آراء حول مبحث الألفاظ في علم الأصول‏ - ج2

- علي الفاني الأصفهاني المزيد...
414 /
401

كان ضعيف الدلالة على الحصة يكون أقوى من الإطلاق التطبيقي للمطلق، فهو مقدّم عليه طبعا بل ناظر إليه و معيّن لمصبّ إطلاقه و بيان للمراد الواقعى منه و تأخيره غير مضرّ كما عرفت، فظهور المقيد فى موارد حمل المطلق علي المقيّد التي ستعرف شرائطه و خصوصياته لكونه أقوى حاكم على ظهور المطلق لاجل اقتضاء الوضع، لا لاجل تعليقية ظهور المطلق كما يظهر من الشيخ الأعظم (قده) فى مبحث التعادل و الترجيح و عليه بنى ورود ظهور المقيد على المطلق و كونه سببا لارتفاع موضوع الإطلاق لانّ ذلك فاسد كما لا يخفى، و لذا قد يتفق فى بعض المقامات أنّ المطلق فى قوة الظهور الإطلاقى يصير بمثابة يأبى عن التقييد و في مثله نقول بانعكاس الحكومة و هو تقدم ظهور المطلق على ظهور المقيد مع أنّه على القول بالورود لا يبقى مجال لذلك أصلا (فظهر) كمال التلاؤم بين عدم الحاجة إلى مقدمات الحكمة فى الأخذ بالاطلاق بمعنى تنجيزيّة الإطلاق و التعارض الطبعي بين ظهورى المطلق و المقيّد و بين تقديم ظهور المقيّد على ظهور المطلق فى موارد حمل المطلق على المقيّد بما له من الخصوصيات كاحراز وحدة التكليف و نحو ذلك و أنّ المقيد له نظر حكومي طبعي إلى المطلق من جهة تعيين مصبّ الإطلاق فيه.

[الرّابع قد انقدح مما تقدم أنّ القيد معارض مع الإطلاق‏]

(الرّابع) قد انقدح مما تقدم أنّ القيد معارض مع الإطلاق فمعنى معارضته كونه مانعا عن السّريان الطّبعي للمطلق من جهة تعيين مصبّه، فان كان هناك لفظ دالّ على القيد كالمؤمنة لقوله أعتق رقبة، كان هو الكاشف عن الجهة المانعة و المعيّن لمصبّ إطلاق المطلق و إن كانت هناك قرينة حالية توجب صرف الإطلاق إلى حصة خاصّة كان هو الكاشف عن المنع و المعيّن للمصبّ، بلا استلزام ذلك التّجوّز في لفظ المطلق ضرورة استعماله أبدا فيما وضع له أى المعنى القابل للسّريان و جعل المعنى على نحو اللّابشرط القسمي أى الملحوظ فيه سريانه الطبعى موضوعا للحكم فى الكلام و كون هذا المعنى مع هذا اللفظ كاشفا عن المراد الواقعى بمقتضى الأصل المحاورى، غاية الأمر أن لفظ المقيد الموضوع لمعناه و المستعمل فى ذلك على نحو المرآتية للمراد أو القرينة الحالية إنما منعا عن اقتضاء الأصل المزبور،

402

فالسريان الإثباتى الّذى هو مقتضي الأصل المحاورى إنّما ارتفع بسبب التقييد بدليل لفظىّ أو قرينة حاليّة و هذا لا ربط له بما وضع له لفظ المطلق، لا أنّ السّريان الطّبعي الملحوظ بنحو اللّابشرط القسمي فى معنى لفظ الرقبة مثلا قد انقلب عمّا هو عليه بذلك فليس معنى لفظ المطلق بعد ذلك قابلا للسّريان الطّبعي أو ملحوظا فيه ذلك حتّى يلزم التّجوّز فى لفظ المطلق، فعدم الإطلاق لذلك لا لانتفاء مقدمات الحكمة كما يظهر من صاحب الكفاية (قده) كما أنّ عدم الإطلاق قد يكون لخلل فى بعض الأفراد من حيث الفرديّة يوجب قصور المطلق عن شموله و يسمّى فى اصطلاحهم بالانصراف، فالعالم مثلا هو الذي بيده قواعد خاصة لكنّه لا يشمل النّجّار الذي بيده قواعد النّجّارة لخلل فى فرديته لذلك عرفا، فهذا الخلل ربما يكون حال وجود سائر أفراد المطلق و لا يكون حال فقدان أفراده الكاملة كنداوة اليد الحاصلة من مسّ اللّحية فى نداوة الوضوء التى هى شرط في المسح، فانّ نداوة الوضوء لدى العرف تنصرف عن الموجودة فى غير اليد إذا كانت موجودة فى اليد أيضا أمّا مع فقدانها و انحصارها بما تحصل بمسّ اللّحية مثلا فلا تنصرف عنها، و كذا المسح بالكفّ فى التيمم بالنسبة إلى باطن الكفّ لدى وجوده و بالنسبة إلى ظاهره لدى عدمه، و ربما يكون فى وقت دون وقت كما إذا قيل ألبس زيدا فانه ينصرف إلى اللباس الصوفى أو الوبرى في الشتاء و إلى الكتّانى فى الصيف و نعبّر عن هذه الأفراد بالتنزّليّة، فاختلاف طبقات الافراد يوجب اختلاف التطبيقات فى المطلق بلا استلزام تجوّز فيه و لا استيجاب توقف الإطلاق على جرى المقدمات.

ثم إنّ كثرة تطبيق المطلق على فرد خاص قد تصل حدّا تصير لفظ المطلق قالبا لذلك الفرد و نعبّر عنه بالوضع التّعيّنى فان صار التطبيق على المطلق مهجورا سمّى منقولا كلفظ الدابة الذي وضع لمطلق ما يدبّ ثم طبّق كثيرا على الحيوان حتّى صار قالبا له و صار الأوّل مهجورا، و إن لم يصل مهجورا بل يطبّق على كل منهما بالاستقلال سمّى مشتركا لفظيّا كلفظ الصلاة الّذى وضع للدّعاء ثم استعمل كثيرا بين أهل اللّغة فى الحضور الخاصّ أى التّخضع للّه تعالى بعمل جارحى أمر به في الشرائع قبل الإسلام و قبل اللغة العربيّة حتّى‏

403

صار لدى أهل اللغة قالبا لهذا المعنى فمشترك لفظى، و لذا قلنا مرارا أنّ لفظ الصلاة ليست له حقيقة شرعية أو متشرعية كسائر ألفاظ العبادات غاية الأمر اختلاف شرعنا مع الشرائع السابقة فى بعض قيود الحضور الخاص الذي هو أحد معنييه قلة و كثرة، فالوضع التعيّنى على ضربين منقول و مشترك لفظى أمّا المجاز المشهور فليس له معنى محصل لانّ إفادة المعنى باللفظ لو احتاجت إلى قرينة فهو مجاز و إلّا فهو حقيقة على نحو التعيّن، فدعوى وجود واسطة بينهما تسمّي بالمجاز المشهور مصادرة عريّة عن الشاهد كتقسيم الانصراف إلى خطورى و بدوىّ و مستقر، و غير ذلك من الأقسام التى تصورها القوم للانصراف.

فصل، إذا ورد مطلق و مقيد فهل يحمل المطلق على المقيد مطلقا أو لا يحمل كذلك أو يفصّل بين الموارد فيه خلاف بين القوم، و التحقيق أنّهما إما نافيان مثل لا تضرب العلماء و لا تضرب عدول العلماء أو مثبتان مثل أعتق رقبة و أعتق رقبة مؤمنة أو مختلفان مثل صلّ و لا تصلّ فى وبر ما لا يؤكل لحمه أو لا تهن العلماء و أهن فساق العلماء، فان كانا نافيين فلا موجب لتحكيم المقيد على المطلق بحمله على المقيد ضرورة كمال الإلف بين حكمين ثبت أحدهما للطبيعة كحرمة ضرب العلماء و الآخر لحصة منها كحرمة ضرب العدول منهم فان شدة اهتمام الحاكم بتلك الحصة في الموضوعية لذلك الحكم أو نحو ذلك من الوجوه المتصورة لتعدد الحكمين صارت سبب تخصيصها بالحكم، إلا أن تقوم قرينة خارجيّة على أنّ المقيد ناظر إلى المطلق و معيّن لمصبّه فلذلك يحمل عليه المطلق، و إلا ففي حدّ أنفسهما حيث لا تنافي بينهما لا موجب للحمل فيهما، و إن كانا مختلفين فمقتضى القاعدة هو الحمل أعني تحكيم المقيد علي المطلق لانّ ظهور المقيد بالنسبة إلى الحصة المتضمن لها من الطبيعة أقوى من ظهور المطلق بالنسبة إلى تلك الحصة، لما أسلفناه من أنّ الظهور الإطلاقى مستند إلى الأصل المقامي فى عالم تطبيق مفهوم اللفظ علي المراد الواقعي و جعله كاشفا عنه أما ظهور المقيد فمستند إلى اقتضاء وضع اللفظ للحصة إرادة خصوصها منه و معلوم أنّ الظهور المستند إلى الوضع و لو كان في نفسه ضعيفا يكون أقوى من الظهور التطبيقي المقامي و لو كان في حدّ

404

نفسه قويا، و من هنا يعلم أنّ التصرف فى الظهور الإطلاقى المقامى للمادّة أولي من التصرف في الظهور الهيئى للمقيد بالحمل على الكراهة إذا كان نافيا و كان المطلق مثبتا أو علي الاستحباب إذا كانا بالعكس، لانّ ظهور الهيئة فى الإلزام أقوى من ظهور المطلق فى الإطلاق إذ الهيئة بنفسها تقع موضوعا لحكم العقل بالوجوب فى المثبت و بالحرمة فى المنفى حيث حققنا فى محلّه أنّ الوجوب و الحرمة كالاستحباب و الكراهة عناوين تنتزع عن حكم العقل بلزوم الامتثال و عدمه عند وجود أمر مع عدم وصول رخصة فى الترك أو وصولها أو عند وجود نهى مع عدم وصول رخصة في الفعل أو وصولها، نعم لو قامت قرينة خارجيّة على تعدد التكليف و عدم نظر المقيد إلى المطلق و لا تعيين مصبه منع ذلك عن الحمل.

و إن كانا مثبتين فتارة يحرز تعدد التكليف و أخرى لا يحرز التعدد و لا الوحدة و ثالثة يحرز الوحدة، أمّا في صورة إحراز التعدد نظير: من ظاهر يوم الخميس فعليه عتق رقبة: و: من ظاهر يوم الجمعة فعليه عتق رقبة مؤمنة: فلا موجب للحمل بعد إمكان الأخذ بكلا الحكمين كما إذا تعدد مخاطب الحكمين أو كان موجب أحدهما غير الآخر فكما لا يرتاب أحد فى عدم جواز الحمل فيهما فكذا مع وحدة المخاطب ضرورة إمكان تعدد موجب الحكمين واقعا فلا موجب لرفع اليد عن ظهوري الدليلين فى التعدد، و أمّا فى صورة عدم إحراز التعدد أو الوحدة خارجا أو من نفس الدليل فلم يتصل القيد بالمطلق نظير أعتق رقبة مؤمنة حتى يكون مصبّ التكليف المطلق حالكونه معروضا للقيد إذ حينئذ يتحد التكليف و لا بدّ من الحمل كما لا يخفي، فمع عدم إحراز شى‏ء من التعدد و الوحدة لا موجب لحمل المطلق على المقيد لانّ إمكان امتثال المطلق خارجا في ضمن المقيد لا يستلزم كونه مراد المتكلم واقعا و لا ظهور اللفظ فيه و كشفه عنه إثباتا فى عالم الدلالة على المراد، فتطبيق المطلق علي حصة خاصّة، هو المقيد يكون بلا موجب خطابا كما هو واضح و ملاكا لامكان اشتداد الملاك في المقيد كما إذا قال المولى اكس ولدي فى الشتاء و قال اكس ولدي بالصوف ففى مطلق الكسوة ملاك الحفظ عن البرد لكنه فى الكسوة بالصوف أشدّ حيث يحصل التحفظ عن البرد بجميع مراتبه، فاذا أتي‏

405

العبد بالمطلق فقد امتثل حصة من مطلوب المولى و أتى بمرتبة منه أمّا مع الحمل فلم يمتثل شيئا أصلا أ لا ترى أنّه لو كان للمولى عبدان أتى أحدهما بالمطلق و لم يأت به الآخر فليسا سواء فى نظر العرف بل أحدهما عاص لأمر المولى بالمرة و الآخر ممتثلا له بالمرتبة (نعم) يبقي شي‏ء هو أنّ الأمر المتعلق بالمقيد تأكيد بالنسبة إلى ذات المقيد حيث تعلق به الأمر فى ضمن المطلق و تأسيس بالنسبة إلى القيد حيث لم يتعلق به أمر سابقا (فربما يتوهم) منع ذلك عن عدم الحمل إذ لا يمكن التفكيك في ظهور أمر واحد بين الجهتين فيقال بأنّه تأكيدي في جزء من المتعلق و تأسيسي فى جزئه الآخر فذلك كاشف عن وحدة التكليف و موجب للحمل و لا أقلّ من حمل الأمر المتعلق بالمقيّد علي مطلق الرّجحان بالنسبة إلى أصل القيد (لكنه) فاسد إذ التأسيس و التأكيد ليسا من مدلول الأمر كي يستلزم ذلك تصرفا فى ظهور الأمر و يمتنع التفكيك بين الجهتين و إنما هما ينتزعان عن الأمر بلحاظ عدم تعلق أمر آخر بمتعلق هذا الأمر و تعلقه به، و حيث يتعلق الغرض بنفس القيد كثيرا و لاجل امتناع ايجاده مستقلا لا بدّ من الأمر به في ضمن المقيد و لذا شاع هذا النّحو من الأمر بين أهل المحاورة فهذا النحو من التصرف أى الحمل على التأكيد بالنسبة إلى ذات المقيد أهون لديهم من التصرف في ظاهر المطلق بالحمل على حصة خاصة منه هى المقيد أو فى ظاهر الأمر بالمقيّد بالحمل علي الاستحباب بالنسبة إلى القيد، فارتفع الإشكال بحذافيره.

و أمّا فى صورة إحراز وحدة التكليف من الخارج كما إذا قال أعتق فى كل يوم رقبة و قال أعتق فى كل يوم رقبة مؤمنة و قام الإجماع مثلا على عدم وجوب عتق أزيد من رقبة واحدة فى كل يوم، فاما أن يكون كل من المطلق و المقيد مجردا عن الشرط فلا يذكر لشي‏ء منهما علة كما فى المثال أولا يكون كذلك كما إذا قال إن ظاهرت فاعتق رقبة و قال إن ظاهرت فاعتق رقبة مؤمنة، ففي القسم الأول (ربما يقال) بأن العلم بوحدة التكليف مانع عن الأخذ بظهور الأمر بالمقيد فى الإلزام على القيد فبقى ظهوره بالنسبة إلى رجحان القيد بحاله قابلا للاخذ به فيحمل على مراتب الفضل من جهة اشتداد الملاك بوجود القيد كالايمان لكن لا إلى حدّ الإلزام للعلم بانه‏

406

ليس فى البين عدا إلزام واحد، و يتضح اشتداد الملاك فى مثل الأمر بمطلق الكسوة فى الشّتاء مع الأمر بالكسوة بالصّوف كما عرفت نظيره في الصورة السابقة (لكن التحقيق) خلاف ذلك إذ الوجوب و الندب كما أسلفناه مرارا ليسا من مدلول هيئة الأمر بل حكمان عقليّان بلحاظ الأمر المولوي و عدم وصول الرخصة في الترك أو وصولها، فالأمر المولوي موضوع لحكم العقل بلزوم الخروج عن عهدته بايجاد متعلقه إلّا مع مؤمّن شرعىّ بالرخصة فى الترك فيحكم بعدم لزوم الخروج عن عهدته و يعبر فى اصطلاح الأصوليين عن الأوّل بالوجوب و عن الثانى بالندب، فالأمر بالمقيّد فى المقام موضوع لحكم العقل باللزوم و إطلاق المطلق بمجرده لا يصلح مؤمّنا بعد كون المطلق قابلا للحمل على المقيد بأن يراد منه ثبوتا حصة خاصة موجودة فى ضمن المقيد، إذ الإطلاق بنفسه أو مع العلم خارجا بوحدة التكليف لا يكشف عن الرخصة في ترك القيد شرعا بل جواز تركه إنّما هو من الاستلزامات العقلية لاطلاق المطلق مع العلم بوحدة التكليف خارجا، فانّ الاستلزامات العقلية أمور قهرية تحصل من ضمّ مقدمتين ففى المقام من ضم وحدة التكليف أى الإلزام إلى إطلاق المطلق كاطلاق الرقبة للمؤمنة و الكافرة فى أعتق رقبة يحصل قهرا بحكم العقل عدم إلزام بالنسبة إلى قيد الايمان في أعتق رقبة مؤمنة، لكن الاستلزام العقلي ثبوتا لا يكشف عن المرخّص الشرعي إثباتا فالاطلاق لا يصلح بنفسه و لا بضميمة العلم بوحدة التكليف، للكشف عن الترخيص الشرعي فى ترك القيد الذي هو المؤمّن من حكم العقل بلزوم الخروج عن عهدته بعد تعلق الأمر بالمقيد.

و عليه فالامر يدور بين حمل المطلق على المقيّد برفع اليد عن الأصل المقامى في تطبيق المطلق على المراد و بين حمل الأمر بالمقيّد على الاستحباب فى المقيد برفع اليد عن حكم العقل بلزوم الخروج عن عهدة القيد الذي تعلق به الأمر المولوي، و حيث عرفت أنّ الثاني موقوف على وجود مؤمّن مفقود فى المقام بخلاف رفع اليد عن الأصل المقامي في المطلق فهو موقوف علي وجود معارض أقوى من ذلك‏

407

الأصل كالظهور الوضعى للمقيد، فالدّوران المزبور لا يوجب إجمال الدليلين كى يرجع إلى الأصول العمليّة التى مقتضاها البراءة عن الزّائد في المقام بل الأوّل و هو حمل المطلق علي المقيّد يكون أهون لدى أهل المحاورة، بمعني أنّ لدليل المقيّد نظرا إلى دليل المطلق عندهم فينعقد له الظّهور في ذلك بعد الالتفات إلى ما ذكر فيتعيّن الحمل فى نظرهم، و ما ذكرناه من عدم صلاحيّة الإطلاق للكشف عن الرّخصة الشرعيّة في ترك القيد هو السّرّ فيما أسلفناه من أنّ ظهور الأمر المتعلق بالمقيّد فى الوجوب أقوي من ظهور المطلق فى الإطلاق، (و في القسم الثّانى) أى الذي ذكر فيه السبب لا بدّ من حمل المطلق علي المقيّد بطريق أولى ضرورة زيادته عن القسم الأوّل الّذى لم يذكر فيه السّبب بلزوم التّصرّف فى ظهورين مع عدم الحمل أحدهما ما عرفت من ظهور الأمر بالمقيّد فى الوجوب بمعونة حكم العقل ثانيهما ظهور السبب المذكور للمقيّد فى كونه سببا لحكم مجموع الذات و قيده كعتق الرّقبة المؤمنة فى المثال المتقدم، إذ لو حملنا الأمر فى القيد على مطلق الرجحان أى الاستحباب كان ذلك السبب لا محالة سبب الوجوب الثّابت على ذات المقيّد كما في المطلق و كان لرجحان القيد سبب آخر، و ممّا قدمناه ظهر حكم صورة ذكر السبب لاحدهما فقط (فتلخّص) ممّا ذكرناه أنّ حمل المطلق على المقيد في المثبتين يدور مدار إحراز وحدة التكليف فمع وجوده لا بدّ من الحمل مطلقا و مع عدمه لا بدّ من عدم الحمل مطلقا.

و بعد ما أحطت خبرا بما ذكرناه لا بأس بنقل بعض الكلمات إذ أشكل الأمر على القوم فى حمل المطلق على المقيّد فى المثبتين فسلك كل فى ذلك مسلكا، و أكثرها تفصيلا ما يظهر من بعض أساطين مقاربى عصرنا (ره) ببيان مقدمات ثلاث (حاصل) أوليها أنّ ظهور القرينة حاكم على ظهور ذيها كما فى رأيت أسدا يرمى فظهور يرمى في رمى النّبل حاكم على ظهور أسد فى الحيوان المفترس يوجب حمله علي الرّجل الشجاع، و لا عكس بأن يكون ظهور أسد فى الحيوان المفترس حاكما على ظهور يرمى فى رمى النّبل يوجب حمله على رمى التّراب المناسب مع الحيوان المفترس، لانّ الشك في ظهور ذى القرينة كالاسد مسبّب عن الشّكّ في ظهور القرينة كيرمى‏

408

فمع رفع الشك عنه بالاصل لا يبقى شك فى ناحية ذى القرينة كي يجرى فيه الأصل، فالاصل الجارى فى ناحية القرينة حاكم علي الجارى في ناحية ذيها و لا عكس إذ الشّكّ فى ظهور القرينة لو كان مسببا عن الشك فى ظهور ذيها و المفروض أنّ الشك في ظهوره مسبّب عن الشك فى ظهور القرينة لزم الدّور (و فيه) مضافا إلى عدم مقدّميّة هذه المقدمة للمسألة، أنّ الشّكّ فى ظهور كل واحد من القرينة و ذيها مسبّب عن سبب ثالث غيرهما هو عدم إمكان الجمع بين الظّهورين ضرورة حصول العلم لنا من ذلك بعدم كون أحد الظّهورين مرادا و حيث لا ترجيح لأحدهما علي الآخر فلا سببيّة فى البين أصلا، و لو سلّم فسببيّة ظهور القرينة لظهور ذيها ليست بأولى من العكس فلا موجب لتحكيم ظهور القرينة على ظهور ما لم يحرز للقرينة نظر حكومىّ إلى ذيها لدى أهل المحاورة، بل الوجه في تحكيم ظهور القرينة كظهور الحال و الفضلة و غيرها من ملحقات الكلام على ظهور ذى القرينة و ذى الحال و غيرهما من أركان الكلام علي ما يشهد به بناء أهل المحاورة و تصريح أهل الأدب كنجم الأئمة و غيره إنّما هو كون ملحقات الكلام من توابعه و قيوده التي للمتكلم أن يلحق بكلامه ما شاء من تلك القيود، و ليس للمخاطب الأخذ بالظهور الأفرادى أو الجملى للكلام قبل انتهائها، فلها عند أهل المحاورة نظر حكومى بالنسبة إلى أركان الكلام فلذا يقدّم ظهورها علي ظهور الأركان و يكون الأصل الجارى فيها حاكما على الاصل الجارى في الأركان.

و (حاصل) ثانيتهما أنّه ليس لتميز القرينة عن ذيها ضابط كلى و إن كان مثل الحال و الفضلة من قبيلها بل و كذا الفعل المبدوّ به الكلام نظير لا تضرب أحدا فاطلاق أحد يشمل الاحياء و الأموات لكن ظهور لا تضرب فى الضّرب المؤلم حاكم على الظّهور الإطلاقى لاحد قرينة علي إرادة خصوص الاحياء منه، هذا فى المتصل و أمّا المنفصل فان كان حين فرضه متّصلا كالمتّصل فى كونه قرينة صارفة لظهور ذيها فهو قرينة و إلّا فلا (أقول) ما ذكره من عدم ضابط لتميز القرينة عن ذيها و إن كان حقّا لكن مقدميته للمسألة محلّ تأمل بل منع و (حاصل) ثالثتها أنّ حمل المطلق على المقيّد إنّما يصحّ مع وجود التنافي بينهما فبدونه لا وجه للحمل و وجود

409

التنافى الذي هو في طول وحدة التكليف موقوف علي اجتماع أمور ثلاثة (منها) كون متعلق كل واحد من المطلق و المقيّد مرسلا غير معلق على شيئي كاعتق رقبة و أعتق رقبة مؤمنة، إذ مع تعليق واحد من المتعلقين على شي‏ء كاعتق رقبة و إن ظاهرت فاعتق رقبة مؤمنة لا تنافى بينهما فلا يحرز وحدة التكليف ضرورة كمال التلاؤم بين الأمر بعتق الرقبة مطلقا من أىّ سبب كان و بين الأمر بعتق حصة خاصة منها عند سبب خاص فلا موجب للحمل (و منها) كون المطلوب فى كل واحد من المطلق و المقيّد صرف الوجود بمعنى أوّل الوجود إذ مع كون المطلوب فى أحدهما ثاني الوجود مثلا لا تنافي فلا موجب للحمل (و منها) كون الطلب في كل واحد منهما إلزاميّا إذ مع كون أحد الطّلبين أو كليهما غير إلزامي يرتفع التنافى، فبعد اجتماع هذه الشرائط الثلاثة لا بدّ من الحمل ضرورة إمكان امتثال المطلق فى ضمن المقيّد من غير عكس فمع ايجاد المقيّد يحصل القطع بامتثال كلا الامرين بخلافه مع الاكتفاء بايجاد المطلق فلا يحصل العلم بامتثال شي‏ء منهما بعد إمكان كون المراد من المطلق واقعا حصة خاصة منه (و فيه) ما أشرنا إليه فى طىّ بيان المختار من أنّ مجرد إمكان امتثال المطلق خارجا فى ضمن المقيد لا يكشف عن كون المراد منه واقعا فى عالم الثبوت هو المقيّد و لا يوجب ظهور اللفظ في ذلك دلالة فى عالم الإثبات، بل لا بدّ من إحراز النظر الحكومى للمقيّد بالنسبة إلى المطلق و بدونه لا موجب للحمل أصلا.

و يظهر من تقريرات الشيخ الأعظم (قده) وجه آخر لحمل المطلق على المقيّد فى المثبتين (حاصله) أنّه يمكن الجمع بينهما عرفا بذلك و دعوى عدم انحصار وجه الجمع فى الجمل ضرورة إمكان الجمع بينهما بحمل الأمر فى المقيّد على أحد فردي الوجوب التخييري أو على الاستحباب مدفوعة، بأنّه لا معنى للتخيير بين الكلى و الفرد شرعا بعد تخيير المكلف عقلا بين جميع أفراد الكلى الواقع فى حيّز الأمر، أمّا الاستحباب فيستلزم التصرف في ظاهر هيئة الأمر بخلاف حمل المطلق على المقيّد فهو تصرف فى وجه من وجوه المعنى أى الأصل المقامى عند تطبيق معنى المطلق على المراد الّذى يقتضى الإطلاق فهو أولى من حمل الأمر بالمقيّد على الاستحباب‏

410

(و ناقش) فيه صاحب الكفاية (قده) بما حاصله أنّ تقييد المطلق و حمله على المقيّد أيضا تصرف فى المطلق بصرفه عن ظاهره المستند إلى مقدمات الحكمة فى كون الإطلاق مرادا جدّيّا و حمله على المراد الاستعمالي حيث عرفت أنّ القيد يكشف عن هذا الا عن عدم ورود المطلق فى مقام البيان، و كما أنّ التّصرّف فى ظاهر الأمر بالحمل علي الاستحباب لا يوجب التجوّز لانّه يصير من أفضل أفراد الواجب و لا يصير مستحبّا بعد وجود ملاك الوجوب فى المطلق كذلك التّصرّف في ظاهر المطلق بالحمل على المراد الاستعمالى دون الجدّى لا يوجب التجوّز فلا مرجّح لأحد نحوى التّصرّف على الآخر، نعم إنّما يمكن حمل المطلق علي المقيّد مع إحراز ورود المطلق فى مقام البيان بسبب الأصل إذ رفع اليد عن هذا الأصل أولى من التّصرّف فى ظاهر الأمر بالمقيّد بالحمل علي الاستحباب فافهم (لكنّك) بعد الخبر بما قدّمناه تعرف ما فى كلا التقريبين أمّا تقريب الشيخ الأعظم (قده) فلما عرفت من أنّ حمل المطلق على المقيّد فى المثبتين موقوف على إحراز وحدة التكليف من نفس الدليل أو من الخارج بتفصيل تقدّم، و أمّا تقريب صاحب الكفاية (قده) فلما عرفت من عدم صحّة التفكيك بين مرادى الجدّى و الاستعمالى و أنّ إحراز الإطلاق أبدا يكون بالاصل المقامى، فلو فرض كون رفع اليد عن هذا الأصل أولى من حمل الأمر بالمقيّد على الاستحباب لوجب حمل المطلق على المقيّد مطلقا لكن الأولوية مطلقا غير ثابتة، و لعلّ إلى بعض ما ذكرنا أشار بالامر بالتّأمل.

و حاصل ما يظهر من كلمات القوم فى وجه حمل المطلق على المقيّد فى المثبتين أنّ عدم الحمل يستلزم أحد أمور على سبيل منع الخلوّ و كلّها خلاف الظاهر فلا محيص عن الحمل (إمّا) التّصرّف فى ظاهر الأمر بالمقيّد فى الوجوب بالحمل علي الاستحباب (و إمّا) التّصرّف فى ظاهره فى وحدة المطلوب بالحمل علي تعداد مراتب المطلوب بمعنى أنّ القيد مطلوب إلزامى فى ضمن المطلق علاوة عن مطلوبية المطلق إلزاما و هذا خلاف ظاهر الأمر فلا يصار إليه إلّا بدليل (و إمّا) التّصرّف فى ظاهره بالحمل على تعدد المطلوب بمعنى أنّ الطبيعة بما هى مطلوبة و حصّتها الخاصّة أعنى مجموع القيد و المقيّد مطلوب آخر و هذا مع كونه خلاف ظاهر الأمر بالمقيّد فى وحدة المطلوب‏

411

يستلزم اجتماع طلبين إلزاميّين بالنسبة إلى الصّرف الموجود في ضمن المقيد إذ المطلق بدلىّ هو السّعى القابل للانطباق علي كل فرد فيتحقق بوجود فرد واحد و هو محال لاستلزامه اجتماع المثلين و هذا بخلاف المستحبات إذ لا إلزام فيها بل قوامها بالرّخصة فى التّرك فلا تنافى بينهما فيمكن الحمل على مراتب الفضل، و قد قرّر ذلك صاحب الكفاية (قده) من باب تفاوت الأفراد بحسب مراتب المحبوبيّة أو من باب التسامح فى أدلة السنن و قرّره بعض المحققين (قده) فى تعليقة الكفاية بأنّ تعدّد مراتب الملاك ممكن فى المستحبات دون الواجبات بمعنى أنّه لا محذور فى المستحبّ الملاكى بأن يكون كل واحد من المطلق و المقيّد مستحبّا بالاستقلال و يكون استحباب المطلق فى طول المقيّد لانّ قوام المستحب بالاذن في التّرك فلا موجب لحمل المطلق على المقيّد فى المستحبات بل نأخذ بظاهر الدّليلين فى تعدّد المطلوب و هذا بخلاف الواجبات لانّ الواجب الملاكى غير معقول بأن يكون المطلق في طول المقيّد موضوعا للالزام إذ مع وجود الإلزام للمقيّد الّذى هو المرتبة العليا من الطبيعة لا يمكن الإلزام نحو المطلق الّذى هو المرتبة الدنيا منها، لانّ مرجع الإلزام نحو المطلق المجرّد عن القيد إلى عدم إلزام نحو المشتمل على القيد فمع فرض وجود الإلزام نحوه لا معنى للالزام نحو المطلق، فلا بدّ من حمل المطلق على المقيّد في الواجبات دون المستحبات، و جملة القول أنّه لا موجب لرفع اليد عن ظهور الأمر بالمقيّد في الوجوب العينى التعيينى فلا بد من جعله للارشاد إلى تقييد المطلق.

و لكن لا يصلح شي‏ء مما ذكر دليلا على الحمل إذ عمدته لزوم اجتماع مثلين فى محلّ واحد لاجل تعلّق بعثين بواسطة المطلق و المقيّد بالصّرف الموجود فى ضمن المقيّد و هذا لا محذور فيه لانّ استحالة اجتماع المثلين إنّما هو فى الخارجيات، أمّا الاعتباريّات كالبعث و الزّجر و سائر الأحكام الشرعيّة و غيرها من الأمور الاعتباريّة فاجتماع جملة منها فى محلّ واحد غير مستحيل لانّها بيد المعتبر، نعم لا بد من مصحّح للاعتبار حفظا لاتّساق الاعتبارات و يكفى مصحّحا لاعتبار بعثين فى الصّرف فى المقام ما أشرنا إليه سابقا من أنّ الغرض المتعلق بالقيد لا يمكن استيفاؤه بالاستقلال إذ لا يمكن ايجاده مستقلّا فى الخارج بل لا بدّ من ايجاده فى ضمن المقيّد أي الصّرف،

412

فلذلك يتعلق البعث بمجموع القيد و المقيّد مستقلّا قبال تعلّقه بالصّرف أى المطلق، كما يكفى مصحّحا لذلك الاعتبار تأكّد الطلب الذي يوجب تأكّد داعى المكلف نحو الفعل كما هو الشأن في كليّة موارد العمومات من وجه المتصادقة قهرا فى مورد نظير أكرم العالم و أكرم العادل و أكرم الهاشميّ فيمن اجتمع فيه العناوين بالطبع كالعالم العادل الهاشمي، فهل يجوز لاحد أن يتفوّه بعدم صحة ذلك و أنّه يستلزم اجتماع الأمثال فى محلّ واحد كلّا!، أم هل يكون هناك مصحّح لاعتبار أزيد من بعث واحد فى إكرام مجمع تلك العناوين عدا التأكّد حاشا!، أمّا تصحيح حمل المطلق على المقيّد فى المستحبات من باب التسامح كما تقدّم من الكفاية فيدفعه أنّ التسامح إنّما هو في السند دون الدّلالة فمع فرض نظر المقيّد إلى المطلق فى عالم الدّلالة و كشفه عن كونه المستحب لا معنى لكشف استحباب المطلق من التّسامح، و أمّا عدم تعقّل الواجب الملاكى كما تقدّم من بعض المحققين (قده) فيدفعه أنّ الملاك الوحدانى يمكن أن تكون له مراتب متعددة فى الاشتداد و يكون ذلك الملاك في كل واحدة من تلك المراتب إلزاميّا فيتحقق تعدد مراتب المطلوبية علي نحو الإلزام فى طبيعة واحدة و كلّ مرتبة تختص بحال، كما في الصلاة ضرورة اشتداد ملاكها الوحدانى الإلزامي بحسب مراتبها التنزّليّة بلحاظ حالات المكلف من صلاة المختار إلى صلاة الغرقي و المهدوم عليهم فكلّ مرتبة واحدة للملاك الإلزامي علي اختلاف امتداده الاشتدادى حتى تصل إلى المرتبة العليا الواجدة لتمام مراتب ذلك الملاك أى المشتدّ غاية الاشتداد كصلاة المختار، و لذا تقول بحكومة لا تعاد على أدلّة الأجزاء و الشرائط حكومة تعميميّة توجب تعدد مرتبة الطبيعة الصلاتيّة، كما أنّ ذلك لسان بعض أدلة الأعذار من تطبيق: قد أتممت: على مورد تحقق الركوع و السجود إذ ظاهره تحقق حقيقة الصلاة بتحقق الركوع و السّجود، فلو لا الإجماع فى المسألة الفقهية لقلنا بمقتضى القاعدة الأصولية بتحقق الصلاة و صحتها مع تحقق الركوع و السجود لغير المعذور، فلا فرق بين الواجبات مع المستحبات من جهة إمكان اشتداد ملاك وحدانى و كون تعدّد مراتبه المختلفة بالشّدّة سبب تعدد مراتب المطلوبية فى طبيعة واحدة، فلا موجب للحمل ما لم يحرز من الخارج أو من نفس الدليل وحدة التكليف و كون الأمر

413

بالمقيد إرشادا إلى تقييد المطلق.

ثم اعلم أنّ استفادة الاستيعاب أو البدليّة من أدلة الوضع و التحريم و أدلة الواجبات ليست مستندة إلى الحكمة بالمعنى المصطلح منها بل الاستيعاب فى الوضع إنما يستفاد من كون دليل الإمضاء ناظرا و لو بنحو القضية الحقيقية إلى الموضوعات بلحاظ وجودها أى فى طول وجودها، و هي التى عبّرنا عنها سابقا بالطبائع الوجوديّة و حيث أنّ الطبيعي سعىّ فالامضاء لاحق به بسعته، و أمّا في النهي فحيث أنّه ناظر إلى الرّدع عن الوجود و معلوم أنّ كل فرد يكون طاردا للعدم و المفروض أنّ الشارع بنهيه جعل الرادع التّشريعي عن الوجود فلا بدّ عقلا من الاستيعاب (و بالجملة) فالاستيعاب في النّهى مستفاد بالاستلزام العقلي و في الوضع مستفاد من الملازمة العقلية بين إمضاء الطبيعي مع كون الممضى هو الأفراد بأجمعها بمعنى أنّ الاستيعاب لازم للطبيعى الممضى، أمّا البدليّة في الأوامر فتستفاد ببركة العقل القاضى باستحالة كون جميع الأفراد مبعوثا إليها علي مسلك القوم من كون مفاد الأوامر الصّرف بالاصطلاح المتأخر، أمّا على مسلكنا من عدم كون مفادها الصّرف بذاك الاصطلاح فالبدليّة تستفاد من الملازمة العقلية بين كون المبعوث إليه الطبيعي بلحاظ إيجاده الخارجى و بين تحقق الطبيعي بفرد ما، فتدبّر تعرف.

[فصل فى المجمل و المبيّن‏]

فصل، فى المجمل و المبيّن، و فيه جهات ثلاثة للبحث (الأولى) فى تعريفهما و قد وقع الخلاف في ذلك بين الأصوليين فعرّفهما الشيخ الأعظم (قده) على ما في التقريرات بأنّ المجمل هو ما لم يتضح دلالته فكأنّه مجمع الاحتمالات و المبيّن بخلافة، و عرّفهما صاحب الكفاية (قده) بأنّ المبيّن حسب ما يظهر من موارد إطلاقه هو الكلام الذي له ظاهر و يكون قالبا لمعنى خاص حسب متفاهم العرف و المجمل بخلافه، و منشأ هذا الخلاف أنّ ما ليس له ظهور مجمل لدى صاحب الكفاية (قده) و إن علم المراد منه بقرينة خارجيّة و ما له ظهور مبيّن لديه و إن علم بقرينة خارجيّة أنّ ظاهره غير مراد بل مأوّل بخلافهما لدى الشيخ الأعظم (قده) فالاول مبيّن و الثانى مجمل (الثانية) في أمثلتهما و قد وقع التشاجر بينهم في ذلك فعدّ بعضهم بعض الأمثلة مثالا للمجمل و بعضهم للمبيّن و منشأ هذا الخلاف لحاظ بعض المناسبات و القرائن الرافعة للاجمال و المعيّنة للمصبّ و عدم لحاظها.

414

(الثالثة) فى بيان الثمرة لهذا المبحث و حيث أنّ الثمرة مفقودة إذ المدار في الانفهامات علي الظّهور الفعلي من أى سبب حصل فصرف الوقت في تحقيق الجهتين الأوليين و بيان ما هو ألحق من التعريفين و ما هو مثال للمجمل و المبين و لا سيّما بعد ذكر الأمثلة فى المطولات غير لازم، و الحمد للّه و سلام على عباده الذين اصطفى محمّد و آله سادات الورى تم التقرير بقلم بعض فضلاء أصفهان.