آراء حول مبحث الألفاظ في علم الأصول‏ - ج2

- علي الفاني الأصفهاني المزيد...
414 /
251

يكون لتلك الجمل هذا النحو من المدلول و لو بمعونة جرى مقدمات الحكمة و استلزام عدم إرادة ذلك المدلول منها اللغوية، أما كبرى حجية ما يستفاد من الكلام الوارد في مقام التفهيم و كونه مرآة لمراد المتكلم فهى مفروغ عنها لدى أهل المحاورة و مما استقر عليه بنائهم بلا حاجة إلى النزاع فيه و تجشم الاستدلال له.

فالحق كما عليه أعاظم محققى المتأخرين، أن النزاع فى باب المفاهيم صغروى فى أن سنخ الخصوصية المأخوذة فى الكلام من التعليق أو التوصيف أو نحوهما، هل تستتبع حكما إنشائيا أو إخباريا موافقا لحكم القضية الملفوظة التي أخذت فيها تلك- الخصوصية أو مخالفا له و لو كان أخذ تلك الخصوصية فى القضية بمعني دخلها فى حكمها بمعونة قرينة خارجية كمقدمات الحكمة حتّى يدخل ذلك الحكم الموافق أو المخالف تحت كبرى حجية مفاد الكلام لدى أهل المحاورة، أم لا تستتبعه حتّى لا تكون تلك الخصوصية سببا لتحقق صغرى لكبرى الحجية، أمّا ما ذكره فى تعريف المنطوق و المفهوم ففيه أنّ الكلام ليس فى كون المفهوم مدلولا صريحا للجملة كى يقال بامكان إنكاره فيقول المتكلم ما قلته بل هو لدى جميع القائلين به مدلول ظاهرى لها فاللفظ ظاهر فيه و كذا فى المنطوق و لذا يجوز للمتكلم إنكار تعلق إرادته الجدية بالمنطوق فيقول ما أردته و إن لم يكن له إنكار التلفظ بذلك اللفظ فيقول ما قلته، فالتفكيك بين الارادتين الاستعمالية و الجدية فى عالم المحاورة أمر متداول متسالم عليه حتى من قبله (دام ظله) فما أتعب به نفسه المباركة من ارجاع النزاع إلى الكبروى كما كان هو مذهب القدماء فى غير محله، فاللازم صرف عنان الكلام إلى بيان ثبوت المفهوم لتلك الجمل و عدمه فى طى فصول.

[في مفهوم الشرط]

[فصل: فى دلالة الجملة الشرطية على المفهوم و عدمها]

فصل- فى دلالة الجملة الشرطية على المفهوم و عدمها، و ليعلم أنّ المنكر لهذا المفهوم مستظهر بانكاره إذ له إنكار أحد أمور أربعة، بعد تسليمه وجود ربط ما بين الجزاء و الشرط فى تلك الجملة (أحدها) كون ذلك الربط بنحو الترتب أى طولية الجزاء عن الشرط بأحد أنحاء الترتب أى الزمانى و الطبعى و الرتبى و العلّى بدعوى إمكان كون ربطهما بمجرد التقارن الوعائى زمانيا كان أم مكانيا (ثانيها) كون ذلك الربط على فرض كونه الترتبى بنحو الترتب اللزومى بدعوى إمكان كونه اتفاقيا كما في كثير من القضايا

252

الشرطية فان استعمال أداة الشرط فى الاتفاقيات حقيقى لا يحتاج إلى قرينة، فما فى الكفاية من دعوى انسباق اللزوم منها قطعا و جعل منع الدلالة علي اللزوم بدعوى كونها اتفاقية فى غاية السقوط، غير سديد (ثالثها) كون الربط الترتبى على فرض كونه اللزومي بنحو اللزوم العلّى أى علية الشرط للجزاء بدعوى إمكان العكس أى علية الجزاء للشرط كما فى: إذا نزل الثلج جاء الشتاء و تأويل مثله بعلية العلم بالشرط للعلم بالجزاء لا يدفع الايراد و لا يثبت مدعى مثبت المفهوم بل امكان كون كليهما معلولين لعلة ثالثة كما في: العصير إذا حرم ينجس: إذ علتهما غليان العصير و استعمال الجملة في جميع هذه الموارد على نحو الحقيقة بلا حاجة إلى إعمال عناية (رابعها) كون الربط الترتبي اللزومى على فرض كونه العلّى بنحو العلية المنحصرة بدعوى إمكان وجود عدل للشرط فى العلية كما فى: إذا وجدت النار وجدت الحرارة: ضرورة انوجاد الحرارة بوجود الشمس أو الكهرباء أو نحوهما، و إذا لم يثبت أحد هذه الامور الأربعة لم يثبت المفهوم أصلا فعلى مثبت المفهوم إثبات العلية المنحصرة للجملة الشرطية.

[بيان أدلة ثبوت المفهوم للشرط]

و قد استدل لذلك بوجوه (منها) تبادر اللزوم و الترتب بنحو العلّية المنحصرة من الجملة الشرطية (و فيه) منع التبادر بعد كثرة استعمالها بلا عناية فى غير المنحصرة كمطلق العلية و مطلق اللزوم و يشهد به صحة جواب المتكلم بعدم إرادة المفهوم من كلامه فى مقام الاحتجاجات و المخاصمات لو أريد أخذ المفهوم منها مع أنه لو كان لها مفهوم لما صح ذلك الجواب قطعا (و منها) الانصراف بدعوى أن إطلاق الجملة الشرطية ينصرف عرفا إلى أكمل أفراد العلاقة أى العلاقة اللزومية بنحو العلة المنحصرة (و فيه) أوّلا منع سببية مجرد الاكملية لصرف و جهة المطلق إلى خصوص فرد من أفراده الخارجية ما لم يكن استعمال اللفظ فيه بنحو الغلبة و هى فى المقام مفقودة، و ثانيا منع كون العلة المنحصرة من أكمل أفراد تلك العلاقة لعدم الفرق بين العلة المنحصرة مع غير المنحصرة إلّا من جهة عدم عدل خارجى شخصى للاولى بعد اشتراكهما معا فى حقيقة العلية أى الرّشح و تولد المعلول منهما و من البديهي أنّ مجرد ذلك لا يوجب- الاكملية فى نظر العرف (و منها) إطلاق الجملة الشرطية بمقتضى مقدمات الحكمة بتقريب جريان مقدمات الحكمة بأحد أنحاء ثلاثة (الاول) أنّ الجملة وضعت لمطلق‏

253

اللزوم بمقتضى التبادر فمقدمات الحكمة توجب إرادة اللزوم الانحصارى بعد عدم جامع بينه و بين غير الانحصارى حتى يراد من الاطلاق (و يندفع) بمنع الوضع لمطلق اللزوم لمنع التبادر كما تقدم فجريان مقدمات الحكمة سلب بانتفاء الموضوع و على فرض الوضع له فمقدمات الحكمة لا تجرى فى المعنى الحرفى الّذى هو مفاد الشرط بل تجرى فى المعنى الاسمى و هو غير موجود فى المقام، لكن هذا البيان لا يتم على مسلك صاحب الكفاية (قده) من اشتراك المعنى الحرفى مع الاسمى فى الاستقلال و تفاوتهما فى غرض الوضع مضافا إلى أنّ مصبّ جريان مقدمات الحكمة أخذ الشرط فى الجملة و هو معني اسمي لا نفس الشرط كى يقال بأنّ معناه حرفى، و على فرض جريانها فى المعنى الحرفى أو فى أخذ الشرط الذى هو معنى اسمى فتعيين سنخ اللزوم الانحصارى من بين أنحاء اللزوم محتاج إلى قرينة معينة مفقودة و الجامع بين الانحصارى و غيره نفس اللّزوم فيمكن إرادته من الاطلاق (الثانى) أنّ الشرط له إطلاق واوىّ حيث لم يذكر معه شرط آخر فى مقام بيان ما له الدخل فى ترتب الجزاء فمقدمات الحكمة تقتضى دخله بوحدته فى الجزاء و كونه تمام العلة له (و يندفع) بأنّ هذا النحو من الاطلاق لو انعقد للشرط لدلّ على المفهوم لكن حيث أنّ وجود شرط كذائى نادر التحقق لو لم نقل بعدمه خارجا فلا ينعقد له الاطلاق من هذه الجهة إلّا أن يقال بأنّ ندرة الوجود لا تمنع عن شمول الاطلاق كما أنّ كثرة الوجود لا توجب الانصراف و إنّما توجبه كثرة الاستعمال و هى هنا مفقودة.

(الثالث) أنّ الشرط له إطلاق أوىّ حيث لم يذكر له عدل فى مقام بيان علة الجزاء فمقدمات الحكمة تقتضى كونه علة منحصرة للجزاء (و يندفع) بأنّ نحو الشرطية و التأثير في الجزاء لا تختلف بوحدة الشرط و تعدده خارجا إذ كل من الفردين فى فرض التعدد يكون حين تحققه تمام العلة لتحقق الجزاء فالشرط المذكور فى الجملة الشرطية حال تحققه علة منحصرة للجزاء و لا ينافيه علية عدله حين تحققه أيضا للجزاء كذلك فلا إجمال للجملة من جهة بيان الشرطية كي تقتضى مقدمات الحكمة رفعه بسبب الانحصار نعم لو اتفق انعقاد اطلاق للشرط من هذه الجهة لدلّ على المفهوم لكنه لا يجدي لاثبات كبرى مفهوم الشرط كما هو مدعى المثبتين، و هذا بخلاف إطلاق الامر من جهة تعيّن‏

254

الوجوب النفسي إذ الواجب النفسى هو الواجب على كل حال بخلاف الغيرى الذى هو واجب على تقدير دون آخر، فبيان الغيرى يحتاج إلى مئونة التقييد بوجوب الغير، فاطلاق الصيغة بمعونة مقدمات الحكمة محمول علي النفسى كما أنّه محمول علي الوجوب التعيينى إذ لو لم يكن لبيان خصوصه كان فى مقام الاهمال أو الاجمال فمقدمات الحكمة توجب رفع الاجمال بالحمل على التعيينى، فقياس إطلاق الشرط باطلاق الأمر فى جريان مقدمات الحكمة باطل و مع الفارق، إلّا أن يقال بجريان عين هذا البيان بالنسبة إلى عدل الشرط لا نحو الشرطية فاطلاق الشرط بمعونة مقدمات الحكمة ينفى العدل التخييرى للشرط و تكشف عن الانحصار.

[التحقيق وجود المفهوم للشرط]

و لكن التحقيق وجود المفهوم للجملة الشرطية و بيان ذلك يتم بطي مقدمات ثلاث (الأولي) أنّ الظاهر من تعليق محمول إنشائى على فعل أو شي‏ء تكوينى فى كلام غير المجازف كالشارع تعالى، كون ذلك الفعل أو الشى‏ء علة غائية لذلك المحمول الانشائى بناء علي مذهب العدلية من لزوم كون الأحكام عن مناطات واقعية و قبح جعل أحكام جزافية من العاقل فضلا عن الحكيم تعالي، و هذا و إن كان يجرى فى المحمولات الاخبارية التكوينية لكن لا كلام لنا فى ذلك فعلا مع صحة استعمال التعليق فيها في غير اللزومية أى الاتفاقية، و بالجملة فالظاهر من الجملة التعليقية الانشائية كون المعلق عليه علة غائية للمعلق بمعنى وجود مناط ذلك الحكم الانشائى فى هذا الشى‏ء التكوينى كالغليان فى قوله (عليه السلام): العصير إذا غلا يحرم: أو مجي‏ء زيد فى قولك: إذا جاءك زيد فأكرمه، فالمراد من العلة الغائية فى هذه الأمور الاعتبارية أى الاحكام الانشائية هو الداعى و المحرّك للجاعل نحو اعتبارها بلا لزوم ترتب تلك العلة خارجا على ذلك الأمر الاعتبارى بمعنى تأخرها عنه فى الخارج كما في التكوينيات، فان العلة الغائية فيها متقدمة عنها تصورا و فى مرحلة العلم و متأخرة عنها وجودا و في مرحلة الخارج و ذلك لتباين أفق الاعتبار مع أفق الخارج، فالامر التكوينى الذى صار داعيا الى إنشاء أمر اعتبارى كالغليان بما له من الملاك بالنسبة إلى إنشاء الحرمة أو مجي‏ء زيد كذلك بالنسبة إلى إنشاء وجوب الاكرام لتباين وعاءيهما لا يمكن أن يتأخر فى الوجود عن ذلك الأمر الاعتبارى، بخلاف التكوينيات فالداعى و المدعو إليه فيها حيث اتّحد؟؟؟ و توافقا وعاء يتأخر الثاني‏

255

وجود مناطه فيه، فحمله على بيان قيد الموضوع بارجاع القيد إلى المادة دون الهيئة تأويل فى ظاهر الجملة من غير دليل، أمّا أنّ مفاد الجملة الشرطية ما هو فقد تقدم مفصلا فى الواجبات المشروطة فراجع.

(الثانية) أنّ الظاهر من وقوع ذلك المحمول الانشائى فى التالى و ذلك الأمر التكوينى فى المقدم ترتب الاول على الثانى و كونه معلولا له لا العكس بأن يكون المحمول الانشائى علة لذلك الأمر التكوينى، إذ مضافا إلى كونه خلاف الظهور المحاورى لا يعقل تأثير الأمر الاعتبارى فى التكوينى و عليته له، و لا كون المقدم و التالى معا معلولين لعلة ثالثة ضرورة كونه خلاف الظهور المحاورى، فالظاهر من قوله (عليه السلام)، العصير إذا غلا يحرم: أو قولك: إذا جاءك زيد فأكرمه: علية الغليان للحرمة و المجي‏ء لوجوب الاكرام بالمعنى الذى عرفت لا العكس (الثالثة) أنّ مقتضي جريان مقدمات الحكمة في تلك الجملة هو الاطلاق من جهتين تفيد إحداهما كون المقدم علة تامة للتالى و الأخرى كونه علة منحصرة له، إذ الظاهر من حال المتكلم لدى أهل المحاورة فى مثل هذه الجملة كونه بصدد بيان تمام ما هو العلة لتلك الوظيفة بالمعنى الذى عرفت لا بمعنى العلة الفاعلية فانه غير معقول كما أشرنا إليه، فمقتضى عدم عطف غير ما ذكر فى المقدم عليه بالواو بأن يقول مثلا العصير إذا غلا و اشتدّ يحرم أو يقول إن جاءك زيد و سلّم عليك فأكرمه كون المذكور في المقدم كالغليان و المجي‏ء في المثالين علة تامة لذلك الحكم لا جزء العلة بمعنى كونه تمام المناط و الداعى له لا جزئه كما أنّ مقتضي عدم ذكر عدل لتلك العلة بعطف غيرها عليها بأو بأن يقول في المثال الأول إذا غلا أو اشتدّ و في الثاني إن جاءك أو سلّم عليك كون المذكور فى المقدم علّة منحصرة لذلك الحكم لا كونه أحد عدلي العلة التامة من غير أن تكون العلة المنحصرة سنخا من العلة ينصرف إليها إطلاق الشرط فى الجملة، كما أنّه ينتزع من الأمر بشى‏ء بمعونة عدم ذكر عدل له كونه واجبا نفسيا تعيينيا لا تخييريا فليست التعيينية من كيفيات نفس الوجوب كى يستفاد من إطلاق الوجوب كما زعمه بعض الأساطين حتى يورد عليه بخروج ذلك عن حوصلة: نفس اللفظ و إطلاقه الاحوالى بل الاطلاق فى المقامين‏

256

إنما هو ببركة مقدمات الحكمة (فظهر) ببركة هذه المقدمات الثلاث وجود المفهوم للجملة الشرطية و أنّ (مقتضى) جريان مقدمات الحكمة فى الانشائيات بالمعنى الاعم و الشرعيات بالمعنى الأخص بعد ظهور الشرطية لدى أهل المحاورة فى اللزوم بين المقدم و التالى و كون المقدم مناط الحكم المذكور فى التالي و الاطلاق الواوى و الأوى للشرطية، كون متلوّ الشرط علة منحصرة لذلك الحكم، فمصبّ التعليق هو العلة الغائية للحكم و معه لا سبيل إلى إنكار المفهوم كما ذكرنا لا العلة الفاعلية كما زعمه القوم حتّى يمكن إنكار الأمور الأربعة السالفة و يرد عليه بعض الاشكالات المتقدمة فى وجوه الاستدلال للمفهوم.

[إشكال بعض الاعاظم على المفهوم الشرط]

(فان قلت) هذا إنّما هو على فرض تعليق سنخ الحكم على عنوان الموضوع بمعناه الذى ستعرف فى التنبيهات من أنّ المعلق هل هو سنخ الحكم أو شخصه فمع تعليق سنخ الحكم بأن يراد من قوله (عليه السلام): الماء إذا بلغ قدر كر لم ينجّسه شى‏ء: أنّ العصمة مطلقا معلقة على الكرية، يفيد الانتفاء عند الانتفاء أى انتفاء العصمة بانتفاء الكرية، أمّا مع تعليق شخص الحكم على عنوان موضوعه المنتفى بانتفاء موضوعه و لو ببعض قيوده بأن يراد من المثال أنّ العصمة الكرية معلقة على الكرية فمفاد التعليق ليس إلّا، الثبوت عند الثبوت، لان الانتفاء حينئذ عند عدم الموضوع و لو ببعض قيوده إنّما هو من باب السلب بانتفاء الموضوع إذ لا يعقل وجود شخص الحكم بعد انعدام شخص موضوعه، فليس هذا من باب دلالة التعليق على المفهوم كما هو المدعي (نعم) يمكن التأويل في عنوان الموضوع الخاص بجعله إشارة إلى السنخ فينتج بقاء شخص الحكم عند انتفاء شخص الموضوع بأن يقال إنّ المراد بزيد فى: إن جاءك زيد فأكرمه مادته الهيولانية لا هذا الموجود الخارجى المسمى بزيد بأن يكون لفظ زيد عنوانا مشيرا إلى تلك المادة الهيولانية الموجودة عند تبدل الصورة النوعية بصيرورته كلبا بالمسخ مثلا (لكنه) تأويل فى ظاهر العنوان الخاص بلا دليل، فمع تعليق الشخص لا ينعقد للتعليق ظهور فى المفهوم فلا بد من إحراز تعليق السنخ فى ذلك و حيث لا ظهور للجملة فى تعليق السنخ إذ لعل هناك شى‏ء ينوب مناب الكرية فى المثال فى قيام العصمة به كالمطر أو الجارى فلا ظهور للجملة التعليقية فى المفهوم، و قد استشكل بذلك بعض الأعاظم‏

257

(ره) في مقالاته و تبعه عليه بعض أساطين الفقه مد ظله كما فى تقريرات بحثه مع جعل كلام السيد (ره) فى إنكار المفهوم ناظرا إلى ذلك، و لقد أجاد مد ظله فى فهم كلام- السيد (ره) في المقام و ينبغى أن يجعل كلامه (ره): فى باب السبب أيضا ناظرا إلى ما ذكر حيث استشكل (ره) فى ظهور التعليل فى مثل: لا تشرب الخمر لانه مسكر: فى علية مطلق الاسكار للحرمة بدعوى أنّ مقتضى رجوع ضمير: لانه مسكر: إلى الخمر كون إسكار الخمر موضوعا للحرمة لا مطلق الاسكار فكلام السيد (ره) فى المقامين ناظر إلى ذلك.

(قلنا) لا ريب أنّ المراد بالشخص في كلام المستشكل لا يمكن أن يكون الشخص الفلسفى أى الجزئى الحقيقى المتشخص بشخصه إذ التشخص بهذا المعنى مساوق مع الوحدة و لا يرتاب عاقل فى انتفاء شخص الحكم بهذا المعنى لدى انتفاء شخص موضوعه كى يحتاج فى تفهيمه إلى بيان المراد فى سياق الجملة التعليقية، لكنه ينافى مع ما هو مفاد القضايا الحقيقية التي من سنخها القضايا الشرعية إذ ليس مفادها تعليق شخص الحكم بهذا المعني على شخص الموضوع و إنّما هو مفاد القضايا الخارجية و هى فى الشرع منحصرة في واحدة قد انصرمت مدتها و هى قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً: فالاحكام الشخصية في الشريعة منحصرة في مختصات النبى (صلى الله عليه و آله) التي هى خارجة عن محل ابتلائنا، أمّا التكاليف العامّة فهى بأجمعها على نحو القضايا الحقيقية، أمّا الاحكام العرفية فهى و إن كانت أعم منها و من القضايا الخارجية إلّا أنّ الكلام فيما يعمّ الاحكام الشرعية بل الغرض عن المباحث الاصولية فهم تلك الاحكام فلا بد أن يقرر موضوعها على نحو يعمهما، فالشخص الفلسفى غير مراد من الجمل التعليقية حتى فى كلام- المستشكل جزما فلا بد أن يراد من الشخص فى كلامه إمّا الجزئى الاضافى أى الحكم بلحاظ انحلاله إلى أفراد متعددة حسب تعدد أفراد موضوعه أو شخص الانشاء بمعناه الاسم المصدرى أعنى مضمون الخطاب مع قطع النطر عن انحلاله المزبور و إن كان هذا الانحلال كامنا فى ذات الانشاء المزبور فلا يخرج بحسب الواقع عن كونه جزئيا إضافيا و إن خرج عنه باللحاظ الذى لا يغيّر الواقع، فالمراد من سنخ الحكم‏

258

في كلامه، الطبيعي الذى يشمل ما ثبت خارجا لغير المعلق عليه أيضا أو لم يثبت لشى‏ء آخر أصلا، و حينئذ نقول حيث عرفت أنّ الجملة الشرطية ظاهرة لدى أهل المحاورة بمعونة جريان مقدمات الحكمة فى العلّية و كون المقدم راشحا و التالى مترشّحا بالمعنى الذى عرفت فلا يعقل فيها تعليق سنخ الحكم بالمعنى المتقدم على المقدم، إذ لازمه كون الحكم أعم من معلول هذه العلة أى المقدم أو معلول علة أخرى ثبتت في الخارج بدليلها كالمطر و الجارى الذين هما علتان للعصمة أو معلولا بلا علة معلقا على هذه العلة بعنوان كونه مترشّحا منها، و فساد ذلك من أوّليات العقول إذ لازمه علية كل شى‏ء لكل شى‏ء و عدم علية شى‏ء لشى‏ء، فليس ذلك مراد أحد من الانتفاء عند الانتفاء كما أنّه ليس المراد كون الجملة الشرطية بصدد بيان حصر كلىّ الحكم بالمعنى الذى عرفت فى فرد واحد هو هذا الشرط الواقع تلو أداة الشرط لان ذلك مقتضى إطلاق- الجزاء على تقدير إحرازه و القائل بالمفهوم إنّما يستدل باطلاق الشرط بمعونة مقدمات الحكمة كما عرفت، فاذا لم يكن ما ذكر هو المراد من الانتفاء عند الانتفاء في القضايا الحقيقية فليس مرادا في القضايا الشخصية بطريق أولي فقضية السنخ و الشخص بالنسبة إلى الجمل المفهومية أى الانشائية سالبة بانتفاء الموضوع فهي أجنبية عما نحن فيه بل لا موضوع و لا محمول لها فى المقام، و إنّما المراد من الحكم فيها أبدا هو الجزئى الاضافي أو مضمون الخطاب الراجعان في الحقيقة إلى شي‏ء واحد كما عرفت و مقتضى إطلاق الشرط في المقدم بمعونة جريان مقدمات الحكمة هو العلية المنحصرة للحكم فالتعليق بمعونة ذلك يدل على الانتفاء عند الانتفاء و لا ينافيه قيام دليل آخر علي وجود العدل لهذه العلة، كدلالة نص خاص على قيام المطر أو الجاري، مقام الكرّ فى التأثير في العصمة فان مدعى القائل بالمفهوم ظهور الجملة فى ذلك لا كونها نصا فيه و من المعلوم أنّ النص لا يعارضه الظاهر، و من العجيب أنّ بعض‏ (1) أساطين الفقه مد ظله العالى كما يظهر من مجموع كلامه صدرا و ذيلا فى تقرير بحثه يلتزم بدخل خصوصية الكرية مثلا في الحكم فرارا عن لغوية القيد بخصوصيته بعد ما ينكره أوّلا لكنه مع ذلك يستشكل فى ظهور الجملة فى المفهوم من جهة انحصار العلة فى المقدم مع أنّك عرفت أنّ تسليم‏

____________

(1) السيد البروجردي (ره).

259

الظهور في العلية التامة ليس إلّا من جهة مقدمات الحكمة و هى كما تقتضى العلّية التامّة للمقدم بمقتضى الاطلاق الولوى للشرط كذلك تقتضى العلية المنحصرة بمقتضى اطلاقه الأوي، و مما ذكرنا ظهر أنّ المعلق إن كان حكما إنشائيا فالمعلق عليه علة غائية له و ظهور ترتّب التّالى على المقدّم يفيد علّية الأول للثانى دون العكس و مقدمات الحكمة تقيد العلية المنحصرة و إن كان أمرا واقعيا كشف عنه الشارع كالعصمة للكر فالمعلق عليه علة فاعلية له بمعنى كونه حاملا لذلك الأثر التكوينى و ظهور الترتّب يفيد علّية الأول للثانى و مقدمات الحكمة تفيد العلية المنحصرة.

[إنكار السيد مفهوم الشرط و رده‏]

ثم إنّ السيد (قده) استدل لانكار المفهوم بوجوه ثلاثة (أحدها) إنّه إذا انتفى السبب أو الشرط فكثيرا ما ينوب منا به سبب أو شرط آخر كما في قوله تعالى‏ وَ اسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ‏: حيث علمنا من الخارج قيام امرأتين مقام ثانى الرجلين لقوله تعالى: فَإِنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَ امْرَأَتانِ‏: بل و قيام البينة أو اليمين أيضا مقامه مع أنّه لو كانت السببية أو الشرطية بنحو الانحصار الموجب لتحقق المفهوم لما جاز ذلك و كما في قولك إذا وجدت النار وجدت الحرارة حيث يقوم مقام النار فى العلّية لكلىّ الحرارة سبب آخر كالشمس، و الظاهر من هذا الاستدلال كونه بحسب مقام الثبوت مع أنّ إمكان عدم انحصار العلية ثبوتا بديهى كيف و تعدد الأنواع و الأصناف فى باب العلل وجداني فلا يرتبط بما نحن بصدده من وجود المفهوم و عدمه في مقام الاثبات، إلّا أن يريد تبعية الاثبات للثبوت و أنّه إذا لم تكن العلة منحصرة ثبوتا يستكشف عدم- الانحصار إثباتا لكنّه ينافى جعله (ثانى) الوجوه أنّه لو كان للجملة الشرطية مفهوم لدلت عليه باحدى الدلالات الثلاث و الملازمة كبطلان التالى واضح، و أجاب عنه الشيخ الأعظم شيخنا الانصارى (قده) بظهور الجملة عرفا في المفهوم، و نقول إنّ دلالة الجملة على المفهوم غير منحصرة فى الدلالات الثلاث ضرورة إمكان استنادها إلى قرينة المقام بأن يستفاد المفهوم من الجملة بمعونة مقدمات الحكمة بلا استناده إلى الوضع الأفرادى أو الجملى أصلا، و يعبّر عن هذا السنخ من الظهور فى لسان الأصوليين بالاطلاق المقامي كما تقدم بيانه مفصلا و يأتى له مزيد بيان إنشاء اللّه تعالى، مضافا إلى ما عرفت فى الأمر الرابع الّذى مهّدناه للبحث عن المفاهيم من أنّ دلالة

260

الجملة على المفهوم من الالتزامية اللفظية (ثالثها) قوله تعالى: وَ لا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً و حيث أنّ تمامية هذا الوجه تبتنى على ظهور الاستعمال في الوضع و قد هدم أساس ذلك المتأخرون بأنّ الاستعمال أعم من الحقيقة فاستعمال الجملة فيما لا مفهوم له فى مورد كالآية الشريفة لا يكشف عن الوضع لخصوص ذلك فأدلته (قده) لانكار المفهوم ضعيفة جدّا و الأولي فى مقام الانكار ما أسلفناه من أنّ عدم الدليل دليل العدم بمعنى مطالبة الدليل من القائل بالمفهوم و قد عرفت منّا ما هو الدليل لذلك.

و ينبغى التنبيه على أمور

الأول أنّه قد دارت فى ألسنة متأخرى القوم مسئلة

سنخ الحكم و شخصه في المقام‏

و منشأ ذلك أنّ الشهيد (قده) فى محكى تمهيد القواعد خصّ نزاع وجود المفهوم للجملة الشرطية و عدمه، بغير باب الوصايا و الأوقاف و- النذور، مدعيا أن انتفاء الحكم فيها بديهى بعد انتفاء موضوعه و لو ببعض قيوده سواء وقع الوقف أو الايصاء أو النذر بنحو التعليق أم بغيره بأن يقول هذا المال وقف لذريّتى أو يقول هذا المال وقف لأولادى إذا كانوا عالمين ضرورة عدم تعقل مالكين بالاستقلال لمملوك واحد فى عرض واحد، فلا يدخل فيما هو محل النّزاع بين القوم فى الجملة التعليقية من دلالتها على الانتفاء عند الانتفاء و عدمها، فاستظهر من كلامه المحقق- الاصفهاني صاحب الحاشية و الشيخ الأعظم شيخنا الانصارى (قدس سرهما) اختصاص ثبوت المفهوم للجملة الشرطية عنده بذلك الباب، فاعترضا عليه بعموم محل النّزاع له و لغيره و إنّ عدم ثبوت المفهوم في غير ذلك إنّما هو لعدم كونه مدلول لفظ الشرط قائلا ثانيهما إنّ شخص الحكم المنشأ بهذا الإنشاء الخاص وقفا أو إيصاء أو نذرا و إن كان بقائه بعد انتفاء موضوعه و لو ببعض قيوده غير معقول، و مقتضاه حصر محل النّزاع بمورد تعليق سنخ الحكم و طبيعيه كما فى غير تلك الأبواب، إلّا أنّ تعليق السنخ فى الجمل الانشائية حيث أنّه غير معقول مطلقا إذ الإنشاء هو الابداع و الايجاد، و الوجود مساوق للتشخص، المساوق للوحدة، فالحكم المعلق فى الجمل الانشائية كأكرم زيدا إن جاءك لا يعقل أن يكون غير الشخص غاية الأمر أنّه يستفاد انتفاء سنخ الحكم من نفس هذه الجملة لدى القائل بالمفهوم ببركة انحصار العلة المستفاد من الخارج كمقدمات‏

261

الحكمة بمعنى أنّ ما ثبت من الخارج من انحصار كلىّ علة وجوب إكرام زيد فى هذا الفرد الخارجي كمجيئه إذا انضمّ إلى مفاد هذه الجملة التعليقية يستفاد المفهوم و هو؟؟؟ سنخ الحكم عند انتفاء المعلق عليه، و هذا النحو من المفهوم يعمّ باب الوصايا و الاوقاف و النذور و غيره، نعم في الجمل الاخبارية نظير يجب إكرام زيد إن جاءك يكون تعليق السنخ معقولا فيستفاد منها انتفاء كلي المخبر به و سنخه عند انتفاء المعلق عليه، و حاصل ما أفاده في التقريرات عدم الفرق بين الجمل الاخبارية و الانشائية فى انتفاء السنخ عند انتفاء المعلق عليه و الفرق بينهما فى عدم تعقل تعليق السنخ فى الثانية و تعلقه فى الأولي، و ردّه صاحب الكفاية (قده) بأن انتفاء شخص الحكم لدى انتفاء موضوعه نظير انتفاء العصمة الكرية بانتفاء الكرّ فى قوله: إذا بلغ الماء قدر كرّ لم ينجسه؟؟؟ لما كان عقليا بديهيا غير محتاج إلى التعليق إذ الحكم عرض لموضوعه فكيف يعقل بقائه بعد انتفائه و لو ببعض قيوده فمحل النزاع فى المفهوم لا بد أن يكون موردا قابلا لتعليق السنخ كمطلق العصمة فى المثال أو طبيعي الوجوب في إن جاءك زيد فأكرمه لا شخص الوجوب بما هو و لا طبيعيّه بلحاظ السّريان و الإطلاق بل الطبيعي بما هو القابل لتحققه عند انتفاء الشرط أيضا بعلة أخرى غير تلك العلة، و هذا مراد- الشهيد (قده) فتعميم محل النزاع للوصاية و الأوقاف و النذور كما في التقريرات غريب و كذا ما فيه من عدم تعقل تعليق السنخ فى الجمل الانشائية إذا لانشاء و إن كان خاصا لكن مفاده و هو الحكم كلىّ و الخصوصية إنما نشأت من ناحية الاستعمال بلا دخلها في المستعمل فيه كما تقدم فى معانى الأسماء و الحروف من أنّ الموضوع له فيها كالوضع و المستعمل فيه عامّ و الخصوصية مستندة إلى الاستعمال فأخذ خصوصية الانشاء فى ناحية المنشأ كما يظهر من التقريرات غريب و قد اشترك صاحب الكفاية مع صاحب الحاشية (قدس سرهما) فيما ذكر من التصريح.

بأنّ محل النزاع فى مفهوم الشرط مورد تعليق السنخ معلّلا ذلك بأنّ المستعمل فيه كالوضع و الموضوع له فى الاخباريات و الانشائيات عامّ و الخصوصية ناشئة من الاستعمال، فمقتضى كلام هذين العلمين و التقريرات عدم نزاع للقوم فى بحث مفهوم الشرط فى أنّ التعليق فى الجملة الشرطية هل يكون من تعليق الشخص أو السنخ لكن بعض الأعاظم (ره) قد أطال الكلام في بيان تمحض النزاع بين المثبت لذلك‏

262

المفهوم مع منكره فى أنّ مفاد تلك الجملة هل هو تعليق السنخ أو الشخص و أنّه لا بد للمثبت من إثبات الأوّل و للمنكر من إثبات الثانى، ثم فسر تعليق السنخ بتجريد- الحكم المذكور فى تلك الجملة عن خصوصية الشرط كالمجى‏ء فى قولك إن جاءك زيد فأكرمه فتجريد مفاد أكرم و هو الوجوب عن خصوصية المجى‏ء عبارة عن تعليق سنخ الحكم على الشّرط، و قسّمه إلى أربعة أنحاء (أحدها) تعليق طبيعى الوجوب بنحو السّريان الفعلى لجميع أفراده ليكون تجريد الحكم عن الشّرط بتحليته بالاطلاق.

(ثانيها) تعليقه بنحو الاهمال عن السّريان و عن كونه صرفا لا ينطبق مع غير أوّل الوجود (ثالثها) تعليقه بنحو الصرف الذي يتحقق بأوّل الوجود.

(رابعها) تعليقه بنحو الاطلاق لكل ما يتصور له من الأفراد لا السّريان الفعلي كما فى القسم الاول، أما التعليق بنحو الأوّل فهو غير معقول، ضرورة استلزامه علية هذا الشرط الخاص لجميع أفراد الوجوب و لو لم يكن بحسب الواقع معلولا له، و أمّا بنحو الثاني فهو لا يفيد الانتفاء عند الانتفاء المطلوب فى باب المفهوم ضرورة كون المهملة في قوة الجزئية، فانحصر طريق المثبت للمفهوم فى دعوى تعليق السنخ بأحد النحوين الأخيرين و من المعلوم أنّ التعليق بهذين النحوين خارج عن حوصلة نفس اللفظ فى الجملة الشرطية فلا بد من إثباته بدالّ آخر، هذا ملخص محرر ما أفاده فى المقام.

أقول و يتوجه عليه أوّلا أنّه لا ملازمة بين النزاع فى مفهوم الشرط مع النزاع في كون مفاد الجملة الشرطية تعليق الشخص أو السنخ ضرورة إمكان الالتزام بالمفهوم من القائل بتعليق الشخص كما تقدم عن تقريرات الشيخ الاعظم (قده) بالنسبة إلى الجمل الانشائية حيث التزم بعدم تعقل تعليق السنخ فيها و كون مفادها تعليق الشخص و مع ذلك التزم بثبوت المفهوم لها من ناحية انحصار العلّة، فدعوى تمحّض النزاع فى ثبوت المفهوم فيما ذكره و أطال فيه الكلام مصادرة بل على خلاف الوجدان و ثانيا أنّ تقريب تعليق السنخ ليس ما ذكره من تجريد الحكم عن خصوصية الشرط بعد استعمال الجملة الانشائية في المعنى الخاص، ضرورة تصريح صاحبى الحاشية و الكفاية اللذين هما من عمدة المتأخرين الذين حدثت بينهم مسئلة تعليق السنخ و الشخص بعد ما لم يكن منها أثر فى كلمات قدماء الاصوليين، بأنّ المستعمل فيه في الجمل الانشائية كالاخبارية عام كالوضع و الموضوع له و الخصوصية ناشئة من الاستعمال‏

263

فاقتراح تفسير، لتعليق السنخ من قبل القائلين بالمفهوم لا يقول به واحد منهم ثم الايراد عليهم بخروج ذلك عن حوصلة اللفظ كما صنعه (قده) خلاف الصناعة العلمية.

أمّا تحقيق المقام فى تعليق السنخ و الشخص فموقوف على تمهيد مقدمة

هى بيان حقيقة المنشأ فى الجمل الانشائية و أنّه كلى منطقي لا يمتنع فرض صدقه على كثيرين أو جزئى منطقي يمتنع فرض صدقه على كثيرين أو غيرهما، فنقول المنشأ لا يمكن أن يكون كليا منطقيا ضرورة وجوده في مثل: يا فلان افتح بصرك فى هذا الآن: إذ لا يمكن الالتزام باستعمال هيئة الأمر فيه في مفهوم: الوجوب ثم إنشاء مصداق خاص منه بالنسبة إلى المورد ضرورة اتحاد وعاء الاستعمال مع وعاء الانشاء فى الانشائيات إذ الانشاء هو الابداع و الايجاد فهو فعل النفس و خلقها فى حين استعمال هيئة الأمر بلا تأخر الانشاء عن الاستعمال حتى رتبة، فالتلفظ بصيغة الأمر أو غيرها من آلات إبراز الانشاء متحد زمانا و رتبة مع خلق النفس ذاك الأمر الاعتبارى و إنشائه كالوجوب فلا يمكن تأخر الانشاء عن الاستعمال و لو رتبة فى مثل افتح بصرك فى هذا الآن، بخلاف الجمل الاخبارية فيتعدد وعاء الاستعمال فيها مع وعاء التطبيق كما فى قوله تعالى: وَ جاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعى‏: حيث استعمل لفظ رجل في معناه العام أى ما يقابل المرأة ثم طبّق خارجا مع حبيب النجار و لذا نقول ليت القائلين بنشوء الخصوصية من الاستعمال عبّروا بنشوئها من التطبيق خارجا إذ الاستعمال الذى حقيقته القاء اللفظ و إرادة ما وضع له منه أجنبى عن الخصوصية المأخوذة فى المراد الجدّى بحسب التطبيق الخارجى فالجمل الإنشائية تفترق عن الاخبارية باتحاد وعاء الاستعمال مع الانشاء و خلق- النفس فيمتنع الالتزام باستعمال هيئة افتح فى المثال فى مفهوم الوجوب ثم انشاء مصداق خاص من الوجوب للمورد ببركة الاستعمال بل لا بد أن يكون المستعمل فيه نفس المنشأ، فلو كان ذلك المنشأ كليا منطقيا لزم إمّا الغاء ما عدا فرد من أفراد ذلك الوجوب الكلى لعدم الحاجة إلى أزيد من وجوب شخصى للمورد و هذا كما ترى بل إنشاء الكلى بما هو كلي غير ممكن، و إمّا إنشاء وجوب شخصى آخر للمورد وراء ذلك الوجوب الكلى و هذا خارج عن حوصلة هذا الانشاء محتاج إلى إنشاء آخر مفقود حسب فرض وحدة الانشاء، فلا محيص عن عدم كون المنشأ بذلك الانشاء كليا منطقيا لكنه لا يستلزم كونه جزئيا منطقيا كيف و هو فى مثل أكرم العلماء يصدق علي كثيرين‏

264

حسب تعدد أفراد من يجب إكرامهم أى العلماء.

فتحصل أنّ المنشأ ليس من الكلي المنطقى و لا جزئيه بل هو موجود خارجى اعتبارى موسع تارة و مضيق أخرى باختلاف دائرة وجود المنشأ عليه أعنى موضوع الانشاء سعة و ضيقا، و تمام السّرّ فى ذلك أنّ معروض الكلى المنطقى و جزئيه، المفاهيم، اى الوجودات الذهنية التى هى معقولات ثانوية فقياسه بباب الانشائيات الذى هو باب الايجاد و الابداع و تفاوت الايجاد مع الوجود ليس إلّا بالاعتبار فاسد، و مع الفارق بل المنشأ أبدا شخصى بالاصطلاح الفلسفى إذ الوجود مساوق مع التشخص و الوحدة لكن لتفاوت حدود الموجود الخارجى قلة و كثرة يتفاوت المنشا على ذلك الموجود سعة و ضيقا ففى مثال افتح بصرك، يكون وجودا مضيقا بمقتضى ضيق دائرة وجود المنشأ عليه أى الموضوع و فى مثال أكرم العلماء يكون وجودا موسعا بمقتضى سعة دائرة وجود المنشأ عليه أى العلماء، فان كان المنشأ عليه مركبا ذا أجزاء نظير الصلاة ينبسط الوجوب المنشأ على جميع أجزائه و إن كان عامّا ذا أفراد نظير العلماء ينحل الوجوب المنشأ إلى جميع أفراده بمعنى أن المنشئ يلاحظ بمرآتية عنوان العام كالعلماء فى المثال أو الخمر فى لا تشرب الخمر، جميع الأفراد الموجودة و المتصورة للعام بلا لحاظ خصوصياتها و ينشئ الوجوب على جميعها بسبب ذلك العنوان، و هذا هو معنى القضية الحقيقية التى منها قضايا الأحكام الشرعية فالانحلال عقلىّ لا ما توهم في معنى القضية الحقيقية من انتزاع قضية شرطية من القضية الحملية بأن يقال معنى لا تشرب الخمر كلما وجد شي‏ء و كان خمرا كان شربه حراما حتى ربما يتوهم أن الانحلال شرعيّ كما فصلنا الكلام فى تحقيق معناها في محله، و لاجل الانحلال المزبور المستند إلى الفصول العدمية بين أفراد العام نلتزم بوحدة النهى عن الشرب إذا كان هناك كأس واحد من الخمر مثلا و بتعدده لو فرض صبّ ذلك الخمر في إناءات متعددة حسب تعدد الانائات و هكذا فى سائر ما يجب الاجتناب عنه كالنجس، فما تقدم عن المحققين صاحبى الحاشية و الكفاية (قدس سرهما) من كون الانشاء من خصوصيات الاستعمال الذى لازمه حسب اعتراف جملة من تلامذة الثانى تأخر رتبة الانشاء عن الاستعمال ليس فى محله، بلا استيجاب ما قلناه من اتحاد رتبة الانشاء مع الاستعمال إنكار لزوم تصور

265

المعنى قبل الاستعمال كما ربما يتوهم.

و الحاصل أنّه هناك استعمال بمعنى تصور المعنى ثم استعمال اللفظ فيه و هذا يشترك فيه الاخبار و الانشاء و الأمثلة النحوية غاية الأمر أنّ الداعى للاستعمال تارة هو التمثيل كما فى الأخير و أخرى هو الحكاية عن الخارج و هى أمر قصدى من فعل النفس كما في الاخبار و ثالثة ايجاد ما هو من سنخ ذلك المعنى الذى تصوره أوّلا كما فى الانشاء، فسبق انطباع سنخ المعنى المراد إنشائه في الذاكرة ببركة الصّور الحاصلة من الخارجيات فى الحسّ المشترك و إن كان مما لا بدّ منه إذ بدونه لا يتمكن النفس من إنشاء ذلك المعنى، لكنه مادة لانشاء النفس و خلقها المعنى لدى التلفظ بلفظه لا أنّ- اللفظ يستعمل فيه أوّلا ثم ببركة هذا الاستعمال تخلق النفس معنى من سنخه كما هو لازم القول بكون الانشاء من خصوصيات الاستعمال، فالمنشأ جزئى حقيقى موسّع تارة و مضيّق أخرى و لذا يكون وجودا حقيقيا حدوثا و اعتباريا بقاء ببقاء أهل الاعتبار أى العرف أو نافذ الاعتبار، نعم بعد ما وجد بخلق النفس يقع فى الذاكرة و ربما يقع فى وعاء العقل فينتزع منه الكلى و ليس بين هذه المراتب المختلفة بعضها مع بعض منافاة لان النفس فى وحدتها كل القوى.

و إذ عرفت في طى هذه المقدمة فساد تقريب تعليق السنخ بما فى كلام المحققين (قدس سرهما) من كون الانشاء من خصوصيات الاستعمال فاعلم أنّ تعليق السنخ فى الجمل الشرطية الانشائية بأى معنى أريد منه غير معقول، أمّا بمعنى تعليق الكلى السّريانى كطبيعى الوجوب بلحاظ جميع أفراده فى مثل إن جاءك زيد فأكرمه فلانّه إن كان فى الخارج لكلى الوجوب فرد آخر منوط بشى‏ء آخر غير قيد المجى‏ء و لو بنحو الاعداد كصداقة زيد فتعليق الكلى بلحاظ جميع أفراده على هذا القيد يستلزم تعليق ما هو من قبيل معلول شي‏ء على غير علته، و إن لم يكن فى الخارج له فرد آخر أصلا فالتعليق يستلزم تعليق المعدوم على الموجود و استحالة هذين الأمرين من أوليات العقول فالتعليق ممتنع على التقديرين، و أمّا بمعنى تعليق الطبيعة المهملة فلانّ غمض العين عن الخصوصيات المكتنفة بالشي‏ء كعروض الوجوب على الاكرام و تعلقه بزيد و تقيده بالمجى‏ء فى المثال لا يغيره عما هو عليه واقعا من كونه خاصا و لا يجعله عامّا

266

فما وجد مضيّقا لا يصير بسبب الاهمال موسّعا بل هو هو و لذا قال أهل الميزان إنّ المهملة فى قوة الجزئية، و أمّا بمعنى تعليق الصرف فلانّ الصرف له معنى عند أهل الفلسفة هو حقيقة الشى‏ء و أصله كما يقال إنّه تعالى صرف الوجود يعنى حقيقة الوجود و كله و هذا المعنى غير مراد فى المقام قطعا، و له معنى عند أهل الاصول يعبّر عنه فى الفلسفة بالوجود السّعى و هذا هو المراد فى المقام و هو الذى يتحقق بأوّل الوجود كما يتحقق بثانيه و ثالثه و هكذا لا الذى ليس قابلا للتطبيق مع غير أوّل الوجود كما عبّر به بعض الأعاظم (ره) فتعليق مثله على قيد كالمجي‏ء فى المثال لا ينافى سببية شى‏ء آخر كالصداقة أيضا ضرورة تحقق الوجود السّعى فى ضمنه إذ الصرف بهذا المعنى يتحقق بغير أوّل الوجود أيضا لان الوجود الأول محتو على الصرف لا عينه حتى لا يتحقق بغيره أصلا، فالأوّلية و الثانوية و غيرهما ليست من قيود الصرف بل تقييده بها يخرجه عن كونه صرفا هذا خلف، فتعليق الصرف بما هو صرف على قيد كمتلوّ أداة الشرط غير معقول، و أمّا بمعنى المراتب المفروضة للطبيعة فلانّ الظاهر من التعليق هو الفعلية و فرض المراتب للطبيعة هو الشأنية فكيف يعقل تعليقها في الجملة فى الجملة الشرطية (فتلخص) أنّ تعليق السنخ مما لا محصل له.

فشخص العلة بشخصها لا يكون علة الا لشخص المعلول بشخصه و شخص المعلول بشخصه لا يكون معلولا إلّا لشخص العلة بشخصها قضاء للزوم السنخية بين العلة و المعلول و لذا قالوا إنّ الواحد لا يصدر عنه إلّا الواحد كما أنّ الواحد لا يصدر إلّا عن الواحد، و إن كان الشخص فى الطرفين هو السّعى كسعى العصمة المعلق على سعىّ الكرية في إذا بلغ الماء قدر كرّ لم ينجسه شى‏ء: فتعليق الواحد الشخصى لا بدّ أن يكون على الواحد الشخصى و تعليق الواحد النوعي لا بد أن يكون على الواحد النوعى، و لا يخفي أنّ المراد بالعلة التى نعبّر عنها فى أمثال المقام ما يناسب الأحكام- الشرعية أى ما له الدخل فى تلك الأحكام الذى نعبّر عنه بالملاك بناء على مذهب العدلية من عدم كونها جزافية بل ناشئة عن المصالح و المفاسد الواقعية فلا يستشكل علينا بأنّ باب التقييدات في الأحكام الشرعية غير مربوط بباب العلل و المعاليل فى الأمور التكوينية، و لقد أشرنا إلى دفع هذا الاشكال في طىّ كلماتنا السالفة حيث قلنا إنّ المراد بالعلة فى الاحكام الشرعية هى العلة الغائية الداعية إلى جعل تلك الاحكام‏

267

بلا لزوم ترتبها على معللها خارجا في الاعتباريات، فأخذ المفهوم عن الجملة الشرطية ليس مستندا إلى وضع الشرط للانتفاء عند الانتفاء كما قيل لعدم ثبوت الوضع، و لا إلى تعليق السنخ فى تلك الجملة كما قيل لعدم كونه معقولا فى الانشائيات و توقفه على قرينة على إرادة حصر الكلي فى الفرد فى الاخباريات، و لا إلى إطلاق الجزاء كما قيل لتوقف إطلاقه على تعليق السنخ الذى عرفت عدم تعقله، بل هو مستند إلى الاطلاق المقامى للشرط أى انحصار بيان الشرط فى الواحد في مقام بيان ما له الدخل فى الحكم المذكور فى تلك القضيّة ممن يكون من وظيفته بيان تمام ما له الدخل فى ذلك الحكم و هو الشارع فى قضايا الأحكام الشّرعية و الموالي الصّورية فى قضايا الأحكام العرفية إذ قد عرفت سابقا أنّ الظاهر من تلك الجملة بحسب بناء أهل المحاورة فى مقام تفهيم مقاصدهم كون المتكلم بها بصدد بيان ما هو العلة التّامّة أى الملاك الكامل لذلك الحكم، و من المعلوم لدى أهل المحاورة أنّه لو كان مقام لبيان علة أخرى، لذلك الحكم علي تقدير وجودها واقعا فليس هو إلّا هذا المقام و المفروض انحصار البيان فيه ببيان شرط واحد، فيكشف ذلك لدى أهل المحاورة عن كون هذا الشرط علة منحصرة أى تمام الملاك لذلك الحكم، و هذا البيان بعينه يجرى فى الجملة الوصفية و اللقبية و الغائية و نحوها من القضايا المفهومية كما سنشير إليه فى محالها، و قد أشرنا سابقا إلى أنّ هذا الاطلاق المعبّر عنه فى لسان الأصوليين فى باب المطلق و المقيد بالاطلاق المقامي و في لسان المحقق الاصفهانى أعني السيد الفشاركى (قدس سره) و بعض أساطين تلامذته بالاطلاق الأوى يحتسب من اللفظى، بمعني أنّ قرينة المقام و مقدمات الحكمة توجب كشف هذا اللفظ عن هذا المعنى كما أنّ القرائن الداخلية أو الخارجية مقالية أو مقامية توجب كشف الألفاظ عن المعانى المجازية، فهذا النّحو من الدلالة اللفظية ليس ببديع فى المحاورة.

الثّانى أنّه إذا تعدد الشرط كما فى قوله ع: إذا خفى الأذان فقصّر و إذا خفى الجدران فقصر: أو قولك: إذا جاءك زيد فأكرمه و إذا أرسل إليك هدية فأكرمه فلا ريب عدم بقاء الجملة الشرطية علي حالها

على القول بظهورها فى المفهوم، بل لا بدّ من التصرف فى شي‏ء منها، فهل يقيّد إطلاق مفهوم كل واحدة من الجملتين الّذي‏

268

يقتضى كون الشرط فيها علة منحصرة للحكم بمنطوق الأخرى الذي يقتضى كون الشرط فيها أيضا علة مستقلة له كي ينتج قيام كل واحد من الشرطين مقام الآخر فى- السببية للحكم و انتفائه عند انتفائهما بمعني نفى دلك الحكم عند وجود شرط ثالث أو يلغى كلتا الجملتين عن المفهوم كى ينتج سببيّة كل واحد من الشرطين للحكم بالاستقلال بلا نفيه عند وجود الثالث، أو يقيّد اطلاق الشرط فى كل منهما الذى يقتضى السببية المستقلة بالآخر كى ينتج كون كل واحد منهما جزء السبب و يشترك مع الأوّل فى نفي الحكم عند الثالث، أو يقيّد إطلاق الشرط الذى يقتضى كونه بعنوانه سببا فى كل منهما بالآخر كى ينتج كون جامعهما سببا و يشترك مع الأوّل و الثالث فى نفى الحكم لدى الثالث، و هناك احتمال خامس أستظهر من الحلى (قده) هو إلغاء إحدى الجملتين بالخصوص عن المفهوم لكنه خلاف صناعة المحاورة فلا نعدّه فى محتملات المسألة، و كيفما كان فعلي ما حققناه من عدم تعقل تعليق السنخ و استناد المفهوم إلى الاطلاق المقامى للجملة لا إلى حاقّها، لا ريب فى تعيّن الوجه الأوّل، إذ الاطلاق المزبور فى كل منهما موقوف على عدم وصول البيان فمع وصوله كما هو المفروض فى المقام بمقتضى الشرطية الأخرى لا بد من رفع اليد عن ذلك الاطلاق، لكن بمقدار بيانية تلك الشرطية و هو ليس إلّا عدم انحصار العلية بهذا الشرط و اشتراك الشرط فيها معه فى العلّية لا عدم المفهوم لشى‏ء من الجملتين رأسا، فاطلاق مفهوم كل منهما المقتضى للانحصار يقيّد بمنطوق الأخرى فيكون الحصر إضافيا، و من المعلوم أنّ هذا التصرف على هذا المبنى أهون لدى العرف من التّصرف فى ظهور الجملة فى المفهوم بالغائها عنه أو فى ظهور الشرط فى السببية المستقلة بالحمل على جزء السبب أو فى ظهوره في كونه سببا بعنوانه بالارجاع إلى كونه سببا بجامعه، مضافا إلى أنّه لا داعى إلى الأخير بعد اتحاده مع الأوّل فى الأثر فضلا عن كونه بعيدا عن أذهان العرف العام الملغى إليهم هذه الخطابات كما اعترف به صاحب الكفاية (قده) أيضا، أمّا بناء على تعليق السنخ الذي عليه ثلة من المتأخرين و عمدتهم صاحبا الحاشية و الكفاية (قدس سرهما) فلا محيض عن إلغاء كلتا الجملتين عن المفهوم كما صنعه صاحب الكفاية (قده) إذ مع وجود أحد الشرطين لا يمكن تعليق السنخ علي الشرط الآخر

269

فلا بد من الالتزام بعدم تعليق السنخ فى كلتا الشرطيتين، و بانتفاء تعليق السنخ يكون النّزاع في المفهوم سالبة بانتفاء الموضوع حسب اعتراف هذين المحققين (قدس سرهما) كما تقدم من صريحهما، فالايراد على مقالة صاحب الكفاية (قده) أعنى ترجيح هذا الوجه علي مبناه من تعليق السنخ فى غير محله.

الثالث إذا تعدد الشرط و اتحد الجزاء بمعنى اتحاد متعلق الحكم المذكور فى الجزاء من حيث الطبيعة فهل يقتضى كل واحد من الشروط جزاء مستقلا

فيتعدد الجزاء حسب تعدد الشروط أم لا يقتضى المجموع إلّا جزاء واحدا بأن تؤثر بجامعها في جزاء واحد و قد سمّى هذا البحث عندهم بتداخل الأسباب و عدمه، و يتذيّل ببحث آخر هو أنّه بعد فرض تعدد الجزاء حسب تعدد الشروط فهل يكفى فرد واحد من الجزاء عن الجميع أم لا و قد سمّى هذا البحث عندهم بتداخل المسببات و عدمه، مثال الأوّل قوله إذا بلت فتوضأ، و إذا نمت فتوضأ، سواء كان تعدد الشرط طوليّا كما فى تكرر مرات البول أو تعاقب البول بالنوم أم عرضيا كما فى اجتماع البول مع النوم فهل يجب وضوء واحد للجميع أم يجب وضوء لكل فرد من نوع كالبول أم نوعين كالبول و النوم و إن كان هذا المثال يغاير ما نحن فيه من جهة معلومية تأثير البول و النوم و سائر موجبات الوضوء فى كليّ الحدث الذي هو قابل للشدة و الضعف و يرفعه وضوء واحد، فمثاله قوله إن ظاهرت فأعتق رقبة و إن أفطرت فأعتق رقبة، أو إن أجنبت فاغتسل و إن مسست ميتا فاغتسل، و مثال الثاني قوله إذا أجنبت فاغتسل و إذا أدركت الجمعة فاغتسل، و إذا أدركت عرفة فاغتسل فهل يكفى غسل واحد للجميع عند الاجتماع كما ربما يدل عليه قوله (ع) فى أخبار الغسل: إذا اجتمعت عليك حقوق أجزأك عنها غسل واحد: و قوله (ع): حرمتان اجتمعتا فى حرمة واحدة: أم لا بد لكل واحد من تلك الأسباب من غسل كما ذكرنا تفصيله فى مبحث الأغسال من كتاب- الطهارة، فهناك مقامان أحدهما فى تداخل الأسباب و عدمه و الآخر فى تداخل المسبّبات و عدمه‏

أمّا المقام الاول فالمشهور فيه عدم التداخل‏

بل قيل إنّه مقتضي الأصل و المراد به إمّا الأصل اللفظي على مذاق من جعل المسألة لفظية، أو القاعدة العقلية علي مذاق من جعلها عقلية، و تمسك فيها بالقاعدة العقلية أو الأصل العملى على مذاق من لم يتمّ عنده شى‏ء

270

من دليلى اللفظى و العقلى فتفسير الأصل بخصوص أحدها خلاف نظر الباحثين فى المسألة،

و ذهب جماعة من المحققين المدققين كالمحقق الخوانساري قده و غيره إلى التداخل‏

و أنّه مقتضى الأصل المزبور، و لنمهد لتحقيق المقام مقدمتين إحداهما، كبروية، هي أنّه إذا كان بعض ظهورات الجملة أقوى من بعضها أفراديا كان أم سياقيا فبناء أهل المحاورة من غير ترديد على تقديم الظهور الأقوى على سائر الظهورات و تحكيمه عليها حكومة تفسيرية أو تعميمية أو تخصيصية من غير فرق في ذلك بين الظهورات العرضية كالواردة فى زمان واحد أو الطولية كالواردة تدريجا فى أزمنة مختلفة، و إن شئت عبّرت عن هذه الحكومة بما عبّر به خريت الصناعة صاحب الكفاية (قده) و هو الجمع العرفى إذ العرف بعد لحاظ مجموع ظهورات الجملة يرى تقديم الظهور الأقوى على سائر ظهوراتها، هو الظهور المتحصل من تلك الجملة، و هذه المقدمة من الأمور التى تكون قياساتها معها بلا حاجة إلى تجشم برهان عليها.

ثانيتهما، صغروية، هى أنّ الجملة الشرطية لها ظهورات ستة (أحدها) ظهور ما يتلو أداة الشرط كالبول في إذا بلت فتوضأ في الطبيعة المعرّاة عن كل قيد حتى قيد الاطلاق فهو فى وعاء الصدق قابل بحسب الارتكاز المحاورى للانحلال إلى كل فرد فرد من أفراد تلك الطبيعة من غير فرق بين أوّل الوجود و ثانيه و ثالثه و هكذا و لا بين ما وجد قبل تحقق سبب آخر للجزاء كالبول قبل النوم أو بعد تحققه كالبول بعد النوم ضرورة صدق الطبيعة على الجميع بالسويّة (ثانيها) ظهور متعلق الجزاء كالوضوء فى المثال مع قطع النظر عن تعلق البعث به فى الطبيعة المعرّاة عن كل قيد فهو قابل فى وعاء التطبيق للانطباق علي كل فرد فرد من أفراد تلك الطبيعة على نحو ما عرفت فى إطلاق الشرط فى وعاء الصدق، أمّا التعبير عن الطبيعى بالصّرف الذي لا يتكرر كما عن بعض أجلة العصر فليس فى محله لان صرف الشى‏ء بهذا الوصف اصطلاح فلسفى عبارة عن حقيقته التى اجتمع فيها جميع مراتب وجدان تلك الحقيقة و ليس فيها فقدان شى‏ء من تلك المراتب، فصرف البياض ما يكون فيه جميع مراتب البياض و ليس فيه فقدان شي‏ء من مراتبه و لذا يكون صرف الوجود مختصّا بوجوده تعالى و هذا المعنى غير مراد في المقام جزما، كما أنّ التعبير بالصرف بمعنى ما ينطبق مع أوّل الوجود فقط

271

كما عن بعض الأساطين فى غير محله إذ الوجود كما عرفت غير دخيل فى متعلق الجزاء كيف و لو كان المبعوث إليه وجود الطبيعة لزم تحصيل الحاصل و لذا يكون رتبة وجود الطبيعة خارجا رتبة سقوط الأمر عن التأثير، نعم اقتضاء تعلق البعث بالطبيعة المعرّاة هو الوجود، بمعنى أنّ البعث نحوها إنّما هو بداعى ايجاد الطبيعة، و لا يخفى أنّ متعلق البعث ليس الطبيعة بقيد وجودها فى الذهن لانها بهذا القيد عير قابلة للتحقق فى وعاء الخارج لتباين أفقى الذهن و الخارج بل الطبيعة غير مقيدة بشى‏ء من وجوديها الذهنى و الخارجى يتعلق بها البعث بداعى ايجادها في الخارج و لذا عبّرنا عنها بالطبيعة المعرّاة عن كل قيد (ثالثها) ظهور إطلاق الشرط فى السببية المستقلة دون الجزئية و هذا خارج عن حاقّ اللفظ مستند إلى عدم ذكر شى‏ء آخر معه بأو أو الواو كأن يقول إذا بلت و نمت فتوضأ (رابعها) ظهور هيئة الجزاء أى البعث نحو طبيعى متعلقه فى التأسيس دون التأكيد (خامسها) ظهورها فى حدوث متعلق الجزاء عند حدوث الشرط لا ثبوته خارجا و لو من قبل شرط سابق.

(سادسها) ظهور الشرط كالبول فى المثال في كونه بعنوانه الخاص سببا لحدوث الجزاء لا بعنوانه الجامع بينه و بين غيره كالنّوم و إن كان هذا الظهور ينكسر لدى اجتماع الشروط و عدم قابلية الجزاء للتكرر كالقتل في قوله إذا زني فاقتله و إذا لاط فاقتله، فلدى تدافع الشرطين في الوجود يكون الجامع هو المؤثّر في الجزاء إذ لو كان الشرطان بما هما مباينان مؤثّرين لزم تأثير كل شى‏ء فيه و عدم اختصاص الزنا و اللواط و نحوهما بالشرطية للقتل و لا البول و النوم بالشرطية للوضوء، فلا بدّ من وجود- السنخية بين الشرط و للجزاء و كون الخصوصية المؤثّرة فى الجزاء فى كل مسانخة لها فى الآخر كيلا يلزم جزافية جعلهما دون غيرهما كالأكل و الشرب شرطا علي مذهب العدلية من عدم جزافية الأحكام الشرعية، و لدى تعاقب الشرطين يكون مقتضى لزوم السنخية بين الشرط و الجزاء و عدم جزافية شرطية شى‏ء لشى‏ء اختصاص التأثير فى الجزاء الذى فرضنا عدم قابليته للتكرر بالشرط السابق و كون تأثير الشرط الذى يتعاقبه شأنيا يؤثّر فى الجزاء لو لم يكن الشرط الأوّل، فلو كان الجزاء يقبل التأكّد كالوجوب لو قلنا بتأكّده فتعاقب شرط ثان للأوّل يوجب تأكّده و لو لم يقبل التأكّد كالقتل فتأثير

272

غير الشرط الأوّل شأني محض، فلدى الدوران بين أحد هذه الظهورات الستة للجملة الشرطية لا بد فى تحكيم بعضها على بعض من مرجّح.

[الاستدلال لمذهب المشهور القائلين بعدم تداخل الأسباب‏]

و بعد ما عرفت ذلك فتقول يمكن الاستدلال لمذهب المشهور القائلين بعدم تداخل الأسباب بتقريبات ثلاثة

[التقريب‏] الأوّل‏

من طريق الظهور اللفظى بدعوى أنّه لا ريب فى أنّ الشرط فى مثل إذا بلت فتوضأ ينحل إلى أفراد متعددة حسب تعدد الأفراد المتصورة له خارجا و تعدد الشرط يوجب تعدد الحكم فعقد الحمل من تلك الجملة ينحل بنفسه إلى قضية حملية مفادها كون كل واحد من تلك الأفراد سببا مستقلا للحكم، و لذا نقول برجوع كل قضية شرطية إلى قضية حملية كما ترجع القضية الحملية أيضا إلى الشرطية فمفاد قوله (ع) لا تشرب الخمر من جهة انحلال الخمر خارجا إلى أفراد متعددة أنّه كلما وجد شى‏ء فى الخارج و كان خمرا كان حراما، فمقتضى إطلاق متعلق الجزاء و إن كان تحرّكا واحدا نحو طبيعىّ الوضوء مثلا إلّا أنّ مقتضى انحلال الشرط إلى أفراد متعددة، تحريكات متعددة بحسبها و مقتضاها تحرّكات متعددة نحو طبيعى الجزاء، فظهور الشرط فى تعدد التحريكات أقوى من ظهور الجزاء فى وحدة التحرّك لاستناد الأوّل إلى اللفظ و الثاني إلى الاطلاق فيكون حاكما عليه طبعا و مقتضاه عدم تداخل الأسباب بل اقتضاء كل شرط جزاء مستقلا بمعنى إرادة الفرد من الطبيعي بحسب أوّل الوجود و ثانيه و ثالثه، و هذا التقريب يظهر من بعض الأساطين و لعل كلام صاحب الكفاية (قدس سرهما) فى تقريب عدم التداخل أيضا يرجع إليه حيث جعل تعدد الشروط قابلا للبيانية على خلاف إطلاق طبيعى الجزاء الذى إطلاقه مستند إلى مقدمات للحكمة و عدم البيان، و إن أمكن إرجاع كل منهما إلى التقريب الآتى كما يمكن إرجاعه إلى هذا التقريب.

[التقريب‏] الثانى‏

من طريق قضاء العرف بدعوى أنّ تعدد الأسباب يقتضى تعدّد المسببات كما أنّ إطلاق طبيعى الجزاء يقتضى وحدة المسبب، و كما أن تعدد الاسباب فى ناحية الشرط يصلح للبيانية لاطلاق طبيعى المتعلق فى ناحية الجزاء بالحمل على الفرد كذلك إطلاق طبيعى المتعلق يقتضى رجوع الأسباب المتعددة إلى واحد بأن يكون السبب هو الجامع بينها، فلا ترجيح لأحد الظهورين على الآخر إلا أنّ العرف قياسا بالأسباب العادية التى كل منها يقتضى مسببا مستقلا يحكم بتقديم الظهور الأوّل على الثانى، و هذا التقريب هو المتحصل من مجموع؟؟؟ الشيخ الأعظم (قدس سره)

273

صدرا و ذيلا (و إن أمكن إرجاعه) إلى الوجه الاوّل بقرينة بعض تعبيرات صاحب التقريرات (قده) كتعبيره بالظهور العرفى الذي لا بد أن يراد به الظهور اللفظى إذ الكاشفية تختص بمثل اللفظ و لا يتصف بها العرف، كما يمكن إرجاع كلامه إلى الدليل العقلى الآتى بمقتضى التعبير باقتضاء تعدد الأسباب تعدد المسببات و نحوه من التعبيرات بل ما تقدم عن صاحب الكفاية (قده) من جعل تعدد الشروط صالحا للبيانية على خلاف إطلاق الجزاء و ما تقدم عن بعض الأساطين (ره) فى تقريب أقوائية ظهور الشرط عن الجزاء كلاهما مأخوذان من خلال كلمات التقريرات (لكن بعد الجمع) بين الصدر حيث جعل إحدى مقدمات للمطلب كون محل النزاع أعم من أن يكون دليل تعدد الشرط لفظيا أو عقليا كالاجماع و هذا لا يناسب مع الظهور اللفظي و بين الذيل حيث قال بعد الاعتراف بأن اللفظ الواقع فى الجزاء إنما هو موضوع لنفس الماهية الخارجة عنها الوحدة و غيرها من أوصاف الماهية، لا ينبغى الارتياب فى تعدد الأثر و التكليف إذ الوحدة لا وجه لها حينئذ إلّا الأصل و هو لا يقاوم الدليل و هو ظهور دليل السببية فى الفعلية و لازمها التعدد فى المحل القابل و المفروض قابلية المحل أيضا لعدم مدخلية الوحدة النّوعية فى الموضوع له: و بين ما ذكره من الاشكال و الجواب مما حاصله إن قلت أىّ ترجيح لظهور الشرط علي الجزاء فلم لا يجعل إطلاق الطبيعى فى ناحية الجزاء قرينة علي إرجاع الأسباب المتعددة إلى الواحد بأن يكون جامعها هو السبب قلت العرف بعد ملاحظة الأسباب العادية يحكم في الأسباب الشرعية أيضا قياسا بتلك الأسباب باقتضاء كل سبب مسببا مستقلا و حمل الطبيعى على إرادة الفرد يتحصل ما ذكرناه من التقريب، و إلى هذا التقريب أيضا يرجع ما ذكره بعض الأعاظم (ره) فى تقريب عدم التداخل من المؤثرية المستقلة للشرط فى نظر العرف، و كذا ما ذكره بعض المحققين (قده) فى تعليقته على الكفاية فى تقريب ذلك من أنّ العرف يرى مقام الاثبات مقترنا بمقام الثبوت، بمعنى كونه مرآة له فيرى تعدد الأسباب إثباتا و فى لسان الدليل كاشفا عن تعدد المسببات ثبوتا و فى متن الواقع قياسا بالأسباب العادية فلذا يقدم ظهور الشرط في التعدد على ظهور الجزاء فى الوحدة و لا يلتفت إلى اطلاق متعلق الجزاء المقتضى للعكس و إن أمكن ارجاع كلام كل واحد من هذين العلمين إلى التقريب الأوّل ايضا.

274

[التقريب‏] الثالث‏

من طريق البرهان العقلى على ما يظهر من العلامة (قده) فى محكى المختلف. بدعوى أنّ السببين لا يخلو إمّا أن يؤثّرا معا في مسبب واحد أولا يؤثّر شى‏ء منهما أصلا أو يؤثّر أحدهما أو يؤثّر كل واحد منهما في مسبب مستقل، و الحصر كبطلان غير الأخيرة من الصّور واضح إذ تأثيرهما معا خلاف اقتضاء السببيّة فى كل منهما الاستقلال بالتأثير، و عدم تأثير شى‏ء منهما خلاف أصل السببيّة و تأثير أحدهما ترجيح بلا مرجح، فلم يبق إلّا الصورة الأخيرة و هى اقتضاء تعدد الأسباب تعدد المسببات و هو المطلوب.

فان الظاهر من هذا التقريب كونه (قده) بصدد بيان الحصر العقلي فى المصور الأربعة و تتميم المدعى باستحالة الترجيح بلا مرجح، و اقتضاء تعدد الأسباب عقلا تعدّد المسببات كما في الأسباب العادية، و إن أمكن إرجاعه إلى أحد التقريبين الأولين بجعل الاستقلال فى السببيّة الذى يوجب تعدّد المسبب مستندا إمّا إلى ظهور الشرط في لسان الدليل أو إلى قضاء العرف بعد لحاظ الجملة الشرطية، و جعل عدم الترجيح لخصوص أحد السببين فى التأثير مستندا إلى عدم قرينة له فى تلك الجملة و لذا ادّعى كل واحد ممن استظهرنا من كلامه واحدا من التقريبين رجوع كلام العلامة (قده) إلى ما اختاره في تقريب عدم التداخل، و كيف كان فيمكن استخراج هذه التقريبات الثلاث من مجموع كلمات الباحثين فى المسألة بل من خصوص تقريرات الشيخ الأعظم (قده) حيث اضطربت في المقام كلمات المقرر و إن كان المتحصل من مجموعها صدرا و ذيلا بالقرائن التى مرت الاشارة إليها أنّ مراد الشيخ الأعظم (قدس سره) هو التقريب الثاني، و أيّا ما كان فقد ظهر مما ذكرنا أنّ عمدة نظر أرباب التقريب الأوّل إلى أقوائية ظهور الشرط فى عدم التّداخل لاجل الانحلال الطبعى من ظهور الجزاء فى التداخل لاجل إطلاق المتعلق و عمدة نظر أرباب التقريب الثاني إلى أنّ قضاء العرف بعد لحاظ الأسباب العادية يكون بمنزلة قرينة محفوفة بالكلام كاشفة عن عدم التداخل، و عمدة نظر أرباب التقريب الثالث إلى برهان اقتضاء تعدد الأسباب تعدد المسببات عقلا كما في الأسباب و المسببات الخارجية (فما قيل) من أنّ عمدة الاشكال فى المقام إنما هو فى كيفية تقديم أحد الظهورين على الآخر و ذلك لم يبين فى كلام القوم مع أنّ مجرد ربط جملة الجزاء بجملة الشرط لا يوجب تحكيم ظهور إحداهما على ظهور

275

الأخرى ما لم يثبت نظر أحدهما إلى الآخر كما هو الشأن فى كل حاكم بالنسبة إلى المحكوم و أنّي لنا باثبات ذلك في المقام، كما يظهر هذا المقال من تقريرات بعض زعماء العصر أقام اللّه برهانه (ليس على ما ينبغى) ضرورة وضوح كيفية التقديم بحسب كل تقريب كما عرفت فكيف يمكن إسناد عدم بيان كيفيته إليهم و إن كان أصل المدعى و هو عدم صلاحية شى‏ء مما ذكروه لترجيح أحد الظهورين صحيحا كما ستبينه مفصلا إلّا أن يكون مراده من كيفية تقديم أحد الظهورين ما هو الموجب للتقديم الصّالح للقبول لدى أهل المحاورة و يكون بيان مقرره، قاصرا عن إفادته فحينئذ يكون فى غاية المتانة بلا ورود إشكال عليه.

[ابطال التقريبات الثلاثة]

و بعد ما فرقنا كل واحد من التقريبات الثلاث عن غيره كى لا يتمسك بأحدها عند الجواب عن غيره فلنصرف عنان الكلام إلى بيان ما عندنا فى تزييف كل واحد منها فنقول و عليه التكلان (أمّا التقريب) الأوّل ففيه أنّ ظهور الشرط أيضا كظهور الجزاء مستند إلى الاطلاق لما عرفت في المقدمة الثانية من أنّ كل واحد من متلو أداة الشرط كالبول و متعلق الجزاء كالوضوء فى مثل إذا بلت فتوضأ ظاهر في نفسه فى الطبيعى المعرّى عن كل قيد، و لاجل هذه التعرية ينحلّ الأوّل في وعاء الصدق و الثانى فى وعاء التطبيق إلى أفراد متعددة و لذا يكون الانحلال عقليا لا شرعيا إذ الخصوصية التى عقدت عليها القضية حملية أو شرطية هى المدار فى استظهار مراد المتكلم و إمكان انتزاع الحملية من الشرطية و كذا العكس، ليس منوطا بظهورات الجملة، و من المعلوم أنّه ليس شي‏ء من ظهورين إطلاقيين أقوى من الآخر فلا أقوائية لظهور الشّرط فى عدم التداخل من ظهور الجزاء فى التداخل أصلا بل هما متعارضان و لا بد فى ترجيح أحدهما من التماس مرجّح، خارجي (و أمّا التقريب) الثانى ففيه أنّ قضاء العرف بتعدد المسبّبات حسب تعدد الأسباب قياسا بالأسباب العادية إنما هو في صورة قصر لحاظه بجملة الشرط أمّا مع لحاظ مجموع الجملة الشرطية بشرطها و جزائها كما هو دأب أهل المحاورة فى عالم استكشاف مراد المتكلم من كلامه فلا يقضى بذلك أبدا، و منه علم ما فى التقريب المتقدم عن بعض الأعاظم (ره) من اقتضاء المؤثرية المستقلة عدم التداخل،

276

و كذا التقريب المتقدم عن بعض المحققين (قده) من حكم العرف باقتران مقام الاثبات بمقام الثبوت و تعدد المسببات حسب تعدد الأسباب قياسا بالأسباب العادية بلا التفات منه إلى إطلاق متعلق الجزاء، لما عرفت من أنّ العرف بمقتضى بنائه فى عالم فهم المقاصد يلتفت إلى اطلاق الجزاء أيضا و معه لا يحكم بعدم التداخل أصلا (و أمّا التقريب) الثالث ففيه أنّ حكم العقل في الأسباب الخارجية يختلف باختلاف الموارد ففيما لم يكن المسبب قابلا للتكرر كالقتل يحكم بتأثير الجامع بين الأسباب المتعددة عند تدافعها فى الوجود و بتأثير خصوص الأوّل منها عند تعاقبها فى الوجود قضاء لحقّ السنخية بين العلة و المعلول التي تقتضي عدم تأثير الواحد بما هو واحد فى أزيد من الواحد و عدم نش‏ء الواحد بما هو واحد عن أزيد من الواحد كما أشرنا إليه فى المقدمة الثانية (نعم) لو كان قابلا للتأكد يحكم بتأثير غير الأوّل من تلك الأسباب عند تعاقبها فى الوجود فى تأكّد المسبب، فيكون كذلك حكمه فى الأسباب الشرعية، و إذا لم يكن للعقل حكم كلىّ فى كلية موارد الأسباب و المسببات فلا يصلح حكمه للقرينية على عدم التداخل فى مفاد الجملة الشرطية (فتحصل) أنّ تقييد إطلاق متعلق الجزاء بالأفراد عند تعدد الشروط بالحمل على اقتضاء أوّلها أوّل الوجود من طبيعى المتعلق و ثانيها ثانى الوجود منه و هكذا يكون بلا مقيد فليس فى الجملة الشرطية ما يوجب صيرورتها صغرى للكبرى المحاورية التى ذكرناها فى المقدمة الأولي بل يبقى تعارض ظهورى الشرط و الجزاء في التداخل و عدمه بحاله، و لا بدّ من الرجوع إلى الأصول العملية في كل مورد حسب ما نقتضيه فى ذلك المورد.

و قد انقدح من مطاوي ما ذكرناه أنّ ما قيل في تقريب التداخل من أنّ الأسباب الشرعية معرفات لا مؤثّرات لا يجدى لاثبات المدعي في شى‏ء (و تفصيل) ذلك أنّ جملة من الأساطين كالأخوين المحققين صاحبى الحاشية و الفصول و الفاضل النراقى (قدس الله اسرارهم) ناقشوا فى كون الأسباب الشرعية مؤثرات كالخارجية بل جعلوها معرفات بما حاصله بتحرير منا أنّ العلل محصورة فى أربع، مادية، كالخشبة للسّرير و صورية، كهيئة السرير و يعبّر عن هاتين بلحاظ الافتراق بالمادة و الصورة و بلحاظ- الاجتماع بالجنس و الفصل و غائية، هو الغرض من الشى‏ء المترتب على وجوده خارجا كالنوم و الاستراحة على السرير و فاعلية، هو الذى يرشح منه الشى‏ء كصانع السّرير،

277

و ليست الأسباب الشرعية من قبيل شى‏ء من هذه الأربعة فهى لا محالة معرفات و من- المعلوم إمكان تعدد المعرّفات مع وحدة المعرّف بالفتح بالحمل الشائع أعنى خارجا ضرورة أنّ وجود علامات عديدة لذى علامة واحد واقع فى الخارج كثيرا، نعم في عالم الذهن يتعدد المعرّف بتعدد المعرّف علي ما هو الحق من تغاير المدرك الثانى مع المدرك الأوّل من الشي‏ء الواحد كما نبّه عليه المحقق النوري أيضا فى رسالته الحملية الرابطية فى مقام الجواب عن المحقق الداماد (قدس سرهما) القائل بوحدة المدركين فان الوجدان أقوى شاهد علي تعددهما حسب تكرّر عمل الحواسّ الباطنة في الأخذ عن الحواسّ الظاهرة فسماع جملة زيد قائم مثلا ثانيا يوجب قهرا انطباع صورة منها فى الحسّ المشترك فتتعدد الصور المنطبعة من تلك الجملة فى الحسّ المشترك حسب تعدد سماعها بلا تزاحم و تضايق بين تلك الصّور فى عالم النفس لسعتها و لذا تكون فى وحدتها كل القوى و تفصيله موكول إلى محله (و أجاب) عن مقالتهم جمع من المتأخرين كالشيخ فى التقريرات و صاحب الكفاية (قدس سرهما) و غيرهما مبنى و بناء بما حاصله بتحرير منا أنا نمنع أوّلا حصر العلل فى الأربع اذ المؤثرات فى تحقق الشى‏ء خارجا لا تنحصر فيما ذكر فانّ الفعل ربما يكون ذا الآلة كصنع السرير فى المثال حيث يحتاج إلى آلة لقطع الخشبة و ترتيبها كالمنشار و ربما يحتاج إلى غير الآلة أيضا كعدم رطوبة الخشبة كي تقبل القطع و نحو ذلك من الشرائط و الموانع، و شى‏ء من ذلك غير داخل فى العلل الأربع المزبورة فلم لا يجوز أن تكون الأسباب الشرعية من قبيل الشرائط التى هى متممات العلّة و لها تأثير واقعى فى تحقق المعلول، و نمنع ثانيا لو سلّمنا كون الأسباب الشرعية معرّفات، وحدة المعرّف بالفتح فى صورة تعدد المعرّف.

أقول، أمّا الإشكال المبنائى فالأولى تقريره بأنّ البعث أو الزّجر إنّما هو فعل تكوينى للمشرّع و الغاية لهذا الفعل هى الداعوية للمكلف و تحريكه فى وعاء التشريع نحو فعل المبعوث إليه و ترك المزجور عنه على مذاق المشهور أو عدم استناد منع الفيض إلى الفياض المطلق على مذاقنا و السبب لاختيار المشرع المبعوث إليه للبعث نحوه كالصلاة و المزجور عنه للزجر عنه كالميسر دون العكس بعد معلومية أنّ الاحكام الشرعية ليست جزافية على مذهب العدلية إنّما هو علمه بوجود المصلحة فيما بعث إليه‏

278

و وجود المفسدة فيما زجر عنه على نحو طريقية العلم لا موضوعيته، بمعنى أنّ وجود المصلحة و المفسدة فيهما واقعا سبب لعلمه بذلك بمقتضى تبعية العلم للمعلوم دون العكس، فالمصلحة الكامنة في متعلقات الأوامر كالمفسدة الكامنة فى متعلقات النّواهي علة و سبب للبعث بوجودها العلمى فى نفس المشرّع بالمعني الذى لا يوجب التّركّب فى المشرع الأوّل أصلا، و هى أيضا سبب لانوجاد الفعل و عدم انوجاده، فى الخارج بعدة وسائط، فالأسباب الشرعية مؤثرات حقيقية و فى خلال كلمات صاحب الفصول بل و الفاضل التّراقى فى وجه ما لعلّه مشير إلى التقرير المزبور، و أمّا الاشكال الابتتائى فالحق أنّ مراد المستشكل لو كان ما يظهر من كلامه أعني لزوم تعدد المعرّف بالفتح خارجا حسب تعدد المعرّف فهو مندفع بما حررنا به تقريب القائل بكون الأسباب الشرعية معرفات من إمكان وحدة ذلك المعرّف، و لو كان ما يمكن تأويل كلامه إليه أعنى لزوم تعدده ذهنا فهو و إن كان متينا كما عرفت طى تقرير كلام القائل لكنه لا يضر بمدعى القائل كما هو واضح.

ثم إنّه نسب إلى الحلى (قده) التفصيل بين أفراد نوع واحد كافراد البول فى إذا بلت فتوضأ مع أفراد نوعين كالبول و النوم إذا ورد، إذا بلت فتوضأ و إذا نمت فتوضأ و الالتزام بالتداخل فى الأوّل و بعدمه فى الثانى، و يمكن تقريبه بأنّ فى صورة تعدد النّوع يمكن القول بتأثير كل نوع فى مسبّب فيتعدد المسبّب حسب تعدد الأسباب طبعا بخلاف وحدة النوع فالظاهر منه الصرف الذي ينطبق مع أوّل الوجود قهرا و هو غير قابل للتكرر كي يقتضى تعدد المسبّب لان أفراد نوع واحد كلما كثرت و تعددت فى الخارج لا توجب تعدد الصرف بل هى بأجمعها تشكّل حقيقة نوعية واحدة فلا بد من الالتزام بتأثير تلك الحقيقة الواحدة فى مسبّب واحد، و فيه أنّ الصرف بمعناه الفلسفي أى الذى لا يتكرر عبارة عن حقيقة الشي‏ء التى اجتمعت فيها جميع مراتب وجود ذلك الشى‏ء و كماله و لم يكن فيها شى‏ء من مراتب فقدانه و نقصه كما نبّه عليه بعض المحققين (قده) أيضا فى تعليقته على الكفاية، و هذا غير مراد فى المقام جزما و غير صحيح و غير مربوط به قطعا كما أشرنا إليه فى المقدمة الثانية، نعم لو أريد به الوجود السّعي الموجود فى الخارج بوجود أفراده فهو يناسب المقام لكنّه لا يجدى لإثبات المرام لأنّ السّعى‏

279

يتكرر باعتبار و لا يتكرر بآخر أمّا عدم تكرره فباعتبار إمكان عدم لحاظ خصوصيات أفراده الخارجية و قصر اللحاظ علي الجهة الجامعة الوجودية السّارية فى مجموع تلك الأفراد التى باعتبارها يكون السّعى موجودا فى الخارج كما يقال الخبز موجود فى السّوق فان المراد به السّعى لا خصوص صنف أو فرد من الخبز و هو بهذا الوصف موجود فى السّوق حقيقة، و أمّا تكرره فلانّ كل فرد خارجى يكون بحسب الواقع و نفس الأمر حصة من السّعي و عدم لحاظ الخصوصية المحصّصة لا يغيّره عما هو عليه واقعا و لذا لو فرض إعدام الأفراد الموجودة من نوع فى الخارج ثم ايجاد أو انوجاد أفراد أخر منه فلا ريب فى تكرر وجود ذلك السّعى فى الخارج حيث انعدم ذلك السّعي أوّلا بانعدام جميع أفراده الموجودة خارجا ثم انوجد ثانيا بانوجاد أفراد أخر منه في الخارج، فبانوجاد كل فرد تنوجد حصة من السّعى و بانعدامه تنعدم حصة منه و لذا نقول كما قال أرباب فنّه إنّ نسبة الطبيعى إلى أفراده إنّما هى نسبة الآباء إلى أبنائه لا نسبة أب واحد إلى أبناء متعددة (و بالجملة) فتكرر السّعى فى الخارج مما ينادى به الوجدان و يشهد به- البرهان فلو أمكن الارجاع إلى الجامع بعدم لحاظ الخصوصيات الفردية فى النّوع الواحد ليتحقق التداخل لأمكن ذلك بالنسبة إلى نوعين أو أزيد بعدم لحاظ الخصوصيّات المنوّعة بل لحاظ الجهة الجامعة الجنسية و لو لم يمكن فكذلك فى الصّورتين فالتفصيل المزبور مما لا وجه له أصلا.

ثم إنّ صاحب الكفاية (قده) استثنى مما اختاره و هو عدم التداخل، صورة عدم قابلية المسبّب للتكرر كما في القتل علي ما فصّلناه فى المقدمة الثانية فالتزم فيها بالتداخل (فاستشكل) عليه بعض محققي تلامذته فى تعليقة الكفاية (قده) بانه لا معنى لهذا التداخل إذ لا يخلو إمّا أن يراد به التداخل المفهومى أو المصداقى و كلاهما فاسد ان فانّ إلقاء خصوصيات الأسباب الذى به يتحقق التداخل لو كان ذهنا و بحسب وعاء العقد فهو و إن أمكن و صحّ بأن لا يلاحظ المشخصات الفردية لتلك الأسباب لكنه لا يجدى لوعاء التأثير الذي نحن بصدده و هو وعاء الخارج، و لو كان خارجا فهو غير معقول إذ التشخص عين الوجود كما أنّ الوجود عين التّشخص فالقاء التشخص لا يمكن إلّا بالقاء أصل الوجود و مع إلقائه تكون قضية التداخل و عدمه سالبة بانتفاء الموضوع‏

280

فالتداخل في الأسباب غير معقول فلو فرض كون كل واحد منها جزء السبب فلا بد أن يفرض المسبب مركبا ذا أجزاء يكون كل جزء منه معلولا لجزء من السبب إذ الواحد بما هو واحد لا يمكن أن يترشح عن المتعدد (و فيه) أن القاء الخصوصيات المشخصة الفردية فى عالم الخارج بمكان من الامكان، بعد ما تقدم من تحقق السّعى فى الخارج أي الجهة الجامعة الوجودية السّارية فى الأفراد الخارجية (و توهم) أن التشخص عين- الوجود فإلقاؤه مساوق لالقاء أصل الوجود و هذا خلف (مدفوع) بأنه ليس عين الوجود أبدا بل رفيقه و حدّه ضرورة أنّ تشخص كل وجود إنّما هو عبارة عن حدّه الوجودى و حظّه الذى هو نهاية وجوده، و من البديهى أنّ الحد غير المحدود بل لازمه و عارضه، و لذا يتحقق بالنسبة إلى المجردات كالعقول و الملائكة فانها موجودة فى اللّامكان و اللّازمان و مع ذلك محدودة و لكل منها تشخّص خاص و حظ مخصوص من الوجود، غاية الأمر ربما يمكن معرفة تشخص الوجود و حظه من قبل نفسه بلا حاجة إلى لوازمه المشخصة من الزمان و المكان و نحوهما نظير معرفة المجرد بالمجرد و ربما لا يمكن ذلك إلّا من طريق تلك اللوازم، ففرق بين تشخص الوجود مع المشخصات الفردية التى هى من لوازمه و لو كان الأول عبارة عن الثانى و عينه لما كان هناك تشخص في- المجردات الموجودة فيما وراء الزمان و المكان، و من المعلوم أنّ القاء تشخص موجود و تغيير حظه الوجودى إمّا بالزيادة كما فى اتصال قطرتى الماء و جعلهما قطرة واحدة أو بالنقصان كما فى تقسيم قطرة واحدة من الماء إلى قطرتين بمكان من الامكان، ففي حال تعدد القطرتين كان هناك تشخصان فتبدّلا إلى تشخص واحد، كما أنّ فى حال وحدة القطرة كان هناك تشخص واحد فتبدل إلى تشخصين، فكذلك في مثال المقام يمكن إلقاء تشخصات الأسباب المتعددة خارجا بجعل وجودها السّعى بالمعنى الذى عرفت هو السبب.

و أمّا المقام الثانى- أعنى تداخل المسببات و عدمه لو قلنا باقتضاء تعدد الأسباب تعددها و أغمضنا عما أسلفنا من قصور أدلة القائلين بعدم التداخل عن إثبات ذلك، فالحق أنه لا أصل يقتضى التداخل أو عدمه مطلقا بل يختلف مقتضى الأصل باختلاف الموارد فتارة ينتج ما سموه التداخل و أخرى ينتج ما سموه عدم التداخل و تفصيل ذلك ذكرناه‏

281

في آخر مبحث نية الوضوء من كتاب الطهارة من أراده راجعه.

تنبيه: لما كان المفهوم مأخوذا من المنطوق و فى طوله فلا بد أن يوافقه فيما عدا المعلق عليه و كيف القضية

أى الايجاب و السلب ففى مثل إذا جاءك زيد فأكرمه يكون المنتفي في المفهوم أي القضية المعقولة المنتزعة عن تلك القضية الملفوظة أمران أحدهما المجى‏ء الذى علق عليه الحكم ثانيهما ايجاب الحكم الذى هو كيف القضية، و لذا نعبّر عن تلك القضية المعقولة بقولنا إن لم يجئك فلا تكرمه أى لا يجب عليك إكرامه إذ الحكم المذكور فى القضية الملفوظة هو الوجوب فلا بد أن يتغير ايجابه إلى السلب لا أن يتبدل أصله إلى ضده كالحرمة، أما سائر الخصوصيات المأخوذة فى المنطوق أى القضية الملفوظة من الزمان و المكان و سائر ملابسات الفعل كالتقييد فى المثال بيوم الجمعة أمام الامير مصاحبا مع عمرو، أو الجزئية و الكلية بأن يكون الشرط أو الجزاء طبيعيا قابلا للانحلال إلى أفراد متعددة كما فى مثل إذا بلت فتوضأ أولا يكون أحدهما أو كلاهما كذلك فلا بد من وجودها بأجمعها فى المفهوم أى القضية المعقولة المنتزعة عن الملفوظة، كل ذلك لأنّ المفهوم منتزع عن المنطوق و بمنزلة الفي‏ء من الشى‏ء، و هذا هو المراد بمطابقة المنطوق و المفهوم و لذا نقول بأنّ المفهوم ليس من النقيض فى شى‏ء حتى يجرى فيه ما ذكره أهل الميزان في ذلك من أن نقيض السّالبة الكلية موجبة جزئية كما أنّ نقيض الموجبة الكلية سالبة جزئية، كما أنّ الانحلال فى المنطوق في المثال المتقدم ليس شرعيا حتى يرد عليه ما قيل من استلزامه وجود، ارادات غير متناهية للشارع فى مورده و لأجل ما ذكرنا من الطولية فلو كان في المنطوق عموم و لو من جهة وقوع النكرة فى سياق النفى كشى‏ء فى قوله (ع) إذا بلغ الماء قدر كر لم ينجسه شى‏ء: إذ هو عبارة عن القذر فلوقوعه فى سياق النفي يشمل جميع أفراد القذر فيكون كذلك فى المفهوم، فمقتضى مفهوم تلك الجملة تنجس الماء لدى عدم الكرية بكل شى‏ء قذر، لكن لا بأن يؤخذ قيد المجموعية و الكلية فى القضية المعقولة المفهومية كما قيل كى يرد عليه إشكال أنّ نقيض الموجبة الكلية مثل إذا بلغ الماء قدر كر لم ينجسه شى‏ء سالبة جزئية مثل إذا لم يبلغ الماء قدر كر ينجسه شى‏ء أى بعض أفراد القذر فى الجملة لا كل شى‏ء أى جميع أفراده، بل بأن يكون سريان الشى‏ء بطبعه و إطلاقه فى المنطوق‏

282

محفوظا في المفهوم فنعبر عن ذلك السريان بقولنا كل شى‏ء لا أنه بهذه الهيئة عبارة عن مفهوم تلك القضية فتفطن.

[فى مفهوم الوصف‏]

فصل- فى مفهوم الوصف و لنمهّد مقدمة لتحقيق أنّه هل للوصف مفهوم أم لا؟ على ما هو الحق من أنّ النزاع في باب المفاهيم صغروىّ، أم هل يكون مفهومه حجة أم لا علي ما قيل من أنّ النزاع فيه كبروىّ، فأعلم أنّ الوصف أى العنوان الاشتقاقى لدى التحليل عبارة عن أجزاء ثلاثة، مبدأ فيه معنى حدثي، و ذات، و نسبة بينهما، لكن الهيئة الاشتقاقية كالعالم قد جعلت بحسب الوضع عنوانا لنفس الذات بلا لحاظ جهة النسبة و المبدا فيها فالنسبة مندكّة فى مفاد الهيئة، و لذلك يقع العنوان الاشتقاقى ركنا للكلام من المبتدإ أو الخبر أو نحوهما مع أنّ المبدا أى المعني الحدثى لا يمكن أن يقع ركن الكلام فلو كانت جهة المبدا ملحوظة فى ذلك العنوان بالاستقلال لما صح وقوعه ركنا، كما أنّ لاجل عدم لحاظ النسبة فيه عدّ من الأسماء فلقد أجاد من عبّر فى مقام بيان اشتقاقات المادة بقوله فهو ضارب بعد قوله ضرب يضرب فانه إشارة إلى انسلاخ هذا العنوان الاشتقاقي أعني اسم الفاعل عن جهة النسبة و كونه نتيجة إسناد المبدا إلى الذات، و لذا قيل بأنّ الأخبار بعد العلم بها أوصاف كما أنّ الأوصاف قبل العلم بها أخبار، فالعناوين الاشتقاقية من جهة الاشارة إلى الذات نظير الاسماء الجامدة فقولك أكرم هذا العالم بمنزلة أكرم زيدا من حيث المشيرية، فلحاظ النسبة أو المبدا أى المعنى الحدثى فيها بالاستقلال يحتاج إلى إعمال مئونة زائدة علي أصل مفاد الهيئة.

و بعد هذه المقدمة نقول إنّ الموصف على نوعين إذ تارة يعتمد على الموصوف فيكون فضلة الكلام نظير الرجل العالم جاءنى و أخرى لا يعتمد عليه فيكون ركن الكلام نظير العالم جاءني، أما النّوع الثانى فلا ريب فى عدم المفهوم له أعنى انتفاء سنخ الحكم عن غير مورده لما عرفت من أنّ الوصف بمنزلة اسم الذات فى كونه عنوانا مشيرا إلى الذات فقط بحسب الوضع الهيئى، فأخذ المفهوم منه موقوف على تمامية مقدمات ثلاثة (أحداها) كون نسبة المبدا إلى الذات ملحوظة فيه فى نظر المتكلم به و هذا خلاف ظاهر نفس العنوان بحسب وضعه الهيئى كما عرفت (ثانيتها) كون المبدا بعد معلومية لحاظه مستقلا فى نظر المتكلم ملاكا للحكم و ممّا له الدخل فيه و هذا أيضا

283

يحتاج إلى قرينة خارجية وراء نفس العنوان ليست فى نفس الجملة حسب الفرض و (ثالثتها) كون ذلك العنوان بعد الفراغ عن دخله فى ملاك الحكم بتمام ما له من الافراد المتصورة تمام ما له الدخل فى ذلك الحكم بلا دخل شى‏ء آخر فيه بنحو الجزئية أو العدلية للعنوان، و بعبارة أخرى كونه علة تامة منحصرة للحكم، و هذا يحتاج إلى الاطلاق المقامى المفقود فى الجمل الوصفية، أمّا ما تقدم فى الجمل الشرطية من الاطلاق المقامى بالنسبة إلى التعليق فهو في طول إحراز أصل الدخل للمعلق عليه في ناحية المعلق بمقتضى التعليق فى مقام الانشاء بالبيان المتقدم فى محله، إذ بعد معلومية أصل الدخل و كون المتكلم فى مقام بيان ما له دخل فى ملاك حكمه فعدم ذكر غير المعلق عليه مناطا لذلك الحكم مع أنّ بيان ما هو الملاك من وظيفته بمقتضى الشارعية يكون كاشفا لدى أهل المحاورة عن كونه تمام العلّة المنحصرة، و هذا بخلاف الجمل- الوصفية اذ أصل لحاظ المبدا فضلا عن كونه دخيلا فى الملاك خارج عن حوصلة الجملة و عن اقتضاء المقام فكيف يمكن الأخذ باطلاق المقام لاثبات مثل ذلك، نعم فيها إشعار بذلك فلنعم ما قيل من الكلمة الموروثة من قدماء أهل الخبرة من أنّ تعليق الحكم على الوصف مشعر بالعلية، حيث لم يتجاوزوا عن التعبير بالاشعار إلى ادعاء الظهور كى يورد عليهم بالمنع، و أنت خبير بمقتضى وجدانك أنّه كما قالوا مشعر بذلك، ثم إنّه لا فرق فيما ذكر من عدم الظهور فى المفهوم بين العناوين الاشتقاقية الجعلية كالمسرّج و نحوه و بين القياسية كالضارب و نحوه ضرورة اندكاك غير جهة الاشارة إلى الذات فيها بعد اشتقاقها الجعلى، فما ذكرناه من عدم لحاظ النسبة هو العمدة فى عدم ظهور الوصف في المفهوم لا ما قيل من كون مفاد العناوين الاشتقاقية هو المادة المنتسبة مضافا إلى فساد أصل المبني كما تقدم مبسوطا فى الواجب المشروط فراجع‏

[ليس للوصف الغير المعتمد على الموصوف مفهوم‏]

و مما ذكرنا ظهر حال النوع الثانى من الوصف أى الذى يعتمد على الموصوف و أنّه ليس له مفهوم إذ المفروض كونه فضلة الكلام بلا ظهور له فى دوران الحكم مداره حدوثا بأن يكون جهة تعليلية أو بقاء بأن يكون جهة تقييدية نعم مقتضى عدم لغوية ذكره فى الكلام وجود فائدة له لكنه أعم من إفادة المفهوم ضرورة عدم انحصار فائدته في ذلك فدعوى أنّ بناء أهل المحاورة على عدم أخذ ما لا دخل له فى الحكم فى الكلام‏

284

مجازفة لا سيما بالنسبة إلى كلام من ليس بصدد التقنين كعموم أهل العرف الذين ليسوا فى مقام إلقاء الضابط، فلو كانت هناك قرينة على العلّية بأن يقول، العلم شرط في وجوب الاكرام أو يقول أكرم الرجل العالم لعلمه أو نحوه مما يفيد الملاكية كما استفدناه من الاجماع و نحوه فى مثل قلّد المجتهد العادل فهو خارج عن محل النّزاع فى الجمل الوصفية من أنّ الجملة بما هى توصيفية هل تدلّ على المفهوم أى العلية أم لا، فالقرائن المقالية أو المقامية الكاشفة عن العلية غير مربوطة بما هى ضالتنا المنشودة فى الجملة الوصفية، و ليس حمل المطلق علي المقيد من أخذ المفهوم من الوصف بالمعنى الأعمّ من العناوين الاشتقاقية فى شى‏ء، أمّا على ما هو الحق عندنا من تعدد المطلوب حتّى فى الواجبات فلانّ قضية حمل المطلق على المقيد حينئذ سالبة بانتفاء الموضوع و أمّا على مذاق القوم من إحراز وحدة المطلوب فى الواجبات فلأنّ المطلق كالرقبة فى أعتق رقبة حيث كان سريانه بحسب الأفراد مستندا إلى مقدمات الحكمة التى منها عدم بيان القيد و من المعلوم أنّ دليل المقيد كأعتق رقبة مؤمنة يصلح للبيانية لمفهوم ذلك المطلق و تعيين مصبّ إطلاقه فهو حاكم عليه لانه ناظر إلى مورده فيكون معيّنا لمصبّ إطلاقه، و بالجملة فاللسان السّكوتى كما فى الاطلاق المقامى بالنسبة إلى السريان لا يقاوم اللسان البيانى لعدم السريان و تضييق دائرة المفهوم فلنعم ما عبّر عنه القدماء من حمل المطلق على المقيد إذ فيه إشارة إلى ما قلناه تبعا للشيخ الأعظم (قدس سره) من الحكومة التى عبرنا عنها فى المقام بتعيين مصب الاطلاق، و لئن شئت عبرت عنها بالحكومة التّبيينية قبال الحكومة التفسيرية و التخصيصية، و سيأتى تفصيله في باب المطلق و المقيد إنشاء اللّه تعالى، و بذلك نجيب عن مقال من قال كصاحب الكفاية (قدس سره) بتقييد حجية ظهور المطلق بسبب المقيد بدعوى انعقاد أصل الظهور له فى الاطلاق و حاصله أنّ بقاء الظهور المستند إلى عدم البيان موقوف على عدم وصول البيان فيعد وصوله كما فى دليل المقيد كيف يبقى ظهور المطلق فى الاطلاق.

ثم إنّه استدل لنفى مفهوم الوصف بقوله تعالى‏ وَ رَبائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ‏ و أجيب بأن الاستعمال مع القرينة فى عدم المفهوم لا يدلّ على العدم مطلقا، و اعلم أنّه كثيرا ما يستدل العلماء لأمثال المقام بموارد الاستعمالات و يجاب عنهم بأنّ الاستعمال‏

285

أعم من الحقيقة و لقد أجابوا به عما نسب إلى السيد (قده) من أن الأصل فى الاستعمال الحقيقة، لكنه ليس كما يتراءى من كلامهم فانّ مرادهم كشف الاستعمال عن الوضع من جهة توافقه مع الوضع بدعوى أنّ بناء أهل المحاورة علي ذلك كما استدل به السيد (قده) لمدعاه فجوابه نفى ذلك البناء لدى أهل المحاورة كيف و باب المجازات و الكنايات أكثر من الوضع بل هو وسيلة للوصول إلى المعاني المجازية و الكنائية و لذا يكون أفصح المتكلمين و أعقلهم، أكثرهم إبداعا للمعانى الكنائية، فبهذا المعنى يصح الجواب عن مقالة هؤلاء بأنّ الاستعمال أعم من الحقيقة لا بما هو ظاهره.

[موارد جريان النزاع فى مفهوم الوصف‏]

تذنيب- لا يخفى أنّ الوصف بالنسبة إلى الموصوف تارة يكون مساويا كالضاحك بمعناه المنطقى بالنسبة إلى الناطق و أخرى يكون أعم مطلقا كالمائت بالنسبة إلى الانسان و ثالثة يكون أخص مطلقا كالفقيه بالنسبة إلى العالم و رابعة يكون أعمّ من وجه كالعادل بالنسبة إلى العالم، و المراد من العموم من وجه إنما هو فى عالم الصدق دون أصل المفهوم ضرورة عدم تطرق هذه النسبة أى التباين الجزئى فى عالم المفاهيم (و بالجملة) فالأوّلان من الاقسام الأربعة للوصف لا يجرى النزاع فيهما أبدا ضرورة كون الحكم عند انتفاء الوصف فيهما سالبة بانتفاء الموضوع و قد عرفت أنّ انتفاء شخص الحكم لدى انتفاء موضوعه عقلى لا يقبل النّزاع، و الثالث منها هو المتيقن من مجرى النّزاع، أمّا الرابع منها ففى مورد افتراق الموصوف عن الوصف بمعني تحقق الموصوف بلا وصف كما فى الغنم المعلوفة بالنسبة إلى قوله (ع) في الغنم السائمة زكاة، يجرى فيه النّزاع و فى مورد العكس أى افتراق الوصف عن الموصوف بمعنى تحققه فى غير موصوفه كتحقق السائمة فى المثال فى غير الغنم كالابل و غيره لا ينبغى النّزاع فيه بحسب الصناعة العلمية ضرورة انتفاء الموضوع و معه لا شبهة عقلا فى انتفاء الحكم فلا يقبل النّزاع، لكن بحسب الباحثين في المسألة نازع فيه بعض الشافعية فلنعم ما عبر به فى تقريرات الشيخ الاعظم (قده) من أنّ الظاهر عدم جريان النزاع فى هذا الشق من هذا القسم إذ معناه أنّه إن كان بعض الشافعية معتنى به في زمرة الباحثين في المسألة فالنّزاع موجود لكنه خلاف الصناعة العلمية كما عرفت‏

286

و إن لم يكن معتنى به بل كالعدم فالنزاع غير موجود أصلا، فايراد صاحب الكفاية (قده) علي تفصيله فى التقريرات بين الشق المزبور مع صورة كون الوصف مساويا أو أعم مطلقا بنفي جريان النزاع فيهما و التعبير بالظاهر فى غير محله.

[فى مفهوم الغاية]

فصل، فى مفهوم الغاية و قد جرت سيرة الأصوليين على البحث عن دخول الغاية فى المغيا و عدمه فى هذا الفصل استطرادا و إن لم يكن دخيلا فى أصل المسألة ضرورة عدم توقف وجود المفهوم أو عدمه للغاية على دخولها فى المغيا و عدمه و إن كان دخيلا فى توسعة دائرة المنطوق لدى دخولها فى المغيا و تضييقها لدى عدم دخولها فيه فيوجب توسعة دائرة المفهوم و تضييقها قهرا فهذا البحث الاستطرادى مفيد من هذه الجهة، و كيف كان فقد قدّم الشيخ الاعظم (قدس سره) و جماعة من الاصوليين هذا البحث على أصل مفهوم الغاية و نحن نقتفي آثارهم‏

[المقام الأوّل و هو دخول الغاية فى المغيّا و عدمه‏]

فنقول (أمّا المقام الأوّل) و هو دخول الغاية فى المغيّا و عدمه فقد اختلف فيه النحاة فذهب نحم الائمة رضي الدين سيد نحاة الشيعة (قدس سره) إلى الخروج و ذهب جماعة إلى الدخول و فصل ثالث كالتفتازانى بين ما كان من جنسه و غيره و رابع كابن هشام بين حتى و إلى و ذهب من الأصوليين الشيخ الأعظم (قدس سره) إلى الدخول و صاحب الفصول (قدس سره) إلى الخروج و من العجيب أنّهما استدلا لمختاريهما المتباينين بدليل واحد هو حدّية الغاية علي ما ستعرفه، و تحقيق المقام أنّ الغاية على ما صرّح به في القاموس مدى الشي‏ء و نهايته و تعيينها فى غاية المسافة كما صنعه التفتازاني إنّما هو من باب أحد مصاديق الغاية فانّ شأن اللغوى فضلا عن أرباب المعاني و البيان، تعيين موارد الاستعمال، فالنهاية التى هو المتبادر من الغاية تارة تلاحظ بالقياس إلى نفس الشي‏ء كما فى قوله (ع) اغسل جسدك من لدن قرنك إلى قدمك، فالغاية خارجة عن المغيّا قهرا تخصصا ضرورة أنها حدّ الشى‏ء و آخر وجوده المتصل بالعدم، و معلوم أنّ الشى‏ء ما دام شيئا لا ينتهى وجوده فنهاية وجود الشى‏ء التى هي حدّه الذي هو خارج عن نفس المحدود و منتزع عنه غير الشى‏ء جزما و لعل هذا هو مراد نجم الأئمة من خروج الغاية عن المغيّا و كذا صاحب الفصول (قدس سرهما) حيث عرّفا الغاية بحدّ الشى‏ء فهما ناظران إلى ما وراء الشى‏ء، كما أنّ مثل الشيخ الأعظم (قده) نظر إلى نفس الشى‏ء أى المحدود و معلوم أنّ آخر جزء

287

الشي‏ء من الشى‏ء فهو داخل فيه طبعا، فالقائل بالخروج كنجم الائمة و صاحب الفصول نظر إلى آخر آخر الجزء من الشى‏ء و القائل بالدخول كالشيخ الاعظم نظر إلى آخر الجزء منه، ففى الحقيقة لا نزاع و لا اختلاف بينهما، و أخرى تلاحظ بالقياس إلى غيره و هى التى عرّفها جماعة منهم بعض المحققين (قده) فى تعليقته على الكفاية بأنّ الغاية ما ينتهى عنده الشى‏ء فيراد بالنّهاية محدّد الشى‏ء و هو إمّا بسيط كزمان طلوع الفجر الّذى حدّد به نزول الملائكة في قوله تعالى‏ تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ إلى قوله‏ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ و لا ريب فى خروج مثله عن المغيّا، أو مركب ذو أجزاء قابل للتطبيق مع أوّل الشى‏ء و وسطه و آخره كالكوفة فى سرت من البصرة إلى الكوفة فحينئذ لا بد من قرينة على المراد من الغاية و أنّه أىّ جزء منها و إلّا فلا ريب فى خروج الغاية بأىّ معنى أريد من أوّل الجزء و وسطه و آخره عن المغيّا ضرورة إرادة انتهاء أمد السّير و خلاصه قبل تحقق أوّل جزء من الغاية كالكوفة بأىّ معنى أريد منها (و بالجملة) فالغاية باعتبار خارجة عن المغيّا أبدا و هو اعتبار نفس النهاية بما هي حدّ أو محدّد للشى‏ء و باعتبار داخلة فيه أبدا و هو اعتبار الجزء الأخير من الشى‏ء المشير إلى تلك النهاية، فبذلك يصطلح الفريقان و يرتفع النّزاع من البين، و لئن أبيت إلّا عن ظهور كلماتهم فى وجود اختلاف معنوى بينهم فالحق مع نجم الأئمة و صاحب الفصول من خروجها عن المغيّا لما عرفت فى تحقيق معنى الغاية.

[المقام الثاني و هو ثبوت المفهوم للغاية و عدمه‏]

و أمّا المقام الثاني و هو ثبوت المفهوم للغاية و عدمه فقد اختلف فيه كلمات الاصوليين فالمشهور بينهم هو الأوّل و اختاره الشيخ الأعظم (قدس سره) و ذهب صاحب الفصول (قدس سره) إلى الثانى، و فصّل صاحب الكفاية (قدس سره) بين كون الغاية قيدا للحكم فتدل علي المفهوم أو للموضوع فلا مفهوم لها و مثّل بقوله (ع) كل شي‏ء لك حلال حتى تعرف أنّه حرام و قوله (ع) كل شي‏ء طاهر حتى تعلم أنّه قذر و ستعرف ما فى المثالين (استدل) صاحب الفصول لمدعاه بأنّ الغاية كالوصف إنّما هى من ملابسات الفعل الراجعة إلى قيود الموضوع دون الحكم فلا تدل على أزيد من تضييق دائرة الموضوع لا انتفاء سنخ الحكم عمّا بعدها (و أجاب) عنه فى التقريرات بأنّ لازمه تقيّد المقاربة بالطهر في قوله تعالى‏ وَ لا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ‏: و تقيّد الأكل و الشّرب‏

288

بطلوع الفجر فى قوله تعالى‏ وَ كُلُوا وَ اشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ: و هو كما ترى (و فيه) أنّ تقيدها بذلك غير مستنكر حتى يكون ذلك من التوالى الفاسدة لانكار مفهوم الغاية و يصح الجواب به عن مقال صاحب الفصول (قده) ضرورة أنّ الفعل الخارجى القابل للامتداد فى عمود الزمان إذا كان مرخوصا فيه بالطبع كالمقاربة كما يرشد إليه التعبير بالاعتزال فى قوله تعالى‏ فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ‏، يصحّ إخراج حصة عن ذلك الفعل عن الرخصة و المنع عنها كالحصة المقصورة بين مبدإ الحيض و منتهى الطّهر من المقاربة المستفادة من قوله تعالى‏ وَ لا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ‏ فإنّ المقاربة المقيدة بما بين هذا المبدا و ذلك المنتهى قد منع عنها، كما أنّ الفعل الامتدادى إذا منع عنه ثم أخرج عن المنع حصة خاصة منه تصحّ توسعة دائرة الحصة المخرجة باخراج قطعة أخرى من ذلك الفعل عن المنع و الترخيص فيها كما فى الصّوم إذ الأكل و الشرب منع عنهما فى شهر رمضان ثم أخرج عن إطلاق المنع خصوص حصة ما قبل النّوم منهما ثم وسع فى ذلك بالترخيص في الحصة الواقعة منهما فيما بين ذهاب الحمرة و طلوع الفجر بقوله تعالى‏ وَ كُلُوا وَ اشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ‏ الآية، فتقيّد الاكل و الشرب بطلوع الفجر كتقيد المقاربة بالطهر واقعان فى الآيتين بلا محذور فى ذلك أصلا فلا وجه للايراد به على مقال صاحب الفصول (قده).

و تحليل مرامه بحيث يظهر كونه فى غاية المتانة و أنّه المختار في المسألة أنّ ملابسات: الفعل كالزمان و المكان و الوصف و نحوها لا ريب فى رجوعها إلى الموضوع المعبّر عنه فى لسان بعض المتأخرين بالمتعلق و كونها من قيوده و ورود الحكم عليه بمعني أنّ رتبتها قبل رتبة الحكم المحمول على ذلك الموضوع في الكلام، و لا ريب أنّ الغاية من ملابسات الفعل فهى كالوصف راجعة إلى الموضوع و من قيوده الواقعة قبل ورود الحكم فلا يقيد بها الحكم كما فى الوصف بل غايتها تضييق دائرة الموضوع لا انتفاء سنخ الحكم عما بعد الغاية أو غير مورد الوصف، و هذا بخلاف الشّرط فى الجملة الشرطية فانّ القيد قد أخذ في جملة مستقلة بعنوان المقدم ثم علق عليه الحكم فى جملة مستقلة أخرى بعنوان التّالى فلا يكون من ملابسات الفعل الرّاجعة إلى قيود الموضوع بل من قيود نفس الحكم الموجب لانتفاء سنخه لدى انتفائه (و الحاصل)

289

أنّه فرق واضح بين ورود الهيئة على المقيد كما في الجملة الغائية و بين تعليق الحكم على القيد، كما فى الجملة الشرطية فانّ الدلالة علي انتفاء سنخ الحكم عرفا واضحة فى الثانى دون الأوّل، أمّا تمثيل صاحب الكفاية (قده) لقيدية الغاية للحكم بقوله كل شى‏ء لك حلال حتى تعلم أنّه حرام أو كل شى‏ء طاهر حتّى تعلم أنّه قذر ففيه أنّ الحكم فى مثلهما لما وقع فى قالب الاسم كالحلية المستفادة من لفظ، حلال، و الطهارة، المستفادة من لفظ طاهر، فالغاية فى الحقيقة راجعة فيهما إلى الموضوع، و محلّ الكلام إنّما هو فيما هو الغالب من وقوع الحكم فى قالب الهيئة التى لها معنى حرفي كأكرم زيدا إلى أن يظهر العداوة ففى أمثاله تكون الغاية من أوّل الأمر راجعة إلى الموضوع لانها من ملابسات الفعل (فتلخص) أنّ الحق وفاقا لصاحب الفصول (قده) أنّه لا مفهوم للغاية، نعم فى الخطابات الشرعية و نحوها من الخطابات الصادرة فى مقام التّقنين و ضرب القاعدة لا ريب فى ثبوت المفهوم لكل واحد من القيود المأخوذة فى الكلام وصفا كان أم غاية أم لقبا أم غيرها بلا اختصاص ذلك بشي‏ء خاص، لكنه غير ما نحن بصدده من ظهور الجملة الوصفية أو الغائية بنفسها فى المفهوم و عدمه.

[فى مفهوم الحصر]

فصل- فى مفهوم الحصر فمن أداته كلمة إلّا: و الكلام فيها تارة من جهة دلالتها علي حكم مخالف لما ثبت للمستثنى منه بالنسبة إلى المستثنى و عدمها حتى يكون الاستثناء من النفي إثباتا و من الاثبات نفيا و أخرى من جهة أنّ الدلالة إن ثبتت فهل هى بالمنطوق أو بالمفهوم فهنا مقامات‏

[المقام الأوّل‏]

(أمّا المقام الأوّل) فالمشهور بين الاصوليين و المتفق عليه بين أهل الادب دلالة كلمة إلّا علي ما يخالف حكم المستثنى منه للمستثنى مطلقا كان الاستثناء من النفي أو الاثبات و فصّل جماعة بينهما فالتزموا بافادة ذلك فى الأوّل دون الثانى، و خالف الجميع أبو حنيفة فأنكر إفادة ذلك حتى فى الاستثناء من النفى و استدل لمدعاه علي ما ذكره العلّامة (قده) فى تهذيب الأصول تارة بقوله (ع) لا صلاة إلّا بطهور إذ لو كان مفاد إلّا: إثبات ما يخالف حكم المستثنى منه للمستثنى لكان معنى ذلك حصر الصلاة في الطهور مع أنّه أحد قيودها و لها أجزاء و شرائط أخر، و أخرى بأنّ غاية ما يدل عليه الاستثناء رفع الحكم الثابت في الجملة للمستثنى منه عن المستثنى ساكتا عن ثبوت حكم آخر موافق أو مخالف لذلك الحكم عليه، و ثالثة بأنّ القضية الملفوظة

290

تابعة للمعقولة و هى للخارج فاذا كان مفاد القضية الملفوظة رفع حكم المستثنى منه عن المستثنى بلا تعرض لحكم آخر عليه كما عرفت فلا محالة يكون ذلك مفاد القضية المعقولة و المراد الجدى للمتكلم فى الخارج، أمّا الأخيران من وجوه استدلاله فمرجعهما إلى شى‏ء واحد، هو مجرد دعوى بلا برهان هو أنّ مفاد تلك الجملة مجرد رفع حكم المستثنى منه عن المستثنى فضلا عن أنّه محكوم بالبرهان المتقدم و هو اتفاق أهل الأدب على ظهور الجملة فى إثبات حكم مخالف للمستثنى منه علي المستثنى و استظهار العرف منها ذلك أيضا، فالعمدة هو الوجه الأوّل و له جوابان عامّ هو أنّ الاستعمال مع القرينة فى غير ذلك لا يدل على المطلوب و خاصّ، هو النكتة فى أمثال هذه الاستعمالات و لم نعثر علي من تفطن لها من الأصحاب عدى الشيخ الأعظم (قدس سره) في التقريرات باعطاء المثال لا التصريح بها و لذا يمكن حمله على غير ذلك و إن كان الظاهر من تمثيله ما تفطنّا له من النكتة، و هى أنّ ما يتلو كلمة إلّا الواقعة عقيب كلمة، لا، كالطهور فى المثال لو لم يكن معه حرف ربط كما فى لا مؤثر فى الوجود إلّا اللّه و لا فتى إلّا على و لا سيف إلّا ذو الفقار، بان كان لا صلاة إلّا طهور لدل الاستثناء على حصر حقيقة الصلاة فى حقيقة الطهور أمّا مع وجود حرف الربط كما فى كلية موارد استعمال كلمتى لا و إلّا مثل لا صلاة إلّا إلى القبلة، لا صلاة لجار المسجد إلّا فى المسجد، لا صلاة إلّا بفاتحة الكتاب، لا صلاة إلّا بطهور و نحوها من الاستعمالات الكثيرة فى الشرعيات و العرفيات، فحيث لا بد للجار و المجرور من متعلق و لذا قالوا بعدم دخول الحرف على الحرف فلا بد من تقدير ما يصح تعلق الجار و المجرور به من فعل أو اسم من سنخ ما فى الجملة حتّى تدخل أداة الاستثناء عليه، ففى المثال أعنى لا صلاة إلّا بطهور لا بد لباء الوصلة على لفظ طهور من متعلق من سنخ ما ذكر في الجملة و ليس هو إلّا الصلاة المذكورة في المستثنى منه فالمعني أنّه لا صلاة إلّا الصلاة بطهور، فالمفاد تقيد الصلاة بالطهور فلا بد من فهم حقيقة هذا المقيد أى الصلاة و أنّ لها أىّ مقدار من الاجزاء و الشرائط، من الخارج و إن شئت قلت إنّ سوق هذا الكلام إنّما هو سوق بيان قيد الصلاة، فيستكشف منه بالاستلزام وجود أجزاء و شرائط أخر لهذه الماهية المخترعة الشرعية فيكون مفاده أنّ الصلاة الجامعة للاجزاء و الشرائط لا تتحقق إلّا بعد تحقق الطّهور أيضا، و بذلك يمكن إرجاع ما ذكره القوم فى الجواب عن هذا الاستدلال إلى ما ذكرنا و لو بنحو من التأويل فى ظواهر كلماتهم.

291

ثم إن جماعة من قدماء الاصوليين استدلوا لافادة إلّا، ما يخالف حكم المستثنى منه للمستثنى بأنّ اسلام من تكلم بكلمة التوحيد: لا إله إلّا اللّه مقبول باتفاق أهل الاسلام فلو لا الدلالة علي وحدة الذات و الصفات لما دلت الكلمة على خلاف معتقدات من يتكلم بها من الشرك فى الذات أو الصفات كى تكشف عن إسلامهم الواقعى بحسب عقد القلب و يقبل بذلك منهم الاعتناق بالاسلام و التسليم له، و ناقش فيه صاحب الكفاية (قده) بامكان استناد ذلك إلى القرينة فالاستعمال أعم من الحقيقة لكن الشيخ الاعظم (قده) فى التقريرات أفاد طى تقريب ذلك الاستدلال بأنّ توهم استناد ذلك إلى القرينة فى غاية السخافة، و ألحق معه (قدس سره) لأن الظاهر أنّ التبادر حاقّى غير مستند إلى القرينة (و قد يقال) بأنّ خبر لا فى تلك الكلمة إمّا يقدر موجود، أو ممكن و على التقديرين لا يستقيم المعنى إذ علي الأوّل حصر الإله الموجود فيه تعالى لا ينفى إمكان غيره و علي الثانى حصر الإله الممكن فيه تعالى لا ينفى وجود غيره (و أجاب) فى الكفاية بما محرره أنّ الإله فى هذه الكلمة عبارة عن واجب الوجود فحصر الموجود الكذائي فى اللّه تعالى يستلزم نفى إمكان غيره كما أنّ نفي الممكن بالامكان الخاصّ الذى هو سلب الضرورة عن الطرف المخالف غير اللّه تعالى لا ينافى كون الطرف الموافق أى الوجود ضروريا له فعلى التقديرين يتم المعني (و ناقش) فى مقالته جملة ممن تأخّر عنه على اختلافهم فى كيفية المناقشة فمنهم من أنكر ظهور الإله في واجب الوجود بدعوى أنه من أله بمعنى عبد فهو عبارة عن مطلق المعبود و منهم من أنكر وجود القائل بالشرك الذاتى بين القائلين بتلك الكلمة الذين كان يقبل منهم الاسلام بذلك بدعوى أن شركهم كان فى العبادة كما يشهد به قولهم فى الكتاب العزيز ما نعبدهم الا ليقربونا إلى اللّه زلفى (أقول) أمّا دعوى حصر المشركين فى صدر الاسلام بالشرك فى العبادة فهو رجم بالغيب إذ لا علم لنا بحقيقة حالهم من هذه الجهة لو لم نقل بشهادة التاريخ بوجود الثنوية القائلين بوجود إلهين عرضيين بينهم، و أمّا دعوى عدم ظهور الإله فى غير معناه الوصفي أى المعبود فيدفعها ما أشرنا إليه مرارا من وجود أعلام وصفية فى اللغات المتداولة بين أهل المحاورة بأن يؤخذ وصف و يوضع علما لذات خاصة بلحاظ الجهة الوصفية ثم تصير هذه الجهة مندكة فيه و يكون بمنزلة أسماء الذوات من هذه الجهة، فالاله قد صار علما وصفيّا لواجب الوجود بالذّات المستحق للعبادة المستجمع لجميع الكمالات و الصفات،

292

و أمّا خبر لا: فعلي القول باحتياجها إلى الخبر و استغنائه عن الذّكر للانفهام من المقام كما هو مختار قدماء النحاة و قد نبّه عليه المحقق القمي (قدس سره) و هو الحق بالبرهان المذكور فى باب المجمل و المبين لا ما هو مختار جماعة من متأخرى النّحاة و تبعهم عليه جملة من الأصوليين من عدم احتياجها إلى الخبر رأسا، نقول إنّ تقدير ممكن أو موجود غالبا ليس من جهة حصر خبرها بهما بل من جهة مناسبة أفعال العموم مع المحمولات العامّة فى الموارد غالبا و إلّا فربما لا يناسب تقدير شى‏ء منها فى مورد نظير، لا صلاة لجار المسجد إلّا فى المسجد حيث لا يناسب شى‏ء من أفعال العموم مع ما أريد من هذه الجملة من نفى الكمال بل لا بد من تقدير ما يناسبه و هو لفظ كاملة، ففى المقام لا يناسب شى‏ء من أفعال العموم مع الكلمة التوحيدية حتى يشكل بما ذكره و يتجشّم؟؟؟ فى مقام الجواب عنه بما تقدم بل المناسب معها كلمة مستحق بالعبادة فالمعني أنّه لا إله مستحقا بالعبادة بالاستحقاق الذاتي إلّا اللّه تبارك و تعالى، فارتفعت غائلة الاشكال بحمد اللّه و منّه، و بالجملة فالاستدلال بموارد الاستعمالات لكل واحد من طرفى الاثبات و النّفى غير صحيح بل الأولى استدلال المثبت بظاهر نفس الجملة الاستثنائية كما ستعرفه مفصّلا.

[المقام الثانى‏]

و أمّا المقام الثانى فقد اختلف فيه الأصوليون فذهب جماعة إلى أنّ دلالة الاستثناء علي إثبات ما يخالف حكم المستثنى منه للمستثنى بالمنطوق و اختار جماعة أنّها بالمفهوم و فصّل صاحب الكفاية (قده) بين استناد الدلالة إلى خصوصية مأخوذة فى المستثنى منه فبالمفهوم و بين استنادها إلى كلمة الاستثناء فبالمنطوق (و تحقيق) المقام أنّه لا ريب فى احتياج الاعراب الموجود فى المستثنى إلى معنى حدثى يكون هو العامل فيه فان قلنا بتقدير معنى حدثى من سنخ ما أخذ في المستثنى منه ليكون هو المسلّط علي ذلك و العامل فيه كالمجى‏ء في ما جاءني القوم إلّا زيدا فالمعني أنّه جاءنى زيد فدلالة الجملة على إثبات الحكم المخالف و كون الدلالة منطوقية واضحة بلا مجال تردد فيه، و إن قلنا بكون المسلّط علي ذلك الاعراب و العامل فيه نفس كلمة الاستثناء باشرابها معنى حدثيا نظير أستثنى أو حاشيت علي حدّ إشراب معنى ناديت فى حرف النداء في باب المنادي، فحينئذ نقول إنّ الاخراج المأخوذ فى حاقّ الاستثناء لا يمكن أن يكون من حيث الموضوع متّصلا كان الاستثناء أم منقطعا أمّا فى الأوّل نظير ما جاءنى القوم إلّا زيدا فلان إخراج زيد عن القوم لو كان بلحاظ أنّه أحد أفراد النوع فمعلوم أنّه غير خارج‏

293

عن الفردية للقوم بمجرد اعتبار إخراجه أو إخبار أحد به و لو كان بلحاظ خصوصية الفردية المباينة مع خصوصيات سائر أفراد ذلك النوع فمعلوم أنّه بهذا اللحاظ خارج عن القوم تخصصا فلا يحتاج إلى الاخراج، و أمّا فى الثانى نظير ما جاءنى القوم إلّا حمارا فلان إخراج الحمار عن القوم لو كان قبل لحاظه منهم، أى لحاظ عنوان القوم علي الجماعة بلوازمهم و توابعهم من الحيوانات و سائر وسائل معيشتهم فمعلوم أنّه خارج تخصصا غير محتاج إلى الاخراج، و لو كان بعد ذاك اللحاظ و مع التحفظ عليه فهو غير ممكن، كما لا يمكن أن يكون الاخراج من حيث الحكم مع تطابق الاثبات مع الثبوت بمعنى جعل الحكم ثبوتا على العموم فى مثل أكرم العلماء إلّا زيدا ثم رفعه عن بعضهم كزيد و إبراز ذلك الجعل الواقعي بهذه الجملة فى عالم الاثبات ضرورة استلزامه التناقض فى مرحلة الواقع، و لذا قالوا بأن الاستثناء يوجب التناقض و تحيّر فى رفع غائلة الاشكال أرباب المعانى و البيان فافترقوا إلى فريقين فالتزم فريق يكون الاخراج قبل الاسناد بمعنى تقيّد الموضوع أوّلا فى عالم ايراد الحكم عليه بما عدى المستثنى كغير زيد من العلماء فى المثال ثم ايراد الحكم عليه و إسناده إليه و التزم فريق آخر بكون الاخراج بعد الاسناد بمعنى إسناد الحكم أوّلا فى عالم الاثبات إلى العموم ثم تقييده بما عدى المستثنى باخراجه عن ذلك العموم للاشارة إلى تقيّد الموضوع بغيره فى عالم الثبوت، و ربما يقال بالاخراج حال الاسناد بناء على كون مفاد الهيئة هي المادة المنتسبة و حيث أشرنا إلى فساد المبنى فى مبحث الواجب المشروط فكذا هذا الابتناء.

و ينحصر ما يمكن أن يقال فى المقام بالقولين من كون الاخراج قيل الاسناد أو بعده (فنقول) إنّ تقيد الموضوع واقعا و بحسب عالم الثبوت و إن كان ممكنا بأن يلاحظ الجاعل موضوع حكمه فى عالم تحديده خاليا عن المستثنى و إن شئت قلت مقيدا بغيره كلحاظ العلماء فى المثال خاليا عن زيد أو مقيدا بغيره ثم يجعل حكمه كوجوب الاكرام على ذلك الموضوع المتقيد، و كذا جعل الجملة الاستثنائية الظاهرة فى التقييد مشيرة إلى ذلك التقيد الواقعي فقط بلا إثبات حكم آخر للمستثنى، إلّا أن الجملة المتكفلة لاثبات هذا المعنى لدى أهل المحاورة إنما هى الجملة الوصفية

294

نظير أكرم العلماء غير زيد أو إلّا زيد مع جعل إلّا بمعنى غير بلا اختصاص المستثنى باعراب خاص يحتاج إلى عامل مخصوص وراء ما فى الجملة و لو كان هو اشراب معنى حدثي فى كلمة الاستثناء، فحينئذ تكون الخصوصية المأخوذة فى المستثنى منه دالة بالمفهوم على ما يخالف حكم المستثنى منه بناء على مذهب العدلية من أنّ الأحكام الشرعية ليست جزافية بل مستندة إلى ملاكات واقعية و من هنا جعل صاحب الكفاية (قده) الدلالة مفهومية لدى استنادها إلى خصوصية مأخوذة فى المستثنى منه، فلا بد من البحث فى ثبوت هذه الدلالة المفهومية و عدمه حسب ما تقدم فى الوصف، و المفروض عدم اكتفاء الجاعل بتلك الجملة و عدم صياغ مراده فى قالب الجملة الوصفية بل إضافة جملة مستقلة أخرى إلى جملة المستثنى منه هى الجملة الاستثنائية أى التي تتشكل من مثل إلّا زيدا فى المثال، لما عرفت من أنّه لا بد بحسب إعراب المستثنى من إشراب معنى حدثى فى كلمة إلّا يكون عاملا فى ذلك الاعراب فبذلك تتشكل جملة مستقلة أخرى وراء جملة المستثنى منه تكون هى الجملة الاستثنائية، فاقحام هذه- الجملة الظاهرة فى بيان حكم حقيقى آخر غير ما تكفلت لبيانه الجملة الأولى في كلامه لا بد أن يكون لفائدة عقلائية محاورية في باب تفهيم المقاصد و ليس هو إلّا إنشاء حكم جديد مخالف لحكم المستثنى منه للمستثنى، فمقتضى عدم لغوية الجملة الاستثنائية هو الدلالة على الحكم المخالف فان كان الاستثناء من النفى يدل على الاثبات و إن كان من الاثبات يدل علي النفى و من المعلوم أنّ هذه الدلالة منطوقية التزامية- فتلخص- أنّ الحق دلالة الاستثناء بالمنطوق على ما يخالف حكم المستثنى منه للمستثنى، و هذا كله فى موارد بقاء إلّا على ظاهرها من الاخراج بلا قيام قرينة على كونها للتوصيف نظير له على عشرة إلّا درهم برفع المستثنى بناء على لزوم تصبه فى الاثبات فكلمة إلّا فى المثال توصيفية بمنزلة لفظ غير و إلّا فالمتبع هو ما يستفاد من القرينة.

[فصل فى أداة الحصر]

و من أداة الحصر كلمة إنّما بالكسر فانها ظاهرة لدى العرف فى الحصر و معناها التأليف بين شيئين كالقيام و زيد فى قولك إنّما زيد قائم فهى موضوعة لمعنى أفرادي تأليفى فتوهم تركبها عن إنّ و ما و استناد إفادتها الحصر إلى دلالة إنّ على معنى إثباتى بالنسبة إلى نفس الجملة و ما على معني سلبى بالنسبة إلى الغير فاسد لما عرفت من كونها

295

كلمة واحدة موضوعة لمعنى واحد هو التأليف بين المسند و المسند إليه، فلعل- المتوهم قاس إنّما بالكسر بأنّما بالفتح المركبة من أنّ و ما الكافة و فى تقريرات الشيخ الأعظم (قده) أنّ لفظ إنّما قد استعمل فى غير الحصر كثيرا و ليس فى عرفنا لفظ مرادف لمعنى إنّما حتى نستكشف من تبادر الحصر منه لدينا تبادره من ذلك اللفظ لدى أهل اللغة العربية، و بهذا البيان أنكر ظهوره فى الحصر لكن جوابه ما أفاده صاحب الكفاية (قده) من عدم انحصار طريق إحراز المعني بوجود لفظ مرادف في عرفنا لكفاية انسباق الحصر من إطلاق اللفظ لدى أهل محاورته فى استكشاف المطلوب، ثم اعلم أنّ المراد بعرفنا فى كلام الشيخ الأعظم (قده) بقرينة إقحام لفظ اللغة العربية في كلامه بعد ذلك عرف اللغة الفارسية كما فهمه منه صاحب الكفاية (قده) لا عرف زمانه كما توهمه بعض و أورد بذلك على مقالهما (قدس سرهما) ثم ادّعى ظهور إنّما فى الحصر و تحيّر في وجه ذلك فلا ريب بحسب المتبادر الحاقّى لدى أهل اللغة في ظهورها فى الحصر أمّا أنّ مصبّ ذلك الحصر هو المسند أو المسند إليه فهي مجملة من هذه الجهة و لا بد فى تعيينها من التماس القرينة.

(و منها) بل و هى للاضراب أى الاعراض عما تكلم به مطلقا بلا كلام غاية الأمر اختلاف دواعى ذلك الاضراب فانّ الداعى إليه قد يكون سبق اللسان و قد يكون إثبات ما هو الصّلاح للمتكلم و قد يكون الحصر و قد يكون غير ذلك، و هذا كما فى الأمر فانّ مفاده البعث أبدا غاية الأمر إنّ الداعى إلى البعث قد يكون هو الجدّ و قد يكون الاختيار و قد يكون التعجيز إلى غير ذلك، و معلوم أنّ الدواعى غير دخيلة فى حقيقة المدعوّ إليه فالحصر الذى هو أحد دواعي الاضراب بكلمة بل خارج عن حوصلة نفس المعنى فلا يمكن إقحامه فيه فلا طهور لها فى الحصر و انما يستفاد ذلك أحيانا من القرينة الكاشفة عن كونه الداعى لاستعمال الكلمة فى معناها الاضرابي (و منها) تقديم ما حقه التأخير و هذا العنوان غير موضوع لافادة الحصر جزما بل لا عماله فى الكلام قد يكون الحصر و قد يكون الاهتمام بما قدم و قد يكون دفع ما يتوهم من تقديم الغير كالمبتدإ فاذا قيل زيد فربما يتوهم أنّه يريد أن يقول أعطه درهما فيقدم الخبر كقائم لدفع ذلك، إلى غير ذلك من الدواعى المتصورة لتقديم ما حقه التأخير و قد عرفت‏

296

آنفا أنّ الدواعى خارجة عن حوصلة المعنى المدعو إليه، نعم فى موارد حصر الداعى لذلك فى الحصر يستفاد ذلك بعد كشف الداعي من القرينة، و إلّا فنفس التقديم بما هو غير طاهر في الحصر و الموارد التى تطلّبوها أهل البديع للتدقيق فى فنّهم إنّما هى من هذا القبيل فلا تجدى لاثبات الظهور.

(و منها) تعريف المسند إليه باللّام بأن يجعل ما هو بمنزلة المسند من جهة الاستعمال فى المعنى الكلّى مسندا إليه فى الكلام مع تعريفه باللّام من غير أن يكون خبرا مقدما و يجعل ما هو بمنزلة المسند إليه من جهة الاستعمال في الذّات مسندا من غير أن يكون مبتدأ مؤخّرا مثل الإنسان زيد، و قد اختلفت كلمات القوم من أرباب المعانى و البيان و الأصوليين فى تقريب إفادته الحصر فذكر التّفتازانى لذلك وجهين أحدهما جعل اللّام للاستغراق فاذا قلنا الأسد زيد و أردنا بذلك أنّ كل فرد فرد من أفراد الأسد هو زيد فطبعا يفيد حصر الأسدية فى زيد، ثانيهما جعلها للجنس و مراده بالجنس هنا هو الوجود السّعي الموجود فى الخارج بوجود أفراده فحمل زيد على الأسد بهذا المعني يفيد الحصر، و ذكر صاحب الفصول (قده) لذلك وجها آخر هو جعل اللّام للاشارة إلى أبعاض مدخولها ليفيد حمل زيد على الأسد أنّ الحقيقة التامة الأسدية هى زيد فقهرا يفيد الحصر، و قد لفّ بعض المحققين (قده) فى تعليقة الكفاية تلك الوجوه بأجمعها فى جمل مختصرة فى تقريب إفادة الحصر و حاصل مقاله أنّ الحصر ليس مستندا إلى كون اللّام للاستغراق أو الجنس بل إلى القاعدة الموروثة من أساطين الفلسفة هى أنّ عقد الوضع فى القضية الحملية لا بد أن يكون من الذات، و عقد الحمل لا بد أن يكون من المفهوم ففى مثل الإنسان زيد لا بد أن يجعل ذات الانسان بمالها من الأفراد الخارجية بمنزلة ذات خاصة هو الموضوع و يحمل عليه عنوان زيد بما له من المفهوم و هذا الحمل يفيد الحصر.

أقول هذه لباب كلماتهم و لا يخفى أنّ القاعدة الموروثة المشار إليها غير مطردة جزما فهى إمّا مأولة أو غير حجة، و تحقيق الحق في المقام بما ربما يظهر من خلال كلمات الشيخ الاعظم (قده) فى التقريرات و من خلال كلمات صاحب الفصول (قده) بتحرير و تقريب تحليلي صناعى منّا، أنّ هناك قاعدة أخرى موروثة أيضا من أساطين الفلسفة هى القاعدة الفرعية أعنى ثبوت شى‏ء لشى‏ء فرع ثبوت المثبت له فمقتضى الجمع‏

297

بين القاعدتين بعد تطبيقهما مع ما فى الخارج كى يمكن لنا التصديق الوجداني بصحتهما و عدم التقليد فى أخذ القاعدة من الغير أن يقال إنّ المراد بالذات التى لا بد منها في عقد الوضع فى الجملة بمقتضى القاعدة الأولى لا يمكن أن يكون هو الذات الخارجية ضرورة عدم ثبوت تلك الذات فى ناحية الموضوع فى كثير من القضايا الحملية مع أنّ ثبوط المثبت له أي الموضوع مما لا بد منه في صحة الحمل بمقتضى القاعدة الثانية، إذ فى الحمل الأوّلى أى الهوهوى مثل الإنسان كلى أو زيد جزئى لا محيص عن جعل الموضوع عبارة عن المفهوم لا الذات الخارجية و كذا فى مثل العدم معدوم أو الوجود موجود، نعم فى الحمل الشائع مثل زيد عالم يكون الموضوع هو الذات الخارجية للاشارة إلى الاتّحاد الوجودى خارجا بينها و بين عنوان المحمول كعالم فى المثال، كما أنّ المحمول لا يمكن أن يكون أبدا عبارة عن المفهوم كما هو مقتضي التجمّد على ظاهر القاعدة الأولي ضرورة عدم تحقق ذلك فى مثل زيد زيد، فالمراد بالذات في تلك القاعدة لا بد أن يكون هو الموجود فى وعاء مناسب معه من الأوعية الثلاثة أى الخارج و الذهن و الاعتبار حتى تكون القاعدة قابلة للانطباق مع جميع الحمليات فالذات فى مثل الإنسان زيد أو موجود عبارة عن الوجود الذهنى لانّ الكلي وعائه الذهن دون الخارج و فى مثل زيد عالم عبارة عن الوجود الخارجى لانّ الشخص وعائه الخارج، نعم يمكن أن يجعل المراد بالذات فى مثل الإنسان زيد هو الوجود السّعى الموجود فى الخارج بوجود حصصه أيضا لكن على هذا يكون ما ذكره بعض المحققين فى كلامه المتقدم فى تقريب الحصر عين الوجه الثانى مما تقدم عن التفتازانى لما عرفت من أنّ مراده أيضا من الجنس هو الوجود السّعى، و معلوم أنّ ظهور اللام فى الجنس بهذا المعنى مع احتمال كون مثل الإنسان من قبيل الخبر المقدم لا كونه بنفسه مسندا اليه محل تأمل بل منع. إلّا أن يستفاد ذلك من قرينة المقام فالحق مع صاحب الكفاية (قده) من أنّ ظهور تعريف المسند اليه باللّام فى الحصر مستند إلى قرينة المقام لا إلى حاقّ الكلام.

[في مفهوم اللقب و العدد]

فصل في مفهوم اللقب و العدد و الحق وفاقا للمشهور أنه لا مفهوم لهما لانّهما لا بد لان على أزيد من تضييق دائرة الموضوع بلا ظهور لهما في تعليق سنخ الحكم عليهما

298

على مذاق من التزم بصحة تعليق السنخ كما تقدم و لا فى تقييد الحكم بهما الموجب لانتفاء سنخه عن غيرهما على ما هو المختار تبعا للشيخ الاعظم (قده) من استحالة تعليق السنخ كما عرفته مفصلا، نعم فى مقام إلقاء الضّابط و التحديد يكون لهما كغيرهما من الوصف و أداة الحصر و نحوها، المفهوم، لكنه خارج عن محل الكلام من ظهورهما فى نفسهما فى المفهوم.

[المقصد الرابع فى العام و الخاص‏]

المقصد الرابع- فى العام و الخاص فصل- في تعريف العام و أنّ العموم هل هو وصف اللّفظ أو للمعنى فنقول أمّا الجهة الاولي فقد عرّفه القدماء بتعاريف كما هو دأبهم فى كل مورد و قد كثر النقض و الابرام فيها طردا و عكسا لكنك عرفت مرارا أنّ الحق كما نبّه عليه جماعة من محققى المتأخرين كالمحقق الخوانساري و الشيخ الأعظم و صاحب الكفاية (قدس الله اسرارهم) أنّ تلك التعاريف حيث ليست حقيقية بل شارحة للمعرّفات بالفتح و مميزة لها ببعض لوازمها المأخوذة فى التعريف فلا مانع عن عدم الانعكاس أو الاطراد، لا بمعنى أنّ المتعرضين للتعاريف لم يكونوا بصدد تعريف الحقيقة كما قد يتوهم من كلامهم و يورد بأنّ غرضهم تعلق بتعريف الحقيقة كيف و إذا نوقض عليهم بعدم الاطراد أو الانعكاس تصدّوا لدفعه و إثبات الاطراد و الانعكاس بل بمعني أنّ عباراتهم قصرت عن تعريف حقايق المعرّفات فلم يتمكنوا من أداء ما تصدّوا لبيانه بتلك العبارات فقصدوا بها تعريف الحقيقة و تحقق خارجا شرحها ببعض لوازمها، و هذا المراد يظهر بالتأمل في كلمات هؤلاء المحققين، و مما ذكرنا ظهر أنّ المراد بكونها شارحة ليس شرح الاسم المصطلح لدى أهل الميزان و هو تبديل لفظ بما هو أوضح منه كما قد يتوهم من كلامهم و يورد عليه بأنها ليست من قبيل شرح الاسم بل من قبيل الرسم الذى هو تعريف الحقيقة بلوازمها و لذا تريهم يذكرون من الفصول، القريبة ثم البعيدة، ثم الأجناس القريبة ثم البعيدة مهما تيسر لهم، بل مرادهم من الشرح هو التعريف باللوازم، كما اتضح أنّ مرادهم من عدم اطّراد التعاريف و عدم انعكاسها ليس لزوم عدم الاطراد و الانعكاس فيها على نحو الجهة التقييدية كما قد يتوهم من كلامهم، و يورد بأنه لا ريب في تعلق غرض المعرّفين بتلك التعاريف باطرادها و انعكاسها فكيف يكون عدم الاطراد و الانعكاس مأخوذا فيها و لذا ترى أنّ‏

299

المستشكل على التعاريف بأنها لفظية قد يختار تعريفا بدعوى أنّه مطرد و منعكس، بل المراد عدم الاطراد و الانعكاس لها خارجا لقصور اللّوازم المأخوذة فى عباراتهم عن إفادة حقائقها بما هى عليها واقعا من الطرد و العكس فيحصل لذلك نقض غرضهم و إلّا فلا ريب فى أنّ تلك الحقائق فى نفسها مطردة و منعكسة و فى أنّ تلك العبارات مع قطع النظر من مشيريتها إلى تلك الحقائق مطردة و منعكسة (فتحصل) أنّ الحق كما نبّه عليه هؤلاء الأساطين من المحققين (قدس سرهم) أنّه لا جدوى في التصدى لتعريف العام و الخاص و نحوهما من المفاهيم الذهنية أو الامور الاعتبارية التى لا تأصل لها في الخارج لعدم التمكن من بيان تمام هوياتها فيكتفى بذكر بعض لوازمها خروجا عن الجهل المطلق بها، و إلّا فالعرفان بتلك الحقائق إنّما يحصل للشخص بعد تحقيق حال جميع المباحث المتعلقة بها فحينئذ يعرفها لبا بلا تمكن من تعريفها لفظا بجعل، ما حصل فى وعاء ذهنه من العرفان بها فى قالب لفظ مفهم لذلك.

و أمّا الجهة الثانية، فقد اختلف فيها الاصوليون فجعل العموم بعضهم وصفا للمعنى نقله السيد عميد الدين شارح تهذيب الاصول للعلامة عن السيد المرتضى و السيد البصرى و غيرهما من القدماء (قدس الله اسرارهم)، و بعضهم وصفا للفظ نقل عن القدماء و المتأخرين و بعضهم وصفا للفظ باعتبار المعنى (و الحق) انه يمكن أن يكون وصفا للمعني إذ القابل للسّريان واقعا بحسب جوهر ذاته هو المعنى دون اللفظ فان الصورة المعقولة المنتزعة عن الوجودات الخاصة الخارجية بعد إلقاء خصوصياتها و تجريد الصورة المعقولة عنها تكون في وعاء الذهن قابلة للتطبيق على كل واحد من الوجودات الخارجية حتى ما يتصور أن يتحقق بعد ذلك و لا معنى للعموم و السريان إلّا هذا و هو المسمى فى لسان أهل الميزان بالكلى المنطقى، كما يمكن أن يكون وصفا للفظ من جهة كونه قالبا لذلك المعني و مشيرا اليه و لذا يكون وصفا بحال المتعلق لا نفس الموصوف فالاختصاص بوصف اللفظ كما زعمه بعض فى غير محله، استدل للقول بكونه وصف اللفظ بأمرين (أحدهما) أنّ معنى العام كزيد و عمرو و بكر و غيرها من أفراد العلماء موجودة فى الخارج فكيف يكون عاما، و قد أعاننا السيد شارح تهذيب الاصول بالجواب عنه بأنّ المراد بالمعنى الموصوف بالعموم ليس‏

300

مصاديق العام كزيد و عمرو و نحوهما من أفراد العام و إنما هو المفهوم المنتزع فى- الذهن عن تلك الأفراد الخارجية و هذا المفهوم كعنوان العالم؟؟؟ عامّ بلا إشكال فالوصف له لا للفظه (ثانيهما) أنّ الظاهر من توصيف العام بالعموم كالعلماء توصيف اللفظ به دون المعنى (و فيه) أنّ اللفظ أبدا سواء كان لفظ العام أو الخاص شخص فلا يعقل أن يكون العموم وصفا له بنفسه نعم يمكن أن يكون وصفا له بحال معناه الذي هو بمنزلة متعلقه كما عرفت، ثم إنّك حيث عرفت وجود النزاع حتّى بين القدماء فانكار ذلك خلاف المشاهد.

فصل- قد قسم الاصوليون العموم إلى استغراقى و بدلى و مجموعى،

و التحقيق أنّ هناك جهات من البحث لا بد من التميز بينها تمهيدا للوصول إلى المقصد

(منها) أنّ مفهوم العام فى جوهر ذاته هل يكون قابلا للانقسام إلى هذه الاقسام الثلاثة أم لا و هل يمكن الصلح العمومى بين المنازعين في هذه الأقسام و التوفيق بين كلماتهم بما يطابق الواقع و يشهد به الوجدان و البرهان و كلما وجدنا من مقالاتهم مخالفا للواقع و يشهد به الوجدان و البرهان و كلما وجدنا من مقالاتهم مخالفا للواقع أو البرهان أشرنا إلى ما فيه أم لا يمكن‏ (و منها) أنه هل تكون هناك ألفاظ خاصة أو هيئة خاصة مشيرة بالاستقلال و بحسب الوضع الأفرادى إلى كل واحد من هذه الأقسام أم لا (و منها) أنّ المعنى الحرفى كيف يؤخذ اسميا

أمّا الجهة الاولى [و هى أنّ مفهوم العام فى جوهر ذاته هل يكون قابلا للانقسام‏]

فنقول إنّ الشى‏ء لا يقبل الانقسام إلى نفسه و غيره فمفهوم العام في جوهر ذاته مع قطع النظر عن انضمام خصوصية معنى آخر إليه فى عالم التطبيق على المصاديق و جعله موضوعا للحكم فى الجملة إنشائية كانت أم خبرية الذي هو عبارة عن السعة و الشمول بسيط، فلا يمكن تقسيمه إلى شى‏ء من الأقسام الثلاثة بأن تكون خصوصية كل واحد من تلك الأقسام مقومة لحقيقة ذلك المفهوم بحيث لو لا تلك الخصوصية لما كان لذلك المفهوم تقوم ذاتا و تحقق خارجا أمّا الاستغراق فلانّه عبارة عن الشمول الذي عرفت أنّه حاقّ مفهوم العام فكيف ينقسم العموم إليه مع أنّ الشى‏ء كما قلنا لا يقبل الانقسام إلى نفسه و غيره فلحاظ الاستغراق غير دخيل في قوام مفهوم العام أى العموم برهانا لما عرفت و وجدانا لما نرى من تحقق الشمول فى ضمن الألفاظ المفيدة له مع قطع النّظر عن ذلك اللحاظ