أضواء وآراء؛ تعليقات على كتابنا بحوث في علم الأصول‏ - ج1

- السيد محمود الهاشمي الشاهرودي المزيد...
694 /
457

نعم، يرد عندئذٍ انّ مثل هذا التحريم لا يمكنه أن يصل إليه إلّا و يمتنع عليه متعلقه و هذا اشكال آخر سيأتي التعليق عليه.

أقول: مضافاً إلى ذلك لا مانع من اجتماع حرمتين في الفعل المأتي به مع قصد الأمر التشريعي لاجتماع حيثيتين محرمتين فيه فيكون فيه حرمتان فعليتان احداهما حرمة التشريع و الآخر كونه عبادة أي ذاك الفعل مع قصد الأمر نظير حرمة شرب الماء المغصوب و النجس و النسبة بينهما عموم من وجه في المقام أيضاً كما اتّضح، فلا وجه للاندكاك.

و ثالثاً: يمكن افتراض تعلّق النهي التحريمي بالعبادة بما هي عبادة بحيث لا يكون ذات الفعل محرماً و يكون ارتفاع الأمر و عدم امكان التقريب من جهة هذه الحرمة الذاتية للعبادة الفعلية.

و ما يقال من امتناع ذلك للزوم اجتماع الضدين أو سائر الوجوه المتقدمة ممنوع بمعنى انّه لا اجتماع للضدين لا بلحاظ مبادئ النهي و الحرمة و هي المبغوضية الذاتية للعبادة بما هي عبادة و لا بلحاظ المنتهى و مرحلة الامتثال لأنّ العبادية لا تتوقف على ثبوت واقع الأمر ليلزم تعلّق المبغوضية بالمحبوب، بل تتوقف على أن يعتقد أو يحتمل المكلّف الأمر لكي يتأتى منه الانقياد و قصد القربة و لو لم يكن أمر واقعاً.

نعم، لو كان النهي و البغض متعلقاً بالعبادة بمعنى الفعل مع قصد أمره الواقعي لزم التناقض بناءً على الامتناع، و لكنّ العبادية ليست متوقفة على ذلك كما لا تضاد بلحاظ المنتهى و مقام العمل و الامتثال كما لعله ظاهر كلام الميرزا حيث قال في الوجه المتقدم لزوم اجتماع المقربية و المبعدية فإنّ المقرب إنّما هو الفعل الذي يأتي به المكلّف بقصد الأمر الرجائي أو القطعي، حيث لا يعلم بالنهي‏

458

المولوي و لم يصل إليه، و ليس العمل عندئذٍ إلّا مقرباً و إن كان مبغوضاً، نظير من قتل ابن المولى بتصور انّه صديقه فإنّه انقياد و حسن و ليس المقصود بالقرب إلّا ذلك لا الانبساط النفساني للمولى، كما انّه بعد وصول النهي المولوي لا يكون الاتيان بالعمل إلّا مبعداً فلم يلزم اجتماع المبعدية و المقربية في فعل واحد، و هذا واضح. و بناءً عليه فيعقل أن تكون العبادة الفعلية مبغوضةً للمولى- كما إذا فرض انها كانت تشبهاً ببعض مخالفي المولى و أعدائه أو لأي سبب آخر أوجب بغض المولى لتعبد المكلف بذاك الفعل لا بغضه لذات الفعل من دون تعبد، فإنّه لا إشكال وجداناً في معقولية ذلك غاية الأمر هذا البغض لو وصل إلى المكلّف امتنع عليه متعلقه، و ليس منه قصد التشريع كما توهمه صاحب الكفاية لما تقدم من انّ التشريع ليس فيه تعبد و اضافة للمولى.

إلّا أنّ هذا ليس محذوراً ثبوتياً منافياً مع روح التحريم و حقيقته و إنّما هو مخالف لظاهر خطاب التحريم في المحركية و الزاجرية حيث لا يعقل ذلك عندئذٍ بل يكون الممنوع شرعاً ممتنعاً تكويناً في طول النهي و المبغوضية المولوية فيكون النهي اخباراً عن المبغوضية المولوية و إن كانت نتيجته عجز المكلف عن تحقيقه إذا كان النهي المذكور واصلًا إليه، أي إذا علم بهذه المبغوضية. فلا يلزم اجتماع الضدين لا الأمر و النهي و لا المبعدية و المقربية.

كما انّه لا محذور في عدم محركية النهي إلّا اثباتاً لا ثبوتاً، و امّا ما ذكر من انّ الانقياد و الطاعة حسن ذاتاً و عقلًا فجوابه واضح، و هو انّه بعد وصول البغض المولوي المذكور يرتفع موضوع التعبد و الانقياد الحسن عقلًا و هو الأمر الذي كان يتوهمه المكلف، و قبل وصوله يكون حسناً و لكنه مبغوض و لا محذور فيه، نظير من انقاد للمولى فقتل صديقه بتصور انّه عدوّه، لامكان اجتماع حسن‏

459

الانقياد مع الحرمة و المبغوضية الواقعية من جهة أغراض المولى و منافعه.

فالاعتراضات المذكورة بتمامها مندفعة، و اللَّه العالم.

و أمّا ما ذكره صاحب الكفاية و تابعه عليه بعض آخر من امكان تعلّق النهي التحريمي بالعبادة الذاتية كالسجود للَّه فهذا لا يجدي في حلّ الاشكال، لأنّ ما هو عبادة ذاتاً بمجرد تعلّق النهي به و وصوله للمكلف يخرج عن كونه عبادة حقيقة أي مقرّباً للمولى و إن سمّي باسم العبادة أو السجود لغة، فإنّ البحث ليس لفظياً و عن الأسماء بل عن واقع العبادة الفعلية التي لا تكون إلّا بالانقياد و التقرّب، و هذا ممتنع مع تعلّق الحرمة بالسجود، كما هو واضح.

ثمّ إنّ هنا بحثاً آخر حذفه السيد الشهيد موجود في الكفاية و المحاضرات و غيره من كتب الاصول- في مقدمات بحث اقتضاء النهي للفساد- عنوانه ما يقتضيه الأصل في المسألة عند الشك.

و قد ذكر في الكفاية انّه لا أصل في المسألة الاصولية أي في الاقتضاء و عدمه عند الشك فيه، و امّا المسألة الفرعية أي صحّة العبادة أو المعاملة المشكوكة فالأصل العملي يقتضي الفساد لو لم يكن هناك إطلاق أو عموم يقتضي الصحة، و امّا العبادة فكذلك لعدم الأمر بها مع النهي عنها كما لا يخفى.

و تابعه في المحاضرات بتوضيح انّه لا أصل في المسألة الاصولية؛ لأنّ الملازمة على تقدير ثبوتها أزلية فليست لها حالة سابقة عدمية ليستصحب عدمها، و امّا المسألة الفرعية ففي العبادة الأصل الفساد لانتفاء الأمر بتعلّق النهي و عدم امكان اثبات الملاك، فالأصل يقتضي الاشتغال.

و الواقع انّ هنا اشكالًا في هذه المنهجة أساساً، إذ الأصل في المسألة

460

الاصولية لا ينبغي أن يراد به عنوان الملازمة أو الاقتضاء كيف و لو كانت للملازمة حالة سابقة عدمية أيضاً لم يكن يجري استصحابه؛ لأنّه لا يثبت اللازم و الحكم الشرعي إلّا بنحو الأصل المثبت، و إنّما المراد بالملازمة نكتة و برهان الاقتضاء فلا بدّ من أن يراد من الشك في المسألة الاصولية الشك في صحة البرهان الرابع أو السابع أي الشك في انّ تعلّق النهي هل يوجب ارتفاع الأمر أم لا أي الشك في امتناع اجتماع الأمر مع النهي و عدمه أو الشك في منافاة النهي مع قصد القربة المعتبرة في العبادة.

و من الواضح انّ هذا الشك شك في المسألة الاصولية الكلية و نكتتها العامة، و ليس شكاً في مورد عبادة أو معاملة معينة نظير الشك في امكان جعل الحجّية و الحكم الظاهري و عدمه، فلا وجه لما قاله الكفاية و تبعه الآخرون من افتراض عدم امكان اجتماع الأمر مع النهي، و بالتالي عدم احراز الملاك و انّ الأصل في المسألة الفقهية فساد العبادة، فإنّ هذا بنفسه أحد أدلّة و براهين الاقتضاء كما ذكره السيد الشهيد في البرهان الرابع قبل تعديله.

و على هذا نقول: انّه إذا كان الشك في اقتضاء النهي للفساد في العبادة فإن رجع إلى الشك في امتناع اجتماع الأمر و النهي كان مقتضى الأصل عدم الامتناع، أي بقاء إطلاق الأمر و شموله للفرد المحرم أيضاً و بالتالي الاجتزاء به رغم حرمته و تعلّق النهي به.

و إن كان مرجعه إلى الشك في امكان التقرب مع فرض جواز الاجتماع فهذا مرجعه بالنحو المعقول للشك إلى الشك في اشتراط ذلك المعنى من قصد القربة المتقدم في البرهان السابع أي القربة الخالصة عن داع شيطاني معه، و هذا أيضاً يكون مقتضى الأصل اللفظي و العملي فيه الصحة؛ امّا اللفظي فبالتمسك باطلاق‏

461

دليل الأمر بعد أن كان مقيدة بقصد القربة مجملًا لا يقتضي أكثر من شرطية أصل وجود قصد النهي سواء كان في مورده قصد شيطاني أم لا.

و امّا العملي فبالبراءة عن شرطية أو جزئية القصد المذكور.

و أوضح من العبادة حال المعاملة حيث انّ الشك في اقتضاء الحرمة لفساد المعاملة معناه الشك في كون دليل الحرمة مقيداً لدليل الصحة و عدمه و الأصل فيه هو الصحة و بقاء دليل الصحة على عمومه.

فالحاصل‏ المسألة الاصولية هي استلزام النهي لارتفاع الأمر العبادي أو امكان التقرب في العبادة و استلزامه لارتفاع الصحة في المعاملة، و هذا إذا فرض مفروغاً عنه في أي منهما فهو عين ثبوت الملازمة و الاقتضاء للفساد بأحد البراهين و الوجوه فيه، فلا معنى لفرض الشك و ان فرض الشك فيه فلا معنى لافتراض ارتفاع الأمر في العبادة، بل معناه الشك في ارتفاعه و تقييد الأمر العبادي أو الصحة و الامضاء المعاملي بغير الفرد المحرم، و الأصل فيه يقتضي عدم التقيد و هذا هو مقتضى الأصل في نفس المسألة الاصولية عند الشك فيها، نظير ما يقال في بحث امكان جعل الحكم الظاهري انّه لو شك في امكانه و استحالته فالأصل امكانه.

ص 131 قوله: (هذا تمام الكلام في الجهة الثانية...).

أقول: كان المناسب ذكر الوجه الذي ذكره صاحب الكفاية و قبله من دلالة النهي التكليفي في المعاملة بمعنى المسبب على الصحة تبعاً لما نسب إلى الشيباني و أبي حنيفة، فإنّ المعاملة لو كانت اسماً للمسبب الشرعي لا الاعتبار الشخصي أو العقلائي- فإنّ الأوّل جزء من السبب كما ذكرناه في بحث الصحيح‏

462

و الأعم و الثاني أجنبي عن غرض الشارع أصلًا، و لا وجه أيضاً لحمل اللفظ و أسامي المعاملات عليه- فالنتيجة ظهور النهي عنها في صحتها باعتبار ظهور النهي المولوي في مقدورية متعلقه حيث لا محذور عقلي فيه- كما في النهي عن العبادة بما هي عبادة- فالصحيح ما عليه صاحب الكفاية.

و امّا ما في المحاضرات من انكار معقولية النهي عن المسبب الشرعي فقد عرفت جوابه في الكتاب هنا، و في بحث الصحيح و الأعم و في تضاعيف كلماته اشكالات اخرى، فراجع و تأمل.

ص 131 قوله: (و امّا الجهة الثالثة...).

ما ذكر في هذه الجهة إن اريد به مثل: (يحرم ثمن الميتة) بمعنى يحرم التصرف فيه مثلًا، فدلالته على الفساد من باب كونه ارشاداً إلى عدم حصول الملكية و الانتقال، حيث انّ لازم الانتقال و الملكية جواز التصرف في الملك، فبيّن عدم الملزوم بنفي لازمه، أي انّه اخبار عن ثبوت الحرمة بملاك حرمة التصرف في مال الغير و ليس انشاءً لحرمة اخرى. و إن اريد ما إذا انشئت حرمة اخرى على التصرّف في الثمن أو المثمن غير حرمة التصرف في مال الغير فدلالته على الفساد حتى إذا كانت حرمة جميع التصرفات ممنوعة لامكان اجتماعها مع الانتقال كما إذا كان ناذراً أن لا يتصرف في الثمن مثلًا، فإنّ هذا لا يلزم منه ارتفاع الملكية؛ لأنّ الملكية كحكم وضعي و إن كانت مجعولة أو منتزعة بلحاظ الآثار التكليفية المترقبة في المورد و لكنه إنّما تكون بلحاظ الآثار التكليفية بعنوانها الأولي، فلا يقدح ثبوت الحرمة في كل التصرفات بعنوان آخر. فالأولى حذف هذه الجهة رأساً.

463

المفاهيم‏

ص 141 الهامش...

يمكن الجواب على الاشكالات المذكورة بأنّ الخصوصية المقتضية للمفهوم أي للمدلول الالتزامي لا بد و أن تكون خصوصية لفظية أي يكون في الكلام ما يدلّ عليها زائداً على أصل أطرافها الأصلية من الموضوع و المحمول سواء كانت الخصوصية راجعة إلى الهيئة و المعنى الحرفي كالشرطية و الوصفية و الغائية و الاستثنائية أو إلى معنى اسمي كالعدد و سواء كانت الخصوصية عامة أو خاصة بمادة معينة كما في مفهوم الموافقة. و لعلّ هذا مقصود المحقق الاصفهاني بل و الخراساني.

فالحاصل المفهوم في المصطلح الاصولي ما إذا كانت نكتة الملازمة و منشؤها مبيناً و مذكوراً في اللفظ سواء بنحو المعنى الاسمي أو الحرفي، و هذه غير نفس الملازمة ليقال انّه صار منطوقاً، و أيضاً غير الملازمة العقلية التي لا يكون المذكور منها في اللفظ إلّا الملزوم كما في عكس النقيض أو وجوب المقدمة و حرمة الضد. و هذه النقطة كأنّها المقصودة في كافة الكلمات و إن كانت عبارة كل واحد من الأعلام تختلف عن عبارة الآخر و بيانه.

ص 142 الهامش...

ما في هذا الهامش و إن كان صحيحاً على ما سيأتي من التعليقات على الكتاب، إلّا أنّ موضعه ليس هنا؛ إذ المقصود في هذه النقطة ليس بأكثر من‏

464

انّ اقتناص المفهوم لا يتوقف من حيث ركنه الأوّل على أكثر من اثبات الارتباط و الالتصاق بين الجزاء و الشرط لا اللزوم، فضلًا عن العلية و الانحصارية، و هذا صحيح كما سيأتي في المتن أيضاً عند بيان طرق اقتناص المفهوم في الاستنتاج الأخير في هذه الجهة.

ص 148 قوله: (اقتناص المفهوم يمكن أن يكون أحد امور ثلاثة...).

إثبات المفهوم بأحد الطرق الثلاثة متوقفة في المرتبة السابقة على الإشارة إلى نكتة هي الفذلكة الأساسية للفرق بين الجملة الشرطية و الجملة الوصفية أو اللقبية حيث أمكن استفادة المفهوم من الاولى بخلاف الثانية بحيث لو لم تتم تلك النكتة لا يمكن إجراء شي‏ء من الضوابط و الطرق الثلاثة المذكورة و تلك النكتة هي: أن يكون الحكم تاماً محمولًا و موضوعاً بقطع النظر عن القيد و الشرط، و امّا إذا كان القيد ملحوظاً في طرف موضوع الحكم في المرتبة السابقة و قبل عروض الحكم و انّه يعرض على الموضوع المقيد بالوصف أو اللقب فلا مجال لشي‏ء من هذه الطرق الثلاثة فيه.

و الحاصل إبراز هذه النكتة ضروري عند البحث عن ضابط المفهوم و ملاكاته.

ص 148 قوله: (و الكلام في ذلك يقع ضمن نقاط ثلاثة...).

النقطة الاولى و التي هي في تحقيق مفاد الجملة الشرطية ذكرت، و الثالثة التي هي في اثبات اللزوم و العلية الانحصارية على مستوى المدلول التصوري أو التصديقي أيضاً ذكرت تحت عنوان (النقطة الثانية ص 163)، إلّا أنّ النقطة الثانية و هي البحث عن اثبات انّ المعلّق سنخ الحكم و طبيعيّه لم تذكر، و كأنّه اكتفي في ذلك بما تقدّم في بحث ضابطة المفهوم.

465

ص 152 قوله: (فلا بدّ من حلّ آخر...).

هذا الحلّ خلاف المدلول التصوّري للجملة الشرطية، و يتوقف على وجود مدلول تصديقي للكلام و صدوره من متكلّم عاقل ملتفت قاصد، مع أنّ المعنى المذكور مستفاد من الجملة حتى إذا سمع من جدار بلا تكلّف و عناية و حاجة إلى فرض وجود مدلول تصديقي، كما أنّ هذا الاشكال لا يختصّ بجملة الاستفهام المعلّق على الشرط، بل يجري في سائر أنحاء الانشاء المعلّق على الشرط، و منها الأوامر و النواهي، أي الأحكام المعلّقة على شرط، فهذا الحلّ لا يمكن المساعدة عليه.

و قد يقال‏: بأنّ الاستفهام المعلّق على تقدير الشرط يكشف عن جهل المتكلم على تقدير الشرط، و هو يلازم جهله الآن أيضاً فيكون منتظراً للجواب و بحاجة إليه لا محالة من الآن، و هذا توجيه آخر غير ما ذكر الاستاذ في الكتاب.

و لكنه أيضاً فيه عناية و مئونة حيث يلزم أن لا يكون الجواب الآن مطلوباً بالذات بل بالملازمة، و قد لا يريده في مورد من الموارد مع انّ كل ذلك خلاف الوجدان.

و قد يقال بأنّه على تفسير المحقق الاصفهاني يكون الانشاء في كلّ من الجزاء الطلبي و الاستفهامي فعلياً لأنّه منوط بنفس الفرض و التقدير و هو فعلي و لكنه في الجزاء الطلبي حيث يوجد زائداً على الانشاء و الجعل الوجوب المجعول فيعقل أن يكون منوطاً بتحقق واقع الشرط، و هذا بخلاف الجزاء الاستفهامي فإنّه لا يعقل فيه جعل و مجعول بل ليس الاستفهام إلّا الانشاء الكاشف عن حقيقة الاستفهام فلا يكون هناك ما يترتب على تحقق الشرط خارجاً. و هذا بخلاف‏

466

مبنى المشهور فإنّه بناءً عليه لا بد من تعليق في الجملة فإذا لم يكن تعليق في مورد الاستفهام كان ذلك دليلًا على صحّة ما ذهب إليه المحقق الاصفهاني.

و فيه: أوّلًا- كما يوجد في انشاء الطلب انشاء و هو فعلي و طلب وجوبي و هو معلق كذلك يكون في انشاء الاستفهام انشاء و هو فعلي يتحقق بنفس الشرطية و منشأ و هو طلب الافهام أو الانفهام و هو معلق على الشرط خارجاً فيكون الاستفهام المنشأ تعليقياً أيضاً.

و الحاصل إذا لوحظ الجعل و المجعول بمعنى الانشاء و المنشأ بما هما أمران اعتباريان فهذا معقول في الاستفهام أيضاً كما هو معقول في الطلب و إذا لوحظ الأمر التصديقي الموجود في نفس المتكلم من حالة الطلب و الاستفهام فهي على حد واحد في الجملتين أيضاً.

و ثانياً- لو فرض انّ نفس فرض الشرط من أجل انشاء الاستفهام أو الطلب في الجزاء و كلاهما يكون فعلياً فمن أين يستفاد إذاً اناطة الجزاء و هو الطلب المجعول بتحقق الشرط خارجاً أو كونه ثابتاً في فرض تحققه خارجاً إذ لا دالّ عليه غير أداة الشرط و هي إذا كانت ملحوظة بما هي فرض و تقدير فعلي لا بما هو مرآة للمجي‏ء الخارجي فلا وجه لاستفادة تحقق الطلب على تقدير و في فرض تحقق المجي‏ء الخارجي الحقيقي و إذا كانت ملحوظة بما هي مرآة للمجى‏ء الخارجي لزم كون الاستفهام غير فعلي لا محالة و استفادة الأمرين منها معاً غير معقول فالمشكلة باقية حتى على مبنى الاصفهاني (قدس سره).

و الصحيح‏: انّ هذه المشكلة محلولة بناءً على مبنى الاصفهاني (قدس سره)، أي إذا قلنا بأنّ المدلول التصديقي يكون بإزاء جملة الجزاء الانشائية و المتكلم ينشئ‏

467

بالفعل الطلب أو الاستفهام أو الترجي أو غير ذلك، غاية الأمر ينشئ طلباً مشروطاً و استفهاماً مشروطاً لا مطلقاً مع فعلية الانشاء الذي هو المدلول التصديقي؛ إذ يكون المدلول التصديقي لكل من الجملة الطلبية و الاستفهامية كاملًا و منتهياً فيكون بحاجة إلى الجواب في الاستفهام لا محالة؛ إذ لا يكون هناك تعليق في المدلول التصديقي الذي هو الاستفهام الحقيقي، و ليس ذلك مخالفاً مع المدلول التصوري للشرطية بناءً على تفسير المحقّق الأصفهاني (قدس سره)، إذ ليست الشرطية دالّة على التعليق أو التوقف، و إنّما تدلّ على تقييد النسبة الاخبارية أو الانشائية في جملة الجزاء بفرض و تقدير تحقق الشرط و النسبة التامة على مستوى المدلول التصوري و التصديقي معاً بإزاء جملة الجزاء، فيكون الاستفهام و السؤال فعلياً و المسئول عنه هو تحقّق الجزاء على تقدير تحقق الشرط كما هو واضح.

و ما ذكر من انّ هذا لا يجري في مثل (إذا جاء زيد فكيف حالك) غير صحيح، فإنّ الجزاء هنا أيضاً جملة و يكون السؤال عن كيفية حاله على تقدير الشرط فعلياً.

و كذلك يمكن حلّ المشكلة بناءً على تفسير المشهور، فإنّ المشهور لم يدّعوا أنّ النسبة التامة و المدلول التصديقي لا تكون بإزاء جملة الجزاء ليقال بأنّ الانشاء لمدلول الجزاء ليس فعلياً، بل يكون معلّقاً و إنّما غاية ما ذكروه دعوى دلالة الشرطية على نسبة اخرى بين الجزاء و الشرط، و هي نسبة اللزوم أو التوقف و التعليق و الترتّب، و سوف يأتي أنّ هذا المقدار كافٍ لاقتناص المفهوم من الشرطية، فيكون انشاء الجزاء- سواء الاستفهام أو الطلب أو غيرهما- فعلياً إلّا أنّ المنشأ ملتصق أو معلّق على الشرط، و ليس مطلقاً، فلا يمكن جعل ما ذكر

468

من الأمثلة دليلًا على بطلان تفسير المشهور و تعيّن مبنى المحقّق الأصفهاني (قدس سره).

و ما في هامش الكتاب هنا من الفرق بين جملة (هل ان جاء زيد تكرمه؟) و جملة (إن جاء زيد فهل تكرمه؟) غير صحيح؛ إذ لا فرق بين الجملتين، كما أنّ ما جاء فيه من الشاهد الثاني و الثالث لنصرة كلام الأصفهاني و الايراد على المشهور غير تام؛ لأنّ المشهور لا يدعون تفريغ الجزاء عن المدلول التصديقي الانشائي أو الاخباري، فلا يلزم خبرية الشرطية الانشائية، كما انّ ما في الشاهد الثالث من أنّ استفادة اللزوم أو التوقف بحاجة إلى دخول أدوات العموم فغير صحيح؛ إذ يكفي الإطلاق لاثبات ذلك كما تقدم في البحث عن الركن الثاني لضابطة المفهوم.

ص 153 قوله: (و الاحتمال الأوّل يناسب...).

المقصود أنّ جملة الشرط ليس مفادها حتى بعد دخول أداة الشرط مدلولًا افرادياً، بل مدلول اخباري تام في نفسه؛ و لهذا يكون لها مدلول تصديقي، بمعنى انّه يصدق و يتحقق في الخارج، و يكون ذلك سبباً لتحقق الجزاء، بلا كلام عند أحد، و عندئذٍ يقال: إذا كان مفادها باقياً على النسبة التامة كما انّ الجزاء فيه نسبة تامة كذلك فلا بد من الارتباط بين مدلوليهما التامّين، و ليس ذلك إلّا اللزوم أو النسبة التصادقية أو التعليق و التوقف و نحو ذلك من النسب و الارتباطات المعقولة بين نسبتين تامتين في نفسيهما، و هذا هو مقالة المشهور.

و هذا المطلب غير تام كما اشير إليه في هامش الكتاب هنا، فإنّ الأصفهاني يقبل تمامية نسبة جملة الجزاء، و انّ الشرط ليس قيداً في طرف جملة الجزاء، بل هناك ربط بين النسبة التامة في نفسها لجملة الجزاء مع النسبة التامة في نفسها

469

لجملة الشرط، إلّا أنّ هذه النسبة ليست نسبة اللزوم و التوقّف أو التصادق بل نسبة الفرض و التقدير، فإنّها أيضاً نسبة ذهنية، بل سيأتي انّ المتعيّن هذا التحليل و التفسير للارتباط النسبي و المعنى الحرفي القائم بين الجملتين.

ثمّ إنّ عبارة المحقق الاصفهاني هكذا: (إنّ اسناد هذه المعاني إلى أداة الشرط غفلة عن ان شأنها جعل متلوّها واقعاً موقع الفرض و التقدير فقط، و قد ظهر حال الجملة بتمامها، فإنّ غاية مفادها ترتيب أمر على أمر مفروض الثبوت بلا دلالة على لزوم بينهما أو على ترتب بنحو العلية فضلًا عن المنحصرة) (1).

و من الواضح من هذه العبارة انها بصدد نفي استفادة اللزوم أو الترتب من مدلول أدوات الشرط الذي على أساسه استفيد المفهوم من الشرطية من بعض تقريباته، و ليس في مقام نفي أصل الترابط و النسبة بين جملة الجزاء و جملة الشرط؛ لوضوح انّ ترتيب شي‏ء على شي‏ء مفروض الثبوت يوجب ارتباطه به لا محالة، و إلّا لم يبق معنى للفرض و التقدير و كان لغواً و هذا واضح.

نعم، هذا يفتح باب البحث في نفسه عن انّ المدلول التصوري الوضعي لأداة الشرط هل هو الفرض و التقدير لاثبات الجزاء فيه أو انّ مدلوله نسبة معنية بين جملة الشرط و جملة الجزاء هي النسبة الالتصاقية أو التوقف أو التعليق أو الترتب أو التلازم في الصدق أو النسبة الايجادية- أي نسبة ارتباطية بينهما شئت فعبّر-.

و الذي يفهم من كلمات السيد الشهيد (قدس سره) أنّه ينسب إلى المشهور من المحققين‏

____________

(1) () نهاية الدراية ج 2، ص 413

470

الثاني، و منشأ هذا أنّهم عبروا بدلالة الشرطية على اللزوم بين الجزاء و الشرط، و من هنا وقع البحث بينهم في انّ هذا اللزوم هل يكون بنحو العلية الانحصارية أم لا؟ و إن أنكر بعضهم حتى الدلالة على اللزوم الثبوتي لصدق الشرطية حتى في القضايا الاتفاقية إذا كانت متكررة اتفاقاً. بل استدلّ السيد الشهيد في الدورة السابقة على نفي دلالتها على اللزوم بصدقها في الوقائع الماضية مع عدم معنى للزوم فيها كما في قولك: (ان كنت تأتينا بالأمس لكنت تأكل طعاماً شهياً عندنا) و ليس مقصود السيد الشهيد اثبات دلالة الشرطية على اللزوم لاثبات المفهوم.

و إنّما مقصوده اثبات المفهوم من نفس دلالة الجملة الشرطية على الالتصاق و الربط المخصوص بين جملتي الجزاء و الشرط، و لو لم يكن هو اللزوم و لكن شريطة أن يكون مفاد الشرطية و أدوات الشرط الالتصاق بين جملة الجزاء و جملة الشرط، و يعبّر عنه بالنسبة التصادقيّة و لو الاتفاقية بينهما، فإنّه يصحّ حينئذٍ اجراء الإطلاق في الجزاء لاثبات انّ طبيعيه- بمعنى صرف وجود الحكم- ملتصق بالشرط و صادق كلّما صدق الشرط- و هذا مجموع اطلاقين بحسب الحقيقة، إطلاق في الجزاء و إطلاق في النسبة التصادقية، و لازمهما انتفاء سنخ الحكم عند انتفاء الشرط؛ إذ لو كان يثبت الحكم في غير فرض الشرط فهذا امّا يكون من جهة انّ المرتبط شخص الحكم كالحكم في الجملة الوصفية أو ان ارتباط سنخ الحكم مقيّد بغير ذلك الفرض فلا بدّ من تقييد أحد الاطلاقين لا محالة.

و هكذا يمكننا أن نستخلص انّ اقتناص المفهوم تارة يكون من جهة استفادة اللزوم العلّي الانحصاري للشرط، سواء كان ذلك على أساس دعوى دلالة الأداة على ذلك أو على أساس تقريبات اخرى اطلاقية- أي بلحاظ المدلول التصديقي‏

471

بحسب تعبير السيد الشهيد (قدس سره)- و اخرى يكون على أساس دعوى دلالة الجملة الشرطية على الارتباط بين مفاد الجزاء و الشرط أي الالتصاق و التوقف بينهما في مقام الصدق و لو لم يكن في البين علية بل و لا لزوم ثبوتي و هذا المقدار وحده يكفي في اثبات المفهوم باجراء الإطلاق في كل من مفاد الجزاء و مدلول الشرطية. و هذا ما يسلكه السيد الشهيد (قدس سره).

و مقالة الاصفهاني ذكرها لنفي الطريق الأوّل لو ادعي بلحاظ مرحلة المدلول التصوري الوضعي، و لكنه لو تم ينفي الثاني أيضاً.

و من هنا يتصدى الشهيد (قدس سره) لابطاله. فليس البحث بين السيد الشهيد و بين المحقق الاصفهاني في استفادة اللزوم من أدوات الشرط وضعاً فضلًا عن العلية الانحصارية بل بحثه معه في تحديد مفاد الشرطية و دلالتها على الارتباط بين الجملتين، و كيفية هذا الارتباط، و السيد الشهيد يدّعي انّ هذا الارتباط لا بدّ و أن يكون بنحو النسبة التصادقية أو الترتب و التعليق بين النسبتين في جملتي الجزاء و الشرط، و انّ هذا هو مفاد الشرطية الكبرى، و حينئذٍ يمكن اجراء الإطلاق فيها و اثبات إطلاق الارتباط فيثبت المفهوم بذلك.

و السيد الشهيد يستدل على مدعاه بدليلين‏:

1- دعوى الوجدان و التبادر على انّ مفاد الشرطية إنّما هو هذا الارتباط و الالتصاق بين جملتي الشرط و الجزاء المعبّر عنه بالنسبة الالتصاقية أو التوقفية أو اللزوم.

2- دخول الاستفهام أو النفي على هذا الارتباط كما في قولك: (هل إن جاء زيد تكرمه)، أو (ليس كذلك إذا جاء زيد أكرمته)، فإنّ المسئول عنه أو المنفي‏

472

نفس النسبة و الملازمة لا نسبة الجزاء كما في قولك: (إذا جاء زيد فلا أكرمه)، بل قد يكون نفي الجزاء كذباً بحيث إذا جاء زيد فقد يكرمه اتفاقاً، رغم صدق نفي الملازمة، و هذا يدلّ على أنّ للشرطية مفاد تام مستقلّ عن جملة الجزاء و هو الارتباط و الالتصاق بين الجزاء و الشرط فيجري فيه الإطلاق.

إلّا أنّ كلا الوجهين غير تامين.

أمّا الوجه الأوّل فيمكن أن يناقش فيه‏:

أوّلًا- بأنّ الترابط و الربط الخاص المستفاد وجداناً بين الشرط و الجزاء ليس بمعنى كون الجزاء موضوعاً للتعليق و الالتصاق بالشرط ليجرى الإطلاق فيه و يقال بأنّه مطلقاً معلّق على الشرط فيثبت المفهوم، بل المستفاد منه انّ الشرط مستتبع للجزاء و مستلزم لصدقه، سواء في الجملة الخبرية أو الانشائية و انّ تحقق الشرط يجرّ الجزاء خلفه و يستتبعه، و هذا المقدار لا يكون اجراء الإطلاق فيه مستلزماً للمفهوم بل هو إطلاق الاستتباع من طرف الشرط للجزاء و هو لا ينفي وجود استتباع آخر لشرط و موضوع آخر مع الجزاء.

فالحاصل‏: مجرّد استتباع الشرط للجزاء المستفاد من الشرطية لا يعني ملاحظة الجزاء موضوعاً للحكم عليه بالتعليق و الالتصاق أو الترتب على الشرط ليجري فيه الإطلاق و يثبت المفهوم، ففرق بين أن نقول: (اكرام زيد معلّق و ملتصق بمجيئه) أو نقول: (مجي‏ء زيد مستتبع و موجب لاكرامه)، و المعنى الأوّل هو المفيد لاثبات المفهوم دون الثاني.

إلّا أنّ الشرطية ظاهرة في الثاني دون الأوّل، بل لعلّ المعنى الأوّل فيه نوع قلب للشرطية، حيث يستلزم لحاظ الجزاء موضوعاً مفروغاً عنه للتعليق على‏

473

الشرط، و هو خلاف الوجدان جداً، و إنّما الملحوظ مفروغاً عنه في الشرطية جملة الشرط و الجزاء بمثابة المحمول الذي يراد الاخبار عنه أو ايجاده و انشائه على تقدير الشرط، فإذا اريد استفادة نسبة تصادقية بين الشرط و الجزاء فهي استتباع الشرط للجزاء لا تعليق الجزاء على الشرط، فحينما نقول مثلًا: (إذا كان في البلد أميران فسدت الامور) مفاده انّ تعدد الرئاسة يستتبع الفساد، لا أنّ الفساد معلّق على هذا التعدد، بحيث لو كان الأمير واحداً فلا تفسد الامور.

كيف، و من الواضح انّه أيضاً قد تفسد الامور من جهة عدم لياقته، و هكذا سائر موارد الشرطية سواء كانت خبرية أو انشائية يكون الالتصاق و الترابط المستفاد منها من طرف الشرط للجزاء لا من طرف الجزاء بالشرط.

نعم، إذا كان استتباع الشرط للجزاء بمعنى استتباعه لطبيعي الحكم، بمعنى مطلق وجوده لا صرف وجوده كان لازمه المفهوم و الانتفاء عند الانتفاء، إلّا انّه من الواضح- و الذي وافق عليه السيد الشهيد (قدس سره) أيضاً- انّ الإطلاق في الجزاء لا يعني ذلك، بل يعني طبيعي الجزاء، بمعنى صرف الوجود؛ لأنّ الجزاء بمثابة المحمول في الشرطية لا الموضوع، و هذه هي النكتة الأساسية في البحث.

و ثانياً- انّ الارتباط بين الجزاء و الشرط لو اريد به مفهوم الربط و الالتصاق الاسمي فهو واضح البطلان لأنّه معنى اسمي و لو اريد به واقع ما يكون ربطاً و نسبة- كما هو شأن المعاني الحرفية و النسب- فإن اريد به نسبة و ربطاً خارجياً كالنسبة الظرفية و الاستعلائية فهي نسب ناقصة افرادية على ما تقدم تنقيح ذلك مفصلًا في محلّه. و قد صرّح السيد الشهيد انّ هذه النسبة لا يمكن أن تكون مدلولًا تاماً و لا بإزائها مدلول تصديقي.

474

و إن اريد به نسبة حقيقية في عالم الذهن أي قائمة بين المفاهيم في عالم الذهن و الادراك لها- كالنسبة التصادقية في الحملية أو العطف و الاستثناء- و هذا هو المناسب مع كون الشرطية نسبة تامة و مع كون طرفها نسبة ذهنية تامة أيضاً و مع ما يريده السيد الشهيد من دعوى انّ المدلول التصديقي يكون بإزائها-.

فالنسبة الذهنية الحقيقية بين الشرط و الجزاء لا نتعقلها إلّا بالنحو الذي ذكره المحقق الأصفهاني، أي الفرض و التقدير، فإنّ التقدير كالعطف و الاستثناء نسبة ذهنية و لا واقع له في الخارج.

و توضيح ذلك‏: أنّ عالم الذهن عالم النسب التامة بين المفاهيم و عالم الخارج، عالم النسب التحليلية و التي هي كالمفاهيم الأفرادية و التقييدية، و جملة الجزاء لا إشكال في كونها مشتملة على نسبة تامة اخبارية أو انشائية قائمة بين موضوعها و محمولها على حدّ الجملة غير الشرطية و أدوات الشرط تأتي لتقييد و تحديد هذه النسبة الذهنيّة، و انّ تلك النسبة إنّما تكون في فرض تحقق جملة الشرط، فتكون الشرطية بحسب الحقيقة تحديداً و تقييداً للنسبة التامة المفادة بالجزاء، فتكون ذهنية أيضاً.

أمّا التعليق و الاستلزام أو التوقف و الالتصاق فهذه كلّها مفاهيم اسمية و نسب خارجية منتزعة في طول ذاك التحديد للنسبة التامة الذهنية الجزائية، فإنّ النسب الخارجية التحليلية على ما ذكرنا مفصلًا في محلّه أعمّ ممّا ينتزع عن الخارج أو عن الذهن في طول وجود المفاهيم و النسب فيها، فإنّها أيضاً خارج بالنسبة للمفهوم المنتزع عنها، فالملازمة و التوقف و التعليق و الالتصاق كلّها معاني واقعية خارجية، و إذا كانت نسبة فهي تحليلية و ليست نسبة ذهنية، فلا يمكن أن تكون هي مدلول النسبة الشرطية، بخلاف نسبة الفرض و التقدير.

475

لا يقال‏: كما تكون النسبة التصادقية بين الموضوع و المحمول في الحملية ذهنية كذلك يمكن أن تكون النسبة التصادقية بين جملة الجزاء و جملة الشرط ذهنية، و أيّ مانع عن تصوير ذلك؟

فإنّه يقال‏: لا تعقل النسبة التصادقية بين جملتي الشرط و الجزاء، امّا الاستلزام في الصدق و انّه كلّما صدق هذا صدق ذاك فهذه حقيقة خارجية- بالمعنى الأعم من الوجود و الواقع- و ليست نسبة ذهنية، و هذا بخلاف النسبة بين المحمول و الموضوع، فإنّها من شئون المفاهيم في الذهن، و ليس في الخارج طرفان و نسبة أصلًا كما حقّق في محلّه.

فإن قيل‏: تكفي دلالة الشرطية على كون الشرط موقع الفرض و التقدير، أي النسبة التقديرية و الفرضية في اقتناص المفهوم إذا أمكن اجراء الإطلاق فيها و في الجزاء بمعنى صرف وجود الحكم؛ لأنّ ارتباط مطلق الحكم بمعنى صرف وجوده بذاك الفرض و التقدير مطلقاً و في تمام الحالات يستلزم انتفاء طبيعي الحكم بانتفاء ذاك التقدير كما نقوله في النسب التصادقية أو الالتصاقية.

قلنا: فرض الشرط لانشاء صرف وجود الحكم في ذلك التقدير لا يستلزم انتفاء فرد آخر من الحكم على تقدير شرط آخر، إلّا إذا كان الإطلاق بمعنى مطلق الوجود و تمام حصص الحكم، أو كان الارتباط و النسبة بين الشرط و الجزاء بمعنى التلازم في الصدق و التصادق أو التعليق و التوقف، و قد عرفت انّ الأوّل لا يستفاد من الإطلاق الجاري في طرف الحكم و الجزاء، و الثاني بحاجة إلى دالّ عليه مفقود في الجملة الشرطية ما لم تكن قرينة عليه، فليس مفاد الشرطية إلّا الإخبار أو الانشاء للجزاء على تقدير و في فرض صدق جملة الشرط، و هذا لا يستلزم المفهوم أصلًا.

476

و ثالثاً- هذا التحليل لمفاد الجملة الشرطية يواجهنا مع مشكلات لا يمكن حلّها:

منها- عدم امكان تقسيم الجملة الشرطية إلى خبرية و انشائية طلبية إذا كان مفادها و مدلولها التام و الذي يكون بازائه المدلول التصديقي النهائي للمتكلم هو النسبة التصادقية أو اللزوم و التعليق بين نسبتي الجزاء و الشرط، فإنّه من الواضح عندئذٍ انّ هذا المفاد مفاد اخباري صرف، و ليس انشائياً و طلبياً، و مجرّد كون طرف هذه النسبة التامة نسبة في نفسها انشائية لا تجعل الجملة الشرطية انشائية؛ إذ لا مدلول تصديقي بلحاظ مفاد جزائها، و إنّما تلحظ جملة الجزاء كنسبة تامة في نفسها كما في جملة الشرط، فكما لا تكون الشرطية اخباراً عن جملة الشرط و لا قصد و لا مدلول تصديقي بازائها كذلك سوف تكون جملة الجزاء، و هذا يخرجها عن الانشائية و الدلالة على جعل الحكم و انشائه إلّا بنحو الملازمة و الكشف بالتبع، فيكون قولنا: (إن جاءك زيد فأكرمه) انشاءً بمعنى (إن جاءك زيد ثبت عليك وجوب الاكرام) اخباراً.

و لو قيل بأنّ المدلول التصديقي الفعلي للمولى قصد انشاء وجوب الاكرام لا الاخبار عن النسبة التوقفية التصادقية الاخبارية بحسب ذاتها، كان ذلك رجوعاً إلى مقالة الأصفهاني من انّ جملة الشرط ليست إلّا بمثابة الفرض و التقدير لانشاء الجزاء؛ إذ لا يعقل وجود مدلولين تصديقيين جدّيين في الشرطية الواحدة للمتكلم انشاء الحكم و الاخبار عن تلازمه مع الشرط.

لا يقال‏: ينشئ المتكلم بالشرطية الانشائية حكماً ملصقاً و معلّقاً بالشرط،

477

و حيث انّ الإطلاق يجري فيه و يثبت انّ صرف وجوده معلّق و ملصق بالشرط فيثبت المفهوم مع كون المدلول التصديقي بإزاء جملة الجزاء في الشرطية و هو انشائي.

فإنّه يقال‏: أوّلًا- هذا خلاف ظاهر كلام السيد الشهيد (قدس سره) و إذا كان هو المقصود لم يكن بحاجة إلى جملة مما تقدم في تحليل الجملة الشرطية في النقطة الاولى من فرض محور الشرطية التلازم و التصادق بين الشرط و الجزاء و كونهما بمثابة طرفين للنسبة الشرطية، و كون المدلول التصديقي بازائها لا بإزاء جملة الجزاء.

و ثانياً- هذا يمنع عن اجراء الإطلاق حينئذٍ في النسبة الشرطية؛ لعدم كونها النسبة الحكمية، بل غايته الدلالة على انّ الحكم المنشأ بجملة الجزاء مربوط بالشرط، و ليس المدلول التصديقي افادة هذا الارتباط بين طبيعي الحكم في الجزاء- و لو بنحو صرف الوجود- و بين الشرط ليجري فيه الإطلاق فنثبت به ارتباط مطلق وجود الحكم بالشرط أو توقف صرف وجود الحكم و تعليقه على هذا الارتباط ما لم تفرض عناية زائدة في الجملة الشرطية على النظر إلى هذا الارتباط لا أصل الجزاء.

و منها- عدم امكان تفسير ما سيأتي من الفرق بين الجمل الشرطية الخبرية، حيث قبل السيد الشهيد عدم المفهوم لها، و بين الجمل الشرطية الانشائية، و سيأتي مفصلًا تحقيقه.

و منها- انّ نظرية كون الشرط في الشرطية لمحض التقدير و تحديد فرض صدق الجزاء لا أكثر ينسجم مع مدلول الشرطية بتمام أقسامها، أي ما يكون‏

478

الشرط فيها مسوقاً لبيان الموضوع و ما لا يكون كذلك، و ما فيه مفهوم من الجمل الشرطية و ما ليس فيه مفهوم، بينما تفسير الشرطية بأنّها تدلّ على اللزوم أو النسبة التصادقية بين الجملتين لا يصدق في تلك الموارد كالشرطية المسوقة لبيان الموضوع، فإنّه لا يناسب التعليق أصلًا، و كذلك ما لا مفهوم فيه رغم انحفاظ الموضوع كما في قولك: (إن أفطرت فكفّر) فإنّه لا يدلّ على نفي وجوب الكفارة إذا لم يفطر و لكنه ظاهر زوجته مثلًا، مع انّه لو كان المقصود تعليق وجوب الكفارة على الافطار لكان ينبغي استفادة المفهوم من الجملة.

و أمّا الوجه الثاني‏:

فجوابه‏: انّ الاستفهام أو النفي أو الترجي و التمنّي الداخل على الشرطية لا إشكال في انّها تتعلّق بالنسبة الشرطية لا بنسبة الجملة الجزائية. إلّا أنّ البحث في انّ النسبة الشرطية التي دخل عليها الاستفهام و النفي و نحوه هل هي استتباع الشرط للجزاء أو تعليق الجزاء على الشرط و دخول الاستفهام و النفي و نحوه على النسبة الشرطية لا يعيّن أحد المعنيين في قبال الآخر، و قد تقدّم توضيح ذلك سابقاً في بعض المقدمات التي ذكرناها.

نعم، يتضح مما تقدم مطلب تحليلي مهم و هو أنّه حيث يكون التقدير و الفرض، و إن شئت قلت النسبة التقديرية أو الترتبية الشرطية نسبة ذهنية و تامة فيكون صالحاً لاجراء الإطلاق فيها بخلاف النسبة الوصفية الناقصة بمعنى أنّ المتكلم و إن كان في مقام ترتيب الجزاء و اثباته في فرض تحقق الشرط، و على هذا التقدير و هذا وحده لا يستلزم نفي ثبوته و ترتبه في فرض و حال آخر، إلّا انّه حيث انّ هذا الفرض و التقدير تحديد لثبوت الجزاء و صدقه بحيث لولاه لكان‏

479

ثابتاً مطلقاً أي سواء تحقق مفاد الشرط أم لا، و حيث انّ الجزاء طبيعي الحكم لا شخص الحكم في مورد الشرط لخروج الشرط عن جملة الجزاء، فعندئذٍ إذا كان الإطلاق في طرف الجزاء يثبت طبيعي الجزاء بنحو صرف الوجود، كما هو مقتضى الإطلاق الجاري في طرف المحمول، و ما يكون بمثابته كالجزاء فلا مفهوم؛ لأنّ استتباع الشرط لطبيعي الجزاء بمعنى صرف وجوده لا ينفي استتباع شرط آخر أيضاً لطبيعي الجزاء بهذا المعنى، و إن كان الإطلاق الجاري في طرف الجزاء يثبت إرادة طبيعي الجزاء بمعنى مطلق وجوده أو استفيد من الشرطية و لو بقرائن خاصة الترتب و التعليق لطبيعي الحكم- و لو بمعنى صرف وجود- على الشرط مطلقاً ثبت المفهوم عندئذ، فالمفهوم يمكن اقتناصه من الجملة الشرطية باثبات إطلاق ارتباط الجزاء بالشرط بهذا المعنى، و مثل هذا الإطلاق لا مجال له، و لا يمكن في الجملة الوصفية بالنسبة إلى الوصف و القيد؛ لكونه قيداً للحكم، أي لا تتم النسبة الحكمية إلّا به، بخلاف جملة الجزاء في الشرطية.

و لعلّ هذا هو وجه ذهاب جملة من الفقهاء إلى ثبوت المفهوم للشرطية.

و نلخّص ما تقدّم في مفاد الجملة الشرطية ضمن امور:

الأمر الأوّل: لا إشكال في وجود الارتباط بين جملتي الجزاء و الشرط بنحو يجعلها جملة واحدة كبرى لها مدلول تصديقي واحد لا جملتان مستقلتان لكل منهما مدلول تصديقي مستقل عن الآخر، و هذا الارتباط ثابت على مستوى المدلول التصوري الوضعي للجملة بدليل ثبوته و احساسنا به حتى إذا سمعناها من جدار.

480

الأمر الثاني: تقدم في بحث المعاني الحرفية الفرق بين النسب التركيبية الناقصة و النسب التامة و انّ النسبة الناقصة نسب حقيقية في الخارج تحليلية في الذهن، و من هنا تكون حصيلتها مفاهيم افرادية بخلاف النسب التامة فإنّها نسب حقيقية في الذهن بين مفهومين مستقلين، و من هنا يمكن أن يتعلق بها مدلول تصديقي من قصد الاخبار أو الانشاء بخلاف النسب الناقصة.

و هذا يعني انّ النسب الناقصة ذاتاً لا يمكن أن يكون بإزائها مدلول تصديقي و يسكت عليها بخلاف النسب التامة سواء كان بالفعل بإزائها مدلول تصديقي أم لم يكن، فعدم السكوت الفعلي على نسبة- كجملة الشرط- لا يعني كونها ناقصة إذا كانت ذاتاً مما يمكن أن يكون بإزائها مدلول تصديقي.

الأمر الثالث: انّ التقييد و التعليق و التحصيص و نحو ذلك من الامور إنّما يتعقل بلحاظ المداليل التصورية أي المفاهيم لا المداليل التصديقية، أي القصد و الارادة لأنّ المداليل التصديقية وجودات حقيقيّة، و الوجود يساوق التشخص و الجزئية و يستحيل فيه التعليق أو التحصيص.

نعم، قد يسند التعليق إلى المدلول التصديقي كالجعل و الانشاء بالعرض و المجاز باعتبار انّ المجعول و المنشأ به- الذي هو مدلول تصوري- مقيد أو معلّق فيقال الجعل مقيد أو معلّق على كذا.

و بهذا يعرف انّ ما جاء في كلمات السيد الشهيد (قدس سره) في المقام من التعليق في المدلول التصديقي للجزاء على الشرط لا يقصد به تعليق قصد الإخبار أو الانشاء الفعلي من جملة الجزاء على شي‏ء إذا كان المدلول التصديقي بإزاء جملة الجزاء، فإنّ هذا غير معقول، و إنّما المقصود من تعليق المدلول التصديقي للجزاء على‏

481

الشرط تعليق مدلول النسبة التامة في الجزاء و محكيها الخارجي أو مجعولها الانشائي على الشرط، مع كون قصد الاخبار أو الانشاء المتعلق بالمحكي فعلياً منجزاً، و هذا بخلاف ما إذا كان المدلول التصديقي بإزاء الشرطية و التعليق أو اللزوم بين الجزاء و الشرط، فإنّ التعليق المحكي و المتعلّق للقصد الجدّي فعلي لا معلّق.

و بهذا يعرف انّه لم يكن ينبغي اخراج الجملة الشرطية الواقعة موقع الاستفهام عن هذا البحث- كما في ذيل الصفحة 156 من الكتاب- فإنّه أيضاً يكون هناك مدلول تصديقي بإزاء الجملة الشرطية بناءً على تفسير السيد الشهيد، و لكنه مدلول تصديقي انشائي، و هو الاستفهام عن التعليق لا الإخبار عنه، و بناءً على تفسيرنا يكون الاستفهام عن الجزاء المفروض في تقدير الشرط و يكون المدلول التصديقي الاستفهامي فعلياً و المستفهم عنه معلّقاً.

و بتعبير السيد الشهيد: المدلول التصديقي للجزاء بمعنى المحكي يكون فيه معلّقاً على الشرط، فلا وجه لاخراج هذا الفرض.

الأمر الرابع: لا إشكال في انّ جملة الشرط في الشرطية لا يكون بإزائها مدلول تصديقي بمعنى قصد الإخبار أو الانشاء؛ إذ لا يقصد الاخبار عنها جزماً، و إنّما هو واقع موقع الفرض و التقدير على كلّ حال. و إنّما المدلول التصديقي للشرطية لا بدّ و أن يكون بإزاء جملة الجزاء أو الشرطية الكبرى، و لا يمكن أن يكون بإزاء كليهما؛ إذ لا تتحمل الجملة الواحدة أكثر من مدلول تصديقي واحد كما هو محقّق في محلّه.

و قد ظهر مما تقدّم انّه لا يمكن الالتزام بأن يكون قصد الإخبار أو الانشاء

482

بإزاء النسبة الشرطية، بل لا بد و أن يكون بإزاء النسبة المفادة بجملة الجزاء، فلو كان ما تقدم عن السيد الشهيد (قدس سره) في تحليل مفاد الجملة الشرطية و أدوات الشرط في النقطة الاولى من بحث مفهوم الشرط من أجل اثبات هذه النتيجة فلا يمكن المساعدة عليه بوجه أصلًا، و قد تقدم شرحه مفصلًا.

و أمّا إذا كان المقصود انّ المدلول التصديقي يكون بإزاء جملة الجزاء في الشرطية و بلحاظ ذلك أيضاً يصحّ تقسيم الشرطية إلى انشائية و خبرية، غاية الأمر هذا لا يمنع عن لحاظ تلك النسبة معلّقة و ملتصقة بالشرط بنحو يجري فيه الإطلاق المثبت للمفهوم، فهذا و إن لم يكن بتلك المثابة من عدم الوجاهة إلّا انّه غير تام أيضاً؛ لما تقدّم من أنّ مفهوم التعليق ما سمّيناه بالنسبة التقديرية، أي الإخبار أو الانشاء لمفاد الجزاء على فرض و تقدير صدق جملة الشرط، و هذا لا يقتضي أكثر من الارتباط بين الجزاء و الشرط في الصدق بنحو استتباع الشرط للجزاء، و الذي قد عبّر عنه السيد الشهيد بالنسبة الايجادية، و هو لا يستلزم المفهوم ما لم نضمّ عناية و دلالة زائدة على النظر إلى التعليق أو الانحصار أو أنّ مطلق وجود الحكم و تمام حصصه يكون مشروطاً و مقيداً بالشرط، و كل ذلك عنايات زائدة بحاجة إلى قرينة، و لا تدلّ على شي‏ء منها الشرطية.

نعم، الجملة الشرطية يمكن فيها اعمال احدى تلك العنايات بسهولة، بخلاف الجملة الوصفية و اللقبية، و بهذا تختلف الشرطية عنها كما أشرنا مفصلًا.

و هذا التحليل مطابق مع وجداناتنا العرفية و الأدبية من دون وقوع في التكلّفات الأدبية غير المفهومة عرفاً و لغوياً، و اللَّه الهادي للصواب.

483

ص 154 قوله: (المرحلة الثانية...).

المقصود هنا تحديد انّ المدلول التصديقي في الجمل الشرطية هل يكون بإزاء الشرطية نفسها أو بإزاء جملة الجزاء و التقييد أو الالتصاق و التعليق على الشرط بمثابة التقييد و النسبة الناقصة لجملة الجزاء، و سيظهر انّ هذه أهم نقطة في إثبات المفهوم للشرطية بالتقريب الذي يرومه السيد الشهيد بعد بطلان التقريبات الاخرى التي ستأتي في النقطة القادمة؛ لأنّه يسمح باجراء الإطلاق و مقدمات الحكمة في التعليق أو الالتصاق بالشرط، و أيضاً اجراء الإطلاق في طرف هذه النسبة و هو الحكم في الجزاء.

و ما جاء هنا في الكتاب امور ثلاثة:

أوّلها- أنّ الارتباط و الالتصاق المذكور ثابت على مستوى المدلول التصوري، فالنسبة في الجزاء مربوطة بالشرط بحسب المدلول التصوري.

و هذا صحيح بناءً على انّ المدلول الوضعي تصوري و الوجدان أيضاً قاض به و يشهد له دلالة الشرطية على ذلك عند سماع الشرطية من الجدار أو في موارد عدم وجود مدلول تصديقي بإزاء الشرطية كمورد الاستفهام عنها.

نعم، من لا يرى الدلالة الوضعية إلّا تصديقية لا بدّ له من دعوى وضع المركب للمدلول التصديقي الاستفهامي. و هذا لازم عام لهذا المسلك يجري في موارد كثيرة.

و لا فرق في صحة هذا الأمر بين تفسير السيد الشهيد لمدلول أدوات الشرط أو تفسيرنا لها كما لا يخفى.

484

و ثانيها- انّ التعليق و التلازم أو التقدير و الفرض هل يسري إلى المدلول التصديقي أيضاً أم لا؟

و قد أفاد هنا في الكتاب أنّه يجري في مورد يكون للشرطية مدلول تصديقي لا مثل الاستفهام عنها الذي يكون المدلول التصديقي بإزاء أداة الاستفهام لا الشرطية فإنّها كالحملية الداخل عليها الاستفهام.

إلّا أنّ هذا الاستثناء لا وجه له- كما شرحناه سابقاً- فإنّ المدلول التصديقي في هذه الجملة أيضاً إذا كان بإزاء جملة الجزاء فسوف يكون معلقاً على الشرط- بالمعنى الذي سيأتي لهذا التعليق- إذ لا فرق بين أن يقول: (هل إن جاءك زيد تكرمه) أو يقول: (إن جاءك زيد فهل تكرمه) كما أنّه بناءً على انّ المدلول التصديقي يكون بإزاء النسبة الشرطية فلا تعليق في المدلول التصديقي الاستفهامي، كما لا تعليق في المدلول التصديقي الاخباري أو الانشائي في موارد عدم دخول الاستفهام على الشرطية، فلا فرق بينهما أصلًا.

ثمّ إن كان المدلول التصديقي بإزاء نفس الشرطية بأن كان المقصود للمتكلم الإخبار عن الملازمة أو التعليق أو الالتصاق بين جملتي الجزاء و الشرط فلا مدلول تصديقي بإزاء جملة الجزاء ليكون فيها تعليق و ما يكون بإزائه مدلول تصديقي هو نفس التعليق و الربط لا المعلّق و الربط و التعليق ليس معلقاً كما هو واضح.

و أمّا لو كان المدلول التصديقي موازياً لمفاد جملة الجزاء لا أصل الشرطية فهنا يكون ظاهر الشرطية التعليق فيه أيضاً لأنّ المدلول التصوري للجزاء معلق بحسب الفرض على الشرط فمقتضى التطابق بينه و بين المدلول التصديقي تعليق‏

485

المدلول التصديقي أيضاً.

و ثالثها- انّ ظاهر الجملة الشرطية إنّما هو الاحتمال الأوّل لا الثاني أي انّ المدلول التصديقي فيها بإزاء الشرطية لا جملة الجزاء.

و لا يمكن أن يعين الثاني بأصالة التطابق المتقدمة لأنّها تثبت التطابق بين المدلولين بعد فرض ثبوت المدلول التصديقي بإزاء الجملة- كما في البحث السابق- و لا يمكن بالأصل المذكور إثبات أصل المدلول التصديقي و انّه بإزاء أيّ من النسبتين النسبة الشرطية الكبرى أو النسبة الحملية في جملة الجزاء، كما هو واضح.

فالصحيح هو الاحتمال الأوّل؛ لأنّ ظاهر الشرطية أنّ النسبة المنظور اليها و التي يراد الإخبار عنها أو إبرازها إنّما هو هذه النسبة لا النسبتين في جملتي الشرط و الجزاء فإنّهما طرفان تابعان للنسبة الشرطية الكبرى فيكون مقتضى التطابق بين المدلول التصوري و التصديقي أيضاً ذلك أي لحاظ النسبة في الجزاء و الشرط بنحو الطرفية و التبعية لا الأصالة و المحورية.

أقول: الأمر الأوّل من هذه الامور الثلاثة واضح لا غبار عليه كما ذكرنا.

و الأمر الثاني منها لا يمكن المساعدة على ظاهره بوجه أصلًا، فإنّ التعليق و التقييد في المدلول التصديقي سواءً كان عبارة عن قصد الإخبار أو الجعل و الانشاء غير معقول لأنّه وجود حقيقي تصديقي يدور بين التحقق و عدم التحقق فلا يعقل فيه التقييد أو التعليق و إنّما التعليق أو التقييد دائماً يكون بلحاظ المدلول التصوري و هو مدلول النسبة في جملة الجزاء، فإذا كان انشائياً كان المجعول معلقاً، و إذا كان اخبارياً كان صدق النسبة المخبر بها معلقاً. و كون المجعول عين‏

486

الجعل لا ينافي هذا الفرق لأنّ العينية بينهما بالنظر التصديقي و لكنهما مختلفان بالنظر التصوري، و هذه الخصوصية من شئون كون النظر إلى مجعول نظراً بالحمل الأولي.

و ما في الكتاب في المقام لا يخلو من تشويش، حيث جعل قيد المجعول و تعليقه على الشرط تعليقاً لنفس الجعل، فإنّ هذا لا معنى له، و لا فرق بين الشرطية التي يكون جزائها اخباراً أو انشاءً من هذه الناحية كما هو مشروح في هامش الكتاب أيضاً.

نعم، يمكن أن يكون المقصود انّ المدلول التصديقي الفعلي يكون متعلقه صدق الجزاء المقيّد بالشرط، و على تقديره يكون التقييد و الشرط قيداً لصدق النسبة في الجزاء لا مأخوذاً في أحد طرفيها في قبال أن يكون المدلول التصديقي متعلقه الملازمة بين صدق الجزاء و صدق الشرط أو الالتصاق و الترتب و التعليق بينهما.

إلّا أنّ هذا ليس بمعنى تعليق المدلول التصديقي كما هو واضح، بل المدلول التصديقي لكل جملة تامة دائماً يكون فعلياً و منجزاً، كما انّ تفسير المحقّق الأصفهاني لا يقتضي ذلك.

و الظاهر أنّ مقصود السيد الشهيد في هذه المرحلة بيان أنّ أصالة التطابق بين المدلول التصوري للجملة الشرطية الدالّة تصوراً على التعليق- على ما فرضه في المرحلة الاولى- و بين المدلول التصديقي للجملة لا تقتضي أن يكون المدلول التصديقي بإزاء جملة الجزاء و انّه المعلّق على الشرط؛ لأنّ التطابق بين المدلولين فرع اثبات انّ المدلول التصديقي بإزاء تلك النسبة التصورية التامة في‏

487

المرحلة السابقة، فلا يمكن اثبات ذلك بأصالة التطابق، و هذا كلام صحيح في نفسه. فاثبات انّ المدلول التصديقي بإزاء جملة الجزاء ليكون تعليقياً بالمعنى الذي ذكرناه أو بإزاء الشرطية و النسبة التصادقية فلا تعليق فيه لا بد من اثباته بالاستظهار من الجملة لا بأصالة التطابق.

و قد استظهر السيد الشهيد في الأمر الثالث الاحتمال الثاني، إلّا أنّ الفرق بينهما ليس من حيث موقع المدلول التصديقي في الجملة كما هو ظاهر الكتاب، بل يكون بين الاحتمالين فرق من حيث المدلول التصوري أيضاً، فإنّ الاحتمال الأوّل يكون النظر فيه إلى النسبة الخبرية أو الانشائية في جملة الجزاء و يكون تقدير الشرط و فرضه قيداً لتلك النسبة و طرفاً لها بخلافه على الاحتمال الثاني حيث يكون النظر إلى نفس الشرطية أي الملازمة أو التعليق أو الالتصاق بين النسبتين في جملتي الجزاء و الشرط بحيث تنقلب الجملتان في الطرفين كالمفهومين الافراديين في طرفي نسبة تامة هي النسبة التعليقية أو اللزومية أو الالتصاقية، و هذا مفهوم و نسبة تصورية اخرى تختلف عن النسبة المدلول عليها بجملة الجزاء ذاتاً، أي تصوراً و تصديقاً.

و المظنون قوياً انّ اصرار السيد الشهيد على هذا التحليل و الاستظهار من أجل امكان اثبات المفهوم باجراء الإطلاق في التعليق- كما أشرنا إليه فيما سبق من التعاليق مبسوطاً- لأنّه بناءً على هذا يكون الحكم في الجزاء ملحوظاً طرفاً و موضوعاً بحسب الحقيقة للحكم عليه بأنّه لازم أو معلق أو ملتصق بالشرط فيمكن اجراء الإطلاق فيه لاثبات انّ طبيعي وجوب اكرام زيد مثلًا ملتصق أو معلّق على مجيئه و في تمام الحالات فيثبت المفهوم؛ لأنّ الإطلاق إنّما يجري دائماً في أطراف النسب التامة و التي بازائها مدلول تصديقي.

488

و هكذا يتضح أهمية ما يرمي إليه السيد الشهيد (قدس سره) في هذه الدورة الاصولية في اقتناص المفهوم من اثبات انّ مفاد الشرطية هو الدلالة على النسبة اللزومية أو الالتصاقية بين الشرط و الجزاء و انّ المدلول التصديقي يكون بإزائها لا بإزاء الجزاء، فإنّ هذا هو الحجر الأساس لهذا التقريب في اثبات المفهوم باجراء الإطلاق في المعلّق- و هو طبيعي الحكم في الجزاء- و في التعليق نفسه.

و تعليقنا على هذا البيان‏:

أوّلًا- ما تقدم مفصلًا من انّ الوجدان اللغوي و البرهان التحليلي المتقدمين يدلان على انّ المدلول التصديقي بإزاء جملة الجزاء و انّ جملة الشرط مجرد فرض و تقدير لثبوته، و انّ التحليل المذكور يواجه مشكلات لا حلّ لها إلّا بتكلّفات فائقة غير مقبولة لا لغةً و لا عرفاً.

و ثانياً- انّ امكان اجراء الإطلاق المثبت للمفهوم لا يتوقف على افراغ جملة الجزاء التامة في نفسها عن المدلول التصديقي، و جعل المدلول التصديقي للجملة الشرطية بإزاء نسبة الجزاء إلى الشرط، فأصل هذه المرحلة الثانية في الكتاب غير لازم زائداً على انّه غير صحيح، بل يمكن افتراض المدلول التصديقي بإزاء جملة الجزاء، و لكن حيث انّ النسبة الشرطية تامة في نفسها أيضاً، أي تدل على أنّ ثبوت النسبة التامة في جملة الجزاء بما هي نسبة حكمية مربوطة و ملتصقة بصدق جملة الشرط أمكن اجراء الإطلاق فيها أيضاً؛ لأنّ هذه النسبة الحقيقية الذهنية أيضاً طرف للمدلول التصديقي و النسبة التامة الحكمية، فإذا فرض امكان دلالة النسبة الشرطية على التعليق و التوقف من طرف الجزاء على الشرط كان مقتضى كون المعلّق طبيعي الحكم، بمعنى صرف وجوده و كون‏

489

التعليق على الشرط مطلقاً انتفاء سنخ الحكم و طبيعيّه بانتفاء الشرط؛ لكون النسبة الشرطية تامة أيضاً في نفسها و صالحة لاجراء الإطلاق فيها، بخلاف النسب الناقصة التقييدية في الجمل الوصفية.

ص 166 قوله: (و ثالثاً...).

و يرد على هذا التقريب رابعاً: أنّ المتعلّق لا إطلاق له قبل تعلّق الوجوب به، فلو فرض تعدد الوجوب و الحكم عند الشرط و اجتماعهما و تقيد كلّ منهما بفرد من المتعلّق غير الآخر فلا يلزم من ذلك تقييد بل تقيّد على ما سيأتي عن الميرزا و السيد الشهيد في بحث التداخل.

ص 167 قوله: (التقريب الخامس...).

هذا التقريب جاء في الكفاية ببيان، و في كلمات الميرزا (قدس سره) ببيان آخر.

أمّا بيان الكفاية فهو انّ المستفاد من الشرطية بعد أن كان هو الترتب على العلّة و علّية الشرط للجزاء فهذا له سنخان: علّية انحصارية، و علّية غير انحصارية، أي ترتب الجزاء على علّته المنحصرة و ترتبه على علّته غير المنحصرة التي لها عدل و بدل و الإطلاق ينفي الثاني كما ينفي الوجوب التخييري في قبال التعييني.

ثمّ أجاب عليه‏: بأنّ الوجوب التعييني يختلف سنخاً- أي مدلولًا و تصوراً و لو بالإطلاق و التقييد- عن الوجوب التخييري، و هذا بخلاف الترتب على الشرط المنحصر أو غير المنحصر فإنّ وجود شرط آخر يترتب عليه نفس الجزاء لا يغيّر من حقيقة الترتب و العلّية و لا يغيّر من حقيقة الحكم و الترتب الأوّل، فلا يمكن نفيه بالإطلاق.

490

و لهذا غيّر المحقق النائيني البيان فذكر أنّ الشرطية لا تدلّ على الترتب بنحو العلية أصلًا و لا حاجة إليها لكي يقال بأنّ الترتب لا يختلف سنخه بل الشرطية تدل على تقييد الحكم التام محمولًا و موضوعاً- في غير الشرطية المسوقة لتحقق الموضوع- بالشرط لا محالة و هذا التقييد ثبوتاً يتصور بأحد أنحاء ثلاثة امّا التقييد بالشرط وحده تعييناً أو التقييد بالمجموع منه و من غيره أو التقييد بالجامع بينه و بين غيره أي أحدهما، و الإطلاق ينفي كلّ هذه الأنحاء الثلاثة إلّا ما ذكر في مقام الإثبات و هو الأوّل لا محالة فينفى التقييدان الثاني و الثالث و هو يساوق الانحصار لا محالة.

و منه يظهر انّ بيان المحقق النائيني (قدس سره) لا يتوقف على إثبات الترتب فضلًا عن العلّية- أي المقدمة الثانية لا يحتاجها المحقق النائيني و إن وافق هو على دلالة الشرطية على الترتب بالمعنى الأعم بأصالة التطابق بين مقام الإثبات و الثبوت-.

و قد أشكل عليه في المحاضرات باشكالات ثلاثة لا يتجه شي‏ء منها:

أحدها- النقض بالتقيد بالوصف في الجملة الوصفية و اللقبية.

الثاني- انّ ذكر قيد تعييناً لازمه عدم جعل الحكم على الإطلاق و انّه مقيّد بذاك القيد لا انحصار الحكم به.

الثالث- انّ المتكلم ليس في مقام البيان من ناحية انحصار العلّة و المؤثّر و عدمه في القيد المذكور و إنّما تدل على مطلق ترتب الجزاء على الشرط فلا تدل على انّه على نحو ترتب المعلول على علته فضلًا عن الترتب على علته المنحصرة.

491

و هذه الأجوبة واضحة الاندفاع، أمّا الأخير فواضح؛ لأنّ الميرزا (قدس سره) لا يدعي دلالة الشرطية على ذلك، كيف و قد نفاه بنفسه، و إنّما يتمسك باطلاق الحكم من ناحية التقييد بأحد القيدين (بالواو) و (بأو)، و المفروض انّ الشرطية في مقام بيان أصل تقييد الجزاء و انّه ليس مطلقاً بل له قيد، فلا بد و أن يكون بأحد الأنحاء الثلاثة لا محالة، فأي منها كان فيه تقييد زائد كان منفياً بالاطلاق المقابل له، فالاشكال الثالث غريب.

و الثاني جوابه أنّ القيد إذا كان راجعاً إلى النسبة الحكمية في الجزاء لا موضوعها أو محمولها و كان وجود سبب آخر لنفس النسبة مستلزماً لتقييد زائد في جملة الشرط فلا محالة يكون الإطلاق نافياً لذلك و لا يدور النقض بالجملة الوصفية و القيود فيها؛ لأنّها ترجع إلى الموضوع أو شخص الحكم، و ليس قيداً للنسبة الحكمية التامة، فلا يكون اجراء الإطلاق فيها دالّاً إلّا على انتفاء شخص ذلك الحكم لا شخص حكم آخر، و هذا واضح.

و أمّا الأوّل فقد ظهر حاله مما بيّناه في دفع الاشكال الثاني، فإنّه إذا فرضنا أنّ النسبة الحكمية إذا كان لها سبب و شرط آخر كان ذلك تقييداً في منطوق الشرطية بلحاظ الشرط المذكور فيه، فالمتكلّم في مقام البيان من ناحيته لا محالة، فيجري فيه الإطلاق، و حيث انّ المقيّد النسبة الحكمية- و بتعبيرنا طبيعي الحكم و صرف وجوده لا شخصه- فيدلّ على انتفاء النسبة الحكمية، أي سنخ الحكم، و هذا بخلاف الجملة الوصفية.

و الصحيح في الجواب ما ذكره السيد الشهيد (قدس سره) من انّ تعدد القيد أي وجود فرض آخر يتحقق فيه نفس الحكم لا يكون تقييداً زائداً على الشرط المذكور في منطوق الشرطية إذا كان مفاد الشرطية مجرد الاستلزام و أنّه إذا وجد هذا الشرط

492

تحقق طبيعي الجزاء.

و بعبارة اخرى: على فرض وجود العدل و كفاية أحدهما أيضاً يصدق انّه إذا وجد الشرط الأوّل وجد الجزاء، و إذا وجد الشرط الثاني وجد الجزاء، فليس في ذلك مئونة زائدة بلحاظ ما افيد بالشرطية من الاستلزام و الارتباط بين جملتي الشرط و الجزاء، فالتقييد (بأو) ليس تقييداً في الشرطية أو جزائها لكي ينفيه الإطلاق. نعم، التقييد بالواو قيد زائد في الشرطية منفي باطلاق المنطوق، و هو واضح.

ثمّ انّ هنا تقريبين آخرين‏:

أحدهما- للسيد الخوئي في المحاضرات.

و الآخر- للسيد الشهيد في دورته السابقة- الاولى-.

أمّا الأوّل منهما:

فحاصله بناء المفهوم على مسلكه من التعهّد و دلالة الجملة على قصد الإخبار في الخبرية و اعتبار الفعل على ذمة المكلّف في الانشائية و انّ الشرطية بناءً على هذا المسلك إذا كان الجزاء إخباراً يدل على قصد الحكاية و الإخبار عن وجود التالي على تقدير وجود المقدم فيدل بالالتزام على انتفاء الإخبار عنه على تقدير انتفائه، و إذا كان انشائياً تدل على أنّ اعتبار الفعل في ذمة المكلّف لا يكون مطلقاً بل على تقدير خاص و هو تقدير تحقق الشرط، و لازم ذلك دلالتها على عدم اعتباره على تقدير عدم تحققه‏ (1).

____________

(1) () راجع المحاضرات: ص 75- 80

493

و هذا البيان واضح الضعف فإنّه يكفي في ردّه أنّ قصد الإخبار على تقدير أو اعتبار فعل على ذمة المكلّف كذلك لا يدلّ إلّا على انتفاء قصد الإخبار و ذاك الاعتبار عند انتفاء المعلّق عليه لا الإخبار عن انتفاء المخبر به أو انتفاء اعتبار آخر. كما هو واضح جداً. كيف و يرد النقض أيضاً بالجملة الوصفية.

هذا مضافاً إلى الاضطراب في تعبيرات التقرير بالنسبة للمدلول التصديقي للشرطية الخبرية و انّه الإخبار عن الملازمة أو الإخبار عن الجزاء على تقدير تحقق الشرط فراجع و تأمل.

و قد يكون مقصوده انّ الشرط في الشرطية حيث كان تقييداً لاطلاق جملة الجزاء بحيث لو لا الشرط كان الجزاء ثابتاً في تمام الحالات، فلا محالة يستفاد من التقييد بخصوص حال مجيئه خروج سائر الحالات عن شمول الحكم و ثبوته فيدل على الانتفاء عند الانتفاء.

و هذا جوابه واضح و هو أنّ مدلول التقييد بالشرط إنّما هو ثبوت الجزء في هذا التقدير و السكوت عن غيره من الحالات لا الدلالة على عدم ثبوت الجزاء فيها.

نعم، لو كان ثابتاً في جميع الأحوال كان لغواً و تلك دلالة احترازية القيود و هي غير المفهوم و الثابتة بها السالبة الجزئية لا الكلية.

و أمّا الثاني- فهو مؤلّف من مقدمتين‏:

1- انّ الأداة لا تدلّ حتى على اللزوم بل على مجرّد الربط بدليل صحّة استعمالها بلا عناية في موارد الفعل الماضي الواقع سابقاً فقط مع عدم معقولية الملازمة فيها كما في قولك: (إن جئتني بالأمس أكرمتك)؛ لأنّه قضية خارجية و لا لزوم فيها حتى إذا كانت استقبالية.

494

2- اثبات المفهوم في الجمل الشرطية الانشائية بالخصوص على أساس إثبات انّ الشرط علة منحصرة للحكم، أي اثبات اللزوم و العلية و الانحصارية، أمّا اللزوم ففي القضايا المستقبلية الخبرية يثبت بالاطلاق بنكتة انّه لو كان اتفاقياً لا على أساس اللزوم بين الشرط و الجزاء لزم أن يكون المتكلم عالماً بالربط اتفاقاً في تمام ما سيقع على أساس علم الغيب و هو خلاف الظاهر.

و أمّا العلية في الجملة الانشائية فلأنّ الشرط بمثابة الموضوع للحكم المنشأ فيكون الحكم دائراً مداره و لا نقصد بالعلية في باب الأحكام إلّا ذلك لا العلية الفلسفية.

و أمّا الانحصارية فتستفاد من كون المعلّق طبيعي الحكم و سنخه لا شخصه فنجري الإطلاق في الحكم المقيّد بالشرط و نثبت انّه بانتفائه ينتفي الطبيعي و هو المفهوم بنحو السالبة الكلية.

و هذا البيان- و هو يشبه كلام العراقي (قدس سره) في نهاية الأفكار- أيضاً غير تام؛ لأنّ المراد بسنخ الحكم إن كان مطلق وجوده فقد تقدم انّ هذا لا يثبته الإطلاق و مقدمات الحكمة في الجزاء، و إن كان المراد طبيعيّه و صرف وجوده فترتبه على الشرط لا يقتضي الانحصار و انتفاء فرد آخر منه عند انتفاء هذا الشرط و تحقق شرط آخر ما لم نقحم في مدلول الشرطية التلازم و التعليق و الالتصاق و التوقف و نجري الإطلاق فيه، و لا يكفي دلالة الشرطية على أصل الارتباط و الاستتباع و لو من طرف الشرط لايجاد الجزاء.

و إن شئت قلت: إنّ كون الشرط بمثابة الفرض و التقدير و السبب لايجاد الحكم ليس إلّا بمعنى انّه إذا تحقق تحقق الحكم، و هذا لا يقتضي المفهوم كما تقدّم شرحه.

495

ص 171 قوله: (فمن ناحيته نحسّ وجداناً...).

ملخص مرامه (قدس سره) دعوى وجدانية المفهوم للجملة الشرطية الانشائية إذا لم يكن الشرط مسوقاً لتحقق الموضوع. و انّ على هذا عمل الفقهاء في الفقه حتى الذين أنكروا منهم المفهوم للشرطية في البحث الاصولي.

و هذا الوجدان مع الوجدانات الثلاثة الاخرى حاول السيد الشهيد تفسيرها في نظرية تفسيرية و ليست استدلالية حاصلها دلالة الجملة الشرطية وضعاً على التعليق و التصاق الجزاء و توقفه على الشرط و حيث انّ المعلّق سنخ الحكم بمعنى طبيعيه و جامعه و حيث انّ الشرطية مطلقة و غير مقيدة بحال دون حال فالنتيجة انتفاء جامع الحكم عند انتفاء الشرط و إلّا لزم تقييد أحد الاطلاقين.

و بهذا التفسير يمكن الجمع بين الوجدانات الأربعة ما عدا الرابع منها و الذي فسّره على أساس انّ المعلّق في الجملة الخبرية النسبة الذهنية لا الخارجية فيكون المنتفي بانتفاء الشرط إخبار المخبر لا المخبر به. و هذا بخلاف الشرطية الانشائية رغم انها نسبة تامة ذهنية أيضاً، فإنّ انتفائها يساوق انتفاء الحكم، إذ ليس للحكم الإنشائي وجود في غير الذهن.

و لنا هنا كلامان: أحدهما مع النظرية التفسيرية، و الآخر مع الوجدان المدعى على أصل المفهوم.

أمّا الأوّل: فقد اتضح من مجموع ما تقدم بعضه و تفصيله ما يلي:

أوّلًا- لا نسلّم أصل دلالة أدوات الشرط على التوقف أو التعليق أو الملازمة أو الالتصاق و الربط بين الشرط و الجزاء في الصدق بل الصحيح انّ أدوات الشرط

496

أو هيئة الشرطية للدلالة على ترتيب الجزاء و إثباته على تقدير فرض الشرط أي تدل على النسبة التقديرية و الفرضية لصدق الجزاء و هي نسبة ذهنية كحروف العطف و الاستثناء.

نعم، هذا الترتيب في ذاك الفرض و التقدير قد يكون على أساس الارتباط و نكتة استلزام بين جملة الشرط و جملة الجزاء ثبوتاً غالباً، و من هنا قد ينتزع و يفهم هذا التلازم و الارتباط- لا بمعناه الفلسفي الدقي بل العرفي- من الكلام، إلّا أنّ هذا ليس هو مدلول أدوات الشرط و إنّما مدلولها ما ذكر و هذا لازم منتزع منه.

و مما يشهد على ذلك أنّ الفرض و التقدير قد يكون إثباتياً محضاً، كما إذا قلت: إن كذبوك فاعلم انك صادق، و منه قوله تعالى: «وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِن قَبْلِكَ» (1). و قد يكون الجزاء انشاءً فعلياً كما في الشعر المعروف:

إن كان دين محمّد لا يستقيم‏* * * إلّا بقتلي فيا سيوف خذيني‏

و هذا لا يجري فيه ما ذكره السيد الشهيد في الشرطية الاستفهامية- و قد تقدم عدم معقولية الوضع للنسبة التوقفية أو الالتصاقية بحسب التحليل و المباني المختارة للسيد الشهيد في تحليل النسب التامة و الناقصة. و يمكن أن يستشهد بشواهد على صحّة ما ذكره المحقق الاصفهاني منها ما تقدم في الشرطية التي جزائها انشاء كجملة النداء أو الاستفهام أو التمني، و منها: الشرطية المسوقة لبيان الموضوع كقولك إن رزقت ولداً فاختنه فإنّ التعليق أو التوقف بل الاستلزام‏

____________

(1) () سورة فاطر: الآية 4

497

في مثله ركيك لا معنى له بخلاف الفرض و التقدير، و قد تقدمت الإشارة إلى بعض ذلك فيما تقدّم.

و ثانياً- الاستلزام المذكور لو فرض انّه مدلول أدوات الشرط أو الهيئة الشرطية مباشرة فليس هو التعليق و التوقف بل مجرد أن تحقق الشرط يوجب تحقق الجزاء و يستلزمه، أي ما عبر عنه السيد الشهيد (قدس سره) بالنسبة الايجادية و التوقف و التعليق و الالتصاق إن اريد بها هذا المعنى فمن الواضح انّه لا يستلزم المفهوم و إن اريد بها معنى أزيد- كما هو الظاهر- فهو كمفهوم الانحصار أو الدوران مدار الشرط خارج عن مفاد الجملة الشرطية جزماً.

و ثالثاً- بالنسبة لما ذكر في الفرق بين وجداني ثبوت المفهوم للجملة الشرطية التي جزائها انشائي و عدم ثبوته للجملة الشرطية التي جزائها اخباري لا يرجع إلى محصل فإنّه مضافاً إلى وجدانية عدم الفرق بينهما و لهذا لم يفرق بينهما أحد في حدود ما أعلم؛ يرد عليه:

1- انّ النسبة الحملية التصادقية و إن كانت ذهنية إلّا انّه لها محكي و مدلول تصوري و هو صدق الاتحاد و التصادق و يكون هو المعلّق على الشرط لا محالة لا النسبة الذهنية فإنّها مدلول تصديقي موجود بالفعل و لا يعقل فيها التعليق.

2- إن اريد تعليق شخص النسبة التامة الحكمية في الجزاء فهذا انتفائه لا يستلزم انتهاء سنخ الحكم كما هو واضح، و إن اريد تعليق سنخها و طبيعتها فهذا مضافاً إلى ما تقدم من انّه لا معنى لاجراء الإطلاق فيه بعد أن كان مدلولًا تصديقياً جزئياً، يستلزم انتفاء سنخ الإخبار عن الجزاء في الشرطية الخبرية أيضاً مع انها لا تدلّ على ذلك، فإنّ الجملة الخبرية الشرطية لا تدلّ على انتفاء

498

إخبار آخر للمتكلم في فرض انتفاء الشرط كما لا يدل على انتفاء الجزاء.

3- وجدانية عدم الفرق في بيان الجملة الشرطية التي جزائها حكم بين أن يكون بيانها بصيغة انشائية أو إخبارية، بل بعض الأحكام بطبيعتها تكون إرشادية، بل لو فرض إخبار العادل أو المفتي عن الحكم الشرعي بجملة شرطية خبرية أيضاً كان لها مفهوم مع انها إخبار حقيقي و ليس ورائه قصد الانشاء أصلًا.

اللهم إلّا أن يدّعى انّ ظاهر ذلك بيان صياغة الجعل الشرعي الانشائي و هو كما ترى.

و أمّا فيما يرجع إلى أصل الوجدان المدّعى من قبل السيد الشهيد (قدس سره) على المفهوم للجملة الشرطية و الاستشهاد عليه باستدلالات الفقهاء في الفقه بالمفاهيم، فيمكن أن يقال:

أوّلًا- هذا الوجدان لو سلّم فهو مخصوص بحقل الفقه و أدلّة الأحكام الشرعية فيها، و لا يعمّ الاستعمالات اللغوية للشرطية.

و هناك نكتة سوف نذكرها لتبرير و تحليل هذا الوجدان الفقهي و الذي دعى السيد الشهيد إلى الاصرار على ثبوت المفهوم للجملة الشرطية الانشائية فقط.

و ثانياً- وجدانية عدم المفهوم للجملة الشرطية التي جزائها مستقل عن الشرط بمعنى أنّ الشرط ليس حالًا من حالات موضوع الحكم في الجزاء من قبيل قولك إن ظاهرت فكفّر، و إن استطعت فحج، و إن سافرت فتصدق، فإنّه من الواضح عدم المفهوم في مثلها لما إذا لم يظاهر و لكن أفطر مثلًا، أو لم يستطع للحج و لكن نذر الحج أو استؤجر له، أو لم يسافر و لكن رزق ولداً مثلًا، فإنّ‏

499

ثبوت الأحكام في هذه الموارد لا يتوهم أحد انّها تستلزم تقييداً في إطلاق مفهوم الجمل الشرطية المذكورة؛ لأنّه لا مفهوم للجمل الشرطية المذكورة مع أنّها ليست مسوقة لبيان الموضوع لانحفاظ موضوع الجزاء فيها، فلو كانت الشرطية تدلّ على التوقف و التعليق لطبيعي الحكم على الشرط لزم القول بذلك في أمثال هذه الجمل الشرطية أيضاً.

و كذا وجدانية عدم المفهوم في الجملة الشرطية التي يكون جزائها نهياً، كما إذا قلت: (إذا جاءك زيد فلا تكرمه) فإنّه لا يدلّ على انّه لو لم يجيئك لا يحرم إكرامه، بحيث لو دلّ دليل على حرمة اكرامه في فرض آخر كان منافياً مع مفهوم هذه الشرطية.

و الصحيح أنّ هذا الوجدان لعلّه ينشأ من انّ الجمل الشرطية في آيات الأحكام و الروايات حيث تكون بصدد بيان الحكم الشرعي و تحديد حدودها و شروطها التي كان الرواة و الفقهاء متصدين للسؤال عنها في أسئلتهم عن المعصومين (عليهم السلام) عادة فقد ينعقد للشرطية في بعض أو أكثر هذه الأحاديث و الأدلّة ظهور في انها بصدد التحديد و بيان حدود الجعل الذي يتصدى المعصوم (عليه السلام) لبيانه فينعقد لها الدلالة على المفهوم بمقتضى هذا المقام، أعني مقام التحديد، و هذا و إن كانت قرينة خاصة إلّا انّه حيث أنّها في القضايا الصادرة عن المعصومين (عليهم السلام) كثيرة فقد تصبح بمثابة قرينة عامة نوعية و لو في صنف من الأحكام و أدلّتها، و هي التي يفرغ فيها عن ثبوت أصل حكم و تشريعه و يراد تبيين و تحديد موضوعه و شروطه كما في مثل: (إذا خفي الأذان فقصّر) أو (إذا بلغ الماء الكر لم ينفعل)، فالنظر هنا إلى تحديد مبدأ الحكم بالقصر في الصلاة و الاعتصام في الماء، و هذا بخلاف مثل: (إذا ظاهرت فكفّر) أو (إذا سافرت‏

500

فتصدّق) أو (إذا استطعت فحجّ) أو (إذا ظهر غبن فله الخيار)، إلى آخر الموارد الاخرى التي يكون النظر فيها إلى تشريع حكم جديد بسببه و موجبه، و اللَّه الهادي.

ص 177 قوله: (التنبيه الأوّل...).

ما ذكر في الهامش صحيح، فإنّ استفادة النسبة التعليقية أو التصادقية بين جملة الجزاء و الشرط لا يكون مناسباً في موارد الشرطية المساوقة لتحقيق الموضوع، بخلاف أن يكون جملة الشرط لمجرّد الفرض و التقدير، فإنّه معنى واحد منسجم مع جميع أقسام الشرطية.

ص 178 قوله: (التنبيه الثاني...).

تفسير جريان الاطلاقين معاً الإطلاق المنطوقي المثبت لكون الواجب مطلق الاكرام مثلًا على تقدير الشرط و الإطلاق المفهومي المثبت تعليق مطلق وجوب الاكرام على الشرط يتوقف على أن يكون المدلول التصديقي للجملة الشرطية بإزاء الجزاء مع كون النسبة بين مفاده و مفاد الشرط نسبة ذهنية حقيقية، و هي نسبة التقدير و الفرض كما ذكرنا نحن، و أمّا إذا افترضنا أنّ المدلول التصديقي بإزاء مفاد التعليق مع كون الجزاء مدلولًا تصورياً بحتاً جرى الإطلاق الثاني دون الأوّل.

و دعوى‏: أنّ الشرطية متكفلة أيضاً لاثبات التصاق الجزاء بالشرط في طرف المنطوق و بيان حدوده.

مدفوعة: بأنّ هذا لا يصحح الإطلاق لأنّ الاشكال لم يكن من ناحية عدم‏

501

مقام البيان بل من ناحية ثبوتية هي استحالة اجراء الإطلاق في طرف المدلول التصوري، بل لا بد من اجرائه في أطراف المدلول التصديقي دائماً، فلا معنى لاجراء الإطلاق في مفهوم وجوب الاكرام بلحاظ الاكرام لأنّه قيد تصوري لا طرف لنسبة تصديقية.

اللهم إلّا أن يفترض وجود مدلول تصديقي آخر التزامي لانشاء أصل الحكم، و لكن اجراء الإطلاق في طرفها واضح الضعف؛ مضافاً إلى أنّ كون إطلاق المنطوق مدلولًا التزامياً، و المفهوم مطابقياً بنفسه خلاف الوجدان؛ و هذه كلّها من نتائج القول بالمفهوم على أساس كون المدلول التصديقي بإزاء النسبة التعليقية لا الجزاء.

ثمّ إنّ روح الجواب يرجع إلى أنّ المعلّق على الشرط ليس هو المدلول التصديقي للجزاء بل المدلول التصوري لمفاد الجزاء، و قد تقدم استحالة أن يكون المدلول التصديقي معلّقاً، و على تقديره لا يثبت المفهوم لأنّه شخص هذا الجعل و إنّما المعلّق دائماً المدلول التصوري لمفاد الجزاء، و هذا يؤدي إلى أن يجري في الجملة الشرطية على تقدير المفهوم اطلاقان في عرض واحد الإطلاق في طرف التعليق و انّه طبيعي وجوب الاكرام المنطبق على وجوب الاكرام الخاص أيضاً. و الآخر الإطلاق في الاكرام بلحاظ وقوعه طرفاً للنسبة الإرسالية التامة.

و منه يعرف انّ ما في جواب السيد (قدس سره) من ابتناء الجواب الفني على الاشكال بأن يكون المدلول التصديقي للجملة بإزاء التعليق لا الجزاء غير تام، بل قد عرفت انّه على هذا التقدير يقع الاشكال في إمكان اجراء الإطلاق المنطوقي.

502

ص 180 قوله: (التنبيه الثالث...).

الظاهر انّ المقصود من المجموعية ما يقابل الاستغراقية أوّلًا، و هي غير المجموعية المذكورة في الشقّ الثالث من الفرض الثاني ثانياً، و إلّا لزم التداخل و الخلل.

و المقصود من المجموعية في الأوّل أن يكون هناك حكم واحد موضوعه المجموع بحيث إذا لم يمتثل في واحد لم يكن ممتثلًا أصلًا بينما المقصود من المجموعية في الثاني وجود أحكام عديدة- كما صرّح به في ص 180 بقوله:

(لوحظ فيه مجموع الأحكام كمركب واحد)- غاية الأمر الأحكام العديدة لوحظت كمجموع و مركب واحد فهذا بحسب الحقيقة من تعليق العموم المجموعي على الشرط، و لهذا يكون بحاجة إلى قرينة على أنّ مجموع الأحكام العديدة بما هي مجموع معلقة على الشرط.

فالحاصل: المجموعية إذا كانت في موضوع الحكم في الجزاء فالحكم واحد لا أحكام عديدة، و إذا لم تكن في موضوعه بل كان الحكم متعدداً فتارة يكون تعلّق الحكم في الجزاء بعموم أفراد الموضوع معلقاً فيكون العموم معلقاً لا أصل العام و اخرى يكون العام معلقاً و عندئذٍ أيضاً تارة يلحظ مجموع الأحكام المتعلقة بالأفراد الاستغراقية بما هو مجموع أحكام معلقاً فلا ينتفي ثبوت الحكم للبعض- إلّا إذا قيل بالمفهوم بنكتة استفادة العلية الانحصارية- و اخرى يكون المعلّق ذات الأحكام العديدة، و هذا واضح.

و ما ذكر صحيح، و لكنه ليس كلياً، إذ قد يكون العموم بالحرف و مع ذلك يكون المستفاد انّ المعلّق هو العموم و الاستيعاب لا ذات العام كما في: (إذا بلغ الماء قدر كر لا ينجّسه شي‏ء).

503

ص 182 قوله: (التنبيه الرابع...).

لا إشكال في فرض كون الحكم في الجزاء حكماً واحداً على مجموع العنوانين؛ إذ مفهومه انتفاء سنخ هذا الحكم الواحد المتعلّق بالمجموع، كما إذا قال: (إذا رزقت ولداً وجب الصدقة على فقيرين أو مجموع الأمرين من الصدقة و الصلاة)، و مثله ما إذا كان أمراً واحداً متعلقاً بأحد أمرين، فإنّ هذا لا ينافي ثبوت الوجوب لأحد العنوانين تعييناً في صورة انتفاء الشرط، فالكلام فيما إذا كان الجزاء منحلا إلى حكمين و البحث في انّ المعلّق حينئذٍ هل هو كل منهما أو مجموع الحكمين، فلا ينافي ثبوت أحدهما بالخصوص عند انتفاء الشرط.

ص 183 قوله: (التنبيه الخامس:...).

هذا التنبيه كأنّه إشكال على مثل مبنى الميرزا من انّه إذا كان الشرط قيداً للحكم يثبت المفهوم بالاطلاق المقابل للتقييد بأو، حيث يقال أيُّ فرق بين كون قيد الحكم بنحو الشرط أو بنحو التقييد كما في مثل: (أكرم زيداً عند مجيئه) بناءً على رجوعه إلى الحكم و النسبة التامة لا الموضوع.

و الجواب: أمّا على مسلك السيد الشهيد في المفهوم فواضح؛ لأنّه مبني على قبول ركنين في الشرطية: أحدهما: دلالتها على النسبة التوقفية التعليقية بين الجزاء و الشرط. و الثاني: كون المعلّق سنخ الحكم و مطلقه باجراء الإطلاق فيه بلحاظ التعليق.

و كلا الركنين مفقود في المقام، أمّا الأوّل فواضح. و أمّا الثاني فلأنّ جريان الإطلاق في الحكم فرع كونه طرفاً و موضوعاً لنسبة تامة، و هذا يتمّ في الشرطية دون الحملية لأنّ الحكم بنفسه المدلول التصديقي، و ليس طرفاً لنسبة تامة، فلا

504

يجري الإطلاق فيه، بخلاف الحكم في الشرطية فإنّه طرف و موضوع للنسبة الشرطية التامة.

و أمّا على المسلك المختار و الذي أنكرنا بناءً عليه المفهوم و لكن قلنا انّه يمكن دلالة الجملة الشرطية عليه، بخلاف الجملة الوصفيّة، فباعتبار ما ذكرناه من تمامية النسبة الحكمية في الجزاء، بقطع النظر عن الشرط و كون النسبة الشرطية نسبة تامة في نفسها راجعة إلى تحديد وعاء صدق الجزاء فيمكن النظر إليها و اجراء الإطلاق المثبت للمفهوم فيها بلحاظ طبيعي النسبة الحكمية إذا كان المتكلّم في مقام البيان من ناحيتها، و هذا لا يمكن في الجملة الوصفية، و قد تقدّم شرح ذلك.

ص 184 قوله: (التنبيه السادس...).

هذا التوجيه يصحّ إذا كانت (من) موصولة و أمّا إذا كانت شرطية فمفادها أنّ الشرط إنّما هو الجملة الواقعة بعدها فتكون في قوّة قولنا: (إن أكرمك أحد فأكرمه).

و بعبارة اخرى‏: مدلول هذه الشرطية انّه أكرم الذات التي أكرمتك إذا أكرمتك، فالمعلّق عليه اكرامه لك لا نفس المكرم فلا يكون من السالبة بانتفاء الموضوع.

و هذا الاشكال يمكن دفعه بأنّه بالدقة و إن كان كذلك إلّا انّه بحسب مقام الإثبات و الدلالة العرفية حيث انّ (من) مبهمة فلا محالة يكون تعينها بالشرط بحسب الاثبات فيكون موضوع الجزاء خصوص الذي أكرمك لا ذات الموصول فيكون من السالبة بانتفاء الموضوع كما في (إن رزقت ولداً فاختنه). فالميزان‏

505

في تشخيص ما هو موضوع الحكم في الجزاء من حيث أخذ الشرط قيداً فيه أم لا هو العرف لا الدقة العقلية.

و على هذا الأساس قد لا يكون مفهوم للشرطية حتى في مثل إن جاءك أحد فأكرمه و مثله إن جاءكم فاسق بنبإ فتبيّنوا فإنّ الأحد و النبأ يتعين بالشرط في مثل هذه الأمثلة اثباتاً فيكون الشرط قيداً في موضوع الحكم في طرف الجزاء لا محالة و هذا بخلاف مثل أكرم زيداً إن جاءك فإنّ مجيئه ليس محققاً لموضوع وجوب الاكرام و هو زيد.

فالحاصل‏: تعيين ما هو موضوع الجزاء و دخل للشرط فيه إنّما يكون بحسب مقام الإثبات و ما يستظهر من القضية عرفاً لا بالدقة العقلية.

و هذه النكتة صحيحة و قابلة للقبول إلّا انها لا ترتبط بكون أدوات الشرط اسماً أو حرفاً بل هي نكتة مستقلة في تشخيص صغرى ما ذكر في التنبيه الأوّل فقد تكون الأداة حرفية و مع ذلك يستظهر قيدية الشرط لموضوع الجزاء كما في آية النبأ و قد تكون اسمية و مع ذلك يستفاد المفهوم كما لا يبعد في مثل: «وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا» حيث انّ الحكم رتب أوّلًا و بصورة مستقلة على كل انسان ثمّ عطف عليه بالشرط أي قوله تعالى: «مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا» مما يوجب استظهار انّ المعلّق عليه خصوص الشرط و هو الاستطاعة و انّ موضوع الحكم كل فرد من الناس.

لا يقال: إذا كان موضوع الجزاء هو المقيد بالشرط في مثل (من أكرمك أكرمه) كانت (من) موصولة عندئذٍ لا شرطية أي في قوّة قولك أكرم الذي أكرمك.

506

فإنّه يقال: بل تبقى شرطية إلّا أنّ الشرط تحقق الموضوع المقيد للجزاء فهو في قوّة قولك: (إن وجد من يكرمك فأكرمه) نظير قولك: (إذا رزقت ولداً فاختنه).

ص 186 قوله: (و ثانياً...).

بل لا يجري استصحاب بقاء وجوب التمام حتى إذا كان قد دخل عليه الوقت و هو في البلد؛ لأنّ الذي يصبح فعلياً بدخول الوقت هو الجامع بين التمام المقيّد بالحضر و القصر المقيد بالسفر المقيد بالخروج كذا مقدار من البلد، و هذا الوجوب للجامع مقطوع الفعلية لا شك فيه لكي يستصحب، و إنّما الشك في تحقق قيده إذا صلّى تماماً أو قصراً، فيكون من الشك في الامتثال و العلم الإجمالي بلزوم أحدهما.

ص 187 قوله: (القطع الثالث...).

ينبغي تحرير البحث بالنحو الثاني‏:

تارة يفرض انّ الحكم في الجزاء لا يقبل التكرار كما في مثال القصر في الفريضة، و اخرى يفرض انّه يقبل التكرار كما في مثال (إن ظاهرت فكفّر) أو (إن استطعت فحج) أو (إن ظهر العيب كان له الخيار) أو (إن خفي الجدران فتصدق، و إن خفي الأذان فقصّر) و غير ذلك من الأدلّة.

و الفرض الأوّل يلاحظ عليه:

أوّلًا- انّه لا ينبغي ربطه مطلقاً ببحث مفهوم الشرط أصلًا؛ لأنّه حتى إذا كانت الجملة حملية لا شرطية وقع التعارض بين الدليلين؛ لأنّ الحكم الواحد