أجود التقريرات‏ - ج2

- السيد أبو القاسم الموسوي الخوئي المزيد...
523 /
201

صاحب الكفاية (قده) من حكمه في المقام بالاشتغال مع ذهابه إلى البراءة في مسألة الأقل و الأكثر نعم لو كان الحكم متعلقا بعنوان بسيط خارجي مقدور للمكلف و كان التروك الخارجية محصلة له كما إذا قال المولى كن لا شارب الخمر بنحو القضية المعدولة المحمول لكان الحكم في موارد الشك هو الاشتغال لو لم يكن فيها أصل آخر حاكم عليه ضرورة ان التروك الخارجية في هذا الفرض لم تؤخذ متعلقة للتكليف لا بنحو يكون كل واحد مطلوبا للمولى و لا بنحو يكون كل ترك مقوما للمطلوب و جزء منه حتى يحكم بالبراءة عند الشك بل المطلوب فيه عنوان وجودي يمكن للمكلف تحصيله في الخارج بمحصلية التروك الخارجية فعند الشك في حصوله من جهة الشك في محصله لا يعقل الحكم بالبراءة لما عرفت سابقا من ان موارد الشك في المحصل خصوصا إذا كان الشك في المحصل الخارجي الغير الشرعي أجنبية عن موارد الحكم بالبراءة رأسا إذ الحكم بالبراءة انما يكون عند الشك في التكليف و اما الشك في وجود المكلف به بعد العلم بتعلق التكليف به من جهة الشك في محصله فهو مورد لحكم العقل بتحصيل الفراغ اليقيني و إلى هذا نظر من ذهب إلى عدم جواز الصلاة فيما شك في كونه من غير المأكول فإنه نظر إلى اشتراط الصلاة بكونها في غير المأكول فهذا العنوان الوجوديّ هو المأخوذ قيدا فيها و تحصيله مقدور للمكلف و عند الشك في حصوله لا بد من الحكم بالاشتغال دون البراءة ثم انا ذكرنا مرارا ان الاستصحاب في الاعدام المأخوذة وصفا لموضوعاتها لا يجري إلّا إذا كانت تلك الاعدام مسبوقة بالتحقق في موضوعاتها و إلّا لكان إثبات اتصاف الموضوع بها باستصحاب العدم الأزلي مستلزما للقول بحجية الأصول المثبتة و على ذلك فيختلف الحال باختلاف اعتبار غير المأكول شرطا فإنه إذا كان شرطا في الصلاة فليس لها حالة سابقة يمكن استصحابها إذ هي من أول وجودها يشك في اقترانها بالقيد المعلوم قيديته و اما إذا كان شرطا للمصلي فيجري استصحاب عدم كونه لابسا لغير المأكول و عدم كونه مستصحبا لاجزاء غير المأكول لتحقق هذين العدمين قبل لبسه للمشكوك و قبل وقوع الجزء المشكوك في لباسه أو بدنه و إذا كان ذلك شرطا في اللباس فيفرق بين الشك في كون نفس اللباس من غير المأكول و بين كون الاجزاء الواقعة عليه منه فلا يجري الاستصحاب في الأول و يجري في الثاني و الوجه فيهما واضح و بالجملة إذا كان عنوان وجودي أخذ متعلقا للتكليف سواء كان متعلقا للتكليف الاستقلالي أو متعلقا للتكليف الضمني و شك في تحققه خارجا من جهة الشك في محصله فلا مناص عن الحكم‏

202

بالاشتغال في غير موارد وجود الأصل الحاكم عليه و اما أصالة البراءة فلا تكون جارية مطلقا (فتحصل) من جميع ما ذكرناه ان التروك الخارجية و ان كانت تستلزم عنوانا وجوديا و هو اتصاف المكلف بكونه غير فاعل دائما إلّا انه يختلف الحال باعتبار تعلق الحكم بها فقد يكون نفس التروك متعلقة للحكم من حيث المجموع بنحو العام المجموعي فيرجع الشك في مطلوبية ترك من جهة احتمال كونه مقوما للمطلوب إلى الشك بين الأقل و الأكثر و أخرى تكون متعلقة للحكم بنحو العام الاستغراقي فيكون كل ترك مع قطع النّظر عن الترك الآخر مطلوبا للمولى فالشك في تعلق حكم بترك يكون شكا في حكم استقلالي نفسي فيكون مجرى للبراءة و ثالثة يكون الحكم متعلقا بالعنوان المتحصل من التروك الخارجية فتكون التروك محصلة لها خارجا من دون ان يتعلق بنفسها تكليف فعند الشك في تحقق ذلك العنوان في الخارج لا بد من الحكم بالاشتغال ان لم يكن هناك استصحاب حاكم عليه فمورد الحكم بالبراءة أجنبي عن مورد جريان الاستصحاب بالكلية (و من جميع) ما ذكرناه يظهر الحال فيما ذكره المحقق صاحب الكفاية (قده) في المقام فراجع (ثم انه) يظهر مما بيناه في الجهة الأولى حال الجهة الثانية أيضا و انه لا مانع من جريان البراءة الشرعية أيضا إذ العلم بالكبرى الكلية بعد فرض كونها انحلالية لا يوجب كون الحكم الشرعي معلوما للمكلف مع الشك في وجود الموضوع خارجا فيجري أدلة البراءة التي أخذ في موضوعها عدم العلم بالحكم و على تقدير الإغماض عن عدم كون العلم بالكبرى الكلية علما بالحكم مع عدم إحراز الموضوع الخارجي فلا إشكال في الحكم بالحلية من جهة الاخبار الدالة على حلية المشكوك و قد ذكرنا هذه الاخبار عند التعرض لحكم المشكوك بالشبهة الحكمية فإن تلك الاخبار لو لم تكن ظاهرة في بيان حكم الشبهة الموضوعية فلا أقل من كونه مرادا منها يقينا فالحكم بالبراءة في الشبهة الموضوعية خال عن الإشكال بالكلية (تبصرة) لا يخفى ان القائلين بجريان البراءة في الشبهات التحريمية حكمية أو موضوعية لا يمنعون عن حكم العقل بحسن الاحتياط للتحرز عن الوقوع في المفاسد الواقعية التي لا تدور مدار العلم و الجهل بل لا يبعد الحكم باستحباب الاحتياط من جهة كون الاجتناب مرتبة من التقوي الموجبة لكمال النّفس فإن حكم العقل بحسن الاحتياط الناشئ عن مراعاة الواقع و ان كان واقعا في مرتبة معلومات الحكم الشرعي و مثل هذا الحكم قد عرفت انه لا يمكن ان يكون مستتبعا للحكم الشرعي إلّا انه لا مانع من استحباب الاحتياط و التحرز عن الشبهات بملاك آخر

203

و هو كون الاحتياط موجبا للتقوى الموجبة لكمال النّفس و في اخبار الاحتياط ما يدل على الاستحباب الشرعي فإن قوله (عليه السلام) أورع الناس من وقف عند الشبهة و قوله (عليه السلام) لا ورع كالوقوف عند الشبهة و قوله (عليه السلام) من ترك ما اشتبه عليه من الإثم فهو لما استبان له اترك و غيرها من الاخبار ظاهرة في الاستحباب الشرعي و مع كون الحكم بالاستحباب ممكنا في حد نفسه و ظهور الاخبار فيه لا بد من الحكم و الفتوى على طبقها

هذا تمام الكلام في المقام الأول‏

و اما المقام الثاني و هو إذا كانت الشبهة الحكمية التي لم يعلم فيها جنس التكليف‏

و لم يلاحظ فيها الحالة السابقة وجوبية ففيها مسائل أيضا و لا يهمنا التعرض لكل واحد منها بخصوصها فإن فيما ذكرناه في الشبهة التحريمية من الأدلة على جريان البراءة في تمام صور المسألة غير مسألة تعارض الخبرين التي ذكرنا ان الحكم فيها هو الأخذ بأحد الخبرين تعيينا أو تخييرا كفاية و الملاك بين المقامين مشترك فيه هذا مع ان أغلب الأخباريين القائلين بوجوب الاحتياط في الشبهة التحريمية وافقوا الأصوليين في الحكم بالبراءة في الشبهة الوجوبية بل لم يوجد خلاف فيها الا من صاحب الحدائق و المحدث الأمين الأسترآبادي في خصوص الشبهة الحكمية فالمهم في المقام هو التعرض لمطالب‏

(المطلب الأول) في تحقيق الحال في جريان الاحتياط في العبادات‏

فنقول قد ظهر مما ذكرناه في الشبهة التحريمية من حسن الاحتياط عقلا و شرعا حسن الاحتياط في الشبهة الوجوبية أيضا و ذلك لعدم اختصاص أدلته بخصوصها و هذا في التوصليات في غاية الوضوح و اما في غيرها فإن علم المحبوبية المطلقة و دار الأمر بين الوجوب و الاستحباب فالامر كذلك إذ لا مانع من إتيان العبادة بقصد امرها الدائر بين الوجوب و الاستحباب (و توهم) عدم إمكان الاحتياط فيها لعدم التمكن من قصد الوجه المعتبر في العبادة (مدفوع) بان قصد الوجه على تقدير اعتباره انما يعتبر عند التمكن منه و عند تعذره لعدم العلم بالوجوب و الاستحباب فلا يعتبر قطعا و اما إذا لم يعلم المحبوبية و دار الأمر بين الوجوب و بين ان يكون لغوا فربما يقال بعدم إمكان الاحتياط نظراً إلى ان قصد القربة مما لا بد منه في وقوع العمل عبادة و حيث انه لا يمكن مع الشك في المحبوبية فلا يمكن الاحتياط في العبادة معه و لكن هذا الإشكال نظير سابقه في الوهن فإن محركية نفس الأمر و ان كانت معتبرة في وقوع العمل عبادة و مع إمكان محركية نفسه و وقوع العمل بداعيه لما يحكم العقل بكفاية داعوية الاحتمالية في الإطاعة إلّا ان ذلك في صورة التمكن من جعل نفس الأمر محركا و مع تعذره فالعقل يتنزل إلى الاكتفاء

204

بالامتثال الاحتمال و جعل احتمال الأمر داعيا إلى العمل و ما أبعد ما بين هذا التوهم و توهم جواز الاكتفاء بالامتثال الاحتمالي حتى مع التمكن من الامتثال القطعي و الحق فساد كلا التوهمين و كون الامتثال الاحتمالي في طول الامتثال القطعي و قد أشبعنا الكلام في ذلك عند التعرض لحال العلم الإجمالي في مباحث القطع فراجع ثم انه بعد ثبوت حسن الاحتياط عقلا و جريانه في العبادات أيضا فهل يمكن استكشاف الحكم الشرعي منه حتى يكون الاحتياط مستحبا شرعا أم لا فيكون الأوامر الواردة في هذا المقام إرشادية الحق هو الثاني لما ذكرناه مرارا من ان الأحكام العقلية إن كانت واقعة في مرتبة العلة للحكم الشرعي بان كان الحكم الشرعي متأخرا عنها في الرتبة فقاعدة الملازمة بين الحكمين يثبت الحكم الشرعي لا محالة و اما إذا كان الحكم العقلي واقعا في مرتبة الامتثال التي هي متأخرة عن جعل الحكم الشرعي و مترتبة عليه فلا يمكن الاستكشاف و ذلك كحكم العقل بحسن الامتثال المترتب على جعل الحكم الشرعي و تحققه و حينئذ فحكم العقل في المقام بحسن الاحتياط لا يمكن ان يستكشف به الحكم الشرعي بملاكه فإن حكم العقل في هذه المرتبة حكم مترتب على جعل الأحكام ضرورة انه مترتب على احتمال الحكم المتأخر عن جعله بالرتبة نعم لا مضايقة في استحباب الاحتياط شرعا بملاك آخر غير ما هو الملاك في حكم العقل بالحسن مثل كون الاحتياط موجبا لقوة ملكة النّفس على التحرز عن المعصية كما هو المستفاد من قوله (عليه السلام) من ترك ما اشتبه عليه من الإثم فهو لما استبان له اترك و لأجل ذلك استظهرنا فيما مر استحباب الاحتياط شرعا زائدا على ما هو عليه من حسنه العقلي ثم انه بعد ثبوت استحبابه الشرعي فهل الأمر الاستحبابي يتعلق بذات العمل الآتي به بداعي احتمال الأمر فيكون متعلق الأمر الاستحبابي مغايراً لمتعلق الحسن العقلي المعتبر فيه إتيان الفعل بداعي احتمال المحبوبية أو يتعلق بعين ما تعلق به الحسن فيكون المستحب الشرعي هو إتيان العمل بداعي احتمال الأمر أيضا ظاهر المشهور هو الأول حيث تراهم يفتون باستحباب إعادة الصلاة فيما احتمل فسادها باحتمال غير منجز من دون تقييد منهم بلزوم إعادتها برجاء المحبوبية و احتمال الأمر و هذا الحكم منهم يبتنى على امرين الأول أن يكون أوامر الاحتياط الدالة على استحبابه متعلقة بذات العمل كما استظهرنا ذلك في الأمر الناشئ من قبل النذر حيث ذكرنا في بعض المباحث السابقة انه ليس كالأمر الناشئ من قبل الإجارة المتعلق بإتيان العمل بداعي امره بل‏

205

هو يتعلق بنفس العمل الّذي هو متعلق الأمر الاستحبابي ففي مثل النذر المتعلق بصلاة الليل مثلا يكون الأمر الناشئ من قبل النذر متحدا مع الأمر الاستحبابي فيكتسب الأمر النذري جهة التعبدية من الأمر الاستحبابي و يكتسب الأمر الاستحبابي جهة الإلزام من الأمر النذري فيكون المتحصل من الأمرين أمرا واحدا إلزاميا عباديا لا يسقط إلا بقصد التقرب و أما لو قلنا بان الأمر الاحتياطي تعلق بإتيان العمل رجاء و بداعي احتمال المحبوبية فلا يكون وجه للفتوى باستحباب نفس العمل المحتمل مطلوبيته أصلا (الثاني) ان يكون الأوامر الاحتياطية منحلة باختلاف مواردها إلى أوامر توصلية و تعبدية نظير الأمر بالإطاعة المنحل في موارد التوصليات إلى امر توصلي و في موارد التعبديات إلى أمر تعبدي إذ لو كان الأمر بالاحتياط في تمام موارده على نسق واحد فلا محالة يكون توصليا و معه لا يصح ان يكون هو الموجب لعبادية ما يشك في كونه مأمورا به و المفروض عدم ثبوت امر آخر متعلق به حتى يكون هو الموجب للعبادية فلا يمكن إثبات استحباب المأتي به احتياطا إذا كان عباديا (و بالجملة) الفتوى باستحباب إعادة الصلاة مثلا يتوقف على كون الأمر الاحتياطي متعلقا بذات العمل و كونه عباديا و مع انتفاء أحد الأمرين لا يمكن الحكم باستحباب الإعادة عبادة و الّذي يظهر من العلامة الأنصاري (قده) في المقام هو اختيار مذهب المشهور على خلاف ما اختاره في رسائله العملية فإنه (قده) بعد ما أشكل في جريان الاحتياط في العبادات أو لا و وجه جريانه فيها بكفاية الإتيان بداعي احتمال الأمر بالعبادية و المقربية ثانيا سلك مسلكا آخر و محصل ما أفاده بتحرير منا هو الالتزام بتعلق الأوامر الشرعية المفيدة للاستحباب بذات العمل من دون التقييد بالإتيان برجاء المحبوبية فيكون المستحب الشرعي هو ذات العمل و مع ذلك يكون الأمر الاحتياطي عباديا إذا كان متعلقه عبادة و توصليا إذا كان متعلقه غيرها نظير انحلال الأمر بالوفاء في باب النذر و أخويه على التعبدي و التوصلي باختلاف متعلق النذر خارجا و على ذلك يكون الموجب لعبادية الاحتياط هو نفس الأمر الاحتياطي فيجري فيها و أو اعتبرنا في العبادية إحراز الأمر و لم نكتف فيها بالإتيان بداعي الاحتمال و رجاء المحبوبية و قد ذكرنا في مقام النقض على من توهم عدم إمكان كون العبادية ناشئة من هذا الأمر مع كون متعلقه هو الاحتياط بورود مثل هذا الإشكال بعينه على الأوامر الواقعية المتعلقة بالعبادات فإنه لا ريب في أن متعلقاتها أمور عبادية مع ان العبادية ناشئة عن تلك الأوامر أيضا بناء على استحالة أخذ قصد القربة في متعلقاتها

206

فما به يكون التفصيليّ هناك يتفصى به في المقام أيضا و بذلك وجه فتوى المشهور باستحباب نفس العمل المحتمل تعلق الأمر به واقعا و حاصل ما أفاده في المقام يرجع إلى دعوى ان الأوامر الواقعية متعلقة بذات العمل من غير أخذ قصد القربة فيها و أن الاحتياط عبارة عن الإتيان بمتعلق الأمر الواقعي في ظرف الجهل على وجه قربي و هو غير مشروط بإتيانه برجاء المحبوبية فكما ان الأمر الواقعي بذات العمل هو الموجب لعباديته فكذلك يكون الأمر الاحتياطي أيضا بناء على استفادة الاستحباب منه و انحلاله إلى تعبدي و توصلي باختلاف موارده و لكن الحق في المقام هو ما ذهب إليه سيد أساتيذنا العلامة الشيرازي (قده) موافقا لما اختاره شيخه العلامة (قده) في رسائله العملية من استحباب العمل المقيد بما إذا أتي به برجاء المحبوبية و باحتمال الأمر فإن ما أفاده (قده) في وجه استحباب ذات العمل و كون العبادية ناشئة من قبل الأمر الاستحبابي لا يمكن المساعدة عليه أصلا فإن ما أفاده من تعلق الأوامر الواقعية بذات العمل من دون أخذ قصد القربة فيه ممنوع بل التحقيق هو كونه مأخوذا فيه إلّا انه حيث لا يمكن أخذه فيه بالجعل الأول فلا بد من الاحتياج إلى جعل آخر يكون متمما للجعل الأول و قد أشبعنا الكلام فيه في محله فراجع ثم انه على تقدير تسليم عدم أخذ القربة في متعلق الأمر الواقعي فلا نسلم عدم أخذه في متعلق الأمر الاحتياطي و ذلك فإن متعلق الأمر الاحتياطي هو عنوان الاحتياط و ما به يمكن إدراك الواقع و يحكم العقل بحسنه و لا ريب ان ذلك لا يكون إلّا مع الإتيان بالعمل على وجه قربي مع قطع النّظر عن تعلق الأمر الاحتياطي به فكيف يمكن ان يقال ان الأمر الاحتياطي متعلق بذات ما تعلق به الأمر الواقعي هذا مع قياس الأمر الاحتياطي بالأوامر الواقعية في عدم أخذ جهة القربية في متعلقهما فاسد من أصله فإن عدم الأخذ في الأوامر الواقعية من جهة استحالة التقييد الموجب لاستحالة الإطلاق أيضا فلا مناص من الإهمال كما مرَّ توضيحه في محله و هذا بخلاف الأمر الاحتياطي فإن أخذ داعوية الاحتمال و جعل رجاء المحبوبية دخيلا في متعلقه حتى يكون المستحب هو الإتيان المفيد بما إذا أتى به برجاء المحبوبية بمكان من الإمكان و مع إمكان التقييد لا مناص عن الإطلاق أو التقييد من الحاكم الملتفت إلى الانقسام و حينئذ فإما ان يكون متعلق الأمر الاحتياطي مقيدا به أو يكون مطلقا من هذه الجهة لا سبيل إلى الثاني بعد عدم صدق عنوان الاحتياط عليه حقيقة مع ان العقل لا يستقل إلّا بحسنه و الشرع لا يندب الا إليه فيتعين الثاني (فتحصل) مما ذكرناه ان‏

207

الاحتياط المحكوم بكونه حسنا عند العقل و محبوبا مولويا عند الشرع و يجري في العبادات كما يجري في غيرها لما عرفت من كون الإتيان برجاء المحبوبية من وجوه المقربية و التعبد عند عدم التمكن من جعل الأمر الواقعي بنفسه داعيا من دون احتياج إلى تكلف الالتزام باستحباب نفس العمل الموافق لمتعلق الأمر الواقعي مع انه غير صحيح في نفسه كما عرفت (هذا كله) فيما إذا لم يكن المنشأ لاحتمال الوجوب هذه الرواية الضعيفة و اما في موردها فربما يقال باستحباب نفس العمل الموافق لمتعلق الأمر الواقعي مع انه غير صحيح في نفسه كما عرفت (هذا كله) فيما إذا لم يكن المنشأ لاحتمال الوجوب هذه الرواية الضعيفة و اما في موردها فربما يقال باستحباب نفس العمل و لو لم يؤت به برجاء المحبوبية و بداعي احتمال الأمر نظرا إلى دلالة الاخبار التي دلت على ان من بلغه ثواب على عمل فعمله كان له أجر ذلك و ان كان رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و آله) لم يقله على ذلك و هذه الاخبار مستفيضة بل لا يبعد دعوى تواترها معنى و ان كان بينها اختلاف في الجملة و كيف كان فلا إشكال في اعتبار الروايات من حيث السند مع انها متلقاة بالقبول عند الأصحاب بل التكلم عنها يقع من جهات أخرى (الأولى) في ان مساق هذه الروايات هل هو جهة أصولية أو فقهية أو كلامية بمعنى ان تلك الاخبار هل هي ناظرة إلى ان الشرائط المعتبرة في حجية الخبر انما يختص اعتبارها بما إذا كان مدلول الخبر حكما إلزاميا و اما إذا كان حكما غير إلزاميّ فيكفي في ثبوته مجرد مجي‏ء الخبر به و على ذلك يكون مطلق الخبر حجة لإثبات متعلقه فيكون هذه الأدلة مخصصة لأدلة اعتبار الشروط في حجية الخبر مطلقا و موجبة لاختصاصها بمورد الأحكام الإلزامية فيكون البحث (حينئذ) عن الجهة الأصولية أو هي ناظرة إلى ان فعل المكلف بعد طروء عنوان ثانوي عليه و هو الاخبار عن ترتب الثواب عليه و كونه محبوبا عند المولى يكون ذا مصلحة غير إلزامية موجبة للحكم باستحبابه شرعا و ان لم يكن مطابقا للواقع نظير ما قيل في موارد الطرق و الأمارات من انها توجب جعل الأحكام على طبق مؤدياتها و لو في فرض عدم مصادفتها للواقع و على ذلك يكون البحث في المقام عن استحباب العمل بالبالغ عليه الثواب فيكون بحثا فقهيا أو انها ناظرة إلى حكم ما بعد العمل و أجنبية عن جعل الداعي إليه بجعل الحجية للخبر الضعيف أو الاستحباب للعمل البالغ عليه الثواب فيكون مفادها ان من بلغه ثواب على عمل ببلوغ صحيح ثابت الحجية بدليلها و محرك له في نفسه فتحرك المكلف في الخارج و عمل على طبقه و لكن اتفق عدم مصادفة الخبر للواقع و عدم ترتب الثواب عليه في نفسه يؤتى له ذلك الثواب لأجل انقياده لحكم الشرع و كونه في مقام امتثاله فيكون البحث عن جهة كلامية (و بالجملة) يكون مفاد الروايات هو ثبوت الثواب عند خطأ

208

الأمارة للواقع ليس إلا لا ريب في ان ظاهر الروايات في حد ذاتها و بمدلولها المطابقي و إن كان ثبوت الثواب فقط من دون تعرض فيها لإثبات الحجية أو الاستحباب إلّا انها بمدلولها السياقي بما انها بصدد بيان جعل الداعي إلى العمل نظير ما ورد من الثواب على إعمال آخر مثل قولهم (عليهم السلام) من زار الحسين (عليه السلام) فله كذا و كذا ينعقد لها ظهور ثانوي في إحدى الجهتين الأوليتين و يتقدم الظهور الثانوي على الظهور الأولي المطابقي و يكون صارفا عنه لما بيناه غير مرة من أن الظهور في القرينة يتقدم على الظهور في ذي القرينة و عليه يدور الأمر بين إحدى الجهتين السابقتين و المستفاد من ظاهر عنوان المشهور هذه المسألة بمسألة التسامح في أدلة السنن و ان كان يعطي كون البحث عن جهة أصولية و ان الخبر الوارد في باب المستحبات لا يشترط فيه ما يشترط فيما دل على الحكم الإلزامي و حينئذ فيقع المعارضة بينها و بين ما دل على اشتراط العدالة و الوثوق مثلا في حجية الخبر و لكنه مع ذلك لا بد من تقديم هذه الاخبار و رفع اليد عن دليل الاشتراط في مواردها أما ما كان من أدلة الاشتراط من قبيل قوله تعالى إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا أو غير المفيد لاشتراط العدالة مطلقا فوجه تقديمها عليه واضح فإن هذه الأخبار أخص من تلك الأدلة فيقدم عليها بالأظهرية و أما ما كان منها دالا على اشتراط شرط مخصوص في خصوص مواردها و هي الأحكام الغير الإلزامية حتى يكون النسبة بينهما التباين فلأن هذه الاخبار معمول بها عند الأصحاب فلا محالة يكون ما هو المعارض لها على تقدير وجوده معرضا عنه عندهم فيسقط عن قابلية المعارضة لها إلا ان التحقيق ان استفادة الجهة الأولية منها في غاية الإشكال بل لا يمكن أصلا و ذلك فإن ظاهر الروايات هو ترتب الثواب مع احتمال عدم المصادفة للواقع كما هو صريح قوله (عليه السلام) و إن كان رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و آله) لم يقله مع ان الحجية سواء كانت بمعنى جعل الوسطية في مقام الإثبات كما هو المختار عندنا أو بمعنى جعل الهوهوية لا بد و أن تكون متكفلة لإلغاء احتمال الخلاف و إثبات الواقع بعد قيام الحجة عليه فكيف يجتمع مع فرض بقاء احتمال عدم المصادفة على حاله و بالجملة دليل حجية الأمارة لا بد و أن يكون ناظرا إلى الواقع و مثبتا له بإلغاء احتمال خلافه و الرواية صريحة في إثبات ترتب الثواب مع عدم تعرض فيها لإلغاء هذا الاحتمال بل مقررة لبقائه و حينئذ فتكون الروايات أجنبية عن المسألة الأصولية أيضا و تكون متمحضة في الحكم بالاستحباب لأجل طرق عنوان ثانوي كما قيل بنظيره في مطلق الأمارات و انها توجب حدوث عنوان في مؤدياتها

209

يوجب جعل الأحكام على طبقها على ما أوضحنا الحال في ذلك في محله ثم ان العلامة الأنصاري (قدس سره) نسب هذا الوجه الّذي اخترناه من كون مفاد الاخبار هو الاستحباب الشرعي فيكون جهة البحث فقهية إلى بعض مشايخه المعاصرين له (قدس اللَّه تعالى أسرارهم) و أطال الكلام في إرجاعه إلى الجهة الأصولية و ان النتيجة بالآخرة ترجع إلى إلغاء شرطية ما اعتبر في حجية الخبر في المقام و أنت بعد ما عرفت جهة الفرق بين الجهتين و ان النّظر في إثبات الاستحباب الشرعي ليس إلّا حجية الخبر بل لا يكون هناك نظر إلى الواقع أصلا تعرف فساد ما أفاده و لم يكن صدور مثله مترقبا منه (قدس سره) (الجهة الثانية) في بيان انه بعد ما ثبت استحباب العمل البالغ عليه الثواب فهل المحكوم بالاستحباب هو ذات العمل و لو لم يؤت به برجاء المحبوبية و المحكوم به هو العمل المقيد به كما اخترنا ذلك في متعلق الأوامر الاحتياطية ظاهر جملة من الاخبار ترتب الثواب على نفس العمل منها مصححة هشام بن سالم عن أبي عبد اللَّه (عليه السلام) قال من بلغه شي‏ء من الثواب فعمله كان أجر ذلك له و ان كان رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و آله) لم يقله و ظاهر بعضها التقييد بصورة الإتيان طلبا لقول النبي (صلى اللَّه عليه و آله) كما في خبر محمد بن مروان عن الصادق (عليه السلام) أو بصورة الإتيان لالتماس الثواب الموعود كما في خبره الآخر عن الباقر (عليه السلام) فيقع الكلام في ان مقتضى القاعدة هو حمل المطلقات على المقيدات فينحصر الثواب بما إذا كان الإتيان برجاء المحبوبية أو لا مقتضي له اما لمنع دلالة الروايات المذكورة فيها القيد على التقييد و اما لمنع اقتضاء القاعدة حمل المطلق على المقيد في المقام الحق هو الثاني و دلالة الاخبار على ثبوت الاستحباب لنفس العمل إذ لا مقتضي لرفع اليد عن المطلقات أصلا اما أو لا فلأنه لا ظهور في الاخبار المشتملة على القيد في انه مأخوذ في العمل عنوانا و قيدا بان يكون الثواب مترتبا على العمل المأتي به بعنوان انه محتمل الثواب بل هي ظاهرة في كون طلب الثواب داعيا إلى العمل فإنه إلى الداعوية أمس من القيدية (و الوجه) في اقتصار الإمام (عليه السلام) على ذكر هذا الداعي بالخصوص مع تعدد الدواعي القريبة هو ان الداعي للعمل غالبا انما هو الفرار عن العقاب أو تحصيل الثواب و بقية الدواعي لا تكون داعية غالبا و حيث انه لا احتمال للعقاب في موارد المستحبات فينحصر الداعي بخصوص طلب الثواب بحسب الغلبة و مع عدم ظهور الروايات في تقييد العمل بما إذا أتى به برجاء المحبوبية فلا موجب لرفع اليد عن المطلقات فيثبت بها استحباب نفس العمل بعنوانه الثانوي الطارئ و ان لم يكن محبوبا

210

واقعا و اما ثانيا فلما عرفت في بحث المطلق و المقيد من عدم الموجب لحمل المطلق على المقيد في باب المستحبات رأسا و ان الحمل المذكور مختص بموارد الأحكام الإلزامية (و اما) ثالثا فلان الحمل المزبور يشترط فيه كون الحكم المجعول متعلقا بصرف الوجود حتى يتحقق التنافي بين المطلق و المقيد و اما لو كان الحكم انحلاليا و متعلقا بمطلق الوجود فلا موجب للحمل و لو كان الحكم المجعول إيجابيا و حيث ان المفروض في المقام هو مطلوبية العمل البالغ عليه الثواب بمطلق وجوده و أين ما تحقق فلا موجب لحمل المطلق على المقيد فيه أصلا هذا بحسب الصناعة العلمية و لكن الإنصاف انه مع قطع النّظر عن الوجه الأول و هو المنع عن ظهور الاخبار في التقييد لو لم ندع ظهورها في عدمه فلا مناص عن الحمل المزبور و ذلك فإن الشرطين المذكورين لحمل المطلق على المقيد و ان كان مما لا ريب في اشتراطهما إلّا انه مع عدم معلومية وحدة التكليف من الخارج و إلّا فلا محالة يتحقق المنافاة بين المطلق و المقيد مطلقا و من الظاهر في المقام ان الاخبار كلها بصدد بيان حكم واحد مجعول في الشريعة فيدور الأمر بين كونه على نحو الإطلاق أو التقييد فيتحقق التعارض الموجب للحمل إلّا انه يسهل الخطب انا في غنى عن ذلك لما عرفت من عدم ظهور الاخبار في التقييد من أسس فيثبت استحباب نفس العمل البالغ عليه الثواب على خلاف ما اخترناه في باب الأوامر الاحتياطية و إذا ثبت استحباب نفس العمل المشترك بين العبادي و غيره فلا محالة ينحل باختلاف الموارد إلى تعبدي و توصلي كما مر بيانه في تقريب فتوى المشهور باستحباب نفس العمل في موارد الاحتياط و انما منعنا عن ذلك هناك لعدم كون الأمر فيها متعلقا بذات العمل بل اخترنا تعلقه بالفعل المأتي به بداعي احتمال الأمر فلا محالة يكون مثل هذا الأمر توصليا و غير موجب للعبادية مطلقا لعدم نشئه من المصلحة الكامنة في العمل و انما نشأ من المصلحة الثابتة في نفس الاحتياط المشتركة بين موارده بل العبادية في موارد الاحتياط في العبادة تتحقق في مرتبة سابقة على الأمر من جهة كفاية الامتثال الاحتمالي فيها بحكم العقل كما عرفت (الجهة الثالثة) في التعرض لما يرد على الاستدلال بالأخبار في المقام و هي كثيرة لا يهمنا التعرض لها و قد تعرض لها العلامة الأنصاري (قده) في رسالته المعمولة للتسامح في أدلة السنن و انما نتعرض لما هو أهمها و هو منافاة مدلولها لما دل على عدم الاعتناء بالأخبار الغير الصحيحة كآية النبأ و غيرها مما دل على اشتراط الوثوق أو العدالة في جواز العمل بالخبر (و جوابه) ان هذه الاخبار كما عرفت أجنبية عن إفادة جواز العمل بالخبر الضعيف حتى يتحقق بينهما المنافاة

211

لما عرفت من انها ليست ناظرة إلى الجهة الأصولية أصلا و انما هي ناظرة إلى إثبات الاستحباب للعمل البالغ عليه الثواب بعنوانه الثانوي و أين ذلك من جواز العمل بالخبر و إثبات الواقع به و على تقدير تسليم المنافاة بينهما بأن يكون مفادها إثبات الحجية للخبر الضعيف فلا بد من تخصيص أدلة الاشتراط بها لكون هذه الاخبار أخص منها مطلقا و على تقدير وجود دليل فيها يكون النسبة بينهما التباين فيقدم هذه الاخبار عليه لكونها معمولا بها بين الأصحاب فيكون معارضها معرضا عنه لا محالة

(و ينبغي التنبيه) على أمور

الأول انا قد ذكرنا في صدر المسألة ان المختار عندنا هو كون مفاد الاخبار هو إثبات الاستحباب الشرعي‏

فيكون مفادها من المسائل الفقهية لكن الغرض من ذلك لم يكن كونه كبقية المسائل الفقهية المشتركة بين المجتهد و المقلد بل الغرض منه كان إثبات انه ليس من المباحث الأصولية الباحثة عن الحجية بل هو داخل في القواعد الكلية الفقهية (توضيح) ذلك ان الأحكام المجعولة الشرعية اما ان لا يكون لها تعلق بعمل المكلف بل يتمحض في وقوعها في طريق استنباط الحكم الشرعي فهو حكم أصولي بلا ريب و المسألة الباحثة عنه مسألة أصولية و اما ان يكون لها تعلق بالعمل مع إيكال تطبيق الكبرى على صغرياتها بنظر آحاد المكلفين كأغلب المسائل الفقهية فلا إشكال في كونه حكما فرعيا و كون المسألة الباحثة عنه مسألة فقهية و اما ان يكون له تعلق بالعمل لكن مع عدم إيكال التطبيق المذكور على نظر الآحاد بل يكون التطبيق موكولا بنظر المجتهد خاصة كقاعدة ما لا يضمن بصحيحة لا يضمن بفساده و قاعدة اليد و نحوهما فيقع الإشكال في كون هذه المسائل أصولية أو فقهية و ما نحن فيه من هذا القبيل فإن تطبيق الكبرى في المقام على صغرياته و تشخيص أن الرواية الدالة على الاستحباب يحتمل في موردها الحرمة أولا أو أن هناك ما يعارضها أولا انما هو وظيفة المجتهد خاصة و لا حظّ للمقلد فيه أصلا فلا بد لنا من بيان الضابط بين المسألتين إجمالا حتى يظهر حال تلك القواعد الكلية فنقول مقتضى ما ذكرناه في صدر الكتاب من ان الميزان في المسألة الأصولية هو استنتاج الحكم الكلي الفرعي من ضم الصغرى إلى نتيجتها كمباحث حجية الخبر و نحوه كون هذه القواعد داخلة في المسائل الفقهية ضرورة ان مفادها بأنفسها أحكام فقهية مستنبطة لا انها تقع في طريق استنباط حكم فرعي و لكن التحقيق عدم صحة هذا الميزان فإن المسألة الفقهية لا بد و ان تكون بحيث يلقى نتيجتها بنفسها إلى المكلفين و يوكل التطبيق إلى نظرهم كما جرى عليه دأب المجتهدين بضبط فتاواهم في رسائلهم العملية و إعطائها إلى المقلدين و من‏

212

الضروري ان نتائج تلك القواعد ليست كذلك ضرورة ان غير المجتهد لا يمكن له ان يطبق صغريات تلك القواعد إليها فالميزان في كون المسألة أصولية هو ان يكون تطبيق صغرى المسألة على كبراها موكولا بنظر العرف و ان كان البحث فيها عن الحكم الشرعي المتعلق بالعمل بلا واسطة و عليه يكون البحث عن ثبوت الاستحباب الشرعي للعمل البالغ عليه الثواب من الأبحاث الأصولية

(الثاني) انه ربما يقال بشمول الاخبار المذكورة للخبر الضعيف الدال على الكراهة

و الاخبار المروية في باب القصص و الحكايات كأخبار الطف و نحوها مما تضمن لفضائل أهل البيت و مصائبهم (عليهم السلام) و لكن التحقيق ان شمولها للخبر الضعيف الدال على الكراهة و ان كان قريبا غايته باعتبار ان الذوق الفقهي يساعد على كون الملاك في هذه الاخبار هو المسامحة في مطلق الأحكام الغير الإلزامية من دون أن يكون لخصوص الاستحباب خصوصية خاصة و عليه يثبت الكراهة بالخبر الضعيف كما كان يثبت الاستحباب به إلّا انه مع ذلك يشكل الفتوى بالكراهة بمجرد دلالة خبر ضعيف عليه و ذلك لعدم ثبوت الملاك القطعي و اختصاص الاخبار بموارد بلوغ الثواب الظاهرة في المستحبات و اما بالنسبة إلى الاخبار الحاكية لغير الأحكام من الفضائل و المصائب و غيرها فلا مقتضي لتوهم الشمول أصلا و ان كان يظهر من الشهيد (قده) جزمه به بل نسبته إلى الكثير من أهل العلم على وجه يظهر كونه من المسلمات بينهم و قريب منه ما نقل عن الشهيد الثاني (قده) في الدراية و عن غيره في غيرها و ذلك فإن الكذب كما بينا في بعض المباحث السابقة و ان كان بحسب الوضع اللغوي دائرا مدار مخالفة الواقع إلّا ان ما يحكم العقل بقبحه ليس هو ذلك بل القول الغير المحرز مطابقته للواقع سواء كان مطابقا للواقع أم لم يكن فالإخبار عما لم يثبت بطريق صحيح يكون قبيحا عقلا و أي موجب لثبوت المسامحة فيه خصوصا فيما إذا كان الخبر متضمنا لإسناد شي‏ء إلى المعصوم (عليه السلام) و بالجملة ان تم إجماع على حجية الخبر الضعيف في باب القصص و الحكايات فهو و إلّا فلا مقتضي للتسامح أصلا

(الثالث) هل تعم الاخبار لموارد إفتاء الفقيه بالاستحباب أم تختص بخصوص موارد الاخبار الضعيفة

لا إشكال في الشمول فيما إذا كان الإفتاء بعين متن الرواية كفتاوى الشيخ في النهاية و علي بن بابويه (قدس اللَّه تعالى أسرارهم) و اما الفتاوي الناشئة عن حدس و نظر فيشكل شمولها لها من وجهين (الأول) ان ظاهر بعض الاخبار هو ان يكون البالغ هو الثواب و من الضروري ان الفقيه لا يخبر

213

عنه و إنما يخبر عن الاستحباب و لكن هذا الإشكال ضعيف لا يلتفت إليه فإن المراد من المذكور فيها هو العمل المترتب عليه الثواب أعني به مطلق العمل الراجح بقرينة اسناد العمل إليه في قوله (عليه السلام) فعمله و لا يعتبر في شمولها كون البالغ هو خصوص الثواب و لذا لا ريب في شمولها لموارد الاخبار الضعيفة الدالة على الاستحباب فيكون فتوى الفقيه مشاركة للخبر الضعيف من هذه الجهة (الثاني) أن الظاهر من بلوغ الثواب هو ان يكون الاخبار عن الثواب بما انه مسند إلى النبي (صلى اللَّه عليه و آله) فيكون ظاهرا في الاخبار المتعارفة المبنية على الحس و فتوى الفقيه ليست اخبارا عن الحس فالتعدي من مواردها و الحكم بالاستحباب الشرعي بمجرد الفتوى مشكل جدا نعم لا بأس بالعمل في موارد الفتوى من باب الرجاء و الاحتياط لكنه خارج عما هو محط كلامنا في المقام‏

(الرابع) لا ريب في شمول الاخبار لما إذا ورد خبر ضعيف على الاستحباب مع احتمال كونه حراما في الواقع‏

فإن احتمال الحرمة يندفع بأصالة البراءة و يحكم باستحبابه بمقتضى الاخبار المتقدمة و هذا فيما إذا لم يكن احتمال الحرمة ناشئا عن ورود الخبر الضعيف به في غاية الوضوح و اما في مورده فيمكن دعوى الانصراف عنه و لو قلنا بعدم ثبوت الكراهة أو استحباب الترك عند ورود الخبر الضعيف بالحرمة لقوة احتمال أن يكون مورد الاخبار هو بلوغ الثواب غير معارض ببلوغ العقاب فلا يثبت الاستحباب في فرض المعارضة و على تقدير عدم الانصراف فإن قلنا بعدم ثبوت الكراهة أو استحباب الترك نظر إلى اختصاص مورد الاخبار المتقدمة ببلوغ الثواب دون العقاب فلا إشكال في ثبوت الاستحباب مع وجود الرواية الضعيفة على الحرمة فإن الرواية الضعيفة إذا لم تؤثر في ثبوت الاستحباب مع وجود الرواية الضعيفة على الحرمة فإن الرواية الضعيفة إذا لم تؤثر في ثبوت الكراهة و كان احتمال الحرمة مندفعا بالأصل فيحكم بالاستحباب كما إذا لم يكن رواية على الحرمة و أما إذا قلنا بشمول الاخبار للأخبار الدالة على الحرمة أيضا فإن قلنا بثبوت الكراهة بها فلا ريب في تحقق المنافاة بين الخبر الدال على الاستحباب و الخبر الدال على الحرمة لتنافي مقتضاهما و إن قلنا بثبوت استحباب الترك في مواردها فربما يقال باستحباب الفعل و الترك عملا بالخبرين و عدم المنافاة بين رجحان الشي‏ء فعلا و تركا كما ادعى ذلك في بعض العبادات المكروهة كالصوم يوم عاشوراء لكنك قد عرفت عند البحث عن كراهة العبادة عدم تعقل ذلك و أن استحباب الفعل لا يجتمع مع رجحان الترك فلا محالة يتحقق المنافاة بين الخبرين كما إذا قلنا بكراهة الفعل لكن الإنصاف انصراف الاخبار عن هذه الموارد بالكلية

(الخامس) الظاهر شمول الاخبار لما إذا ورد رواية ضعيفة على الوجوب‏

214

فإن دعوى اختصاصها بما إذا بلغ الثواب على الفعل فقط من دون الاشتمال على العقاب على الترك لا شاهد لها أصلا بل إطلاق الاخبار يقتضي عدم الاختصاص فيثبت الاستحباب في موردها و إن كان الوجوب مندفعا بالأصل ثم انه إذا بنينا على دلالة الاخبار على إثبات الكراهة أيضا فلا محالة يتحقق التنافي بين روايتين إحداهما تدل على الوجوب و الأخرى على الحرمة و ظاهر شيخنا العلامة الأنصاري (قدس سره) في المقام هو العمل بكلتا الروايتين من باب التسامح و الحكم باستحباب الفعل و الترك و قد أشرنا آنفا إلى عدم تعقل ذلك و ان شئت توضيح ذلك فراجع إلى البحث المذكور

(المطلب الثاني) في دوران الواجب بين التعيين و التخيير

و لا بد لتوضيح الحال فيه من تقديم أمور

(الأول) انه لا ريب في عدم اختصاص جريان البراءة عقلا و نقلا بما إذا شك في الوجوب التعييني‏

بل يعم ما إذا شك في الوجوب التخييري أو المردد بينه و بين التعييني فإذا شككنا في وجوب إحدى الكفارات تخييرا عند القي‏ء عمدا أو في وجوب شي‏ء مرددا بين التعييني و التخييري مع عدم العلم بأصل الوجوب أصلا فلا ريب في صحة التمسك بالبراءة فإن الملاك في جريانها مشترك بين جميع تلك الأقسام و اما التمسك بأصالة عدم الوجوب عند الشك في الوجوب مطلقا فغير صحيح كما عرفت وجهه مفصلا

(الثاني) ان محل الكلام في المقام انما هو فيما إذا لم يكن أصل لفظي يقتضي التعيينية

كما إذا ورد الأمر بشي‏ء مطلقا من دون بيان عدل له في مقام البيان فإنه يقتضي التعيينية كما مر توضيحه في بحث الأوامر و معه لا تصل النوبة لا البحث عن جريان الأصل العملي‏

(الثالث) انه قد تقرر في محله انه كلما كان الشك راجعا إلى أصل ثبوت التكليف و مرتبة الجعل فالمرجع فيه هو البراءة

و كلما رجع الشك إلى سقوط التكليف و مرحلة الامتثال بعد العلم بأصل التكليف فالمرجع فيه هو قاعدة الاشتغال و هذان أصلان موضوعيان في هذا المقام‏

(الرابع) ان ما يحتمل كونه عدلا للواجب المعلوم وجوبه في الجملة المردد بين كونه تعيينيا أو تخييريا قد يعلم مسقطيته له و يشك في كونه عدلا له في الوجوب‏

كالائتمام المسقط للقراءة الواجبة في الصلاة مع الشك في عدليته لها في الوجوب و قد يعلم وجوبه و لكن يشك في المسقطية من جهة احتمال كون كل من الوجوبين تعيينيا كما إذا علم وجوب شيئين في الجملة و احتمل أن يكون الوجوب في كل منهما تعيينيا أو تخييريا و قد يشك في الوجوب و المسقطية معا كما إذا علم بوجوب العتق في الجملة و شك في كون الصوم عدلا له في الوجوب و مسقطا له و يشترك هذه‏

215

الأقسام من حيث الرجوع إلى البراءة أو الاشتغال كما سيظهر وجهه إن شاء اللَّه تعالى‏

إذا عرفت ذلك فنقول إذا علم وجوب شي‏ء في الجملة و دار الأمر بين تعيينيته و تخييريته كما هو محل الكلام فلا مناص فيه عن الرجوع إلى قاعدة الاشتغال و الحكم بالتعيينية عملا إذ الواجب التعييني غير محتاج في عالم الثبوت الا إلى قيد عدمي بأن لا يكون له عدلا في مرحلة الطلب كما انه في عالم الإثبات كذلك بل إثبات التعيينية في عالم الإثبات بعدم التقييد بمثل العطف بكلمة أو انما هو لكشفه عن العدم في عالم الثبوت فإذا كان أصل الوجوب معلوما و شك في تخييريته من جهة احتمال تقيده بوجود العدل له فلا محالة يحكم بالتعيينية بمقتضى ضم الوجدان إلى الأصل لعدم ثبوت التقييد مع حكم العقل بلزوم الخروج عن عهدة التكليف الثابت يقينا و اما توهم إثبات التعيينية بإجراء البراءة عن وجوب ما يحتمل بدليته للواجب المعلوم فغير صحيح إذا البراءة العقلية انما تجري فيما إذا كان مخالفة التكليف المحتمل موجبة للعقاب على تقدير تنجزه و لا ريب ان ترك الطرف المحتمل وجوبه في المقام لا يترتب عليه عقاب أصلا و اما البراءة الشرعية فلا مورد لجريانها لما ذكرناه مرارا من انه مشروط بان يكون فيه امتنان على الأمة فلو لزم منه خلاف الامتنان لما كان مجال له و حيث ان لازم الجريان في المقام هو ثبوت التعيينية التي هي كلفة زائدة مخالفة للامتنان فلا تكون جارية (فإن قلت) إذا سلمت ان في التعيينية كلفة زائدة على الكلفة الثابتة في أصل الوجوب فلما ذا لا تجري البراءة منها و يثبت بذلك التخيير (قلت) مجرد كون شي‏ء موجبا للكلفة و التضيق لا يوجب جريان البراءة عنه عند احتماله فإن البراءة الشرعية يتوقف جريانها على كون المحتمل امرا منحازا في الجعل و لا تجري في الأمور التحليلية كما يتضح في محله فلا يصح ان يقال ان أصل الوجوب معلوم و خصوصية التعيينية مجهولة تدفع بالبراءة مع ان هذه الخصوصية ليست من الأمور القابلة للجعل بنفسها بل هي من خصوصيات المجعول و توابعه (و اما) البراءة العقلية فلأنها انما تجري فيما إذا كان الشك متعلقا بمرحلة الجعل و الاشتغال دون السقوط و الامتثال و المقام من قبيل الثاني فإنه إذا علم وجوب شي‏ء في الجملة فمرجع الشك في تعيينيته و تخييريته إلى الشك في ان الشارع جعل له مسقطا آخر غير الإتيان بمتعلقه أم لا و إلّا فحقيقة الوجوب ليس له قسمان تعييني و تخييري فإذا رجع الشك إلى مرحلة الإسقاط و الامتثال فلا محالة يحكم العقل بالاشتغال دون البراءة (و بالجملة) الشك في التعيينية و التخييرية مع العلم بأصل الوجوب في الجملة يترتب عليه امران (الأول)

216

احتمال تعين ما احتمل عدليته للواجب المعلوم في الوجوب عند تعذر ما هو معلوم الوجوب في مرحلة الامتثال و لا ريب ان الشك من هذه الجهة مورد للبراءة عقلا و نقلا (الثاني) احتمال سقوط الواجب المعلوم مع التمكن منه بإتيان المحتمل وجوبه تخييرا و الشك من هذه الجهة مورد لقاعدة الاشتغال و لا محل لجريان البراءة عقلا و نقلا لا من أصل وجوب المحتمل و لا من جهة التعيينية المحتملة بعد ما عرفت من ان التعيينية ليست قيدا زائدا في أصل الوجوب مجعولا بنفسه و انما هي منتزعة من قيد عدمي و هو عدم جعل العدل للواجب المعلوم وجوبه فمرجع الشك في التعيينية إلى الشك في جعل الدال الراجع إلى الشك في سقوط الواجب المعلوم بإتيان محتمل العدلية و من المعلوم ان الشك في مرحلة السقوط مورد لقاعدة الاشتغال ليس إلّا (و مما ذكرناه) في بعض المباحث السابقة يظهر ما في كلام شيخنا العلامة الأنصاري (قده) حيث تمسك في المقام بأصالة عدم وجوب الطرف المحتمل من النّظر فإنه قد بينا سابقا ان استصحاب عدم الجعل و ان كان واجدا لأركان الاستصحاب من اليقين و الشك إلّا انه لا يترتب عليه عدم المجعول الا على القول بالأصول المثبتة و اما استصحاب عدم المجعول فلا حالة سابقة له إذ العدم المقوم للتعيينية هو العدم المقابل للوجود تقابل العدم و الملكة و من الضروري ان مثل هذا العدم ليس له حالة سابقة في مثل الفرض إذ متى كان هناك وجوب ثابت لم يكن لمتعلقه عدل حتى يستصحب ذلك العدم نعم العدم الأزلي لوجوب الطرف المحتمل كان معلوما سابقا لكن إثبات العدم و الملكة باستصحابه يتوقف على القول بالأصول المثبتة نعم إذا علم وجوب شي‏ء سابقا بنحو التعيينية و عدم كون شي‏ء آخر عدلا لمتعلقه ثم شك في عروض التخيير و كون ذاك الشي‏ء عدلا له فلا مناص من الرجوع فيه إلى أصالة عدم وجوبه و بقاء التعيينية في الواجب المعلوم وجوبه في الجملة لكن هذا الفرض أجنبي عن محل كلامه (قده) فقد ظهر مما ذكرناه انه لا مجال لجريان أصل في مفروض الكلام إلّا أصالة الاشتغال (ثم انه) قد تبين مما ذكرناه حال كل من القسمين الآخرين من هذا القسم إلّا انه لا بأس بالتكلم في كل منهما مستقلا تكثيرا للفائدة (فنقول) اما القسم الأول و هو ما إذا علم المسقطية و شك في الوجوب فحكمه الرجوع إلى البراءة عند تعذر الواجب المعلوم وجوبه في الجملة لرجوع الشك حينئذ إلى الشك في وجوبه التعييني بالعرض و من هذا القبيل الائتمام المردد امره بين كونه واجبا تخييرا للقراءة الواجبة و بين كونه مسقطا لها كما مثل به فخر المحققين (قده) فإذا تعذرت القراءة يجب الائتمام على الأول لتعين أحد

217

فردي الواجب التخييري عند تعذر الآخر دون الثاني فإذا شك في تعينه عند تعذر القراءة فيرجع إلى البراءة عن وجوبه (ثم انه) في مسألة الائتمام نزاعين آخرين أجنبيين عن محل الكلام في المقام (الأول) في ان التخيير الثابت بين الصلاة فرادى و جماعة هل هو عقلي أو شرعي فإن قلنا بالثاني و ان ماهية الصلاة فرادى مغايرة لماهية الصلاة جماعة ثبت التخيير بينهما شرعا فيترتب عليه عدم جواز العدول عن الجماعة إلى الفرادى الا فيما ثبت فيه العدول بالخصوص و اما إذا قلنا بالأول و كونهما فردين من ماهية واحدة فمقتضى القاعدة هو جواز العدول عن كل منهما إلى الآخر مطلقا كما في جواز العدول من الصلاة في المسجد إلى غيرها و بالعكس إلّا انه قام الدليل على عدم جواز العدول من الفرادى إلى الجماعة و اما عكسه فيبقى على ما يقتضيه القاعدة من الجواز و على كل من القولين يجري النزاع المتقدم في ان الائتمام بدل أو مسقط (الثاني) في ان قراءة الإمام هل هي بدل عن قراءة المأموم و منزل منزلتها كما هو مقتضى جملة من الاخبار الدالة على ان من صلى خلف إمام عادل فقراءته قراءته أم لا و يترتب على البدلية انه لو عدل المأموم بعد القراءة و قبل الركوع عن الجماعة إلى الفرادى لا يجب عليه القراءة ثانيا لأن المفروض تحقق قراءة الإمام التي هي بدل عن قراءته و هذه البدلية أجنبية عما هو محل الكلام في المقام إذ مع فرض البدلية بهذا المعنى يقع الكلام في ان الائتمام فرد آخر من الواجب التخييري حتى يتعين عند تعذر القراءة أو الواجب هو خصوص القراءة فيسقط عند تعذرها و لا يجب الائتمام عنده و ان كانت قراءة الإمام بدلا عنها و لو اختيارا بالمعنى المزبور (فإن قلت) لا ريب في بدلية الائتمام عن الصلاة فرادى و كونه عدلا له في الوجوب بل هو أفضل فردي الواجب فلا محالة يتعين عند تعذر الفرد الآخر بتعذر القراءة (قلت) تعذر القراءة الصحيحة لا يوجب تعذر الصلاة فرادى و ذلك لعدم تعين القراءة الصحيحة في كونها جزءاً للواجب بل لها أبدال طولية في الشريعة و مجرد كون الائتمام بدلا عن الصلاة فرادى لا يثبت كونه بدلا عن المرتبة العالية عن القراءة حتى يكون المرتبة الثانية من القراءة مترتبة على تعذر المرتبة الأولى و الائتمام معا بل القدر المسلم من البدلية هو بدليته عن تمام مراتب القراءة بسلسلتها الطولية و هو لا ينافي الخلاف في بدليته عن المرتبة العالية أو مسقطيته عنها كما أفاده المحقق المذكور بل نقول ان ترتب المرتبة الثانية على تعذر المرتبة الأولى في بعض الروايات كما ورد من ان سين بلال شين يدل على عدم بدلية الائتمام عن المرتبة العالية و إلّا لكان تنزيل سين بلال شينا مترتبا على تعذر الائتمام أيضا فمن‏

218

عدم التقييد في الرواية بتعذر الائتمام يستكشف عدم ثبوت البدلية عن المرتبة العالية (و الحاصل) ان ما هو المسلم عند الفقهاء من بدلية الائتمام عن القراءة و كونه أفضل فردي الواجب لا يدل على أزيد من البدلية عن مجموع مراتب القراءة و اما بدليته عن خصوص المرتبة العالية فهي مشكوكة لو لم نقل بقيام الدليل على خلافها و من ذلك يظهر ان تنزيل قراءة الإمام منزلة قراءة المأموم كما في جملة من الاخبار أجنبي عن إثبات البدلية التي هي محل كلام المحقق المتقدم ذكره فإنه مضافا إلى ما عرفت من ان تلك الاخبار لا تدل على وجوب الائتمام بدلا عن القراءة أصلا بل غاية ما يستفاد منها هو ثبوت البدلية في فرض الائتمام المتفرع عليها عدم وجوب القراءة إذا عدل المأموم قبل الركوع و أين ذلك من إثبات الوجوب له لا يمكن إثبات التنزيل بهذه الأخبار بالقياس إلى خصوص المرتبة العالية و لذا لا يصح الاستدلال بها على جواز ائتمام من يحسن القراءة بمن لا يحسنها نظرا إلى ان قراءة الإمام منزلة منزلة القراءة الصحيحة منه المنزلة منزلة القراءة الصحيحة من المأموم فإن التنزيل ليس بلحاظ المرتبة العالية حتى يثبت تنزيل القراءة الغير التامة من الإمام منزلة القراءة التامة من المأموم بل القدر المتيقن منه هو تنزيل قراءته منزلة قراءة المأموم بما لهما من المراتب و عليه فلا دلالة لها على وجوب الائتمام عند تعذر المرتبة العالية فثبوت البدلية باعتبار أجنبي عن الشك في ثبوت البدلية بالمعنى الّذي ذكره المحقق المذكور الموجب للرجوع إلى البراءة معه (فإن قلت) إذا كان تعذر القراءة لأمر طار من ضيق الوقت و نحوه فمقتضى القاعدة هو استصحاب كلي الوجوب المردد تعلقه بخصوص القراءة حتى يكون ساقطا بالتعذر أو بالأعم منه و من الائتمام حتى يكون باقيا بالتمكن من الفرد الآخر (قلت) إثبات وجوب الائتمام باستصحاب الوجوب المردد كإثبات وجوب أحد طرفي المعلوم بالإجمال بعد سقوط التكليف في الطرف الآخر بالامتثال أو بغيره مبتن على القول بالأصول المثبتة فإن لزوم الائتمام ليس من آثار بقاء الوجوب المردد و انما هو من آثار وجوبه بالخصوص و إثبات وجوبه بالخصوص باستصحاب بقاء كلي الوجوب ليس إلّا من باب الملازمة العقلية بل لو بنينا على حجية الأصل المثبت لا نلتزم به في أمثال المقام إذا الاستصحاب لا بد و ان يكون ناظرا إلى ظرف الشك و لا يمكن إثبات الحدوث به فكيف يمكن ان يثبت به ان الواجب كان تخييريا من أول الأمر كما في المقام و ان الواجب كان من الأول هو خصوص الباقي كما في موارد دوران الأمر بين المتباينين (و اما القسم الثاني) و هو ما إذا علم الوجوب‏

219

في كل منهما في الجملة و شك في التعيينية و التخييرية فقد ظهر مما ذكرناه ان مقتضى حكم العقل فيه هو الاشتغال و عدم سقوط كل منهما بفعل الآخر إلّا ان التعرض له ثانيا انما هو لبيان ان الشك في التخيير و التعيين قد يكون في الأحكام الواقعية و قد يكون في الأحكام الطريقية و على الأول قد يكون الشك من جهة الشك في أصل الجعل و قد يكون من جهة التزاحم فهناك أقسام ثلاثة و المختار عندنا و ان كان هو الاشتغال في تمام الأقسام إلّا ان ملاك القول به في القسم الثاني و هو الشك في التخيير و التعيين من جهة التزاحم أقوى منه في القسم الأول بحيث لو التزمنا بالرجوع إلى البراءة في القسم الأول لما كنا نلتزم به في الثاني كما انه لو التزمنا بالبراءة فيه أيضا محالا لا نلتزم به في القسم الثالث و هو دوران الأمر بين التعيين و التخيير في الطرق و تحقيق الحال في المقام انما يكون بالتكلم في كل واحد من الأقسام الثلاثة مستقلا فنقول (اما القسم الأول) و هو ما إذا ثبت وجوب شيئين في الشريعة في الجملة و دار أمرهما بين كونهما تعيينيين أو تخييريين فتوضيح الحال فيه يتوقف على بيان مقدمة و هي انه قد ذكرنا في بحث الواجب التخييري ان الوجوه في تصويره كثيرة إلّا انها خالية عن التحصيل و ما يمكن ان يلتزم به في عالم الثبوت وجهان (الأول) ان يكون هناك مصلحتان متضادتان لا يمكن الجمع بينهما في الخارج مع كون كل منهما ملزمة في نفسها (الثاني) ان يكون مصلحة واحدة ملزمة مترتبة على كل واحد من الفعلين و على كل تقدير لا بد من جعل الإيجاب على نحو التخيير لا محالة (و توهم) ان الواجب في القسم الثاني يكون هو الجامع بين الفعلين فان وحدة الأثر يكشف عن وحدة المؤثر فيكون التخيير بين الفعلين عقليا لا شرعيا (مدفوع) بان وجود الجامع بين الفعلين لوحدة الملاك المترتب على كل منهما و ان كان مسلما إلّا انه ليس بجامع عرفي يقع في حيز الخطاب حتى يكون التخيير بين افراده بحكم العقل فلا بد للشارع من إيجاب كل منهما تخييرا فيكون التخيير شرعيا (ثم ان) مقتضى كل من القسمين يختلف في عالم الإثبات فانه على تقدير كون التخيير ناشئا عن تضاد المصلحتين و تزاحمهما في مقام التأثير يكون الواجب هو كل من الفعلين تعيينا على وجه الاشتراط بعدم الإتيان بالآخر و مقتضى ذلك هو تقييد إطلاق كل منهما بأداة الشرط و هذا بخلاف ما إذا كان هناك مصلحة واحدة مترتبة على كل من الفعلين فانه لا يوجب إلّا إيجاب أحدهما تخييراً فلا بد من تقييد الإطلاق بأداة العطف و هذا سنخ من الوجوب يعبر عنه بالوجوب التخييري‏

220

فالواجب في الحقيقة هو أحدهما المردد القابل للانطباق على كل من الفعلين و على ذلك فإن كان التقييد في عالم الإثبات بأداة العطف فمن جهة تبعية عالم الإثبات لعالم الثبوت يستكشف وحدة الملاك و كون الواجب هو أحدهما المردد فيسقط احتمال كون الوجوب التخييري ناشئا عن المصلحتين المتضادتين نعم لو كان هناك دليلان دل كل منهما على وجوب فعل مخصوص كالظهر و الجمعة مثلا و قام دليل خارجي على عدم وجوب كليهما معا فلا بد من أحد التقييدين اما التقييد بأداة الشرط حتى يكون النتيجة هو وجوب كل منهما مشروطا بعدم الإتيان بالآخر و اما التقييد بأداة العطف حتى يكون الواجب هو أحدهما على التخيير فيتردد الأمر بين القسمين المذكورين إلّا انه مع ذلك لا بد من الالتزام بالتقييد يرجع إلى ناحية المطلوب و يبقي إطلاق الطلب على حاله تقدير التقييد بأداة العطف و إلغاء احتمال التقييد بأداة الشرط فانه على تقدير التقييد بأداة العطف فالتقييد يرجع إلى ناحية المطلوب و يبقى إطلاق الطلب على حاله و اما على التقييد بأداة الشرط فالتقييد يرجع إلى نتيجة الجملة أعني بها الطلب المستفاد من إيقاع الهيئة على المادة و تقييد الطلب مستلزم لتقييد المطلوب لا محالة و قد ذكرنا في بحث الواجب المشروط انه كلما دار الأمر بين تقييد واحد و تقييدين فلا بد من الالتزام بالتقييد الواحد و إبقاء إطلاق الآخر على حاله هذا مضافا إلى ان قيام الإجماع و نحوه على عدم تعدد الواجب يستكشف منه عدم تعدد الملاك أيضا لما عرفت من تبعية مقام الإثبات لمقام الثبوت لا محالة على أن فرض وجود الملاكين و تمانعهما في التحقق فرض نادر موهوم بعيد عن أذهان العامة لا يعبأ به و على ذلك يتعين الوجوب التخييري فيما يستلزم التقييد بأداة العطف و لا يبقى لاحتمال التقييد بأداة الشرط مجال أصلا فإذا شك في تعيينية الوجوب و تخييريته فلا محالة يرجع الشك إلى سقوط كل من الواجبين المعلوم وجوبهما بإتيان متعلق الآخر فلا بد من الحكم بالاشتغال و عدم سقوط كل منهما إلّا بإتيان متعلقه فيكون النتيجة هي التعيين نعم لو بنينا محالا على أن الوجوب التخييري عبارة عن وجوب كل من الفعلين تعيينا مشروطا بعدم الإتيان بمتعلق الآخر فلا محالة يكون مرجع الشك إلى الشك في إطلاق الواجب و اشتراطه و عليه يكون وجوب كل منهما عند عدم الإتيان بمتعلق الآخر معلوما و اما عند الإتيان به فيكون أصل الوجوب مشكوكا يرجع معه إلى البراءة كما هو الحال عند دوران الأمر بين الاشتراط و الإطلاق في غير المقام فيكون النتيجة عند الشك في التعيين هو التخيير دون التعيين لكنك قد عرفت آنفا و مر في بحث الوجوب التخييري فساد المبنى‏

221

و انه لا يرجع الوجوب التخييري إلى الوجوب المشروط أصلا (و اما القسم) الثاني و هو ما إذا كان الشك في التعيين و التخيير من جهة التزاحم مع احتمال أهمية أحد الواجبين فالحكم فيه هو الاشتغال و تعيين محتمل الأهمية و ان قلنا بالتخيير في القسم الأول و الرجوع فيه إلى البراءة و ذلك لما بيناه في بحث التزاحم من ان التزاحم بين الخطابين انما ينشأ من إطلاق كل منهما بالإضافة إلى الإتيان بمتعلق الآخر و تركه المستلزم لطلب الجمع بين المتعلقين في الخارج فإذا كان المكلف قادرا على الجمع فيجب عليه و لا يقع المزاحمة بين الخطابين و اما مع العجز عنه فيتحقق التنافي بين الإطلاقين و يقع المزاحمة بين الخطابين فإن كان أحد الخطابين معلوم الأهمية في نظر الشارع فلا محالة يبقى إطلاقه بحاله و يتعين إطلاق الآخر للسقوط و يرتفع بذلك محذور طلب الجمع بين المتعلقين و يكون النتيجة هو ترتب خطاب المهم على عصيان خطاب الأهم و قد بينا جوازه و إمكانه بما لا مزيد عليه في محله و مع عدم العلم بالأهمية فتارة يعلم مساواة كل منهما مع الآخر و أخرى يحتمل أهمية أحدهما دون الآخر فعلى الأول لا بد من سقوط كل من الإطلاقين لعدم الترجيح في البين فيكون النتيجة هو وجوب كل منهما مشروطا بعدم الإتيان بالآخر فإن الموجب لعجز المكلف عن الامتثال ليس نفس الخطابين حتى يكون الساقط في فرض العلم بأهمية أحد الخطابين هو خصوص خطاب المهم و في هذا الفرض كليهما حتى نحتاج في إثبات التخيير إلى اكتشاف العقل له من جهة وجود الملاك الملزم في البين بل الموجب له انما هو إطلاق الخطابين فيكون الساقط هو خصوص إطلاق خطاب المهم في الفرض الأول و كلا الإطلاقين في هذا الفرض و على الثاني لا بد من الحكم بالاشتغال فإن الشك في الأهمية لشبهة موضوعية أو حكمية يرجع إلى الشك في سقوط كلا الإطلاقين بعد العلم بسقوط أحدهما و لا ريب ان مقتضى القاعدة هو الحكم بعدم السقوط و بقاؤه على حاله (و توضيحه) انه إذا كان هناك غريقان لا يتمكن المكلف الا من إنقاذ أحدهما فإن كان كل منهما مساويا في الأهمية مع الآخر فلا محالة يكون إطلاق طلب الإنقاذ في كل منهما مقيدا بعدم إنقاذ الآخر و اما إذا احتمل أهمية أحدهما معينا فهو و إن كان يوجب الشك في تعيينية طلبه و تخييريته إلا انه مع ذلك لا يمكن الرجوع إلى البراءة و لو قلنا بجريانها في موارد الدوران بينهما في القسم الأول ضرورة ان سقوط إطلاق طلب ما لا يحتمل أهميته معلوم على كل تقدير و الشك انما هو في سقوط الإطلاق في الطرف المحتمل أهميته و مع عدم إحراز سقوطه لا يمكن الحكم‏

222

بالسقوط كما هو ظاهر (فإن قلت) إذا كان الساقط بالتزاحم هو الإطلاق من الجانبين أو من جانب واحد فقط فلا محالة يكون مرجع الشك عند احتمال الأهمية إلى الشك في إطلاق الخطاب و اشتراطه بعد العلم بالاشتراط في الطرف الآخر و من المقرر في محله ان المرجع عند الشك في الإطلاق و الاشتراط هو البراءة فيكون النتيجة مع الاشتراط فيثبت التخيير (قلت) الشك في الإطلاق و الاشتراط و ان كان المرجع فيه هو البراءة إلّا انه فيما إذا كان الشك بحسب أصل الجعل لا من جهة التزاحم و السر فيه أن الشك في التكليف إنما يكون موردا للبراءة في غير ما إذا كان من جهة الشك في القدرة و أما في موارد العلم بوجود الملاك الملزم و الشك في التكليف من جهة الشك في القدرة فلا يجوز العقل تفويت الملاك الملزم بمجرد احتمال العجز عن تحصيله عقلا أو شرعا و محل الكلام من هذا القبيل فإن وجود الملاك الملزم في طرف المحتمل أهميته معلوم بالفرض و الشك في اشتراط خطابه انما نشأ من احتمال كون الإتيان بالطرف الآخر معجزا مولويا عنه فمجرد احتمال العجز عنه لا يوجب جواز تفويته فلا بد من الاحتياط و الحكم بعدم سقوطه بإتيان الطرف الآخر و اما الطرف الآخر الغير المحتمل أهميته فسقوط الإطلاق فيه و كونه مشروطا بعدم الإتيان بما يحتمل أهميته معلوم على كل تقدير فاتضح من جميع ذلك ان القول بالتخيير و الرجوع إلى البراءة في القسم الأول غير ملازم للقول بالتخيير في هذا القسم أصلا (هذا كله) على المختار من سقوط الإطلاق في مقام التزاحم و عدم تمكن المكلف من امتثال كلا الخطابين في الخارج و اما لو بنينا على ان الساقط عند المزاحمة هو خصوص خطاب المهم في فرض أهمية أحدهما و كلا الخطابين عند عدم الأهمية في البين نظرا إلى ان تقييد الإطلاق لا يوجب رفع محذور طلب الجمع إذ مع ترك المكلف لخصوص الأهم في فرض الأهمية و لكلا الواجبين مع التساوي يكون كل من الخطابين فعليا لإطلاق الخطاب في طرف الأهم و حصول شرط الفعلية و هو ترك الأهم بالنسبة إلى الخطاب بالمهم و ترك كل منهما بالنسبة إلى خطاب الآخر في فرض عدم الأهمية بل لا بد في رفعه من رفع اليد عن الخطاب بالمهم عند وجود الأهمية و عن كلا الخطابين عند عدمها لكن العقل يستكشف من وجود ملاكين ملزمين لا يمكن استيفاؤهما في الخارج جعل الشارع للخطاب التخييري بين الفعلين حتى لا يفوت على المكلف كلاهما فهل القاعدة تقتضي إلحاق الشك في الأهمية الموجب للشك بين التخيير و التعيين بالقسم الأول أم لا بد من القول فيه بالاشتغال و ان قلنا بالبراءة في القسم‏

223

الأول (ربما يقال) بالإلحاق بتوهم ان مرجع الشك في الأهمية حينئذ إلى ان الحكم الشرعي الموجود في المقام هو التعيين أو التخيير فيجري فيه ما بنى عليه في القسم الأول (و لكنه لا يخفى) فساد هذا التوهم فإن الشك في التعيين و التخيير في القسم الأول كان ناشئا عن الشك في أصل الجعل فيمكن ان يقال فيه بالبراءة عن الكلفة المشكوكة في التعيين و أين هذا من المقام فإن الشك فيه ناش من احتمال عدم قدرة المكلف على الامتثال خارجا و إلا لكان الخطاب في كل من الطرفين فعليا تعينيا بلا مزاحم مع احتمال اشتمال الطرف المشكوك كونه عدلا على الملاك الموجود في الطرف المحتمل أهميته فمرجع الشك بعد إحراز اشتمال أحد الطرفين على الملاك الملزم إلى احتمال اكتفاء الشارع عن امتثاله بإتيان الطرف الآخر و جعله بدلا عنه و لا ريب أن العقل يستقل حينئذ بعدم تجويز تفويت الملاك الملزم المعلوم بمجرد الاحتمال فلا بد من الحكم بالاشتغال فظهر انه لا فرق في القول بالاشتغال في هذا القسم بين القول بسقوط الإطلاق عند التزاحم و بين القول بسقوط أصل الخطاب (هذا) مع أن القول الثاني فاسد من أصله و قد بينا ذلك بما لا مزيد عليه في بحث الترتب فراجع و من الغريب ما صدر عن العلامة الأنصاري (قده) في المقام حيث انه مع التزامه بسقوط أصل الخطاب في فرض المزاحمة و إنكاره للخطاب الترتبي لذلك قد التزم في بحث التعادل و التراجيح بأن مقتضى القاعدة عند التزاحم هو سقوط الإطلاقين فإنه نتيجة اشتراط التكاليف بالقدرة لا نفس الخطابين و ليت شعري إذا كان الخطاب الترتبي من طرف واحد مستحيلا فكيف يجوز ذلك من الطرفين و قد أشرنا إلى ذلك في بحث الترتب أيضا فظهر مما ذكرناه ان مقتضى القاعدة عند الشك في الإطلاق و الاشتراط و إن كان هو البراءة إلا انه مختص بغير موارد الشك في القدرة و اما فيها فالعلم بوجود الملاك الملزم في كل من الواجبين مع احتمال الاشتراط في التكليف لعدم القدرة على إيجادهما و تزاحمهما في الملاكية يمنع من الرجوع إلى البراءة لعدم تجويز العقل تفويت الملاك الملزم باحتمال العجز عن تحصيله (فإن قلت) إن ما ذكرت إن ما يتم فيما إذا علم بالملاك التام القابل للداعوية و لكنه غير متحقق فيما نحن فيه إذ المفروض احتمال تمانع الملاكين و عدم قابليتهما للتأثير في مقام الجعل و معه كيف يمكن ان يكون مقتضى القاعدة هو الاشتغال (قلت) التمانع في الملاك إن كان لعدم تماميته في حد نفسه كاحتمال مانعية الفسق عن تمامية الملاك الموجود في إكرام العالم المقتضي وجوبه فالامر كما ذكرت لكنه أجنبي عن محل الكلام فإن المفروض هو تمامية الملاك و قابليته‏

224

للدعوة من غير جهة القدرة فالشك في التكليف ينشأ من الشك في القدرة لا غير و معه لا يمكن الرجوع إلى البراءة كما عرفت (و أما القسم) الثالث و هو ما إذا دار الأمر بين التعيين و التخيير في الطرق فتوضيح الحال فيه انه ان التزمنا في موارد الطرق بالسببية بالمعنى المعقول المغاير للسببية الأشعرية و المعتزلية أعني بها المصلحة السلوكية فيرجع الأمر عند تعارض الخبرين إلى التزاحم على إشكال فيه نتعرض له في بحث التعادل و التراجيح إن شاء اللَّه تعالى و عليه يكون التخيير عند تعارضهما على طبق القاعدة فإذا شك في التعيين و التخيير من جهة احتمال التعيين في أحدهما فيرجع فيه إلى ما بنينا عليه في القسم الثاني بعينه فإنه يكون من مصاديقه و افراده و أما إذا بنينا على الطريقية المحضة كما هو المختار عندنا فلا محالة يكون مقتضى القاعدة عند التعارض هو التساقط فيكون التخيير مع عدم وجود المرجح و الترجيح معه على خلاف القاعدة و ثابتا بالدليل التعبدي فإذا شك في التعيين و التخيير لشبهة حكمية أو موضوعية فالتوهم المذكور من كون المورد مورد للبراءة لكون التخيير في موارد التزاحم شرعيا فيكون الشك في التعيين راجعا إلى الشك في الكلفة الزائدة غير جار فيه من أصله إذ بناء على الطريقية المحضة لا موجب لدخول محل التعارض في كبرى التزاحم أصلا و عليه فطريقية ما يحتمل تعينه و كونه مورد الجعل الوسطية في الإثبات تعيينا أو تخييرا معلوم بالفرض و اما الطرف الآخر فطريقيته مشكوكة و قد ذكرنا في محله ان الطريقية و الوسطية في الإثبات متقومة بالوصول و مع الشك فيها يقطع بعدم الطريقية الفعلية من دون فرق بين أن يكون الشك من جهة أصل الجعل أو من جهة عروض الطوارئ كما في المقام فتحصل ان الحق هو عدم جواز الرجوع إلى البراءة عند الشك في التعيين في تمام الأقسام و لكنه لو فرض القول بها في القسم الأول محالا لما قلنا به في القسمين الأخيرين كما انه لو قلنا به في القسم الثاني أيضا لما نقول به في الثالث (هذا) تمام الكلام في الشك في التعيين و التخيير و اما الشك في كون الوجوب عينيا أو كفائيا فيظهر الحال فيه مما بيناه في دوران الأمر بين التعيين و التخيير فإن الوجوب الكفائي إذا كان راجعا إلى الوجوب المشروط بتوهم أن العمل واجب على كل مكلف تعيينا مشروطا بعدم إتيان الآخر له فيرجع الشك في العينية و الكفائية إلى الشك في الإطلاق و الاشتراط و قد ذكرنا ان الأصل عند دوران الأمر بينهما و إن كان هو البراءة فيما إذا كان الشك راجعا إلى أصل الجعل إلا انه لا بد من القول بالاشتغال فيما إذا كان الشك في مرحلة السقوط كما في المقام فإن‏

225

فإن التكليف الفعلي قبل إتيان أحد بمتعلقه معلوم على الفرض و الشك إنما في سقوط هذا الواجب الفعلي بفعل الغير فلا بد من القول بالاشتغال و ان كان راجعا إلى إيجاب العمل على كلي المكلف على نحو صرف الوجود كما هو الصحيح فإن المطلوب للمولى و ما هو متعلق غرضه فعل واحد و التعدد إنما هو في المكلف فلا معنى لإيجابه على كل واحد من المكلفين عينا بشرط عدم إتيان الآخر فالالتزام بالاشتراط هنا أبعد من الالتزام به في الوجوب التخييري فالأمر أوضح فإن رجوع الشك إلى مرحلة السقوط عند الشك في الكفاية و العينية بمكان من الوضوح فلا بد من القول فيه بالاشتغال (و بالجملة) النتيجة في الوجوب الكفائي و ان كانت واحدة على كلا الوجهين و هي سقوط الوجوب عن الكل بإتيان البعض و صحة عقاب الكل عند الترك من الجميع إلا ان الصحيح هو الوجه الثاني و على تقدير الالتزام بالوجه الأول فالمرجع هو الاشتغال عند الشك في الكفائية أيضا

(المطلب الثالث) في تحقيق الحال في الشبهة الموضوعية الوجوبية

و لا إشكال في شمول أدلة البراءة لها عقلية و نقلية و يظهر بيان الاستدلال له مما قدمناه في المباحث السابقة فلا حاجة إلى إطالة الكلام فيه و الظاهر ان المسألة مما لم يقع الخلاف فيها من أحد من هذه الجهة و إنما الإشكال في مقامين (الأول) انه بعد الفراغ عن وجوب الفحص في الشبهة الموضوعية وجوبية أو تحريمية قد أفتى جملة من الاعلام بل الظاهر انه المشهور بوجوب الفحص عند الشك في حصول الاستطاعة أو في بلوغ المال إلى حد النصاب مع كون الشبهة موضوعية و سيأتي التعرض لذلك و بيان ما هو الملاك في وجوب الفحص إن شاء اللَّه تعالى (المقام الثاني) انه بعد تسالم الأصحاب على كون الحكم في مورد الشك في الوجوب مع كون الشبهة موضوعية هو البراءة قد أفتى جماعة منهم بل ربما يدعى كونه هو المشهور بوجوب قضاء الفوائت التي لا يعلم مقدارها إلى حد يحصل العلم بالفراغ مع عدم كونه حرجيا و إلا فبمقدار حصول الظن به و هذا لا يجتمع مع التسالم المذكور كما هو ظاهر (و التحقيق) في المقام ان يقال ان الحكم بوجوب تحصيل القطع أو الظن بالفراغ عند عدم التمكن من القطع يبتني على أحد أمرين (الأول) توهم ان مقتضى استصحاب عدم الإتيان بالفريضة في وقتها وجوب قضائها فلا بد من الإتيان بمقدار يحصل معه القطع بالفراغ و إلّا فالاستصحاب يكون محكما «و فيه» ان وجوب القضاء لم يترتب على نفس عدم الإتيان بالفريضة حتى يتوهم إحراز ذلك بالاستصحاب بل هو مترتب على عنوان الفوت المساوق لذهاب شي‏ء عن الكيس‏

226

اما بفوات الفريضة الفعلية أو بفوات ملاكها و لو مع عدم فعلية التكليف كما في موارد الفوت حال النوم و نحوه و عنوان الفوت بناء على كونه أمرا وجوديا منتزعا من عدم الإتيان بالواجب إلى آخر وقته و متولدا عنه فعدم جريان الاستصحاب عند الشك فيه في غاية الوضوح إذ إثبات أمر وجودي ملازم للمستصحب بالاستصحاب من الأصول المثبتة التي لا نقول بها و اما بناء على كونه امرا عدميا بأن يكون هو نفس عدم الإتيان بالواجب في الوقت فالأمر أيضا كذلك ضرورة انه ليس عبارة عن العدم المحمولي المسبوق بالحالة السابقة لعدم صدق الفوت قبل دخول وقت الفريضة و لا بعد دخوله إلى آخر الوقت بل المصحح لصدقه هو عدم الإتيان بها في مجموع الوقت لما عرفت من ان معنى الفوت مساوق لذهاب شي‏ء عن الكيس و هذا لا يتحقق إلا مع وجود مقتضى الدخول فيه و هو لا يكون إلا في مجموع الوقت و عليه يكون الفوت من قبيل الاعدام و الملكات و قد بينا غير مرة ان استصحاب العدم المحمولي لإثبات العدم و الملكة من أوضح أنحاء المثبت (و بالجملة) نفس عنوان الفوت لكونه من قبيل الاعدام و الملكات لا حالة سابقة له حتى يكون قابلا للاستصحاب و العدم المحمولي و ان كان له حالة سابقة إلا انه لا يمكن إثبات العدم و الملكة باستصحابه بل لو تنزلنا عن ذلك و بنينا على مساوقة عنوان الفوت لنفس العدم المحمولي المقارن مع الوقت حتى يكون عنوان الفوت مركبا من أمر وجودي و هو دخول الوقت و أمر عدمي و هو عدم الإتيان بالفريضة لا يكون الاستصحاب جاريا لمحكوميته بالأدلة الدالة على إلغاء الشك في إتيان الفريضة بعد خروج الوقت و كل فريضة لم يعلم بفواتها في وقتها يحكم بعدم وجوب قضائها فيسقط الاستصحاب بالإضافة إليها و عليه يكون العلم الإجمالي المردد بين الأقل و الأكثر منحلا إلى اليقين بوجوب قضاء المقدار المتيقن و الشك في وجوب المقدار الزائد المحكوم بعدم الاعتناء به في تلك الأدلة «و مما ذكرناه» يظهر الحال في الواجبات المالية أيضا فإذا كان الشك في أداء الخمس أو الزكاة مثلا مع بقاء عين المال المتعلق للحق فمقتضى القاعدة هو الحكم بوجوب الأداء لقاعدة الاشتغال و ليس في مورد الشك في أدائها قاعدة تقضي بعدم الوجوب نظير قاعدة التجاوز و الفراغ الجاريتين في العبادات و مجرد جريان عادة الشخص على الأداء في أول السنة مثلا لا يكون موجبا لعدم الوجوب كما توهم نظير ما إذا كان عادة المكلف على غسل الطرف الأيمن قبل الأيسر فشك في غسل الأيمن حين اشتغاله بالأيسر فإنه لا ريب في وجوب غسله و عدم الاعتناء بجريان‏

227

عادته على غسله قبل الأيسر و أما إذا كان الشك بعد تلف العين فمقتضى القاعدة عدم الوجوب إذا الشك يرجع إلى اشتغال الذّمّة بالمثل و كونه ضامنا لحصة الفقير و هو امر حادث يندفع بالأصل «الثاني» ما أفاده المحقق صاحب الحاشية و حاصله ان الشك في مقدار الفوائت ان لم يكن مسبوقا بعلم في زمان كما إذا برء من مرض فات فيه مقدار من الفرائض فشك في مقدارها فالحكم فيه البراءة في غير المقدار المتيقن و اما إذا كان مسبوقا به لكن عرض له الشك فيه لعروض النسيان فالحكم هو الاشتغال إذ العلم السابق بمقدار الفرائض إنما نجزها على ما هي عليها فالشك في مقدارها فعلا يرجع إلى الشك في مقدار المعلوم السابق المتنجز و من البديهي ان الشك في التكليف إنما يكون موردا للبراءة فيما إذا لم يكن شكا في تكليف متنجز على تقدير وجوده و إلا فلا محالة يحكم العقل بوجوب الاحتياط دفعا للضرر المحتمل (و فيه) ان الحكم الواقعي إنما يكون منجزا فيما إذا كان واصلا بنفسه أو بطريقه فدعوى عدم جريان البراءة في المقام لا بد و ان يرجع إلى دعوى كفاية تنجز العلم بحدوثه آناً ما و لو كان زائلا بعد ذلك أو دعوى قصور جريان أدلة البراءة في المقام فلا محالة يجب الاحتياط لعدم الأمن من العقوبة و كلا الدعويين من وضوح الفساد بمكان «اما» الدعوى الأولى فلأن العلم بالتكليف إنما ينجز معلومه مع بقائه و اما مع انتفائه فيستحيل ان يكون بمجرد حدوثه منجزا للمعلوم مطلقا و لو في ظرف عدم وصوله بنفسه و لا بطريقه و إلا لكان حدوث العلم آناً ما مع طريان الشك الساري منجزا أيضا و هو «قده» لا يلتزم بذلك «فإن قلت» أ لستم تلتزمون بأن العلم الإجمالي ينجز المعلوم في أطرافه و لو مع زواله بفقدان بعض الأطراف أو خروجه عن محل الابتلاء فكيف تنكرون عدم منجزية حدوث العلم آناً ما و لو مع زواله و هل هناك فرق بين العلم التفصيليّ و الإجمالي «قلت» ليس العلم الإجمالي موجبا لتنجز المعلوم في كل واحد واحد من أطرافه لعدم العلم فيه بخصوصه و انما المنجز هو احتمال انطباق المعلوم بالإجمال على كل واحد واحد من الأطراف و من الواضح ان هذا الاحتمال الموجب للتنجز على تقدير المصادفة للواقع باق بحاله قبل طرو الفقدان أو نحوه و بعده و الّذي نمنعه في المقام هو كون الحكم الواقعي منجزا في ظرف عدم وصوله لا بنفسه و لا بطريقه بمجرد احتمال كونه معلوما سابقا و لو بنينا على ذلك لزم تأسيس فقه جديد ضرورة ان كل حكم تكليفي احتمل تعلقه بالمكلف إذا كان موضوعه من قبيل الأفعال الاختيارية كما في الكفارات و العهود و نحوها لا بد من القول بعدم‏

228

جريان البراءة فيه على هذا القول فمن احتمل صدور فعل اختياري منه موجب لحكم تكليفي لا بد و ان يأتي بمتعلقه لأن ذلك الحكم التكليفي على تقدير تعلقه فلا محالة كان معلوما له في زمان و المفروض ان احتمال تكليف معلوم و لو في زمان ليس مورد للبراءة لمنجزية العلم السابق له على تقدير وجوده فينحصر جريان البراءة بموارد احتمال التكاليف الغير المترتبة على الأفعال الاختيارية و هذا هو اللازم الفاسد الموجب لتأسيس فقه جديد «و اما» الدعوى الثانية فغاية ما يمكن ان يقال في تقريبها هو ان البراءة العقلية و حكم العقل بقبح العقاب بلا بيان موردها المتيقن بنظر العقل هو ما إذا لم يكن هناك بيان أصلا و اما مع احتمال البيان من جهة احتمال كون الحكم الواقعي معلوما و لو في زمان فلا يستقل العقل بالقبح فلا بد من الاحتياط دفعا للضرر المحتمل و اما البراءة الشرعية فموضوعها بمقتضى دليل الرفع هو ما لا يعلمون و هو ظاهر في عدم المعلومية رأسا فمع احتمال المعلومية و لو في زمان سابق يكون الشبهة مصداقية فلا يمكن التمسك بدليلها (و جوابها) ان العقل و ان كان قد يتردد في موضوع حكمه لأجل عدم إحراز ملاكه تفصيلا كما إذا تردد العقل في ان ملاك القبح في الكذب هل يختص بالكذب الغير النافع أو يشمل لنافع أيضا فيأخذ بالمقدار المتيقن لكن حكم العقل بقبح العقاب بلا بيان ليس من هذا القبيل لما عرفت سابقا من ان الحكم الواقعي لوجوده النّفس الأمري يستحيل ان يكون محركا فلا بد في محركيته من وصول الحكم اما بنفسه أو بطريقه كما في موارد الشبهة قبل الفحص و حيث ان المفروض في المقام عدم وصول الحكم بنفسه و لم يقم دليل على وجوب الاحتياط بمجرد الاحتمال فلا محالة يستقل العقل بقبح العقاب فلا يكون أثر لاحتمال وصول الحكم سابقا إذ لا يترتب على الوصول السابق أثر في الزمان اللاحق بل لو فرضنا ترتب أثر شرعي عليه أيضا فهو أيضا يندفع بالبراءة للشك في تحقق موضوعه و من هنا يظهر الحال في البراءة الشرعية فإن موضوعها و ان كان ما لا يعلمون إلا أن مقتضى مناسبة الحكم و الموضوع و قرينية حكم العقل بقبح العقاب من دون وصول الحكم بنفسه و لا بطريقه هو دوران الحكم بالبراءة مدار الوصول الفعلي بأحد قسميه و مع عدمه كما في المقام لا مناص عن الحكم بالبراءة (فإن قلت) كما لا ريب في أن الواجب الموسع إذا كان مقدورا في بعض الأزمان دون بعض يتضيق في الزمان المقدور فيه و لا يبقى على سعته فكذا يتضيق من حيث التنجز إذا كان معلوما في بعض الأزمان فقط فكلما تنجز في الزمان المعلوم يكون الاعتبار به لا ببقية الأزمنة كما في القدرة طبق النعل بالنعل (قلت) قياس العلم بالقدرة في ذلك مما

229

لا وجه له فإن القدرة شرط واقعي للتكليف يدور مدارها فلا محالة يكون الزمان الغير المقدور فيه الواجب خارجا عن دائرة التكليف و أين ذلك من العلم فإن الواجب الواقعي و ان كان متنجزا في زمان معلوميته إلا أن تأخيره عن ذلك الزمان لموسعية الواجب لا محذور فيه و المفروض عدم العلم بوجود التكليف في الزمان المتأخر فعدم الإتيان بمتعلقه على تقدير وجوده معذور فيه على كل حال «فإن قلت» هذا إنما يتم إذا كان الزمان قيدا للتكليف و أما إذا كان قيدا للمتعلق و كان الوجوب آنيا غير قابل للاستمرار فلا إذ المفروض ان ذلك التكليف الآني تنجز بالعلم به في زمان فلا بد من الخروج عن عهدته يقينا «قلت» كون القيد ظرفا للواجب أو الوجوب في مثل قوله تعالى أوفوا بالعقود و إن كان فيه كلام و يترتب عليه ثمرة عملية كما سنتعرض له في محله إن شاء اللَّه تعالى إلا أن إسراء ذلك إلى مثل المقام غير صحيح فإن الفعل إنما يقع امتثالا للتكليف الفعلي الموجود في زمانه بداهة انه لا يعقل امتثال تكليف سابق معدوم في زمان العمل فلا بد و أن يكون الأمر بقضاء الفوائت في المقام امتثال تكليف سابق معدوم في زمان العمل فلا بد و أن يكون الأمر بقضاء الفوائت في المقام مستمرا إلى زمان الامتثال و حينئذ فإذا شك في وجوب القضاء فعلا فلا محالة يكون الشك راجعا إلى وجود تكليف فعلا و هو يدفع بالبراءة و احتمال كونه معلوما سابقا و متنجزا بالعلم السابق قد عرفت انه لا يترتب عليه أثر أصلا «هذا كله» بناء على التوسعة و عدم المضايقة في الفوائت «و اما» بناء على التضييق و وجوب قضاء الفوائت فورا ففورا فهناك جهتان «الأولى» جهة تنجز الفوائت المعلومة على ما هي عليها بمجرد العلم بها في زمان من جهة فورية القضاء «الثانية» جهة تنجزها كذلك من جهة أصل وجوب القضاء «اما الجهة الثانية» فلا ريب أن لازم هذا المبني هو كون وجوب القضاء في كل زمان مغايرا لوجوب القضاء في زمان آخر فالعلم بمقدار الفوائت في زمان يستحيل ان يكون منجزا لها في زمان آخر بل الميزان في التنجيز هو وجود العلم في كل زمان زمان «و اما من الجهة الأولى» فلا ريب في ان حدوث العلم بمقدار الفوائت في زمان يوجب تنجزها و استحقاق العقاب على مخالفتها إذ المفروض وجوب أدائها فوراً فتأخيرها إلى زمان آخر عمداً موجب لاستحقاق العقاب لكن هذه الجهة خارجة عما هو محل الكلام في المقام‏

«المبحث الثاني» من المقصد السابع فيما إذا علم جنس التكليف و لم يمكن الاحتياط فيه لدوران الأمر فيه بين المحذورين‏

و قد قسمنا في صدر المبحث مسائل الشك الغير الملحوظ فيه الحالة السابقة إلى الشبهة التحريمية الغير المحتمل فيها الوجوب و الوجوبية

230

الغير المحتمل فيها الحرمة و اما ما يحتمل فيه الوجوب و الحرمة فهو على قسمين «الأول» ما يكون فيه احتمال حكم غير إلزامي أيضا «الثاني» ما لا يكون فيه غير احتمال الوجوب أو الحرمة «اما القسم الأول» فلا إشكال في كونه موردا للبراءة العقلية و النقليّة و قد ظهر الوجه فيه مما ذكرناه في المباحث السابقة (و اما القسم الثاني) الّذي علم فيه الإلزام في الجملة و دار الأمر فيه بين الوجوب و الحرمة و هو الّذي عقد لأجله هذا المبحث فالحق فيه ان العلم الإجمالي فيه غير منجز للتكليف و مع ذلك لا يجري فيه شي‏ء من الأصول العملية اما عدم تنجز العلم الإجمالي فلما ذكرنا في محله من انه يشترط في تنجيز العلم الإجمالي ان يكون ذاك الجامع المعلوم بالتفصيل المشكوك خصوصية مما يقبل تعلق التكليف به بخصوصه كما إذا علم وجوب صلاة الظهر أو الجمعة أو علم نجاسة أحد الإناءين أو علم وجوب شي‏ء أو حرمة شي‏ء آخر فانه لا مانع من تعلق التكليف بالجامع المعلوم في تمام هذه الموارد و مع انتفاء هذا الشرط يستحيل تنجيز العلم الإجمالي و محركيته للمكلف في الخارج «الثاني» ان يكون المورد قابلا للمخالفة القطعية فموارد الشبهة الغير المحصورة التي لا يمكن فيها المخالفة القطعية لا يكون العلم فيها منجزا و ان كان الجامع المعلوم فيها قابلا لتعلق التكليف به و الوجه في هذا الاشتراط ظاهر أيضا إذ تنجيز العلم الإجمالي إنما يكون من جهتين (الأولى) من جهة حرمة المخالفة القطعية (الثانية) من جهة وجوب الموافقة القطعية و الجهة الثانية متفرعة على الأول و الأساس في التنجيز إنما هي الجهة الأولى فما لم يمكن فيه المخالفة القطعية يستحيل فيه التنجيز من الجهتين و كلا هذين الشرطين منفيان في محل الكلام و مورد النقض و الإبرام أما الشرط الأول فلأن الجامع المعلوم تعلق الإلزام به في المقام هو الجامع بين فعل شي‏ء و تركه و من الواضح ان الجامع الكذائي يستحيل كونه متعلقا للتكليف فإنه ضروري التحقق أما في ضمن الفعل أو الترك و ما كان كذلك يستحيل ان يكون متعلقا له (نعم) لو كان الجامع المعلوم مرددا بين فعل شي‏ء و ترك شي‏ء آخر فلم يكن إشكال في منجزية العلم لكنه خارج عما هو محل الكلام (و الحاصل) ان الجامع المعلوم في موارد العلم الإجمالي لا بد و ان يكون قابلا لتعلق التكليف التخييري به عقلا كما في موارد العلم الإجمالي بخصوص الوجوب أو خصوص الحرمة أو شرعا كما في موارد العلم بوجوب شي‏ء أو حرمة شي‏ء آخر فإن الجامع المعلوم فيها لكونه إلزاما مرددا بين تعلقه بالفعل أو الترك لا يمكن تعلق خطاب شرعي به حتى يكون التخيير عقليا لكنه قابل لتعلق الخطاب التخييري الشرعي به فلا محالة يكون العلم الإجمالي‏

231

منجزا و اما في المقام فحيث ان المعلوم الجامع المردد بين فعل الشي‏ء و ترك ذلك بعينه و أحدهما لا بعينه حاصل من المكلف لا محالة فلا يكون قابلا للخطاب التخييري العقلي و لا الشرعي فلا يتحقق شرط منجزية العلم الإجمالي و اما الشرط الثاني فلأن محل الكلام إنما هي القضية الشخصية الواحدة التي لم يكن أحد طرفي العلم بعينه تعبديا و عدم إمكان المخالفة القطعية في مثل هذا الفرض ظاهر لا سترة فيه بداهة ان المكلف لا يخلو أمره اما من الفعل أو الترك و على كل تقدير فكما يحتمل المخالفة يحتمل الموافقة أيضا نعم إذا كان الوجوب المحتمل مثلا على تقدير تحققه تعبديا لأمكن المخالفة القطعية بالفعل من دون قصد القربة لكن هذا الفرض خارج عن محل الكلام أيضا (و مما ذكرناه) يظهر أن في موارد دوران الأمر بين المحذورين كما لا يمكن تنجيز العلم الإجمالي كذلك لا يمكن الحكم بالتخيير لا واقعياً و لا ظاهريا أما عدم إمكان الحكم بالتخيير الواقعي فلما عرفت من ان حصول الفعل أو الترك مما لا بد منه من المكلف فكيف يعقل طلب أحدهما تخييرا و هل هو إلا طلب الحاصل و اما عدم إمكان التخيير الظاهري فلأنه فرع منجزية العلم الإجمالي و عدم إمكان الموافقة القطعية فلا بد من الحكم بالتخيير لعدم الترجيح و قد عرفت استحالة تنجيز العلم الإجمالي فلا تصل النوبة إلى التخيير الظاهري و أما عدم جريان شي‏ء من الأصول فتوضيحه يحتاج إلى بيان مقدمتين (الأولى) ان جريان الأصل يتوقف على وجود أثر عملي مترتب عليه ضرورة ان الأصول بأجمعها إنما جعلت وظيفة عملية في ظرف الشك فما لم يكن هناك أثر عملي لا يمكن جريان شي‏ء منها و على أن لا يكون مجرى الأصل مخالفا لنفس المعلوم بالتفصيل المتحقق في موارد العلم الإجمالي و هذان الشرطان يعمان مطلق الأصول العملية و هناك شرط ثالث يختص بالأصول التنزيلية و هو ان لا يلزم من جريان الأصلين مخالفة للمعلوم بالإجمال بحيث يقطع بعدم صدق أحدهما و قد أشرنا إلى وجه هذا الاشتراط في مباحث العلم الإجمالي و سيجي‏ء تفصيله في محله إن شاء اللَّه تعالى (الثانية) ان المراد من الأصل المدعى عدم جريانه في المقام هو الأصل الجاري في كل من الطرفين أو الجاري في نفس الجامع المعلوم كأصالة الإباحة و أما الأصل الجاري في أحد الطرفين فقط من دون أن يكون معارضا بجريانه في الطرف الآخر كما إذا كان المردد بين الوجوب أو الحرمة مسبوقاً بالوجوب مثلا فلا ريب في جريانه و انحلال العلم الإجمالي به و خروج مورده عن دوران الأمر بين المحذورين إذا عرفت ذلك (فنقول) الأصل الجاري في المقام اما أن يكون جاريا بالنسبة إلى‏

232

الجامع المعلوم أو بالنسبة إلى كل من الطرفين و على الثاني اما أن يكون الأصل تنزيليا أو لا و على الثاني اما ان يكون الأصل شرعيا أو عقليا أما الأصل الجاري بالإضافة إلى الجامع المعلوم فهو منحصر بأصالة الإباحة و عدم جريانها في المقام من وجوه (الأول) ان جريانها مختص بالشبهات الموضوعية على ما استظهرناه سابقا من عدم جريانها في الشبهات الحكمية فلا تجري فيما إذا كان الدوران بين الوجوب و التحريم من جهة الشبهة الحكمية (الثاني) انه لا يترتب أثر عملي على جريانها في المقام لأن المكلف كما عرفت لا بد له من الفعل أو الترك بالضرورة (الثالثة) انها منافية للمعلوم بالتفصيل إذ المفروض العلم التفصيليّ بوجود إلزام في الجملة فكيف يمكن الحكم بالإباحة المنافية له و لا يمكن جريان أي أصل فرض في مورد القطع بخلافه و أما الأصل التنزيلي المتوهم جريانه في المقام فينحصر باستصحاب عدم الوجوب و استصحاب عدم الحرمة و جريانهما مع كونهما من الأصول التنزيلية مناف للعلم الإجمالي بالوجوب أو الحرمة هذا مضافا إلى عدم ترتب أثر عملي على جريانهما بالنسبة إلى ما هو محط الكلام و إلى عدم جريانهما في الشبهات الحكمية في حد ذاتهما لما ذكرناه سابقا من ان ما له حالة سابقة في الشبهات الحكمية هو عدم الجعل أزلا لكن استصحابه لإثبات عدم المجعول من أوضح أنحاء المثبت و اما عدم المجعول فليس له حالة سابقة حتى يستصحب و اما الأصل الشرعي الغير التنزيلي المتوهم جريانه فينحصر بأصالة البراءة عن الوجوب و الحرمة و هو مضافا إلى عدم ترتب أثر عملي عليه لا يمكن جريانه لأن مفاده هو رفع التكليف في مورد يمكن فيه الوضع بإيجاب الاحتياط و حيث انه في المقام غير معقول لعدم إمكان الاحتياط فيكون رفعه أيضا كذلك و منه يظهر عدم جريان البراءة العقلية أيضا فإنها إنما تجري لحكم العقل بالمعذورية و معذورية الشك من مخالفة التكليف الواقعي الغير الواصل إنما تكون مع إمكان الاحتياط فمع عدمه لدوران أمر المكلف بين الفعل و الترك لا موقع لجريانها مضافا إلى عدم ترتب أثر عملي عليها كما عرفت في نظائرها فتحصل من جميع ما ذكرناه ان العلم الإجمالي في المقام و ان لم يكن قابلا للمنجزية إلا ان شيئا من الأصول بأقسامها لا محل لجريانها أيضا و حينئذ فلا محالة يكون المكلف مخيرا بين الفعل و الترك قهرا من باب اللاحرجية العقلية

(و ينبغي التنبيه) على أمور

(الأول) انه هل التخيير الثابت في المقام يختص بما إذا لم يكن هناك ترجيح في إحدى الطرفين احتمالا

بأن يكون أحد الاحتمالين أقوى أو محتملا بأن يكون أحد الحكمين المحتملين على تقدير وجوده أهم من الحكم الآخر

233

أو لا يختص بشي‏ء من المواد ربما يقال بالأول نظرا إلى ان المقام إذا كان لأحد الطرفين ترجيح يكون داخلا في صغريات دوران الأمر بين التعيين و التخيير و المختار فيه هو القول بالتعيين و لكنه لا يخفى ان الحكم بالتعيين في موارد دوران الأمر بينه و بين التخيير و إن كان هو الأقوى إلا انه فيما إذا كان فعلية الطلب محرزة لدى المكلف و كان الشك بين التخيير و التعيين راجعا إلى الشك في مرحلة الإسقاط كما في الابتلاء بالغريقين المحتمل أهمية أحدهما لا في أمثال المقام الّذي يكون الحكم المحتمل أهميته في مرتبة غيره بالقياس إلى وصوله فإن نسبة العلم الإجمالي إلى كل من الحكمين على حد سواء و لا يكون أهمية الحكم الواقعي على تقدير وجوده موجبة لوصوله و تنجزه على المكلف ما لم يكن هناك موصل خارجي و بالجملة الحكم بالتعيين إنما يكون فيما إذا وقع التزاحم بين الحكمين و احتمل أهمية أحدهما المستلزمة لمعجزيته عن امتثال الحكم الآخر و أما في مثل المقام فحيث ان المفروض ان الحكم الواقعي اما الوجوب أو الحرمة و نسبة العلم الإجمالي إليهما على حد سواء فكيف يكون احتمال الأهمية في أحدهما مع عدم إحراز فعلية التكليف موجبا لتنجزه هذا فيما إذا كانت الواقعة المبتلى بها واقعة شخصية (و اما) إذا كانت متعددة كما إذا علم بحلفه على وطئ إحدى زوجتيه و على ترك وطئ الأخرى في ليلة معينة حصل الاشتباه بين الزوجتين فتردد امر وطئ كل منهما بين الوجوب و الحرمة فربما يقال حينئذ بترجيح محتمل الأهمية نظرا إلى ان المقام حينئذ يكون من صغريات التزاحم بين الحكمين على ما هو الميزان من ان التنافي بين الحكمين ان كان في مرحلة الجعل فهو من باب التعارض و إلا فمن باب التزاحم و من الضروري ان التنافي في محل الكلام لم ينشأ من جعل أصل الوجوب و الحرمة لمحلوف الوطء و تركه و انما نشأ من الاشتباه الخارجي و عدم تمكن المكلف من الامتثال لأجله و إذا رجع الأمر إلى التزاحم بين الحكمين فلا محالة يكون احتمال الأهمية في أحدهما موجبا لتعينه و سقوط التخيير و لكنه لا يخفى ان اختصاص الحكم بالتعيين في موارد التزاحم مع احتمال الأهمية في أحدهما المعين و ان كان صحيحا إلا ان إدراج المقام في كبرى التزاحم إنما نشأ مع احتمال الأهمية في أحدهما المعين و ان كان صحيحا إلا ان إدراج المقام في كبرى التزاحم إنما نشأ من توهم انحصار التنافي بين الحكمين بالتعارض و التزاحم و ان خروج محل الكلام عن كبرى التعارض يستلزم دخوله في كبرى التزاحم و لكنه توهم فاسد إذ لم يقم دليل على الانحصار المذكور بل التحقيق ان المقام خارج عن مورد التعارض و التزاحم اما خروجه عن مورد التعارض فلما ذكر من انه يشترط فيه كون التنافي ناشئا من نفس‏

234

الجعل و المقام ليس كذلك و اما خروجه عن مورد التزاحم فلأن التزاحم انما يتحقق بعدم إمكان الجمع بين الامتثالين اما لأجل كون أحد الحكمين بنفسه رافعا الموضوع الآخر كما في التكاليف المالية الرافعة لموضوع وجوب الحج أعني به الاستطاعة و اما لأجل كون امتثال أحدهما رافعا لموضوع الآخر كما في مسألة الابتلاء بالغريقين مع عدم التمكن الا من إنقاذ أحدهما فإن امتثال كل من التكليفين حينئذ يكون معجزا عن امتثال التكليف الآخر و رافعا لموضوعه أعني به القدرة و من المعلوم ان التكليف الوجوبيّ في المقام مثلا ليس رافعاً بنفسه و لا بامتثاله لموضوع التكليف الآخر و كذلك العكس بل التنافي في المقام انما نشأ من عدم التمكن من الجمع بين طرفي العلمين فإن مقتضى العلم الإجمالي بالوجوب هو الإتيان بكل من الطرفين كما ان مقتضى العلم الإجمالي بالحرمة هو ترك كل منهما و الجمع بينهما غير ممكن فالتنافي انما هو بين إحراز موافقة كل من التكليفين مع إحراز موافقة الآخر لا بين نفس الامتثالين حتى يدخل المقام في كبرى التزاحم و على ذلك لا يكون لاحتمال الأهمية في أحد الحكمين مع عدم وصول ما يحتمل أهميته و تساوي نسبة العلم الإجمالي بالقياس إليه و إلى غيره أثر أصلا (نعم) يبقى هناك كلام بعد سقوط مراعاة الأهمية المحتملة في ان العقل هل يجوز فعلهما أو تركهما معا مع العلم بالمخالفة الإجمالية أم لا و سيأتي التعرض له في التنبيه الآتي إن شاء اللَّه تعالى‏

(الثاني) ان التخيير الثابت في المقام هل هو بدوي‏

بمعنى انه لا يجوز للمكلف في الواقعة الثانية اختيار غير ما اختاره أو لا من الفعل أو الترك أو هو استمراري و له اختيار كل من الفعل و الترك في الواقعة الثانية كما كان له ذلك في أول الأمر ربما يقال بتعين الأول نظرا إلى ان تجويز التخيير الاستمراري مستلزم لتجويز المخالفة القطعية التدريجية فإنه لو اختار المكلف الفعل في واقعة و الترك في واقعة أخرى فيحصل له العلم بالمخالفة في إحدى الواقعتين لا محالة (و لكن) التحقيق هو استمرارية التخيير لعدم تنجيز العلم الإجمالي في الأمور التدريجية كما توهمه بعض نظرا إلى خروج الواقعة الثانية فعلا عن الابتلاء فإذا علم المرأة بتحيضها في ضمن الشهر بثلاثة أيام مثلا فليس لها علم بتعلق تكليف فعلي في حقه على كل تقدير فإنا سنبين فيما سيأتي إن شاء اللَّه تعالى عدم الفرق في تنجيزه بين ما إذا كان متعلقا بالأمور التدريجية أو غيرها فإن الأمر المتأخر و إن لم يمكن توجيه الخطاب نحوه بناء على استحالة الواجب التعليقي كما هو الحق إلا ان تأخر الواجب لا يمنع من اشتماله على ملاك ملزم في حد نفسه فالمرأة لما علمت بتحقق الحيض منها في ضمن مجموع‏

235

الشهر فقد علمت بتحقق الملاك الملزم في ظرفه و قد ذكرنا عند البحث عن المقدمات المفوتة ان العقل لا يجوز تفويت الملاك الملزم و لو لم يكن معه خطاب فعلي لتأخر ظرفه و حينئذ فلا بد من الاحتياط تحفظا على الملاك الملزم المعلوم في الجملة في ضمن الشهر بل لأن كل واقعة من تلك الوقائع المتكررة واقعة برأسها لم يعلم فيها الملاك الملزم لا بالنسبة إلى طرف الفعل و لا بالنسبة إلى طرف الترك فعند الواقعة الأولى ليس المعلوم إلا الإلزام المردد بين الوجوب و الترك و كذلك الواقعة الثانية و الثالثة و هكذا فليس هناك خطاب معلوم قابل للداعوية و لا ملاك محرز في طرف الفعل أو الترك غاية الأمر حصول العلم بالمخالفة عند اختيار المكلف في الواقعة الثانية غير مختارة في الواقعة الأولى و هذا لا أثر له بعد عدم سبق منجز على المخالفة و بالجملة التكليف المردد بين الوجوب و الحرمة حيث كان انحلاليا بتعدد موضوعه في الخارج فكل موضوع له حكم مستقل مغاير للحكم الثابت لموضوع آخر و من المفروض ان كل حكم من تلك الأحكام مردد بين الوجوب و الحرمة و حكمه التخيير العقلي الناشئ من حكمه باستحالة اجتماع النقيضين و ارتفاعهما و ضم بعضها إلى بعض لا يوجب العلم بتكليف منجز على كل تقدير أو وجود ملاك ملزم كذلك فحال تكرر الوقائع في كونه محكوما بالتخيير حال الواقعة الواحدة بعينها هذا كله بالنسبة إلى الوقائع المتعددة التدريجية و اما بالنسبة إلى الواقعة المتكررة الدفعيّة كما إذا حلف على ترك وطئ إحدى زوجتيه و فعل الأخرى في ليلة معينة ثم اشتبهتا فدار الأمر بين الوجوب و الحرمة في كل منهما فهل يحكم العقل بالتخيير في كل منهما و لو لزم منه المخالفة القطعية بأن يختار فعلهما أو تركهما أو يجب ان يختار في كل منهما خلاف ما يختاره في الأخرى حذرا من لزوم المخالفة القطعية الأقوى هو الثاني فانا قد ذكرنا مرارا أن للإطاعة مرتبتين إحداهما وجوب الموافقة القطعية و الثانية حرمة المخالفة القطعية و سقوط المرتبة الأولى منها لا يوجب سقوط المرتبة الثانية و الموافقة القطعية في المقام و ان لم تكن ممكنة لدوران الأمر في كل منهما بين الوجوب و الحرمة إلا ان المخالفة القطعية بفعلهما أو تركهما ممكنة يستقل العقل بقبحها و بعبارة أخرى إذا دار الأمر بين الموافقة الاحتمالية و المخالفة القطعية فلا ريب في استقلال العقل بتعين الأول و ان كانت المخالفة القطعية من جهة مستلزمة للموافقة القطعية من جهة أخرى أيضا و السر فيما ذكرنا هو ان الأمر في كل من الزوجتين و ان كان دائرا بين المحذورين و العلم الإجمالي في كل منهما بالإلزام المردد بين الوجوب و الحرمة لا أثر له إلا ان هناك علم ثالث بوجوب وطئ‏

236

إحداهما و حرمة وطئ الأخرى أو العكس و هذا العلم و ان كان لا يمكن ان يؤثر في وجوب الموافقة القطعية لعدم إمكانها إلّا انه قابل للتأثير في حرمة المخالفة القطعية فيحكم العقل بترتيب أثره الممكن فيجب اختيار فعل إحداهما و ترك الأخرى مخيرا (فإن قلت) إذا كان ضم إحدى الواقعتين على الأخرى موجبا لحدوث علم ثالث موجب لحرمة المخالفة القطعية فيكون ضم بعض الوقائع إلى بعض في صورة التدريج موجبا لذلك فانه يعلم إجمالا بكون الفعل في هذه الواقعة أو الترك في الواقعة الثانية مخالفا للتكليف المعلوم فيجب فيه الاحتياط أيضا يتحصل الموافقة الاحتمالية و لازم ذلك هو بدوية التخيير (قلت) التكليف المعلوم في الوقائع التدريجية ليس تكليفا فعليا و إنما هي تكاليف مشروطة بوجود موضوعاتها خطابا و ملاكا ففي حال الابتلاء بالواقعة الأولى ليس هناك علم بتوجيه خطاب فعلي على كل تقدير و لا بوجود ملاك ملزم كذلك و هذا بخلاف المقام فانه يعلم فيه بتحقق خطاب فعلي متعلق بفعل إحداهما و ترك الأخرى أو بالعكس فيجب مراعاته بقدر الإمكان نعم إذا كان الواقعة المتكررة الدفعيّة تدريجية أيضا كما إذا حلف على وطئ إحدى زوجتيه في ليلة كل خميس من الشهر و على ترك الأخرى كذلك فاشتبهتا فاختار في الواقعة الأولى فعلى إحداهما و ترك الأخرى حذرا من المخالفة القطعية لما وجب عليه مراعاة هذا الاختيار في الواقعة الثانية بل يجوز له عكس الاختيار الأول و قد ظهر وجهه مما مر

(الأمر الثالث) ان ما ذكرناه من التخيير في موارد دوران الأمر بين المحذورين يختص بغير ما إذا كان الدوران من جهة تعارض النصين‏

لما ستعرف في محله من ان التخيير فيه شرعي و في المسألة الأصولية و مع الأخذ بأحد الخبرين يكون ذلك حجة في حقه و لا دليل على سقوط حجيته باختيار الطرف المعارض له فلا محالة يكون التخيير بدويا نعم لو قلنا ان التخيير في موارده تخيير في المسألة الفرعية من جهة عدم إمكان الجمع بين الفعل و الترك لجرى فيها ما بنينا عليه في غير موارد التعارض لاتحاد الملاك فيها

(الأمر الرابع) قد بينا في صدر البحث ان محل الكلام في المقام إنما هو فيما إذا لم يتمكن المكلف من المخالفة القطعية

فيختص بغير ما إذا كان أحدهما المعين تعبديا و إلّا لكان المخالفة القطعية ممكنة فيكون العلم الإجمالي مؤثرا في التنجيز بهذا المقدار فلا بد من تطبيق العمل على أحدهما بنحو لا يلزم المخالفة القطعية فإذا كان الوجوب على تقدير وجوده تعبديا مثلا فلا بد من اختيار الفعل و إتيانه على وجه قربي أو اختيار الترك إذ لو أتى بالفعل لا على وجه قربي لحصل له العلم بالمخالفة لا محالة

237

و هكذا الأمر إذا كان الحرمة المحتملة تعبدية و من ذلك يظهر انه إذا علم شرطية أحد الضدين للواجب كما إذا دار الأمر بين وجوب الجهر و الإخفاء في القراءة أو علم شرطية شي‏ء أو مانعيته فلا مجال للحكم بالتخيير لإمكان الموافقة القطعية بتكرار القراءة في الصورة الأولى و تكرار الواجب في الثانية و معه لا مجال للحكم بالتخيير بل يجب تحصيل الموافقة القطعية كما هو ظاهر

(المبحث الثالث) فيما إذا علم التكليف في الجملة و أمكن الاحتياط

و قبل الشروع في المقصود لا بد من تقديم مقدمات‏

(الأولى) في بيان ضابط الشك في المكلف به في قبال الشك في التكليف‏

و قد بينا مراراً ان الأحكام الشرعية المجعولة من قبيل القضايا الحقيقية التي يكون الموضوع فيها مقدر الوجود فثبوت كل حكم فرع ثبوت موضوعه خارجاً و تنجزه على المكلف فرع العلم بجعل الكبرى الكلية و العلم بانطباقها على صغراها خارجا ضرورة انه مع الجهل بإحداهما لا يكون هناك علم بالتكليف المتوجه إليه فيكون الشك في نفس التكليف و قد مر تفصيل ذلك عند البحث عن الشبهة الموضوعية (و من هنا) يعلم ان ضابط الشك في المكلف به مع العلم بالتكليف هو ان يكون الكبرى المجعولة و صغراها معلومتين عند المكلف و لكن كان الشك في تحقق الفعل أو الترك الاختياريين المطلوبين من المكلف و هذا على قسمين إذا الشك تارة يكون من جهة الشك في الامتثال ابتداء سواء كان الشك في أصل الإتيان بالفعل أو الترك أو في انطباق المأمور به أو المنهي عنه بالمأتي به أو المتروك خارجا أو في تحققهما من جهة الشك في المحصل و هذا القسم لا إشكال في انه مورد القاعدة الاشتغال دون البراءة و أخرى من جهة كون الشك ناشئا عن تردد المطلوب و تعينه بخصوصه سواء كان من جهة الترديد في خصوصية التكليف و انه إيجاب شي‏ء أو حرمة غيره أو في متعلق التكليف مع العلم بنوعه تفصيلا كما في مثال الظهر و الجمعة أو كان الترديد باعتبار تردد الموضوع بين شيئين أو أشياء و الشبهة في الأولين حكمية و في الثالث موضوعية و الجامع بين الكل هو العلم بجنس التكليف و كون الشك راجعا إلى ما هو المكلف به بخصوصه و حيث ان في هذا القسم حيثيتين إحداهما حيثية رجوع الشك إلى مرحلة الامتثال مع العلم بالتكليف و ثانيتهما حيثية الجهل بالتكليف في خصوص كل من الأطراف فلذا وقع البحث في جريان الأصول و عدمه و بالجملة ضابط الشك في المكلف به هو ان يكون هناك علم تفصيلي متعلق بجامع الإلزام مشوب بجهل تفصيلي في خصوص الأطراف و لازم ذلك تشكيك قضية منفصلة مانعة الخلو كما يقال هذا أو ذاك واجب و مرجعه إلى وجود

238

قضية متيقنة و قضيتين أو قضايا مشكوكة

(الثانية) [في الأصول الجارية في الأطراف‏]

ان الأصول الجارية في الأطراف عقلية أو نقلية تنزيلية أو غير تنزيلية اما ان تكون جارية في رتبة أصل ثبوت التكليف و مرحلة الاشتغال كأصالتي البراءة و الإباحة أو في رتبة الخروج عن العمدة و الفراغ كقاعدتي الصحة و الفراغ و نحوهما و الاستصحاب قابل للجريان في كلتا المرحلتين و محل الكلام في المقام هو جريان القسم الأول من أصول (و اما) القسم الثاني فلا ريب في جريانه ضرورة انه لا يزيد العلم الإجمالي على العلم التفصيليّ فكما يجري قاعدة الفراغ مع العلم تفصيلا بالتكليف و الشك في الخروج عن العهدة فكذلك مع العلم الإجمالي ضرورة انحفاظ مرتبة الحكم الظاهري مع الشك في الفراغ مع العلم بوجود التكليف تفصيلا أو إجمالا و انما البحث و الإشكال في انحفاظ مرتبة الجعل الظاهري في مرتبة الاشتغال بان يترتب على جريان الأصل نفي التكليف فظهر بذلك ان من أنكر منجزية العلم الإجمالي رأسا نظرا إلى إمكان جعل الحكم الظاهري في كل من الأطراف لانحفاظ مرتبته فيه إذ المفروض هو الجهل بالتكليف فيه بخصوصه فقد خلط الأصول الجارية في مرحلة الفراغ بالأصول الجارية في مرحلة الاشتغال فإن الجهل في كل من الأطراف بخصوصه لا يرجع إلا إلى الجهل بالخروج عن العهدة المتأخر رتبة عن الجهل بأصل الاشتغال فيكون الشك فيه واقعا في مرتبة الشك في الفراغ و قد عرفت أن الأصول تجري في هذه المرتبة و لكنه لا ربط له بما هو محل الكلام من جريان الأصول الجارية في مرحلة الاشتغال و عدمه كما ان من ذهب إلى كون العلم الإجمالي علة تامة لوجوب الموافقة القطعية نظرا إلى عدم انحفاظ مرتبة الحكم الظاهري مع العلم بالتكليف و لو إجمالا فلا يجري في مورده شي‏ء من الأصول قد خلط أيضا بين المقامين بتوهم ان عدم انحفاظ المرتبة بالنسبة إلى مرحلة الاشتغال يقتضي عدم الانحفاظ حتى بالقياس إلى مرحلة الفراغ أيضا و قد عرفت عدم ارتباط أحد المقامين بالآخر و ان المبحوث عنه في المقام هو جريان الأصول الجارية في مرحلة الاشتغال بعد الفراغ عن جريان الأصول الجارية في مرحلة الفراغ لو كانت‏

(الثالثة) قد مر سابقا ان المانع عن جريان الأصول التنزيلية الناظرة إلى إلغاء الشك و فرضه كالعدم هو العلم الوجداني بمخالفتها للواقع‏

سواء كان هناك مخالفة عملية أو لم تكن و اما المانع عن جريان غيرها من الأصول فهو منحصر بلزوم الترخيص هناك مخالفة عملية أو لم تكن و أما المانع عن جريان غيرها من الأصول فهو منحصر بلزوم الترخيص في المعصية لا غير و مجرد العلم بالمخالفة من ضم بعض الأصول إلى بعض لا يكون مانعا عن جريانها ما لم يلزم الترخيص المذكور و سيأتي له مزيد توضيح إن شاء اللَّه تعالى‏

(الرابعة) ان محل الكلام في المقام من انحفاظ مرتبة الحكم الظاهري و عدمه‏

239

المترتب عليهما جريان الأصل و عدمه لا ربط له بالبحث عن تقيد الأحكام الواقعية بنتيجة التقييد بصورة العلم التفصيليّ بها بل لا بد و أن يكون عدم التقييد في محل البحث مفروغا عنه و ان جريان الأصول لا يوجب تبدلا في الواقع أصلا لا تصويبا و لا تقييدا أو بعبارة أخرى محل الكلام في المقام هو في إمكان الجعل الظاهري في طول الواقعي المفروغ عن وجوده و البحث متمحض في الجهة العقلية و انه مع وجود العلم الإجمالي هل يكون مرتبة الحكم الظاهري محفوظة فتجري الأصول الجارية في مرحلة الاشتغال أم لا (و اما) توهم ان مقتضى أدلة الأصول هو اختصاص الأحكام الواقعية بالعلم بها فهو مع سخافته خارج عما هو محل البحث في المقام‏

إذا عرفت ذلك فنقول ان أقسام الشك في المكلف به و ان كانت كثيرة من جهة ان الترديد (تارة) يكون في نفس الخطاب (و أخرى) يكون في متعلقه (و ثالثة) في موضوعه (و رابعة) من الجهتين أو الجهات و الشبهة (تارة) تكون وجوبية (و أخرى) تحريمية إلّا ان المهم في هذا المبحث هي الشبهة التحريمية لعدم خلاف معتد به في الوجوبية كما ان المهم من الشبهة التحريمية هي الموضوعية منها لكثرة جهات البحث فيها كما سيأتي فلذلك نقدم البحث عنها ثم نعقبها بالبحث عن بقية المسائل فنقول:

إن الحرام المردد اما ان يكون مردداً بين أطراف محصورة أو غير محصورة فهنا مقامان‏

(الأول) في الشبهة المحصورة

(و الثاني) في الشبه الغير المحصورة (اما) المقام الأول‏ففيه أقوال ثالثها التفصيل بين المخالفة القطعية و الموافقة القطعية فيحرم الأولى و لا يجب الثانية و مرجع هذا القول إلى تجويز جريان الأصل في بعض الأطراف دون بعض و الحق هو بتنجيز العلم الإجمالي من الجهتين‏

فلنا دعويان‏

(الأولى) حرمة المخالفة القطعية

(الثانية) وجوب الموافقة القطعية اما الدعوى الأولى فتتضح بعد بيان ما يمكن ان يستدل به للخصم القائل بجواز المخالفة القطعية فنقول ان غاية ما يمكن ان يستدل له هو ان يقال انه لا إشكال في ان المعتبر في جريان أي أمارة أو أصل تنزيلي أو غير تنزيلي ان يكون مرتبة الحكم الظاهري محفوظة و إلا فلا مورد لشي‏ء منها و المدار في انحفاظ المرتبة في الأمارات أو الأصول التنزيلية هو عدم لزوم المناقضة من التعبد بهما للواقع بأن لا يكون مؤدى الأمارة أو مفاد الأصل مناقضا لما هو المعلوم ثبوته في موردهما و إلا فلا مجال للجعل الظاهري بعد ما عرفت انه لا يوجب تبدلا في الواقع أصلا لا تصويباً و لا تقييدا و اما المدار في انحفاظ المرتبة في غير الأصول التنزيلية فليس إلا عدم لزوم الترخيص‏

240

في المعصية من جريانها و اما مجرد العلم بالمخالفة من دون لزوم ذلك فلا يكون بمانع من الجريان و عليه فنقول المعلوم بالإجمال إذا كان مرددا بين الوجوب و الحرمة في شي‏ء واحد كما في دوران الأمر بين المحذورين فقد عرفت فيما سبق انه لا مجال لجريان أصالة الإباحة و استصحابها لما عرفت من انه مع العلم المذكور نقطع بثبوت إلزام شرعي و معه لا مجال لجعل الإباحة الظاهرية المناقضة للمعلوم بالمدلول المطابقي و اما إذا كان المعلوم من قبيل الحرمة المتعلقة بالخمر المردد بين أطراف متباينة فما هو المعلوم ثبوته من الحكم ليس إلّا حرمة شرب الخمر الغير المعلوم إلّا بشرب المجموع و لا إشكال في عدم انحفاظ مرتبة الحكم الظاهري بالنسبة إليه و لكن ذلك لا يقتضي إلّا سقوط الأصول بالإضافة إلى المجموع و هذا مما لا ريب فيه و إنما المدعى هو جريان الأصل في كل واحد من الأطراف و من الظاهر ان كل واحد منها لا يكون التكليف فيه معلوما حتى يناقض الأصل الجاري فيه أو يكون ترخيصا في المعصية بالإضافة إليه و عليه يكون مرتبة الحكم الظاهري بالنسبة إلى كل من الأطراف محفوظة من دون فرق بين الأصول التنزيلية و غيرها فتلخص ان ما لا يكون مرتبة الحكم الظاهري بالقياس إليه محفوظة إنما هو مجموع الأطراف بما هو و لكنه لا يجري فيه أصل آخر غير الأصول الجارية في الأطراف حتى يمنع عنه بعدم انحفاظ المرتبة معه و ما يجري فيه الأصل و هو كل واحد من الأطراف يكون مرتبة الحكم الظاهري معه محفوظة (و التحقيق) في الجواب ان يقال انا نمنع عن بقايا مرتبة الحكم الظاهري في كل واحد من الأطراف (أما بالنسبة) إلى الأمارات فالأمر فيها ظاهر فان الأمارات حيث انها حجة في مداليلها الالتزامية أيضا فكل من الأمارتين القائمتين على خلاف المعلوم بالإجمال كما انه ينفي المعلوم بالإجمال عن موردها فكذلك يثبته في الطرف الآخر فتكون معارضة للأمارة الأخرى النافية للمعلوم بالإجمال بمدلولها المطابقي عن موردها فيتساقطان بالمعارضة و أما بالنسبة إلى الأصول التنزيلية فالحكم الظاهري في كل واحد من الأطراف مع قطع النّظر عن الباقي و ان كان لا مانع عنه و مرتبة الحكم الظاهري بالقياس إليه محفوظة إلا أنه لا يمكن إجراء الأصل في تمام الأطراف ضرورة ان الأصل التنزيلي مرجعه إلى إلغاء الشارع للشك و تعبده بالبناء العملي على إحراز الواقع فمع العلم الإجمالي بالخلاف كيف يمكن إلغاء الشك و الجمع في المتعبد بين تمام أطرافه مع مناقضته له كما هو ظاهر (و توهم) انه لا يلزم من جريان الأصل بين الأطراف التعبد بالجمع بينها حتى يلزم ما ذكر بل غايته هو جعل حكم ظاهري في خصوص كل من‏

241

الأطراف و المفروض عدم مناقضته للمعلوم بالإجمال نعم بعد ارتكاب الجميع يحصل العلم بالمخالفة لا محالة لكن مثل هذا العلم لا يترتب عليه أثر في نظر العقل حتى يكون مانعا عن جريان الأصل (مدفوع) بان التعبد بالجمع بين الأطراف و ان لم يكن لازما لجريان الأصول في الأطراف إلا ان الجمع في التعبد بالجمع بين الأطراف و ان لم يمكن لازما لجريان الأصول في الأطراف إلا أن الجمع في التعبد لازم له لا محالة ضرورة ان كلا من الجعلين في عرض الأخر فيكونان في مرتبة واحدة و كما لا يمكن تعلق الجعل بمجموع الأطراف فكذلك لا يمكن الجمع في الجعل أيضا إذ كما يعتبر انحفاظ مرتبة الحكم الظاهري في كل من الأصلين في حد نفسه فكذلك يعتبر انحفاظه مع اقترانه لجعل الآخر أيضا و لازم ذلك هو انحفاظ الرتبة بالقياس إلى مجموع الأصلين في عرض واحد و من المعلوم انه مع العلم الإجمالي بالخلاف لا يكون الجمع بينهما معقولا للمناقضة المزبورة و هذا أجنبي عن تحقق العلم بالمخالفة بعد الارتكاب حتى لا يكون فيه محذور و أما بالنسبة إلى الأصول الغير التنزيلية فيظهر الوجه في عدم جريانها في أطراف العلم الإجمالي مما تقدم فإنك قد عرفت ان الضابط في سقوطها هو استلزام جريانها للترخيص في معصية الخطاب الشرعي و من الضروري ان الترخيص في كل واحد من الأطراف في عرض الترخيص في بقية الأطراف يستلزم الترخيص في المعصية للخطاب المعلوم بالإجمال فلا يكون مرتبة الحكم الظاهري بالإضافة إلى جميع الأطراف محفوظة فتحصل ان المحذور في جريان الأصول في تمام أطراف العلم أحد أمرين على سبيل منع الخلو (الأول) لزوم التناقض من جريانها كما في موارد الأصول التنزيلية مطلقا (الثاني) لزوم الترخيص في المعصية كما في موارد الأصول النافية للتكليف مطلقا و حيث ان هذين المحذورين عقليان فعدم جريان الأصول في أطراف العلم الإجمالي يكون مستنداً إلى مانع ثبوتي مع قطع النّظر عن مقام الإثبات فما يظهر من بعض كلمات العلامة الأنصاري (قدس سره) من ابتناء عدم الجريان على عدم شمول أدلة الأصول لأطراف العلم في غير محله فإنه مضافا إلى ما عرفت من ان عدم الجريان مستند إلى المانع الثبوتي و لا تصل النوبة معه إلى المانع الإثباتي نعم لو كان محل البحث هو تقييد الأحكام الواقعية بصورة العلم التفصيليّ و عدمه لكان للتكلم في شمول أدلة الأصول لأطراف العلم الإجمالي و افادتها لتقييد الأحكام الواقعية و لو بنتيجة التقييد بالصورة المذكورة مجال واسع لكنك قد عرفت ان الكلام فعلا متمحض في إمكان الجعل الظاهري بعد الفراغ عن عدم التقييد في الواقعي يرد عليه انه لا مانع من شمول الأدلة لأطراف العلم الإجمالي مع قطع النّظر عن المحذور العقلي لما ستعرف‏

242

في محله و أشرنا إليه في بحث القطع من انها ظاهرة في جعل الحكم الظاهري لكل ما هو مشكوك و لا ريب ان كل واحد من أطراف العلم الإجمالي كذلك و لذا بنى (قده) على جريانها فيما لم يلزم هناك مخالفة عملية للمعلوم إجمالا فلو كان نفس العلم الإجمالي مانعا من جريانها فأي فرق بين ما إذا لزم من جريانها مخالفة عملية و بين ما إذا لم يلزم (و توهم) ان الغاية في اخبار الاستصحاب مطلقة لليقين الإجمالي و التفصيليّ فيلزم من شمول صدرها للشك البدوي و المقرون بالعلم الإجمالي مناقضة بين الصدر و الذيل (مدفوع) مضافا إلى ان الظاهر من اليقين المأخوذ غاية هو كونه متعلقا بما تعلق به الشك و هو ليس إلّا اليقين التفصيليّ بأنه على تقدير تسليم ذلك فغاية ما هناك هو سقوط تلك الأدلة المشتملة على الذيل عن الأدلة و ذلك لا يوجب قصور الدلالة في بقية الأدلة الغير المشتملة على الذيل المزبور بل لعل قوله (عليه السلام) حتى تعرف انه حرام بعينه في أدلة الإباحة صريح في ان الغاية للحكم بالحلية في المشكوك هو العلم التفصيليّ بحرمة الشي‏ء بخصوصه و لا ريب ان كلا من الأطراف يصدق عليه انه ليس كذلك فيكون حلالا فتحصل مما ذكرناه ان عدم جريان الأصول في الأطراف انما هو لأجل المانع الثبوتي و المحذور العقلي و هو عدم انحفاظ مرتبة الحكم الظاهري في الأصول التنزيلية مطلقا و في غيرها فيما إذا لزم من جريانها مخالفة عملية و معه فلا يمكن تجويز المخالفة القطعية و لو كانت أدلة الأصول بمدلولاتها اللفظية شاملة لتمام الأطراف أيضا

(و اما الدعوى الثانية) و هي وجوب الموافقة القطعية

فقد عرفت فيما تقدم عدم ابتنائها على علية العلم الإجمالي لوجوبها فانك قد عرفت ان القائل بالعلية التامة قد خلط الأصول الجارية في مرحلة الفراغ بالأصول الجارية في مرحلة الاشتغال بل هي مبنية على دعوى سقوط دليل الأصل في أطراف العلم الإجمالي مطلقا بعد الفراغ عن عدم إمكان الجعل في تمام الأطراف كما ان دعوى عدم وجوبها مبنية على دعوى عدم سقوطه إلا في بعض الأطراف دون بعض فنقول الحق هو سقوط الأصول في أطراف العلم الإجمالي مطلقا فيبقى العلم الإجمالي موجبا للزوم تحصيل الفراغ اليقيني مع فرض عدم المؤمن في الارتكاب (توضيح) ذلك ان جريان الأصل بالجمع بين الأطراف و ان لم يمكن لازما لجريان الأصول في الأطراف إلا أن الجمع في التعبد لازم له شاملا للبعض المعين بخصوصه (الثاني) ان يدعى شمولها للبعض الغير المعين بأن يدعى ان الموضوع في أدلة الأصول أعم من الموضوع الخارجي المعين و من الفرد الكلي المعبر عنه بعنوان أحدهما المردد (الثالث) ان يدعى استفادة الحكم التخييري من‏

243

أدلتها بأن يدعى ان المحمول في تلك الأدلة أعم من الحجية التعيينية كما في موارد الشكوك البدوية و من التخييرية كما في موارد العلم الإجمالي و هذه الوجوه بأسرها باطلة (اما الأول) فلأن دعوى شمول أدلة الأصول لخصوص البعض المعين من الأطراف مستلزمة للترجيح بلا مرجح الظاهر فساده (و اما الثاني) فلأن كل دليل متكفل لإثبات حكم طريقي أو واقعي لموضوع أخذ مقدر الوجود على ما هو الشأن في القضايا الحقيقية إنما يكون دالًا على ثبوت الحكم لما هو فرد خارجي من ذلك الموضوع فما يكون محكوما بالحكم الظاهري إنما هو كل واحد من الأطراف لانطباق عنوان المشكوك عليه و اما الفرد المردد فهو ليس موجوداً آخر منطبقا عليه عنوان المشكوك بل هو امر انتزاعي عما هو متصف بالفردية فلا يكون مشمولًا لأدلة الأصول في عرض كل واحد من الأطراف (و أما الثالث) فلأن الحكم التخييري إذا ثبت في مورد فلا يخلو من حيث المدرك عن أحد أمور ثلاثة (الأول) ان يقوم دليل بالخصوص عليه سواء كان في الأحكام الواقعية كما في خصال الكفارة أو في الأحكام الطريقية كما في موارد تعارض الروايتين بناء على الطريقية و من المعلوم انه ليس في موارد العلم الإجمالي دليل بالخصوص دل على جريان الأصل في بعض الأطراف تخييراً (الثاني) ان يكون الدليل مقتضيا لثبوت الحكم التعييني بالنسبة إلى كل فرد و لكن كان التخيير مستفاداً من نفس ذلك الدليل بالنظر إلى المنكشف به عند عدم إمكان الأخذ بكل واحد واحد من الأفراد كما في موارد تزاحم الواجبين عند عدم الأهمية في البين فإن دليل الوجوب في كل منهما و ان كان يقتضي الوجوب التعييني و لكنه إذا لم يمكن الأخذ بهما من جهة عدم القدرة على الجمع في الامتثال فلا مناص عن الالتزام بالتخيير اما من جهة سقوط كلا الواجبين و استكشاف العقل للخطاب التخييري الشرعي للعلم بوجود الملاك الملزم في البين كما يراه المنكر للخطاب الترتبي و اما من جهة ان التزاحم لا يقتضي إلّا سقوط الإطلاقين من الواجبين فإن الضرورات تقدر بقدرها و المنافاة إنما هي ببين الإطلاقين دون نفس الخطابين فتكون النتيجة هو ثبوت خطابين المشروط كل منهما لعدم امتثال الآخر كما هو المختار عندنا و أوضحنا وجهه في بحث الترتب بما لا مزيد عليه و على كل حال تكون النتيجة هو تخيير المكلف في امتثال أي من الواجبين أراد و من المعلوم عدم انطباق كبرى التزاحم على محل الكلام فإن القول بالتزاحم في موارد الحجج انما يتم بناء على كون الحجية من باب السببية و الموضوعية و هو على تقدير تسليمه في الأمارات و الإغماض‏

244

عما سيجي‏ء في باب التعادل و الترجيح من ان المصلحة السلوكية لا تترتب إلا على ما كان متصفا بالطريقية الفعلية فلا تكون متحققة في مورد التعارض أصلا لا يمكن الالتزام بها في الأصول اما غير التنزيلية منها فواضح لعدم فرض الطريقية فيها كما هو ظاهر و اما التنزيلية فلأنها و ان كانت محرزة للواقع باعتبار المرتبة الثانية من المرتبة الثالثة من العلم الطريقي إلا ان الإحراز العملي أجنبي عن الطريقية بالكلية و لا فرق بين الأصل التنزيلي و غيره في كون كل منهما أصلا عمليا غير ملحوظ فيه الطريقية (هذا) بالنسبة إلى السببية الغير المستلزمة للتصويب و اما السببية المستلزمة له فهي باطلة من أصلها كما أوضحنا الحال فيها في بحث الإجزاء فراجع (الثالث) هو الفرض الثاني بعينه إلّا ان التخيير هنا مستفاد من ذلك الدليل الدال على ثبوت الحكم التعييني بالنظر إلى الكاشف دون المنكشف و ذلك كما إذا ورد أكرم العلماء فدل على وجوب إكرام كل فرد من العلماء في تمام الأحوال ثم ورد دليل على التخصيص فأخرج منه فردين زيد و عمرو و لكن كان مجملا و مرددا بين ان يكون الخروج على الإطلاق حتى يكون التخصيص افراديا و بين ان يكون أحواليا و في بعض الأحوال بأن يكون الخارج هو زيد في حال إكرام عمرو و بالعكس لا مطلقا فالقدر المتيقن هو الثاني و الالتزام بعدم التخصيص إلا بذلك المقدار فعند عدم إكرام زيد مثلا يشك في وجوب إكرام عمرو فيتمسك بالعموم و كذلك العكس فيثبت من ذلك وجوب إكرام كل منهما مخيرا إذ هو المتحصل من ضم الأخذ بالمقدار المتيقن من المخصص إلى العموم المفروض و هذا الوجه غير منطبق على محل الكلام أيضا فان غاية ما يمكن أن يقال في توجيهه هو ان يقال ان دليل الأصل يقتضي ثبوت الرخصة في كل من أطراف العلم و مقتضى إطلاقه هو ثبوت الرخصة مطلقا أي حال ارتكاب الآخر و عدمه و حيث ان هذا الإطلاق لا يمكن الأخذ به لاستلزامه تجويز المخالفة القطعية فلا بد من رفع اليد عنه بهذا المقدار فيكون النتيجة هو جواز الارتكاب في كل من الطرفين تخييرا فإن الأمر دائر بين خروج كل واحد من الأطراف عن دليل الأصل بالكلية و بين خروجه عنه عند ارتكاب الآخر و القدر المتيقن هو الثاني فلا موجب للأول (و فيه) ان عدم جريان الأصل في أطراف العلم الإجمالي ليس مستنداً إلى دليل مخصص لعموم دليله مردد بين كونه مخصصا مطلقا أو في بعض الأحوال حتى يندرج في الضابط المذكور بل انما هو من جهة المحذور العقلي و عدم انخفاض مرتبة الحكم الظاهري مع العلم الإجمالي في عالم الثبوت فإذا لم يمكن الجعل ثبوتا فلا ينتهي‏

245

الأمر إلى تقييد الدليل في عالم الإثبات فإن إمكان التقييد يستلزم إمكان الإطلاق لأن التقابل بينهما من قبيل الأعدام و الملكات فما لم يمكن الإطلاق فيه ثبوتا كيف يتصور فيه التقييد في عالم الإثبات حتى يقال ان الأمر دائر بين التخصيص المطلق و بين التخصيص في بعض الأحوال فيؤخذ بالمقدار المتيقن (و توهم) ان التخصيص في المقام عقلي من جهة حكم العقل بعدم إمكان الجمع في الجعل الظاهري فيؤخذ بالمقدار المتيقن أيضا (مدفوع) بأن حكم العقل في المقام في مرتبة سابقة على الجعل و في مقام الثبوت و معه لا يبقى مجال للإطلاق و التقييد في مقام الإثبات أصلا حتى يؤخذ بالمقدار المتيقن بلحاظ هذا المقام فيندرج في الضابط المزبور (فتلخص) من جميع ما ذكرناه انه لا مجال لاستفادة التخيير في مجاري الأصول في أطراف العلم الإجمالي بوجه أصلا فإذا لم يجر الأصل في شي‏ء من الأطراف لا معينا و لا مخيرا فلا بد من القول بوجوب الموافقة القطعية فإنه المترتب على بطلان تجويز المخالفة القطعية من جهة العلم بوجود التكليف الفعلي و عدم وجود المؤمن في شي‏ء من الأطراف و منه يظهر فساد القول بكون نفس العلم الإجمالي علة تامة لوجوب الموافقة القطعية فانك قد عرفت عدم ترتبه عليه بنفسه فكيف يعقل كونه علة له بل ليس فيه اقتضاء لثبوته أيضا إلا بمعنى كونه من اجزاء علته و الخطب فيه سهل بعد ما عرفت من ان القول به مترتب على سقوط الأصول في أطراف العلم بعد البناء على حرمة المخالفة القطعية (و من هنا يتضح) انه لو كان في بعض أطراف العلم الإجمالي أصل أو أمارة بلا معارض لأوجب انحلال العلم أو عدم تأثيره من أول الأمر فان تنجيز العلم الإجمالي يتوقف على تحقق العلم بالتكليف الفعلي على كل تقدير و عدم انحلاله فإذا لم يكن هناك علم بالتكليف كذلك كما إذا كان بعض الأطراف خارجا عن محل الابتلاء أو كان و لكن كان في بعض الأطراف منجز للتكليف بخصوصه كما إذا قامت الأمارة على نجاسة بعض الأطراف بخصوصه أو كان مستصحب النجاسة أو كان من أطراف العلم الإجمالي بالنجاسة قبل هذا العلم فلا مانع من الرجوع إلى الأصل النافي في الطرف الآخر و من هنا يعلم الملازمة العقلية بين سقوط الأصول في أطراف العلم الإجمالي و عدم انحلاله إذ متى كان الأصل جاريا في بعض الأطراف فلا محالة ينحل العلم به و يرجع معه إلى الأصل في الطرف الآخر (فالنزاع) في ان الملاك في وجوب الموافقة القطعية هل هو عدم انحلال العلم الإجمالي أو سقوط الأصول في أطرافه كما نقل عن بعض (فاسد) من أصله (و توهم) انفكاكهما في مثل الكأسين المعلوم طهارة

246

أحدهما سابقا بتخيل ان استصحاب الطهارة فيه يكون معارضا بقاعدة الطهارة في الطرف الآخر فيبقى قاعدة الطهارة في معلوم الطهارة بلا معارض فلو كان الميزان في وجوب الموافقة سقوط الأصول لما وجب الموافقة لفرض جريان الأصل في أحد الطرفين بلا معارض و هذا بخلاف ما إذا كان الميزان فيه عدم الانحلال فإن المفروض عدم انحلاله بعد فيظهر الثمرة بين القولين (مدفوع) بأن أصالة الطهارة في طرف معلوم الطهارة سابقا و ان كان في طول استصحابها في حد نفسها إلا ان أصالة الطهارة في الطرف الآخر كما تعارض الاستصحاب في هذا الطرف فكذلك تعارض أصالة الطهارة أيضا و السر فيه ان المنشأ لسقوط الأصول في أطراف العلم إنما هو منافاة الجعل الظاهري للتكليف المعلوم في البين فأي حكم ظاهري يكون منافيا مع التكليف المعلوم يكون ساقطا بالمعارضة فلا فرق في سقوط الأصول في أطراف العلم بين الأصول العرضية و الطولية و الملاك فيه هو منافاة مؤدى الأصل للتكليف المعلوم (فإن قلت) ما الفرق بين المقام و الملاقي لبعض أطراف الشبهة المحصورة حيث إنكم بنيتم فيه بمعارضة الأصل السببي في طرف الملاقي مع الأصل في الطرف الآخر و الرجوع إلى الأصل المسببي في الملاقي و لم تجعلوا الأصل المسببي طرفا للمعارضة مع الطرف الآخر و معه كيف تنكرون في المقام جريان أصالة الطهارة في طرف معلوم الطهارة بدعوى معارضتها مع الأصل في الطرف الآخر (قلت) الفرق هو ان الملاقي موضوع آخر محكوم بحكم مستقل في قبال ما لاقاه و العلم الإجمالي إنما يوجب سقوط الأصول في أطرافه ليس إلا و معه كيف يمكن سقوط الأصل في طرف الملاقي و هذا بخلاف المقام فإن أصالة الطهارة و استصحابها يثبتان حكما ظاهريا على خلاف المعلوم بالإجمال فيكونان معارضين مع الطرف الآخر في عرض واحد على انه لو بنينا على الانفكاك و انه مع عدم الانحلال يمكن جريان أصالة الطهارة من دون معارضة فلا مناص عن الأخذ بالاحتياط و طرحها فإن جريان الأصل المحكوم يتوقف على سقوط الأصل الحاكم عليه و هو يتوقف على تنجيز العلم الإجمالي على كل تقدير فلو ترتب عليه عدم التنجيز لزم منه جريان الأصل الحاكم عليه الموجب لعدم جريانه فيلزم من وجوده عدمه و هو محال نعم لو فرض ان الأصل الجاري في بعض الأطراف من دون معارض كان موضوعه و هو الشك في ثبوت التكليف الفعلي متحققا مع قطع النّظر عن العلم الإجمالي الموجود في البين و لم يكن الطرف الآخر محكوما بأصل مثبت أو ناف لأمكن القول بجريان الأصل فيه و كونه مؤمنا و لزوم الاحتياط عن الطرف‏

247

الآخر لعدم المؤمن فيثبت الانفكاك بين سقوط الأصول و عدم الانحلال إلّا انه مع كونه فرضا غير واقع بل لعله مستحيل لا يترتب عليه أثر في محل الكلام على ان جريان الأصل فيه يتوقف على كون الحكم الثابت به من الأحكام الطبعية الحيثية إذ لو كان مفاده حكما فعليا لأشكل جريانه من جهة ان موارد جريان الأصول النافية ينحصر بما إذا رجع الشك فيه إلى أصل توجه التكليف لا إلى انطباق التكليف المعلوم توجهه في الجملة و كون الحكم الثابت بالأصل حكما طبعيا مع انه غير تام في نفسه لا يترتب عليه شي‏ء في مورد العلم الإجمالي ضرورة ان الترخيص الطبعي الثابت للمشتبه لا ينافي تنجز التكليف من جهة العلم الإجمالي إذ لا تنافي بين المقتضي و اللامقتضي كما هو ظاهر فتلخص مما ذكرناه ان الأصل المحكوم في بعض الأطراف إذا لم يكن موضوعه مغايرا لموضوع الأصل الحاكم كما في باب الملاقي فلا بد من سقوطه في عرض الأصل الحاكم عليه نعم إذا كان في الطرف الآخر أيضا أصل محكوم مثبت للتكليف فلا مانع من الرجوع إليه فينحل العلم الإجمالي و يرجع إلى الأصل المحكوم في هذا الطرف أيضا و هذا نظير ما إذا علم إجمالا بزيادة ركعة أو الإتيان بما يوجب سجدتي السهو فانه بعد تعارض قاعدة الفراغ مع استصحاب عدم الإتيان بموجب سجدتي السهو يرجع إلى أصالة الاشتغال بالنسبة إلى أصل الصلاة و أصالة البراءة عن وجوب السجدتين فينحل العلم الإجمالي فكل مورد لم ينحل العلم فيه لا مجال للرجوع فيه إلى الأصل أبدا «ثم انه يظهر مما ذكرناه» حال الأصول الجارية في مرحلة الفراغ أعني بها اكتفاء الشارع عن امتثال الواقع ببعض محتملاته من دون فرق بين كونها من الأصول الموضوعية أو الحكمية و من التنزيلية أو غيرها فإن النتيجة في جميع ذلك هو اكتفاء الشارع عن الواقع بالمحتمل و هو المراد من عبارة العلامة الأنصاري (قدس سره) من جعل البدل و إلّا فليس من جعل البدلية عين و لا أثر و انه لا مجال لجريانها الا في بعض الأطراف معينا أو غير معين فيكون النتيجة هو اقتضاء العلم الإجمالي لوجوب الموافقة القطعية إلا ان الّذي يسهل الخطب انه ليس في موارد العلم الإجمالي أصل جار في مرحلة الفراغ لا في الطرف المعين و لا في غيره‏

«تتميم و توضيح»

قد ذكرنا ان تنجيز العلم الإجمالي يتوقف على سقوط الأصول و عدم انحلاله (فنقول) ان الانحلال تارة يكون بالعلم الوجداني و أخرى بالأمارة المعتبرة و ثالثة بالأصل الشرعي و هذا كله مما لا إشكال فيه و انما الإشكال في انحلاله بالأصل العقلي كما إذا كان أحد طرفي المعلوم بالإجمال من أطراف علم إجمالي آخر سابق عليه و كما إذا علم إجمالا بفساد صلاة المغرب‏

248

أو العصر بعد الفراغ من المغرب (فربما يقال) بعدم الانحلال نظرا إلى ان أحد طرفي العلم الإجمالي و ان كان يتنجز فيه التكليف بالعلم السابق كما في المثال الأول أو بقاعدة الشك في الوقت بعد تعارض قاعدتي الفراغ كما في المثال الثاني إلا انه لا يوجب انحلاله إلى علم تفصيلي و شك بدوي حتى يرجع إلى الأصل في الطرف الآخر فإن المفروض ان المثبت للتكليف و المنجز له في أحد الطرفين ليس حكما يقينيا و لو بالتعبد و انما هو حكم عقلي محض و معه يكون المنجز في أحد الطرفين خصوص العلم الإجمالي و في الطرف الآخر هو و غيره و لكن يدفعه ان الملاك في الانحلال ليس هو العلم بالتكليف الشرعي بل انقلاب العلم عما هو عليه من كونه علما بالتكليف على كل تقدير و من المعلوم انه مع تنجز التكليف في بعض الأطراف بمنجز سابق و احتمال انطباق المعلوم بالإجمال عليه لا يكون العلم الإجمالي علما بالتكليف على كل تقدير بل مرجعه إلى الشك في حدوث التكليف في الطرف الآخر فيجري فيه الأصل بلا معارض (فإن قلت) سلمنا انحلال العلم الإجمالي فيما إذا كان بعض أطرافه مما تنجز فيه التكليف بمنجز عقلي غير متوقف على وجود العلم الإجمالي نظير ما إذا كان بعض الأطراف من أطراف العلم الإجمالي السابق (و اما) إذا كان المنجز العقلي كقاعدة الاشتغال المترتبة على العلم الإجمالي الموجب لتساقط الأصول الحاكمة عليها (فلا) فانها لو كانت موجبة للانحلال لزم من وجودها عدمها إذ جريانها يتوقف على سقوط الأصل الحاكم عليها المتوقف على تنجيز العلم فلو لزم من جريانها الانحلال و عدم تنجيزه فيجري الأصل الحاكم فيسقط المحكوم و هذا هو التالي المحال من استلزام وجود الشي‏ء لعدمه كما تقدم نظيره (قلت) لو كان الوجه في الانحلال في المثال جريان الأصل النافي في الطرف الآخر لتم ما ذكرت كما مر نظيره لكن الأمر ليس كذلك بل الموجب له هو جريان الأصل المثبت للتكليف الموافق للعلم الإجمالي فانه يوجب سقوط الأصول المنافية له من الطرفين الطولية و العرضية و اما الأصل الموافق له فلا مانع من جريانه و يخرج العلم بذلك عن كونه علما بالتكليف مطلقا فيجري الأصل المحكوم في الطرف الآخر أيضا و بالجملة الملاك في سقوط الأصول من الطرفين هو العلم بالتكليف الفعلي و هو مختص بالنافية دون المثبتة و ببركتها يجري الأصل النافي في الطرف الآخر أيضا فكم فرق بين المقام و ما تقدم (ثم انه) لا فرق فيما ذكرناه من عدم تنجيز العلم الإجمالي مع وجود المنجز للتكليف في أحد الطرفين بين ما إذا كان المنجز سابقا على العلم الإجمالي في الوجود أو لا حقا له بشرط ان‏

249

يكون الحكم المتنجز به سابقا على المعلوم بالإجمال فلو علم إجمالا بنجاسة أحد الإناءين ثم قامت البينة على نجاسة أحدهما المعين قبل زمان العلم أو علم كونه متيقن النجاسة قبل العلم و مشكوك البقاء إلى زمانه فلا محالة ينحل بذلك العلم و يخرج به عن كونه علما بالتكليف على كل تقدير فيجري الأصل في الطرف الآخر و السر فيه ان العلم الإجمالي كما يشترط في تنجيزه كونه علما بالتكليف حدوثا فكذلك يعتبر فيه كونه كذلك بقاء و مع وجود المنجز لحكم سابق عليه يخرج عن كونه علما بالتكليف لا محالة و لا فرق بين القسمين الا في ان قيام المنجز من أول الأمر يوجب عدم تأثير العلم من أصله و قيامه بعده يوجب انحلاله و النتيجة واحدة بقاء و الفارق هو الاصطلاح ليس إلّا (و من هنا) يظهر ان كل ما يوجب بوجوده السابق عدم تأثير العلم الإجمالي يوجب انحلاله بوجوده اللاحق من دون فرق بين العلم الوجداني أو الأمارة المعتبرة أو الأصل الشرعي أو العقلي فلو علم بوجود نجاسة سابقة واقعة في الإناء المعين من الإناءين المعلوم نجاسة أحدهما إجمالا أو الإناء الثالث فلا محالة يوجب هذا العلم انحلال العلم الأول فيرجع إلى الأصل في الإناء الآخر من الإناءين و يجب الاجتناب عن طرفي العلم الثاني (فإن قلت) كيف يوجب الأصل العقلي في المثال انحلال العلم السابق مع انه فرع منجزية العلم اللاحق و حيث ان أحد طرفيه تنجز بالعلم السابق فلا يكون العلم الثاني علما بالتكليف على كل تقدير و مع عدمه كيف يمكن انحلال العلم الأول و بعبارة أخرى منجزية العلم السابق تمنع عن تأثير العلم اللاحق فكيف يعقل كونه موجبا لانحلاله (قلت) العلم اللاحق و ان كان بوجوده متأخرا عن العلم السابق إلا انه لا اعتبار في تنجيز العلم بما انه صفة بل الاعتبار بطريقيته و كاشفيته و حيث ان المنكشف بالعلم اللاحق سابق في الوجود على المنكشف بالعلم السابق فيكون الاعتبار به و يستكشف ان العلم السابق لم يكن علما بالتكليف على كل تقدير و هذا هو معنى الانحلال (ثم) ان الانحلال في تمام موارده حقيقي غاية الأمر ان ثبوت الحكم في بعض الأطراف يكون تعبديا و لكن هناك فرق واضح بين كون الانحلال تعبديا و كونه حقيقيا ناشئا من ثبوت الحكم تعبدا و لعل خفاء ذلك على بعض أوجب تعبيره في بعض الموارد بالانحلال التعبدي و الصحيح هو ما ذكرناه‏

(و ينبغي) التنبيه على أمور

(الأول) انه لا يعتبر في تنجيز العلم الإجمالي كون المعلوم المردد داخلا تحت حقيقة واحدة

فلو علم نجاسة أحد الإناءين أو غصبية الآخر لوجب الاجتناب عنهما تحصيلا للموافقة القطعية و السر في ذلك ان العلم بالإلزام الجامع بين الطرفين‏

250

و لو كان مرددا بين وجوب شي‏ء و حرمة شي‏ء آخر أوجب سقوط الأصل عنهما و عدم انحفاظ مرتبة الحكم الظاهري فيهما فيكون التكليف في كل منهما متنجزا على تقدير وجوده و منه يظهر انه لو كان لأحد العنوانين أثر مختص به و لم يكن للطرف الآخر أثر كذلك لجري الأصل بالنسبة إلى ذلك الأثر بلا معارض إذ المفروض عدم العلم بأزيد من أثر مشترك بين الطرفين و اما الأثر الزائد عليه فمشكوك بدوي يدفع بالأصل نعم لو كان للطرف الآخر أثر مختص أيضا لوجب ترتيب كلا الأثرين و قد ظهر وجهه مما تقدم‏

(الثاني) ان وجوب الاحتياط في موارد ثبوته إذا كان عقليا فهو طريقي محض‏

لا يترتب على مخالفته غير ما يترتب على مخالفة الواقع نعم يتحقق التجري في فرض مخالفته و عدم مخالفة الواقع و قد سبق الكلام فيه في محله و اما إذا كان شرعيا فربما يقال بترتب العقاب على مخالفة نفسه مع قطع النّظر عن الواقع نظرا إلى ان الحكم الشرعي ظاهريا كان أو واقعيا يوجب مخالفته العقاب و لكنه يرد عليه بأن الحكم الشرعي و لو فرض كونه مولويا غير إرشادي إنما يوجب مخالفته العقاب فيما إذا لم يكن طريقيا محضا و من جهة رعاية الواقع و إلا فلا يترتب على مخالفته غير ما يترتب على مخالفة الواقع الا على القول باستحقاق المتجري للعقاب و من المعلوم ان وجوب الاحتياط على تقدير وجوبه شرعا فإنما يكون واجبا لرعاية الواقع فلا يترتب على مخالفته بما هي مخالفته أثر غير التجري (فإن قلت) ان في ترك الاحتياط على الواجب احتمال الضرر لا محالة و دفع الضرر المحتمل واجب بحكم العقل فيثبت العقاب في مخالفته و لو لم يكن ضرر في الواقع (قلت) حكم العقل بوجوب دفع الضرر المحتمل و المظنون طريقي أيضا ناش عن مراعاة الواقع و ليس من باب حكمه بقبح التشريع المشترك بين موارد العلم بعدم الحكم و الشك فيه حتى يكون ثبوته في تمام موارده بملاك واحد فيستكشف منه الحكم الشرعي بقاعدة الملازمة بل ان حكمه في موارد القطع بالضرر ناش عن ملاك واقعي و في موارد الظن و الشك ناش عن ملاك طريقي فلا يترتب على مخالفته غير ما يترتب على مخالفة الواقع هذا و لا يخفى عليك ما في جواب شيخنا العلامة الأنصاري (قدس سره) في المقام فراجع‏

(الثالث) انه قد ظهر مما ذكرناه انه يعتبر في تأثير العلم الإجمالي ان يكون المعلوم بالإجمال ذا أثر فعلي في تمام أطرافه‏

فلو لم يكن بعض الأطراف كذلك لما كان للعلم أثر و لو في بعض أطرافه و من هذا القبيل ما إذا كان بعض الأطراف خارجا عن محل ابتلاء المكلف بحيث لا يكون قادرا عليه عادة و لو كان قادرا عليه عقلا و السر في اعتبار ذلك هو ان المطلوب في التكاليف‏