أجود التقريرات‏ - ج2

- السيد أبو القاسم الموسوي الخوئي المزيد...
523 /
301

غير المأكول فلا محالة يوجب ذلك الشك في مانعيته بعد العلم بمانعية غيره من الافراد المعلومة فيتحقق الشك في المانعية من جهة الشبهة الموضوعية (و اما الشك) في الشرطية من جهة الشبهة الموضوعية (فلم نتحصل له) بمثال فانه إذا فرض شرطية شي‏ء كطهارة اللباس للصلاة فليس مرجع ذلك إلى شرطية كل ما فرض فردا من اللباس الطاهر لها بل مرجعه لا محالة إلى اعتبار طبيعة اللباس الطاهر بصرف وجودها فيها فإذا شك في طهارة لباس خارجي فلا يكون شكا في الشرطية فان المفروض عدم شرطية كل فرد بل الشك انما هو في تحقق الشرط المعلوم خارجا و لا بد من الرجوع فيه إلى قاعدة الاشتغال كما هو ظاهر (و كيف كان) فقد تحصل مما ذكرا مكان فرض الشك بين الأقل و الأكثر في الواجب من جهة الشبهة الموضوعية من دون رجوع الشك فيه إلى الشك في المحصل (إذا عرفت ذلك فنقول) ان العلم بالتكليف بنفسه مع عدم إحراز موضوعه خارجا لا يوجب تنجزه بتوهم ان الشك حينئذ يرجع إلى الشك في الامتثال بعد العلم بنفس التكليف كما أوضحناه في بحث الشبهة الموضوعية في التكاليف الاستقلالية فان محركية كل تكليف لا يكون إلّا مع العلم بتحقق الصغرى خارجا بعد العلم بجعل الكبرى الكلية و مع الشك في جعل الكبرى أو انطباقها على ما في الخارج يكون التكليف الفعلي مشكوكا فيه لا محالة و يرجع معه إلى البراءة فتوهم ان العلم بوجوب إكرام العلماء بنحو العموم المجموعي كالعلم بجعل المانعية لغير المأكول يكون مانعا عن الرجوع إلى البراءة فلا بد من تحصيل الفراغ اليقيني بعد ثبوت الاشتغال كذلك ساقطا بالكلية إذ لو كان العلم بجعل الكبرى مانعا عن الرجوع إليها في المقام لكان العلم بجعلها في التكاليف الاستقلالية مانعا عنه أيضا و المفروض في المقام تسليم جريان البراءة هناك كما ان كون التكليف ارتباطيا لا يوجب عدم جواز الرجوع إليها في المقدار المشكوك فيه على ما عرفت فان تنجز كل تكليف انما يكون بمقدار وصوله لا أكثر و إلّا فلا بد من القول بالاشتغال في مطلق دوران الأمر بين الأقل و الأكثر في التكاليف الارتباطية و المفروض في محل الكلام جريان البراءة فيه إذا كانت الشبهة حكمية فإذا لم يكن العلم بجعل التكليف بنفسه و ارتباطيته مانعين من الرجوع إليها فلا بد من الرجوع إليها في محل البحث ضرورة انه لا مانع عنه فيه غير العلم بجعل الوجوب أو المانعية في المثالين مع فرض عدم إحراز موضوعهما خارجا و كون التكليف ارتباطيا فإذا فرض عدم مانعية شي‏ء منهما فلا موجب للمنع عنه أصلا و على ذلك يبتنى جواز الصلاة في اللباس المشكوك اتخاذه‏

302

من غير المأكول فانه إذا فرض استفادة مانعية لبسه في الصلاة عنها و كونها انحلالية بحيث يكون كل فرد مانعا مستقلا فالشك في فرد خارجي يوجب الشك في تقيد الصلاة بعدم لبسه فيرجع فيه إلى البراءة بل لو تنزلنا عن استفادة الانحلالية و التزمنا بتقيد الصلاة بعدم الطبيعة على نحو يكون مجموع الاعدام معتبرا فيها لكان المرجع هو البراءة أيضا و ذلك فان عدم كل فرد حينئذ يكون مقوما لما هو المعتبر فيها لا محالة لكونه جزءاً له حينئذ فمرجع الشك حينئذ إلى الشك في جزئيته لما أخذ قيدا في الواجب لكما ان الشك في جزئية شي‏ء للواجب بنفسه يكون مورداً للبراءة و لو من جهة الشبهة الموضوعية فكذلك الشك في جزئيته لما هو قيد الواجب أيضا فان المدار في جميع ذلك هو تعلق الشك بالتكليف الفعلي (نعم) لو كان قيد الواجب امراً بسيطا متحصلا من الاعدام الخارجية ككون المصلي غير لابس غير المأكول بنحو القضية المعدولة لا السالبة المحصلة لما أمكن الرجوع إلى البراءة لعدم انحلال التكليف المعلوم حينئذ إلى المقدار المعلوم و المشكوك بل المكلف به امر مبين معلوم و الشك انما هو في محصله لا في نفسه لكنه مع سقوطه في نفسه و مخالفته لظواهر الأدلة الدالة على المنع عن الصلاة في غير المأكول فانها ظاهرة في تعلق النهي الضمني بكل فرد كما إذا كان النهي نفسيا استقلاليا مخالف لمذهب المشهور القائلين بالاشتغال عند الشك في كون اللباس من غير المأكول فانهم أطبقوا بحسب الظاهر على عدم جواز لبس المضطر إلى لبسه في الصلاة زائدا على ما يرتفع به الاضطرار و هذه الفتوى منهم صريحة في مانعية كل فرد مستقلا إذ لو كان المعتبر هو العنوان البسيط المفروض عدم التمكن من تحصيله من جهة الاضطرار فما الموجب إلى الالتزام بلزوم الاقتصار على المقدار المزبور و من هنا يعلم ان التزامهم بلزوم الاقتصار على ذلك المقدار في فرض الاضطرار مع ذهابهم إلى جريان البراءة في التكاليف الارتباطية في الشبهات الحكمية و في التكاليف الاستقلالية في الشبهات الموضوعية لا يمكن جمعه مع التزامهم بعدم جريان البراءة في المقام أصلا (و بالجملة) المنع عن جريان البراءة في المقام بعد الفراغ عن جريانها في موارد التكاليف الارتباطية و التكاليف الاستقلالية في الشبهات الموضوعية لا يمكن إلا بالالتزام بكون العنوان البسيط المتحصل من الاعدام الخارجية معتبرا في الصلاة بحيث أو فرض محالا انفكاكه عن مجموع الاعدام الخارجية لكان الامتثال دائرا مدار تحققه و اعتبار مثل هذا العنوان البسيط و إن كان مانعا عن الرجوع إلى البراءة حتى في التكاليف الاستقلالية كما عرفت تفصيله في‏

303

الشبهات الموضوعية التحريمية إلا انه غير معتبر في الصلاة قطعا ضرورة ان النهي عن لبس غير المأكول فيها كالنهي عن شرب الخمر مثلا فكما ان تعلق التكليف النفسيّ فيه بنفس عنوان شرب الخمر يكشف عن وجود مفسدة في متعلقه أينما وجد فيكون كل فرد منه حراما مستقلا في قبال الفرد الآخر فكذلك تعلق النهي الضمني التبعي بشي‏ء يكشف عن وجود مفسدة في كل فرد منه موجب لتقيد الصلاة مثلا بعدمه فإذا شك في فردية فرد له فلا محالة يرجع الشك حينئذ إلى الشك في التقييد الزائد على المقدار المعلوم و المرجع فيه هو البراءة كما عرفت و لعمري ان فيما ذكرناه في المقام لمن تأمل و تدبر غنى و كفاية و إن كانت المسألة غير محررة في شي‏ء من الكتب الأصولية فإن محررها و منقحها هو العلامة الأنصاري (قده) و قد عرفت أن تحريره (قده) في المقام في غير محله‏

(و ينبغي التنبيه) على أمور

(الأول) انه إذا ثبت تقيد الواجب بشي‏ء في الجملة و بطلانه بتركه عمدا فإنه مقتضى تقيده به فهل القاعدة تقتضي بطلانه بتركه سهوا أيضا

أو بزيادته عمدا أو سهوا أم لا و الكلام يقع في المقامين (الأول) من جهة النقيصة سهوا (و الثاني) من جهة الزيادة عمدا أو سهوا اما المقام الأول فالحق فيه هو البطلان إلا فيما ثبت اختصاص الجزئية أو الشرطية فيه بحال الذّكر و قبل التكلم في ذلك لا بأس ببيان امر و هو انه إذا ثبت صحة العبادة المنسي فيها بعض ما اعتبر فيها فهل يكون ذلك من جهة اشتمال ما أتى به في الخارج في هذا الحال بالملاك أو انه من جهة تعلق الأمر به أيضا لا ريب في كفاية الاشتمال بالملاك في صحة العبادة عند صدورها في الخارج بقصد قربي و لو لم تكن متعلقة للأمر و ذلك لما عرفت في بحث التعبدي و التوصلي من انه لا خصوصية في حصول التقرب لقصد الأمر بما هو بل الموجب للقرب هو مطلق صدور الفعل في الخارج لوجه اللَّه الجامع بين الوجوه القربية فمتى حصل في الفعل جهة قربية و أتى به في الخارج مضافا إلى المولى بوجه كان عبادة لا محالة (و توهم) ان الأكتاف بالملاك في العبادية إنما يصح مع الإتيان بها يقصدها لا مع قصد الأمر المفروض عدمه فإنما هو داع و محرك لا واقعية له في الخارج و ما له الواقعية فيه و هو الملاك غير مقصود فلا موجب للصحة مع عدم قصده (مدفوع) بما عرفت من ان المعتبر في عبادية العبادة إنما هو اشتماله على الجهة المحسنة مع صدوره مضافا إلى المولى و المفروض تحقق كليهما في المقام و لا موجب لاعتبار خصوص داعوية الملاك الموجود أصلا و اما الأمر بما عدى المنسي من‏

304

الاجزاء و الشروط فقد ذكر في تصويره وجوه (الأول) ما عن العلامة الأنصاري (قده) على ما في بعض تقريرات بحثه في مباحث الخلل و حاصله ان الأمر بعنوان الناسي و ان لم يمكن باعثيته و داعويته له في الخارج لعدم التفاته إلى انطباق هذا العنوان عليه إلا انه لما كان قاصدا للأمر التام فيصح جعل امر آخر في حقهِ حتى يكون هو الداعي له حقيقة و يكون قصده للأمر التام من باب الخطأ في التطبيق (و يرد) عليه ان الخطأ في التطبيق إنما يتصور فيما إذا أمكن جعل كل من الحكمين في حد نفسه كما إذا فرض قصد المكلف للأمر الاستحبابي مع انه كان وجوبيا في الواقع و اما الأمر بعنوان الناسي فإن أمكن جعله فلا بأس بصحة عبادته من باب الخطأ في التطبيق لكنه مستحيل في حد نفسه لما عرفت مرارا من ان محركية كل تكليف تتوقف على وجود موضوعه خارجا و إحراز المكلف له و حيث يستحيل في المقام إحراز المكلف كونه ناسيا فيستحيل محركية التكليف المجعول له خارجا و من المعلوم ان استحالة فعلية التكليف و محركيته تستلزم استحالة جعله في حد نفسه (الثاني) ما ذكره المحقق صاحب الكفاية (قده) من ان الأمر بعنوان الناسي و إن لم يمكن تصوره إلا انه يمكن الأمر بعنوان يلازمه و لا محذور في التفات المكلف إلى هذا العنوان الملازم و فعلية التكليف في حقه و إن لم يلتفت إلى عنوان النسيان أصلا (و فيه) مضافا إلى ان المحذور السابق مترتب عليه بعينه فيما إذا التفت المكلف إلى الملازمة بين العنوانين ان فرض عنوان ملازم للنسيان خارجا خصوصا مع اختلاف متعلقات النسيان حسب اختلاف الأزمنة و الأشخاص فرض ربما يلحق بالمستحيلات (الثالث) ان يقال ان الركعات كما انها تنقسم إلى فرض اللَّه و فرض النبي (صلى اللَّه عليه و آله) و قواعد الشك و البناء على الأكثر إنما تجري في فرض النبي إلا في الركعة الثالثة الملحقة بفرض اللَّه فكذلك الاجزاء تنقسم إلى فرضين فما كان من فرض اللَّه و هي الأركان يوجه الأمر بها إلى مطلق المكلفين و اما غيره فيوجه الخطاب فيه إلى خصوص الذاكرين و لازم ذلك هو اختصاص قيديته بحال الذّكر و كون غير المنسي مأمورا به بالأمر الفعلي من دون محذور (فإن قلت) بعد الفراغ عن ان النبي (صلى اللَّه عليه و آله) لا ينطق عن الهوى فما معنى كون الفرض منه في قبال فرض اللَّه ثم على تقدير تسليمه فغايته هو كون غير الأركان واجبا في واجب ذلك من الجزئية المبحوث عنها في المقام (قلت) يمكن ان يكون إرادة النهي صلى الله عليه و آله موجبة لوجوب فعل على المكلف بنفسها كما لا يبعد ان يكون ذلك مقتضى تفويض الدين إليه‏

305

الثابت بالإجماع و الضرورة و حينئذ يكون كيفية الوجوب تابعة لإرادته فإذا تعلقت إرادته بتقيد الواجب بشي‏ء فلا محالة يكون مقيدا به و معه كيف يمكن ان يكون نتيجتها الوجوب النفسيّ كما توهم على انه لو تنزلنا عن ذلك فيمكن ان يقال ان وجوب بقية الاجزاء ناش عن مصلحة لا تتم إلا بإرادة النبي (صلى اللَّه عليه و آله) فجملة من الأجزاء يكون ملاكها ملزما على الإطلاق و جملة أخرى يتوقف تمامية ملاكها على إرادته و كيف كان فلا مناص عن تقيد الواجب عند تعلق إرادته (صلى اللَّه عليه و آله) سواء كان من جهة موضوعية الإرادة له أو من جهة طريقيته فتحصل ان صحة عبادة الناسي كما يمكن ان تكون من جهة الملاك يمكن ان تكون من جهة الأمر أيضا (إذا عرفت ذلك فنقول) ان الكلام في محل البحث يقع تارة من جهة الأدلة الاجتهادية و أخرى من حيث الأصول العملية (اما الكلام من الجهة الأولى) فملخصه انه إذا كان لدليل الواجب إطلاق بالقياس إلى اجزاء الزمان المأخوذ ظرفا للواجب و كان الدليل الجزئية أيضا إطلاق بالقياس إلى حالتي نسيان الجزء و عدمه فلا محالة يقع التعارض بين الإطلاقين فلا بد من رفع اليد عن إطلاق دليل الجزئية حتى يختص بصورة التذكر أو عن إطلاق دليل الواجب حتى يختص الأمر بغير القطعة المفروض وقوعه فيها مع نسيان بعض ما اعتبر فيه فان الأمر بالمركب من المنسي و غيره مستحيل بالضرورة و في مثله لا شبهة في تقدم إطلاق دليل الجزئية و رفع اليد عن إطلاق دليل الواجب نعم لو لم يكن لدليل الجزئية إطلاق كما إذا كان إجماعا أو كان دليلا لفظيا و لكن لم يكن له إطلاق من هذه الجهة فلا بد من التمسك بإطلاق دليل الواجب فيلزمه اختصاص الجزئية بحال الذّكر دون غيره (و ربما يتوهم) انه من هذا القبيل ما إذا كان دليل الجزئية هو الأمر بتخيل ان الأمر بالشي‏ء سواء كان نفسيا أو غيريا فلا محالة يكون مشروطا بالقدرة و حيث ان المنسي غير مقدور للمكلف حال نسيانه فيختص جزئيته بغير تلك الحال (نعم) لو كان دليل الجزئية مثل قوله (عليه السلام) لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب الدال على انتفاء الماهية عند فقدها لكان مفادها هي الجزئية المطلقة لا محالة (و أنت خبير) بفساد ذلك فان دليل الجزئية إذا كان هو الأمر فحيث انه يستحيل كونه نفسيا ضرورة عدم تعقل استتباعه للتقييد بل غايته هو كون متعلقه واجبا في واجب فلا محالة يتمحض في كونه غيريا و عليه فحيث ان سياق الأوامر و النواهي الواردة في العبادات متحد مع سياقها في باب المعاملات فالظاهر من وحدة السياق كونها إرشادية إلى بيان الجزئية و الشرطية و المانعية

306

و منسلخة عن الطلب بالكلية فلا موجب لاختصاصها بحال القدرة بل يكون مفادها هي الجزئية المطلقة (هذا مضافا) إلى ان الأمر المتعلق بالجزء أو الشرط حيث انه لا يكون بأمر استقلالي بل هو قطعة من الأمر النفسيّ المتعلق بالمركب فاشتراطه بالقدرة على متعلقه سواء كان الاشتراط من جهة تقبيح العقل بقبح خطاب العاجز أو من جهة اقتضاء نفس الطلب ذلك على ما عرفت تفصيله في بحث الأوامر بعينه متحد مع اشتراط الأمر بالمركب بها و لازم ذلك هو سقوط الأمر بالمركب حين العجز عن بعض اجزائه و هذا مما لا ريب فيه و أين ذلك من اختصاص الجزئية بحال القدرة الموجبة لتعلق الأمر ببقية الأجزاء و الشرائط نعم لو كان الاشتراط بالقدرة من لوازم نفس الخطاب لأمكن ان يقال ان الخطاب المتعلق بالجزء حيث ان لازمه اشتراطه بالقدرة عليه فمع عدم القدرة لا يكون هناك خطاب فلا يكون دليل على الجزئية و لكن الأمر على خلافه ضرورة ان المشروط بالقدرة انما هو مدلول الخطاب و هو الطلب سواء كان مدركه هو قبح خطاب العاجز أو اقتضاء نفس الطلب ذلك و عليه فحيث ان مدلول الخطاب بالجزء متحد مع مدلول الخطاب بالمركب فاشتراطه بشي‏ء هو بعينه اشتراطه به بعد فرض الارتباطية في الواجب فيكون لازمه سقوط الأمر بالمركب لا خصوص الأمر بالجزء (ثم) لا يخفى ان دليل التقييد إذا كان نهياً نفسيا سواء كان من موارد النهي عن العبادات أو من موارد اجتماع النهي و الأمر على تقدير القول بامتناع الاجتماع عن الجهة الأولى و تقديم جانب النهي فربما يقال فيه بأن النهي النفسيّ من جهة اختصاصه بحال القدرة يكون التقييد المترتب عليه مختصا بتلك الحال أيضا و قد ذكرنا في بحث اجتماع الأمر و النهي انه إنما يصح بناء على القول بتوقف عدم أحد الضدين علي وجود الآخر إذ حينئذ يكون عدم الأمر في فرض النهي من متفرعات وجوده فيرتفع بارتفاعه و اما على القول بعدم التوقف كما هو الصحيح فغاية الأمر هو كون عدم الأمر و وجود النهي لازمين لملزوم ثالث و هو المبغوضية الناشئة عن المفسدة الموجودة في الفعل و من الواضح ان سقوط أحد اللازمين لخصوصية موجبة له لا يوجب سقوط الآخر فسقوط النهي في المقام لعدم القدرة لا يوجب سقوط التقييد الناشئ عن المفسدة الغير المختصة بحال القدرة فتلخص ان مقتضى دليل التقييد هي القيدية المطلقة في غير ما إذا لم يكن له إطلاق كما إذا كان إجماعا و نحوه فيما لم يكن معقده القيدية المطلقة أو لفظ مطلق بحيث علم بصدوره من المعصوم (عليه السلام) (و اما الكلام) من جهة الأصول العملية فربما

307

يتمسك في المقام بحديث الرفع نظرا إلى ان جزئية شي‏ء كالسورة للصلاة مثلا و ان كانت معلومة في الجملة إلا انها مجهولة في حال نسيانها فيرتفع به و بضميمته إلى أدلة وجوب بقية الاجزاء يثبت وجوب الباقي و اختصاص الواجب به كما كان الأمر كذلك فيما إذا شك في أصل الجزئية مثلا (هذا) و قد ذكرنا عند التعرض لمفاد الحديث المبارك من ان جريانه مختص بموارد الأحكام الانحلالية و لا يعم موارد الأحكام التي يكون المطلوب فيها صرف الوجود و تعلق النسيان ببعض افراده فان خصوص السورة المنسية في الصلاة في جزء من الوقت لم يتعلق به طلب حتى يرتفع به و صرف الوجود المطلوب قيدا لم يتعلق به النسيان على الفرض بل قد ذكرنا هناك ان النسيان المستوعب لتمام الوقت لا يكون مورداً لحديث الرفع أيضا إلا من جهة رفع العقاب المترتب على ترك الصلاة في مجموع الوقت و اما من جهة نفي القضاء فلا و قد مر تفصيل ذلك هناك فراجع فمقتضى الأصل العملي هو وجوب الإعادة و القضاء عند نسيان بعض القيود المعتبرة في الواجب إذا احتمل قيديتها المطلقة الغير المختصة بحال التذكر (نعم) قوله (عليه السلام) لا تعاد الصلاة إلا من خمس يكون دليلا على عدم بطلان خصوص الصلاة عند نسيان غير الخمس مما اعتبر فيها و سيجي‏ء البحث عن مقدار دلالته في البحث الآتي إن شاء اللَّه تعالى (و اما المقام الثاني) فيقع الكلام فيه تارة من حيث الأصول العملية و أخرى من جهة الأدلة الخاصة الواردة في المقام و قبل الخوض في ذلك لا بد من تنقيح مفهوم الزيادة و انها متصورة في الاجزاء أم لا و على تقدير تصورها فهل يتوقف صدقها على قصد الجزئية أيضا أم لا (فنقول) ربما يقال بعدم إمكان تصور الزيادة في الجزء فانه على تقدير اعتباره في الواجب بشرط لا من انضمام فرد آخر إليه فيكون انضمامه إليه موجبا لنقصان المركب و عدم الإتيان بجزئه من جهة انتفاء قيده لا لزيادة الجزء و هو ظاهر و على تقدير اعتباره لا بشرط بالإضافة إليه فكما أتى به في الخارج من تلك الطبيعة يتصف بالجزئية سواء كان المأتي به فردا واحدا أم متعددا فما معنى الزيادة في الجزء (و يرد عليه أو لا) انه يمكن ان يؤخذ طبيعة السورة مثلا بنحو صرف الوجود جزء للواجب بحيث يكون الفرد الأول الناقض للعدم هو المتصف بالجزئية لا غير فيكون الوجود الثاني زائدا عليه لا محالة فلا ينحصر التشقيق بما ذكر (و ثانيا) ان الجزء المأخوذ في الواجب إذا أخذ فيه العدد الخاصّ كالركوع و السجود مع عدم أخذه بشرط لا بالإضافة إلى انضمام فرد آخر إليه فلا ريب في صدق الزيادة حينئذ إذا أضيف إليه ذلك‏

308

ضرورة ان الموجود في الخارج حينئذ يكون زائدا على العدد المأخوذ لا محالة (و ثالثا) ان أخذ الطبيعة بشرط لا و ان كان موجبا للنقصان مع الضميمة عقلا كما ذكر إلا انه لا ريب في صدق الزيادة معه عرفا و موضوع البحث في المقام إنما هو ما يصدق معه الزيادة عرفا و ان لم يكن كذلك عقلا بالدقة الفلسفية و كيف كان فلا ريب في إمكان تصور الزيادة في الجزء (و اما) ما يعتبر في صدقها ففيه خلاف و أقوال ثالثها التفصيل بين ما إذا كان الزائد من جنس المزيد عليه و غيره فيعتبر قصد الجزئية في صدقها في الثاني دون الأول و التحقيق ان يقال ان المأتي به في أثناء العبادة إذا لم يكن من سنخ اجزاء العمل لا من الأقوال و لا من الأفعال فلا ريب في عدم تحقق الزيادة بمجرد الإتيان به لا مع قصد الجزئية لكونه امرا مباينا أجنبيا عنها فلا معنى لكونه زيادة فيها نعم لو أتي به بعنوان الجزئية فلا محالة يصدق عليه الزيادة فان المركب الاعتباري يصدق زيادة شي‏ء فيه بقصد كونه جزء منه كما هو ظاهر فعلى تقدير كون الزيادة مبطلة لها كما في الصلاة يكون الإتيان به بقصد الجزئية مبطلا للعمل لا من جهة التشريع حتى يقال بأنه لا دليل على إبطاله فيما إذا لم يرجع إلى عدم قصد الأمر كما هو محل الكلام بل من جهة صدق الزيادة الموجبة للبطلان على الفرض و كذلك الحال فيما إذا كان المأتي به من سنخ الأقوال فانه مع قصد الجزئية يكون مبطلا للعبادة من جهة صدق الزيادة لا مع عدمه فان العبادة بالقياس إلى بقية الأذكار مأخوذة لا بشرط فلا يتحقق عنوان الزيادة الموجبة للبطلان و اما إذا كان المأتي به من سنخ الأفعال كالركوع و السجود فلا يفرق الحال في صدق عنوان الزيادة بين قصد الجزئية و عدمه ضرورة ان الأفعال المعتبرة فيها اما ان يكون اعتبارها بشرط لا بالقياس إلى الفرد الآخر أو ان العدد الخاصّ مأخوذ فيها لا محالة و على كل حال لا ريب في صدق عنوان الزيادة بمجرد وجودها ثانيا كما هو ظاهر (نعم) قصد الخلاف يوجب المباينة بينه و بين العبادة المانعة عن صدق الزيادة ثانيا كما هو ظاهر (نعم) قصد الخلاف يوجب المباينة بينه و بين العبادة المانعة عن صدق الزيادة فلو أتى بالسجدة في الصلاة شكرا مثلا فلا يصدق عليها انها زيادة في المكتوبة و لكنه ربما يستفاد من تعليل النهي عن قراءة العزيمة في الصلاة الموجبة للسجدة بأنها زيادة في المكتوبة صدق عنوان الزيادة على مطلق ما يؤتى به من سنخ الأفعال و ان قصد به الخلاف إلّا انه في غير محله و ذلك لأن السجدة الواجبة من جهة قراءة العزيمة حيث انها من توابع القراءة فيمكن ان يقال ان قصد الجزئية في القراءة أوجب صدق الزيادة عليها أيضا و أين ذلك من مثل سجدة الشكر و نحوها مما لا يؤتى به بقصد

309

الجزئية و لا هو من توابع ما أتي به كذلك أو يقال ان السجدة الواحدة حيث انها لا استقلال لها بنفسها فلا حافظ لها إلا الصورة الصلاتية فيصدق على مجرد وجودها و لو مع قصد عدم الجزئية انها زيادة فيها فلا يشمل مثل سجدتي السهو المشتملة على التشهد و السلام و نحوهما مما له جهة استقلالية و حافظ صورة غير الصورة الصلاتية و كيف كان فلا يستفاد من الرواية كون مطلق المأتي به من سنخ الأفعال داخلا في عنوان الزيادة و لو مع قصد الخلاف و من هنا أفتى جماعة بجواز الإتيان بصلاة الآيات في أثناء الفريضة اليومية إذا ضاق وقتها كما يجوز الإتيان بالفريضة اليومية في أثناء صلاة الآيات عند التضيق بمقتضى النص الوارد فيه نظرا إلى ان ورود النص ليس من جهة التعبد الخاصّ حتى يقتصر على مورده بل من جهة عدم صدق الزيادة حينئذ فيكون الحكم على القاعدة بل المحكي عن العلامة (قده) هو التعدي إلى كل واجب مضيق فيجوز الإتيان به في ضمن واجب آخر و لو مع فوات الموالاة نظرا إلى وقوع المزاحمة بين فوات الموالاة و بين فوت الواجب المضيق فيسقط وجوب الموالاة من جهة الأهمية في الطرف المزاحم و لكنه مشكل و المسألة محررة في الفقه و الغرض من التعرض في المقام هو بيان عدم صدق الزيادة مع كون المأتي به مقصودا به عنوان آخر مغاير لما أتى به فيه (إذا عرفت ذلك) فنقول مرجع الشك في بطلان العبادة بالزيادة العمدية بل السهوية أيضا إلى الشك في اعتبار عدمها في العبادة جزءا أو شرطا و قد تبين مما ذكرناه كون الشك في الجزئية و الشرطية موردا للبراءة فمقتضى الأصل العملي هو صحة العبادة مع الزيادة العمدية فضلا عن السهوية و قد يتمسك لإثبات الصحة بعد تحقق الزيادة باستصحاب الصحة و سيجي‏ء التعرض لفساده في تنبيهات الاستصحاب إن شاء اللَّه تعالى (و اما) من جهة الأدلة الاجتهادية فقد ورد في خصوص باب الصلاة اخبار دلت على بطلانها بتحقق الزيادة و هي على طوائف (فإن منها) ما دلت على البطلان بمطلق الزيادة سواء كانت عمدية أو سهوية و سواء كانت في الأركان أو غيرها كقوله (عليه السلام) من زاد في صلاته فعليه الإعادة (و منها) ما دلت على المبطلية في خصوص السهو و النسيان و لكنه مطلق من جهة الأركان و غيرها كقوله (عليه السلام) و إذا استيقن انه زاد في المكتوبة فليستقبل صلاته فإنه ظاهر في ان اليقين إنما حصل بعد العمل فلا يشمل الزيادة العمدية (و منها) ما دل على وجوب الإعادة في صورة السهو في خصوص الأركان دون غيرها كقوله (عليه السلام) لا تعاد الصلاة الا من خمس بناء على اختصاصه بخصوص السهو دون‏

310

العمد كما هو الظاهر و لا يخفى عدم المعارضة بين الطائفتين الأولتين ضرورة عدم منافاة وجوب الإعادة في خصوص السهو الّذي هو مفاد الطائفة الثانية مع وجوب الإعادة مطلقا و إنما المنافاة بين الطائفة الثالثة و بينهما و النسبة بينهما و بين كل منهما هو العموم من وجه فان الطائفة الأولى مختصة بخصوص الزيادة و عامة من حيث العمد و السهو و الأركان و غيرها و الطائفة الثالثة الدالة على عدم البطلان مختصة بغير الأركان و لكنها عامة من جهة الزيادة و النقصان فالزيادة السهوية في غير الأركان يكون مورد للتعارض بينهما كما ان الطائفة الثانية مختصة بالزيادة السهوية و لكنها مطلقة من حيث الأركان و غيرها و الطائفة الثالثة مختصة بغير الأركان و لكنها مطلقة من حيث الزيادة و النقيصة فيقع المعارضة في خصوص الزيادة السهوية في غير الأركان و لكنه مع ذلك لا بد من تقديم الطائفة الثالثة عليهما فإن لسانها لسان الحكومة بالنسبة إلى أدلة الاجزاء و الشرائط و ان كل ما هو معتبر في الصلاة شرطا أو جزء انما يكون الإخلال السهوي به بالزيادة أو النقصان موجبا للبطلان في خصوص الخمسة لا في غيرها و لا ريب في تقدم كل دليل حاكم على الدليل المحكوم و لو كانت النسبة بينهما هو العموم من وجه فإن ملاحظة النسبة بين الدليلين انما تختص بغير باب الحكومة كما هو ظاهر (هذا مضافا) إلى ما ورد فيمن ذكر انه زاد سجدة انه لا يعيد الصلاة من سجدة و يعيده من ركعة و النسبة بينه و بين الطائفتين الأوليين هو العموم و الخصوص المطلق فيقدم عليهما لا محالة فتلخص ان مقتضى الجمع بين الروايات هو مبطلية الزيادة العمدية مطلقا و الزيادة السهوية في خصوص الأركان دون غيرها

(التنبيه الثاني) إذا تعذر بعض ما اعتبر في الواجب من جزئيه أو شرطه فهل القاعدة تقتضي سقوطه رأسا أو لزوم الإتيان بغيره وجهان‏

مبنيان على ان مقتضى القاعدة عند ثبوت قيدية شي‏ء للواجب هي القيدية المطلقة أو القيدية في خصوص حال التمكن و يقع الكلام في جهات ثلاثة (الأولى) فيما يقتضيه نفس أدلة الاجزاء و الشرائط (الثانية) فيما يقتضيه الأصول العملية (الثالثة) فيما يقتضيه الأدلة الخارجية (اما الجهة الأولى) فقد ظهر الحال فيها مما ذكرناه غير مرة من ان دليل الجزئية أو الشرطية إذا لم يكن إجماعا أو غيره مما لم يكن له إطلاق فمقتضى القاعدة فيه هو إطلاق القيدية لحال التمكن و عدمها و لازمه سقوط التكليف بأصل الواجب عند تعذر قيده مطلقا توضيح ذلك ان التقييد اما ان يستفاد من الدليل الدال عليه بعنوانه كقوله (عليه السلام) لا صلاة إلا بطهور و نحوه و اما ان يستفاد من الأمر الغيري المتعلق بالاجزاء

311

و الشرائط و اما ان يستفاد من التكليف النفسيّ (اما الشق الأول) و هو ما إذا كان التقييد مستفادا من الدليل الدال عليه بعنوانه فلا ريب في إطلاقه لحالتي التعذر و التمكن و مقتضاه سقوط التكليف من أصله عند تعذره (و اما الشق الثاني) فربما يقال فيه بأن مقتضاه اختصاص التقييد بحال التمكن فان التكليف الغيري كالتكليف النفسيّ يكون مشروطا بالقدرة لا محالة فإن الاشتراط بالقدرة من لوازم التكليف مطلقا نفسيا كان أو غيريا و لازم ذلك هو تعلق الأمر بغير المتعذر و سقوط التقييد حال التعذر (و يرد عليه) ان الأمر و ان كان ظاهرا في إفادة الطلب المولوي إلّا ان هناك صارف عنه في خصوص الأوامر المتعلقة بالأجزاء و الشرائط فإن الظاهر فيها كونها للإرشاد و بيان دخل متعلقاتها في الواجب جزء أو شرطا كما في الأوامر المتعلقة بالأجزاء و الشرائط في باب المعاملات فالظهور الأولي في دلالة الأمر على الطلب يكون منسلخا في باب الأوامر المتعلقة بالأجزاء و الشرائط في باب العبادات و المعاملات و عليه فلا موجب للتقييد بحال التمكن بل يكون حال الأوامر الغيرية كحال الأدلة الدالة على التقييد بعنوانه في استفادة القيدية المطلقة منها مع انا لو سلمنا دلالة الأوامر الغيرية في خصوص باب العبادات على الطلب فلا يترتب عليها ما توهم من اختصاص التقييد المستفاد منها بحال القدرة و ذلك فان الطلب المتعلق بالجزء أو الشرط حيث انه متحد مع الطلب المتعلق بأصل الواجب و ليس طلبا آخر مغايرا معه و إلا استحال كون متعلقه قيدا للواجب كما هو ظاهر فاشتراطه بالقدرة على متعلقه بعينه هو اشتراط الأمر بالمركب بها و نتيجة ذلك هو سقوط أصل الواجب مع عدم القدرة عليه لا سقوط التقييد و بقاء الأمر متعلقا بغيره و قد مر بيان ذلك في التنبيه الأول فراجع (و اما الشق الثالث) و هو ما إذا كان التقييد مستفادا من التكليف النفسيّ فهو مستحيل التحقق في باب الاجزاء و الشرائط فان الأمر النفسيّ بشي‏ء يستحيل كونه منشئا لانتزاع الشرطية أو الجزئية من متعلقه بل غاية الأمر كون متعلقه واجبا في واجب نعم يمكن تصويره في المانعية فإن حرمة شي‏ء توجب تقييد دليل الواجب بغيره فيتقيد الأمر بالصلاة مثلا المطلق من حيث إيقاعها في لباس الحرير و غيره بغيره لحرمته و هل القاعدة فيه تقتضي اختصاص القيدية بحال فعلية الحرمة أو يكون القيدية فيه مطلقة أيضا يظهر من المحقق الخوانساري (قده) الأول و ان القيدية الناشئة من التكليف سواء كان نهيا أو امرا تختص بصورة فعلية التكليف فتكون ساقطة بسقوطه و ارتضاه المحقق القمي (قده) لكنه الحق صورة عدم تنجز التكليف بعدم فعليته أيضا فالتزم‏

312

بعدم ثبوت القيدية عند تنجز التكليف و من ثم ذهب إلى صحة الصلاة في غير المأكول في صورة عدم العلم به و لو انكشف بعد ذلك وقوعها فيه نظرا إلى عدم تنجز الحرمة حينئذ و التقييد من لوازم تنجز الحرمة لا من لوازم أصل وجودها و التحقيق ان يقال ان النهي المستفاد منه الحرمة اما ان يكون من قبيل النهي عن العبادة أو من قبيل ما تصادق متعلقه مع متعلق الأمر في مورد كما في باب اجتماع الأمر و النهي و على الثاني فاما ان نقول بجواز اجتماع الأمر و النهي و عدم سراية أحدهما إلى متعلق الآخر أو بامتناعه و على القول بالجواز فاما ان نقول بامتناع وقوع العبادة صحيحا في الخارج مع صدوره منه مبغوضا مع العلم بالحرمة نظرا إلى اشتراط صحة العبادة بعدم وقوعها منه قبيحا أو نقول بصحتها مع ذلك أيضا و على القول بالامتناع و السراية فاما ان نقول بتقديم جانب الحرمة أو بتقديم جانب الوجوب فهناك شقوق و احتمالات (الأول) ما إذا كان النهي من قبيل النهي عن العبادة و الحق فيه ان يكون النهي موجبا للتقييد الواقعي و لو مع سقوط الحرمة بالتعذر و نحوه فان الحرمة الواقعية انما توجب رفع اليد عن إطلاق دليل الواجب من جهة المضادة بينهما و قد بين في محله عدم الترتب و الطولية بين أحد الضدين و عدم الآخر فهما في مرتبة واحدة معلولان لعلة ثالثة و هي المبغوضية الواقعية الثابتة في المتعلق فكما انها توجب حرمته فكذلك توجب تقييد دليل الواجب و اختصاصه بغيره و من المعلوم ان سقوط أحد المتلازمين لأمر يخصه لا يوجب سقوط الملازم الآخر فسقوط الحرمة بالاضطرار و نحوه لا يوجب سقوط التقييد المستكشف من دليلها نعم بناء على كون عدم أحد الضدين معلولا للآخر يتم ما توهم من اختصاص التقييد بحال القدرة فان عدم شمول دليل الواجب إذا كان معلولا للحرمة و في طولها فلا محالة يختص بموارد تحققها و فعليتها فإذا فرض سقوطها بمسقط من اضطرار و نحوه فلا موجب للتقييد أصلا لكن المبنى فاسد من أصله كما يظهر مما بينا في محله (الثاني) ما إذا كان النهي في موارد اجتماعه مع الأمر و قلنا بالامتناع بسراية كل منهما إلى متعلق الآخر و اللازم على هذا التقدير هو وقوع التعارض بين إطلاقي دليلي الوجوب و الحرمة فان قدم دليل الوجوب فيرتفع الحرمة عن مورده الاجتماع بالكلية كما انه لو قلنا بتقديم دليل الحرمة فلازمه ارتفاع الوجوب عن مورد الاجتماع و اختصاصه بغيره فيكون حاله بعينها حال النهي المتعلق بالعبادة ابتداء فيجري فيه ما يجري فيه بلا تفاوت حينئذ (ثم انه) على تقدير تسليم الترتب و الطولية بين الحرمة و عدم الوجوب في هذين القسمين حتى يترتب عليه شمول الإطلاق‏

313

لصورة ارتفاع الحرمة برافع فغاية ما هناك هو الحكم بعدم التقييد في فرض سقوط الحرمة واقعا كما في صورة الاضطرار و نحوه و اما في صورة عدم تنجزها على المكلف لجهله مع فعليتها واقعا فلا موجب لتوهم سقوط التقييد أصلا ضرورة ان المنافاة و المضادة بين نفس الحرمة و الوجوب لا بين تنجزها فما عن المحقق القمي (قده) من إلحاق صورة عدم تنجز الحرمة بصورة عدم فعليتها في غير محله و بذلك أشكلنا على المشهور القائلين بالامتناع و صحة العبادة في الدار الغصبية في حال الجهل بان لازم تقديم دليل الحرمة خروج مورد الاجتماع عن إطلاق دليل الواجب واقعا فكيف يمكن الحكم بصحته مع الجهل و هل يوجب الجهل تغييرا في الواقع و جعل ما لم يتعلق به الأمر في الواقع مأمورا به واقعا و قد بينا توضيح ذلك في بحث اجتماع الأمر و النهي فراجع (الثالث) الصورة بحالها مع القول بجواز الاجتماع و عدم السراية فان قلنا فيها بصحة العبادة حتى مع العلم بالتحريم لاختلاف متعلق الوجوب و التحريم في الخارج فلا موجب للتقييد أصلا و ان قلنا فيها بالفساد مع العلم كما هو المختار عندنا نظرا إلى ان الحرمة تكون معجزا مولويا عن إيجاد الطبيعة المأمور بها في ضمن الفرد المحرم فلا محالة يكون التقييد منحصرا بصورة تنجز الحرمة ليس إلّا فان الواجب لعجز المكلف عن الامتثال في مورد الاجتماع و اتصافه بالقبح هو التكليف الواصل و مع فرض عدم تنجزه فضلا عن عدم فعليته لا يكون هناك موجب للتقييد و على ذلك يبتنى صحة عبادة الجاهل بالغصب في الشبهات الموضوعية أو الحكمية إذا لم يكن عن تقصير (فتحصل) من جميع ذلك ان مقتضى القاعدة هو إطلاق التقييد لصورتي العجز و التمكن على اختلاف أدلته الا في خصوص المانعية في بعض الصور لا مطلقا و من ذلك يظهر انه لو فرض لدليل الواجب إطلاق أيضا فلا محالة يتقدم إطلاق دليل التقييد عليه و يثبت به ارتفاع الوجوب في مورد تعذر القيد بالكلية و ذلك فان إطلاق دليل التقييد يتقدم على إطلاق دليل المطلق لما ذكرناه في محله من ان ظهور القرينة سواء كانت متصلة أو منفصلة يتقدم على ظهور ذي القرينة مطلقا من دون فرق بين قرينة المجاز أو التخصيص أو التقييد نعم لو يكن له إطلاق بالقياس إلى حالتي التعذر و التمكن كما إذا كان إجماعا و نحوه و كان لدليل الواجب إطلاق بالقياس إلى وجود القيد و عدمه فالقدر المتيقن من دليل التقييد هو الاختصاص بحال التمكن فيتمسك بإطلاق دليل الواجب في صورة تعذره فيثبت به وجوب الباقي و تعين التقييد في السقوط (هذا كله) بالنظر إلى ما يقتضيه الأدلة الدالة على التقييد و اما ما يقتضيه الأصل لو لم يكن في البين إطلاق‏

314

من الطرفين و هي (الجهة الثانية) التي لا بد من التكلم فيها في المقام فهو عدم وجوب الإتيان بالباقي للشك في حدوث الوجوب له بعد تعذر الواجب المركب منه و من المتعذر فيرجع إلى البراءة إلا ان التحقيق عدم صحة الرجوع إليها بعد فرض العلم بوجوبه سابقا و لو في فرض ضمن المركب بل لا بد من الرجوع إلى الاستصحاب على تفصيل يأتي في بعض تنبيهات الاستصحاب إن شاء اللَّه تعالى (و اما الجهة الثالثة) فهي بالنسبة إلى خصوص الصلاة ظاهرة فان كل جزء أو قيد يكون معتبرا فيها فانما يكون اعتباره مشروطا بالقدرة و يسقط عند تعذره فيكون الأمر الفعلي متعلقا بغيره على ما هو مقتضى قوله (عليه السلام) الصلاة لا تسقط بحال نعم اختيار المشهور في خصوص الطهور قيديته المطلقة فأفتوا بسقوط أصل الصلاة عند تعذره و اما في بقية الواجبات فقد استدل على عدم السقوط و وجوب الإتيان بالباقي بروايات نبوية معتمد عليها بين الأصحاب و هي قوله (صلى اللَّه عليه و آله) إذا أمرتكم بشي‏ء فأتوا منه ما استطعتم و قوله (صلى اللَّه عليه و آله) ما لا يدرك كله لا يترك كله و قوله (صلى اللَّه عليه و آله) الميسور لا يسقط بالمعسور و لا بد لنا من التكلم في دلالة كل واحدة منها مستقلا فنقول (اما الرواية الأولى) فدلالتها في حد ذاتها و ان كانت ظاهرة لظهور كلمة من في التبعيض و احتمال كونها بيانية أو بمعنى الباء خلاف الظاهر إلّا ان حملها على التبعيض من جهة الأجزاء حتى يكون معناها انه إذا أمرتكم بشي‏ء ذي أجزاء فأتوا من اجزائه ما استطعتم خلاف ظاهرها من حيث محل ورودها فانها وردت في مورد السؤال عن وجوب الحج و انه يجب مرة أو في كل سنة فقال (صلى اللَّه عليه و آله) بعد ما كرر السائل سؤاله مرات ويحك و ما يؤمنك ان أقول نعم و لو قلت نعم لوجب إلى ان قال إذا أمرتكم بشي‏ء فأتوا منه ما استطعتم فالظاهر منها ان التبعيض من جهة الافراد فالمعنى (و اللَّه العالم) انه إذا أمرتكم بطبيعة ذات افراد فأتوا من افرادها ما استطعتم و عليه يكون مفادها أجنبيا عن محل الكلام بالكلية (و اما الرواية الثانية) فظهورها في عدم سقوط الممكن من الكل بما له من الحكم الاستحبابي أو الوجوبيّ بتعذر بعضه في غاية القوة و احتمال اختصاصها بموارد العام المجموعي حتى يكون مفادها عدم سقوط الافراد الممكنة بتعذر غيرها في غاية البعد بل شمولها لها انما هو باعتبار تعلق الحكم بالمركب أيضا فان المفروض ان متعلق الحكم فيها هو المجموع المركب من الافراد المتعددة (و من هنا يظهر دلالة الرواية الثالثة) أيضا فان الظاهر منها ان الميسور من الشي‏ء لا يسقط بما له من الحكم وجوبيا أو استحبابيا يتعسر غيره فيدل على وجوب الباقي بل الظاهر منها الشمول للواجب البسيط أيضا

315

إذا كان له مراتب و ان تعسر المرتبة العالية منه لا يوجب سقوط غيرها من المراتب التي تعد ميسورة منه و كيف كان فدلالة الروايتين على وجوب الإتيان بما هو ليس من اجزاء المركب و عدم سقوطه بتعذر بعضها في غاية القوة و على ذلك فيكون مقتضى القاعدة الثانوية هو اختصاص قيدية كل قيد للواجب بصورة التمكن فتسقط عند تعذره حتى لو فرض هناك إطلاق في دليل قيديته لحالتي التمكن و التعذر فان قاعدة الميسور من جهة حكومتها على الأدلة الأولية توجب تقييد ذلك الدليل و اختصاصه بصورة التمكن من دون ملاحظة النسبة بينهما كما في كل دليل حاكم بالقياس إلى الدليل المحكوم إلّا ان الإشكال في ان التمسك بها يحتاج إلى إحراز صدق الميسور على الباقي و هذا لا يكون إلّا مع عدم ركنية الجزء المتعذر للواجب و إلّا كان الباقي مباينا معه لا ميسورا منه و إحراز ذلك في الموضوعات العرفية و ان كان ممكنا في الجملة إلّا ان موارد الشك في كون المتعذر ركنا أو غيره كثيرة لا سيما في الموضوعات الشرعية التي لا طريق للعرف إلى تشخيص الجزء الركني من غيره و من ثم اشترط جواز التمسك بها بعمل المشهور و لا يخفى ان عملهم بها في مورد إذا كان بحيث يكشف عن عمل من تقدمهم بها في ذلك المورد إلى ان ينتهي إلى زمان الأئمة (عليهم السلام) فيستكشف عدم ركنية المتعذر شرعا فلا ريب في صحة التمسك بها حينئذ و اما إذا لم يكن كذلك بل غاية الأمر هو حصول الظن من عمل المشهور بصدق الميسور على الباقي فيشكل التمسك بها لوجوبه لما مر في بحث حجية الظواهر من عدم حجية الظن الخارجي بالمراد الا على القول بحجية مطلق الظن من باب الانسداد و عليه يكون الظن الحاصل من عمل المشهور كالظن الحاصل من قول اللغوي و غيره في عدم الدليل على اعتباره بالخصوص و بالجملة التمسك بالقاعدة يتوقف على إحراز صدق الميسور على الباقي و مع عدمه يكون الشبهة مصداقية و لا يجوز التمسك معها بالعموم (و هل يجوز) التمسك حينئذ باستصحاب وجوب الباقي إذا لم يكن هناك إطلاق يقتضي القيدية المطلقة أم لا وجهان أقواهما عدم الجواز و ذلك لما سيجي‏ء من اشتراط جوازه ببقاء الموضوع أعني به اتحاد القضية المتيقنة و المشكوكة فإذا فرضنا كون المتعذر مما يحتمل ركنيته فلا يصدق على الباقي انه كان واجبا سابقا عند التمكن من الجزء المتعذر فعلا و شك في بقاء وجوبه إذ من المتحمل مغايرة الباقي له من جهة انتفاء ما اعتبر فيه المحتمل ركنيته (و بالجملة) ان أحرز عدم ركنية المتعذر و صدق الميسور على الباقي فالاستصحاب في حد ذاته و ان كان جاريا إلّا انه لا يجري من‏

316

جهة جريان القاعدة الحاكمة عليه لكونها دليلا اجتهاديا و ان لم يحرز ذلك فلا يمكن التمسك بشي‏ء منهما كما عرفت و سيأتي لذلك مزيد بيان في بحث الاستصحاب إن شاء اللَّه تعالى (ثم ان العلامة الأنصاري قده) ذكر في المقام فرعين لا بد لنا من التعرض لهما (الأول) لو دار الأمر بين ترك الجزء و ترك الشرط فالظاهر تقديم ترك الشرط لأن فوات الوصف أولى من فوات الموصوف و يحتمل التخيير (و يرد عليه) ان الشرط و ان كان وصفا معتبرا في الواجب إلّا ان مجرد ذلك لا يوجب تعينه في السقوط بعد كونه متعلقا للطلب كالجزء فلا محالة يقع المزاحمة بينهما فيسقط المهم مع أهمية الآخر و إلّا فلا مناص عن التخيير (الثاني) لو جعل الشارع للكل بدلا اضطراريا كالتيمم ففي تقديمه على الناقص وجهان من ان مقتضى البدلية كونه بدلا عن التام فيقدم على الناقص كالمبدل و من ان الناقص حال الاضطرار تام لانتفاء جزئية المفقود فيقدم على البدل كالتام و التحقيق ان قاعدة الميسور و ان كانت تقتضي سقوط قيدية المتعذر فيقدم على البدل إلّا ان جريانها في كثير من موارد الانتقال إلى الجبيرة لو لا الأدلة الخاصة مشكل فانها لا تقتضي سقوط قيدية المباشرة و بقاء الأمر متعلقا بأصل المسح أو الغسل كما هو ظاهر

(التنبيه الثالث) إذا دار الأمر بين شرطية شي‏ء و مانعيته أو بين جزئيته و مبطلية زيادته‏

فلا بد من الإتيان بالواجب مقترنا به تارة و مع عدمه أخرى تحصيلا للموافقة القطعية و ذلك فإن الأمر في شخص الصلاة المأتي بها و ان كان دائرا بين المحذورين إلّا ان الأمر لم يتعلق بها بالخصوص بل المتعلق له هي طبيعة الصلاة بما لها من الأجزاء و الشرائط و المفروض تمكن المكلف من إيجادها كذلك و حيث ان انطباقها على إحدى الصلاتين معلوم إجمالا و على كل منهما مشكوك فلا بد من الجمع بينهما كما في اشتباه الثوب الطاهر بغيره أو القبلة بين الأطراف فما أفاده العلامة الأنصاري (قده) من كون التخيير وجها في المسألة فضلا عن اختياره له بناء على عدم وجوب الاحتياط في الشك في الجزئية و الشرطية لم يكن مترقبا منه (قده) (هذا تمام الكلام) في أقسام الشك في المكلف به مع إمكان الاحتياط و اما فيما لا يمكن كما إذا علم بوجوب شي‏ء معين و حرمة الآخر فاشتبها فمقتضى القاعدة هو التخيير بين فعل أحدهما لا على التعيين و ترك الآخر كذلك لما مر غير مرة من ان سقوط إحدى مرتبتي الإطاعة و هي الموافقة القطعية لعدم التمكن منها لا يستلزم سقوط الأخرى و هو ترك المخالفة القطعية إذا كانت ممكنة و حيث ان المفروض في المقام إمكانها بفعلهما أو تركهما معا فالعقل لا يجوزها اختيارا بل يلزم‏

317

على تحصيل الموافقة الاحتمالية بفعل أحدهما و ترك الآخر هذا إذا لم يكن لأحد التكليفين أهمية بالقياس إلى الآخر و اما معها فحكم العقل بلزوم الجمع بين محتملاته يكون معجزا عن امتثال الآخر و لو احتمالا فكما انه إذا دار الأمر بين امتثال التكليف بالأهم أو التكليف بالمهم يكون الأول معجزا مولويا عن الثاني فكذلك فيما إذا دار الأمر بين تحصيل القطع بامتثال الأهم و تحصيل القطع بامتثال المهم ضرورة ان التكليف المقتضي لإتيان متعلقه في الخارج مقتض للجمع بين محتملاته أيضا فلا محالة يقع التزاحم حينئذ بينهما فيتقدم الأهم و يكون موجبا للتعجيز بالإضافة إلى المهم و الالتزام بانحصار التزاحم بخصوص ما إذا لم يمكن الجمع بين الامتثالين بنفسهما بلا ملزم بعد ما عرفت من ان الجمع بين المحتملات من مقتضيات نفس التكليف كالإتيان بمتعلقه خارجا فكما ان عدم التمكن من الجمع بين الامتثالين يوجب التزاحم بين الخطابين فكذلك عدم التمكن من الجمع بين المحتملات في الطرفين يوجبه أيضا (هذا) و قد أفاد شيخنا الأستاذ العلامة دام ظله في التنبيه الأول من تنبيهات دوران الأمر بين المحذورين ما يناقض ذلك فراجع‏

(خاتمة) في شرائط الأصول‏

بمعنى ما به يتحقق مجاريها و إلا فجريان الأصل غير مشروط بأمر خارجي مطلقا اما الاحتياط فلا يشترط في حسنه شي‏ء فكلما صدق عليه عنوان الاحتياط يكون حسنا من دون فرق بين ما يكون احتياطا حقيقيا يوجب إدراك الواقع على كل تقدير و ما يكون احتياطا بالإضافة كما إذا احتاط المقلد بين فتاوى جميع أهل عصره فإنه و إن لم يحصل معه إدراك الواقع قطعا لاحتمال خطاء الجميع إلا انه اقرب إلى إدراك الواقع من الأخذ بفتوى واحد معين منهم (إذا عرفت) ذلك فاعلم انه لا إشكال في صدق الاحتياط و حسنه في غير العبادات مطلقا بما يحصل معه إدراك الواقع و أما فيها فإن لم يتمكن المكلف من الاجتهاد أو التقليد فلا إشكال أيضا و اما مع التمكن منهما ففيه أقوال (ثالثها) عدم الحسن مع العلم بالتكليف إجمالا (رابعها) عدم الحسن مع استلزامه التكرار و نحن و ان أشبعنا الكلام في ذلك في بعض مباحث القطع إلّا انه لا بأس بالإعادة إجمالًا لعدم كونها بلا فائدة (فنقول) استدل القائلون بعدم الحسن مطلقا مع التمكن من الاجتهاد أو التقليد بان الاحتياط و الإتيان بالواجب بداعي الاحتمال يكون مخلا بمعرفة الوجه و نيته و العقل على تقدير عدم استقلاله باعتبارهما أو باعتبار خصوص معرفة الوجه فلا محالة لا يكون مستقلا بعدم الاعتبار فيكون العمل بالفاقد له مما يشك في تحقق الطاعة به عقلا فيكون من موارد

318

حكم العقل بلزوم تحصيل الفراغ اليقيني عن التكليف المعلوم (فإن قلت) على هذا لا يكون الاحتياط في العبادة حسنا حتى مع عدم التمكن من الاجتهاد أو التقليد لاتحاد الملاك و هو الإخلال بهما أو بخصوص معرفة الوجه (قلت) كلا إذ اعتبارهما أو اعتبار خصوص معرفة الوجه قطعا أو احتمالا إنما يكون مع التمكن منهما و مع التعذر يدور الأمر بين الترك المطلق و بين تركهما و الإتيان بذات العبادة و لا ريب في استقلال العقل بتعين الثاني و كونه احتياط في هذا الحال و الحاصل ان اعتبارهما على تقدير الثبوت ليس على نحو الركنية للعبادة حتى يرتفع التكليف بتعذرهما من رأس بل هو مختص بحال التمكن فمع التعذر يكون الإتيان بذات العبادة احتياطا لا محالة (هذا) و لكن يرد عليه (أولا) انا نقطع بعدم اعتبار شي‏ء منهما في تحقق الطاعة إذ مع كثرة الابتلاء بهما و غفلة العامة عنهما لعدم كون اعتبارهما من المستقلات العقلية البديهية و انما ذهب إلى اعتباره من اعتبره بوجوه عقلية نظرية لا بد من الإشارة إليهما في الأدلة حفظا للغرض و حيث انه ليس فيها ما يدل على ذلك فنقطع بالعدم لأن عدم الدليل في مثل ذلك دليل العدم (و ثانيا) ان ما دل من الاخبار على كفاية مطلق قصد القربة في مقام الامتثال كقوله (عليه السلام) إذا كان بنية صالحة يريد بها ربه يدل بإطلاقه على عدم اعتبار شي‏ء آخر في العبادية غير قصد القربة فيكون مخصصا لما اعتبره العقل في الطاعة من القيود (و ثالثا) لو سلمنا عدم القطع بعدم الاعتبار و عدم قيام الدليل عليه فحيث ان أدلة اعتباره غير قطعية فلا محالة يكون الاعتبار مشكوكا فيستقل العقل بالبراءة و عدم استحقاق العقاب بتركهما و ما ذكر من ان الشك إذا كان راجعا إلى اعتبار شي‏ء في الإطاعة عقلا لا يكون مجرى للبراءة و المقام من هذا القبيل مغالطة نشأت من الخلط بين الطاعة التي يستقل العقل بلزومها مطلقا و بين الطاعة المعتبرة في خصوص العبادات فإن الطاعة بالمعنى الأول عبارة عن لزوم انبعاث العبد عن بعث المولى و انزجاره عن زجره و هو لا شبهة في عدم كونه قابلا لحكم مولوي و إذا فرض من الشارع امر به فلا محالة يكون إرشاديا محضا و عليه فإذا شك في اعتبار شي‏ء فيها فلا محالة يكون الشك راجعا إلى مرحلة امتثال التكليف المعلوم فيكون مورد للاشتغال دون البراءة و هذا بخلاف الطاعة بالمعنى الثاني الّذي هو عبارة عن جعل امر المولى داعيا إلى الفعل فإن اعتباره سواء كان بالجعل الثاني أو من ناحية الغرض يكون من قبل الشرع ليس إلا ضرورة ان العقل ليس بنبي مشرع بل يستقل بلزوم الإتيان بكل ما تعلق به إرادة المولى فإذا شك في أصل اعتبار قصد القربة أو

319

في اعتبار امر زائد عليه فيرجع الشك إلى اعتبار امر زائد على المقدار المعلوم في المأمور به و هو مورد البراءة و لا ريب ان الشك في اعتبار معرفة الوجه و نيته في العبادات بعد الفراغ عن اعتبار قصد القربة فيها من هذا القبيل و عليه فلا إشكال في صدق الاحتياط و حسنه حتى مع التمكن من الاجتهاد أو التقليد لكن بشرط ان لا يكون الاحتياط مستلزما للتكرار سواء كان هناك علم بالتكليف إجمالا كما إذا علم إجمالا بوجوب صلاة الظهر أو الجمعة في يوم الجمعة فأراد المكلف الاحتياط بفعلهما قبل الفحص بالاجتهاد أو التقليد أو لم يكن كما إذا احتمل في الغرض عدم الوجوب رأسا و الوجه في ذلك هو ان العقل الحاكم بالاستقلال في باب الإطاعة و العصيان إنما يحكم بحسن الاحتياط بالتكرار فيما إذا لم يتمكن من امتثال شخص التكليف و جعل نفسه داعيا و ذلك لأن المحرك في الخارج إلى كل من الفعلين ليس إلا احتمال تعلق التكليف به إذا المفروض عدم العلم بوجوب كل منهما بالخصوص حتى يكون هو بشخصه محركا و لا ريب ان العقل بعد فرض كون الواجب عباديا و ان تشريعه لأجل التعبد به يستقل بعدم الحسن في التحرك عن احتمال إرادة المولى مع التمكن من التحرك عن نفسها فيكون الإطاعة الاحتمالية في طول الإطاعة القطعية نعم لو لم يتمكن من الإطاعة القطعية لعدم التمكن من الفحص فلا محالة يكون الاحتياط بالتكرار حسنا و إن كان الداعي إلى إتيان كل من الفعلين هو احتمال الأمر لا نفسه إذ هذا غاية ما يتمكن المكلف من إتيانه في هذا الحال و لعل نظر شيخنا العلامة الأنصاري (قده) حيث حكم بكون التكرار في العبادة مع التمكن من الطريق الشرعي لعبا و عبثا إلى ما ذكرناه من حكم العقل بعدم الحسن فيه و كونه في طول الإطاعة القطعية فيكون التكرار لعبا و عبثا في مقام الطاعة بحكم العقل لا ان التكرار بنفسه لعب و عبث حتى يورد عليه بأنه ربما يكون بداع عقلائي فلا يكون كذلك هذا و لو تنزلنا عن استقلال العقل بعدم الحسن مع التمكن من الامتثال القطعي فلا محالة لا يكون مستقلا بالحسن و كون الامتثال الاحتمالي في عرض الامتثال القطعي فيكون الحسن حينئذ مشكوكا فيه فيشك في كفاية الامتثال الاحتمالي حينئذ فيستقل العقل بلزوم تحصيل الفراغ اليقيني (و توهم) انه يرجع معه إلى البراءة كما في صورة الشك في اعتبار معرفة الوجه و نيته (مدفوع) بان الرجوع إلى البراءة إنما يكون في موارد الشك في اعتبار امر زائد على الحسن العقلي الموجود في الإطاعة كما كان الأمر كذلك عند الشك في اعتبار معرفة الوجه و نيته و اما إذا كان الشك في اعتبار شي‏ء في الحسن العقلي بعد الفراغ عن اعتباره في المأمور

320

به كما في المقام فلا (توضيح) ذلك ان الواجب في محل الكلام حيث فرض كونه عباديا و ان تشريعه لأجل التعبد به بان يكون الإتيان به مضافا إلى المولى بوجه حتى يكون حسنا في مقام العبودية فلا محالة يكون المأمور به هو العمل بالمأتي به عبادة فإن قلنا بان العبادية مسبب توليدي عن الدواعي القربية من قصد الأمر و غيره فيكون الشك في حصولها بالإتيان بداعي احتمال الأمر الموجود في موارد التكرار شكا في المحصل و مقتضى القاعدة فيه هو الاشتغال و إن قلنا انها كلي منطبق على الدواعي القربية و الجامع بينها كون العمل بنية صالحة كما في بعض الروايات و هو الظاهر فلا محالة يكون الشك في انطباقه على الإتيان بداعي احتمال الأمر مع التمكن من الإتيان بداعي نفس الأمر شكا في التعيين و التخيير و ان الواجب على المكلف حينئذ هو خصوص قصد الأمر أو الأعم منه و من الإتيان بداعي الاحتمال و المرجع فيه على ما هو المختار عندنا هو الاشتغال و على كل حال فلا يقاس الشك في محل الكلام بالشك في اعتبار قصد الوجه أو معرفته الراجع إلى اعتبار امر زائد في المأمور به على اعتبار قصد القربة شرعا الّذي هو مورد للبراءة عقلا و نقلا (هذا كله) فيما إذا كان الاحتياط مستلزما لتكرار جملة العمل و أما إذا كان مستلزما لتكرار الجزء كما إذا دار الأمر في الصلاة بين القراءة الجهرية أو الإخفاتية فأراد المكلف الجمع بينهما احتياطا فالظاهر عدم الإشكال فيه و لو قبل الفحص و ذلك لأنه إذا جاز للمكلف الإتيان بالقراءة التي ليست جزء للصلاة في ضمنها بقصد القرآنية كما هو المفروض في المقام فلا محالة يصح له الإتيان بالأمرين و يقصد كون ما هو المأمور به في ضمن الصلاة جزء لها و كون الآخر قرآناً في ضمنها غاية الأمر انه لا يميز الجزء من غيره و لا بأس به بعد حصول القربة و العبادية و الحاصل ان ما يعتبره العقل و يحتمل اعتباره هو التحرك عن شخص إرادة المولى مع التمكن منه و هذا حاصل في المقام و اما احتمال صدور كل جزء جزء من شخص الأمر متميزا عن غيره فلا فإذا فرض تحرك المكلف عن شخص إرادة الصلاة المتعلقة بها و لكن لم يميز كون القراءة المقومة لها جهرية أو إخفاتية فأتى بها احتياطا فقد حصل ما يعتبره العقل أو يحتمل اعتباره في مقام الطاعة قطعا و معه فلا إشكال في الصحة أصلا (فتحصل من جميع ذلك) ان الاحتياط في العبادة إذا لم يكن مستلزما للتكرار فلا إشكال في حسنه و إغنائه عن الفحص في مورد وجوبه و اما فيما يستلزمه فان كان المورد مما يجب الفحص فيه كموارد العلم الإجمالي أو الشبهات البدوية الحكمية فيما إذا احتمل الإلزام فلا ريب في عدم حسنه قبل الفحص لأنه‏

321

ليس من وجوه الطاعة حينئذ قطعا أو احتمالا و اما إذا كان المورد مما لا يجب فيه الفحص كالشبهات الموضوعية أو الحكمية الغير المحتملة فيها الإلزام فهل يجوز للمكلف الاحتياط بالتكرار قبل الفحص أم لا وجهان من عدم الملزم للمكلف على الفحص فان له ترك الشبهة و عدم التعرض لها أصلا كما هو المفروض فيحسن منه الاحتياط في هذا الحال و لو كان بالتكرار و من استقلال العقل أو احتماله لعدم كون التكرار مع التمكن من جعل شخص الأمر داعيا على تقدير وجوده من وجوه الطاعة فلا يستقل بالحسن به العقل و مع عدم استقلاله به لا يمكن للمكلف الاكتفاء به في مقام الطاعة بل لا يبعد ان يكون ذلك تشريعا محرما بعد عدم إحراز الحسن (و دعوى) ان العقل و ان لم يستقل بالحسن إلا انه لا يستقل بعدمه أيضا فيجوز الاحتياط بالتكرار احتياطا (مدفوعة) بان الإتيان بالفعل بداعي احتمال الأمر مع التمكن من الفحص إذا فرض عدم استقلال العقل بحسنه لعدم إحراز كونه من وجوه الطاعة فكيف يمكن استقلاله بحسنه بداعي احتمال الحسن ضرورة ان احتمال الحسن و كون الشي‏ء من وجوه الطاعة لا يوجب كون الشي‏ء كذلك قطعا و مع عدم القطع به يبقى الشك فيه على حاله و يكون الإتيان به في مقام العبادة تشريعا محرما و عدم وجوب الفحص على المكلف و جواز ترك تعرضه للشبهة رأسا كما هو المفروض لا يوجب انقلاب ما لم يحرز حسنه و كونه من وجوه الطاعة عما هو عليه و كفايته في مقام الطاعة و العبودية و هذا هو الأقوى (هذا) (و التحقيق) عدم جواز الاحتياط في العبادة مطلقا في موارد وجوب الفحص و لو لم يكن الاحتياط مستلزما للتكرار و ذلك لأن الانبعاث عن احتمال التكليف إذا كان متأخرا عن الانبعاث عن شخصه بحكم العقل و لا أقل من احتماله فلا محالة يكون سقوط التكليف بالعبادة على تقدير وجوده متيقن العدم أو مشكوكا فيه فيستقل العقل بوجوب الفحص و عدم جواز الاحتياط و ذلك لأن التكليف الواقعي على تقدير وجوده لا بد من جعل شخصه داعيا و محركا بحكم العقل فالاقتصار بجعل احتماله داعيا قبل الفحص مع التمكن من الأول لا يكون مسقطا للتكليف بحكم العقل و اما في موارد عدم وجوب الفحص كما في الشبهات الحكمية الغير الإلزامية أو في الشبهات الموضوعية فمقتضى حكم العقل بعدم حسن الامتثال الاحتمالي مع التمكن من القطعي أو شكه فيه و ان كان عدم تحقق الامتثال بالاحتياط قبل الفحص فيها أيضا كما عرفت إلا ان الإنصاف ان الوجدان يأبى عن ذلك بل يحكم بحصول الامتثال و كون الامتثال الاحتمالي حينئذ إطاعة في فرض المصادفة

322

و انقياداً للمولى مع عدمها و على ذلك يختص حكم العقل بعدم تحقق الامتثال بموارد وجوب الفحص ليس إلا (هذا كله) فيما إذا كان المكلف متمكنا من تحصيل القطع أو الظن الخاصّ و اما فيما إذا لم يكن متمكنا إلا من تحصيل الظن المطلق الثابت حجيته بمقدمات الانسداد (فهل يجوز الاحتياط فيه بالتكرار أم لا) صريح كلام شيخنا العلامة الأنصاري (قده) هو الأول لأن حجية الظن الانسدادي متفرعة على عدم وجوب الاحتياط لا على عدم جواز فكيف يعقل أن يكون التمكن من تحصيله موجبا لبطلان الاحتياط و لذا تعجب من المحقق القمي (قده) حيث ذهب إلى بطلان عمل تارك طريقي التقليد و الاجتهاد مع ذهابه إلى حجية الظن بمقدمات الانسداد و التحقيق ان يقال ان الظن في حال الانسداد إن كان طريقيته ثابتة من باب الحكومة و استقلال العقل بكفاية الامتثال الظني فيها فالأمر كما ذهب إليه (قده) لكن المحقق القمي لا يقول بالحكومة بل هو مصر على الكشف و أما إذا كانت طريقيته ثابتة بحكم الشرع و ان كان الكاشف عنه هو العقل فحيث ان من مقدماته بطلان الاحتياط و عدم ابتناء أساس الشرع عليه فلا محالة يكون حاله حال الظن الخاصّ في عدم إغناء الاحتياط عن وجوب تحصيله و عدم جواز الاكتفاء به في مقام الطاعة (ثم لا يخفى) ان حسن الاحتياط في موارد ثبوته إنما يكون لاحتمال إدراك الواقع و عدم فوته عن المكلف من دون فرق بين ما إذا كان هناك حجة على النفي أو لم يكن و هذا في موارد عدم التكرار واضح و اما في موارد التكرار فهل يجوز الإتيان بغير ما قامت الحجة على وجوبه فيما إذا دار الأمر بين وجوب شيئين قامت الحجة على وجوب أحدهما مطلقا أو لا يجوز كذلك أو يجوز الإتيان به بعد الإتيان بما قامت الحجة على وجوبه لا قبله فيه وجوه بل أقوال أقواها الأخير اما جوازه بعد الإتيان بمتعلق مؤدى الحجة فلأن غاية ما دل عليه دليل الحجية هو إلغاء احتمال الخلاف و عدم ترتيب الأثر عليه و اما نفس الاحتمال فهو لا يمكن ارتفاعه بدليل الحجية و معه يستقل العقل بحسن إتيان المحتمل رجاء لإدراك الواقع (و بعبارة أخرى) دليل الحجية لا يوجب تغير الواقع عما هو عليه بل غايته هو جعل الطريق عليه تعبدا و مع احتمال الخطأ فيه و بقاء الواقع على حاله يحسن الاحتياط لئلا يقع المكلف في محذور المخالفة الواقعية و اما عدم الجواز قبل إسقاط التكليف الثابت بمقتضى الطريق فلأن العمل على خلافه قبل إسقاطه اعتناء باحتمال الخلاف و موجب لعدم ترتيب الأثر على حجيته و المفروض ان دليل الحجية الغى هذا الاحتمال فلا يجوز الاعتناء به قبل فراغ الذّمّة

323

عما اشتغلت به بحكمه و هذا الّذي اخترناه هو المختار عند العلامة الأنصاري و تلميذه العلامة الشيرازي (قدهما) و لذا ترى ان في بعض موارد دوران الأمر بين القصر و التمام يحتاط الشيخ (قده) بتقديم التمام على القصر لأقوائية التمام عنده و يحتاط السيد (قده) بتقديم القصر على التمام لأقوائية القصر عنده‏

(بقي هناك) أمران‏

(الأول) انه قد ذكرنا سابقا انه إذا دار الأمر بين ترك الجزء أو الشرط فلا بد من ملاحظة الأهمية بينهما

و لا يكون تأخر مرتبة الشرط عن مرتبة الجزء في عالم اللحاظ و التصور موجبا لتمحض الشرط في السقوط و ذلك لما عرفت من ان تعلق الأمر بهما في عرض واحد من دون تقدم و تأخر فكما يصلح ان يكون وجوب الجزء معجزا مولويا عن الشرط فكذلك يصلح وجوب الشرط لذلك إلا ان ذلك مختص بغير موارد دوران الأمر بين سقوط قصد القربة أو غيره جزء كان أو شرطا و ذلك لأن قصد القربة و ان كان وجوبه شرعيا عندنا إلا انه بأمر آخر و في مرتبة متأخرة عن الأمر ببقية الأجزاء و الشرائط ضرورة ان الواجب بالأمر الثاني هو إتيان المأمور به الأولي بداعي أمره و من المعلوم ان هذا الوجوب مشروط بالقدرة و لا محالة يسقط بالتعذر فإذا دار الأمر بين سقوطه و سقوط شرط آخر كما في موارد تردد القبلة أو الساتر الطاهر بين أمور الموجب لسقوط قصد القربة في شخص المأمور به بتكرار العبادة أو لسقوط شرطية القبلة أو طهارة اللباس حتى يؤتى بصلاة واحدة بداعي أمرها فلا محالة يكون الساقط هو الأول دون الثاني لأن سقوط الشرطية من القبلة أو طهارة اللباس بعد فرض التمكن منهما في حد ذاتهما يتوقف على لزوم قصد القربة حتى في هذا الحال ليكون وجوب ذلك موجبا لتعذر الشرط و من المعلوم ان لزومه يتوقف على التمكن منه المتوقف على سقوط الشرطية إذ مع عدم السقوط يكون المكلف عاجزا عن قصد القربة لا محالة فيلزم توقف كل من السقوط و لزوم قصد القربة على نفسه و هذا دور واضح (و بعبارة أخرى) بقاء شرطية الشرط حيث انها في مرتبة سابقة على قصد القربة يصلح أن يكون معجزا مولويا عن قصد القربة فيسقط و هذا بخلاف لزوم قصد القربة فإنه معتبر في المأمور به بما انه كذلك فيستحيل ان يكون متعرضا لحاله و موجبا لتضييق دائرته و اختصاص الأمر ببعض متعلقه دون بعض فيتمحض قصد القربة في السقوط و يجب إحراز الشرط أو الجزء بتكرار العمل‏

(الثاني) انه إذا عرض في أثناء العمل ما لا يمكن معه إتمام العمل مع الامتثال القطعي لعدم العلم معه بما يجب على المكلف في هذا الحال فهل الواجب عليه قطع العمل و استئنافه‏

تحصيلا

324

للامتثال القطعي و تقديما له على الامتثال الاحتمالي مع التمكن من القطعي أو لا يجب عليه ذلك بل يجوز له إتمام العمل مع اختيار ما يحتمل معه الصحة ثم يجب عليه تعلم حكمه فإن طابق ما أتى به للواقع فهو و إلّا وجب عليه الإعادة وجوه بل أقوال (ثالثها) التفصيل بين ما يكون من المسائل التي يبتلي بها العامة فيجب عليه القطع لتنجز الحكم الواقعي عليه قبل الشروع في العمل لوجوب التعلم حينئذ و بين ما لا يكون كذلك فيقتصر على الامتثال الاحتمالي إذا انكشف مطابقته للواقع بعد العمل و هو الّذي اختاره شيخنا العلامة الأنصاري (قده) و ليعلم قبل تحقيق المسألة ان محل البحث في المقام أجنبي عما سيجي‏ء تحقيقه إن شاء اللَّه تعالى في الموارد التي تمسك فيها باستصحاب الصحة إذ محل الكلام هناك فيما إذا عرض للمكلف في أثناء العمل ما يحتمل معه بطلان العمل و سقوط الأجزاء اللاحقة عن قابلية الالتحاق بالسابقة و هذا بخلاف المقام فإن المفروض فيه عدم البطلان و عدم سقوطها عن قابلية الالتحاق لكن المكلف لعدم علمه بما هو وظيفته لا يتمكن من الامتثال القطعي و على تقدير علمه به لكان متمكنا منه من دون احتمال البطلان رأسا

(إذا عرفت ذلك فنقول) ان القائل بوجوب الإتمام مكتفيا بالامتثال الاحتمالي إنما نظر إلى أن حرمة إبطال العمل بعد الشروع فيه يكون موجبا لتعذر الامتثال القطعي على المكلف تشريعا و تمكن المكلف منه المتفرع على الابطال لا يترتب عليه أثر مع فرض حرمة الابطال و نظر شيخنا العلامة الأنصاري (قده) حيث فصل في المقام إلى ان الأحكام المجعولة في محل الابتلاء حيث انها يجب على المكلف تعلمها فهي كانت منجزة قبل الشروع و المفروض تمكن المكلف قبل الشروع من امتثالها تفصيلا للتمكن من تعلمها و العذر الطارئ لكونه منتهيا إلى الاختيار لا يكون مسقطا لوجوب الامتثال التفصيليّ فإن الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار كما في موارد التوسط في الأرض المغصوبة فلا بد من إبطال العمل و الإتيان بالعمل المقترن بالامتثال التفصيليّ و هذا بخلاف ما إذا كان الشبهة مما لا يبتلي بها عامة الناس فإن مثل تلك الشبهة لا يجب على المكلف تعلم حكمها قبل الابتلاء بها و المفروض عدم التمكن منه بعد الشروع في العمل و الابتلاء المحقق لتعذر الامتثال التفصيليّ الموجب لسقوطه و كفاية الامتثال الاحتمالي (و أنت خبير) بأن ما أفاده (قده) مضافا إلى ابتنائه على جريان حكم الامتناع بالاختيار في الأحكام الوضعيّة و عدم اختصاصه بخصوص الأحكام التكليفية حتى يقال ببقاء شرطية قصد الامتثال التفصيليّ و لو كان متعذرا بالاختيار مع ان الظاهر اختصاص تلك القاعدة بخصوص الأحكام التكليفية

325

(يرد عليه أولا) انه (قده) يرى سقوط التكليف حتى بالتعذر الاختياري و لذا التزم (قده) بوجوب الخروج من الأرض المغصوبة و عدم اتصافه لا بالحرمة الفعلية و لا بالحرمة السابقة فلا بد من التزامه في المقام أيضا بسقوط وجوب الامتثال التفصيليّ و لو كان تعذره منتهيا إلى اختياره (و ثانيا) ان لازم عدم السقوط بالتعذر المنتهى إلى الاختيار هو صحة عقابه على تركه و أين ذلك من وجوب الابطال و الإتيان بالعمل المقترن به بل غاية الأمر هو الالتزام بوجوب الإتمام مع الاحتمال و صحة العقاب على مخالفة المتعذر بالاختيار كما كان الأمر كذلك في التوسط في الأرض المغصوبة (و التحقيق في المقام) أن يقال انه لا إشكال في وجوب الإتمام مطلقا فيما إذا كان الوقت مضيقا و لم يتمكن المكلف من الامتثال التفصيليّ و لو بإبطال العمل الّذي بيده و اما مع سعة الوقت فلا بد من إبطاله و تحصيل الامتثال التفصيليّ فإن المانع عنه لا يكون في المقام غير حرمة الابطال و هي لا تكون بمانعة لاختصاصها بما إذا تمكن المكلف من إتمام العمل على ما هو عليه من الحال و المفروض في المقام عدمه لعدم تمكنه من إتمامه مع الامتثال التفصيليّ و إذا لم يكن الابطال محرما و المفروض تمكن المكلف من الإتيان بالعمل المقترن به و لو بالإبطال فلا محالة يكون واجبا لما ذكرناه من ان حسن الإطاعة الاحتمالية في طول الإطاعة القطعية لا في عرضها (فان قلت) إذا دار الأمر بين الإتمام مع الاحتمال و الابطال و تحصيل الامتثال التفصيليّ فكما يمكن ان يكون وجوب الامتثال التفصيليّ موجبا لتعذر إتمام العمل على ما هو عليه فلا يكون الابطال بمحرم فكذلك يمكن أن يكون حرمة الابطال موجبة لتعذر الامتثال التفصيليّ فيسقط و يكتفي بالامتثال الاحتمالي (قلت) كلا إذ حرمة الابطال تتوقف على التمكن من إتمام العمل على ما هو عليه و هو متوقف على سقوط الامتثال التفصيليّ اما بنفسه أو لحرمة الابطال و الأول خلاف المفروض و الثاني مستلزم للدور و لا يمكن أن يقال ان وجوب الامتثال التفصيليّ يتوقف على عدم حرمة الابطال إذ معها يكون متعذرا فيسقط فلو توقف عدم الحرمة على وجوب قصد الامتثال لزم الدور و ذلك فإن كل دليلين متعارضين أو حكمين متزاحمين إذا فرض كون أحدهما رافعا لموضوع الأمر بنفس وجوده دون العكس فلا محالة يتقدم على الآخر ففي المقام حيثان المفروض تقيد موضوع حرمة الابطال بما إذا تمكن المكلف من إتمام العمل على ما هو عليه في حد ذاته فمرتبتها متأخرة عن مرتبة الأجزاء و الشرائط و لا يمكن ان يرتفع بها جزئية جزء أو شرطية شرط فإذا فرضنا عدم سقوط الامتثال التفصيليّ من قبل نفسه فيستحيل ان يكون حرمة

326

الابطال المتأخرة عنه رتبة موجبة لسقوطه و هذا لا ينافي الالتزام بسقوطه على تقدير العلم بثبوت الحرمة الفعلية الملازمة لعدم وجوب قصد الامتثال التفصيليّ على ما هو مقتضى المنافاة بينهما كما في كل دليلين متزاحمين أو متعارضين (و ببيان أوضح) التمكن من إتيان العمل مقترنا بالامتثال التفصيليّ موجود بالنسبة إلى طبيعة الصلاة و حرمة إبطال شخص الصلاة لا توجب عدم التمكن بالقياس إلى الطبيعة حتى تكون موجبة للسقوط بل غايتها عدم جواز إبطال هذا الشخص من العبادة و من المعلوم عدم تعلق الأمر بذلك الشخص بخصوصه بل الامتثال انما هو باعتبار انطباق الطبيعة المأمور بها على المأتي به خارجا و حيث ان انطباقها عليه الموجب لحرمة الابطال يتوقف على سقوط الامتثال التفصيليّ بالقياس إلى نفس الطبيعة فلا يعقل توقف السقوط على الحرمة المتوقفة على الانطباق و إذا لم يسقط الامتثال التفصيليّ المفروض تمكن المكلف منه فلا محالة لا يكون المأمور به منطبقا على المأتي به خارجا فلا بد من الابطال و استئناف العمل من رأس تحفظا على تحصيل شرط الطاعة مع الإمكان (و مما ذكرناه) ظهر بطلان ما أفاده بعضهم في المقام من الالتزام بالتخيير بين إبطال العمل و استئنافه تحفظا على تحصيل الشرط و بين إتمامه برجاء المطلوبية و الاكتفاء بالامتثال الاحتمالي نظرا إلى مزاحمة حرمة الابطال مع وجوب الطاعة التفصيلية مع الغفلة عن ان التخيير بين الحكمين المتزاحمين إنما يكون مع كونهما في مرتبة واحدة لا في مثل المقام على ما عرفت تفصيله (كما انه ظهر فساد) ما قيل من وجوب الجمع بين الامتثال الاحتمالي بإتمام العمل و التفصيليّ باستئنافه بعد الفراغ نظرا إلى العلم الإجمالي بوجوب أحدهما على المكلف مع الغفلة عن ان إتمام العمل مع الاحتمال يوجب تعذر الامتثال التفصيليّ إلى الأبد ضرورة انه مع احتمال سقوط التكليف بالامتثال الاحتمالي كيف يمكن الامتثال التفصيليّ بعد ذلك فالامر يدور بين الاكتفاء بالامتثال الاحتمالي بإتمام العمل و إبطال العمل و استئنافه تحصيلا للامتثال التفصيليّ و قد عرفت تعين الثاني بما لا مزيد عليه (هذا كله) فيما يعتبر في الأخذ بالاحتياط و اما ما يعتبر في الرجوع إلى البراءة فتوضيح الحال فيه إنما يكون بالبحث في جهات (الأولى) لا ريب في عدم اعتبار الفحص في الشبهات الموضوعية في الجملة و اعتباره في الشبهات الحكمية (اما الأول) فقد استدل عليه بالإجماع و بإطلاق أدلتها و لا يخفى ان موضوع التكليف ربما يكون بحيث يكون العلم به في العادة غير متوقف على نظر كما في غالب الموضوعات و حينئذ فلا ريب في جواز الرجوع إلى البراءة من دون اعتبار شي‏ء آخر و أخرى لا يكون‏

327

كذلك بل انكشافه للمكلف لا يكون بحسب العادة الا باعمال نظر و لولاه لوقع المكلف في مخالفة الواقع كثيرا و هنا يختلف باختلاف الموارد فربما يتوقف العلم به على مجرد النّظر و عدم إيجاد المانع عن فعلية الانكشاف مع حصول بقية مقدماته و هذا كما في موارد احتمال طلوع الفجر لمن كان على السطح بحيث لا يكون هناك مئونة أخرى في فعلية حصول الانكشاف إلا مجرد النّظر إلى الأفق و أخرى يتوقف العلم به على مراجعة الدفتر و الحساب و هذا كما في موارد الشك في حصول الاستطاعة أو البلوغ إلى النصاب فإن العلم بهما غالبا لا يكون إلا بالمراجعة و حساب ما عنده ففي مثل هذه الموارد لا يمكن الرجوع إلى البراءة إلا بعد النّظر لقصور الأدلة عن الشمول لها إذ نفس أدلة التكليف في تلك الموارد بعد الفراغ عن توقف فعلية انكشاف موضوعاتها على النّظر في العادة تدل بالدلالة الالتزامية على وجوب النّظر و تنجز التكليف على تقدير وجوده مع المسامحة بعدم النّظر و ان شئت قلت ان أدلة البراءة قاصرة عن الشمول لمثل هذا الجاهل الّذي كان مقدمات العلم كلها متحققة عنده بحيث لا يكون هناك مئونة أخرى غير النّظر لانصرافها إلى غيره ممن لا يكون مقدمات العلم حاضرة عنده و كان محتاجا إلى تحصيله (و مما ذكرناه) يظهر ان الموضوعات التي يتوقف فعلية الانكشاف فيها على السؤال بحسب العادة كما في مواضع الشك في بلوغ المقصد إلى حد المسافة يجب السؤال فيها أيضا و لا يجوز الرجوع إلى الاستصحاب مع عدمه (و بالجملة) كل ما توقف الانكشاف عليه بحسب العادة بحيث لزم من تركه الوقوع في المخالفة كثيرا يجب مراعاته ثم الرجوع إلى الأصل نعم الفحص عن تلك الموضوعات بأزيد من ذلك مما لا يكون توقف فعلية الانكشاف عليه عاديا لا يكون بواجب و يجوز الرجوع مع تركه إلى البراءة و اما (الثاني) و هو عدم جواز الرجوع إلى البراءة في الشبهات الحكمية إلا بعد الفحص و اليأس عن الظفر بالدليل فقد استدل عليه بالأدلة الأربعة و العمدة في ذلك هو الاخبار الدالة على وجوب التعلم و استحقاق العقاب مع تركه و حكم العقل بوجوب الفحص عن أحكام المولى بعد فرض المولوية و العبودية و ذلك لما بيناه في بحث العموم و الخصوص من ان العقل يستقل بأن الوظيفة الربوبية إنما تقتضي تشريع الأحكام و بيانها بحيث لو تفحص العبد عنها لوصل إليها و لا يجوز له المطالبة بأزيد من ذلك كما ان الوظيفة العبودية تقتضي الفحص عن أحكام مولاه التي يمكن الوصول إليها فكما ان عقاب المولى بعد فحص العبد و عدم الظفر بحكم المولى على مخالفة تكاليفه الواقعية

328

ظلم منه على عبده فكذلك عدم فحص العبد عن أحكام مولاه بعد التفاته إلى العبودية و المولوية ظلم منه على مولاه فلزوم الفحص في المقام مع لزوم النّظر في المعجزة داخلان تحت كبرى واحدة و ناشئان عن ملاك واحد و ربما يقرب حكم العقل بوجوب الفحص في الشبهات الحكمية بالعلم الإجمالي بوجود واجبات و محرمات كثيرة بحيث لو تفحص عنها لظفر بها و لازم ذلك وجوب الاحتياط أو الفحص عن تلك الأحكام حتى يظفر بها (و ربما يشكل) على هذا التقريب بأنه أعم من المدعى من وجه و أخص من وجه (اما) الأول فلان المدعى إنما هو وجوب الفحص عما في أيدينا من الكتب المعتبرة المعتمد عليها في مقام الفتوى و من الواضح ان العلم الإجمالي إنما تعلق بوجود أحكام إلزامية في الشريعة لا بخصوص ما في هذه الكتب فأثر العلم الإجمالي لا يرتفع بالفحص كما هو المدعى (و اما الثاني) فلان لازم هذا التقريب انه متى تفحص المكلف و ظفر بالاحكام بمقدار المعلوم بالإجمال أو أزيد ان لا يجب الفحص بعد ذلك و يرجع إلى البراءة من دون فحص مع ان المدعى و المسلم بين العلماء هو وجوب الفحص حتى بعد الظفر بمقدار المعلوم بالإجمال و لكن التحقيق عدم الفرق بين التقريبين في ذلك و ان النتيجة على كل حال واحدة ضرورة ان توهم بقاء أثر العلم الإجمالي بعد الفحص عما في الكتب المعتبرة انما يصح إذا لم ينحل المعلوم بالإجمال بالعلم بوجود أحكام كثيرة في هذه الكتب بمقدار المعلوم بالإجمال أو أزيد و اما مع انحلاله بذلك فلا محالة يرتفع أثر العلم الإجمالي بعد الفحص عما في الكتب و يرجع إلى البراءة مع عدم وجدان الدليل فيها (و اما توهم) أخصية المدعى و ان مقتضى التمسك بالعلم الإجمالي هو عدم وجوب الفحص بعد الظفر بمقدار المعلوم بالإجمال و ان احتمل وجود الدليل على الحكم في الكتب المعتبرة (فيدفعه) ان الظفر بمقدار المعلوم بالإجمال انما يوجب انحلال العلم الإجمالي فيما إذا لم يكن المعلوم بالإجمال ذا علامة بحيث لا يكون المعلوم بالإجمال الا مقدارا معينا من العدد و اما إذا كان ذا علامة فكل ما كان بهذه العلامة قليلا كان أو كثيرا فلا محالة يكون منجزا بهذا العلم حتى بعد الظفر بمقدار المعلوم بالإجمال مثلا إذا علم التاجر بدين له على صاحبه مردد بين الأقل و الأكثر و لكن يعلم بان تمام دينه موجود في دفتره فهل يحتمل انه إذا راجع دفتره و ظفر بمقدار المعلوم بالإجمال فله ان لا يراجع بقية الدفتر و يقتصر على هذا المقدار المتيقن مع علمه بان كل ما هو دين له موجود في الدفتر و مكتوب فيه أو انه بعلمه الإجمالي بوجود تمام دينه في الدفتر يتنجز عليه كل ما كان عليه و لا بد من الفحص حتى‏

329

بعد الظفر بمقدار المعلوم بالإجمال و السر فيه هو ما ذكرناه من ان المعلوم بالإجمال حيث انه معلم بعلامة وجوده في الدفتر فكل ما فيه يكون منجزا بنفس هذا العلم قل أو كثر و الانحلال إنما يكون فيما إذا كان العلم متمحضا في تعلقه بعدد مردد بين الأقل و الأكثر و حيث ان المعلوم بالإجمال في محل الكلام هي الأحكام الموجودة في هذه الكتب بحيث لو تفحص عنها لظفر بها و العلم الإجمالي بمطلق الأحكام في الشريعة قد عرفت انحلالها بهذا العلم فلا محالة يكون كل ما في هذه الكتب من الأحكام منجزا بهذا العلم فلا يكون الظفر بمقدار المعلوم بالإجمال موجبا لانحلاله (فتلخص) انه لا فرق بين التقريبين في ان الواجب هو الفحص عن الأحكام الموجودة في هذه الكتب ليس إلّا و لو بعد الفحص و الظفر بمقدار المعلوم بالإجمال أو الأكثر (الثانية) في انه بعد الفراغ عن استحقاق عقاب تارك الفحص في الجملة وقع الكلام في ان العقاب على ترك الفحص مطلقا أو فيما لزم منه و من الأخذ بالبراءة مخالفة التكليف الواقعي و على الثاني فهل الموجب للعقاب هو مخالفة نفس الواقع مع حكم العقل بلزوم الفحص أو مخالفة وجوب الفحص المستلزم لمخالفة الواقع وجوه نسب (الأول) منها إلى صاحب المدارك و المحقق الأردبيلي (قده) (و الثاني) إلى المشهور و المختار عندنا هو الثالث و قبل الخوض في المقام لا بد من تمهيد مقدمة يتضح بها الحال إن شاء اللَّه تعالى (و هي) ان الواجب ينقسم إلى نفسي و غيره و المراد من الأول هو ما كان وجوبه لا لأجل خطاب آخر سواء كان هو بنفسه غرضا أوليا كما في معرفة اللَّه تعالى أو كان سببا توليديا للغرض كما في الإلقاء الواجب لأجل الإحراق أو كان علة معدة له فيما إذا لم يمكن تعلق التكليف بنفس الغرض كالمصالح المترتبة على جل الواجبات الشرعية على ما أوضحنا الحال فيه في غير المقام و الجامع بين الكل هو ان يكون الغرض من الإيجاب التوصل إلى إيجاد متعلقه خارجا من دون ان يكون هناك نظرا إلى خطاب آخر و يقابل هذا المعنى من النفسيّ كل خطاب يكون لأجل خطاب آخر سواء كان ذلك الخطاب مقتضيا له بنفسه من دون احتياج إلى إنشاء آخر كما في الخطابات الغيرية المتعلقة بالمقدمات المترشحة من الواجبات النفسيّة أم لم يكن كذلك بل كان محتاجا إلى جعل آخر كما في موارد الاحتياج إلى جعل المتمم على اختلافها نتيجة (فان) منها ما يكون خطاب المتمم لأجل عدم إمكان استيفاء الخطاب لتمام اجزاء الواجب أو شروطه كما في مورد قصد القربة و الغسل قبل الفجر في شهر رمضان فإن قصد القربة الّذي هو جزء لما يترتب عليه غرض المولى في العبادات‏

330

أو الطهارة التي هي شرط لصحة الصوم حيث لا يمكن الأمر بهما في ضمن الأمر بالعبادة أو الصوم فلا بد من الأمر بهما بالخصوص تتميما للجعل الأول فالخطاب بهما و ان لم يكن خطابا غيريا مترشحا من الخطاب الآخر إلا انه لأجل رعاية الخطاب الآخر و هو الأمر بالعبادة أو الصوم فلا محالة لا يكون خطابا نفسيا ناشئا عن تعلق غرض بمتعلقه (و منها) ما يكون لأجل انه لولاه لزم فوات الواجب لأجل توقفه على مقدمات خارجية دخيلة في القدرة عليه نظير السير في الحج فان زمان الواجب لتأخره و عدم إمكان إيجابه فعلا حتى يترشح منه وجوب مقدماته لا بد من إيجاب مقدماته ليتمكن المكلف من إيجاده في ظرفه فلو لم يجب السير قبل وجوب الحج لما وصل المولى إلى غرضه لجواز ترك المقدمة فعلا و عدم تمكن المكلف من امتثال الواجب في ظرفه فيجب السير لا محالة رعاية للتكليف بالحج فيكون واجبا لأجل واجب آخر (و منها) ما يكون لأجل انه لولاه لما وصل المكلف إلى خطاب المولى حتى ينبعث عنه من دون مدخلية له في القدرة على متعلقه و هذا كوجوب الفحص فإنه لأجل رعاية التكاليف الواقعية و إيصالها إلى المكلف من دون مدخلية له في القدرة على متعلقاتها و يلحق بذلك وجوب الاحتياط بل مطلق الطرق و الأصول المحرزة و يسمى هذا القسم من المتمم للجعل بالوجوب الطريقي و قد ذكرنا تفصيل الكلام في أقسام المتمم للجعل في مبحث مقدمة الواجب فراجع و الغرض من التعرض في المقام انما هو بيان الفارق بينها على اختلافها و بين الواجب النفسيّ كما عرفت (إذا عرفت) ذلك فنقول إذا كان توهم ترتب العقاب على مخالفة وجوب الفحص و التعلم ناشئا عن توهم وجوبهما نفسا كما نسب إلى المحققين المذكورين (قدهما) فقد ظهر فساده و ان وجوبهما ليس إلا طريقيا لأجل رعاية الواقع و الوصول إليه و ان كان لتوهم ان وجوبهما و ان كان طريقيا إلّا ان مخالفة الخطاب الطريقي توجب العقاب كمخالفة الخطاب النفسيّ كما نسب إلى المشهور أو الأشهر ففساده أوضح لأن الإيجاب الطريقي ان كان في موارد الأمارات و الأصول المحرزة فقد عرفت في بعض مباحث القطع انه ليس المجعول فيها إلّا جعل الوسطية في الإثبات و نفس صفة المحرزية فحالها حال العلم في إنه لا يترتب على مخالفتها عقاب الا عند مصادفتها للواقع على المختار عندنا من عدم استحقاق المتجري للعقاب و ان كان في موارد إيجاب الاحتياط أو وجوب الفحص التي لا يخرج الواقع عن مجهوليته في تلك الموارد بإيجابهما بل هو على ما هو عليه من المجهولية و غير متصف بصفة

331

المحرزية فمخالفة مثل هذا التكليف الطريقي ما لم يكن مستلزما لمخالفة الواقع لا معنى لكونه موجبا لاستحقاق العقاب أيضا و ذلك لما عرفت من ان الغرض من هذا الجعل انما هو تتميم الجعل الأول و رعايته و ليس للمولى الا غرض واحد قائم بالواقع فكيف يعقل ان يكون مخالفة ما جعل بعنوان المتممية موجبة لاستحقاق العقاب من دون استلزامها لمخالفة الخطاب الأصلي نعم لو قلنا في موارد الأمارات و الأصول المحرزية بالسببية و الموضوعية لكان للتوهم المذكور مجال واسع لكنك عرفت في محله عدم الدليل عليها مع بعد الالتزام بها في نفسه و على تقدير الالتزام بها في موارد الطرق المحرزة فالالتزام بها في موارد إيجاب الاحتياط أو التعلم أبعد (فإن قلت) أ ليس مفاد قوله (عليه السلام) في الرواية هلا تعلمت ان ترك التعلم هو الّذي يوجب استحقاق العقاب بنفسه (قلت) كلا فان مورده هو ما إذا لزم ترك الواقع من ترك التعلم لقوله (عليه السلام) أوَّلًا هلا علمت فيكون الرواية دليلا على ان العقاب مختص بصورة أداء ترك التعلم إلى ترك الواقع ليس إلا بل يستشم منها ان الموجب للعقاب هو ترك التعلم لكن عند مصادفته لترك الواقع فيكون دليلا على المختار بكلا جزئيه و مع الإغماض عن ذلك فقد ذكرنا في بعض المباحث السابقة ان العقاب لا يمكن ان يكون على ترك الواقع لأن الواقع على مجهوليته بعد إيجاب الاحتياط فيقبح العقاب على مخالفته لكونه بلا بيان و اما إيجاب الاحتياط فهو معلوم للمكلف و واصل إليه فيصح العقاب على مخالفته فيما إذا لزم منه تفويت غرض المولى القائم بالواقع الموجب لجعل المتمم و بعبارة واضحة إيجاب الاحتياط أو التعلم في مورد مصادفتهما للواقع لكونهما مجعولين تتميما له يتحدان معه فالخطاب بهما عين الخطاب بصل و زك فالعقاب على مخالفتهما عين العقاب على مخالفة الواقع أيضا فان شئت قلت العقاب على الواقع بمصححية وجوب التعلم أو الاحتياط و ان شئت قلت العقاب على مخالفة الأمر الطريقي عند استلزامها لمخالفة الواقع (ثم لا يخفى) عليك الفرق بين وجوب الفحص و بين وجوب المقدمات المفوتة بعد اشتراكهما في كونهما مجعولين تتميما للجعل الأول بأن زمان استحقاق العقاب في المقدمات المفوتة انما هو زمان ترك المقدمة إذ به يكون المكلف عاجزا عن الإتيان بالمأمور به فيسقط التكليف عنه لا محالة فأول زمان يجعل المكلف نفسه عاجزا عن الإتيان بالمأمور به هو أول زمان العصيان و هذا بخلاف ترك الفحص فانه لا يوجب عجز المكلف عن الإتيان بمتعلق التكليف الواقعي في ظرفه بل المكلف على قدرته و ربما يتفق له الإتيان به جاهلا بحكمه من باب الاتفاق فلا محالة يكون‏

332

ظرف العصيان فيه هو زمان ترك الواجب في ظرفه و بدونه لا موجب لتحقق العصيان الموجب لاستحقاق العقاب بناء على المختار من عدم استلزام ترك الفحص بنفسه للعقاب و هذا هو الوجه فيما ذهب إليه المشهور من الفرق بين من صلى في المكان المغصوب جاهلا بحكم الغصب و بين من توسط الأرض المغصوبة فصلى في حال الخروج فحكموا ببطلان صلاة الأول معللين بأن الجاهل بالحكم عن تقصير كالعالم به و بصحة صلاة الثاني مع انه كان مقصرا بدخوله فيها أيضا فإنه مبني على ما ذكرناه من ان زمان العصيان في الجاهل هو زمان فوت الواقع إذ عليه يكون زمان صلاته هو زمان فعلية النهي عن الغصب فيبطل الصلاة و هذا بخلاف المتوسط فإن زمان عصيانه إنما هو زمان دخوله و بعده صار عاجزا عن ترك الغصب فيسقط النهي عنه فكانت الصلاة لوقوعها في زمان سقوط النهي و عدم فعليته صحيحة (الثالثة) في ان المناط في عمل الجاهل المقصر من حيث الصحة و الفساد هل هو موافقته للواقع و مخالفته له مع قطع النّظر عن الموافقة و المخالفة للطريق الّذي كان من حقه الرجوع إليه على تقدير الفحص أو المناط فيه هو موافقة ذلك الطريق و مخالفته مع قطع النّظر عن الواقع موافقة و مخالفة أو الصحة تدور مدار موافقتهما معا وجوه أقواها و أنسبها بأصول المخطئة هو الأول و ذلك لما عرفت في بحث حجية الطرق من انها لا توجب انقلابا في الواقعيات أصلا و ان معنى الحجية ليس إلا جعل مرتبة من العلم الطريقي الموجب لتنجز الواقع عند الإصابة و العذر عنه عند الخطأ مع استناد المكلف إليه فلو كان لموافقة الطريق و مخالفته دخل في صحة العمل و فساده للزم من ذلك انقلاب الواقع عما هو عليه إلى مؤدى ذلك الطريق و هو مستلزم للتصويب المجمع على بطلانه و يترتب على ذلك ان الميزان في صحة عمل الجاهل عبادة كانت مع تمشي قصد القربة أم غير عبادي إنما هو موافقته للطريق الّذي يجب عليه الرجوع إليه فعلا من اجتهاد أو تقليد سواء وافق الطريق الّذي كان يجب عليه الرجوع إليه حال عمله أم خالفه لا لأن موافقة الطريق الفعلي لها موضوعية في الصحة بل لأن المدار في الصحة على موافقة الواقع و الطريق الفعلي محرز للواقع و طريق إليه فمن حيث ان موافقته موافقة الواقع يكون المدار على موافقته بل قد عرفت في بحث الإجزاء ان مقتضى القاعدة الأولية هو لزوم إعادة كل عمل خالف الطريق اللاحق اجتهادا كان أو تقليدا و لزوم البناء عليه في المعاملات و العبادات إلا ان الإجماع قام على عدم وجوب الإعادة و القضاء في خصوص الواجبات التكليفية فثبت فيها الإجزاء على خلاف القاعدة و يبقى غيرها تحت‏

333

القاعدة الأولية من لزوم مراعاة الواقع و عدم إفادة الموافقة للطريق السابق إلا المعذورية مع الاستناد إليه لا مطلقا حتى إذا كانت اتفاقية كما في موارد موافقة عمل الجاهل المقصر له مع فرض مخالفة الواقع و الحاصل ان مقتضى القاعدة الأولية هو رعاية الطريق الفعلي و إلغاء موافقة الطريق السابق مطلقا إلا ان الإجماع قام على عدم وجوب الإعادة و القضاء مع الاستناد إلى طريق شرعي سابقا فيما كان مخالفا للطريق الفعلي فيخرج معقده عن عموم القاعدة و يبقى بقية الموارد منها عمل الجاهل المقصر تحتها و قد ذكرنا في بحث الإجزاء ما ينفعك في المقام فراجع (ثم ان العقاب في الجاهل المقصر) هل هو كصحة عمله يدور مدار الواقع و لو لم يكن هناك طريق يوصل إليه لو تفحص عنه أم يدور مدار مخالفة ذلك الطريق أو على مخالفة أحدهما و لو لم يخالف الآخر أو على مخالفتهما معا وجوه و الظاهر هو الأول فلو خالف عمله للواقع لاستحق العقاب و لو مع موافقته للطريق الّذي لو تفحص عنه لظفر به كما انه لو وافق الواقع لما استحق العقاب و لو مع مخالفته للطريق كذلك إلا على القول باستحقاق المتجري له لنا على الأول انه خالف الواقع من دون مؤمن و مجرد مطابقة العمل لطريق قام على خلاف الواقع لا يكون مؤمنا من دون استناد إليه كما هو ظاهر (فان قلت) نعم إلا ان الواقع الّذي لا يصل إليه العبد و لو بالفحص كما هو المفروض كيف يكون منجزا عليه مع ان وجوب الفحص لم يكن إلا طريقيا لإيصال الواقع و مع فرض عدم إمكان الوصول إليه لا يكون مخالفة مثل هذا الحكم الطريقي موجبة لاستحقاق العقاب كما هو ظاهر و على ذلك لا بد و ان يكون الملاك في استحقاق العقاب هو مخالفة الواقع مع وجود طريق موصل إليه على تقدير الفحص فيكون المدار على مخالفتهما (قلت) لو كان المنجز للأحكام الواقعية منحصرا بأدلة وجوب الفحص لكان للتوهم المذكور مجال واسع و لكن الأمر ليس كذلك إذ العلم الإجمالي بوجود تكاليف وجوبية أو تحريمية أوجب تنجز الأحكام الواقعية و لزوم الاحتياط فيها غاية الأمر ان الفحص و عدم الظفر بدليل الحكم فضلا عن الظفر بدليل دل على عدمه كان موجبا لمعذورية المكلف في مخالفته و سقوط أثر العلم الإجمالي في ذلك المورد فمقتضى العلم الإجمالي لم يكن هو الفحص ابتداء حتى يتوهم اختصاصه بما إذا أمكن للمكلف الوصول إلى الحكم الواقعي لوجود دليل عليه في الكتب المعتبرة بل مقتضاه هو الاحتياط و تنجز تمام الأحكام الواقعية و لكن إذا تفحص المكلف عنها و لم يظفر بدليل أو ظفر بما يدل على العدم فاستند في الارتكاب إلى حكم عقلي أو دليل شرعي يكون‏

334

معذورا في مخالفة الواقع و أين ذلك من فرض عدم الاستناد كما هو محل الكلام في المقام (فإن قلت) ان ما ذكرت من استحقاق العقاب و لو في فرض موافقته الطريق اتفاقا إنما يتم على القول بالطريقية المحضة و اما على القول بالمصلحة السلوكية في موارد الطرق كما التزمتم بها في مباحث حجية الطريق فالمصلحة الفائتة بترك الواقع إذا كانت بموافقة الطريق فلا موجب لاستحقاق العقاب كما هو ظاهر (قلت) المصلحة السلوكية على ما عرفت متقومة بسلوك الطريق و تطبيق العمل عليه على انه هو الواقع و هذا لا يتحقق إلا مع العلم بالطريق و الاستناد إليه و إلا فوجود الطريق في الواقع لا يوجب حدوث مصلحة في الفعل حتى يتدارك بها المصلحة الفائتة إلا على القول بالتصويب المجمع على بطلانه و لنا على الثاني انه مع موافقة الواقع و عدم انقلابه عما هو عليه و عدم حدوث ما يغير حكمه بقيام الأمارة على خلافه لا موجب لاستحقاق العقاب إلا على القول باستحقاق المتجري له و هو ممنوع كما عرفت في محله (و توهم) ان مخالفة الطريق مستلزمة لفوات المصلحة السلوكية الثابتة في موارد الطرق فتكون موجبة لاستحقاق العقاب و لو مع موافقة الواقع مدفوع أو لا بما عرفت من ان المصلحة السلوكية إنما هي متقومة بالسلوك المتقوم بالعلم و تطبيق العمل على طبق الطريق بما انه هو الواقع و إلا فليس في نفس مؤدي الأمارة مصلحة فائتة من الجاهل حتى يصح العقاب بفوتها (و ثانيا) ان محل الكلام هو صورة موافقة الواقع و مخالفة الطريق و المصلحة السلوكية التي نلتزم بها انما تتصور فيما إذا وافق الطريق و خالف الواقع و اما في فرض المقام فأي مصلحة في الواقع فائتة حتى يتدارك بموافقة الطريق فتلخص مما ذكرناه ان كون المدار في صحة العقاب على مخالفة الطريق الّذي لو تفحص عنه لظفر به لا يصح على مذهب المخطئة أصلا و اما كون المدار فيها على مخالفتهما معا فقد ظهر وجهه مما ذكرناه من توهم عدم تنجز الواقع مع عدم قيام طريق موصل إليه و قد عرفت جوابه و انه إنما يصح بناء على انحصار المنجز في حكم العقل أو الشرع بوجوب الفحص و اما بناء على كون المنجز هو العلم الإجمالي فلا و أما كون المدار فيها على مخالفة الواقع أو الطريق فهو مبني على ان مخالفة الواقع بنفسه توجب استحقاق العقاب ما لم يتدارك بسلوك الطريق القائم على مخالفته كما ان مخالفة الطريق بنفسه لاشتماله على المصلحة السلوكية توجب استحقاق العقوبة لفوات تلك المصلحة على المكلف و قد عرفت جواب ذلك آنفا فتحصل ان المناط في العقاب بعينه هو المناط في الصحة في دورانها مدار الواقع و عدمه (الرابعة) انه بعد ما ثبت دوران العقاب و عدمه كالصحة و الفساد

335

مدار مخالفة الواقع و عدمها فربما يقع الإشكال في بعض المسائل الفقهية المسلمة بين الفقهاء (منها) مسألة الجهر و الإخفات حيث أفتى الفقهاء بصحة كل منهما في موضع الآخر جهلا كما هو المنصوص في بعض الروايات مع انه لا إشكال عندهم في استحقاق العقاب مع المخالفة فكيف يجتمع استحقاق العقاب المتوقف على مخالفة الواقع مع الصحة المتوقفة على موافقته (و منها) صحة الإتمام في موضع القصر مطلقا على ما هو المسلم عليه بينهم و الإتمام في موضع القصر في بعض الفروع كما إذا صلى المقيم عشرا قصرا جهلا منه بالحكم على ما أفتى به بعضهم فكيف يمكن القول بصحة العمل و عدم وجوب الإعادة كما هو المسلم عندهم في الفرض الأول مع الالتزام باستحقاق العقاب و قد أجيب عن الإشكال بوجوه (منها) ما ذكره المحقق صاحب الكفاية (قده) (و حاصله) انه يمكن ان يكون بحسب مقام الثبوت كل من الجهر و الإخفات حين الجهل بوجوب الآخر مشتملا على مصلحة ملزمة في حد ذاته مضادة في الاستيفاء للمصلحة الثابتة الكاملة اللازمة في الآخر فحيث ان الجهر مثلا مشتمل على زيادة لازمة الاستيفاء فيستحق تاركه العقاب بتفويته حال الجهل عن تقصير و حيث ان الإخفات مثلا مشتمل على المصلحة الملزمة حال الجهل في حد نفسه فقد حكم بصحته في هذا الحال (و فيه أولا) ان المصلحة الزائدة الكائنة في الجهر مثلا على المصلحة الثابتة في الإخفات الموجبة لاختصاص الأمر به مع صحة الإخفات أيضا كما هو مفروض كلامه اما ان تكون مصلحة ملزمة و بالغة إلى مرتبة اللزوم بحيث كانت بنفسها صالحة لأن تكون ملاك الوجوب و اما ان لا تكون كذلك بل تكون مزية زائدة في ملاك الوجوب فعلى الأول ينحصر الأمر بكونه حينئذ واجبا في واجب المفروض في المقام خلافه إذ المفروض قيدية الجهر للواجب ملاكا و خطابا و إلّا فلا بد من القول بتعدد العقاب على تقدير ترك الصلاة رأسا كما إذا نذر المكلف إيقاع صلاته الواجبة في المسجد و فرضنا تركه لأصل الصلاة رأسا و على الثاني فلا موجب لاختصاص الأمر الوجوبيّ بمورده بل غايته كون المشتمل عليه من قبيل الفرد الكامل و أفضل الافراد فلا موجب للعقاب عند مخالفته (و ثانيا) ان ما أفاده في وجه استحقاق العقاب مع التمكن من الإعادة من عدم القدرة على استيفاء الملاك الأهم لتضاد الملاكين غير سديد فإنه انما يتم بناء على كون الجهر واجبا في واجب و قد عرفت انه خلاف المفروض مع انه ينافيه قوله (عليه السلام) تمت صلاته إذ مع عدم اشتمال الصلاة الإخفاتي على تمام الملاك الملزم كيف يصح القول بأنه تمت صلاته (و الحاصل)

336

ان ما أفاده (قده) انما يتم على تقدير كون الجهر واجبا في واجب و هو خلاف المفروض من انه قيد في أصل الواجب (ثم ان ما أفاده العلامة الأنصاري) (قده) في المقام حيث ان عبارته غير سليمة عن الإشكال فان أراد به ما يرجع إليه جواب المحقق المذكور (قده) فيرد عليه ما أوردنا عليه بعينه و ان أراد غيره فلا نتعقل له معنى محصلا حتى نتعرض لصحتهِ و سقمهِ (و ربما يجاب عن الإشكال) بالالتزام بالترتب و ان الصلاة الجهرية أو الإخفاتية تكون مأمورا بها مع عصيان الأمر الآخر في ظرف الجهل و كذلك الأمر في الإتمام في موضع القصر فالعقاب من جهة عصيان المأمور به واقعا و الصحة من جهة الأمر بما أتى به في ظرف العصيان نظير صحة الصلاة مع عصيان الأمر بالإزالة و هذا الجواب منسوب إلى الشيخ الكبير كاشف الغطاء (قده) و قد أشكل عليه شيخنا العلامة الأنصاري (قده) بما حاصله بأنا لا نعقل الترتب إلّا بان يكون أحد الأمرين بعد عصيان الأمر الآخر بالمعنى المضي حتى يكون الأمر الأول ساقطا في زمان حدوثه كما في الأمر بالتيمم الحادث بعد عصيان الأمر بالوضوء بإراقة الماء اختيارا في الوقت مع العلم بعدم التمكن من تحصيله و اما مع بقاء الأمر الأول و عدم سقوطه فلا يعقل الأمر الثاني المترتب عليه عصيانه و كأنه (قده) يرى لزوم كون الشرائط سابقة على المشروط بحسب الزمان و هذا بظاهره غير صحيح إذ كثيرا ما يكون الشرط سواء كان هو العصيان أو غيره مقارنا للمشروط خارجا و ان كان متقدما عليه في الرتبة (و التحقيق في المقام) ان يقال ان صحة ترتب أحد الأمرين على عصيان الآخر و ان كان بمكان من الوضوح كما بيناه في محله إلا انه لا يمكن تصحيح العبادة في المقام به فان ترتب أحد الخطابين على عصيان الآخر انما يعقل في مقام فعلية الخطابين و تزاحمهما من حيث عدم القدرة على إيجاد متعلقهما و هذا هو الغالب أو من حيث عدم إمكان استيفاء ملاكيهما مع القدرة على إيجاد نفس المتعلقين كما إذا كان المالك للإبل مالكا لخمسة و عشرين إبلا ستة أشهر ثم ملك إبلا آخر فبعد إكمال السنة يكون خطاب وجوب أداء خمسة شياة التي هي زكاة خمسة و عشرين متزاحما مع وجوب أداء زكاة ستة و عشرين مشروطا بمضي ستة أشهر أخرى بعد الإجماع على ان المال الواحد لا يزكى في السنة مرتين و اما بحسب مقام التشريع و جعل أحد الخطابين مترتبا على عصيان الآخر و لو جهلا فهو غير معقول إذ الخطاب المأخوذ في موضوعه العصيان الناشئ عن الجهل يستحيل ان يكون محركا و باعثا للمكلف على العمل لأن الباعثية و المحركية فرع الالتفات إلى دخول المكلف‏

337

في موضوع التكليف و هو في المقام مستحيل إذ الالتفات إلى ذلك يوجب انقلاب الموضوع و علم المكلف بما هو وظيفته الفعلية و هذا نظير ما ذكرناه من استحالة توجيه الخطاب إلى الناسي الموجب لارتفاع الموضوع بالالتفات إليه هذا مع ان عصيان الخطاب في المقام لكونه وجوبا موسعا انما يكون بانقضاء تمام الوقت و ترك الواجب فيه فتركه في جزء منه لا يكون عصيانا له حتى يؤخذ في موضوع خطاب آخر فينحصر الجواب على ذلك بما إذا صلى جهرا مثلا في آخر الوقت مع كون تكليفه الإخفات مع ان المشهور المتسالم عليه هو صحة الصلاة مطلقا حتى إذا كان في أول الوقت أو في أثنائه فيكون التوجيه أخص من المدعى على انا ذكرنا محله ان الخطاب الترتبي و ان كان ممكنا إلّا انه نحتاج في إثبات وقوعه إلى دليل يدل عليه الا في خصوص موارد التزاحم الناشئ عن عدم القدرة على إيجاد متعلقي الأمرين فان إطلاقي الدليل هناك كاف في وقوع الترتب كما أوضحناه في محله ففي مثل المقام لو فرض كون الترتب ممكنا إلّا انه لا دليل عليه في مقام الإثبات و الأدلة الدالة على صحة الصلاة لا تدل على ان الصحة لأجل الترتب و أخذ عنوان عصيان أحد الخطابين موضوعا للخطاب الآخر فاتضح عدم صحة الالتزام بالترتب في مقام الثبوت من جهتين و في مقام الإثبات من جهة واحدة و التحقيق في الجواب يستدعي بسطا في الكلام (فنقول) ان الإشكال في المقام يبتني على مقدمتين (إحداهما) صحة ما أتى به من الجهر في موضوع الإخفات أو العكس أو الإتمام في موضوع القصر حتى يستكشف بنحو الإن عن تعلق الأمر به في هذا الحال (و ثانيهما) استحقاق العقاب على ترك الأمر الكاشف عن عصيان امره اما المقدمة الأولى فلا مناص عن الالتزام بها على ما هو المتسالم عليه بين الأصحاب و قد دلت عليه الروايات و اما المقدمة الثانية فالمنع عنها مجال واسع ضرورة ان استحقاق العقاب في المقام ليس مما استقل به العقل و الإجماع المدعى في كلام جماعة لا يكون حجة في المقام ما لم يكشف كشفا قطعيا عن قول المعصوم (عليه السلام) ضرورة انه لو فرضنا كونه اتفاقيا و متسالما عليه بينهم لا يكون بكاشف عن رأي المعصوم لأن استحقاق العقاب ليس من الأمور التعبدية التي يكتفي فيها بالإجماع بل هو من الأمور العقلية فمن الممكن استناد المجمعين فيه إلى امر غير مسلم عندنا و من الواضح انه مع إنكار هذه المقدمة لا يبقى للإشكال المذكور موضوع أصلا ثم على تقدير تسليم استحقاق العقاب الكاشف عن عصيان الأمر فلا بد من افراد كل واحد من موارد الإشكال بحياله و التعرض لجوابه (فنقول) موارد

338

الإشكال على ما عرفت ثلاثة (الأول) الجهر في موضع الإخفات و بالعكس المتسالم على صحته بين الأصحاب (الثاني) القصر فيما إذا كان المكلف قاصدا للإقامة و كان جاهلا بوجوب الإتمام عليه على ما ورد في رواية صحيحة من صحة صلاته و عدم وجوب الإعادة عليه لكنها غير معمول بها عند الأصحاب (الثالث) الإتمام في موضع القصر لمن لم يبلغه حكم وجوب القصر على ما هو المتسالم عليه بينهم أيضا (اما المورد الأول) فتحقيق الواجب فيه ان يقال ان وجوب الجهر أو الإخفات في الصلاة يمكن ان يكون في مقام الثبوت بنحو التقييد بحيث لا يكون هناك الا ملاك واحد ملزم مترتب على المقيد بما هو كذلك و يمكن ان يكون بنحو الواجب في واجب بان يكون أصل الصلاة واجبة و إجهارها أو إخفاتها يكون واجبا آخر نظير الصلاة الواجبة المنذور إيقاعها في المسجد مثلا و يمكن ان يكون فيه كلا الجهتين جهة التقيد و جهة الواجب في واجب الموجب لاندكاك الجهة الثانية في الأولى فانه متى كان هناك جهة التقيد فلا محالة يكون التكليف الفعلي على طبقها و يندك الجهة الأخرى فيها نظير اندكاك جهة الاستحباب في الوجوب هذا بحسب مقام الثبوت و اما بحسب مقام الإثبات فحيث فرض صحة الصلاة الجهرية مثلا مع الجهل بوجوب الإخفات فلا محالة يكشف ذلك عن مطلوبيتها من غير تقيد بكونها إخفاتية في هذا الحال و حيث فرض استحقاق العقاب على ترك الإخفات فيكشف ذلك عن مطلوبيته لا محالة بنحو الواجب في الواجب و حيث فرض عدم الصحة مع العلم بوجوب الإخفات فيكشف ذلك عن وجود ملاك التقييد في حال العلم الموجب لاندكاك جهة الواجب في الواجب فيه و اما (المورد الثاني) و هو القصر في موضع وجوب الإتمام فعلى تقدير القول به فهو لأجل ان الركعتين الأخيرتين اللتين هما من فرض النبي (صلى اللَّه عليه و آله) يمكن ان يكون بنحو الواجب في الواجب مع وجود ملاك التقييد حال العلم بوجوبها فيكون نظير المورد الأول في الجواب من ان صحة القصر حال الجهل لكونه واجبا في هذا الحال بنفسه و العصيان لوجوب الركعتين الأخيرتين كذلك و عدم الصحة حال العلم لوجود ملاك التقييد الموجب لاندكاك ملاك الواجب في الواجب فيه و توضيح ذلك ان الركعتين الأخيرتين حيث انهما بفرض النبي (صلى اللَّه عليه و آله) كما هو المستفاد من روايات كثيرة فلا بد و ان يكون بملاك آخر و الأصل في كل ما كان كذلك ان يكون بنحو الواجب في الواجب كما إذا نذر إيقاع الصلاة الواجبة في المسجد حيث ان الوجوب الناشئ من قبل النذر لا يوجب تقيد الواجب بكونه في المسجد بحيث لا يصح‏

339

في غيرها و انما غايته ان يكون الإيقاع في المسجد واجبا آخر نعم ربما يكون الواجب بملاك آخر موجبا للتقييد أيضا كوجوب الجمعة تعيينا يوم الجمعة إذا عقدها من له الولاية على ذلك فان المستفاد من الاخبار الكثيرة ان الواجب يوم الجمعة هو الظهر أو الجمعة تخييرا إلّا انه إذا عقدها من له الولاية على ذلك يجب تعيينا بملاك عارضي موجب للتقييد بحيث لا يصح صلاة الظهر إلّا إذا تمت الجمعة أو خرج وقتها فإذا كان الأصل في الركعتين الأخيرتين ان يكون بنحو الواجب في الواجب فمقتضى القاعدة هو صحة صلاة القصر حتى في حال العلم بوجوب الإتمام إلّا ان الإجماع قام على كون الركعتين الأخيرتين في حال العلم بنحو التقييد فيكون صحة القصر و صحة العقاب على ترك الركعتين حال الجهل و عدم صحتها حال العلم بوجوب الإتمام على القاعدة و لا مانع من كون الواجب بملاك آخر في حال موجبا للتقييد و في حال آخر غير موجب لذلك (و اما المورد الثالث) و هو الإتمام في موضع القصر المتسالم على صحته بين الأصحاب فان قلنا فيه بصحة القصر مع الجهل إذا وقع غفلة أو اشتباها ممن يعتقد وجوب الإتمام كما هو الظاهر إذ من البعيد غايته إيجاب إعادة الصلاة عليه تماما لو لم نقل باستحالته لأجل استحالة خطاب الجاهل بالحكم بهذا العنوان كما في خطاب الناسي بل يبعد الإعادة بعد انكشاف الحال و العلم بالحكم أيضا إذ لا معنى لإيجاب إعادة الصلاة قصرا لمن صلاها كذلك مع تمشي قصد القربة منه فلا ريب ان صحة كل من صلاة القصر و التمام حال الجهل يكشف عن كونه مأمورا به في هذا الحال فلا محالة يكون الأمر بكل منهما تخييريا و نستكشف من صحة العقاب ان عدم ضم فرض النبي (صلى اللَّه عليه و آله) إلى فرض اللَّه و ان شئت قلت وقوع التسليمة في الركعة الثانية واجب آخر يصح العقاب على تركه و ينقلب هذا الواجب حال العلم بالحكم إلى كونه قيدا للواجب للإجماع على عدم صحة الإتمام حال العلم بالحكم و على ذلك يتحد المسائل الثلاث في الجواب من جهة و هو الالتزام بكون الجهر أو الإخفات أو ضم فرض النبي (صلى اللَّه عليه و آله) إلى فرض اللَّه أو وقوع التسليمة في الركعة الثانية واجبا مستقلا حال الجهل و قيدا للواجب حال العلم بالحكم إلّا انه يفترق مسألة الجهر و الإخفات من غيرها بإمكان تصوير التكليف بالقدر المشترك بين الجهر و الإخفات فيها دون غيرها و إلّا فملاك الجواب واحد في الجميع هذا كله إذا قلنا بصحة الصلاة قصرا عن الجاهل غفلة أو اشتباها مع تمشي قصد القربة منه و اما لو لم نقل بذلك فلا محالة يكشف ذلك عن تعين الأمر بالتمام حال الجهل و لدعوى عدم استحقاق العقاب في هذا

340

الفرض و ان سلم في غيره مجال واسع هذا تمام الكلام فيما أردنا التعرض له في هذا المقام‏

(بقي هناك أمور)

(الأول) انك قد عرفت فيما مر أن الشبهات الموضوعية تحريمية كانت أو وجوبية لا يجب فيها الفحص في الجملة

و يظهر من كلام شيخنا العلامة الأنصاري (قده) عدم وجوب الفحص في الشبهات التحريمية مطلقا و لكن الظاهر عدم التزام الأصحاب بذلك في تمام الموارد بل التزموا بوجوبه في بعض الموارد كما في موارد الشبهة في تحريم النكاح من جهة النسب أو الرضاع و قد عرفت أيضا ان المراد من الفحص الساقط وجوبه هو تحصيل مقدمات العلم و اما إعمال القوة المدركة مع حصول المقدمات بنفسها بحيث لا يحتاج فعلية العلم الا على النّظر فالظاهر وجوبه بل قد عرفت انه كلما يتوقف فعلية العلم بالتكليف في العادة عليه فلا محالة يكون واجبا و ان كان داخلا في الفحص و كان خارجا عن عنوان النّظر و من هنا يظهر وجه فتوى الأصحاب بوجوب الحساب على من يحتمل بلوغ ماله النصاب أو الاستطاعة اما لأن ذلك خارج عن عنوان الفحص و داخل في موضوع النّظر الواجب في تمام الموارد و اما لأن طبع التكليف في هذه الموارد يقتضى هذا المقدار من الفحص فيجب لا محالة بل لو أنكرنا وجوب الفحص في الشبهات الحكمية لكان القول بوجوب الرجوع إلى مدرك الحكم في كتابي الوسائل و الوافي الجامعين لأخبار كل مسألة مسألة بعنوانها بمكان من القوة إذ لا يبعد ان يكون ذلك داخلا في عنوان إعمال القوة المدركة بعد حضور المقدمات لا في عنوان الفحص و كيف كان فقد عرفت انه لا ريب في وجوب الرجوع إلى المدرك في الشبهات الحكمية

(الثاني) ان مقدار الفحص اللازم في الشبهات الحكمية انما هو ما يحصل عنه الاطمئنان و سكون النّفس بعدم الدليل على الحكم‏

كما هو الميزان في باب الفحص عن المخصصات و المقيدات بل مطلق المعارضات أيضا و اما مجرد الظن من دون حصول اليأس فلا دليل على الاكتفاء به كما انه لا دليل على اعتبار خصوص القطع بعد ما كانت هذه المرتبة من الاطمئنان حجة عقلائية ما لم يثبت اعتبار أمارة خاصة من بينة و غيرها في خصوص مورد مخصوص و لا يبعد ان يكون مراد من اعتبر خصوص العلم ما يشمل هذه المرتبة من الاطمئنان إذ يطلق عليها العلم في العادة و لا يعتني باحتمال الخلاف الموجود في بعض أصاقع النّفس مع عدم الالتفات إليه الموجب لسكون النّفس في غير النفوس الوسواسية و كيف كان فلا إشكال في الاكتفاء باطمئنان العدم في مقدار الفحص اللازم كما انه لا إشكال في حصوله بمراجعة الباب المعد للمسألة المبحوث عنها كما في كتابي‏

341

الوسائل و الوافي إذا كانت المسألة معنونة في كتاب الشرائع فان عناوين كتاب الوسائل على طبق المسائل المذكورة فيه و اما إذا لم نكن المسألة معنونة فيه فتحصيل الاطمئنان بالعدم لا يخلو من إشكال و ربما يختلف حصوله باختلاف الموارد و المتبع في ذلك هو نظر الفقيه‏

(الثالث) انه ذكر الفاضل التوني (قده) لأصالة البراءة شرطين آخرين‏

(أحدهما) ان لا يكون جريانه مستلزما لتضرر مسلم (الثاني) ان لا يكون مثبتا لحكم آخر (اما الشرط الأول) فلم نعرف لاعتباره وجها في المقام إذ دليل نفي الضرر يتقدم بالحكومة على أقوى الأمارات فضلا عن الأصول لا سيما مثل أصالة البراءة التي هي من الأصول الغير المحرزة و اما (الشرط الثاني) فتفصيل الكلام فيه هو ان أصالة البراءة عقلية و شرعية كما عرفت سابقا لا يترتب عليها الا المعذورية و عدم تنجز الحكم الواقعي لو كان في موردها و ان كان بين العقلية و الشرعية فرق من جهة أخرى و هي ان الوظيفة الشرعية انما هو الترخيص لا الحكم بعدم استحقاق العقاب و انما يثبت عدم الاستحقاق بالتبع و الملازمة و هذا بخلاف حكم العقل فان إدراكه انما يتعلق بعدم الاستحقاق و هو الّذي يستقل به و يلزمه الترخيص في العمل بالتبع و إلّا فالترخيص ليس من شأن العقل و مدركاته و على ذلك فنقول ان الحكم الشرعي الممنوع ثبوته بجريان أصالة البراءة اما ان يكون بنحو الملازمة بينه و بين عدم الحكم في مورد الأصل كوجوب صلاة الجمعة الملازم لعدم وجوب الظهر و اما ان يكون بنحو دخل عدم ذاك الحكم في ثبوته اما من جهة مزاحمتها في مقام الفعلية كعدم وجوب الإزالة الدخيل في وجوب الصلاة مثلا و اما من جهة دخله فيه شرعا و على الثاني فاما ان يكون العدم الدخيل هو العدم الواقعي أو العدم في مقام التنجز بان يكون عدم تنجز حكم دخيلا شرعا في ثبوت حكم أخرى كما إذا فرضنا ان عدم التكليف المالي بالنحو الأول أو الثاني دخيل في وجوب الحج شرعا لتوقفه على الاستطاعة المتوقف عليه العدم فهذه شقوق أربعة (اما الشق الأول) فلا ريب فيه ان جريان أصالة البراءة في مورد لا يثبت حكما آخر ملازما لعدم الحكم في مورده إذ الثابت بأصالة البراءة ليس إلّا المعذورية فقط فكيف يثبت بها ما يلازم عدم الحكم واقعا بل ستعرف في بحث الاستصحاب إن شاء اللَّه تعالى انه مع كونه أقوى الأصول و له جهة نظر إلى الواقع و لذا كان من الأصول المحرزة لا يثبت به اللوازم و الملزومات فكيف بالأصل الغير المحرز (و اما الشق الثاني) فلا إشكال في جواز الاكتفاء بأصالة البراءة فيه فان كل حكم يكون مزاحما للآخر و شاغلا مولويا عنه انما هو

342

باعتبار شاغليته لمتعلقه فإذا فرضنا عدم تنجزه للمكلف لعدم وصوله و معذوريته في مخالفته فكيف يمنع عن فعلية الحكم الآخر و يكون مزاحما له مثلا إذا شككنا في تنجس المسجد فعدم تنجز التكليف بإزالة النجاسة يوجب فعلية التكليف بالصلاة لمقدوريته حينئذ فكيف يمكن ان يقال ان جريان البراءة في المقام مشروط بعدم إثباته لحكم آخر (و اما الشق الثالث) فيفرق فيه بين الأصول التنزيلية و غيرها فان كان الأصل النافي من الأصول المحرزة كالاستصحاب فحيث انه يحرز به العدم حال الشك فلا محالة يترتب عليه أحكامه الشرعية و لو من جهة إحراز بعض الموضوع بالأصل و الآخر بالوجدان و ان لم يكن كذلك بل كان أصلا غير محرز كأصالة البراءة الغير المترتب عليها الا المعذورية و عدم تنجز التكليف فحيث انه لا يحرز بها الواقع حتى في ظرف الشك فلا محالة لا يترتب عليه أحكامه (و اما الشق الرابع) فالأصل الغير المحرز يشترك فيه مع المحرز في جواز الاكتفاء به في ثبوت حكم آخر إذ المفروض إحراز الموضوع و هو عدم الحكم بوجوده التنجزي بكل منهما على حد سواء

(المبحث الرابع في الاستصحاب)

و لا بد لنا في تنقيحه من تقديم مقدمات‏

(الأولى) في بيان تعريفه‏

و قد عرف بتعاريف كثيرة لا ينبغي التعرض لها و لما يرد عليها إلا بنحو الإشارة إذ قل ما يوجد في الكتب العلمية تعريف حقيقي يكون جامعا و مانعا من كل الجهات و ليعلم قبل ذلك ان البحث عن الحجية قد يكون بمعنى ان موضوع الحجية أمر موجود خارجي مفروغ عن وجوده فيبحث عن حجيته كالبحث عن حجية خبر الواحد و الشهرة و نحوهما و قد يكون بمعنى ان موضوع الحجية أمر لو كان موجوداً لكان حجة لا محالة فالبحث عن حجيته بحث عن أصل وجوده لعدم إمكان التفكيك بينهما خارجا و هذا كالبحث عن حجية المفاهيم و نحوها فان المفهوم على تقدير وجوده و دلالة اللفظ عليه يكون حجة كالمنطوق لا محالة فالبحث عن حجيته بحث عن أصل وجوده في الحقيقة و اما البحث عن حجية الأصل العلمي كالاستصحاب فلا يكون ملحقا إلا بالقسم الأول و هو واضح ضرورة ان الأصل العلمي ليس إلّا عبارة عن تعبد الشارع بأحد طرفي الشك تعيينا أو تخييرا و هو ليس مفروض الوجود في ظرف الشك حتى يبحث عن حجيته و لا بالقسم الثاني و ان كان اقرب إليه إذ موضوع الحجية فيه كدلالة اللفظ على المفهوم امر مغاير للحجية مصداقا و ان كان لا ينفك عنها خارجا و ان أمكن التفكيك بينهما عقلا و هذا بخلاف البحث عن الحجية في الأصول العملية فان الحجية فيها عين التعبد الشرعي و غير قابل للتفكيك عنه و لو عقلا

343

(إذا عرفت) ذلك (فنقول) الظاهر ان الاستصحاب إلى زمان والد الشيخ البهائي (قدهما) كان معدودا من جملة الأمارات الكاشفة عن الواقع و عليه فتعريفه بكون حكم أو وصف يقيني الحصول في الآن السابق مشكوك البقاء في الآن اللاحق من أحسن التعاريف إذ ما هو موجب للظن بالبقاء و كاشف عنه هو ذلك و لا يرد عليه ما أورده شيخنا العلامة الأنصاري (قده) من انه مورد للاستصحاب لا نفسه ضرورة انه بناء على أماريته ليس هناك ما يكون كاشفا عن الواقع غير ذلك و الظاهر ان إيراده (قده) مبني على جعل الاستصحاب من الأصول العملية كما هو الصحيح و لكن التعريف المذكور مبني على جعله من الأمارات (و اما ما أورده قده) عليه بعد توجيهه بما حاصله ان الاستصحاب اما ان يؤخذ من العقل أو من السنة و على كل حال ليس الاستصحاب إلّا حكم العقل أو الشرع ببقاء ما كان و كون الشي‏ء متيقنا سابقا مشكوكا لاحقا مورد للاستصحاب لا نفسه (فيرد عليه) ان كون الاستصحاب بنفسه من الأحكام العقلية لا معنى له بل غاية الأمر حكم العقل بحجية الظن الحاصل من الاستصحاب أو كونه مفيدا للظن و على كل حال لا يكون الاستصحاب الا ما يفيد الظن ليس إلّا و قد عرفت انه ليس الا كون شي‏ء متيقنا سابقا و مشكوكا لاحقا و اما ما جعله (قده) أخصر التعاريف و أسدها و هو إبقاء ما كان فهو و ان كان أخصرها إلّا انه ليس بسديد لأن ظاهر الإبقاء انه فعل اختياري للمكلف و من الواضح ان الاستصحاب حكم شرعي أجنبي عن فعل المكلف بالكلية و لو سلمنا ان الإبقاء عبارة عن حكم الشارع بالبقاء لا فعل المكلف لكن ظاهره هو حكم الشارع ببقاء نفس ما كان و هذا أيضا أجنبي عن الاستصحاب لأن الحكم الشرعي في باب الاستصحاب متعلق ببقاء الإحراز السابق و عدم نقضه من حيث الجري العملي على ما هو مقتضى كونه أصلا عمليا و أين ذلك من حكمه ببقاء نفس ما كان واقع و لو في ظرف الشك الّذي هو مفاد الأمارة لا الأصل و على ذلك فالأحسن تعريفه على المختار من أخذه من الاخبار بالحكم الشرعي ببقاء الإحراز السابق من حيث اثره و هو الجري العملي على طبقه فيكون في التعريف إشارة إلى افتراقه عن بقية الأصول العملية بكونه محرزا دونها و إلى افتراقه عن الأمارات فان المجعول فيها هو المحرزية للواقع بمعنى جعل فرد آخر للقطع تشريعا و هذا بخلافه فيه فان المجعول فيه هو المحرزية من حيث الجري العملي لا من حيث ثبوت الواقع و قد أشرنا إلى ذلك في أوائل مباحث القطع و سيأتي التعرض له في بحث الأصل المثبت إن شاء اللَّه تعالى و سيأتي التعرض‏

344

لخروج قاعدة اليقين و قاعدة المقتضي و المانع بل موارد الشك في المقتضي التي لا نقول بجريان الاستصحاب فيها عن التعريف المذكور إن شاء اللَّه تعالى‏

(الثانية) في بيان أن الاستصحاب هل هو من المسائل الأصولية أو الفقهية

أو القواعد الفقهية أو التفصيل بين البحث عن جريانه في الشبهات الحكمية و البحث عن جريانه في الشبهات الموضوعية (لا إشكال) في ان الملاك في كون المسألة فقهية سواء كان من مسائلها الشخصية أو قواعدها هو كون محمول المسألة من عوارض فعل المكلف بلا واسطة بحيث لو ضم إليها صغراها انتج نتيجة شخصية اما بقياس واحد كما في المسائل الشخصية كما نقول الآن دخل الوقت و كلما دخل الوقت وجب الطهور و الصلاة فينتج الآن يجب الطهور و الصلاة و اما بقياسين كما في القواعد الفقهية التي هي في الحقيقة مجمع مسائل متعددة كما نقول البيع مما يضمن بصحيحه و كلما كان كذلك يضمن بفاسده فالبيع يضمن بفاسده ثم نحتاج في استنتاج النتيجة الشخصية إلى قياس آخر و هو ان المعاملة الصادرة الفلانية الفاسدة إنما هي بيع و البيع يضمن بفاسده فتلك المعاملة يضمن بفاسده و هكذا الأمر في بقية القواعد الفقهية الجامعة لعدة مسائل فقهية و اما الملاك في كون المسألة أصولية فقد ظهر لك في أول الكتاب و أشرنا إليه غير مرة أنه هو وقوع نتيجة المسألة في طريق الاستنباط بمعنى كونها كبرى كلية بحيث إذا انضم إليها صغراها لأنتجت نتيجة فقهية و من ذلك يعلم ان مسائل بقية العلوم المتوقفة عليها الاستنباط و ان كان لها دخل في الاستنباط إلّا انها لا تقع كبرى لقياس الاستنباط بل لا محالة تكون صغرى له حتى مسائل علم الرّجال الّذي هو اقرب تلك العلوم إليه إذ فيها يعلم وثاقة الراوي مثلا فتقع صغرى و ينضم إليها كبرى حجية قول الثقة فينتج مسألة فقهية و لأجل ذلك يمكن ان يقال ان مباحث الألفاظ كالبحث عن ظهور الأمر في الوجوب مثلا داخل في المبادي إذ بها ينقح موضوع البحث عن حجية الظواهر الّذي هو من المباحث الأصولية كما ان في علم الرّجال ينقح موضوع البحث عن حجية خبر الثقة غاية الأمر انها من المبادئ التي لم تتحقق في علم آخر فذكرت في علم الأصول و يمكن الفرق بينهما بان نتيجة البحث الرجالي حيث انها ليست إلّا معرفة حال راو معين فلا تصلح ان تقع كبرى لقياس الاستنباط فلا محالة يتمحض البحث المذكور في كونه من المبادئ و هذا بخلاف البحث عن ظهور صيغة افعل في الوجوب مثلا فانه و ان كان يشترك مع البحث الرجالي في كونه بحثا عن موضوع الحجة إلّا انه يفترق عنه في انه بحث عن كبرى كلي إذا انضم إليها صغراها أنتجت نتيجة فقهية و لو بعد الفراغ عن حجية

345

الظواهر و على ذلك فيدخل مباحث الألفاظ كلها في المباحث الأصولية و كيف كان فالملاك في كون المسألة أصولية هو ما عرفت و على ذلك يكون البحث عن جريان الاستصحاب في الشبهات الحكمية من المباحث الأصولية إذ بعد تنقيح جريانه فيها و ضم صغرى ان الماء المتغير بالنجاسة الزائل تغيره من قبل نفسه متيقن النجاسة سابقا المشكوك البقاء لاحقا إليها يستنتج مسألة فقهية و هي نجاسة الماء المذكور و هذا بخلاف البحث عن جريانه في الشبهات الموضوعية فانه بحث عن قاعدة فقهية لا يترتب عليها إلا معرفة الأحكام الجزئية في الموارد الشخصية التي يشترك فيها المجتهد و المقلد نظير بقية القواعد الفقهية كقاعدة الطهارة في الشبهات الموضوعية و نحوها و الّذي يدلك على ما ذكرناه هو ان نتيجة المسألة الفقهية قاعدة كانت أو غيرها بنفسها يلقى إلى العامي الغير المتمكن من الاستنباط فيقال له كلما دخل الظهر و كنت واجدا للشرائط وجبت الصلاة فيذكر في الموضوع جميع قيود الحكم الواقعي أو يقال كلما فرغت من عمل و شككت في صحته و فساده فلا يجب عليك الاعتناء به فيذكر له جميع قيود الحكم الظاهري و هذا بخلاف المسألة الأصولية فإن إعمال نتيجتها مختص بالمجتهد و لا حظّ للمقلد فيها و لا معنى لإلقائها إليه بل الملقى إليه يكون الحكم المستنبط من تلك المسألة و حيث ان نتيجة البحث عن جريان الاستصحاب في الشبهات الموضوعية بنفسها لا بد و ان تلقى إلى المقلد فيقال إذا كنت متيقنا بموضوع خارجي أو حكم جزئي و شككت في بقائه و ارتفاعه فابن علي البقاء و رتب آثاره لدوران جريانه فيها مدار يقين كل أحد و شكه و لا معنى لإلقاء نفس بقاء الحكم أو الموضوع الخارجي إليه من دون أخذ اعتبار يقينه و شكه فيعلم منه انها من القواعد الفقهية و اما نتيجة البحث عن جريانه في الشبهات الحكمية فحيث انه لا معنى لإلقائها على المقلد فيقال له إذا كنت متيقنا بنجاسة الماء المتغير و شككت في ارتفاعه بزوال تغيره فابن علي النجاسة بل المجتهد هو بنفسه يجري الاستصحاب مع غفلة المقلد عن حقيقة الحال بالكلية و لو مع عدم وجود ماء كذلك في الخارج أصلا بل يفرض وجوده على نحو القضايا الحقيقية فيحكم بالنجاسة و يلقى هذا الحكم إلى المقلد فيعلم منه انها نتيجة المسألة الأصولية الغير القابلة للإلقاء إلى المقلد بنفسها بل لا بد من إلقاء الحكم المستنبط منها إليه كبقية المسائل الأصولية و بالجملة المباحث الفقهية سواء كانت من قبيل المسائل الشخصية أو من قبيل القواعد الكلية سواء كانت من القواعد الواقعية الأولية كقاعدة ما لا يضمن و نحوها أو كانت من القواعد الثانوية كقاعدة نفي الضرر و نحوها أو

346

كانت من القواعد الظاهرية كقاعدة الفراغ و نحوها لا بد فيها من كون المحمول مما له تعلق بالعمل بلا واسطة و من الأحكام الثابتة له و هذا بخلاف المسألة الأصولية فإن محمولها لا يتعلق به كذلك بل يقع في طريق استنباط الحكم المتعلق به كذلك و يكون الملقى إلى المقلد ذاك الحكم لا نتيجة المسألة الأصولية فلا يقال له كلما قام الخبر على وجوب شي‏ء يجب بل قيام الخبر عند المجتهد على وجوب شي‏ء يكون سببا لإفتائه بوجوب ذاك الشي‏ء على الإطلاق (و من هنا يظهر لك الفرق) بين جريان الاستصحاب في الشبهات الحكمية و بين جريانه في الشبهات الموضوعية بأن الحكم الملقى إلى المقلد في القسم الأول لا يكون اليقين و الشك موضوعين له بل يلقى نفس الحكم إليه و يكون يقين المجتهد و شكه علة لثبوت الحكم لموضوعه نظير ثبوت النجاسة للماء المتغير فيفرض المجتهد ماء متغيرا خارجيا زال عنه تغيره بنفسه فيشك في ان الحكم بالنجاسة هل كان ثابتا له مطلقا أو مقيدا ببعض حالاته و هو اتصافه بالتغير و حيث ان مرجع هذا الشك إلى الشك في ارتفاع النجاسة بعد ثبوتها فيحكم بنجاسة الماء المذكور من غير أخذ اليقين و الشك في موضوعها بل الموضوع لها هو نفس الماء و اليقين و الشك علة لثبوتها له و هكذا الحال في استصحاب عدم النسخ في الأحكام الكلية الا في ان الشك في بقائها و ارتفاعها لم ينشأ عن تغير الموضوع و اختلاف بعض حالاته بل عن احتمال ارتفاع الحكم عن موضوعه بنفسه بانتهاء أمده و زمانه و لذا لا يحتاج المجتهد في استصحابها إلى فرض وجود موضوع خارجي أيضا فضلا عن اعتبار نفس وجوده و على كل حال اليقين و الشك في الاستصحابات الحكمية واسطتان لثبوت الحكم في موضوعه من دون أخذهما فيه و هذا بخلافهما في الاستصحابات الموضوعية إذ الملقى إلى المقلد فيها هو بيان ان حكم اليقين و الشك هو البناء على البقاء و الجري على طبقه و لا معنى لإلقاء نفس الحكم فيها إليه من دون أخذهما في موضوعه كما في قاعدة الفراغ و التجاوز و نحوهما كما هو واضح (فإن قلت) لا إشكال في اتحاد دليل الاستصحاب في الشبهات الحكمية و الموضوعية و عليه كيف يمكن ان يقال ان الحكم بعدم جواز النقض الّذي هو حكم واحد تارة يكون حكما فرعيا عمليا و أخرى حكما أصولياً واقعا في طريق استنباط الحكم الفرعي و أيضا كيف يمكن ان يكون اليقين و الشك في قضية واحدة ملحوظين تارة بنحو العلية و الوسطية في الإثبات كما في الشبهات الحكمية و أخرى بنحو الموضوعية و المقومية كما في الشبهات الموضوعية (قلت) ان قضية لا تنقض و ان كانت قضية

347

واحدة في الصورة إلا انها تنحل في قضايا متعددة بحسب تعدد اليقين و الشك في الخارج كما هو شأن كل قضية حقيقية و لا بأس بكون الحكم بعدم النقض في مورد باعتبار متعلق اليقين و الشك حكما أصوليا و في مورد آخر باعتبار متعلقهما حكما فرعيا و هذا الاختلاف ناش من اختلاف المتعلق في الموارد كما ان اختلاف اليقين و الشك من جهة كونهما مقومين للموضوع أو واسطتين لثبوت الحكم لذلك و لا يلزم من ذلك تعدد في اللحاظ أصلا إذ اليقين و الشك انما يؤخذان موضوعين بالنسبة إلى من يجري الاستصحاب في حقه و حيث ان الملاك في الشبهات الموضوعية هو يقين نفس المقلد و شكه فالموضوع للاستصحاب فيها هو يقينه و شكه و اما في الشبهات الحكمية فالملاك هو يقين المجتهد و شكه كما عرفت فالموضوع للحكم الاستصحابي فيها هو يقينه و شكه فاليقين و الشك دائما يكونان موضوعين للحكم الاستصحابي الثابت بدليله و الحكم الّذي يكون اليقين و الشك خارجين عن موضوعه بل يكونان علة لثبوته على موضوعه هو الحكم الفرعي المستنبط من هذا الحكم و قد عرفت انه لا ضير في كون الحكم في القضية باعتبار انحلاله إلى أحكام متعددة فرعيا مرة و أصوليا واقعا في طريق الاستنباط أخرى و هذا نظير ما إذا قلنا بحجية الخبر الواحد في الأحكام الكلية و الموضوعات الخارجية فإن الدليل المتكفل لحجيته و ان كان دليلا واحدا إلا ان انحلاله باختلاف موارده يوجب كون الحكم الثابت به فرعيا مرة و يكون الاعتبار بقيام الخبر عند نفس المقلد كما في الموضوعات الخارجية و أصوليا أخرى و يكون الاعتبار بقيام الخبر عند المجتهد الموجب لإفتائه بنفس الحكم فاختلاف الحكم المنشأ في القضية من حيث الأصولية و الفقهية باختلاف موارده لا ضمير فيه أصلا

(الجهة الثالثة) في بيان الفرق بين الاستصحاب و قاعدة اليقين و قاعدة المقتضي و المانع‏

حتى يكون توطئة لما سيجي‏ء إن شاء اللَّه تعالى من ان أدلة حرمة نقض اليقين بالشك تختص بخصوص موارد الاستصحاب و لا تشمل غيرها من موارد القاعدتين لا بنحو الخصوص و لا بنحو العموم (فنقول) لا ريب ان صدق نقض اليقين بالشك يتوقف على تحقق ارتباط و مناسبة بينهما و إلّا فلا يصدق على كل شك انه ناقض لكل يقين أو ليس بناقض له ضرورة ان اليقين بعدالة زيد و الشك في طلوع الفجر أجنبيان كل منهما بالقياس إلى الآخر و حينئذ فإما ان يكون متعلق اليقين مباينا في الحقيقة مع متعلق الشك و ان كان بينهما ارتباط محقق لصدق النقض أو يكون متعلقهما شيئا واحدا بحسب الحقيقة و على الثاني فحيث ان تعلق اليقين و الشك‏

348

بشي‏ء واحد في زمان واحد غير معقول فلا بد من فرض التعدد في الزمان في الجملة فإما ان يلاحظ الاختلاف في الزمان في ناحية المتعلق مع وحدة زمان نفس اليقين و الشك في الجملة سواء كان أحدهما سابقا في الحدوث على الآخر أو لم يكن كما سيتضح ذلك إن شاء اللَّه تعالى (و الأول) هو مورد قاعدة المقتضي و المانع حيث ان اليقين لم يتعلق فيه بما تعلق به الشك بل متعلق اليقين هو وجود المقتضي ليس إلا كما ان متعلق الشك هو وجود المانع كذلك و صدق النقض فيه باعتبار تركب العلة التامة من وجود المقتضي و عدم المانع و ترتب أثر واحد عليهما (و الثاني) مورد قاعدة اليقين المعتبر فيه وحدة متعلق اليقين و الشك مع اختلاف زمان نفسهما كما إذا علم يوم الجمعة عدالة زيد و شك يوم السبت في عدالته يوم الجمعة و يسمى هذا الشك بالشك الساري لسرايته إلى شخص ما تعلق به اليقين و هو العدالة في يوم الجمعة في مفروض المثال (و الثالث) مورد للاستصحاب حيث انه يعتبر فيه اجتماع صفتي اليقين و الشك زمانا و لكن متعلق اليقين هو حدوث شي‏ء و متعلق الشك بقاؤه كما إذا علمنا عدالة زيد يوم الجمعة و شككنا في بقائها إلى يوم السبت فإن اليقين بعدالته يوم الجمعة مجتمع زمانا مع الشك في العدالة يوم السبت إلا ان متعلق اليقين هو وجود العدالة في زمان سابق و متعلق الشك بقاؤها إلى زمان لاحق فظهر ان الحصر بين القواعد الثلاث عقلي دائر بين النفي و الإثبات و ان كل واحدة منها مباينة للأخرى من حيث لحاظ صدق نقض اليقين بالشك فلا بد و ان يكون الدليل الدال علي حرمته مختصا بأحدها و لا يكون شاملا لاثنين منها فضلا عن شموله لكلها و يأتي توضيح ذلك فيما بعد إن شاء اللَّه تعالى (ثم ان) المقتضي قد يطلق و يراد منه ما يترشح منه الأثر خارجا و تكوينا كالنار بالإضافة إلى الإحراق و المراد من المانع حينئذ هو ما يوجب عدم فعلية أثر المقتضي كوجود الرطوبة الغالبة فيما يلاقيه النار في مفروض المثال (و أخرى) يراد منه الموضوع المترتب عليه الأثر الشرعي في عالم التشريع كملاقاة النجاسة المترتب عليها نجاسة الملاقي في الشريعة و إطلاق المقتضي عليه مع ان الحكم الشرعي لا يترشح من موضوعه كما أوضحنا ذلك مراراً و سيأتي له مزيد توضيح في بحث الأحكام الوضعيّة انما هو باعتبار استحالة انفكاك الحكم عن موضوعه التام كما يستحيل انفكاك المعلول عن علته التامة و المراد من المانع حينئذ هو ما اعتبر عدمه قيدا في الموضوع كما اعتبر عدم الكرية قيدا في النجاسة مقتضية لتنجس ملاقيه و الكرية مانعة عنه (و ثالثة) يراد منه ما يكون داعيا إلى‏

349

جعل الحكم على موضوعه أعني به الملاك الموجود في متعلقه و إطلاق المقتضي عليه دون رتبة إطلاقه على كل من القسمين الأولين ضرورة أن إطلاقه عليه انما هو باعتبار مرجحيته للجعل و إلّا فجعل المولى و تشريعه الّذي هو من أفعاله الاختيارية تابعة و ناشئة عن إرادته و المراد من المانع حينئذ هو الجهة المزاحمة الموجودة في المتعلق المانعة عن جعل الحكم على طبق الملاك الموجود فيه مثلا إذا فرضنا ان إكرام العالم الفاسق مشتمل على جهة مصلحة و جهة مفسدة فالجهة الأولى مقتضية لجعل الوجوب كما ان الجهة الثانية مانعة عنه و سيأتي انه لا دليل على حجية قاعدة المقتضي و المانع في شي‏ء من تلك الموارد و ان لم يعلم ان القائل بها هل يخصصها بالقسم الأول أو أنه يقول بشمولها للقسم الثاني بل الثالث أيضا و هناك معنى رابع للمقتضي أجنبي عن المعاني المذكورة و هو الّذي اشترط شيخنا العلامة الأنصاري (قده) العلم بوجوده في حجية الاستصحاب و منع عنها عند الشك فيه و توهم بعض من تأخر عنه ان مراده (قده) منه هو المقتضي الملاكي فأشكل عليه في كثير من الموارد التي تمسك (قده) فيها بالاستصحاب بعدم جريانه فيها على مختاره من عدم حجيته عند الشك في المقتضي و سيأتي توضيح ذلك و بيان المراد من المقتضي في كلامه (قده) إن شاء اللَّه تعالى‏

(الجهة الرابعة) في بيان ما يعتبر في جريان الاستصحاب‏

و هي أمور ثلاثة (الأول) اجتماع اليقين و الشك في زمان واحد وجودا من دون فرق بين سبق اليقين على الشك و تأخره عنه و تقارنها حدوثا مثلا إذا علم عدالة زيد يوم الجمعة و شك في عدالته يوم السبت فلا بد من تحقق اليقين بالعدالة يوم الجمعة في زمان الشك في جريان الاستصحاب سواء كان اليقين حادثا أو لا أو كان الشك كذلك أو حدثا معا و بهذا يفترق الاستصحاب عن قاعدة اليقين المعتبر فيها عدم اجتماعهما في الوجود و تقدم اليقين على الشك كما عرفت (الثاني) تقدم المتيقن على المشكوك زمانا بأن يكون الشك في بقاء ما تعلق اليقين بوجوده حتى يصدق نقض اليقين بالشك بعدم الجري العملي على طبق اليقين و اما إذا كان المشكوك سابقا في الوجود على المتيقن كما إذا علمنا عدالة زيد يوم الجمعة و شككنا في عدالته يوم الخميس فهذا لا يكون من الاستصحاب في شي‏ء لعدم صدق النقض (ح) أصلا و لو سلمنا صدقه فهو من باب نقض الشك باليقين لا نقض اليقين بالشك المعتبر في جريان الاستصحاب و بالجملة لا دليل على وجوب ترتيب آثار المتيقن اللاحق على المشكوك السابق المسمى بالاستصحاب القهقرى كما نسب ذلك إلى الأستاذ الشريف أو إلى بعض تلامذته (قدس اللَّه أسرارهم) سواء قلنا بحجية الاستصحاب‏

350

من باب الاخبار الخاصة أو من باب الظن اما على الأول فظاهر لأن ظهور الأخبار في اعتبار تقدم المتيقن على المشكوك المحقق لصدق النقض مما لا يكاد يخفى و اما على الثاني فلأن حصول الظن بتحقق المتيقن اللاحق في الزمان السابق المشكوك وجوده فيه ممنوع أشد المنع و لو سلمنا حصول الظن في موارد الاستصحاب المصطلح لكون الغالب فيما يثبت هو الدوام فإن ذلك انما هو في ناحية البقاء لا في ناحية مبدأ الحدوث نعم لا يبعد دعوى حصول الظن في بعض موارد الاستصحاب القهقرى كما إذا علمنا ظهور لفظ الصعيد مثلا في التراب الخالص و لكن شككنا في مبدأ الظهور لاحتمال حدوثه في الأزمنة المتأخرة و ذلك لأن الغالب في اللغات عدم التغيير و بقاؤها على ما كانت أو لا فمن ظهور لفظ في معنى في زماننا يحصل الظن بكونه كذلك سابقا و لكن الكلام في حجية هذا الظن أولا و عدم اختصاص دعوى المدعي لحجيته بهذه الموارد ثانيا فلا بد له من إقامة دليل آخر عليها (الثالث) فعلية اليقين و الشك بمعنى ان يكون المكلف فعلا مرددا في بقاء ما هو متيقن الثبوت و لا يكفي فيه اليقين و الشك التقديريان بمعنى ان المكلف يكون حاله بحيث لو كان ملتفتا لحصل له الشك في البقاء و البرهان عليه من طريقين (الأول) ان اليقين و الشك أخذا موضوعين لحرمة النقض في أدلة الاستصحاب و قد ذكرنا غير مرة ان فعلية كل حكم يتوقف على فعلية موضوعه المأخوذ مفروض الوجود على ما هو الشأن في القضايا الحقيقية فكما ان كل حكم مترتب على أي موضوع يتوقف فعليته على فعلية موضوعه فكذلك يتوقف فعلية الحكم الاستصحابي على فعلية اليقين و الشك (الثاني) انا قد ذكرنا في مباحث الظن ان الحكم الظاهري المجعول في باب الأدلة الاجتهادية و الأصول العملية محرزة كانت أو غير محرزة لا يترتب عليه الأثر العملي من المنجزية أو المعذرية الا مع العلم بتحقق موضوعه خارجا و العلم بجعل الحجية له فما لم يعلم جعل الحجية لخبر الواحد مثلا أو لم يعلم وجود الخبر خارجا لا معنى لفعلية الحجية و ترتب الأثر المرغوب منها عليه فالعلم بالحكم و ان لم يمكن أخذه في موضوعه في مقام الجعل و الإنشاء سواء في ذلك الأحكام الظاهرية و الواقعية إلّا ان الأحكام الواقعية تفترق من الظاهرية بأن فعليتها تكون بمجرد وجود موضوعاتها خارجا و ربما يترتب عليها آثار بنفس فعليتها و ان لم يكن المكلف عالما بها لعدم العلم بجعلها أو بتحقق موضوعها المانع عن قابليتها للبعث و التحريك و هذا بخلاف الأحكام الظاهرية فان الأثر المرغوب منها هو تنجيز الواقع أو المعذرية عن مخالفته لا يمكن ان يترتب الا مع‏