد عرفه الغزالي بقوله هو: «ما لا يرجع إلى ضرورة و لا حاجة، و لكن يقع موقع التحسين و التزيين و التيسير للمزايا و المزايد» (4) .

و لهذا التقسيم ثمرات أهمها تقديم بعضها على بعض في مجالات التزاحم فهي مرتبة من حيث الأهمية، فالأول منها مقدم على الأخيرين و الثاني على الثالث، و لعل قسما من الأقوال القادمة يبتنى في حجيته على الأخذ ببعض هذه الأقسام دون بعض.

الإختلاف في حجيتها:

ذهب مالك و أحمد و من تابعهما «إلى أن الإستصلاح طريق شرعي لإستنباط الحكم فيما لا نص فيه و لا إجماع، و أن المصلحة المطلقة التي لا يوجد من الشرع ما يدل على اعتبارها و لا على الغائها مصلحة صالحة لئن يبنى عليها الإستنباط» (5) .

____________

(1، 2) المستصفى، ج 1 ص 140.

(3) إرشاد الفحول، ص 216.

(4) المستصفى، ج 1 ص 140.

(5) مصادر التشريع، ص 73.

219

و غالى فيها الطوفي، و هو من علماء الحنابلة (1) ، فاعتبرها الدليل الشرعي الأساس في السياسات الدنيوية و المعاملات، و قدمها على ما يعارضها من النصوص عند تعذر الجمع بينها (2) .

بينما ذهب الشافعي و من تابعه: «إلى أنه لا استنباط بالإستصلاح، و من استصلح فقد شرع كمن استحسن، و الإستصلاح كالإستحسان متابعة للهوى» (3) .

و للغزالي و هو من الشافعية تفصيل فيها فهو يرى أن «الواقع في الرتبتين الأخيرتين لا يجوز الحكم بمجرده إن لم يعتضد بشهادة أصل إلا أنه يجري مجرى وضع الضرورات، فلا بعد في أن يؤدي إليه اجتهاد مجتهد، و إن لم يشهد الشرع بالرأي فهو كالإستحسان، فإن اعتضد بأصل فذاك قياس. أما الواقع في رتبة الضرورات فلا بعد في أن يؤدي إليه اجتهاد مجتهد، و إن لم يشهد له أصل معين، و مثاله أن الكفار إذا تترسوا بجماعة من أسارى المسلمين، فلو كففنا عنهم لصدمونا و غلبوا على دار الإسلام و قتلوا كافة المسلمين، و لو رمينا الترس لقتلنا مسلما معصوما لم يذنب ذنبا، و هذا لا عهد به في الشرع، و لو كففنا لسلطنا الكفار على جميع المسلمين فيقتلونهم، ثم يقتلون الأسارى أيضا، فيجوز أن يقول قائل: هذا الأسير مقتول بكل حال، فحفظ جميع المسلمين أقرب إلى مقصود الشرع، لأنا نعلم أن مقصود الشرع تقليل القتل كما يقصد حسم سبيله عند الإمكان فإن لم نقدر على الحسم قدرنا على التقليل، و كان هذا التفاتا إلى مصلحة علم بالضرورة كونها مقصودة لا بدليل واحد و أصل معين، بل بأدلة خارجة عن الحصر، لكن تحصيل هذا المقصود بهذا الطريق و هو قتل من لم يذنب غريب لم يشهد له أصل معين، فهذا مثال مصلحة غير مأخوذة بطريق القياس

____________

(1) مصادر التشريع، ص 80.

(2) مصادر التشريع، ص 81 و ما بعدها.

(3) مصادر التشريع، ص 74.

220

على أصل معين» (1) .

و خلاصة ما انتهى إليه في ذلك اعتبار أمور ثلاثة إن توفرت في شي‏ء ما كشفت عن وجود الحكم فيه و هي:

1- كون المصلحة ضرورية.

2- كونها قطعية.

3- كونها كلية (2) .

هذا كله إذا وقعت في مرتبة الضروري «و إن وقعت في مرتبة الحاجي فقد رأى في المستصفى ردها، و في شفاء الغليل قبولها» (3) .

أما الأحناف فالمنسوب إليهم أنهم لا يقولون بالمصالح المرسلة، و لا يعتبرونها دليلا، و قد تنظّر الأستاذ خلاف في هذه النسبة، و استظهر من عدة وجوه خلاف ذلك‏ (4) .

و قد نسب الأستاذ الخفيف إلى الشيعة و أهل الظاهر «العمل بالمصالح المرسلة لكونهم لا يرون العمل بالقياس» (5) ، و سيتضح الحال فيها.

و لعل الفصل في هذه الأقوال نفيا أو إثباتا يتضح مما عرضوه للحجية من أدلة، و قد آثرنا تحريرها على ترتيب ما ذكروه في التقديم و التأخير.

أدلة الحجية من العقل:

و خلاصة ما استدل به للإستصلاح منها بعد إكمال نواقص بعضها ببعض هو:

1- إن الأحكام الشرعية إنما شرعت لتحقيق مصالح العباد، و إن هذه

____________

(1، 2) المستصفى، ج 1 ص 141.

(3) محاضرات في أسباب الإختلاف للخفيف، ص 244.

(4) مصادر التشريع، ص 74.

(5) محاضرات في أسباب الإختلاف، ص 244.

221

المصالح التي بنيت عليها أحكام الشريعة معقولة، أي مما يدرك العقل حسنها، كما أنه يدرك قبح ما نهى عنه، فإذا حدثت واقعة لا نص فيها «و بنى المجتهد حكمه فيها على ما أدركه عقله من نفع أو ضرر، كان حكمه على أساس صحيح معتبر من الشارع، و لذلك لم يفتح باب الإستصلاح إلا في المعاملات و نحوها مما تعقل معاني أحكامها فلا تشريع فيها بالإستصلاح» (1) .

و هذا الإستدلال لا يتم إلا على مبنى من يؤمن بالتحسين و التقبيح العقليين، و الدليل كما ترون قائم على الإعتراف بإمكان إدراك العقل لذلك.

و قد سبق أن قلنا: إن العقل قابل للإدراك، و لو أدرك على سبيل الجزم كان حجة قطعا لكشفه عن حكم الشارع، و لكن الإشكال، كل الإشكال، في جزمه بذلك لما مر من أن أكثر الأفعال الصادرة عن المكلفين، إما أن يكون فيها اقتضاء التأثير أو ليس فيها حتى الإقتضاء، و ما كان منها من قبيل الحسن و القبح الذاتيين فهو نادر جدا، و أمثلته قد لا تتجاوز العدل و الظلم و قليلا من نظائرهما.

و ما فيه الإقتضاء يحتاج إلى إحراز تحقق شرائطه و انعدام موانعه، أي إحراز تأثير المقتضى و هو مما لا يحصل به الجزم غالبا لقصور العقل عن إدراك مختلف مجالاته، و ربما كان بعضها مما لا يناله إدراك العقول كما مر عرض ذلك مفصلا.

2- قولهم: «إن الوقائع تحدث و الحوادث تتجدد، فلو لم يفتح للمجتهدين باب التشريع بالإستصلاح ضاقت الشريعة الإسلامية عن مصالح العباد و قصرت عن حاجاتهم، و لم تصلح لمسايرة مختلف الأزمنة و الأمكنة و البيئات و الأحوال مع أنها الشريعة العامة لكافة الناس، و خاتمة الشرائع السماوية كلها» (2) .

____________

(1، 2) مصادر التشريع، ص 75.

222

و قد أجبنا على نظير هذا الإستدلال في مبحث القياس، و بيّنا أنّ أحكام الشريعة بمفاهيمها الكلية، لا تضيق عن مصالح العباد و لا تقصر عن حاجاتهم، و هي بذلك مسايرة لمختلف الأزمنة و الأمكنة و البيئات و الأحوال و بخاصة إذا لوحظت مختلف المفاهيم بعناوينها الأولية و الثانوية و أحسن تطبيقها و الإستفادة منها.

و الحقيقة أن تأثير الزمان و المكان و الأحوال إنما هو في تبدل مصاديق هذه المفاهيم.

فالآية الآمرة بالإستعداد بما يستطيعون له من قوة لإرهاب أعداء اللّه قد لا نجد لها مصداقا في ذلك الزمن إلا بإعداد السيوف و الرماح و التروس و الخيول و أمثالها، لأن القوة السائدة هي من هذا النوع؛ و لكن تبدل الزمان و تغير وسائل الحرب حوّل الإستعداد إلى إعداد مختلف الوسائل السائدة في الأمم المتحضرة للحروب كالقنابل النووية و غيرها، فالمفهوم هو وجوب الإستعداد بما يستطاع لهم من قوة لم يتغير في الآية، و إنما تغيرت مصاديقه و هكذا...

فالتبدل في الحقيقة، لم يقع في المفاهيم الكلية، و إنما وقع في أفرادها و مصاديقها، فما كان مصداقا لمفهوم ما ربما تحول إلى مصداق لمفهوم آخر.

و لقد وسع لنا الشارع المقدس بما شرحه لنا من العناوين الثانوية من جهة، و بفتحه لنا أبواب الإجتهاد سواء في التعرف على أحكامه الكلية أم التماس مصاديقها بما سد حاجاتنا الأساسية إلى تطوير أنفسنا، و مسايرة عصورنا ضمن إطار ما جاء به من أحكام، و لكن لا على أن نفسح المجال أمام أوهامنا و ظنوننا لنتحكم في مصائر العباد كيفما نشاء، و ما دام مقياس الحجية بأيدينا-و هو ما سبق أن عرضناه-فلا مجال لإعتماد ما يخالف هذا المقياس، و الأساس فيه هو تحصيل العلم بالحكم أو العلمي، و لا أقل من تحصيل الوظيفة التي يأمن معها الإنسان من غائلة العقاب.

223

الإستدلال بسيرة الصحابة:

و كما استدلوا بالعقل فقد استدلوا عليها بسيرة الصحابة، و مما جاء في دليلهم: «أن أصحاب رسول اللّه لما طرأت لهم بعد وفاته حوادث وجدت لهم طوارى‏ء شرعوا لها ما رأوا أن فيه تحقيق المصلحة، و ما وقفوا عن التشريع لأن المصلحة ما قام دليل من الشارع على اعتبارها، بل اعتبروا أن ما يجلب النفع أو يدفع الضرر حسبما أدركته عقولهم هو المصلحة، و اعتبروه كافيا لأن يبنوا عليه التشريع و الأحكام، فأبو بكر جمع القرآن في مجموعة واحدة، و حارب مانعي الزكاة، و درأ القصاص عن خالد بن الوليد، و عمر أوقع الطلاق الثلاث بكلمة واحدة و وقف تنفيذ حد السرقة في عام المجاعة، و قتل الجماعة في الواحد؛ و عثمان جدد أذانا ثانيا لصلاة الجمعة (1) ...

الخ» .

و الغريب أن تنزل هذه التصرفات و أمثالها على القياس تارة و الإستحسان أخرى و المصالح ثالثة، و تعتبر على ألسنة البعض أدلة عليها، و ما أدري هل تتسع الواقعة الواحدة لمختلف هذه الأدلة مع تباينها مفهوما أم ماذا؟!

و مهما يكن فإن النقاش في هذا النوع من الإستدلال واقع صغرى و كبرى.

أما الصغرى فلعدم إمكان تكوين سيرة لهم من مجرد نقل أحداث عن أفراد منهم يمكن أن تنزل على هذا الدليل أو ذاك، و من شرائط السيرة أن يصدر المجموع عنها في سلوكهم الخاص، و كذلك لو أريد من هذا الدليل إجماعهم السكوتي على ذلك بالتقريب الذي ذكروه بالقياس، و الذي عرفت- فيما سبق-مناقشته.

أما إذا أريد الإستدلال بتصرفاتهم الفردية فهي لا تصلح للدليلية على أي حال لعدم الإيمان بعصمتهم أولا، و اجتهادهم لا يتجاوز في حجيته أنفسهم

____________

(1) مصادر التشريع، ص 75.

غ

224

و من يرجع إليهم بالتقليد.

و أما المناقشة في الكبرى فلعدم حجية مثل هذه السيرة أو الإجماع على أمثال هذه الأدلة، لأن هذه التصرفات غير معللة على ألسنتهم، و ما يدرينا أن الباعث على صدورها هو إدراك المصالح من قبلهم، و السيرة مجملة لا لسان لها لنتمسك به، و غاية ما يمكن أن تدل عليه هو حجية نفس ما قامت عليه من أفعال لو كانت مثل هذه السير من الحجج التي يركن إليها لا حجية مصادرها المتخيلة، على أن هذه التصرفات-كما سبقت الإشارة إليها-جار أكثرها على مخالفة النصوص لأمور اجتهادية لا نعرف اليوم عواملها و بواعثها الحقيقية، و فيما سبق عرضه في مبحث القياس ما يغني عن إطالة الحديث.

الإستدلال بحديث لا ضرر:

و قد تبناه الطوفي و قرب دلالته-بعد أن أطال الحديث في سنده-بقوله:

«و أما معناه فهو ما أشرنا إليه من نفي الضرر و المفاسد شرعا، و هو نفي عام إلا ما خصصه الدليل، و هذا يقتضي تقديم مقتضى هذا الحديث على جميع أدلة الشرع، و تخصيصها به في نفي الضرر و تحصيل المصلحة لأنا لو فرضنا أن بعض أدلة الشرع تضمن ضررا، فإن نفيناه بهذا الحديث كان عملا بالدليلين، و إن لم ننفه به كان تعطيلا لأحدهما و هو هذا الحديث؛ و لا شك أن الجمع بين النصوص في العمل بها أولى من تعطيل بعضها» (1) . و يقول:

«ثم إن قول النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: لا ضرر و لا ضرار يقتضي رعاية المصالح إثباتا و المفاسد نفيا إذ الضرر هو المفسدة فإذا نفاها الشرع لزم إثبات النفع الذي هو المصلحة لأنهما نقيضان لا واسطة بينهما» (2) .

و الذي يرد على هذا الإستدلال:

1- اعتقاده أن نسبة هذا الحديث إلى الأدلة الأولية هي نسبة المخصص مع أن من شرائط المخصص أن يكون أخص مطلقا من العام ليصح تقديمه

____________

(1) رسالة الطوفي، ص 90.

(2) رسالة الطوفي، ص 91.

225

عليه، و قد سبق بيان السر في ذلك في بحوث التمهيد و غيرها.

و النسبة هنا بين حديث لا ضرر و أي دليل من الأدلة الأولية، هي نسبة العموم من وجه، فوجوب الوضوء مثلا، بمقتضى إطلاقه شامل لما كان ضرريا و غير ضرري، و أدلة لا ضرر شاملة للوضوء الضرري و غير الوضوء، فالوضوء الضرري مجمع للحكمين معا، و مقتضى القاعدة التعارض بينهما و التساقط، و لا وجه لتقديم أحدهما على الآخر لأن نسبة العامين إلى موضع الإلتقاء من حيث الظهور نسبة واحدة.

و الظاهر أن الطوفي-بحاسته الفقهية-أدرك تقديم هذا الدليل على الأدلة الأولية و إن لم يدرك السر في ذلك.

و السر هو ما سبق أن ذكرناه من حكومة هذا النوع من الأدلة على الأدلة الأولية لما فيه من شرح و بيان لها، فكأنه يقول بلسانه إن ما شرع لكم من الأحكام هو مرفوع عنكم إذا كان ضرريا، فهو ناظر إليها و مضيق لها.

و ما دام لسانه لسان شرح و بيان فلا معنى لملاحظة النسبة بينه و بين غيره من الأدلة.

2- اعتقاده أن بين الضرر و المصلحة نسبة التناقض، و لذلك رتب على انتفاء أحدهما ثبوت الآخر لإستحالة ارتفاع النقيضين مع أن الضرر معناه لا يتجاوز النقص في المال أو العرض أو البدن و بينه و بين المصلحة واسطة، فالتاجر الذي لم يربح في تجارته و لم يخسر فيها لا يتحقق بالنسبة إليه ضرر و لا منفعة فهما إذن من قبيل الضدين اللذين لهما ثالث، و متى حصلت واسطة بينهما فانتفاء أحدهما لا يستلزم ثبوت الآخر، و على هذا المعنى يبتنى ثبوت المباح، و هو الذي لا ضرر و لا مصلحة فيه.

و إذن فانتفاء الضرر هنا لا يستلزم ثبوت المصلحة، و من هنا قلنا: أن حديث لا ضرر رافع للتكليف لا مشرع، فهو لا يتعرض إلى أكثر من ارتفاع الأحكام الضرورية عن موضوعاتها، أما إثبات أحكام أخر فلا يتعرض لها، و إنما المرجع فيها إلى أدلتها الأخرى.

226

و إذا اتضح هذا لم يبق أمام الطوفي ما يصلح للإستدلال به على المصالح المرسلة فضلا عن الغلو فيها.

غلو الطوفي في المصالح المرسلة:

و كان من مظاهر غلو الطوفي فيها تقديمه رعاية المصلحة على النصوص و الإجماع، و استدل على ذلك بوجوه:

«أحدها أن منكري الإجماع قالوا برعاية المصالح، فهو إذن محل وفاق، و الإجماع محل خلاف، و التمسك بما اتفق عليه أولى من التمسك بما اختلف فيه» (1) .

و يرد على هذا الإستدلال عدم التفرقة بين رعاية المصلحة و بين الإستصلاح كدليل، فالأمة، و إن اتفقت على أن أحكام الشريعة مما تراعى فيها المصالح، و لكن دليل الإستصلاح موضع خلاف كبير لعدم إيمان الكثير منهم بإمكان إدراك هذه المصالح مجتمعة من غير طريق الشرع، و قد سبق إيضاح ذلك في مبحث العقل.

فدليل الإستصلاح إذن ليس موضع وفاق ليقدم على الإجماع.

«الوجه الثاني: أن النصوص مختلفة متعارضة فهي سبب الخلاف في الأحكام المذموم شرعا، و رعاية المصالح أمر حقيقي في نفسه لا يختلف فيه، فهو سبب الإتفاق المطلوب شرطا فكان اتباعه أولى، و قد قال عزّ و جلّ: وَ اِعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اَللََّهِ جَمِيعاً وَ لاََ تَفَرَّقُوا (2) ، إِنَّ اَلَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَ كََانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْ‏ءٍ (3) ؛ و قال عليه السلام: «لا تختلفوا فتختلف قلوبكم» ، و قد قال عزّ و جلّ في مدح الإجتماع: وَ أَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مََا فِي اَلْأَرْضِ جَمِيعاً مََا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَ لََكِنَّ اَللََّهَ أَلَّفَ

____________

(1) رسالة الطوفي، ص 109.

(2) آل عمران/103.

(3) الأنعام/159.

227

بَيْنَهُمْ (1) ؛ و قال عليه السلام: «كونوا عباد اللّه إخوانا» .

و من تأمل ما حدث بين أئمة المذاهب من التشاجر و التنافر، علم صحة ما قلنا، حتى أن المالكية استقلوا بالمغرب، و الحنفية بالمشرق، فلا يقار أحد المذهبين أحدا من غيره في بلاده إلا على وجه ما، و حتى بلغنا أن أهل جيلان من الحنابلة إذا دخل إليهم حنفي قتلوه، و جعلوا ماله فيئا حكمهم في الكفار، و حتى بلغنا أن بعض بلاد ما وراء النهر من بلاد الحنفية، كان فيه مسجد واحد للشافعية و كان والي البلد يخرج كل يوم لصلاة الصبح فيرى ذلك المسجد فيقول: أما آن لهذه الكنيسة أن تغلق؟فلم يزل كذلك، حتى أصبح يوما و قد سد باب ذلك المسجد بالطين و اللبن فأعجب الوالي ذلك» .

«ثم إن كلا من أتباع الأئمة، يفضل إمامه على غيره في تصانيفهم و محاوراتهم حتى رأيت حنفيا صفف مناقب أبي حنيفة، فافتخر فيها بأتباعه، كأبي يوسف و محمد و ابن المبارك و نحوهم، ثم قال: يعرض بباقي المذاهب:

أولئك آبائي فجئني بمثلهم # إذا جمعتنا يا جرير المجامع‏

و هذا شبيه بدعوى الجاهلية و غيره كثير، و حتى أن المالكية يقولون:

الشافعي غلام مالك، و الشافعية يقولون: أحمد بن حنبل غلام الشافعي، و الحنابلة يقولون: الشافعي غلام أحمد بن حنبل.

«و قد ذكره أبو الحسن القرافي في الطبقات من أتباع أحمد» .

«و الحنفية يقولون: إن الشافعي غلام أبي حنيفة لأنه غلام محمد بن الحسن، و محمد غلام أبي حنيفة» ، قالوا لو لا أن الشافعي من أتباع أبي حنيفة لما رضينا أن ننصب معه الخلاف. و حتى أن الشافعية يطعنون بأن أبا حنيفة من الموالي، و أنه ليس من أئمة الحديث، و أحوج ذلك الحنفية إلى الطعن في نسب الشافعي و أنه ليس قرشيّا بل من موالي قريش، و لا إماما في

____________

(1) الأنفال/63.

228

الحديث لأن البخاري و مسلما أدركاه و لم يرويا عنه، مع أنهما لم يدركا إماما إلا رويا عنه، حتى احتاج الإمام فخر الدين و التميمي في تصنيفيهما مناقب الشافعي إلى الإستدلال على هاشميته، و حتى جعل كل فريق يروي السنّة في تفضيل إمامه، فالمالكية رووا: «يوشك أن تضرب أكباد الإبل و لا يوجد أعلم من عالم المدينة» . قالوا: و هو مالك، و الشافعية رووا: «الأئمة من قريش، تعلموا من قريش و لا تعالموها» ، أو «عالم قريش ملأ الأرض علما» ، قالوا: و لم يظهر من قريش بهذه الصفة إلا الشافعي و الحنفية، رووا: «يكون في أمتي رجل يقال له النعمان هو سراج أمتي، و يكون فيهم رجل يقال له محمد بن إدريس هو أضر على أمتي من إبليس» . و الحنابلة رووا: «يكون في أمتي رجل يقال له أحمد بن حنبل يسير على سنتي سير الأنبياء» أو كما قال فقد ذهب عني لفظه» .

«و قد ذكر أبو الفرج الشيرازي في أول كتابه المنهاج «و اعلم أن هذه الأحاديث ما بين صحيح لا يدل، و دال لا يصح. أما الرواية في مالك و الشافعي فجيدة لكنها لا تدل على مقصودهم لأن عالم المدينة إن كان اسم جنس فعلماء المدينة كثير و لا اختصاص لمالك دونهم، و إن كان اسم شخص فمن علماء المدينة الفقهاء السبعة و غيرهم من مشايخ مالك الذين أخذ عنهم و كانوا حينئذ أشهر منه، فلا وجه لتخصيصه بذلك و إنما حمل أصحابه على حمل الحديث عليه كثرة أتباعه و انتشار مذهبه في الأقطار، و ذلك إمارة على ما قالوا، و كذلك الأئمة من قريش لا اختصاص للشافعي به، ثم هو محمول على الخلفاء في ذلك، و قد احتج به أبو بكر يوم السقيفة، و كذلك تعلموا من قريش لا اختصاص لأحد به» .

«أما قوله: «عالم قريش يملأ الأرض علما» فابن عباس يزاحم الشافعي فيه، فهو أحق به لسبقه و صحبته و دعاء النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في قوله: «اللهم فقهه في الدين و علمه التأويل» فكان يسمى بحر العلم و حبر العرب، و إنما حمل الشافعية الحديث على الشافعي لإشتهار مذهبه و كثرة أتباعه، على أن مذهب ابن عباس مشهور بين العلماء لا ينكر» .

229

«و أما الرواية في أبي حنيفة و أحمد بن حنبل فموضوعة باطلة لا أصل لها، أما حديث «هو سراج أمتي» فأورده ابن الجوزي في الموضوعات، و ذكر أن مذهب الشافعي لما اشتهر أراد الحنفية إخماله، فتحدثوا مع مأمون بن أحمد السلمي و أحمد بن عبد اللّه الخوشاري و كانا كذابين وضاعين، فوضعا هذا الحديث في مدح أبي حنيفة و ذم الشافعي، و يأبى اللّه إلا أن يتم نوره» .

«و أما الرواية في أحمد بن حنبل فموضوعة قطعا لأنا قدمنا أن أحمد كان أحفظ الناس للسنة و أشدهم بها إحاطة حتى ثبت أنه كان يذاكر تأليف ألف حديث و أنه قال: خرجت مسندي من سبعمائة ألف حديث و خمسين ألف حديث، و جعلته حجة بيني و بين اللّه عزّ و جلّ، فما لم تجدوه فيه فليس بشي‏ء» .

«ثم إن هذا الحديث الذي أورده الشيرازي في مناقب أحمد ليس في مسنده، فلو كان صحيحا لكان هو أولى الناس بإخراجه و الإحتجاج به في محنته التي ضيق الأرض ذكرها» .

فانظر باللّه أمرا يحمل الأتباع على وضع الأحاديث في تفضيل أئمتهم و ذم بعضهم، و ما مبعثه إلا تنافس المذاهب في تفضيل الظواهر و نحوها على رعاية المصالح الواضح بيانها الساطع برهانها، فلو اتفقت كلمتهم بطريق ما لما كان شي‏ء مما ذكرنا عنهم» .

«و اعلم أن من أسباب الخلاف الواقع بين العلماء تعارض الروايات و النصوص، و بعض الناس يزعم أن السبب في ذلك عمر بن الخطاب، و ذلك أن أصحابه استأذنوه في تدوين السنة في ذلك الزمان فمنعهم من ذلك و قال:

(لا أكتب مع القرآن غيره) مع علمه أن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قال: «اكتبوا لأبي شاه خطبة الوداع» و قال: «قيدوا العلم بالكتابة» قالوا: فلو ترك الصحابة يدون كل واحد منهم ما روي عن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، لانضبطت السنة، و لم يبق بين أحد من الأمة و بين النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، في كل حديث إلا الصحابي الذي دون روايته،

230

لأن تلك الدواوين تتواتر عنهم إلينا كما تواتر البخاري و مسلم و نحوهما» (1) .

ثم أورد بعد ذلك على نفسه بقوله: «فإن قيل خلاف الأمة في مسائل الأحكام رحمة وسعة، فلا يحويه حصرهم من جهة واحدة لئلا يضيق مجال الإتساع، قلنا هذا الكلام ليس منصوصا عليه من جهة الشرع حتى يمتثل، و لو كان لكان مصلحة الوفاق أرجح من مصلحة الخلاف فتقدم» .

«ثم ما ذكرتموه من مصلحة الخلاف بالتوسعة على المكلفين معارض بمفسدة تعرض منه، و هو أن الآراء إذا اختلفت و تعددت اتبع بعض رخص بعض المذاهب فأفضى إلى الإنحلال و الفجور كما قال بعضهم:

فاشرب و لط وازن و قامر و احتجج # في كل مسألة بقول إمام‏

يعني بذلك شرب النبيذ و عدم الحد في اللواط على رأي أبي حنيفة، و الوطأ في الدبر على ما يعزى إلى مالك، و لعب الشطرنج على رأي الشافعي» .

«و أيضا فإن بعض أهل الذمة ربما أراد الإسلام فيمنعه كثرة الخلاف و تعدد الآراء ظنا منه أنهم يخطئون، لأن الخلاف مبعود عنه بالطبع، و لهذا قال اللّه تعالى: اَللََّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ اَلْحَدِيثِ كِتََاباً مُتَشََابِهاً (2) أي يشبه بعضه بعضا و يصدق بعضه بعضا، لا يختلف إلا بما فيه من المتشابهات و هي ترجع إلى المحكمات بطريقها، و لو اعتمدت رعاية المصالح المستفادة من قوله (ع) : «لا ضرر و لا ضرار» على ما تقرر، لاتحد طريق الحكم و انتهى الخلاف، فلم يكن ذلك شبهة في امتناع من أراد الإسلام من أهل الذمة و غيرهم» (3) .

و مع الغض عما في نصه هذا من خطابية و تطويل قد لا تكون له حاجة،

____________

(1) رسالة الطوفي، ص 109 إلى ص 113.

(2) الزمر/23.

(3) رسالة الطوفي، ص 116.

231

إن الإختلاف ضرورة لا يمكن دفعها عن البشر، و هو لا يستدعي الصراع و الخصام المذهبي ما دام أصحابه يسيرون ضمن نطاق الإجتهاد بموضوعية تامة، و ما دامت الأهواء السياسية و غيرها بعيدة عنه.

و هذا النوع من الصراع بين أتباع المذاهب كانت من ورائه دائما عوامل لا ترتبط بالدين.

و كانت السياسة من وراء أكثرها و كثير من هؤلاء المصطرعين لم يكونوا من العلماء المجتهدين، و إنما كانوا مرتزقة باسم الدين لإنسداد أبواب الإجتهاد في هذه الفترات التي أرخ لها، و حيث يوجد الغرض و الهوى و الجهل، و محاولات الإستغلال من تجار الضمائر و المبادى‏ء توجد التفرقة و الصراع، و أمثال هؤلاء المفرقين من العلماء إنما هم دمى بيد السلطة تحركها كيفما تشاء.

و إلا فإن العالم الصحيح لا يضره الإختلاف معه في مجالات استنباطه و ربما سر لعلمه بقيمة ما يأتي به الصراع من تلاقح فكري، و إنما و تطور للأفكار التي يؤمن بها.

و العلماء في مختلف المجالات العلمية يختلفون، و ما سمعنا خلافا أوجب الصراع فيما بينهم باسم العلم فضلا عن أن يدب الصراع إلى أبناء شعوبهم فيقتتلون، اللهم إلا إذا كانت السلطات من ورائه كما هو الشأن في موقف سلطة الكنيسة من بعض العلماء المكتشفين أمثال غاليلو.

و الشيعة أنفسهم رأوا طوائف من علمائهم و هم بحكم فتح أبواب الإجتهاد على أنفسهم كانوا يختلفون، و ينقد بعضهم آراء البعض الآخر، و مع ذلك كله نرى تقديسهم لعلمائهم يكاد يكون منقطع النظير.

و ما استشهد به من الآيات و الروايات على المنع من الإختلاف أجنبي عن هذا النوع من الإختلاف الذي يقتضيه البحث الموضوعي، لأن المنع عن هذا النوع منه تعبير آخر عن الدعوة إلى الجمود و إماتة الفكر و النظر في شؤون الدين، و هو ما ينافي الدعوة إلى تدبر ما في القرآن و النظر إلى آياته، بل

232

ينافي الدعوة إلى تدبر ما في الكون و الحث على استعمال العقل، و هو ما طفحت به كثير من الآيات و الأحاديث، لأن طبيعة التدبر و استعمال الفكر تدعو إلى اختلاف الرأي.

فالإختلاف المنهي عنه هو الإختلاف الذي يدعو إلى التفرقة و تشتيت كلمة الأمة، أي الإختلاف الذي يستغل عاطفيا لتفرقة الشعوب لا الإختلاف الذي يدعو إليه البحث الموضوعي و هو من أسباب الألفة و التعاطف بين أربابه، ففي الإستدلال خلط بين نوعي الإختلاف.

و مع التغافل عن هذه الناحية فإن دعواه بأن رعاية المصالح أمر حقيقي في نفسه لا يختلف فيه فهو سبب الإتفاق-لا أعرف لها وجها، لأن المصالح الحقيقية التي يتطابق عليها العقلاء محدودة جدا، و ما عداها كلها موضع خلاف بل هي نفسها موضع لخلاف كبير في مواقع تطبيقها كما سبق بيانه في مبحث العقل فكيف يكون النظر فيها موضعا لإتفاق الكلمة و بخاصة إذا وسعنا الأمر إلى عوالم الظنون بها و الأوهام، و هل تكفي مواضع الإتفاق منها لإقامة شريعة إذا تجردنا عن النصوص.

و بهذا يتضح الجواب على ما أورده على نفسه من إشكال و أجاب عليه، فكون الإختلاف رحمة و سعة مما لا إشكال فيه أصلا إذا كان في حدود البحث الموضوعي، و الذي يدل عليه كل ما يدل على وجوب المعرفة المستلزمة حتما للإختلاف من آيات و أحاديث، و معارضتها بمفسدة الأخذ بالرخص لا تعتمد على أساس.

فالآخذون بالرخص إما أن يكونوا معتمدين على حجة كأن يكون هناك مرجع مستوف لشرائط التقليد يسيغ لهم ذلك، فالأخذ بها لا يشكل مفسدة و أصحابها معذورون، و إما أن لا يكونوا على حجة، و هؤلاء لا حساب لنا معهم لتمردهم على أصل الشريعة في عدم الركون في تصرفاتهم على أساس، و كونهم يستغلون الرخص لتبرير أعمالهم أمام الرأي العام فإنما هو من قبيل الخداع و التمويه، و لو لم تكن هناك رخص لارتكبوا هذه الأعمال و التمسوا لها مبررات غير هذه.

233

و كون الإختلاف مانعا من دخول أهل الذمة إلى الإسلام هو الآخر لا يخلو من غرابة، فإن هؤلاء إن كانوا على درجة من الثقافة عرفوا أن هذا المقدار من الإختلاف مبرر في جميع الشرائع، بل هو مما تقتضيه الطبيعة البشرية لإستحالة اتفاق الناس في فهم جميع ما يتصل بشؤون شرائعهم، بل جميع ما يتصل بشؤونهم الحياتية و غيرها، و متى منع الإختلاف أحدا من الدخول في الإسلام؟!

و هناك أدلة أخرى له لا تستحق أن تعرض و يطال فيها الحديث و أجوبتها تعرف مما سبق أن عرضناه في مبحث القياس.

فغلو الطوفي في استعمال المصالح المرسلة و تقديمها على النصوص و الإجماع لا يستقيم أمره بحال.

نفاة الإستصلاح و أدلتهم:

أما نفاة الإستصلاح و في مقدمتهم الشافعي فأهم ما استدلوا به:

1- إيمانهم بكمال الشريعة و استيفائها لحاجات الناس «و لو كانت مصالح الناس تحتاج إلى أكثر مما شرعه و مما أرشد إلى الإهتداء به لبينه و لم يتركه لأنه سبحانه قال على سبيل الإستنكار: «أَ يَحْسَبُ اَلْإِنْسََانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً» (1) .

و الجواب على هذا الإستدلال أن مثبتي الإستصلاح لا ينكرون وفاء الشريعة بحاجات الناس و إن أنكروا وفاء النصوص بها، فهم يعتبرون العقول من وسائل إدراكها كالنصوص على حد سواء، و اهتداء العقول إليها إنما هو بهداية اللّه عزّ و جلّ لها، فالعقول إذن كاشفة و ليست بمشرعة.

2- ما يستفاد من قول الغزالي و هو يرد على من يريد اعتبار الإستصلاح أصلا خامسا «من ظن أنه أصل خامس فقد أخطأ لأنا رددنا المصلحة إلى حفظ مقاصد الشرع، و مقاصد الشرع تعرف بالكتاب و السنة و الإجماع؛ فكل

____________

(1) مصادر التشريع، ص 78.

234

مصلحة لا ترجع إلى حفظ مقصود فهم من الكتاب و السنة و الإجماع، و كانت من المصالح الغريبة التي لا تلائم تصرفات الشرع، فهي باطلة مطروحة، و من صار إليها فقد شرع، كما أن من استحسن فقد شرع، و كل مصلحة رجعت إلى حفظ مقصود شرعي علم كونه مقصودا بالكتاب و السنة و الإجماع فليس خارجا من هذه الأصول، لكنه لا يسمى قياسا بل مصلحة مرسلة إذ القياس أصل معين، و كون هذه المعاني مقصودة عرفت لا بدليل واحد، بل بأدلة كثيرة لا حصر لها من الكتاب و السنة و قرائن الأحوال و تفاريق الإمارات تسمى لذلك مصلحة مرسلة، و إذا فسرنا المصلحة بالمحافظة على مقصود الشرع فلا وجه للخلاف في اتباعها، بل يجب القطع بكونها حجة» (1) .

و الجواب الذي يصلح-لمثبتي الإستصلاح-التمسك به. إن حصر معرفة المصلحة التي تحفظ مقاصد الشرع بالكتاب و السنة و الإجماع لا دليل عليه لما سبق من إثبات كاشفية العقل و إدراكه للمصالح و المفاسد المستلزم لإدراك حكم الشارع بها.

و مع إمكان الإدراك فليس هناك ما يمنع من وقوعه أحيانا، و على أي حال فالمسألة مبنائية.

3- ما ذكره الآمدي في كتابه الأحكام من أن «المصالح على ما بيّنا، منقسمة إلى ما عهد من الشارع اعتبارها، و إلى ما عهد منه إلغاؤها، و المرسلة مترددة بين ذينك القسمين، و ليس إلحاقها بأحدهما أولى من إلحاقها بالآخر، فامتنع الإحتجاج بالمرسل دون شاهد بالإعتبار يبين أنه من قبيل المعتبر دون الملغى» (2) .

و موضع الفجوة في هذا الإستدلال اعتبار المصلحة مترددة بين القسمين إذا أريد من ترددها ترددها بين ما دلّ على الإعتبار من النصوص، و ما دل على الإلغاء لإفتراض القائلين بالإستصلاح أن النصوص غير متعرضة لها اعتبارا أو

____________

(1) المستصفى، ج 1 ص 143 و ما بعدها.

(2) مصادر التشريع، ص 79 نقلا عنه.

235

إلغاء، و إنما اكتشفوا اعتبارها من قبل الشارع بدليل العقل، فهي إذن معتبرة من الشارع و لكن من غير ما عهد منه، فهي قسم ثالث في عرض ذينك القسمين، و إن شئت أن تقول أن الإعتبار على قسمين: معهود من الشرع بطريق النصوص، و معهود منه بطريق العقل؛ و هذه من القسم الثاني و ليست بأحد القسمين اللذين ذكرهما الآمدي ليقال: «و ليس إلحاقها بأحدهما أولى من إلحاقها بالآخر» .

تلخيص و تعقيب:

و خلاصة ما انتهينا إليه أن تعاريف المصالح المرسلة مختلفة، فبعضها ينص على استفادة المصلحة من النصوص و القواعد العامة، كما هو مقتضى استفادة الدواليبي و الطوفي.

و مقتضى هذا النوع من التعاريف إلحاقها بالسنة، و الإجتهاد فيها إنما يكون من قبيل تحقيق المناط بقسمه الأول، أي تطبيق الكبرى على صغراها بعد التماسها-أعني الصغرى-بالطرق المجعولة من الشارع لذلك، و لا يضر في ذلك كونها غير منصوص عليها بالذات، إذ يكفي في إلحاقها بالسنة دخولها تحت مفاهيمها العامة، و متى اشترطنا في السنة أن تكون خاصة لتكون مصدرا من مصادر التشريع، فعدها-بناء على هذه التعاريف-في مقابل السنة لا يعرف له وجه.

و أما على تعاريفها الأخر فينحصر إدراكها بالعقل. و الذي ينبغي أن يقال عنها أنها تختلف من حيث الحجية باختلاف ذلك الإدراك، فإن كان ذلك الإدراك كاملا-أي إدراكا للمصلحة بجميع ما يتعلق بها في عوالم تأثيرها في مقام جعل الحكم لها من قبل المشرع-فهي حجة، إذ ليس وراء القطع، كما سبق تكراره، مجال لتساؤل أو استفهام؛ يقول المحقق القمي:

«و المصالح إما معتبرة في الشرع و بالحكم القطعي من العقل من جهة إدراك مصلحة خالية من المفسدة كحفظ الدين و النفس و العقل و المال و النسل، فقد

236

اعتبر الشارع صيانتها و ترك ما يؤدي إلى فسادها (1) ... الخ» .

و لكن القول بحجيتها هنا لا يجعلها دليلا مستقلا في مقابل العقل، بل هي نفس ما عرضناه سابقا في مبحث حجيته.

و إن لم يكن إدراكه لها كاملا بأن كان قد أدرك المصلحة، و احتمل وجود مزاحم لها يمنع من جعل الحكم، أو احتمل أنها فاقدة لبعض شرائط الجعل كما هو الغالب فيها، بل لا يتوفر الإدراك الكامل إلا في حالات نادرة و هي التي تكون المصلحة ذاتية-كما سبق-فإن القول بحجيتها-أعني هذا النوع من المصالح المرسلة-مما يحتاج إلى دليل، و ليس لدينا من الأدلة ما يصلح لإثبات ذلك، لما قلناه من أن الإدراك الناقص-و هو الذي لا يشكل الرؤية الكاملة-ليست حجيته ذاتية، بل هي محتاجة إلى الجعل و الأدلة غير وافية بإثباته.

و الشك في الحجية كاف للقطع بعدمها لتقومها بالعلم، و قد مرّ إيضاح ذلك كله.

و بهذا يتضح أن الشيعة لا يقولون بالمصالح المرسلة إلا ما رجع منها إلى العقل على سبيل الجزم، كما هو مقتضى مبناهم الذي عرضناه في دليل العقل و ما عداه فهو ليس بحجة، فنسبة الأستاذ الخفيف القول بها إلى الشيعة ليس بصحيح على إطلاقه» .

و مرة ثالثة أكون مع الطالب العزيز راجيا منه أن يشير إلى مواضع عناصر الأسلوب العلمي في هذا البحث.

____________

(1) القوانين المحكمة، ج 2 ص 92.

237

صفات الباحث‏

-الموهبة

-الذهنية العلمية

-المنهجية

-المعرفة العلمية

-الأمانة في النقل‏

-الصدق في القول‏

-الصراحة في الرأي‏

-الموضوعية

-الوضوح‏

-الأسلوبية

-الأخلاقية

238

-

239

صفات الباحث‏

من أهم الصفات التي ينبغي أن يتحلى بها الباحث، أو الشروط-كما يعبر عنها بعضهم-و التي يراد بها المؤهلات المكوّنة لشخصية الباحث:

1-الموهبة:

و يراد بها الإستعداد الفطري لدى المرء للبراعة فيما يريد القيام به من سلوك فكريا كان أو عمليا.

و معنى هذا أن العنصر الأساسي في تكوين شخصية الباحث أن يكون لديه الإستعداد الفطري و القابلية للبحث.

و الإختبار-عادة-هو الذي يكشف عن مدى استعداد الشخص للبحث أو عدم استعداده.

فمتى ما وجد المرء نفسه موهوبا في هذا المجال، كان هذا هو الخطوة الأولى للإنطلاق في تنمية القدرة على البحث لديه.

2-الذهنية العلمية:

و يعنى بها-في هذا السياق-القدرة على التفكير تفكيرا علميا.

و العامل الذي يساعد على تكوين و صياغة الذهنية العلمية لدى الفرد هو ممارسة عملية النقد العلمي، و باستمرار.

فمتى ما كان هذا، و كان المرء ذا قابلية لأن تكون لديه الذهنية العلمية،

240

وفّق لأن تصوغ هذه الممارسات العلمية و أمثالها ذهنيته صياغة علمية قادرة على التفكير طبق قوانينه العلمية.

و الإختبار-أيضا-هو الذي يكشف عن وجود الذهنية العلمية أو عدم وجودها.

و متى كان الإنسان ذا ذهنية علمية، كانت هذه الخطوة الثانية له للإنطلاق في تنمية القدرة على البحث لديه.

3-المنهجية:

و يراد بها-هنا-أن يكون المرء عارفا بأصول المنهج العلمي العام، و قواعد المنهج العلمي الخاص، اللذين يناسبان موضوع بحثه.

مع وجود القدرة لديه على هندسة بحثه وفق قوانين المنهجين ليصل إلى نتائج سليمة في بحثه.

4-المعرفة العلمية:

و هي أن يكون الباحث متخصصا في موضوع بحثه أو-على أقل تقدير- ملما إلماما وافيا كافيا بموضوع بحثه.

و كذلك فيما يلابس موضوعه من معارف علمية أخرى يفتقر إليها في البحث.

5-الأمانة في النقل:

و هي أن يكون أمينا فيما ينقله من النصوص أو الآراء أو غيرهما، فلا يقدم على الزيد فيها أو النقص منها، أو التغيير بشكل أو آخر، أو الإنتحال، و السرقة.

و أن يتوثق من نسبة النص إلى مصدره و الرأي إلى قائله.

6-الصدق في القول:

و أن يكون صادقا في كل ما يقوله في بحثه صدقا يحمّله مسؤولية المخالفة

241

أو التزوير أو ما إليهما.

7-الصراحة في الرأي:

و أن يكون صريحا في إبداء ما يتوصل إليه من رأي، لأن الباحث ناشد حقيقة، و الحقيقة لا تقبل التضبيب أو التظليم.

8-الموضوعية ytivitcejbO :

و هي أن يكون الباحث مع موضوع بحثه فقط، فلا يقحم في مبادئه أو مطالبه أي اعتبار شخصي، و إنما ينظر الأشياء و يتصورها على ما هي عليه، أي من غير أن يشوبها بنظرة ضيقة أو بتحيز خاص.

و بتعبير آخر:

أن يتجرد الباحث من اعتباراته الذاتية الشخصية، و يدخل الموضوع بذهنية علمية لا تأثير للعواطف عليها، و ينتهي منه إلى ما ينهيه إليه.

و يقابل الموضوعية: الذاتية ytivitcejbuS ، و هي تعني تأثر الباحث باعتباراته الذاتية و نوازعه الشخصية، و لذا عبّر عنها بعضهم بالإتجاه التأثري.

9-الوضوح:

و يراد به أن يكون الباحث واضحا في:

-الهدف من البحث.

-خطوات البحث.

-نتائج البحث.

فيبتعد عن الغموض، و يتجنب الإنغلاق.

10-الأسلوبية:

و هي أن يلتزم الباحث الأسلوب العلمي في بحثه.

11-الأخلاقية:

و هي أن يتحلى بـ:

242

أ- الصبر، لأن البحث مسؤولية، و المسؤولية لا بد لها من تحمل، و التحمل بطبيعته يتطلب الصبر.

ب- و المثابرة على مواصلة البحث فلا تثنيه العوائق و الصعوبات، بل يعمل على تذليلها و تسهيلها.

جـ- الإحترام لآراء الآخرين مهما ضؤلت أو هزلت، و مهما عظمت أو خطرت.

ذلك أن الإحترام من أجلّ و أجمل سمات العالم، فلا ينبغي للباحث أن يسقط من شخصيته هذه السمة الجليلة الجميلة.

د- التواضع، فلا يأخذن الباحث الغرور بما قد يصل إليه من نتائج ذات قيمة علمية، لأن الغرور مطية الهلاك.

و قال حاجي خليفة في بيان صفات الباحث و شروط بحثه:

«و شرط في التأليف:

1- إتمام الغرض الذي وضع الكتاب لأجله من غير زيادة و لا نقص.

2- و هجر اللفظ الغريب و أنواع المجاز، اللهم إلاّ في الرمز.

3- و الإحتراز عن إدخال علم في علم آخر.

4- و عن الإحتجاج بما يتوقف بيانه على المحتج به عليه لئلا يلزم الدور.

و زاد المتأخرون:

5- اشتراط حسن الترتيب.

6- و وجازة اللفظ.

7- و وضوح الدلالة.

و ينبغي أن يكون مسوقا على حسب إدراك أهل الزمان، و بمقتضى ما تدعوهم إليه الحاجة، فمتى كانت الخواطر ثاقبة، و الأفهام للمراد من الكتب‏

243

متناولة، قام الإختصار لها مقام الإكثار، و أغنت بالتلويح عن التصريح، و إلاّ فلا بد من كشف و بيان و إيضاح و برهان ينبه الذاهل، و يوقظ الغافل» (1) .

____________

(1) كشف الظنون 1/35-36.

244

-

245

شروط البحث‏

-إمكانية البحث‏

-توفر المدة الكافية للبحث‏

-أهمية البحث‏

-فائدة البحث‏

-التجديد في البحث‏

-توفر مصادر البحث‏

246

-

247

شروط البحث‏

من أهم الشروط التي ينبغي أن يتوفر عليها البحث لكي يكون بحثا حيا و ذا فائدة، الشروط التالية:

1-إمكانية البحث:

و أعني بذلك أن لا يكون البحث في موضوع تستحيل معالجته لعدم قدرة الإنسان على ذلك كمعرفة حقيقة الذات الإلهية، فإنها من الأمور التي يمتنع على الإنسان إخضاعها للبحث لإستحالة الوصول فيها إلى النتيجة المطلوبة، لأنها فوق مستوى الإدراك العقلي للإنسان.

و يلحق بالمستحيل الموضوعات المتعسر معالجتها، إما لعدم قدرة الإنسان على الوصول إلى ذلك، أو لأن كلفة البحث بدنيا و ماليا أكثر بكثير مما قد يحصل عليه الباحث من نتائج، كمحاولة معرفة ما وراء المجموعة الشمسية مثلا.

2-توفر المدة الكافية للبحث:

ذلك أن المدة الزمنية التي يستطيع أن يوفرها الباحث لبحثه إذا كانت غير كافية لإعداد بحثه أو إجرائه لا فائدة من دخوله في البحث لأنه يعلم مسبقا أنه لن يصل في مدته المقدورة له إلى النتيجة المطلوبة. غ

248

3-أهمية البحث:

و أريد بها أن يكون البحث ذا قيمة علمية تعطيه أهميته المبررة للدخول فيه.

4-فائدة البحث:

و أقصد من هذا أن يكون البحث في نتائجه ذا فائدة للبشرية، دنيوية كانت تلكم الفائدة أو أخروية.

ذلك أن البحث إذا لم يكن له فائدة هكذا يكون مضيعة لوقت الباحث و جهده اللذين يمكن أن يفيد منهما في مجال آخر ذي فائدة.

5-التجديد في البحث:

و هو أن يأتي الباحث في بحثه بجديد مبتكر، أو جديد يضيفه إلى تجارب من سبقه في مثل بحثه ليكملها أو يتكامل معها.

و الجديد قد يكون في الفكرة، و قد يكون في العرض، و قد يكون في غيرهما.

و أفاد حاجي خليفة في هذا بقوله: «ثم إن التأليف على سبعة أقسام لا يؤلف عالم عاقل إلاّ فيها، و هي:

1- إمّا شي‏ء لم يسبق إليه فيخترعه.

2- أو شي‏ء ناقص يتممه.

3- أو شي‏ء مغلق يشرحه.

4- أو شي‏ء طويل يختصره دون أن يخل بشي‏ء من معانيه.

5- أو شي‏ء متفرق يجمعه.

6- أو شي‏ء مختلط يرتبه.

7- أو شي‏ء أخطأ فيه مصنفه فيصلحه.

و ينبغي لكل مؤلف كتاب في فن قد سبق إليه أن لا يخلو كتابه من خمس فوائد:

249

1- استنباط شي‏ء كان معضلا.

2- أو جمعه إن كان مفرقا.

3- أو شرحه إن كان غامضا.

4- أو حسن نظم و تأليف.

5- أو إسقاط حشو و تطويل» (1) .

ذلك أن الباحث إذا لم يضف جديدا يكون قد أضاع وقتا كان بإمكانه أن يستفيد منه في مجال آخر يحقق فيه الجديد المطلوب.

6-توفر مصادر البحث:

و هذا مما لا بد منه لنجاح البحث في مسيرته، و في وصوله إلى النتيجة المطلوبة.

لأن عدم توفر المصادر يعني عدم توفر مادة البحث، و البحث بلا مادة لا يكون بحثا.

إن هذه الشروط المذكورة، و ما إليها من شروط أخرى يراها الباحث أساسية في بحثه، لا بد من التأكد منها قبل القدوم على إعداد أو إجراء البحث، ليضمن الباحث لبحثه النجاح في تطبيق خطواته و تحقيق نتيجته.

____________

(1) كشف الظنون 1/35.

250

-

251

مقدمات البحث‏

-تعيين موضوع البحث‏

-وضع قائمة بعناوين مصادر البحث‏

-قراءة المصادر

-تصنيف المصادر

-وضع خطة البحث‏

-تعيين منهج البحث‏

252

-

253

مقدمات البحث‏

لا بد للباحث قبل البدء بإعداد البحث-تحضيرا أو كتابة-من التمهيد لذلك بالمعدات أو المقدمات التالية:

1-تعيين موضوع البحث:

و هي أن يقوم الباحث بتعيين موضوع بحثه تعيينا واضحا يجسده أمامه تجسيدا كاملا فيضعه نصب عينيه شكلا و مضمونا.

و ذلك لأن كل ما هو آت من مقدمات متوقف على هذه المقدمة.

2-وضع قائمة بعناوين مصادر الموضوع:

و بعد أن يعين الباحث موضوع بحثه ينتقل إلى إعداد المقدمة الثانية من مقدمات بحثه، و هي:

1- مراجعة المكتبات، عامة و خاصة، و متخصصة و غير متخصصة.

2- قراءة فهارس الكتب، العامة، و المتخصصة.

3- فحص الدوريات العلمية، العامة، و المتخصصة.

4- مساءلة الأساتذة المعنيين بمثل بحثه، متخصصين و هاوين.

5- ثم جمع جميع ما يقف عليه من عناوين الكتب و الأبحاث التي لها ارتباط بموضوع بحثه، و عمل قائمة فهرسية بها، تحتوي البيانات التالية:

1- عنوان الكتاب.

254

-اسم المؤلف.

-مكان و زمان الطبع (أو اسم المكتبة التي تحتفظ به إن كان مخطوطا مع ذكر رقمه فيها) .

-عدد الطبعة.

-ملحوظة، تتضمن مدى علاقة الكتاب بموضوع البحث.

2- عنوان البحث.

-اسم الكاتب.

-اسم الدورية.

-تاريخ و عدد الإصدار.

-ملحوظة، تتضمن مدى علاقة البحث بموضوع بحثه.

3-قراءة المصادر:

ثم يقوم الباحث بقراءة المصادر التي أدرجها في القائمة قراءة متأنية و فاحصة، يهدف منها إلى:

أ- التمييز بين المصدر الأساسي بالنسبة إلى موضوع بحثه، و الآخر غير الأساسي.

ب- معرفة ما في محتوياتها من مادة علمية ترتبط بموضوع بحثه معرفة تفصيلية تيسر له الرجوع إليها و الإستفادة منها.

4-تصنيف المصادر:

و في هدي قراءة الباحث للمصادر و تعرفه الأساسي منها و غير الأساسي، يصنف المصادر المذكورة في القائمة الأولى إلى قائمتين هما:

أ- قائمة المصادر الأساسية:

و يضمنها عناوين المصادر الأساسية بالنسبة لموضوع بحثه.

ب- قائمة المراجع الثانوية:

و يضمنها عناوين المراجع الثانوية بالنسبة لموضوع بحثه.