آراء حول مبحث الألفاظ في علم الأصول‏ - ج2

- علي الفاني الأصفهاني المزيد...
414 /
301

نعم إنّما ينضم لحاظ الاستغراق إلى مصداق العام خارجا كبعض الألفاظ المفيدة للعموم نظير العلماء فى عالم التطبيق مع الأفراد من جهة الموضوعية لحكم خاص خبريا كان كما في قولك جاء العلماء أم إنشائيا كما فى قولك أكرم العلماء للاشارة إلى أنّ مفهوم العام بما له من السعة الذاتية مراد جدى للمتكلم فى هذه الجملة بلا ورود قيد عليه و هذا كما ترى غير مربوط بحقيقة المفهوم فى جوهر ذاته، و أمّا البدلية فهى خصوصية حاصلة لمصداق العام نظير الرجل فى أثر انضمام معنى ما آخر إليه هو اشتراط عدم فرد آخر عند وجود كل واحد من أفراد ذلك العام، فانضمام شرط الوحدة إلى مصداق العام كرجل الذي يفيده تنوين التنكير فى رجل هو المحقق للبدلية أى التضييق بالنسبة إلى السعة التى هي حقيقة مفهوم العام، فالبدلية تضييق لسعة دائرة المفهوم لا تقسيم له إليها و إلى غيرها بأن تكون الخصوصية البدلية مقومة لنفس المفهوم كيف و قد احتيج إفادة الخصوصية إلى دالّ آخر كالتنوين الذي هو إعراب الكلمة و لذا يقوم مقامه لفظ مستقل كلفظ واحد بأن يقال ائتنى برجل واحد، و من البديهى أنّ تعدد الدال يوجب تضييق دائرة المدلول لتعدده و لذا يكون الحاصل من ضم مفهومين أضيق دائرة من مفهوم واحد، فهذه الخصوصيات ناشئة من تعدد الدّال خارجة عن جوهر مفهوم العام فتوصيف العموم بالبدلى فى غير محله و لاجل فساد هذا التوصيف عبّر بعضهم عن ذلك بالفرد المنتشر مع أنّ توصيف الفرد بالانتشار الذي هو الشمول و العموم أيضا غير صحيح، كما أنّ فرار بعض الاساطين عن هذين بتوصيف البدلية بالعموم غير مستقيم كما ستعرفه مفصلا، و أمّا المجموعية فهي عبارة عن لحاظ الوحدة فى الكثرة فطبعا خارجة عن حقيقة المفهوم و ليست وصفا للعموم (فتلخص) أنه لا يصحّ تقسيم حقيقة مفهوم العام فى جوهر ذاتها إلى شى‏ء من الأقسام الثلاثة لو أريد بالتقسيم التقويم و دخل خصوصيات الأقسام فى قوام المفهوم، نعم لو أريد التقسيم بلحاظ موضوع الحكم بدعوى أنّ ما يفيد الاصولي في عالم الاستنباط لمّا كان هو ما أريد مما أخذ موضوعا للحكم فى الجمل، فيصح تقسيم العام المأخوذ فى موضوع الحكم بلحاظ تطبيقه مع المراد الجدّى للمتكلم إلى استغراقي و بدلى و مجموعى فهذا متين جدا و لا مجال للايراد عليه باستلزامه عدم صحة ذلك التقسيم فى غير الجمل الانشائية المتكفلة

302

للاحكام الشرعية، ضرورة عدم إشعار فى كلام المقسّم باختصاص ذلك بما إذا كان المحمول في الجمل إنشائيا بل يعم ما إذا كان المحمول فيها خبريا.

[تنويع هذه الجهة إلى مقامات ثلاثة]

و بطرز آخر يمكن تنويع هذه الجهة إلى مقامات ثلاثة

الأول أنّ مفهوم العموم الذي هو الشمول و السعة غير قابل بجوهر ذاته للانقسام إلى الأقسام المعهودة

لانّ هذا المفهوم بنفسه من المفاهيم العامة العرضية البسيطة و الاستغراق نفس الشمول فكيف يمكن أن يقال إنّ الشمول إمّا شمول أو غيره فمع سلب الشمول عن حقيقة مفهوم العموم يلزم سلب الذاتى عن الذات و هذا غير معقول و مع التّحفظ على ذاتي المفهوم الذي هو الشمول يلزم تقسيم الشى‏ء إلى نفسه و غيره و هذا أيضا غير معقول، و إذا كان الشمول ذاتيا لمفهوم العموم فكما لا يعقل تقسيمه إلى الاستغراقى فكذلك إلى المجموعي الذى هو لحاظ الكثرة في الوحدة و إلى البدلى الذي هو سدّ العموم و المنع عنه بلحاظ الوحدة فيه، نعم يمكن تقييد المفهوم بأحد القيدين لكنه خارج عن حقيقة المفهوم، فهو بجوهر ذاته غير قابل للانقسام إلى تلك الأقسام (فان قلت) أ ليس من ألفاظ العموم من الموصولة و ما الموصولة و أىّ و أ ليست الأوليان دالتين بمفهومهما على العموم الاستغراقى و الأخيرة على العموم البدلى فكيف تقول بعدم قابلية مفهوم العموم للانقسام إلى هذه الاقسام و هل هذا إلّا شبهة فى مقابلة البديهة فانّ أدل الدليل على إمكان الشى‏ء وقوعه (قلت) كلّا إنّها ليست من ألفاظ العموم أبدا فلم توضع لذلك أصلا إذ العموم معنى حدثى و هذه الألفاظ إنّما وضعت للذات المبهمة بالوضع الأفرادى فتوهم كونها من ألفاظ العموم خلط بين العمومات مع المبهمات، غاية- الأمر أنّ صلتها حيث تختلف باختلاف الموارد و الأغراض فيختلف بذلك ما ينطبق عليه تلك الذات المبهمة التى تدل عليها الألفاظ المزبورة و منه يحصل الأوجه الخمسة التى ذكرها النحاة لاىّ فهى معان جملية قد خلطها بعض الأصوليين بالمعانى الأفرادية فتوهم وضع تلك الألفاظ لها (و بالجملة) فصلة تلك الألفاظ قد تكون بحيث تعيّن تلك الذات المبهمة إمّا فى الشخص كما فى أيّها الرجل و رأيت من أكرمك اليوم و نحو ذلك أو فى العموم كما فى جاءنى من كان فى المدرسة و أكرم أيّ رجل سلّم عليك و أيّا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى، و قد تكون بحيث؟؟؟ بل توجب خروجها عن‏

303

الابهام بتطبيقها على فرد منكر مثلا كما في رأيت رجلا أىّ رجل و مررت بمن معجب بك، ففيما كان من قبيل الأوّل تسمّى الجملة التالية صلة حيث توجب تعريف الموصول و فيما كان من قبيل الثانى تسمى وصفا حيث لا توجب تعريفه بل زيادة صفة له و: الحاصل أنّ الذات المبهمة التي وضع لها اللفظ قابلة ببركة الصلة بمعناها الأعم الشامل للصفة للانطباق على العموم و غيره و معه كيف تكون من ألفاظ العموم بل الوجوه المختلفة التي ذكرت لها من الموصولة و الموصوفة و نحوهما إنّما هى باعتبار ما يستفاد من الجملة التى دخلت عليها تلك الألفاظ لا باعتبار نفسها، فبهذا ينبغى أن يجاب عن الاشكال المزبور لا بما ذكره فى هامش الكفاية من عدم قابلية العموم بنفسه للانقسام إلى تلك- الأقسام لامكان المناقشة فى هذا الجواب بأنّه بعد تسليم كون العموم البدلى مأخوذا في حاق مفهوم أىّ كيف لا يمكن تقسيم العموم إليها، و لا بما ذكره بعض الاساطين (ره) من عدم اتصاف العام بالبدلية بل اتصاف البدلية بالعموم إذ البدلية قابلة للانطباق على فردين أيضا فكيف يصح توصيفها بالعموم.

الثانى- أنّ مفهوم العام كمفهوم لفظ العلماء و غيره من المفاهيم العامة الموضوع لها الفاظ خاصة بنفسه مع قطع النظر عن وقوع اللفظ فى ضمن جمل إسنادية

خبرية أم إنشائية غير قابل للانقسام إلى الأقسام المزبورة، لانّ عموم لفظ العلماء مثلا ليس لاجل مادة العلم و عموم مفهومها و لا لأجل أفراد العالم الموجودة فى الخارج بل لاجل حيث انطباق اللفظ بما له من المعنى على كل واحد من الأفراد الخارجية المتصورة له، و هذا الحيث بنفسه معنى بسيط من المفاهيم العامة العرضية التى يكون الشمول و الاستغراق ذاتيا لها فلا يعقل انقسامه إلى الأقسام المزبورة، و لحاظ الانقسام فيه إنّما هو بانضمام قيد خارجى على نحو تعدد الدال و المدلول، فمفهوم العام مشترك مع مفهوم العموم من هذه الجهة.

الثالث- أنّ العام إذا وقع فى جمل إسنادية خبرية مثل جاءنى العلماء أو إنشائية مثل أكرم العلماء فلا بد أنّ يلاحظه المتكلم فى عالم جعله موضوع حكمه بأحد أنحاء ثلاثة، أى الاستغراقى و المجموعى و البدلى‏

ضرورة استحالة إهمال الموضوع واقعا و فى نفس الأمر من جهتها بمعنى أنّه لا يخلو إمّا أن يلاحظ المتكلم العام بما له من الأفراد

304

المتصورة موضوعا للحكم المسند إليه فى الجملة فيكون استغراقيا و بذلك يتبدل- الكلى المنطقي إلى العام الاصولي، أو يلاحظه على نحو فرض أفراده الكثيرة فردا واحدا و جعل هذه الهيئة المجموعية موضوعا لذلك الحكم فيكون مجموعيّا من قبيل لحاظ الكثرة فى الوحدة، أو يلاحظه على نحو فرض كل فرد من أفراده حال عدم غيره و جعل هذه الوحدة البدلية موضوعا لذلك الحكم فيكون بدليا من قبيل لحاظ الوحدة في الكثرة، فوعاء الارادة الجدّية الذي هو وعاء ايراد الحكم هو وعاء الانقسام إلى هذه الأقسام و هذا هو مراد صاحب الكفاية (قده) من صحة تقسيم العام بلحاظ تعلق الحكم إلى الأقسام المزبورة إذ المراد بالحكم هنا هو الإسناد لا خصوص المحمولات الشرعية كما قد سمّى به فى لسان أهل الميزان حيث عبّروا عن التصديق بالحكم، و يشهد بذلك كون المقام مقام بيان خروج هذه الأقسام عن حقيقة مفهوم العام و أنّ خصوصياتها وراء ذلك المفهوم و مستندة إلى لحاظ محمول ما للعام و كون محل- النزاع في المسائل الأصولية أعمّ من الأحكام الشرعية و العرفية، كما يشهد به أيضا تمثيل صاحب الفصول (قده) لكون هذه الأقسام بلحاظ الحكم بجملة خبرية غير مربوطة بالأحكام الشرعية نظير جاء العلماء، فهذه القرائن الثلاث من الداخلية و الخارجية تشهد بأنّ المراد بالحكم فى المقام مطلق المحمول خبريا أم انشائيا شرعيا أم عرفيا.

كما أنّ المراد من كون تلك الأقسام بلحاظ تعلق الحكم ليس نشوها من ناحية ورود الحكم حتى يقال باستحالة دخل المتأخر و هو الحكم فى حقيقة المتقدم و هو انقسام موضوعه إلى الأقسام، بل المراد كما أشرنا إليه انّما هو انقسام العام فى عالم لحاظه موضوعا للحكم إلى تلك الاقسام فيكون قبل ايراد الحكم على موضوعه و بلحاظه، و لئن أبيت عن ظهور كلام صاحب الفصول (قدس سره) في هذا فصريح كلام مثل صاحب الكفاية (قده) كون التقسيم بلحاظ تعلق الحكم، و هذا غير نشوء التقسيم من قبل الحكم (و دعوى) عدم انحصار لحاظ هذه الأقسام فى العام بلحاظ تعلق الحكم ضرورة إمكان لحاظها فى نفس العام مع قطع النظر عن لحاظ تعلق الحكم مدفوعة، بأنّ المراد ليس انحصار إمكان لحاظ تلك الأقسام؟؟؟ تعلق الحكم كى يمكن‏

305

الاستشكال فيه بعدم الانحصار و إمكان اللّحاظ باستقلال، بل المراد بيان خروج هذه الأقسام عن مفهوم العام و كونها وراء حقيقة ذلك المفهوم و حيث أنّ لحاظ شى‏ء من عاقل لا بد أن يكون لفائدة فرارا عن اللغوية فالمصحح للحاظ هذه الأقسام فى العام إنّما هو وقوعها فى محل ايراد الحكم، فمجرد إمكان لحاظ تلك الأقسام ما لم يكن له مصحح لا يوجب صدوره عن العاقل، و لو أراد مدعى عدم الانحصار أنّ مجرّد إمكان لحاظ تلك الأقسام فى نفس العام دليل على قابليّة مفهومه للانقسام إليها فمعلوم أنّه أوّل الكلام مضافا إلى ما عرفت من عدم تعقل هذا الانقسام.

و أمّا الجهة الثانية- و هى أنّه هل هناك ألفاظ خاصة مستقلة قد وضعت بوضع إفرادى للاقسام الثلاثة من العموم‏

سواء اشتملت على معنى اسمى مثل، من، و ما، و أىّ الموصولة و ما ذا، و نحوها مما ذكره الشهيد فى تمهيد القواعد أو حر فى مثل، كل، و أىّ بناء على كون معناها حرفيا، أو الفاظ خاصة غير مستقلة قد وضعت لذلك كهيئة اللّام أم لا فنقول إنّ الحق عدم وضع شي‏ء ممّا ذكر على ذلك بالوضع الأفرادى، أمّا الألفاظ المستقلة المتضمنة للمعني الاسمى فلانّها كما أشرنا إليه فى المقام الأوّل من الجهة الأولى وضعت للذّات المبهمة و العموم وصف و لو كان فى قالب العناوين الاشتقاقية مثل العالم لما عرفت من أنّ العموم المأخوذ في مفهومه عبارة عن حيث انطباقه الّذى هو بنفسه مفهوم عامّ بلا دخل للذّات فى ذلك فكيف يجتمعان، فبين أسماء الذّوات كهذه الألفاظ و بين المعنى الوصفى كالعموم؟؟؟ بعيد فكيف يعقل وضع الأوّل للثانى؟، مع أنّك عرفت أن الذّات المبهمة الموضوع لها تلك الألفاظ قابلة للانطباق على الفرد أو تقييدها بقيود توجب انحصارها في الفرد فكيف يمكن وضع مثله للعموم الذي من طبعه الشّمول مضافا إلى أنّ تعريف تلك الموصولات و خروج تلك الذّوات المبهمة عن الابهام إنّما هو بتوسط صلتها و لذا قد تخرجها عن الابهام بتطبيقها على مفرد نكرة كما عرفت سابقا فمثل هذا المتوغل فى الابهام القابل للانطباق مع الفرد المتحصل بتبع تحصّل الصلة كيف يعقل وضعه للعموم فهذه الوجوه التي ذكرها النحاة كوقوعها موصولة تارة و موصوفة أخرى و استفهامية ثالثة و هكذا إنّما هى معان متحصّلة من مجموع الجملة من الموصول و الصلة، غاية الامر أسندت إلى هذه الألفاظ باعتبار استعمالها

306

فى تلك الجمل الاستفهامية و الوصفية و غيرهما و ليست من المعاني الافرادية لتلك الالفاظ، كيف و شأن النحاة إنّما هو بيان الاعراب المفهم للمعاني أعم من كونها جملية أو افرادية فلقد أوقع بعض الاصوليين فى وهم كونها معاني افرادية للالفاظ المزبورة إسنادها في كلمات النحاة إلى هذه الالفاظ بالاعتبار المزبور حتى أنّ صاحب الكفاية (قده) بعد ما أنكر بمقتضى الصناعة العلمية قابلية نفس العموم بمفهومه للانقسام إلى الأقسام المزبورة قد وقع فى هذا الوهم بالنّسبة إلى مثل لفظ أىّ فى هامش الكفاية، و الدليل البارز علي ما ذكرنا من كون وجوه المعانى المسندة فى النّحو إلى هذه الالفاظ معانى جملية لا افرادية هو عدّهم من تلك المعانى وقوعها زيادة فى الكلام إذ من البديهى أنّ وقوعها زيادة ليس مستندا إلى الوضع الافرادى.

و أمّا الألفاظ المستقلة المتضمنة للمعني الحرفى مثل كلّ و أىّ بناء على اشتمال أىّ للمعنى الحرفى فلانّ لفظ، كلّ، سور محيط بمدخوله فهو للاشارة إلى استيعاب مدخوله كائنا ما كان من العام و غيره و لذا يحتاج شمول المدخول إلى جريان مقدمات الحكمة فيه، و بالجملة فلا ريب أنّ، كلّ، ناظر إلى جهة التطبيق فافادته استيعاب المدخول لا تخلو إمّا أن تكون بلحاظ لفظ المدخول و هو معلوم العدم أو تكون بلحاظ مفهومه و هو غير صحيح إذ العموم إنّما هو من طبع مدخوله إذا كان جنسا كالعالم أو تكون بلحاظ تطبيق المدخول مع مصاديقه و من المعلوم أنّ تطبيقه كما يكون على أزيد من الواحد نظير أكرم كل عالم كذلك يكون علي الواحد نظير كل ما فى الكيس درهم واحد بل لفظ كلّ كثيرا ما يدخل على الموصولات نطير من و ما التي عرفت كونها من المبهمات القابلة للانطباق علي الواحد و الكثير فكيف يكون هذا اللفظ موضوعا للعموم، فان قلت فما فائدة الاتيان بلفظ كلّ حينئذ قلت التأكيد كما فى مثل أجمعون و أكتعون من ألفاظ التأكيد، و أمّا أىّ بناء على حرفية معناها فلانها حينئذ للترديد القابل لان يقع بين الاثنين فما زاد نظير: أيّما الأجلين قضيت فلا عدوان علىّ: هذه كلها حال الالفاط الاستقلالية، و أمّا الهيئات كاللّام أو الجمع المحلّى بها، بناء على إفادة مفرده العموم فهى أوضح من تلك الالفاظ من جهة عدم الوضع للعموم أصلا لانّها مشيرة إلى ما أريد من مدخولها إجمالا و ليست معينة للمراد منه، فلو لم يكن هناك عهد

307

ذكرى أو ذهنى أو إشارة خارجية بالنسبة إلى مدخول اللّام يوجب تعيين المراد منه بأن يقال مشيرا إلى الحاضر فى المجلس أوصيك بهذا الرّجل، لا تفيد اللّام شيئا و لا يخرج المدخول عن الاجمال أصلا، و هكذا بالنسبة إلى الجمع المحلّى باللّام كالعلماء فتعيين المراد منه من كونه ثلاثة كما هو أقل الجمع أو أزيد يحتاج إلى القرينة و لو كانت هى مقدمات الحكمة، و أمّا المركبات مثل الجميع و المجموع فلا المادّة الموجودة فيها أعنى [ج، م، ع،] تدل بمفهومها على العموم إذ معناها الانضمام و هو غير الشمول و لا نفس الهيئة موضوعة بالوضع النّوعى لذلك لانّ معنى هيئة فعيل كما فى الجميع بحسب الوضع القياسى هو اتّصاف الذّات بهذا المبدء كما أنّ معني هيئة مفعول كما في المجموع هو ورود المبدء علي الذّات بل الجامع بين تلك المادة و هذه الهيئة و التركيب بينهما يفيد العموم و لذا يختلف نحوه باختلاف الهيئة فالجميع يفيد الاستغراقية و المجموع يفيد المجموعية و هذا غير وضع الهيئة افراديا للعموم كما هو محلّ النّزاع، نعم لو اقتنع أحد في مقام تفسير الوضع للعموم بافادة جملة للعموم فله ذلك و لا مشاحّة فى الاصطلاح لكنّه خلاف المتنازع فيه من وجود ألفاظ موضوعة بالوضع الافرادى للعموم و عدمها، و سيأتى لذلك مزيد توضيح.

تنبيهات، لدفع اشكالات‏

الأوّل قد عرفت أنّ الاستغراقيّة و المجموعية و البدلية خصوصيات خارجة عن حاقّ مفهوم العامّ حاصلة في ناحية مصداقه

لعلماء مثلا بلحاظ تعلق الحكم به فالاستغراقية إنّما هى مستفادة من مقدمات الحكمة فى مثل أكرم العلماء و المجموعية تفهم من زيادة قيد فى الجملة يكشف عن لحاظ الكثرة في ظرف الوحدة فى مثل أكرم مجموع العلماء و البدلية تستفاد من الاعراب الموجود فى الكلمة كالتنوين فى أكرم عالما حيث يكشف عن لحاظ قيد الوحدة فى الكثرة، فانقدح بدلك ضعف ما قيل من أنّ الفرق بين العام الاصولى مع الكلى المنطقى هو إمكان لحاظ الاستغرافية و المجموعية و البدلية فى حاقّ المفهوم في الاوّل دون الثّانى لأنّ هذه اللحاظات كما عرفت خارجة عن حاقّ المفهوم منضمّة إلى مصداقه فى عالم الموضوعية للحكم فمجرد انضمام لحاظين لا يوجب تقوّم الملحوظ الأوّل بالثّانى كى يفترق به العام الأصولى عن الكلى المنطقى، بل يتشكّل العام الاصولى من تطبيق‏

308

الكلى المنطقى على ما فى الخارج من المصاديق و لحاظه كذلك موضوعا للحكم بأحد الأنحاء الثلاثة، كما انقدح به فساد ما ذهب إليه بعض الاساطين (ره) من أنّ العام لا يكون بدليا بل البدلية تكون عامّة مستشهدا بوحدة الحكم، فانّ مجرد وحدة الحكم لا توجب البدلية كيف و وحدة الحكم موجودة فى الاستغراقى و المجموعى أيضا، فلو كان ذلك يمنع عن اتصاف العام بالبدلية فلا بد أن يمنع عن اتصافه بالقسمين الأخيرين و لو كان يوجب اتصاف البدلية بالعموم فلا بد أن يوجب اتصافهما به، بل معروض البدلية إنّما هو الوصف الذي يكون عامّا فى ذاته كعالم فى أكرم عالما غاية الأمر أن لحاظ الوحدة فى ذلك الوصف الذي يكشف عنه إقحام تنوين التنكير يوجب انتزاع البدلية، فهي مولودة من التأليف بين ذلك الجنس و بين لحاظ الوحدة فيه و لذا لو تبدل التنكير بالتمكن بقي ذلك الجنس كالعالم على عمومه بلا استفادة البدلية من الجملة، و بذلك يفترق العام البدلى عن الفرد المنتشر إذ الأمر فيه على عكس ذلك بمعني أنّ الوحدة مأخوذة في حاقّ ذاته غاية الأمر أنّ لحاظ تطبيق ذلك الواحد مع المتعدد يوجب انتشاره بالعرض بذلك الاعتبار كما فى قولك أكرم أحد هؤلاء و انقدح أيضا فساد ما ذهب إليه بعض الاعاظم (ره) من التفصيل بين العام الاستغراقى و المجموعى و بين البدلى بأن التقسيم بالنسبة إلى الأولين بلحاظ الحكم و بالنسبة إلى الأخير بلحاظ المدخول، إذ لو أريد من كونه بلحاظ المدخول إمكان استفادة البدلية من القيد المأخوذ فى الجملة و لو كان إعراب الكلمة و عدم دخل القيد فى مفهوم العام فقد عرفت عدم دخله فى الاستغراقى و المجموعى أيضا، فيمكن أخذ قيد المجموع فى العام المجموعى و الجميع فى الاستغراقي ليستفاد الاستغراقية و المجموعية من المدخول بهذا الاعتبار، و لو أريد من ذلك دخل الخصوصيّة فى قوام مفهوم العام من ناحية لحاظ الحكم فى الاستغراقى و المجموعي دون البدلى فقد عرفت عدم دخلها فيه، و لو أريد غير ذلك فليبيّن حتّى ننظر فيه.

الثانى قد عرفت أنّ عموم مصداق العام كالعلماء إنّما هو من جهة تطبيقه على أفراده و هذا الحيث معنى حرفى قائم بالغير لكن يمكن أن يؤخذ هذا المعنى اسميّا و يوضع له لفظ

كالاستيعاب بالنسبة إلى لفظ كل فانّه وضع لاستيعاب‏

309

مدخوله، و لاجل لحاظ ذلك المعنى اسميا فيه يقع ركنا في الكلام كالمسند إليه فيقال الكلّ للاستيعاب كما يقال من للابتداء و فى للظرفية، فاذا أضيف إلى الغير يفيد جهة الحرفية كما في أكرم كل عالم، فاندفع بذلك ما قيل من أنّ، كل، كيف يكون اسما مع كون معناه حرفيا! حيث عرفت أنّ المعنى الحرفى قد لوحظ فيه اسميّا، كما اندفع ما قيل من أنّ معناه إذا كان اسميّا فكيف يكون أداة حيث عرفت أنّ كونه أداة إنّما هو بلحاظ حال إضافته التى تفيد جهة الحرفية، و انكشف أيضا أنّ كلّ، لا يفيد المجموعية لمدخوله كما توهم بل الاستغراقية، و قد تبيّن بهذا التنبيه حال الجهة الثالثة من البحث في هذا الفصل و هى أنّ المعنى الحرفى كيف يؤخذ اسميا؟.

الثالث قد عرفت أنّ العام هو ما يكون فى طبع مفهومه السّريان إلى أزيد من واحد

فالمحصور بين الحدّين الذي يكون محدّده عامّا ليس من العامّ فى شي‏ء و ذلك مثل العشرة، فانه محصور بين المبدء و المنتهى، فمفهومه بنفسه بسيط لا يتعدى، نعم الواحد الذي هو محدّد العشرة و مشكّلها إذ من تكرره تحصل العشرة لما كان سيّالا ساريا فى آحاد العشرة يكون عامّا، و كذلك جميع عناوين الاعداد فمفاهيمها بسيطة لا تتجاوز حدودها المعينة و محدّدها أى الواحد السّارى فى آحادها هو العامّ، و هذا كما فى اليوم و الليلة فانّ كل واحد منهما محدود بين المبدء و المنتهى كالفجر إلى ذهاب الحمرة لليوم و عكسه لليل، فمفهومهما بسيط لا يتجاوز حدّه المعين لكن الآن السيّال الذي يشكّلهما يكون عامّا و لاجل ذلك عبّر عن العام الاستغراقى بالحركة القطعية بلحاظ سريانه فى أفراده و عن العام المجموعى بالحركة التوسطية بلحاظ كونه محصورا بين المبدا و المنتهى.

الرابع قد عرفت أنّ لفظ، كل، وضع للاشارة، إلى استيعاب مدخوله و أنّ الاشارية و المرآتية التى هو معنى حرفي و إن أخذت فى حاقّ معناه و لذا يكون أداة لكن قد لوحظ ذلك المعنى اسميّا فى عالم وضع هذا اللفظ و تبرز جهة الحرفية فى صورة الاضافة

، فمفاد، كل، إنّما هو الكشف عن وجود السّعة فى ناحية مدخوله لكن بنحو الابهام القابل للانطباق على خصوص ما أريد من المدخول جدا و بحسب‏

310

الواقع لا بنحو الشمول لجميع مفهوم المدخول، إذ لازم ذلك كون كل، ذا لسانين أحدهما أصل وجود السّعة في مدخوله ثانيهما استغراق تلك السّعة جميع أفراد مفهوم المدخول مع أنّ هذا خلاف ما ينسبق من لفظ كل إذ المنسبق منه خصوص الأوّل، فما ذكره بعض المحققين (قده) فى تعليقته على الكفاية من دلالة كل علي استغراق أفراد المدخول مستشهدا بوضعه لاستيعاب المدخول بنحو الشمول فى غير محله، لما عرفت من عدم كاشف عن هذا القيد فى ناحية معناه أعني كون استيعاب مدخوله بنحو الشّمول، ففرق بيّن بين وجود سعة في ناحية مدخول، كلّ، و بين عدم قيد فيه فانّ الأوّل لا ينافى تقييد إطلاق المدخول و لو بالمتصل إذ القيد حينئذ يكشف عن كون سعة المدخول التى أفادها لفظ، كلّ، باعتبار ما أريد منه واقعا لا ما يتراءى منه ظاهرا، بخلاف الثانى فينافى التقييد حتّى بالمتصل إذ المفروض حينئذ إثبات عدم قيد فى المدخول باقحام لفظ، كلّ، فاثبات وجوده فيه باقحام المقيد و لو المتصل يوجب التهافت فى الكلام، و حيث لا يرى العرف تهافتا فى ذلك فيكشف عن أنّه لا ينسبق إلى ذهن العرف من لفظ، كلّ، أزيد من أصل وجود السعة فى المدخول (و الاعتذار) عن ذلك بأنّ فى صورة زيادة القيد يكون المدخول مجموع القيد و المقيد بنحو تعدد الدال و المدلول فلم يخرج مفاد، كلّ، عن إثبات سعة المدخول و لم يستلزم ذلك رفع اليد عن إفادة استغراق أفراد المدخول (مدفوع) أوّلا بأنّ ذلك لا يتأتى فى التقييد بالمنفصل إذ لا مجال للالتزام بكون القيد أيضا جزء مدخول، كلّ، مع وضوح منافاته لافادة، كلّ، عدم قيد في مدخوله كما هو المدعي، و ثانيا بأنّ تعدد الدال و المدلول أمر ثابت فى جميع موارد المطلق و المقيد و لا اختصاص له بمثل المقام و إنّما الكلام فى أنّ مدخول، كلّ، بحسب الطبع و بما هو دالّ واحد هو خصوص ما يتلوه من المفردات كرجل، فى أكرم كل رجل أو عالم، فى أكرم كل عالم هل يحدث فيه من ناحية مفاد، كلّ، خصوصية عدم القيد حتى ينافيه إيراد قيد عليه بدالّ آخر كما فى أكرم كل رجل عالم، أو كل عالم هاشمي، و يستلزم المجازية في معنى، كلّ، أم لا حتّى لا ينافيه ايراد قيد بدال آخر و لا يستلزم المجازية بل يبقى الكلى بعد تقييد مدخوله على معناه الحقيقى الذى أريد منه من أوّل الأمر.

311

نعم لما كان مقام الاثبات مطابقا للثبوت فبعد إحراز كون المتكلم بصدد بيان سعة فى مدخول، كل، بمقتضى إقحام هذا اللفظ الذي يفيد وجود السّعة في مدخوله فالظاهر تعميم هذه السّعة لجميع أفراد المدخول، لكن بمعونة سائر مقدمات الحكمة أعني عدم بيان القيد فى مقام صالح لبيانه بعد إحراز واحدة منها هو كون المتكلم بصدد بيان أصل السّعة فى مدخول، كل، كما عرفت، و النتيجة أنّ المراد من وضع لفظ، كل، للعموم لو كان وضعه لبيان سعة فى مدخوله فهو في غاية المتانة و الصحة، أمّا لو كان المراد وضعه لبيان عدم قيد فى مدخوله فهو فى غاية الفساد، بل لا فرق بين مدخول، كل، مع سائر المطلقات من جهة الاحتياج في إثبات الشمول بالنسبة إلى جميع أفراد المفهوم إلى جريان مقدمات الحكمة، فما نفى عنه البعد في الكفاية و تبعه بعض المحققين (قدس سرهما) فى تعليقته على الكفاية من وضع لفظ، كل، للاستغراق في مدخوله و بذلك فرّق بينه و بين النكرة فى سياق النفى أو النهى يكون فى غاية البعد، و على خلاف الانسباق العرفي من اللفظ و البرهان الإنىّ فى عالم الصّناعة.

الخامس قد عدّ من ألفاظ العموم النّكرة الواقعة في سياق النفى مثل لا رجل في الدار أو النهى مثل لا تضرب أحدا

على اختلافهم فى كون هذه الدلالة لفظية كما يظهر من جماعة أو عقلية كما هو الظاهر من شارح تهذيب الأصول و صاحب الكفاية (قده) بدعوى أنّ الطبيعة حيث توجد بفرد واحد فسلبها ليس إلّا بانعدام جميع أفرادها، و ألحق هو الأخير، لما عرفت مرارا من أنّ متعلق البعث فى الأمر، ليس هو الصّرف و فى النهي مطلق الوجود كما قد يتوهم بل متعلقه فيهما الطبيعة المعرّاة، غاية الأمر حيث أنّ الطبيعة تتلبس بالوجود بمجرد تحقق فرد منها فابقاء الطبيعة علي حالها من العدم الذي هو معنى النهى لا يصدق فى صورة وجود فرد منها، فاسناد السّلب الذي هو معنى حرفي مبهم مفاد لاء الناهية أو النافية إلى تلك الطبيعة كما فى النّكرة الواقعة فى سياقهما يستلزم استيعاب مدخولها عقلا، قلاء الناهية أو النافية من جهة الاشارة إلى سعة فى المدخول نظير، كلّ، لكن علي النّحو المتقدم من الايهام القابل للانطباق على ما أريد من المدخول ليكون إطلاقه موقوفا علي مقدمات الحكمة لا الظهور في بيان عدم قيد للمدخول و كون سعة المدخول‏

312

على نحو الشمول لجميع أفراد المفهوم (و العجب) أنّ صاحب الكفاية (قده) يلتزم في هذه النكرة بنظير ما قررناه سابقا فى مفاد، كلّ، من استيعاب ما أريد لا جميع ما للمفهوم من الأفراد لكنّه مع ذلك ينفي البعد عن وضع لفظ، كلّ، للاستغراق في المدخول (مع أنّ) الملاك فى الموردين واحد هو عدم انسباق أزيد من إثبات سعة فى المدخول على نحو الابهام كما هو مفاد أىّ الحرفية بالنسبة إلى مدخولها، و ممّا ذكرنا ظهر حال لاء نفى الجنس و أنّها تدل على السّلب في مدخولها بنحو الابهام القابل للانطباق على ما أريد منه، نعم نسب إلى النحاة كسيبويه عدم احتياجها إلى الخبر أصلا لكن ألحق هو الاحتياج لأنّ معناها حرفى لربط السّلب إلى مدخولها و من المعلوم أنّ مثل هذا المعنى قائم بشيئين فقهرا لا يتمّ بدون الخبر، غاية الأمر أنّ مدخولها و هو الجنس لمّا كان مسبوقا بالعدم فاسناد السلب إليه يفهم إبقائه على العدم فبذلك تستغنى عن ذكر الخبر لا أنّها لا خبر لها أصلا.

السّادس لو دار الامر بين العام الاستغراقى و المجموعي‏

فربما يقال بتقديم الثانى و أنّ الاصل مع الشك يقتضى المجموعية سواء كان العموم مفاد الاداة كلفظ، كلّ، أو اللّام أم غيرها كالنكرة في سياق النفي و النهي، و ليعلم أنّ ألفاظ العموم على القول بالوضع فيها إن كانت موضوعة لكل من الاستغراقى و المجموعى بنحو الاشتراك اللفظى فلا بدّ فى تقديم كل منهما من قرينة صارفة و أخرى معيّنة و إن كانت موضوعة لهما معا بنحو الاشتراك المعنوى أى لجامعهما فلا بدّ فى تقديم أحدهما من قرينة معيّنة و إن كانت موضوعة لخصوص أحدهما فهو المتعين، فلا مجال لهذا النزّاع فى حق القائل بالوضع إذ لا بد له من متابعة الوضع، أمّا القائل بعدم الوضع (فربما يتوهم) إمكان أن يدعى تقديم المجموعى لانّ الاستغراقية تقتضي كون المدخول نفس خصوصيات الأفراد كزيد و عمرو و بكر إلى آخر أفراد العالم مثلا و هذا خلاف اقتضاء نفس العموم، بخلاف المجموعية فحيث ليست الخصوصيات ملحوظة فيها بل الوحدة تعرض على نفس عنوان العموم فهى أنسب بمعناه فتقدم على الاستغراقى (لكنّ الحق) خلاف ذلك لانّ السريان لما كان فى طبع العام ففهم الاستغراق منه فى عالم التطبيق علي المصاديق بلا دخل خصوصيات الأفراد

313

كزيد و عمرو فى نفس المدخول لا يحتاج إلى أزيد من جريان مقدمات الحكمة و هو عدم بيان القيد المانع عن السّريان فى مقام البيان، و هذا بخلاف المجموعية التى هى تقييد السّريان فيحتاج إلى بيان القيد و لا يكفيه جريان مقدمات الحكمة، فالاصل يقتضى تقديم الاستغراقى على المجموعي.

استدل لتقديم المجموعية فى لفظ، كل، بأنّ المفروض أنّ معناه معني اسمي و ذلك يستلزم المجموعية و يدفعه أنّ معنى، كلّ، كما عرفت سابقا حرفى في حاقّه هو حيث التطبيق على الأفراد غاية الأمر لوحظ اسميّا لدى إرادة وضع اللّفظ له و هذا المعنى لدى إضافة، كل، إلى مدخوله يعود حرفيّا، هو جهة الاشارة إلى سعة المدخول بنحو الابهام القابل للانطباق على ما أريد منه، فهو بالاستغراقية أقرب من المجموعية بل عرفت أنّ الثانى يحتاج إلى مئونة زائدة عن جريان مقدمات الحكمة بخلاف الأوّل، و فى اللام بأنّها للتعيّن و لا تعيّن لمرتبة خاصة من العام بل التعيّن إنّما هو لمجموع المراتب فيقدم على الاستغراق و يدفعه أنّ اللّام كما عرفت سابقا للاشارة إلى المراد من المدخول فان كان هناك عهد ذهنى أو ذكرى أو إشارة خارجية يوجب تعيّن المدخول فى ذلك فهو، و إلّا لا تفيد اللّام شيئا و لا تخرج المدخول عن الابهام، و فى النكرة الواقعة فى سياق النفي أو النهى بأنّ نقيض السّالبة الكلية موجبة جزئية فمثل لا تضرب أحدا ينتقض بضرب تقر واحد و هذا يكشف عن كون النفي أو النهى فى الجملة بلحاظ المجموع، و يدفعه أنّ العموم لم يقع فى حيّز النفي أو النهى في تلك الجملة حتى يكون مفادها سلب العموم المساوق مع المجموعية و إنما أستفيد العموم من السّلب، فمفاد الجملة إنّما هو عموم السّلب المساوق مع الاستغراقية، و ممّا ذكرنا يظهر ما فى الاستدلالات الواقعة لتقديم المجموعية فى سائر الالفاظ التى أدّعي وضعها للعموم مما ذكره الشهيد (قده) فى تمهيد القواعد.

فصل- في حكم العام بعد التخصيص‏

و قد عنونه صاحب الكفاية (قده) بحجية العام بعد التخصيص بالنسبة إلى الباقى و عدمها مع التعرض لاستلزام التخصيص المجازية و عدمه استطرادا، لكن القدماء قد عقد و الكلّ من الأمرين فصلا على حدة

314

و حيث أنّ جمعهما في مبحث واحد كما صنعه فى الكفاية مقنع عن المطلوب فنحن نقتفى أثره (قده) و نقول إنّ الأقوال فى ذلك مختلفة إذ مضافا إلى طرفى الاثبات و النفي أقوال فى التفصيل من جهة الحجية كالتفصيل بين المتصل و المنفصل و بين الشرط و الغاية و غيرهما فى المتصل إلى غير ذلك مما ذكرت فى كتب القدماء

و التحقيق يقتضى تمهيد مقدمة

هى إنّ لاهل المحاورة فى باب تفهيم مقاصدهم بناءين (أحدهما) استعمال اللفظ الموضوع لمعنى في معناه الموضوع له متابعة للوضع لانّ غاية الوضع الاستعمال فيما وضع له و يعبّر عن هذا البناء و الأصل المحاورى بأصالة الحقيقة و أصالة العموم أو الاطلاق في قبال المجاز الذي هو استعمال اللفظ في غير معناه الموضوع له، و بذلك يفترق عن الكناية التى هى استعمال اللفظ فى معناه الموضوع له و إرادة لازمه بجعل المعنى الحقيقى عبريّا لذلك اللازم نظير كثير الرّماد الذي جعل معناه الحقيقي معبرا إلى لازمه أى الجود و هذا غير مجاز السكاكى الذي هو خلق الفرد ادّعاء كما سيأتى تفصيل ذلك كله إنشاء اللّه تعالى (ثانيهما) تطابق الوضع مع الإرادة بمعنى تطبيق ذلك المعنى بما له من المفهوم مع لبّ الإرادة و جعله مرآة للمراد الواقعى و يعبّر عن هذا البناء بالأصل المرادى و موارد التخلف لهاتين القاعدتين غير عزيزة فى المحاورة لكنها لاجل أغراض أخر غير مضرة بأصل البناء، فهناك ظهوران فى باب المحاورة (أحدهما) ظهور اللفظ فيما وضع له و حجية هذا الظهور عبارة عن بناء أهل المحاورة على اتّباعه و الأخذ به فكما أنّ بناء أهل المحاورة علي استعمال المتكلم لفظه فيما وضع له بمقتضى الوضع لذلك فكذلك بنائهم على أخذ المخاطب بذلك الظهور (ثانيهما) ظهوره في تطبيق معناه المستعمل فيه مع المراد الواقعي و حجية هذا الظهور عبارة عن بناء أهل المحاورة على الأخذ به فمصبّ الظهور الأوّل نفس اللفظ بما هو و مصبّ الظهور الثانى هو الظهور الأوّل أى اللفظ بما له من المعنى الموضوع له، فافترق بذلك مصبّا الإرادتين الاستعمالية و الجدّية و انقدح فساد توهم اتّحادهما كما انقدح أنّ مرآتية اللفظ بمعناه الموضوع له و كشفه النوعى عن المراد الذى هو حقيقة ثانى الظهورين غير حجيته التى هي اتّباع ذلك‏

315

الظهور لدى أهل المحاورة، فتفسير الحجية بالكشف النّوعى كما صدر عن بعض المحققين (قده) فى تعليقته على الكفاية فى غير محله إلّا أن يصطلح بالحجية عن نفس الظهور الثانى و بالظهور عن الظهور الاوّل و حينئذ لا وجه للفرق بين التخصيص بالمتصل مع المنفصل كما سيأتى فتدبر جيّدا.

[العام مستعمل في معناه الموضوع له، قبل التخصيص و بعده‏]

و بعد هذا التّمهيد نقول إنّ العام أبدا سواء قبل التخصيص و بعده مستعمل فى معناه الموضوع له و هو الشمول مبهما من جهة الاستغراقية و المجموعيّة و البدليّة على ما قدّمناه من عدم صيغة خاصة وضعت لشي‏ء من الأقسام الثلاثة من غير فرق بين التخصيص بالمتصل و المنفصل، فلفظ العلماء فى أكرم العلماء العدول قد استعمل فى معناه الموضوع له و هو من حيث مادة العلم معنى حدثى خاصّ مقابل للجهل و من حيث هيئة الجمع جماعة قابلة للانطباق علي ما فوق الاثنين أو الواحد و من حيث اللّام إشارة إلى المدخول بنحو الابهام، و كذا لفظ رجل في أكرم كل رجل عالم فانّه استعمل فيما يقابل المرأة، كما أنّ كل واحد من لفظي العدول و عالم فى المثالين قد استعمل في معناه الموضوع له، فلا تصرف فى أوّل الظهورين و هو استعمال اللفظ فى معناه الموضوع له غاية الأمر أنّ تعدّد الدّالّ و المدلول باقحام قيد العدول فى الاوّل و عالم فى الثاني أوجب تضيّق دائرة موضوع الحكم الانشائى أو الخبرى المذكور فى تلك الجملة، بمعنى كشفه عن عدم تطابق المعنى الافرادى الظاهر من اللفظ كالعلماء و رجل بما له من السّعة مع لبّ الارادة بل كون المراد الواقعى للمتكلم فى عالم تعيين الموضوع لحكمه الخبرى أو الانشائى حصة خاصّة من ذلك المعنى، و تطبيق الكلى على الفرد إنّما هو علي نحو الحقيقة، و حيث أنّ تفهيم ذلك خارج عن حوصلة لفظ واحد بل لا بدّ أن يكون بدالّين أقحم القيد فى الجملة فكلّما كثرت القيود عزّ الوجود، و لذا لا فرق بين العام و المطلق من جهة الحاجة إلى مقدمات الحكمة لاستظهار السّعة في عالم تطبيق الظاهر مع المراد و من جهة كون المخصص ناظرا إلى تعيين مصبّ العام فى عالم التّطبيق على المراد كما أنّ المقيد ناظر إلى تعيين مصبّ المطلق كذلك، نعم اصطلاح لفظ العام للأوّل و لفظ المطلق للثانى لعله لاجل كون الأوّل ناظرا إلى الأفراد الخارجية و الثاني إلى نفس الطبيعة بما لها من الحصة، و كيف كان فالتصرف بالتخصيص إنّما هو فى‏

316

ثانى الظهورين المحاورين أعنى مرآتية المستعمل فيه للمراد لا في أوّلهما بأن يستعمل العلماء فى المثال الأوّل في حصة خاصة، هى العدول، و يستعمل الرّجل فى المثال الثانى فى خصوص العالم، و هكذا فى التخصيص بالمنفصل سواء كان بنحو التقييد كما إذا ورد أكرم العلماء ثم ورد في دليل آخر بشرط أن يكونوا عدولا أم بنحو الاخراج كما إذا ورد فى الدليل الثّاني و لا تكرم الفساق منهم فانّه يكشف عن عدم تطابق ظاهر العام بما له من السّعة مع المراد الواقعى فى عالم الموضوعيّة للحكم المذكور فى الجملة، بلا استلزامه استعمال العام فى حصة خاصّة غاية الأمر أنّ ورود المخصص لو كان بعد زمان الحاجة فلا بدّ أن يكون فى إبقاء ظاهر العام فى المدة الفاصلة بينهما مصلحة جابرة لفوت ما في تلك الحصة، فالتخصيص مطلقا تصرف فى الظهور المرادى لا الاستعمالى الوضعى.

و من هنا تبيّن أنّه لا معنى للتفكيك بين ظهور العام و حجيته بالنسبة إلى ما خرج عنه بالتخصيص كما صنعه صاحب الكفاية (قده) حيث فصّل بين المتصل و المنفصل فالتزم فى الأوّل بعدم انعقاد ظهور للعام بالنسبة إلى ما خرج و فى الثّانى بعدم حجية ظهوره بالنسبة إلى ذلك بعد انعقاد أصل الظّهور له، و ذلك لان المراد بالظهور لو كان أوّل الظهورين أى الاستعمالى الوضعى فقد عرفت أنّه بحاله حتّى فى التخصيص بالمتّصل بل هو مسلّم لديه بمقتضى عدم التزامه بالمجاز، و لو كان ثانيهما أى المرادى التطبيقى فقد عرفت أنّه مرتفع حتى في التخصيص بالمنفصل إذ مع وجود البيان على كون المراد التطبيقى أضيق من ظاهر اللفظ كيف تكون له لدى العرف مرآتية للكشف عن سعة ذلك المراد، مع أنّ منزلة الحجية من الظّهور منزلة الحكم من الموضوع و العرض من المعروض فترتبها على الظهور لدى تحققه كما هو مفروض صاحب الكفاية (قده) قهرىّ على حدّ قهريّة ترتب الحكم على موضوعه و العرض على معروضه بعد تحققه، فانفكاك الحجّية عن الظهور غير معقول على أيّ حال و الدّفاع عن ذلك بتفسير الحجية بالكشف النّوعي كما فى تعليقة بعض المحققين (قده) على الكفاية قد عرفت فساده، و أنّه لو اصطلح فأراد بالحجية الظهور الثاني و بالظهور الذي هو معروض هذه الحجية الظهور الأوّل فارتفاع الحجية و بقاء الظهور بهذا المعنى و إن كان صحيحا لكن لا فرق فى ذلك‏

317

بين التخصيص بالمتصل و المنفصل فالفرق بين المقامين غير وجيه علي أيّ حال.

[لا تفكيك بين الحجية و الظهور و سرّ سريان لاجمال من المتصل الى العام‏]

(فان قلت) إذا كان التخصيص تصرفا في الظهور التطبيقي دون الوضعى لعدم صيغة خاصة للعموم من غير فرق بين المتصل و المنفصل فما وجه الفرق بينهما فى الشبهة المفهومية من المخصص حيث اتفقت كلمة من عدا شاذّ من القوم علي التّمسّك بالعامّ فيها مع المنفصل دون المتصل بمعنى التزامهم بسراية إجمال المخصص المتصل إلى العام دون المنفصل، و لم لا يكشف ذلك عن وضع الصيغة للعموم؟ و ارتفاع ظهور العموم و حجيته معا في المتصل بمعنى عدم انعقاد ظهور للعام من أوّل الأمر إلّا فى الخصوص و ارتفاع حجيته فقط و بقاء أصل ظهوره فى المنفصل! (قلت) لا كاشفية لذلك عمّا ذكر أصلا بل الفرق المشهور فى الشبهة المفهومية بين المخصص المتصل مع المنفصل إنّما هو لما ذكرناه من أنّ مصبّ التخصيص مطلقا هو الظّهور التطبيقى دون الوضعى، فهو السّر في ذلك الفرق لانّ الكاشف عن المراد التطبيقى و المحدّد لموضوع الاسناد الخبرى أو الانشائى فى الجملة المشتملة على العام فى المتصل إنّما هو الظهور الجملي المتشكل من مجموع العام و المخصص نظير أكرم العلماء الا الفساق منهم، فاذا تردّد مفهوم المخصص بين الأقل و الأكثر كتردّد الفاسق بين مرتكب الكبيرة أو الأعمّ من مرتكب الصغيرة فاتّصال ذلك المخصص المجمل المردّد بين حصتين بالعام المنحل إلى حصص ثلاثة خارجا أي العدول و مرتكب الكبيرة و مرتكب الصغيرة يوجب تردّد العام من أوّل الأمر بحسب المراد التطبيقى بين حصتين و أنّه العدول فقط أم مع مرتكب الصغيرة، فيسرى إجمال المخصص إلى العام و لا ينعقد للجملة المشتملة عليه ظهور فى المراد التطبيقى بالنسبة إلى الحصة المشكوكة أصلا، بخلاف المنفصل فحيث أنّ الكاشف عن المراد التطبيقى و المحدّد لموضوع الإسناد فى الجملة المشتملة على العام ليس إلّا نفس ظهور العامّ كالعلماء فى أكرم العلماء بما له من المعنى الموضوع له بحسب المادة و الهيئة، و هذا لا إجمال و لا تردّد فيه أصلا ضرورة تبيّن مفهوم مادّة العلم و هيئة الجمع و اللّام الداخلة عليه فقد انعقد ظهوره التطبيقى في مراديّة جميع الحصص الثلاثة الانحلالية من العام، و الكاسر لهذا الظهور و القرينة

318

على خلافه و هو المخصص المنفصل مثل لا تكرم الفساق من العلماء لتردّده بين حصتين من تلك الحصص و إجماله مفهوما لا ينعقد له ظهور فى أزيد من الحصة المتيقنة كمرتكب الكبيرة، فلا يصلح لدى العرف للبيانيّة على المراد التطبيقى و تضيق موضوع الإسناد فى جملة العام إلّا بهذا المقدار، فيبقى ظهور العام أفرادا بالنسبة إلى الحصة المشكوكة كمرتكب الصغيرة صالحا للبيانيّة و الكشف عن المراد التطبيقى فيكون حجة فى ذلك.

[الفرق بين العام الاصولى و المطلق الشمولى، واضح‏]

(فان قلت) إذا كان مصبّ التخصيص فى العام مطلقا هو الظهور التطبيقى و كان هذا الظهور مستندا إلى مقدمات الحكمة لعدم صيغة خاصة للعموم كما أستفيد من مجموع ما تقدم فأىّ فرق بين العام الاصولي أى الاستغراقى و بين المطلق الشمولي مع أنّ الشّائع فى ألسنة الاصوليين تقديم العام الاصولى على المطلق الشمولي لدى المعارضة فلا بد من الفرق بينهما و ليس ذلك إلّا بالالتزام بالوضع فى الأوّل دون الثانى (قلت) هذا الفرق إنّما يلزم على القائلين بوضع ألفاظ خاصة للعموم و قد عرفت أنّ الالتزام به التزام بما لا يلزم، مضافا إلى أنّ الفرق بينهما فى غاية الوضوح إذ الأخذ باطلاق المطلق بما له من المفهوم يحتاج إلى جريان جميع مقدمات الحكمة أعنى إحراز كون المتكلم بصدد بيان أصل الشمول لا تطبيق الكلي على خصوص فرد منه الذي هو حقيقى لا مجاز فيه، و عدم إحراز بيان قيد لذلك المطلق من قبل المتكلم حتى يستغرق شموله جميع أفراد مفهوم المطلق، و عدم إحراز كون المتكلم بصدد غير الجدّ كالهزل و نحوه، بخلاف الأخذ باطلاق مدخول، كل، بماله من المفهوم في العام الاستغراقي مثل أكرم كلّ عالم فهو إنّما يحتاج إلى ما عدا المقدمة الأولى لانّ، كل، كما قدمناه يفيد سعة فى مدخوله فى عالم التطبيق على المراد بنحو الابهام فهذه السعة المستفادة من لفظ، كل، فى العام الاستغراقى إنّما هى بمنزلة الأولى من مقدمات الحكمة اللازمة فى المطلق الشمولي أعني إحراز أصل الشمول بنحو الابهام، و ليكن ما ذكرناه من الفرق بين العام الأصولى مع المطلق الشمولي هو مراد بعض الاساطين (ره) من كون لفظ، كلّ، للاشارة إلى السعة فى ناحية المدخول بعد تصريحه قبل ذلك بأنّ إطلاق مدخول، كل، مستند إلى مقدمات‏

319

الحكمة، إذ لو كان مراده من السّعة، ما هو ظاهر تقريره من الاستغراق لا ما ذكرناه من السّعة بنحو الابهام لكان بينه و بين كلامه السّابق من استناد إطلاق مدخول كل إلى مقدمات الحكمة تناقض صريح فلعلّ عبارة التقرير قاصرة عن إفادة تمام مراده.

هذا كله بناء علي مسلكنا ألحق من عدم ثبوت وضع لألفاظ العام للعموم، أمّا على المشهور بين المتأخرين من ثبوته فالحق أنّ مصبّ المجازية إنّما هو الخروج عن تحت العموم و الاستيعاب لجميع الأفراد لا أصل العموم بنحو الابهام لانّ خصوصية الاستيعاب كانت مصبّ الوضع فهي مصبّ المجازية و لذا عدّ من علائق المجاز علاقة العموم و الخصوص، و حيث أنّ الكاشف عن هذا الخروج و القرينة على هذا التّجوز ليس إلا المخصص فينحصر مقدار التجوز و الخروج في مقدار مدلول المخصص و بالنسبة إلى ما عداه يبقى ظهور العام فى العموم بحاله حجة على مراده، فالمخصص كما يكون صارفا عن المعنى الحقيقي أى استيعاب جميع الأفراد كذلك يكون معيّنا للمعنى المجازى أي الباقى فأصل وجوده قرينة صارفة و مقدار مدلوله قرينة معيّنة، كما هو الشأن فى نظائره مما تتحد فيه الصارفة مع المعيّنة مثل يرمي في رأيت أسدا يرمى فانه كما يصرف الأسد عن معناه الحقيقي و هو الحيوان المفترس كذلك يعيّن معناه المجازى فى الرجل الشجاع فهكذا فى المقام، و هذا مراد الشيخ الأعظم (قده) من قوله في التقريرات إنّ المانع عن الحمل على الباقى مفقود و لذا؟؟؟ المانع بما يوجب صرف اللفظ عن الظهور فى الباقى و إن كانت عبارة التقريرات قاصرة عن افادة تمام مراده، كما أنّ مراده (قده) من قوله إنّ دلالة العام على فرد غير منوطة بدلالته على سائر أفراده أنّ انطباق عنوان العام كالعالم على كل فرد يكون بنحو الاستقلال لاجل الانحلال إلى كل واحد من الأفراد بلا توقفه علي الانطباق علي غيره، و لذا عبّر عنه بأنّ المقتضى للحمل موجود، فما أورد عليه في الكفاية من أنّ دلالته على كل فرد تكون فى ضمن الدلالة على الجميع و حيث أنّها منتفية بمقتضى المجازية فكذلك الدلالة التضمنية فى غير محله، فظهر أنّ العام بعد التخصيص ظاهر و حجة في الباقي مطلقا و لو على المجازية.

[فى حكم العام بعد التخصيص إذا دار الامر بين خروج فرد و دخوله‏]

فصل- فى حكم العام بعد التخصيص إذا دار الأمر بين خروج فرد و دخوله‏

320

و له صور متعددة إذ الدوران تارة لشبهة مفهومية فى المخصص أوجبت إجماله كما إذا ورد لا تكرم الفساق من العلماء و تردّد الفاسق بين مرتكب الكبيرة و الأعم من مرتكب الصغيرة، و أخرى لشبهة مصداقية فيه كما إذا ورد لا تكرم النحويين و تردّد زيد بين كونه عالما نحويا كى يدخل فى هذا الخاص أو غيره كى يدخل في عموم أكرم العلماء، و الدوران فى الشبهة المفهومية إمّا بين الأقل و الأكثر كالمثال المتقدم أو بين المتباينين كما إذا ورد لا تكرم الكوفيين من العلماء و تردد الكوفيون بين النحويين و الصرفيين، و المخصص فى كلّ من المفهومية و المصداقية إمّا متصل أو منفصل فهذه صور ستة، أمّا الشبهة المفهومية مع المخصص المتصل سواء دار بين الأقل و الأكثر مثل أكرم العلماء إلّا الفساق منهم، أم بين المتباينين مثل أكرم العلماء إلّا الكوفيين فلا ريب في عدم جواز التمسّك بالعامّ بالنسبة إلى الفرد المشكوك كمرتكب الصغيرة فى الأوّل و الكوفى في الثانى، لان اتّصال المخصص المجمل بالعامّ يمنع عن انعقاد ثانى ظهوريه أى التطبيقى الذي هو مرآة مراد المتكلم واقعا، إذ الكاشف عن المراد الواقعى حينئذ هو الظهور المتحصّل من الجملة المتشكلة من عامّ ظاهر فى معناه الموضوع له و مخصص مجمل لا أوّل ظهورى العام فقط و هو ظهوره فى معناه الموضوع له مادة و هيئة كمادة العلم و هيئة الجمع فى العلماء فلو كان ظهوره الافرادى كاشفا عن المراد الواقعى كما إذا لم يتصل به مخصص أصلا فحيث لا إجمال فى ذلك الظهور الافرادى ينعقد له الظهور الثاني بالنسبة إلى جميع أفراد الموضوع له، لكن المفروض سقوط ظهوره الافرادى عن الكاشفية عن المراد التطبيقى بسبب لحوق المخصص به و كون الكاشف عنه الظهور الجملى الحاصل من مجموعهما، فاجمال أحد جزئى منشأ الظهور أى المخصص يمنع عن انعقاده و لذا نقول بأنّ التعبير بسراية إجمال المخصص إلى العامّ كما صدر عن القوم مسامحة لما، عرفت من بقاء الظهور الافرادى للعام حال اتصال للمخصص المجمل به، غاية الأمر مع الدّوران بين الأقل و الأكثر يكون الأقل متيقن الخروج و تجرى الأصول العملية فى الأكثر المشكوك فى كل مقام بحسبه و مع الدوران بين المتباينين حيث يعلم إجمالا بورود أحد القيدين لا تجرى الأصول العملية فى‏

321

شي‏ء منهما لما قرّرناه فى محله من عدم جريان الاصل اللفظى و العملي فى أطراف العلم الاجمالى أصلا.

و أمّا مع المخصص المنفصل فالدوران إن كان بين الأقل و الأكثر فالكاشف عن المراد التطبيقى حيث كان الظهور الافرادى للعام فقد انعقد له الظهور الثاني قبل مجي‏ء المخصص و هذا الظهور إنّما يرفعه المخصص المنفصل بمقدار مدلوله المفروض إجماله فيرفع الظهور التطبيقى للعام بالمقدار المتيقن الذي هو الأقل و بالنسبة إلى الأكثر الذي شكّ فى شمول المخصص له يبقى الظهور التطبيقى حجة فى كشف مراد المتكلم، و إن كان بين المتباينين فالعلم الاجمالى بورود أحد القيدين يمنع عن جريان الأصل فيهما حتى اللفظى لما عرفت من عدم جريان الأصل فى أطراف العلم الاجمالي مطلقا، فالفرق بين المخصص المتصل مع المنفصل في الشبهة المفهومية إنّما هو فى الدوران بين الأقل و الأكثر لعدم انعقاد الظهور التطبيقى رأسا فى الاول و انعقاده فى الثانى.

و أمّا الشبهة المصداقية من المخصص المتصل كاكرم العلماء إلّا النّحويين إذا تردّد زيد بين النحوى و غيره من أصناف العلماء فيشكل التمسك بالعام في الفرد المشكوك كما في الشبهة المفهومية لعين ما تقدم من عدم انعقاد الظهور التطبيقى للعام فى الكشف عن مراد المتكلم، و أمّا مع المخصص المنفصل فقد اختلفت فيه كلمات الاصوليين من جهة التمسك بالعام و عدمه فالمشهور بين القدماء و المتأخرين هو الثانى و ذهب بعض أعاظم المتأخرين (قده) في مقالاته إلى الأول و للمشهور فى عدم التمسّك براهين عديدة

[البرهان العقلى لعدم التمسك بالعام فى الشبهة المصداقية]

(منها) البرهان العقلي و تقريبه بتحرير منا مبنى على ثبوت مقدمتين إحداهما أنّ الاهمال الواقعى في موضوع الحكم محال إذ الحاكم فى عالم لحاظ موضوع حكمه لجعل الحكم عليه مطّلع على أنّه مطلق أو مقيد فيستحيل ثبوتا جعل عاقل حكما على موضوع مع إهمال الموضوع و عدم لحاظه فى عالم الجعل و إلّا لم يكن الحاكم حاكما، و تمام السّرّ فى ذلك أنّ الحكم عرض اعتبارى للموضوع فلا يعقل تحققه من دون موضوع و لذا لا يتطرق الشّك في الاحكام العقلية ضرورة إحراز العقل موضوع حكمه فما لم يحرز الموضوع لا يحكم، ثانيتهما أنّ الخاص يدلّ بالمطابقة

322

على خروج أفراده عن تحت العام و بالالتزام على تضيّق دائرة العامّ فى الموضوعية للحكم لما عرفت من استحالة الاهمال النفس الأمري، فالخاصّ كاشف عن تقيّد العام الموضوع للحكم ثبوتا و فى نفس الأمر بقيد وجودي إذا كان الخاص على نحو التقييد مثل إن كانوا عدولا بعد أكرم العلماء أو بقيد عدمى إذا كان على نحو الاخراج مثل إلّا الفساق منهم، فالموضوع لوجوب الإكرام ثبوتا بكشف التزامي من الاثبات هو العالم العادل في الأول و العالم الغير الفاسق فى الثانى على نحو موجبة معدولة المحمول فهناك في الحقيقة خاصّان هما نوعان متباينان أحدهما إكرام العالم العادل أو الغير الفاسق ثانيهما عدم إكرام الفاسق، فاذا شكّ في فرد أنّه فاسق أم لا فلا يكفى للتمسك بالعام فيه إحراز كونه عالما ضرورة عدم إحراز عنوان العام الموضوع للحكم بمجرد ذلك بل لا بدّ من إحراز قيده كعدم الفسق حتّى يجرى فيه حكمه و المفروض عدم إحرازه فلا يمكن التمسك بالعام فيه، فلو كان هناك أصل منقّح للموضوع من جهة جزئه المشكوك كالاستصحاب فهو و إلّا تجرى فيه الأصول العملية الحكمية، هذا محرّر ما يستفاد من كلمات بعض الأساطين (قده) فى تقريب عدم إمكان التمسّك بالعام فى الشبهة المصداقية.

و لتحليل هذا البرهان و تحقيق المقام كى يظهر فساد البرهان لفساد مقدمتيه نقول إنّ الخاص يمكن أن يكون على أحد أنحاء أربعة (الأوّل) أن يكون لايجاد قيد وجودى فى العام فى الموضوعية لحكمه نظير إن كانوا عدولا بعد أكرم العلماء حيث يوجد قيد العدالة الذي هو أمر وجودي فى العلماء الموضوع لوجوب الإكرام، و هذا القسم يدلّ بالمطابقة على تقييد العامّ و تنويعه إلى المقيد بذلك القيد و الخالى عنه و كون الأوّل موضوعا لحكم العام كوجوب الإكرام و الثّاني موضوعا لعدم ذلك الحكم، فاذا شكّ في فرد أنّه من أفراد الخاص أم لا كما إذا شكّ فى زيد العالم أنّه عادل أم لا فلا يمكن التمسّك بالعام لاثبات حكمه ضرورة عدم إحراز قيد موضوعه فان كان هناك أصل منقّح لذلك القيد يشمله دليل الخاص و يدخل فى حكم العام و إلّا جرت فيه البراءة عن حكم العام كوجوب الإكرام، فالتّنويع فى هذا القسم و إن كان موجودا لكنّه غير مستند إلى التّخصيص بل هو مدلول مطابقى لدليل‏

323

الخاص (الثانى) أن يكون للارشاد إلى خروج نوع تكويني من أنواع العام عن حكمه بان يكون للعام في الخارج بحسب طبعه نوعان فبعد إخراج نوع منه يختص الحكم قهرا بنوع آخر نظير: من ارتدّ عن الاسلام فاقتلوه إلّا المرأة: إذ مصداق المرتدّ منحصر تكوينا فى صنفين رجل و مرأة فاخراج صنف المرأة يوجب اختصاص الحكم و تقيده بصنف الرّجل قهرا فكانه قال اقتلوا الرّجل المرتدّ و لا تقتلوا المرأة المرتدّة، فاذا شكّ فى فرد أنّه رجل أو مرأة كما فى الخنثى بناء على عدم كونها طبيعة ثالثة فلا يمكن التمسّك بالعام لحكمه ضرورة عدم إحراز دخوله في شيئي من العنوانين كى يشمله حكمهما، و لذا نقول بأنّ ما صنعه الشهيد الثانى (قده) من الحكم بوجوب قتل الخنثى المرتدّة تمسكا بالعام فى غير محله، و بالجملة فالتنويع فى هذا القسم و إن كان موجودا إلّا أنّه تكوينى غير مستند إلى التخصيص و لحاظ قيد فى العام (الثالث) أن يكون لاخذ خصوصية في العامّ و جعل المتخصص بتلك الخصوصية محكوما بحكم آخر نظير: المرأة تحيض إلى خمسين إلّا القرشية فانّها تحيض إلى ستين: فانّ خصوصية القرشية أخذت فى المرأة للحكم على المرأة القرشية بالتحيّض إلى ستين: فاذا شكّ فى فرد أنّه قرشيّة فلا يمكن إثبات الحكم الزّائد و هو التحيّض إلى ستين فى حقه لعدم إحراز موضوعه بلا حاجة في ذلك إلى التمسّك بالاصول المنقّحة لاثبات تلك الخصوصية إذ الشكّ فى موضوع الحكم الزّائد كاف فى عدم جريانه، أمّا حكم العام و هو التحيّض إلى خمسين فيمكن إثباته تمسّكا بالعام لاحراز موضوعه و هو المرأة، إلا بتوهّم استلزام التخصيص تقييد موضوع العام بضدّ خصوصية الخاص و ستعرف حاله.

(الرّابع) أن يكون لبيان خصوصيّة مانعة عن سريان حكم العام بأن يكون عنوان العام بمنزلة المقتضى لترتب الحكم و عنوان الخاص بمنزلة المانع عنه نظير أكرم العلماء إلّا الفساق منهم إذ الفسق يمنع عن سريان وجوب الإكرام في أفراد متخصصة بخصوصية الفسق من العلماء، فاذا شكّ فى فرد من العلماء أنّه فاسق أم لا فحيث لم يحرز الخصوصية المانعة عن سريان حكم العام يسرى إليه الحكم لانّ تمام الموضوع لحكم العامّ كوجوب الإكرام فى المثال هو عنوان العالم و قد

324

أحرزناه فيشمله الحكم، و الفسق كلما وجد يمنع عن سريانه و المفروض عدم إحرازه فلا مانع عن سريان الحكم (و توهّم) أنّ مقتضى استحالة الإهمال النفس الأمرى تعنون موضوع العام بضد الخاص كغير الفاسق فى المثال فما لم يحرز هذا القيد العدمي كما فى مورد الشّك لا يمكن سريان حكم العام (مدفوع) أوّلا بأنّ عدم لحاظ الموضوع في عالم الجعل مطلقا عن القيود ليس من الإهمال النفس الأمرى المحال كى يلزمنا لحاظ قيد عدم الفسق فى العالم الموضوع لوجوب الإكرام و إنّما هو إهماله حتى من رفض القيود و عدم لحاظها، فمع رفض القيود و عدم لحاظها بمعنى لحاظ الطبيعة المعرّاة عن كل قيد حتّى قيد الإطلاق لا إهمال واقعا فلحاظ طبيعة العالم معرّاة عن جميع القيود حتى قيد عدم الفسق كاف لجعل الحكم، فلا يلزم الإهمال النّفس الأمرى من عدم لحاظ الموضوع بوصف الإطلاق حتى يوجب لحاظ اللّافاسق مع لحاظ العالم فى موضوع وجوب الإكرام، نعم قد يجعل العنوان المعدولي كاللّافاسق مشيرا إلى خلوّ الموضوع واقعا عن القيد الوجودى المخلّ بسريان حكم العام أى الفسق و هذا غير دخل للعنوان المعدولي فى موضوع حكم العامّ، و موضوع وجوب الإكرام و إن كان حصة خاصة من العام لبّا، هى الخالية عن الخصوصية المانعة لكنّه علي نحو التقيد ثبوتا لا التقييد إثباتا بحسب لسان الدّليل و فرق بيّن بينهما، فالفسق مخلّ لا عدمه جزء للموضوع، و ثانيا بأنّ العدم بما هو عدم و لو المضاف لا يعقل دخله فى الموضوع بنحو الرّشح و التّأثير فى ترتّب الحكم لتوغّله فى الإبهام و اللّيسيّة بحيث لا يمكن الإشارة إليه إلّا ببركة الوجود كعنوان العدم الذي هو وجود ذهني، و لذا نقول بأنّ عدّ عدم المانع من أجزاء العلّة فى لسان أهل الفلسفة إنّما هو بنحو من المسامحة للاشارة إلى كون وجود المانع مخلّا بتأثير المقتضي لا كون عدمه شرطا فى التأثير، و إنّ ما تفصّي به بعض المحققين (قده) عن محذور استحالة تأثير العدم فى الوجود من كون عدم المانع شرطا فى قابليّة المحلّ لتأثير المقتضى غير صحيح إذ القابلية في نفسها ليست أمرا وجوديا وراء وجود المحل كى يكون لها شرط و لو سلمنا كونها أمرا وجوديا فهو كنفس المقتضى بالفتح من حيث استحالة تأثير العدم فيه، فكما أنّ المقتضى‏

325

للاحراق ليس إلّا النّار و الرطوبة مانعة عن تأثيرها لا أنّ عدمها شرط فى تأثير النار فكذلك المقتضى لوجوب الإكرام ليس إلّا عنوان العالم و الفسق مانع عن تأثير العنوان لا أنّ عدمه شرط فيه، و بذلك ينقدح أنّ العدم لا يعقل أن يكون ناعتا ليكون الخاص منوّعا (فانقدح) فساد كلتا المقدمتين اللتين بنى عليهما ثبوت مدّعاه من عدم جواز التمسّك بالعامّ في الشبهة المصداقية.

[البرهان المحاورى لعدم التمسك بالعام فى الشبهة المصداقية]

(و منها) البرهان المحاورى و ملخّصه بتقريب تحريرىّ منّا أنّ بناء العقلاء على الأخذ بظاهر العامّ بحسب سريانه المفهومى فى الكشف عن المراد الواقعى للمتكلم فاصالة العموم أصل مرادى يتمسّك به للشك فى التخصيص فيقال الأصل عدم التخصيص و لذا نقول مرجع الأصول اللفظية كاصالة العموم و أصالة الحقيقة و أصالة الظهور إلى الاصول العدمية دون الوجودية فهى بأجمعها أصول مرادية لا إحرازية، و إذ تبين أنّ أصالة العموم أصل مرادى لا إحرازي نقول حيث لا شكّ لنا في الشبهة المصداقية في مراد المتكلم للعلم بأنّ أفراد العام داخلة في حكمه و أفراد الخاص خارجة عنه إنّما الشكّ فى أنّ هذا الفرد من أيّهما و لذا قد يشتبه حاله لدى المتكلم أيضا فأصالة العموم لا تتكفل إحراز فرديته للعام دون الخاص كى يمكن التمسك بها لحكمه (فان قلت) أ ليس وزان عنوان العام وزان المقتضى و وزان عنوان الخاص وزان المانع و مقتضى القاعدة لدى الشكّ فى المانع الحكم بعدمه و الجرى على طبق المقضى ففى المقام لا بدّ من التمسك بالعامّ بعد دفع المانع المشكوك بالاصل (قلت) كلّا بل ما ذكر مخدوش صغرى و كبرى أمّا الأوّل فلانّ وزان الخاص ليس وزان المانع مطلقا إذ عدم شمول الحكم لافراد الخاص يمكن استناده ثبوتا إلى أحد أمور إمّا قصور المقتضى بمعنى كون عنوان العام جزء السّبب للحكم لا تمامه أو فقدان الشرط أو وجود المانع و لو كان غير عنوان الخاص فكيف يمكن إثبات كونه من قبيل الثالث و كون المانع الموجود عنوان الخاص، و أمّا الثّانى فلانّ الحكم بعدم المانع بمجرد الشكّ فيه مما لا يقتضيه أصل عقلي و لا شرعى إلا أن يتمسك لاحراز حاله بالاستصحاب و هو غير جار فى جميع موارد الشكّ فلا يمكن التمسّك بالعام فى الشبهة المصداقية، هذا بحسب ما فى تقريرات شيخنا الأنصارى (قده)

326

و قد قرر هذا البرهان بعض المحققين (قده) فى التعليقة على الكفاية بما محرّره أنّ حجية العام عبارة عن كشفه النوعي عن المراد الواقعي للمتكلم و هذه الكاشفية ترتفع بوجود كاشف أقوى من العام كالخاص بناء على ألحق من أنّ دلالة الخاص على أفراده أقوى من دلالة العام علي تلك الأفراد، فالخاص يكشف بالكشف النوعى عن تقيد العام بغير أفراد الخاص ثبوتا بمعنى قصر العام بغير تلك الأفراد ثبوتا لا بمعنى كون التخصيص منوّعا يوجب دخل عدم الخاص في موضوع العام إذ لا يعقل كون العدم ناعتا، ففى مورد الشك فى مصداقية فرد للخاص لا حجة لنا فيه لعدم إحراز شمول عنوان العام له بكشفه النّوعى بعد احتمال قصره بغيره ثبوتا لكونه من أفراد الخاص واقعا و المفروض عدم إحراز كونه مصداقا للخاصّ كى يدخل تحت كشفه النّوعى عن المراد، و لا يلزم إحراز عدم كونه من أفراد الخاص إثباتا كي يقال بأنّ عنوان العام كالعلم في زيد العالم المشكوك فسقه محرز بالوجدان فنتمسّك لحكمه بالعام و ندفع المانع المشكوك بأصالة العدم، و ليس لنا كاشف شخصىّ بالنسبة إليه فكيف يمكن التمسك بالعام لحكمه، و قد أخذ من الشيخ (قده) جماعة من المتأخرين هذا البرهان و قرّروه بتقريبات أخر مثل أنّ للعام حجيتين مرادية و تطبيقية فمع الشك فى الأولى لا يمكن التمسك بالثانية و مثل أنّ التمسك بالعام إنّما يجوز فى مورد الشك فى التخصيص لا فى المخصص و نحو ذلك مما يوجد في كلمات جلّ من تأخر عن الشيخ الأعظم (قدس سره).

أقول، حجية العام بمفهومه السريانى لدى أهل المحاورة فى الكشف عن المراد الواقعى بالنسبة إلى جميع أفراد ذلك المفهوم ممّا لا يقبل الإنكار لكن للعام حجية أخرى ينبغى تسميتها حجية تطبيقية هى صحة تطبيق المخاطب الحجة الكاشفة عن المراد الواقعى للمتكلم مع الأفراد المحرزة لديه للمفهوم السّرياني بمعنى إحراز عنوان العام فيها فانّ ذلك بيد المكلف دون المتكلم بخلاف مقام الإرادة فتعيينه بيد المتكلم، و التمسك بالعام فى الشبهة المصداقية من الحجية الأولى غير ممكن كما ذكره الشيخ الاعظم (قده) لما نبّه عليه من أنّ أصالة العموم أصل مرادى غير متكفل لاحراز حال الفرد المشكوك و أنّه من أفراد العام أم لا، لكن التمسك به فيها من جهة الحجية الثانية فى كل مورد أحرزنا كون عنوانى العام و الخاص من قبيل‏

327

المقتضى و المانع بمكان من الامكان (و توضيح ذلك) أنك قد عرفت سابقا عند الجواب عن أول براهين المشهور لعدم جواز التمسك بالعام فى الشبهة المصداقية أنّ التخصيص تارة أنواعى لتنوّع العام تكوينا خارجيا إلى نوعين بلا استناد التنويع إلى التخصيص مثل: من خرج عن دين اللّه فاقتلوه إلا الانثى إذ الداخل فى العام بعد التخصيص منحصر تكوينا فى الذّكر فاذا شكّ في فرد أنّه من أىّ النوعين كالخنثى بناء أعلى عدم كونها طبيعة ثالثة فلا يمكن التمسك بالعام لاثبات حكمه لعدم تكفله إحراز فردية ذلك فليس للعام و لا الخاص كاشفية بالنسبة إليه، و أخرى لاثبات قيد في موضوع حكم العام مثل أكرم العلماء إن كانوا عدولا و لا يمكن التمسك بالعام فيه لاثبات حكم الفرد المشكوك كزيد العالم المشكوك عدالته لان أحد جزئى الموضوع محرز و العام غير متكفل لاحراز جزئه الآخر، و ثالثة لاثبات حكم آخر للمتخصص بخصوصية زائدة عن عنوان العام مثل المرأة تحيض الى خمسين إلّا القرشية فهى تحيض إلى ستين و لا مانع فيه عن التمسك بالعام لحكم الفرد المشكوك كونه من الخاص كالقرشية لانّ عنوان العام فيه محرز و حجة عرفا فى التطبيق على أفراده المحرزة و عنوان الخاص الموضوع للحكم الزائد كالقرشية غير محرز فيه فلا يثبت له حكم الخاص بل يبقي تحت حكم العام بحسب حجيته التطبيقية القهرية، و رابعة لاثبات إخلال قيد وجودىّ فى حكم العامّ مثل أكرم العلماء و لا تكرم الفساق منهم فانه ناظر إلى إخلال الفسق و منعه عن وجوب إكرام العالم الفاسق، و لا مانع فيه عن التمسك بالعام لحكم الفرد المشكوك كونه من أفراد الخاص كالفاسق لان الشك في كونه من أفراد الخاص تمام الموضوع لعدم جريان حكم الخاص فيه فيشمله حكم العام بحسب حجيته التطبيقية لدى عرف العقلاء بعد فرض إحراز كونه من أفراده، و لذا ترى الشيخ الأعظم (قده) مع أنّه مؤسّس لكون أصالة العموم أصلا مراديا لا إحرازيا لم ينكر طى كلماته فى التقريرات إمكان التمسك بالعام فى الشبهة المصداقية في موارد كون عنوانى العام و الخاص من قبيل المقتضى و المانع و إنّما أنكر إحراز كونهما من هذا القبيل، لكنك عرفت إمكان إحرازه كيف و ظاهر أخذ قيد فى موضوع حكم موضوعيّة القيد للحكم كالفسق لعدم وجوب إكرام‏

328

العالم فى لا تكرم الفساق من العلماء، لا كون القيد طريقا كاشفا إمّا عن فقدان شرط فى موضوع حكم العام كعدالة العالم فى أكرم العلماء أو عن وجود مانع آخر عن سريان حكم العام فى المتخصص بتلك الخصوصية كرذيلة الحسد أو عن كون عنوان العام كالعالم جزء السبب لحكمه، إذ كل ذلك تأويل فى ظاهر الدّليل بغير دليل، و لا نعنى بمانعية عنوان الخاص عن سريان حكم العام و إخلاله به الذي هو أثر وجودى إلّا موضوعية العنوان لحكم مضاد مع حكم العام (فتلخص) أنّ التمسك بالعام فى الشبهة المصداقية للعام غير جائز كالاولين من أقسام التخصيص و للخاصّ جائز كالاخيرين من الأقسام، فالحرىّ جعل محطّ النزاع فى المسألة التمسك بالعام فى الشبهة المصداقية للخاص دون العام و تعنون المسألة به و تمام السّر في صحة التمسك بالعام فيها أنّ الإخلال بسريان حكم العام أثر وجودى للقيد المأخوذ في الخاصّ، و إن شئت قلت ضد حكم العام حكم شرعى ثابت لموضوعه الذي هو القيد الوجودى فما لم يحرز وجود المخل و موضوع الحكم كفسق العالم فى أكرم العلماء و لا تكرم الفساق منهم، لا وجه لترتيب الأثر الاخلالى و الحكم الشرعي، لانّ بناء العقلاء طرأ على عدم ترتيب الأثر الاخلالى حين عدم إحراز وجود المخل بل الجرى على طبق المقتضي المحرز و ترتيب أثره مطلقا فى كليّة موارد الشك فى المانع لما أسلفنا من أنّ عدم المانع ليس قيدا للعام و لذا أنكرنا القيود العدمية المشهورة فى الألسنة، فعدم إحراز غير المأكولية مثلا كاف فى صحة الصلاة بعد إحراز أجزائها و شرائطها بلا لزوم إحراز كون اللباس من غير المأكول.

و توهم أنّ قصر حكم العام بغير أفراد الخاص ثبوتا المنكشف من دليل التخصيص كاف فى عدم جواز التمسك بالعام للمشكوك كونه من الخاص و لا يلزم إحراز دخوله فى عنوان الخاص كما تقدم فى تقريب بعض المحققين برهان الشيخ الاعظم (قدس سرهما) مدفوع أوّلا بأنّ قصر الحكم بذلك ثبوتا لا يجدى للمنع عن التمسك بالعام إثباتا بل لا بد من وجود محرز إثباتا للقصر الثبوتى فى هذا الفرد و ليس هو إلّا دخوله في عنوان الخاص المفروض عدم إحرازه (و بالجملة) الحجية الثبوتية غير الحجية الاثباتية فعدم إحراز الأولى من طرف الخاص فى الفرد

329

المشكوك لا يزاحم إحراز الثانية من طرف العام فيه و ثانيا بأنّ حجية أحد دليلي العام و الخاص ثبوتا لا تنفكّ عن حجية الآخر كذلك فلو كان العام فى نفس الأمر قاصرا عن شمول الفرد المشكوك فالخاصّ شامل له ثبوتا و بالعكس بالعكس، فالتفكيك بين قصر العام و شمول الخاص أو العكس غير ممكن ثبوتا و لا إثباتا (فالعجب) من بعض أجلّة المحققين (دام ظله) فانه مع الاعتراف بمقتضى الحجية الثانية للعام أى التطبيق مع الأفراد المحرزة يناقش في التمسك بالعام فى الشبهة المصداقية تبعا لبعض المحققين (قده) فى التعليقة علي الكفاية بدعوى احتمال كون الفرد المشكوك من أفراد الخاص ثبوتا فالعام لو كان متكفلا لبيان الحكم الظاهري أيضا ليمكن التمسك به ظاهرا فى حكم الفرد المشكوك واقعا لزم اجتماع حكمين واقعى و ظاهرى في مضمون دليل واحد و لو اختص ببيان الأحكام الواقعية لم يمكن التمسك به للحكم الظاهري فى هذا الفرد (إذ قد عرفت) أنّ احتمال فردية المشكوك للخاصّ ثبوتا لا يجدى للمنع عن التمسك بالعام بعد عدم إحراز قصر العامّ بغيره إثباتا من دليل الخاص و أن عدم إحراز دخوله فى الخاص كاف لجواز التمسك بالعام لحكمه بعد إحراز عنوان العام فيه، و ليس ذلك من التمسك بالحكم الظاهري بل بالواقعى لانّ حكم العام بالنسبة إلى جميع أفراده المحرزة واقعىّ بحسب الحجية التطبيقية غاية الأمر أنّ كل حكم واقعى لا بدّ له من كاشف في مرحلة الاثبات هو فى المقام عموم العام بعد إحراز عنوانه في الأفراد فالتطبيق ظاهرى لا عموم العام، و عليه فالشكّ في خروج فرد عن حكم العام بطروّ عنوان الخاص عليه لا يوجب صيرورة حكم العام بالنسبة إليه ظاهريّا و إلّا لزم هذا المحذور عند إحراز عدالته مع كونه فاسقا واقعا حيث يطبّق عليه العام و لا يقال للعام لسانان ظاهرى و واقعى، و إن كان أصل وجود حكم ظاهري فى طول الواقعى محلّ منع كما تقدم فى مبحث الأجزاء، نعم يبقى ما تقدم عن الشيخ الاعظم (قده) من المناقشة الكبروية فى كفاية الشك فى وجود المانع في البناء علي عدمه و عدم لزوم ذلك فى الجري على طبق المقتضى، لكنّك عرفت أنّ ترتيب الأثر الإخلالي الذي هو أمر وجودى موقوف على إحراز موضوعه أعنى وجود المخل و حيث لم يحرز فلا يترتّب أثره‏

330

الاخلالى بلا حاجة إلى إحراز عدمه بالاصل كالاستصحاب حتى يستشكل بأن استصحاب عدمه المحمولى أى المطلق غير ناعت للموضوع و إن كان لنا فى أصل استلزام استصحاب العدم المحمولي للناعتية كلام مذكور في محله (و بالجملة) فمقتضى الأصل العقلائى أعنى بناء العقلاء كفاية الشكّ فى وجود المانع فى البناء علي عدمه بمعنى عدم ترتيب الأثر الإخلالى و الجرى على طبق المقتضى الذي هو في الحقيقة تمسّك بالاصل اللفظى لا بقاعدة المقتضي و المانع المتداولة فى الألسنة كى يتوحّش منها و يقال إنّها لا صغرى لها و لا كبري.

[التمسك بالعام في الشبهة المصداقية ليس من قاعدة المقتضى و المانع‏]

(فما) فى تقرير بعض الأساطين (ره) من إسناد التمسّك بقاعدة المقتضى و المانع لجواز التمسك بالعام فى الشبهة المصداقية إلى بعض‏ (1) الأصوليين و الجواب عنه أوّلا بعدم انحصار عنوان المخصص فى المانع بل قد يكون من الشرط أو الجزء نظير لا صلاة إلّا بطهور أو بفاتحة الكتاب و ثانيا بعدم دليل شرعى أو عقلي على هذه القاعدة فلا يمكن التمسك بها لاثبات قاعدة أصولية أو فرعية (مدفوع) بما عرفت من أنّه ليس من التمسك بالقاعدة لاثبات التمسك بالعام بل تمسّك بأصل لفظى و دفع لمزاحمة الخاص عن جريان حكم العام فى مورده بعد إحراز كونهما من قبيل المقتضي و المانع، إذ الدليل على كون الخاص من قبيل المانع لفظى هو ظهور أخذ عنوان الخاص في موضوع حكمه في الموضوعية دون الطريقية و على عدم جريان حكم الخاص في الفرد المشكوك عقلي هو توقف ترتيب الأثر الوجودى لموضوع على إحراز ذلك الموضوع و كفاية الشك فى وجود الموضوع لعدم ترتيب أثره الوجودى، ففى مشكوك الفسق من العالم حيث أحرزنا من دليل لا تكرم الفساق من العلماء موضوعية الفسق لعدم وجوب إكرام العالم و لم نحرز موضوع هذا الحكم يحكم العقل بتّاً بعدم ترتب حكمه و حيث أحرزنا من دليل أكرم العلماء موضوعية العالم لوجوب الاكرام و أحرزنا موضوع هذا الحكم يحكم العقل بتّاً بترتب حكمه الذي هو عبارة أخرى عن أصالة العموم الذي هو أصل لفظى، مضافا إلى أنّ مثل لا صلاة إلّا بطهور يكون فى مقام تركيب الماهية الصلاتية و بيان أجزائها و شرائطها فليس من تخصيص عام باخراج بعض أفراده عن حكمه كما هو محل الكلام، و إلى ما نبّهنا عليه غير مرة من أنّ قاعدة المقتضى و المانع فى نفسها قاعدة عقلائية ممضاة لدى الشارع، ثم‏

____________

(1) المولى المير محمد تقي في رسالتا لحق و الحكم‏

331

إنّه نقل فى وجه التمسك بالعام اختصاص حجيته بما ليس هناك حجة أقوى و فى الشبهة المصداقية حيث لم يحرز دخولها في عنوان الخاص تبقى حجية العام بلا معارض و ردّه بما يرجع إلى قدمناه فى تقرير بعض المحققين برهان الشيخ الأعظم (قدس سرهما) من كشف الخاص عن تقيّد العام واقعا بغير أفراد الخاص و معه لا يبقى محلّ لكشف العام عن حال الأفراد من جهة دخولها فى عنوان الخاص و عدمه، لكنك عرفت عند جوابنا عن ذاك التقرير أنّ العام ليس متقيدا بغير أفراد الخاص و أنّنا لسنا بصدد كشف حال الأفراد من جهة الدخول في الخاص و عدمه من ناحية العام بل احراز عنوان العام فيها و كفاية عدم إحراز عنوان الخاص فى عدم جريان حكمه فيها فيبقى جريان حكم العام فيها بلا مزاحم، فهو كما قلنا تمسك فى الحقيقة بأصل لفظي هو أصالة العموم و دفع لمزاحمة الخاص عنه بأصل عقلائى فتدبر جيدا.

[تقريب التمسك بالعام في الشبهة المصداقية فى المخصص اللّبى‏]

ثم إنّ كثيرا ممن قال بعدم جواز التمسك بالعام فى الشبهة المصداقية قال بجوازه فى المخصص اللّبى بتقريبات مختلفة (منها) ما يظهر من تقريرات الشيخ الأعظم (قده) من أنّ المخصص اللّبي لا يوجب تعنون العام بعنوان آخر غير عنوانه الذّاتى و إن كان بينهما تناف ثبوتى فما لم يحرز المتكلم عدم وجود مناف للعام فى الخارج لا يصحّ إطلاق العام من غير مخصص، فاطلاق العام يكشف عن عدم مناف له فى الخارج فاذا قال أكرم جيراني أو لعن اللّه بنى أمية قاطبة أو جئنى بالبطيخ و دلّ المخصص اللّبى على عدم وجوب إكرام عدوّ المولى من جيرانه و لا جواز لعن المؤمن من بنى أمية و لا الإتيان ببطيخ فاسد فمنافاة ذلك مع العام ثبوتا محقق لكن حيث لا يوجب تعنون العام بغير العدوّ و المؤمن و الفاسد فاطلاق العام إثباتا فى عالم تعليق الحكم يكشف عن عدم عدوّ للمولى فى جيرانه و لا مؤمن فى بنى أمية و لا فاسد فى البطيخ، فاذا شك فى كون فرد من المخصص جاز التمسك بالعام لحكمه، و قد أخذ من الشيخ الاعظم عين هذا التقريب بعض الأساطين بل استجوده أخيرا بعض الأعاظم (قد هم) بعد تقريبه أوّلا عدم الفرق بين المخصص اللّفظى و اللّبى (و منها) ما يظهر من صاحب الكفاية (قده) من أنّ الحجة على الخروج في المخصص اللّبى ليس إلّا القطع بالخروج فما علمنا بخروجه عن العام لا يكون العام حجة بالنسبة إليه و ما شككنا فى خروجه‏

332

يبقي العام حجة بالنسبة إليه و يدل على ذلك استقرار سيرة العقلاء علي التمسك بالعام فى الشبهات المصداقية للمخصص اللّبى، ثم احتمل فى آخر كلامه إمكان تقريب ذلك بما تقدم عن الشيخ (قده) أيضا (و منها) ما يظهر من المحقق الهمدانى (قده) في أوائل طهارة مصباح الفقيه لدى التعرض لحكم موارد الخروج عن الابتلاء أو القدرة من أنّ التخصيص فى اللّبي ليس أنواعيا يخرج عنوان الخاص كالعاجز عن العام بل أفرادى و بحكم العقل إذ العقل يحكم بأن الفرد المحرز عجزه عن الامتثال خارج عن حكم العام و كذا كل فرد أحرز العقل فرديته للمخصص، فمع الشك فى الفردية يصح التّمسك بالعام و لذا يتمسك فى موارد الشك فى القدرة أو الابتلاء بعموم العام، و لعل مرجع هذا التقريب إلى التقريب المتقدم من صاحب الكفاية (قده) (و منها) ما يظهر من بعض المحققين (قده) في تعليقة الكفاية من أنّ إطلاق العام فى المخصص اللّبى الذي لم يخصص بمخصص لفظى له دلالتان إحداهما الدلالة على عدم منافاة عنوان مع عنوان العام ثبوتا كعنوان العداوة في أكرم جيراني و عنوان الإيمان فى لعن اللّه بنى أمية قاطبة، ثانيتهما الدلالة على عدم مناف معه خارجا كعدم عدوّ فى جيران المولى و عدم مؤمن فى بنى أمية فالدلالة الأولى للعام في مورد الشك في مصداق المخصص اللّبي و إن كانت ساقطة لكن دلالته الثانية باقية على الحجية، فتعلق الحكم لبا بغير أفراد المخصص غير مربوط بدلالة العام على عدم المنافي له خارجا (لا يقال) أ ليست الدلالة الثانية تابعة للاولى فى الحجية فمنافاة المخصص اللّبى مع الأولى و كونه سببا لسقوطها عن الحجية تستلزم منافاته مع الثانية و سقوطها عن الحجية (لانا نقول) كلّا لا ملازمة بينهما فى الحجية فسقوط الأولى لا ينافى بقاء الثانية، و مرجع هذا التقريب إلى ما تقدم عن الشيخ الاعظم (قده) مع تفاوت إسناد عدم المنافي إلى إحراز المتكلم فى كلام الشيخ (قده) و إلى دلالة العام فى كلامه (و منها) ما يظهر من بعض أجلة المحققين (دام ظله) من أنّ العام له حجيتان لدى العقل كبروية هي الكشف عن دخول كل فرد من أفراده في الحكم و صغروية هي صحة تطبيقه مع ما أحرز فرديته للعام فى الخارج، و الاعتماد علي حكم العقل في الثانية ممكن بالنسبة إلى الشبهات المصداقية و لعلّ‏

333

حكمة إبقاء العام على عمومه اهتمام المولى بذلك الحكم فلا يخصصه باللفظى حتى يتحفظ عليه فى موارد الشك و يتحقق فى جميع الأفراد الواقعية.

[الجواب الاجمالى عن تقريبات القوم للفرق بين اللّفظى و اللّبى‏]

هذه كلمات القوم فيما عثرنا عليه و مرجع كثير منها إلى ما أفاده الشيخ الأعظم (قدس سره) في التقريرات فلها جواب إجمالى وحدانى و جواب تفصيلى بالنسبة إلى كل واحد من التقريبات (أمّا الأوّل) فهو أنّه لا فرق بين المخصص اللّفظى مع اللّبى من حيث كشفه عن الخروج الواقعى و قصر الحكم بغير أفراد الخاص فلو قلنا باستلزام ذلك تنويع العام فليكن كذلك فيهما و عليه لا يجوز التمسك بالعام فى الشبهات المصداقية للمخصص فى شي‏ء منهما و إن قلنا كما هو ألحق الذي أسلفناه بعدم استلزام ذلك التنويع فكذلك بالنسبة إليهما و عليه يجوز التمسك بالعام فى الشبهات المصداقية لكل منهما و لذا لا يرتاب أحد فى عدم جواز التمسك في المخصص اللّبى إذا أحرز كون التخصيص أنواعيا (و أمّا الثاني) فيتوجّه علي تقريب الشيخ الاعظم (قده) أنّ دعوى كشف إطلاق العام عن إحراز المتكلم عدم المنافي للعام فى الخارج تخرّص بالغيب بل التخصيص اللّبى الذي يوجب حسب اعترافه (قده) قصر حكم العام ثبوتا بغير الأفراد المخصصة بنفسه مانع عن انعقاد ظهور للعام فى كون جميع الأفراد مرادا للمتكلم، و لذا أورد عليه بعض أجلّة المحققين مد ظله بأنّ الأصل المرادى يسقط عن الحجية بالنسبة إلى الفرد المشكوك ثم ذكر في تقريب أصل المدعى ما تقدم عنه، و يتوجّه على تقريب صاحب الكفاية (قده) أنّ القطع بالخروج غير الحجة على الخارج فانحصار الحجة على التخصيص بالقطع بالخروج لا يوجب صحة تشخيص ما هو الخارج بالعلم بالخروج، فكل فرد علم بخروجه قامت فيه الحجة علي تطبيق عنوان الخارج عليه فصحّ تشخيص ما هو الخارج به و سقط العام عن الحجية بالنسبة إليه و ما لم يعلم فيه ذلك فلا حجّة لنا على التطبيق و لا مشخص لما هو الخارج بالنسبة إليه كى يسقط العام عن الحجية، و هكذا فى المخصص اللّفظى بلا فرق بينهما إلّا من جهة كون لسان الإخراج في أحدهما لسان العقل و فى الآخر لسان اللفظ أمّا استقرار سيرة العقلاء على التمسّك بالعام في الشبهات المصداقية فهو متحقق في اللّفظى كاللّبي و لا ينحصر بالثّانى،

334

و يتوجه علي تقريب بعض المحققين (قده) بعد تسليم دلالة العام على عدم المنافي له فى الخارج و الغضّ عن منع الدلالة أنّه كما يمكن الاعتماد فى المخصص اللّبى على حكم العقل فى أصل المنافاة مع عنوان العام كذلك يمكن الاعتماد عليه فى وجود المنافي له فى الخارج، فمحرز أصل التخصيص و المنافاة و هو العقل يمكن أن يكون محرز مصداق الخاص و المنافي أيضا، و يتوجّه على تقريب المحقق الهمدانى (قده) أنّ حكم العقل بخروج الفرد فى المخصصات اللّبية كزيد العدوّ فى أكرم جيرانى ليس حكما جزافيا بل هو مستند إلى حيث عامّ موجود فى ذلك الفرد كالعداوة في المثال و لذا يعلّل حكمه بذلك فيقول لا تكرم زيدا لانّه عدوّ و العلل في الأحكام العقلية موضوعات لها فتمام موضوع حكم العقل بعدم وجوب الإكرام فى المثال إنّما هو عنوان العدوّ، و من هنا يعلم ما يتوجه على تقريب بعض أجلّة المحققين (دام ظله) من أنّ الاعتماد فى عالم التّخاطب علي حكم العقل من حيث الحجية الصغروية أى التطبيق إنّما يصحّ مع وجود الحجية الكبروية أى الكشف عن المراد لانّ التطبيق فى طول عنوان العام و بلحاظه لانّ حكم العقل معلّل كما عرفت آنفا، فمع انتفاء الأصل المرادى و سقوطه عن الحجية كما هو مفروض المخصص اللّبى الذي يقصر حكم العام ثبوتا بغير الأفراد المخصصة و يكفى معه احتمال كون الفرد خارجا واقعا فى عدم انعقاد ظهور له فى العموم المرادى كيف يصح تطبيق ذلك مع هذا الفرد المشكوك، فلم يثبت فرق بين المخصص اللّبى مع اللّفظى من جهة حكم العام فى الشبهات المصداقية (و ظنّى) و إن كان لا يغنى لغيرى أنّ القوم لما رأوا استقرار سيرة العقلاء على التمسك بالعام فى الشبهات المصداقية إذا كان من قبيل المقتضى و المانع كما فى المخصصات اللّبية إذ الغالب كونها من هذا القبيل تصدّوا لتوجيهه بهذه التقريبات، مع أنّ السيرة مستقرة فى ما كان من ذاك القبيل حتّى فى غير اللّبيات و لذا لا يرتاب أحد من العقلاء فى عدم جواز التّمسك بالعام فى الشبهة المصداقية للمخصص إذا أحرز كون التخصيص أنواعيّا، بل قد عرفت أنّ التخصيص على أربعة انواع و التمسك بالعام جائز في قسمين منها دون الآخرين فهكذا فى المخصصات اللّبية عنا فتدبر جيدا.

335

ثم إنّ صاحب الكفاية (قده) مع اختياره عدم جواز التمسك بالعام فى الشبهة المصداقية كما تقدّم قال بأنّ التخصيص بالمنفصل أو ما هو بمنزلته فى كونه إخراجا لا تقييدا للعام كالاستثناء من المتصل حيث لا يوجب تنويع العام كى يستلزم تعنون الباقى بعد التخصيص بعنوان خاص بل يبقى الباقى علي حاله من قابلية التعنون بكل عنوان عدا عنوان الخاص المفروض خروجه عن العام، ففى الشبهات الموضوعية للعام لو كان هناك أصل منقّح للموضوع يمكن إحراز الموضوع به و التمسك بحكم العام له، ففى مثل: المرأة تحيض إلى خمسين إلّا القرشية فانّها تحيض إلى ستين:

إذا شك فى مرأة أنّها قرشية أم لا يمكن إحراز موضوع العام فيها بأصالة عدم الانتساب بينها و بين قريش بمعني استصحاب عدمه المحمولى الّذى هو مفاد كان الناقصة لا عدمه النّعتى الذي هو مفاد كان التّامة، إذ نفس عدم ثبوت الانتساب بينها و بين قريش كاف فى إحراز ما هو موضوع العام أى التّحيّض إلى خمسين بلا لزوم إحراز اتّصاف المرأة بهذا الوصف العدمي و هو كونها غير منتسبة إلى قريش، و هكذا فى لا تكرم الفساق من العلماء بعد أكرم العلماء إذا شكّ فى فرد من العلماء أنّه فاسق أم لا فيستصحب عدم فسقه المحمولى و ينقّح به موضوع العام فيشمله حكمه، هذا محرّر ما أفاده (قده) و قد اشتبه الأمر على جماعة ممّن تأخر عنه فزعموا أنّ مراده (قده) سببية التخصيص لتعنون العام بأيّ عنوان غير عنوان الخاص كعنوان النّحوى و الصّرفى و غيرهما من العناوين المتصورة للعالم غير عنوان الفاسق فى مثل أكرم العلماء بعد التخصيص بلا تكرم الفسّاق منهم، فاعترضوا عليه بعدم صحة ذلك مع أنّ صاحب الكفاية (قده) أجلّ شأنا من أن يتفوّه بمثل هذا الأمر الذي لا ينبغى إسناده إلى فاضل فضلا عن خرّيت هذه الصّناعة.

و لتوضيح ذلك و تحكيم ما قدّمناه من جواز التمسك بالعام في الشبهة المصداقية للخاص و تحقيق المقام نذكر كلمات القوم و نتأمل فيها ثم نبيّن ما هو الحقّ عندنا فنقول و عليه التكلان إنّ المستفاد من تقريرات الشيخ الأعظم (قده) كما أشرنا إليه في طي كلماتنا السالفة أنّ التخصيص يوجب تعنون العام بعنوان ثبوتى كالعدالة فى أكرم العلماء و لا تكرم الفساق منهم بمعنى أنّ إخراج عنوان‏

336

الخاص كالفاسق عن العام يدل بالالتزام علي إحداث عنوان ثبوتى في العام كالعادل لعدم واسطة بين العنوانين خارجا، فمثله (قده) لا بدّ أن يلتزم بعدم جواز التمسك بالعامّ في الشبهة المصداقية ضرورة عدم إحراز ما هو موضوع حكم العام و هو المعنون بعنوان ثبوتي كالعالم العادل فى المثال، لكن التعنون بعنوان ثبوتى علي هذا المبنى إنّما هو فيما إذا كان لعنوان الخاص ضدّ و كان العنوانان من الضدين لا ثالث لهما كعنواني الفاسق و العادل للعالم، فان لم يكن له ضدّ وجودي كالقرشية فى المثال المتقدم فلا بدّ أن يلتزم (قده) بتعنون العام بنقيض الخاص كغير القرشية، و المستفاد من كلمات بعض الأساطين (ره) سببية التخصيص لتعنون العام بعنوان عدمى مطلقا هو نقيض عنوان الخاص كغير الفاسق أو غير القرشية فى المثالين، فهو يشترك مع الشيخ الاعظم (قده) في أصل السببية لنتعنون بعنوان غير عنوان الخاص و يفترق عنه بالالتزام بالتعنون بعنوان عدمى لا ثبوتى بدعوى أنّ الخاص قاصر عن الدّلالة على إحداث عنوان ثبوتى فى العام كالعدالة في العالم لانّ بين عنوان العام كالعلم مع عنوان الخاص كالفسق واسطة هو غير الفاسقية، فغاية ما يدل عليه التخصيص بعد استحالة الإهمال النفس الأمرى تقيّد موضوع العام بعد التخصيص بنقيض عنوان الخاص كما تقدم تفصيل برهانه بعنوان أوّل براهين المشهور على عدم جواز التمسك بالعام فى الشبهة المصداقية، و هذا القائل ممن استظهر من كلام صاحب الكفاية (قده) سببية التخصيص لتعنون العام بأىّ عنوان غير عنوان الخاص مع أنّ تعنون الباقى و تقيّده بكل عنوان غير عنوان الخاص شيئي و انطباق كل عنوان غير عنوان الخاص عليه بالطبع لا من قبل التخصيص بمعنى شمول حكم العام للمعنون بجميع تلك العناوين شي‏ء آخر، و المستفاد من كلام صاحب الكفاية الثانى دون الأول كيف و هو (قده) بصدد بيان أنّ الخاص لا يوجب تنويع العام كي يستلزم تعنون الباقى بعنوان خاص فكيف يلتزم بتعنونه و تقيّده بأىّ عنوان غير عنوان الخاص، نعم يبقى إشكال أنّ مراده (قده) لو كان ما ذكرنا فأىّ حاجة إلى استصحاب العدم فى تنقيح الموضوع إذ المفروض عدم تعنون العام بعنوان غير عنوانه الذاتى كالعالم و هو محرز بالوجدان فلا حاجة فى إحراز الموضوع إلى الأصل، و لذا

337

ربما يتوهم مناقضة صدر كلامه مع ذيله و يندفع بامكان جعل الذيل قرينة على المراد من الصدر بل جعل أوّل الصدر قرينة عليه حيث صرّح أوّلا و صدّر كلامه بأنّ الباقي لا يكون معنونا بعنوان خاص، لكنّك ستعرف وجه هذا الأصل و بيان ما هو ألحق عندنا.

ثم إنّه (ره) تصدّى لتحقيق حال الاستصحاب في المقام ببيان مقدمات ثلاثة (الأولى) أنّ التخصيص ينوّع العام إلى الخاص و نقيضه قضاء لاستحالة الإهمال النفس الأمرى (الثانية) أنّ الاعراض الطّارية على الشي‏ء تارة ينقسم إليها المعروض بطبعه كانقسام زيد بالطبع إلى الفاسق و غيره و نحوه من الاعراض و هذا الانقسام أوّلىّ و أخرى ينقسم إليها المعروض بلحاظ الخارج عن ذاته كانقسام زيد إلى عدم عمرو و عدم غيره و نحو ذلك من المقارنات و هذا الانقسام ثانويّ، و العرض فى القسم الاول بوجوده و عدمه نعتى فاستصحاب عدمه المحمولى المطلق من الأزل لا يثبت عدمه النعتى المفروض (الثالثة) أنّ وجود العرض فى طول وجود موضوعه لانّ وجوده وجود فى الموضوع فوجود الفسق مثلا فى طول وجود زيد فعدم العرض أيضا فى طول وجود الموضوع و بعد الفراغ عنه فعدمه كوجوده نعتى، فوزان عدم العرض بالقياس إلى موضوعه وزان العدم و الملكة فاستصحاب عدمه المحمولي لا يثبت عدمه الخارجى النعتى كما لا يصحّ استصحابه في صورة عدم الموضوع فهذه المقدمة تنتج بطلان السالبة بانتفاء الموضوع، و على هذا فمثل لا تكرم الفساق من العلماء ينوّع العالم فى أكرم العلماء إلى الفاسق و غيره بمقتضى المقدمة الأولى و استصحاب عدم كون زيد فاسقا من الازل حينما لم يكن زيد موجودا أصلا لا يثبت كون زيد الموجود بالفعل غير فاسق حين الشكّ فى فسقه بمقتضى المقدمتين الأخيرتين، لانّ عدم الفسق الذي هو من الانقسامات الأولية لزيد لم يكن وصفا له فى الأزل كى يصحّ استصحابه له فعلا إذ المفروض أنّ معروض هذا العرض و هو زيد لم يكن موجودا فى الأزل و وجود العرض كما عرفت طول وجود المعروض فمع عدم المعروض كيف يعقل وجود عرضه، فعدم فسق زيد بعدم زيد أمر غير معقول و لذا نقول بأنّ السّالبة بانتفاء الموضوع من الشّعريات و استصحاب‏

338

عدم الفسق مطلقا لا يرتبط بزيد فما يجرى فيه الاستصحاب لا يثبت المطلوب و ما يجدى لاثباته لا يجري فيه الاستصحاب، هذا محرّر كلامه.

و يمكن أن يوجّه ما ذكره فى تقريب الاستصحاب بوجوه ثلاثة أخر (الأوّل) أنّ التناقض بين الحكمين كوجوب إكرام العلماء و عدم وجوب إكرام الفساق منهم يستلزم التباين بين الموضوعين و هو يستلزم تنويعهما فموضوع العام فى المثال العالم الغير الفاسق و موضوع الخاص هو العالم الفاسق، و من المعلوم أنّ استصحاب عدم الفسق أزلا، لا يكفي لاثبات كون المشكوك من أفراد العام بمعنى كون زيد مثلا غير فاسق (الثاني) أنّ عدم التنويع يستلزم اجتماع حكمين متضادين في موضوع واحد إذ لو كان موضوع وجوب الإكرام، العالم بما هو و موضوع عدم وجوبه، الفاسق بما هو لزم اجتماعهما فى الخاص أى العالم الفاسق ضرورة اجتماع موضوعى الحكمين فيه و ليس كذلك قطعا فيكشف عن تنويع العام إلى الفاسق و غيره و ينتج المطلوب (الثالث) أنّه لو لم يكن هناك تنويع لجاز التمسك بالعام فى الشبهة المصداقية مع أنه كما عرفت غير جائز، و ربما زاد بعض أجلة المحققين (دام ظله) وجها آخر لعدم جريان استصحاب العدم الأزلى فى المقام و هو أنّ الاستصحاب فى العدم الأزلية (و إن كان) يجرى بطبعه إذ كما يكون لنا وجود رابطى كذلك لنا عدم رابطى فكما أنّ الربط بين قائم و زيد موجود فى الخارج كذلك الربط بين عدميهما فتستصحب ذلك العدم لا العدم المحمولى كى يقال بأنه مثبت (إلا أنّ) هذا الاستصحاب لا عرفية له فى أمثال المقام كعدم القرشية إذ العرف يعتبر في مثل القرشية ثبوت هذية للمرأة و الاستصحاب قاصر عن إثبات ذلك فدليل الاستصحاب كلا تنقض منصرف عن مثله فلهذا لا يجرى استصحاب العدم الأزلى.

أقول و فى الجميع نظر أما أولى مقدماته الثلاث التي بنى عليها تقريب عدم جريان الاستصحاب فلما أشرنا إليه غير مرّة من أنّ لحاظ الموضوع بوصف الإطلاق غير لازم فى الخروج عن الإهمال النفس الأمري بل يكفى لذلك لحاظه بذاته معرّاة عن كل قيد حتى الإطلاق، و أنّ الخاص لا يدلّ إثباتا على تنويع العام بشي‏ء من الدلالات الثلاث أمّا المطابقة فواضح و كذا التضمن لا سيّما على مذاقه من إنكار

339

الدلالة التضمنية رأسا، و أمّا الالتزام، فلعدم لزوم عقلي و لا غيره، و أمّا الثانية من مقدماته أعنى انقسام الشي‏ء إلى أعراضه أوّلا و إلى مقارناته ثانيا فلانّ مجرد كون الانقسام إلى الاعراض أوّليا و بالطبع لا يوجب كون عدم العرض نعتيّا مضافا إلى أنّ العدم لا يعقل أن يكون ناعتا، و ما تقدم من بعض أجلّة المحققين من دعوى ثبوت العدم الرّابطى كوجوده ممنوع بكلا شقّيه فليس لنا وجود رابطى فضلا عن عدمه إذ ليس هناك فى الخارج فى العقود الهليّة المركبة مثل هل زيد قائم وراء وجودى حاشيتى القضية، هما زيد و قائم فى المثال وجود آخر وسيط بين الوجودين حتّى يسمّي بالوجود الرابطي، أمّا الرّبط المستفاد من التنوين فى المحمول فهو إنّما يكون فى عالم عقد القضية أعنى وعاء الذهن للاشارة إلى تحقق المحمول في الموضوع خارجا، من غير أن يكون لهذا التحقق وجود آخر وراء وجود نفس المحمول و مطابق خارجى غير ذلك حتى يكون رابطيّا، و قد ذكرنا تفصيل ذلك فى أوّل الكتاب فى المعاني الحرفيّة عند ذكر كلام بعض المحققين (قده) الذى ادّعى أنّ المعنى الحرفى وجود رابطي هو وجود لا فى نفسه و بذلك جعله كالمعنى الاسمى فى الاستقلال، كما ذكرناه فى كتاب الطهارة و بذلك أبطلنا غائيّة الكون علي الطهارة للطهارات الثلاث و كون سائر الغايات غايات لتلك الغاية كما إدّعاه هذا القائل مبتنيا على تصوره الوجود الرابطي في الخارج، مع أنّه لو سلّمنا الوجود الرابطي نمنع العدم الرابطي إذ غاية الأمر أنّ النعت معدوم للموضوع عند عدم وجود المحمول بمعني سلب الربط عنه أمّا كون عدم النعت ناعتا لوجود الموضوع بمعنى ربط السلب به فلا يقتضيه ذلك أصلا، فاللّازم فى صدق زيد ليس بقائم عدم ربط للقيام بزيد و عدم كونه نعتا له على هذا المبنى سواء كان لاجل عدم وجود المحمول بعدم تحقق قيام فى الخارج حتى يوجد فى زيد أم لاجل عدم وجود الموضوع بعدم تحقق زيد في الخارج حتى يوجد فيه القيام، لا ربط عدم القيام بزيد و كونه نعتا له (و بالجملة) فبانتفاء كل واحدة من حاشيتى القضية يصدق عدم تلك القضية و نقيضها، نعم قد يؤخذ السلب عنوانا للوجود بنحو من العناية فى جانب المحمول مثل زيد لا قائم فتسمّى القضية معدولة المحمول لكن لاجل إشراب معنى‏

340

الوجود فى السلب بمعنى انتزاع عنوان وجودى منه و جعله محمولا و لذلك سمّيت القضية موجبة فالنسبة ايجابية و أين هذا من كون العدم ناعتا و رابطيا.

و من نفس هذا البيان ظهر فساد الثالثة من مقدماته و أنّ كون وجود العرض وجودا فى الموضوع و فى طوله لا يستلزم كونه ناعتا فيكون لكونه فى الموضوع وجود وراء وجود الموضوع و وجود العرض كما لا يستلزم كون عدمه ناعتا و منحصرا بصورة وجود الموضوع حتى تكون السالبة بانتفاء الموضوع من الشّعريات، حيث عرفت صدق نقيض القضية فى صورة انتفاء إحدى حاشيتيها و أنّ عدم العرض بالنسبة إلى موضوعه ليس من قبيل العدم و الملكة مطلقا بل من الايجاب و السلب إلا إذا اقتضى المعروض بذاته ذلك العرض و استند عدمه إلى خلل من جهة وجود المانع كالعمى و البصر للحيوان إذ مقتضى ذات الحيوان بخلقته الأولية كونه ذا بصر فعدمه كالعمى مستند إلى مانع فى مراحل تكوّنه فى الرّحم أو فى عالم الدنيا فمثله يكون من العدم و الملكة، فجعل الاعراض طرّا من هذا القبيل مخالف للوجدان و اتفاق أرباب الميزان (فان قلت) هلّا يكون العدم مضافا إلى العرض و أ ليست الإضافة أمرا وجوديّا موجودا بينهما فهو عبارة عن الربط و هو المحقق للنعت فكون العدم ناعتا أمر قهرى و لذا قيل بأنّ العدم المضاف له حظّ من الوجود بل يترتب عليه الأثر الوجودى (قلت) كلّا لا يعقل أن يكون هذه الإضافة أمرا وجوديّا موجبا للرّبط و النعت بداهة أنّ العدم عدم و متوغّل فى الإبهام و الليسيّة و لا ميز فى الأعدام من حيث العدم فليس لشي‏ء من الأعدام أثر وجودىّ، و لمزيد التوضيح نقول هناك خلاف بين القوم فى أنّ النّسب فى القضايا الايجابية و السلبية متحده أم لا بمعنى أنّ النسبة موجود في الجميع ففى بعضها إيجابية و في بعضها سلبية أو لا نسبة فى السلبيات بل مفادها سلب النسبة و الربط بين الحاشيتين، و ألحق فى تلك المسألة أنّ مفاد القضايا السلبية إنما هو سلب النسبة و الربط بين طرفيها لا وجود نسبة سلبية بمعنى ربط السلب ضرورة أنّ النسبة لا يعقل أن تكون سلبية كيف و النسبة و الربط أمر وجودى فلا يعقل اتصافه بنقيضه أى السلب و العدم، فالمعقول فى السلبيات إنما هو رفع النسبة و سلب الربط بين حاشيتى القضية فما يقال من أنّ الايجاب و السلب فى القضايا عبارة عن الوصل و

341

الفصل بين شيئين و هما نسبتان فنفس النسبة ايجابية و سلبية مدفوع بأنّا نسلّم كون السلب عبارة عن الفصل لكنّه لا يستلزم كونه نسبة كى تكون سلبية إذ الفصل حفرة عدمية و فراغ من الوجود بين الحاشيتين فلا يعقل أن تكون هناك نسبة، بل الموجود كما عرفت إنما هو رفع النسبة و سلب الربط بينهما و معلوم أنّ هذا الرفع و السلب كما يتحقق بانتفاء هذه الحاشية أى المحمول مع وجود الموضوع كذلك يتحقق بانتفاء تلك الحاشية أى الموضوع المستتبع لانتفاء المحمول أيضا، فنقيض الموجبة سالبتان إحداهما بانتفاء المحمول و الأخرى بانتفاء الموضوع و من هنا يعلم أنّ التصديق بوجود السالبة بانتفاء الموضوع إنما هو من أوليّات العقول و بديهيات النفوس.

و من جميع ذلك يظهر أنّ المركب المشكوك وجوده فعلا أى العرض و المعروض و لو لاجل الشك فى وجود أحد جزئيه كوجود العرض عقيب وجود معروضه كزيد القائم أو المرأة القرشية أو العالم الفاسق حيث كان معدوما أزلا نستصحب عدمه الأزلي فعلا كما أنّ خصوص أحد جزئيه المشكوك وجوده فعلا أى العرض أيضا حيث كان معدوما أزلا بانعدام معروضه نستصحب عدمه الأزلى فعلا بلا إرادة جعل عدمه ذلك ناعتا لموضوعه الموجود فى الخارج بالفعل كما لا يستلزمه إثباتا بل يستحيل ثبوتا (فما تقدم) من بعض أجلّة المحققين‏ (1) (دام ظله) من عدم عرفيّة لمثل هذا الاستصحاب لانّه قاصر عن إفادة هذية المرأة أى الغير القرشية مدفوع مضافا إلى ما عرفت من أنّه لا يستلزم الناعتية و ليست مرادة و لا معقولة كي يلزم إحراز هذية المرأة أى الغير القرشية بأنّ إثبات هذيّة المرأة على تقدير لزومه إنما يلزم فى القضايا الخارجية دون الحقيقية أعنى على نحو فناء العنوان في المعنون و قضايا الأحكام الشرعية من هذا القبيل، فخروج القرشية عن كبرى تحيّض المرأة إلى خمسين و اختصاصها بالتّحيّض إلى ستين إنّما وقع على نحو القضية الكلية لا الشخصية غاية الأمر انطباق تلك الكلية علي كل واحدة من صغرياتها الخارجية حين تحققها في الخارج يكون على نحو الانحلال العقلي، فاستصحاب عدم قرشية هذه المرأة من الأزل بعدم المرأة كاف للمدعى بلا لزوم إثبات هذية أي اتصاف هذه المرأة فعلا بعدم القرشية.

____________

(1) البروجردى (ره)

342

نعم هنا تفصيل آخر لبعض الأعاظم (ره) فى استصحاب الأعدام الأزلية هو أنّ الموضوع تارة يفرض ذات الشي‏ء بلا تقدير وجوده و تقيده بقيد ما كأن يجعل موضوع العصمة فى قوله: الكرّ عاصم: ذات الكرّ بما هو كرّ و حينئذ لا مانع من استصحاب عدمه الأزلى و لا يتطرق فيه شبهة الإثبات و الناعتية، و أخرى يفرض بعد وجود الشي‏ء و تقيد وجوده بقيد ما كأن يجعل موضوع العصمة هو الماء بعد ما وجد و بلغ كرّا فقوله (ع) ماء الكرّ عاصم: معناه أنّ الماء إذا وجد و بلغ قدر كرّ يعصم و حينئذ يكون الموضوع متأخرا عن الذات بمرتبتين إحداهما وجوده و الأخرى تقييده بمثل الكرية فاستصحاب عدم الكرية مطلقا لا يثبت هذه الحصة من عدم الكرية أى المفروضة فى طول ذات الماء بمرتبتين (و بالجملة) فعدم الكرية المطلقة غير عدم الكرية فى هذه المرتبة و الذي يجدى لرفع العصمة إثبات الثانى و مجرى الاستصحاب هو الأوّل فهذا النّحو من استصحاب العدم الأزلى لا يجرى لمحذور الإثبات (أقول) لينه (قده) خرق هذا الحجاب الأخير أيضا عن وجه الحقيقة كي يصل إلى صراح ألحق فى استصحاب الأعدام الأزليّة، إذ مع تسليم عدم الناعتية كما يبتنى عليه الالتزام بصحة جريان الاستصحاب فى القسم الأوّل لا يبقى مجال إشكال لجريانه فى القسم الثاني لانّ الكرية فى هذه الرتبة كانت معدومة أزلا بانعدام موضوعها فنشك فى حدوثها فنستصحب عدمها و لا نريد جعل ذلك العدم المستصحب نعتا بالفعل لهذا الموضوع الموجود فى الخارج، و مع الالتزام بالناعتية كما يبتنى عليه الالتزام بعدم صحة جريان الاستصحاب فى القسم الثاني لا يبقى مجال للالتزام بجريانه فى القسم الأوّل، و إن شئت قلت إنّ العدم لا يتحصّص بحصص لما عرفت من أنّه لا ميز في الأعدام من حيث العدم فلا فرق بين العدم في الرتبة المتأخرة عن الذات و بين العدم فى رتبة الذات من حيث المسبوقية بحالة أزلية توجب صحة استصحابها، فكما يفرض وجود الموضوع فى القسم الثانى فى طول الذات بمرتبتين و إن كانتا فى الحقيقة مرتبة واحدة كذلك يفرض عدمه فى تلك المرتبة و هكذا فى القسم الأول، فالفرق بين القسمين فى غير محلّه لا سيّما مع كون قضايا الأحكام الشرعية قضايا حقيقة، بمعني فناء العنوان فى المعنون كما أسلفناه في محلّه بل ألحق جريان استصحاب العدم الأزلى مطلقا.

343

و من هنا يعلم صحة ما قويناه سابقا من جواز التمسك بالعام في الشبهة المصداقية للخاص إذا كان العام و الخاص من قبيل المقتضى و المانع بأن يكون للعام عنوان واحد كالعالم في أكرم العلماء و للخاص عنوانان كالعالم و الفاسق فى لا تكرم الفساق منهم، فانّ مجرد الشك فى موضوع الخاص لعدم إحراز أحد عنوانيه كالفاسق كاف فى عدم ترتّب حكمه المضادّ مع حكم العام و المفروض إحراز موضوع العام أى العنوان الواحد كالعالم فيترتب عليه حكمه بمقتضى إطلاقه ما لم يحرز العنوان الآخر المحقّق لموضوع الخاصّ المخلّ بذلك الحكم، و من هذا البيان يعلم أنّ المراد بما قرع سمعك من قاعدة المقتضى و المانع و شككت فى سنده انما هو الأصل اللفظي أى التمسك بأصالة العموم ما لم يحرز موضوع الخاص الذي يخرج الفرد عن العموم و ليس المراد به التمسك بقاعدة مستقلة وراء الأصل اللفظى كى يستشكل فيه بأنه لا سند لهذه القاعدة من الشّرع و لا العقل، ضرورة أنّ العقلاء لا يعتنون بمجرد الشك فى المانع أعنى موضوع الخاص فى رفع اليد عن الأصل اللفظى أعنى أصالة العموم، و من هنا ينقدح أنّ التمسك بأصالة عدم المانع فى المقام إنما هو لدفع احتمال وجوده و إقناع النفس لمن لم يقنع بذلك بلا احتياج إليه فى جواز التمسك بالعامّ، و حيث أنّ الاصول عبارة عن كشف المرتكزات العرفية و صياغها فى قوالب الاصطلاحات العلميّة فقد اصطلحنا فى الأصول عن هذا الأمر الارتكازي الّذى عليه ديدن عرف العقلاء في محاورتهم أعني عدم الاعتناء باحتمال المانع كالخاص فى مقابل إحراز المقتضى كالعام باستصحاب العدم الأزلى للمانع فما قيل من أنّ العرف لا يلتفت إلى مثل هذا فى التّمسك بالعام و أنّه اصطلاح مدرسى قد إخترعناه كأنّه ذهول عن كشف الارتكازات العرفية فى ضمن الاصطلاحات العلميّة (و بالجملة) فالاصل غير محتاج إليه و مع إرادة إجرائه لدفع احتمال المانع غير ممنوع و غير خارج عن طريقة العرف و العقلاء.

و لتوضيح المقام بأزيد مما تقدم نقول هناك إشكال عويص في الأصل المزبور أي استصحاب عدم المانع أزلا فى الشبهات المصداقية هو أنّه لا مجال لجريانه مطلقا إذ التخصيص لا يخلو إمّا ينوّع موضوع العام أولا! فعلى الأول بأن‏

344

يكون لا تكرم الفساق من العلماء سببا لتنويع العالم فى أكرم العلماء إلى الفاسق و غيره لا مجال لاستصحاب عدم الفسق فى العالم المشكوك كونه فاسقا لانه لا يثبت القيد المأخوذ فى موضوع العام الّذى به يتحقق أحد النّوعين أعنى كون العالم غير الفاسق، إلّا على القول بالاصل المثبت و لا نقول به، و على الثاني بأن لا يكون خروج الفاسق عن أكرم العلماء سببا لدخول قيد عدمى هو نقيض الفاسق فى موضوع العام بل يبقى موضوع العام على ما كان عليه قبل التخصيص من كونه مجرد عنوان العالم لا مجال لاستصحاب عدم الفسق فى مشكوكه ضرورة إحراز تمام ما هو الموضوع لحكم العامّ في ذلك الفرد المشكوك و هو عنوان العالم فيترتب عليه حكمه بلا حاجة إلى التّشبّث باستصحاب عدم موضوع الخاص أى الفسق فعلى؟؟؟. أىّ تقدير لا مصحّح للاصل المزبور في المقام، و نقول فى دفع هذه العويصة إنّ ما ذكر من عدم حاجة إلى التّشبّث بالاستصحاب فى صحة التمسك بالعام فى الشبهات المصداقية هو غاية آمالنا بل ضالتنا المنشودة، و توضيحه أنّا نختار الشقّ الثانى و هو عدم كون التخصيص منوّعا لما فصلناه سابقا و حينئذ نقول لا يخلو إمّا أن يكفى مجرد الشك فى المانع أعنى موضوع الخاص في صحة التّمسك بالعام لما عرفت من عدم اعتناء عرف العقلاء باحتمال ذلك فى مقابل أصالة العموم أولا يكفى ذلك بل لا بد من دفع احتمال المانع ثم التمسك بالاصل اللفظي، فعلي الأوّل لا نحتاج إلى إجراء الاستصحاب المزبور و لا نتشبّث به أصلا و على الثانى نتمسك بالاصل المزبور لدفع احتمال المانع بلا محذور فيه من شبهة الإثبات و نحوها لما عرفت آنفا، فعلى أىّ تقدير لا يبقى مجال دغدغة فى صحة التمسك بالعام فى الشبهة المصداقية فالتمسك بالاستصحاب إنّما هو لتتميم المدّعى علي أىّ تقدير، ثم إنّ بعض المحققين (قده) فى تعليقته على الكفاية وجّه تصحيح هذا الأصل بأنّ العام له دلالة مطابقية على السّريان في جميع أفراد المفهوم و كونها بأجمعها مرادة للمتكلم و دلالة التزامية على عدم ثبوت المنافاة بين عنوان العام مع عنوان ما آخر، و التخصيص يناقض الدلالة الثانية حيث يكشف عن ثبوت المنافاة بين عنوان الخاص مع عنوان العام و حيث أنّ هذه المنافاة مشكوكة غير محرزة فى الفرد المشكوك كالعالم المشكوك كونه فاسقا فاستصحاب العدم الأزلى لعنوان الخاص‏

345

كالفاسق فى الفرد المشكوك حافظ للدلالة الالتزامية للعام و محرز لها فى هذا الفرد، لكنّك عرفت سابقا عدم ثبوت دلالة التزاميّة للعام و لو سلمنا ثبوتها فلا يجدى الاستصحاب لاحرازها.

ثم إنّ بعضهم استظهر من عبارة الكفاية فى المقام تعنون العام بعد التّخصيص بكل عنوان عدا عنوان الخاص و ادّعى أنّه مراد صاحب الكفاية (قده) بشهادة تمسّكه بأصالة عدم الانتساب إلى قريش إذ مع عدم تعنون العام بعنوان لا حاجة إلى التمسك بذاك الأصل و قرّب الاستصحاب بأنّ المراد ليس إثبات عدم قرشية هذه المرأة بالاستصحاب كى يتطرق إليه إشكال الإثبات، بل حيث أنّ عنوان عدم الانتساب إلى قريش من العناوين التى يتعنون بها العام عدا عنوان الخاص فعنوان المرأة المحرز بالوجدان فى الفرد المشكوك نضمّه إلى عنوان عدم الانتساب إلى قريش المحرز بالاصل، و هذا الموضوع المركّب من جزءين أحرز أحدهما بالوجدان و الآخر بالاصل نجعله كاشفا عن العنوان الواقعى للعام حيث ينطبق عليه، لكنّك عرفت سابقا أنّ مراد صاحب الكفاية (قده) من العبارة ليس تعنون العام بكل عنوان عدا عنوان الخاص كما توهم بل عدم تعنونه و قابليته للانطباق علي كل عنوان، أمّا التمسك بالاصل فقد اتّضح وجهه مما مر فتدبر في المقام فانّه دقيق.

ثم إنّ الشبهة المصداقية للعام قد تكون من غير جهة التخصيص كما إذا شك فى صحة الوضوء بالماء المضاف فيما إذا نذر أن يتوضأ بذلك فيشك فى صحة الوضوء من جهة عموم أوفوا بالنذور له، فهل يمكن التمسك بالعام لصحته لانّ عموم أوفوا بالنذور يقتضى وجوب الإتيان بذلك الوضوء و حيث لا يجب الوفاء بما لا يكون صحيحا قطعا فيكشف ذلك عن صحة الوضوء أم لا يمكن؟، قد يقال بالاوّل مؤيدا بما دل على صحة الإحرام قبل الميقات و الصّيام فى السفر مع قضاء الأدلة التعبدية بعدم جواز الصوم فى السفر المستلزم فساده و بعدم مشروعية الإحرام قبل الميقات كالصلاة قبل الوقت، فكما يكشف هذا الدليل عن صحة الصوم و الإحرام المزبورين فليكشف عموم دليل الوفاء عن صحة الوضوء المزبور، لكن صاحب الكفاية وفاقا لما فى تقريرات الشيخ الأعظم (قدس سرهما) اختار الثانى بتقريب أنّ أدلة الأحكام‏

346

الثّابتة للموضوعات بعنوانيها الثانوية لا تتكفل الأحكام الثابتة لها بعناوينها الأولية حتى يمكن رفع الشك عن هذه الأحكام بها لدى الشك فيها، كوجوب إطاعة الوالد فى الأفعال المحرمة أو الواجبة فيما إذا أمر بالجلوس فى مجلس الغناء أو نهى عن فعل أحد الواجبات فيشك فى جواز فعل الأوّل و ترك الثاني فلا يمكن كشف هذا الحكم من دليل حكم العنوان الثّانوى كعموم وجوب إطاعة الوالد فيتمسك بهذا العموم لجواز الأوّل و عدم وجوب الثّانى، فكذا فى المقام لا يمكن التمسك بعموم أوفوا بالنذور لصحة الوضوء بمائع مضاف (و بالجملة) فلو لم يكن للفعل بعنوانه الأوّلى حكم أمكن التّمسك بعموم دليل وجوب الإطاعة أو الوفاء بالنذر لجوازه بعد فرض القدرة على أصل الفعل أمّا إذا كان له حكم بعنوانه الأوّلى و حكم آخر بالثّانوى يقع التّزاحم بين مقتضاهما، فلو كان أحدهما اهم كان هو المقدّم و إلّا لم يؤثّر شي‏ء منهما فرارا عن لزوم التّرجيح بلا مرجّح بل يحكم على الفعل بحكم آخر كالإباحة إذ كان الحكمان الوجوب و الحرمة، أمّا التأييد بما ذكر فيندفع بأنّ صحة الصّوم فى السّفر و الإحرام قبل الميقات في صورة النذر إنّما هو لدليل خاص فلا بدّ من التوفيق بين دليلى الصحة و عدم الجواز بأحد وجوه ثلاثة، إمّا كشف دليل الصحة عن انقلاب الصّوم فى السّفر و الإحرام قبل الميقات عن عدم الرجحان الذاتى إلى الرّجحان بسبب النّذر أو كشفه عن انطباق عنوان راجح عليهما ملازم مع تعلق النّذر بهما أو الالتزام بكفاية الرّجحان الطّارئ عليهما من قبل النّذر فى صحتهما، و دليل الوفاء بالنذر و إن كان توصّليا لا يكفى فى عبادية العبادة إلّا أنّ متعلق النّذر فى نفسه قربي فتعلق الأمر به كاف فى صحة الإتيان به قربيّا و إن لم يصح الإتيان به قربيّا قبل ذلك.

أقول هناك جهتان من البحث (إحداهما) أنّ كون الوضوء بمائع مضاف فردا لعموم أوفوا بالنذور بمعنى انعقاد النّذر فيه غير معلوم من أوّل الأمر لما دلّ على أنّه لا نذر إلّا فى طاعة اللّه و لم يعلم كون ذلك الوضوء طاعة له تعالى حتى ينعقد فيه النذر و يصير من أفراد العام فهو من الشبهات المصداقية لنفس العام و الشبهة فيه إنّما هو من جهة نفس التخصيص، و حيث يكون دليل الخاص ناظرا إلى ايجاد قيد

347

وجودى فى العام هو كون النذر فى طاعة اللّه تعالى فلا يمكن التّمسك بالعام فى الشبهة المصداقية كما تقدّم تفصيله (ثانيتهما) أنّه على فرض تطبيق عموم أوفوا بالنّذور على ما نحن فيه هل يمكن كشف صحته عن ذلك أم لا؟، و الظاهر من كلمات صاحبى التقريرات و الكفاية (قدس سرهما) كون نظرهما فى المقام إلى الجهة الثانية دون الأولى حيث عنونا البحث بكون الشبهة من غير جهة التخصيص و إن كان لا يظنّ بأحد من العلماء التمسك بالعام في هذه الجهة، و كيف كان فالحق في هذه الجهة مع الشيخ الأعظم و صاحب الكفاية (قدس سرهما) من عدم جواز التمسك بالعام لصحة ذلك الوضوء و السّر فيه أنّ أصالة العموم أصل مرادى كاشف عن كون مفاد العام بماله من المفهوم مرادا للمتكلم فيشمل حكم العام جميع أفراد ذلك المفهوم أمّا مصداقية بعض تلك الأفراد لعام آخر كالوضوء القربى في المقام أو عدم المصداقية فهو خارج عن حوصلة هذا الأصل اللفظى أعني دليل العام في عالم الإثبات، فعموم أوفوا بالنّذور إنّما يقتضى وجوب الوفاء بهذا النذر أمّا أنّ متعلقه صحيح فلا يدل عليه.

أمّا التأييد فقد يقال بفساده لانّ دليل صحة النّذر في السّفر و قبل الميقات كاشف عن الفردية فى المثالين بخلاف المقام فلا كاشف عن فردية الوضوء بمائع مضاف للعموم فقياس أحدهما بالآخر مع الفارق، و قد يوجّه بأنّه كما أنّ دليل الصحة كاشف عن الفردية فى المثالين كذلك عموم الوفاء كاشف عن فردية المشكوك فى المقام و يندفع بوضوح الفرق بين المقامين لانّ دليل الصحة هناك يوجب و لو بالكشف جعل ما ليس بفرد للعموم فردا له بخلاف المقام اذ غايته كشف العموم عن فردية المشكوك له و هو خارج عن حوصلته أمّا تحقيق حال نذر الصّوم فى السفر و الإحرام قبل الميقات فهناك أدلة ثلاثة أحدها ما دلّ علي أنّ الصّوم فى السفر غير جائز و الإحرام قبل الميقات كالصلاة قبل الوقت غير مشروع و هذا يقتضي مبغوضية ذات هذه العبادة ثانيها ما دل من الإجماع و الضّرورة على اعتبار الرّجحان الذاتى فى متعلق النذر و هذا يقتضي عدم صحة نذر الصّوم فى السّفر و الإحرام قبل الميقات لعدم رجحانهما الذاتى بمقتضى الدليل الاول ثالثها ما دل على صحة نذرهما فيمكن التوفيق بين هذه الأدلة الثلاثة بتقربيات (الأوّل) أنّ العبادة أي الحضور

348

لدى الربّ تعالى كالصلاة و الصّيام و غيرهما تكون بالذات و بطبعها و عنوانها الأوّلى راجحة، فالمولى الذي تريد الحضور لديه إذا نهى عن فرد من العبادة كالصّوم في السّفر و الإحرام قبل الميقات كشف ذلك عن أنّ تلك العبادة بذلك العنوان الثّانوى كالوقوع فى السفر أو قبل الميقات مبغوضة للمولى ذاتا إذ لا حضور في صورة النهى عنه كما فى صلاة الحائض، فاذا أمر بذلك الفرد من العبادة بعنوان ثالث كوقوعها متعلق النذر كشف ذلك عن أنّ عنوان مبغوضية العبادة ذاتا تبدل بسبب ذاك العنوان إلى المحبوبية ذاتا و هذا مما لا امتناع فيه لدى العقل ثبوتا فيمكن حمل الدليل عليه إثباتا فى عالم الجمع بين أنحاء الأدلة (الثّاني) أنّ صحة تعلق النذر بهما يكشف عن طروّ عنوان راجح عليهما ملازم مع نذرهما (الثّالث) أنّ الرّجحان الطّارئ من تعلق أمر الوفاء بتلك العبادة كاف فى صحة الإتيان بها قربيّا لقربيتها ذاتا بكشف من دليل صحة النذر فذلك يخصص عموم ما دل على اعتبار الرّجحان الذاتى فى متعلق النذر بلا منافاته مع توصلية الأمر بالوفاء، لكن التقريب الأخير موقوف على نظر أوفوا بالعقود إلى الحكم التكليفى أعنى وجوب الوفاء لا الوضعي أى اللزوم و استقرار ما التزام به الناذر أو نحوه فى ذمته و قد استشكلنا فى ذلك فى محله و قوّينا نظره إلى الحكم الوضعي دون التكليفي، فالتوفيق بين هذه الأدلة منحصر فى التقريبين الأوّلين، إلّا أن يلتزم بصيرورة الفعل قربيّا بنفس البناء على الإتيان به على نحو القربة إذ مجرد تعلق الأمر بالوفاء حتى مع كونه حكما تكليفيّا لا يصلح لجعل غير القربىّ قربيّا لانّ الأمر التّوصلى لا يصلح للتعبد به، لكن مجرد البناء على التعبد بالفعل لا يجعله قربيّا بعد فرض عدم رجحانه الذاتى (و بالجملة) فلم نفهم معني محصّلا لثالث الوجوه التى ذكرها صاحب الكفاية (قده) للتوفيق بين هذه الأدلة.

ثم إنّه لو علم بعد كون فرد محكوما بحكم العام لكن شك في أنّه من أفراد العام حتى يكون خروجه على نحو التخصيص أم لا حتّى يكون الخروج على نحو التخصّص فالمشهور بين الأصوليين إمكان التمسك بالعام لاثبات عدم فرديته، و هو الكلام المعروف من تقدم التخصص علي التخصيص لدى الدوران بينهما،

349

و التحقيق أنّ تقدم التخصص إن كان تقدمه بما هو مع قطع النظر عن العام فهو حقّ لا مرية فيه إذ التخصيص أمر حادث مسبوق بالعدم محتاج إلى علة كلا تكرم زيدا العالم فما لم يثبت يكون مقتضى الأصل عدمه، و إن كان كشف ذلك من ناحية العام فهو فاسد لانّ أصالة العموم أصل مرادىّ كاشف عن أنّ ما يفهم من اللفظ بجميع أفراده مراد للمتكلم فالكشف عن فردية مشكوكها للعام خارج عن حوصلته (و دعوى) وجود الملازمة خارجا بين عموم الحكم لافراد العام مع خروج غير المحكوم بحكمه عن أفراده إذ معنى يجب إكرام العالم أنّ كل ما فرض كونه من أفراد العالم يجب إكرامه فينتج بعكس النقيض أنّ كل ما لا يجب إكرامه ليس من أفراد العام و المفروض أنّ هذا الفرد غير محكوم بحكم العام فليس من أفراده (مدفوعة) بأنّ أصالة العموم أصل إثباتى لا ثبوتى بمعنى أنّ حكم العام ثابت لكل ما أحرز كونه فردا للعام أمّا ما لم يحرز فرديته فهو غير متكفل لحكمه و لو كان من أفراده ثبوتا و عكس النقيض غير منعقد فى اللفظ حتى يستفاد من أصالة العموم، فلقد أجاد جمع من الأصحاب حيث أنكر و اعكس النقيض لكن ما ذكروه فى وجهه من عدم انفهام عكس النقيض من اللفظ عرفا أو أنّه اصطلاح منطقى لا يرتبط بمداليل الألفاظ أو نحو ذلك مما ذكره بعض الأساطين (ره) و غيره غير وجيه بل الوجه في ذلك ما قلناه من أنّ أصالة العموم أصل إثباتى لا ثبوتي، هذا كله إذ اعلم بأنّ ذلك الفرد محكوم بغير حكم العام أمّا إذا شكّ فى ذلك بأن وقع الفرد طرف المعلوم إجمالا كما إذا تردد زيد بين شخصين عالم و جاهل و ورد لا تكرم زيدا فنعلم إجمالا بعدم وجوب إكرام أحد الشخصين إمّا زيد العالم حتى يكون تخصيصا فى عموم أكرم العلماء أو زيد الجاهل حتى يبقى العموم بحاله (فقد يقال) كما اختاره بعض الأساطين (ره) بأنّ عموم وجوب الإكرام لكل فرد من افراد العالم يدل بالالتزام علي ورود حكم عدم وجوب الإكرام على زيد الجاهل ضرورة حجية مثبتات الأصول اللفظية فبذلك ينحل العلم الإجمالى (و قد يناقش) فيه بأنّ غاية ما يدل عليه العام ثبوت حكمه لكل واحد من أفراده أما انحلال العلم الإجمالي بسببه فى لبّ الأمر فهو خارج عن حوصلته (و فيه) أنّ مراد القائل ليس الانحلال الواقعى و تعيين مصبّ‏

350

المعلوم بالاجمال بالعموم بل الظاهري فى مرحلة إثبات حكم العام و أنّ ذلك الفرد كزيد العالم باق علي حاله من المحكومية بحكم العام و لذا قيّد بعضهم الانحلال بالحكمى و يبعد جدّا إرادة بعض الأساطين (ره) أيضا غير ذلك (و التحقيق) أنّ نسبة لا تكرم زيدا بالقياس إلى كل واحد من الشخصين لمّا كانت متساوية يقع التعارض فى زيد العالم بين هذا الدليل و بين أصالة العموم و الأصل اللفظى لمّا كان أمارة ضعيفة فلا يصلح لمعارضة الدليل بل محكوم به فيحكم على زيد العالم بعدم وجوب إكرامه.

فصل فى جواز العمل بالعام قبل الفحص عن المخصص و فى مقدار تأثير الفحص و لزومه فهنا مقامان (المقام الأوّل) فى جواز العمل قبل الفحص و عدمه و محل النّزاع كما حرّره فى الكفاية أنّ أصالة العموم هل هى متّبعة مطلقا أو بعد الفحص عن المخصّص و اليأس عن الظّفر به بعد الفراغ عن مقدمات ثلاث، الأولى أنّ أصالة العموم متبعة بالخصوص إجمالا للاعمّ من ألمشافه و غيره من باب الظّن النوعي، الثّانية عدم العلم تفصيلا بورود تخصيص على العموم، الثّالثة عدم العلم إجمالا بذلك، فلا مجال للاستدلال لعدم الجواز بأنّ الخطاب مختص بالمشافه فغيره لا بدّ أن يفحص أو بأنّا نعلم تفصيلا أو إجمالا بورود تخصيص علي العمومات، و بعد ذلك نقول ذهب إلى كلّ من الوجهين فريق و المحققون بل قيل لا خلاف فيه بل أدعى عليه الإجماع على عدم الجواز و منهم صاحب الكفاية (قده) مستدلّا باستقرار سيرة العقلاء على عدم العمل بالعام قبل الفحص عن المخصص إذا كان العام فى معرض التخصيص كما هو شأن عمومات الكتاب و السنّة فان لم يكن فى معرض التخصيص كعمومات عامّة أهل المحاورة جاز العمل به قبل الفحص بلا إشكال و لا خلاف فيه من أحد، و رتّب على ذلك أنّ مقدار الفحص اللّازم مقدار يخرج به العام عن المعرضية، نعم لا وجه لتوهّم توقف العمل بالعامّ فى المخصص المتصل على الفحص عنه كما لا يخفى، و لكن وجّه بعضهم المعرضية بأنّ العمومات على أقسام منها ما يلزم فيه تحصيل العلم لانّ من صدر عنه العام مقنّن لقوانين عامة خصص بعضها فى مورد بعض كما هو شأن جميع قوانين العالم‏