آراء حول مبحث الألفاظ في علم الأصول‏ - ج2

- علي الفاني الأصفهاني المزيد...
414 /
351

التي منها قوانين شرعنا فيجب على المكلف الفحص عن ذلك كما أشير إليه بقوله تعالى: فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَ لِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ‏: أ لا ترى أنّ المكلف لو ترك العمل بالعام معتذرا بالاشتغال بالفحص لم يقبل عذره لدى العقلاء، و يندفع بأنّ ذلك خروج عن المعرضيّة المحضة إلى فرض العلم الإجمالي بوجود المخصص إذ القوانين الصّادرة عن مقنّن العموم لا تختص بالعمومات بل تعمّ مخصصات تلك العمومات، فالعمومات الصادرة عن هذا المقنّن يعلم إجمالا بوجود مخصص لها و معه يجب الفحص حتى اليأس ثم العمل بالعام و هذا غير مجرّد المعرضيّة للتخصيص و لذا اعتبر صاحب الكفاية (قده) فى تحرير محل النّزاع عدم العلم الإجمالى، أمّا الشّريفة الرّبانية أعنى آية النفر، فايجاب الفحص فيها إنّما هو فى طول العلم الإجمالى بالاحكام لانّ الدين الذي هو مجموع الأحكام المجعولة من قبل الشارع تعالى قد جعل ظرف التّفقه الذي هو تحصيل العلم.

و التّحقيق أنّا لو كنا و المعرضيّة و لم يكن علم إجمالى في البين لم يكن موجب لوجوب الفحص عن المخصص و لو علم تفصيلا بكثرة ورود التخصيص فى جملة من العمومات الصّادرة عن المتكلم سوى هذا العام إذ لو كانت كثرة التخصيص بحيث تمنع عن انعقاد ظهور لهذا العام المورد للابتلاء فعلا فى العموم عرفا فقضية تخصيص العام سلب بانتفاء الموضوع فلا معنى للبحث عن لزوم الفحص و لو كانت لا تمنع عن ذلك بل ينعقد له الظهور فى العموم عرفا جاز الأخذ بأصالة العموم لانّ حجة المولى على العبد تامّة بالقاء العام فله مؤاخذة العبد لو لم يأخذ بأصالة العموم لانّه ظلم في عالم العبودية، كما أنّ حجة العبد على المولى تامّة فى أخذه بأصالة العموم فله الاحتجاج على المولى بذلك لو كان مراده الخاص بلا وصول مخصّص من قبله إلى العبد، و ليس للمولى مؤاخذته فى عدم الأخذ بالخاص لانّ ذلك ظلم فى عالم المولوية، كل ذلك لاستقلال العقل بعدم تنجزّ احتمال المخصص ما لم يكن له محرز، لكنا نعلم إجمالا بوجود تكاليف من الشرع فيها عمومات و مخصصات فيستقل العقل بلزوم الفحص عن المخصص و

352

بأنّ حجة العبد غير تامّة علي المولى فى أخذه باصالة العموم قبل الفحص و اليأس بل حجة المولى تامّة على العبد في عدم الأخذ بخاص معلوم له إجمالا لو كان موجودا في الواقع لانّه يتمكن من الأخذ بالخاص بسبب الفحص (و بالجملة) فمحرّك العبد نحو الفحص عن المخصص فى الأصول اللفظية و المانع عن العمل بالعام قبله إنّما هو ذلك العلم الإجمالى و لذا ترى لو فرض حصول العلم و لو إجمالا بأنّ المخصص هو الترخيص فى الحكم الإلزامي للعام بالنسبة إلى بعض مصاديقه فكان العام وجوب إكرام العلماء و الخاص عدم وجوب إكرام طائفة خاصة منهم كالشعراء فترك المكلف الفحص و عمل بالعموم لم يكن مستحقا للعقاب و لم يجز للمولى مؤاخذته لانّه ليس ظلما فى عالم العبودية، كما أنّ محرّك العبد نحو الفحص عن الدليل في الأصول العملية و المانع عن الأخذ بالبراءة قبل الفحص و اليأس عن الدليل هو العلم الإجمالي بوجود تكاليف إلزاميّة في الشريعة، فلقد أجاد الشيخ الأعظم العلامة الأنصارى (قده) حيث مثّل لموارد وجوب الفحص فى الأصول العملية بوصول طومار مشتمل على عدّة تكاليف من قبل المولى فليس للعبد بعد علمه الإجمالى بوجود تكاليف إلزاميّة فى الطّومار أن يتمسك بالبراءة قبل النّظر فى الطّومار، و ما قيل فى وجه لزوم الفحص من استلزام عدمه إفحام الأنبياء أو وجوب النظر في المعجزة أو وجوب شكر المنعم أو وجوب دفع الضّرر المحتمل و أمثال ذلك فهى كلها خالية عن البيّنة لما عرفت أنّ وظيفة المولى إبلاغ أحكامه و ايصالها بواسطة سفرائه كما أنّ على الأنبياء إراءة المعجزة كما يرشدك إلى ذلك كلّه الشريفة الرّبّانية سنريهم آياتنا فى الآفاق و فى أنفسهم، حيث جعل إراءة الآيات التكوينيّة فضلا عن التشريعية من قبله تعالى، و مجرد احتمال الضرر غير منجّز لدى العقل.

(المقام الثّانى) فى مقدار تأثير الفحص و لزومه فنقول إنّ تنجيز العلم الإجمالى و تأثيره إنّما هو بمقدار انعقاده و تشكيله فما عدا سعة مقدار المعلوم بالاجمال لا أثر للعلم و لا تنجّز له فيه لعدم تشكيل العلم بالنسبة إليه، أ لا ترى من وجدانك أنّك إذا علمت إجمالا بوجود نجس بين إناءات ثلاثة لا يجب الاجتناب عن العشرة، و على هذا فلا يرد إشكالان (أحدهما) أنّ لازم ما ذكرت من لزوم الفحص عن المخصص إلى‏

353

أن يحصل اليأس عنه عدم جواز التمسك بالعام فى صورة الفحص عن المخصص فى الكتاب و السنّة و اليأس إذا علمنا أو احتملنا وجود مخصص له في غير الكتاب و السّنة لانّ وجوده فيما عداهما بمكان من الإمكان مع أنّ ذلك مما لا يلتزم به أحد (إذ يدفعه) أنّ العلم الإجمالى بوجود المخصص للعمومات كالعلم بوجود نفس العمومات إنّما حصل لنا من الكتاب و ألسنة لا غير إذ لا سبيل لنا إلى ذلك سواهما فانّ الإجماع أيضا مدركه راجع إليهما، فمقدار انعقاد العلم الإجمالى و تشكيله لنا بالنسبة إلى المخصص إنّما هو الكتاب و ألسنة فاذا تفحّصنا فيهما عن وجود المخصص و لم نظفر به فكيف يبقى لنا بعد ذلك علم بوجود مخصص لذلك العام، أمّا مجرد احتماله فقد عرفت أنّه غير منجّز عقلا (و بالجملة) فبعد الفحص عن المخصص فى الكتاب و ألسنة بمقدار تشكيل العلم به لا أثر للعلم الإجمالى فلا يجب الفحص بل يجوز العمل باصالة العموم، و حيث أنّ العلم الإجمالى بعد تشكيله منجّز حدوثا و بقاء غاية الأمر لو تحقق هناك ما يعيّن مصبّ العلم و لو بالتعبّد كقيام البيّنة على كون النجس المعلوم بين إناءات ثلاثة هو هذا الإناء الشّرقى بناء على حجية البيّنة بالتعبّد فذلك يرفع تنجّز العلم الإجمالى بقاء إذ لا معنى لانحلال العلم بعد تشكيله، و لذا قلنا فى محلّه بانّ الموارد التى توهم فيها انحلال العلم الإجمالى لا تخلو إمّا أن يكون ما يوهم فيها الانحلال معيّنا لمصبّ العلم كالبينة فى المثال المتقدم أو مانعا عن تشكيل العلم الإجمالي من أوّل الأمر كالعلم بوقوع نجاسة فى أحد إناءين أحدهما مستصحب النجاسة فانّ الاستصحاب يمنع عن تشكيل العلم الإجمالى بتكليف جديد في البين لا أنّه موجب للانحلال (و بالجملة) فالانحلال غير معقول فالفحص عن المخصص و حصول العلم بعدمه لا بدّ أن يكون بمقدار سعة دائرة المعلوم بالاجمال أوّلا و على نحوه كما فى سائر أطراف المعلوم بالاجمال.

فاذا علمنا بوجود موطوء فى قطيعة غنم فان كان مقدار المعلوم عشرة مطلقا فاذا أحرزنا من طريق معتبر كون عشرة خاصة موطوءة فقد ارتفع تنجّز العلم بقاء أمّا إذا كان مقدار المعلوم عشرة من مجموع السّود و البيض من تلك القطيعة و أحرزنا من طريق كون عشرة خاصة من سودها موطوءة فلا يرتفع بذلك تنجز العلم‏

354

بقاء بالنسبة إلى سود الغنم من تلك القطيعة إذ السّود كانت من أوّل الامر محلّ تشكيل العلم بوجود الموطوء فيها، نعم ذلك الطريق يوجب توسعة دائرة المعلوم الأوّل فلا بدّ من الفحص عن الموطوء فى بيض القطيعة أيضا أو الاجتناب عن جميعها، إلّا أن يكون الطّريق المحرز في سود الغنم على نحو تعيين مصبّ العلم بمعنى كشفه عن الخطإ من أوّل الأمر فى تشكيل العلم بالنسبة إلى بيض القطيعة و عن انحصار الموطوء فى سودها أى هذه العشرة فيرتفع تنجّز العلم بقاء بالنسبة إلى البيض أيضا، فهكذا بالنسبة إلى الفحص عن المخصص المعلوم فى الكتاب و السّنة (و ربما يجاب) عن إشكال استناد وجوب الفحص فى الأصول اللفظية و العملية إلى العلم الإجمالى بأنّ العلم بوجود المخصّص فى الأصول اللّفظية منحصر فى الكتاب و السّنّة فبعد الفحص فيهما و إحراز مقدار المتيقن من ذلك المعلوم بالاجمال بذلك ينحلّ العلم الإجمالى الأوّل فلا يجب الفحص بعد ذلك، أمّا العلم الإجمالى بوجود أصل التّكاليف فى الأصول العملية فهو و إن كان أوسع دائرة من العلم بوجود المخصص في الأصول اللّفظية لعدم انحصار معلومه بما فى الكتاب و السّنة لكن الفحص عن ذلك فى الكتاب و السّنة و حصول العلم بمقدار المتيقن منه يوجب انحلاله، كما إذا كان المتيقن من التكاليف المعلومة بالاجمال مقدار ألف تكليف و قد علمنا بهذا المقدار بالفحص فى الكتاب و ألسنة فهذا العلم الثّاني يوجب انحلال العلم الإجمالي الكبير و صيرورة الشك بالنسبة إلى ما عدا القدر المتيقن المحتمل وجوده فى غير الكتاب و السّنة ايضا بدويا فيصح التمسك بالبراءة فيها (أقول) يمكن تقريب هذا الجواب الّذى اختاره بعض الأساطين (ره) بوجهين أحدهما صحيح لكن لا يصحّ معه التعبير بالتوسعة بل بالاهمال و الآخر فاسد، بيان ذلك أنّه (لو أراد) أنّا نعلم إجمالا بوجود تكاليف فى الشرع مع إهمال متعلق العلم من جهة وجود تلك التكاليف فى الكتاب و ألسنة أو فى غيرهما كمعاقد الإجماعات و لو المنقولة و الشهرات فوجودها فى خصوص الكتاب و ألسنة أو خصوص معاقد الإجماعات و الشهرات و لو إجمالا غير معلوم بل محتمل، و نعلم بأنّ المتيقن من تلك التكاليف مقدار ألفين مثلا فبعد الفحص فى الكتاب و السنة عثرنا على ذلك‏

355

المقدار فينحل العلم الإجمالي الأوّل بهذا العلم الثّانى فهو يعيّن مصبّ العلم الإجمالى بتكاليف من الشريعة فى الطرق المشروعة أى الكتاب و ألسنة (فهو) متين و لعلّه إليه أشار بتوصيف المعلوم بالاجمال بالمرسل لانّه عبارة أخرى عن المهمل، لكن ذلك لا ينافى مع ما إذا علمنا بعد ذلك بوجود تكاليف أخر إمّا فى الكتاب و ألسنة أو فى معاقد الإجماعات و الشهرات لانّ هذا علم بتكاليف جديدة غير المتيقن أوّلا إذ العلم أوّلا بكون المتيقن ألفين مثلا لم يكن بشرط لا أعنى حصر المعلوم بالاجمال فيها ضرورة احتمال وجوده فى غيرها من أوّل الأمر، فالعلم الثّانى يكشف عن كون دائرة المعلوم بالاجمال فى نفس الأمر أوسع من مقدار المتيقن و حيث أنّ مصبّه مهمل حسب الفرض فهذا فى الحقيقة علم بتكليف جديد (و لو أراد) أنّا نعلم إجمالا بوجود تكاليف في كل واحد من الكتاب و السّنة و معاقد الإجماعات و الشهرات فوجودها فى خصوص كل واحد منها إجمالا معلوم لا محتمل، و نعلم بأنّ المتيقن منها مقدار ألفين ثم عثرنا على هذا المقدار في خصوص الكتاب و ألسنة فبهذا العلم ينحلّ العلم الإجمالي الأوّل (فهو) فاسد إذ العلم الإجمالى منجّز فى البقاء كالحدوث ما لم يقم طريق يعيّن مصبّه و المفروض أنّ ما عدا الكتاب و ألسنة داخل فى معقد العلم الإجمالى الأوّل ضرورة تشكيله بالنسبة إليه فكيف يعقل انحلاله بالنسبة إليه باحراز مقدار المتيقّن فى غيره، بل حيث لم يكن المتيقن بشرط لا و بنحو الحصر بل لا بشرط لاحتمال وجوده فى غيره فالعلم الثانى علم بتكاليف جديدة كاشف عن أنّ المعلوم بالاجمال أولا اوسع دائرة فى نفس الأمر عن مقدار المتيقن فيجب الفحص فيما عدا الكتاب و ألسنة.

و لئن شئت مثالا واضحا للفرضين فافرض للاوّل العلم بوجود الموطوء فى قطيعة غنم و بكون المتيقن من الموطوء عشرة مهملا من جهة كون العشرة فى بيض الغنم أم سودها ثم بالفحص فى سودها عثرنا على عشرة موطوءة فالعلم الإجمالى الأوّل لا يؤثّر فى وجوب الفحص عن بيضها بعد ذلك لتعيّن مصبّه بالعلم الثّانى قهرا، و للثّانى العلم بوجود الموطوء فى قطيعة مع العلم بكون المتيقن فى مجموع السّود و البيض عشرة فكل من الصنفين يعلم بوجود بعض المتيقن فيه ثم عثرنا على‏

356

عشرة موطوءة فى سودها فتأثير العلم الإجمالى الأوّل في وجوب الفحص عن الموطئ فى بيضها بحاله و إنّما العلم الثّانى زاد سعة المعلوم بالاجمال بالنّسبة إلى السّود فأوجب تكاليف جديدة فيما زاد على المتيقن فى السّود و لذا لو عثرنا فيه بالفحص على مقدار موطوء آخر وجب الاجتناب عنه لانّه تكليف جديد غير مربوط بالاوّل نعم لو كان العلم بوجود المتيقن فى الكتاب و السّنة في الأوّل و في السّود فى الثّاني على نحو الحصر أى نفي وجوب تكليف فى غير الكتاب و السنة أو وجود موطوء، فى غير سود القطيعة لم يؤثّر العلم الإجمالى في وجوب الفحص بعد ذلك (لكن) سرّه كشف العلم الثانى عن خطأ فى مورد انعقاد العلم الإجمالى من أوّل الامر و أنّ فيما عدا الكتاب و ألسنة و ما عدا سود الغنم لم يتشكّل من أوّل الأمر علم و إن توهم تشكيله المكلف، كما أن سرّ عدم وجوب الفحص بعد إحراز المتيقن به فى الفرض الأوّل ما أشرنا إليه فى طىّ تقريبه من أنّ العلم التفصيلى الثاني يعيّن مصبّ العلم الإجمالى الأوّل، و إلّا فانحلال العلم الإجمالى و عدم تنجزه بقاء بعد تشكيله و تنجزه حدوثا غير معقول و موارد توهم الانحلال غير خالية عن عدم تشكيل العلم رأسا أو تعيين مصبّه بأمارة معتبرة بقاء.

و مما ذكرنا علم جواب ثانى الإشكالين فى استناد وجوب الفحص إلى العلم الإجمالى بوجود المخصص أمّا الإشكال فهو أنّ لازم استناد وجوب الفحص إلى ذلك أنّه إذا عثرنا على مقدار المتيقن من المعلوم بالفحص فى بابين من الكتاب و ألسنة مثلا لا يجب الفحص عن المخصص في سائر الأبواب ضرورة انحلال العلم الإجمالى بالعثور على مقدار المتيقن من المخصّص، مع أنّ ديدن الفقهاء علي الفحص عن المخصص فى كل شبهة بالخصوص فى جميع الأبواب، و أمّا الجواب فهو أنّ منشأ ذلك العلم الإجمالى و محلّ تشكيله من أوّل الأمر حيث لم يكن خصوص باب أو بابين بل جميع أبواب الكتاب و ألسنة للعلم إجمالا بوجود عمومات و مخصصات فى كل باب فلا ينحلّ بالفحص في بابين مثلا و لا يحصل العثور على مقدار المتيقن بالفحص فى ذلك بل بالفحص فى جميع الأبواب فليس، لنا علم إجمالى وسيط بين ما يكون بين الأقل و الأكثر و ما يكون بين المتباينين كى يقال بأنّ العلم الإجمالي‏

357

بوجود المخصص في الكتاب و ألسنة و إن كان بين الأقل و الأكثر و مقتضاه كفاية العثور على الأقل أى المتيقن الحاصل بفحص بابين من الكتاب و ألسنة فى انحلاله لكن ديدن الفقهاء على عدم كفاية ذلك فيه بل وجوب الفحص عن الأكثر فى ساير الأبواب، و إنّما العثور على الأقلّ لا يحصل فى المقام إلّا بالفحص فى جميع أبواب الكتاب و ألسنة و لاجل ذلك أوجبه الفقهاء و لم يكتفوا بالفحص في أقل من ذلك فتدبر جيدا، نعم حيث أنّ العلماء شكّر اللّه مساعيهم الجميلة أتعبوا أنفسهم الشريفة فى تبويب الأخبار و جمع ما يناسب كل مسئلة فى باب مستقل كوسائل الشيعة و سائر الكتب المبوّبة المعتبرة فالفحص عن كل مسئلة فى بابها المناسب معها يورث الاطمئنان غالبا بعدم مخصص يعارض العام و عدم دليل يخالف الأصل العملى فى غيره من الأبواب فلا يجب الفحص عن ذلك فيها.

[فصل فى الخطابات الشّفاهية]

فصل، فى الخطابات الشّفاهية و قد ذكر صاحب الكفاية (قده) في تحرير محلّ النّزاع وجوها ثلاثة، أحدها كون النزاع في صحة مخاطبة المعدومين و توجيه الخطاب نحوهم و عدمها، ثانيهما كون النزاع فى إمكان تكليف المعدومين و عدمه و النزاع عليهما عقلى، ثالثها كونه فى أنّ ما يتلو أداة الخطاب مثل يا أيّها النّاس هل يعمّ المعدومين أم لا؟، لكنّه (قدس سره) لم يختر أحد الوجوه و السّر فيه اختلاف عبائر المنازعين فى المسألة كما نقلها عنهم فى تقريرات الشيخ الأعظم (قده) حيث عبّر بعضهم كصاحبى المعالم و الفصول (قدس سرهما) بأنّ الخطابات الشفاهي هل يكون حقيقة بالنسبة إلى المعدومين أم لا؟، و مقتضى هذه العبارة كون النّزاع لفظيا لغويا، و عبّر آخر كالعلّامة (قده) فى تهذيب الأصول بامتناع تكليف المعدومين و مقتضاه كون النزّاع عقليا على نحو الوجه الثانى و عبّر ثالث كالسّيد المدقق عميد الدين (قده) شارح التهذيب بعدم صحة مخاطبة المعدومين و مقتضاه كون النزاع عقليّا على نحو الوجه الأوّل، لكن يمكن توجيه كلماتهم بحيث يرتبط الوجوه الثلاثة بعضها ببعض و ترجع إلى واحد بجعل البرهان العقلي فى صحة مخاطبة المعدومين و تكليفهم أو عدمها من المبادي التصديقية للبحث اللفظى، فانّ الخطاب الشفاهي لفظ و عمومه للمعدومين و عدمه من صغريات مباحث العام و الخاص و امتناع توجيه‏

358

الخطاب نحو المعدومين علي القول به برهان عقلي كاشف إنّا عن عدم وضع الخطاب لغة لما يعمّ المعدومين، كما أنّ صحة توجيهه نحوهم على القول بها برهان عقلي كاشف عن وضع الخطاب لغة لما يعمّهم، و حيث أنّ الخطابات الشّرعية تكون على نحو البعث و الزّجر الممتنعين فى حق المعدومين فامتناع تكليف المعدومين برهان آخر عقلىّ كاشف إنّا عن عدم الوضع للاعمّ في إحدى صغريات الخطابات الشفاهية هى الواقعة فى وعاء الشرع، فالمسألة لفظية لدى الكل و النّزاع في أمر لغوى غاية الأمر برهانه من طريق عقلى لدى بعضهم و ناهيك عن ذلك ما صنعه العلامة (قده) فى التهذيب من ذكر الخطابات الشفاهية فى عداد الالفاظ التي ذكروها للعموم ثم الخدشة فى كونها لذلك بامتناع تكليف المعدوم، ما صنعه عميد الدّين فى شرح هذه العبارة من زيادة دليل آخر على عدم العموم هو عدم صحة جعل المعدوم مخاطبا، و إن كان الأولى بناء على ما ذكرناه جعل المسألة عقلية محضة إذ لم يعهد من أحد من العلماء الالتزام بصحة مخاطبة المعدومين عقلا و لا باشتراط الواضع فى صحة توجيه ذاك الخطاب العام وجود المخاطب (و بالجملة) بعد ما ثبت عقلا كون الخطابات الشفاهية عامّة بالطبع للمعدومين لا معنى لتصرف الواضع فيها و تقييدها ببعض أفراد المخاطبين كما أنّه بعد ما ثبت عقلا اختصاصها بالطبع بالموجودين لا معنى لتصرف الواضع فيها بتعميمها للمعدومين فحيث لا ربط للواضع بهذه المسألة فهي لا محالة عقليّة، و لعلّ إلى ما ذكرنا أشار الشيخ الأعظم (قده) فى التقريرات بما ذكره فى توجيه كلماتهم فى تحرير محل النّزاع فراجع و تأمل.

و كيف كان فالحق في المسألة صحة خطاب المعدومين و تكليفهم و توضيح ذلك أنّ المبادي التي تكون بين الاثنين كالمعاملة و المكالمة و المخاطبة لا يتوقف صحة ما يكون من أحدهما و ترتب أثره إلّا علي صدق ما يكون منه بلا دخل التعنون بعنوان بين الاثنين كالمفاعلة فى ذلك، فالايجاب فى البيع أو النكاح أو نحوهما مما يكون قائما بطرفين بعد صدوره من الموجب يكون صحيحا و موضوعا لأثره الشخصى كوجوب الوفاء به ضرورة صدق الإيجاب عليه و لا يتوقف صحته على التعنون بعنوان المعاملة، نعم ما يكون من كليهما و يتقوم بعنوان المفاعلة و بين‏

359

الاثنين كالمعاملة يتوقف صحته علي تحقق ما يكون من الطرف الآخر و صدقه أيضا كالقبول ففى عقد البيع أو النكاح لو انفصل الإيجاب عن القبول مدة طويلة فتحقق الإيجاب ثم تحقق القبول بعد زمان طويل سواء كان محقّقا لاصل العقد أم كان إمضاء للفضولى منه صح العقد و ترتّب عليه أثره ضرورة تحقق كل طرف من المعاملة فى ظرفه صحيحا فيحصل من مجموعهما عنوان المعاملة و المعاقدة و تترتب عليه آثارها الخاصة كالملكية (و بالجملة) فالوصل بينهما لطرفين غير دخيل فى صحة كل منهما بحياله بل الفصل بينهما محقق لا محالة و لو كانت المعاملة على نحو المناظرة و المشافهة، و إذا كان الأمر كذلك فيما يتقوم عنوان المبدء بصدور فعل من الطرفين كالايجاب و القبول من المتعاملين ففيما لا يحتاج إلّا إلى الصدور من طرف و الوقوع علي آخر يكون عدم توقف صحة ما يصدر من أحدهما على التعنون بعنوان المفاعلة أوضح كما في الخطاب، فان صدقه بعد صدور اللفظ من المتكلم لا يتوقف إلّا على سماع المخاطب لا صدور فعل منه كقبول القابل في عقد البيع أو النكاح، فيكفى فى صحة الخطاب صدوره من المتكلم و لو مع فرض وجود المخاطب بلا تحققه خارجا غاية الأمر لا بدّ من عدم لغويته و يكفى فى التخلص عن اللغوية تصور فائدة ما لذلك، و لاجل ما ذكر تعدّى القوم للخطابات الشفاهية عن مثل يا أيها الذين آمنوا و يا أيها الناس إلى مثل للّه على النّاس حج البيت من استطاع إليه سبيلا.

و الحاصل أنّ البحث فى المقام ليس فى مفهوم الخطاب فانّه واضح بل البحث فى مصداقه و أنّ الشفاهي منه سواء وقع تلو أداة الخطاب مثل يا أيّها الناس و يا أيّها المؤمنون أو أستفيد الخطاب من كون المتكلم فى مقام التّخاطب مثل و للّه على النّاس حجّ البيت من استطاع إليه سبيلا هل يعتبر فيه وجود المخاطب فى صحة التّخاطب عرفا أو عقلا لكون الغرض منه الإفهام و لا يمكن إفهام المعدومين كما يظهر هذا الثانى من أكثر مسفورات القوم أم لا؟، فنقول أمّا اشتراط وجود المخاطب فى صحة التخاطب عرفا فدليله التبادر، أو صحة السّلب، و كلاهما مفقودان فى طرف الاشتراط بل موجودان فى طرف عدمه ضرورة صحة التخاطب عرفا و صدقه حقيقة إذا لوحظ المعدوم بوجوده الاستقبالى فعلا و خوطب معه سواء باللحاظ الإجمالى‏

360

كما بالنسبة إلينا أم بالتفصيلى كما بالنسبة إليه تعالى المحيط بجميع مخلوقاته أزلا بعلمه الأزلى، و ناهيك عن ذلك، كلمات الشعراء و الحكماء و أرباب العلوم و الصّناعات بل المواعظ و الحكم من كل لسان و أرباب الملل و القوانين العامة التى منها قوانين شرعنا الصّادرة عن اللّه تعالى فى كتابه و عن سدنة و حيه أئمتنا الهداة (صلوات الله عليهم اجمعين)، فانّهم يلاحظون الموجودين فى الاستقبال فى مقرّهم و ظرف وجودهم و يخاطبون بالفعل مع الموجود الاستقبالى بمرآتية اللّحاظ فيقول الشاعر أيا سرب القطا هل من يعير جناحه: أيا جبلى نعمان بالله خلّيا و نحو ذلك، و يقول الحكماء أو أرباب العلوم و الصّناعات فى مسفوراتهم، اعلم يا أخى أنّ الشأن كذا و كذا، و يقول أرباب المواعظ و الحكم أوصيكم بتقوى اللّه كما قال مولانا أمير المؤمنين (عليه السلام) فى نهج البلاغة أوصيكم و جميع ولدى و أهلى و من بلغه كتابى هذا بتقوى اللّه بل قوله (ع)، و جميع ولدى و أهلى و من بلغه كتابى تاكيد لعموم التّخاطب، فهل ترى صحة سلب التخاطب عن أمثالها لدى العرف أو تبادر معنى منه لدى العرف لا ينطبق عليها حاشا و كلّا، فلحاظ الموجود الاستقبالى بالفعل كاف عرفا فى صحة التّخاطب مع المعدوم بلا حاجة إلى تنزيله منزلة الموجود، و إن صحّ مع التنزيل أيضا كما فى أشعار جملة من الشعراء حيث يخاطبون المحبوبة أو الرياحين الخيالية، و معلوم أنّ الخطاب على النحو المزبور بنفسه عامّ بلا حاجة في تعميمه للمعدوم إلى توسيط المخاطب الموجود بان يتوجه خطاب خاص إلى مخاطب موجود ثم بواسطته إلى من يوجد و يشافهه و هكذا يدا بيد إلى آخر المكلفين بتكليف تضمنه الخطاب فيصير عامّا بهذا النحو كما صدر عن بعض أجلة المحققين (دام ظله).

و من ذلك علم أنّ التخاطب و هو جعل الغير و لو بلحاظ وجوده الاستقبالي أو تنزيله منزلة الموجود فى معرض المخاطبة معه حقيقى أبدا و الخطاب و هو ما يوجد من قبل المتكلم عند المخاطبة ايقاعى أبدا (فتقسيم) الخطاب إلى حقيقى و ايقاعى و جعل الخطاب الشّفاهى بالنسبة إلى المعدوم من قبيل الثانى بدعوى أنّ الإنشاء خفيف المئونة كما فى الكفاية (فى غير محله) مضافا إلى لزوم الالتزام عليه‏

361

إمّا بوضع الخطاب لكل واحد من القسمين مستقلا على نحو الاشتراك اللفظي أو بوضعه للجامع بينهما على نحو الاشتراك المعنوى أو بوضعه لاحدهما بالخصوص و كونه مجازا فى الآخر و الكلّ كما ترى، إذ لا جامع بين المتباينين أى ما هو من سنخ التّكوينيّات كالخطاب الحقيقي و ما هو من سنخ الاعتباريات كالخطاب الإيقاعي ضرورة تباين أفقيهما فالاشتراك المعنوي غير معقول فيهما أمّا اللفظي أو الحقيقة و المجاز فلا شاهد لهما و الالتزام بهما بلا ملزم، و ليس بأولى من الالتزام بصحة التّخاطب علي النّحو المزبور، و أمّا كون اشتراط وجود المخاطب فى صحة المخاطبة، لعدم صحة إفهام المعدوم فغير سديد أيضا إذ لا يلزم أن يكون الإفهام فعليّا حتى يتوقف على وجود المخاطب بل يكفى تحققه فى المستقبل لدى انوجاد المخاطب، فيخاطب على النحو المزبور فعلا ليفهم مقاصده المخاطب حينما وجد، و يكفي فى صحة التخاطب و عدم لغويته ترتب فائدة ما عليه و لو كان انفهام من سيوجد فى المستقبل، فشي‏ء من الدليلين لا ينهض لاثبات المدعى (و قد انقدح) ممّا ذكرنا وجود الخلل في كثير مما صدر عن كثير من القوم فى المقام حتى الشيخ الأعظم (قده) على ما فى التقريرات من توجيه خطاب المعدومين بتنزيلهم منزلة الموجودين (إذ قد عرفت) عدم الحاجة إلى التنزيل و كفاية لحاظ وجودهم الاستقبالي، هذا كله بالنسبة إلى صحة خطاب المعدومين.

و أمّا تكليفهم فقد استدل لامتناعه تارة باشتراط القدرة في مضمون الخطاب و معلوم أنّ هذا الشرط متعذر فى حق المعدوم فيتعذر المشروط و هو التكليف عقلا، و أخرى بأنّ البعث أو الزجر الفعلى جعل الداعي نحو الفعل أو الترك لانه تحريك تسبيبى فيستلزم التحرّك الفعلي و هو ممتنع فى حق المعدوم فيمتنع التكليف الذي هو تحريك تسبيبى (و يندفع) بعد الغضّ عن أنّ الدليل و هو امتناع تكليف المعدوم و عنوان ألباب و هو الخطاب الشفاهي بينهما عموم من وجه إذ قد لا يكون التكليف مدلول الخطاب أى الدليل اللفظى بل مدلول الدليل اللبّي كالاجماع و السيرة و قد لا يكون الخطاب الشفاهي متضمنا للتكليف بل للمواعظ و الحكم، و قد لا يستفاد الخطاب من اللفظ بل من مقام التخاطب لجملة متضمنة للتكليف كقوله: يجب على المكلف كذا و كذا: و قوله تعالى: لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا: أو من أداة الخطاب‏

362

كقوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ*، يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا*: فالدليل أخص من المدعى (بأنّ) القدرة غير دخيلة فى مضمون الخطاب بل هي شرط عقلى في مرحلة الامتثال و لو سلّمنا الاشتراط فالشرط هو القدرة حين الامتثال لا حين الخطاب كما حقّقنا ذلك كله فى مبحث الأوامر، و معلوم أنّ المعدوم حينما يريد الامتثال أى بعد ما يوجد و يتصدّى لامتثال التكاليف قادر عليه فالشرط حاصل فيه و البعث تحريك تسبيبى لكنّه لا يستلزم التّحرك الفعلي لانّ التحريك نحو شيئي لا بدّ أن يكون من سنخ ذلك الشي‏ء فان كان نحو فعل حالى يستلزم التحرك الفعلي و إن كان نحو فعل استقبالى لا يستلزم إلّا التّحرك في الاستقبال كالبعث فعلا نحو فعل غدا لا نحو مجموع الفعل و وعائه الزمانى كى يلزم جرّ الزمان أو المكانى كى يلزم جرّ المكان بل نحو الفعل في ذلك الزمان أو المكان، ففعليّة البعث لا توجب فعلية الباعثية التى تستلزم فعلية التّحرك و الانبعاث كما حقّقناه مفصّلا فى مبحث الأوامر لدى التّعرض للواجب التّعليقى، أمّا فائدة هذا النّحو من البعث فلا ترتبط بامكانه أو عدمه الّذى هو محل الكلام فى المقام و قد نبّهنا عليها هناك فراجع، بل ليس لنا فى الشرعيات و العرفيات تكليف غير تعليقى كما نبّه عليه المحقق الهمداني (قده) إذ كل بعث لا محالة يتحقق فصل زماني بين صدوره عن المولى و بين امتثاله من العبد، و إذ قد تبين فساد كلا وجهى المنع عن عموم الخطاب الشفاهي و هما عدم صحة مخاطبة المعدوم و امتناع تكليفه انقدح صحة القول بعموم الخطاب للمعدوم على نحو القضية الحقيقية بالمعنى الذي حقّقناه فى محله من مرآتية العنوان للمعنون بما له من الوجود الحقيقي أو التقديرى.

ثم إنّه ذكر للنّزاع ثمرتان (إحداهما) أنّه على القول بعموم الخطابات الشفاهية للمعدومين يمكن الأخذ باطلاقها و دفع احتمال القرينة و القيد بالاصل و لا يمكن ذلك على القول بالاختصاص بالموجودين لامكان وجود قرينة حالية أو مقالية تمنع عن انعقاد الإطلاق لها من أوّل الأمر، بل ترقّى بعض الأساطين (ره) إلى صورة كون المعدوم مقصودا بالافهام فمنع عن التمسك باطلاقها حينئذ بدعوى لزوم اتحاد الصّنف بين المخاطبين فى مشمولية الخطاب و هو غير محرز فى غير الموجودين فى مجلس الخطاب، لاحتمال وجود خصوصية فى الموجودين دخيلة فى اتحاد الصّنف لم تكن فى غيرهم و لو كانت‏

363

الخاص كالفاسق عن العام يدل بالالتزام علي إحداث عنوان ثبوتى في العام كالعادل لعدم واسطة بين العنوانين خارجا، فمثله (قده) لا بدّ أن يلتزم بعدم جواز التّمسّك بالعامّ في الشبهة المصداقية ضرورة عدم إحراز ما هو موضوع حكم العام و هو المعنون بعنوان ثبوتي كالعالم العادل فى المثال، لكن التعنون بعنوان ثبوتى علي هذا المبنى إنّما هو فيما إذا كان لعنوان الخاصّ ضدّ و كان العنوانان من الضدين لا ثالث لهما كعنواني الفاسق و العادل للعالم، فان لم يكن له ضدّ وجودي كالقرشيّة فى المثال المتقدم فلا بدّ أن يلتزم (قده) بتعنون العام بنقيض الخاص كغير القرشيّة، و المستفاد من كلمات بعض الأساطين (ره) سببية التخصيص لتعنون العامّ بعنوان عدمى مطلقا هو نقيض عنوان الخاص كغير الفاسق أو غير القرشية فى المثالين، فهو يشترك مع الشيخ الأعظم (قده) في أصل السببيّة للتّعنون بعنوان غير عنوان الخاص و يفترق عنه بالالتزام بالتّعنون بعنوان عدميّ لا ثبوتى بدعوى أنّ الخاص قاصر عن الدلالة على إحداث عنوان ثبوتى فى العام كالعدالة في العالم لانّ بين عنوان العامّ كالعلم مع عنوان الخاصّ كالفسق واسطة هو غير الفاسقية، فغاية ما يدلّ عليه التخصيص بعد استحالة الإهمال النّفس الأمرى تقيّد موضوع العامّ بعد التخصيص بنقيض عنوان الخاص كما تقدّم تفصيل برهانه بعنوان أوّل براهين المشهور على عدم جواز التّمسّك بالعامّ فى الشبهة المصداقية، و هذا القائل ممّن استظهر من كلام صاحب الكفاية (قده) سببية التخصيص لتعنون العام بأيّ عنوان غير عنوان الخاص مع أنّ تعنون الباقى و تقيّده بكل عنوان غير عنوان الخاص شيئي و انطباق كل عنوان غير عنوان الخاصّ عليه بالطبع لا من قبل التّخصيص بمعنى شمول حكم العام للمعنون بجميع تلك العناوين شي‏ء آخر، و المستفاد من كلام صاحب الكفاية الثانى دون الأوّل كيف و هو (قده) بصدد بيان أنّ الخاص لا يوجب تنويع العام كي يستلزم تعنون الباقى بعنوان خاص فكيف يلتزم بتعنونه و تقيّده بأىّ عنوان غير عنوان الخاصّ، نعم يبقى اشكال أنّ مراده (قده) لو كان ما ذكرنا فأىّ حاجة إلى استصحاب العدم فى تنقيح الموضوع إذ المفروض عدم تعنون العامّ بعنوان غير عنوانه الذاتى كالعالم و هو محرز بالوجدان فلا حاجة فى إحراز الموضوع إلى الأصل، و لذا

364

أنّ احتمال دخل اتّحاد الصّنف اقتراح منّا فلم يقم برهان عليه أصلا و من هنا يظهر فساد الثّمرة الثّانية أيضا (فانقدح) بذلك أنّه لا ثمرة لهذه المسألة.

[فصل لو تعقّب العامّ بضمير يرجع إلى بعض أفراده‏]

فصل، لو تعقّب العامّ بضمير يرجع إلى بعض أفراده فهل تكشف أصالة عدم الاستخدام في ناحية الضّمير عن عدم إرادة العموم من العام من أوّل الأمر أو تكشف أصالة العموم فى ناحية العامّ عن ارتكاب الاستخدام فى الضّمير أم لا؟، و بعبارة أخرى هل يكون لاحد الأصلين حكومة على الآخر أم لا؟، بعد الفراغ عن لزوم كون العام و الضمير فى كلامين، و حيث أنّ محل النّزاع فى مورد تكون القرينة على اختصاص مرجع الضّمير ببعض أفراد العامّ فى نفس الكلام و لو حالية أو مقامية فما مثّل به للمقام من قوله تعالى‏ وَ الْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ، و قوله تعالى‏ وَ بُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَ‏ إنّما هو تنظير للمقام فانّ اختصاص مرجع الضّمير فى بعولتهن أحق بردهن بالرجعيات، بعد كون المطلقات أعمّ منها و من البائنات إنّما علم من دليل خارجي، و كيف كان فقد ذهب شيخ الطائفة و جماعة منهم الشيخ الأعظم (قدس سرهم) إلى تقديم أصالة العموم و ارتكاب الاستخدام فى الضّمير و ذهب جماعة إلى العكس و توقّف بعضهم فى ترجيح أحد الأصلين (و تحقيق المقام) يقتضى رسم مقدمتين (الأولى) أنّك عرفت فى بعض المباحث السّالفة عدم ثبوت ألفاظ موضوعة للعموم و الاستغراق و أنّ العموم إنّما يستفاد من مقدمات الحكمة فتطبيق العام علي بعض أفراده ليس فيه تجوّز أصلا و إنّما هو خلاف الظهور المستند إلى مقدمات الحكمة، كما أنّ الضمائر على ما تقدم فى محالّه لم توضع للعموم بل هى أسماء مبهمة قد أخذت فيها جهة الإشارة و حيث أنّ الإشارة تستلزم تعيّن المشار إليه فتعيّن تلك المبهمات إنّما هو بتعيّن المشار إليه بها و لما كان مقام الإشارة يقتضى الإشارة إلى جميع أفراد المشار إليه فجعل مرجع الضّمير خصوص بعض أفراده يكون خلاف الظهور المقامى بلا تجوّز فى ذلك أصلا (و بالجملة) فلا ريب أنّ الضمائر مبهمات و معنى إبهامها أنّها وضعت للاشارة إلى أمر آخر فتحتاج إلى هذا الأمر فى وعاء الاستعمال، و لا يتوهم أنّا نقول بانّ مدلولها الإشارة الخارجية بل نقول بأنّ الوضع إنّما هو بلحاظها كما ذكرناه مفصّلا فى مبحث الإشارات و الضّمائر، فلا بدّ

365

أن يعين المرجع أوّلا حتى تصح الإشارة فاذا كان قبلها عام و كان مقتضى الأصل اللفظى فيه العموم يكون مقتضى المقام رجوع الضمير إليه بما له من الظهور فى العموم لانّ مقتضى الأصل اللفظي في جانب العام جعل المرجع ظاهرا هو العام و المفروض أنّه ليس هناك ما يعيّن أمرا آخر يرجع إليه الضمير فالاستخدام إنّما هو خلاف هذا الظاهر و هو ليس من التجوز فى شي‏ء (الثّانية) أنّ باب الظهورات إنّما هو باب الكواشف و هى من حيث الكشف تختلف قوة و ضعفا فلدى التعارض يقدم الأقوى علي الأضعف.

و بعد ذلك نقول إذا علم مرجع الضمير فى مورد و أنّه بعض ما يكون العام ظاهرا فيه كما هو محل النزاع فى هذا الفصل لم يكن ذلك إلّا خلاف مقتضى السياق لكن المفروض فى المقام وقوع كل واحد من العام و الضمير فى كلام مستقل مشتمل على حكم على حدة و فى مثله لا يعتني العرف بمخالفة السياق، فمقتضى قانون المحاورة ارتكاب الاستخدام فى الضمير دون التخصيص فى العام تقديما لا قوي الظهورين أعنى ظهور العام المستند إلى اللفظ و لو ببركة مقدمات الحكمة على أضعفهما أعنى ظهور السياق فى عدم الاستخدام، و ما يقال من أنّ الأصل عدم الاستخدام مدفوع بأنّ هذا أصل لفظى مورد جريانه الشك فى مرجع الضمير الذي عرفت أنّه لا بد فى صحة الإشارة بالضمير من تعيينه، و المفروض فى المقام عدم الشك فى المرجع لتعيّنه، مع أنّ أصل عدم الاستخدام لا يعيّن التخصيص لانّ مثبت الأصل اللفظى إنما يكون حجة لو كان في ذلك الأصل جهة كشف و نظر و ليس كذلك أصل عدم الاستخدام إذ لا ظهور له في ذلك، فلا مزاحم هنا لاصالة العموم فهى تجرى قهرا بلا إرادة إثبات الاستخدام بها حتى يقال بأنّ جهة إثبات هذا الأصل ليست بحجة، كما لا تجوز هنا في شي‏ء من التخصيص و الاستخدام حتى يقال بدوران الأمر بين أحد تجوزين و التخصيص لشيوعه أولى (فتحصل) أنّ ألحق مع الشيخ الطوسي (قدس سره) و من تبعه فى تقديم العام على الاستخدام، لا يقال إنّ الكلام محفوف بما يصلح للقرينيّة أى العلم بالمرجع فانّه يصلح قرينة على التخصيص لانّا نقول كلّا لا صلاحية لذاك العلم للقرينية على ذلك لانّ ما يصلح‏

366

للقرينية لا بد أن يكون فيه جهة كشف عن ذلك و ليس كذلك العلم بالمرجع، نعم ربما يكون السياق فى القوة بمثابة يوجب الظهور فى التخصيص فلا بدّ من تتبع الموارد لكشف ذلك.

[يخصص العام بمفهومي الموافقة و المخالفة]

فصل، اختلفوا في أنّه هل يجوز تخصيص العام بمفهوم المخالفة و هو ما يخالف المنطوق فى الكيف كعقد الإيجاب من القضية السّلبية و عقد السلب من القضية الإيجابية نظير أكرم من في المدرسة و من كان عادلا فاكرمه الدال بالمفهوم على عدم وجوب إكرام الفاسق فهل يخصص عموم وجوب إكرام أهل المدرسة بهذا المفهوم إذا كان بعض أهل المدرسة فاسقا أم لا، بعد الاتفاق على جواز تخصيصه بمفهوم الموافقة و هو المدلول الالتزامى للمنطوق الموافق معه فى الكيف سواء كان اللّزوم عقليا من ناحية الأشدية نظير حرمة ضرب الأبوين المستفادة من قوله تعالى‏ فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍ‏ بعد عموم اضرب كل فاسق و يسمى بفحوى الخطاب لثبوت الحكم فى المفهوم بالاولوية فيخصص عموم وجوب ضرب الفاسق بحرمة ضرب الأبوين إذا فسقا، و دعوى كون اللزوم فى مثله عرفيا غير مسموعة، أم كان اللزوم عرفيا بنحو المساواة نظير حرمة إكرام الظالم المستفادة من قوله تعالى‏ وَ لا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا بعد عموم أكرم كل عالم فيخصص عموم وجوب إكرام العالم بحرمة إكرام الظالم إذا ظلم عالم، و يسمى بلحن الخطاب، و حيث أنّ المسألة لفظية فلا معنى لدعوى الإجماع فيها كما ادعى للجواز في مفهوم الموافقة بل يشترك مع مفهوم المخالفة فى الاستدلال الآتى، فقد يقال بجواز التخصيص به مطلقا و قد يمنع عنه مطلقا و قد يفصّل بين ما كانت نسبة العام إلى المفهوم هى العموم المطلق، فيخصّص به و ما كانت نسبتهما العموم من وجه فلا يجوز التخصيص (و التحقيق) أنّه إن قلنا بحجية المفهوم فمعنى حجيته كما أسلفناه فى محلّه كون الجملة ذات لسانين تدل باحدهما على العقد الإيجابى و بالآخر على العقد السلبى فمع كون النسبة العموم المطلق يخصص به العام كما إذا كان هذا المضمون في قالب المنطوق، و مع كون النسبة العموم من وجه يتعارضان فى مادة الاجتماع فمع وجود مرجح لاحدهما يقدم و بدونه يتساقطان و يرجع إلى الأصول العملية كما هو شأن تعارض العامين من وجه فى؟؟؟ (و بالجملة) لا حزازة

367

في المفهوم بما هو مفهوم كى يبحث عن جواز تخصيص العام به و عدمه و دعوى كونه أضعف دلالة من المنطوق يدفعها على فرض تسليم الدعوى ما عرفت مرارا من تقديم الخاص على العامّ طبعا و لو كان فى أدنى مرتبة الظهور و العام في أعلى مرتبته، فالمفهوم و المنطوق بما هما مدلولا اللفظ مشتركان فيما هو محل النزاع فى هذه المسألة فاستقلال المفهوم بالنزاع فيه و عقد فصل للبحث عنه فى غير محله بناء على حجيته أمّا على عدم الحجية فليس من الأدلة كى يبحث عن حاله.

[فصل إذا تعقب الاستثناء جملا عديدة فهل يرجع الى الكل‏]

فصل، لو تعقب الاستثناء جملا نظير أكرم العلماء و أضف الشعراء و أنصر الأدباء إلّا الفسّاق منهم فهل يخصص به جميع ثلث الجمل أم بعضها وجوه بل أقوال، و التحقيق أنّ البحث تارة من جهة جواز رجوع الاستثناء إلى الجميع و عدمه ثبوتا و أخرى من جهة ظهور الكلام في ذلك و عدمه إثباتا (أمّا الجهة الأولى) فالحق فيها الجواز لانّ مفاد أداة الاستثناء أى الإخراج بالمعنى الحرفى و إن كان جزئيا لكنه قابل للانحلال باعتبار طرفيه كما هو شأن كلية معاني الحروف كالظرفية في قوله (ع) لا تصل فيما لا يوكل لحمه فمفاد كلمة في و إن كان جزئيا لانه معنى حرفي بناء على جزئية المعانى الحرفية لكنّه باعتبار طرفيه أى الصلاة و ما لا يوكل لحمه ينحلّ إلى كل واحد من أفرادهما فيشمل كل صلاة وقعت في كل فرد من غير المأكول، فالإخراج في المقام واحد و بعنوان كلي هو الفساق مثلا و المخرج يمكن لحاظه واحدا نظير هؤلاء أو المذكورين فلا يلزم من رجوع الاستثناء إلى جميع العمومات الواقعة فبلها تجوّز فى مفاد أداة الاستثناء، و لا في المرجع الذي هو المخرج (فدعوى) أنّ رجوعه إلى الجميع يستلزم استعماله فى أكثر من معنى واحد و هو يستلزم لحاظات متعددة في شي‏ء واحد بناء على استحالة استعمال اللفظ فى أكثر من معنى واحد فلا يجوز (مندفعة) بما عرفت من عدم استلزام ذلك استعمال اللفظ فى أكثر من معنى واحد حيث عرفت وحدة الإخراج الذي هو مفاد الأداة و وحدة المخرج الذي هو مرجع الضمير فى المستثنى فضلا عما إذا لم نقل باستحالة استعمال اللفظ فى أكثر من معنى كما حققناه فى مبحثه (و ما يقال) من عدم جوازه فى المقام بناء على كون الاستعمال على نحو العلاميّة لدى بعض من يجوّز الاستعمال فى أكثر

368

من معنى واحد لانّ معانى الحروف من المعانى الاندكاكية و لا يعقل علامية لفظ واحد للمتعدد بنحو الاندكاك (مدفوع) بأنّ مجوّز استعمال اللّفظ فى أكثر من معنى مع جعله على نحو العلاميّة يقول بجوازه حتى فى المعانى الاندكاكيّة على ما نعلم من مبناه، فتحصّل أنّ الحقّ جواز رجوع الاستثناء إلى جميع الجمل الواقعة (و أمّا الجهة الثانية) فالحق فيها أنّه لا ظهور للجملة فى رجوع الاستثناء إلى خصوص واحد من الجمل أو إلى الجميع و دعوى أنّ الاستثناء فى صورة رجوعه إلى الأخير يكون واقعا فى محلّه، مصادرة إذ لو أريد بالوقوع في محلّه ظهور الجملة فى الرّجوع إليه فقد عرفت عدمه و لو أريد عدم صلاحيّته للرجوع إلى غيره فقد عرفت فى الجهة الأولى صلاحيته لذلك، و أمّا من حيث إجمال الجمل الواقعة قبل الاستثناء و عدمه فالمتيقن رجوعه إلى الجملة الأخيرة و امّا غيرها من الجمل فحيث أنّ العموم علي ما قدّمناه غير مستند إلى الوضع بل إلى مقدمات الحكمة التى منها عدم البيان و هذا الاستثناء صالح للبيانيّة بالنسبة إلى كل واحدة من تلك الجمل فلا ينعقد لها ظهور بالنسبة إلى مورد الاستثناء.

[فصل فى أنه هل يجوز تخصيص الكتاب بالخبر الواحد أم لا؟]

فصل فى أنه هل يجوز تخصيص الكتاب بالخبر الواحد أم لا؟ فيه قولان استدل للثانى بأدلة أربعة (منها) أنّ الكتاب قطعيّ الصّدور و الخبر الواحد ظنّى السند فلا يصلح لمعارضته (و الجواب) أنّ ما دل على التعبد بالخبر الواحد بناء على التعبد بالطريق، قطعى و ظاهر الكتاب ظنىّ فيقدم عليه و ليس مفاد الخبر الواحد تكذيب صدور الكتاب حتى يقال بعدم صلاحيّته للمعارضة بل مفاده بيان المراد من ظاهر الكتاب و الظاهر ظنّى فلا مانع من تخصيصه بالخبر الواحد (و منها) أنّه لو جاز تخصيص الكتاب بالخبر الواحد لجاز نسخه به و التالى باطل بالاجماع فالمقدّم مثله (و الجواب) أنّ بطلان التّالى إنّما هو لانّ ما دل على عدم جواز النسخ كاشف عن عدم وجود ما ينسخ الكتاب فى السنّة لانحصار النسخ بزمان الوحى و هو منقطع بعد النبى (ص) لا أنّ الناسخ للكتاب موجود في الأخبار و لا يصلح لنسخه حتى يمكن قياس التخصيص به و ليس كذلك فى التخصيص (و منها) أنّ عمدة الدليل على حجية الخبر الواحد، الإجماع و هو مقصور بغير صورة تخصيص الكتاب به‏

369

(و الجواب) أنّ عمدة الدليل علي حجية الخبر الواحد بناء العقلاء و هو لا يفرق بين مورد تخصيص الكتاب و غيره (و منها) و هو عمدة أدلة المانعين، الأخبار المستفيضة بل القريبة بالتواتر الدالة علي عرض الأخبار علي الكتاب فما وافقه منها فخذوه و ما خالفه منها فاضربوه ضرب الجدار أو فذروه أو أناما قلته إلى غير ذلك من التعبيرات الواقعة فيها الكاشفة عن عدم حجية الأخبار المخالفة للكتاب (و الجواب) أنّ تلك الأخبار على ما تقرّر فى محلّه و قد نبّه عليه الشيخ الأعظم (قدس سره) فى رسائله إنما وردت بالنسبة إلى الأخبار الّتي بينها و بين الكتاب تباين بحسب المفاد و ليس كذلك العام و الخاص إذ العرف لا يرى تباينا بينهما أصلا بل يرى الخاص بيانا للعام، و إذ تبين قصور أدلة المانعين عن إثبات مدعاهم تحصل أنّ ألحق وفاقا لجمهور الأصوليين جواز تخصيص الكتاب بالخبر الواحد.

[فصل إذا دار الخاص بين الناسخ و المخصص أو المنسوخ و المخصص‏]

فصل فى دوران الخاص بين كونه مخصّصا أو ناسخا كما اذا ورد أكرم العلماء كل يوم ثم إذا عمل بالعام أيّاما ورد لا تكرم الفساق من العلماء و دار الأمر بين كون الثانى ناسخا للعام الأوّل أو مخصّصا له، أو بين كونه مخصصا أو منسوخا كما إذا ورد لا تكرم الفساق من العلماء ثم بعد ذلك ورد أكرم العلماء و دار الأمر بين كون العام ناسخا للخاص الأول أو كونه مخصّصا به، و هذه المسألة و إن لم يكن لها موضوع فى الفقه إذ ليس في أخبار شرعنا ما يكون من قبيلها و ليس لها محمول فى الأصول لفسادها في نفسها كما ستعرف لكن حيث يتضح فيها حال النسخ و البداء تأخير البيان عن وقت الحاجة نتعوّض لها، و قبل الخوض فى شقوق المسألة و كلمات القوم نقول إنّ تمامية هذا الدوران موقوف علي تمامية أمرين فلو لم يتم واحد منهما كانت المسألة مهملة بالكلية فارغة عن الثمرة (الأوّل) الفرق فى كون الخاص مخصّصا بين وروده قبل وقت الحاجة فيمكن ذلك أو بعده فلا يمكن كما لو تأخر لا تكرم الفساق من العلماء كل يوم أيّاما إذ كل يوم حسب لسان الدليل وقت العمل بالعام فلا يمكن جعله مخصّصا مبينا للمراد من العام من أوّل الامر، لانّ تأخير البيان عن وقت الحاجة إمّا قبيح كما إذا أوجب العمل بالعموم وقوع المكلف فى كلفة زائدة بأن كان الخاص ترخيصا فى بعض أفراد العام كعدم‏

370

وجوب إكرام الفساق من العلماء فابقاء العام على ظاهره من وجوب إكرام جميع الأفراد يوقع المكلف فى كلفة إكرام أفراد الخاص، أو مستحيل كما إذا أوجب العمل بالعموم نقض غرض المولى بأن كان الخاص زجرا عن بعض أفراد العام كحرمة إكرام فساق العلماء (و يندفع) بأن كون الخاص مبيّنا للمراد من العام إنّما هو مقتضى طبعه ورد قبل مجي‏ء العام أم بعده و قبل وقت الحاجة أم بعده أمّا وقوع المكلف في كلفة زائدة من الأخذ بأصالة العموم فيما إذا كان حكم الخاص ترخيصيّا فلا قبح فيه إذا كان مأجورا لذلك فاعطاء ثواب للعمل بالعموم يخرج ابقائه عن القبح، و أما نقص الغرض فيما اذا كان حكم الخاص زجريّا فغير لازم إذا كان لحصول البداء للمتكلم بالنسبة إلى بعض أفراد العام كما هو الغالب في الأحكام العرفية المتداولة بين أهل المحاورة و غير مستحيل إذا كان تأخير الخاص لمانع عن ذكره كالتقية، كما إذا قال أكرم أهل المدينة و كان مراده الواقعى إكرام غير بنى أمية لكن منعته التقية عن استثناء بنى أمية حين إلقاء العام، و هذا القسم أى التأخير لاجل المانع هو الغالب فى الأحكام الشرعية كما يشهد به التتبع في الأخبار الواردة عن الأئمة (عليهم السلام)، مع أنّ الأغراض مختلفة فربما يكون التأخير لمصلحة تساوى الفائتة أو تغلب عليها فان مناطات الأحكام الشرعية و الأغراض الداعية إلى جعلها غير محرزة لدينا حتّى يمكننا الحكم بأنّ تأخير البيان يستلزم نقض تلك الأغراض فدعوى قبح التأخير تارة و استحالته أخرى تخرص بالغيب (لا يقال) لازم بقاء العموم بحاله ظاهرا كى يأخذ به المكلف مع أنّه غير مراد للمتكلم واقعا كون العام ذا لسانين بأحدهما يتكفل بيان الحكم الواقعى للافراد المرادة واقعا كعدول العلماء فى المثال المتقدم و بالآخر يتكفل بيان الحكم الظاهرى لافراد الخاص غير المرادة حسب الفرض كفساق العلماء في المثال (لانّا نقول) كلّا لا ملازمة بينهما لانّ إحراز حكم العام فى فرد و استظهاره من الدليل ظاهرا غير كون ذاك الحكم مجعولا له من قبل المولى و الحكم الظاهرى المصطلح هو الثانى و الموجود فى المقام هو الأول، فتطبيق العام علي الأفراد من قبل المخاطب ظاهري لا حكمه المجعول من قبل المتكلم و بينهما فرق بيّن.

371

(الثّاني) الفرق فى صلاحيّة النّاسخ لكونه ناسخا بين وروده بعد حضور وقت العمل بالحكم السّابق فيصلح لذلك لانّ نسخ الحكم فى طول فعليّته و هى موقوفة علي اجتماع شرائطه للمكلف الذي هو موضوع حكم العقل بلزوم الامتثال فبذلك يتحقق وقت العمل بالحكم، و بين وروده قبل حضور وقت العمل بالعام فلا معنى لنسخه بل هو مخصّص و ليس بناسخ (و تحقيق) حال الفرق بما فيه موقوف على شرح حقيقة النّسخ فنقول إنّ ظاهر المشهور أنّه رفع الحكم الفعلي و يظهر من الشيخ الاعظم (قده) لزوم العمل بذلك الحكم فى تحقق النسخ حيث عبّر عنه بالتّخصيص الأزمانى و فصّل بعض الأساطين (ره) بين الموقتات و الخارجيات فلا معنى للنسخ فيها و بين الحقيقيات الغير المشروطة فيصحّ النسخ فيها (لكنّ) ألحق أنّ النسخ قطع الحكم بقاء بعد كونه ظاهر الثبوت أو منصوصة بحسب إطلاق دليله أو صريحه فالنسخ فى الشرعيّات بمنزلة الفسخ فى الوضعيات غاية الأمر أنّ الجاهل بالملاكات و عواقب الأشياء ربما يكون نسخه لانكشاف الخلاف فى ملاك حكمه الّذى جعله أوّلا، بمعنى أنّه جعل حكما بزعم وجود المصلحة فيه ثم أحرز فيه مفسدة أو خلوّه عن المصلحة فينسخه بقاء من حين انكشاف الخلاف، أمّا العالم بالملاكات و العواقب كالشارع تعالى فلا يعقل فى حقه انكشاف الخلاف فمتعلق الجعل أي الحكم المجعول أوّلا لا مصلحة فيه و إنّما المصلحة فى جعل ذلك الحكم، كما إذا قال المولى لعبده سر إلى الكوفة صبيحة كل يوم و لم تكن فى السّير إلى الكوفة مصلحة بل كانت المصلحة فى جعل الحكم بالسير كصيرورة العبد متعوّدا بالانتباه و عدم النوم فى الصباح فمتى حصل التّعود ينسخ الحكم فلو كانت المصلحة فى نفس السّير لاقتضت دوام الحكم، و لذا نقول إنّ النسخ فى حق الجاهل بالملاكات و العواقب ظهور بعد الخفاء و في حق العالم بها إظهار بعد الإخفاء، إذ الأوّل يظهر له خلوّ الحكم عن المصلحة أو اشتماله على المفسدة بعد اختفائه عليه بل كون خلافه محرزا لديه و الثانى يظهر عدم المصلحة فى متعلق الجعل بل فى نفسه بعد إخفائه أوّلا، و من هذا القبيل جميع الأوامر و النواهى الاختبارية كقضية إبراهيم فى ذبح إسماعيل (عليهما السلام) إذ الأمر بذبحه كان للاختبار و لذا أطلق تصديق الرؤيا على انقياده‏

372

و طوعه النفسانى الذي هو روح الإطاعة فى قوله تعالى‏ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا، و يشهد بأنّه المراد بتصديق الرؤيا قوله تعالى فى صدر الآية فَلَمَّا أَسْلَما وَ تَلَّهُ لِلْجَبِينِ وَ نادَيْناهُ أَنْ يا إِبْراهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا حيث رتّب النداء بالتّصديق على تسليمهما للذّبح و وضع جبين إسماعيل على الأرض لا علي نفس الذبح فالامر حقيقى لكنه للاختبار.

و ما ذكرناه من حقيقة النّسخ يجرى في الموقتات قبل حضور وقتها بمعنى أنّ الجاهل بالعواقب ينكشف له قبل وقت مجعوله الأوّل خلوّ الحكم عن المصلحة فينسخه و العالم بالعواقب يظهر قبل ذلك عدم المصلحة فى متعلق جعله بل في نفس جعله، فضلا عن غير الموقتات نظير يا أيّها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرّسول فقدّموا بين يدى نجواكم صدقة إذ العامل بهذه الآية منحصر في شخص واحد هو أمير المؤمنين (عليه السلام) مع أنّها خطاب كبروى عامّ فيمكن أن تكون مصلحة جعل هذا الحكم تبيّن انحصار العامل به فى واحد للناس (و بالجملة) لا فرق بين القضايا الحقيقية و غيرها و لا بين المشروطات و غيرها فى إمكان تحقق النسخ بالنسبة إلى الجميع بالمعنى الذي قلناه و عدم إمكانه فى شي‏ء منها إن أريد به رفع حكم تكون المصلحة فى نفسه، فالتفصيل بين الموقتات و الخارجيات مع الحقيقيات و الالتزام بالنسخ في الأخيرة دون الأوليين كما تقدّم عن بعض الأساطين (ره) بلا وجه و كذا ما تقدّم عن الشيخ الأعظم (قده) من اشتراط العمل بالحكم في صدق النسخ حيث ظهر أنّ النسخ ليس هو التخصيص الأزمانى كيف و التخصيص إخراج حصة من العامّ و النسخ قد يكون قبل وقت العمل بالعامّ فلا تبقى للعام حصة أصلا، و إذ تبيّن عدم تمامية شي‏ء من الأمرين ظهر أنّ المسألة مهملة بالكلية فارغة عن الثمرة بمعنى أنّه لا موضوع لها خارجا فلا يحتمل النسخ فى شيئي من صورها الستة التى لخصّ عمدة صورها فيها فى تقريرات الشيخ الأعظم (قده) و هى العلم باقتران العام و الخاص المتنافيين ظاهرا و العلم بتقدم العام على الخاص و العلم بتقدّم الخاص على العام و الجهل بالتقارن و التقدم مع العلم بتاريخ أحدهما أو عدمه و اختار (قدس سره) النسخ في الثانية و التخصيص فى البقية، وجه عدم الاحتمال ما عرفت من عدم اشتراط العمل فى تحقق النسخ و عدم قبح تأخير البيان عن وقت الحاجة و عدم استحالته،

373

فلا حاجة بعد ذلك إلى تفصيل أحكام الصّور أو تنبيهات المسألة مما هو مذكور في التقريرات فمن أراد ذلك فليراجع التقريرات.

نعم حيث مرّ علينا ذكر البداء طىّ بيان الأمرين فلا بأس بالاشارة الإجمالية إليها فنقول البداء كالسّماء بمعني البدوّ بعد الخفاء و لا ريب فى وجودها فى شرعنا كما دلت عليه الأخبار بل قد عدّ ذلك في بعضها من علائم الإيمان و فى بعضها: ما عبد اللّه بشي‏ء كالبداء، فالاعتقاد بها من جملة المذهب، لكن لا من ضرورياته الّتى يوجب إنكارها الكفر، و قد استشكل فيها بأنّها تستلزم تغيّر علمه تعالى و تجدّد إرادته و وجود مرادين متباينين له و هى باطلة و لاجل هذا الإشكال أنكر بعضهم أصل وجود البداء، و يندفع الإشكال بأنّا لو أردنا إثبات البداء من غير طريق الأخبار كالعقل لم يمكن إثباتها لانها تستلزم المحاذير المذكورة لكن نريد إثباتها من طريق الأخبار فلا بدّ من الأخذ بما يستفاد من مجموعها بحيث لا ينافيه حكم العقل فانّ التّعبد بالظواهر و الطرق غير موجود مطلقا فضلا عن العقائد و فيما إذا عارضه دليل عقلى، ففى بعض الأخبار: إنّ اللّه تعالى ما بدا له فى شي‏ء إلّا كان فى علمه: و فى بعضها: إنّ اللّه تعالى له علمان مكنون لا يعلّمه عباده و غير مكنون يعلّمه بعض العباد كالانبياء: إلى غير ذلك من التعبيرات الواردة فى الأخبار الكثيرة المذكورة فى البحار، فانّها بأجمعها تكشف عن وجود البداء له تعالى بلا استلزامها بمعناها الواقعى تغيّر العلم الأزلى أو الجهل أو تجدّد الإرادة الأزلية أو اجتماع إرادتين متنافيتين له تعالى بل التجدد إنّما هو فى معلومه أعنى ما تعلق به علمه الأزلى من أفعال العباد، فالمستفاد من مجموع تلك الأخبار أنّ متعلقات الأوامر و النواهى الشّرعية من أفعال العباد غير متمحّضة فى الجهات التشريعية أى الأوامر و النواهى المتعلقة بها بل فيها جهات تكوينية تقتضى آثارا خارجية، كالزّنا بالمحصنة فهي محرمة شرعا و تقتضى بالتكوين قطع الرزق أو قصر العمر مثلا، فكل فعل من تلك الأفعال ذو جنبتين تشريعيّة هي تعلق الأمر أو النهي الشرعي به و تكوينية هى الجهة التى تقتضى آثارا خارجية كما يشهد به تسمية الذنوب فى بعض الأخبار و الأدعية المأثورة بالتى تغيّر النعم أو التى تنزل البلاء أو التى تظلم الهواء أو نحو ذلك من الآثار الخارجيّة، و ذو ربطين‏

374

ربط بالعباد هو أنه تحت اختيارهم و صادر عن إرادتهم على ما هو ألحق من أنّهم مختارون فى أفعالهم و ربط بالخالق تعالى هو جعل المثوبة أو العقوبة عليه أخروية أو دنيوية كقصر العمر و تقليله من خمسين سنة إلى ثلاثين لاجل معصية كقطع الرحم أو الزنا بالمحصنة أو زيادته و تكثيره من ثلاثين سنة إلى ستين لاجل طاعة كصلة الرحم، فاللّه تعالى خلق وجودات العباد على نحو تقتضى البقاء سبعين سنة مثلا لكن جعل عقوبة الزانى بالمحصنة قصر عمره ثلاثين سنة فكلما تحقق الزنا تحقق أثرها الإخلالى بجهة البقاء و كلما لم تتحقق بقيت جهة البقاء تؤثر فى مقتضاها الدنيوى و الأخروي.

فبهذا اللحاظ تكون لكل واحد من تلك الأفعال جهات و مراتب و يمكن أن تكون لكل واحدة من تلك الجهات و المراتب حقيقة محفوظة و تكون الألواح المذكورة فى الأخبار من أمّ الكتاب و لوح القضاء و القدر و لوح المحو و الإثبات و لوح محفوظ إشارة إلى ذلك، بأن تكون الجهة التشريعية للافعال من كونها مأمورا بها أو منهيا عنها محفوظة فى أمّ الكتاب و الجهة التكوينية لها من كون عمر فاعل فعل فلاني ثلاثين و عمر فاعل فعل فلانى ستين و نحو ذلك من الآثار التكوينية المترتبة على تلك الأفعال المقدّرة فيها و لو بالجعل التكوينى الإلهي محفوظة فى لوح القضاء و القدر، و جهة تعليق كل أثر على مؤثره و أنّ فلانا لو فعل كذا يصير كذا فيثبت له أثر كذائى و لو فعل كذا يصير كذا فيمحو عنه الأثر الكذائى محفوظة فى لوح المحو و الإثبات، و جميع تلك الجهات من تعلق الأوامر و النواهي بتلك الأفعال و أنّ فلانا لو فعل باختياره كذا يصير كذا و أنّه يختار كذا فله أثر كذائى و عمره مقدار خاص مثلا محفوظة في اللوح المحفوظ، مضافا إلى أنّ هذه الأخبار وردت فى قبال اليهود القائلين بأنّه جفّ القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة أى التّعطيل فى فعله تعالى، و فى قبال الأشاعرة القائلين بجزافية إرادته تعالى فى التشريعيات و التكوينيات و عدم وجود جهات تكوينية فى متعلقاتها، فهى تنفى هاتين الجهتين و تثبت ضدهما (و بالجملة) فالتحفظ على ظواهر الأخبار المشتملة علي الألواح بجعلها مراتب واقعية للتكوينيات تشريفا لمقام سلطانه تعالى بأن يكون له لوح و قلم و محو و

375

إثبات و قضاء و قدر ممكن بلا استلزامه محذورا، كما أنّ جعل الألواح رمزا للاشارة إلى مراتب علمه تعالى كما يؤيده ما فى بعض الاخبار من التعبير بأنّه تعالى له علمان مكنون، و غير مكنون او انه ما بدا له فى شي‏ء إلّا كان في علمه، ممكن، فالتصرف فى ظواهر الألواح بجعلها عبارة عن عوالم متعددة كل واحد مختص بجهة خاصة، بلا ملزم بل بلا شاهد إلا أن يرجع إلى ما ذكرنا ممّا لا تأباه ظواهر الأخبار، كما أنه يمكن صياغ ما ذكرناه من المضمون فى قالب ألفاظ أدقّ فيقال كما فى تعليقة بعض المحققين (قده) على الكفاية بأن ثبوت المقتضى إنّما هو فى مرحلة ثبوت المقتضي فثبوت امتداد العمر إلى سبعين سنة مثلا إنّما هو بنفس ثبوت الوجود الخاص لفلان بمعنى أنّ هذا الاقتضاء كامن فيه و ثبوت المنع عن طول العمر و التأثير في تقصيره إنّما هو بثبوت فعل الزنا بالمحصنة مثلا بمعنى أنّ هذا الاقتضاء و التأثير الإخلالى كامن فى هذا الفعل و هو تعالى يعلم هذا كما يعلم ذلك، فما ذكره (قدس سره) لو أراد منه ما ذكرناه يكون في غاية المتانة، و إلى ما ذكرناه يرجع ما أفاده علماء الإمامية فى هذا ألباب (فتخلص) أنّ البداء عقليّها لا نقول به و شرعيّها الموجود فى أخبارنا معناه واضح بعد التدبّر فيها و الجمع بين مجموعها فلا عويصة فى البداء كما توهّم إلا أن يراد بالعويصة فيها عدم فهم المراد من أخبارها و قد عرفت وضوح المراد منها فتدبر.

[المقصد الخامس فى المطلق و المقيد و المجمل و المبين‏]

المقصد الخامس فى المطلق و المقيد و المجمل و المبين و للورود فى البحث عن ذلك نمهّد أمورا (منها)

[تعريف المطلق‏]

أنّ الظّاهر من كلمات جماعة من الأصوليين حيث عرّفوا المطلق بأنّه ما دلّ على شايع فى جنسه كون المطلق و المقيّد وصفين للدالّ أى اللفظ مع أنّهما فى الحقيقة وصفان للمدلول أي المعنى لانّه الشّائع فى جنسه، و يمكن تصحيح ذلك بوجهين (أحدهما) تسرية أوصاف المعنى إلى اللفظ كما فى الحسن و القبح فاللفظ الدالّ على معنى حسن أو قبيح يوصف بالحسن أو القبح (ثانيهما) تطابق الإثبات مع الثبوت بمعنى أنّ المطلق أو المقيد و إن كان بحسب الواقع و عالم الثبوت هو المعنى دون اللفظ إلّا أنّ الكاشف عن كون المعنى مطلقا أو مقيدا فى عالم الإثبات لمّا كان هو اللفظ غالبا فلا بدّ من إطلاق اللفظ الدالّ على المطلق و تقييد اللفظ الدالّ على المقيد، حتى يستكشف من تطابق الإثبات مع الثبوت‏

376

كون المعنى مطلقا أو مقيدا، فلذلك صح أن يقال المطلق ما دل على شايع في جنسه (و منها) أنّ التعاريف المذكورة للمطلق و المقيد لما كانت لفظية بمعنى كونها رسما و تعريفا باللازم لا حدّا حقيقيّا و تعريفا بتمام الماهو، كما هو الشأن في جميع التعاريف الواقعة فى مسائل العلوم لموضوعاتها و لا سيّما ما يكون منها تعريفا للمعانى فلا محالة لا تخلو عن الانتقاض طردا أو عكسا، كيف و لا إحاطة لنا بحقايق الأشياء و لا سيّما ما يكون منها من سنخ الوجودات الذّهنية و المعقولات كالمعانى، فصرف الوقت فى النقض و الإبرام فى تلك التعاريف ممّا لا طائل تحته.

(و منها) أنّ الظاهر من كلمات بعض الأصوليين كصاحب الكفاية (قده) و جماعة أنّ المطلق عبارة عن نفس الماهية أى الذي يعبّر عنه فى اصطلاح أهل اللغة بالمفهوم و فى اصطلاح أرباب الفلسفة بالماهيّة من حيث هى و فى اصطلاح أهل المنطق لدى جماعة من محققيهم بالكلىّ الطبيعي و فى اصطلاح الأصوليين باللّابشرط المقسمي بمعنى أنّ المطلق عبارة مثلا عن حقيقة الماء التى هى فى قبال حقيقة النّار و هكذا في سائر الحقائق، نعم يظهر من صاحب الكفاية (قده) أنّ اللّابشرط القسمى عبارة عن الكلى العقلي الذي لا موطن له إلّا الذهن، و فى قبال لحاظ المعنى بنحو اللابشرط المقسمي لحاظات أخري سمى المعنى باعتبار كل باسم خاص كلحاظ اقترانه مع قيد وجودى و تسميته بشرط شي‏ء و لحاظ اقترانه مع عدم قيد و تسميته بشرط لا و لحاظ عدم اقترانه بشي‏ء من الوجودى و العدمي بل كونه مطلقا من جهتهما و تسميته بلا بشرط القسمي، و هذه الأقسام الأربعة سميت فى اصطلاح جماعة بماهية مهملة هو اللّابشرط المقسمي و ماهية مطلقة هو اللابشرط القسمى و ماهية مجردة هو البشرطلا و ماهية مخلوطة هو البشرطشيِ‏ء.

و نوقش في هذا التقسيم (تارة) من جهة تربيع الأقسام كما يظهر من بعض المحققين (قده) فى تعليقته على الكفاية بأنّ الصحيح تخميسها فيقال إنّ الماهية تارة ينظر إلى نفسها بما لها من الذاتيات بلا نظر إلى شي‏ء وراء ذاتياتها بل إلى نفس الماهية بما هى هي و هذه هى الماهية المتقررة أزلا فى الصقع الرّبوبى و يصح ارتفاع النقيضين عنها و لا يحكم عليها أو لها بحكم أبدا و إنّما تقع فى باب الحدود فى‏

377

جواب السؤال عن حقيقة الشي‏ء بما هو و هى الماهية المهملة ضرورة إهمالها عمّا وراء ذاتياتها، و أخرى ينظر إليها بما هى مقترنة بقيد وجودى وراء أصل ذاتها و متعينة بذلك التعيّن فتكون بشرط شيئي، و ثالثة ينظر إليها بما هى مقترنة بعدم قيد كذلك و متعينة بذلك فتكون بشرط لا، و رابعة ينظر إليها بما هى مطلقة من جهة كل واحد من نحوى التعيّن، و تتعيّن بتعيّن إطلاقي فتكون لا بشرط قسمى، و حيث لا بد لكل واحد من هذه التعينات الثلاثة من محل قابل فلحاظ ماهية غير متعينة قابلة للمقسمية للاقسام الثلاثة و المعروضية لكل من التعينات المزبورة يوجب خروج الماهية عن الإبهام بهذا المقدار إذ بمجرد لحاظ الماهية المهملة و لو بجهة القابلية للانقسام إلى الأقسام الثلاثة تخرج عن كونها هى هى أى متوغلة فى الذاتيات فلا تكون مهملة و هذه هى اللّابشرط المقسمى، فما يظهر من جماعة من جعل اللّابشرط المقسمي عبارة عن الماهية المهملة فاسد، و قد اعترف هذا المحقق (قده) بعدم اتفاق أرباب الفلسفة على صحة هذا التقسيم (و أخرى) من جهة جعل مقسم الأقسام الثلاثة أى اللّابشرط القسمي و البشرطشي‏ء و البشرطلا نفس الماهية المهملة كما يظهر من بعض أجلّة المحققين (دام ظله) بدعوى أنّ مقسم تلك الأقسام هو اللّحاظ لانّه الذي يكون تارة على نحو الاقتران مع قيد وجودى و أخرى على نحو الاقتران مع عدمه و ثالثة على نحو الإطلاق من أحد النّحوين و ليس المقسم هو الماهية، فكأنّ هذا القائل أراد تصحيح ما في كلمات القوم من تربيع الأقسام و تسمية الماهية مهملة و الفرار عن إشكال بعض المحققين على جعل المقسم ماهية مهملة فالتزم بتربيع الأقسام مع جعل مقسم الأقسام الثلاثة نفس اللّحاظ دون الماهية.

و التّحقيق أنّ الماهية قد تلاحظ بما هي أعنى مع قصر اللّحاظ على علل قوامها و قطع النّظر عن لحوق كلما هو وراء ذاتياتها بأن تلاحظ ماهية الماء بما هي متقومة بجزءين مثلا أو ماهية الإنسان بما هي متقومة بجزءين جنس و فصل أو ماهية أخرى بما هى متقومة بأجزائها التحليليّة العقليّة و هذه هي الماهية المهملة التى تقع حدّا للشي‏ء فى جواب السؤال عنه بما هو فيقال فى جواب السؤال عن ماهية الإنسان حيوان ناطق و هكذا، و قد تلاحظ لا بما هي بل لا متأبّية عن لحوق أىّ قيد وجودىّ‏

378

أو عدمي ذهنى أو خارجى بها فتكون ماهية متحصصة و يكون مقتضى ذاتها السّريان فى كل قيد من القيود المزبورة و بهذا اللّحاظ تكون ماهية مطلقة ففى هذه الماهية جهات عديدة لا بد أن لا تكون مختفية (منها) أنّ السّريان فى جميع القيود من مقتضيات ذاتها لانها غير متأبّية عن لحوق أىّ قيد بها بلا كون السّريان قيدا لها دخيلا فى علل قوامها (و منها) أنّ هذه الماهية ليست مهملة بل متحصصة بحصة غير متأبّية عن لحوق كل قيد بها إذ لو كانت مهملة غير متحصصة لصح تقسيمها إلى متأبّية و غير متأبّية كما يصح تقسيم الماهية المهملة التى فرضناها أوّلا إلى هاتين الحصتين و حيث لا يصح تقسيمها إليهما بداهة فيكشف عن كونها متحصصة (و منها) أنّ لحاظها غير متأبّية ليس من علل قوام هذه الماهية بل هو سبب لتحصصها إلى هذه الحصة و إن شئت قلت إنّ اللّحاظ جهة تعليليّة للتحصّص لا تقييديّة لاننا لاحظنا هذه الحصة من الماهية لا أنّ الحصة حصلت من تركيب اللّحاظ مع الماهية، إذ لم يقم برهان على أنّ تحصص شي‏ء إلى حصص موقوف على انضمام قيد خارج عن حقيقته إليه كى تكون قيود الحصص المتباينة من شي‏ء واحد متقابلة، كيف و في الحقائق المشكّكة كالنّور يكون تشكيل أنواع متباينة من كل حقيقة من نفس علل قوام تلك الحقيقة مع اختلاف المرتبة شدة و ضعفا كالنّور الضعيف مع القوى، فكما أنّ تحصّص النّور إلى حصص متباينة مختلفة شدة و ضعفا إنّما حصل من نفس النّور بلا حاجة إلى انضمام شي‏ء خارج عن حقيقة النّور إليه فكذلك الماهية فى تحصّصها إلى غير متأبّية.

و هذه الماهية أعم من الموجودة فى الخارج بوجود قيودها اللّاحقة به أى الوجود السّعى و الموجودة فى الذهن بتصورها خالية عن كل قيد غير متأبّية عن لحوق كل قيد أى الكلى الطبيعي، و لذا نقول إنّ ألحق مع المحقق الطوسي (قده) حيث جعل الكلى الطبيعي هو اللابشرط القسمي و أنّ ما زعمه المحقق السّبزوارى (قده) من أنّ الكلي الطبيعي هو اللّابشرط المقسمي بزعم أنّ لحاظ الإطلاق فى اللّابشرط القسمي قيد ذهنى فموطنه الذهن و الكلي الطبيعي وجوده عين وجود افراده فى الخارج فاسد لانّ اللّحاظ كما عرفت سبب التحصص، غير دخيل في علل قوام‏

379

الحصة، و الإطلاق من مقتضيات ذات الحصة اللامتأبّية و ليس قيدا لها فاللّحاظ مقسّم الماهية لا مقوّمها، نعم قد تلاحظ الماهية مقترنة بقيد فان كان وجوديّا تكون بشرط شي‏ء و إن كان عدميّا تكون بشرط لا، و يكون مقتضى الاقتران مع ذلك القيد هو التأبّى عن لحوق قيد آخر، على عكس ما فى الحصة اللّامتأبيّة إذ الإطلاق و السّريان فيها مقتضى عدم التأبّى، أمّا فى قسيميها أى البشرطشيِ‏ء و البشرطلا فالتأبّى مقتضى الاقتران مع القيد، فانقدح مما ذكرنا أنّ الأقسام أربعة، و اللّابشرط المقسمي نفس الماهية المهملة ضرورة قابليتها ذاتا بمقتضى عدم لحاظها بنحو من اللّحاظات للمعروضية لكل واحد من الخصوصيات الملحوظة فى الحصص الثّلاثة أى اللّامتأبية و هو اللّابشرط القسمي و المقترنة بقيد وجودي هو البشرطشيِ‏ء و المقترنة بقيد عدمى أى عدم ذلك القيد الوجودى و هو البشرطلا، فهى صالحة للانقسام إلى كل واحد من هذه الأقسام.

و بذلك يظهر جهات الفساد فى جملة من الكلمات (منها) ما في كلام صاحب الكفاية (قده) من تخميس الأقسام بجعل نفس المفهوم، الماهية من هى، أى المبهمة و جعل اللّابشرط المقسمي هي الماهية الملحوظ فيها عدم لحاظ أىّ لحاظ حتى لحاظ اللّابشرط القسمي هي الماهية الملحوظ فيها الإطلاق من جهة البشرطشيِ‏ء و البشرطلا، و حيث أنّ لحاظ الإطلاق قيد فيه فهو كلىّ عقلىّ لا موطن له إلّا الذهن (و ذلك) لانّ اللّابشرط المقسمي كما عرفت ما ليس بملحوظ بأىّ لحاظ و لو لحاظ عدم اللّحاظ بأيّ لحاظ كي يمكن تحققه فى ضمن كل واحد من الأقسام ضرورة أنّ المقسم لا بد أن يوجد فى كل واحد من أقسامه و المقيد بلحاظ عدم اللّحاظ بأىّ لحاظ لا يمكن أن يتحقق فى ضمن الأقسام فيخرج عن كونه مقسما جامعا بين الأقسام و يحتاج إلى جامع يكون مقسما له أيضا هذا خلف، فأخذ لحاظ عدم لحاظ أىّ لحاظ في اللّابشرط المقسمي يكون بلا ملزم، و يستلزم الخلف بل اللّابشرط المقسمي عين الماهية المبهمة، و لو قيل بجعل اللّابشرط القسمي كلّيا عقليا قلنا ذلك خلاف اصطلاح أرباب الميزان حيث جعلوا الكلي العقلي مجموع العارض و المعروض أعنى وصف الكلّية الذي هو كلى منطقى مع معروضه الذي هو كلى طبيعي إلا أن يريد بالعقلى غير مصطلح‏

380

أهل الميزان أى الّذى وعائه الذّهن، و خلاف البرهان لانّ الإطلاق كما عرفت من مقتضيات ذات الحصّة اللّامتأبية و ليس لحاظه من علل قوام تلك الحصّة (و منها) ما فى كلام بعض المحققين (قده) فى تعليقة الكفاية من تخميس الأقسام بجعل تحيّث الماهيّة بحيث اللّاتعين بأحد التّعيّنات الثّلاثة سبب خروجها عن الإبهام و صيرورتها قسما قبال الماهية المبهمة و من حيث هى (و ذلك) لانّ التحيّث بذلك الحيث بالفعل كما عرفت من ذاتيّات الماهية المبهمة و كذا قابليّتها للتّعيّن بأحد التّعيّنات بالقوّة سواء لوحظ الحيث الفعلي أو القوى في الماهيّة أم لا، فهذا الحيث لمّا لم يكن خارجا عن ذاتيّات الماهيّة و معلوم أنّ لحاظ الذّات و الذّاتيّات لا يغيّر الذات و الذّاتيّات فذاك اللحاظ لا يخرج الماهيّة عن الإبهام كي يتحقق قسم قبال الماهية المبهمة بل هى بعد اللّحاظ باقية على إبهامها و ليست قسما فى قبالها.

(و منها) ما فى كلام بعض أجلّة المحققين (دام ظله) من جعل المقسم نفس اللّحاظ العقلانى دون ملحوظه بدعوى أنّ اللّحاظ عقلانى لا خارجى فالمقسم أيضا عقلاني هو نفس اللّحاظ و إلّا ففى الخارج ليس لنا عدا قسم واحد هو الماهية مقترنة بقيد وجودى سميت بشرط شي‏ء (و ذلك) لانّ اللّحاظ كما عرفت مرآة للملحوظ الّذى هو المقسم الأعم ممّا فى الخارج و ما فى الذهن و الخصوصيات المحصّصة للماهيّة الذّهنيّة و الخارجية تنكشف بسبب لحاظ أقسام الماهية و ليست تنوجد فى مواطنها بسبب اللّحاظ، أمّا حصر الموجود فى الخارج فى الماهية المقترنة بقيد وجودى أى البشرطشيِ‏ء فهو خلاف تنصيص جماعة من محققى أهل الميزان على أنّ وجود الطبيعي عين وجود أفراده و خلاف البرهان و هو لزوم وجود المقسم في الأقسام، فالماهيّة بشرط شيئي الموجودة في الخارج حسب اعترافه لا بدّ لها من مقسم موجود فيها هو الماهية بلا شرط و هذا الوجود بلا شرط هو الذي نعبّر عنه بالوجود السّعى، و لذا ذهب جماعة من الفلاسفة إلى أنّ الوجود عارض الماهية تصوّر أو اتحدا هويّة فى عالم الخارج و إن ذهب بعضهم كالحكيم السبزوارى (قده) إلى أنّ الوجود واسطة فى الثبوت.

و لتوضيح المقام بأزيد مما تقدّم لا بأس بالاشارة الإجمالية إلى ذلك و إن كان تحقيقه من شأن علم الميزان لا الأصول، و هو أنّ الوجود الحدّي فى كل موجود له رتبتان إحداهما رتبة انتزاع الحدّ عن المحدود بمعنى تصوّر علل قوام الموجود

381

الخارجى فى وعاء العقل و تحليل أجزائه العقلية هناك و في هذه الرتبة هو ماهية مبهمة و موجود ذهنى يقع فى جواب السؤال عن حقيقة ذلك الموجود الخارجى بما هو، ففي جواب السؤال عن حقيقة زيد يقال إنّه حيوان ناطق للاشارة إلى أنّ هذين الجزءين هما أجزائه التحليليّة العقليّة و علل قوامه الواقعية و منهما تتشكل ماهيته المبهمة الذهنيّة، ثانيتهما رتبة انطباق الحدّ على المحدود بمعنى تحقق علل قوام ذلك الموجود الخارجى و تشكّل أجزائه التحليليّة بصورة خارجية و فى هذه الرتبة هو وجود سعىّ خارجىّ ملفوف بخصوصيات فرديّة، فمع قطع النّظر عن خصوصيات الأفراد يكون مستقلّا بالوجود و من هنا يعلم أنّ الوجود واسطة فى العروض لا الثبوت، و قد انقدح ببركة ما ذكرناه إلى الآن أنّ اللّابشرط القسمي أى الكلى الطبيعي يصحّ توصيفه بالطبيعة السّارية بلحاظ كون السّريان فى الأفراد مقتضى ذاته كما يصح توصيفه بالحقيقة المتبدّلة بلحاظ تحققه فى ضمن أيّة حصّة من حصصه الخارجيّة و يصح توصيفه بالطبيعة المطلقة بلحاظ عدم تأبّيه عن لحوق أىّ قيد به فهذه العناوين بأجمعها منتزعة عن حقيقة واحدة و وجود فارد باعتبارات مختلفة، فتدبر فى المقام فانه دقيق (فتلخّص) أنّ المعقول الثّاني الحاصل فى النفس من ملاحظة الوجودات الخارجيّة هو بنفسه اللّابشرط المقسمي و هو الذي يكون باعتبار وجوده الخارجي لا بشرط قسميّا و باعتبار وجوده الذهنى كليّا طبعيّا (و ممّا ذكرنا) ظهر أنّ المعنى بما هو مع قطع النّظر عن لحاظ أىّ قيد معه هو اللّابشرط المقسمي لانّه القابل للاجتماع مع كل واحد من الأقسام الثّلاثة أى اللّابشرط القسمي و البشرطشي‏ء و البشرطلا، و عروض واحد من هذه التعيّنات الثلاثة عليه بالخصوص لا ينافى قابليته في حد نفسه للمعروضية لغيره و لذا قالوا بأنّ الماهيات مثار الكثرات، و على هذا فأسماء الأجناس كانسان و رجل و فرس و حيوان و سواد و بياض و غير ذلك إنّما وضعت لنفس المعنى أى اللّابشرط المقسمي.

أمّا أعلام الأجناس كأسامة و نعامة و ثعالة و غيرها فقد اختلفت كلمات القوم فيها (و تحقيق) حالها أنّ المعنى قد يلاحظ بنفسه بلا لحاظ إشارة فيه بل بما هو كى يمتاز عن مقابله كتصور الماء و امتيازه عن معنى النّار أو سائر الحقائق، و نعبّر عن‏

382

هذا بالتعين الذاتى فهو حاصل لكل معنى فى قبال سائر المعانى كما فى أسماء الأجناس فالتعين الذاتى موجود فى جميعها، و قد يلاحظ مع جهة إشارة فيه و الإشارة تارة بسبب غير الوضع و أخرى بسبب الوضع و الأوّل إمّا لوجود مطابق للمعنى فى ذهن المخاطب نظير اشتر اللحم و أدخل السّوق و نعبّر عنه بالعهد الذّهنى و يتبع فى السّعة و الضّيق مطابقة الموجود فى ذهن المخاطب فان كان اللّحم الموجود فى ذهنه يعمّ لحم الغنم و البقر و غيرهما ينطبق المعنى على العام و إن كان يخصّ بعض أصنافه ينطبق المعنى علي خصوصه، و إمّا لوجود مطابق له فى الخارج حضورا كالرجل إشارة إلى الحاضر في المجلس، أو ذكرا كقوله تعالى‏ فَعَصى‏ فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ‏، ففى جميع هذه الأقسام الثّلاثة يكون معنى اللفظ بنفسه مع قطع النظر عن لام العهد ذات المعنى و معناه محلّى باللّام هو الملحوظ فيه جهة الإشارة قضاء لتعدد الدالّ و المدلول إذ اللّام موضوعة لمطلق الإشارة غاية الأمر اختلاف تطبيق الإشارة باختلاف سبب التطبيق من العهد الذهنى أو الخارجي حضورا أو ذكرا، و أمّا الثانى الّذى تكون الإشارة فيه بسبب الوضع كعلم الجنس نظير أسامة و نعامة فحيث أنّ مصبّ الوضع فيه نفس المعنى بما هو متعيّن ذاتا فمصبّ الإشارة أيضا نفس المعنى قضاء لوحدة الدالّ، بلا لزوم أن يكون للمعنى مطابق فعلا في الأذهان أو في الخارج حضورا أو ذكرا و لا كون لحاظ الإشارة إلى التعيّن الذاتى للمعنى مقوّما له فى الوضع بل اللحاظ ملوّن للموضوع له بمعنى أنّ الواضع يلاحظ حصّة المعنى المتمايزة عن سائر المعانى كحيوان المفترس المتمايز عن غيره فى لفظ أسامة و يضع اللّفظ بازائه، كما تقدم نظيره فى اللّابشرط القسمي حيث عرفت أنّ لحاظ عدم تأبّى الماهية عن لحوق أىّ قيد بها سبب لتحصّصها بلا كون اللّحاظ دخيلا فى قوامها، فلحاظ تعيّن المعنى ذاتا و تمايزه عن سائر المعانى في المقام يحصّص المعنى و لا يكون مقوّما له بأن يتركّب المعنى الموضوع له مثل لفظ أسامة من المعنى المتعيّن بالذات و من لحاظ تعيّنه الذّاتى، كما يشهد به الاستعمالات الكثيرة فى المحاورة المشتملة على المقابلة بين علم الجنس مع المعانى الكليّة كما تقول أسد خير من نعامة، فضلا عن كون لحاظ الوحدة من علل قوامه كى يستلزم البدليّة بحسب أصل وضعه،

383

و يشهد لما ذكرنا من عدم دخل لحاظ تعيّن المعنى فى قوام الموضوع له ما ذكره أهل الأدب فى المعرّف باللّام من أنّه: ما وضع لشي‏ء متلبّس بعينه: بناء على إرادة التلوّن و التقيّد بلحاظ عين المعنى من كونه متلبّسا بعينه كى لا يلزم اجتماع المثلين من تلبّس المعنى بنفسه فالتلبّس بلحاظ المعنى المتعين خارج عن أصل المعنى، كما يشهد به قولهم بعد ذلك: من غير اعتبار تلك الحيثية (حيثية التعيّن) فالذهن لا يلتفت من سماعه (أى اللفظ) إلّا إلى ذات المعنى لا إلى تعيّنه: فهذه الفقرة كالصريحة فيما ذكرنا من أنّ لحاظ تعيّن المعنى حال الوضع غير دخيل فى أصل حقيقته، و ما بيّناه فى حقيقة علم الجنس هو مراد صاحب الفصول (قده) من تعبيره بالتعيّن الجنسي كما يظهر من التأمل فى كلامه.

و مما ذكرنا ظهر الخلل فى كلمات جماعة (منهم) نجم الأئمة رضى الدّين (قده) حيث لم يفرّق بين علم الجنس مع أسماء الأجناس بدعوى أنّ التعيّن الذاتى موجود فى جميع المعانى فلا امتياز لعلم الجنس بسبب ذلك و لذا التزم بأنّ التعريف فيه لفظى كالتأنيث اللفظى فى مثل بشرى بمعنى أنّ أهل الأدب يعاملون معه معاملة المعرفة كما يعاملون مع بشرى معاملة المؤنث (إذ) قد عرفت أنّ امتيازه عن أسماء الأجناس تقيّده بلحاظ الإشارة إلى ذاك التعيّن الذاتى فالتعريف حقيقى معنوى ضرورة كفاية هذا المقدار من التّعيّن في التعريف الحقيقي كما فى تعريف الضمير بمجرد رجوعه إلى مرجع و لو كان نكرة (و منهم) ابن الحاجب حيث مثّل لا علام الأجناس بالحقايق الذهنية الظاهر فى اعتبار وجود مطابق ذهني للمعنى فى علم الجنس أيضا إلّا أن يراد التنظير بالحقايق الذهنية من جهة اعتبار التعيّن في المعنى فيكون مراده من التعيّن الذهنى هو التعين الجنسي ذهنا أو خارجا كما فى كلام صاحب الفصول (قده) فينطبق على ما ذكرنا و يكون متينا (و منهم) صاحب الكفاية (قده) حيث جعل علم الجنس مع لحاظ الإشارة فى معناه من الكلى العقلي الذي لا موطن له إلا الذهن فاستشكل على هذا المبنى بعدم انطباق المعنى علي كل فرد من أفراده الخارجية و بأنّ التصرف فى المحمول بتجريد المعنى عن قيده حين الاستعمال تعسّف في القضايا المتداولة فى المحاورات و بلزوم أخذ الواضع في المعنى قيدا

384

لازم الإلقاء فى مرحلة الاستعمال و هو لغو (إذ) قد عرفت أنّ لحاظ التعيّن غير دخيل فى قوام المعنى كى يستلزم ذلك (و منهم) السّيّد الشّريف حيث جعل لحاظ الوحدة قيدا للمعني فى علم الجنس نظير ما فى النّكرة من الوحدة البدليّة (إذ) قد عرفت أنّه أوضح فسادا من سائر الإشكالات.

و مما عدّ من ألفاظ المطلق هو المعرّف باللّام كالرّجل و قد عرفت سابقا أنّ لفظ المدخول كرجل موضوع لطبيعة المعنى بما هي و لفظ الدّاخل كاللّام موضوع للاشارة إلى ذلك المعنى بما له من التّعيّن الذّاتى، فمجموع الدّاخل و المدخول يدلّ على الحصة المتعيّنة على نحو تعدد الدال و المدلول و التعريف حقيقى كما عليه المشهور (لكن يظهر) من صاحب الكفاية (قده) أنّ جعل اللّام للاشارة يستلزم صيرورة المعنى كلّيا عقليّا فيتوجه محذورات ثلاثة تقدمت فى علم الجنس من عدم إمكان تطبيق المعنى على كل فرد من أفراده الخارجية و من لزوم التصرف فى المحمول بتجريد المعنى عن قيده لدى الاستعمال و هو تعسّف فى القضايا المتداولة فى المحاورة و من لزوم أخذ الواضع فى المعنى قيدا لازم الإلقاء حين الاستعمال و هو لغو، فلا بدّ من جعل اللّام مطلقا للتزيين كما في الحسن و الحسين (و يندفع) بأنّ الحسن و الحسين و غيرهما من الأعلام الشخصية التى يكون لامها للتزيين أيضا لا بدّ فيها من تعيّن فى المعنى كى يتحقق به التعريف فلحاظه فيها يستلزم صيرورة المعنى كليّا عقليّا موردا للاشكالات الثلاثة، فكل نحو تصور (قده) تعيّن المعنى و تعرفه فى الاعلام الشخصية بحيث لا يستلزم المحذورات نقول به فى المعرّف باللّام مع تفاوت وحدة الدالّ فيها و تعدّده فى المعرّف باللّام و هو ما قدمناه من أنّ كون اللحاظ سبب تحصص المعنى لا يستلزم دخله فى قوام الحصة (فان قلت) فرق بين المقامين إذ الموضوع له في الاعلام الشخصية موجود خارجى كزيد الموجود فى الخارج و فى المعرّف باللّام معنى متصور فى الذهن فلحاظ التعيّن فيه يستلزم المحاذير، بخلاف الأعلام الشخصية و لذا اختار مثل صاحب الكفاية (قده) كون اللّام فى المعرّف به للتزيين (قلت) كلّا لا فرق بينهما من تلك الجهة إذ الموضوع له في الأعلام الشخصية أيضا صورة ذهنيه منتزعة منها حاكية عن الخارج فلا بدّ من‏

385

لحاظ التعيّن فى الصورة الّتى هي هو المعنى الموضوع له فيها.

و يظهر من بعضهم أنّ اللّام لدى الاجتماع مع اسم الإشارة كهذا الرّجل يكون للتّزيين لا للاشارة لاستحالة اجتماع المثلين بل ربما يقال إنّ جعل اللّام للاشارة فى غير هذا المورد حيث يستلزم الالتزام بتعدّد الوضع فى اللّام و وضعها للاشارة تارة و للتّزيين أخرى فذلك يكشف عن كونها مطلقا للتّزيين، و أنت خبير بفساد كلا القولين ضرورة إمكان تأكّد التّعيّن باجتماع الإشارتين بلا استلزامه اجتماع المثلين كما في كليّة موارد التّأكيد فلا يختصّ ذلك باللّام بل يجري فى سائر موارد التّعريف كالموصول و الصّلة، إذ الصّلة ربما تعرف الموصول و تعيّنه بجميع ما له من أنحاء التّعيّن نظير الذي عندك أو تراه و مع ذلك يدخل عليه اسم الإشارة فيقال هذا الذي تراه أو عندك فهل يقول أحد من أهل الأدب بعدم صحة هذا الاستعمال أم هل يخرج اسم الإشارة عن معناه حذرا من اجتماع المثلين؟ كلّا!، و ليس ذلك إلّا من جهة صحة التّأكّد فى تعيّن المعنى فهكذا فى المعرف باللّام، و أمّا الجمع المعرف باللّام كالعلماء فقد يقال بدلالته على العموم الاستغراقى مستندا إلى دلالة اللّام علي الإشارة لا إلى دلالة نفس المدخول إذ لا تعيّن إلّا للمرتبة المستغرقة من المعنى فاللّام للاشارة إلى ذلك، و قد (يناقش) فيه كما فى الكفاية بأنّ التّعيّن لا يختصّ بتلك المرتبة بل هناك مرتبة أخرى متعيّنة أيضا هى أقلّ مراتب الجمع فلا مرجّح لإحداهما كى يستند الاستغراق إلى وضع اللام للاشارة بل لا بد أن يستند العموم الاستغراقي إلى وضع الجمع المعرّف باللّام لذلك (و يمكن دفعه) بأنّ طبيعة المدخول لما كانت بنفسها سارية لجميع أفراده فالاشارة باللّام لا محالة إلى مرتبة مستغرقة بخلاف سائر المراتب حتّى أقلّها فحيث أنّها خلاف مقتضي طبع المدخول و سريانه فتعيّنها لا محالة يحتاج إلى معيّن و هو مفقود على الفرض فصح للقائل بالعموم أن يدّعي استناده إلى دلالة اللّام لانّه لا تعيّن إلّا للمرتبة المستغرقة، هذا كله لو سلّمنا أن تكون لنا ألفاظ خاصّة تفيد العموم كالجمع المحلّى باللّام و غيره أمّا علي ما قدمناه في مبحث العام و الخاص من عدم ثبوت وضع للعموم فى الألفاظ التي ادّعى كونها ألفاظ العموم و عدم فرق بين العام و المطلق فى توقف‏

386

استظهار السّريان و الشمول منهما إلى مقدمات الحكمة فالامر أوضح.

و مما عدّ من ألفاظ المطلق هو النكرة كرجل و اختلف الأصوليون فى معناها فقيل بأنّه طبيعة مقيدة بالوحدة اختاره صاحب الكفاية (قده) و قيل بأنّه طبيعة لا متعيّنة و قيل بأنّه الفرد المردّد لكن ألحق هو الأول إذ كل واحد من المعانى متعين ذاتا كما عرفت و لا يعقل الترديد فى عالم المعنى أى المفهوم المتصور في الذهن لانّه ما لم يتعيّن بنحو من أنحاء التعيّن لا يدخل تحت إحاطة الذهن و تصوره، كما لا يعقل الترديد فى عالم الخارج الذي هو وعاء الفرد فيكون فردا موجودا في الخارج و مع ذلك يكون مردّدا بين هذا أو ذاك فلا سبيل لعدم التعيّن و الترديد إلى عالم الذهن الذي هو وعاء المعنى و لا عالم الخارج الذي هو وعاء الفرد، فبطل القولان الأخيران من كون معنى النكرة طبيعة لا متعينة أو الفرد المردّد و ظهر أنّ الالتزام بهما غير ممكن، فنقول إنّ المدخول كلفظ رجل إنّما وضع للمعنى المتعين ذاتا فى قبال سائر المعانى كحقيقة الرجل في قبال حقيقة المرأة و الداخل و هو تنوين التنكير وضع للوحدة فمن تصادق المعنيين للداخل و المدخول تحصل طبيعة مقيدة بالوحدة فالدلالة عليها على نحو تعدد الدال و المدلول، و حيث أنّ هذا المتحصل أى الطبيعة المتقيدة بالوحدة قابل للانطباق على كل فرد من الأفراد الخارجية للطبيعة علي سبيل التناوب فقد حصل الترديد أى التخيير فى تطبيق ذلك على الخارج، فالترديد غير دخيل في أصل معنى النّكرة و إنّما هو فى عالم تطبيقه الخارجى بمعنى التخيير بين هذا أو ذاك، فالحق مع صاحب الكفاية (قده) فى بيان معنى النّكرة.

ثم إنّ مبحث المطلق و المقيّد مما يعمّ به البلوى في أبواب الفقه بل هو رحى الاستظهارات الفقهية فلذلك ترى الأصحاب (قدس الله اسرارهم) قد أتعبوا أنفسهم الزكيّة فى شرح حقيقة المطلق و المقيّد و بيان مفهومهما و مصداقهما و ما هو المطلق ثبوتا و إثباتا، فنحن لتوضيح ذلك نبتدئ من وجداننا فنقول إنّا إذا لاحظنا واحدا من الموجودات الخارجية التي يعبّر عنها فى اصطلاح الفلسفة بمعقولات أوليّة ينتزع منه الذهن صورة يعبّر عنها فى اصطلاح الفلسفة بمعقول ثان، فهذه الصورة متشكلة

387

من المعانى الوجوديّة المتحققة بنحو اللفّ في ذلك الموجود الخارجى فكما يمكن لحاظ تلك المعانى بأجمعها تحت عنوان واحد و جامع فارد فيقال فى مقام بيان المعاني الوجودية المتحققة فى زيد مثلا إنّه حيوان ناطق، بلا إضافة قيد إليه كي يوجب تضييق العنوان و معلوم أنّه حينئذ قابل للانطباق على كل فرد من أفراد ذلك العنوان، كذلك يمكن لحاظ بعض تلك المعاني تحت عنوان واحد فيقال فى مقام بيان بعض المعاني الوجوديّة المتحققة فى زيد إنّه حيوان أو جسم و هكذا حتّى يصل إلى جنس الاجناس كالجوهر، و كل واحد من هذه العناوين أيضا قابل للانطباق على كل فرد من أفراده، كما يمكن لحاظها تحت عناوين متعددة فيقال إنّه حيوان ناطق عالم شاعر و هكذا إلى آخر خصوصياته الصنفيّة أو الشخصيّة، فكلما كثرت العناوين الكاشفة عن المعانى الوجودية كانت مركبة اتحادا كالذاتيات أم انضماما كالصفات من العلم و الحلم و غيرهما ضاقت دائرة الوجود و قلّت الأفراد التى يكون قابلا للانطباق عليها ضرورة أنّ المركب من وجودين كالماء و البرودة أقل فردا فى الخارج من الوجود الواحد و لذا قيل كلّما كثرت القيود عزّ الوجود، ففى كل واحدة من هذه المراحل يكون المعنى الملحوظ قابلا للانطباق على كل واحد من أفراده و غير متأبّ عن شمولها و إن كان متأبّيا عن شمول أفراد ما فوقه من العناوين التى هى أقلّ قيدا منه كعنوان حيوان ناطق بالنسبة إلى عنوان الحيوان، فانّه و إن كان لا يتأبّى عن شمول جميع أفراد الحيوان الناطق أى الإنسان لكنه يتأبّى عن شمول أفراد الحيوان، فان كان مفاد العنوان هو الجنس فافراده الانواع و إن كان هو النوع فأفراده الأصناف و إن كان هو الصّنف فأفراده الأشخاص، فالاطلاق الثّبوتى الذي هو عدم التأبّى عن الشّمول و السّريان متصوّر فى جميع هذه المراحل، أمّا الشخص فكونه جامعا إنما هو من جهة أحواله كالقيام و القعود و المنام و غيرها و هو لا يأبى عن شمول جميع تلك الأحوال فالاطلاق الثّبوتي متصوّر فيه أيضا (فظهر) أنّ مناط الإطلاق ثبوتا فى شي‏ء إنّما هو وجود جامعيّة فيه إمّا من جهة الأنواع أو الأصناف أو الأفراد أو الحالات و كون ذلك الشي‏ء غير متأبّ عن الشّمول و الشّيوع لافراد جامعه فيصحّ تعريف المطلق الثبوتى بانّه ما دل على شايع فى جنسه الذي يختلف باختلاف الموارد

388

فلا حاجة إلى تأويل الجنس في تعريف المشهور بجعله بمعنى السنخ كما صنعه بعض الأعاظم (ره).

هذا كله بحسب عالم الثبوت أمّا فى عالم الإثبات أعني كون ما جعل موضوع الحكم في القضية مطلقا (فحيث) أنّ تقدير الموضوع سعة و ضيقا بيد الحكم فيلاحظ المعنى بما له من السريان الطبعى و عدم التأبّى الذاتى، و يجعله موضوعا لحكمه أو يحصّصه و يجعل حصة خاصة منه موضوع الحكم في القضية (فالسّريان) و الشيوع جزء للموضوع لا مقتضى ذاته كما فى المطلق الثبوتى و لذا لا بدّ فى مرحلة الإثبات أى الحكم فى الأخذ بالاطلاق و عدمه من إحراز نحو لحاظ الحاكم و يمسّ الحاجة إلى مقدمات الحكمة كما ظنّوا (فالفرق) بين المطلق الثبوتى مع الإثباتى كون السّريان و عدم التأبّى مقتضى ذات الأول و ملحوظا فى الثاني، و من هنا يمكن الصلح بين السلطان و المشهور بدعوى أنّ نظر السلطان فى جعل المطلق ما ليس فيه قيد إلى المطلق الثبوتي و نظر المشهور فى جعل السّريان جزءا له كما هو ظاهر توصيفه فى كلامهم بما دل على شايع فى جنسه إلى المطلق الاثباتى لانّ المدار فى الأحكام الفقهية عليه فليس في البين نزاع حقيقى أصلا، كما ظهر مما ذكرنا أنّه لا تجوّز فى التقييد إذ كل من الإطلاق و القيد مدلول دليل على حدة فلا تجوّز فى لفظ المطلق كالرّقبة فى قولك أعتق رقبة مؤمنة لانّه استعمل فى معناه الموضوع له أعنى نفس الطبيعة بما هي و لا في لفظ القيد كالمؤمنة لانّه أيضا مستعمل فى معناه الموضوع له غاية الامر من تصادق المعنيين و تطبيق الثانى على الأول يحصل تقيد الطبيعة بذلك القيد.

فصل قد عرفت أنّ الاطلاق الثبوتى هو قابلية الشي‏ء ذاتا للسّريان بمعنى عدم التأبّى عن التحاق كل قيد وجودىّ به من حيث الانواع إذا كان المطلق جنسا أو من حيث الأصناف إذا كان المطلق نوعا أو من حيث الأفراد إذا كان المطلق صنفا أو من حيث الأحوال إذا كان المطلق فردا، و الإطلاق الإثباتى هو لحاظ السّريان الذّاتى فى الشي‏ء فالسّريان جزء للمطلق الإثباتى على نحو اللحاظ دون الثبوتى كما حقّقه السّلطان (قدس سره)، فالمطلق الثبوتي لا بشرط مقسمى و الإثباتي لا بشرط

389

قسمى، و لمّا كان المدار فى الأحكام الفقهية على المطلق الإثباتى اخذ السّريان جزءا له في تعريف المشهور فلا نزاع بين السّلطان مع المشهور أصلا، فهل الأخذ بالاطلاق الثبوتى فى مرحلة الإثبات موقوف على جريان مقدمات الحكمة أم لا؟.

المشهور هو الأوّل على اختلافهم في تعداد مقدمات الحكمة و أنّها ثلاثة، كما يظهر من جماعة أو اثنتان كما يظهر من بعضهم أو واحدة كما يظهر من ثالث، و فى مصاديق المقدمات، فظاهر صاحب الكفاية (قدس سره) و جماعة من تلامذته أنّها ثلاثة أوليها كون المتكلم فى مقام بيان تمام المراد ثانيتها عدم ورود قيد من قبله ثالثتها عدم وجود قدر متيقن فى مقام التّخاطب، و ظاهر بعض الأساطين (ره) أنّها ثلاثة أوليها قابلية الشي‏ء للانقسام إلى كل قيد ممّا ربما ينضمّ إليه فلو لم يكن الشي‏ء قابلا للانقسام إلى قيد كانقسام الأمر إلى قصد امتثاله فانّه فى طول تحقق الأمر فلا يعقل انقسام الأمر إلى وجوده و عدمه فلا يكون قابلا للاطلاق من جهته أيضا، ثانيتها كون المتكلم فى مقام البيان من الجهة الّتى نريد الأخذ بالاطلاق فيها ثالثتها عدم وصول قيد من قبله، أمّا كون عدم القدر المتيقن من مقدمات الحكمة فمدفوع بوجود القدر المتيقن لجميع الخطابات، و ظاهر جماعة أنّها اثنتان أوّليهما كون المتكلم فى مقام البيان ثانيتها عدم ورود قيد إذ القدر المتيقن إن كان بحيث يصلح قرينة على التقييد فلا حاجة إلى المقدمة الثّانية و إلّا فلا حاجة إلى الثّالثة. و ظاهر بعضهم إنهاء المقدمات إلى واحدة هى كون المتكلم فى مقام البيان إذ مع وجود القيد لا موضوع للاطلاق حتى نتكلم في شرطه.

ثم القائلون بتثليث المقدمات على النحو الأوّل كصاحب الكفاية و من تبعه من تلامذته قدّس أسرارهم ذكروا فى بيان لزوم المقدمات ما حاصله حسب ما يظهر من الجميع مع دفع ايراد بعض الأساطين (ره) من قبل بعض تلامذة صاحب الكفاية بتحرير منّا، أنّ مع انتفاء المقدمة الأولى يكون المتكلم بصدد بيان أصل التّشريع كوجوب الصلاة أو سائر الواجبات أو المحرمات مثلا لا بصدد بيان خصوصيّات المكلف به و أحكامه فالاطلاق من جهتها لا يخلّ بغرضه لانّه فى الحقيقة إهمال من من تلك الجهة لا إطلاق كى يمكن الأخذ به، و مع انتفاء المقدمة الثّانية تكون‏

390

القرينة الدالة علي القيد (حاليّة كما فى جئنى بماء حال إرادة الشرب الكاشفة عن إرادة الحلو من الماء أو فى حال إرادة التوضي الكاشفة عن إرادة الماء المطلق دون المضاف، أو مقاليّة كما فى جئنى بماء بارد) بيانا لتمام المراد فلا إخلال بالغرض، و مع انتفاء الثالثة بأن يكون هناك قدر متيقّن في مقام التخاطب يكون ذلك تمام مراد المتكلم لا إخلال بالغرض أيضا لانّ ما هو القدر المتيقن بالحمل الشائع أى الحصة الخاصة الخارجية من الطبيعة كحصة لحم الغنم فى اشتر اللحم إذا كان تمام المراد واقعا فى عالم الموضوعية للحكم كوجوب الشراء فللمخاطب أن يأخذ بذلك في عالم التخاطب و جعل اللفظ كاشفا عن مراد المتكلم و معه يحصل تمام غرض المتكلم فيصح له الاعتماد على ذلك فى عالم التخاطب و جعل اللفظ مرآة لمراده الواقعى حسب ما أخذ فى موضوع حكمه النفس الأمرى، أمّا القدر المتيقن بالحمل الأوّلى أى العنوان كعنوان لحم الغنم فى المثال فهو و إن لم يكن موجودا ضرورة عدم وقوعه فى لسان دليل حاليّ أو مقالىّ إلّا أنّ القدر المتيقن بالحمل الشائع يستلزمه إذ هو بمنزلة تقييد موضوع الخطاب بذلك العنوان فى نظر العرف (فتوهم) أنّ القدر المتيقن موجود بالنسبة إلى جلّ الخطابات أو كلها فلا وجه لجعل عدمه من مقدمات الحكمة (مدفوع) بأنّ ذلك بحسب المراد اللبّى لا مقام التخاطب حسب ظاهر اللفظ بمعونة ما فى الخارج المتداول بين أهل المحاورة، ففرق واضح بين القدر المتيقن المرادى إذ هو كما ذكره المستشكل موجود غالبا أو دائما و بين القدر المتيقن في مقام التخاطب فليس بتلك المثابة فعدمه من مقدمات الحكمة، هذا محرّر ما يستفاد من مجموع كلماتهم (قدس الله اسرارهم).

لكنّ التحقيق هو الثانى و أنّ الأخذ بالاطلاق الثبوتي فى مرحلة الإثبات ليس له شرط و لا يتوقف علي شي‏ء من تلك المقدمات (بيان ذلك) أنّ ثانية المقدمات التى جعلها بعض الأساطين ثالثتها، أعني عدم القيد إنّما هو من مقوّمات الموضوع أى المطلق الثبوتى لانّ عدم التأبّى عن لحوق أىّ قيد من علل قوامه كما عرفت فكيف جعله من شرائط الحكم أى الأخذ بالاطلاق فى مرحلة الإثبات الّذى هو فى طول المطلق الثبوتى فرتبتهما رتبة الحكم بالقياس إلى موضوعه فهل يكون جعل‏

391

عدم القيد من شرائط الأخذ بالاطلاق إلّا من قبيل جعل ما هو من علل قوام الموضوع شرطا للحكم، فهو فى قوة أن يقال شرط الأخذ باطلاق شيئي كالماء في جئنى بالماء كون ذلك الشي‏ء مطلقا فهل يرتاب أحد من أهل المحاورة في عدم إمكان الأخذ بالاطلاق عند وجود القيد و أنّ الماء المأخوذ موضوعا للحكم فى جئنى بماء بارد ليس له إطلاق من جهة البارد و غيره حتى يبقى مجال لجعل عدم القيد من شرائط وجود الإطلاق الإثباتى أى السّريان فيما جعل موضوعا للحكم فى لسان الدليل (و بالجملة) ارتفاع المقابل أى الإطلاق الذي هو عبارة عندهم عن عدم القيد بوجود مقابله أىّ القيد أمر قهرىّ فلا يعقل توقف وجوده على عدم مقابله فحديث شرطية عدم القيد لوجود الإطلاق الإثباتي حديث شعرىّ، و من ذلك ظهر حال ما جعله بعض الأساطين (ره) أولى مقدمات الحكمة أعنى قابليّة المطلق للانقسام إلى وجود القيد و عدمه إذ القابلية لذلك أمر ذاتى للمطلق فلا معني لجعله من شرائط الأخذ بالاطلاق.

و أمّا ثالثة المقدمات علي مذاق صاحب الكفاية (قده) و من حذا حذوه أى القدر المتيقن بمعناه الذي عرفت عند تحرير مرادهم فلا يخلو إمّا يكون بمثابة يوجب انصراف اللفظ من أوّل الأمر إلى خصوصه فاللفظ متقيّد لا مطلق أو يكون بمثابة يوجب صرف وجهة اللفظ إليه فهو مقيد لا مطلق، و أيّا ما كان فعدمه فى حكم عدم القيد من جهة الدّخل فى قوام الموضوع لا كونه شرطا لوجود الحكم فالاطلاق مع وجوده سالبة بانتفاء الموضوع لا أنّ شرطه مفقود، أو يكون بمثابة لا يوجب صرفا و لا انصرافا فوجوده لا ينافي الإطلاق الإثباتى أصلا بل الإطلاق منعقد قهرا، و مجرّد إمكان أخذ المخاطب بذلك القدر المتيقن الذي هو تمام المراد واقعا فى عالم موضوع الحكم لا يصحّح إلقاء المطلق و اعتماد المتكلم عليه فى عالم التخاطب بعد إمكان أخذه بغير القدر المتيقن من حصص الطبيعي و عدم ملزم له على الأخذ بخصوصه، و معلوم أنّ أخذه بغيره مخلّ بالغرض فالاطلاق مع وجود هذا القدر المتيقن مخلّ بالغرض إلّا أن يدعى لزوم أخذ المخاطب بخصوصه فى صورة وجوده لا بغيره لكن الدعوى مصادرة محضة لم يقم عليها برهان، بل ستعرف أنّ حكمة الإطلاق لا تنحصر

392

فى عدم الإخلال بالغرض، فشرطية عدم القدر المتيقن فى مقام التخاطب للاطلاق الاثباتى أيضا عرية عن الشاهد (إلّا أن يوجّه) ذلك بأنّ الإخلال بالغرض قبيح للعاقل، مستحيل للحكيم فاذا كان المتكلم في مقام بيان تمام المراد و كانت حصة من طبيعى المعنى متيقنة من الخطاب الملقى فى عالم التخاطب لاجل حال كما لو سئل المولى عن إكرام طائفة يعلم المخاطب أنّهم من العلماء فقال أكرم العلماء أو نحو ذلك، فحيث لا يصح التعدى عن هذا القدر المتيقن من الخطاب إلى القدر المشكوك لدى أهل المحاورة فلو انطبق تمام مراد المتكلم واقعا على القدر المتيقن خارجا لم يكن الإطلاق مخلّا بغرضه لانّه بمنزلة إجمال النصّ من هذه الجهة فلا يصح للمخاطب الأخذ بالاطلاق، أمّا إذا لم يكن هناك قدر متيقّن فالاطلاق يخلّ بالغرض لو كان تمام المراد حصة من المعنى، فاستحالة الإخلال بالغرض أو قبحه دليل على صحة الأخذ بالاطلاق مع عدم القدر المتيقن في مقام التخاطب و عدم صحته مع وجوده، فكون عدم القدر المتيقن من مقدمات الحكمة و شرائط الأخذ بالاطلاق موافق للعقل و البرهان (لكن التّوجيه) غير صالح لاثبات المدعى بل إثبات الإطلاق بواسطة الإخلال بالغرض دورىّ ضرورة توقف الإخلال على وجود الإطلاق و هو موقوف على عدم القدر المتيقن حسب الفرض فلو توقف ثبوت الإطلاق علي وجود الإخلال من ناحية عدم القدر المتيقن لزم الدّور (فان قلت) وجود الإطلاق يتوقف على وجود الإخلال لكن عدمه لا يتوقف على عدمه كى يستلزم الدور لانّ الإطلاق الذي هو السّريان أمر وجودىّ يحتاج إلى علة فى الحدوث فعدمه مستند إلى عدم المقتضى لاجل صحة الأخذ بالقدر المتيقن لدى أهل المحاورة، فوجود القدر المتيقن مانع عن الإخلال الكاشف عن الإطلاق (قلت) كلّا! لا محيص عن الدّور لانّ منشأ صحة الأخذ بالقدر المتيقن إثباتا كما هو محل الكلام و عدم صحة التعدى عنه لدى أهل المحاورة ليس إلّا لزوم الإخلال بالغرض مع إرادة الإطلاق، فالمقتضى للاطلاق الذي يستند عدم الإطلاق إلى عدمه بالأخرة عبارة عن نفس الإخلال فالدّور بحاله.

و أمّا أولى المقدمات التى جعلها بعض الأساطين ثانيتها أعني كون المتكلم فى مقام بيان تمام المراد فلا يخلو إمّا أن يراد به الأصل المقامى الذي عليه بناء أهل‏

393

المحاورة لدى التكلم بالالفاظ و هو كونهم بصدد تفهيم مداليل الألفاظ و مفاهيمها الثابتة لها عندهم، أو يراد به أمر زائد على ذلك، هو كون المتكلم علاوة عن ذلك بصدد بيان حدّ المداليل سعة و ضيقا أيضا، ظاهر كلمات القوم هو الثانى (و ما يمكن) أن يقرّب به لزوم ذلك في الأخذ بالاطلاق أنّ المتكلم و إن لم يكن له بدّ من أن يقصد بالقاء اللفظ تفهيم مدلوله فلا يكون بصدد الهزل أو التمثيل كما فى الأمثلة النّحوية، فمراده من قوله جئني بالماء هو الإتيان بالماء حقيقة، إلّا أنّ مدلول اللفظ المقصود تفهيمه كحقيقة الماء لما كانت قابلة لعروض خصوصيّات مختلفة عليها كالبرودة و الحرارة و الحلاوة و الحموضة و نحوها من الطوارى و معلوم أنّ الطبيعة لا تقع معروضة لحكم حالكونها مهملة، فلا بدّ من إحراز كون المتكلم فى مقام بيان حدّ المدلول أيضا و أنّ موضوع حكمه محدود بأيّ واحد من الحدود المتصوّرة للمدلول حتى يمكن الأخذ باطلاق الكلام من تلك الجهة، و لذا قد لا يكون للكلام إطلاق من الجهة الثانية أعنى حدّ المدلول مع كونه مطلقا من الجهة الأولى أى الأصل المقامى كما فى قوله تعالى: فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ‏: فانه تعالى فى الآية و إن كان بصدد تفهيم أصل المدلول و هو حليّة أكل ما أخذه الكلب المعلّم لكن لا إطلاق لها مع ذلك من جهة حدّ الحلية و أنّها تشمل موضع ملاقاة فم الكلب مع الصّيد أم لا، و لذا شاع فى الألسن فى أمثاله أنّ الكلام مسوق لبيان حكم آخر.

(و يدفعه) أنّ الجهة الأولى تستلزم الثانية لانّ كل لفظ موضوع لنفس طبيعة المعنى كما تقدم فالمتكلم الذي هو بمقتضى بناء أهل المحاورة يكون بصدد تفهيم مدلول اللفظ للمخاطب إذا أخذ اللفظ بالاطلاق أى بلا انضمام قيد إليه فى كلامه موضوعا لحكم فالكاشف عن مراده الذي يكون بصدد تفهيمه هو اللفظ بمدلوله العام أى الطبيعة بما لها من الأفراد الخارجيّة (و توهم) استلزام ذلك وقوع الطبيعة مهملة موضوعا للحكم (مدفوع) بما حقّقناه سابقا من أنّ المأخوذ فى موضوع الأحكام هو اللّابشرط القسمي أعني طبيعة المعنى ملحوظة لدى المتكلم بما لها من التعيّن الذاتى و السّريان الطبعى، لانّ محلّ الكلام إنّما هو الإطلاق الإثباتى الذي يكون عبارة عن لحاظ السّريان الذاتى للمعنى فى عالم جعله موضوعا للحكم (و توهم)

394

أنّ لحاظ السّريان من قبل المتكلم ممّا لا بدّ منه في هذا الإطلاق حسب اعترافك فلا بدّ من إحراز ذلك اللّحاظ باحراز كون المتكلم فى مقام بيان حدّ المدلول (مدفوع) بأنّ نفس عدم انضمام القيد كاف للكشف عن ذلك اللّحاظ بناء على ألحق عند نابل و عند جماعة من الأصوليين من كون التقييد من قبيل تعدّد الدالّ و المدلول و لذا لا يكون مجازا، فانضمام القيد إنّما يوجب تضييق دائرة الإطلاق فمع عدمه يكون الإطلاق طبعيّا بلا حاجة إلى مقدمة و شرط كاحراز الكون فى مقام البيان (و بالجملة) فالاطلاق مساوق مع وحدة الدالّ و التقييد مساوق مع تعدده فأين توقف الأخذ بالاطلاق على جريان مقدمات الحكمة، فالعجب ممّن يعترف بكون التقييد من قبيل تعدّد الدالّ و المدلول و مع ذلك يقول بتوقف الأخذ بالاطلاق على جرى تلك المقدمات التى منها كون المتكلم فى مقام بيان تمام المراد، أمّا ما يتوهم كونه كاشفا عن الحاجة إلى هذه المقدمة أعني إحراز الكون في مقام البيان من التفكيك بين الجهتين فى بعض الموارد كما، فى كلوا مما أمسكن عليكم، فيدفعه أنّ الكلام فى مثله سوق لبيان مدلوله الالتزامى دون المطابقى فطبعا لا ينعقد له إطلاق من جهة المدلول المطابقى، و لذا يؤخذ باطلاقه من جهة الحكم الالتزامى الذي سيق لبيانه فالآية مثلا مسوقة لبيان أنّ ما يأخذه الكلب يكون من الصيد فالمعنى في أمثالها عبرىّ للاشارة إلى لازمه فهو خارج عمّا نحن بصدده.

و ينبغى التنبيه على أمور ظهر أكثرها مما تقدّم‏

الأوّل أنّك عرفت فيما تقدم أنّ المعنى الموضوع له اللفظ هو اللّابشرط المقسمي‏

أى الطبيعة بما هى و هو المطلق الثبوتى الذي لا بدّ أن يلاحظ فى موضوعات الأحكام، كما عرفت أنّ المأخوذ فى موضوع الأحكام هو اللّابشرط القسمي و المطلق الإثباتى الّذى أخذ فيه لحاظ السّريان الذاتى للمعنى من جهة التطبيق على الخارج، فاعلم أنّه لا منافاة بين ذلك كله و بين ما ذكرناه أخيرا من عدم الحاجة في الأخذ بالاطلاق الإثباتى إلى ما عدا الأصل المقامى المتداول بين أهل المحاورة فى خطاباتهم من كون المتكلم في مقام تفهيم مقصوده بلفظه الصّادر منه، و ذلك لانّ كل حاكم لا بدّ أن يلاحظ فى ذهنه أوّلا حقيقة الشي‏ء الذي يريد أن يحكم عليه بحكم كالماء و فى هذه المرحلة

395

لا يكون عدا الطبيعة بما هي، ثم يلاحظ انطباق تلك الطبيعة على أفرادها الخارجية على نحو فناء العنوان في المعنون و هذا اللّحاظ هو الذي يخرج الطبيعة عن الاهمال النّفس الأمرى المحال و يصيّر اللّابشرط المقسمي قسميّا، ثم يجعل تلك الطبيعة السّارية ذاتا فى أفرادها معروضة لما شاء من الأحكام من غير فرق بين الطبايع الايجادية التى جعلت موضوعة للحكم بلحاظ حال تلبّسها بالوجود من قبل المخاطب و لذا يقتضى الأمر بها لزوم ايجادها فى الخارج كما فى التكليفيّات نظير جئنى بالماء أو أقم الصّلاة، و بين الطّبايع الوجودية التى جعلت موضوعة للحكم بعد فرض تلبّسها بالوجود خارجا و لذا يقتضى الأمر بها إمضائها كما فى الوضعيّات نظير أحلّ اللّه البيع فمفاده التّرخيص الإمضائى فيما وجد من تلك الطبيعة فى الخارج، فاذا كانت المرحلتان، مرحلة لحاظ طبيعة المعنى بما هى و مرحلة لحاظ انطباقها على أفرادها الخارجيّة على نحو فناء العنوان فى المعنون متقدمتين على المعروضية للحكم و كانت رتبة الحكم فى طولهما، فاللّفظ الصّادر عن المتكلم في مقام تفهيم المقصود يكون بحقيقته السّارية طبعا فى أفرادها الخارجيّة كاشفا لا محالة عن مراده بلا حاجة إلى إحراز مقام آخر من البيان هو كونه بصدد بيان حدّ المدلول من جهة الأفراد، فالاخذ بالاطلاق الإثباتى إنّما يتوقف على صدور اللفظ عن الحكيم أعنى غير المجازف لا علي جريان مقدمات الحكمة، و هذه الحكمة أعنى صدور اللّفظ عن الحكيم و من يكون في مقام التفهيم لا تختص بالاخذ بأصالة الاطلاق بل تعمّ الأخذ بأصالة الحقيقة قبال المجاز و نحوهما من الأصول اللّفظية، فكما لا حاجة فيها إلى أمر آخر وراء ما عليه بناء أهل المحاورة من تفهيم مقاصدهم بسبب الألفاظ بمداليلها فكذلك في الأخذ بالاطلاق، و إن شئت قلت إنّ حال الاعراض الاعتبارية أى الأحكام الثابتة لموضوعاتها حال الاعراض الخارجيّة فكما أنّ تلك الاعراض منها ما يكون عرضا للماهية بما هى أي المعقول الثانى كالزوجيّة للاربعة و منها ما يكون عرضا للماهية بلحاظ وجوداتها الخارجية كالحلاوة و السّواد و البياض للاشياء الخارجية، فكذلك الأحكام أعراض لماهيات الموضوعات بلحاظ وجوداتها الخارجيّة بقسميها من الايجادية و الوجودية.

396

[الثانى قد تبين من مطاوى ما أسلفناه أن الإطلاق و السّريان مقتضي لفظ المطلق بنفسه‏]

(الثانى) قد تبين من مطاوى ما أسلفناه أن الإطلاق و السّريان مقتضي لفظ المطلق بنفسه من جهة وضعه للّابشرط المقسمي بلحاظ حكايته عن الأفراد الخارجيّة فلا يحتاج إلى عدم القيد بأن يكون للاطلاق سببان، أحدهما لفظ المطلق أى الدالّ ثانيهما، عدم انضمام القيد أى الدالّ الآخر، أو يكون له سبب واحد مركب من جزءين لفظ المطلق و عدم انضمام القيد، كما صرّح بذلك الشيخ الأعظم (قده) على ما في التقريرات من أن الإطلاق يتوقف على أمرين وجودى و عدمى، فكون عدم القيد شرطا في ثبوت الإطلاق أمر غير محتاج إليه لدى أهل المحاورة بل هو مستحيل عقلا كيف و قد قرّرنا فى محلّه أنّ العدم بما هو عدم بأىّ نحو يتصور لتوغله فى الإبهام غير ممكن التأثير فيما هو من شأن الوجود إذ الفاقد يستحيل أن يكون معطيا، فالاطلاق تنجيزىّ أبدا و ليس بتعليقي بأن يكون معلّقا على عدم بيان القيد كما هو لازم كلّ من قال بلزوم جرى مقدمات الحكمة فى الأخذ بالاطلاق بل صريح كلام الشيخ الأعظم (قده) فى باب التعادل و الترجيح، حيث التزم بأن دليل القيد و لو كان فى أعلى مراتب الضعف مقدّم على دليل المطلق لان الإطلاق معلّق على عدم القيد فدليل القيد وارد على دليل المطلق إذ يرتفع موضوع الإطلاق بمجيئى القيد، و لذا يعبرون عن سريان العام الذي يقولون بوضعه للعموم بالاطلاق التنجيزى و عن سريان المطلق الذي يقولون بتوقفه علي مقدمات الحكمة بالاطلاق التعليقى و لدى تعارضهما يقدمون الأول علي الثانى، و ببركة ما قدمناه انقدح أنّ السّريان فى المطلق تنجيزيّ فلا ترجيح لأحدهما على الآخر لا سيّما بعد ما عرفت فى مبحث العام و الخاص، عدم ثبوت وضع لشي‏ء من الألفاظ التى ادعى وضعها للعموم، و لذا نبّهنا هناك على عدم الفرق بين العام و المطلق فى الحاجة إلى جري مقدمات الحكمة علي القول بلزومه فى المطلق و عدم الحاجة إليه في شي‏ء منهما على ما هو ألحق الذي عرفته هنا من عدم لزومه فى المطلق، كما انقدح أن بمجيئى القيد لا يرتفع موضوع الإطلاق بل القيد إنّما هو معارض مع المطلق في خصوص حصة منه.

بل قد انقدح من ذلك كله أمور (منها) أنّ إطلاق المعنى و سريانه الطبعى‏

397

بالنسبة إلى جميع حصصه الخارجية الذي هو لازم وضع لفظ المطلق بازاء اللّابشرط المقسمي بلحاظ الحكاية عن الأفراد الخارجيّة إنما هو مراد جدّى للمتكلم بمقتضى كونه فى مقام تفهيم المقصود بذلك اللفظ و التقييد مزاحم لذلك الإطلاق و مضيق لدائرته لا أنه مراده الاستعمالي و المقيد مراده الجدى الواقعى بكشف من القيد على ما يظهر من صاحب الكفاية (قده) كى يمكن التفكيك بين المرادين، كيف و القضية الواحدة لا تتكفل حكمين واقعى و ظاهرى بل المراد الاستعمالي بنفسه كاشف عن المراد الجدى الواقعي (و منها) أنّ مجي‏ء القيد لا يكشف عن أنّ المتكلم حين إلقاء لفظ المطلق لم يكن فى مقام بيان تمام المراد حتى يتوجه الإشكال بأنّ لازمه عدم انعقاد الاطلاق لذلك اللفظ من سائر الجهات، بل يكشف عن أن القيد أيضا معروض لحكم المطلق فمجرد توافقهما فى الحكم لا يوجب حمل المطلق على المقيد كما هو ظاهر القوم بل هما متعارضان فلا بدّ من ملاحظة حالهما، فان كانت هناك قرينة حاليّة أو مقاليّة على كونهما من قبيل تعدد مراتب الفضل كما إذا قال المولى أكرم العلماء ثم قال الهاشميين منهم أو قال المعتادين بصلاة الليل أو نحو ذلك من التعبيرات الكاشفة و لو بمعونة طرز التخاطب أو حاله عن إرادة أفضلية هذه الحصة من حيث الموضوعية للحكم الثابت للمطلق حمل عليه، أو قامت القرينة على أنّ دليل القيد له نظر حكومى إلى المطلق قيد به و كان ذلك من قبيل تأخير البيان عن وقت الحاجة إذا فرض حضور وقت العمل بالمطلق قبل مجي‏ء القيد، و قد بيّنّا في مبحث العامّ و الخاصّ أنّه لا قبح فى ذلك أصلا إذا كان لاجل مصالح، كوجود المصلحة فى العمل بالمطلق فى ذلك الزمان أو كون المتكلم فى تقية عن بيان القيد فيه كما هو الحال فى جملة من الأخبار الصّادرة عن الأئمة الأطهار صلوات عليهم أجمعين أو كون بيان الأحكام مطلقاتها و مقيداتها تدريجيا بنفسه كما هو الحال فى الأحكام الشرعية أو نحو ذلك من المصالح المتصورة للتأخير، فاطلاق لفظ المطلق من سائر الجهات غير الجهة التى تضمنها القيد يكون بحاله صالحا للتمسك به، كل ذا لما عرفت من أنّ كون المتكلم فى مقام أصل التفهيم كاف لجعل مدلول لفظه بسريانه الطبعى كاشفا عن مراده الجدى،

398

(و منها) أنّ نفس الإطلاق المزبور الذي ينسبق إلى الذهن من لفظ المطلق هو ما قاله المتكلم و أراده من لفظه (فما صدر) عن بعض الأساطين (ره) من تقسيم الدلالة إلى أنحاء ثلاثة تصورية، هو المعنى الذي ينسبق إلى الذهن من اللفظ و تصديقيّة بمعنى ما قاله المتكلم و تصديقية، بمعنى تطبيق ما قاله على ما أراده، و جعل القيد المتصل مانعا عن الدلالة بالمعنى الثانى و المنفصل مانعا عن الدلالة بالمعنى الثالث (فاسد) لما عرفت من اتّحاد المعنى الثانى أعنى ما قاله مع الأول أى المعنى التصورى و كون ذلك بنفسه كاشفا عن المراد، نعم تطبيق المراد المنكشف من اللفظ بمفهومه اللغوى على ما في الخارج من الأفراد إنّما هو بيد المخاطب أمّا التصديق بواقع المراد أى الإذعان المساوق للاعتقاد و الجزم فهو خارج عن مدلول اللفظ، فتقسيم دلالة اللفظ إلى الأقسام المزبورة ممّا لا محصّل له، و لا فرق بين القيد المتصل مع المنفصل من جهة أصل المعارضة مع مدلول المطلق غاية الأمر أنّ المعارضة فى المتصل إنّما هى بين المدلول الأفرادى للفظ المطلق مع المقيد و فى المنفصل بين المدلول الجملي للكلام المشتمل على المطلق مع المدلول الأفرادى للقيد، كما أوضحناه فى مبحث العام و الخاص بالنسبة إلى المخصص المتصل و المنفصل فراجع، و أوضحنا أيضا أنّ دعوى التفكيك بين الحجية و الظهور و أنّ القيد إذا كان متصلا يزاحم أصل الظهور و إذا كان منفصلا يزاحم حجيته فالظهور بحاله و السّاقط هو الحجية فاسدة فكذا فى المقام فلا وجه للتفكيك بل الساقط أبدا نفس الظهور.

(و منها) أنّ الإطلاق حيث لا يتوقف على شيئي من مقدمات الحكمة فهو مستند إلى ظهور اللفظ جزما فاختلاف القوم فى ذلك لاجل توقف الأخذ بالاطلاق عندهم على جرى مقدمات الحكمة فى غير محله، حيث يظهر من بعضهم أنّ الإطلاق خارج عن مقتضى ظهور اللفظ مستند إلى القطع بالمراد عقلا إذ يلزم من إرادة المقيد مع تمامية مقدمات الحكمة نقض الغرض و هو مستحيل، و يظهر من آخر أنّه خارج عن مقتضى ظهور اللفظ إلّا أنّ تمامية مقدمات الحكمة لا توجب القطع بالمراد بل تورث الظن المعتبر عرفا بكون الإطلاق مرادا واقعا، و يظهر من ثالث أنّ مقدمات‏

399

الحكمة توجب ظهور اللّفظ فى الإطلاق، فانقدح ببركة ما قدمناه عدم الحاجة إلى شي‏ء من هذه التّمحّلات و أنّ اللّفظ الصّادر عن المتكلم فى تفهيم المقصود بنفسه و بانفراده ظاهر فى الإطلاق.

ثم إنّ القائلين بتوقّف الإطلاق علي جرى مقدمات الحكمة تصدّوا للجواب عن إشكال أنّ مجي‏ء القيد يكشف عن عدم كون المتكلم حين إلقاء لفظ المطلق فى مقام بيان تمام المراد و لازمه عدم انعقاد الإطلاق للّفظ من سائر الجهات غير ما تضمّنه القيد، فأجاب الشيخ الأعظم (قده) على ما فى التقريرات بأنّه لا منافاة بين عدم الإطلاق من جهة مع الإطلاق من سائر الجهات، لكن ناقش فيه جلّ من تأخر عنه بمنافاة ذلك مع مفروض هذا المبنى من أنّ المتكلم بسبب ذلك اللّفظ ليس فى مقام بيان تمام المراد من أوّل الأمر بكشف أنّى من ناحية مجي‏ء القيد، و أجاب صاحب الكفاية (قده) بعدم كون الإطلاق مرادا جدّيا بل مرادا استعماليا على نحو ضرب القانون و القاعدة و ليس تأخير البيان فى المقام من قبيل تأخير البيان عن وقت الحاجة، لكنك عرفت سابقا فساد التفكيك بين المرادين الاستعمالي و الجدّى و أنّ القضية الواحدة لا تتكفل حكمين واقعى و ظاهرى بل المراد الاستعمالى بنفسه كاشف عن المراد الجدّى و أنّ تأخير البيان فى المقام هو التأخير عن وقت الحاجة الذي ليس بقبيح، فالتفكيك بين المرادين اقتراح من خريت الصّناعة صاحب الكفاية (قده).

[الثالث قد تبيّن مما أسلفناه أنّه يكفى في الإطلاق ما يقتضيه بناء أهل المحاورة في خطاباتهم‏]

(الثالث) قد تبيّن مما أسلفناه أنّه يكفى في الإطلاق ما يقتضيه بناء أهل المحاورة في خطاباتهم من كون المتكلم فى مقام تفهيم مراده بلفظه دون الهزل أو الكناية عن معنى آخر، فيجعل ما هو الظاهر من اللّفظ بسريانه الطّبعي كاشفا عن المراد الجدّى الواقعى بلا حاجة إلى جرى مقدمات الحكمة، فضلا عن جعل الأصل المحاورى المزبور كاشفا عن الكاشف أي الكون فى مقام بيان تمام المراد الذي هو كاشف عن الإطلاق كما هو الظاهر من مجموع كلام صاحب الكفاية (قده) و لا أقلّ من كونه محتمل كلامه، فانّه بعد ذكر أنّ مقدمات الحكمة توجب العلم و حصول القطع بمراد المتكلم أى الإطلاق تصدّى لبيان ضابط مورد شكّ فى ذلك و لم يمكن‏

400

إحراز المقدمات فالتزم بأنّ بناء أهل المحاورة على الأخذ بالاطلاق لدى عدم إحراز كون المتكلم فى مقام بيان تمام المراد كاشف عن الكون فى مقام البيان، لكنك ببركة ما أسلفناه عرفت أنّه ليس لاهل المحاورة عدا بناء واحد هو الكون فى مقام تفهيم المراد باللفظ فهو بنفسه كاشف عن الإطلاق بلا حاجة إلى توسيط شي‏ء ما آخر كى ينتج لزوم جرى المقدمات، كما أنّ ببركة ذلك تبين أنّ جعل مقدمات الحكمة سببا للقطع بالاطلاق خارجا تارة و للظن به أخرى و لظهور اللفظ فى الإطلاق ثالثة، كما صدر عن القوم غير محتاج إليه، بل السبب الوحيد الذي يقتضى ظهور اللفظ فى الإطلاق، هو الأصل المحاورى من كون المتكلم بسبب لفظه الواحد بما له من المعنى السّارى بالطّبع فى مقام تفهيم مراده الواقعى، فاللفظ بنفسه ظاهر فى الإطلاق لكن لا مستندا إلى الوضع بل إلى الأصل المزبور فهو نظير الفعل من جهة الإجمال و القصور الذي يوجب ضعف الدلالة، و لذا يكون ظهور المقيد الذي هو أقوى لاستناده إلى الوضع مقدما على ظهور المطلق و لو كان فى حدّ نفسه أضعف من ظهور المطلق.

(فلا يقال) بين مبانيك هذه تهافت بيّن حيث بنيت علي أنّ الإطلاق لا يتوقف على مقدمات الحكمة بل هو تنجيزىّ كظهور المقيد فى التقييد و بنيت على أنّ القيد معارض مع الإطلاق في عالى الكشف عن المراد و ادّعيت هنا أنّ ظهور المقيد و لو كان أضعف مقدّم على ظهور المطلق و لو كان أقوى و أنّ ظهور المقيد بما هو يكون أقوى من ظهور المطلق فكيف التوفيق (لانه يقال) كلّا! لا تهافت بين هذه المبانى أصلا لانّ ظهور لفظ المطلق فى الإطلاق لم يكن بمقتضى الوضع بل بمقتضى تطبيق مفهوم لفظ واحد فى عرف المحاورة على أفراد خارجيّة يصدق عليها ذلك المفهوم، فهذا التطبيق أصل محاورىّ بمنزلة تطبيق فعل ذى وجوه صادر عن المتكلم فى مقام تفهيم المراد كالاشارة باليد و نحوها على جميع وجوهه التي يقبل الانطباق عليها، فكما أنّه إذا كان هناك قول كاشف عن وجه خاص من وجوه الفعل دال على أنه المراد منه لا يبقى مجال ريب لاحد من أهل المحاورة في تقديمه على إطلاق الفعل تطبيقا، فكذلك لفظ المقيد الدالّ بالوضع علي حصة من المطلق و لو