أضواء وآراء؛ تعليقات على كتابنا بحوث في علم الأصول‏ - ج1

- السيد محمود الهاشمي الشاهرودي المزيد...
694 /
107

لا بمعنى الهيئة الخاصة الموجودة في المصدر بل الأعم منه و مما في المشتقات أي مطلق الحروف الثلاثة في الضرب مع كون الضاد منها قبل الراء و الراء قبل الباء سواءً مع الفصل بحروف اخرى كما في سائر الاشتقاقات أو بدونه فتكون الحروف الثلاثة بهذه الهيئة المشتركة في جميع المشتقات موضوعة للحدث.

و لعلّ هذا هو المقصود من المادة أيضاً في كلمات الاصولي.

ص 316 قوله: (4-.... مع الغض عن كونه خلاف الوجدان و الذوق العرفيين...).

يمكن أن يكون الوجه في كونه خلاف الوجدان و الذوق العرفي انّه لا يناسب طريقة تعدد الدالّ و المدلول العرفية لأنّ المصدر عندئذٍ لا يدلّ سماعه على شي‏ء بل لا بدّ من الانتظار ليرى هل يأتي مستقلّاً أو مضافاً فيكون استقلاله و اضافته جزء الدال على المعنى، و هذا خلاف طريقة تعدد الدال و المدلول.

و بتعبير آخر: انّ دلالة المصدر على النسبة يستلزم دلالته التزاماً على طرفها أيضاً لأنّ النسبة بلا منتسبين لا يتصور، و حيث انّ الكلام في المدلول التصوري و حيث انّ النسبة الناقصة تحليلية لا بد و أن ترجع إلى صورة ذهنية واحدة لا محالة، فإذا كانت الهيئة دالّة على النسبة الناقصة فلا محالة هناك دلالة تصورية على طرفها أيضاً و هو الذات المبهمة لا محالة فيرجع المحذور المبين في الاشكال الثاني- المفارقة الثانية-.

و هذه نكتة كلية حاصلها: انّه لا يمكن أن تكون الهيئة دالّة على النسبة بلا طرفها في النسب الناقصة.

نعم، يمكن أن تكون الهيئة مع المضاف إليه المصدر دالّة على النسبة إليه‏

108

بنحو تعبد الدالّ و المدلول و تكون الهيئة مجردة دالّة على ذات الحدث بلا انتساب.

إلّا أنّ هذا معناه أنّ الدال على النسبة إنّما هو هيئة المصدر مع الاضافة أي مجموع الهيئتين مع كون احداها موضوعة لذلك فيكون لغواً، بل على خلاف الطريقة العرفية في وضع هيئات المفردات لمعاني في موادها مع قطع النظر عن الهيئة التركيبية التامة أو الناقصة لأكثر من مفردة. بل بناءً على ما هو التحقيق من انّ الدلالة الوضعية تصورية و انها عبارة عن أمر تكويني ينشأ من القرن الذي هو أيضاً أمر تكويني لا يعقل ذلك لأنّ هيئة الاضافة مطلقاً إذا كانت موضوعة أي بمثابة العلّة لتصور النسبة التقييدية الناقصة فجعل هيئة المصدر لنفس المعنى غير معقول لأنّ جعلها مطلقاً خلف المفروض و جعلها مقيدة بهيئة الاضافة معناه وضع الخاص مع كون العام موضوعاً و هو أشبه باجتماع علتين على معلول واحد.

ص 318 قوله: (و هذا الوجه لو تم لكفى في أداء حقه...).

الظاهر انّ هذا الجواب هنا خطأ و محله الجواب على الوجه الثاني القادم تحت عنوان (و منها- انا نرى الفرق عرفاً...).

ص 318 قوله: (فالبيان المذكور ينفع لتصوير الفرق بين مدلول المصدر و مدلول اسم المصدر لا لبيان انّ هيئة المصدر لها مدلول قد وضعت لافادته).

يعني: لعلّ الفرق المذكور بلحاظ أخذ الخصوصية في مدلول المادة المشتركة بين المصدر و بين سائر المشتقات، فالمصدر كسائر المشتقات يدلّ على المبدأ بما هو حدث صادر من فاعله بخلاف اسم المصدر لا انّ هيئة المصدر موضوعة لمعنى زائد.

109

ص 318 قوله: (إلّا أن يقال انّ مرجع هذا إلى ذاك).

يعني أنّ هذه الزيادة لا بد و أن تكون مأخوذة في الهيئة لا المادة المشتركة بين المصدر و اسم المصدر و سائر المشتقات و إلّا لزم التناقض و التهافت في اسم المصدر لثبوت المادة السارية فيه أيضاً، فلا بد و أن تكون المادة في ضمن هيئة المصدر و سائر المشتقات دالّة على ذلك، و هذا معناه دلالة الهيئة ضمناً على خصوصية فيكون اسم المصدر أقل مدلولًا من المصدر و سائر المشتقات، و لهذا يكون أسبق على ما سنشير إليه.

ص 319 قوله: (و الاخراج بإزاء نفي خاص منه و هو الخروج التحميلي ...).

بل تحميل الخروج و هو فعل آخر غير نفس الخروج و من هنا يكون فاعله المخرج لا الخارج بخلاف الخروج.

ص 319 قوله: و فيه: انّا بيّنا آنفاً... الخ.

أي انّ الخروج موضوع لحدث الخروج الذي فاعله القابل له و امّا الموجب لخروج الغير فهو فاعل حدث الاخراج.

ص 319 و هكذا يتضح... الخ.

لم يتضح لي الفرق بين المصدر و اسم المصدر بالنحو المذكور الذي وافق عليه السيد الشهيد (قدس سره)، و الفرق بين الغَسل و الغُسل لا يبعد أن يكون من ناحية انّ الأوّل لوحظ بما هو حدث و صفة للغاسل- الفاعل- بينما الثاني لوحظ بما هو صفة للقابل فأكثر من هذا المقدار لا أفهم فرقاً بين المصدر و اسم المصدر بل قد لا يكون معقولًا ثبوتاً، و اللَّه العالم بالحقائق.

110

ص 320 قوله: (3- هيئة المشتقات...).

هذا المبحث منشأ البحث المنطقي بين صاحب الحاشية على شرح المطالع- المحقق الهمداني- و شارحه و هو كما في الكتاب بحث منطقي لا ربط له بالبحث الاصولي اللغوي التحليلي، و لم يكن ينبغي مزج أحدهما بالآخر كما فعله الأصحاب، فإنّ البحث هناك عن الماهيات و الطبائع و الفعل الحقيقي لا معاني الألفاظ و ما وضعت له و لا ملازمة بينهما كما أنّ البحث المنطقي أو فهم المناطقة لا دخل له باسلوب البحث اللغوي أصلًا، و هذا كله واضح، فينبغي ايراد البحث بالشكل اللغوي الأصيل. و الاستدلال على النفي أو الاثبات فيه حسب مناهج البحوث اللغوية و بأدلتها من التبادر و الوجدان اللغوي و غير ذلك معرضين تماماً عن كلمات الدواني و اشكالات صاحب الفصول و أجوبة اشكالات صاحب الكفاية على الفصول و نحو ذلك.

و تحرير محل البحث أنّ المشتقات المشتملة على هيئة و مادة يقع البحث في تركيبها و بساطتها في عالم المفاهيم المدلولة لها. و على كل من التقديرين أيضاً يبحث انّ مركز الثقل في جريها و انتزاعها هل هو الذات المتلبسة بالمبدإ أو المبدأ المنتسب إلى الذات، فالصور أربعة عقلًا كما انّ الأقوال كذلك كما في الكتاب.

و قبل البحث عن أدلّة الطرفين و تهذيبها ينبغي تحرير النزاع في المراد من البساطة و التركيب، فقد ذكر السيد الخوئي و تابعه الشهيد الصدر أنّ المراد من التركيب ليس هو التركيب و التعدد في المفهوم و التصور الذهني؛ إذ لا يتبادر من المشتقات إلّا مفهوم وحداني لا مفاهيم متعددة.

111

و قد حلّلها السيد الشهيد بأنّ النسب الناقصة الخارجية الواقعية تحليلية في الذهن و ليست واقعية و إلّا كانت تامة، و لا إشكال انّ المشتقات على القول بالتركيب نسبها ناقصة و خارجية فتكون في الذهن تحليلية.

فمدعي التركيب- و منهم السيد الخوئي و الشهيد- يدعي التركيب التحليلي العقلي لا التركيب في الوجود الذهني التصوري، و صاحب الكفاية المدعي للبساطة أيضاً يدعي انّ القائل بالبساطة يدعي البساطة بحسب المفهوم و اللحاظ الذهني لا بحسب التعمّل و التحليل العقلي، كيف و الأسماء الجامدة أيضاً مركبة من الجنس و الفصل بحسب التحليل العقلي.

و من هنا ذكر السيد الخوئي أنّ مدعى الخراساني بحسب الحقيقة لا ينافي القول بالتركيب و انّ ما يدعيه من البساطة مسلم لا نقاش فيه عند أحد، و أنّه قائل بالتركيب واقعاً و يسميه بساطة بلحاظ الوجود الذهني.

إلّا أنّ الظاهر انّ التركيب الذي يدعي صاحب الكفاية امكانه و عدم منافاته مع البساطة التي اختارها غير التركيب الذي يدعيه السيد الخوئي و السيد الشهيد (قدس سره)، إذ مراد الكفاية من التركيب التركيب الثابت في تعريف الطبائع و تحليل الماهيات من حيث هي ماهيات، و لا ربط لها بالمعاني و المداليل أصلًا، بينما التركيب الذي يدعيه العلمان و قبلهما المحقق الاصفهاني (قدس سره) إنّما هو التركيب بحسب المفهوم، و من هنا يرون مرادفة المشتق مع قولنا ذات لها المبدأ. أو أيّة نسبة وصفية ناقصة، و هذا ينكره الخراساني (قدس سره) و يدعي بساطة مدلول المشتقات في عالم المفهوم كالجوامد، فتدبر جيداً.

112

ص 325 قوله: (و هذا الاعتراض لا مأخذ له نقضاً و حلًا...).

محصّل الاشكال‏: انّ ما أفاده السيد الخوئي من انّه مع التعدد في الوجود لا يصح العمل بمجرد كيفية لحاظ المفهوم و إن كان صحيحاً، إلّا انّ ما أفاده من انّه مع الاتحاد وجوداً يصح الحمل و لا يمنع عنه كيفية لحاظه غير تام للنقض بالمصادر الجعلية المنتزعة عن موجود واحد، فالانسان و الانسانية وجود واحد في الخارج و إنّما الاختلاف في كيفية اللحاظ، و كأنّ الذهن يحلّله إلى شي‏ء له الانسانية فينتزع المصدر الجعلي في هذه المرحلة و التي من خلالها يرى شيئين فلا يصح الحمل لا محالة.

ص 326 قوله: إلّا انّ الالهام الفطري للانسان... الخ.

و يمكن الاجابة بجواب آخر حاصله: انّه حتى إذا قبلنا وحدة الوجود الخارجي للعرض و معروضه إلّا أنّ الميزان في وحدة المفهوم و تعدده وحدة منشأ انتزاعه و تعدده، فإذا كان الوجود الواحد في الخارج ينتزع الذهن منه انتزاعين من جهتين مختلفتين لم يصح حمل أحدهما على الآخر و كان المفهومان متباينين مفهوماً و صدقاً و انّ اتحدا وجوداً، و المصدر و المشتق كذلك، إذ الأوّل منتزع عن الحدّ و الكيفية فيكون بإزاء العرض بينما المشتق منتزع عن المحدود و الذات فيكون بإزائه فلا يصح حمل المصدر على ما انتزع من الذات.

و الدليل عليه المصادر الجعلية التي يقبل الالهام الفطري وحدة الوجود الخارجي فيها، فلا ينبغي ربط المسألة بتعدد الوجود الخارجي للعرض و موضوعه أصلًا، كيف و الحمل و الاشتقاق ليس مخصوصاً بالأعراض‏

113

الوجودية الخارجية أصلًا بل هما جاريان في الاعدام و الأعراض الانتزاعية و الاعتبارية الواقعية النفس الآمرية كالامكان و الامتناع للماهية أو الوضعية كالطهارة و الزوجية و الملكية.

ص 326 قوله: (و الصحيح في مناقشة هذا التفسير للابشرطية...).

أجوبة أدلّة الميرزا على نفي التركيب واضحة، كما أنّ اشكالات السيد الخوئي على البحث الاثباتي لمدعى الميرزا واضحة المناقشة كما في الكتاب.

إلّا أنّ روح الاشكال على القسم الاثباتي لمدعى الميرزا و الذي يفهم من كلمات السيد الخوئي و السيد الشهيد أنّ الوجدان الفطري يرى تعدد المبدأ و الذات المحمول عليه المشتق امّا في الوجود كما في الأعراض الخارجية أو في منشأ الانتزاع و الادراك بحيث لا يرى اتحادهما و هذا ثابت حتى في المصادر الجعلية المنتزعة عن الجوامد.

نعم، هذا المطلب لا يثبت التركيب بل ينسجم مع قول صاحب الكفاية بالبساطة المنتزعة عن الذات لا المبدأ.

و السيّدان يدعيان التركيب على أساس الوجدان و أضاف السيد الشهيد بأنّ المفهوم البسيط المنتزع إن كان الانتزاع فيه بمعنى الادراك لما في الواقع خارج الذهن فمن الواضح وجود ذات و مبدأ و نسبة فيه، و هو معنى التركيب و إن كان الانتزاع بمعنى اختراع مفهوم وحداني بسيط و إلباسه للذات في الخارج فهذا خلاف الوجدان القاضي بأنّ المشتقات طبائع خارجية و ليست اختراعية ذهنية فلا بدّ من القول بالتركيب من ذات مبهمة لها المبدأ.

114

و يمكن أن يستدل أيضاً على مدعي التركيب بوضوح تعدد وضع الهيئة و المادة في المشتقات أي لا إشكال في اللغة العربية على الاستفادة من وضع الهيئات و المواد بالوضع النوعي لمعانيها المختلفة، و هذا لا يناسب القول بالبساطة بل لازمه التركيب و وجود ثلاث مداليل- و لو تحليلية كما في الحروف- و هي المبدأ و النسبة و الذات، و يضيف السيد الشهيد (قدس سره) في ذيل هذا البحث: انّ المشتق الاصولي- لا النحوي- كالسيف و الزوج و الحر أيضاً معناه مركب، إلّا أنّ المأخوذ فيه مصداق الشي‏ء لا مفهومه، أي الطبيعة الخاصة، فالسيف للحديد المجعول بنحو خاص، و الزوج أو الحر للانسان المتصف بالوصف الخاص، و هكذا.

إلّا أنّ هذا الوجدان المدعى من قبلهم يقابله الوجدان الذي يدعيه الخراساني على البساطة، بمعنى الفرق بين قولنا: (عالم) و (ذات لها علم) فإنّهما يختلفان حتى بلحاظ المرئي و المحكي و المتصوّر، و إن كان وجودهما في الذهن واحداً، فإنّ (عالم) ليس في محكيه إلّا عنوان و محكي واحد، بخلاف ذات لها العلم فإنّها محكيّات ثلاثة و لو ضمن صورة ذهنية واحدة.

بل و هناك أمر آخر لا يمكن تفسيره على القول بالتركيب، و حاصله: أنّه لو كان معنى (عالم) (من له العلم) و كانت المادة دالّة على المبدأ و الهيئة على النسبة فأين الدال على الذات؟ و هذه نقطة هامّة سنحلّلها عند بيان قول الخراساني (قدس سره) فانتظر.

كما أنّ دعوى التركيب في مثل الزوج و الحر و السيف غير قابل للقبول، فإنّها كأسماء الجوامد الاخرى، بل لو كان كما ذكر السيد الشهيد كان لا بدّ من‏

115

الاحساس بالتكرار في قولنا: (الإنسان حرّ). أي انسان له الحرية مع وجدانية عدم ذلك.

ص 327 قوله: (القول الثاني و مناقشته...).

لا وجه لحصر دليل هذا القول في هذا الوجه الذي يكون توجيهاً للجهة الاثباتية من مدعى النائيني (قدس سره)، بل ينبغي طرحه مستقلّاً و الاستدلال عليه.

و يمكن الاستدلال له عليه تارة: بما في الكفاية في ذيل مناقشاته مع صاحب الفصول من انّ القول بتركيب معنى المشتق إذا اريد به تركبه من واقع الشي‏ء الذي له المبدأ يلزم استفادة التكرار في مثل قولنا: (الإنسان كاتب) أي الإنسان انسان له الكتابة، و هو خلاف الوجدان. و أضاف السيد الخوئي بامتناع ذلك لأنّ الذوات التي يجري عليها المشتق متنوعة غير متناهية فكيف يمكن أخذها جميعاً.

و هذا البيان لا ينفي التركيب الذي يدعيه المحقق الاصفهاني و السيد الخوئي و الشهيد الصدر من أخذه ذات مبهمة في المشتقات.

و اخرى‏: يمكن أن يستدل عليه بأنّ أخذ مفهوم الذات أو الشي‏ء الذي له المبدأ يلزم منه الاشتراك اللفظي في المشتقات بلحاظ جزء معانيها و هو الشي‏ء أو الذات و هو أيضاً خلاف الوجدان.

و يمكن أن يجاب بالمنع عن كونه خلاف الوجدان، كيف و الوجدان يشهد بأنّ المشتقات كلها تجري على الذوات و أوصاف لها و إنّما الاختلاف في المبادئ و النسب المفاد عليها بالمادة و الهيئة و هما مختلفان من مشتق لآخر.

116

و ثالثة: يمكن أن يستدل على مدعى صاحب الكفاية بوجدانية الفرق بين قولنا من له العلم و قولنا عالم حيث يتصور الذهن في الأوّل مفهوماً مركباً من قبيل (غلام زيد) الذي يلحظ فيه (غلام) و (زيد) مستقلّاً ذهنياً رغم كون النسبة بينهما ناقصة خارجية. بينما في الثاني لا يتصور الذهن إلّا مفهوماً واحداً بسيطاً منتزعاً عمن له العلم.

و هذا الوجدان لا ينبغي إنكاره، فإنّ الالهام الفطري للانسان يشهد وجداناً أننا نتعامل مع المشتقات كما نتعامل مع الأسماء الجامدة، بمعنى أننا نجدها في عالم الذهن و التصور مفاهيم وحدانية منطبقة على مصاديقها الخارجية كانطباق الإنسان و الحيوان على مصداقهما الخارجي، أي عناوين منتزعة عن المصاديق الخارجية و مجعولة في الذهن لنفس تلك الوجودات، غاية الأمر يختلف عن الجوامد في انّ انتزاع الجامد كأنّه انتزاع مطلق عن تلك الذات، و ليس بلحاظ جهة طارئة عرضية بخلاف المشتق حيث يكون هذا الانتزاع فيه بلحاظ وجود المبدأ الذي هو أمر عرضي زائل مع انحفاظ الذات، فكأنّها عناوين منتزعة ماداميّة لا مطلقة، بخلاف الجوامد إلّا ما يكون منها كالمشتقات كالسيف و الزوج.

و الحاصل الذات و النسبة و المبدأ في جملة من له العلم الناقصة ملحوظ مستقلّاً بخلافه في العالم فإنّه ليس كذلك وجداناً و إنّما يتبادر منه إلى الذهن تصور الموجود الخارجي للعالم كالانسان و الحجر. نعم، مبدأ العلم ملحوظ أيضاً بما هو حالة خاصة و حيثية تعليلية لانتزاع العنوان الاشتقاقي المنطبق على الذات التي لها العلم.

117

و هذا هو الذي جعل كلّاً من العلمين النائيني و الخراساني و من تبعهما يتفقان على البساطة و لكنهما اختلفا في كيفية تحليله.

فالميرزا لاحظ المبدأ بما هو حالة عارضة فعبر عن المشتق بأنّه موضوع للمبدإ لا بشرط من حيث الحمل، أي بما هو يعكس و يظهر موصوفه و معروضه، و الخراساني لاحظ الذات و لكنه لم يأخذه كمفهوم عرضي في مدلول المشتق، بل ادّعى انّ المشتق منتزع من الذات المتلبسة بالمبدإ على حد انتزاع الأسماء الجامدة من معانيها، إلّا انّها منتزعة بلحاظ ذاتها و مطلقاً بينما المشتقات تنتزع بلحاظ المبادئ العارضة و ما دامت كذلك.

و منه يظهر أنّ مفهوم الذات أيضاً لم يؤخذ في المشتقات و إنّما المشتقات كالجوامد منتزعة عن مصاديقها الواقعية في الخارج أي عن الوجود العيني الخارجي و ليس هذا بمعنى أخذ مفهوم الوجود العرضي في مدلولها، فكما لا يكون مفهوم الوجود العرضي مأخوذاً في الجوامد كذلك لا يكون مفهوم الذات مأخوذاً في المشتقات و إنّما هي كالجوامد منتزعة عن الوجود العيني الخارجي المتصف بالمبدإ ما دام متصفاً لا أكثر.

و مما يؤكد ذلك وجدانية البساطة في المشتق الاصولي أي الزوج و الحر و السيف، فإنّه كأسماء الجوامد من حيث البساطة مع أنّ خصوصية المشتق ثابتة فيه.

و يمكن أن يستدل أو يذكر كمنبّه وجداني على نفي التركيب أيضاً أن المشتق لو كان مركباً من ذات لها المبدأ فلما ذا لا دال على الذات فيه حيث انّ الهيئة لا إشكال في وضعها- بناءً على التركيب- للنسبة و المادة للمبدإ فأين الدال‏

118

على الذات.

و دعوى الدلالة الالتزامية قد عرفت في الكتاب عدم معقوليتها في المعاني النسبية، فإنّها متقومة بالطرفين تقرراً و ذاتاً، فلا يمكن أن يتحقق تصور لها قبل تقرر طرفيها ذهناً، لكي تتشكل له دلالة التزامية. على أنّ الدلالات اللفظية الوضعية تصورية لا تصديقية و التلازم المذكور تصديقي لا ربط له بالمقدم.

و يمكن أن يقال‏: انّ هذا الاشكال يواجه القائل بالبساطة أيضاً بنحو آخر إذ لا إشكال أنّ الهيئة لها وضع نوعي و كذلك المادة، و أنّ المشتقات من باب تعدد الدال، و هذا لا يمكن أن يجتمع مع القول ببساطة معنى المشتق بل يساوق التركيب.

و التحقيق أن يقال‏: بأنّ هيئات الأسماء المشتقة ليست موضوعة للدلالة على النسبة، بل للدلالة على الذات المتلبسة بالمبدإ و كيفية التلبس هيئة و حالة للذات المتلبسة، و هي تختلف باختلاف أنحاء التلبس، و قد وضعت هيئة فاعل للذات التي لها حالة صدور أو حلول المبدأ منه و مفعول للذات الواقع عليها المبدأ، و هكذا.

و هذا يمكن أن يكون بنحو الانتزاع البسيط بل لا بد و أن يكون كذلك و إلّا كان أحد الأجزاء لا دال عليه، و لا ينافي ذلك تعدد الوضع و الدلالة في المادة و الهيئة للمشتق لأنّ الهيئة لما كانت صالحة لدخولها على المواد المختلفة فلتسهيل الوضع استفيد من الوضع النوعي فيها و في المادة و تكون المادة الدالة على المبدأ حيثية تعليلية لانتزاع و ادراك المفهوم البسيط و هو على حد الطبائع في أسماء الجوامد.

119

و إن شئت قلت‏: كما انّ الذهن يضع الاسم الجامد لمفهوم الإنسان و الحجر و الحيوان المنتزع من الوجودات الخارجية المعنية كذلك يضع مفهوم عالم عادل قائم... الخ لمفهوم يأتي إلى الذهن من تصور الموجود الخارجي في حالة القيام أو العالمية و العادلية و هكذا من دون فرق بينهما إلّا من ناحية التوسعة في الوضع من ناحية أنّ الهيئة يمكن وضعها النوعي بالاضافة إلى المواد المتنوعة التي يمكن أن تدخل فيها و التي هي حيثيات تعليلية لحالة المتلبس بها، و هذا لا يستلزم التركيب، ففرق بين مفهوم ذات لها القيام و مفهوم قائم كالفرق بين مفهوم ذات لها الانسانية أو الشيئيّة و انسان أو شي‏ء من حيث تركب الأوّل و بساطة الثاني. و بهذا نستطيع أن نجمع بين الوجدانات العرفية المتعددة في المقام، فتدبر جيداً.

ص 330 س 10 قوله: (و قد وضعت المشتقات بحسب النوع بإزاء هذا المعنى و إن كانت قد تدخل على ما يكون ذاتياً بحسب الدقة كالممكن مثلًا، و لعلّه باعتبار عرضيته بحسب الفهم العرفي).

أقول: الواقع انّ الوضع اللغوي للمشتقات ليس مربوطاً بحيثية عرضية المبدأ أو ذاتيته للموضوع، بل مربوط بما ذكرناه من اختلاف جهة انتزاع المفهوم، فالذهن قد ينتزع مفهوماً عن الحد و الكيفية و قد ينتزعه عن الشي‏ء الذي له الكيفية سواءً كانت تلك الكيفية في الواقع أو بحسب مصطلح الفيلسوف ذاتياً أم عرضياً مستقلّاً في الوجود أو متحداً، فكل هذا النهج الفلسفي من البحث أجنبي عن الوضع اللغوي للمشتقات و المبادئ. و على هذا الأساس لا فرق بين الامكان و الممكن أو البياض و الأبيض من هذه الناحية.

120

ص 335 قوله: (التحقيق انّ أنحاء التلبس...).

هذا الاشكال لا ربط له بأصل البحث فإنّ مفاد هيئة المشتق مدلول حرفي لا بأس بالالتزام فيه بالوضع العام و الموضوع له الخاص و ليس هو خارجاً عن متحد المعنى، و لهذا لا يقال في الحروف بأنّها من المشتركات فيعقل أن يؤخذ جامع التلبس الاسمي عنواناً مشيراً من أجل الوضع لتمام أنحاء مصاديقه.

و الجهة الأصلية للبحث هي تحقيق أنّ التلبس المأخوذ في مدلول المشتق هل اخذ بنحو لا بد و أن يفترض فيه الاثنينية بين المبدأ و الذات مفهوماً و وجوداً- كشرط زائد فيه- و هذا هو مختار صاحب الفصول و نتيجته مجازية إطلاق المشتقات على ذات الباري تعالى لعدم الاثنينية فيه.

أو لا يشترط فيه أكثر من الاثنينية بين الذات و المبدأ مفهوماً و إن لم يتعددا وجوداً، و هذا هو مختار صاحب الكفاية- و هو لا يتنافي مع قوله ببساطة المشتق لأنّه يرى انّ ذلك المفهوم البسيط لا ينتزع إلّا عن الذات المتلبسة، فالتلبس لا بد منه عنده أيضاً لتصحيح الانتزاع، فيقال بأنّه لا يشترط لصحة الانتزاع أكثر من التلبس و لو كانا بوجود عيني واحد- فيكون الصدق على الباري تعالى حقيقياً.

أو لا يشترط هذا المقدار من الاثنينية أيضاً فيمكن أن يصدق المشتق على نفس المبدأ في مثل البياض أبيض و السواد أسود و الضوء مضي‏ء. و هذا هو مختار المحقق الاصفهاني (قدس سره) و تابعه عليه السيد الخوئي (قدس سره) بدعوى انّ التلبس المأخوذ في مدلول المشتق مطلق الواجدية التي تصدق على وجدان الشي‏ء لذاته، فإنّه آكد من وجدانه لعرضه المفارق إذ الأوّل ثابت له بالضرورة.

121

و الصحيح ما اختاره صاحب الكفاية لا ما اختاره الفصول و لا ما ادعاه العلمان.

أمّا الأوّل‏ فلما تقدم من أنّ اثنينية المبدأ و الذات في الوجود و إن كان مطابقاً مع الفهم العرفي في جملة من الأعراض و المبادئ إلّا انّه لا ربط له بمدلول المشتق أصلًا، و ليس شرطاً في صدقه، إذ المأخوذ فيه ليس إلّا الذات التي لها المبدأ بأحد أنحاء النسب الاتصافية على أنحائها المختلفة.

و قد ذكرنا انّ اللازم كون الحيثية المنتزع منها المشتق غير الحيثية المنتزع منها المبدأ، فإنّ الأخير ينتزع من حدّ الشي‏ء و كيفه بخلاف المشتق فإنّه منتزع بسيطاً أو مركباً من الذات المتحيثة و المتكيفة بتلك الكيفية، و هذا صادق حتى في المصادر الجعلية كالانسانية و الجسمية و الشيئية، فالتعدد في الوجود العيني بين الذات و المبدأ لا ربط له بمدلول المشتق أصلًا.

وعليه فيكون صدق الصفات المشتقة على الباري تعالى حقيقياً؛ لأنّ حيثية انتزاع العالم منه غير حيثية انتزاع العلم و إن اتحدا في الوجود العيني، و قد تقدم انّ تعدّد حيثية الانتزاع لا يوجب التركب في الوجود لأنّه قد يكون ذلك مربوطاً بكيفية الانتزاع الذهني للمفهوم فحسب.

و أمّا الثاني‏ فلأنّ اتحاد المبدأ و الذات مفهوماً مخالف لما تقدم من تغايرهما ذاتاً، فإنّ قولنا البياض أبيض لو كان صادقاً كان معناه اتحاد معنى المبدأ و المشتق، إذ الأبيض فيه مبدأ البياض أيضاً و هو خلف، فلا بد من فرض عناية في البين و لو بأن يكون المراد بالبياض في طرف الموضوع ملاحظة المبدأ بما هو ذات و شي‏ء- أي اسم المصدر لا المصدر- فيكون مغايراً مع المبدأ الملحوظ في المشتق.

122

و الشاهد على هذه العناية مضافاً إلى وجدانيتها ما نراه من عدم اطراد ذلك في سائر المبادئ و المشتقات فلا يقال القيام قائم و الجلوس جالس و الضرب ضارب... و هكذا.

فالتلبس بمعنى مطلق الواجدية و إن كان كافياً في صدق المشتق، إلّا انّه لا بد فيه من حفظ المغايرة الذاتية و المفهومية بين المشتق و المبدأ.

ص 336 قوله: (الأسماء المبهمة...).

لا صحّة لما ذكره المحقّق الخراساني من انّ هذا موضوع للمفرد المذكر حتى إذا اخذت الإشارة الخارجية قيداً في العلقة الوضعية لأنّه لا ينبغي الشك في استفادة معنى الإشارة من أسماء الإشارة و أخذ الإشارة قيداً في العلقة الوضعية لا يحقق ذلك؛ إذ اللفظ لا يدلّ إلّا على المعنى الموضوع له لا على قيد الوضع، بخلاف أخذ آلية لحاظ المعنى أو استقلاليته قيداً للوضع لأنّ الآلية خصوصية في المعنى هناك و ليست معنىً آخر. ففرق بين المقام و بين ذاك البحث.

و لعل هذا روح مطلب السيد الخوئي (قدس سره) و اعتراضه على الخراساني، و حاصله: انّ الإشارة إذا استفيدت من اسم الإشارة فهو معنى أخذها في الموضوع له و إلّا بأن كانت قيد الوضع لزم وجود دال آخر عليها ليدل اسم الإشارة على المفرد المذكر، و هذا معناه الحاجة إلى دال آخر على الإشارة و هو واضح البطلان.

و هذا بخلاف باب الحروف، فالإشارة معنى و مفهوم زائد لا بد في افادتها من أخذها في مدلول اسم الإشارة.

123

ص 338 قوله: (و امّا الثالث...).

توجد هنا تصورات عديدة- بعد بطلان ما ذكره المحقق الخراساني بما تقدم منّا و بما ذكره السيد الشهيد (قدس سره) من عدم صحة كبرى قيد الوضع و عدم ترادف هذا مع الفرد المذكر- نوردها فيما يلي:

1- ما يظهر من كلمات بعض المتأخرين من انّ اسم الإشارة موضوع لنفس الإشارة الذهنية نظير الإشارة الخارجية باليد، غاية الأمر حيث انّ الإشارة تلحظ بنحو طريقي إلى المشار إليه فلا يكون ملحوظاً مستقلّاً كما في سائر الأفعال، و قد ادعي انّ هذا مما قام عليه الوجدان.

و فيه: أوّلًا- انّ هذا يلزم صيرورة اسم الإشارة كأدوات النداء أداةً لنفس التوجه و الإشارة إلى شي‏ء فيكون أمراً انشائياً صرفاً مع وضوح انّه ليس كذلك بل هو على حدّ سائر المفاهيم الاخطارية الاسمية.

و ثانياً- انّ فعل الإشارة الخارجي أو الذهني بنفسه لا يوجد انطباع مفهوم في الذهن يمكن أن يحمل عليه أو به، و إنّما هو سبب تكويني لالتفات الذهن إلى المشار إليه التكويني الخارجي و انطباع مفهومه و صورته في الذهن من مشاهدته ثمّ الحكم عليه، بينما نحن نجد انّ مدلول أسماء الإشارة و المبهمات في نفسها تصورات تامة- و إن كانت مبهمة من حيث التفاصيل- صالحة في نفسها، و مع قطع النظر عن ملاحظة غيرها للحكم عليها أو بها، فلا تكون قنطرة و سبباً لانطباع مفهوم آخر في الذهن لكي يحكم على ذلك.

نعم، هي مفاهيم اجمالية و ليست تفصيلية، إلّا انّ الإجمال بلحاظ

124

الخصوصيات الخارجية و إلّا فكل مفهوم اجمالي أو تفصيلي هو مبيّن و مشخص في عالم المفهومية- كما هو مقرر في محلّه- فالتفسير المذكور مما لا يمكن المساعدة عليه بوجه أصلًا.

2- ما يظهر من كلمات السيد الخوئي (قدس سره) من انّ اسم الإشارة موضوع لواقع المفرد المذكر لا لمفهومه بقيد الإشارة إليه خارجاً، و من هنا يكون من الوضع العام و الموضوع له الخاص.

و فيه: أوّلًا- ما أفاده السيد الشهيد (قدس سره) من لزوم كون المدلول الوضعي تصديقياً، لأنّ واقع الإشارة اخذ قيداً فيه.

و ثانياً- انّ واقع المفرد المذكّر لا مفهومه ليس إلّا المصداق و الوجود الخارجي للمفرد المذكر، و هو يستحيل كونه الموضوع له على ما نقحه السيد الخوئي (قدس سره) نفسه أيضاً في محلّه، بل لا بد و أن يكون المعنى الموضوع له هو المفهوم مع قطع النظر عن وجوده خارجاً أو ذهناً.

نعم، لو كان مقصوده واقع المفهوم المفرد المذكر أي واقع كل مفهوم مفرد مذكر لم يرد هذا الاشكال حيث صار هذا العنوان مشيراً إلى المفاهيم المفردة المذكورة- كما في تعبير السيد الشهيد في الوجه القادم- و لعلّه مقصوده، و التعبير قاصر.

3- ما يظهر من الكتاب من الوضع لكل مفهوم مفرد مذكر واقع طرفاً للنسبة الاشارية التصورية فيكون من الوضع العام و الموضوع له الخاص و تكون الإشارة مفادة بنحو المعنى الحرفي كالنسب الاخرى.

125

و يلاحظ على هذا البيان: بأنّنا إذا سلّمنا كون الإشارة نسبة كالمعاني النسبية فلا شك أنّ النسبة تحليلية و هي على ما تقدم لا تأتي إلى الذهن إلّا من خلال المفهوم المحصّص و المنتسب، و في المقام لا يكون المفهوم المذكور موجوداً في الذهن إذ ليس هو مفهوم المفرد المذكر و إلّا لرجعنا إلى كلام صاحب الكفاية، و واقع المفهوم المفرد المذكر لا تصور له في الذهن لكي يوجد باسم الإشارة محصّصاً، فكيف توجد النسبة الاشارية التصورية في الذهن؟ على انّ الإشارة ليست نسبة و إنّما لها نسبة و اضافة إلى المشار إليه ككل فعل أو وصف يضاف إلى متعلقه و موضوعه كما أشرنا أوّلًا.

و يمكن أن يكون مقصود السيد الشهيد انّ اللفظ كما يمكن أن يوضع لمعنى و مفهوم معين تفصيلي يمكن أن يوضع لمفهوم مردّد بمعنى انّه يوضع من خلال عنوان انتزاعي كعنوان المفهوم المشار إليه لا بمعنى انّ هذا العنوان هو المفهوم الموضوع له بل هذا عنوان مشير نظير مفهوم النسبة الابتدائية في الحروف و يكون الموضوع له واقع ذلك المفهوم المشار إليه غير المعلوم لدى السامع إلّا بحيثية كونه مشاراً إليه أي طرفاً للاشارة و كونه مفهوماً لمفرد مذكر، و هذا يعني انّ المعنى الموضوع له لهذه الأسماء يكون معنى مردداً مبهماً في الذهن يتصور الذهن أوصافه من انّه مفهوم لمفرد مذكر مشار إليه، و من هنا يأتي الابهام في هذه الأسماء؛ لأنّ واقع ذلك المفهوم لا يأتي إلى الذهن منها إلّا بدوال اخرى في الجملة كمرجع الضمير أو الصلة أو غير ذلك، و امّا عنوان المفهوم المشار إليه فليس هو المدلول و إنّما هو مشير إليه، و بهذا تكون هذه الأسماء أشبه بالرموز و الألفاظ المشيرة إلى المفاهيم التفصيليّة، و من هنا تكون مستبطنة للإشارة، و اللَّه العالم.

المشتق‏

ص 363 قوله: (المشتق عند الاصوليين...).

لا يبعد أن يكون المشتق المبحوث عنه عند الاصوليين مطلق موارد ثبوت حكم على عنوان وصفي سواء كان من خلال اسم اشتقاقي أو جامد متضمن لذلك أو نسبة اضافية كغلام زيد مثلًا، أو معنى حرفي متضمن لذلك كقوله تعالى:

«نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُم بِهِنَ‏» أو غير ذلك حيث يبحث عن شمول مثل هذه العناوين لمن كان له ذلك الاتصاف، فتدبر جيداً.

ص 373 قوله: (و هكذا يتضح عدم إمكان تصوير معنى جامع...).

هذا البرهان منشأه الميرزا، و حاصله أنّه لو اريد أخذ الجامع بين زمان الحاضر و الحال فهذا معناه أخذ الزمان في مدلوله، و هو خلاف ما تقدم مسلّميته.

و إن اريد انتزاع عنوان نسبي عام يشمل مطلق الاتصاف في أحد الزمانين فمن الواضح انّ هذا لا يمكن أن يكون من ناحية ما يدلّ على النسبة، لأنّها معنى ايجادي خاص لا جامع ماهوي بين أفرادها، فلا محالة لا بد و أن يكون من خلال توسعة مفهومية للمبدإ المتصف به الذات، و هذا خروج عن موضع النزاع كما ذكر أيضاً إذ لا اشكال في انّ المبادئ مختلفة من حيث ارادة الفعلية أو الشأنية أو الحرفة أو المبدأ الآني أو صرف الوجودي أو الحلولي و مطلق الوجود أو غير ذلك. و في جميع تلك الموارد لا بد من ملاحظة انقضاء المبدأ بالنحو المأخوذ، و هذا البرهان أو التحليل لا بأس به.

126

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

127

تعليقات على الجزء الثاني (بحوث الأوامر)

دلالات مادّة الأمر

دلالات صيغة الأمر

الاجزاء

مقدمة الواجب‏

مبحث الضد

حالات خاصة للأمر

كيفيّات تعلّق الأمر

128

دلالات مادّة الأمر

ص 11 قوله: (1- مادة الأمر...).

ينبغي عقد جهة أو جهتين اخريين:

احداهما: فيما ذكره صاحب الكفاية من انّ مادة الأمر موضوع للطلب الانشائي لا الحقيقي.

و تفصيل ذلك:

انّ مجرد الارادة النفسانية للفعل من الغير ليس أمراً جزماً بل لا بد من السعي نحو تحقيقه منه من خلال ابرازه بمبرز، إلّا أنّ ما ذكر من انّه للأمر الانشائي إن اريد به انّه من المعاني التي تنشأ باللفظ فقد تقدم انّه لا معنى معقول لذلك، و إن اريد انّه لا بد من ابراز الارادة التشريعية لكي يصدق الأمر فلا يكفي ثبوتها في افق النفس وحده، فهذا صحيح.

ثمّ إنّ صدق الأمر على مجرد ابراز الارادة و انشائها مع عدمها واقعاً كما في موارد الأوامر الامتحانية مجاز جزماً فإنّه نظير سائر موارد عدم الجدية من حيث انّه لا أمر واقعاً. نعم، أمر بالمعنى الاصطلاحي أي استعمال لصيغة الأمر فما عن بعض المتأخرين في المقام غير تام.

129

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

130

الثانية: انّ المعنى الاصطلاحي الاصولي لمادة الأمر هو نفس الصيغة أو ما يقوم مقامها من أدوات انشاء الأمر كما انّ معناها الاصطلاحي النحوي خصوص صيغ الأمر الحاضر و الغايب لا غيرها من الأدوات و كلاهما معنى جامد اصطلاحي.

ص 18 قوله: (امّا القول الأوّل فدليله التبادر...).

أقول: لا بد من احراز كون التبادر حاقياً و ليس بملاك الإطلاق و مقدمات الحكمة، كما انّه لا بد من دفع الاشكالات التي تذكر بإزاء دعوى الوضع لخصوص الوجوب، و المهم منها اثنان:

أحدهما ثبوتي: و حاصله: انّ مدلول صيغة الأمر ليس إلّا البعث و الارسال بنحو المعنى الحرفي، و هو مفهوم مشترك بين تمام الموارد و أمره دائر بين الوجود و العدم لا الانقسام إلى الوجوبي و الاستحبابي.

فالحاصل: الوجوب و الندب خارجان عن مفاد صيغة الأمر، و لا يمكن تنويعها إلى الوجوبي و الندبي، فكيف يمكن أن تكون الصيغة موضوعة لذلك، فلا محالة يكون الوجوب مستفاداً و مفاداً بدالّ آخر.

و الجواب: لو سلّمنا عدم صحّة انقسام الارسال بنحو المعنى الحرفي إلى مرتبتين كالمعنى الاسمي، فيمكن دعوى التحصيص بلحاظ حيثية خارجة عنها و هي منشأ الارسال و داعيه، فبلحاظه ينقسم إلى الوجوب و هو الارسال الناشئ من ارادة شديدة و الاستحباب و هو الناشئ من ارادة ضعيفة، فيقال بوضع الصيغة للحصة الاولى دون الثانية إلّا بنحو طولي كما في سائر المجازيات.

131

نعم، لو اريد استبعاد ذلك فهذا مطلب صحيح سوف يأتي، و لكنه لا يستوجب تعين مسلك حكم العقل.

و الآخر اثباتي: و هو ما ذكره في الكفاية من كثرة استعمال الأمر في الندب فيلزم كثرة المجاز.

و أجاب عليه بأنّه مع القرينة و لا بأس به كما قيل ما من عام إلّا و قد خصّ، مع انّه حقيقة في العموم.

إلّا أنّ هناك فرقاً بين العام المخصص و بين الأوامر الاستحبابية من ناحية انّ تخصيص العام لا يستلزم المجازية بخلاف المقام فإنّه بناءً على الوضع للوجوب يلزم كثرة المجازات.

هذا مضافاً إلى وجدانية عدم العناية في الاستعمال في موارد الاستحباب، بل و الأوامر الارشادية أو توهم الحظر و إنّما التخلف و العناية بلحاظ المدلول التصديقي، و هذا معناه انّ الدلالة على الوجوب مربوطة بمرحلة المدلول الجدي و التطابق بين الاثبات و الثبوت لا بلحاظ المدلول التصوري لصيغة الأمر، و هذا يعني انّ الدلالة على أصل الطلب فضلًا عن الوجوب اطلاقية و ليست وضعية، و سيأتي مزيد توضيح لهذه النقطة و بيان حقيقة هذه الدلالة.

ص 18 قوله: (و امّا القول الثاني...).

هناك بيانان لمدرسة الميرزا لتقريب مطلبها لا بد من ذكرهما:

أحدهما: ما هو ظاهر تقريرات الفوائد، و حاصله:

انّ الموجود في موارد انشاء الأمر بالصيغة بعث و نسبة ارسالية، و هذا كما

132

ذكرنا مشترك بين الوجوب و الندب و لا تنويع فيه، و إرادة تشريعية و هي أيضاً مشتركة إذ المراد منها ما يكون تلك المرتبة التي تساوق هجمة النفس في الارادة التكوينية و هي أيضاً مشتركة بين الوجوب و الندب، فما قيل من انّ الفرق بين الوجوب و الندب بالشدة و الضعف كما عن بعض الأساطين غير صحيح، كما انّ ما ذكره القدامى من انّ الفرق بينهما انّ الوجوب مركب من طلب الفعل مع عدم الترخيص في الترك و الاستحباب مركب منه مع الترخيص في الترك أيضاً غير تام، لوضوح بساطتهما و عدم التركيب.

فلا يبقى إلّا المبادئ من المصلحة و المفسدة و هي لو فرض اختلافها في المرتبة و الدرجة فلا ينبغي الشك في خروجها عن مدلول الأمر و الوجوب و الندب. و من هنا حكم الميرزا (قدس سره) بأنّ الوجوب ينتزعه العقل من نفس طلب المولى و أمره حينما لا يكون معه إذن في الترك.

و هذا التقريب مضافاً إلى ورود ما أورده السيد الشهيد على أصل هذا المسلك في الكتاب يرد عليه:

أوّلًا- ما تقدم من انّ مفاد الصيغة يمكن تصنيفها بلحاظ منشئها إلى صنفين.

و ثانياً- ما ذكره من انّ الارادة التشريعية واحدة في الوجوب و الندب خطأ و خلط بين الارادة التشريعية للفعل و الغرض التكويني للمولى من أمره بالسعي لتحصيل المراد التشريعي من خلال أمره للغير، فإنّ ما يساوق هجمة النفس و هو واحد في الموردين الوجوب و الندب إنّما هو الغرض و الارادة التكوينية للآمر من أمره لا ارادته التشريعية المتعلقة بفعل الغير، فإنّه لا اشكال في انقسامها إلى شديدة و ضعيفة و ما يرضى الآمر بمخالفته و ما لا يرضى، فليست هي المساوقة

133

مع هجمة النفس في الارادة التكوينية.

ثانيهما: ما أفاده السيد الخوئي على ما في تقريرات بحثه (المحاضرات) و حاصله: انّ تفسير الصيغة مرّة بالطلب و مرة اخرى بالبعث و ثالثة بالارادة التشريعية لا يرجع إلى معنى محصل بل لا معنى نتعقله للارادة التشريعية أصلًا، و لا يعقل الشوق و الشدة و الضعف فيما لا يعود لمصلحة فيه إلى المولى، و إنّما صيغة الأمر لابراز الاعتبار النفساني أي ابراز اعتبار الفعل في ذمة الغير و يكون هذا الابراز بنفسه مصداقاً للبعث، و امّا الوجوب فيستفاد من حكم العقل حينما لا يكون معه ترخيص في الترك.

و يلاحظ عليه مضافاً إلى الوجوه القادمة في الكتاب و التي هي مشتركة على التقريبين و البيانين:

أوّلًا- ما تقدم من بطلان مسلك التعهد في الوضع فلا بد من تصوير معنى تصوري للصيغة، بل حتى على ذلك المسلك أيضاً لا بد من فرض معنى تصوري لها، كما سيأتي في مبحث صيغة الأمر.

و ثانياً- انّ كون مدلول الأمر اعتباراً نفسانياً مما لا يمكن قبوله، كيف و لا اعتبار في الأوامر الشخصية بل مدلول الأمر ثابت في المجتمعات قبل ظهور الانشائيات و الاعتباريات كما في أمر الامّ لطفلها، و قد تقدم في محله انّ الاعتبار ليس قوام الحكم أصلًا و إنّما هو أمر صياغي فضلًا من أن يكون مدلول صيغة الأمر.

و ثالثاً- لا اشكال في انّ الوجوب و الندب في عالم الاعتبار يرجعان إلى اعتبارين مختلفين، فلو ربطنا بين الأمر و الاعتبار النفساني كان دعوى الدلالة

134

الوضعية أيسر و أوضح من المسلك القائل بوضعها للنسبة الإرسالية.

و رابعاً- ما يأتي و تقدم من صحّة الارادة التشريعية و تقسيمها إلى الشديدة و الضعيفة، فإنّ نفس الأمر النفساني المتحقق في مورد الارادة التكوينية للفعل يحصل بلحاظ فعل الغير في الارادة التشريعية و لا يلزم أن يفسّر بالحب و الشوق و نحو ذلك من العبائر فإنّها ليست لازمة حتى في التكوينية فضلًا عن التشريعية، فانكار أصل الارادة مكابرة.

ثمّ إنّ هذه الأقوال الثلاثة موطن بحثها و محلّها صيغة الأمر لا مادته؛ لأنّ المادة موضوعة لمفهوم اسمي حكائي لا انشائي- و إن كان يمكن الانشاء به كالانشاء بالجملة الاخبارية- و عندئذٍ يتعين أن يكون موضوعاً لغة إمّا لجامع الطلب أي سواء كان معه ترخيص في الترك أم لا، أو لخصوص الطلب الذي ليس معه ترخيص في الترك؛ لأنّ الاهمال في الوضع غير معقول، فإذا كان الأوّل كان مدلوله الوضعي جامع الطلب، و هو خلف الفراغ عن استفادة الوجوب من المادة، بل ادعى انها أوضح دلالة على ذلك من الصيغة.

و إن كان الثاني كان مدلوله الطلب المقيّد باللزوم و الوجوب، فيكون استعماله في الطلب الندبي أي مع الترخيص في الترك مجازاً لا محالة، لأنّ استعمال اللفظ الموضوع للخاص و المقيد في المطلق مجاز، فالبحث في مادة الأمر لا بد و أن يكون بحثاً عن المدلول اللفظي الوضعي، و إنّما الأقوال الثلاثة معقولة في صيغة الأمر أو مادته المستعملة في مقام الانشاء، أي كلما كان هناك انشاء للطلب و الأمر حيث يمكن أن يقال فيه بأنّ استفادة الوجوب قد يكون بحكم العقل أو بالاطلاق.

135

و أمّا الصيغة أو أي شي‏ء استعمل في مقام انشاء الطلب لم يستعمل إلّا في الطلب أو النسبة الطلبية و هي واحدة في الوجوب و الاستحباب و الوجوب و الاستحباب أمران زائدان على الطلب بحكم العقل أو بالاطلاق و مقدمات الحكمة.

و الظاهر أنّ محط نظر القائلين بالقولين الثاني و الثالث أيضاً مقام الانشاء بصيغة الأمر و نحوه و ليس بحثهم عن مادة الأمر، فتدبر جيداً.

ص 19 قوله: (و يرد عليه: أوّلًا...).

حاصل الاشكال أنّ الترخيص في الترك لو اريد به انشاء الترخيص أو ابرازه فمن الواضح أنّه لو علم المكلف من دون إبراز ذلك انّ غرض المولى و طلبه النفساني في المبرز ليس شديداً أو يرضى بتركه و لا يتأذّى من تركه لم يحكم عقله بالوجوب، و لو اريد به نفس هذه الخصوصية الثبوتية للطلب، و التي قد يعبر عنها بشدة الطلب، و قد يعبّر عنها بعدم الرضا بالترك، فهذا معناه انقسام الطلب و الارادة التشريعية إلى صنفين، و لا يراد بالوجوب إلّا ذلك، و لا يكون طريق إلى استكشاف الطلب الشديد إلّا الدلالة اللفظية من الوضع أو الإطلاق و مقدمات الحكمة، أي الدلالة الايجابية أو السلبية السكوتية، فينهدم القول الثاني.

و يمكن أن نضيف على ذلك بأنّ حكم العقل بالوجوب وجوب عقلي عملي أي حسن الطاعة و قبح المعصية، و هذا لا ربط له بالوجوب التشريعي، بمعنى الطلب الذي يجعله الآمر لزومياً، فإنّ انقسام الطلب إلى القسمين اللزومي و غير اللزومي لا يختص في اللغة بالموالي فضلًا من أن يكون مربوطاً بحكم العقل في‏

136

باب أوامر اللَّه سبحانه و المولى الحقيقي، فهذا خلط بين باب الأحكام العقلية و باب الأغراض و المداليل اللغوية.

و مما ينبه على ذلك انّه لا إشكال في استفادة التحريم من النهي مع أنّ حكم العقل بوجوب اطاعة المولى و عدم مخالفته و عصيانه لا فرق فيه بين بابي الأمر أو النهي، فلا بد و أن يقال هناك انّ العقل في النواهي لا يحكم بوجوب الطاعة بل بحرمة المعصية ليتطابق مع دلالة النهي على التحريم و هو كما ترى.

و ظني أنّ أصحاب القولين الثاني و الثالث حيث لاحظوا في باب صيغة الأمر انّ مدلولها النسبة الإرسالية أو الطلبية و كذلك مدلول النهي النسبة الزجرية، و لاحظوا أنّ النسبة واحدة و محفوظة سواء كان الطلب وجوبياً أو استحبابياً و لاحظوا انّه لا يلزم التجوّز من استعمالها في موارد الاستحباب و الكراهة اضطروا إلى تفسير ذلك امّا على أساس حكم العقل- القول الثاني- أو على أساس الدلالة الاطلاقية و مقدمات الحكمة- القول الثالث- و سوف يأتي في بحث الصيغة إمكان تصوير دلالة لفظية اثباتية أي وضعية بنحو لا يلزم منه التجوّز في موارد استعمال الصيغة في الاستحباب أو الكراهة، و ذلك بأنّ مقتضى التطابق بين مقام الاثبات و الثبوت سد تمام أبواب العدم كما هو مقتضى النسبة الإرسالية أو الزجرية، فإنّ الارسال و الزجر الخارجيين كذلك فالدلالة على الوجوب و الحرمة في صيغة الأمر و النهي اثباتية لا سلبية سكوتية، و مع ذلك لا يلزم التجوّز إذا ورد قرينة على الترخيص و الرضا بالترك، لأنّ المعنى المستعمل فيه الصيغة هو النسبة المذكورة و هي محفوظة على كل حال و التطابق و التناسب المذكور إنّما هو بلحاظ المدلول التصديقي.

137

ص 20 قوله: (الأوّل ما ذكره المحقق العراقي...).

أورد عليه مدرسة المحقق النائيني باشكالين آخرين لم يشر اليهما الشهيد الصدر:

أحدهما: انّ الشدّة و الضعف في الارادة إنّما يكون فيما إذا كانت المصلحة في المأمور به راجعة إلى الآمر و لا يعقل في الأوامر الشرعية التي تكون المصلحة و الملاك فيها راجعة إلى المكلفين أنفسهم، فإنّه لا شوق و لا ارادة فيها لمولانا أصلًا.

و فيه: انّه خلط بين تعلق الارادة في الارادة التشريعية بنفس الفعل و بين تعلقه بالفعل الصادر عن المكلف، فإنّ الارادة التشريعية تعني تعلّق الشوق و الارادة بحصول الفعل من الغير لا بنفس الفعل. و هذا لا إشكال في ثبوته في كل الأوامر حتى الصادرة من الشارع الأقدس و لو لم يكن في ذات الفعل أيّة مصلحة للآمر، فالمصلحة العائدة للمكلف يجعل المولى محباً لصدور الفعل منه لا انّه سبب لحب نفس الفعل لكي يقال بأنّه متوقف على وجود مصلحة فيه عائدة إليه و هو محال في مولانا الحقيقي، و حب صدور الفعل من المكلّف لا شكّ في انقسامه إلى الوجوبي و الندبي أي الشديد الذي لا يرضى بتفويته و الضعيف الذي يرضى بمخالفته.

الثاني: انّ الوجوب و الارادة الشديدة في النفس كالارادة الضعيفة أيضاً له حدّ خاص به، و ليس صرف الطلب و الارادة، لأنّ كلّاً منهما صفة عرضية و مرتبة في النفس ممكنة الوجود و كل ممكن له حدّ لا محالة. و كل منهما ضد للآخر في مرحلة الفعلية و الوجود فلا يمكن التمسك باطلاق الصيغة لاثبات أحدهما في قبال الآخر بل خصوصية كل منهما بحاجة إلى بيان.

138

و هذا الاشكال بهذا المقدار قابل للدفع لأنّ المحقق العراقي يقول انّ الخصوصية للوجوب حيث انّه من سنخ مدلول الصيغة و هو الطلب و الارادة فلا يحتاج إلى بيان زائد لو كان مقصوداً بخلاف الندب.

نعم، يمكن أن يكون المقصود انّ مدلول الأمر إنّما هو جامع الارادة و صرف وجودها فلا يكون ذكرها مقتضياً لكونه في مقام البيان إلّا بمقدار هذا الجامع و أصل الارادة، و امّا خصوصيته المتحققة في ضمنها هذا الجامع فبحاجة إلى مقام بيان زائد، و ليس ذاك الفرد مساوقاً مع الجامع كما يقال في المطلق و المقيّد ليكفي بيان الجامع عن بيانه كما انّه ليس المتكلم في مقام بيان شي‏ء زائد على مدلول اللفظ عادة و لو فرض العلم بوجوده زائداً على الجامع كما سيأتي في ردّ الوجه الثاني و الثالث في الكتاب فهو أمر آخر زائد على الإطلاق.

ثمّ إنّ هنا اشكالًا ثالثاً قد يستفاد من بعض كلمات مدرسة الميرزا على العراقي 0 حاصله: انّ الارادة و الكراهة و الحب و البغض خارجان عن مدلول صيغة الأمر رأساً فكيف يمكن اثبات الشدة و الضعف فيهما بالاطلاق و مقدمات اصول الحكمة.

و يمكن الجواب عليه: بأنّ الارادة التشريعية تستفاد من الصيغة و لو بالدلالة الالتزامية التصورية فيمكن اجراء الإطلاق فيها بهذا الاعتبار.

و الانصاف انّ هذا المقدار لا يكفي في الجواب، فإنّ الإطلاق و مقدمات الحكمة إنّما تجري بلحاظ المدلول المستعمل فيه للفظ لا كل مدلول تصوري و المدلول الالتزامي التصوري ليس مما يستعمل فيه اللفظ. نعم، هذا الاشكال غير متجه على التقريب الرابع الذي يختاره السيد الشهيد (قدس سره).

139

ثمّ انّ التقريب الذي اختاره السيد الشهيد (قدس سره) معناه دلالة الأمر على الوجوب و الالزام بالاطلاق أي بأصالة التطابق بين المدلول الاستعمالي و المدلول الجدي، إلّا انّه أظهر من الإطلاق فإنّ المراد بالاطلاق هو الدلالة السكوتية أي دلالة عدم الذكر اثباتاً على عدم وجود القيد ثبوتاً، و امّا هذه الدلالة فهي ثبوتية مؤدّاها انّ ما ذكره قصده و أراده جداً، لأنّ الصيغة موضوعة للدلالة على البعث الانشائي، أو قل النسبة الإرسالية بنحو المعنى الحرفي المساوق تصوراً مع اللزوم وسد تمام أبواب العدم و هو الوجوب، غاية الأمر قد يتخلف المدلول التصديقي الجدي للمولى فلا يكون غرضه و داعيه من هذا البعث الانشائي الالزام بل قد لا يكون مقصوده الطلب أصلًا بل الامتحان أو الارشاد أو رفع الحظر و لو انّ كل ذلك لا يقدح بالمدلول التصوري و الاستعمالي للصيغة في النسبة الإرسالية و البعث الانشائي، و إنّما نظير ما إذا لم يرد من العام عمومه جدا رغم استعماله لأدوات العموم، فكما انّ دلالة العام على العموم وضعية و ليست اطلاقية كذلك دلالة صيغة الأمر على الطلب اللزومي وضعية، لأنّ النسبة الإرسالية أو البعث الانشائي مساوق مع اللزوم تصوراً بحيث يكون قصده الجدي مساوقاً مع الطلب الوجوبي، إلّا إذا نصب ما يدل على انّ داعيه خلاف ذلك فيكون القرينة قرينة على تخلف الداعي و المراد الجدي لا المجاز، تماماً نظير ارادة الخاص من العام جداً بقرينة متصلة أو منفصلة.

و تمام النكتة في ذلك انّ مدلول الصيغة أمر انشائي هو البعث و الارسال بنحو المعنى الحرفي النسبي- أي شي‏ء كانت حقيقة الانشاء- و هو محفوظ في تمام موارد استعمالات صيغة الأمر.

و بهذا يعرف الوجه في عدم العناية في الاستعمال و عدم المجازية في موارد

140

ارادة الندب أو الامتحان أو الارشاد من الأمر كما هو في العمومات المخصّصة.

كما انّه يمكن المصالحة بين مسلك الوضع و مسلك الإطلاق بمعنى انّه من حيث كون الدلالة المذكورة على اللزوم اثباتية فهي كالدلالات الوضعية لا الاطلاقية، و من حيث انّ هذه الدلالة تصديقية لا تصورية بمعنى أنّ المدلول التصوري للصيغة محفوظة في تمام الموارد و إنّما التخلف في المدلول الجدي فهي كالدلالات الاطلاقية.

و الشاهد على صحّة هذا المطلب انهم اتفقوا على دلالة الصيغة على الطلب و لم يناقش فيه حتى القائلين بعدم الوضع للوجوب مع انّ الأمر فيه أيضاً كذلك، و امّا ما ذكرناه في هامش الكتاب من الاشكال فجوابه: ان قصد الارسال الجدي يساوق اللزوم و الارادة الشديدة بالنكتة المبينة في التقريب من انّ الارسال يساوق سدّ تمام أبواب العدم و من هنا يكون ارادة الندب جداً كارادة الترخيص في مورد الحظر أو الامتحان تخلفاً لهذا الظهور الحالي لا محالة.

ص 23 قوله: (هذا و يمكن لأصحاب هذا المسلك...).

و الجواب الأصح و الأولى من كلا الجوابين يظهر مما ذكرناه من انّ الظهور المذكور اطلاقي بالمعنى الاثباتي لا السلبي و هو مقدم على عموم العام و إطلاق المطلقات لكونه ظهوراً اثباتياً قوياً كالظهورات اللفظية الوضعية.

ص 24 قوله: (و منها: انّه على مسلك الوضع...).

هذه الثمرة لا تتم بظاهرها لأنّ مجرد احراز الملاك و الشوق الشديد لا يكفي لثبوت الوجوب ما لم يتصد المولى لطلبه بالأمر من المكلّف كما هو مقرر في محلّه.

141

فمجرد كشف ذلك بالملازمة لا يكفي و لو اريد الملازمة بين الأمر بهذا و الأمر بالآخر بأن يعلم بصدور الأمر منه كذلك فهذا المدلول محقق لصغرى حكم العقل على المسلك الآخر أيضاً فلا ثمرة.

و يمكن أن يكون المقصود ثبوت الأمر بالآخر و لكنه مجمل محفوف بما يصلح أن يكون ترخيصاً في الترك، و قيل في المسلك المذكور بأنّ هذا مانع عن حكم العقل بالوجوب فتتم الملازمة المذكورة على مسلك الوضع و الإطلاق دون مسلك حكم العقل، إلّا انّه أيضاً غير تام لأنّه على ذاك المسلك قد يجعل المدلول الالتزامي المذكور قرينة على عدم كون الإذن المحتمل المحفوف في الخطاب الآخر اذناً في الترك حتى إذا سلّمنا الاصول الموضوعية لهذا البيان، فالأولى ترك هذه الثمرة.

ص 24 قوله: (و منها- ثبوت دلالة السياق...).

فرق هذا عمّا يأتي بعده انّه هنا توجد أوامر عديدة و لكن علم بأنّ المراد من بعضها الاستحباب فبناءً على الوضع للوجوب بنحو بحيث يكون في موارد الاستحباب مستعملًا في غير ما وضع له مجازاً يلزم ما ذكر من اختلال ظهور الباقي لأنّ السياق ظاهر في وحدة المعنى المستعمل فيه تمام الصيغ المجتمعة في ذاك السياق بخلافه على مسلك الإطلاق فضلًا عن حكم العقل.

نعم، لو كانت وحدة السياق ظاهرة في وحدة المراد الجدي من الأوامر لا خصوص المدلول الاستعمالي اختلّ ظهور الباقي في الوجوب حتى على مسلك الإطلاق، و هذا قوي خصوصاً في الثمرة القادمة أعني الأمر الواحد مع تعدد المتعلّق.

142

اتحاد الطلب و الارادة:

بحث في الكفاية في مادة الأمر عن جهة تحت عنوان اتحاد الطلب و الارادة و تغايرهما ناسباً إلى الأشعري القول بتغايرهما و إلى المعتزلي باتحادهما، ثمّ حاول الجمع بينهما بدعوى انّ النزاع لفظي و انّ القائل أراد التغاير بين الارادة بوجودها الحقيقي الذي هو منصرف لفظها مع الطلب بوجوده الانشائي المنصرف إليه لفظه أيضاً و القائل بالاتحاد أراد الاتحاد بين الارادة و الطلب بوجودهما الحقيقي. و اختار هو اتحادهما مفهوماً و حقيقة و انشاءً، ثمّ أفاد بأنّ اختلاف المعنى الانصرافي لكل منهما ألجأ بعض أصحابنا إلى الميل إلى ما ذهب إليه الأشاعرة من المغايرة بين الطلب و الارادة خلافاً لقاطبة أهل الحق و المعتزلة من اتحادهما، ثمّ تصدّى للبحث عن المغايرة و الاتحاد و الكلام النفسي و الجمل الخبرية المستعملة في الانشاء و الجبر و الاختيار.

أقول: الأشاعرة لهم في المقام بحثان كلاهما بحثان كلاميان:

الأوّل: في ثبوت الكلام النفسي في النفس و هو غير الكلام اللفظي المتجدد الموجود و الحادث المنصرم، و قد التزموا بذلك لتصحيح متكلمية اللَّه سبحانه و قدمها كسائر صفات اللَّه القديمة كي لا يلزم قيام الحادث بالقديم المحال.

الثاني: انّ الارادة الأزلية الالهية لا يمكن أن تتخلف عن المراد، و معه لا يمكن أن يكون العاصي الذي لم يرد اللَّه صدور الفعل منه مطيعاً و لا المطيع عاصياً، و هذا هو الجبر في أفعال العباد، و لازم ذلك أن لا تكون ارادة من قبل اللَّه سبحانه في حق العاصي أن يفعل و إلّا لزم تخلفها عن المراد مع انّه مأمور به و مطلوب منه تشريعاً فلا محالة تكون الارادة غير الطلب.

143

و واضح انّ كلا هذين البحثين كلاميان و ثبوتيان لا ربط لهما بالبحث الاصولي عن مدلول الأمر و هو الطلب، و انّه متحد مع الارادة مفهوماً و مصداقاً أو مغاير معها، و استفادة هذا الأخير من البحثين الكلاميين من الخلط في المنهجة بين الأبحاث الثبوتية العقلية و البحوث اللغوية.

توضيح ذلك: انّ البحث اللغوي بحث عن تحديد معنى اللفظ و ما وضع له و يدلّ عليه، بخلاف البحث العقلي الكلامي، ففي المقام قد يختار انّ لفظي الطلب و الارادة موضوعان لمعنى واحد و مع ذلك يختار انّ هناك كلاماً نفسياً لتصحيح متكلمية اللَّه و قدمها كما قد يختار تعدد المفهومين في البحث اللغوي، و مع ذلك يختار في البحث الكلامي عدم وجود شي‏ء اسمه الكلام النفسي، فلا ربط للبحثين أحدهما بالآخر.

و كذلك البحث الكلامي الثاني، لوضوح انّ مراد الأشعري بالارادة الارادة الأزلية التكوينية الفاعلة و التي تكون علة لايجاد الأشياء، و هذا ليس هو المراد من الطلب و الارادة التشريعية جزماً حتى عند القائل بوحدتهما، فالأشعري لا ينكر وجود الارادة التشريعية المساوقة للطلب، كما انّه ليس نظره إلى البحث عن المدلول اللغوي للفظي الارادة و الطلب الاسميين و لا للأمر مادة أو صيغة أصلًا فلا ينبغي خلط الأبحاث بعضها ببعض.

فالصحيح البحث أوّلًا عن مدلول الارادة و الطلب، و لا اشكال في تغايرهما مفهوماً، بل و تباينهما مصداقاً أيضاً، لأنّ الارادة اسم لصفة في النفس هي الشوق المؤكد أو فعل للنفس هو هجمة النفس و عزمه على العمل بينما الطلب اسم للسعي و التحرك الخارجي نحو شي‏ء، و إنّما يصدق الأمر على الطلب من الغير باعتبار كون أمره للغير بنفسه مصداق للطلب و السعي من قبل الآمر نحو تحقق‏

144

المطلوب من الغير. و بهذا يعرف انّ الطلب مباين مع الارادة مفهوماً و مصداقاً.

ثمّ يأتي البحث عن الكلام النفسي و عدمه و هذا هو البحث الكلامي الأوّل و لم يعرف انّ الأشعري يدعي انّه مدلول اللفظ بوجه أصلًا؛ بل لعل الدلالة عليه دلالة عقلية التزامية عنده مع كون المدلول هو المدلول التصوري أو التصديقي بمعنى قصد الإخبار و الحكاية أو الاعتبار أو غير ذلك‏ (1). و هذا بحث كلامي صرف، ثمّ البحث عن الجبر و الاختيار و هو بحث كلامي فلسفي أيضاً.

و نقول بلحاظ البحث الثبوتي الأوّل‏:

أوّلًا- انّ صفات اللَّه سبحانه تنقسم إلى صفات الذات و صفات الفعل، أي المنتزعة عن العقل و منها التكلم، و هذا النوع لا محالة يكون حادثاً لحدوث الفعل نظير الخالقية و الرازقية و غيرها، و الميزان في تشخيص ذلك موكول إلى محله من الأبحاث. فلا ملزم لأصل البحث المذكور.

و ثانياً- وضوح و وجدانية عدم وجود شي‏ء في النفس في موارد الكلام غير التصور و التصديق يمكن أن نسميه بالكلام النفسي، و كل ما يذكر من الشواهد و المؤيدات شعرية لا محصل لها.

و ثالثاً- لو فرض وجود شي‏ء فلا اشكال في انّ عنوان الكلام و المتكلمية لا ينتزع إلّا عن الفعل الجارحي المعبر عنه بالنطق بالأصوات و الذي تحققه لا يتوقف على شي‏ء أكثر من التلفظ و قصد المعنى، فأصل هذا البحث لغو لا طائل تحته.

____________

(1) () و الشعر المعروف أيضاً لا يقتضي أكثر من ذلك‏

145

و أمّا بلحاظ البحث الثبوتي الثاني أعني الجبر و التفويض فقد بحثه الشهيد (قدس سره) في الكتاب ضمن المسألتين الكلامية و الفلسفية. أي تارة من جهة انّ الفعل هل هو منتسب إلى الإنسان أو إلى اللَّه أو اليهما معاً بنحو طولي أو عرضي، و قد سمّاه بالبحث الكلامي. و الجهة الاخرى في الجبر و الاختيار و هي الجهة المهمة للبحث و إن كان بينها و بين الجهة الاولى ارتباط في الجملة كما بيّن في الكتاب.

و نحن نقول‏: انّ منشأ شبهة الجبر أحد امور ثلاثة:

الأوّل: أن يقال في البحث عن الجهة الاولى- من يصدر عنه الفعل- أنّ أفعال الإنسان تصدر من اللَّه سبحانه و انّ الإنسان ليس إلّا محلًا و علّة مادية نظير الخشب عند ما يصنعه النجار سريراً، و لعلّ هذا هو مدعى الأشعري.

و فيه: ما هو واضح بالبداهة و الوجدان من الفرق بين حركة قلب الإنسان أو معدته و حركة يده أو رجله الاختيارية من حيث انّ للانسان و اختياره دخلًا في صدوره و انّه ليس مجرد محل لايجاد الغير هذه الحركة فيه.

الثاني: شبهة انّ اللَّه عالم بمعصية العاصي و اطاعة المطيع و علمه لا يمكن أن يتخلّف عن المعلوم لاستحالة الجهل في حقه، و هذا يعني استحالة عدم تحقق العصيان من العاصي و عدم تحقق الاطاعة من المطيع، و انّ صدور تلك المعصية و هذه الاطاعة ضرورية و هو مساوق مع الجبرية و الحتمية و هذا هو المعبر عنه في شعر خيام (گر مى نخورم علم خدا جهل بود).

و فيه: ما هو واضح من انّ العلم ليس دوره إلّا الكشف لا التأثير في وقوع المعلوم و عدم وقوعه و استحالة الجهل في علم اللَّه عز و جل لا تعني كونه علّة لتحقق الواقع المنكشف به، و أي ربط لأحدهما بالآخر، فإذا استحال مثلًا العلم‏

146

بأمر ممكن أو وجب العلم به لم يكن ذلك سارياً إلى المنكشف بأن يصير ذلك الممكن واجباً أو ممتنعاً، و هذا واضح أيضاً.

الثالث:- و هو المهم و الأساس- و هو الشبهة الفلسفية التي بيّنها السيد الشهيد (قدس سره) ضمن المقدمتين في المسألة الثانية. و يمكن تقريرها بنحو آخر حاصله: انّ الفعل الصادر من الإنسان عرض ممكن الوجود فما لم يجب لم يوجد فلا بد من تحقق علته و هي الشوق المؤكد المستتبع لتحريك العضلات، و هذا بدوره ممكن كذلك فلا بد و أن ننتهي إلى الارادة الأولية الواجبة الذات، و هذا هو الجبر.

و اجيب عليه بما في الكتاب فلا نعيد؛ إذ لا زيادة عليه.

ثمّ إنّ هذا الحل الاصولي بالتقرير الفني الذي ذكره السيد الشهيد (قدس سره) فتح كبير، تظهر ثمرته و بركاته في بحوث فلسفية و كلامية كثيرة:

منها- البحث الكلامي المتقدم، أعني الأمر بين الأمرين حيث يكون الفعل المباشري الصادر من الإنسان منسوباً إليه و اختيارياً في الوقت الذي لا يكون فيه تفويض لأنّ نفس السلطنة و القدرة بل الوجود آناً فآناً من قبل اللَّه سبحانه لأنّ الممكن محتاج إلى الفاعل حدوثاً و بقاءً لا حدوثاً فقط؛ لأنّ نكتة احتياجه و افتقاره إنّما هو في ذاته. فيكون نظير حركة اليد المشلولة بعد ايصال الطبيب للسلك الكهربائي إليه ليصبح سالماً.

و منها- حلّ مشكلة قدم العالم، فإنّه بناءً على تفسير الاختيارية بالسلطنة و وضوح كون أفعال اللَّه سبحانه اختيارية فلا موضوع لشبهة قدم العالم، فإنّها مبنية على قانون الشي‏ء ما لم يجب لم يوجد و تفسير صدور المخلوقات عن اللَّه‏

147

بقانون العلية بمعناها الفلسفي. و من هنا أيضاً اضطروا إلى القول بالعقول العشرة و انّ المخلوق الأوّل هو العقل الأوّل ثمّ العقول الاخرى بحسب الترتيب إلى أن ينتهي الأمر إلى النفوس الفلكية ثمّ إلى عالم الطبيعة فإنّ كل ذلك مبني على قاعدة الوجوب و العلية بالتفسير الفلسفي.

و منها- انّ تحقيق صغرى قانون العلية الفلسفية كون الموجودات صادرة به يصبح مشكوكاً فيه بهذا البيان و بما حققه السيد الشهيد في بحث الاسس المنطقية بل لا يثبت أكثر من وجود فاعل و نكتة مشتركة لتحقق الأشياء و المخلوقات فلعلها عبارة عن الارادة الالهية المباشرة أو الملك الموكل بالخلق المعين و بذلك يمكن الأخذ و الحفاظ على ظواهر الآيات و الروايات و التصورات المستفادة منها في تفسير الخلق و المبدأ و المعاد فينهار كثير من البناءات الفلسفية في هذه المجالات كالعقول العشرة و الحركة الجوهرية و غير ذلك من البحوث.

و هذا منهج جديد في بناء الفلسفة الإسلامية بحاجة إلى كثير بحث و نقد و تمحيص بحيث قد يمكن على أساس ذلك اعطاء التفسير المنطقي و الفلسفي الرصين للظواهر القرآنية و الروائية بلا حاجة إلى التأويلات التي وقع فيها بالفعل الفلاسفة فيكون مثلًا قوله تعالى: «قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلَاماً...» (1) قابلًا للقبول بتمام ظاهره من انّ النار أصبحت غير حارّة و غير محرقة.

و قوله تعالى: «... أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ» (2) يؤخذ بظاهره، و كذلك يمكن تفسير المعاجز و الكرامات بلا مشكلة أصلًا.

____________

(1) () سورة الأنبياء: 69

(2) () سورة يس: 82

148

ص 42 قوله: (و هكذا يتلخص انّه في غالب الفروض...).

التحقيق هو التفصيل بين ما إذا كان المسافر من نيّته أن يرجع قبل العشرة و إنّما يريد مجرد النية لكي يتم في صلاته و يصوم ثمّ يرجع عن نيته فهذا لا تتأتى منه النية جداً على المسالك الثلاثة في تفسير النية.

و بين ما إذا لم يكن له مثل هذه النية بل المكث عشرة أو أقل في حقه سيّان، إلّا انّه لا غرض له فيه و إنّما تمام غرضه منحصر في تصحيح الصوم و الاتمام و مثل هذا المكلف الوجدان يشهد بأنّه يتأتى منه النية و القصد خارجاً، و ما أكثر ما يبتلى بذلك بلا حاجة إلى أي نذر أو شي‏ء، و هذا الوجدان تفسيره يكون بأحد أمرين:

1- أن يكون المكلّف غافلًا عن كون غرضه يتحقق بنفس النية و القصد و الذي يتحقق قبل زمان الفعل المنوي فلا حاجة له إلى فعله، و مع غفلته عن ذلك يتصور توقف غرضه على المنوي فيقصده أو يشتاق إليه و يريده جداً، و هذا واضح. 2- أن يكون المكلّف مدققاً محققاً ملتفتاً إلى ما ذكرناه و مع ذلك يتأتى منه النية، و ذلك لأنّه متوجه حينئذٍ إلى أنّ النية و القصد المذكور لا يكون جدياً منه إذا لم يبن فعلًا على المكث عشرة أيّام فهو ينوي المكث عشرة أيّام جداً رغم علمه انّه في زمان الفعل المنوي لن يحتاج إليه لغرضه في هذا السفر و لكنه يحتاج إليه لكي تكون نياته جزمية جدية في أسفاره الاخرى، و إلّا لما أتت نية منه حقيقة، و هذا الغرض و إن كان مقدمياً و لكنه يكفي في حصول القصد و النية بل و الشوق بمعنى الارادة اللازمة عقلًا للأفعال. نعم من لا يبني على هذه النكتة لا تتأتى منه النية و القصد الجدي للاقامة عشرة أيّام كما أفاده السيد الشهيد (قدس سره).

149

دلالات صيغة الأمر

ص 47 قوله: (و لا بد من أن نستبعد...).

بل يرد على مدعى السيد الخوئي (قدس سره) زائداً على الاشكال في المبنى اشكالان بنائيان آخران:

أحدهما: ما تقدّم من أنّه بناءً على مسلك التعهد يكون المدلول الوضعي هو المدلول التصديقي الأوّل، و هو قصد الاخطار التصوري لا المدلول التصديقي الثاني، و هو الاعتبار النفساني بدليل صحة الاستعمال في موارد فقدان الداعي الجدّي أيضاً و عدم وجود عناية فيه أصلًا. و قد تقدم سنخ هذا الاشكال عليه في بحث النسب التامة.

الثاني‏: انّ أصحاب مسلك التعهد أيضاً لا بد لهم من تصوير مدلول تصوري اخطاري أو ايجادي للفظ، غاية الأمر يدعون انّه دلالة حاصلة من الانس و ليست هي الدلالة الوضعية، و إنّما الدلالة الوضعية هي القصد و إرادة اخطار ذلك المعنى التصوري، و من الواضح أنّ صيغة الأمر و أدوات الانشاء عموماً لا بد لها من مدلول تصوري. و هذا لم يبرزه السيد الخوئي (قدس سره)، فإذا لم يكن لها أي مدلول تصوّري فهذا خلف كونها موضوعة لمعاني و ليست مهملة، و إن كان لها معنى تصوري فلا بد من إبرازه و إبراز الفرق بينه و بين سائر الصيغ كصيغة فعل الماضي و المضارع و تفسير وجه عدم إمكان استعمال صيغة الأمر في مقام الاخبار بخلاف الماضي و المضارع حيث يمكن استعمالهما في مقام الاخبار و الانشاء

150

معاً. فهذه نقطة فراغ لا بد من ملئها على كل المسالك في حقيقة الوضع.

ص 49 قوله: (الاحتمال الثاني...).

ما ذكر في الهامش من الاعتراضات كلّها صحيحة.

و تحقيق الحال في الانشاء أن يقال: قال المشهور انّه ايجاد المعنى باللفظ، و قيل في قبالهم بأنّه غير معقول، فإنّ المعنى و المفهوم سواء كان محكيه خارج الذهن أو في الذهن و النفس- كالاعتباريات- ليس اللفظ من أسباب ايجاده أصلًا، و من هنا قالوا بأنّ الانشاء عبارة عن إبراز الاعتبار الذي هو أمر نفساني أو أي حالة نفسانية اخرى كالطلب و الارادة و التمني و الترجي و نحوها، إلّا أنّ هذا يجعل الجملة الانشائية إخباراً عما في النفس من الحالات الاعتبارية أو الحقيقية- بحيث لو استعمل بدلًا عن الجمل الانشائية جملة خبرية كاشفة و حاكية عمّا في النفس من تلك الحالة كان المدلول واحداً مع وضوح عدم وحدة المدلولين، بل قد لا يتحقق المعنى الانشائي بالثاني في كثير من الموارد، كما انّه لا يشخص ما هو المدلول التصوري لأدوات الانشاء، و فرقه عن المدلول التصوري للجملة الخبرية- كما أشرنا في الاشكالات-.

و الصحيح انّ أدوات الانشاء إنّما تكون موضوعة لايجاد سنخ معانٍ و مفاهيم بطبيعتها تتحقق بالاستعمال و اللفظ و الابراز، سواء كانت معاني اعتبارية كالعقود و المعاملات أو تكوينية كالترجي و التمني و الطلب و النداء و نحوها، فإنّ هذه المعاني ليست حقيقتها الاعتبارات و المجعولات، فاعتبار تمليك مال بمال في عالم النفس ثمّ الاخبار عنها لا يكون بيعاً ما لم يحقق القرار المعاملي الانشائي الذي هو أمر ذهني و ليس خارجياً، أي الاستجابة الذهنية الحاصلة بالتعاقد و التوافق أو بالايقاع و يكون اللفظ صالحاً لايجادها، و هكذا التمني و الترجي‏

151

و الأمر و النهي.

و من هنا تأتي الانشائية لهذه المعاني و يصح كلام المشهور من أنّ أدوات الانشاء وضعت لايجاد أو انشاء المعنى باللفظ في مثل هذه المعاني من دون محذور، إلّا أنّ هذه الايجادية غير ايجادية الحروف و النسب، فلا ينبغي الخلط بينهما، و قد شرحنا ذلك أيضاً في تعليقاتنا على الجزء الأوّل.

و أمّا المدلول الوضعي للجمل و الأدوات المتمحّضة في الانشاء بناءً على مسلك المشهور و المختار من كون الحاصل بالوضع إنّما هو الدلالة التصورية لا التصديقية، فالمدلول لها نفس ايجاد تلك المعاني، كالإشارة باليد أو السحب الخارجي مثلًا في الطلب، و من هنا ما يقال من الوضع للنسبة الطلبية أو الإرسالية بلا موجب، بل الموضوع له نفس ايجاد الارسال كالسحب باليد، إلّا أنّ هذا الارسال حالة شعورية و ليست خارجية فحسب، فيمكن أن نقول انّ الموضوع له تلك الاستجابة الحسية- و إن شئت سمّها بالتصورية- الحاصلة لشعور الشخص بالسحب و الانسحاب و شعور المرسل بالتسبيب و الدفع، و هذه الاستجابة الشعورية تختلف عن تصور فعل الارسال المستعمل فيه اللفظ في موارد الاخبار عنه، كما أنّها تختلف عن تصوّر مفهوم الارسال سواء كان مفهوماً اسمياً أو حرفياً، و لكنها حالة ذهنية شعورية على كل حال، فيمكن أن يكون الاحساس باللفظ سبباً لحصولها في النفس على حدّ حصول تصوّر المعاني الخارجية في النفس عند سماع الألفاظ الحاكية عنها، و كما يكون ظاهر حال المتكلم عند اخطار تصوّر المعاني الخارجية باللفظ في ذهن السامع أنّه قاصد لها جداً، كذلك في الجمل الانشائية يكون ظاهر حال من يوجد تلك الاستجابات في ذهن المخاطب انّه قاصد لها جداً.

152

و هذه نقطة مهمة و دقيقة، و قد تجعل الفرق بين النسبة الانشائية و الاخبارية ثابتة حتى في مرحلة التصور، بمعنى الاستجابة الذاتية التي تحصل باللفظ في احساس الإنسان، و قد شرحناها سابقاً في تعليقات الجزء الأوّل فراجع.

و من هنا لا يصح استعمال الجمل و الأدوات المتمحّضة للانشاء في مقام الاخبار، بخلاف الجمل الخبرية فإنّها قابلة للاستعمال في مقام الانشاء لما أشرنا إليه من انّ نفس الحكاية و الابراز ربّما يحقق المعنى الانشائي- و هو التصدي و التسبب لايجاد ذلك المعنى- كما يمكن أن يكون مقام الانشاء قرينة على اللحاظ التسبيبي للجملة الخبرية و جعلها مدخولها و متعلقاً للتسبيب، حيث أنّ النسبة الخبرية التصورية صالحة لهذه النظرة التسببية، فإنّ الانشاء و التسبيب الشعوري لا بد و أن يتعلق بالنسب التصورية التامة بين الفعل المرسل إليه و فاعله.

ثمّ إنّ التحليل المذكور هنا للجملة الفعلية من قبل السيد الشهيد (قدس سره) يختلف عمّا ذكره في الجزء الأوّل، و ما ذكره هناك هو الأدقُّ و الأمتن، فراجع و تأمل.

ص 51 قوله: (الاولى...).

التعبير بالدلالة الالتزامية على الارادة غير فني، فإنّه لو اريد الدلالة التصورية فواضح العدم، و إن اريد الدلالة التصديقية فهو فرع وجود مدلول تصديقي، و الكلام في المدلول التصوري الوضعي لصيغة الأمر.

و لعلّ المقصود انّ الارسال أو النسبة الارساليّة و الطلبية تناسب الارادة و تطابقها لا التعجيز و الاستهزاء، فيكون مقتضى التطابق الذي هو أيضاً ظهور حالي و لكنه ايجابي لا سلبي- كما في الوجه الثاني- وجود داعي الطلب و الارادة، كما في الحاشية.

153

ص 53 قوله: (امّا مسلك الإطلاق...).

الاشكال في تمامية الإطلاق اللفظي لا المقامي، فيقال بأنّ اللفظ في صيغة الأمر إذا لم يكن دالًا على الطلب أو الارادة، فلا يمكن اجراء الإطلاق اللفظي لاثبات الوجوب أو الطلب الشديد؛ لعدم التعرض لفظاً للطلب أو الارادة.

و الجواب: بأنّ المفروض دلالة صيغة الأمر على الطلب و الارادة لفظاً، امّا بالملازمة التصورية التي يدعيها السيد الشهيد (قدس سره)- و هو بعيد جداً- أو باعتبار أنّ البعث و الارسال يناسب الطلب و الارادة فتكون كالدلالات اللفظية، فتجري مقدمات الحكمة بلحاظ الطلب المنكشف بأحد التقريبات المتقدمة للاطلاق المثبت لوجوبية الطلب في بحث مادة الأمر. بل قلنا هناك بأنّ تلك التقريبات إنّما تتم في دلالة صيغة الأمر لا مادته.

ص 54 الهامش:

جوابه امّا بالنسبة للاطلاق اللفظي فقد عرفته. و أمّا بالنسبة للوضع فلا وجه لاستبعاد التحصيص على أنّه يمكن القول بأنّ التناسب للارسال و البعث الانشائي إنّما هو الارادة اللزومية لا الاستحبابية.

و إن شئت قلت: المنشأ بالصيغة- بالمعنى المعقول الذي تقدم- إنّما هو الارسال الالزامي الشديد المساوق للوجوب لا انشاء مطلق الارسال.

ص 57 قوله: (و أقرب هذه النكات ما لم تكن قرينة معينة لإحداها النكتة الاولى...).

بل النكتة الأخيرة أي قوله (يعيد) مستعمل في نفس النسبة التصادقية أو الصدورية الفعلية، و لكن بقصد التسبب و ارسال المكلف نحو تحقيقه نظير

154

(بعت) الانشائي. لأنّ النكتة الاولى أي الاخبار عن وقوع الاعادة عمن يلتزم بالشريعة فيه التواء و عناية كبيرة إذ من أين يفهم المكلف ما هو الشريعة إلّا من نفس هذا الخطاب، مضافاً إلى أنّه لا ظهور لمقام الانشاء في أصل الأخبار ليقال بأنّه أقوى من الظهور في الإطلاق و عدم التقييد فإنّه ظهور حالي و هو في غير مقام الانشاء الذي مفروض في مثل هذه الجمل، فالمستظهر هو الوجه الأخير لا الأوّل و لا الوجهان المتوسطان لوضوح عدم جريان نكتتهما في المقام كما يظهر بالتأمل.

ص 55 قوله: (الاولى...).

يمكن المناقشة فيها: بأنّ هذه الملازمة مبنية على أن تذكر الصفة المستلزمة للانتقال إلى الأمر الشرعي كعنوان المتشرع المطبق لحكم الشارع على أفعاله، و مثل هذه الدلالة بحاجة إلى ما يدلّ عليه في مرحلة الاثبات، و لا يكفي مجرد عدم الإطلاق و التضييق لافادة الملازمة.

هذا مضافاً إلى انّ الوجدان العرفي لا يساعد هذا التخريج، فإنّ المتكلم عند ما يقول: (يعيد...) لا يلاحظ مثل هذا العنوان جزماً.

و منه يظهر عدم عرفية النكات الثانية و الثالثة فإنّهما مترتبان على ذلك. و امّا النكتة الرابعة فيمكن المناقشة فيها بأنّ النسبة الصدورية الناقصة يمكن تعلّق الارادة و الطلب بها إلّا انها ليست النسبة الخبرية و إنّما النسبة الخبرية هي النسبة التصادقية التامة و هي لا تتعلق بها الارادة لأنّها إنّما تتعلق بما لا تحقق له.

نعم، هناك معنى آخر سيأتي لعلّه المراد من هذه النكتة، إلّا انّه سوف يجعلها وجهاً و نكتة للمسلك الثاني لا لهذا المسلك على ما سنوضح.

155

ص 57 قوله: (المسلك الثاني...).

التحقيق‏ انّ هذا المسلك معقول على مبنى المشهور من كون الدلالة الوضعيّة تصورية لا تصديقية، و ذلك بتقريب انّ النسبة الخبرية في عالم اللحاظ و التصور لها لحاظان: لحاظ تصوري ينظر فيه إلى النسبة بما انّه مفروغ عن تحققه، و لحاظ انشائي تلحظ فيه النسبة بما انّه يطلب و يسعى إلى ايجاده و تحقيقه، و قد ذكر السيد الشهيد (قدس سره) ذلك في بحث الخبر و الانشاء في مثل جملة بعت اخباراً و انشاءً، و هذا كما يعقل في الجمل الخبرية الدالّة على الامور الاعتبارية كذلك يعقل في الجمل الخبرية الاخرى، فيمكن أن تلحظ نسبة الاعادة إلى الفاعل بنظر ايجادي يسعى إلى تحقيقه، و لعلّ لام الأمر الداخل على فعل المضارع يجعله بهذا المعنى، و هذا هو الذي يجعل فعل المضارع مناسباً لهذه النظرة لا الماضي إلّا إذا وقع في سياق الشرط فانقلب إلى المضارع معنىً و لا الجملة الاسمية إلّا في مقام الدعاء الذي ليس طلباً للايجاد من المخاطب.

و على هذا الأساس يكون الفرق بين الجملة الخبرية في مقام الانشاء معها في مقام الاخبار بلحاظ المدلول التصوري و هو كيفية لحاظ النسبة الخبرية. نعم، أصل النسبة التصادفية محفوظة فيهما. و لعلّه بهذا يقع تصالح بين المسلكين و الاتجاهين، فكل منهما لاحظ جانباً من الدلالة التصورية، فتدبر جيداً.

ص 64 قوله: (المسألة الاولى...).

منشأ الاشكال عند مدرسة الميرزا على ما في كلمات السيد الخوئي (قدس سره) يرجع إلى البيان التالي:

انّ الأمر إذا اريد تعلّقه بالأعم من فعل المكلّف و فعل الغير بما هو فعل صادر

156

عن الغير بلا ارتباط له بالمكلّف فهذا غير معقول ثبوتاً لأنّ فعل الغير لا يعقل أن يتعلّق به تكليف الإنسان و إن اريد تعلقه بالأعم من فعله و التسبيب إلى فعل الغير، فهذا و إن كان يعقل ثبوتاً تعلّق التكليف به إلّا انّه خلاف الظاهر للزوم كون المتعلّق هو الجامع بين الفعل و التسبيب و لزوم كون مجرّد التسبيب كافياً لتحقق الامتثال و لو لم يفعل الغير بعد و هذا خلف.

و هذا البيان أجاب عليه السيد الشهيد بجوابين كما في الكتاب؛ و توضيحهما:

أوّلًا- انّ الجامع بين فعل المكلّف و فعل الغير الصادر منه بلا تسبيب من المكلّف يعقل تعلّق التكليف به، لأنّه جامع بين الفعل الاختياري و غير الاختياري و هو اختياري على ما سيأتي من السيد الخوئي نفسه.

لا يقال: ليس الاشكال هنا من ناحية عدم المقدورية ليقال بأنّ الجامع بين المقدور و غير المقدور مقدور، و إنّما الاشكال من ناحية عدم صحّة تعلّق تكليف شخصٍ بفعل غيره من دون انتساب ذلك الفعل إلى المكلّف أصلًا لأنّ هذا خلف توجه التكليف إلى هذا المكلّف.

و بتعبير آخر: انّ نفس توجه التكليف إلى شخص يكون مقيداً لبياً لمتعلق الأمر بكونه الحصة المنتسبة إليه لا المنتسبة إلى غيره و الأجنبية عنه بالمرة أي لا تنتسب إليه حتى بنحو التسبيب. و هذا نظير سائر قيود الوجوب التي تكون قيوداً للواجب أيضاً ثبوتاً.

فإنّه يقال: هذه النكتة إن اريد منها نكتة اثباتية لأخذ التقييد بالانتساب المذكور فهو صحيح و يقبله السيد الشهيد كما في الكتاب، و إن اريد بها نكتة ثبوتية للتقييد فغير صحيح؛ إذ لا محذور ثبوتي في أن يكون روح الحكم أو