آراء حول مبحث الألفاظ في علم الأصول‏ - ج2

- علي الفاني الأصفهاني المزيد...
414 /
151

لا يكفي للجواز من هذه الجهة فهو رأى في المسألة و لا ربط له باحتياج موضوع البحث إلى قيد المندوحة مضافا إلى ما عرفت سابقا من فساد المبني و عدم تقيد المتعلق بالقدرة.

الامر الخامس أنّه قد يتوهم توقف النزاع في المقام علي القول بتعلق الاحكام بالطبائع‏

إذ على القول بتعلقها بالافراد لا يتصور الجواز لاستلزامه تعلق حكمين متضادين بواحد شخصى فيتعين الامتناع، و قد يتوهم توقف الجواز على القول بتعلق الاحكام بالطبائع ضرورة تعدد متعلقى الأمر و النهى حينئذ و إن اتحدا وجودا و توقف الامتناع على القول بتعلقها بالافراد ضرورة اتحاد متعلقهما خارجا حينئذ، لكن يندفع كلا التوهمين بما نبّه عليه صاحب الكفاية (قده) من أنّ تعدد الوجه إذا كان مجديا بحيث لا يضرّ الاتحاد ايجادا و وجودا فهو مجد حتى على القول بالتعلق بالافراد إذ الموجود الخارجى باعتبار وجود الوجهين فيه مجمع لفردين من طبيعيين وجدا بوجود واحد، و إذا كان غير مجد فلا يجدى حتى على القول بالتعلق بالطبائع ضرورة وحدة الطبيعتين وجودا و خارجا حينئذ (فما يظهر) من بعض الاساطين (ره) من التفصيل فى المقام بين كون النزاع فى مسئلة تعلق الأمر بالطبائع أو الافراد فى أن الموجود فى الخارج هو الطبيعى أو الفرد فعليه لاساس لتلك المسألة مسئلة الاجتماع إذ الحيثان إذا كانا تقييديين انضماميين فالمجمع على القول بوجود الطبيعى يكون طبيعيين موجودين بوجود واحد و على القول بوجود الفرد يكون فردين انضماميين اجتمعا فى وجود واحد و إذا كانا تعليليين فكان التركيب بينهما اتحاديا فالموجود الخارجى هويّة واحدة معنونة بعنوانين على القول بوجود الطبيعى و فرد واحد كذلك على القول بوجود الفرد، و بين كونه فى أن الأمر المتعلق بالطبيعة هل يتعلق بمشخصاتها الخارجية أيضا أم لا بل المشخصات من لوازم الوجود فهى خارجة عن حيز الأمر فعليه بتوقف النزاع على ذلك إذ المدّعى لتعلق الأمر بالمشخصات إنّ اراد تعلقه بها على نحو الاستقلال فبطلان الدعوى واضح لوجوه ثلاثة أحدها أنّ المشخصات غير دخيلة فى غرض الآمر و ليست كالاجزاء و الشرائط فلا موجب لتعلق الطلب بها ثانيها أن طلبها يستلزم طلب الحاصل لان فردية الفرد إنّما هو بالتشخص و التشخّص يساوق الوجود فبوجود الفرد

152

ينوجد؟؟؟ التشخص فلا يصح طلبه بعد ذلك ثالثها أنّ لازمه بطلان التخيير العقلى بين الافراد و تعين الموجود منها للطلب و جعل التشخص كليا لدفع هذا المحذور خروج عن تعلق الأمر بالافراد لان ضمّ كلى إلى مثله لا يجعله متشخصا، فلا بد أن يريد أنّ الأمر بالطبيعى هل يتعلق بالمشخصات تبعا كما هو الحال فى تعلق الارادة التكوينية بالتشخصات إذ لا تلاحظ التشخصات فيها بالاستقلال بل بالتبع، و على هذا يتوقف القول بالجواز على القول بتعلق الأمر بالطبيعة بمعني خروج التشخصات عن حيّز الأمر ضرورة عدم اجتماع حكمين متضادين فى موضوع واحد فلا سراية فى البين كما يتوقف القول بالامتناع علي القول بتعلق الأمر بالفرد بمعني دخول التشخصات في حيّز الأمر ضرورة اجتماع حكمين متضادين في موضوع واحد و تحقق السراية فلا بد من إعمال قواعد التعارض، نعم الحق خروج التشخصات عن حيّز الأمر مطلقا و لو بالتبع و إن كان لا بد من وجودها حين وجود الطبيعى و قياسها بالمقدمات الوجودية الواجبة من قبل وجوب ذى المقدمة فاسد ضرورة ثبوت الملاك التبعي في المقدمات دون التشخصات إذ لا دخل لها فى القدرة على الطبيعة المأمور بها و لا ملاك غير ذلك يقتضى طلبها: انتهى (مدفوع) بأنّ وجود الطبيعى فى الخارج و عدمه مطلب نظرى فلسفي لا يبتني عليه بحثنا لا لما ادعي من عدم مساس له بمسألتنا بل لما نبّه عليه في الكفاية من أنّ حيث البحث قابل للتطبيق علي المسلكين فضلا عما في أحد تقريريه من استبعاد ابتناء النزاع في تعلق الاحكام بالطبائع أو الافراد علي وجود الطبيعي و عدمه لان القائل بالتعلق بالافراد لا ينكر وجود الطبيعي ظاهرا، إذ العمدة عنده على هذا هو التفسير الثاني لذلك النزاع الذى التزام بتوقف مسئلتنا عليه، فنقول إنّ القائل بتعلق الاحكام بالافراد إنّما اختار هذا المسلك بزعم أن الطبيعة بما هي عنوان انتزاعي ليس فيه ملاك الأمر و لا غيره من الاحكام فلا بد أن يتعلق الحكم بالخارج أى الفرد، و هذا المقال لا يستلزم القول بشمول الحكم للمشخصات استقلالا أو تبعا حتّى يجرى عليه ما ذكر من توقف مسئلتنا علي ذاك النزاع أمّا الشمول الاستقلالي فلوضوح تباين المشخصات و عدم ملاك واحد سار في جميعها بما هي متباينة حتّى يقال بالتخيير الشرعي بينها و أمّا الشمول التبعي فلان المشخصات إنّما هي ملازمات‏

153

الوجود و لم ينقل عن أصولي من العامة و الخاصة تعلق الحكم أىّ حكم كان بالملازمات المفارقة غير المقترنة مع متعلق الحكم تبعا لمجرد المقارنة (إن قلت) فردية الفرد عين تشخصه و تشخصه عين مقارنته مع الملابسات و الملازمات فالتعلق لاجل المقارنة تعلق بالتشخص (قلت) كلّا فان الملحوظ فى عالم جعل الحكم و لو متعلقا بالفرد ليس هو المكتنف و لا حيث الاكتناف فمرجع هذا القول إلى أنّ الأمر أو حكما ما آخر يتعلق بما هو فى الخارج أى بالحصة الخارجية مع قطع النظر عن ملابساته سمّها مشخصات أو مفردات أو ملازمات أو ما شئت، فمن الغريب أنّه يجعل ورود الاشكال على القول بتعلق الأحكام بالافراد على بعض الوجوه سببا لكون النزاع فى مسئلتنا على وجه آخر مرضى لديه مبتنيا عليه، و أعجب منه أنه يستشكل على هذا الوجه أيضا و هو أنّ النزاع هناك فى سراية الارادة إلى المشخصات تبعا مع أنّ الاشكال على وجه إذا اوجب خروجه عن مورد النزاع فلا بد أن يكون الوجه الآخر مورد النزاع و المفروض ورود الاشكال على الوجه الآخر ايضا فما هو الوجه الذى يكون مورد النزاع عنده فى مسئلة التعلق بالطبائع أو الافراد حتى يتوقف عليه النزاع في مسئلتنا كما هو بصدد إثباته فى هذه المقدمة. مع أنّ هنا شقّا آخر فى تصوير نزاع التعلّق بالطبائع أو الافراد و هو كون النّزاع فى تعلق الأوامر بالعنوان الذهنى حتى يقال بالاجتماع فى مثل الصلاة فى الدار المغصوبة أم بالفرد الخارجى حتى يقال بالامتناع فى المثال و بعبارة أخرى تتعلق الأوامر بالشي‏ء قبل تحققه فى الخارج أم بعده، و عليه يدخل فى محل النّزاع فالحق مع صاحب الكفاية (قده) فى أنّ النزاع يجرى علي القولين و تطويل هذا القائل فى هذه المقدمة لم يجده شيئا.

و لقد أجاد بعض الأعاظم (ره) حيث نبّه على أنّ مشارب القول بالجواز مختلفة فربما يستدل له بكبرى تعلق الأوامر و النواهى بالطبائع لا الأفراد فيخالفه الامتناعى في الكبرى و ربما يستدل له بصغرى اجتماع وجودين على نحو الجهة التقييدية فى المجمع فيخالفه الامتناعى في الصغرى، إذ منه يعلم ما في دعوى صاحب الكفاية (قده) أنّ القول بتعلق الأوامر و النواهي بالطبائع لا يجدى للجواز ما لم يلتزم بأن تعدد العنوان يوجب تعدد المعنون، فان القائل بالجواز له أن لا يلتزم‏

154

بذلك و يقول بان المجمع واحد وجودا و إن اجتمعت فيه جهات تعليلية لكن الاجتماع مأمورى لا آمرى فلا باس به، نعم مقاله لا يخالف ما نبّه عليه صاحب الكفاية (قدس سرهما) من عدم ابتناء مسئلة الاجتماع على كبرى تعلق الأوامر و النواهى بالطبائع أو الافراد لما نرى بالوجدان من أنّ القائل بتعلق الاحكام بالطبائع يذهب إلى الامتناع لاجل وحدة المجمع وجودا كما أنّ القائل بالتعلق بالأفراد ربما يذهب إلى الجواز، بل القائل بالتعلق بالطبائع فى مورد كون المجمع ذا جهتين تقييديتين اجتمعتا فيه على نحو التركيب الانضمامي له أنّ يذهب إلى الامتناع بتقريب أنّ وحدة الوجود الخارجى و لو بسبب وحدة الايجاد مانعة عن تجويز العقل شمول جعلين متضادين من المولى له (و بالجملة) بعد تشتت الطرق لاثبات الجواز أو الامتناع لا يمكن حصر ابتناء القولين على تعلق الاحكام بالطبائع أو بالافراد و لذلك نوافق صاحب الكفاية (قده) فى عدم ابتناء هذه المسألة على تلك و لا نوافقه و القوم فى حصر النّزاع فى أنّ الوجود الواحد أى المجمع اثنان أو واحد.

الامر السادس أنّه لا بد فى تحقق موضوع المسألة من وجود مناط كلا الحكمين الوجوب و الحرمة فى متعلقيهما على نحو الاطلاق القابل للسريان حتى فى مورد التصادق‏

كى يمكن البحث عن الجواز و الامتناع و أنّ المورد محكوم بحكمين على الأوّل و بأقوى المناطين أو بحكم آخر غير الحكمين على الثانى إذ مع عدم وجود المناط فيهما فى مورد الاجتماع لم يكن المورد إلّا محكوما بحكم واحد منهما أو حكم واحد غيرهما، هذا بحسب الثبوت فاذا أحرز فى مرحلة الاثبات عدم اجتماع المناطين فى مورد التصادق يجب إعمال قواعد المعارضة بينهما و إلّا فلا بد من معاملة التزاحم بين المقتضيين معهما فربما يرجح الأضعف سندا إذا كان أقوى ملاكا على الآخر، نعم استثنى من ذلك صاحب الكفاية (قده) ما لو كان كل من الخبرين متكفلا للحكم الفعلى فالتزم بملاحظة مرجحات باب التعارض إن لم يحمل أحدهما على الحكم الاقتضائي لكنه مبنى على ثبوت تعدد مراتب الحكم الذى ستعرف ما فيه، ثم إنّه لا فرق فى ذلك بين إحراز مناط كلا الحكمين فى مورد التصادق بالاجماع أو بدليل قطعى غيره أو بسبب إطلاق دليلى الحكمين (لكن فصّل) صاحب الكفاية (قده) لدى الاستناد إلى الاطلاق بين كونه مسوقا لبيان الحكم الاقتضائى فهو من التزاحم الذى يكون من مسئلة الاجتماع‏

155

و بين كونه مسوقا لبيان الحكم الفعلى فعلى القول بالجواز يستكشف وجود المقتضى لكل من الحكمين إلّا إذا علم إجمالا بكذب أحدهما فيعامل معهما معاملة التعارض، و على القول بالامتناع لا يمكن كشف وجود المقتضى لهما فى مورد التصادق لان انتفاء أحد الحكمين كما يمكن أن يكون لوجود المانع يمكن أن يكون لعدم المقتضى له، ثم احتمل اقتضاء الجمع العرفى حمل كل منهما على الحكم الاقتضائى لو لم يكن أحدهما أظهر فى مفاده (و يندفع) بأن الحكم و هو المحمول الشرعى الانشائى إنما هو فعل تكويني للحاكم كالشارع و لا بد فى الحكم من حيث حسن الانشاء مصدريا وجود ملاك فى متعلقه بناء على الحق من تبعية الاحكام للمصالح و المفاسد و بطلان مزعمة شرذمة من بسطاء جهّال المنتسبين إلى الاسلام من إنكار التحسين و التقبيح العقليين، و من المعلوم أنّ المصالح و المفاسد ليستا من الحكم فى شيئي لان و زانهما ليس و زان البذر مثلا حتّى يمتد وجودا و يصل إلى حدّ الحبّ إذ ليس للمصلحة إمكان استعدادى بالطبع يسحبها إلى الحكم لان الحكم فعل اختياري للشارع فله أن يحكم و له أن لا يحكم مراعيا في الأمرين ملاكات لا تحصي و لا أقلّ من ملاك التسهيل في عدم الجعل مع كمال اشتداد ملاك الجعل، و لذا أمرنا بالسكوت عمّا سكت اللّه عنه، و رفع ما حجب اللّه علمه عن العباد، فالحكم الملاكى أى الاقتضائى لا معنى له إلّا أن يؤول هذا النحو من الحكم بنوع من التأويل و هو يخالف ظواهر كلماته (قده) ثم الحكم بما هو محمول لا بد له من متعلق و يكفى وجوده اللحاظى حاكيا عمّا فى الخارج على ما تقدم عند بيان صحة الجعل هذا بحسب مرتبة الجعل أمّا من حيث المتعلق فلا بد من الوجود الفعلي للمكلّف و اجتماع شرائط تعلق الحكم به كي يصير فعليا فالفعلية متأخرة عن أصل الحكم واقعة فى رتبة تعلقه في الخارج، كما أنّه لا بد فى تنجز الحكم من حيث إمكان الباعثية من العلم و من حيث حصول المتعلق من وجود القدرة علي الامتثال فالتنجز المساوق مع حكم العقل باستحقاق العقاب علي الترك كالفعلية متأخر عن الجعل واقع في رتبة امتثاله فهاتان المرتبتان ليس مما يمسّ الشارع أمرهما نفيا و إثباتا إلّا بجعل مؤمّنات و رفع تبعات فى موارد يقتضيها سهولة الشرع و لطف الشارع علي العباد الموجب لتسهيل أمر الامتثال‏

156

عليهم، فتلخص ان تعدد مراتب الحكم أى الاقتضاء و الانشاء و الفعلية و التنجز مما لا معنى له بل الحكم له مرتبة واحدة هي الجعل و الانشاء و لا حكم إلّا و هو فعلي أى موجود فى وعائه المناسب له، فتفصيل صاحب الكفاية (قده) المبني علي ذلك غير سديد و كذا ما فرّعه عليه.

و قد تنبه بعض المحققين لما ذكرنا فأورد على مقال أستاده (قدس سرهما) بأن الحكم بالاضافة إلى ملاكه ليس كالمقتضى بالنسبة إلى سببه و مقتضيه لأنّ السبب الفاعلى للحكم هو الحاكم و الملاك هى الغاية الداعية كما أنّه ليس كالمقبول بالنسبة إلى القابل فان المصلحة لا تترقى بحسب الاستكمال إلى أن يتصور بصورة الحكم كالنطفة بالاضافة الى الانسان، ثم تجشّم فى تقريب ثبوت الحكم بثبوت المقتضى بما لا يهمّنا التعرض له بعد اعترافه (قده) بعدم صحته (نعم) قد وجّه ذلك أخيرا بأن الانشاء إذا لم يكن لبيان الملاك حتى يكون إرشادا بل كان لبيان البعث أمكن أن يقال بأنه إظهار للمقتضى الثابت بثبوت مقتضيه على الاطلاق فهو بعث اقتضائى حتّى فى صورة وجود المانع أمّا مع عدم المانع فيكون فعليا فهو حكم مولوى اقتضائى في حد ذاته و يصل إلى الفعلية البعثية عند عدم المانع، و هذا المعني لو كان مطلقا لكان مفيدا ثبوت الملاك حتى فى صورة الاجتماع (لكن) يدفعه أنّ البعث إنّما هو لحمل المكلف على المبدا فلا معنى لكونه بعثا مع كونه بيانا لثبوت المقتضى مضافا إلى ما عرفت من أنّ مرتبة الفعلية المتوقفة على شرائط التنجز و الامتثال و على انتفاء الموانع و ارتفاعها متأخرة عن الجعل و ليست مربوطة بالجاعل، نعم لا بأس بتعنون الحكم بعناوين مختلفة بسبب العوارض و الطوارى ما لم يستلزم توهم تنويع المشروع فى عالم الجعل إلى نوعين أو أنواع متباينة متغايرة.

و قد أنكر بعض الأساطين (ره) توقف النّزاع على وجود المناط فى مورد الاجتماع بدعوى جريان النزاع على قول العدلية من تبعية الاحكام للمصالح و المفاسد و على قول الأشعرى من عدم التبعية لان ملاك استحالة الاجتماع تضاد الحكمين و هو جار على المسلكين، كما أورد على مقال صاحب الكفاية (قده) فى مراتب الحكم بأنّ كون الحكم فى محل الاجتماع فعليا مرة و اقتضائيا مرة أخرى غير معقول و بأن ما ذكره (قده) فى الأمر الثامن و التاسع من مسئلة الاجتماع مما لا محصل‏

157

و يرد عليه أن الاشاعرة شرذمة قليلة من بسطاء العامة فلا يعتنى بهم فى مثل هذه المباحث العقلية كى تجرى على مسلكهم فمحل البحث لدى الاصوليين و هم العدلية غالبا ما هو المسلم لديهم من تبعية الاحكام للمصالح و المفاسد الذى لا بد معه من وجود مناط كلا الحكمين فى المجمع، مع أن انكار الاشاعرة تبعية الاحكام للمصالح و المفاسد إنما هو لانكار هم الحسن و القبح العقليين و ملاك استحالة الاجتماع من جهة التضاد بين الاحكام إنّما هو استلزامه التكليف المحال من جهة عجز المكلف عن امتثال الحكمين فى مصداق واحد فطلب الفعل و الترك معا فى مثله قبيح يستحيل صدوره عن الحكيم فملاك الاستحالة ينتهى إلى القبح العقلى الذى ينكره الاشعري فقوام موضوع البحث بما هو مسلك العدلية فلا يجرى النزاع على مسلك غيرهم، أما ايراده على مراتب الحكم فموقوف على التزام صاحب الكفاية (قده) بكون الحكم فى محل الاجتماع فعليا تارة و اقتضائيا أخرى فى مورد واحد و ليس كك؟؟؟

بل مراده كما يظهر من كلامه دلالة دليل على الاقتضائى فى مورد آخر و كل مورد يلحقه حكمه حسب ما ذكره مضافا إلى ظهوره قبول تعدد مراتب الحكم من صاحب الكفاية (قده) و قد عرفت ما فيه. على الحكم الفعلي في مورد و

الامر السابع أن الاتيان بالمجمع لدى القائل بالجواز امتثال للواجب و لو كان عبادة

إذا كان للمكلف داع قربى بلا ريب فى ذلك و لا إشكال ضرورة تحقق المأمور به بجميع أجزائه فهو ممتثل للامر قطعا غاية الامر انه عاص للنهى أيضا كما لا إشكال فى تحقق الامتثال لدى القائل بالامتناع مع ترجيح الأمر من غير أن يكون عاصيا أبدا و كذا مع ترجيح النهى و كون الواجب توصليا ضرورة حصول الغرض من الأمر فهو ممتثل للأمر و عاص للنهى معا، إنّما الاشكال كله فى صورة كون الواجب عباديا إذ الآتى بالمجمع ملتفتا إلى الحرمة أو غير ملتفت تقصيرا لا يكون ممتثلا للامر و إن تحقق منه قصد القربة لدى الجهل التقصيرى ضرورة تنجز النهى فى الحالتين أى العلم بالحرمة و الجهل التقصيرى بها حسب ترجيح النهى و عدم عذرية الجهل عن تقصير، فالمجمع مبغوض ذاتا بسبب النهى المنجز فكيف يقع امتثالا للعبادة المتقومة بالمحبوبة الذاتية، نعم الجاهل عن قصور إذا أتى‏

158

بالمجمع بداعى قربى تحقق منه الامتثال حتى مع ترجيح النهى بلا اشكال ضرورة تحقق المأمور به بجميع أجزائه و عدم مبغوضية فى المجمع كى تمنع عن المحبوبية الدخيلة فى قوام العبادة و ذلك لعذرية الجهل القصورى و كونه مانعا عن تنجز النهى فلا حرمة فى المجمع كى توجب الامتناع (فما فى الكفاية) من التفصيل بين تبعية الاحكام لا قوى جهات المصالح و المفاسد واقعا كما هو مختاره ظاهرا فالامر ساقط لكن الامتثال غير متحقق ثم ادعى إمكان حصول الامتثال لعدم تفاوت لدى العقل بين هذا الفرد مع سائر أفراد الطبيعة المأمور بها من جهة الوفاء بالغرض، و عدم انطباق عنوان المأمور به عليه حيث كان لوجود المانع لا لعدم المقتضى فلا يضر بصدق الامتثال، و بين تبعيتها للمؤثّر فعلا فى الحسن و القبح فالامتثال متحقق قطعا إذ الحسن و القبح الفعليان تابعان للمصلحة و المفسدة المعلومتين و المفروض علم المكلف بالمصلحة و جهله قصورا بالمفسدة ففعله حسن فعلا غير قبيح اصلا فهو امتثال قطعا (غير سديد) إذ الأحكام تابعة للمصالح و المفاسد الواقعية أبدا بمعنى كونها سببا لانشاء الاحكام لكن شرط تأثير الملاكات الواقعية فى اتصاف الفعل بالحسن أو القبح عقلا علم المكلف بها و لو إجمالا و قدرته علي الامتثال خارجا، فالمانع عن تنجز النهى كالجهل القصورى فى المقام يمنع عن تأثير المفسدة الواقعية فى اتصاف الفعل بالمبغوضية و القبح فتؤثر المصلحة الواقعية فى اتصافه بالمحبوبية و يكون الفعل محبوبا غير مبغوض فينطبق عليه عنوان المأمور به و يكون امتثالا له بلا ريب، هذا بناء على لزوم قصد الأمر فى العبادة أمّا على ما هو الحق من كفاية ربط الفعل إليه تعالى فى ذلك و كون قصد الأمر من محققات الربط المقوم للعبادة فتحقق الامتثال أوضح إذ لو لم ينطبق عليه عنوان المأمور به بالخصوص أيضا كفى انطباقه عليه بالعموم من جهة الاندراج تحت الطبيعة كما تقدم نظيره فى بعض المقدمات، فالمعذور خارج عن موضوع الاجتماع إذ الكلام فى اجتماع الامر و النهى المنجّزين من جهة عجز المكلف عن امتثالهما أمّا قبل ذلك فلا امتثال حتى يلزم محذور من الاجتماع، نعم بناء على تعدد مراتب الحكم يكون للتفصيل وجه و إن أمكن المناقشة فيه أيضا لكنك عرفت ما فيه (فظهر) مما ذكرنا أنّ‏

159

ذهاب المشهور القائلين بالامتناع مع تقديم الحرمة إلى صحة الصلاة فى المغصوب لدى العذر كالنسيان و الجهل و غيرهما يمكن أن يكون لخروج موارد العذر عن موضوع الاجتماع لديهم لا لما ذكره (قده) كما تبين حال مقال بعض الأعاظم فى الجهل القصورى حيث ذكر ما يقرب من مقال أستاده صاحب الكفاية (قدس سرهما).

فلقد أجاد بعض المحققين (قده) فيما أفاد فى المقام مما يوافق بعض ما ذكرنا حتى خروج موارد العذر عن موضوع اجتماع حكمين لكن إشكاله فيه بكفاية الاطلاق الذاتى لدليل الحرمة فى شمول الحكم لصورة الجهل و كون الموضوع المجهول الحكم بعنوانه ذا حكمين مدفوع بعدم كفاية ذلك فى الدخول فى موضوع الاجتماع الذى هو انطباق الأمر و النهى المنجزين علي المجمع، ثم إن بعض الاساطين (ره) ذكر من جملة المقدمات تقسيم كل من المتعلقين أو أحدهما إلى ما يكون مقولة أو متمم المقولة أو سببا أو مسببا توليديا و أطال فى ذكر الأقسام و أحكامها، و أنت خبير بأن تعدد العنوان إن كان مجديا فى تعدد موضوع الأمر و النهى و التخلص عن محذور الاجتماع و كذا الطريق الآخر الذى أسلفناه للقول بالجواز ففى تلك الأقسام سواء و إلّا فكذلك فما ذكره فى هذه المقدمة بطولها مما لا يجدى للمقام شيئا.

الامر الثامن أنّه لا تضاد بين الاحكام فى مرحلة من مراحل الحكم أمّا مرحلة

الانشاء فلانه خفيف المئونة فيمكن إنشاء حكمين متخالفين بالنسبة إلى موضوع واحد بنحو القضية الحقيقية كما هو الشأن فى قضايا الاحكام الشرعية ليصيرا فعليّين فى زمان واحد بعد تحقق الشرائط كما نشاهد ذلك من الحكّام الجائرين فى مقام التعذيب و العقوبة، و أمّا مرحلة الارادة التى هى منشأ الانشاء فلإمكان تعلق الارادة و الكراهة بشي‏ء واحد فى زمان واحد بجهتين، و أمّا مرحلة مناط الحكم فلامكان اجتماع المصلحة و المفسدة فى فعل واحد من جهتين، و أمّا مرحلة الفعلية فلوضوح عدم التنافى بينهما تكوينا بحسب وجودهما الاعتبارى المحفوظ وعائه، نعم حيث أنّ الاعتبارين لا بد لهما من مصحّح و هو غير موجود بالنسبة إلى الحكمين المتخالفين فلا حسن في اعتبارهما و حيث أنّ صدور القبيح عن الشارع تعالى محال فهو بالنسبة

160

اليه محال و بالنسبة إلى غيره خلاف القواعد العقلية النظامية لكن هذا غير التضاد التكوينى بين الاحكام (فما اختاره) صاحب الكفاية (قده) فى أولي مقدماته الاربعة التى مهّدها لتحقيق مختاره فى المسألة و هو الامتناع من أنّ الاحكام الخمسة متضادة فى مرحلة الفعلية التى هي مرتبة البعث و الزجر دون مرحلة الانشاء لوضوح المنافاة بين البعث إلى شي‏ء فى زمان و الزجر عنه فى ذاك الزمان و عدم المنافاة بين إنشاءيهما و عليه فاجتماع الأمر و النهى بنفسه محال لا أنّه تكليف بالمحال فلا يجوز حتى عند من يجوّز التكليف بغير المقدور كالأشاعرة (غير سديد) لما عرفت من عدم التضاد التكوينى بينها أصلا غاية الأمر عدم حسن اعتبار المتخالفين المستلزم للمحال بالنسبة إلى الشارع دون الموالى العرفية مع أنّ محل الكلام فى المسائل الاصولية أعم من الاحكام الشرعية و العرفية (كما أنّ ما اختاره) فى ثانية تلك المقدمات من أنّ متعلق الاحكام إنّما هو نفس فعل المكلف الذى يصدر منه خارجا مثل ما يصدر عن الضارب فى الخارج لا اسمه الذى سمى به و هو عنوانه الاولى كالضرب فى المثال كما هو واضح و لا عنوانه الذى انتزع منه بجهة من الجهات كعنوان التأديب المنتزع من الفعل المزبور من جهة صدوره لاجله فلو لا انتزاع العنوان تصورا و فى عالم الذهن لم يكن بحذائه شي‏ء خارجا فهو خارج المحمول نظير الملكية و الزوجية و الرقية و نحوها من الاعتبارات و الاضافات فلا تعلق للاحكام فيها ضرورة عدم البعث نحوها و لا الزجر عنها فهى غير مأخوذة فى متعلق الاحكام بنحو الاستقلال بل بنحو الآلية للحاظ متعلقاتها و الاشارة إليها بمقدار الغرض منها، و ربما أيّد مقالته (قده) بعضهم بأن الحكم لا بد أن يتعلق إمّا بالعنوان الذهنى أو بالمعنون الخارجى و الاول غير ممكن ضرورة عدم مطالبة الوجود الذهنى من المكلف و عدم تعلق الغرض به فلا محالة يتعلق بالمعنون الذى به يقوم الغرض (غير سديد) لان خارج المحمول على ما تقرر فى الفلسفة هو الذى ينتزع من صميم الذات بلا حاجة إلى لحاظ شي‏ء ما آخر نظير انتزاع الناطق من الانسان فعدّ مثل الملكية مما لا بد فى انتزاعه من الشي‏ء من انضمام شي‏ء آخر إلى الذات وراء نفسها و هو اعتبار العلقة فى المملوك من؟؟؟ عجيب من صاحب‏

161

الكفاية العارف باصطلاحات الفلسفة، إلا أن يراد بذلك انتزاع الملكية فى المملوك بعد اعتبار العلقة فيه لكنه كما ترى ليس من الانتزاع من صميم الذات فى شي‏ء، و كيف كان فقد تقدم فى أوّل الكتاب أنّ الارادة التشريعية تشارك التكوينية فى جهة و تفارقها فى أخرى حيث أنّ التكوينية تتنزل من الوجود العلمى الداعوى إلى الوجود الخارجى بمعنى أنّ تصور المراد و فائدته هو الذى يتنزل عن مرحلة العلم إلى مرحلة التصديق بذلك ثم يصير مشتاقا ثم يتأكد الشوق نحوه ثم يصير ميلا طبعيا فيجرى فى العضلات و يصدر منه الفعل، بخلاف التشريعية فهى إنّما تقع فى مرحلة الشوق من مراحل التكوينية و تصير بمنزلة الداعى لتحريك تلك الارادة نحو إصدار الفعل فالتشريعية مقدّمة رتبة عن التكوينية تقدم الداعى عن الشي‏ء فكيف يمكن تعلقها بنفس الفعل الخارجى، و بالجملة فالوقوع فى سلسلة ايجاد الشي‏ء غير التعلق بالوجود الخارجى فكون متعلق الاحكام هو ما يصدر عن المكلف خارجا ضعيف جدا و دعوى أنّه لا معنى لتعلق الحكم بالوجود الذهنى و مطالبته مدفوعة بأنّ متعلق الحكم ليس هو الوجود الذهنى بما هو موجود فى الذهن بل بما هو مرآة للخارج فمصب الحكم فى الحقيقة هو ايجاد مثل هذا الوجود فى عالم الخارج، كما أنّ دعوى كون متعلق الحكم جهة ايجاد الفعل الخارجى لا جهة وجوده مدفوعة بأنّ تفاوت الايجاد و الوجود إنّما هو بالاعتبار لا بالوجود فلا يمكن التفكيك بينهما خارجا.

و مما ذكرنا ظهر ما في مقال بعض الاساطين (ره) حيث مهّد للمسألة مقدمات تسعة، ثمانية منها، تدور حول شرح الأعراض و النسب بين العناوين الاشتقاقية أى النسب الأربع و هى نسبة الهيولى إلى الصورة و بالعكس و نسبة الجنس إلى الفصل و بالعكس التى هى من الابحاث الفلسفية و خارجة عن عهدة الاصولى لا سيّما من لا خبرة له بتلك الاصطلاحات و المطالب المعضلة، و الأولى إرجاع ثمانيتها إلى أمرين (أحدهما) كون متعلق التكاليف ما فى الخارج لا العنوان الذهنى ضرورة تعلق الغرض بالأوّل دون الثّانى بل هو غير قابل للامتثال، و هذا الأمر عين ما عرفته آنفا من صاحب الكفاية (قده) من أنّ متعلق التكاليف هو المعنون الخارجى‏

162

لا العنوان الذهنى فيتوجه عليه ما أوردناه على ذاك المقال من أنّ متعلق التكاليف يستحيل أن يكون ما فى الخارج سواء بنفسه أم بلحاظ عنوانه ضرورة استلزامه الأمر بتحصيل الحاصل، بل المتعلق عبارة عن العنوان الذهنى الذى هو وجود شوقانى للوجود التكوينى الخارجى و الغرض من تعلق التكليف بذلك هو ايجاد هذا المشتاق فى الخارج لا بمعنى انقلاب ما فى الذهن إلى ما فى الخارج كى يقال باستحالته بل بمعنى تأكد الشوق نحوه و سيره في المراتب التنزيلية إلى حد الميل الطبعى المنبثّ في العضلات الموجب للبس ذاك المشتاق لباس الوجود الخارجى، كما فى جميع المرادات بالارادة التكوينية من الافعال الاختيارية حيث أنها تتنزل من صورها العلمية المنتقشة في ذهن الفاعل إلى مرحلة التصديق بالفائدة ثم الشوق نحو ايجادها و هكذا إلى بلوغ ذلك الشوق حد الميل الطبعى الموجود فى العضلات المحرك لها نحو الايجاد خارجا، و هذا الشوق فى تعلق التكاليف إنّما يحصل للمكلف من حصول العلم له بوقوع هذا العنوان فى عالم الجعل و مركز شوق المكلف بالكسر إن كان فمن يعرض له الشوق كالموالى الصورية تحت أمر الجاعل أو نهيه بنحو القضايا الحقيقية.

(ثانيهما) عدم تعدد ما فى الخارج من المعنون بتعدد العنوان لان كل واحد من المبدءين أى حيث الغصب الذى هو من مقولة الأين و حيث الصلاة الذى هو من مقولة الوضع لا بد أن يكون محفوظ الماهو و منحازا عن الآخر لاستحالة تفصل جنس واحد بفصلين حتى تتعدد الماهيتان خارجا لشي‏ء واحد، فالحركة الصادرة عن المصلي في الخارج له ماهية واحدة ينطبق عليها عنوان المصلى من حيث و عنوان الغاصب من حيث آخر مع وحدة العنوانين خارجا بنحو التركيب الاتحادى، فما هو متعلق الأمر و النهى أى الحركة الخارجية الصادرة عن المكلف بسيط و متفصل بفصل واحد و ما هو متعدد بحسب المقولة و الماهية أعنى حيث الغصب و حيث الصلاة لا ربط له بمتعلق الأمر و النهى، و هذا الأمر حيث أنّه مبنى لديه علي كون الحركة الصادرة عن الفاعل مقولة، و قد برهن فى الفلسفة على أن الفعل النحوى من شدة البساطة لا يدخل تحت مقولة كي يكون له جنس و فصل فهو واه فاسد، مع أنّ لبّ هذا الأمر بمعناه‏

163

الصحيح راجع إلى ما ذكره صاحب الكفاية (قده) في ثالثة المقدمات الأربعة التى مهدها لتحقيق مختاره من الامتناع من أن تعدد العنوان لا يوجب تعدد المعنون و خروجه عن الوحدة ضرورة صدق العناوين و المفاهيم المختلفة علي الواحد البسيط من جميع الجهات الذى ليس فيه جهة كثرة أبدا كواجب الوجود تعالى فانه جل و علا مع وحدته الحقة الحقيقية تصدق عليه مفاهيم جميع الصفات الجلالية و الجمالية و الكمالية مع حكاية الجميع عن ذلك الواحد و عدم منافاة تعددها مع وحدته، لكن يتوجه عليه أن تعددا لعنوان تارة يكون بلحاظ العوارض الخارجية ككون الشخص ابن كذا أو ساكنا في محل كذا أو غير ذلك من صفات الممكنات التى تؤخذ من خارج الذات و تحمل عليها و يكون انضمام الذات إلى أمر خارج عنها سببا للاتصاف بها بلا دخل لها فى قوامها، ففى مثلها لا محالة يتعدد المعنون بتعدد العنوان بل حيث أن فى قبال كل واحد من العناوين أمر وجودى و جهة خاصة فى المعنون ففى الحقيقة تعدد المعنون أوجب تعدد العنوان، و أخرى يكون بلحاظ العوارض الذاتية التى تؤخذ من صميم الذات و تحمل عليه بحيث ليس في قبال كل واحد منها فى الخارج جهة خاصة فى المعنون بل ليس هناك إلّا وجود بسيط واحد لجميع المعانى الوجودية فينتزع عن كل واحد من تلك المعانى عنوان و ينطبق عليه، ففى مثلها لا محالة لا يتعدد المعنون فالايجاب الكلى فى كل واحد من طرفى الاثبات و النفى غير صحيح بل الحق أن العناوين منها ما يتعدد المعنون بتعددها و في الحقيقة يكون تعدد المعنون فى مثلها سببا لتعدد العنوان كما فى غير الواجب تعالى و منه ما هو موضوع المسألة أى العناوين العارضة على الفعل الخارجى بجهات وجودية في الفعل من انضمامه إلى أمور خارجية و منها ما لا يتعدد المعنون بتعددها كما فى الواجب تعالى.

كما أن ما ذكره (قده) فى رابعة تلك المقدمات من أن الموجود الوحدانى ليس له إلّا ماهية واحدة تقع فى جواب السؤال عن حقيقته بما هو فتصادق مفهومين على وجود واحد لا يوجب تعدد ماهية ذلك الوجود بأن تنطبق عليه خارجا و تتحد معه بوحدته ماهيتان مختلفتان فالواحد وجودا واحد ماهية أيضا، و على هذا

164

فتصادق متعلقى الأمر و النهى معا على المجمع لا يستلزم تعدده بحسب الماهية، فلا فرق فى ذلك بين القول بأصالة الوجود أو الماهية فلا يبتنى القول بالجواز و الامتناع فى المسألة على هذين الاصلين كما توهم فى الفصول كما لا يبتنى على تمايز الجنس و الفصل خارجا و عدم تمايزهما أيضا لان ما يصدق على المجمع من العناوين ليسا من قبيل الفصل و الجنس إذ الحركة فى مكان مثلا لا تتغير عما هي عليه من أى مقولة كانت سواء وقعت جزءا للصلاة أم لا و سواء كان ذلك المكان مغصوبا أم لا، يتوجه عليه أن استلزام وحدة الوجود وحدة الماهية لا يضر بتعدد المجمع فى موارده لما عرفت من أن تعدد المعنون يكون فى الحقيقة سببا لتعدد العنوان فى تلك الموارد فبتعدده تنثلم قاعدة الاستلزام، إما ابتناء المسألة على الاصلين أعنى أصالة الوجود أو الماهية و تمايز الجنس و الفصل خارجا أو عدم تمايزهما فمراجعة كلام صاحب الفصول (قده) تشهد بأنه استدل لمختاره من الامتناع بدليلين و قرّب الأول بتقريب ثم أورد على ذلك التقريب بأنه يبتنى على الاصلين فقرّبه بتقريب لا يبتنى عليهما و هو عين التقريب الذى ذكره صاحب الكفاية (قده) للامتناع من غير أن تكون المسألة لدى صاحب الفصول (قده) مبتنية على الأصلين بل جعل عدم المتمايز من المسلمات عندهم و أصل الوجود من واضحات علم المعقول لديه، فالعجب من صاحب الكفاية حيث أخذ المطالب من صاحب الفصول (قدس سرهما) ثم اعترض عليه بذلك فراجع كلامه و أمعن النظر فيه حتى تريه مشحونا بالمطالب الرّاقية التى زعم جملة من المتأخرين كونها من ابتكاراتهم.

إذا عرفت هذه الامور ظهر لك أن الحق وفاقا لجماعة من محققى الاصوليين هو الجواز مطلقا حيث تبين أنّ فعل المكلف لا يمكن أن يكون متعلق الاحكام الشرعية أو العرفية إذ لا يخلو إمّا أن يكون بنفسه متعلقا لها بلا لحاظ عنوانه أو بعد لحاظه بعنوانه و على التقديرين يلزم الأمر بتحصيل الحاصل، إذ ما لم يتحقق ذلك الفعل و لم يصدر عن المكلف ليس هناك حسب الفرض أمر حتى يتعلق بشي‏ء و إذا تحقق و صدر منه يكون الأمر به ثانيا أمرا بتحصيل الحاصل، فمتعلق التكاليف هو العنوان الذهنى من ذلك الفعل الملحوظ لدى المكلف الذى هو بمنزلة الداعى لتحريك‏

165

إرادته نحو ايجاده لكن لا بما هو فى الذهن حتى يقال باستحالة انقلاب ما فى الذهن إلى ما فى الخارج بل لا بشرط مطلقا، و من المعلوم أن البعث نحو مثله عبارة عن التحريك تشريعا نحو ايجاده بمعنى ايجاد الشوق للمكلف نحو ايجاد الفعل فى الخارج كما أن الزجر عن مثله عبارة عن التحريك نحو إبقائه على العدم بايجاد الشوق له نحو الابقاء على العدم، فالوجود الخارجى للعنوان إنّما هو من اقتضاء نفس البعث لا أنه من قيود متعلقه، و على هذا فمتعلق الأمر و هو عنوان الصلاة غير متعلق النهى و هو عنوان الغصب فلا اجتماع لهما بحسب الاحكام الشرعية فى عالم توجيهها نحو متعلقاتها و كذا الاحكام العرفية المشتركة مع الاحكام الشرعية فى الجعل بنحو القضايا الحقيقية، و إنّما الاجتماع فى عالم الامتثال بسوء اختيار المكلف ضرورة عدم تعلق التكاليف بالافراد بل بالطبائع فطبيعى الصلاة الذى تعلق به الأمر الشرعى لا يجتمع أبدا مع طبيعى الغصب الذى تعلق به النهى الشرعى و الفرد الخارجى الذى اجتمع فيه عنوانا الصلاة و الغصب لم يتعلق به أمر و لا نهى شرعا، كما لا اجتماع فى مرحلة إرادة الآمر أيضا لما عرفت فى طىّ الأمور من إمكان اجتماع الارادة و الكراهة من شخص بالنسبة إلى فعل واحد من جهتين كما عرفت إمكان اجتماع المصلحة و المفسدة فى فعل واحد من جهتين، فليس هناك اجتماع آمرى من جهته حتى يستشكل عليه و إنما الاجتماع مأمورى مستند إلى سوء اختيار المكلف فى عالم تطبيق التكاليف على الخارج و امتثالها فيه.

(فما) استنتجه صاحب الكفاية (قده) من مقدماته الأربعة من الامتناع المطلق تبعا لصاحب الفصول (قده) و غيره من المشهور بدعوى أن المجمع حيث يكون واحدا بحسب الوجود و الماهية معا فيكون تعلق الأمر و النهى به معا محالا و لو بلحاظ عنوانين ضرورة أن متعلق الحكم الشرعى كما عرفت إنّما هو فعل المكلف بنفسه لا بعنوانه الطارى عليه، فاجتماع الأمر و النهى فيه يستلزم اجتماع الضدين فى فعل واحد شخصى و لا يجدى لرفع هذا المحذور تعلق الاحكام بالطبائع دون الأفراد بدعوى أن الحكم لا يتعلق بالطبيعة بما هى حتى يقال بأنّها من حيث هى ليست إلّا هى فكيف يمكن البعث إليها أو الزجر عنها و لا يتعلق بها مقيدة بالوجود الخارجى‏

166

أيضا حتى يقال باستلزامه اجتماع الأمر و النهى معا فى ذلك الوجود الواحد و هو فاسد و إنّما يتعلق بها بلحاظ وجودها الخارجى و من المعلوم حينئذ تعدد متعلقى البعث و الزّجر بلحاظ تعدد عنوانيهما فى عالم لحاظ ذلك الوجود الخارجى فينطبق على أحد العنوانين الأمر و على الثانى النهى و يسقط أحدهما من جهة إطاعته و الآخر من جهة عصيانه بنفس تحقق ذلك الوجود الوحدانى فى الخارج فليس للحكمين اجتماع و ذلك لما عرفت من أن تعدد العنوان لا يستلزم تعدد المعنون لا بحسب الوجود و لا بحسب الماهية و المفروض أن متعلق الحكم هو نفس المعنون بوحدته دون العنوان بل هو مجرد آلة لحاظ للمتعلق فيكون محذور اجتماع الضدين فى وجود واحد بحاله (غير سديد) لما عرفت من عدم تعلق الاحكام بنفس الفعل و عدم تضاد الأحكام فى شي‏ء من المراحل و تعدد المعنون بتعدد العنوان فى مثل موضوع المسألة من العوارض الخارجية فلا اجتماع ضدين هناك أبدا بل ما ذكره لرفع المحذور هو الحق و تمام المحذور لديه بعد ذلك عدم استلزام تعدد العنوان تعدد المعنون الذى عرفت عدم كليته بل اختلافه حسب الموارد و صحة الاستلزام فى المقام، فالقول بالامتناع المطلق كما هو مختار صاحبى الفصول و الكفاية (قدس سرهما) و غيرهما لا يساعده برهان.

أمّا القول بالامتناع من جهة و الجواز من أخرى كما اختاره بعض الاساطين (ره) حيث جعل النزاع فى مقامين أحدهما أن حيث الصلاة و الغصب فى الصلاة فى الدار المغصوبة مثلا جهة تقييدية أم تعليلية فاختار فى هذا المقام الاجتماع بمعنى كون الحيثين جهتين تقييديتين ثانيهما أنّ تركيب العنوان الاشتقاقى المنتزع عن أحد المبدءين كالمصلّى مع المنتزع عن الآخر كالغاصب اتحادي أم انضمامي و اختار فى هذا المقام الامتناع بمعنى كون التركيب اتحاديا و كون ذلك المركب الوحدانى البسيط فى عالم الخارج متعلق الأمر و النهى معا فيمتنع توجيههما نحوه من العاقل الحكيم الملتفت إلى عدم كون المبعوث إليه و المزجور عنه مقدورا للمكلف نظرا إلى ما اختاره من اقتضاء نفس البعث و الزجر القدرة من جهته كما تقتضيه الارادة التكوينية التي تتبعها الارادة التشريعية ثم بعد تمهيد المقدمات التسع‏

167

التى عرفت حالها استنتج الاجتماع في المقام الاول و هو مرحلة الجعل لان متعلقى الأمر و النهى حيثان تقييديان للفعل الصادر عن المكلف الذى هو متعلق الحكم الشرعى و الامتناع في المقام الثاني و هو مرحلة الامتثال لان متعلق البعث خصوص الحصة المقدورة من الطبيعة بعد ما عرفت دخل القدرة فيه بمقتضى نفس البعث قضاء لتبعية الارادة التشريعية للتكوينية التى لا تتعلق إلّا بالمقدور فلتكن التشريعية كذلك (فيتوجه) عليه فساد كلا الأمرين أمّا الاجتماع في المقام الاول فلما تقدم من أن متعلق الحكم نفس العنوان الذهني بداعي الايجاد الخارجي لا ما يصدر عن المكلف خارجا فالاجتماع في هذا المقام ناش عن توهم سراية العرض العارض علي العنوان الذهنى إلى معنونه الخارجى، و أمّا الامتناع فى المقام الثانى فلما تقدم فى مبحث الترتّب من عدم دخل القدرة فى مرحلة الجعل و متعلقه شرعا بل في عالم الامتثال عقلا، أمّا ما استشكل به على صاحب الكفاية من جعل الاجتماع في مرحلة الملاك أيضا بانه لا ربط للاجتماع بعالم الملاك فقد عرفت في طي المقدمات فساده و أن مراد صاحب الكفاية (قده) أنه على مذهب العدلية القائلين بالملاكات النفس الأمرية قبال الاشاعرة المنكرين لذلك لا بدّ أن يكون لكل من الأمر و النهي بالنسبة إلى مورد انطباقهما الخارجي ملاك واقعى و ليس كذلك فى مورد الاجتماع بالنسبة إلى الفرد الخاص الخارجى ضرورة امتناع اجتماع المصلحة و المفسدة فى شي‏ء واحد بجهة واحدة.

و لبعض الاعاظم (ره) بيان آخر فى الامتناع (حاصله) أنه لا بد فى مورد الاجتماع من وجود عنوانين كليين قضاء لكون المسألة أصولية باحثة عن القضايا الكلية دون الخاصة الخارجية كما لا بد فيه من كون الموجود الخارجى وجودا واحدا ذا حد فارد لا وجودين سواء كانا فردين من مقولتين أم من مقولة واحدة حتى يكون المجمع مركبا انضماميا إذ الوجودان متلازمان فى الوجود و لا بحث لنا فى مسئلة الاجتماع عن ذلك فمن سلك فى المسألة مسلك جعل متعلق الأمر و النهى حيثين تقييديين من قبيل الوجودين المركبين بالتركيب الانضمامي فى موجود واحد فقد خرج عن محل البحث رأسا، و كيف كان فيتصور للقائل بالجواز مسلكان (أحدهما) الالتزام بعدم سراية الأمر و النهى من الطبيعى إلى الفرد و بعبارة أخرى كون متعلق الاحكام هو الطبيعى‏

168

دون الافراد و عليه فالنزاع بينه مع الامتناعى كبروى لانه منكر لعدم السراية و على هذا المسلك يمكن القول بالاجتماع حتّى مع كون النسبة بين متعلقى الأمر و النهى هى العموم المطلق نظير صلّ و لا تصلّ صلاة جعفر (ثانيهما) الالتزام بسراية الأمر و النهى من الطبيعى إلى الفرد و بعبارة أخرى كون متعلق الاحكام هو الافراد بلحاظ الحصص الموجودة فيها من الطبيعى لا نفس الطبيعى بما هو، لكن لا يسرى شي‏ء من الأمر و النهى فى ذلك الفرد المجمع عن الخصوصية التى هى مصبه إلى الخصوصية التى هى مصب الآخر لان الخصوصيتين حيثان تقييديان لذلك الفرد، فان لفرد من الطبيعى كالصلاة في المغصوب أطرافا ثلاثة أحدها ما يكون متعلقا للأمر فقط كالقراءة مثلا فهذا صلاة ليس إلّا ثانيها ما يكون متعلقا للنهى فقط كالأكوان المتخللة بناء على عدم كونها من أجزاء الصلاة فهذا غصب ليس إلّا، فهذان الطرفان متمايزان بتمام الجهة إذ لو لم نقل بتمايزهما فلا بد من الالتزام إمّا بأن الاضافة الغصبية ليس لها حظّ من الوجود أصلا أو بأن العرض مكمّل لوجود معروضه و ليس منحازا عنه فى الوجود و حيث لا نلتزم بشي‏ء من الأمرين فلا بد أن نقول بتمايز الجهتين خارجا ثالثها ما يكون جامعا بين الاولين كالهوىّ إلى الركوع أو إلى السجود فهذا صلاة و غصب معا و هذه الجهة مشتركة بين الجهتين، فمتعلق الأمر و النهى جهتان تقييديتان لذلك الفرد تمتاز كلّ جهة عن الأخرى تمام الامتياز فلا يسرى الأمر من إحداهما إلى الأخرى، و على هذا المسلك يكون النزاع بين الاجتماعى و الامتناعى صغرويا بكبرى سراية الأمر و النهى عن الطبيعي إلى الفرد لكن ينازع الاجتماعى في صغرى المسألة و هى كون مورد الاجتماع من قبيل فرد واحد لخصوصيتين ممتازتين كل جهة مصبّ لواحد من الأمر و النهى حتى لا يسرى شي‏ء منهما من مصبّه إلى مصبّ الآخر، فتمام همّ الاجتماعى علي هذا المسلك جعل مصبّى الأمر و النهي حيثين تقييديين للفرد الخارجى و تمام همّ الامتناعى جعلهما حيثين تعليليين له.

أمّا المسلك الاول فجوابه أن الطبيعى إنّما ينتزع عن الفرد الخارجى حيث يوجد بوجوده بناء على ما هو الحق من كون وجود الطبيعى عين وجود فرده و هذا الانتزاع ممكن قبل تحقق الفرد أيضا بأن يتصور فى عالم الذهن لذلك الفرد الذى يوجد فى الخارج صورة ذهنية تكون مرآة للخارج، فهذه الصورة الذهنية التى هى حصص الطبيعى‏

169

إنّما يتعلق بها الأمر أو النهى بلحاظ كونها مرآة للخارج و حيث لا وجود للطبيعى خارجا إلّا الحصص الموجودة فى الخارج بوجود الأفراد فلا محالة يسرى الأمر و النهى عن الطبيعى إلى الفرد فكبرى السراية من الطبيعى إلى الفرد الخارجى مما لا سبيل إلى انكاره، فالمسلك الأول من الاجتماع لا يجدى لاثبات المدعى، و أمّا المسلك الثانى فجوابه أنّ المفروض وجود جهة جامعة بين الجهتين فى البين فالأمر و النهى و إنّ لا يسريان من مصبهما الاستقلالى إلى الآخر لانهما حيثان تقييديان من هذه الجهة لكنهما إنّما يسريان معا إلى تلك الجهة الجامعة بواسطة الجهتين الممتازتين لانهما حيثان تعليليان من هذه الجهة إذ لا نعنى بالعلية فى أمثال المقام بالعلية الفلسفية بل الوساطة فى العروض كما لا نعنى بالتقييدية ما يقابل الاطلاق المصطلح بل الوساطة فى الثبوت و تمام الموضوعية، و من المعلوم أن واحدة من الخصوصيتين الممتازتين فى نفسهما حيث أنها موجودة بجامعها فى الجهة الجامعة فلا محالة يتعلق كل واحد من الأمر و النهى أولا و بالذات بالخصوصية الممتازة و ثانيا و بالعرض بلحاظ وجود الخصوصية فى الجهة الجامعة بتلك الجهة، إذ لا يمكن التفكيك فيها بأن يقال إنّ الفعل الصادر عن المكلف صلاة لا غصب أو أنّه غصب لا صلاة لبداهة كونه صلاة و غصبا معا فالجهتان تقييديتان من جهة و تعليليتان من أخرى و إن شئت قلت إنّهما برزخ بين التقييدية و التعليلية و كيف كان فاتّحد بالأخرة متعلق الأمر و النهى فى الخارج، و مع الغضّ عن ذلك نقول إنّ إشغال مال الغير تصرف فيه بدون اذنه و هو حرام حسب ما فى التوقيع الرفيع: لا يجوز لاحد أن يتصرف فى مال أخيه إلّا بطيب نفسه: و المفروض أنّ نفس الفعل الصلاتى إشغال و تصرف فيجتمع فيه الأمر و النهى من هذه الجهة، و مع الغضّ عن هذا أيضا نقول إنّ الاستيلاء على منافع مال الغير عدوانا حرام شرعا و الصلاة فى المغصوب بعينه استيلاء على منافع ملكه بغير إذنه فيجتمع فيه الأمر و النهى من هذه الجهة، فالمسلك الثانى من الاجتماع أيضا لا يجدى لاثبات المدعى: انتهى.

أقول بيانه بطولة قاصر عن إثبات الامتناع بل بعضه متهافت مع بعض فان إمكان انتزاع صور الافراد الخارجية في الذهن و تصورها قبل وجودها و جعلها

170

متعلق الأمر و النهى شيئي و لزوم ذلك شيئي آخر و ما يثبته كلام هذا القائل هو الأول و ما يجدى لاثبات الامتناع قبال القائل بالاجتماع على مسلك عدم سراية الأمر و النهى عن الطبيعى إلى الفرد هو الثانى، إذ بعد كفاية تصور الافراد إجمالا بتصور نفس الطبيعى فى عدم قبح الجعل من الحكيم و عدم كونه لغوا كما برهنا عليه في محله لا حاجة إلى لحاظ صور حصص الطبيعى تفصيلا و جعل الحكم على تلك الصور الموجب لجعله على الأفراد أيضا بمرآتية صورها الذهنية (و بالجملة) فالجواب عن جميع ما ذكره هذا القائل في إثبات الأمر أنّا نختار المسلك الاول من الاجتماع و نقول لا ملزم علي انتزاع صور الأفراد في عالم جعل الأمر و النهى حتى يلزم السراية إلى أفراد الطبيعة بل يكفي تصور نفس الطبيعى و جعل الحكم بلحاظه بداعى ايجاده، ثم إنّ ما ذكره فى تصوير المسلك الثانى من تصور خصوصيتين ممتازتين فى فرد واحد و جعل كل خصوصيته مصبّا لواحد من الأمر و النهى هو عين ما أبطله فى صدر كلامه و جعله خارجا عن محلّ البحث، أعنى تصور وجودين مستقلين فى موجود واحد و جعله مركبا انضماميا إذ المفروض امتياز كل واحدة من الخصوصيتين خارجا فى عالم الوجود عن الأخرى فهما وجودان فى موجود واحد فقد فرض عين ما أخرجه عن محل البحث مع تغيير فى العبارة فصدر كلامه متهافت مع ذيله، ففى الحقيقة على ما ذكره لا يتصور للاجتماع إلّا مسلك واحد هو عدم السراية من الطبيعى إلى الفرد و قد عرفت صحة ذلك المسلك و فساد ما زعمه فى جوابه، فلا بد من الأخذ بمقتضى ذلك المسلك الذى هو كما اعترف به القول بالاجتماع مطلقا كما قويناه، ثم إنّه بعد الخبر بما ذكرنا من البرهان القويم على الجواز و نقد الوجوه المذكورة للقول بالامتناع لا حاجة إلى التعرض لسائر الوجوه المذكورة للجواز التى لا تخلو غالبا عن المناقشة و لا التعرض للقول بالتفصيل بين الجواز عقلا و الامتناع عرفا إذ المتبع حكم العرف بعقله من غير مسامحة و هو كما قلنا ليس إلّا الجواز.

بقى الكلام فى تصحيح العبادات المكروهة التى ربما يستشكل فيها من جهة تعلق نهى مولوى بالخصوص بعنوان العبادة فى بعضها كالصلاة فى الحمّام أو في‏

171

معاطن الابل أو فى مسير الماء أو الصوم فى السفر بل تعلق الأمر و نهى مولويين فى بعضها بعنوان منحصر فى فرد واحد خارجا كالصوم يوم العاشوراء، و الحق أنها على أنحاء فتارة تكون مما ليس له بدل كالمثال الأخير و النهى فيه للارشاد إلى ما فيه المصلحة من العنوان المنطبق عليه أو الملازم معه كمخالفة بنى أمية و لا معنى لكونه أقلّ ثوابا إذ ليس له بدل حسب الفرض حتى يقاس معه ثوابه، و أخرى تكون مما له البدل مع كون النسبة بين الطبيعى مع تلك الخصوصية العموم المطلق كالصلاة فى الحمام و نحوه و النهى فيه حقيقي كاشف عن حزازة فى متعلقه تمنع عن تأثير مصلحة الفعل في مقدار مثوبته فيكون أقلّ ثوابا من سائر افراد الطبيعى، و ثالثة ذلك مع كون النسبة العموم من وجه كالصلاة فى مواضع التهمة فعلى الحق من الاجتماع يكون كسابقه من الاشتمال على حزازة تخفف درجة المثوبة و على القول بالامتناع يكون الترجيح بيد العقل فى عالم الامتثال، و تفصيل هذا الاجمال أنّ صوم يوم العاشوراء صحيح بمقتضى النص و الاجماع فلا بد أن تكون فيه مصلحة توجب أمر الشارع به لكن حيث قام دليل تعبدى على مرجوحيته مضافا إلى مداومة الائمة (عليهم السلام) على تركه يكشف ذلك عن كون تركه أرجح و ايراد بعض المحققين (قده) على فهم أرجحية الترك من تركهم (عليهم السلام) بأنّ تركهم أعم من كونه أرجح إذ لعله كان لاجل اشتغالهم (ع) بغيره من المستحبات مدفوع بأنّ الاستدلال ليس على مجرد الترك كى يمكن إلا يراد عليه بأنّه أعم بل إنّما هو على مداومتهم (عليهم السلام) على الترك و هذا من مثلهم (ع) كاشف عن كون الترك أرجح مضافا إلى معلومية تبرك بنى أمية لعنهم اللّه بذلك الصوم و إلى ما عرفت من الدليل التعبدى على المرجوحية، و عليه فحيث ينطبق على ترك هذا الصوم عنوان مخالفة بنى أمية و هو عنوان راجح ذو مصلحة راجحة على مصلحة نفس الصوم فالنهى عنه إنّما هو للارشاد إلى تلك المصلحة لا لمرجوحية فى نفس الترك أو مفسدة و حزازة فى نفس الفعل.

ضرورة أنّ ترك الشي‏ء عبارة عن عدمه بمعنى فراغ المحل عن وجوده فلا يمكن ان يكون الترك بما هو مكمنا لشي‏ء من المفسدة و المرجوحية أو المصلحة

172

و الراجحية إذ ليس بشي‏ء حتى يصير مكمنا لشي‏ء و تعلق الطلب به كما فى النواهي إنّما هو بلحاظ ترقب حصول الفعل، فيصح إسناد الترك إلى الشخص من جهة حفظ الفراغ عن الاشتغال بالوجود إذ بهذا الاعتبار يصير فعلا نحويا من سنخ الفعل الذى أضيف إليه الترك و هو إبقاء فراغ المحل عن الوجود على حاله بكفّ النفس عن ايجاد ذلك الوجود و إشغال ذلك الفراغ، فتعلق النهى بفعل إنّما هو للاشارة إلى مرجوحية الفعل و كونه ذا مفسدة لا راجحية الترك كما أنّ تعلق الأمر به للاشارة إلى راجحيته و كونه ذا مصلحة لا مرجوحية الترك فنسبة الرجحان إلى التّرك إنّما هو بالعرض و المجاز فيما إذا انطبق عليه عنوان راجح و الرجحان حقيقة إنّما هو لذلك العنوان فترك صوم العاشور مثلا بما هو ترك لا يعقل أن يكون راجحا بل الراجح هو مخالفة بنى أمية لعنهم اللّه، و لو سلّم كون الترك أيضا بنفسه شيئا (فعلى) ما ذكره بعض المحققين (قده) من الغالبية بين الراجحية و المرجوحية فى كل واحد من الفعل و الترك بدعوى أنّ كل واحد راجح بذاته أو بعنوانه مرجوح بلحاظ رجحان نقيضه و ذلك يستلزم التفكيك بين العنوان و المعنون فى الوصفين و تغالب أحدهما مع الآخر و اختلاف العنوان و المعنون أو المتلازمين فى الحكم (لا بد) فى صدق كل من العنوانين المتضايفين على مورد من وجود المبدا فيه مع أنّ الترك بما هو ليس فيه شي‏ء أصلا حتى يصير مبدءا للراجحية أو المرجوحية (و لكن) الحق أنّه لا تغالب بين عنوانى الراجح و المرجوح كى يستلزم اشتمال المرجوح أيضا على شي‏ء بل الفعل إن كانت فيه مصلحة تقتضى صدوره عن الفاعل يكون راجحا فلو تصدّى الفاعل لايجاده مباشرة بنشوئه عن إرادته التكوينية كما فى الأفعال الخارجية أو تسبيبا بنشوئه عن إرادته التشريعية بمعنى بعث الغير نحوه كما فى الأوامر المولوية يقال رجّح الفعل، و لا معنى لكون تركه مرجوحا إلّا الاشارة إلى وجود المصلحة فى الفعل و خلوّ الترك عن الرجحان لا وجود شي‏ء فيه أيضا، و إن كانت فيه مفسدة تقتضى عدم صدوره يكون مرجوحا فلو تصدى الفاعل لعدم ايجاده بمعنى إبقاء فراغ المحل عن وجوده بحاله مباشرة بعدم انقداح إرادته التكوينية نحو ايجاده أو تسبيبا بزجر الغير عن ايجاده كما فى النواهى المولوية يقال رجّح الترك، كما يقال فى فى مورد التصدّى علي عدم الايجاد مباشرة تركه و لا معنى لرجحان الترك إلا الاشارة

173

إلى وجود المفسدة في الفعل لا وجود مصلحة فى نفس الترك أيضا، و أمّا إذا كان الفعل لا اقتضاء من حيث الصدور و عدمه بأن لم تكن فيه مصلحة و لا مفسدة لا يتّصف هو و لا تركه بشي‏ء من الراجح و المرجوح و لا يقع تحت أمر مولوى و لا نهى كذلك مطلقا لا بنحو اللزوم و عدم الرخصة فى الترك كما فى الواجبات و المحرمات و لا بنحو مطلق المحبوبية مع الرخصة في الترك كما فى المستحبات و المكروهات و هذا القسم يسمى بالمباحات.

فاسناد الراجح و المرجوح إلى الترك ليس على نحو الحقيقة حتى يكشف عن وجود شي‏ء من المصلحة و المفسدة فى نفس الترك بل على نحو المجاز للاشارة إلى وجود المصلحة و المفسدة في الفعل فلا مانع عن انطباق عنوان راجح على الترك أو كونه ملازما لعنوان كذلك كمخالفة بنى أمية بالنسبة إلى ترك صوم العاشور، إذ معنى اتصافه بالرجحان هو الاشارة إلى ما فى ذلك العنوان من المصلحة فانه عنوان قصدى لا بد له من مبرز فالترك بما هو عدم وجود ما يترقب وجوده و إبقاء فراغ المحل عن ذلك الوجود على حاله يصح جعله مبرزا لذلك العنوان القصدى الذى يكون من الافعال الجانحية، و يسند الرجحان بالعرض و المجاز إلى الترك أيضا بلحاظ مبرزيته له، و من هنا علم أنّ المعنون أي الترك ليس له حكم حتى يلزم من انطباق عنوان راجح عليه أو ملازمته له اختلاف العنوان و المعنون أو المتلازمين فى الحكم و يستشكل بأنّهما لا يختلفان فى الحكم، كما علم أنّ ما لا بدل له من العبادات المكروهة كصوم يوم العاشور ليس فيه حزازة أصلا فليس أقلّ ثوابا بل هو تامّ المصلحة و المثوبة و الحزازة إنّما هى فى العنوان المنطبق عليه كموافقة بنى أمية لانّه عنوان قصدى مبرز بهذه العبادة فاسناد الكراهة و المرجوحية إلى العبادة ليس على نحو الحقيقة، و دعوى بعض المحققين (قده) أنّ طلب الفعل كالصوم و طلب لازم نقيضه كمخالفة بنى أمية أو طلب المتلازمين فى حد طلب النقيضين مدفوعة بأنّه إنما يكون كذلك إذا كان لزوميا غير جائز الترك و لم يكن ذلك العنوان قصديا، أمّا إذا كان قوامه بالرخصة فى الترك كما فى المستحب و المكروه أو كان العنوان قصديا كما في الصوم و مخالفة بنى أمية فلا، ضرورة كمال التلاؤم‏

174

بين الطلبين غاية الأمر يتخير بينهما في عالم الامتثال اذا لم يكن أحدهما أهم و إلّا فيقدم أهمهما، نعم يبقى توهم لغوية الجعل بالنسبة إليهما معا مع العلم بعدم القدرة على امتثالهما فى زمان واحد لكن يدفعه أنّ الجعل إنّما هو للداعوية نحو ايجاد أيّهما شاء بلا حاجة إلى الالتزام باقتضائية الجعل كما عن بعضهم، و بما ذكرنا ينفتح باب واسع بالنسبة إلى المستحبات الواردة في زمان واحد كيوم عرفة أو ليلة شهر رمضان و نحوهما و ينحل إشكال عدم القدرة على امتثال الجميع في ذلك الزمان حيث علم أنّها تكون لجعل الداعي على اختيار أىّ مقدار شاء مما لا يقدر على امتثال جميعه، فالحق كما نبّه عليه صاحب الكفاية (قده) أنّ طلب الفعل مع لازم نقيضه أو عنوان منطبق عليه يكون من قبيل المستحبين المتزاحمين بلا استلزام طلب النقيضين لعدم مناطه فى البين و لا لغوية الجعل لعدم كونه لزوميا و عدم دوام الملازمة بين العنوانين.

ثم إنّ النسبة بين القرب و البعد مع الأمر و النهى عموم من وجه فيفترق القرب عن الأمر و البعد عن النهى فى موارد الاطاعة الحكمية أى الاتيان بشي‏ء بداعى أمر خيالي أو رجاء أو نحو ذلك من أقسام الانقياد الذى يترتب عليه المثوبة عقلا إذ الانقياد ممدوح فيوجب استحقاق الثواب عقلا و هو واضح و شرعا بمقتضى أخبار من بلغ، و كذا المخالفة الحكمية أى عدم التنحّى عن شي‏ء مع خيال الأمر، و يفترق الأمر عن القرب و النهى عن البعد فى مورد الأوامر و النواهى الارشادية إذ لا قرب فى متعلق تلك الأوامر و لا بعد فى متعلق تلك النواهى كما لا أمر و لا نهى فى موارد الاطاعة أو المخالفة الحكمية مع وجود القرب فى الاولى و البعد فى الثانية، و عليه فالنهي فى هذا القسم من العبادات المكروهة ليس بمبعّد لانه ارشادى لا مولوى فاشكال بعض المحققين على مقال صاحب الكفاية (قدس سرهما) الملتزم بعدم المبعّدية بأنّ النهى و لو كان بالعرض و المجاز لا بد أن يكون مبعّدا غير سديد، لانا و إن لم نقل بأنّ؟؟؟ النهى بالترك من قبل العنوان المنطبق عليه أو الملازم معه يكون بالعرض و المجاز بل نقول بأنّه يكون بنحو الحقيقة فلا نوافق صاحب الكفاية (قده) فى ذلك لكن لا نقول يكون ذلك النهى مبعّدا أيضا لانه إرشاد إلى ما فى ذلك‏

175

العنوان من المصلحة، مع أنّ اشكاله هذا ينافى اشكاله على جعل النهى إرشاديا فى كلام صاحب الكفاية بالالتزام بمناط النهى إذ لو كان المناط كافيا فى البعد كما هو الحق فما وجه حصره القرب و البعد فى الأمر و النهى و لو لم يكف المناط فى ذلك كما ذكره قبل ذلك فما وجه التزامه بالمناط هاهنا.

هذا كله فى القسم الأول أى ما لا بد له أمّا الثانى و الثالث أى ما له البدل مع كون النسبة بين الطبيعى و الخصوصية العموم المطلق أو من وجه فالحق كما نبه عليه صاحب الكفاية (قده) أنّ النهى فيهما حقيقى كاشف عن وجود حزازة فى متعلقه بلحاظ الخصوصية الفردية فيكون أقلّ ثوابا من سائر أفراد الطبيعى بلا منافاة ذلك مع وجود المصلحة فيه بلحاظ جامعه المتحقق فيه (فاشكال) بعض المحققين على مقاله (قدس سرهما) بأنّ تلك الحزازة لا تخلو إمّا أن توجب سقوط الأمر فلا مصلحة فى البين أو لا توجبه فالمصلحة تؤثر أثرها و لا معنى لكونه أقلّ ثوابا (فاسد) إذ المصلحة الموجودة فى متعلق الأوامر ليست من قبيل العلة التامة لترتب المثوبة بل من قبيل المقتضى فالحزازة الموجودة فى تلك الخصوصية تكون من قبيل المانع عن تأثير المصلحة فى ترتب المثوبة كما فى جميع المقتضيات بالنسبة إلى الموانع، أمّا مقدار منع الحزازة عن تأثير المصلحة فموكول إلى ما يستفاد من الادلة فوقوع الصلاة فى الحمام أو فى مواضع التهمة مثلا مانع عن تأثير المصلحة الصلاتية فى عشر درجات من المثوبة و يوجب تأثيرها فى سبع درجات و هكذا بالنسبة إلى الصلاة فى معاطن الابل أو سائر المواضع المنهى عن الصلاة فيها، و قد دلت الاخبار على جملة من هذه المقادير الناقصة من المصلحة، و بالجملة فأصل المصلحة بحالها و بتبعها يبقى الأمر بحاله و إنّما التفاوت فى ناحية تأثيرها فى مقدار المثوبة، فالحق كما نبه عليه صاحب الكفاية (قده) أنّ العبادة حينئذ أقلّ ثوابا و من العجيب ما التزم به المستشكل من وجود حزازة فى العبادة بلا تأثيرها فى سقوط الأمر و لا فى تقليل ثواب العبادة فإنّ الحزازة على هذا وجودها و عدمها سواء فالالتزام بها لغو بل لا معنى حينئذ لمكروهية العبادة (فتلخص) أنّ الكراهة فى الاول بمعنى الارشاد إلى ما فى العنوان المنطبق أو الملازم من المصلحة و في الأخيرين بمعنى الحزازة الموجودة فى العبادة بلحاظ الخصوصية الفردية الموجبة لكونها

176

أقل ثوابا.

و ينبغى التنبيه على أمور

الاول أنه لو اضطر إلى ارتكاب الحرام بأن توقف عليه فعل واجب أهم‏

كتوقف إنقاذ غريق أو إنجاء حريق على توسط أرض مغصوبة فالاضطرار (تارة) يحصل للمكلف قهرا بلا استناده إلى اختياره كما إذا اطلع على غريق أو حريق و انحصر طريق وصوله إليهما للانجاء في توسط أرض مغصوبة، و حينئذ لا ريب و لا إشكال فى ارتفاع الحرمة و العقوبة عن الفعل و صيرورته واجبا عقلا مقدمة للواجب الأهم كما إذا لم يكن حراما من أول الأمر نعم بناء علي الامتناع يكون فى الفعل ملاك الوجوب لا خطابه (و أخرى) يحصل له بسوء اختياره بلا تعنون الفعل المضطر إليه بالتخلص عن محذور الحرام كما إذا اختار للانجاء طريقا أدى إلى توسط أرض مغصوبة بلا انحصار الطريق فى نفسه في ذلك، و حينئذ لا ريب في عدم فعلية النهى حال ارتكاب المنهى عنه لانه مضطر إليه لكن حيث كان فعله مبغوضا مستحقا عليه العقاب لاستناد عصيان الخطاب إلى اختياره فهو غير صالح لتعلق الوجوب به (و ثالثة) يحصل له بسوء اختياره مع تعنون المضطر إليه بالتخلص عن الحرام كما فى الخروج عن الارض المغصوبة فى المثال و فيه أقوال ثلاثة أحدها أن الفعل مأمور به فقط اختاره شيخنا الاعظم الانصارى (قده) فى تقريراته ثانيها أنه منهى عنه فقط اختاره صاحب الكفاية (قده) ثالثها أنه مأمور به و منهى عنه معا اختاره المحقق القمى (قده) و الحق هو الثاني لان المكلف قادر علي ترك ذلك الحرام بأن لا يرتكبه من رأس فلا يختار ما يؤدى إلى ارتكابه من أول الأمر فهو غير معذور عقلا فى مخالفة النهى بل هو معاقب عليها كما في صورة عدم توقف واجب عليه و عدم تعنونه بعنوان التخلص عن الحرام، و توهم أن مقتضى وجوب مقدمة الواجب وجوب ذلك الفعل فالمكلف معذور فى مخالفة النهى عقلا مدفوع بأن اتصاف المقدمة بالوجوب لو قلنا به فهو في غير المقدمة المحرمة، نعم إذا كان الواجب أهم من ترك المقدمة المحرمة كما في المقام تتصف بالوجوب علي القول به إذا لم يكن الاضطرار إليها بسوء الاختيار لان ارتفاع الحرمة و الاتصاف بالوجوب يستلزم عدم كون الحرمة مطلقة بل معلقة علي اختيار المكلف و هذا خلف، و حيث حصل الاضطرار بسوء الاختيار حسب الفرض فهو باق علي الحرمة

177

و المبغوضية و لا بحكم العقل بالمعذورية.

استدل فى التقريرات لمختاره بما حاصله بتحرير منا أن ترك ذلك الفعل كالخروج عن الأرض المغصوبة أى عدم الفعل الذى هو المطلوب بالنهى علي ضربين أحدهما العدم بعدم الموضوع كعدم الخروج فى صورة عدم الدخول رأسا و هذا القسم حيث لا يكون بطرفيه من الوجود و العدم مقدورا للمكلف لان حسب الفرض سلب بانتفاء الموضوع فلا يتعلق به التكليف من رأس حتى يبحث عن أنه مأمور به أو منهى عنه، ثانيهما العدم فى صورة وجود الموضوع كعدم الخروج فى صورة الدخول المتحقق به عصيان النهى عن الغصب و هذا القسم بطرفيه مقدور لكن طرف الوجود كالخروج حيث يكون سببا منحصرا للتخلص عن الحرام يستحيل أن يتصف بغير الوجوب فهو مأمور به ليس إلّا (و يتوجه عليه) أن الدخول ليس موضوعا للخروج بل هو كنفس الخروج حصة من التصرف فى مال الغير بدون إذنه المحقّق لعنوان الغصب فعدم الخروج ليس على ضربين بل هو ضرب واحد. ثم إنّ العناوين الطارية على موضوع باعتبارات مختلفة خارجة عن حقيقة الموضوع ليست دخيلة فى الحكم المترتب على ذلك الموضوع أصلا فالحكم وجودا و عدما لا يدور مدار تلك العناوين أبدا بل بقاء ما أخذ موضوعا له فى لسان الدليل شرعا، و من المعلوم أنّ موضوع الحرمة فى موارد الغصب إنّما هو التصرف فى مال الغير بغير إذنه لان دليل الحرمة ما ورد فى التوقيع المبارك من قوله (عليه السلام): لا يجوز لاحد أن يتصرف فى مال اخيه المسلم إلّا بطيب نفسه: فكلما صدق عليه عرفا أنه تصرف فى مال الغير بدون إذنه يكون حراما شرعا و لو تعنون بعنوان آخر غير ذلك العنوان أيضا بل بعناوين متعددة ضرورة إمكان انتزاع عناوين كثيرة عن فعل واحد باعتبارات مختلفة و أمثلته واضحة، فالتصرف الحاصل بالدخول فى الارض المغصوبة و الحاصل بالبقاء فيها و الحاصل بالخروج عنها كلها على حد سواء من حيث كونها لدى العرف تصرفا فى مال الغير بدون إذنه فما هو موضوع الحرمة فى لسان الدليل صادق على الجميع فيكون حراما لذلك لا لتعنونه بعنوان الدخول أو البقاء أو الخروج، فهذه العناوين الطارية على الموضوع غير دخيلة فى الحكم أبدا

178

فعنوان الخروج كالبقاء و الدخول لم يقع موضوعا لحكم شرعى فى المقام أبدا بل الأمر بالخروج إنّما هو عقلى للارشاد إلى ما هو أقلّ معصية من حصّتى التّصرف الحاصلتين حال البقاء و الخروج إذ الحصة الأولى تستتبع حصصا أخرى من التصرف و ليكن هذا مراد صاحب الكفاية (قده) من أقلّ المحذورين و إلّا ففيه كلام.

ثم إن الفعل الاستمرارى المتدرج فى الوجود كالصلاة إنّما يكون مقدورا بالقدرة على حصته الأولى ثم على سائر الحصص تدريجا و بحسب ترتيبها الوجودى فيصحّ البعث نحو ذلك الفعل أو الزجر عنه قبل الشروع فيه بلا لزوم القدرة على ايجاد سائر الحصص بالفعل، إذ ما لم يتحقق الجزء السابق كالتكبيرة أو القراءة مثلا لا يمكن إيجاد اللاحق كالقراءة أو الركوع و ليس السابق سببا للتكليف باللاحق و لا موضوعا له، و إنّما اللازم عقلا فى صحة التكليف بسائر الحصص هو القدرة فعلا على ايجاد كل حصة فى موردها بحسب الترتيب الوجودى و من البديهى أنّ هذه القدرة حاصلة قبل تحقق جميع الحصص بالنسبة إلى جميعها إذ المكلف يقدر علي الشروع فى الصلاة من التكبير و استمرار فعله ذلك إلى آخر حصص الصلاة أى التسليمة، فمثل هذا الفعل يصحّ توجيه الطلب إليه بعثا أو زجرا قبل تحقق شي‏ء منه فالغصب الذى هو فعل استمرارى من لدن دخول الشخص فى الارض المغصوبة إلى خروجه عنها يكون مقدورا بجميع حصصه من الدخولية و البقائية و الخروجية قبل تحققه غاية الأمر أنّ تدرّجه فى الوجود يقتضى الترتيب بين الحصص فى عالم الايجاد بلا موضوعية إحداها للتكليف بالأخرى، فايجاد هذا الفعل الاستمرارى انّما هو بايجاد حصته الأولى أى الدخولية و تركه أى إبقائه على العدم إنّما هو بترك تلك الحصة و عدم ايجادها، فيصح النهى عن ذلك الفعل بما له من الحصص قبل تحققه و يكون امتثال هذا النهى بترك الشروع فى الفعل و عدم ايجاد حصته الاولى كى يبتلى بسائر الحصص و يكون عصيانه بالشروع فيه و ايجاد حصته الاولى الذى يتفرع عليه ايجاد سائر الحصص، و ما ذكرنا هو مراد صاحب الكفاية (قده) من أنّ الفرعية على الدخول فى الخروج كالبقاء لا يمنع عن المطلوبية، و بالجملة فرأس‏

179

سلسلة حصص الفعل لما كان بيد المكلف ايجادا و إعداما فجميع الحصص مقدورة له و يصح التكليف إليها و العقوبة عليها و هذا مراده (قده) من أن المقدور بالواسطة مقدور و هذا نظير جميع الافعال التوليدية كالاحراق المتولد من الالقاء فى النار أو القتل المتولد من إلقاء الرصاص أو رفع اليد عن الشاهق، فالقدرة على الفعل التوليدى قدرة على المتولد فيصح توجيه التكليف نحو كل واحد منهما و ليكن مراده (قده) من سائر الافعال التوليدية جميعها حيث استعمل السائر بمعنى الجميع أيضا أو يكون التشبيه من جهة محض الترتّب لا التوليد، و كيف كان فليس مراده كون المقام من الافعال التوليدية ليكون الدخول سببا تكوينيا للبقاء أو الخروج نظير سببية الالقاء فى النار للاحراق.

ثم إنّ المحسّن للفعل لا بد أن يكون بنفسه إحسانا بأن يكون فيه نفع عائد إلى الغير كالتأديب بالنسبة إلى الضرب إذ فيه نفع عائد إلى المضروب و ليس كذلك عنوان التخلص عن الحرام بالنسبة إلى الخروج عن ملك الغير إذ الملك بيد مالكه و تحت تصرفه، فخروج الغاصب عنه ليس فيه نفع عائد إلى المالك حتّى يكون إحسانا اليه و يوجب اتّصاف الخروج بالحسن و إنّما هو رفع الظلم عن المالك و الاحسان إلى نفس الغاصب بالخلاص عن عصيان النهى الشرعى الموجب للعقوبة مع أنّ التخلص عنوان ينتزع عن انتهاء حصة الخروج و هو حين انتفاء الغصب فلا يمكن تعنون حصة من التصرف به (و ما فى الكفاية) من الايراد بأنّ مقدمة الواجب لا بد أن تكون واجبة فكيف يكون الخروج حراما بعد كون التخلّى واجبا مع أن الممنوع شرعا كالممتنع عقلا و الجواب أولا بعدم كون الممنوع شرعا كالممتنع عقلا في مورد إلزام العقل به إرشادا إلى أقل المحذورين كالمقام و ثانيا بكون الساقط هو الخطاب دون الملاك (فهو مبنى) على تسليم المقدمية مما شاة للخصم كما نبه عليه في موضعين من الهامش فلا ينافي ما تقدم من انتزاعية عنوان التخلص و عدم كونه محسّنا.

ثم إنّ صاحب الفصول (قده) اختار كون الخروج مأمورا به فعلا مع إجراء حكم المعصية عليه بسبب النهى السابق الساقط المستلزم لكونه منهيا عنه بذلك‏

180

النهى أيضا بدعوى عدم المنافاة بينهما مع اختلاف زماني التحريم و الايجاب فان زمان الاول قبل الدخول و زمان الثانى بعده، فأجاب عنه في الكفاية بأن اللازم في دفع الاشكال هو اختلاف زمان الفعل الذى تعلق به الأمر مع ما تعلق به النهي لا اختلاف زمانى الأمر و النهى، إذ مع اتحاد زمان الفعل لا يجدى اختلاف زمانهما كما إذا أمر عبده فعلا بالضرب في الغد و نهاه عن ذلك ليلا فإنه مستحيل و قبيح عقلا و مع اختلاف زمان الفعل لا يضر اتحاد زمانهما كما إذا أمر فعلا بالضرب في الليل و نهى عنه غدا فانه صحيح و بلا محذور (و قد أخذ) عنه (قده) بعض الأساطين هذا المطلب و به أجاب عن مقال صاحب الفصول ثم اعترض عليه بالنسبة إلى اجازة الفضولى بمثل ما يرد علي مقال صاحب الفصول فى المقام حيث التزم (قده) فيها بالكشف فادعي أنّ لازمه اعتبار الملكية فى زمان واحد لشخصين (و أنت خبير) بعدم توجه هذا الايراد على مقال صاحب الكفاية (قده) لان زمام الاعتبارات بيد معتبرها فلا مانع عن اعتبار شي‏ء ملكا لشخص فى زمان ثم اعتباره بعد ذلك ملكا لشخص آخر من نفس ذلك الزمان بمعني رفع الاعتبار الأول رأسا و جعل الاعتبار الثانى مكانه خارجا، و الكشف فى الفضولي على القول به إنّما هو بهذا المعنى فان صاحب الكفاية (قده) إنّما يلتزم بالكشف الحقيقى الانقلابى بمعنى كشف إجازة المالك عن انقلاب الملك من حين وقوع عقد البيع إلى ملك من وقع له العقد و كونه ملكا له حقيقة، بمعني ترتب جميع آثار الملكية عليه لا علي المالك الاول، و هذا كما ترى لا تأتى فيه الاستحالة المتقدمة فى مقال صاحب الفصول (قده) نعم لو كان صاحب الكفاية (قده) ملتزما بملكية الشي‏ء في زمان واحد لكلا المالكين لتوجه على مقاله مثل ما يتوجه علي مقال صاحب الفصول لكنه (قده) أجلّ شأنا من أن يلتزم بذلك.

ثم إنّ أبا الهاشم الخراسانى و المحقق القمي (قدس سره) اختارا كون الخروج مأمورا به و منهيا عنه معا فعلا ناسبا ذلك إلى أكثر الفقهاء بدعوى أنّ الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار، فالاضطرار إلى العصيان لما كان بالاختيار فلا يمنع عن صحة توجيه الأمر و النهي معا إلى ذلك الفعل، و يدفعه كما نبه عليه فى الكفاية أنّ هذه القاعدة

181

كلامية فى جواب من زعم كالاشاعرة أنّ الفعل بعد تحققه يخرج عن كونه اختياريا، و معني القاعدة أنّ وجوب الفعل إنّما هو في صورة وجود علته و هي الارادة و لما كان امتناع عدم تحققه حينئذ مستندا إلى اختيار نفس الفاعل المختار فهو لا ينافى اختيارية الفعل بل يؤكّدها، فلا ربط لهذه القاعدة بمثل ما نحن فيه بل فى حال امتناع ترك الفعل لا يصح توجيه الخطاب به إلى المكلف عقلا فلا يمكن الالتزام به شرعا حتى مع تعدد العنوان فضلا عن وحدته كما فى المقام، إذ عنوان الخروج أو التخلّص إنما ينتزع عن الحصول فى خارج الدار و ليس عنوانا لشي‏ء من حصص التصرف فيها فمع عدم المندوحة كما فى المقام يستحيل تعلق الأمر و النهى معا بفرد خارجى.

ثم إنّ بعض الاساطين (ره) قد التزم بأن الامتناع بالاختيار لا ينافى الاختيار على نحوين خطابى و عقابى و ذكر للثانى شروطا منها وجود الملاك فى الفعل و لذلك التزم بعدم جريانها فى المقام بدعوى عدم وجود ملاك المبغوضية فى الخروج عن الدار المغصوبة لانه تخلية لمال الغير و هو حسن غير مبغوض فلا تجرى فيه القاعدة عقابا كما اختار أنّ المكلف حيث يتمكن من البقاء فى الدار فلا معنى لاضطراره إلى الخروج إلى آخر ما ذكره مما يظهر بمراجعة كلامه، لكنك عرفت أنّ تلك القاعدة كلامية لا ربط لها بالاصول فضلا عن أن يكون لها قسمان خطابى و عقابى و يكون ثانى القسمين مشروطا بشروط، على أنّ التصرف فى ملك الغير فعل امتدادى يتحقق بكل حصة منه حصتان من المخالفة بالنسبة إلى النهى عن ذلك الغصب بمعنى أنّ الغاصب بدخوله في ملك الغير بخطوة قد عصى النهى عن الغصب بمقدار خطوتين لانه بخطوة من الدخول قد ابتلى بخطوتين من التصرف فى ملك الغير، و هكذا كلما ازداد امتداد التصرف دخولا ازدادت مخالفة النهى حصة بمثليه و الحصة الأخرى من التصرف لاجل الخروج مما لا علاج عنه فى عالم الاقتراب إلى الكون فى خارج الدار الذى يكون واجبا عقلا تقليلا للمخالفة و العقوبة، فهذا هو المراد من الاضطرار بالخروج لا ما زعمه من عدم القدرة تكوينا على ازدياد الابتعاد بالمكث فى الدار، و بالجملة فالعقل إنّما يلزم المكلف على‏

182

اختيار التصرف المؤدى إلى الكون فى خارج الدار تقليلا للمعصية و لذا لو فرض كون الخروج من غير طريق الدخول أقلّ تصرفا منه من طريق الدخول لكون الاول أقرب إلى الكون فى خارج الدار بأن كان لها بابان دخل من أحدهما إلى قريب من الآخر فالعقل يعيّن للخروج أقصر الطريقين لانه أقل معصية، أمّا حسن التخلية فيتوجّه عليه ما تقدم فى حسن التخلص من أنّ هذه عناوين تنتزع عن انتهاء أمد التصرف و حصول الشخص فى خارج المغصوب فليست عناوين لحصة من التصرف فيه فلا توجب حسنا لانها ليست إحسانا فى حق المالك بل رفع الظلم عنه و إحسان فى حق نفس الغاصب من جهة التلازم مع تقليل المعصية.

و بالجملة فلكلامه جوابان إجمالى و تفصيلى (أمّا الاول) فهو أنّ اللازم فى المقام إنّما هو المصحح للعقاب بالنسبة إلى حصة الخروج و هو موجود ضرورة وجود ملاك المبغوضية لانه تصرف فى مال الغير بدون إذنه و وجود الخطاب و هو النهى عن هذا الفعل الامتدادى الواقع بين المبدا و المنتهى أى التصرف من حين الدخول إلى الخروج عن الارض المغصوبة و وجود القدرة على امتثال ذلك الخطاب بترك هذا الفعل الامتدادى من رأس و إبقائه على العدم فاذا خالف النهى بايجاد ذلك الفعل المتحقق بايجاد حصة منه فقد استحق العقاب عقلا (و أمّا الثانى) فهو بيان فساد كل واحد من الشرائط الاربعة التى ذكرها لدخول الخروج تحت قاعدة الامتناع بالاختيار لا ينافى الاختيار و ربما جعل كلا منها دليلا على خروجه عن القاعدة، فنقول (حاصل أولها) صيرورة الفعل اضطراريا خارجا عن تحت القدرة كما فى ترك الحج فى الموسم بالنسبة إلى تارك المسير إليه و ليس كذلك الخروج ضرورة قدرة المكلف على عدمه بالبقاء فى تلك الدار (و فيه) أنّ الاضطرار بهذا المعنى إنّما يشترط فى: الامتناع بالاختيار لا ينافى الاختيار: الفلسفى الذى أجيب به عن القائل بعدم اختيارية الافعال للعباد و لا ربط له بالاصول كما نبه عليه فى الكفاية، أمّا القاعدة التى اخترعها مثل هذا القائل لمثل المقام أعنى عدم منافاة الامتناع الفعلى إذا استند إلى الاختيار مع العقاب فلا يشترط فيه ذلك إذ يكفى فى صحة عقاب المكلف على عصيان الخطاب صيرورته لا علاج عن العصيان بالنسبة

183

إلى حصة التصرف الخروجى بعد اختياره العصيان بالنسبة إلى صحة الدخولى مع تمكنه عن ترك العصيان بترك الدخول بلا خروجه عن تحت اختياره تكوينا حسب اعترافه (و حاصل ثانيها) وجود ملاك الفعل حتى مع انتفاء مقدمته الاعدادية كملاك الحج عند ترك المسير فى صورة وجود الاستطاعة فلوجوده بمجرد الاستطاعة يستحق العقاب على ترك الحج بترك المسير و لو كان فعله حينئذ ممتنعا لاستناده إلى اختياره، بخلاف الخروج فحيث يكون لمقدمته الاعدادية أى الدخول دخل فى أصل ملاكه فهو خارج عن القاعدة (و فيه) أنّ الخروج أيضا تركه مقدور كما عرفت فهو ذو ملاك حتى بعد تحقق الدخول (و حاصل ثالثها) كون المقدمة سببا للقدرة علي ذيها كالمسير إلى الحج الذى هو مقدمة إعدادية له و به يقدر عليه بخلاف الخروج فمع كون الدخول مقدمة إعدادية له يكون تركه غير مقدور بعد تحقق الدخول فليس من مورد القاعدة (و فيه) أنّ متعلق الطلب إذا كان وجوديّا كالحج فمقدمته الاعدادية وجودية كالمسير أمّا إذا كان عدميّا كترك التصرف الخروجى فمقدمته الاعدادية أيضا عدمية كترك التصرف الدخولى، و من المعلوم أنّ الثاني سبب للقدرة على الأوّل فترك هذا المطلوب أعنى ايجاد التصرف الخروجى بايجاد التصرف الدخولى حيث يستند إلى اختياره فيستحق العقاب عليه كما يستحق تارك الحج بتركه المسير اختيارا، فالعجب أنه يعترف بكون وجود الدخول مقدمة إعدادية لوجود الخروج و مع ذلك يقايس بين وجود الدخول مع ترك الخروج لا بينه و بين ترك الدخول الذى هو مقدمة إعدادية لترك الخروج (و حاصل رابعها) عدم قابلية الفعل لتعلق الخطاب به لعدم كونه مقدورا و ليس كذلك الخروج لانه واجب عقلا فهو مقدور قابل لتعلق الخطاب به شرعا فيخرج عن القاعدة (و فيه) أنه لا معنى لدخل الوجوب العقلى الذى يكون للارشاد إلى تقليل المعصية فى صيرورة الفعل مقدورا و تغييره عما هو عليه من المقدورية أو عدمها فالفعل بنفسه مقدور تكوينا مبتلى به خارجا، ثم إنّ ما ذكره فى هذا الامر يبطل ما زعمه فى معنى الاضطرار فى الأمر الاول حيث يوضح أنّ المراد به الابتلاء بذلك العصيان خارجا لا عدم القدرة على نقيضه تكوينا، فليته تنبه لذلك هناك حتّى لا يذكر الأمر الاول فالأمران الاول‏

184

و الرابع متنافيان، أمّا تعنون الخروج بعنوان حسن هو ردّ مال الغير إلى مالكه فقد عرفت ما فيه.

ثم إنّ الصلاة فى الدار المغصوبة تصح علي القول بالاجتماع و لو كان الاضطرار بسوء الاختيار و هو واضح، نعم على مسلك بعض المجوّزين كالمجدد الشيرازى (قده) من كون الغصب قرين سوء للعبادة، و انّه لا يطاع اللّه من حيث يعصي، و كبعض الاساطين (ره) من اختيار الامتناع من الجهة الثانية مستندا إلى اقتضاء البعث القدرة لا تصح إذا كان الاضطرار بسوء الاختيار، أمّا على القول بالامتناع فإن لم يكن الاضطرار بسوء الاختيار كما إذا سجن فى مكان مغصوب تصح الصلاة ضرورة عدم فعلية النهى فالعبادة توافق أمرها بلا مزاحم و كذا مع الجهل و النسيان ضرورة وجود ملاك الصحة و هو عدم فعلية النهي فى الجميع فالفرق بين القصورى و غيره أو النسيان و عدمه غير سديد و إن كان بسوء الاختيار مع وقوع الصلاة حال الخروج علي القول بكونه مأمورا به بلا إجراء حكم المعصية عليه فتصح ضرورة استيفاء الغرض من الأمر لكنه مقصور بعدم لزوم تصرف زائد، و لذا قد يقال بلزوم الاقتصار في كيفية الصلاة على ما لا يستلزم تصرفا زائدا على ما يتوقف عليه الخروج و أنّ الحركات الصلاتية التى تستلزم التصرف الزائد كالركوع و السجود غير جائزة، بل صرّح فى الجواهر بلزوم الاقتصار على الايماء للركوع و السجود لكن الظاهر على هذا القول كفاية الاتيان بالركوع حال الحركة الخروجية لا حال السّكون فلا يتبدل بالايماء، و قد يقال بالفساد من جهة القبح الفاعلى و يدفعه أنّ المفروض عدم فعلية النهى بالنسبة إلى الفعل فانتسابه إلى الفاعل لا يوجب القبح ثم لو سلم القبح الفاعلى فلا ربط له بنفس الفعل كى يمنع عن صحة الصلاة، أمّا مع اجراء حكم المعصية عليه و غلبة ملاك الأمر علي النهى فتصح فى ضيق الوقت بمقتضى استيفاء الغرض (و القول) بجواز البقاء بمقدار الخروج و الاتيان بالصلاة إذا ساوى زمان الخروج مع زمان الصلاة (مدفوع) بأنّ مدار الصحة ليس على هذا الامتداد الزمانى حتى يقال بامكان ايقاع الصلاة فيه حال البقاء و أنّه لو لم يكن خروج كما لو صعد عن الارض المغصوبة بالطائرة صحت الصلاة لوقوعها فى الامتداد الوافى للخروج على تقديره، بل المدار على التعنون باللّابدية و هذا

185

العنوان ينطبق على الخروج دون البقاء، و لو سلم كون المدار على هذا الامتداد فهو على خصوص ما يتحقق به الخروج فما لم يكن خروج يصلّى حاله لا تصح صلاته، أمّا فى سعة الوقت (فقد بنى) الصحة و الفساد فى الكفاية على عدم اقتضاء الأمر بالشي‏ء النهى عن ضده و اقتضائه بدعوى أن كل واحدة من الصلاة فى الدار المغصوبة و فى خارجها و إن كانت فردا لطبيعى المأمور به و مقتضى التخيير بين أفراد الطبيعة عقلا عدم الفرق بينهما، لكن أحد الفردين توأم مع منقصة ناشئة عن اتحاده مع الغصب فالفرد الخالى عنها أهمّ فى نظر العقل و مأمور به فى عالم امتثال الطبيعى دون الفرد الآخر فلو قلنا بأنّ الأمر به يقتضى النهى عن ضده و هو التوأم مع المنقصة فالصلاة فى الغصب منهي عنها و فاسدة، و إن لم نقل بذلك كما هو الحق الذى عرفته فى محله فالصلاة مشتملة على ملاك الأمر و هو غالب على ملاك النهى و ليست منهيا عنها من قبل ضدها و لا من قبل الغصب لفرض سقوط النهى بالاضطرار فهى صحيحة مع سعة الوقت و لو لم يتعلق بها أمر فعلا.

أقول تحقيق المقام أنّ صحة الصلاة على القول بالاجتماع ممّا لا ريب فيه سواء اضطر إلى الغصب فسجن فى مكان مغصوب أو ابتلي به اختيارا فدخل فيه باختياره كما تقدم توضيحه، أمّا على القول بالامتناع فلو قلنا بمذاق صاحب الكفاية من أنّ الاضطرار قيد لاصل الجعل فلا نهى بالنسبة إلى الغصب كى يقع التمانع بينه و بين الأمر بالصلاة، و إن قلنا بأنّه موضوع لرفع الحكم الاولى كما هو ظاهر قوله (ع): كل شي‏ء اضطر إليه ابن آدم فقد أحله اللّه: إذ ظاهره رفع الحرمة الثابتة قبل طروّ الاضطرار بسبب طروّه لا عدم جعل الحرمة عليه من أول الأمر بل جعله حلالا، بل هذا هو ظاهر رفع ما اضطروا إليه فى حديث الرفع، فيمكن أن يقال بأن تقييد الأمر إنّما هو فى صورة تنجّز النهى و حيث لا تنجّز له فلا يقيّد الأمر (و بالجملة) فحيث أن متعلق الأمر و النهى على الامتناع نفس الفرد الخارجي فالامتناع آمرىّ و التغالب لا بد أن يكون فى مرحلة الجعل، فمعنى غلبة أحد الملاكين على الآخر عدم تأثير الملاك المغلوب فى جعل حكم إلزامىّ على طبقه فلو كان الغالب ملاك الأمر لا بد أن تكون العبادة مأمورا بها و صحيحة ليس إلّا و لو كان ملاك النهى لا بد أن تكون منهيا عنها و فاسدة، ففى فرض غلبة مصلحة الأمر للاجماع‏

186

على وجوب الصلاة فى كل حال أو لقوله (ع): الصلاة لا تترك بحال: كما هو مفروض كلام صاحب الكفاية لا بد أن لا تكون للغصب مفسدة ملزمة و عليه فالصلاة في الدار المغصوبة مأمور بها فقط فهى صحيحة بلا استتباع العقوبة من غير فرق بين وقوعها فى سعة الوقت أو ضيقه و لا بين وقوعها حال الخروج أو البقاء، إذ على هذا لا دخل لعنوان الخروج أو الضيق فى الصحة بل الدخيل إنّما هو مغلوبية ملاك النهى، هذا إذا تساوى الاطلاقان فى كونهما شموليين نظير أكرم العلماء و لا تكرم الفساق، أمّا إن كان إطلاق الأمر بدليا نظير أكرم عالما و إطلاق النهى شموليا نظير لا تكرم الفسّاق فيتوجه عليه إشكال آخر هو حكومة الاطلاق الشمولي على البدلى بمعنى اختصاص مورد البدلى كالصلاة فى المقام بغير مورد الشمولى كالغصب فتجب الصّلاة فى المكان المباح فقط، إذ بذلك يمكن حفظ كلا الملاكين فى جميع الموارد بخلاف العكس أى تحكيم البدلى على الشمولى و تخصيص مورد الثانى بغير مورد الاول بأن لا يكون الغصب حين الصلاة فى المكان المغصوب حراما فيفوت ملاك النهى فى بعض الموارد و لا بد أن تكون العبادة غير مأمور بها أصلا بل منهى عنها لتحقق الغصب بها فتكون فاسدة، فلا معنى للجمع بين القول بالامتناع مع الالتزام بثمرة القول بالاجتماع و هو غلبة ملاك الأمر مطلقا لدى الابتلاء بالغصب اختيارا سواء حال الخروج أو ضيق الوقت أوسعته و الالتزام بصحة الصلاة و كون المكلف مع ذلك عاصيا للنهى مستحقا للعقوبة كما صنعه صاحب الكفاية (قده) فبين ذاك المبنى مع هذا البناء تهافت فهذا منه (قده) طريف.

و أطرف منه ما ذكره أخيرا من ابتناء الصحة و عدمها في سعة الوقت على اقتضاء الأمر بالشي‏ء النهى عن ضده و عدمه و اختياره الصحة علي مختاره من عدم الاقتضاء، و ذلك لان الأوامر المتعلقة بأفراد طبيعة واحدة إنّما هى عقلية تخييرية لا شرعية حتى يبتنى على تلك المسألة فالأمر الشرعى إنّما هو واحد غاية الأمر ينحلّ إلى كل واحد من هذه الافراد على نحو البدلية بمعنى أنّ اللازم بحكم العقل امتثال الطبيعة فى ضمن واحد من تلك الأفراد فالأفراد أعدال تلك الطبيعة لا أنّ هذا الفرد ضد لذاك كى يكون صغرى لمسألة اقتضاء الأمر بالشي‏ء النهى عن ضدّه، أما الحكم‏

187

بالصحة فليس لاجل عدم اقتضاء الأمر النهي عن الضد بل لمقدمتين إحداهما أنّ الفرد الخارجى على القول بالامتناع مأمور به و منهى عنه معا و الأخرى غلبة المصلحة الصلاتية على المفسدة الغصبية فبعد التفات العقل إلى المقدمتين يحكم بصحة الصلاة (و قد يقال) فى تصحيحها حال الخروج على القول بالامتناع بعد تسليم كون جميع حصص التصرف فى الدار المغصوبة من الدخولية و البقائية و الخروجية محرّمة بنفس النهى عن التصرف فى مال الغير إذ رأس السلسلة بيد المكلف و ليس شي‏ء من عناوين الدخول و البقاء و الخروج موضوعا للحكم الشرعى (إنّه) لا ريب فى أن الحصة الخروجية من التصرف مضطر إليها بمعنى كونه لا علاج عنها فلو ندم المكلف و تاب عن هذه المعصية فحيث أن التائب من الذنب كمن لا ذنب له فالصلاة فى هذه الحالة خالية عن المفسدة واجدة للملاك فتقع صحيحة (و فيه) أن قوله (ع): التائب من الذنب كمن لا ذنب له: سيق لنفى تبعة المعصية لدى التوبة لا نفى أصل المعصية بما هي مخالفة و مبغوضة كما هو الشأن فى جميع الادلة الشرعية الواردة فى الحبط أو التكفير أو تبديل السيئات حسنات، و المانع عن صحة الصلاة إنّما هي المبغوضية المتحققة حسب الفرض دون التبعة المرتفعة بالتوبة فهى غير صالحة لتصحيح الصلاة المزبورة، مع أنّ التوبة فرع تحقق المعصية و هى متحققة بالنسبة إلى حصص التصرف الحاصلة فى الخارج غير الخروج أمّا هو فالمفروض عدم تحقق هذا الامتداد من التصرف الواقع حال الخروج حتى يتحقق به عصيان النهى الكلى بالنسبة إلى هذه الحصة من متعلقه ليمكن تعلق التوبة به، فرافع التبعة أو أصل المعصية غير متحقق بالنسبة إلى الخروج فكيف تصح الصلاة حاله (إلا أن) يدّعي تأثير التوبة السّابقة في رفع التبعة أو المعصية اللّاحقة بمعنى أنّ المكلف لمّا تاب عن المعصية المتحققة بالدخول فى الدار المغصوبة خرجت الحصة الباقية من التصرف عن المبغوضية (و هو) و إن أمكن ثبوتا لكنه خلاف ظاهر الدليل إثباتا لأنّ قوله (ع): التائب من الذنب كمن لا ذنب له: غير ظاهر بشي‏ء من الدلالات الثلاث في ذلك، أو يدعى أنّ التوبة مستمرة مع كل جزء جزء من التصرف الخروجى المحقّق للمعصية فأثر العصيان بالنسبة إلى كل جزء يرتفع‏

188

بالتوبة فتقع الصلاة صحيحة لكنه أيضا لا يجدى لاثبات المدعى لان تحقق كل جزء من ذلك التصرف توأم مع تحقق جزء من الصلاة فما لم يتحقق ذلك الجزء لا يمكن تعلق التوبة به و إذا تحقق فقد تحقق به جزء من الصلاة مبغوضا فأين المصحح.

و ربما يقال فى وجه التصحيح أنّ مقتضى: الصلاة لا تترك بحال: كونها ذات ملاك ملزم فى جميع الحالات التى منها حال الغصب فهي صحيحة مطلقا قلنا بالاجتماع أو الامتناع فلا ثمرة للمسألة بالنسبة إلى الصلاة فى الدار المغصوبة، و فيه أنّ ذلك يتم لو لم نقل بتقييد الصلاة من جهة الحالات أيضا بأقل ما تتحقق به كصلاة الغرقى أمّا على ما هو الحق من أنّ هذا الدليل: الصلاة لا تترك بحال:

كما يكون ناظرا إلى تقييد الصلاة من جهة حالات المكلف كالاضطرار و نحوه و أنّها لا تسقط بشي‏ء منها كذلك يكون ناظرا إلى تقييدها من جهة حالات نفس الصلاة من تعذر أجزائها و شرائطها و أنّها لا تسقط بتعذرها ما دام صدق الصلاة عليها في الشرع إذ هذا هو مقتضى إطلاق الدليل، فحينئذ نقول إن الصلاة تامة الاجزاء و الشرائط و إن كانت متعذرة حال الغصب لكنها بنحو الايماء و الاشارة غير الملازم مع تصرف زائد فى المغصوب الذى هو أقلّ ما يصدق عليه الصلاة فى الشروع كما فى مورد الغرقى و المهدوم عليهم غير متعذرة، فاطلاقها بالنسبة إلى أزيد من هذه المرتبة يقيد باطلاق النهى و إن شئت قلت إنّ الرواية مفرّدة للطبيعة الصلاتية فتكون الصلاة فى الدار المغصوبة تامة الاجزاء و الشرائط، بل بما عدا المرتبة المزبورة فاسدة على الامتناع صحيحة على الاجتماع فالثمرة بحالها.

الثاني أنّ مورد الاجتماع على القول بالامتناع هل هو من قبيل تعارض الحكمين و حكومة أحد الاطلاقين علي الآخر كما اختاره جماعة أم هو من قبيل تزاحم المقتضيين و لا بدّ من إعمال مرجحات باب التزاحم كما اختاره صاحب الكفاية (قده) و تبعه جماعة ممن تأخّر عنه، ألحق هو الأول (إذ حاصل) تقريب الثانى على ما فى الكفاية أنّ الدليلين ربما يعلم من أول الأمر بكذب أحدهما كما إذا أخبر المولى بأنّ اليوم يخبرك عنّى شخصان أحدهما كاذب فأخبرا عنه،

189

و لم تعلم أيهما كاذب فهذا من اشتباه الحجة باللاحجة و هو خارج عن محطّ الكلام فى المقام، و ربما تكون شرائط الحجية للحكاية تامة فى كل واحد منهما فان كان بينهما تناف مطلقا حتى فى الملاك و الجعل كما إذا دلّا على ملاكين متنافيين لشي‏ء واحد فحكى أحدهما كون شرب الخمر ذا مصلحة و حكى الآخر عن كونه ذا مفسدة فهذا من تعارض الدليلين و يكون كل بمدلوله الالتزامي مكذّبا للآخر فلا بد من الرجوع إلى المرجّحات السّندية مطلقا، و إن لم يكن بينهما تناف كذلك بل دلّ كل على ملاك فى شي‏ء كما فى المقام حيث يدل أحدهما على كون الصلاة ذات مصلحة و يدل الآخر على كون الغصب ذا مفسدة فالملاكان فى نفسهما غير متنافيين بل قابلان للتحقق فى الخارج لكن تصادق عنوانين كل واجد لأحد الملاكين على مورد أوجب التنافى، فهذا من تزاحم المقتضيين فلو أحرز كون أحد الملاكين أقوى يؤخذ به و إلّا فإن دلّ كل على حكم فعلىّ وقع التعارض بين الدليلين في ذلك الموارد فيقدم أقواهما سندا أو دلالة و منه يستكشف إنّا أقوى الملاكين أيضا، و إن دلّ أحدهما على الحكم الفعلي فقط تعيّن الأخذ به و إن دلّ كلّ على حكم اقتضائى يرجع إلى الاصول العلمية (و قد أيد) بعض المحققين هذا الكشف الإنّي بأنه ليس لاجل دلالة قوة السند أو الدلالة على قوة المدلول بالمطابقة إذ لا ربط لقوة الكاشف بقوة المنكشف و لا لاجل عليّة بينهما فليس الكشف إنّيا بالمعنى المصطلح، بل المراد به الدلالة الالتزامية إذ التعبد بأقوى سندا أو دلالة من قبل الشارع لا بد أن يكون عن ملاك فعلى باعث نحو التعبد لا جزافا و بلا ملاك فلو كان ذاك الملاك أقوى عن ملاك التعبد بأضعف سندا أو دلالة صح التعبد على طبقه و إلّا فلا معنى للتعبد بخصوص أقوى سندا أو دلالة، بل لو كان ملاك التعبد بالاضعف أقوى لا بد من التعبد بخصوصه و إلّا فلا بد من التخيير بينهما و هذا بناء على الطريقية فى باب التعبد بالسند أو الدلالة واضح أمّا بناء على الموضوعية فالحكم المماثل لا يلزم أن يكون عن ملاك باعث نحو الحكم الواقعى فيتزاحم الحكمان دائما فعلى الطريقية لا تعارض إلّا فى صورة العلم بكذب أحد الدليلين.

(و يتوجه) عليه أنّ التنافى بين الحكمين على الامتناع إنّما هو في مرحلة

190

أصل الجعل بمعنى عدم قابلية أحد الملاكين لأن يصير منشأ لجعل حكم على طبقه بل هو مقهور بالملاك الآخر فليس في مورد الاجتماع عدا ملاك واحد فلا مجال للتغالب بين الملاكين كى يكون من تزاحم المقتضيين، ثم لو فرض وجود المقتضيين فى مورد الاجتماع و صحة جعل التغالب بين الحكمين فالمفروض نفى أحدهما بمرجحات السند أو الدلالة و حصرهما فى واحد فعند عدم فعلية المقتضى الموجود لا معنى لوجود المقتضى الآخر المنفىّ و تحققه ثانيا ما لم يدل على انوجاده ثانيا دليل آخر غير دليله الاوّلى، فالتعبد بأقوى سندا أو دلالة لا يمكن أن يستلزم أقوائية ملاك الحكم لانحصار الملاك فى الواحد فالعجب أنّ هذا المؤيد يعدّ ما ذكره وجيها على الطريقية التي ليس معها عدا الملاك الواقعى دون الموضوعية التى يكون معها فى مؤدى الطريق بما هو طريق أيضا ملاك، فلو عكس الأمر لكان أقرب بالاعتبار إذ لا ربط للطريق بذيه من حيث الأقوائية و إن شئت التوضيح فافرض فى الأمور العرفية قيام طريق أقوى فى الطريقية كالبينة على أمر ذى ملاك ضعيف و قيام طريق أضعف فى ذلك كشهادة عدل واحد على أمر ذى ملاك قوىّ ثم انظر هل يكون مجرد أقوائية الطريق سببا لأقوائية ذيه أم لا ربط لاحدى المرحلتين بالأخرى (و قد يقرب) ذلك بأن الحكم الفعلي لا بد أن يستند إلى أقوى الملاكين فلو كان الآخر أيضا كذلك لأثّر فى الحكم الفعلي و حيث لم يؤثّر فليس بأقوى (و يدفعه) أنّ فرض الكلام في مورد دلالة الدليلين على الحكم الفعلى و التعارض من جهة عدم إحراز غلبة أحدهما إذ لو كان أحدهما فعليا تعين الأخذ به بلا تعارض فى البين، و لو أراد بالحكم الفعلى حجية الدليل فلا ريب أن أقوائية الطريق فى عالم الحجية لا ربط لها بعالم ملاك ذى الطريق، فظهر بطلان ما ذكروه فى تأييد كلام صاحب الكفاية (قده) و علم أن استكشاف الملاك الأقوى من طريق أقوائية السند أو الدلالة مما لا وجه له إذ بعد فرض الامتناع عقلا و كون إطلاق الأمر بدليّا و إطلاق النهى شموليّا يكشف العقل عن عدم دخول مورد الاجتماع من أوّل الأمر تحت إطلاق البدلى و انحصاره فى غير مورد الاجتماع ضرورة إمكان حفظ الملاكين بهذا النحو فبين القول بالامتناع مع جعل مورد الاجتماع من تزاحم المقتضيين تهافت بيّن بل هو من تعارض الحكمين و حكومة أحد الاطلاقين على الآخر، فالحق مع من قال بأن صاحب الكفاية (قده) قد خلط فى المقام بين‏

191

بابى التزاحم و التعارض.

ثم إن الاصحاب مع ذهاب غالبهم إلى الامتناع حكموا بصحة الصلاة فى الدار المغصوبة لدى الجهل و النسيان و الاضطرار (فعلّله) فى الكفاية بأن إخراج مورد الاجتماع عن تحت أحد الدليلين ليس على الاطلاق بل ما دام فعليّة الحكم الآخر فلو خرج عن الفعلية لواحد من الاعذار كالاضطرار و الجهل و النسيان أثّر الملاك الآخر أثره، فاذا خرج الغصب عن الحرمة لواحد من الاعذار المذكورة أثّرت مصلحة الصلاة أثرها و هذا هو السرّ فى حكمهم بالصحة (و يدفعه) ما عرفت من أنّه ليس فى مورد الاجتماع على القول بالامتناع غير ملاك واحد فلا تغالب هناك و على فرض وجود ملاكين فأحدهما منفىّ بمرجحات السند أو الدلالة و بعد خروج الآخر عن الفعلية لا ينوجد المنفىّ ثانيا إلّا بدليل ثانوى مفقود، فلو نفينا ملاك الصلاة بمرجّحات السند أو الدلالة و حكمنا بفسادها فى الغصب كما هو مفروض الامتناع الذى قال به الأصحاب على مذاق صاحب الكفاية (قده) فبعد خروج حكم الغصب عن الفعلية بواحد من الأعذار لا ينوجد ملاك الصلاة ثانيا بل ملاك الغصب موجود فالفعل مبغوض غير محبوب فلا بد من الحكم بفساد الصلاة (و دعوى) أنّ التنافى بين الأمر و المبغوضية إن كان بلحاظ نفس الأمر للمقابلة مع النهى فالمفروض عدم تأثير ملاك النهى فى فعليته و تنجّزه فلا منافاة، و إن كان بلحاظ أثره القربى فالمفروض عدم كون ارتكاب النهى مبعّدا فلا ينافى صدور المأمور به قربيّا و إن كان بلحاظ ملاكه أى المحبوبية الفعلية المضادة مع المبغوضية الفعلية فقد تقدم فى باب الطلب و الارادة عدم ارادة تشريعية في الاحكام التشريعية إذ الارادة بالنسبة إليه تعالى ليست إلّا ابتهاج الذات بالذات للذات فليس هناك حبّ و بغض كى يكونا مبدءين للارادة التشريعية الايجابية و التّحريمية، نعم ما تحقق فى الخارج من البعث و الزجر و إنزال الكتب و إرسال الرسل و متعلقات البعث و الزجر فهو داخل فى النظام الجملى و و مراد له بالتبع و ما لم يتحقق من ذلك فهو غير داخل فى النظام الجملي فغير مراد له بالتبع، أمّا بالنسبة إلى المبادى العالية كالانبياء و الائمة (عليهم السلام) فالحبّ و البغض و إن كانا موجودين لكن لا منشئية لهما للارادة التشريعية إذ لا بد أن تعود الفائدة إلى‏

192

الشخص حتى يتحقق بها الشوق نحو المراد و تنبعث الارادة و ليس كذلك فى المقام لرجوع فائدة الاحكام إلى نفس المكلفين العاملين بها لا إلى الآمرين بالعمل بها، فالمحبوبية و المبغوضية غير موجودتين فى ذلك الفعل حتى يكون بينهما تناف بل المصلحة و المفسدة موجودتان فيه من جهتين، بل يمكن تقريب الصحة بوجه آخر أيضا هو ان المفروض وجود المصلحة و المفسدة فى هذا الفعل فمع أقوائية المفسدة إن أمكن التحرّز عنها بالزجر عن الفعل لا بد من ذلك و إن لم يمكن للجهل أو النسيان لا بد من استيفاء الغرض من ناحية المصلحة و عدم تفويتها بالبعث نحو الفعل، كما صدر ذلك كله من بعض المحققين تأييدا لمقال صاحب الكفاية (قدس سرهما) (مدفوعة) بأنّ مفروض صاحب الكفاية (قده) كون التنافى بلحاظ الملاك و قد تقدم فى باب الطلب و الارادة وجود الارادة التشريعية فى الاحكام الشرعية بلا استيجابه محذورا و أنّ دخول ما يتحقق خارجا من متعلق البعث و الزجر في النظام الجملى و عدم دخول ما لم يتحقق منهما فيه يستلزم الجبر و عدم كونه تعالى مختارا فى أفعاله فراجع، أمّا فى المبادى العالية فلا يلزم رجوع الفائدة إلى أشخاصهم بل يكفى رجوعها إلى أمتهم الذين هم بمنزلة أبنائهم بعد معلومية أنهم (عليهم السلام) مظاهر للرحمة الواسعة الالهية بالنسبة إلى الامة، و لذا كانوا بصدد هدايتهم بل كان ذنبهم ذنبا لهم (ع) فى عالم سعة رحمتهم و بالجملة فرجوع فائدة إلى هو من شئون شخص كالابن و نحوه هو رجوعها إلى ذلك الشخص، فعلى مسلكهما (قدس سرهما) فى باب الامتناع لا مجال لحكم الأصحاب بالصحة فى موارد الاعذار كما أن اللابدية من استيفاء الغرض من المصلحة التى ذكرها في الوجه الثانى من تقريب الصحة ممنوعة لانها فرع عدم المقهورية فمعها كما هو المفروض لا ملزم على الاستيفاء بل لا موضوع له فلا موجب للصحة، نعم على ما قدمناه من كون مورد الاجتماع على القول بالامتناع من التعارض و حكومة إطلاق النهى لكونه شموليا على إطلاق الأمر لكونه بدليا فحيث أن النهى مع العذر غير منجز فلا حاكم على إطلاق الأمر فالمورد مأمور به فقط غير منهى عنه أصلا فالصلاة فيه صحيحة و ليكن هذا سرّ حكمهم بالصحة فتأمل، و قد تقدمت الاشارة إلى ذلك فى الأمر السابع من‏

193

مقدمات المسألة فراجع.

ثم أنه قد ذكر لترجيح النهى على الأمر وجوه (منها) أن الأمر لا يستلزم السريان بالنسبة إلى جميع أفراد المتعلق بل يكفيه وجود فرد واحد بخلاف النهى فانه يستلزم انتفاء جميع الافراد فيكون أقوى دلالة، و نوقش فيه بأن استلزام النهى ذلك إنّما هو من جهة إطلاق متعلقه بمعونة مقدمات الحكمة فلا ربط له بالنهى كما أن دلالة الأمر على كفاية أىّ فرد في مرحلة الامتثال يكون لمقدمات الحكمة فى المتعلق، و ردّ بأنّ إطلاق النهي لو كان لمقدمات الحكمة لكان استعماله فى بعض أفراد المتعلق حقيقيا و ليس كذلك فيكشف عن أنّ السريان مقتضى نفس وقوع الطبيعة فى حيّز النهى أو النفى، و قال صاحب الكفاية (قده) لا سبيل إلى إنكار دلالة النهى و النفي على السريان و الاستيعاب غاية الأمر أنّ الاستيعاب سعة و ضيقا بحسب سعة المراد من المتعلق و ضيقه فلو أريد منه الطبيعة المطلقة فالاستيعاب بالنسبة إلى جميع الافراد و إلّا فلا، و إطلاق المتعلق إنما هو بمقدمات الحكمة فبدونها كما إذا لم يكن الاطلاق فى مقام البيان لا يستفاد الاستيعاب بالنسبة إلى أفراد الطبيعة بلا منافاته مع ظهور النفى و النهى فى استيعاب ما أريد من متعلقهما، إلّا أن يقال بأن دلالة النفى و النهى على الاستيعاب تكفى فى إطلاق المراد من مدخولهما بلا حاجة إلى جريان مقدمات الحكمة فى المدخول كما في لفظة كل في: كل رجل حيث يدل بالوضع على استيعاب أفراد الرجل بلا حاجة إلى مقدمات الحكمة في مدخوله، و لا ينافى ذلك تقييد عموم المدخول بدالّ آخر كما فى قولك: أكرم كل رجل عادل: حيث استعمل لفظ كل في استيعاب ما أريد من مدخوله و استعمل مدخوله أي الرجل فى معناه الحقيقي أى العموم بلا مجاز في شي‏ء منهما أمّا خصوصية العدالة فاستفيدت من دالّ آخر فتعدد الدال و المدلول غير التصرف فى عموم المدخول كما لا يخفي، و أورد عليه بعض المحققين (قده) و تبعه بعض من تأخر عنه بأنّ مجرد النفى و النهى بما هما سلب لا يدلّان علي العموم و الاستيعاب كما لا معنى لاقتضاء نفي الطبيعة انتفاء جميع أفرادها لان العدم بديل الوجود فهو تابع له بمعنى أنّ الوجود إن لوحظ بالاضافة إلى الطبيعة المهملة سعة و ضيقا فعدم‏

194

تلك الطبيعة بديل له، و إن لوحظ بالاضافة إلى الوجودات الخارجية من الطبيعة فأعدام تلك الوجودات المتكثرة أبدال لها و حينئذ فوجود الطبيعة بوجود جميع أفرادها و عدمها بعدم الجميع و إن لوحظ بالاضافة إلى الطبيعة المشتركة بين جميع الأفراد فعدمها المشترك بين جميع الأعدام بديل له فاقتضاء الطبيعة في مرحلة الوجود كمتعلق الأمر تحقّق فرد ما و فى مرحلة العدم كمتعلق النهى انتفاء جميع الأفراد أمر غير معقول أمّا لفظة كل فحيث أنّها من أداة العموم تدل علي سريان المدخول و استيعابه من حيث الأفراد بلا احتياجه إلى مقدمات الحكمة فى المدخول لانه لا متعيّن مع قطع النظر عن لفظة، كلّ، فيحصل له التعيّن بسببها إذ لو كان له تعيّن فى حد نفسه لكان إدخال لفظة كل عليه لغوا، بخلاف استيعاب أحوال الأفراد فانه يستفاد من مقدمات الحكمة بلا استناده إلى لفظة، كلّ، فتقييد المدخول من الجهة الاولى مجاز بخلافه من الجهة الثانية.

أقول لا يخفى أنّ القائل بدلالة لفظة كل على العموم و الاستيعاب فى المدخول لو أراد الدلالة على إطلاقه من حيث الحصص بمعنى ايجاد معنى وجودى فى المدخول هو سريانه فى جميع الأفراد بحيث يخرج عن قابلية التقييد و يكون استعماله في البعض مجازا فهو فاسد ضرورة قابليته بعد ذلك للتقييد و عدم كون الاستعمال مجازا لدى العرف، أمّا إن أراد الدلالة علي كون إطلاقه الطبعى بحاله بمعنى حفظ إطلاق المدخول عن احتمال إرادة البعض بلا منافاته مع تقييد المدخول ببعض الافراد بدليل آخر و كون الاستعمال مع ذلك حقيقيا لان المحفوظ بلفظة كلّ، إطلاقه بالنسبة إلى الافراد الباقية تحته فهو فى غاية المتانة بل هو مقتضى كون مفاد، كل، معنى حرفيا و لذا عبر عنه بسور القضية، فان إفادة السعة و ايجاد ما لم يكن إنّما هو شأن المعنى الاسمى دون الحرفى الذى هو معنى، كلّ، و لذا صرّحوا بأنّه من أداة العموم، فاطلاق المدخول لا بد أن يستند إلى مقدمات الحكمة و إبقاء الاطلاق و تأكيده إلى لفظة كل، و لذا عدّه النحويون من ألفاظ التأكيد و منه علم عدم لزوم اللغوية من استناد إطلاق المدخول إلى مقدمات الحكمة كما زعمه هذا المحقق (قده)

195

أمّا النفى و النهى فلما كان مفادهما السلب و سلب الطبيعة باطلاقها المستفاد من مقدمات الحكمة لا يتحقق إلا بعدم تحقق فرد منها فالزجر عنها يقتضى لا محالة انتفاء جميع الافراد بمعنى دلالته عليه بالالتزام من ناحية تحقق الطبيعة خارجا بوجود فرد منها فعدم تحققها ليس إلّا بعدم جميع أفرادها و هذا معنى الاطلاق الشمولى، و لذا نقول بكفاية تحقق فرد من الطبيعة فى امتثال الأمر إذ المطلوب به تحقق الطبيعة فاطلاقها بدلى فلو حمل على ايجاد جميع الأفراد كان خلاف الاطلاق، فما تقدم عن المحقق المزبور (قده) من كون عدم كل شي‏ء بديل وجوده غير مربوط بما نحن بصدده لانه أمر واضح لدى كل أحد لكن الشأن إنّما هو فى أنّ الطبيعة لما كانت بنفسها مطلقة حسب مقدمات الحكمة فتعلق النهى و النفى بها يستلزم انتفاء جميع أفرادها و ليس كذلك فى الأمر و هذا عبارة أخرى عن أنّ إطلاق النهى شمولى و إطلاق الأمر بدلى الذى اعترف به (قده) قبيل هذا الكلام، و مما ذكرنا ظهر ما فى كلام صاحب الكفاية (قده) من دعوى استناد استيعاب المدخول إلى دلالة لفظة، كل، عليه حيث عرفت أنّ مفاد هذه اللفظة ليس إلّا معنى حرفيا هو حفظ إطلاق المدخول و تأكيده و إلّا لزم كون الاستعمال مجازيّا فى صورة التقييد، و دعوى عدم استلزامه ذلك من جهة كون التقييد بتعدد الدال و المدلول مدفوعة بأنّ كل تقييد لا محالة يكون بتعدد الدال و المدلول لكن لا ربط له بمجازية الاستعمال فى المطلق لدى إرادة البعض منه بقرينة التقييد لو قلنا بدلالة، كل، وضعا على سريان طبيعة المدخول بالنسبة إلى جميع حصصها كما هو المدعى، فتلخص أنّ الفرق بين إطلاق مدخول النهى مع مدخول الأمر بكون الاوّل شموليّا و الثانى بدليّا حق لا محيص عنه و مجرد الشمولية و إن لم يوجب قوة الدلالة كى يقدّم على البدلى كما أشرنا إليه غير مرة طى المباحث السالفة لكن لدى الدوران بينهما كما فى المقام على القول بالامتناع الذى لا بدّ من ترجيح أحد الاطلاقين حيث يمكن حفظ الملاكين بتقديم الشمولي بخلاف العكس كما أشرنا إليه أوائل هذا التنبيه يكون الشمولى حاكما على البدلى فالترجيح مع النهى.

(و منها) أنّ دفع المفسدة أولى من جلب المنفعة و قد أورد عليه المحقق القمى (قده) بأنّ إطلاقه ممنوع لوجود المفسدة فى ترك الواجب فامتثاله دفع للمفسدة فلا أولوية

196

لامتثال النهى عليه و أجاب فى الكفاية بأن الواجب في فعله مصلحة ملزمة و ليس فى تركه مفسدة كما أنّ الحرام في فعله مفسدة و ليس فى تركه مصلحة ثم قرّب منع إطلاق الأولوية بأنّ مصلحة بعض الواجبات ربما تكون أقوى من مفسدة بعض المحرمات كمصلحة حفظ النفس و مفسدة تفويت المال فالأولوية هنا بالعكس فالمدار على قوة الملاكات النفس الأمرية و ضعفها، و لو سلّم فانما يأتى فى موارد إرادة المكلف ترجيح واحد من الفعل و الترك حسب الموافقة و المخالفة مع أغراضه لا فى الدوران بين الواجب و الحرام الذى يكون المدار على الحسن و القبح العقليين لا موافقة الأغراض و مخالفتها كما فى المقام، و لو سلّم جريانه فى المقام فيختص بصورة القطع بالأولوية و على فرض جريانه مع الأولوية الظنية فيأتى في موارد الدوران بين الوجوب و الحرمة إذ لا مجال حينئذ لاصالة البراءة أو الاشتغال، أمّا مورد الاجتماع فتجرى فيه أصالة البراءة عن الحرمة و يحكم علي العبادة بالصحة حتى على القول بالاشتغال لدى الشك في الجزئية إذ المانع عن الصحة في المقام هو الحرمة فاذا ارتفعت بالبراءة عقلا و نقلا لم يكن مانع عنها، نعم لو كانت المفسدة الواقعية غالبة على المصلحة لم تجر البراءة حتّى علي القول بها لدى الشك فى الجزئية و الشرطية إذ الشك حينئذ فى تحقق العبادة من جهة عدم تمشى قصد القربة فالاشتغال بالواجب محكم، فتأمل فان ذلك مبني على لزوم الرجحان فى تحقق العبادة و عدم كفاية إمكان التقرب بها من جهة عدم العلم بمبغوضيتها و إلّا صحت العبادة، هذا حاصل مقاله (قده) فى المتن و الهامش و زاد فى الفوائد أنّ الترجيح بالأولوية فيما لم يمكن الجمع بين كلا الغرضين من دفع المفسدة و جلب المنفعة معا و هو ممكن فى المقام بأن يصلى فى غير الدار المغصوبة فلا وجه لترجيح النهى بهذه الجهة.

و قد وجّه بعض المحققين (قده) اختصاص البراءة بالحرمة دون الوجوب بأن وجوب الصلاة شرعا بنحو التعيين معلوم لدى المكلف مخيرا بحكم العقل بين أفراده العرضية كالاتيان بها فى الغصب أو في غيره بلا شك له من جهة أصل الوجوب، فليس المقام من الدوران بين التعيين و التخيير كى تجرى أصالة عدم التعيين و لا من‏

197

الشك فى سقوط التكليف بعد الصلاة فى الغصب كى تجرى أصالة الاشتغال، بل يتزاحم الغرضان عقلا فى الصلاة فى المغصوب فيشك فى شمول إطلاق الأمر بالصلاة لهذا الفرد المتحقق فى ضمن الغصب و لا يمكن التمسك بالأصل اللفظى لعدم الشك فى الاطلاق و التقييد بالنسبة إلى ذلك الفرد حتى يتمسك بأصالة الاطلاق إذ المفروض تمامية ملاك الصلاة فى ذلك الفرد أيضا بلا مانع شرعى عن اطلاق أمرها، و لا بالاصل العملى لان استصحاب عدم وجوب قابل للانطباق مع هذا الفرد لا يثبت كون هذا الوجوب المستفاد من الأمر بالصلاة قاصرا عن شمول هذا الفرد إلّا على القول بالاصول المثبتة و هو غير صحيح، و إذ لم تجر أصالة عدم وجوبه فأصالة عدم حرمته بمعنى البراءة الشرعية عن الحرمة من جهة انحلال النهى لعمومه الشمولى إلى كل فرد فرد من الطبيعة محكّمة بلا معارض، و حيث أن المقتضى لوجوب الصلاة موجود فيصير فعليا و مقتضاه الصحة، أمّا الاصل العقلي أعنى قاعدة قبح العقاب بلا بيان فهو لا يثبت عدم المضادة واقعا و إنّما يجدى لعدم صدور الفعل مبغوضا فان قلنا بكفاية ملاك الأمر فى إمكان التقرب به و صحة العبادة فضلا عن التلازم بين الفعلية و التنجز كما هو الحق صحت العبادة:

أقول أمّا جواب صاحب الكفاية (قده) عن الأولوية كبرويا باختلاف الموارد من حيث أقوائية المفسدة أو المصلحة و صغرويا بأن مورد الأولوية انحصار فرد الطبيعة فى واحد و هو غير منحصر فى المقام لامكان الصلاة فى خارج الغصب ففى غاية المتانة، أمّا ما أفاده فى الهامش من دوران الأولوية مدار أغراض المكلف ففيه أنّ الاحكام الشرعية أيضا على مذهب العدلية معلّلة عن المصالح و المفاسد الواقعية فتصح الاولوية فيها بالنظر إلى الموافقة و المخالفة مع الملاكات الواقعية كما أنّ ما أفاده فى الهامش فى وجه التأمل يدفعه أنّ العبادة لا بد لها من الرجحان فلا يكفى مجرد عدم ثبوت المبغوضية كما فصلناه فى محله، و ما أفاده هو و تلميذه (قدس سرهما) فى جريان البراءة عن الحرمة يندفع بأنّ التمانع على الامتناع يكون بحسب الجعل كما تقدم بمعني أنّ الجعل لا بد أن يدور مدار أحد المقتضيين على فرض وجود كليهما فالمقام من تعارض الاطلاقين أعنى إطلاقى الوجوب و الحرمة

198

بعد العلم الاجمالى بأحدهما فلا مجال لجريان الأصل مطلقا لما يأتى إن شاء اللّه فى الادلة العقلية من عدم اقتضاء الجريان للاصل فى أطراف العلم الاجمالى أصلا، و حيث أنّ الشك فى فردية الصلاة فى الغصب للطبيعة المأمور بها فالاشتغال بالصلاة محكّم يقتضى وجوب الصلاة فى غير الغصب أمّا الاجمال على الصحة فليكن كاشفا عن ارتكازهم على جواز الاجتماع و لو اختاروا فى مقام الاستدلال الامتناع، فالجمع بين القول بالامتناع و بين إجراء البراءة في أحد الحكمين جمع بين المتنافيين، و مما ذكرنا ظهر ما فى دعوى المحقق المذكور (قده) عدم الشك فى فردية الصلاة فى الغصب لان التخيير بينها و بين الصلاة فى غير الغصب عقلىّ لا شرعى فلا تجرى فيه قاعدة الاشتغال حيث عرفت أنّ الشك في فردية تلك الصلاة للطبيعة المأمور بها.

الثالث أنّ تعدد الاضافات كاضافة الاكرام إلى العالم و إلى الفاسق فى مثل أكرم العلماء و لا تكرم الفساق كتعدد العنوان فعلى الحق من كفايته فى تعدد المعنون يكفى تعددها فى تعدد المضاف إليه بحسب المصلحة و المفسدة و الحسن و القبح عقلا و الوجوب و الحرمة شرعا، فيدخل الخطابان في مسئلة الاجتماع كما فى صل و لا تغصب و يكون تنافيهما فى مورد الاجتماع من تعارض الخطابين و حكومة الشمولي منهما على البدلى إن كان نظير أكرم عالما و لا تكرم الفاسق و أقواهما سندا أو دلالة إن كانا شموليين كالمثال الاول على ما تقدم، نعم علي مسلك القوم كصاحب الكفاية (قده) و غيره يكون من تزاحم المقتضيين فيصح الأخذ بملاك أحدهما إذا كان أقوى إلّا فى صورة عدم وجود أحد المقتضيين فى مورد الاجتماع فيكون من باب التعارض، فالظاهر علي هذا المبنى أنّ من ذهب من القائلين بالاجتماع فى المسألة إلى كونهما فى مورد الاجتماع من العامين من وجه إنّما هو لعدم وجود المقتضي لاحدهما فيه، و استشكل فى ذلك بعض المحققين (قده) بأن تعدد الاضافات لا ربط له بالحسن و القبح العقليين و لا بالمفسدة و المصلحة، أمّا الاول فلان المضاف كالاكرام إمّا مهمل ذاتا من حيث الحسن و القبح و ليس فيه اقتضاء شي‏ء منهما فيستحيل أن يصير حسنا أو قبيحا بسبب الاضافة لانها لا تغيّر الشي‏ء عمّا هو عليه‏

199

واقعا و إمّا مقتض ذاتا لشي‏ء منهما و الاضافة توجب تحصصه إلى حصتين حسنة و قبيحة فلم توجب الاضافة اكتساب الحسن و القبح من المضاف إليه أيضا، و إمّا يدخل بسبب الاضافة تحت عنوان حسن أو عنوان قبيح فيلزم خلاف فرض صاحب الكفاية (قده) من أنّ تعدد الاضافات يوجب اختلاف الحسن و القبح لا تعدد العنوان، و أمّا الثانى فلان الاضافة ليس فيها اقتضاء شيئي من المصلحة و المفسدة و إنّما هى شرط فعليتهما فالعنوان الواحد كالاكرام لا يمكن أن يكون فيه اقتضاء المصلحة و المفسدة معا باعتبار إضافته إلى العالم و الفاسق، و يندفع الاول بأنّا نختار الشق الثالث و هو دخول المضاف إلى العالم تحت عنوان حسن و المضاف إلى الفاسق تحت عنوان قبيح و نقول ليس فى كلام صاحب الكفاية (قده) من عدم كون تعدد الاضافة سببا لتعدد العنوان عين و لا أثر حتّى يلزم خلاف فرضه، و يندفع الثانى بأنّ دخل الحسن و القبح فى الاحكام الشرعية و ملاكاتها واضح على مذهب العدلية فانكاره غير مسموع أبدا.

فصل في أنّ النهى عن الشي‏ء هل يقتضى الفساد أم لا و لا بأس بتقديم أمور للبحث تبعا لما فى الكفاية كما هو منهاج بحثنا (الاول) الفرق بين مسئلتنا مع مسئلة الاجتماع أنّ جهة البحث هناك أنّ تعدد العنوان و الجهة هل يوجب تعدد متعلقى الأمر و النهى أم لا و فى المقام أنّ معروض الأمر إذا وقع معروضا للنهى فهل يوجب ذلك فساده أم لا، و إلى ذلك يرجع ما فى القوانين و الفصول من الفرق بينهما باختلاف المورد غاية الأمر فسره فى الاول بالعموم من وجه و فى الثانى بوحدة معروض الأمر و النهى جهة و عنوانا و اعترض على كلام الاول كما اعترض على كلامهما ثالث، لكن الانصاف أنّ نظرهما معا إلى ما قررنا به الفرق، ثم المراد بالفساد فى عنوان المسألة جميع مراتبه أى الفساد القاهر كما يقتضيه إطلاقه إذ النهى لو كان مولويا يدل على مبغوضية معروضه فلا يجتمع مع محبوبيته أصلا لامتناع مبغوضية شي‏ء و محبوبيته بجهة واحدة و عنوان فارد و لو كان إرشاديا فهو إرشاد إلى الفساد فتوهم إمكان اجتماع المبغوضية و المحبوبية فى شي‏ء واحد بجهة واحدة كما فى تعليقة بعض المحققين (قده) على الكفاية فاسد، كتوهم أنّ الفساد بمعنى اقتضاء

200

عدم الامر فقط إذ المفروض وقوع معروض الأمر بعينه معروض النهى فالمبغوضية التى دل عليها النهى بالالتزام توجب عدم المحبوبية و كونه ذا مفسدة يوجب خلوّه عن المصلحة و لذا قلنا فى مسئلة الاجتماع أنه حيث ليس إلّا المقتضى لأحد الحكمين أى المصلحة المقتضية للأمر أو المفسدة المقتضية للنهى فهو لا محالة يكون من باب التعارض دون التزاحم.

الثانى أن النزاع في المسألة هل هو لفظى أو عقلى‏

(ذهب) بعض الأساطين (ره) إلى الثانى بدعوى أن النزاع فى المقام إنّما هو من الاستلزامات العقلية إذ النهى إنّما يدل على عدم الأمر لا عدم الملاك أيضا فالبحث فى أن الملازمة عقلا بين عدم الأمر مع المبغوضية و الفساد موجودة أم لا، نعم بناء على مذاق صاحب الجواهر (قده) من لزوم الأمر فى صحة العبادة يكون النزاع لفظيا (فيه) أو لا أن على مذاق مثل صاحب الجواهر (قده) لفظى كما اعترف به فكيف يكون عقليا مطلقا مع أن لفظية النزاع و عقليته تدور مدار الباحثين لا مختار بعضهم فى المسألة، بمعنى أنّ تحرير محل النزاع لا بد أن يكون بنحو يشمل جميع أقوال المسألة فلو كان هناك قول يناسب اللفظية كما ذكره العلامة فى تهذيب الاصول و تقدم عن صاحب الجواهر (قدس سرهما) كان النزاع لفظيا، و ثانيا أنّ معروض الامر حيث يقع بنفسه معروض النهى و لذا قالوا نسبة موردى الأمر و النهى هنا عموم مطلق كصل و لا تصل فى دار اليتيم و فى مسئلة الاجتماع عموم من وجه كصل و لا تغصب إذ المطلق محفوظ فى ناحية المقيد لانه المطلق مع زيادة (فالنهى) يدل بالالتزام على أن جميع ما دل عليه الأمر من المراتب الثلاثة للحكم الايجابى أى الأمر و المحبوبية و المصلحة منتفية فى معروض النهى، لانه اذا كان بين معنى مطابقى أو تضمنى للفظ مع معنى آخر ربط و تلازم خارجا فانسباق ذلك المعنى من إطلاق اللفظ ملازم عرفا مع انسباق المعنى المرتبط به، فهذه دلالة لفظية عرفا غاية الأمر ربطيّة بمعونة الملازمة الخارجية لا وضعية و لذا يقع الكلام فى ثبوت اللزوم بين المعين خارجا و أن تصوير نفس المعين كاف فيه كى يكون بيّنا بالمعنى الأخص أم يحتاج إلى ضمّ تصور آخر كى يكون بيّنا بالمعنى الأعم و تفصيله موكول إلى محله، فكما أن دلالة الأمر علي المحبوبية و المصلحة التزامية