أضواء وآراء؛ تعليقات على كتابنا بحوث في علم الأصول‏ - ج1

- السيد محمود الهاشمي الشاهرودي المزيد...
694 /
57

و الاستعمال باب السببية التكوينية بين الاحساس باللفظ و تصور المعنى كما ذكرنا مراراً. فما لم يتعدد اللفظ سواء كان مادة أو هيئة احساساً و استعمالًا لا يخطر في الذهن تصوران منه. على أنّ تكرار اللفظ في الجميع لا بدّ و أن يكون مشخّصاً عدده و ليس كالمعنى الذي يمكن أن يراد بالهيئة ما زاد على الثلاث منه.

مضافاً إلى أنّ هذا خلاف الوجدان البديهي، و خلاف ما هو مسلّم من دلالة التثنية و الجمع على إرادة المتعدد من معنى المادة لا لفظها.

و إن اريد انّ هيئة التثنية و الجمع كواو العطف، فجوابه انّ العطف معناه ربط المعطوف بحكم المعطوف عليه، و نسبته التامة أو الناقصة إلى طرفه، و هذا لا يتعقل في المعاني الافرادية و الجمع و المثنى كالمفردات من المعاني الافرادية و خلاف الوجدان القطعي فيما هو معنى التثنية و الجمع.

و منها- ما ذكره البعض من أنّ هيئة التثنية و الجمع تدل على المتعدد من مدخولها سواء أ كانا معنيين بأن يكونا مشتركين في اللفظ فقط دون المعنى أم فردين بأن يكونا مشتركين في اللفظ و المعنى معاً (1).

و فيه‏: انّ هذا رجوع إلى استعمال المادة و المدخول في المسمّى في أسماء الأعلام و الذي لم يقبله. فإنّ فردين مشتركين في اللفظ فقط لا معنى له إلّا ذلك و لا أدري كيف جمع بين المطلبين.

____________

(1) () المباحث الاصولية 1: 342

58

و منها- أنّ هيئة التثنية و الجمع لم توضع لفردين أو أفراد من الطبيعة ليقال بعدم تعقل ذلك في أسماء الأعلام و الإشارة و نحوها، بل للمتعدد من معنى المادة، فإن كانت المادة اسم جنس فالمتعدد منه يعني عددين من الإنسان مثلًا في الذهن نكرتين، و إن كانت المادة اسم علم فالمتعدد منه يعني عددين من خصوص المعاني العلمية لا مطلق المسمّى، و هو يلازم تصور المعاني العلمية فقط من دون أن تكون المادة مستعملة في المسمّى، بل ابتداءً تأتي تلك المعاني العلمية إلى الذهن، و من هنا لا تكون نكرةً محضةً، و إن كانت المادة اسم إشارة أو موصول يكون المتعدّد منه بمعنى تعدّد النسبة الإشارية الذهنية لمفردين مذكرين أو مؤنثين المستلزم تبعاً لتعدد المشار إليه، و ما لا يقبل التكثير و التعدّد إنّما هو المشار إليه لا النسبة الاشارية الذهنية و التي هي الاستجابة الوضعية الذهنية في أسماء الإشارة و الموصولات و الضمائر.

و هذا البيان لعلّه أنسب البيانات، و هو ليس من الاستعمال في معنيين أيضاً، بل من باب إرادة مجموع المعنيين العلميين أو مجموع الاشارتين، غاية الأمر استفيد ذلك من الجمع بين المادة و أدوات الجمع و التثنية بنحو تعدد الدال و المدلول كما في اسم الجنس أيضاً فإنّه يفهم من رجلين مجموع رجلين أي صورة ذهنية واحدة لاثنين لا صورتان مستقلتان لكل من الرجلين، فتدبر جيداً.

59

علامات الحقيقة و المجاز

كان الأنسب البحث عن طرق اثبات الظهور و الدلالات اللفظية بأقسامها و أقسام الشك و التردّد فيها، و هو بحث أوسع من علامات الحقيقة و المجاز، يرجع إلى اثبات صغرى الظهورات التي هي أهم الأدلّة الشرعية و أوسعها، و فيها نكات و جهات مهمّة و قواعد عامّة لا يستغني عنها الفقيه، و هذا بحاجة إلى تحرير و توفيق جديد لا يسعه هذا المجال.

ص 168 قوله: (و الصحيح عدم إمكان استعمالها...).

الظاهر أنّ المراد من صحّة الحمل و السلب و عدم صحتهما ليس ما ذكره الاصوليون من فرض معنيين أحدهما في طرف الموضوع و الآخر في طرف المحمول و ايقاع النسبة الحملية الذاتية أو الصناعية بينهما ليقال أنّ ذلك أعم من كون اللفظ في طرف المحمول مستعملًا في ذلك المعنى بنحو الحقيقة أو المجاز، فإنّ هذا واضح.

و إنّما المقصود صحّة عقد القضية اللفظية بما للفظ المحمول من المعنى الارتكازي في الذهن- نتيجة الوضع لدى العارف باللغة- مع المعنى الواقع موضوعاً للقضية، فإذا صحّ في الذهن ذلك بنحو الحمل الأولي دلّ على انّه المعنى الموضوع له، و إذا صحّ بنحو الحمل الشائع دلّ على انّه حقيقة فيه أيضاً، و هذا من نتائج القرن و التلازم التصوري بين اللفظ و المعنى بسبب الوضع.

و بتعبير القوم من نتائج العلم الارتكازي بالمعنى الذي تتبدل إلى العلم‏

60

التفصيلي بمنبهية صحة عقد القضية الحملية أو عدم صحة سلبها و العكس بالعكس.

فالحاصل كما أنّ ذلك العلم الارتكازي أو بالتعبير الدقيق التلازم الواقعي التصوري الحاصل نتيجة القرن اللغوي يوجب إمكان المنبهية من طرف اللفظ نحو المعنى عند اطلاقه، و هو المعبر عنه بالتبادر كذلك يوجب إمكان المنبهية من طرف المعنى بأخذه في طرف الموضوع و اجراء اللفظ عليه من خلال قضية حملية موجبة أو سالبة بنحو الحمل الذاتي أو الشائع الصناعي فينتبه الذهن إلى تمام المعنى في الذاتي و إلى اطلاقه في الشائع الصناعي.

و بعبارة اخرى‏: لا نتصور أوّلًا معنى الإنسان و نحمله على الحيوان الناطق أو الرجل الشجاع فنحمله على زيد الشجاع من خلال لفظ أسد ليقال بأنّ هذا أعم من استعماله فيه بنحو الحقيقة أو المجاز. بل نعلم انّ زيداً رجل شجاع كما نعلم انّه ليس الحيوان المفترس، و لكن لا ندري أنّ أسد اسم للثاني بالخصوص أو للأعم فنقول: زيد الشجاع أسد بما له من المعنى المرتكز في الذهن أو ليس بأسد كذلك، فإن صحّ الأوّل ثبت الحقيقة في الرجل الشجاع و إن صحّ الثاني ثبت المجاز. و هذا واقعه التبادر و لكن من خلال منبهية صحة الحمل و السلب، لا من خلال اللفظ المجرد فإنّه ربّما لا يكفي اللفظ المجرّد للمنبهيّة لأنّ الاقترانات في باب اللغة إنّما تكون من خلال الاستعمالات التركيبية في الكلام لا المفردات المحضة أي من خلال الجمل الحمليّة و نحوها. فقد لا يتحقق التبادر و المنبهية من إطلاق اللفظ المفرد و لكن يتحقق من خلال الجملة الحملية الموجبة أو السالبة. بل في صحة السلب للفظ بما له من المعنى الارتكازي المردّد يثبت انّ المعنى المتبادر منه لا يشمل الموضوع، و هذا الجانب السلبي لم يكن يمكن‏

61

استفادته من علامية التبادر للفظ المجرد؛ إذ عدم التبادر لمعنى محتمل لا يدل على عدم كونه معنىً حقيقياً للفظ، و إنّما التبادر علامة الحقيقة في الجانب الاثباتي لا أكثر، كما هو واضح. إذاً فعلامية صحة الحمل فضلًا عن علامية صحة السلب على المجازية أو الخروج عن المعنى الحقيقي مستقلة عن علامية التبادر، و إن كانت نكتتهما الثبوتية مشتركة، فتدبر جيداً.

ص 171 قوله: (الأثر العملي لعلامات الحقيقة...).

و يمكن الجواب أيضاً: انّ الظهور اثباتاً و نفياً قد يكون بدوياً بحيث بالرجوع إلى مفردات الكلام و ما يتبادر لكل واحد منها من المعنى الحقيقي أي تطبيق علامات الحقيقة عليها يتغير الظهور النهائي المستقر من ذلك الكلام؛ كما انّه ربما لا يكون ظهور بدواً و إنّما يحصل بعد التأمل و التبادر من اللفظ.

و أمّا الجواب الذي ذكره السيد (قدس سره) فحاصله: انّ فائدة تشخيص المعنى الحقيقي بالتبادر و نحوه احراز الظهور النوعي؛ لأنّ الأصل تطابق الفهم اللغوي أي الظهور التصوري الشخصي مع الفهم النوعي و بذلك نحرز الظهور النوعي التصوري و من ثمّ التصديقي الاستعمالي للكلام.

لا يقال: يكفي التطابق بين الظهور التصديقي و الاستظهاري الشخصي مع الظهور التصديقي النوعي بلا حاجة إلى التبادر و كون هذا الظهور حقيقياً أو مجازياً.

فإنّه يقال: أصالة التطابق لا يجري بلحاظ الظهور التصديقي؛ لأنّه قضية خارجية و متأثرة بالعوامل و القرائن المقامية و الحالية و الشخصية، و إنّما مجرى الأصل المذكور الظهور التصوري اللغوي.

62

ص 172 قوله: (تعارض الأحوال...).

هذا بحث مهم و لا يرجع بتمام شقوقه إلى أصالة الظهور- كما ذكره المحقّق الخراساني (قدس سره) و تابعه عليه السيّد الخوئي (قدس سره) فلم يتعرّضا له- فإنّ أصالة الظهور مربوط بتشخيص المدلول الاستعمالي أو الجدّي عند الشك فيهما لا المدلول الوضعي التصوري، و بعض موارد الشك و الدوران للأحوال المذكورة ترجع إلى المدلول الوضعي و كيفية تشخيصه- كما هو مشروح في الكتاب- فإذا كان فيها أصل لفظي عقلائي لرفع الشك و الترديد في المعنى الموضوع له فهو لا يرجع إلى أصالة الظهور بل أصالة الظهور متفرّع على تشخيص المعنى الحقيقي الموضوع له اللفظ في المرتبة السابقة و هذا واضح، فلا بدّ من تنقيح و توضيح هذه الاصول اللفظية في كل نوع من أنواع الحالات المتعارضة و التي يمكن تصنيفها إلى ما يلي:

1- الاصول اللفظية الجارية لتعيين المدلول و المعنى الوضعي.

2- الاصول اللفظية الجارية لتعيين المدلول الاستعمالي.

3- الاصول اللفظية الجارية لتعيين المدلول الجدّي.

و فيما يلي نوضّح كل نوع من هذه الأنواع إجمالًا:

1- أمّا النوع الأوّل‏: فقد تقدّم في البحث السابق انّ طرق تشخيص المعنى الحقيقي عن المجازي يكون بالرجوع إلى أهل اللغة أو الاستفادة من علامات الحقيقة، أي التبادر و صحة الحمل و الاطراد.

إلّا أنّه قد ذكرنا هناك بأنّ ذلك لا يكفي لدفع احتمال نشوء التبادر عن انس ذهني شخصي، و قد عالجنا هذا الاشكال بالرجوع إلى أصل لفظي عقلائي‏

63

سمّيناه بأصالة التطابق بين التبادر و الفهم الشخصي من اللفظ مع الفهم النوعي العرفي منه، و بذلك أثبتنا التبادر أو الظهور اللغوي العام للفظ. و هذا اثبات للمعنى الحقيقي الوضعي بأصل لفظي عقلائي.

و نفس الشي‏ء نحتاجه في موارد الشك في النقل أو الاشتراك عند دوران اللفظ بين أن يكون منقولًا إلى معنى جديد أو باقياً على معناه الأوّل أو مشتركاً بين المعنيين أو مختصّاً بمعناه الأوّل، و المعروف التمسك في ذلك بأصالة عدم النقل و عدم الاشتراك لنفي كل من الاحتمالين، و هي أيضاً أصل لفظي عقلائي.

و قد اختلف في حقيقة هذا الأصل اللفظي و ملاكه كما اختلف في موارد جريانه فبالنسبة لملاك هذا الأصل و مبناه يظهر من الكتاب أنّ السيد الشهيد (قدس سره) يرجع هذا الأصل إلى الأصل اللفظي السابق، أي أصالة التطابق بين ذهن الفرد و ذهن العرف الذي يعيش فيه؛ لأنّ احتمال النقل يعني احتمال زوال الظهور النوعي فينفى ذلك بوجدانيّة بقاء الظهور الشخصي الفعلي بمقتضى أصالة التطابق. كما أنّ وجدانيّة ظهور اللفظ في معنى واحد لدى الفرد يقتضي أنّ ذهن العرف و الدلالة النوعية كذلك أيضاً، و هذا مساوق لنفي الاشتراك.

و هذا التحليل مما لا يمكن المساعدة عليه، و ذلك:

أوّلًا- لأنّ هذا معناه تطبيق أصالة التطابق بلحاظ طرف السلب و عدم التبادر الشخصي، و هذا محل اشكال بل منع، فإنّه في طرف الاثبات أي ما يتبادر إلى ذهن الفرد من اللفظ المجرّد عن القرينة لا منشأ له عادة- بعد أن لم تكن الدلالة ذاتية- سوى الوضع النوعي العام و أمّا في طرف السلب أي حينما لا يتبادر إلى ذهن الفرد معنى من اللفظ لا يمكن أن يكون ذلك كاشفاً عن عدم تبادر العرف‏

64

العام أيضاً؛ إذ قد لا يكون الفرد مطّلعاً على تمام دقائق اللغة وسعة معانيها، و هذا واضح.

و ثانياً- انّ ذهن الفرد قد لا يتبادر إليه المعنى المختص أيضاً بل يبقى متردداً بينه و بين المعنى الآخر المحتمل صيرورة اللفظ مشتركاً بينهما، ففي مثل ذلك لا يمكن اجراء أصالة التطابق، و كذا في مورد احتمال النقل إذا فرض انّ المعنى الثاني أيضاً صار معنىً حقيقياً للفظ- كما في مورد الحقيقة الشرعية- و لكن يشك في مهجورية المعنى اللغوي الأوّل- الذي هو المراد بالنقل- و عدمه فإذا فرض انّ ذهن الفرد لم يكن يتبادر إليه إلّا المعنى الثاني كان مقتضى أصالة التطابق بينه و بين الذهن العرفي العام اثبات النقل لا نفيه، و هذا على خلاف أصل عدم النقل.

و التحقيق‏: انّ ملاك أصالة عدم النقل و الاشتراك هو أصالة الثبات و بقاء العلاقات و الدلالات اللغوية الوضعية و ندرة التبدّل و التحوّل السريع فيها.

و قد صرّح السيد الشهيد (قدس سره) بذلك في بعض الموارد، و هذه الغلبة معتبرة عند العقلاء، فما لم يثبت وقوع التغيير في العلقة الوضعية سواء في ذلك زوال العلقة الاولى و مهجوريتها- كما في موارد النقل- أو توسعتها و تحقق علقة وضعيّة جديدة- كما في موارد الاشتراك- فالأصل اللفظي العقلائي يقتضي بقاء العلقة الوضعيّة على حالها.

و هذا يعني انّ أصالة عدم النقل و الاشتراك ترجع إلى أصالة الثبات في اللغة، و هي أصل لفظي آخر غير أصالة التطابق بين الظهور الشخصي و النوعي.

و أمّا موارد جريان أصالة عدم النقل أو بتعبير أدق أصالة الثبات في اللغة، فقد اختلف في ذلك أيضاً، و الاحتمالات المتصورة فيه ثلاثة:

65

1- أن يكون جارياً في خصوص ما إذا لم يعلم بأصل النقل، و هذا مختار السيد الشهيد (قدس سره).

2- أن يكون جارياً في مورد عدم العلم بأصل النقل، و كذلك في مورد العلم به و الشك في تاريخه، مع العلم بتاريخ صدور النصّ الشرعي الوارد فيه ذلك اللفظ، فيجري أصل عدم النقل إلى ذلك التاريخ المعلوم، و هذا مختار المحقّق العراقي (قدس سره)(1).

3- أن يكون جارياً حتى في موارد الجهل بتاريخ صدور النصّ الشرعي طالما يكون احتمال عدم تحقّق النقل حين صدوره موجوداً.

و مبنى السيد الشهيد (قدس سره) في ارجاع أصل عدم النقل إلى أصالة التطابق يقتضي اختيار الاحتمال الأوّل؛ لأنّه مع العلم بانثلام التطابق و تحقّق النقل لا معنى لاجراء أصالة التطابق بين ذهن الفرد و الذهن العام، و لكنّك عرفت أنّ أصل عدم النقل لا يرجع إلى ذلك، بل يرجع إلى أصالة الثبات في العلقة الوضعيّة، و هذا الأصل اللفظي كما يجري في موارد الشك في أصل النقل و تغيّر العلقة الوضعيّة يجري في موارد العلم بأصله و الشك في تاريخه، فإنّ الثبات و عدم التغيير كلّما كان أكثر و زمانه أطول فهو أقرب إلى تلك الغلبة النوعية.

نعم، في موارد الجهل بتاريخ صدور النصّ الشرعي و تردّده بين زمان تحقّق النقل أو قبل ذلك خصوصاً إذا كان تاريخ النقل معلوماً و مشخصاً لا انطباق للغلبة المذكورة؛ لأنّ الشك بحسب الحقيقة هنا في تأخر النص و تقدمه، لا في ثبات اللغة و عدمه و لو بحسب نظر العرف.

____________

(1) () مقالات الاصول 1: 126 (ط- مجمع الفكر الإسلامي)

66

و نفس الوجوه و الاحتمالات تجري في أصالة عدم الاشتراك؛ لأنّها ترجع إلى أصالة الثبات في اللغة أيضاً، فلو علم بتحقق الاشتراك و شك في تاريخه جرى فيه البحث المتقدّم.

و ربّما يضاف هنا فرض آخر لا تجري فيه أصالة عدم الاشتراك، و هو ما إذا شك في الاشتراك من أوّل الأمر- كما في تشكل اللغة من اجتماع قبائل متعددة و اندماجها في لغة واحدة- فإنّه هنا لا موضوع لأصالة الثبات؛ إذ الشك في الاشتراك من أوّل الأمر. نعم، لو أرجعنا أصالة عدم الاشتراك إلى أصالة التطابق- كما هو مبنى السيد الشهيد هنا- جرى أصل عدم الاشتراك؛ لنفي المعنى المحتمل اشتراك اللفظ بينه و بين المعنى الآخر المتيقن، و هذا أيضاً من الفروق العمليّة بين المبنيين.

2- و أمّا النوع الثاني‏: أعني الاصول اللفظية الجارية لتعيين المدلول الاستعمالي فأهمّها أصالة الحقيقة، و التي تعني إرادة المتكلم للمعنى الحقيقي كلّما استعمل اللفظ بلا قرينة.

و مبنى هذا الأصل اللفظي الكاشف عن المدلول الاستعمالي- و هو مدلول تصديقي- يمكن أن يكون الظهور الحالي و الطبعي للمتكلم الملتفت في مقام المحاورة، و يمكن أن يكون مبناه نحو تعهّدٍ و تبانٍ عرفي عام، فإنّ التعهّد يمكن أن يكون مبنىً للدلالات التصديقية- كما تقدّم في بحث الوضع-.

و هذا الأصل اللفظي لا يجري في موارد احتمال قرينية شي‏ء محفوف بالكلام، و أمّا موارد احتمال وجود قرينة لم يلتفت إليها أو حذفت من الكلام فالمشهور جريان أصالة الحقيقة فيها أيضاً.

67

و قد ناقش في ذلك السيد الشهيد (قدس سره) بأنّ مرجع الأصل المذكور إلى كاشفية الظهور المتقدّم بيانه لا الأصل التعبّدي، فإنّ العقلاء ليست لهم اصول تعبّدية و مع احتمال القرينة لا يحرز الظهور، فلا تجري أصالة الحقيقة. نعم، يمكن التمسّك بأصالة عدم الغفلة لنفي احتمال غفلة السامع عن القرينة و بظهور شهادة الراوي السلبية على عدم حذفه للقرينة؛ لأنّه على خلاف أمانة النقل و الشهادة.

و تفصيله في محلّه.

و من جملة الاصول اللفظية من هذا النوع أصالة عدم الاضمار أو الاستخدام؛ لأنّه أيضاً خلاف الوضع الطبيعي لارجاع الضمير أو لاستعمال الهيئات و الجمل؛ و لعلّهما يرجعان إلى نحو تجوّز في النسبة و في هيئة ارجاع الضمير في الجملة، فيرجع الأصل فيهما إلى أصالة الحقيقة أيضاً.

و يمكن ارجاع هذه الاصول في هذه المرحلة إلى أصل لفظي أعم جامع لها و لغيرها و هو أصالة التطابق بين المدلول التصوّري النهائي للكلام و إرادة المتكلّم و قصده الاستعمالي في مقام الافهام و المحاورة، و هذا التطابق نكتته ما تقدّم من الظهور الحالي أو التعهّد، و قد لا يلزم من عدم التطابق مجازية في الكلام.

هذا في الدوران بين المجاز، أو قل ما يخالف المدلول النهائي التصوري للكلام و عدمه، و أمّا إذا علم بالتخلّف و دار الأمر بين المجاز أو الاضمار أو الاستخدام، أو دوران الأمر بين اعمال ذلك في طرف الموضوع أو المتعلّق أو الحكم، أي تردّد اعماله بين أكثر من جانب من الكلام، فإذا فرض ذلك في كلام واحد متصل فالميزان فيه ملاحظة مقتضي الظهورين و تقديم الأقوى على الأضعف منهما، أو ما يجعله العرف قرينة- على ما يأتي تفصيله في بحوث التعارض- و مع عدم وجود ذلك يصبح الكلام مجملًا لا محالة، و إن كان ذلك في‏

68

كلامين منفصلين فالظهور متحقّق فيهما معاً، و يكون التعارض بين دليلين و فيه اصول لفظية للجمع العرفي تأتي في بحوث التعارض غير المستقر، إلّا أنّها لا توجب تغييراً في المدلول الاستعمالي لشي‏ء من الدليلين و إنّما يوجب الكشف عن المراد الجدّي و هو النوع الثالث من الدلالة.

3- و أمّا النوع الثالث‏: أي الاصول اللفظية الجارية لتعيين المدلول الجدّي فهي أصالة الجدّ النافية لاحتمال الهزل و التقية و نحوها، و أصالة العموم و الإطلاق بناءً على ما هو الصحيح من عدم لزوم التجوّز من التقييد و التخصيص المتصل، و إنّما يكون ارادة الخصوص و المقيّد من العام و المطلق عند الدوران بينه و بين عدمه مخالفة لظهور ايجابي أو سلبي سكوتي دال على نفي التخصيص و التقييد، فمبنى الاصول اللفظية في هذه المرحلة أيضاً إلى الظهور الحالي في الارادة الجدية لما هو الظاهر النهائي للكلام، و أنّ ما قاله يريده و ما لم يقله و سكت عنه لا يريده- الظهور الايجابي و السلبي معاً- و عند الدوران بين ظهورين في هذه المرحلة أو الدوران بين التجوّز و مخالفة الظهور الاستعمالي و بين مخالفة الظهور الجدّي إذا كان في كلام واحد متصل يقع التزاحم بين مقتضي الظهورين، فإذا كان أحدهما أقوى من الآخر أو قرينة عليه قدّم في مقام التأثير و الاقتضاء و انعقد الظهور النهائي على طبقه، كما في تقديم الظهور الايجابي على الظهور السلبي السكوتي- و إلّا أصبح الكلام مجملًا. و إذا كان ذلك في كلامين منفصلين فالظهورات متحققة، و يكون من التعارض، و قد أشرنا إلى أنّ فيه اصولًا لفظيّة لحلّ التعارض و اعمال الجمع العرفي إذا تمّ شي‏ء منها ارتفع التعارض من البين، و إلّا كان التعارض مستقراً، و سيأتي تفصيل ذلك كلّه في بحوث تعارض الأدلّة.

69

الحقيقة الشرعية

ص 181 قوله: (و قد يطور هذا التقريب بنحو يسلم من الاعتراض...).

الظهورات التي تكون موضوع حجّية الظهور لا بد و أن ترتبط بباب الدلالة و قصد الافهام للمعنى.

و أمّا الظهور الحالي على قصد أمر تكويني لا ربط له بمدلول الكلام، فليس مشمولًا لحجية الظهور، كما لو كان ظاهر حال متكلم عند ما يخطب أنّه على صحة جيدة، أو انّه قد شرب دوائه، فإنّ هذا الظهور لا يكون حجة من باب حجّية الظهورات الحالية.

و المقام من هذا القبيل؛ لأنّ قصد الوضع بالاستعمال يعني قصد تحقق أمر تكويني، و هو حصول الاقتران بنفس الاستعمال في ذهن السامعين و الذي هو حقيقة الوضع، و هذا الظن الناشئ من ظهور الحال ليس مشمولًا لأدلّة حجّية الظهورات، بل قد لا يوجب الظن بتحقق الاقتران و الوضع.

نعم، لو اريد ظهور استعماله في انّه كلما اطلق اللفظ بلا قرينة يريد افادة ذلك المعنى فقد يكون هذا مشمولًا لحجية الظهورات و الدلالات، إلّا أنّ صغراه ممنوع، فإنّه لا يوجد ظهور كذلك و إنّما غايته دعوى ظهور استعماله في انّه يريد تحقق الاقتران في ذهن السامعين.

الصحيح و الأعم‏

ص 189 قوله: (و دعوى: تعسُّر معرفة مفاد القرينة العامة...).

ما ذكر من إمكان معرفة مفاد القرينة العامة عن طريق التبادر إن اريد به تبادر المتشرعة فهو لا يقتضي ذلك؛ إذ لعلّ كثرة استعمال المتشرّعة كان سبباً لذلك، لا استعمالات الشارع، و إن اريد به التبادر في زمن الشارع فأنّى لنا إثبات ذلك، و لو أمكن إحرازه كان دليلًا على الحقيقة الشرعية.

فالحاصل: تبادر المتشرّعة في أزمنتنا لا يكون معلولًا لمفاد القرينة العامة أو لظاهر حال الشارع في استعمالاته، و إنّما يكون متولداً و مسبّباً عن كثرة الاستعمال، فلعلّ الشارع قد استعمل اللفظ مجازاً في كل من الصحيح تارة و الأعم اخرى، و من مجموع ذلك حصل في ذهن المتشرعة- و لو باضافة استعمالات المتشرعة أيضاً- الاقتران بين اللفظ و المعنى الأعم؛ لأنّ الاستعمال في الصحيح أيضاً ينفع لايجاد الاقتران بين اللفظ و بين المعنى الأعم كما لا يخفى.

ص 190 قوله: (و منه يعرف انّ التمامية من حيث الاجزاء...).

الظاهر انّ مقصود السيّد الخوئي (قدس سره) ليس نفي كون الصحة مفهوماً اضافياً، و إنّما ينفي كونها منتزعة بالاضافة إلى ترتّب الأثر أو سقوط الأمر أو موافقته؛ لأنّها كلها حيثيات في طول تعلّق الأمر و ترتّب الأثر مع انّ الصحة و التمامية

70

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

71

محفوظة قبلها و مأخوذة في متعلّقها أو موضوعها، فلا يمكن أن تكون هذه الاضافة هي المقوّمة للتمامية و الصحة، و إنّما المقوّم لها الاضافة إلى المركب و العنوان المجموعي الملحوظ في متعلّق الأمر أو موضوع الأثر الشرعي، فبلحاظ المجموع من الاجزاء و الشرائط التي لاحظها الشارع في المركّب الذي شرّعه من عبادة أو معاملة أو غيرهما كالتذكية و التطهير من الخبث و غير ذلك تنتزع التمامية مع قطع النظر عن تعلّق الأمر أو ترتّب الأثر الشرعي عليه و إن كان أخذ ذاك التركيب و ايجاده يكون لغرض تعلّق الأمر به في العبادات أو ترتيب أثر عليه في المعاملات، و هذا مطلب صحيح لا غبار عليه.

ص 191 قوله: (و أمّا قصد القربة و الوجه...).

ما ذكر غير تام، فإنّ البرهان على عدم إمكان أخذ قصد الأمر في متعلق الأمر يرتبط بعالم الثبوت لا الدلالة الاثباتية الاستعمالية، فيمكن أخذ الصحّة من ناحية قصد الأمر في المسمّى أيضاً، غاية الأمر البرهان المذكور يكشف عن عدم انبساط الأمر على هذه القيود المفادة بالمسمّى ثبوتاً و جداً مع أخذها في المسمّى استعمالًا، فلا يصحّ الاشكال في هذه الشروط أيضاً.

ص 195 قوله: (الثاني- ما حاوله الخراساني (قدس سره)...).

و هناك جواب آخر عليه ذكرته مدرسة الميرزا (قدس سره)، و هو متجه عليه أيضاً، و لا أدري لما ذا حذفه السيد (قدس سره)، و حاصله: انّه لو اريد وضع الاسم لنفس عنوان الناهي عن الفحشاء و المنكر أو المؤثر للأثر المخصوص فهذا من الواضح انّه مفهوم انتزاعي عرضي لا يحتمل أن يكون هو الموضوع له.

و إن اريد وضعه لما يشار إليه بهذا العنوان و البرهان إلى الجامع الذاتي‏

72

البسيط المؤثر، فإن اريد الإشارة إلى واقعه العيني الخارجي، فهو لا يمكن أن يكون المسمّى؛ إذ الاسم لا يجعل للوجود الخارجي، و إن اريد الإشارة إلى مفهومه فلا يوجد في الذهن إلّا مفهوم الاجزاء و القيود المركبة و ليست هي المسمّى بحسب الفرض و إلّا كان تركيبياً و لا يوجد مفهوم آخر في الذهن ليشار به إليه.

نعم، ربما يوجد مفهوم بسيط كذلك في ذهن المشرع، إلّا انّه لا يحتمل أن يكون المسمّى مفهوماً لا يعيشه أحد من الناس غير المشرِّع الأقدس، و هذا واضح.

ص 196 قوله: (رابعاً: النقض بالقيود الثانوية...).

هذا النقض لا يختصّ بالقبول بالجامع البسيط، بل يرد على القول بالمركب أيضاً، كما انّه يجري على القول بالأعم أيضاً، لأنّ مثل قصد القربة أو عنوان الواجب البدوي قيد ركني لا يتحقق الصلاة أو الصوم و نحوهما بدونه فيلزم محذور عدم امكان وقوعه متعلق الأمر.

و جوابه ما تقدم منّا فلا تغفل. بل بناءً على الجامع البسيط و كون القيود محققات و محصلات أو علل لذلك الجامع و كون الأمر متعلقاً بذلك الجامع قد يرتفع أصل إشكال الاستحالة في أخذ القيود الثانوية، لأنّ الاشكال مبتنٍ على أخذها بعناوينها في متعلّق الأمر لا أخذ ما يلازمها كما سيأتي في محلّه.

فهذا الاشكال و النقض لا مجال له أصلًا.

73

ص 209 قوله: (4- دعوى تبادر المعنى الأعم. و فيه: لو سلم...).

ما ذكر من عدم جريان أصالة عدم النقل في موارد يكون مقتضي النقل مؤكداً محل اشكال، فإنّه إذا علم أو اطمئن به فلا اشكال، و إلّا جرى الأصل العقلائي المذكور و هو كالاصول العقلائية اللفظية- كحجّية الظهور- ليست مقيدة بعدم الظن و القرينة النوعية على الخلاف، و إلّا أشكل اثبات المعاني للألفاظ في زمان الصدور بالتبادر في زماننا. فالتبادر المذكور أيضاً يمكن جعله دليلًا على الوضع للأعم.

ثمّ إنّ القائل بالأعم قد استدلّ أيضاً بما لعلّه المشهور من صحّة نذر ترك العبادة المكروهة كالصلاة في الحمام أو صوم يوم عاشوراء و حصول الحنث إذا فعلها المكلّف رغم فساد عبادته، ممّا يعني أنّ المسمّى هو الأعم المنطبق على الفاسد لا خصوص الصحيح، و إلّا لما تحقّق الحنث و لما صحّ النذر لاشتراط مقدورية المنذور و الصحيح غير مقدور بعد النذر، فيلزم من صحّة النذر عدم صحته، بل و من الحنث عدم الحنث، و كل ما يلزم من وجوده عدمه فهو محال.

و يجاب على ذلك‏:

أوّلًا- بأنّ هذا لا ربط له بمسمّى أسامي العبادات، بل حتى على القول بالأعم لا يمكن أن ينذر المكلّف ترك العبادة الصحيحة المكروهة؛ للزوم نفس المحذور، فسواء كان المسمّى هو الصحيح أو الأعم لا بد و أن يتعلّق النذر بالصحيح من غير ناحية حنث النذر.

74

و ثانياً- ما يفتي به المشهور حصول الحنث بالاتيان بالعبادة الصحيحة من سائر الجهات لو لا النذر، و هذا لا يناسب مدّعى الأعمى، بل يناسب القول بالصحيح أيضاً؛ لأنّه لا يقول بأخذ ما لا يمكن أخذه في المسمّى من القيود الطولية كقصد الأمر و منها عدم الحرمة من ناحية الحنث في المقام، فيكون هذا بنفسه قرينة على ارادة الصحيح النسبي لا المطلق.

على أنّ الاستعمال كما أشرنا مراراً أعم من الحقيقة.

ثمّ إنّه قد يورد على صحة هذا النذر فقهياً بوجوه:

1- انّه نذر باطل؛ لاشتراط رجحان متعلّق النذر و العبادة المكروهة لا رجحان في تركها، إذ لا حزازة و لا مبغوضية في فعلها، و إنّما كراهتها بمعنى قلّة ثوابها بالنسبة إلى سائر أفرادها.

و الجواب‏: هذا مبني على اشتراط الرجحان المطلق في صحّة النذر و عدم كفاية الرجحان النسبي، و أيضاً على عدم معقولية الحزازة و الكراهة الحقيقية في العبادات و كلاهما محل بحث لا مجال للدخول فيه الآن. نعم، لا بدّ من فرض عدم ضيق الوقت و عدم تعيّن الصلاة في الحمام عليه، كما إذا لزم من خروجه للصلاة فوت وقتها، فإنّه يجب عليه حينئذٍ أن يصلّي فيه و ينكشف بذلك بطلان نذره في حقّه، و هذا خارج عن البحث.

2- إذا كان متعلّق النذر ما يكون صحيحاً بقطع النظر عن حرمة الحنث فهذا و إن لم يلزم منه محذور عقلي، إلّا أنّه لا كراهة فيه، فإنّ ظاهر دليل العبادة المكروهة ثبوتها في العبادة الصحيحة لا الفاسدة و لو كان فسادها

75

من ناحية حرمة الحنث، و إن كان متعلّق النذر الصحيح الفعلي و من جميع الجهات فصحته غير معقول؛ للزوم عدم مقدورية المخالفة، و يشترط في صحة النذر مقدورية متعلقه فيلزم من صحته عدم صحته و من الحنث به عدم الحنث، و هو محال.

و الجواب‏: ما هو شرط في صحة نذر عدم فعل مقدوريته بقطع النظر عن وجوب الوفاء بالنذر امّا ارتفاع المقدورية في طول تعلّق النذر فلا محذور فيه إذا كان المنذور هو الترك، حيث يكون ببركة صحة هذا النذر المرجوح منتركاً قهراً لا يتمكن منه المكلّف و هذا ليس لغواً، فهو نظير تحريم الصلاة على الحائض الموجب لعدم تمكنها منها، و سوف يأتي في بحث النهي عن العبادة انّه لا محذور عقلي و لا عقلائي في ذلك، بل يكون هذا نظير شرط أو نذر أن لا يبيع المال و قلنا بأنّ ذلك يوجب قصور سلطنته عليه فلا يصحّ منه البيع.

هذا مضافاً إلى ما سيظهر من ثبوت المقدورية في الجملة في المقام.

3- استحالة صحة نذر ترك العبادة الصحيحة؛ لأنّه يستلزم اجتماع الأمر و النهي؛ إذ صحة العبادة فرع تعلّق الأمر بها، و هو لا يمكن أن يجتمع مع حرمة الحنث المنطبق على نفس العبادة و المتحد معها خارجاً و إن كان عنواناً ثانوياً، و هذا يعني انّ شمول وجوب الوفاء لهذا النذر محال في نفسه، لا من ناحية عدم مقدورية المنذور، بل لاستحالةٍ في نفس الشمول؛ لأنّ شموله للصحيح مع ثبوت الأمر به محال، و شموله له من دون أمر به ليس متعلّق النذر، فيكون جعل وجوب الوفاء لمثل هذا النذر محالًا في نفسه.

و إن شئت قلت‏: هذا معناه انّ حرمة الحنث تتعلّق بالصلاة غير المحرّمة حتى‏

76

بشخص هذه الحرمة و هو تهافت في نفسه و تناقض فلا يمكن جعلها، و إنّما المعقول النهي عمّا يكون غير منهي عنه من ناحية غير شخص هذا النهي و هو معنى الصحيح من سائر الجهات.

و هذا الاشكال يتم في العبادات المكروهة الانحلالية كصوم يوم عاشوراء؛ لامتناع الأمر الانحلالي بالفرد المحرّم، و أمّا العبادة التي يكون الأمر بها بدلياً كالفريضة في الحمام فامتناعه مبني على القول بامتناع اجتماع الأمر و النهي فيه أيضاً، و أمّا على القول بامكانه حتى إذا كان التركيب اتحادياً كالأمر بالصلاة و النهي عن الصلاة في الحمام لأنّ الأمر بالجامع بنحو صرف الوجود لا يسري إلى الفرد المحرم فعندئذٍ لا محذور في تعلّق النذر بترك الصلاة في الحمام من ناحية الاجتماع؛ إذ لا تهافت بين حرمة الفرد و وجوب الجامع بنحو صرف الوجود، و بالتالي حصول الامتثال بالفرد المحرّم إذا كان الواجب توصلياً أو كان تعبدياً و لكن تمكن المكلّف من قصد القربة نتيجة جهله بنذره أو نسيانه- كما في الصلاة في الدار المغصوبة جهلًا- فيتحقّق الحنث عندئذٍ أيضاً مع صحّة الصلاة على القاعدة، كما إذا كان الواجب توصلياً، غاية الأمر قد يكون المكلّف معذوراً إذا لم يكن جهله منجّزاً عليه، و هذا هو ما أشرنا إليه من انّ جعل حرمة الحنث و وجوب الوفاء هنا لا يوجب عدم المقدورية مطلقاً، بل في الجملة، أي في حق المتذكّر الملتفت إلى نذره و لا محذور فيه؛ لكونه في طول تعلّق النهي و الحرمة كما أشرنا، فلا يكون جعل الحرمة لغواً.

ثمّ إنّ هذا المقدار من عدم المقدورية حاصل حتى على القول بتعلّق النذر بالصلاة الصحيحة لو لا النذر، أي لو لا الحرمة الناشئة من الحنث؛ لأنّ الملتفت إلى نذره سوف لا يتأتّى منه قصد القربة و لا تقع منه الصلاة بلا قصد القربة حنثاً؛

77

لأنّه ليس تمام أجزاء الصلاة الذي تعلّق نذره بتركه. نعم، لو كان متعلّق نذره ترك الأجزاء غير التامة أيضاً تحقّق الحنث بذلك، و لكنه من الواضح خروجه عن متعلّق النذر، و هذا يعني انّ نذر ترك الصلاة الصحيحة بالفعل و من جميع الجهات أو الصحيحة لو لا النذر على نحو واحد من ناحية عدم المقدورية في حال العلم و عدم النسيان، و إنّما يختلفان في حال الجهل و النسيان للنذر، حيث يكون الصحيح لو لا النذر مقدوراً فيه، و لكن الصحيح الفعلي لا يكون مقدوراً فيه إلّا على القول بعدم امتناع اجتماع الأمر و النهي.

ص 209 قوله: (المختار في الصحيح و الأعم...).

لا شكّ في أنّ المسمّى هو الأعم، سواء بالبيان الفنّي الذي ذكره السيد الشهيد (قدس سره) بالرجوع إلى بحث الحقيقة الشرعية، أو بالتبادر و وجدانية صحّة إطلاق أسامي المركبات المذكورة على الفاقد لبعض قيود الصحة، أو بمراجعة استعمالات الشارع و الفقهاء و المتشرعة و التي ما أكثرها في المعنى الأعم، بحيث لا يحتمل أن يكون كل ذلك من باب المجاز، حيث يلزم أن تكون استعمالات مجازية بناءً على الاختصاص بالصحيح، بخلاف العكس، و المجاز و إن كان واقعاً و لكن لا بهذا الحدّ، و الذي قد يوجب لغوية العلقة الوضعية.

إلّا أنّه كان ينبغي البحث في ذيل هذا المقام عن تحديد المعنى الأعم، و ما يكون مأخوذاً فيه من القيود الثابتة، فهل هي الأركان لا بشرط من حيث زيادة سائر الأجزاء- كما يقول المحقّق القمي و السيد الخوئي- أو معظم الأجزاء- كما ذكره صاحب الكفاية- أو غير ذلك؟

فإنّه يرد على كلا الاحتمالين النقض بصدق الصلاة حتى الصحيحة منها على‏

78

فاقد بعض الأركان كالصلاة على الميت الفاقدة لأكثرها و هي صلاة في الذهن المتشرعي، بل و في استعمالات الشارع قطعاً، و كذلك صلاة الغريق أو صلاة الخوف و المطاردة، كما أنّها ليست معظم الأجزاء. و لو فرض أخذ القدر المتيقن اللازم في تمام الموارد من التكبير و الدعاء و قصد القربة مثلًا لزم صدق الصلاة على من يأتي بهذا المقدار بعنوان الفريضة و في حال الاختيار، مع انّه قد لا يطلق عليه الصلاة حتى عند الأعمى.

و لعلّه لمثل هذا الاشكال ادّعى المحقّق الاصفهاني (قدس سره) أنّه لا بدّ على القول بالأعم أيضاً أن نجعل المسمّى هو المعنى المبهم من حيث الشرائط و الأجزاء كمّاً و كيفاً؛ لعدم تعيّن شي‏ء منها.

و لكنك عرفت امتناع الابهام الثبوتي، و الابهام الاثباتي لا يدفع الاشكال.

و يكون حلّ هذا الاشكال بالالتفات إلى ما ذكرناه في تصوير الجامع التركيبي على القول بالصحيح من أخذ القيود المردّدة و المقيّدة بحالاتها الخاصة في الجامع التركيبي الأعم أيضاً بنحو التخيير و العطف ب (أو) مع تقييده بحالته الخاصة، فأصل قصد الصلاة و الدخول فيها أي افتتاحها و الذكر و الدعاء و قصد القربة قيود مأخوذة حتى على القول بالأعم؛ لأنّها قوام الصلاة في تمام موارد اطلاقها، فإنّ من يركع و يسجد و يقرأ بدون قصد الصلاة و الدخول فيها لا يطلق عليه أنّه يصلّي حتى عند الأعمى مهما كثرت أعماله، و أمّا سائر القيود و الأجزاء فيكون معظمها أو مقدار منها مأخوذة بنحو اللابشرط من حيث الكمّ و الكيف في حال الاختيار أو أن يكون الفاقد لجميعها مقيداً بالحالة الخاصة كالغرق أو الخوف و المطاردة أو على الميت أو غير ذلك، و بهذا يندفع الايراد المذكور، و اللَّه الهادي للصواب.

79

ص 212 قوله: (الجهة الثالثة...).

ثمّ انّ هنا بحثاً في الكفاية لا بأس بالتعرض له فإنّه يجزي في التمسك بالإطلاق على القول بالصحيح أيضاً، وحاصله: انّه بناءً على الوضع للصحيح يلزم أن يختلف الموضوع له شرعاً عن الموضوع له عرفاً، وهذا خلاف ما يعرف من انّ الشارع في باب المعاملات جرى مجرى العرف وليس له استقلال في الوضع.

وبتوضيح منّا: إن قيل بالوضع لمفهوم الصحيح فهو واضح البطلان لعدم ترادفها مع كلمة الصحيح وإن قيل بالوضع لواقع الصحيح لزم تعدد المعنى لاختلاف واقع الصحيح عند العرف عنه عند الشرع بل عند عرفين أيضاً، وهو أيضاً خلاف الوجدان.

وأجاب عنه: بأنّه موضوع للسبب المؤثر للأثر الشرعي أو القانوني غاية الأمر يكون الاختلاف بين العرف والشرع في المصداق.

وقد فسّر هذا الكلام بالتخطئة في المصداق نظير الامور الواقعية كما إذا وضع لفظ للدواء المسهل مثلًا فشخص طبيب انّ المادة الفلانية ليست هي المسهلة.

إلّاأنّ هذا أيضاً واضح البطلان لعدم كون الامور الاعتبارية القانونية في باب المعاملات واقعية ومسألة المصالح والمفاسد والاقتضاءات أيضاً أجنبية عن المسميات القانونية الاعتبارية. هذا مضافاً إلى انّه لو اخذ مفهوم المؤثر فغير محتمل، ولو اخذ واقعه فمتعدد بحسب الفرض.

ويمكن دفع الاشكال بأنّ الموضوع له هو السبب المؤثر في ترتب الأثر الاعتباري كالمبادلة في الملكية في البيع مثلًا لا بمعنى أخذ مفهوم المؤثر ليلزم المحذور بل بمعنى التمليك أو المبادلة في الملك القانوني.

80

إلّاانّ الملكية حيث انها اعتبارية فلا محالة يختلف باختلاف القوانين والأنظمة الحقوقية، ولكنه من تغير المصداق لا مفهوم البيع تماماً كالمفاهيم الاعتبارية كمفهوم الملك نفسه، فإنّه موضوع للاختصاص الاعتباري القانوني وهو يختلف من قانون إلى آخر فمن يعتبره في مورد يوجد مصداقاً له، وعندئذٍ يكون ظاهر أخذه في لسان دليل ارادة المحقق لذلك الأثر القانوني بحسب نظر ذلك القانون لا محالة، مع كون المعنى اللغوي والمفهوم للفظ واحداً عند الجميع، فتدبر جيداً.

ص 213 قوله: (وهذا التقريب وإن كان أحسن حالًا...).

ويمكن ذكر تقريب ثالث حاصله: انّ أدلّة الامضاء للمعاملات حيث انها بصدد الامضاء واثبات الحلية الوضعية لها فيكون هذا المقام بنفسه قرينة على ارادة الأعم أو الصحيح عند العرف لا الصحيح الشرعي، فإنّه لا يناسب هذا المقام، وهذا مطلب عرفي، ولعله إليه يرجع كلمات بعض المحققين كالميرزا (قدس سره) فراجعها وتأمل.

وهناك تقريب رابع ذكرناه في بحث المكاسب وجعلناه أحسن التقريبات حاصله: انّه إذا كان مفهوم البيع هو العقد المؤثر في التمليك وانّ ما يعتبره الشارع أو أي قانون وضعي خاص في ترتيب الأثر عليه يرجع إلى ايجاد مصداق الأثر القانوني ولا يرجع إلى المفهوم، فلا محالة يتم الإطلاق في دليل الامضاء حتى إذا كان اسماً للصحيح؛ لأنّه لا شك في الاسم والمفهوم، وإنّما الشك في تحقيق مصداقه من ناحية ترتب الأثر القانوني ودليل الامضاء بنفسه يكون دليلًا على ترتيب الأثر وتحقيق المصداق بحسب الفرض بلسان حلية البيع أو وجوب الوفاء بالعقد. نعم، لو شك في أخذ خصوصية في مفهوم البيع من غير ناحية

81

ترتّب الأثر من قبيل كون المبيع عيناً لا منفعةً لم يصح التمسك بالاطلاق للشك في الصدق لا محالة.

ص 214 قوله: (ولكنك عرفت...).

وحاصل الاشكال على الانحلال انّه إن اريد المسبب الشخصي فقد عرفت انّه السبب لا المسبب القانوني، وإن اريد المسبب الشرعي فلا انحلال بلحاظه؛ إذ لو اريد الانحلال بلحاظ أفراده في الخارج فالمفروض الشك في الصحة وبالتالي في وجود المسبب الشرعي خارجاً في مورد الانشاء الفاقد للشرط المشكوك، وإن اريد الانحلال بلحاظ عالم المفاهيم والحصص المفهومية المضافة إلى الأسباب أي استفادة حلية المسبب الشرعي الحاصل بالمعاطاة والحاصل بالسبب الفلاني... الخ فهذا واضح البطلان لأنّ الإطلاق ليس جمعاً للقيود وإنّما يعني ملاحظة ذات الطبيعة مجردة عن كل قيد، وهذا واضح.

ص 214 قوله: (وعلى هذا الأساس يتضح وجه عدم الإطلاق اللفظي...).

أقول: إذا كان مفاد دليل حلية البيع مجرد الترخيص وإعطاء القدرة لتمّ ما ذكر، نظير قولنا: (لا يجوز بيع الصبي ولكن يجوز بيع البالغ) فإنّه لا إطلاق له بالنسبة إلى شرائط صحّة البيع، إلّاأنّ الانصاف انّ دليل الامضاء مفاده أكثر من ذلك وهو الامضاء، والحكم بتحقّق التمليك الذي هو فعل تسبيبي للعاقد فيكون مقتضى إطلاق حليته له إطلاق تحققه بتسبيبه.

فالحاصل: لو كان معنى‏ «أَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ» (أجاز اللَّه التمليك بعوض)- و لو وضعاً- فهذا لا يدلّ على أكثر من التجويز للتمليك بعوض، و عدم كونه ممنوعاً وضعاً، فلا إطلاق له بلحاظ شروط تحققه، و أمّا إذا كان معناه امضاء ما يتسبّب‏

82

إليه المتعاقدان و يقصدانه من ايجاد المسبّب الشرعي أو العقلائي أي التمليك بعوض خارجاً، فسوف يكون التمليك بعوض ملحوظاً بما هو موضوع للحكم بالحلية، لا بما هو متعلّق فينحلّ الحكم بالحلية الوضعية بلحاظه لا محالة، و يتكثّر بتكثّر موارد و أسباب التسبّب خارجاً إلى ايجاد ذلك؛ لأنّ الإطلاق في طرف موضوعات الأحكام و ما يؤخذ مفروغاً عنه ليحكم عليه بحكم انحلالي دائماً على ما حققناه في محلّه.

ص 214 قوله: (3- قصد التسبّب...).

قد يقال‏: لا وجه لاشتراط ذلك زائداً على المدلول التصديقي الذي هو المنشأ و المسبّب الشخصي، بل مثل الغاصب أو العالم بفساد معاملة شرعاً و عقلائياً كيف يتأتّى منه هذا القصد.

و الجواب‏: انّ المتعاقدين يقصدان جزماً التسبّب إلى تحقق المضمون القانوني المشرّع خارجاً، و ليس مقصودهما مجرّد إنشاء أمر اعتباري مجعول لهما و أجنبي عن المضمون القانوني العرفي أو الشرعي، و الظاهر أنّ الامور الاعتبارية القانونية باعتبارها انشائية فلا بدّ من قصد التسبّب إلى إيجادها أو انشائها، و أمّا إنشاء البيع و نحوه من الغاصب أو العالم بفساده فهو لا ينافي ذلك؛ لأنّه أيضاً ينشئ ببيعه نفس ما ينشئه الآخرون و يقصد التسبّب إليه رغم كونه غاصباً كما لا يخفى على المتأمل.

ص 215 قوله: (و على هذا الأساس يتبيّن انّه لا تقابل...).

ليس المقصود من وضع أسماء المعاملات للمسببات انّ البيع مثلًا اسم للملكية الحاصلة بعوض، بل المقصود انّه اسم للتمليك بعوض، أي ايجاد

83

الملكية بعوض، فإذا اريد به المسبب القانوني العقلائي أو الشرعي فلا يكون التمليك حاصلًا إذا كان البيع فاسداً، بخلاف ما إذا كان اسماً للسبب، و هذا واضح.

ثمّ انّه قد يقال بأنّ الأسماء موضوعة للمسببات لا الأسباب؛ لأنّ السبب أمر تكويني و ليس انشائياً، بخلاف المسبّب مع وضوح انّ المعاملات تنشأ فيقال:

(بعت) بمعنى إنشاء البيع و اعتباره، و هذا لا يكون إلّا إذا كان اسماً للمسبب.

و لوحظ عليه‏: بأنّ لازمه عدم صحّة إطلاقه على البيع الفاسد؛ لأنّ أمر المسبّب دائر بين الوجود و العدم، مع انّه يقال هذا بيع فاسد، على انّه لو كان اسماً للسبب المؤثر الصحيح- كما يقول صاحب الكفاية أيضاً كان انشائياً بمعنى انّه يوجده في مقام الإنشاء بقوله: (بعت) نظير قوله: (آمرك) في مقام الإنشاء.

و قد يقال بالتفكيك بين (بعت) في مقام الانشاء فيكون بمعنى المسبب، و (بعت) في مقام الإخبار كما في قولنا: (هذا بيع فاسد) فيكون بمعنى السبب.

و لوحظ عليه‏: بأنّ هذا لازمه الاشتراك اللفظي، و هو خلاف الوجدان اللغوي.

و قد اختار السيّد الشهيد أنّها أسامي للمسببات و لكن الأعم من المسبب الشخصي أو القانوني، و بذلك يكون أمراً انشائياً، كما انّه يصدق في موارد الاخبار أيضاً على المعاملة الفاسدة لتحقّق المسبب الشخصي فيها و إن لم يتحقّق المسبب القانوني، بل ادّعى (قدس سره) أنّ المسبّب القانوني بحسب نظر العرف المسامحي تطوير للمسبب الشخصي و نموّ له.

84

و هذا كلام وجيه، إلّا انّه بحاجة إلى تمحيص، فإنّه لا إشكال أنّ أسامي المعاملات معانيها حَدَثيَّة و ليست جامدة، فالبيع و الايجار و الطلاق و غيرها من أسامي المعاملات أسامي للعقود و الايقاعات التي هي أفعال انشائية و تعهدات، و ليست اسماً لنفس الأثر المنشأ بانشاء شخصي أو قانوني، فالبيع معناه التمليك بعوض، أي ايجاده و انشائه لا نفس الملكية بعوض، غاية الأمر إذا كان اسماً لايجاد المنشأ و التمليك العقلائي أو الشرعي فلا يصدق على العقد الفاسد؛ لأنّه لا يوجد فيه ذلك الأثر، فيدور أمره بين الوجود و العدم و إن كان اسماً لانشاء المسبب الشخصي أو الأعم منه و من المسبب العقلائي أو الشرعي صدق على العقد الفاسد أيضاً.

و بهذا يتضح انّ دعوى الوضع للمسبّب العقلائي أو الشرعي- لا المسبّب الشخصي الذي هو عين السبب- يمكن أن يكون نفس دعوى الوضع للسبب المؤثر الذي اختاره صاحب الكفاية إذا قصد بذلك انّه اسم لايجاد المسبب و الأثر لا لنفس الانشاء بقيوده المؤثرة من دون ملاحظة حيثية ايجاد ذلك الأثر.

كما انّ دعوى الوضع للمسبب الشخصي أو الأعم منه و من العقلائي و الشرعي يمكن أن يكون نفس دعوى الوضع للسبب الأعم؛ لأنّ المراد بالسبب الانشاء و المنشأ معاً. و هذا يعني انّ البحث عن الوضع للمسببات أو للأسباب يكون عبارة اخرى عن البحث عن الوضع للصحيح أو الأعم و ليس بحثاً آخر.

كما يظهر أيضاً انّ المنشأ بقوله: (بعت) ليس هو نفس الأثر بل ايجاده و انشائه، أي العقد و التعهد، فكأنّه قال: أتعهّد و اعتبر بحيث يكون السبب أي الانشاء و الايجاد مستبطناً في مادة البيع؛ لأنّه يتحقق به بحسب الحقيقة، و إلّا

85

يلزم تعدّد معنى المادة في الانشاء و الاخبار و هو خلاف الوجدان اللغوي الذي أشرنا إليه.

كما أنّ هناك نكتة اخرى لا بأس بالإشارة إليها، هي أنّ العقود و المعاملات كما تصدق على السبب حدوثاً بلحاظ ما يوجد من الأثر كذلك تصدق عليه بقاءً إذا كان مؤثراً و صحيحاً، حيث انّ العرف يلغي البعد التكويني للانشاء و التعهد و يلحظ البعد الاعتباري و الانشائي فيه، و يحتفظ به إذا كان موضوعاً للأثر و صحيحاً، فيقال: (البيع باق ما لم يفسخه المتعاقدان).

نعم، هذه التوسعة غير ثابتة في مورد العقد الفاسد، و هذا قد يجعل دليلًا على الوضع للسبب المؤثر قانوناً، أي ايجاد المسبب القانوني كما اختاره صاحب الكفاية، و يكون اطلاقه على ايجاد المسبب الشخصي غير المؤثر قانوناً من باب المجاز، أو لأنّه بيع بلحاظ نظره و اعتباره الشخصي إذا اعتبرنا أنّ للُامور الاعتبارية مفهوماً واحداً و الاختلاف في ايجاد المصداق حسب اختلاف الانظار الاعتبارية.

86

الحروف‏

ص 235 قوله: (و إذا تمّ هذا الجواب أمكن على ضوئه...).

بل لا يمكن؛ لأنّ المناسبة المصحّحة للاستعمال يكفي فيها ما هو أقل من ذلك، فحتى اللفظ المهمل يصحّ استعماله بمناسبة كاستعماله في نفسه في مثل (ديز لفظ). بينما في المقام لا يصح بل لا يمكن استعمال أحدهما مكان الآخر حيث تختل القضية المعقولة و لا تتشكل أصلًا، و هذا يكشف عن تباين المعنى، و هذا هو مقصود الميرزا (قدس سره). و هو برهان واضح في دفع مقالة الخراساني (قدس سره).

و إن شئت قلت‏: انّ حاق اشكال الميرزا (قدس سره) ليس هو غلطية الاستعمال بمعنى عدم المجازية أو ركتها بل عدم امكان استعمال الاسم مكان الحرف و بالعكس حتى بنحو ركيك مما يعني انّ الفرق بينهما ذاتي و أعمق من مسألة عدم المناسبة.

ثمّ انّ في بعض الكلمات صور اشتراط الواضع بنحو ثالث غير النحوين المذكورين في الكتاب، و حاصله: ربط اللحاظ الآلي و الاستقلالي بالموضوع له لكن لا بنحو التقييد بل بنحو يكون الموضوع له في الحرف هو ذات المعنى و لكن في حال تعلّق اللحاظ الآلي به و في الاسم أيضاً ذات المعنى في حال تعلّق اللحاظ الاستقلالي به، فالموضوع له هو الذات و نفس الماهية بلا دخل للتخصص الخاص فيه و إن كان طرف العلقة هو المتخصص لكن بذاته، فاللحاظ الآلي أو الاستقلالي خارج عن الموضوع له و لكنه لازم له لا ينفك عنه، و نظيره ثابت في مثل حمل نوع على الإنسان في قولنا (الإنسان نوع) فإنّ الموضوع‏

87

و المحمول عليه إنّما هو الماهية بنفسها بلا دخل للحاظ فيه مع انّ اللحاظ لا ينفك عنه، إذ حمل النوع على الإنسان أو غيره موطنه الذهن إذ لا يصح حمل النوع على الإنسان الخارجي، و معه لا ينفك المحمول عليه عن اللحاظ، و ظاهر انّ ما يحمل عليه النوع هو نفس الماهية بلا تقييدها باللحاظ؛ إذ المقيدة باللحاظ جزئي ذهني لا نوع فكيف يصح حمل نوع عليها مقيدة باللحاظ (1).

و هذا كلام غريب؛ إذ يرد عليه بأنّ حمل النوع على الإنسان حمل على ماهية الإنسان الملحوظة بالحمل الأولي لا بالحمل الشائع الصناعي، أي بما هي مفهوم الإنسان و ذات لا بما هي طبيعة في الخارج نظير قولنا: (الإنسان كلّي) أي مفهومه كلّي، و هذان ملحوظان ذهنيان متباينان لا محالة، فكذلك في المقام اللحاظ الآلي و الاستقلالي إذا أوجبا تبايناً في المفهوم الملحوظ بكل منهما اختلف و تباين المعنى الحرفي عن الاسمي ذاتاً، و إلّا لم يكن طرف العلقة المتخصّص، بل ذات المعنى الملحوظ و الخصوصية اللحاظية خارجة عنه كما هو في سائر المعاني.

ص 237 قوله: (الصحيح في تفنيد هذا الاتجاه...).

بل الصحيح في تفنيده ما تقدّم من الميرزا من عدم لزوم امتثال شرط الواضع و عدم إمكان تقييد العلقة الوضعية، و عدم امكان استعمال أحدهما مكان الآخر بما له من المعنى مما يكشف عن اختلافهما ذاتاً.

إلّا انّه لا بد و أن يعلم أنّ هذا التباين الذاتي لا يرجع إلى عالم تحديد المفهوم بل تحليله يعني أنّ (الظرفية) و (في) ليس الفرق بينهما من حيث خصوصية

____________

(1) () منتقى الاصول ج 1 ص 92

88

مفهومية بحيث يكون في أحدهما مفهوم زائد على الآخر أو مباين، بل الفرق بينهما كالفرق بين المفهوم و المصداق و كالفرق بين مفهوم الجزئي و واقع الجزئي حيث انّ مفهوم الجزئي يُرى حيثية الجزئية لا شي‏ء آخر، إلّا انّه بنفسه ليس جزئياً بل كلي، فكذلك مفهوم النسبة و واقعها فالحرف موضوع لواقع الارتباط بين المفاهيم بأنحائها و المفاهيم الاسمية المعادلة لها منتزعة عنها انتزاعها يباينها من حيث الذات و إن كانت تحكي نفس الحيثية فهي ليست نسباً و إن كانت تحكيها.

ص 239 قوله (قدس سره): (3- اننا نلاحظ ثلاث نسب...).

هذا روح البرهان على انّ النسب و المعاني الحرفية لا تقرر ما هوي و لا جامع ذاتي لها لكي يكون قابلًا للوجود الذهني تارة و الخارجي اخرى كما في المعاني الاسمية فلا محالة تكون ايجادية لا اخطارية.

و حاصل البرهان: انّ النسبة متقومة بشخص وجود طرفيها فإذا لم يجرد عن ذلك لم يمكن انتزاع الجامع، و مع التجريد لها عنهما تنتفي النسبة لانتفاء مقومها الذاتي، فلا محالة يكون لحاظها الذهني من خلال وجود طرفين لها في الذهن، و هما الوجودان الذهنيان للطرفين، فلا محالة تكون نسبة اخرى مماثلة للنسبة الخارجية لا نفسها و لا ماهية منتزعة عنها بل نسبتها اليها نسبة الفرد إلى الفرد و المصداق إلى المصداق.

و هذا البرهان سوف يرجع عن نتيجتها السيد الشهيد (قدس سره) بمعنى انّه يقضي أن تكون في الذهن مصداق النسبة و واقع النسبة الظرفية مثلًا أو الاستعلائية أو الابتدائية، و حيث انّ ذلك محال وجودها في الذهن بل لا معنى لكون مفهوم أو وجود ذهني ظرفاً لوجود ذهني آخر و أيّة نسبة واقعية اخرى في الذهن لا ربط

89

لها بالظرفية لا صلاحية لها لكي تحكي عن الظرفية الخارجية التي هي مدلول الحروف على كل حال، فمن هنا اختار السيد الشهيد فيما يأتي أنّ النسب الحرفية التي لها ما بإزاء في الخارج تحليلية في الذهن لا واقعية، و إلّا فليس في الذهن إلّا صورة وحدانية للحصة الخاصة، و من هنا يلتقي هذا المسلك مع مسلك السيد الخوئي القائل بوضع الحروف للتحصيص. و الواقع انّ هذا المنهج لا يمكن المساعدة عليه، إذ كل من البرهان و النتيجة المنتهى اليها غير قابل للقبول.

أمّا البرهان: فيمكن الإجابة عليه بأنّ النسب و إن كانت متقومة بطرفيها في وجودها الواقعي و بالحمل الشائع سواء كان في الخارج- كما في النسب الخارجية بين الأشياء- أو في الذهن كما في النسب الواقعية في الذهن بين وجودين ذهنيين، إلّا أنّ هذا لا يعني عدم امكان لحاظ النسبة الخارجية بلحاظ تصوري يكون جامعاً ذاتياً ماهوياً لها أعم من شخص النسبة الخارجية و شخص طرفيها. بل يمكن ذلك فيها أيضاً كما في المعاني الاسمية.

و الوجه في ذلك انّ النسبة- واقع النسبة- كالظرفية بين الماء و الكوز وجودها الخارجي العيني متقوم بشخص وجود الطرفين إلّا أنّ ذلك ليس مقوماً للحاظ النسبة الظرفية الواقعية بل المقوم للحاظها الماهوي اللحاظ الماهوي لطرفيها الذي هو كلي أيضاً، فلا يعقل لحاظها بلا طرفين و لكن لا يشترط في لحاظها وجود الطرفين بل يكفي لحاظ مفهوم الطرفين و لو الكلي و الجامع كلحاظ جامع الماء و جامع الكوز و الظرفية بينهما في قولنا: الماء في الكوز، و لهذا تكون هذه الجملة الناقصة جامعاً قابلًا للصدق على كل ماءٍ في الكوز، و من هنا قيل أيضاً بأنّ المعاني الحرفية كلية و ليست جزئية حقيقية و إنّما جزئيتها بمعنى نسبيتها و احتياجها إلى الأطراف.

90

و تمام الفذلكة في ذلك أنّ النسبة الخارجية كالأعراض و الأوصاف الخارجية الاخرى و إن كانت متقومة بالوجود الشخصي لطرفيها و لمعروضها إلّا انها تضاف إلى الموجود بذلك الوجود و تنسب له؛ فكما انّ البياض العارض على الجسم الخارجي أو الذي هو حد له يعتبر وصفاً متقوماً بشخص ذلك الجسم الخارجي و لكنه مع ذلك في عالم اللحاظ مضاف إلى الجسم الأبيض كذلك نسبة الظرفية أو الاستعلائية أو الابتدائية تعرض على الطرفين كالماء و الكوز، و ترى في عالم اللحاظ و التجريد و الانتزاع الذهني نسبة بين الموجودين لا الوجودين العينيين كيف و واقع الوجود العيني غير قابل للادراك و اللحاظ أصلًا، و من هنا يكون لحاظ النسبة الظرفية متقوماً بلحاظ مفهوم طرفيها الشخصيين أو الكليين و تلحظ من خلال لحاظهما حقيقة فيكون كيفيّة انتزاع الجامع الذاتي الماهوي للنسبة الظرفية الخارجية من خلال لحاظ الطرفين و هما مفهوم الماء و الكوز و النسبة الظرفية بينهما بنحو يكون أحدهما ظرفاً للآخر فتلحظ نسبة الظرفية بذلك حقيقة.

و هذا يصلح أن يكون جامعاً ذاتياً لكل ظرفية بين طبيعي الماء و الكوز إذا كان الطرفان كلّيين. نعم، ليست هذه الظرفية نسبة لغير الماء و الكوز من المظروفات الاخرى، إلّا أنّ هذا من جهة عدم استقلاليتها عن الطرفين لا من جهة عدم كونها ذات النسبة الظرفية و لا مشاحة في الاصطلاح؛ إذ ليس البحث عن مصطلح الجامع الذاتي عند المنطقيين.

و هذا معناه انّ النسبة مفهوم اخطاري، إلّا انّ اخطاريتها متوقف على لحاظ طرفيها و مقيدة في الصدق بهما لا محالة، بخلاف المعاني الاسمية، و امّا مفهوم الظرفية الاسمي فهو مفهوم عرضي مشير لا غير كمفهوم بعض المبهمات و ليس‏

91

خطور نسبة الظرفية ضمن الماء و الكوز في الذهن بمعنى وجود النسبة في الذهن بل بمعنى خطورها كخطور المعاني الاسمية الاخرى غايته خطور بالغير و متوقف على خطور الطرفين لها، و إلّا لا يعقل خطورها و لحاظ حقيقتها و هي خطور للنسبة القائمة بين المفهومين للطرفين في الذهن لا الوجودين الذهنيين للطرفين في الذهن ليتوهم كونها نسبة بالحمل الشائع في الذهن.

و بهذا البيان يظهر الجواب على ما جاء في ص 255 فراجع و تأمل.

و أمّا النتيجة التي انتهى اليها السيد الشهيد (قدس سره) في مقام التخلص عن اشكال امتناع وجود نسبة الظرفية أو الاستعلائية أو غيرها في الذهن و بين المفاهيم من كونها نسبة تحليلية فأيضاً غير قابل للقبول لوجدانية انّ الملحوظ في الذهن مفاهيم ثلاثة من طرفين و نسبة الظرفية بينهما و ليس مفهوماً واحداً مضيقاً أو مجملًا لا لحاظ لتفاصيله، و امّا انّ الوجود الذهني لهذه المفاهيم الثلاثة كيف يكون و هل يكون على شكل ثلاثة وجودات و أعراض في عالم النفس أو على شكل وجود و عرض واحد فذاك خارج عن البحث اللغوي و مربوط بحقيقة الوجود الذهني من الناحية الفلسفية كما لا يخفى.

و هكذا يتضح اننا في المعنى الحرفي نسلك مسلك الاخطارية لحقيقتها كسائر المعاني، إلّا أنّها في نفس الوقت تكون آلية بمعنى أنّه سنخ معنى لا يمكن خطوره في الذهن إلّا من خلال خطور مفاهيم أطرافه، بخلاف المعاني الاسمية و تكون في الصدق مقيدة بهما أيضاً، و هذا هو روح الفرق بينهما لا الايجادية، فحرف (في) مثلًا موضوع لمفهوم النسبة الظرفية لا لوجودها الخارجي أو الذهني غير المعقول، و هو مفهوم اخطاري إلّا أنّ هذا المفهوم لا يمكن أن يلحظ إلّا من خلال لحاظ الطرفين، أمّا مفهوم الظرفية الاسمي فهو مفهوم عرضي يشير

92

إلى جامع ذلك المعنى الحرفي النسبي مع قطع النظر عن طرفيه، و من هنا يكون اسمياً لا نسبياً، و إنّما كان عرضياً لأنّه كمفهوم الجزئي ليس مصداقاً لطبيعة نفسه، فنقصان المعاني الحرفية أو آليتها من حيث انّ اخطارها في الذهن يتوقف على اخطار أطرافها بخلاف المعاني الاسمية و ليست هذه تساوق الايجادية أو وجود تلك النسبة بالحمل الشائع في الذهن كما في كلمات الأصحاب في المقام، فراجع و تأمل.

ص 251 قوله: (4- وضع الحروف للأعراض النسبية...).

الواقع انّ ما يذكره المحقق طبق الوجدان من حيث انّ الحروف و إن كانت معانيها ربطية بالحمل الشائع إلّا أنّها ذات خصائص مختلفة و متمايزة فيما بينها، فليست لمطلق الربط بالمعنى الشائع، فالنسبة الظرفية و النسبة الاستعلائية و الابتدائية و هكذا تستفاد من الحروف، و هذا وجداني، و حيث لا تقرر ماهوي و لا جامع ذاتي لحاظي للمفاهيم الربطية بالحمل الشائع فهذا التباين المفهومي بين النسب من أين ينشأ؟ فلا بد إمّا من القول باختلاف معاني النسب و الربط بالحمل الشائع رغم عدم تقرر ماهوي لها- و هذا خلاف البرهان المتقدم في حقيقة النسبة- أو القول بكونها منتزعة بلحاظ أطراف النسبة التي هي معاني اسمية و هو خلاف الوجدان من استفادتها من دلالة الحروف لا أطرافها، أو القول بأخذها و لو ضمناً في المعنى الحرفي زائداً على واقع الربط و النسبة الذي لا ماهية و لا جامع ذاتي له، و هو مطلب المحقق العراقي (قدس سره). و الحاصل‏: هذا الوجدان يثبت ما اخترناه من انّ المعاني الحرفية النسبية اخطارية في الذهن و ليست ايجادية، فهي تخطر خصوصية النسبة في الذهن لا محالة.

93

الهيئات‏

ص 268 قوله: (كيف تكون النسبة ناقصة أو تامة؟...).

البحث تارة عن نكتة التمامية و النقصان في النسب التركيبية، و اخرى عن الفرق بين النسب التامة الاسمية و الفعلية، و ثالثة عن الفرق بين الخبرية و الانشائية (الخبر و الانشاء)، و رابعة عن أقسام النسب الناقصة و الفروق فيما بينها.

هذه أهم الجهات المبحوثة في الكتاب، و لكن مع شي‏ء من التشويش و الاضطراب.

أمّا البحث الأوّل- و هو بحث مهم لم يتعرّض له بشكل مستوعب في كلمات الأصحاب، فالمستفاد من مجموع الكلمات انّ هناك ثلاث مسالك في توضيح الفرق بين النسب التامة التي يصحّ السكوت عليها و النسب الناقصة التي لا يصح السكوت عليها.

الأوّل- ما ذهب إليه السيد الخوئي (قدس سره) من انّ الجملة التامة تدل على قصد الحكاية أي نفس الحكاية و الأخبار أو الانشاء و ابراز الاعتبار النفساني، بخلاف النسب الناقصة الدالة على التحصيص.

و قد بناه على مسلكه في الوضع و انّه التعهد و انّ التعهد لا بدّ و أن يكون أمراً اختيارياً و هو قصد الاخبار أو الانشاء.

94

و يلاحظ عليه ما ذكره السيد الشهيد:

1- انّ التحصيص إنّما يكون في طول النسبة و لا يعقل من دونها كما ذكرناه في معاني الحروف.

2- أنّ التحصيص أو النسبة في الجمل الناقصة و الحروف أيضاً أمر غير اختياري، فعلى مسلك التعهد يرد الاشكال فيه أيضاً.

3- أنّ المدلول التصديقي الاختياري في الجميع واحد و هو قصد الاخطار و الذي هو المدلول التصديقي الأوّل- أي الاستعمالي- و أمّا الأخبار و الانشاء فهما مدلولان تصديقيان جديان، و الدال عليهما دائماً الظهورات الحالية السياقية لا الوضع بشهادة صحة الاستعمال في موارد الهزل و عدم الجدّ.

و الظاهر أنّ السيد الخوئي إنّما ربط الدلالة في الجمل التامة بالمدلول الجدي و التصديقي الثاني لكي يستطيع أن يفسّر بذلك التمامية و النقصان؛ لأنّ قصد الاخطار مشترك بين النسب الناقصة و التامة معاً، فلا يمكن أن يكون مفرّقاً بينهما.

إلّا أنّ هذا الالتجاء واضح الضعف كما عرفت.

بل حتى إذا فرض إمكان التفرقة بينها في الجمل التامة المقصود منها الإخبار أو الانشاء فما ذا يقال في موارد ورود الاستفهام على الجملة التامة، كقولك:

(هل زيد قائم) أو غير ذلك كقولك: (أخبرني زيداً أنّ عمراً قائم) مما لا يكون فيه مدلول جدي و لا قصد الإخبار بإزاء النسبة التامة و إنّما القصد الجدي بإزاء الاستفهام أو اخبار زيد.

95

مع انّه لا يمكن استعمال الناقصة في موردها مكان النسبة التامة مما يعني ثبوت فرق بينهما مع قطع النظر عن مرحلة المدلول التصديقي الجدي أي قصد الإخبار أو الانشاء، فلا بد من بيان وجه للفرق بينهما على مستوى المدلول التصوري لكل منهما.

الثاني- ما نسب إلى المشهور و هو ظاهر عبارات المحقق العراقي (قدس سره) المتعرض لهذا البحث بشي‏ء من العناية، و حاصله: أنّ الجملة الناقصة تدل على النسبة في ذاتها و في نفسها، بينما الجملة التامة تدل على ايقاع النسبة أو انّ الجملة الناقصة تحكي عن النسبة في نفسها بينما الجملة التامة تحكي عن النسبة بلحاظ وجودها.

و في تعبير آخر عن المشهور: أنّ الجملة التامة تدل على ثبوت النسبة و تحققها أو عدم ثبوتها و عدم تحققها.

و المستفاد من هذه الكلمات أنّ النسبة واحدة في الجملتين، فمثلًا (زيد العالم) و (زيد عالم) النسبة واحدة فيهما إلّا أنّه في إحداهما يلحظ ايقاعها أو ثبوتها أو لا ثبوتها، و في الاخرى تلحظ بنفسها، و حيث انّ الايقاع أو الثبوت و اللاثبوت يمكن تعلّق التصديق به أو تكون نتيجة مفيدة للسامع فيصح السكوت عليه فتكون تامة، بخلاف الناقصة.

و هذا التفسير أيضاً غير تام:

أوّلًا: لما سوف يأتي من تغاير النسبتين ذاتاً.

ثانياً: لو كانت النسبة واحدة و الاختلاف في لحاظ الثبوت أو الايقاع معها

96

و عدمه لكان اللازم إمكان استعمال إحداهما مكان الاخرى مع اضافة الايقاع أو الثبوت و اللاثبوت اليها، مع انّه ليس كذلك، بل قد لا يكون لحاظ الايقاع أو الثبوت و التحقق في الجملة التامة الواقعة في سياق الاستفهام أو مدلول تصديقي آخر كما ذكرنا في النقض على السيد الخوئي.

و ثالثاً:- و هو المهم- انّ المقصود من الايقاع أو الثبوت و التحقق إن كان مفهوم ذلك فمن الواضح انّ مفهوم الايقاع أو الثبوت و التحقق غير مفاد بالجملة التامة، و ليس هذا المفهوم إلّا مفهوماً افرادياً آخر اضافته إلى مفاد النسبة لا توجب تغييراً في محتواها، و إن اريد واقع الثبوت و الايقاع فمن الواضح أنّ واقع الثبوت أمر تصديقي خارجي لا يمكن أخذه في معاني الألفاظ، إذ الألفاظ موضوعة لذوات المعاني مع قطع النظر عن وقوعها في الخارج أو الذهن، و هذا مسلم لدى الكل.

فهذا التفسير أيضاً لا يبرز فذلكة الفرق بين النسبتين.

الثالث- ما ذكره السيد الشهيد الصدر (قدس سره)، و للسيد الشهيد (قدس سره) تعبيران:

1- انّ الجملة الناقصة مفادها النسبة التحليلية الذهنية، و الجملة التامة مفادها نسبة واقعية موطنها في الذهن، و بتعبير آخر كل نسبة موطنها عالم الوجود و العين تأتي إلى الذهن على شكل نسبة ناقصة تحليلية غير واقعية لعدم إمكان ذلك في عالم الذهن و المفاهيم، فالذي يرد دائماً مفهوم افرادي يمكن تحليله إلى طرفين و نسبة و كل نسبة موطنها الذهن لا الخارج- كالنسبة التصادقية و الانشائيات، إذ ليس في الخارج نسبة و منتسبين و لا انشاء- فهي نسبة تامة و النسبة الوصفية أيضاً منتزعة طولياً عن عالم الذهن بما هو عين فيكون كانتزاع‏

97

النسبة عن الخارج تحليلياً.

و النقض بالنسب الناقصة في موارد العطف و الاضراب اجيب عليه بأنّ تلك النسب تامة يصح السكوت عليها و لكن مع ملاحظة أطرافها الاخرى من المعطوف و الحكم المعطوف بلحاظه.

إلّا انّ هذا الجواب واضح الدفع لأنّ الموجود هنا هيئة تامة تتألف بين المعطوف و الحكم و هي الدالة على النسبة التامة و أداة العطف أو الاضراب الدال على معنى زائد ليس له ما بإزاء في الخارج مع انّه ليس تاماً مما يعني انّ مجرد كون النسبة أو الحالة واقعية في الذهن أو موطنها في عالم المفاهيم لا يكون هو مصدر التمامية بل أساساً لا معنى لأن نربط التمامية بحالة واقعية في الذهن فلما ذا تكون الواقعية الذهنية موجبةً للتمامية؟ و هل هذا أمر تعبدي؟

هذا مضافاً إلى أنّ النسب التامة لها حكاية عن الخارج و ليست حالات ذهنية فقط، صحيح انّه ليس في الخارج طرفان و نسبة إلّا أنّ تصادق الموضوع و المحمول و اتحادهما في الخارج أمر واقعي و ليس مجرد نسبة موطنها الذهن كالاضراب و العطف، فلا بد من إبراز الفرق بين الجملة الناقصة و التامة على مستوى المتصوّر و المحكي بالذات مع قطع النظر عن خصوصيات نفس المفهوم و عالم الوجود الذهني، و هذا واضح، و البيان المذكور لا يوضح ذلك بوجه أصلًا.

2- التقريب الثاني- ما يستفاد من عبارات السيد الشهيد في (ص 289) في بحث الفرق الدقيق بين الخبر و الانشاء من انّ النسبة التامة لها ركن ثالث و هو الوعاء و الظرف الخارج عن الذهن و الذي يلحظ التصادق أو غيره من‏

98

النسب في ذلك الوعاء و هو وعاء التحقق أو التمني أو الترجي أو الطلب إلى غير ذلك. و هذا يعني انّ حقيقة النسبة المفادة بالجملة التامة هي ملاحظة أطرافها فانية في خارج الذهن بنحو التصادق أو غير ذلك.

و هذا الاتحاد و التصادق و إن كان أمراً واقعياً ثابتاً في الخارج و إلّا لم تصح الحكاية عنه بالجملة التامّة إلّا أنّه في الخارج ليست نسبة و إنّما تكون نسبة في الذهن حينما نجرّد و ننتزع مفهومين عن الذات الخارجية التي لها العلم مثلًا فنقول: (زيد عالم) فالنسبة تتشكل بين المفهومين في الذهن، و هذا بخلاف النسب الناقصة التي تكون في الخارج.

و بتعبير آخر: في موارد الجمل التامة يوجد لحاظ غير موجود في الجملة الناقصة و هو الإشارة بالمفهوم إلى خارج عالم الذهن و التصور امّا للحكاية عنه أو لانشاء شي‏ء فيه، و هذه الإشارة و الفعالية الذهنية بلحاظ ما وراء الذهن غير موجود في النسب الناقصة، و هذا يغير من حقيقة النسبة ذاتاً و جوهراً من حيث انّ النسب الناقصة كالحروف و الهيئات الافرادية مفاهيم مركبة أو محصصة ليس إلّا- سواء قلنا باخطارية النسب الخارجية في الذهن كما هو الصحيح أو ايجاديتها و تحليليتها. و قد تقدم هذا البحث في المعنى الحرفي-.

و إن شئت قلت: أنّ كلّ نسبة بين شيئين ينتزع الذهن تصوراً عنها و تكون النسبة قبل التصوّر فهي ناقصة و تحليلية، أي تأتي إلى الذهن كمفهوم افرادي محصّص لأنّ طرفها منتسب و متقيّد بتلك النسبة فلا ينتقش في الذهن إلّا محصّصاً كالجامع المقيّد ضمن الفرد، و هذا هو معنى التحليلية هنا.

و أمّا النسب التامة فليست مفاهيم و لا نسب مفهومية في نفسها و إنّما فعالية ذهنية و إشارة بالمفاهيم إلى وعاء خارج الذهن اخباراً أو انشاءً.

99

و إن شئت قلت: انّها نسبة في طول انتزاع الطرفين و تصوّرهما مستقلّاً و مطلقاً في الذهن؛ و لهذا لا يتحقّق تحصيص لطرفيها في الذهن، و من هنا يكون موطن هذه النسبة في الذهن، و تكون نسبة واقعية بين مفهومين؛ لأنّ تصوّر الطرفين قبل النسبة فيستحيل تحصّصهما و خروجهما عن التصوّر المطلق إلى الحصّة، فكلّما كانت النسبة في طول تصوّر طرفيها كانت واقعية و كان طرفاها مستقلّين مطلقين و كان موطنها الذهن، و بهذا نستطيع أن نجمع بين البيانين للسيّد الشهيد (قدس سره)، كما انّه بذلك يندفع النقض على البيان الأوّل بالنسبة الوصفيّة الناقصة و التي لا موطن لها في الخارج و ليست منتزعة وجداناً من عالم الذهن، بل كالنسبة الخبرية منتزعة من الخارج، و كذلك النقض بالنسبة التامة الواقعة صلة أو وصفاً لموصوف بنحو النسبة الناقصة، فإنّ هذه الموارد كلّها تكون النسبة فيها قبل التصوّر، و التصوّر متعلّق بالمنتسب فيكون مفهوماً افرادياً مضيّقاً لا محالة.

و هذا هو التحليل الفني لما قاله المشهور من أنّ النسب التامة ايقاعية أو لوحظ فيه تحقق النسبة و ثبوتها أو لا ثبوتها؛ و لهذا يصحّ السكوت عليها، كما يمكن التصديق بها، بخلاف الناقصة فإنّها لا تحكي إلّا مفهوماً افرادياً.

ص 272 قوله: (الجملة الخبرية الفعلية...).

ما هو ظاهر العبائر لا يمكن المساعدة عليه، فإنّ كون النسبة التامة موطنها الذهن لا يستلزم أن نرجعها إلى النسبة التصادقية دائماً، بل التمامية و النقصان ينشآن من الإشارة بالمفاهيم الذهنية إلى وعاء التحقّق و الثبوت خارج عالم الذهن و كيفية افنائها و تطبيقها فيه.

و وعاء التحقق و الثبوت أعم من اتحاد شي‏ء مع شي‏ء المعبّر عنه بالنسبة التصادقية أو بثبوت شي‏ء لشي‏ء، أو تحقق حالة في شي‏ء كما في الماء في‏

100

الكوز فإنّ الإشارة فيه إلى مظروفية الماء في الكوز و ثبوت هذه الهيئة و النسبة الظرفية للماء خارجاً، لا اتحاد الماء مع ما هو كائن في الكوز- كما هو ظاهر الكتاب- أو تكون النسبة إشارة إلى تحقق الفعل و صيرورته في الخارج كما في (ضرب زيد) فإنّ الإشارة إلى خارج الذهن هنا مركزه و مصبه واقعية الفعل و تحققه و صيرورته لا الاتحاد و التصادق بين شيئين- كما هو ظاهر الكتاب-.

فالحاصل وعاء خارج الذهن و الواقعية التي هي قوام الجمل الخبرية التامة أعم من التصادق بين مفهومين أو تحقق هيئة أو نسبة ناقصة في شي‏ء أو تحقق حركة لمسمّى، و الذي هو المناسب لتحقق الفعل و واقعيته كما في الجمل الفعلية.

كما أنّ الفرق بين (زيد ضرب) و (ضرب زيد) أنّ الاولى تحكي تحقق حركة الضرب من زيد بينما الثانية تحكي تحقق حركة الضرب في الخارج فاعله زيد، فمركز الإخبار و الإشارة يختلف فيهما.

و بهذا أيضاً يمكن أن يفسر عدم صحة زيد و عمرو ضرب بل ضرباً؛ لأنّ مركز الحكاية إذا كان هو زيد و عمرو في الجملة الاولى الاسمية و اريد الإخبار و الحكاية عن صفة أو حركة لهما فلا بد من ملاحظتهما معاً فلا بدّ من التثنية في الفعل أيضاً بخلاف ضرب زيد و عمرو... لأنّ مركز الإخبار تحقق حركة الضرب و الفعل في الخارج امّا من يكون فاعله و انّه متعدد أو واحد فلا أثر له في الإخبار عن تحقق حركة الفعل و صيرورته في الخارج، و اللَّه الهادي للصواب.

ص 288 قوله: (3- الجمل التامة الانشائية...).

لا ينبغي الاشكال في انّ الانشائية و الاخبارية إنّما تكون بلحاظ المدلول التام فالمداليل و النسب الناقصة لا تتصف بالانشائية و الاخبارية.

101

كما انّه لا ينبغي الشك في انحفاظ الفرق بين الجملة الانشائية و الاخبارية بلحاظ مرحلة المدلول التصوري بناءً على ما هو الصحيح من انّ المداليل التصديقية خارجة من المداليل الوضعية و الاستعمالية، و لهذا نجد وجداناً الفرق بين الجملتين حتى إذا سمعناهما من لافظ غير ذي شعور.

و لا اشكال أيضاً في عدم صحّة الانشائية بالمعنى الأوّل أي ايجاد المعنى باللفظ لا في المعاني التكوينية و لا التشريعية، فإنّ اللفظ ليس من مبادئ شي‏ء منهما.

و لا يصحّ أيضاً تفسير الانشائية بلحاظ ما سيتولد في طول الكلام من مصداق المعنى خارجاً سواء كان تكوينياً كالطلب أم اعتبارياً كالعقود و الايقاعات؛ لأنّ هذا المصداق إنّما يوجد في طول الاستعمال للفظ في معناه متأخراً عنه فلا بد من ثبوت المعنى المستعمل فيه في المرتبة السابقة و هو معنى اخطاري لا محالة و ليس ايجادياً و مجرد العلم بأنّه سيوجد مصداق له خارجاً في طول اخطاره في ذهن المخاطب لا يخرجه عن الاخبارية و الاخطارية كما إذا علم انّه في طول اخطار معنى سيوجد مصداق له في الخارج أيضاً، على انّ هذا المعنى لا يتم في جميع المعاني الانشائية و إنّما قد يتم في مثل الطلب و العقود.

وعليه فلا بد من تفسير للانشائية يجمع كل هذه الوجدانات.

و الذي يخطر ببالي القاصر: انّ الذهن له وظيفتان كلتاهما في مرحلة المدلول التصوري:

1- وظيفة التصور للمفاهيم و المعاني في نفسها سواء كانت افرادية أو نسبية

102

ناقصة أو نسبية تامة بالمعنى المتقدم لها.

2- وظيفة التوجه و التعامل الذهني مع المدرك التصوري من تصديق و اذعان به أو استفهام عنه أو ترج أو تمنٍّ أو طلب أو الفات و نداء و نحو ذلك، فإنّ هذه الأعمال و الفعاليات الذهنية لحاظية، أي مفهومة و ملحوظة تصوراً من قبل النفس، لكن لا بلحاظ تصوري مستقل بأن تنطبع صورتها في الذهن، بل بأن يتحقق واقعها فيه، فهو حاضر لديه و ملتفت إليه بالعلم الحضوري.

و إن شئت قلت: انها من خصائص النسبة التصورية المنطبعة عن الخارج في الذهن أو نحو من وجودها فيه، و الغرض اللغوي يقتضي الوضع بإزائها أيضاً، فالتجرد عن أدوات الانشاء أو لفظة (است) و (استين) في اللغات الاخرى موضوعة للدلالة على الفعالية الذهنية الاولى أعني الإخبار عن تحقق النسبة التصادقية و واقعيتها و الأدوات الاخرى الانشائية كل منهما موضوعة لواحدة من تلك الفعاليات و هذه الفعاليات بعضها تتعلّق بالنسبة التصورية- التصادقية- كالاخبار و الاستفهام و الترجي و التمني و لهذا تدخل عليها، و بعضها لا تحتاج إلى النسبة التصادقية أو متعلق بالنسبة الفعلية أو المفهوم الافرادي كالنداء و الطلب.

و لعلّ هذا هو روح مقصود السيد الشهيد (قدس سره) فيما سيأتي من انّ الاختلاف راجع إلى وعاء التحقق و الطلب و الاستفهام و نحوه بقرينة قوله في الذيل (و إن شئت قلت حصص مختلفة من النسبة التصادقية في الذهن...) فالانشائية و الاخبارية راجعتان إلى كيفية لحاظ النسبة التصورية في الذهن و كونها في موقع التصديق بها أو الاستفهام عنها أو نحو ذلك.

103

و إن شئت قلت‏: انّ الاستجابة الذهنية التصورية الحاصلة بأدوات الانشاء تختلف عن الاستجابة الذهنية الحاصلة بأدوات الاخبار، ففي مورد الطلب مثلًا يحس السامع ذهنياً باستجابة الدفع و الارسال كما لو دفعه شخص، و في مورد النداء استجابة النداء و الترجي و الرجاء و هكذا... و من هنا قيل انها ايجاد المعنى باللفظ، و في موارد الاخبار تكون الاستجابة استجابة إراءة شي‏ء في الواقع و الحكاية عنه، و كل هذه الاستجابات الذهنية في مرحلة التصوّر، أي ليست متقوّمة بوجود مدلول تصديقي؛ و لهذا تحصل في الذهن حتى إذا سمعت الجملة الخبرية أو الانشائية من الجدار.

و يتضح ممّا تقدم امور:

منها- انّ الاخبار أيضاً ايجاد للحكاية الذهنية عن الخارج تصوّراً، إلّا انّه حيث انّ متعلقه تحقق النسبة التصادقية و التصديق بها فيقبل أن يتصف متعلقه بالصدق و الكذب، و هذا بخلاف المعاني الانشائية الاخرى.

و منها- انّ هذا المعنى محفوظ حتى مع عدم الجدية لأنّ هذه الفعاليات الذهنية تحصل قهراً في مواردها بأي داعٍ كان ايجادها في الذهن كما هو واضح.

و منها- الفرق بين الجملة الانشائية الطلبية أو الندائية و الجملة الانشائية الاستفهامية و نحوها من أدوات الانشاء التي تدخل على النسبة التصادقية، فإنّ هذا ملحوظ تصوراً أيضاً باعتبار انّ النداء و الطلب لا يتوقف على ملاحظة نسبة تصادقية بخلاف مثل الاستفهام و الترجي و التمني.

104

و منها- انّ الجملة الخبرية المستعملة في مقام الانشاء خارجة عن ذلك المعنى للانشاء رأساً و إنّما هي نظير الإخبار عن انّه يأمره فعلًا حيث يتحقق به مصداق الأمر حقيقة في الخارج فهو يخبر عن انّه يبيع مثلًا لأنّه متحقق به فهذا سنخ آخر من الانشاء و بلحاظ التقسيم المتقدم للاخبار و الانشاء هو اخبار في الحقيقة يتحقق به مصداق له.

و منها- انّ نقصان النسبة التصادقية حينما تدخل عليه أدوات الانشاء كالاستفهام و الترجي و التمني أو الطلب ليس بلحاظ المدلول التصوري و انقلابها إلى نسبة ناقصة و لهذا لا يصحّ جعل نسبة وصفية أو اضافية في محلها مدخولًا لأدوات الانشاء، بل بمعنى عدم لحاظها في وعاء التحقق و موقع الإخبار عنها الذي كان مفاداً بالدال العدمي و هو التجرد عن أدوات الانشاء أو بلفظة (است) و (استين) في بعض اللغات الاخرى، و لهذا لا توجد مجازية و لا تصرف في مدلول الجملة لأنّ الدالّ على ذلك الوعاء و اللحاظ إنّما هو دالّ آخر لا نفس الجملة و نفس الشي‏ء يقال في الجملة الشرطية، فإنّ أدوات الشرط تدلّ على أنّ النسبة التصادقية لا يراد الإخبار عنها بالفعل كما لو جاءت مجردة عن أداة الشرط و إنّما الملحوظ التلازم بين صدقها و تحققها و صدق جملة الجزاء.

و منها- انّ ما ذكره الاصوليون في المقام و صوروه من أنحاء من النسب كالنسبة الاستفهامية و الطلبية و نحوها مما لا يرجع إلى محصل، إذ مضافاً إلى ما ذكره السيد الشهيد (قدس سره) من انّ هذه المعاني أو النسب خارجية فلا يمكن أن تكون في الذهن نسب تامة بل ناقصة تحليلية.

105

أقول: زائداً على ذلك يرد عليه انّ الاستفهام و الترجي و الطلب معان عرضية ذاتية و ليست نسباً أي ليست عين الربط و النسبة كالظرفية و الابتدائية و إنّما هي وجودات في نفسها و لكنها عرضية تعرض على النفس كالأعراض الاخرى كالعلم مثلًا و الحب و البغض، و مجرد كونها ذات اضافة و تعلق لا يجعلها نسبة و وجوداً ربطياً كما هو واضح.

فما ذكر في كلمات الأعلام و السيّد الشهيد (قدس سره) أنّها موضوعة للنسبة الإرسالية أو الاستفهامية أو نحو ذلك لا يمكن المساعدة عليه، و كأنّهم صاروا إلى اختيار ذلك باعتبار تصور انّ كل مدلول غير اسمي لا بد و أن يكون نسبياً، و هو غير تام.

و اللَّه الهادي للصواب.

ص 306 قوله: هيئة الفعل... الخ.

الذي يخطر بالبال انّ مفاد الجملة الفعلية ليس هو النسبة التصادقية و التي مفادها اتحاد المحمول مع الموضوع أو صدقه فيه بل نسبة اخرى و لنسميها بالنسبة التحققية بمعنى انّ الذهن يتصور منها تحقق الحدث و خروجه إلى الفعلية و من العدم إلى الوجود و الحدوث- بأنحائه المختلفة من الحلول أو الصدور أو الوقوع أو غيرها- و لا ضير في أن تكون هذه النسبة التحققية كالتصادقية نسبة تامة- خلافاً لما في الكتاب- إذ ليس المراد أخذ مفهوم التحقق بل واقعه و ليس واقعه تحصيصاً في المفهوم بل كالتصادق و الصدق أمر مربوط بكيفية افناء المفهوم و لحاظه في خارج الذهن، فما ورد في الكتاب من انّ النسبة الصدورية لا بدّ و أن تكون ناقصة ثمّ التفتيش عن كيفية ذلك كله مما لا مأخذ له.

ثمّ انّ الظاهر انّ هذه النسبة التحققية التامة مفاد هيئة الفعل نفسها فإنّها

106

تدلّ على التحقق في الماضي أو الحال و المستقبل لا أنّها مفاد هيئة الفعل و الفاعل و الدليل على ذلك مضافاً إلى الوجدان القاضي بتبادر التحقق من نفس هيئة الفعل بمجرد سماعه بلا انتظار إلى سماع الفاعل ما نجده من أخذ التقدير للفاعل كلما لم يكن ظاهراً، مما يعني انّ هيئة الفعل بنفسها تقتضيه أي تدلّ على معنىً تقتضي فرض فاعل بالدلالة الالتزامية، فتكون الفرضية الثانية في الكتاب هي الأوفق بالوجدان اللغوي مع التطوير الذي ذكرناه، و يمكن ابطال الفرضية الاولى باشكالات اخرى لا داعي إلى التطويل فيها، فراجع و تأمل، و اللَّه الهادي للصواب.

ص 314 قوله: (هيئة المصدر...).

وقع البحث عندهم في ما اشتهر من انّ المصدر أصل في الاشتقاقات بعد افتراض انّ المراد معناه لا لفظه و هيئته فإنّها لا تكون محفوظة في المشتقات جزماً، فذهب بعض- كالميرزا (قدس سره)- إلى انّ المصدر أيضاً ليس بالدقة أصلًا؛ لأنّ فيه مادة و هيئة لكل منهما معناه و كذلك اسم المصدر فهما في عرض سائر الاشتقاقات، و إنّما الأصل هو المادة السيالة السارية في جميع المشتقات، و هي كالقوة و المادة الفلسفية التي لا تتحقق إلّا بالصورة النوعية، فكذلك المادة هنا لا تكون إلّا ضمن هيئة معينة. و من هنا وقع البحث في وضع هيئة المصادر و أسمائها لمعنى زائد و عدمه.

و المصدر و اسم المصدر قد يكون لهما صيغتان كالغُسل و الغسل و كثيراً ما يكونان بصيغة مشتركة.

و يمكن أن يكون المقصود من كون المصدر أصلًا انّه بلفظه أصل و لكن‏