آراء حول مبحث الألفاظ في علم الأصول‏ - ج2

- علي الفاني الأصفهاني المزيد...
414 /
201

بالمعنى الذى عرفت فكذلك دلالة النهى على المبغوضية و المفسدة و حيث أن معروض النهي نفس معروض الأمر فيدل علي وجود جميع المراتب الثلاثة فيه أى الزّجر و المبغوضية و المفسدة و هذه الدلالة مطابقية فى الاول، التزامية فى الاخيرين، فالنزاع بهذا اللحاظ يمكن أن يكون لفظيا كما نبه عليه صاحب الكفاية (قده) و إلّا فلو لم تكن الدلالة الالتزامية محسوبة من دلالات اللفظ لما كانت دلالة النهى على عدم الأمر أيضا لفظية كما زعمه، إذ المدلول المطابقى للنهي هو الزجر و مع فرض اتحاد المعروض يستلزمه عدم الأمر و لذا أسلفنا أنّ الفساد المستفاد عن النهى التزاما لو كان قاهرا يستلزم نفى جميع مراتب المصلحة عن معروض الأمر و بذلك أجبنا عن توهم إمكان اجتماع المصلحة و المفسدة فى شي‏ء واحد بجهتى الاطلاق و التقييد، فلقد أجاد بعض أعاظم (ره) حيث جعل المدلول هو الفساد الواقعى.

كما يمكن أن يكون النزاع عقليا فى ثبوت الملازمة بين الحرمة و المبغوضية (و ما في تعليقة) بعض المحققين (قده) على الكفاية من تقدم الثبوت على الاثبات فمع عدم الفراغ عن ثبوت الملازمة لا معني للبحث عن الاثبات و هو دلالة النهي التزاما على المبغوضية و المفسدة فالنزاع لا بد أن يكون عقليا لا لفظيا (مدفوع) بما ذكره صاحب الكفاية (قده) من إمكان كون البحث مع ذلك عن دلالة صيغة النهى و لو بالالتزام على الفساد و توضيح مراده (قده) أنّه إذا كان فى شيئي جهتان للبحث ثبوتيا و إثباتيا و كانت جهة الثبوت بمنزلة مقدمة مطوية لجهة الاثبات فللباحث قصر النظر علي الجهة الثانية ثم البحث عن الأولى استطرادا أو إرجاعها إلى الارتكاز كما أنّ له عطف النظر إلى خصوص الجهة الأولى أى الملازمة سواء كانت مدلول دليل لفظى أو لبّى كالاجماع و نحوه، ففي العبادات كما يمكن كون النزاع لفظيا كذلك يمكن كونه عقليا (فما ذكره) بعض أعاظم المعاصرين (دام ظله) من أنّ علماء الامصار و الاعصار تمسكوا للفساد بدلالة النهي فيظهر منه كون النزاع لفظيا و بالملازمة بين الحرمة و الفساد فيظهر منه كون النزاع عقليا و لا جامع بين الأمرين‏

202

(مدفوع) بما عرفت من وجود الجامع بينهما و هو كون النظر فى الاول إلى الدلالة الالتزامية للنهى مع مقدمة مطوية و في الثانى إلى إثبات الملازمة خارجا و بيان المقدمة المطوية لدليل الاثبات، لكن لما كانت الملازمة بين الحرمة و الفساد منتفية فى المعاملات جزما لدى الكل و معه ينتفى موضوع عقلية النزاع فيها و مع ذلك قال بعضهم بدلالة النهى فيها على الفساد و محل نزاع المسألة أعم من العبادات و المعاملات فلا بد أن يكون النزاع لفظيا بهذا اللحاظ، فلقد أجاد صاحب الكفاية (قده) حيث اعتذر عن جعل النزاع فى العبادات لفظيا مع إمكان كونه عقليا بامكان كون البحث عن دلالة الصيغة التزاما مع جعل الملازمة مقدمة مطوية، و ذكر فى وجه حصر النزاع فى اللفظى أن فى المعاملات قولا بالدلالة على الفساد مع تسليم عدم الملازمة بين مفاد النهى أى الحرمة مع الفساد.

نعم يمكن أن يقال بأن التصرفات الشرعية مختلفة فقد يتصرف فى الموضوع فقط كبيان نجاسة شي‏ء بالأمر بالاجتناب عنه و قد يتصرف فى المحمول فقط كبيان حرمة الزنا بالنهى عنه و قد يتصرف فى الموضوع و المحمول معا كما فى المهيات المخترعة أى العبادات و المعاملات، إذ للشارع فيها أوامر و نواهى إرشادية ناظرة إلى تركيب الماهية كالأمر بالركوع النّاظر إلى جزئيته للصلاة و النهى عن الصلاة حال الحيض الناظر إلى مانعيته عنها كما له أوامر و نواهى مولوية ناظرة إلى أحكام تكليفية كالأمر باقامة الصلاة الناظر إلى وجوبها شرعا و النهى عن الصلاة فى مواضع خاصة كالحمام و معاطن الابل الناظر إلى كراهتها هناك، و هكذا فى المعاملات، ففى الأوامر و النواهى الارشادية الناظرة إلى الاجزاء و الشرائط و الموانع للمركبات فى العبادات و المعاملات لا يظن بفاضل فضلا عن أحد من العلماء أن يلتزم بالصحة مع وجود نهى كذائي كى يمكن جعل النزاع فى دلالة هذا النهي على الفساد و عدمها، إذ مع وجود المانع كيف تتحقق الماهية حتى لا يدل النهى على الفساد، كما أن بوجود الجزء أو الشرط تتحقق الماهية فهذا الأمر يدل لا محالة على الصحة كما أن ذلك النهى يدل لا محالة على الفساد فلا وقع للنزاع في دلالة هذه النواهى على الفساد أصلا لكن لمّا كان من الممكن بعيدا وجود القول بالصحة مع ذلك‏

203

النهى يكون لتعميم النزاع بالنسبة إليها مجال فيمكن جعل النزاع لفظيا محضا.

الثالث قد عرفت سابقا أن عموم النزاع لقسم يدور مدار تصريح أرباب النزاع بدخوله فيه‏

و لو كان مخالفا لظاهر عنوان البحث فى كلماتهم و عليه فالظاهر من النهى فى العنوان و إن كان هو التحريمى النفسى الاصلى، لكن حيث صرح جماعة بالتنافي بين النهى التنزيهى مع العبادة بناء على عدم تأويل النهى فيها بما تقدم في توجيه العبادات المكروهة و كذا بين النهى الغيرى و التّبعى المستفاد من الأمر بالضد الأهم معها ضرورة التنافى بين الحرمة مع الصحة و لو كانت الحرمة من مقولة المعنى كما في التبعى أو غيرية، فدعوى دوران التنافى و الدخول فى النزاع مدار استحقاق العقاب كما يظهر من صاحب القوانين (قده) فى غير محلها بعد ما نرى تصريحهم باقتضاء الأمر بالشي‏ء النهى عن الضد و بفساد ذلك الضد المنهى عنه لو أتى به و كان عبادة، فهذه الاقسام باجمعها داخلة فى محل النزاع، أمّا كون مختار أحد عدم دلالة شي‏ء من هذه النواهى على الفساد فهو أجنبى عن عموم محل النزاع لها، فالحق مع صاحب الكفاية (قده) فى عموم النزاع لها لو أراد بذلك تعميم محل النزاع لا بيان ما هو الحق فى المقام، و إلّا فالحق أنه ليس لنا نهى شرعى تبعى بالمعنى الذى عرفت و لا غيرى إذ هذا القبيل من الأوامر و النواهى استلزامات عقلية فى سبيل امتثال الأحكام الشرعية فهى أوامر و نواهي عقلية لا شرعية فعدّها من الشرع ناش عن اشتباه الحاكم فيها و هو العقل بالشرع (فدعوى) بعض الاساطين (ره) اختصاص محل النزاع بالنهى التحريمى النفسى دون التنزيهى الغيرى إذ العبادة المأمور بها إن كان أمرها بدليّا فقوامه بالرخصة فى الترك و هى تمنع عن التنافى بين النهى التنزيهي و العبادة فتطبيقها علي مورد النهى ممكن، و إن كان أمرها شموليّا فشخص الفرد المنهي عنه و إن كان مأمورا به حينئذ لكن الفساد مستند إلى تعارض الأمر و النهى و محل النزاع فى الفساد المستند إلى دلالة النهي، كما أنّ النهى الغيرى لا يدل على الفساد و لو دل فلا يدل إلّا علي عدم الأمر و هو لا يستلزم الفساد إلّا علي القول بلزوم الأمر في صحة العبادة كما هو مختار صاحب الجواهر (قده) لا على المختار من كفاية الملاك فى الصحة (مدفوعة) بأنه على مختاره من تضاد الاحكام كيف يكون مجرد الرخصة فى الترك مانعا عن التنافى بين الحكمين، كما أنّ كل‏

204

من قال بدلالة النهى على فساد العبادة جعل من مقدماته تعارض الأمر و النهى فالعلة فى استلزام النهي الفساد تعارضهما بعد فرض اتحاد معروضهما لا أنّ التعارض مسبب عن الدلالة على الفساد فهذا الكلام منه (ره) غريب، أمّا عدم دلالة النهى الغيرى على الفساد علي مختاره فقد عرفت عدم استيجابه اختصاص محل النزاع بغيره بعد تصريح جماعة بدلالته على الفساد (و دعوى) بعض الأعاظم (ره) دوران عموم محل النزاع للنهى الغيرى مدار كونه مبعّدا و كون الأمر الغيرى مقرّبا لعدم كون المبعّد مقرّبا ثم اختار كونه مبعّدا لان الاتيان بمتعلقه شروع في تمرّد حكم المولى و الطغيان عليه فيوجب الفساد (مدفوعة) بأنّ الشروع فى الطغيان إنّما هو بالشروع فى مخالفة ذى المقدمة دون المقدمة كما أنّ الشروع فى الامتثال إنّما هو بالورود فى نفس ذى المقدمة فمخالفة النهى الغيرى بمجردها ليست طغيانا كما أنّ موافقة الأمر الغيرى بمجردها ليست امتثالا فالمبعّد عقلا نفس الطغيان لا مقدمته كما أنّ المقرّب نفس الامتثال لا مقدماته.

الرابع أنّ المراد بالعبادة التى تقع موردا للنهى فى المسألة كل فعل يتوقف امتثاله على نية القربة و لا يحصل الغرض من الامر به بدون ذلك‏

و لو لم يكن فعلا بمأمور به ضرورة تنافى المحبوبية المستفادة له من الأمر مع المبغوضية المستفادة من النهى (و ما فى الكفاية) من تقسيم العبادة إلى نوعين أحدهما بنفسه و بعنوانه عبادة كالخضوع و الخشوع و الركوع و السجود ثانيهما لو أمر به فأمره عبادى محتاج إلى قصد القربة و لا يحصل الغرض منه بدون ذلك كالصلاة في أيّام العادة إذ لو جاز تعلق الأمر بها لم يحصل الغرض منه إلّا بالاتيان بها بقصد الأمر، أمّا تعريف العبادة فى المقام بما أمر به لاجل التعبد به ففاسد ضرورة منافاة تعلق الأمر به فعلا مع وقوعه موردا للنهى كما هو مفروض المسألة و كذا تعريفها بما يتوقف صحته على النيّة إذ لا أمر فى معروض النهى كى يتوقف صحة الفعل على قصده و كذا تعريفها بما لا يعلم الغرض منه إذ الغرض معلوم فى بعض العبادات كالطهارات الثلاث التى يكون الغرض منها حصول الطهارة التى هى شرط فى الصلاة و غير معلوم في بعضها كالهرولة بين الصفا و المروة كما أنّه غير معلوم فى بعض التوصليات فالتعريف‏

205

غير تام طردا و عكسا و إن كان الحق فى أمثال هذه التعاريف أنها شرح الاسم و ليست بالحد و لا بالرسم كي يلزم تمامية طردها و عكسها (غير سديد) إذ لا معنى لكون شي‏ء عبادة ذاتا لان العبادة مركبة من جزءين أحدهما فعل جانحى هو روحها أعنى غاية التعظيم ثانيهما فعل جارحى هو مبرز لذلك الفعل الجانحى و هذا المبرز جعلى موكول إلى اعتبار الجاعلين غاية الأمر بعض مصاديقه متفق على جعله مبرزا بين العقلاء كالخضوع و الخشوع، فقد يظن فى مثله كون عباديته ذاتية و إلا فكيف يعقل كون فعل تكوينا مع قطع النظر عن مبرزيته لذلك الفعل الجانحى عبادة، و قد اغتر بمثل ذلك من زعم أنّ السجود أو الركوع عبادة ذاتا مع وضوح أن مجرد الوقوع على الارض أو الانحناء بمقدار خاص و لو لم يكن لابراز فعل جانحى بل لغرض آخر كتقبيل ولده أو تعفير جبهته أو نحو ذلك ليس بعبادة كيف و يتحقق ذلك من الكفار المنكرين لوجود المعبود تعالى، فالتأمل في حقيقة العبادة يعطى عدم تعقل كونها ذاتية و لعل النكتة فى تطابق آراء العقلاء على جعل فعل كالخشوع أو السجود مبرزا للفعل الجانحى الذى أنه روح العبادة إنّما هو التناسب بين الانخفاض الظاهرى بالجسد مع الانخفاض الباطنى بالقلب، و كيف كان فليس للعبادة نوعان بل هى نوع واحد مركب من فعلين جانحى و جارحي كما عرفت (و مما ذكرنا) ظهر ما فى تحقيق بعض المحققين (قده) فى المقام فى تعليقة على الكفاية من أن بعض الاشياء ينطبق عليه عنوان حسن بالذات و بعضها ينطبق عليه ذلك العنوان بالعرض فالاول كالخضوع و الخشوع عبادة ذاتا و الثانى كاكرام زيد إذا أتى به لاجل أمر المولى عبادة عرضا، وجه الظهور عدم تعقل حسن الخضوع و الخشوع مع قطع النظر عن إبرازهما بالفعل الجانحى فانطباق العنوان الحسن عليهما ليس بالذات بل بالعرض لحكايتهما عن أمر قلبى، مع أنّ ما عرّف به العنوان الحسن بالعرض يتأتي فى التوصليات بل فى المباحات ضرورة إمكان جعلها عبادة بأن يأتى بها بقصد أمرها بحيث لو لم يأمر الشارع بالتوصليات و لم يرخص فى فعل المباحات لما فعلهما، و معه كيف يكون ذلك تعريفا للعبادة فتدبر جيدا.

ثم إنّ ما ذكره صاحب الكفاية (قده) فى تعريف التعبد العبادة فى مقام تصوير ما يقع معروض‏

206

النهى الذى يقتضى فساد العبادة إنّما يتم على مذاقه (قده) من عدم تقوم العبادة بقصد العزيز بل كون عنوان؟؟؟ كيفية منتزعة عن فعل مأتي به بقصد القربة ككون الآلية فى المعانى الحرفية من كيفيات الاستعمال، أمّا على مذاق جماعة من تقوّم العبادة بقصد القربة فيشكل ذلك جدّا ضرورة لزوم وجود الأمر فعلا حتى يتحقق بقصده عبادية العبادة و تكون هى معروض النهى مع أنّ لازم عروض النهى فعل عدم الأمر به جزما لدى الكل حتى من لا يقول بدلالته على الفساد حيث يكتفى فى صحة العبادة بالملاك، فليكن مرادهم من النهي في العبادة كشف النهى عن عدم كونها عبادة من أول الأمر لا كونها عبادة فاسدة لصيرورتها معروض النهى.

الخامس أنّ مورد النزاع كما أفاده صاحب الكفاية و تبعه بعض محققي تلامذته (قدس سرهما) إنّما هو فيما يتصف بالفساد تارة لنقصان أجزائه و شرائطه‏

فلا يترتب عليه أثره و بالصحة أخرى لعدم النقصان فيترتب عليه أثره، فما ليس كذلك من المعاملات كأسباب الضمان أو الطهارات لا ينفك عنها أثرها، لا يتصف بالفساد أصلا فلا يدخل فى مورد النزاع أبدا (فان قلت) كيف تكون الطهارات من ذلك و لا فرق بينها و بين الملكية على القول بأن الطهارة اعتبار شرعى فكما أنّ النهى عن أسباب الملكية يوجب عدم ترتب المسبب فليكن النهى عن أسباب الطهارة يوجب عدم ترتب المسبب (قلت) الفرق بينهما أنّ الملكية فعل مباشرى للشارع و فعل تسبيبيّ للمكلف فيصح اتصافها بالفساد بمعنى استلزام النهي عن أسبابها عدم ترتب مسببها بخلاف الطهارة لانّ ترتبها علي أسبابها قهرى فلا يتصف بالفساد (و ربما نوقش) فى تعريف الفساد بذلك بأنّ أسباب الضمان أيضا تتصف بالفساد تارة و بالصحة أخرى فاتلاف مال الحربى مثلا لا يوجب و اتلاف حبّة شعير و لو من مسلم لا يوجبه و إتلاف حقّة شعير يوجبه، فالصحة فى ترقب الأثر و الفساد عدمه ففى مثل إتلاف مال الحربى لا يترقب الضمان (و يندفع) بأن الصحة و الفساد هما ترتب الأثر و عدمه بالنسبة إلى موضوع قابل كمال محترم فى أسباب الضمان ففيما لا احترام له شرعا كمال الحربى لا موضوع حتى يترتب عليه الأثر و كذا فيما ليس بمال أو ليس له بدل كحبّة الشعير، ففى موضوع الصحة و الفساد فى المعاملات يشترط أمور

207

ثلاثة كونه مالا و كونه محترما و كونه مما له البدل، ثم لا معنى لترقب الأثر إذ مع تحقق موضوع ترتب الأثر يترتب قهرا و مع عدم تحققه لا يترتب أصلا و لا معنى لترقبه.

و لبعض أعاظم العصر دام بقائه الشريف مقدمة طويلة فى المقام اقتصر عليها فى التمهيد للبحث عن المسألة (حاصل) ما أفاده فيها بطوله أن الصحة و الفساد ليسا وصفين لنفس العنوان إذ لا دخل للعنوان فى ذلك بل الصحة عبارة عن كون الشي‏ء بحيث ينطبق عليه عنوان ذو أثر و الفساد عبارة عن كونه بحيث لا ينطبق عليه ذلك، و على ذلك فرّع أمورا لا يهمنا التعرض لها (و يتوجه) عليه أنّ العنوان كما أنه غير دخيل في الاتصاف بالصحة و الفساد حسب اعترافه مد ظله كذلك غير دخيل فى ترتب الأثر علي الشي‏ء و عدم ترتبه كيف و ربما ينطبق العنوان على الفاسد أيضا كانطباق عنوان الصلاة على فاقد غير الركنيات من الأجزاء و الشرائط، بل الصحة و الفساد وصفان لذات الموضوع بلا دخل لانطباق العنوان و عدمه فى ذلك على ما هو الحق من عدم ثبوت حقيقة شرعية فى شي‏ء من الالفاظ المستعملة فى الشرع و من عدم وضع الالفاظ لخصوص الصحيح من المركبات بل للاعم منه و من الفاسد، كما فى المعاجين و المركبات الخارجية كالدابوقة و البطيخ و نحوهما من الفواكه و غيرها حيث يطلق عناوينها على الفاسد منها أيضا، نعم قد لا يطلق عليها عناوينها إذا كانت فى الفساد بمرتبة خرجت عن تلك الحقيقة عرفا و صارت حقيقة أخرى مباينة معها كصيرورة الكلب الواقع فى المملحة ملحا إذ مواده الاولية موجودة فيه قطعا لكنها استحالت إلى حقيقة أخرى مباينة مع الأولى و هذا خارج عما نحن فيه إذ الكلام فيما صدق عليه حقيقته الاولية عرفا لكن عند نقصان بعض الاجزاء أو الشرائط لا يترتب عليه أثره المرغوب منه فيوصف بالفساد و عند تمامية أجزائه و شرائطه يترتب عليه أثره ذلك فيوصف بالصحة (و بالجملة) فما ذكره هذا القائل مبني على ثبوت الحقيقة الشرعية فى ألفاظ العبادات و المعاملات و علي وضع ألفاظها لخصوص الصحيحة و حيث تقدم فى محله فساد كلا المبنيين فالابتناء مثله.

208

الامر السادس قد ظهر مما أسلفناه أن الصحة و الفساد كما نبه عليه صاحب الكفاية قده وصفان انتزاعيان عن الموضوع الخارجى بلحاظ ترتب أثره عليه و عدم ترتبه‏

و هما يختلفان باختلاف الأنظار فالاختلاف فى تفسير الصحة و الفساد ليس اختلافا فى حقيقتهما بل في الآثار المرغوبة من الشي‏ء، لكن فصّل بعض الاساطين (ره) بين الموارد حيث قال بأنّ تقابل الصحة و الفساد ليس من تقابل السلب و الايجاب لانهما الوجود و العدم المحموليان اللذان لا تخلو عنهما ماهية من الماهيات و ليس كذلك الصحة و الفساد، و ليس من تقابل التضاد الذى كلا المتقابلين فيه وجوديان إذ الفساد ليس أمرا وجوديا حيث لا يحتاج إلى علة بل يكفى فيه عدم علة تقتضى الصحة، و إنّما هو من تقابل العدم و الملكة، ثم الصحة قد تقال فى مقابل العيب أى انتفاء أجزاء غير مقومة للشي‏ء و هي أجزائه الكمالية و هذا خارج عن محل الكلام و قد تقال فى مقابل الفساد أى انتفاء أجزاء مقومة و هذا هو محل الكلام، فقد تكون بالنسبة إلى أمور خارجية كالمعاجين و غيرها من التكوينيات و لا كلام لنا فيها و قد تكون بالنسبة إلى أمور شرعية فان كانت من البسائط لم تتصف بالصحة و الفساد لأن أمر البسائط دائر بين الوجود و العدم فلا معنى لكونها صحيحة تارة و فاسدة أخرى و إن كانت من المركبات ففى الموضوعات كالمكلف البالغ العاقل لا معني للاتصاف بالصحة و الفساد إذ مع تحقق الموضوع يترتب الحكم و بدونه لا حكم أصلا و كذا في الأحكام أى الكبريات المجعولة بنحو القضية الحقيقية، يصح الاتصاف بهما فى متعلقات الاحكام أعنى أفعال المكلفين سواء العبادات و المعاملات، أمّا المعاملات ففى تطبيق كبرى مجعولة شرعا علي موارد جزئية إذ مع الانطباق يترتب الأثر و هو المسبب فالمعاملة صحيحة و بدونه لا يترتب فهى فاسدة (و دعوى) أن صيغ العقود و الايقاعات ليست من قبيل الأسباب لمسبباتها بل تقدم فى مبحث الصحيح و الأعم أنها من قبيل الآلة لانشاء المسببات فتحقق المسبب عند تحقق الآلة قهرى خارج عن اختيار المكلف فكيف تتصف بالصحة و الفساد (مدفوعة) بأن الآلة إن تحققت على نحو اعتبره الشارع من القيود المأخوذة فيها ترتب عليها ذو الآلة فكانت المعاملة صحيحة و إلّا لم يترتب عليها فكانت فاسدة،

209

فالتفاوت بين الصيغ و مسبباتها يكون بالاعتبار كتفاوت المعنى المصدرى مع الاسم المصدرى فالاتصاف بالصحة و الفساد انما هو بالاعتبار الثانى، و أمّا العبادات ففى آثارها التكوينية كالنهى عن الفحشاء فى الصلاة و الجنة من النار في الصوم و نحوهما فالعبادة صحيحة عند ترتب تلك الآثار عليها، فاسدة عند عدم ترتبها (و دعوى) أنّ الآثار التكوينية للعبادة غير مأمور بها كما تقدم في مبحث الصحيح و الاعم مع أنّ الصحة تلازم المأمور به فكيف التوفيق (مدفوعة) بمنع تلازم الصحة مع المأمور به لأنّ نسبة متعلقات الأحكام إلى الصحة ليست نسبة، المؤثر إلى أثره، كى يتلازمان و على فرضه فبعد جعل الطبيعى موضوعا فى الشرع لذلك الأثر يحرز من انطباق الطبيعى على الفرد الخارجي ترتب ذلك الأثر، ثم الصحة و الفساد هل هما أمران واقعيان أم انتزاعيان أم يفصّل بين العبادات و المعاملات ألحق، أنهما في غير الاحكام الظاهرية أي الواقعية الأولية و الثانوية يكونان من الأمور التكوينية، أمّا فى الواقعى الأوّلى فلان الصحة فيه كما عرفت ترتب الأثر التكوينى و أمّا فى الواقعى الثانوي فلانّ الظاهر من أدلته تحقق الأثر الواقعي الأوّلى فيه فى رتبة الاضطرار إلى شي‏ء من القيود، أمّا فى المعاملات فلان صيغ العقود من قبيل الأسباب التوليدية لمسبباتها فترتب المسببات عليها الذي هو معنى صحتها أمر تكويني، نعم الصحة فى الأحكام الظاهرية كمؤدى الاستصحاب و سائر الاصول أو مؤدّى الخبر الواحد أمر مجعول من قبل الشارع سواء قبل انكشاف الخلاف أو بعده أمّا قبله، فلا مكان مخالفتها مع الأحكام الواقعية فلا بد أن تكون صحتها مجعولة من قبل الشارع و أمّا بعده فلفرض المخالفة مع الواقع فلا بد أن تكون الصحة مجعولة، فهذا الحكم ظاهرى من جهة حفظ الشك فى موضوعه و شبيه بالواقعي الأوّلى من جهة الاجزاء ما لم ينكشف الخلاف و بالواقعى الثانوى من جهة إمكان انكشاف الخلاف: انتهى.

[ملخص ما ذكره بعض الاساطين فى معنى الصحة]

و ملخّص ما ذكره (ره) دعاوى ثلاثة إحداها أنّ الصحة فى العبادات بمعنى ترتب أثرها التكوينى كالنهى عن الفحشاء للصلاة و الجنة من النار للصوم و نحوهما فى غيرهما ثانيتها أنّ الصحة فى المعاملات بمعني ترتب المسبب الذي هو بمنزلة الاسم المصدرى‏

210

للصيغ عليها ثالثتها، أنّ الصحة فى الأحكام الظاهرية مجعولة، و في طول هذه الدّعاوى الثلاثة يجعل الكاشف عن انطباق العنوان على الشي‏ء فى العبادات و المعاملات ترتب أثره عليه و كل هذه الأمور فاسدة أما الدعوى الأولى فلانّها تنافى مبناه الذي ذكر فى مواضع عديدة من الأصول كالتعبدى و التوصلى و بحث الصحيح و الأعم فى مقام الجواب عن صاحب الكفاية القائل بالاشتغال عند الشك في دخل شي‏ء في العبادة من جهة الشك في تحقق الآثار المطلوبة منها، من أنّ الآثار التكوينية للعبادة لا تقع تحت الأمر لأنها بمنزلة الدواعى ربما تترتب عليها و ربما لا تترتب لا مكان دخل أمور أخر فيها كشرائط القبول أى الخضوع و الخلوّ عن الصفات الرذيلة و التحلي بالصفات الحميدة أو أمور خارجة عن اختيار المكلف، كما أنّ الداعى لشراء ثوب قد يكون لبسه لكن لا يترتب عليه، فالداعى علي الشي‏ء لا يلزم تحققها خارجا (وجه المنافاة) أنّ الاثر التكوينى إذا كان حسب اعترافه فى غير مقام بمنزلة الداعي ربما يتخلف عن العبادة فكيف يمكن أن يكون ترتبه عبارة عن الصحة مع أنّ الصحة لا بد أن تكون موجودة حتى مع عدم ترتب الأثر التكوينى و عدم تحقق الداعي، فبين الكلامين تهافت واضح، مع أنّ البحث عن الصحة و الفساد لا بد أن يعم مذهب الأشعرى المنكر للملاكات الواقعية الكائنة فى متعلقات التكاليف التى هى عبارة عن آثارها التكوينية المترتبة عليها خارجا فلا بد أن تكون الصحة بمعنى يقول به الأشعرى أيضا و هو غير ترتب الأثر التكويني، مضافا إلى أنّه لا معني- لجعل ترتب هذا الأثر كاشفا عن انطباق عنوان الشي‏ء من العبادة أو المعاملة عليه إذ الآثار التكوينية ليست أمورا محسوسة ملموسة حتى يمكن جعلها كاشفة عن انطباق عنوان العبادة أو المعاملة على الشي‏ء بل هى أمور معنوية محتاجة إلى كاشف عن تحققها و ما يكون بنفسه محتاجا إلى الكاشف كيف يمكن جعله كاشفا عن غيره فلا بد أن يكون انطباق العنوان كاشفا عن ترتب هذا الأثر و لا يمكن أن تكون الصحة عبارة عن ترتبه، هذا كله مع أنّك عرفت فى جواب بعض أعاظم العصر فى الأمر الخامس أنّ انطباق العنوان بنفسه لا يمكن أن يكشف عن الصّحة لصدقه على الفاسد أيضا فكشفه عن الصحة مبنىّ على القول بثبوت الحقيقة الشرعية فى ألفاظ العبادات‏

211

و بوضع تلك الألفاظ على الصحيحة منها دون الفاسدة و كلا المبنيين فاسدان، بل لو أمكن كشف العنوان عن الصحة لكن الصحة ليست وصفا لنفس العنوان بل هى ملازمة معه خارجا (فألحق) مع صاحب الكفاية (قده) فى جعل الصحة فى العبادات عبارة عن وصف ينتزع عن تمامية الأجزاء و الشرائط و من المعلوم أنّ الآثار التكوينية أى النهى عن الفحشاء أو القرب به تعالى و العقلية أى الأجزاء إنّما تترتب على عبادة تامة الأجزاء و الشرائط.

و أمّا الدعوى الثانية، فلأنّه لا معنى لجعل الصيغ التى هى باعترافه آلة للابراز عبارة عن معنى مصدرى يوجد المسببات إذ الآلة ليست معنى مصدريا كي تتحد مع المسبب وجودا و يكون التفاوت بينهما بالاعتبار، و إنّما المعنى المصدرى الذي شأنه ذلك عبارة عن إنشاء المعاملة الذي هو فعل النفس و الصيغ آلة لابرازه، مضافا إلى المنافاة بين جعل الصيغ آلة للابراز و بين ما فى أحد تقريريه من جعلها عبارة عن الأسباب التوليدية إذ على الأوّل لا تكون الصيغ مؤثرة فى ايجاد المسببات بخلافه على الثاني و تقييد الكلام بكونه أسبابا توليدية لدى العرف مقررة لدى الشرع لا يدفع التهافت بدعوى إرادة التطبيق على الارتكاز العرفي إذ الغرض من ذلك الاستنتاج فى التأثير و التأثر و كون ترتب المسببات قهريا تكوينيا، كما لا معنى لجعل الصحة فى المعاملات عبارة عن المعنى الاسم المصدرى إذ لو كان المراد من هذا المعنى ما يتحقق بنظر العرف فهو يحصل و لو مع عدم حصول ما اعتبره الشارع فى الصيغ من العربية و الماضوية و نحوهما من الشرائط أو الموانع فلا يمكن أن تكون الصحة الشرعية عبارة عن ذلك، و لو كان المراد أمرا شرعيا فامّا أن يراد به الاحكام الشرعية المترتبة علي المعاملة كحلّ التصرف و جواز البيع و نحوهما و هذه ليست من قبيل الاسم المصدر للصيغ و لا عبارة عن صحة المعاملة بل هى آثار شرعية تترتب على المعاملة الصحيحة، أو يراد به الحكم الوضعى أعني نفس الملكية بأن يعتبرها عقيب تحقق الصيغ بما لها من الشرائط فيكون فعلا مباشريا للشارع و تسبيبيّا للمكلّف كما تقدم عن بعض المحققين (قده) فى التعليق على الكفاية، و هذا حيث يكون حكما شرعيا فليس من قبيل الاسم المصدر للصيغ و لا عبارة عن الصحة

212

إذ أمره دائر بين الوجود و العدم فاتصافه بالصحة و الفساد نظير اتصاف موضوعات الأحكام أى المكلف البالغ المستطيع، بهما بالنسبة إلى وجوب الحج الذي صرّح بأنّ اتصافه بهما يوجب انقلاب الأمر الخارجي العرفي إلى الشّرعى، و دعوى أنّ الموصوف بالصحة فى المعاملات إنّما هو المصاديق الخارجية دون الكبريات الشرعية مدفوعة، بأنّ موضوع الأحكام الشّرعية أيضا كذلك لانّ كلىّ المكلف البالغ المستطيع يراد تطبيقه على الأفراد الخارجية، فهذا الحكم الوضعى الذي يقع متعلقا لأحكام شرعية كحلّ التصرف و جواز البيع و نحوهما من آثار المعاملة بعينه مثل موضوعات الأحكام الشرعية التى اعترف بعدم جريان الصحة و الفساد فيها (فالحق) أنّ الصحة فى المعاملات كالعبادات وصف انتزاعي عن تماميّة الاجزاء و الشرائط و الآثار الشرعيّة انما تترتب على الصحة كما أفاده صاحب الكفاية (قده).

و أمّا الدعوى الثالثة فلانّه لا يعقل كون الصحة فى الأحكام الظّاهرية مجعولة إذ المؤدى إن طابق الواقع فليس شيئا ورائه كي يحتاج إلى جعل الصّحة له و إن خالف الواقع فمع التّحفظ على إطلاق الحكم الواقعى و عدم تقييده فى مورده لا يعقل جعل الصحة لهذا المؤدى للزوم المناقضة بين الحكمين و مع عدم التّحفظ على إطلاقه بمعنى تقييده بالنسبة إلى ذلك المورد ليس هناك جعل آخر يسمّى بالحكم الظاهري كى تكون الصحة مجعولة له، بل ليس إلّا الصحة الموجودة بالنسبة إلى الحكم الواقعى أعنى تمامية الأجزاء و الشرائط هذا مع عدم انكشاف الخلاف، أمّا معه فيجرى ما قلناه أخيرا من الدّوران بين ما يستلزم المناقضة و ما يستلزم الاتحاد مع الحكم الواقعي، فالصحة فى الاحكام الظاهرية كغيرها تكون بمعنى التمامية التى تترتب عليها آثار شرعية و عقلية و تكوينية (فالحق) مع صاحب الكفاية (قده) فيما أفاده فى المقام و محصّله أنّ الصحة و الفساد وصفان إضافيان يختلفان باختلاف الآثار و الأغراض مع كون الصحة التّمامية و الفساد عدم التمامية أبدا فربّ شي‏ء صحيح أى تمام بلحاظ أثر أو غرض كالتّبريد فى فاكهة غير ناضجة لم تبلغ حد كمالها و فاسد أى غير تمام بلحاظ أثر أو غرض كالطعم أو اللّون بالنسبة إلى تلك الفاكهة، فالآثار التى تختلف باختلاف الأغراض هى مقياس الصحة و الفساد

213

فى العبادات و المعاملات، و هذا الذى ذكرنا من المقياسية هو مراد صاحب الكفاية (قده) من التعبير باتصاف الاشياء بالصحة و الفساد بالقياس إلى الآثار لا ما قد يتراءى منه من كون الصحة ترتب الآثار و الفساد عدمه كى يشكل بالتهافت بين الصدر و الذيل حيث جعل الصحة التمامية تارة و ترتب الأثر أخرى و كما يختلف الصحة و الفساد بلحاظ الآثار مع اتحاد المعنى كذلك يختلفان بلحاظ الأنظار مع اتحاد المعنى أى التمامية و عدمها فبنظر المتكلم يكون التمامية بموافقة الشريعة و عدمها بعدم الموافقة و بنظر الفقيه يكون التمامية بسقوط القضاء و الاعادة و عدمها بعدم سقوطهما، فان أراد المتكلم من الأمر الذى موافقته الصحة عنده خصوص الواقعى دون الاضطرارى و الظاهرى و اقتصر الفقيه فى الاجزاء علي خصوصه دونهما أو أراد المتكلم من الأمر ما يعمهما و قال الفقيه بالاجزاء مطلقا حتى فيهما تطابق النظران فى الصحة و الفساد، و إن اختص الأمر لدى المتكلم بالواقعى و عمّ الاجزاء لدى الفقيه غيره أو عمّ الامر لديه للاضطرارى و الظاهرى و لم يقل الفقيه بالاجزاء فيهما اختلف النظران في الصحة و الفساد.

نعم ما ذكره صاحب الكفاية (قده) بعد ذلك في التنبيه قد ينافي ذلك حيث قال ما محصله أن الصحة و الفساد لدى المتكلم أمران ينتزعان من موافقة المأتي به الذى هو فعل تكوينى للمكلف مع الأمر الذى هو مجعول شرعي و عدم موافقته له، و لدى الفقيه يختلفان حسب العبادات و المعاملات ففى العبادات أمران عقليان بالنسبة إلى الأوامر الواقعية إذ بعد الاتيان بالمأمور به بالامر الواقعى لا يبقى مجال لثبوت القضاء أو الاعادة بحكم العقل بل يستحق المثوبة، و مجعولان بالنسبة إلى الأوامر الظاهرية لان سقوط القضاء و الاعادة مع إمكان المخالفة للواقع إنّما هو منة على العباد تسهيل على المكلفين و لذا قد يثبتان، و في المعاملات مجعولان مطلقا لوجود الامضاء فيها إذ لو لا الامضاء لم تصح معاملة، و هذا المقال بظاهره يهدم مقاله المتقدم من أن الصحة لدى الكل بمعنى واحد هو التمامية و الفساد عدمها و الاختلاف من جهة الآثار التى هى فى طول الصحة، إذ ظاهره اختلاف نفس الصحة و الفساد باختلاف الآثار و الأنظار و كونهما انتزاعيين لدى المتكلم و عقليين تارة و جعليين أخرى لدى الفقيه، إلّا أن يحمل هذا المقال علي إرادة بيان آثار الصحة و الفساد لا نفسهما

214

و أنّ تلك آثار تختلف باختلاف الأنظار فتارة تكون انتزاعية و أخرى عقلية و ثالثة جعلية (و كيف كان) فالحق أنّ الصحة هى التمامية و الفساد عدمها و التمامية أو عدمها أمر ينتزع عن الموجود التكوينى أعنى فعل المكلف الصادر منه خارجا الذي هو فى طول الأحكام الشرعية المجعولة كبرويا وضعية كانت أم تكليفية و مقدم على الآثار الخارجية المترتبة على متعلقات تلك الأحكام عقلية كانت أم شرعية أم انتزاعية، ففعل المكلف الذي يتصف بالصحة و الفساد سواء فى العبادات و المعاملات موضوع للآثار المرغوبة من الصحة لدى الكل فهو مقدم عليها خارجا بحسب الوجود و متعلق للاحكام الشرعية المجعولة بنحو الكبروية فهو فى طول جعلها بحسب الوجود، فلا ترتب الآثار و عدمه عبارة عن الصحة و الفساد لانها فى طول تحقق الفعل على أحد نحوى الصحيح و الفاسد و لا المجعولات الشرعية من التكليفية و الوضعية عبارة عن الصحة لأنها مقدمة على وقوع الفعل على أحد النحوين، بل الصحة و الفساد ينتزعان عن تماميّة الفعل الواقع في الخارج بحسب ما أعتبر فيه شرعا من الأجزاء و الشرائط و عدم تماميته أمّا الجعل فى الاحكام الظاهرية و الاضطرارية فقد عرفت أنّه غير معقول بل لا معنى للحكم الظاهري أصلا لانّ الطرق و المحرزات بما هى طرق و محرزة لا معنى للجعل فيها، إذ لو كانت لها الطريقية بأن كانت مطابقة للواقع لم يكن فى البين إلّا الحكم الواقعى و لو لم تكن لها الطريقية بأن كانت مخالفة للواقع لم تكن فيها شي‏ء أصلا كى يكون مجعولا، بل مع بقاء إطلاق الحكم الواقعى لا يمكن جعل حكم ظاهرى فى طوله لانّه خلف فرض الطوليّة و راجع إلى المناقضة و مع تقييد الواقع بالنسبة إلى القيد المضطر إليه، يوجب زيادة فرد للمطلق، فالصلاة إذا قيدت بقيد كالطهارة عن الخبث أو الستر ثم قيد ذلك القيد بحال الاختيار فهذا التقييد الأخير يوجب صيرورة الصلاة بدون الطهارة أو السّتر فردا للمطلق الذي تعلق به الامر اولا، فلا حاجة الى جعل حكم آخر بل لا يعقل ذلك لما عرفت، نعم، العذرية ممكنة لكنها ليست حكما قبال الحكم الواقعى بل حقيقتها، العفو، عن ذلك الحكم و تقييده كما عرفت، أمّا الجعل فى المعاملات بنحو الكبروية بسبب الامضاء فلا معنى له لانّ الكبريات المجعولة شرعا تكليفية كانت‏

215

أم وضعية كما في المعاملات لا معنى لاتصافها بالصحة و الفساد لانها تامة لا نقص فيها كى يمكن اتصافها بالفساد و حيث أنّ الصحة و الفساد من قبيل العدم و الملكة فلا يمكن اتصافها بالصحة أيضا، نعم لما كانت مصاديق تلك الكبريات أمورا خارجية فربما يجتمع فى مصداق الأجزاء و الشرائط المعتبرة في الكبرى المجعولة كالعربية و الماضوية و نحوهما للصيغة فيتصف بالصحة لانه تمام و يترتب عليه الأثر المرغوب بلحاظ تلك الكبرى و ربما لا يجتمع فيه بعضها كما فى خلو الصيغة عن الماضوية فيتصف بالفساد لانه ليس تماما بلحاظ تلك الكبرى و لا يترتب عليه الأثر المرغوب.

[رد دعوى بعض المحققين ان الصحة فى العبادات عقلى انتزاعي لا جعلى و فى المعاملات امر مجعول شرعا]

(و ما فى تعليقة) بعض المحققين (قده) على الكفاية من أن الصحة فى العبادات و هى سقوط القضاء و الاعادة أمر عقلى انتزاعي لا جعلى إذ العقل ليس له حكم كى يكون مجعولا و إنّما القوة العاقلة شانها الدرك، فبعد موافقة المأتى به للمأمور به و عدم وقوع خلل فيه يدرك العقل عدم الأمر بالاعادة أو القضاء فينتزع من ذلك الصحة و بعد وقوع خلل فيه و عدم موافقته للمأمور به يدرك بقاء الامر بهما فينتزع منه الفساد، كما أنّ استحقاق المثوبة مدرك عقلى نعم مدح الفاعل حكم عقلائى، أمّا المعاملات فالصحة فيها أمر مجعول شرعا لان الملكية أو الزوجية مثلا فعل تسبيبى للمكلف و فعل مباشرى للشارع لكن جعلهما ليس بنحو الكلية بل الجزئية أى الملكية أو الزوجية الخاصة عقيب كل سبب أوجده المكلف، أمّا الادلة المطلقة كاوفوا بالعقود أو من حاز ملك أو نحوهما فهى فى مقام الاخبار عن جعل تلك الاحكام الوضعية الخاصة عقيب أسبابها الخارجية المخصوصة التى يوجدها المكلفون فى الخارج تدريجا لا فى مقام جعل تلك الاحكام بنحو الكلية إذ لا يترتب آثارها عليها فعلا في الاحكام التكليفية كى يصحّ جعلها بنحو الكلية و إنّما تترتب علي كل فرد فرد فى الخارج فلا بد أن يكون جعلها كذلك (غير سديد) في العبادات و المعاملات معا، أمّا فى العبادات فلمنع الكبرى أولا لما فصّلناه فى محله من أن العقل له مدركات و له علي طبق مدركاته و فى طولها أحكام كما فى باب الاطاعة و الامتثال فإن الحاكم بالاستقلال فى هذه المرحلة ليس إلّا العقل و كما في جلب‏

216

المصلحة و دفع المفسدة فان الحاكم بحسنهما العقل و كذا الحاكم بحسن العدل و قبح الظلم، فالآراء العمومية للعقلاء ليست إلّا عبارة عن أحكام عقلية إذ العقلاء إنّما تكون لهم تلك الآراء باعتبار عقولهم و تفصيل ذلك موكول إلى محله، و لمنع الصغرى ثانيا لان سقوط الاعادة مطلقا و القضاء بناء علي كونه بالأمر الأول كما هو الحق عندنا إنّما هما من حكم العقل بعد تحقق المأتى به مطابقا للمأمور به فبعد ما أدرك المطابقة يحكم بأن الأمر بعد ذلك لا يؤثّر فى الالزام على الامتثال فى الوقت أو في خارجه، نعم بناء على كون القضاء بأمر جديد يدرك وجود الأمر بالقضاء حينئذ لتحقق موضوعه و هو فوت الواجب فى وقته، و أمّا فى المعاملات فلانها ليست أحكاما وضعية للشارع بل أمور عرفية تتحقق بتحقق أسبابها ممضاة لدى الشارع مع زيادة قيود دخيلة فى ترتب آثارها عليها لا فى أصل تحققها، فترتب الآثار الشرعية للملكية و الزوجية عليهما خارجا غير تحققهما بأسبابهما العادية قهرا تكوينا و المجعول الشرعي الذى اعتبر فيه قيود هو الاول دون الثّانى و هو ظاهر قوله تعالي أوفوا بالعقود لان وجوب الوفاء بترتيب آثار العقد عليه خارجا حكم تكليفى فى طول تحقق أصل العقد بحقيقته العرفية، نعم فيما ليست له حقيقة عرفية كالملكية فى الأراضى المفتوحة عنوة أو المباحات الأصلية تكون أحكاما وضعية مجعولة من قبل الشارع بمثل قوله (عليه السلام) من حاز ملك أو قوله (عليه السلام) من أحيا أرضا فهى له لكن جعلها بنحو الكلية كما ستعرف، فالتصرف فى الادلة الظاهرة فى إمضاء المعاملات العرفية بحملها على الاخبار عن الجعل تأويل فى الظاهر من غير دليل، ثم لو سلمنا أن المعاملات أحكام وضعية مجعولة للشارع فهى كسائر الشرعية التكليفية كالاحكام الخمسة أو الوضعية كالطهارة و النجاسة اللتين هما عنده اعتباران شرعيان و كالضمان و غيرها إنما تكون مجعولة بنحو الكبرى الكلية كما في جميع القوانين المجعولة لدى السلاطين و أرباب كل ملة و نحلة، فانها لم تجعل بنحو الجزئية لدى كل موضوع موضوع بل بنحو القضية الحقيقية لضرب القاعدة غاية الأمر لا بد من مصحّح لهذا الجعل و يكفى لذلك الفراغ من الجعل.

السّابع أنه لو لم يدل دليل على اقتضاء النهى عن الشي‏ء فساده و لا على عدم الاقتضاء فشككنا فى ذلك فليس في المسألة أصل يعول عليه‏

217

بل الأصل فى المسألة الفرعية فى المعاملات يقتضى الفساد بمعنى عدم ترتب الآثار الشرعية عليها كما هو الشأن في جميع ذوات الأسباب لدى الشك في تحقق أسبابها على النّحو المؤثر فى تحقق المسببات فانّ الأصل عدم ترتب آثارها عليها، أمّا فى العبادات فالاصل يقتضى الفساد بحسب الظاهر و عالم الاثبات أعنى موافقة الأمر لعدم موافقته بعدم الموضوع و هو الأمر حسب فرض كون النّسبة بين متعلقى الأمر و النهي العموم المطلق فى المسألة، بمعنى تقيّد مورد الأمر بغير مورد النهى قضاء لاستحالة اجتماعهما فى حصة واحدة من الطبيعة، و كذا بحسب الواقع و عالم الثبوت أى الملاك لاحتمال أن يكون البغض الواقعى الذي هو مقتضى النهى (إمّا مانعا) عن تأثير ملاك الأمر في المحبوبية بمعنى أنّ مورد محبوب فى حدّ ذاته لكن اقترانه بما لا يلائم طبع المولى يمنع عن اتّصافه بالمحبوبية فعلا كى يمكن التّعبّد به فهو نظير التعظيم للمولى حال إهانته أو إهانة ولده بضرب و نحوه فانّ التعظيم فى نفسه محبوب لكن مجاورته مع ما يبغضه المولى أخرجته عن الصلاحية للتقرب به إليه (و إمّا سببا) لقلع اقتضاء المحبوبية عن تلك الحصة من الطبيعة و إن شئت قلت بكشفه عن عدم اقتضاء المحبوبية في هذه الحصة من أول الأمر، فمع وجود احتمال أحد الأمرين ثبوتا لا سبيل إلى إحراز ملاك الأمر حتى يمكن التّعبّد به فلا محرز لصحة المأتي به (فتلخص) أنّ مقتضى الأصل فى المسألة الفرعية فى المعاملات و العبادات مطلقا بحسب الظاهر و عالم الاثبات و بحسب الواقع و عالم الثبوت هو الفساد، و بما ذكر يتضح مراد صاحب الكفاية (قده) من مقاله فى المقام.

[رد تفريق بعض المحققين بين جعل المسألة عقلية مع جعلها لفظية]

(فما فى تعليقة) بعض المحققين (قده) فى المقام و حاصله الفرق بين جعل المسألة عقلية مع جعلها لفظية فعلى الأوّل يكون مقتضي الأصل في المسألة الأصولية فى العبادات هو الصحة لعدم موافقة الأمر قطعا للتنافى بينه و بين النهى لكن الملاك موجود جزما لاستجماع الأجزاء و الشرائط فتصحّ بالملاك دون الأمر، نعم مقتضاه فى المسألة الفرعية الفساد للشكّ فى تحقق العبادة المقرّبة و أصالة الاشتغال تقتضى الاتيان بما يستيقن معه بالمقربية، و على الثانى يكون مقتضى الأصل الصحة للشك فى المانع من جهة دلالة النهى على الفساد فيدفعه أصالة العدم (غير سديد)

218

لان استجماع الاجزاء و الشرائط مع كون المسألة عقلية إنما يتم لو انحضرت الأجزاء و الشرائط بهذه الصورية و لم يحتمل دخل أمر واقعى فى العبادة، هو التقرب أمّا مع احتماله كما هو ألحق فالشك فى تأثير البغض المستفاد من النّهى فى عدم حصوله بأحد النحوين المتقدمين كاف لعدم إحراز الاستجماع كما اعترف به بالنسبة إلى المسألة الفرعية إذ لو لا هذا الاحتمال لم يكن لاصالة الاشتغال وجه بل كان مقتضى الأصل البراءة عن دخل شي‏ء آخر فى تحقق العبادة، فمع وجود هذا الاحتمال يكون مقتضى الأصل الاشتغال مطلقا و مع عدمه يكون مقتضاه البراءة مطلقا فلا فرق من هذه الجهة بين المسألة الاصولية و الفرعية، نعم مقتضى الأصل بالنسبة إلى المانع لدى الشك فى دلالة اللفظ على الفساد و عدمه عدم المانع سواء شك فى مانعية الموجود أو في أصل وجود المانع إذ المانع بوجوده مخلّ و ليس عدمه شرطا كما حققناه فى محله، و لعلّ إلى بعض ما ذكرنا أشار بأمره بالتدبر فتأمل‏

[دفع الاشكال على صاحب الكفاية قده من جعل مقتضى الأصل فى العبادات الفساد من أنّ وجود الملاك كاف فى صحة العبادة و أنّ عدم الامر فى مورد النهى الذي علّل به الفساد إنّما يوجب الفساد الواقعى و الكلام فى الفساد الظاهري‏]

(كما أنّ ما) استشكل على مقال صاحب الكفاية (قده) من جعل مقتضى الأصل فى العبادات الفساد من أنّ وجود الملاك كاف فى صحة العبادة و أنّ عدم الأمر فى مورد النهى الذي علّل به الفساد إنّما يوجب الفساد الواقعى و الكلام فى الفساد الظاهري فالتعليل عليل (مدفوع) بعدم إحراز الملاك مع وجود النهى بعد احتمال عدم المقتضى للمحبوبية عند وجود المبغوضية أو عدم تأثيره في ذلك على فرض وجوده أمّا الفساد فالمراد به الظاهري أعنى عدم موافقة الأمر و التعبير بوجود النّهى إنما هو لبيان التنافى بينه و بين وجود الأمر و بعبارة أخرى وجود النهى كاشف عن عدم الأمر.

الثامن أنّ محل النّزاع هل يعم الأقسام الخمسة المتصورة، لمتعلق النهى من كونه نفس العبادة بشراشرها

نظير صل و لا تصل فى الحرير بناء على كون المنهى عنه نفس الصلاة لا شرطها أى الستر أو جزئها أو وصفها الملازم أو المفارق سواء تعلق النهي بالعبادة في الأربعة الأخيرة بواسطتها على نحو الجهة التقييدية أو التعليلية، أم يختص ببعض الأقسام، ذهب صاحب الكفاية (قده) إلى التّعميم على تفصيل فى بعضها حيث اختار دخول القسم الأوّل و هو تعلق النّهى بنفس العبادة فى محل النّزاع‏

219

بلا ريب و كذا القسم الثاني و هو تعلقه بجزئها لان جزء العبادة عبادة نعم لا يسرى الفساد من هذا الجزء إلى سائر الاجزاء إلّا أن يقتصر علي الجزء الفاسد فيكون بطلان العبادة من جهة فقدان الجزء لا من جهة سريان الفساد إلّا أن يلزم من الاتيان بجزء صحيح مكان الفاسد خلل فى الصلاة كزيادة الركن فتبطل العبادة، أمّا القسم الثالث: و هو تعلقه بالشرط فان كان عبادة كالطهارات الثلاث يوجب الفساد فيكون داخلا في محل النزاع و ينتفى المشروط بانتفاء شرطه و إن لم يكن عبادة لا يدخل فى محل النزاع، و أمّا القسم الرابع: و هو تعلقه بالوصف الملازم كالجهر و الاخفات للقراءة حيث لا ينفكان عن القراءة على نحو البدلية و إن كانا لا يجتمعان فيه أيضا فهو داخل فى محل النزاع لمكان الهوهوية بين هذا الوصف مع القراءة، فالحصة المجهورة من القراءة لدى النهى عن الجهر فيها منهى عنها لا محالة، و أمّا القسم الخامس: و هو تعلقه بالوصف المفارق كالغصبية للأكوان الصلاتية فهو على مسلك الاجتماع خارج عن محل النزاع و على مسلك الامتناع داخل فيه، ثم النهى عن الأربعة الأخيرة لو كان نهيا عن العبادة بواسطتها على نحو الجهة التقييدية فهو كالنهى عن نفس العبادة لان الوصف بحال المتعلق لا نفس الموصوف فالنهى عنها يكون بالعرض و عن العبادة يكون بالحقيقة و لو كان علي نحو الجهة التعليلية فهو على التفصيل المتقدم فى كل من الأقسام: انتهى و المستفاد من مجموع كلامه أنّ بحثه فى هذه المقدمة عن تعميم النزاع لهذه الأقسام الخمسة و عدمه لكن لتتميم الفائدة ذكر عدم سراية فساد الجزء العبادى إلى سائر الأجزاء و أنّ فساد العبادة حينئذ على تقدير الاقتصار على ذلك الجزء إنّما هو من جهة فقدان الجزء، لا أنّ جهة بحثه سراية الفساد أو الحرمة من الجزء أو الشرط إلى العبادة و عدمها

[رد الاعتراض على صاحب الكفاية من تشويش كلامه فى بيان محل النزاع‏]

(فما اعترض) به على هذا المقال من تشويش كلام صاحب الكفاية (قده) فى المقام و دوران جهة البحث بين تعميم محل النّزاع كما يظهر من بعض كلماته و بين سراية الحرمة من الجزء أو الشرط أو الوصف إلى العبادة كما يظهر من بعض كلماته الأخر و بين سراية الفساد من واحد منها إلى العبادة كما يظهر من بعض كلماته فجهة البحث فى كلامه مرددة بين هذه الجهات الثلاث (فى غير محله) لما عرفت من عدم تشويش فى الكلام و كون جهة البحث من الأول إلى الآخر

220

تعميم محل النزاع (كما أن ما يقال) من أن التعرض لدخول جزء العبادة او شرطها العبادى فى محل النزاع غير محتاج اليه بعد كون محل الكلام النهى عن العبادة اذ لا فرق بين عبادة و عبادة و كذلك التعرض لكون النهى المتعلق بالعبادة بواسطة أحد الامور الاربعة من قبيل النهى عن نفس العبادة اذا كانت الجزء و الشرط و الوصف جهة تعليلية و من قبيل النهي عن نفس تلك الامور إذا كانت جهة تقييدية (فى غير محله) اذ لا استغناء عن بيان تعميم النزاع لجزء العبادة او قيدها مما قد يتوهم خروجه عنه لعدم تعلق الأمر به استقلالا بل ضمنا كما لا استهجان فى توضيح كون النهى المتعلق بالعبادة بواسطة أحد هذه الامور من أي القبيلين، فما فى تعليقة بعض المحققين (قده) على الكفاية من جعل هذه المقدمة مستدركة عجيب منه‏

[رد الاشكال على جعل جزء العبادة عبادة]

(و أعجب) من ذلك اشكاله علي كون جزء العبادة عبادة بأنه لا ينطبق عليه شيئي من تعريفى العبادة أعنى انطباق عنوان حسن بالذات عليها و كونها بحيث لو تعلق بها الأمر لكان أمرها عباديا، أما التعريف الاول فلان انطباق العنوان على العبادات إنما هو بلحاظ مجموع الاجزاء لا كل جزء جزء فيصدق ذلك مع عدم انطباقه على بعض الاجزاء بالخصوص، و أمّا التعريف الثاني فلانه لا ملازمة بين عبادية الأمر و لزوم قصد القربة فيه و بين كون كل جزء جزء عبادة بل يصدق مع كون المجموع كذلك، ففساد العبادة عند فساد جزئها إنما هو لان الاتيان بالتوأم مع مبغوض كالاتيان بنفس المبغوض مناف مع التقرب به (و ذلك) لان المركب ليس إلا عبارة عن ذوات الأجزاء و ذوات الأجزاء ليست إلا عبارة عن نفس المركب و التفاوت إنما هو بالاعتبار أعني لحاظ الانضمام تارة و الافتراق أخرى، فانطباق عنوان على المجموع هو انطباقه علي كل جزء جزء قهرا و كذا تعلق الامر العبادى بالمجموع ففى كل جزء لا بد من قصد القربة تحقيقا للعبادة، فعنوان الصلاة ليس أمرا حاصلا عقيب الاتيان بالأجزاء بل الصلاة عبارة عن عين تلك الأجزاء فالأمر المتعلق بالصلاة يتعلق بكل منها قهرا فيكون عباديا، و هذا كما فى تلوين عدة أشياء منسلكة فى خيط أى السبحة بالسواد مثلا إذ كل واحد من المنضمات يتلون بذلك اللون قهرا فكذا الأمر العبادى المتعلق بالصلاة و غيرها من المركبات الارتباطية، و لذا يلتزم (قده) أيضا فى هذه المركبات لدى دوران الامر

221

بين الأقلّ و الأكثر بالاشتغال و إلّا فلو لم يتلوّن الجزء بلون الأمر المتعلق بالكل و لم يكن قربيّا فاشتمال العبادة على مبغوض مثله لا يوجب الفساد لعدم منافاته مع القربية، فالمنافاة ليست إلّا من جهة عبادية الجزء قهرا.

[الاحتمالات فى الجهر و الاخفات‏]

نعم قد ذكر (قده) فى تقريب الملازمة بين تعلق النهى بالوصف الملازم كالجهر و الاخفات للقراءة مع تعلقه بنفس العبادة كالقراءة كلاما متينا حاصله بتحرير منا أن الجهر أو الاخفات بالنسبة إلى القراءة فيه احتمالات خمسة ثبوتا

أحدها كون القراءة مع الجهر أو الاخفات عرضين قام أحدهما بالآخر

فالقراءة كيف مسموع و الجهر أو الاخفات كيف الكيف، و على هذا يتعددان وجودا و ماهية و لا يكون النهى عن الجهر نهيا عن القراءة فيخرج عن محل النزاع فى النهى عن العبادة

ثانيها كون الجهر و الاخفات مرتبتين من ماهية واحدة هى القراءة مع تفاوتهما بالشدة و الضعف‏

فالجهرية مرتبة شديدة و الاخفاتية مرتبة ضعيفة من القراءة بناء على صحة التشكيك فى الماهية، و على هذا يتحد كل منهما مع القراءة و يكون النهى عن المجهورة نهيا عن القراءة و يدخل فى محل النّزاع (ثالثها) كونهما نوعين متباينين من القراءة بناء على كون التشكيك فى الوجود دون الماهية و على تعدد وجودى الجنس و الفصل خارجا، و على هذا يكون كالقسم الاول من جهة تعدد متعلقى الأمر و النهى و الخروج عن محل النزاع (رابعها) كون القراءة مع الجهر مرتبة شديدة من الوجود و مع الاخفات مرتبة خفيفة منه بناء علي اتحاد الوجود الجنسانى مع الفصلانى فى الخارج و عدم تحصّص تلك المرتبة الشديدة من الوجود إلى حصص وجودية خارجا، و على هذا يكون كالقسم الثانى فى الدخول فى محل النزاع (خامسها) ذلك مع تفاوت تحصص المرتبة الشديدة خارجا إلى حصص وجودية نظير قابلية مقدار مثقالين من شي‏ء للتحصّص إلى مثقال و مثقال خارجا أو قابلية مقدار ذراع من خط ممتد للتحصص إلى حصص قصيرة و هكذا، و على هذا يكون كالقسم الاول في تعدد الوجود و الماهية خارجا و الخروج عن محل النزاع، فعلى الاول و الثالث و الأخير من هذه الاحتمالات يخرج النهى عن الجهر عن محل النزاع و علي الثانى و الرابع يدخل فيه، لكن ما عدا رابعها لا يساعده الاثبات‏

222

أمّا الأوّل، فلانّ الجهر ليس من قبيل العرض للقراءة إذ العرض لا بد أن يكون تحت مقولة و ليس كذلك الجهر إذ لا يقع في جواب السؤال عن؟؟؟ حقيقته القراءة أى الصوت الذي هو تمويج الهواء و هذا يكشف عن عدم استقلاله بالماهو فلا يمكن أن يكون من قبيل العرض، مضافا إلى استحالة قيام العرض بالعرض كما تقرر فى محلّه، و أمّا الثانى، فلان التشكيك ليس فى الماهية بل فى الوجود كما عليه جمهور الفلاسفة، و أمّا الثالث، فلعدم تعدد وجودى الجنس و الفصل كما ثبت فى محله بل هما مركّب اتحادىّ وجودا و إن أمكن تخليله إلى جنس و فصل عقلا فى وعاء الذّهن، و منه ظهر فساد الخامس، لعدم قابلية المرتبة الشديدة من الوجود للتحصّص إلى حصتين خارجا، لأنّ المرتبة بسيطة فلا تقبل التخصّص، و التمثيل المثقالين غير صحيح إذ المثقالان وجودان منضمان و كذا الخط الممتدّ فقياسهما مثل القراءة المجهورة من الوجود الواحد الشّديد فاسد، فلم يبق إلّا الرابع الذى عرفت دخوله فى محل النزاع.

أقول و لقد أجاد فى تشريح مراد صاحب الكفاية (قدس سرهما) من كيفية دخول الجهر فى القراءة فى محل النزاع لكن الشأن فى ثبوت نهى شرعى عن لجهر فى القراءة كى يكون بذاك التقريب داخلا في محل النزاع، لان محل لكلام فى النهى عن العبادة كما أسفلناه فى المقدمات السابقة فيما كانت النسبة بين وردى الأمر و النهى هى العموم المطلق ليكونا من قبيل المطلق و المقيد و ليس كذلك الجهر المنهى عنه فى الشريعة مع القراءة المأمور بها، بل النّسبة بينهما عموم؟؟؟ وجه حيث نهيت المرأة عن الجهر بالصوت لدى حضور الاجنبي مطلقا كانت في الصلاة أم غيرها و أمرت بالقراءة فى الصلاة مطلقا كانت مجهورة أم لا فانها مخيرة بين الجهر و الاخفات فى الجهرية و لا يجب عليها خصوص واحد منهما، فى غير حال الصلاة يحرم الجهر بالكلام و لا قراءة و مع الاخفات بقراءة الصلاة تجب لقراءة و لا جهر، و لدى الجهر بقراءة الصلاة مع سماع الأجنبى صوتها يجتمعان الاجتماع فى القراءة المجهورة مأمورى لا آمرى فيكون كالوصف المفارق أى الغصبية فى أنّه مبنىّ علي مسلكى الاجتماع و الامتناع، فمن أفتى من الاصحاب‏

223

بصحة الصلاة لدى الجهر بالقراءة فى الغرض بناء على مسلكه الاجتماع فقد أجاد من أفتى منهم بفسادها على مسلكه الامتناع.

إذا عرفت هذه المقدمات فالكلام فى مقامين أحدهما اقتضاء النهى فى العبادات ثانيهما اقتضائه فى المعاملات (أمّا المقام الأوّل) فقد اختار صاحب الكفاية (قده) فيه الفساد مطلقا بدعوى أنّ الصحة إن كانت بمعنى موافقة الأمر فهى منتفية فى مورد النهى لعدم الأمر حينئذ حسب فرض أخصية دليل النهى عن دليل الأمر و إن كانت بمعنى سقوط القضاء و الاعادة فكذلك لان سقوطها موقوف على أمرين موافقة الأمر و صلاحية الفعل للتقرب به و كلاهما منتفيان فى مورد النهى أمّا الاول فلما عرفت و أمّا الثانى فلان المبغوض الذى يكشف عنه النهى لا يصلح للتقرب به (فان قلت) حرمة العبادة ذاتا و مبغوضيتها موقوفة على وجود النهى و معه تكون حرمتها تشريعية ضرورة عدم الأمر حينئذ فالاتيان بالعبادة بقصد أمرها تشريع محرم فلا يمكن أن تتصف بالحرمة الذاتية أيضا لاستلزامه اجتماع المثلين فكيف التّوفيق (قلت) العبادة على قسمين ذاتية هى التى تكون عبادة فعلا كالسجود و الركوع و اتصاف هذه بالحرمة الذاتية بمجرد تعلق النهى بها واضح، و غير ذاتية هى التى لا أمر بها فعلا بل لو أمر بها لكان أمرها عباديا كصلاة الحائض و صوم العيدين و نحوهما و هذه حيث لا أمر بها فعلا حسب الفرض فتتصف بالحرمة الذاتية بتعلق النهى بها، أمّا الحرمة التشريعية فحيث أنها فعل قلبى كالانقياد و التجرّى فلا يتصف بها الفعل كى يلزم اجتماع المثلين، فالمبغوضية المستكشفة عن النهى فى العبادة مما لا ريب فيها و حيث لا يصلح الفعل معها للتقرب به فالنهى عنها يقتضى الفساد: انتهى محرّرا.

و لتحقيق المقام و توضيح ما أفاده (قده) نذكر أمورا يظهر من مجموعها ما هو المرام (الأوّل) إنّ العبودية عبارة عن التخضّع الذي هو فعل قصدى فهو لا محالة جانحى ذو مراتب مختلفة أدناها ما يحصل بالاصغاء إلى المتكلم كما ورد: من أصغى إلى ناطق فقد عبده: و أعلاها ما يحصل عن وجدان المعبود أهلا للعبادة كما قال مولانا أمير المؤمنين (عليه السلام): وجدتك أهلا للعبادة فعبدتك:

و التعبد عبارة عن إبراز ذلك التخضّع و الفعل القصدى، و العبادة عبارة عن فعل‏

224

جارحى هو مصداق لابراز التخضع به لان مبرز الفعل الجانحى هو الجارحي لا نقول باحتياج الفعل الجانحى إلى المبرز كيف و منه ما يستقل بالوجود و لا يحتاج إلى المبرز أبدا كالبناء القلبى أو عقد القلب على شي‏ء أو جحده أو نحو ذلك بل نقول بأنّ إبرازه لدى إرادته لا يكون إلّا بالفعل الجارحى، و ليس لمادة: ع- ب- د: بمالها من الاشتقاقات حقيقة شرعية لغوية غاية الأمر اتفقت آراء أرباب العقول على كون بعض مصاديقها مصداقا لابراز عنوان التخضع كالانحناء على اختلاف مراتبه المسمى بعضها بالركوع و بعضها بالسجود، بل خفض جناح الذل من حيث احتوائه على الميل إلى الدنوّ مبرزا للتخضع فطرىّ للحيوانات أيضا كما نشاهده فى الحمامة، و صيرورة أمثال هذه المصاديق عبادة شرعية تحتاج إلى تقدير الشارع للعبودية بها فبدونه ليست عبادة شرعا و إن كانت عبادة عرفا، و اختصت مصداقية بعضها لذلك بطائفة أو أهل ملة خاصة و العبادات المخترعة فى الشريعة من هذا القبيل، فحقيقة العبادة قسم واحد أبدا روحها التخضع و الاختلاف فى المبرزات، و عبادية شيئي فى الشريعة محتاج أبدا إلى الأمر إمّا للتقرير كما فى المصاديق المتفق عليها لدى أرباب العقول أو لاصل الموضوع أى جعله عبادة علاوة عن حكمها كما فى المخترعات الشرعية للعبادة، ثم إنّ التعبير عن المبرزات بآلة الابراز يصح بلحاظ تحقق الإبراز بسببها و إلّا فليست آلة بالمعنى الحقيقى لانّ روح العبادة و هو التخضع مستقل بالوجود فليس الفعل الجارحى معبر الوجوده كما هو الشأن فى الآلة فالتعبير مسامحى، كما أنّ الابراز هنا ليس بمعنى الحكاية المحتاجة إلى سبق وجود المحكى كما فى سائر الحواكي بل بمعنى الاظهار المناسب مع تحقق التخضع آن ابرازه فيتحد زمان وجوده فى وعائه القلبي مع زمان إثباته فى عالم الخارج بسبب فعل جارحي (الثاني) إنّ مورد النزاع إنّما هو العبادة التي تعلق بها الأمر شرعا لانه الذى يفيد بحثه الأصولى حسب تعريف الاصول بما تقع نتيجته فى طريق استنباط الأحكام الفرعية، فمجرد كون شي‏ء بحيث لو أمر به لكان أمره عباديا لا يجدى لغرض الأصولي ما لم يكن عبادة شرعية تترتب عليها أحكام فرعية.

225

(الثالث) إنّ الحسن و القبح قد يكونان بالذات و قد يكونان بالوجوه و الاعتبارات إذ الاعيان الخارجية بعلل قوامها و عناوينها الأولية تارة حسنة ذات مصلحة كحب اللّه تعالى و التخضّع له و إطاعة المولى بملاك العدل فى عالم العبودية، و أخرى قبيحة، ذات مفسدة كتمرّد المولى و التصرف فى سلطانه بملاك الظلم فى عالم العبودية، فالحسن و القبح فيها ذاتيان بمعنى أنّ تلك العناوين بعلل قوامها بلا طروّ شي‏ء آخر عليها تتصف بأحد الوصفين، فالسجود فى حدّ نفسه حسن عرفا بل و راجح شرعا لكن حيث لا وجود للجنس إلّا بالفصل لكونه مجرى الوجود كاضافة السجود إلى اللّه تعالى أو إلى الصّنم فالسجود للّه تعالى بحقيقته النّوعية و بعلل قوامه حسن ذاتا و السّجود للصّنم بحقيقته النوعية قبيح ذاتا، لكن بعض الأشياء ليس فيه اقتضاء شي‏ء من الحسن و القبح و إنّما يتصف بأحد الوصفين بالوجوه و الاعتبارات كالكذب فانه باعتبار الاضرار المترتب عليه قبيح و لذا لو ترتب عليه نفع كان حسنا، و يمكن أن يكون الشي‏ء بعنوانه الأوّلى حسنا ثم يصير قبيحا بطروّ عنوان آخر عليه و هذا العنوان الطّارى قد يوجب اندكاك حقيقة ذلك الشي‏ء و انقلابها عمّا هو عليه إلى حقيقة أخرى كالتخضّع بما نهى عن التخضّع به فانه ينقلب عن التّخضّع إلى التمرّد، كما إذا نهي المولى عبده عن تعظيمه في مجلس لكونه تخريبا من حيث السببية لاثارة البغضاء من الاعداء فذلك ينقلب عرفا عمّا كان عليه من حقيقة التعظيم إلى التخريب، و قد يوجب انقهار مصلحته دون حقيقته كالصّلاة بلا طهارة مثلا بعد ما ورد فى رواية العلل من قوله (عليه السلام): فأحب اللّه أن لا يعبد إلّا طاهرا: فطروّ عنوان المحدث على الشخص يوجب مقهورية مصلحة الصلاة في حقه فيخاطب بمثل: دعى الصلاة أيام اقرائك:، و من ذلك علم فساد ما قد يتوهم من التنافى بين كون شي‏ء عبادة ذاتا على اصطلاح القوم أو بعنوانه الأوّلى كما عرفت و بين تعلق النهى به و بعبارة أخرى بين رجحان شي‏ء ذاتا و بين كونه مبغوضا ذاتا حيث ظهر أنّ الرجحان من جهة و المبغوضية من أخرى.

و بعد ما عرفت الأمور الثلاثة فالنهى المتعلق بالعبادة (إن كانت) هناك قرينة على كونه إرشادا إلى جزئية شيئي أو شرطيته للعبادة أو مانعيته عنها نظير لا تصلّ‏

226

فى الحرير أو غير المأكول بل هو الشأن فى الأوامر المتعلقة بالمخترعات الشرعية لانعقاد ظهور ثانوى لها فى الجزئية أو الشرطية إذ تعلقها بالموضوع الذى يكون الحكم في طوله يكشف عن كونها بصدد بيان الوضع دون التكليف لان الموضوع أيضا مجعول للشارع (فدلالته) علي الفساد و عدم التمامية واضحة على كل مسلك لما سبق فى مقدمات البحث من أنّ موافقة الشريعة الذي هو معني الصحة لدى المتكلم عنوان ينتزع عن الفرد الخارجى إذا انطبق عليه الطبيعى المجعول بنحو الكلّى شرعا بعد الاتيان به تامّا، و أنّ سقوط القضاء و الاعادة الّذى هو معنى الصحة لدى الفقيه عنوان ينتزع عن حكم العقل بعدم تأثير الأمر فى البعث نحو فرد آخر بعد تحقق المأتى به تامّا و انطباق الطبيعى عليه لذلك، فاذا لم يتحقق تامّا بل كان فيه خلل من فقدان جزء أو شرط أو وجدان مانع لم ينطبق الفرد مع الطبيعى قهرا، كى ينتزع عنه عنوان موافقة الأمر خارجا أو يحكم بعدم التأثير فى فرد آخر عقلا و ينتزع عنه سقوط القضاء و الاعادة شرعا، فالنزاع فى الدلالة على الفساد و عدمها فى النواهى الارشادية في غير محله بل هى لا محالة تدل علي الفساد (أمّا لو لم تكن) هناك قرينة على ذلك و أمكن التحفظ على ظهور النواهى المتعلقة بالعبادة في المولوية امّا بمقتضى نفس مقام الشارعية الظاهر فى إعمال المولوية كما هو الشأن فى جميع الأوامر و النواهى الصادرة من الشارع أو بمقتضى قيام قرينة صارفة عن القرينة الصارفة عن الظهور الاولي فى المولوية (صحّ) النزاع في الدلالة على الفساد و عدمها و الحق هو الدلالة إذ النهى يكشف عن مبغوضية ذات متعلقه على مذهب العدلية لان إعمال المولوية فى الزجر عن شي‏ء من قبل مولي غير مجازف يكشف عن كراهته النفسانية بالنسبة إلى المزجور عنه، و كراهته لا بد أن تكون عن ملاك على مذهب العدلية فيكشف بالاستلزام عن وجود مفسدة اقتضت إعمال المولوية بالزجر، و الظاهر عرفا من تعلق زجر مولوى بشي‏ء كون المفسدة فى ذاته و مثله لا يكون محبوبا للمولى كى يكون مأمورا به ضرورة تضاد الحكمين عرفا، و المفروض كون النسبة بين متعلقى الأمر و النهى فى المسألة، العموم المطلق فالصحة بمعنى موافقة الأمر منتفية جزما و كذا بمعنى سقوط القضاء و الاعادة، لكن لا لعدم إمكان قصد الأمر

227

المحقق للعبادة من جهة انتفاء موضوعه أى الأمر، لان قصد الأمر أحد محققات العبادة و لا يتوقف تحققها عليه كما أسلفناه بل لعدم إمكان التقرب بالمبغوض كى يتحقق به العبادة و يسقط أمرها عقلا عن التأثير في القضاء أو الاعادة.

(و دعوى) أنّ الفساد بمعنى عدم الأمر بديهى بعد استحالة اجتماع الحكمين فلا بد من تحرير الاستدلال على نحو عدم تعقل التقرّب بمبغوض المولى حتى يعم العبادات الذاتية التى لا حاجة فيها إلى الأمر (مدفوعة) بأن الدليل لا بد أن يعم القول بدلالة النهى علي عدم الأمر الذى التزم به بعض قد ماء الاصوليين في تقريب دلالة النهي على الفساد كما عن العلامة فى تهذيب الأصول و السيد عميد الدين (قدس سرهما) فى شرحه، و بأن العبادات الذاتية أيضا تحتاج إلى التقرير و الامضاء و لو بعدم الردع كما عرفت و حيث أنّ المجعول لدى العرف هو المصداق الذى يقع موضوعا لحكم تكليفى إلزامى و غيره فامضائه إمضاء لما هو موضوع الحكم التكليفى فيكشف عن محبوبية المصداق لابراز التخضع بما يعمّ الاستحباب، فعدم الردع عن إبراز التخضع بالسجود مثلا كاشف عن مطلق الرجحان و المحبوبية نظير كشف قوله (ع): الصلاة خير موضوع من شاء استقل و من شاء استكثر: عن ذلك (و دعوى) أنّا لو أحرزنا المبغوضية من الخارج لم نحتج إلى وجود النهى فى كشف الفساد كما لا نحتاج إلى الأمر فى العبادات الذاتية بعد إحراز رجحانها من الخارج (مدفوعة) بأنّ الكاشف عن المبغوضية ليس إلا النهي فهو الدال على الفساد لدلالته استلزاما على المبغوضية أمّا العبادات الذاتية فقد عرفت لزوم الأمر فيها فى ترتب الأحكام التكليفية عليها بل عرفت أنّ المفيد بحال الاصولي مورد وجود الأمر الممكن امتثاله لو لا النهي مع أن سنخ محبوبية العبادة الذاتية مختلف فالسجود للشكر مستحب و لقراءة العزائم واجب و لا ينكشف ذلك إلا بعد وجود الأمر الذى ببركة عدم الرخصة فى الترك ينتزع عنه الوجوب و ببركة الرخصة فيه ينتزع عنه الاستحباب عقلا (فظهر) أنّ الحق مع صاحب الكفاية (قده) فى اقتضاء النهى عن العبادة الفساد مطلقا فى العبادات الذاتية و غيرها (كما ظهر) من ذلك البيان فساد توهم عدم اتصاف العبادة بغير الحرمة التشريعية بدعوى توقف عباديتها

228

علي قصد الأمر و مع النهي الكاشف عن عدم الأمر يكون الاتيان بذلك القصد تشريعا فاذا اتصفت بالحرمة التشريعية لا تتصف بحرمة أخرى ذاتية (وجه الظهور) عدم توقف عبادية العبادة على قصد الأمر بل هو أحد محققاتها.

نعم ما ذكره صاحب الكفاية (قده) فى وجه اتصاف العبادة بالحرمة الذاتية من أنه لو أمر به لكان أمره عباديا و فى وجه إمكان اجتماع الحرمتين الذاتية و التشريعية من أنّ التشريعية من أفعال القلب فى غير محله، لما عرفت من أنّ حقيقة العبادة هى التخضّع و هو موجود فى جميع الموارد و التشريع و إن كان فعلا قلبيا لكن مبرزه فعل خارجى إمّا باللسان كما فى تشريع البعث و الزجر أو بسائر الجوارح كما فى تشريع مصداق للعبادة، و كلاهما تصرف فى سلطان المولى لان إنشاء البعث و الزجر من حقه فالتصرف فيه كما فى الافتاء بغير علم فضلا عن العلم بالعدم ظلم فى عالم العبودية و تعدّ عن الحدّ إلى حق الغير كما أنّ جعل المصداق لابراز التخضّع فى غير المصاديق العرفية الممضاة شرعا أمره بيده و حق له فالتصرف فيه بجعل مصداق كصلاة التراويح ظلم، فالعنوان القصدى يوجب تعنون الفعل الجارحى بعنوان الظلم و التعدّى فيتصف بالحرمة أيضا.

[محذور النهى عن الجزء و الشرط]

و لبعض الأساطين (ره) كلام فى النهى عن الجزء و الشرط حاصله بتحرير منا أنّ النهى عن الجزء كقراءة العزيمة إمّا فى محلها كما بعد الحمد مكان السورة أو في غيره كما بين السجدتين، كاشف عن دخل عدم ذلك الجزء فى العبادة فيلزم محذورات ثلاثة، أحدها فقدان الجزء العدمى للعبادة إذ بايجاد متعلق النهى يتحقق طرد عدمه الذى هو جزء العبادة فان اقتصر عليه لزم فساد العبادة بانتفاء جزئها و إن ضمّ إليه جزءا صحيحا لزم قرانهما، ثانيها تحقّق الزيادة العمدية بايجاد متعلق النهى و ذلك يوجب بطلان العبادة، ثالثها تحقّق التكلم المحرّم لا كلام الآدمى كما توهم لانه ذكر فليس كلام الآدمى، و أمّا النهى عن الشرط فلا يوجب الفساد إذا لم يكن عبادة لان المنهى عنه إنّما هو المعنى المصدرى و الشرط هو المعنى الاسم المصدرى، و ردّ بأن المعنى المصدرى متحد مع الاسم المصدرى وجودا و التفاوت بالاعتبار فالنهى عنه لا بد أن يوجب الفساد (أقول) النهي المتعلق بالجزء

229

إن كان ناظرا إلى الوضع و لو بالظهور الثانوى أى للارشاد إلى مفسدية وجود ذلك الجزء بلا دخل عدمه شرطا فى الماهية لاستحالة تألّف الوجود من العدم و تأثيره أثرا وجوديا كما فى الشرط الذى يؤثّر فى المشروط و لو بايصال الأثر من المقتضى إلى المقتضى بالفتح، فلا ريب فى فساد العبادة حسب دلالة النهى، لكن الكلام ليس فى ذلك بل فى النهى التكليفى و هو لا يوجب الفساد ضرورة إمكان حرمة شي‏ء فى وعاء خاص، هو وعاء الاتيان بعبادة، كائنة ما كانت، فكما يمكن صيرورة شي‏ء محرّما كالنظر إلى الأجنبي كذلك يمكن صيرورته محرّما فى وعاء مخصوص كحرمة الغرفة الثالثة فى الوضوء أو الشوط الثامن فى الطواف أو قراءة سورة العزيمة فى الصلاة بلا دخل لذلك المحرّم و لا ربطه بالعبادة حتى يوجب خللا فيها، و منه علم أنّ الزيادة العمدية لا توجب الفساد مطلقا فى كل عبادة كما هو محل كلام الأصولى نعم خصوص زيادة العزيمة فى الصلاة إنما دلّ على مبطليته دليل تعبدى معلّلا بأنّه زيادة فى المكتوبة، بمعنى استلزامها زيادة السجود، عمدا، فلو وقعت قراءة العزيمة حال سجود الصلاة فلم يلزم زيادة سجود لم يكن دليل على حرمتها و فساد الصلاة بها، كما لا يمكن الأخذ بعلية الزيادة فى المكتوبة بالنسبة إلى غير العزيمة من الأذكار و الأدعية فى الصلاة و بالنسبة إلى قراءة العزيمة فى غير الصلاة من العبادات كالطواف أو غير العزيمة فى غير الصلاة كالشوط الثامن للطواف أو الغرفة الثالثة للوضوء اللذين مثلنا بهما سابقا، فانّ العبادة غير منحصرة فى الصلاة و الزيادة غير منحصرة فى قراءة العزيمة و ما هو محلّ بحث الأصولى كبرى النهى عن العبادة أية عبادة كانت، كما نهى عن التكتّف فى الصلاة و يكون مبطلا معلّلا بأنّه فعل لكن لا يمكن الأخذ بعموم هذه العلة فان العبث باللحية أو الأذن فعل و ليس بمحرّم جزما فضلا عن أن يكون مبطلا، و بالجملة فهذه فروع فقهية لها أدلة خاصة لا ربط لها بالبحث الكبروى الاصولى و هو اقتضاء النهى عن العبادة الفساد و عدمه مطلقا.

أمّا التكلم المحرّم، فلو استفدنا من الأدلة مبطلية كل ما ليس بذكر و قرآن يشمل المقام و لو كان كلام الآدمى فالايراد على من جعله كلام الآدمى فى غير محله و لو استفدنا منها مبطلية كلام الآدمى فقط فما لم يكن التّكلم المحرّم كلام الآدمي‏

230

لا يوجب البطلان فالعدول عن كلام الآدمي إلى التكلم المحرم مجرد تغيير العبارة و مستغني عنه على أىّ تقدير، أمّا الشرط فما ذكره من عدم فساد المشروط بالنهي عن شرطه صحيح لكن لا لما ذكره من كون الفرق بين المنهى عنه مع الشرط هو الفرق بين المعني المصدرى مع الاسم المصدرى حتى يقال بعدم تفاوت بينهما وجودا بل اعتبارا و إن كان هذا القول لا ينطبق علي المقام لان المعنى الاسم المصدرى كالمصدرى متصرّم ينعدم بمجرد تحقق الفعل النحوى و لا يبقى بعد ذلك كى يتقيد به الواجب و يصير شرطا للعبادة و ليس كذلك المقام بل هو من قبيل الأثر و المؤثّر المستقل كل منهما بالوجود مع تولّد الوجود الثانى عن الأوّل كستر البدن بلبس ثياب و نحوه فانّه فعل توليدى يتحقق عقيبه التستّر أى المستورية التى هى حالة خارجية و صفة واقعية للشخص أعنى غيبوبة بدنه و هذا المعنى موجود ثابت خارجا بعد تحقق الستر أيضا، بل لانّ متعلق النهى نفس الفعل التوليدى كالستر باللباس و نحوه و الشرط المتقيد به العبادة نتيجة ذلك الفعل كالمستورية، و نظير هذا الخلط من هذا القائل كثير فى أبواب الأصول حيث خلط كثيرا بين الأفعال التوليدية بالنسبة إلى المتولد منها مع المعنى المصدرى بالنسبة إلى الاسم المصدرى فعبّر عن الأوّل بالثانى فتدبر.

(و أمّا المقام الثانى) فتفصيل القول فيه أنّ النهى عن المعاملات على أقسام (الأوّل) أن يكون للرّدع عن البناء العرفى فى نوع أو صنف خاص من المعاملة لمصلحة فى الرّدع أو لمفسدة فى المعاملة كما في نكاح الشغار (الثانى) أن يكون لتخطئة العرف فى مصداق من نوع أو صنف أو فرد خاص من المعاملة كما في بيع المنابذة، و الفرق بين القسمين أنّ الرّدع فى الأوّل ليس لعدم تأثير المعاملة أثرها المرغوب كالزوجية فى نكاح الشغار بل المردوع إيجاد ذلك الأثر بهذا السبب بخلاف التخطئة فى الثانى فهو لعدم تأثير ذلك السبب في الأثر المرغوب منه كالملكية فى بيع المنابذة، فالنهى إرشاد إلى عدم حصول الأثر الذى تخليه العرف و لذا ليس بسبب أيضا لدى بعض أهل العرف (الثالث) أن يكون للارشاد إلى جزء أو شرط في المعاملة اهتماما بموردها كالطلاق بصيغة: أنت خلية أو بريئة: فانه ناظر إلى أنّ المخرج عن العلقة صيغة خاصة كما أنّ المدخل كذلك كصيغة أنكحت‏

231

فى النكاح الدائم اهتماما بالفروج، و لا ريب أنّ النهى فى هذه الأقسام الثلاثة يدل علي الفساد حسب فرض نظره إلى الوضع أى الإرشاد إلى الفساد و لو بظهور ثانوى أو بالكناية فالنزاع فى دلالته على الفساد و عدمه في غير محله لانه بمنزلة النزاع في دلالة اللفظ على معناه الكنائى و عدمها كدلالة: زيد كثير الرماد: على الجود (الرابع) أن يكون النهي عن المعاملة بما هو شاغل للمكلف و حركة فاعلية له بلا دخله فيما يحصل بسبب المعاملة من الأمور الاعتبارية كالملكية و غيرها، فالمبغوض بسبب النهى المولوى نفس الفعل النحوى الصادر عن المكلف بما هو فعل صادر عنه لا بما هو مؤثر في أثر كذا كالبيع وقت النداء فانه مبغوض بسبب قوله تعالى: وَ ذَرُوا الْبَيْعَ‏: لانه شاغل عن السعي إلى ذكر اللّه مع قطع النظر عن تأثيره في ايجاد الملكية و لذا لو وقع مكانه فعل آخر غير إنشائى كالشرب أو التكلم لكان مبغوضا، و لا ريب أنّ النهى في هذا القسم لا يدل على الفساد إذ لا ارتباط لمتعلقه بما هو أثر المعاملة من الملكية و نحوها،

(الخامس) أن يكون النهى عن المعاملة بما هو مؤثّر فى حصول أمر اعتبارى كالملكية و الزوجية و غيرهما المعبّر عنه في اصطلاح أهل الفلسفة بالمسبب فهو المبغوض لا نفس السبب بما هو كبيع العبد المسلم من الكافر فانّ نفس المسبب و هو حصول الملكية للكافر يتعنون بعنوان سلطان الكافر على المسلم أو علوّ الكفر على الاسلام المنهي في قوله تعالى: وَ لَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا:

و فى قوله (صلى الله عليه و آله): الاسلام يعلو و لا يعلي عليه: (السادس) ما ربما أشكل على بعضهم تصوره و هو أن يكون النهى عن التسبّب بسبب إلى مسبب لا عن شي‏ء من السبب و المسبب فالتسبّب بصيغة بعت إلى انشاء الملكية مثلا يكون مبغوضا أو التسبّب بالمعاطاة إليه يكون مبغوضا، و فى هذين القسمين يصح النزاع فى دلالة النهي على الفساد و عدمها

و تحقيق المقام يستدعى تمهيد مقدمتين‏

الأولى أنّ الحقائق الاعتبارية معاملية كانت أم غيرها هل لها وجود فى وعاء مع قطع النظر عن تنفيذها من قبل نافذ الاعتبار

صوريا كان كالجائر أم حقيقيا كالانبياء و الرسل أم ليس لها مع قطع النظر عن التنفيذ وجود بل وجودها بنفس تنفيذها من نافذ

232

الاعتبار، فنقول لا ريب أنّ الاعتبارات الصادرة عن أرباب العقول و لو من غير أهل النحلة موجودة فى وعاء مناسب معها باقية ببقاء معتبرها بل ربما تبقى بعد انعدام معتبرها بل هو كذلك لدى أرباب الغرائز كالحيوانات كما يشهد بها آثارها المحسوسة من المغالبة فى حيازة مكان و الممانعة عن الغير بعد التغلب عليه (و بالجملة) تحقق الأمور الاعتبارية من الزوجية و الملكية و نحوهما فى وعائها المناسب حتى لدى من ليس أهل نحلة بمجرد تحقق أسبابها، قهرية كانت كالارث أم اختيارية كالحيازة و البيع و نحوهما و ترتيب آثارها التكوينية و الاعتبارية عليها، مما لا يقبل الانكار بل هو فى حد إنكار المحسوس بلا حاجة فى ذلك إلى تنفيذ نافذ، نعم قد يتشبث العرف بذيل تنفيذ من نافذ الاعتبار حفظا لنظام المعاش و عدم وقوع مغالبة فى الحقوق المعتبرة من غير دخل لهذا التنفيذ فى أصل وجود تلك الاعتبارات.

أمّا في الشرع فالحاجة إلى التنفيذ إنما هو لامكان الرّدع عن نوع خاص أو التخطئة عن مصداق مخصوص أو ازدياد شرط أو جزء من قبل الشارع المطلع علي الواقعيات فى أخذ الاعتبارات العرفية موضوعا للاحكام الشرعية كحل التصرف و جواز التوارث و نحو ذلك و إذا كان أصل الزوجية و الملكية و غيرهما من الأمور الاعتبارية موجودة لدى العرف بأسبابها المتداولة بينهم فمجرد عدم ردع الشارع عن ذلك كاف في إمضائها و دخولها في موضوع الاحكام المجعولة لتلك الأمور وضعية كانت أم تكليفية، و ليس للشارع فى شي‏ء منها ايجاد ما لم يكن أمّا عدم الرّدع عنها مع التمكن منه فلا يوجب استناد وجودها إلى من لم يردع عنها بل هو مستند إلى موجدها بأسبابها العادية، فجميع الادلة الشرعية الواردة في المعاملات مثل أحلّ اللّه البيع و أوفوا بالعقود و من حاز ملك و نحوها ناظرة إلى عدم الرّدع عن تلك الاعتبارات الموجودة لدى العرف و صيرورتها موضوعا للأحكام الشرعية، بلا نظر لها إلى ايجاد شيئي غير موجود، من قبل الشارع و لو عقيب ايجاد الاسباب من قبل العرف ليكون ايجاد السبب فعلا مباشريا للعرف و ايجاد المسبب فعلا مباشريا للشارع (و بالجملة) فالامضاء ليس ايجاد ما لم يكن‏

233

لانّا نشاهد بالوجدان وجود اعتبار الملكية و نحوها خارجا لدى العرف، و لا اعتبار للملكيّة ثانيا لانّه تحصيل للحاصل و لغو و لا جعل الملكية فعلية كما زعمه بعض الأساطين (ره) إذ لو اريد به ترتب آثار الملكية عليها خارجا فهو متحقق لدى العرف و لو أريد ترتب الآثار الشرعية فهو فى طول تحقق الملكية و لا ربط له بجعلها، بل الامضاء تخلية سبيل المعاملة خارجا بعدم الرّدع عنها و هو المراد من حلّ البيع فى قوله تعالي: أحلّ اللّه البيع، بعد ما نري أنّ البيع ليس بمعقود: خارجا: حتى يحلّه الشارع، و كذا فى سائر أدلة الامضاء مثل، من حاز ملك و تجارة عن تراض و أوفوا بالعقود: و معلوم أنّ امضاء المعاملة من قبل الشارع إنّما هو بلحاظ أحكامها المجعولة لها وضعية كانت أم تكليفية بجعلها موضوعا لتلك الأحكام.

الثانية أنّه اختلفت كلمة العلماء فى المجعول فى المعاملات‏

فذهب المحقق الداماد و تبعه السيد الطباطبائى اليزدى (قدس سرهما) إلى أنه السبب و المسبب معا و ذهب بعض الأساطين (ره) إلى أنّه المسبب عند تحقق السبب بنحو الكلية و ذهب بعض المحققين (قده) إلى أنّه ذلك بنحو الجزئية عند كل سبب سبب و ذهب بعض قد ماء الاصوليين على ما ببالى إلى أنّه السبب فقط، و ربما يقال فى تقريب الأوّل أنّ الأمر التكوينى كالحركة الخارجية للمكلف قولا كبعت و أنكحت أو فعلا كالمعاطاة لا معنى لتأثيره فى الأمر الاعتبارى كالملكية و الزوجية لانّ ما فى أفق كيف يعقل أن يؤثر فيما فى أفق آخر يباينه فلا يعقل تأثير ما فى أفق العين و الخارج فيما فى أفق الاعتبار، فلا بد أن يكون سببية ذلك السبب كبعت و أنكحت و المعاطاة أمرا اعتباريا مجعولا من قبل الشارع بمعنى أنّ الشارع جعل فى كون هذه الأسباب اقتضاء تلك الأمور الاعتبارية لكن تأثيرها فى فعلية تلك الحقائق الاعتبارية و تحققها ليس قهريا حسب فرض أنّها ليست أسبابا تكوينية فلا بد أن يكون المسبّب أيضا مجعولا من الشارع و اعتبارا منه عند تحقق الأسباب العادية و بهذا البيان يندفع ايراد بعض الاساطين (ره) على هذا القول بأنّ السبب إذا كان مجعولا فالمسبب قهرى لا يحتاج إلى جعل على حدة حيث عرفت أنّ المراد مجعولية السببية بنحو الاقتضاء لا الفعلية. قهرية تحقق المسبب بعد تحقق السبب إنما هو شأن‏

234

الأسباب التكوينية لا الجعلية بالمعنى الذى عرفت، و أعجب من ايراده ذلك اختياره جعل المسبب عند تحقق السبب فانّ المسبب قهرى عند تحقق السبب حسب اعترافه فكيف يعقل جعله بل لو أريد جعل المسبب الخارجى اعتبارا فهو تحصيل للحاصل و لغو و لو أريد جعل الأحكام الشرعية المترتبة على السبب وضعية أم تكليفية فهو غير مربوط بجعل المسبب، و لذا ذهب صاحب الكفاية (قده) إلى أنّ المعاملات فيها أحكام شرعية وضعية و تكليفية جعلت عند تحقق موضوعها الذى هو الملكية العرفية (و بالجملة) لا نقول بلزوم اجتماع المثلين فى الفرض الأوّل كما فى الامضاء على ما تقدم لانّ اجتماعهما غير مستحيل فى الاعتباريات بل فى العينيات فقط، لكن حيث عرفت فى التمهيد الاول أنّ المعاملات ليس فيها جعل أصلا بل الامضاء بمعنى عدم الردع و تخلية سبيل المعاملة كى تصير موضوعا للأحكام الشرعية المجعولة وضعية و تكليفية، فجميع ما ذكر من أنحاء تصور المجعول الشرعى فى المعاملات سلب بانتفاء الموضوع.

[بيان الكلام فى أنّ النهى عن المعاملة يقتضى الفساد أم لا]

إذا عرفت المقدمتين فالكلام فى أنّ النهى عن المعاملة علي النحوين الأخيرين يقتضى الفساد أم لا فنقول و عليه التكلان إنّ النهى المولوي عن الملكية الاعتبارية المعبّر عنها فى لسان القوم بالمسبب إن كان مع عدم ترتيب آثارها الخارجية أو الشرعية عليها كاعتبار ملكية الدنيا بأسرها لشخص فى مقابل درهم مثلا فلا يقتضى الفساد، إذ ليس في اعتبار هذه الملكية بما هو أمر إنشائى خفيف المئونة ملاك للحرمة فلا معنى لتحريم ذلك الاعتبار شرعا، و لو كان ملاك الحرمة وجود مفسدة فى ترتيب الآثار كأكل أحد العوضين فى البيع الربوى أو في الميسر فحيث أنّ ترتيب الآثار إنّما هو فعل الشارع و مستند إلى إمضائه المعاملة فلا حاجة إلى تحريم اعتبار الملكية بل يكفى لحصول غرضه عدم إمضاء المعاملة بقصر أدلة الامضاء كأوفوا بالعقود و أحل اللّه البيع و نحوهما بغيرها، فلو كان المنع عن مثلها بلسان النهى أيضا فلا محالة للارشاد إلى الفساد كما ذكره صاحب الكفاية (قده) بمعني أنّه يقيّد إطلاق تلك الأدلة بالنسبة إلى متعلق النهى و ليس نهيا مولويا كاشفا عن المبغوضية، فالنهي المولوي عن اعتبار الملكية لو فرض فإنّما

235

يدل على الصحة لعدم المنافاة بين مبغوضية إنشاء الملكية بما هو فعل صادر عن المكلف و بين صحة المعاملة بمعنى ترتيب الآثار الشرعية عليها، فمثل هذه المعاملة يكون كالبيع وقت النداء فى أنّه محرم و صحيح.

(فما ذكره) بعض الأساطين (ره) من دلالة النهى المولوى عن المسبب على الفساد (فى غير محله) و لأجل ذلك ذكر لصحة المعاملة شرائط ثلاثة أحدها، الرخصة المالكية و هذا هو المربوط بالمقام و إلّا فلها شرائط أخر غيرها مذكورة فى محله، و كيف كان فقد مثل للنهى عن المسبب بأمثلة ثلاثة منها الاجارة على الواجبات المجانية كالصلاة فان أخذ العوض عليها حرام يوجب فساد المعاملة و منها بيع منذور الصدقة كالشاة المنذور ذبحها لو عوفى ولده مثلا فوجوب الوفاء بالنذر يوجب حرمة بيعها المستلزمة للفساد و منها ما أشترط عدم بيعه فى ضمن عقد لازم فان انتفاء الرخصة المالكية فى هذه الثلاثة يوجب فساد المعاملة، و فى جميع ما ذكره ما لا يخفى أمّا الاول فلان مجانية الواجبات أوّل الكلام بل حققنا فى مبحث الاجارة إطلاق أدلة الواجبات من جهة المجانية و عدمها و صحة أخذ الاجرة عليها مع أن حرمة أخذ الاجرة على ما يفعله المكلف كالصلاة غير مربوطة بما نحن بصدده من إنشاء المعاملات بما هو أمر اعتبارى و استلزامها فساد المعاملة، و أمّا الثانى فلان النذر لو كان بنحو يخرج المنذور عن ملكه قهرا كما لو قال إن عوفى ولدى فهذه الشاة للسّادة فحصول الملكية للمنذور له لدى تحقق المعلق عليه قهرى كالارث و الوصية فحرمة البيع سلب بانتفاء الموضوع، و بيعها قبل تحقق المعلق عليه إنما يحرم لو قلنا بكونه حنثا من جهة التعليق علي أمر غير اختياري محتمل التحقق لكنه محل إشكال كما تقرر فى محله فانه لا يزيد عن حلول الحلول فى الزكاة حيث يجوز بيع الزكوى قبله لانه إعدام للموضوع فكذلك في المقام من غير فساد البيع أمّا لو كان بنحو اختياري بأن يقال لو عوفي ولدى أذبح هذه الشاة كما هو ظاهر كلامه فالنذر إنما يوجب الذبح عليه لاجل الوفاء بالنذر و هذا لا يمنع عن صحة البيع غاية الأمر ارتكب الحرام بالحنث، و أمّا الثالث فلان الالتزام بعدم البيع فى ضمن عقد لازم لا يستلزم فساده غاية الأمر حدوث خيار تخلف الشرط للبائع الاول فالامثلة الثلاثة لا يرتبط شي‏ء منها بما نحن بصدده من أنّ إنشاء الملكية بما هو أمر

236

اعتبارى حرام تكليفا.

ثم إنه ربما يستدل لدلالة النهى عن المعاملة علي الفساد بأخبار مستفيضة وردت فى نكاح العبد بغير اذن سيّده معلّلا صحة ذلك النكاح فى بعضها بأنه لم يعص اللّه و إنما عصى سيّده: بدعوى أنها تدل بالمفهوم على أن معصية اللّه توجب فساد المعاملة كالنكاح، و أجاب عنه الوحيد البهبهانى (قدس سره) و من تبعه من تلامذته كالمحقق القمى (قدس سره) و غيره بأن العصيان فيها عبارة عن عدم الاذن لا مخالفة النهى المولوى فهى ناظرة إلى الوضع دون التكليف، و حيث وقع فى كلام المحقق القمى (قده) التعبير بأنها علي خلاف مطلوب المستدل أدل، توهّم بعض الأساطين (ره) استدلاله بها لدلالة النهى على الصحة فقال ربما يستدل بها على دلالة النهى عن المعاملة على الصحة، مع أنه ليس فى البين من يستدل بها لذلك، و كيف كان فقد قرّب الشيخ الاعظم الانصارى (قدس سره) الاستدلال بها للدلالة على الفساد بأن المراد بالعصيان في هذه الاخبار لا يمكن أن يكون العصيان بالعمل بما هو فعل ضرورة أنه لا يوجب الفساد، فلا بد أن يراد به المعصية بالمعاملة فى مقام الاستلزام للفساد بأحد وجوه ثلاثة إمّا بما هى مؤثرة فى الأثر المطلوب أو من جهة تقييد إطلاق صحة المعاملة بصورة إذن الشارع فيها أو من جهة الارشاد إلى الفساد على تأمل فى الاول ثم ذكر حاصل جواب الوحيد البهبهانى و من تبعه (قد هم) عن هذا الاستدلال و رده أولا بأنه لم يظهر من الأخبار عدم نهى السيّد عن ذلك النكاح فلا بد من الأخذ بظهور العصيان فى مخالفة النهى و تقييد مورد الاخبار بصورة النهى عن المعاملة بما أنها توجب ترتب الآثار المطلوبة عليها، و ثانيا بأن الاذن الوضعى ليس من شأن المولى الصورى كي يراد بالعصيان عدمه و إنما هو شان المولى الحقيقى، و ثالثا بأن التفكيك فى معنى العصيان فى الموردين بجعله في: إنه لم يعص اللّه: عبارة عن مخالفة الاذن التكليفى و فى: و إنّما عصى سيّده: عبارة عن مخالفة الاذن الوضعى خلاف الظاهر فقرينة السياق تشهد بارادة مخالفة النهى فى الموردين، هذا حاصل ما أفاده الشيخ الاعظم (قده) على ما فى التقريرات.

237

و فيه مواضع من الخلل (الاول) أن ما ذكره من وجوه النهى عن المعاملة بعضها لا يوجب الفساد كالنهى عن المعاملة بما هو فعل من أفعال المكلف كما اعترف به (قده) و بعضها تأمل في دلالته على الفساد، كالنهى عنها بما هى تؤثر أثرا غير مطلوب كسلطنة الكافر على المسلم فى بيع عبد مسلم من كافر مع انك عرفت عدم دلالته على الفساد لقصور: و لن يجعل اللّه للكافرين على المؤمنين سبيلا: و: الاسلام يعلو و لا يعلى عليه: عن إثبات مبغوضية سلطنة الكافر على المسلم و استتباع ذلك فساد البيع و بعضها إرشاد الى الفساد و ليس نهيا مولويا كما هو محل النزاع فيخرج عن محل البحث الذى هو دلالة النهى التكليفى عن المعاملة على الفساد و عدمها (الثانى) أن اشكالاته على مقال الوحيد البهبهاني و المحقق القمى (قدس سرهما) غير وجيهة، إذ يرد على اشكاله الاول أن اطلاق الاخبار كاطلاق الفتاوى حتى منه (قده) يشهد بأن المراد مطلق عدم الاذن وضعا و تكليفا فالنهى حصة من عدم الاذن الوارد فى الاخبار لا أن المراد من عدم الاذن فيها النهى بل صرح فى غير موضع منها بأن المراد جهة الوضع كقوله (ع) فى خبر زرارة: ذاك إلى سيده إن شاء أجازه و إن شاء فرق بينهما: فانه لسان الوضع و كقوله (ع) فى خبره الآخر فى جواب قول السائل تزوج العبد امرأة بغير إذنه- يعني سيده- فدخل بها ثم اطلع علي ذلك مولاه:

ذاك لمولاه إن شاء فرق بينهما و إن شاء أجاز: فان اللام في قوله: لمولاه: كالصريح في كون أمر إنفاذه بيد سيده فهو كالصريح فى‏

عدم النهى فحمله على النهي بلا موجب بل خلاف فتوى نفسه (قده) و كقوله (ع) فى الخبر المذكور: إنما أتى شيئا حلالا- إلى ان قال- إن ذلك ليس كإتيان ما حرم اللّه عليه من نكاح في عدة و اشباهه: فان المراد بالحلال و بما حرم اللّه الحل و الحرمة الوضعيات لا سيّما بملاحظة التمثيل بالنكاح فى العدة الذى ليس فساده إلا من جهة عدم الاذن الوضعى من الشارع فيه و مع إقحام كلمة و أشباهه، الظاهر فى كل ما كان فاقدا للاذن الوضعى، و كقوله (ع) فى صحيح منصور بن حازم: ما أزعم أنه حرام قل له أن لا يفعل إلّا باذن مولاه: فانه كالصريح في شرطية الاذن وضعا، و يرد على إشكاله الثاني أن المراد بالاذن الوضعي من السيّد ليس كون أمر الوضع بيده‏

238

و إلّا لجرى عين هذا الاشكال بالنسبة إلى إذنه التكليفى لأن أمر التكليف ليس بيده، بل المراد أن الشارع تعالى جعل أمر إنفاذ معاملة العبد بيد سيده و جعل إذنه شرطا فى صحتها كما تشهد به الفقرات المذكورة من الأخبار آنفا و حاصلها إلغاء سلطنة العبد في وعاء التشريع حتّى بالنسبة إلى اعتباراته كما فسر قوله تعالى: لا يَقْدِرُ عَلى‏ شَيْ‏ءٍ* بنظير ذلك، و يرد على إشكاله الثالث أن العصيان معناه الخروج عن السير فى مجرى العبودية و هذا معنى جامع له مراتب متعددة مختلفة شدة و ضعفا يشمل ترك الأولي أيضا كما يشهد به تطبيق العصيان و الغواية و الاضلال على ترك الأولي فى مورد آدم (عليه السلام) فى الكتاب العزيز: و عصى آدم ربّه فغوى: فاضلّهما الشيطان: و عليه فالعصيان فى الاخبار المذكورة قد استعمل في كلا مورديه بالنسبة إلى اللّه تعالى و إلى السيد فى معناه الحقيقي بملاحظة بعض مراتبه الذى هو عدم الاذن وضعا فلا تفكيك فى البين اصلا.

ثم إن بعض الاساطين (ره) قال في تقريب الاستدلال بالروايات ما حاصله أن العصيان فيها هو التكليفى لكنه فى النهى الإلهي موجود حدوثا و بقاء و فى نهى المخلوق موجود حدوثا و يرتفع بقاء بمعنى أن النكاح بغير إذن السيد فاسد ما لم يمضه السيد فاذا أجازه يصير صحيحا (و فيه) أن حمل العصيان على التكليفى خلاف ظاهر الروايات كما عرفت و أن الفرق بين نهيه تعالى مع نهى السيد مجرد اقتراح و مصادرة إذ نهيه تعالى عن المعاملة أيضا إذا كان لاجل التعنون بايذاء المؤمن مثلا فبمجرد ارتفاع هذا العنوان عنها يرتفع النهى بقاء و تصير صحيحة فلا فرق أصلا

ثم إن هذا القائل له ابتكار فى المقام هو التصدى لبيان أن النهى التشريعى المتعلق بالمعاملة أو العبادة هل يوجب الفساد أم لا فالتزم بالعدم فى المتعلق بالمعاملة و أن فسادها في مورد الشك فى الامضاء شرعا و عدمه إنما هو مقتضى أصالة عدم الأثر لا النهى التشريعى و التزم بالدلالة علي الفساد فى المتعلق بالعبادة، و قد أوضح ذلك بتمهيد مقدمة، هى أن الاحكام الشرعية متعلقاتها ذوات الافعال بلا دخل للعلم و الجهل فيها بخلاف الاحكام العقلية فهى إنما تثبت للعناوين بما هى معلومة فالعلم دخيل فى متعلقاتها موضوعا و ذلك لان الاحكام الشرعية ثابتة في نفس الافعال بما

239

هى أمّا حكم العقل بالحسن و القبح فمعناه إدراكه استحقاق الفاعل المدح و الثواب و هذا فرع صدور الفعل عن قصد و التفات إذ الفعل بدونه ليس مورد حكم العقل قطعا، ثم إن حكم العقل مع الجهل أو العلم بالحكم الشرعى قد يكون بملاك واحد كحكمه بقبح التشريع لانه تصرف في سلطان المولي و هذا الملاك موجود فى صورتى العلم بعدم ذلك الحكم و الشك فيه و لعل قبح الكذب من هذا القبيل، و قد يكون بملاكين كحكمه بقبح الاتيان بفعل فيه الهلاك لانه فى صورة إحراز وجود الهلاك في ذلك الفعل يكون بملاك واقعى و فى صورة عدم إحرازه يكون بملاك طريقي، و الثمرة بين القسمين عدم جريان الاصل فى الاول لان الحكم محرز بالوجدان فلا حاجة إلى التمسك بالاصل و جريانه فى الثانى لان استصحاب وجود الضرر أو عدمه محرز للواقع مؤمّن فلا مجال معه للحكم العقلى الطريقى، إذا عرفت ذلك فما يكون قبيحا عقلا حرام شرعا بمقتضى الملازمة بين حكمى العقل و الشرع فالتشريع القبيح عقلا حرام شرعا موجب لفساد العبادة، فان قلت مع استقلال العقل بالحكم يكون حكم الشرع إرشاديا كما فى وجوب الاطاعة لا مولويا حتى يوجب الفساد قلت ذلك إنّما هو فى الاحكام المنجعلة لا مطلقا فان المدار فى إرشادية حكم الشرع ليس علي مجرد استقلال العقل بالحكم كما فى قبح الظلم و حسن العدل بل على كون الحكم منجعلا تكوينا و ثابتا بالذات نظير حسن الاطاعة ففى مثله يكون حكم الشرع إرشاديا، إذ لو كان مولويا فحيث يحتاج إطاعة ذلك الحكم أيضا إلى حكم آخر كذلك فان رجع إلى الاوّل دار و إلّا تسلسل، فان قلت لو سلّمنا حرمة التشريع شرعا لكن القبيح عقلا هو التشريع الذى هو فعل قلبي لا الفعل الخارجى الذى هو مصبّ الحرمة الشرعية فاختلف مصبا الحكمين قلت التشريع عبارة عن الفعل الخارجى الذى هو فى طول الفعل القلبي فالفعل القلبي جهة تعليلية للتشريع و ليس نفسه، فان قلت حرمة الفعل الخارجي تشريعا لا تنافى رجحانه النفسي شرعا فلا توجب فساد العبادة قلت نعم لكنها توجب القبح الفاعلي الذى عرفت فى محله كون خلوّ الفعل عنه شرطا في عباديته، هذا حاصل كلامه.

240

و فيه مواضع للنظر (منها) الفرق بين متعلقات الاحكام الشرعية مع العقلية بعدم دخل العلم أو الجهل فى الاولى دون الثانية، ضرورة فساد كلا الأمرين و عدم كلية شي‏ء من الكبريين أمّا الاولي فلان جهل المكلف بالواقع و شكه فيه دخيل فى متعلقات الاحكام الشرعية فى جملة من الموارد كاصل البراءة و أصالتى الحل و الطهارة و علمه به دخيل فيها فى بعض الموارد كالطهارة الخبثية فانها شرط فى صحة الصلاة مع العلم بالنجاسة لا مع الجهل بها، و أما الثانية فلان العلم غير دخيل فى حكم العقل بقبح التشريع ضرورة عموم حكمه لصورة الجهل بالحكم الشرعى كما صرح به هو أيضا فى بيان النهى التشريعى عن العبادة (و منها) الفرق بين القسمين فى جريان الاصل في الثاني الذى يكون حكم العقل مع العلم و الجهل بملاكين واقعى و طريقي و عدم جريانه فى الأول الذى يكون حكم العقل معهما بملاك واحد كحكمه بقبح التشريع، ضرورة عدم الأثر للاصل فى الاول لان حرمة التشريع ليست من آثار أصالة عدم المشروعية لا عدم الجريان لاجل لغوية التعبد بأثر محرز بالوجدان كما زعمه، فان قيل إنّ التشريع له حكم شرعى هو أثر الاصل قلنا فلا ريب ان قوله تعالى‏ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ‏ كاف فى إثبات ذلك الحكم و معه لا مجال للاصل، كما لا يجرى استصحاب الضرر أو عدمه فى الثانى لانه لغو بعد إحراز الموضوع بالوجدان من جهة حكم العقل فيه بالقبح و كونه من موارد الملازمة بين حكمى العقل و الشرع كما اعترف به بعد ذلك فلا حكومة للاستصحاب على حكم العقل لاجل نظر الاول إلى الواقع و طريقية الثانى (و بالجملة) فان أمكن صدور حكم يوافق حكم العقل عن الشارع بما هو شارع بأن كان المورد من موارد الملازمة فليكن كذلك في القسمين و لا مجرى للاصل فيهما معا و إلّا فكذلك و يجرى الاصل فيهما معا فالتفكيك غير سديد (و منها) عدم كفاية استقلال العقل بحكم في إرشادية حكم الشرع فيه و اختصاص ذلك بالمنجعلات التكوينية و تطبيقها علي قبح العصيان و حسن الطاعة، ضرورة أن العقل له أحكام عملية تبتنى على حفظ النظام كقبح الظلم و حسن العدل و أحكام نظرية لا تبتنى على ذلك كالواحد

241

نصف الاثنين فما استقل به العقل فى الاولى كان حكم الشارع فى مورده إرشاديا لا محالة و ليس لكون الحكم منجعلا تكوينا معنى محصل، أمّا قبح العصيان و حسن الطاعة فهما داخلان تحت كبرى قبح الظلم و كبرى حسن العدل اللتين هما من المستقلات العقلية فان العصيان ظلم في عالم العبودية و الطاعة عدل فيه فالتفكيك بلا وجه (و منها) كون الفعل القلبى جهة تعليلية لصدق عنوان التشريع على الفعل الخارجى ضرورة أن الوجدان أقوى شاهد على كون الفعل القلبى روح التشريع و كون الفعل الخارجى مبرزا له قضاء الامتناع تحققه و بروزه بنفسه في الخارج، كما هو الشأن فى كلية العناوين القصدية كالتعظيم و العبادة إذ روحها القصد بمعني فعل النفس لا بمعنى الصورة المرتسمة فيها و الفعل الخارجى مبرز لذلك بحيث لو أمكن بروزه بنفسه بالاشراق و نحوه لكان بنفسه يتعنون بهذا العنوان فالعنوان منطبق على مجموع الفعلين، القلبى و الخارجى، و كل منهما جهة تقييدية له على ما فصلناه في محله (و منها) مانعية القبح الفاعلى عن تحقق العبادة بعد تسليم أن التشريع لا يستلزم القبح الفعلى، ضرورة أن مع ذاك التسليم لا مجال للالتزام بفساد العبادة لان القبح الفاعلى لا يخل بتحقق العبادة أصلا كما أسلفناه فى مبحث التعبدى و التوصلى.

ثم إنه حكى عن أبى حنيفة و الشيبانى القول بدلالة النهى عن الشي‏ء على صحته و الظاهر من كلامهما إرادة الاعم من النهى المتعلق بالعبادة أو المعاملة و استدلالهما لذلك مجمل و إن كان ربما يظهر منه أنّ عمدة الدليل لديهما الاجماع على الصحة مع وجود النهى أيضا، و كيف كان فالحق أنّه فى المعاملات إذا تعلق بالسبب الذى مثلوا له بالبيع وقت النداء لا يقتضى شيئا من الصحة و الفساد كما تقدم تحقيقه، و اذا تعلق بالمسبب أو التسبب بالسبب الذى أسلفنا صحة تصوره فحيث لم يظهر من شي‏ء من الادلة مبغوضية متعلق مثل هذا النهي في نفسه مع قطع النظر عن ترتب الآثار الشرعية للمعاملة فالمبغوضية بحسب ظاهر الادلة تكون لا محالة بلحاظ الآثار الشرعية فيكشف النهى عن الصحة، إذ ما لم تكن المعاملة مؤثرة فى تلك الآثار بأن كانت ممضاة لدى الشارع لا تكون مقدورة للمكلف‏

242

و ما لم تكن مقدورة لا يصح الزجر عنها، فما ذكره بعض المحققين (قده) فى تعليقته على الكفاية من الاشكال في الدلالة على الصحة فى جميع التقادير في غير محله بل ما ذكره أوّلا فى تقريب الدلالة على الصحة من أنّ المعاملة الحقيقية لا وجود لها إلا صحيحة متين فى الغاية، و تمام السّر فيه ما أشرنا إليه من أنّه لم يدل شي‏ء من الادلة على مبغوضية المعاملة بنفسها مع قطع النظر عن ترتب الآثار الشرعية أمّا العبادات فحيث عرفت مرارا أنّ للعبادة حقيقة واحدة مجعولة و لا معنى لتقسيمها إلى ذاتية و غيرها نعم كون شي‏ء مصداقا لها موقوف على الأمر لان المصاديق مجعولة بلا دخل للأمر فى قوام العبادة ضرورة كفاية ربط ما للفعل إليه تعالي فى العبادية و قصد الأمر أحد محققات العبادة فهى مع عدم الأمر كمورد تعلق النهى بها فاسدة.

المقصد الثالث، فى المفاهيم‏

، و قبل الخوض فى تحقيق المقام لا بد من تمهيد أمور

الأول أن عنوانى المنطوق و المفهوم هل هما من صفات المدلول أو الدلالة

كما ذهب إلى كلّ جماعة بعد اتفاق الكل على عدم كونهما من صفات الدال لانه ينطق به و لا يفهم من شى‏ء اختار أولهما المشهور و ثانيهما الشهيد الثاني (قده) و غيره لكن لما كان تطبيقهما على كل واحد من المدلول و الدلالة محتاجا إلى إعمال العناية إذ المدلول أيضا يفهم من الشي‏ء و لا ينطق به عكس الدال و لا مرجح لاعمال تلك العناية في جانب المدلول بأن يقال جهة الانكشاف تارة بنحو المنطوق و أخرى بنحو المفهوم و لا في جانب الدلالة بأن يقال حيث الكاشفية تارة بنحو المنطوق و أخرى بنحو المفهوم فلا تعين لشي‏ء من الاحتمالين بل يصح جعل كل من المدلول و الدلالة مقسما للمنطوق و المفهوم و إن كان جعله المدلول أقرب لان العناية الملحوظة فيه أقل و لذا قال صاحب الكفاية (قده) إنهما بصفات المدلول أشبه، و كيف كان فلا وقع للطعن على من جعلهما من أوصاف الدلالة و نسبة ذلك إلى السخافة كما صدر عن بعض‏

[الثانى أن المفهوم هل هو منحصر فى الدلالات الثلاث أم خارج عنها]

(الثانى) أن المفهوم هل هو منحصر فى الدلالات الثلاث أم خارج عنها ذهب إلى كل فريق فاختار المشهور أنه من الالتزامي لا مطلقا بل سنخ التزام خاص هو كونه بمعونة التبادر أو مقدمات الحكمة أو الملازمة العقلية و ذهب بعض العامة إلى خروجه‏

243

عن تلك الدلالات بدعوى أن المطابقى و التضمني من المنطوق بلا ريب و الالتزامي يستتبع التحقق القهرى فى الذهن إمّا بمجرد تصور اللازم و الملزوم كما فى البيّن بالمعنى الأخص أو مع ضمّ تصور النسبة بينهما كما فى البين بالمعنى الأعم و ليس كذلك المفهوم إذ لا ينسبق إلى الذهن بعد انسباق المنطوق بأحد النحوين بل لا بد فيه من إثبات اللزوم بينهما من الخارج و إن كان الحق مع المشهور فى كونه من الالتزامي على النحو المزبور و لذا اعتذر لجماعة من المتأخرين كالسيد الفشاركى (قده) و ثلة من تلامذته القائلين بأنه هل يكون هناك مفهوم حتى يكون حجة أم لا حتّى تكون الحجية سالبة بانتفاء الموضوع، بأن المراد أن الجملة الشرطية مثلا علاوة عن سائر مدلولاته الالتزامية هل يكون له هذا النحو من الالتزام أى المفهوم أم لا، و قد يقال بأنه من- التضمنى (و بالجملة) فتارة يراد بيان ما هو المختار لدى الشخص فى المقام و هذا شى‏ء سيأتي الكلام فيه و أخرى يراد تحرير محل النزاع بين الاصوليين من الخاصة و العامة و هذا لا بد فيه من تتبع كلماتهم و قد عرفت وجود أقوال ثلاثة فيهم فحصره فى خصوص واحد فى المقام فى غير محله، بل ربما يوهم كلام بعضهم كعميد الدين فى شرح التهذيب اختيار غير واحد من الاقوال حيث استدل للمفهوم (تارة) بالتبادر مستشهدا بما ورد من منازعة أحد الصحابة مع عمر فى أخذ المفهوم من: إن خفتم: فى قوله تعالى: فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا، حيث استظهر منه الصحابى عدم جواز القصر فى الصلاة للمسافر مع عدم ذلك الخوف فتخاصما إلى النبى (ص) بذلك، و بما ورد من أخذ المفهوم من قولهم (ع): ليّ الواجد يحلّ عقوبته و عرضه:

حيث فهم منه الصحابى أنّ ليّ غير الواجد لا يحل عقوبته و عرضه، فلو لا حجية مفهومى الشرط و الوصف لم يكن للانسباق المذكور فى الموردين وجه (و أخرى) بمقدمات الحكمة و أنّ إقحام القيد فى الكلام شرطا أم وصفا أم غيرهما مع كون المتكلم في مقام البيان لا بد أن يكون لدخل خصوصية فى موضوع حكمه، و مرجع هذا الوجه إلى الاطلاق المقامي المعروف فى ألسنة المتأخرين الأصوليين (و ثالثة) بالملازمة العقلية بين المنطوق و المفهوم، لكن يمكن الجمع بين الوجوه الثلاثة بارجاعها إلى قول‏

244

المشهور ببيان أن الملازمة العقلية قد تكون فى الوضوح بمثابة توجب اللزوم القهرى عرفا فتكون منشأ للاطلاق المقامى الذى حقيقته عبارة عن بناء أهل المحاورة على عدم أخذ قيد فى الكلام في مقام البيان ما لم يكن لخصوصية ذلك القيد دخل فى موضوع الحكم المذكور في ذلك الكلام، و لذا نقول بأن الاطلاق المقامي أصل لفظى عرفى لا حكم عقلى فالاطلاق المقامى منشأ للتبادر و انسباق المفهوم من ذلك القيد إلى الذهن فالمفهوم مدلول التزامى لفظى و مما ذكرنا ظهر صحة استدلال العلامة (قده) فى المقام بأدلة متعددة.

[الثالث أن ربط شى‏ء بشى‏ء كما هو مفاد أدوات الشرط يمكن أن يكون بنحو الاتفاق‏]

(الثالث) أن ربط شى‏ء بشى‏ء كما هو مفاد أدوات الشرط يمكن أن يكون بنحو الاتفاق كما في: كلما كان الانسان ناطقا فالحمار ناهق: و لو لمجرد التقارن الزمانى نظير: اذا طلعت الشمس فأنا أركب: أو المكانى إذ الوعاء جامع بينهما و إن اختلفا بتمام الجهات غير هذه الجهة، و يمكن أن يكون بنحو اللزوم و العلية سواء كان المقدم علة للتالى كما فى: العصير إذا غلا يحرم: أو بالعكس كما فى إذا نزل الثلج فقد جاء- الشتاء أو كانا معلولين لعلة ثالثة كما فى: إذا حرم العصير ينجس: إذ الحرمة و النجاسة معلولان للغليان و يمكن أن يكون بنحو الملازمة العقلية كما فى: إذا وجب فعل وجبت مقدماته الوجودية: هذا بحسب الثبوت أمّا بحسب الاثبات فلا يمكن دعوى وضع تلك الأدوات لغة أو عرفا لخصوص واحد من الأنحاء الثلاثة ضرورة أنها تستعمل فى الجميع لدى العرف بنحو الحقيقة بلا إعمال عناية، فدعوى الوضع مجازفة كدعوى تبادر واحد منها بالخصوص من إطلاقها لدى العرف لما نرى من أنّه لا ينسبق إلى ذهن العرف من إطلاقها أريد من مطلق الربط الشامل للتقارن الوعائى و أن تعيين أحد الانحاء محتاج إلى قرينة داخلية أو خارجية و منه علم فساد دعوى الملازمة العقلية بين المقدم و التّالي فاثبات المفهوم لأدوات الشرط بالبرهان العقلي أى الملازمة العقلية موهون فى الغاية.

[الرابع فى تعريف المنطوق و المفهوم‏]

(الرابع) فى تعريف المنطوق و المفهوم و قد عرفهما المشهور بأن المنطوق ما دل عليه اللفظ فى محل النطق و المفهوم ما دل عليه اللفظ لا فى محل النطق بأن يكون الظرف متعلقا بدلّ فالمعنى أن المنطوق هو مدلول اللفظ الذى نطق به و المفهوم‏

245

هو مدلوله الذى لم ينطق به، و قد انتقض فيه بنقوض كثيرة و استشكل فيه بوجوه عديدة منها النقض بدلالة الاقتضاء كما فى اسأل القرية و أعتق عبدك عنى إذ دلالتهما على- السؤال عن أهل القرية و تمليك العبد قبل العتق إنما هي بالمنطوق مع عدم كونهما فى محل النطق، و لذا عرفهما العضدى بأن المنطوق حكم للمذكور و المفهوم حكم لغير المذكور و لما وقع النقض و الابرام فيه طردا و عكسا عرفهما بعضهم كالأخوين صاحبى الحاشية و الفصول (قدس سرهما) بتعريفات مفصلة و عرفهما صاحب الكفاية (قده) بالحكم المذكور و الحكم الغير المذكور لكنه ينتقض بأقل الحمل، حيث عدوه من المنطوق مع أنه حكم غير مذكور، فالحق كما اعتذر به صاحبا الفصول و الكفاية (قدس سرهما) أن هذه التعريفات من قبيل شرح الاسم بمعنى أنها بصدد تعريف حقيقة الشى‏ء يذكر بعض لوازمه للاشارة إلى تلك الحقيقة و لذا قيد فى الفصول شرح الاسم بالتقريبى (فاستشكال) بعض المحققين (قده) فى تعليقته على الكفاية فى التعبير بشرح الاسم بأن شأن ماء الشارحة إنما هو تفسير لفظ بلفظ آخر أعرف نظير: سعدانة: نبت: و ليس من هذا القبيل تلك التعريفات (في غير محله) ضرورة أنّ ماء الشارحة ليست فيها جهة- الاشارة بخلاف شرح الاسم التقريبى بالمعنى الذى عرفت فان جهة الاشارة كامنة فيه فالتعبير به فى غاية المتانة.

ثم إنّ بعض الاساطين (ره) قسم المدلول سواء استفيد من الالفاظ المفردة أو الجمل التركيبية إلى ما يستند إلى وضع نفس اللفظ له و سماه دلالة مطابقية و إلى ما يستند إلى الاستلزام من المعنى الموضوع له اللفظ و سماه دلالة التزامية مع إنكار- الدلالة التضمنية رأسا، ثم قسم الدلالة الالتزامية إلى لفظية هى ما كان اللزوم فيها بنحو البين بالمعنى الاخص بأن لا تحتاج فى الدلالة إلى مقدمة خارجية عقلية كالضوء و- الشمس أو العمى و البصر، و عقلية هى ما كان اللزوم فيها بنحو البيّن بالمعني الأعم بأن تحتاج فى الدلالة إلى مقدمة خارجية عقلية كوجوب المقدمة و حرمة الضد، ثم جعل الالتزامية بنحو البين بالمعنى الاخص فى الجمل التركيبية دلالة لفظية هى المفهوم و بنحو البين بالمعنى الاعم فيها دلالة عقلية سياقية هى دلالة الاقتضاء و التنبيه و الاشارة و نحوها (و بالجملة) فقد أنكر الدلالة التضمنية أوّلا و أخرج البين بالمعنى الأعم عن‏

246

صف الدلالات اللفظية ثانيا مع جعل مناط الخروج هو الاحتياج إلى مقدمة خارجية عقلية، و حصر الدلالة الالتزامية للجمل التركيبية في المفهوم ثالثا و أخرج دلالة الاقتضاء و الاشارة و نحوهما عن صف الدلالات اللفظية مع جعلها من البين بالمعنى الاعم لتلك الجمل رابعا، و هذه كلها دعاوى باطلة و تفصيلها بتحقيق حال الدلالات و إن كان موكولا إلى محله لكن لا بأس بالاشارة الاجمالية إليه.

فنقول اتفق أرباب الميزان و البيان على تقسيم الدلالات إلى مطابقية و تضمنية و التزامية و مرادهم علي ما مرّ جوابه، من المطابقية ما وضع له اللفظ لدى أهل اللغة، و من التضمنية جزء ذلك المعنى إذا كان لدى الوضع مركبا بالطبع كلفظ الصلاة بالنسبة إلى اجزائها بناء على وضعه لنفس الأجزاء لا للعنوان المنتزع عنها، أو لفظ الدار بالنسبة إلى أجزائها بناء على عدم وضعه للهيئة الحاصلة من تشبك الأجزاء (و بالجملة) فالمعنى التضمنى هو الجزء التأليفى من المعنى المركب بالطبع الموضوع له اللفظ لا الجزء التحليلى عقلا من المعنى المنتزع عن المعنى الموضوع له اللفظ كالحيوان أو الناطق بالنسبة إلى الانسان لان هذا اللفظ إنما وضع لما يقابل الغنم مثلا و هذا المعنى بسيط لا جزء له حتى يكون له مدلول تضمنى و ما ينتزع عن هذا المعني و ينقسم لدى التحليل العقلى إلى جزءين، حيوان و ناطق، ليس مما وضع له لفظ الانسان أصلا، حتى يكون جزئه معناه التضمنى و من الالتزامية الخارج عن ما وضع اللفظ اللازم له ذهنا لأجل الملازمة بينهما قبل الوضع خارجا و ناهيك عن ذلك تصريح أهل الميزان و البيان بأن دلالة اللفظ علي تمام ما وضع له مطابقة و على جزئه تضمن و على الخارج التزام:

فما تقدم عن بعض الاساطين من إنكار الدلالة التضمنية خلاف تصريح أهل الميزان و البيان بل اتفاقهم و خلاف الوجدان نشأ عن اشتباه مصداق بمصداق آخر، و حيث أن الأجزاء عين الكل و الكل ليس إلّا عبارة عن نفس الأجزاء فالمدلول التضمنى بمعناه الذى عرفت ليس فى طول المدلول المطابقى من حيث الانفهام من اللفظ، ثم إنهم صرحوا بتقسيم الالتزامية إلى البيّن و غيره و فسّروا الاول بما يكون فيه اللزوم بين المعنيين واضحا غير محتاج إلى الاثبات بالبرهان و مرادهم هو اللزوم الذهنى دون الخارجى أعنى انسباق لازم المعنى الموضوع له كالضوء إلى الذهن يتبع انسباق ذلك‏

247

المعني كالشمس عند استعمال اللفظ فيه، إذ اللفظ لم يوضع لذلك المعنى اللازم أبدا بل لنفس المعنى الملزوم و حيث أنّ هذا المعنى له لازم طبعى فاللفظ الموضوع له يدل على لازمه بالالتزام لدى استعماله فيه بمعنى الانسباق الذهنى للملتفت إلى اللزوم، فان كان اللزوم بنحو يكفى مجرد تصور المعنى الملزوم للانتقال إلى اللازم كما فى- الشمس بالنسبة إلى الضوء أو العمى بالنسبة إلى البصر يسمّى عندهم بالبين بالمعنى الأخص و إن توقف الانتقال إليه على تصور الحاشيتين مع النسبة بينهما يسمّى عندهم بالبين بالمعنى الأعم، و فسروا الثانى أعنى غير البين بما يكون اللزوم فيه غير واضح محتاجا إلى الاثبات بالبرهان بمعنى تشكيل قياس صغراه مدلول هذا اللفظ و كبراه برهان عقلي خارجي يكون نتيجة تطبيق تلك الكبرى على ذلك الصغرى، ثبوت هذا المعنى الالتزامى الغير البين، كوجوب المقدمة فان ثبوته نتيجة ضم وجوب ذى المقدمة الذى هو مدلول الأمر إلى كبرى استتباع التلازم بين الوجودين للتلازم بين الوجوبين.

ثم إن اهل الميزان عدا المير سيد شريف و أهل البيان طرأ صرحوا بأن البين بالمعنى الأخص من الدلالات اللفظية و اتفق أهل البيان كالاصوليين علي أن البين بالاعم أيضا منها فتصريح أهل الادب بالمعنى الاعم الشامل للاصوليين قاض بأن- الالتزامى بقسميه من الدلالة اللفظية و قد صرّح بعضهم من أهل الفلسفة و غيرهم بأن التبين فى الالتزامى البين حتى بالمعنى الاخص محتاج إلى توسيط غير اللفظ من أمر ما خارجى لم يكن ببرهان، فقال ابن سينا: ان التبين فيه إنما هو باشتراك من العقل و قال الفخر الرازى: ان الدلالة الالتزامية تطفلية: ثم إنهم صرحوا بأن دلالة الاقتضاء و الاشارة و التنبيه من الدلالة اللفظية أى البين بالمعنى الأعم من الالتزامية غاية الأمر قد يكون الاقتضاء عقليا كما فى اسأل القرية فامتناع توجيه السؤال نحو الجماد عقلا يكشف عن المراد و يقتضى كون المسئول عنه اهل القرية و لذا عدّه بعضهم من المجاز بالاضمار بمعنى تقدير أهل فى الكلام، و قد يكون شرعيا كما فى أعتق عبدك عنى: إذ بالالتفات إلى كبرى: لا عتق إلّا فى ملك: من الشارع يقتضى كون المراد: ملّكه اياى:

فقرينة العقل أو الشرع تكشف عن الدلالة الالتزامية للفظ، فالمتحصل مما ذكره اهل الادب فى الدلالات الالتزامية أن اللفظ ان كان اعدادا و تمهيدا للوصول الى المراد

248

بضميمة برهان عقلى خارجي كما في وجوب المقدمة و حرمة الضد فالدلالة عقلية و إن كان كاشفا عن المراد بمعونة أمر ما غير البرهان فالدلالة لفظية كما فى البين بالمعنى الاخص و الاعم و دلالة الاقتضاء و الاشارة و نحوها من الدلالات الالتزامية، فما تقدم عن بعض الأساطين من إخراج البين بالمعني الاعم و كذا دلالة الاقتضاء و التنبيه و الاشارة عن صف الدلالات اللفظية فاسد.

ثم إنه ما المراد من كون هذه الدلالات سياقية فانه لو أريد دلالة الجملة عليها باعتبار تركيب بعض مفرداتها مع بعض فهذه بعينها دلالة لفظية فكيف يقيد بها الدلالة العقلية و لو أريد كون الجملة إعدادية للوصول إلى المقدمة العقلية التى هى جهة الكشف و الدلالة فلا معنى لاسناد الدلالة إلى السياق، فبين جعل هذه دلالات عقلية مع توصيفها بالسياقية تهافت، ثم لو سلم اختصاص الالتزامى اللفظى بالبين بالمعنى الأخص فمناطه ليس ما توهم من احتياج البين بالمعنى الاعم إلى مقدمة عقلية خارجية لما عرفت من عدم احتياجه إلى ذلك و أن المحتاج إليها انّما هو غير البين، فمنشأ توهم الخروج إن كان هو الاحتياج إلى توسيط أمر ما غير اللفظ فقد عرفت الاحتياج إليه فى البين بالمعني الاخص أيضا بتصريح أهل الفلسفة و الميزان و أنّ اللفظ لم يوضع أبدا بازاء لازم المعني و لا بازاء استلزام المعنى الموضوع له لذلك اللازم بل بازاء نفس المعني، و إن كان هذا المقدار من التوسيط ما لم يكن الوسيط برهانا عقليا لا يضرّ بكون الدلالة لفظية فقد عرفت عدم وساطة برهان عقلى فى البين بالمعنى الاعم، ثم ان حصر الدلالة الالتزامية للجمل التركيبية فى المفهوم الاصطلاحى كما تقدم منه فاسد ضرورة أن المدلول الالتزامي لقولنا: الشمس طالعة: و هو وجود النهار، ليس بمفهوم أصلا مع أنّ وضوح اللزوم بين معني تلك الجملة و بين هذا اللازم من حيث الانسباق إلى الذهن بتبع انسباق معنى الجملة ليس بأقل من اللزوم بين العمى مع معانده الذى هو البصر الذى هو من أوضح مصاديق البين بالمعنى الاخص بل لا ريب في كون اللزوم المزبور أوضح من هذا اللزوم، فالمداليل الالتزامية للجمل التّركيبية تعمّ المفاهيم الاصطلاحية و غيرها، و الذى يسهل الأمر ما عرفت من أن هذه التعاريف شرح الاسم بالمعني المتقدم و انما تعرضنا لهذه الامور فى المقام لما رأينا من إسحاب القوم إلى بعض ما لا ينبغي فى‏

249

تعريف المنطوق و المفهوم.

و مع ذلك كله فلنا أن نعرفهما بما لا ينتقض طردا و لا عكسا بشي‏ء مما قيل أو يمكن أن يقال: فنقول المنطوق الاصطلاحى قضية اخبارية أو انشائية ملفوظة و المفهوم- الاصطلاحى قضية معقولة اخبارية او انشائية متولدة عن تلك القضية الملفوظة موافقة لها فى الموضوع اعنى ما تعلق به الخطاب و يطالب به المكلف مخالفة لها فى الكيف أى الايجاب و السلب كما فى مفهوم المخالفة، أو بالعكس أى مخالفة لها فى الموضوع موافقة لها في الكيف كما فى مفهوم الموافقة أمّا موضوع ذلك الموضوع أى المكلف فهو أبدا متحد في المنطوق و المفهوم بكلا قسميه فتعريف المفهوم بالمعني الأعم- الشامل لكلا قسميه منفصلة حقيقية، و لا يمكن انتقاضه بشى‏ء طردا أو عكسا، نعم يبقى عليه شى‏ء هو ما قيل من رجوع قيود الحكم إلى الموضوع فمعنى: إن جاءك زيد فاكرمه، زيد الجائى أكرمه: لكنك عرفت مرارا فساد هذا التوهم لامكان رجوع القيد إلى الحكم ثبوتا كما في: إن جاءك زيد فاكرم عمروا: إذ لا يمكن أن يقال إنّ عمروا زيدا الجائى أكرمه و تأخر الحكم عن ذلك القيد في الجملة ظاهر في كونه من علل تشريع الحكم و لا موجب لرفع اليد عن هذا الظهور فتدبر كي تعرف، و بعد التنزّل عن- التعريف المزبور فأحسن التعاريف ما ذكره صاحب الكفاية (قده) من أن المفهوم حكم إنشائى أو إخبارى تستتبعه خصوصية المعنى الذى أريد من اللفظ بتلك الخصوصية و لو بقرينة الحكمة و كان يلزمه لذلك وافقه فى الايجاب و السلب أو خالفه، و حسنه لاخذ نكتة فيه هي كون خصوصية المعنى المراد من اللفظ مستتبعة لذلك الحكم الانشائى أو الاخباري الذى هو المفهوم فان هذه نكتة دقيقة كما سيأتى الاشارة إليه إنشاء الله تعالى و لذا قال بعد ذلك فمفهوم إن جاءك زيد فاكرمه مثلا لو قيل به قضية شرطية سالبة بشرطها و جزائها لازمة للقضية الشرطية التى تكون معنى القضية اللفظية، فليته (قدس سره) عبّر عن المفهوم من أوّل الأمر بهذا التعبير الذى ذكره أخيرا من باب المثال.

فتلخص مما ذكرناه أنّ انسباق المعنى إلى الذهن إن كان مستندا إلى اللفظ و لو بمعونة أمر ما خارجى لا يحتاج إلى الجرى كاللزوم في الالتزامى البين أو جريان مقدمات الحكمة أو الانصراف فالدلالة لفظية، لان ذلك الأمر الخارجى كائنا ما كان‏

250

إنما يوجب كاشفية اللفظ عن ذلك المعنى و لا يكشف بنفسه عنه فلا يكون اللفظ أجنبيا عن الكشف إعدادا للكاشف فقط، أمّا ان كان مستندا إلى تطبيق قاعدة عقلية على المورد بعد استعمال اللفظ في معناه بلا دخله فى جهة الكشف أصلا كما فى الملازمات العقلية كوجوب المقدمة و حرمة الضد مما يكون اللزوم فيها غير بين فالدلالة عقلية لقصور القاعدة عن إقحام الدلالة فى اللفظ، فالمسألة من قبيل ظهور الأمر فى الوجوب النفسى تكون من مباحث الالفاظ (و بذلك يظهر) عدم استقامة ما ذكره بعض أساطين الفقه (دام ظله) العالى من أن (ما ذهب) إليه جمع من المتأخرين من أن النزاع صغروى فى أنه هل يكون هناك مفهوم حتى يكون حجة أم لا بعد الفراغ عن كبرى حجيته بعد ثبوته (غير صحيح) بل الصحيح ما ذهب إليه القدماء من أن النزاع كبروى فى أن المفهوم بعد الفراغ عن ثبوته هل يكون حجة أم لا، بدعوى أن جريان مقدمات الحكمة و نحوه لدى التعليق بشرط أو التقييد بوصف لا يرتبط باللفظ و دلالته فهو إنما يكون لاثبات حجية المفهوم بعد وضوح وجوده، لان شأن العاقل بما هو عاقل و حكيم أن لا يأخذ خصوصية فى كلامه إلّا إذا كانت دخيلة فى مراده بل تمام العلة له و إلّا كان أخذها لغوا، و بهذا البيان أثبت حجية المفهوم الذى عرفه بأنه المدلول الذى يجوز للمتكلم إنكاره بأن يقول ما قلته بخلاف المنطوق فهو المدلول الذى لا سبيل إلى إنكاره فيقول ما قلته (وجه عدم الاستقامة) ما عرفت من أن مجرد احتياج انفهام المعني إلى أمر ما خارجى كجريان مقدمات الحكمة، لا يخرج الدلالة عن اللفظية، ما دام استناد الانفهام إلى اللفظ عرفا و لو بمعونة الأمر الخارجي، كيف و الأخذ بالاطلاق بدليا أو شموليا فى باب المطلق و المقيد بمعونة مقدمات الحكمة إنما هو أمر مسلم بين القوم حتى عنده مد ظله حسب اعترافه بذلك فى محله كتسلّم كون ذلك أصلا لفظيا محاوريا، مع أنّ من البديهى استناد استفادة ذلك الاطلاق من الكلام إلى تطبيق مقدمات الحكمة عليه لا إلى نفس اللفظ بما هو بحيث لو لا جرى تلك المقدمات لم ينعقد للكلام لدى العرف ظهور فى الاطلاق أصلا، فجرى مقدمات الحكمة سبب لانعقاد الظهور لنفس اللفظ و ثبوت حيث الكاشفية له عرفا فكذلك بالنسبة إلى مفاد الجملة الشرطية أو الوصفية أو سائر الجمل المفهومية، فما ذكره في تقريب كبروية النزاع تقرير فى الحقيقة لصغرويته و أنه هل‏