أضواء وآراء؛ تعليقات على كتابنا بحوث في علم الأصول‏ - ج1

- السيد محمود الهاشمي الشاهرودي المزيد...
694 /
157

الاعتبار متعلقاً بالجامع بين فعله و فعل الغير، فالمولى يريد هذا الجامع أو يعتبره على ذمّة المكلّف.

و ثانياً- لو تنزلنا عن ذلك قلنا انّه لا مانع أن يتعلّق الأمر بالجامع الأعم من فعل المكلّف أو فعل غيره الصادر منه بتسبيب المكلّف، و ما ذكر من انّ لازمه كون التسبيب عدلًا للفعل و مجزياً و هو خلاف الظاهر. مدفوع بأنّ المتعلق هو الفعل الصادر بالتسبيب لا نفس التسبيب.

و إن شئت قلت: انّ المحذور الثبوتي المذكور إنّما يقتضي تقييد إطلاق متعلق الأمر بمقدار فعل الغير غير المنتسب إلى المكلّف و لو بالتسبيب، و امّا غيره من حصص المتعلّق فيبقى تحت إطلاق المتعلّق و لازمه الاجتزاء بفعل الغير المتسبب إليه من قبل المكلف، و هذا لا يتحقق إلّا بصدور الفعل من الغير خارجاً.

ثمّ انّ ادخال بحث النيابة في هذه المسألة خلط بين التسبيب و النيابة و بينهما عموم من وجه إذ النيابة متقومة بالاتيان بالفعل بنية الغير سواءً كان بتسبيبه أم لا، بخلاف التسبيب فإنّه يصدق حتى لو جاء به الغير بنية نفسه كما هو واضح، فمسألة النيابة أجنبية عن هذا البحث.

ص 70 قوله: (الثاني لو سلم انعقاد إطلاق المادة...).

ما ذكر في الهامش غير تام لأنّ مدلول الهيئة لا يكون مقيداً لبّاً بعدم تحقق الملاك كيف و إلّا لزم عدم إمكان التمسك باطلاق الهيئة كلما شك و احتمل وفاء غير المأمور به بالملاك و إجزاؤه عنه لكونه من التمسك بالمطلق في الشبهة المصداقية له، بل إطلاق الأمر بنفسه نافٍ لوفاء غير المأمور به بالملاك و إجزاؤه‏

158

فإذا ثبت خلافه في مورد كان تخصيصياً و تقييداً لاطلاق الأمر لا محالة لا تخصّصاً.

ص 70 قوله: (الملاك الثاني. انّه و إن لم يكن الأصل...).

هذا نظير ما إذا ورد: أكرم كل عالم، و يحرم اكرام فساق العلماء، و ورد في دليل ثالث: لا يحرم اكرام زيد الفاسق منهم، فإنّ الأولين لو كانا منفصلين رجعنا في زيد الفاسق بعد تخصيص دليل حرمته بالقيد الثاني إلى عموم العام لاثبات وجوب اكرامه كالعالم العادل، و امّا إذا كان المقيّد الأوّل متصلًا بالعام فلا يصح ذلك؛ لأنّ العام لم ينعقد عموم له بالنسبة للفساق من العلماء، و هذا واضح.

ص 70 قوله: (ثانياً- النقض بسائر موارد التقييد...).

يمكن دفع النقض بأنّ دليل التقييد الشرعي يدل بالملازمة على عدم سقوط الأمر و الوجوب إلّا بالاتيان بالمقيّد فينفي بنفسه الاجتزاء بالمطلق، أي الاتيان بفاقد القيد، و إلّا كان لغواً و لم يكن شرطاً، و هذا بخلاف المورد الذي يكون عدم إطلاق المادة لمحذور عقلي في خصوص اطلاقها لحصة و فرد كما في المقام و موارد الاجتماع مع احتمال وفاء الفاقد بالملاك و الاجتزاء به، فإنّه لا دليل على عدم الاجتزاء به عندئذٍ إلّا إطلاق الأمر نفسه.

هذا، إلّا أنّ الصحيح أنّ أصل النقض وارد على المحقّق العراقي (قدس سره)، فإنّه لا إشكال في الرجوع فقهياً إلى إطلاق الأمر في موارد تقييد متعلقه و لو بمقيّد منفصل بقيد، و به يثبت عدم الاجتزاء بفاقد القيد و لزوم الاتيان بالمقيّد لا بدليل القيد. و من هنا نحتاج إلى جواب حلّي للشبهة المذكورة في هذا البيان؛ و لهذا لم يكتف السيد الشهيد (قدس سره) بهذين الجوابين و تصدّى لحلّ الشبهة بجوابين آخرين.

159

ص 71 قوله: (ثالثاً...).

حاصل هذا الوجه- و الذي هو أحد الأجوبة الحلّية على الشبهة- أنّ تحقق الواجب و الامتثال لا يكون عدمه شرطاً في الايجاب و الأمر امّا بنحو الشرط المتأخر بحيث يستكشف به عدم الأمر من أوّل الأمر فواضح جداً؛ إذ يلزم أن لا يكون ما حققه المكلّف واجباً و امتثالًا و هو تهافت، و امّا بنحو الشرط المقارن أي سقوط الأمر بقاءً بالامتثال، فهذا مضافاً إلى عدم صحته فإن فعل المحبوب لا يخرجه عن المحبوبية حتى بقاءً غير ضار في المقام؛ إذ بالمقيد نستكشف انّ الايجاب الفعلي قبل الامتثال متعلقه الحصة المقيّدة أي الاختيارية، فيكون مقتضى إطلاق الهيئة الفعلي قبل تحقق الحصة غير الاختيارية و المتعلق بالمقيّد و لو بالدليل المنفصل لزوم الاتيان به، بل بقائه و عدم سقوطه بمقتضى هذه الدلالة الالتزامية بين ثبوت الايجاب المتعلّق بالمقيّد حدوثاً و بين بقائه إذا لم يتحقّق المقيّد، و إن لم يكن إطلاق لهيئة الأمر بلحاظ مرحلة البقاء ابتداءً.

فالحاصل ما جاء في هذه الشبهة يسقط إطلاق الهيئة بقاءً فقط فعلية أو فاعلية لا حدوثاً، فإذا ثبت تقييد متعلّق الوجوب الفعلي حدوثاً كان لازمه بقاء الوجوب و عدم سقوطه، و هذه الدلالة لا إجمال فيها.

لا يقال: الوجوب الفعلي حدوثاً بدليل الأمر هو ايجاب الجامع الأعم من واجد القيد و فاقده، لا خصوص المقيّد، و هذا لا يلازم بقاء الفعلية أو الفاعلية و لزوم الاتيان بالمقيّد بعد تحقق فاقد القيد و دليل التقييد المنفصل لا ينافي ذلك؛ لأنّه و إن كان يكشف انّ الواجب لا يشمل الفاقد إلّا انّه لا يدل على بقاء الوجوب‏

160

بحسب الفرض، و يحتمل كون الفاقد محققاً للغرض الموجب لعدم فعلية أو فاعلية الأمر بالمقيّد بقاءً بعد تحقّق الفاقد.

فإنّه يقال: هذا خلف فرض عدم تعلّق الايجاب و الأمر بالجامع المنطبق على فاقد القيد، فإنّ المفروض انّ دليل التقييد و لو المنفصل دلّ عقلًا أو شرعاً على عدم الإطلاق في متعلّق الأمر للفاقد، فالايجاب الفعلي حدوثاً لا محالة يكون متعلقاً بالمقيّد لا المطلق و الجامع، و هذا واضح.

فالجواب الثالث تام.

بل ظهر من هذا التقرير له تماميته حتى على تقدير القول بسقوط فعلية التكليف بالامتثال كما هو المشهور.

ص 71 قوله: (رابعاً- انّ من يرى...).

قد يقال‏: إن اريد بالامتثال ما يعمّ تحقيق الغرض من الأمر الذي لا إشكال في كونه امتثالًا بحكم العقل فهذا يوقعنا في المحذور الذي ذكرناه و انّه لا يصحّ التمسك باطلاق الأمر كلما احتملنا الاجتزاء و حصول غرضه بغير المأمور به و إن اريد به خصوص الاتيان بالواجب- مع انّه بلا موجب بعد كون اتيان الغرض امتثالًا أيضاً- فإن اريد الواجب الذي هو متعلق الهيئة أي مدلول المادة رجع الاشكال، و إن اريد الواجب الواقعي كما هو ظاهر الكتاب فلازمه أيضاً انّه لو احتملنا انّ الواجب الواقعي هو الأعم لم يصح التمسك باطلاق الهيئة، فلو دلّ دليل على وجوب عتق الرقبة المؤمنة و احتملنا انّ قيد الايمان ليس واجباً واقعاً بل استحبابي لم يصح التمسك باطلاق الهيئة لأنّه تمسك بالعام في الشبهة المصداقية، و هو واضح البطلان.

161

و إن اريد جعل عدم احراز الامتثال قيداً فمن الواضح انّ الاحراز و عدم العلم ليس قيداً في التكاليف الواقعية، و إنّما يكون قيداً في الأحكام الظاهرية.

فإنّه يقال‏:- هذا الاشكال الذي ذكرناه في الدورة السابقة- غير وارد، بل هذا الجواب جواب آخر حلّي غير ما قرّرنا به الجواب الثالث، و الذي هو الجواب الحلّي الأوّل.

و حاصله: انّ الإطلاق للهيئة بقاءً أيضاً غير ساقط لمن يأتي بفاقد القيد بحيث لا نحتاج إلى التمسك بالدلالة الالتزامية لاطلاق الهيئة بلحاظ الحدوث- كما في الجواب السابق- و ذلك لأنّ ما هو المقيّد للهيئة و الايجاب ليس هو إطلاق المادّة، بل حكم العقل مثلًا بعدم بقاء الايجاب بعد امتثاله و لزوم سقوطه، و هذا مقيّد كلّي متصل بكل الخطابات الشرعية و الأوامر و بهذا العنوان و كلّ من إطلاق المادة و متعلق الأمر لحصة أو تقييدها بقيد يحرز أو ينفي تحقق صغرى الشرط و القيد المذكور المأخوذ لبّاً في مفاد الهيئة من دون أن يوجب اضافة تقييد أو إطلاق أو إجمال فيه.

و ليس عنوان الامتثال مشيراً إلى العنوان المأخوذ في المادة بل واقع الامتثال و إتيان ما تعلّق به الايجاب ثبوتاً، فيدلّ هذا الإطلاق في مفاد الأمر على بقاء الأمر و الايجاب كلما لم يتحقق امتثاله الواقعي و إطلاق المادة للحصة الفاقدة للقيد لو كان حجة يثبت تحقق الامتثال و بالتالي سقوط الإطلاق المذكور بقاءً و تقييد المادة بقيد سواء كان بدليل متصل أو منفصل إذا ثبت يكون دالًا على تحقق شرط الإطلاق و فعليته لا محالة.

و ما ذكر من اشكال التمسك بالشبهة المصداقية لا يرد إذا كان المتعلّق مطلقاً أو

162

مقيداً- كما في المثال المذكور في الاشكال، فإنّ ظاهر الأمر بعتق الرقبة المؤمنة انّ الواجب و المتعلّق للوجوب هو الرقبة المؤمنة لا مطلق الرقبة.

نعم، لو فرض إجمال المادة و المتعلّق بحيث لم يمكن إثبات اطلاقه و لا تقييده فلا يمكن إثبات الأمر بالمقيّد أيضاً بالخطاب و هو مسلّم، بل لا بد من الرجوع فيه إلى الاصول اللفظية أو العملية الاخرى، فهذا الاشكال غير متّجه، و الجواب الرابع تام أيضاً.

ص 71 قوله: (و لو كانت الحرمة بعنوان آخر... فيتمسك باطلاق الهيئة لاثبات عدم الاجتزاء...).

و هنا يجري كلام المحقق العراقي من انّ إطلاق الهيئة مقيّد بالمادة، و هنا لا يتمّ الجواب الأوّل من الأجوبة الأربعة المتقدمة.

ص 73 قوله: (و كأنّ المحقّق العراقي (قدس سره) حاول...).

بل هذا وارد أيضاً في كلمات السيّد الخوئي و تقريرات بحثه، كما انّه لا يختصّ بالوجه الأوّل، بل جعل الانحلال إلى الأوامر الضمنية منشأ للاجابة على الوجوه الأربعة الاولى- التي هي الوجوه الأصلية الأولية قبل التصحيح من قبل السيد الشهيد (قدس سره) لها و تطويرها- فينبغي ايرادها كذلك و الاجابة عليها، فراجع و تأمل.

كما أنّ الوجوه الأربعة ترجع إلى ايراد الدور أو المحذور في ثلاث مواضع الأوّل منها بلحاظ الجعل و عروض الأمر، و الثاني بلحاظ عالم فعلية الحكم، و الثالث بلحاظ عالم قصد الامتثال و داعوية الأمر، و الرابع أصله مربوط به عالم‏

163

الفعلية، إلّا أنّه بتبع المحذور فيه يسري المحذور إلى القضية الحقيقية أيضاً.

و الوجوه الاصلاحية التي ذكرها السيّد الشهيد أيضاً تعديل من أجل تسجيل المحذور في أحد هذه العوالم أو المراحل الثلاث.

ص 79 قوله: (الوجه الأوّل...).

الجواب عليه بما في الهامش، و توضيحه انّ المحذور المذكور في أخذ الوصول في موضوع شخص الحكم مبني على أخذه كذلك، فلو لم يؤخذ ذلك و لا الأمر بوجوده الواقعي، و إنّما يؤخذ في الموضوع القدرة على الامتثال المأخوذ عموماً، و القدرة اللازمة أي صدق القضية الشرطية بالنحو المتقدّم فلا دور و لا تهافت، كما انّ الشك في القدرة منجز عقلًا على المكلّف على ما هو ثابت في محلّه، فلا وجه لأخذ الوصول أو العلم في موضوع المجعول الفعلي و لا في الجعل، و إنّما المأخوذ المقدورية فحسب، و ليس فيه دور و لا تهافت.

نعم، يلزم عندئذٍ عدم شمول الخطاب للقاطع بالعدم و الغافل و نحوهما، إذ لا يتمكن من قصد الامتثال و التقرّب، كما لا يلتفت إلى جهله لكي يتعلّم إذا لم يكن مقصراً في المقدمات.

إلّا أنّ هذا اشكال مستقل برأسه لا بد له من جواب مستقل و هو امّا بالالتزام بعدم فعلية التكليف في حقه من جهة عدم القدرة على الامتثال حتى رجاءً أو من جهة عدم امكان الداعوية، كما التزم بذلك بعض و التزم الميرزا في مثل الناسي‏

164

و الغافل بنكتة اخرى أو الالتزام باطلاق الخطاب للجاهل المركب أيضاً لأنّ القدرة المأخوذة في التكاليف عقلًا أو بالظهور الاثباتي ليس بأكثر من عدم العجز الثابت لو جعل التكليف و وصل إليه لا العجز الذي يرتفع بوجود التكليف و في طوله؛ لأنّ هذا العجز مما يرتفع بالتكليف و يتسبب إليه المولى بنفس التكليف، إذ الغرض منه إنّما هو التحريك و الذي يكون بالوصول لا بالوجود الواقعي للتكليف، فهذا الإطلاق ثابت حتى للجاهل المركب كما هو داخل في غرض المولى من جعل التكليف فلا يكون قيداً فيه.

هذا، مضافاً إلى أنّه لا مانع من أخذ العلم بالجعل و موضوعه الملازم مع العلم بفعلية المجعول في موضوع المجعول و هو كافٍ في المقدورية.

فالحاصل‏: فرق بين أن يكون الوصول ابتداءً مأخوذاً في موضوع المجعول فيلزم الدور أو يكون أخذه من جهة دفع محذور التكليف بغير المقدور فإنّه يمكن أخذ ما يلازم العلم بالمجعول الفعلي عندئذٍ، و ليس فيه دور، و به يندفع محذور التكليف بغير المقدور؛ لأنّه يساوق و يلازم المقدورية.

كما انّه يمكن أخذ وصول الحب و الارادة التي هي روح الحكم و لا يشترط تعلقها بالمقدور كما في المجعول، و يكون العلم باطلاقها أيضاً موجباً للمقدورية كما هو واضح، بلا لزوم دور و لا تهافت لا من ناحية أخذ العلم بالمجعول في موضوعه لعدم أخذه فيه و لا من ناحية عدم المقدورية، و اللَّه الهادي للصواب.

ص 81 قوله: (يمكن أن نضيف نكتة...).

ما في الهامش من الجواب صحيح، و قد ذكره السيد (قدس سره) في الأبحاث القادمة.

165

و يمكن أن يضاف عليه بأنّ لحاظ الأمر في طرف المتعلّق لحاظ مستقل عن لحاظه في طرف انشاء الأمر، فهناك لحاظان و ملحوظان أحدهما حكائي مشير إلى ما سيحدث من الأمر، و الآخر انشائي ايجادي للأمر، و لا محذور في ذلك.

ص 81 قوله: (الوجه الثالث...).

هذا بيان لاثبات لغوية الأمر الضمني بقصد الأمر، بل عدم كونه أمراً حقيقياً بل ارشاد إلى عدم سقوط الأمر بذات الفعل بدون قصد الأمر.

و الجواب عليه: بما في الهامش صحيح و يمكن تقريره بنحو آخر، و حاصله:

انّ قابلية الأمر للداعوية و إن كانت شرطاً في جعل الأمر، بل قيل انّه روح الحكم و حقيقته، فكما لا أمر في مورد عدم امكان الانبعاث للعجز كذلك لا أمر في مورد عدم قابلية الأمر للتحريك بحيث يكون وجوده و عدمه سيان من هذه الناحية.

إلّا انّ هذا لازم في الأمر الاستقلالي بحيث لولاه لزم لغوية جعله، و امّا الضمني فلا يشترط في حصص الأوامر الضمنية داعوية و محركية مستقلة إلى متعلقاتها بل يمكن أن يكون الغرض منها حفظ داعوية الأمر الاستقلالي نحو ما هو مطلوب المولى من الأمر الاستقلالي.

بل الصحيح أن يقال‏: بأنّ هذه أيضاً داعوية و محركيّة للأمر الضمني بقصد الأمر؛ لأنّه يوجب عدم اكتفاء المكلّف بالاتيان بذات الفعل إذا جاء به بلا قصد الأمر و إعادة المكلّف للفعل مع قصد الأمر، و هذه داعوية و محركيّة زائدة حقيقةً و إن كان يمكنه قصد الأمر أيضاً لو كان متعلقاً بذات الفعل فقط، إلّا أنّ هذا لا يعني عدم محركية الأمر بالقيد المذكور.

166

نعم، القيود الاخرى كالطهارة و الاستقبال لو لم تؤخذ في المتعلق لا يمكن للمكلف التحرك نحوها بالأمر بذات الفعل، بخلاف هذا القيد- أعني قصد الأمر- إلّا أنّ امكان التحرك و الانبعاث لو لا الأمر الضمني بهذا القيد لا يعني عدم المحركية و الداعوية له؛ لأنّه لا الزام بهذا الامكان و إنّما يأتي الالزام و الالتزام بقصد الأمر الاستقلالي من قبل أخذ هذا القيد و الأمر الضمني بقصد الأمر، و هذه داعوية و محركية واضحة زائدة لم تكن موجودة لو لا التقييد و مجرد إمكان الانبعاث لولاه لا يساوق هذه الداعوية و المحركية كما هو واضح.

كما انّ امكان تحصيل هذه المحركية بالاخبار عن بقاء غرض الأمر المتعلق بذات الفعل و عدم سقوطه بلا قصد الأمر لا يجعل تحصيل ذلك بتعلق الأمر بقصد الأمر لغواً أو مغايراً مع حقيقة الأمر، فإنّه لا يشترط في قابلية محركيّة الأمر انحصار المحركيّة فيه و عدم امكان طريق آخر، كيف و إلّا أصبح كل أمر لغواً، لامكان تحصيل غرضه بالاخبار عن الغرض و الحب و الارادة بلا جعل أمر أصلًا.

فالنتيجة أنّ الأمر الضمني بقصد الأمر أو قل أخذ قصد الأمر في متعلق الأمر تكون له محركيّة زائدة لم تكن موجودة لو لا هذا الانبساط و الزيادة في متعلّقه أي لم يكن تفي به داعوية و محركية الأمر بذات الفعل لأنّه أمر توصلي يكفي في محركيته قابليته للداعوية و لو بالاتيان بالفعل لغرض دنيوي فيسقط، أي محركيّته بمقدار أن يأتي به المكلّف إذا لم يأت به بداعٍ دنيوي لا ما إذا أتى به بداعٍ دنيوي بينما المطلوب اقتضاء محركيّة أكثر بحيث يأتي المكلّف به حتى إذا كان قد جاء به أوّلًا بداعٍ دنيوي؛ لأنّ غرض المولى لم يتحقق، و هذا الاقتضاء الزائد للمحركية من شئون أخذ قصد الأمر في متعلّق الأمر، فلا لغوية من هذه الناحية.

167

ص 82 قوله: (الوجه الرابع...).

هذا تتميم للوجه الثالث المتقدم أيضاً بوجه آخر هو استحالة محركيّة الأمر الضمني بقصد الأمر، حيث قيل هناك انّ الأمر بالمركب لا يمكن أن يدعو إلى الاتيان بالفعل بقصد امتثال أمره، لأنّ الأمر لا يدعو إلّا إلى ما تعلق به، فلو اريد داعوية الأمر بالمركب إلى المركب و الذي جزؤه نفس قصد الأمر و داعويته لزم داعويته إلى داعويته و هي كعلية الشي‏ء لعلية نفسه، و لو اريد داعوية الأمر بالمركب نحو ذات الفعل فقط فهو موقوف على تعلّق الأمر بذات الفعل لا بالمركب، و هو خلف أو غير مقدور لعدم الأمر بذات الفعل.

و قد أجاب عليه بكلا شقيه السيد الخوئي بالقول بالانحلال إلى الأوامر الضمنية و كون الأمر الضمني الثاني متعلقاً بقصد امتثال الأمر الضمني الأوّل المتعلّق بذات الفعل، فلا يلزم الخلف أو التكليف بغير مقدور، كما انّ الأمر الضمني بقصد الأمر ليس تعبدياً بل توصلي، فلا يلزم داعوية الأمر إلى داعوية نفسه بل إلى داعوية الأمر الضمني المتعلّق بذات الفعل.

و هذا البيان يوجد عليه جوابان‏:

أحدهما: أن يقال بأنّ الأمر الضمني لا داعوية له أصلًا، و إنّما الداعوية للأمر الاستقلالي، إذ ملاك الداعوية و نكتتها هو الاطاعة و العصيان و هما مترتبان على الأمر الاستقلالي لا الضمني حتى إذا قيل بالانحلال إلى الأوامر الضمنية.

و إن شئت قلت: انّ الأمر الاستقلالي الواحد داعٍ واحد و لا يمكن أن يكون دواع عديدة ليتصور فيه داعوية بعضها إلى امتثال البعض الآخر. و بهذا فلو اريد داعوية الأمر بالمركب من الفعل و قصد الامتثال الذي هو عبارة اخرى عن‏

168

داعوية الأمر نحو الامتثال لزم داعوية الأمر المذكور نحو داعويته و هو محال بحسب الفرض.

إلّا أنّ هذا الجواب غير تام؛ لأنّ مقصود السيّد الخوئي (قدس سره) داعوية الأمر بالمركب نحو تحقيق ذات الفعل، أي جزء متعلقه و هو معقول، فإنّ الأمر بالمركب يدعو إلى جزئه، بل إلى مقدماته أيضاً، فإذا كان المأخوذ في المركب قصد الأمر الاستقلالي و داعويته إلى جزء متعلقه لاتمامه لم يلزم داعويته إلى داعويته فلا محذور.

الثاني: ما ذكره السيد الشهيد في الكتاب من انّ داعوية الأمر يعني سببيته في قدح الارادة نحو متعلق الأمر في نفس المكلف، و في المقام إذا سبب الأمر انقداح الارادة في نفس المكلف نحو ذات الفعل فحيث انّ هذه الارادة المنقدحة بسبب الأمر هو الجزء الآخر من متعلق الأمر فلو اريد تعلقها بنفسها بسبب الأمر فهو محال، و إن اريد انقداح ارادة اخرى نحو ارادة الفعل ثمّ تتحقق ارادة الفعل بنحو طولي فهذا حتى لو فرض معقوليته و امكانه إلّا انّه خلف عرضية الأمرين الضمنيين في الداعوية، فتكون ارادة الفعل متحققة من أوّل الأمر بداعوية الأمر الضمني المتعلّق به. و إن لم يكن هذا الأمر محركاً إلّا نحو اتيان ذات الفعل فقط كان معناه انّ الأمر الضمني الثاني ليس قابلًا للمحركيّة نحو متعلقه أو قل الأمر الاستقلالي ليس قابلًا للمحركية نحو الجزء الثاني لمتعلقه، و هذا خلف حقيقة الأمر لا من جهة ما ذكر السيد الخوئي من انّه أمر توصلي و ليس تعبدياً بل لا يكون أمراً؛ لأنّه لا يقبل المحركيّة نحو متعلقه إلّا إذا أمكن محركيته نحو محركيّته أو تعلّق الارادة بنفسها و هو محال كما قرّر في أصل الاشكال.

169

فهذا الوجه و الوجه السابق تصحيحان للوجه الثالث أحدهما من ناحية لغوية الأمر بقصد الأمر لعدم داعوية زائدة فيه على الأمر بذات الفعل، و الآخر من ناحية امتناع داعويته و نتيجة الوجهين واحدة، و هي عدم قابلية المحركية و الداعوية في الآمر الضمني بقصد الأمر زائداً على محركيّة و داعوية الأمر بذات الفعل، فإذا كانت قابلية الداعوية قوام الأمر لم يعقل انبساط الأمر الضمني على هذا القيد، فلا يعقل أخذه في متعلق الأمر، بخلاف سائر القيود.

نعم، يمكن أخذه ارشاداً إلى بقاء الأمر بذات الفعل إذا جي‏ء به بلا قصد الأمر، و هذا مدلول اخباري و ليس أمراً، فأخذ قصد الأمر في متعلّق الأمر ثبوتاً غير معقول.

و جواب هذا الوجه أيضاً ظهر مما تقدم في ردّ الوجه الثالث من أنّ المراد بقابلية المحركية و الداعوية ما يوجد في الأوامر التوصلية أيضاً أي ما يصلح لحفظ غرض المولى و تحريك المكلّف من قبل الأمر كلما لم يتحقق مطلوبه بفعل العبد و لو لأنّه جاء به لغرض آخر، و ليس المقصود من الداعوية خصوص قصد الأمر، و إلّا لانقلبت الأوامر التوصلية تعبدية، و هذا المقدار محفوظ في المقام أيضاً؛ لأنّ فائدة الأمر بقيد قصد الأمر و أخذه تحت الأمر انّه إذا جاء بالفعل بلا قصد أمره أعاده مع قصد الأمر و داعويته نحو ذات الفعل الذي فرضنا أنّه ممكن، و هذه محركيّة زائدة لحفظ غرض المولى و مطلوبه لم تكن لو كان الأمر متعلقاً بذات الفعل مطلقاً و بلا قيد، أي لو كان الأمر توصّلياً.

لا يقال‏: هذا معناه أنّ الأمر الضمني بالقيد أي قصد الأمر هو الذي حرّكه و أصبح داعياً له نحو الاتيان بالمركّب، و الذي بضمنه قصد الأمر الذي لا يراد به‏

170

إلّا داعوية نفس الأمر فيلزم داعوية الأمر إلى داعويته، و هو محال بحسب الفرض.

و هذا هو فرق هذا البيان عن البيان السابق حيث كان الاشكال هناك اللغوية في الأمر الضمني لعدم محركيّة زائدة فيه لا لاستحالته، فأمكن الاجابة عليه بوجود محركيّة زائدة على الأمر بذات الفعل، و الذي محركيّته توصلية تسقط بالاتيان به بغرض دنيوي.

أمّا في هذا الوجه يقال بأنّ هذه المحركية الزائدة مستحيلة؛ لأنّ معنى أنّ الأمر الضمني بقصد الأمر أو الأمر بالمركب هو الذي يدعوه و يحركه إلى الاعادة و الاتيان بالفعل بقصد أمره- و لو الضمني المتعلّق بذات الفعل بناءً على ما تقدم من امكانه- أنّ هذا الأمر الضمني أو الأمر بالمركب صار هو داعيه على ذلك، و هذا معناه أنّ الأمر دعاه إلى الداعوية و قصد الأمر و هو محال.

فالجواب السابق لا يفيد هنا، كما انّ جواب السيد الخوئي (قدس سره) أيضاً لا يتمّ؛ للزوم تعدد الارادتين و الداعويتين الطوليتين أو تعلّق الارادة بنفسها، و كلاهما كان فيه محذور كما تقدّم.

و الجواب‏: أنّ هذه المحركية للأمر الضمني محركية نحو اتيان ذات الفعل بقصد الأمر الاستقلالي لا نحو متعلقه الذي هو نفس الداعوية.

و إن شئت قلت: محركيته نحو اتيان الفعل بقصد الأمر الاستقلالي ممن كان قد أتى به بلا قصد الأمر، و هذا ليس فيه محذور- كما تقدّم في توضيح بيان السيد الخوئي (قدس سره)- و كافٍ في تصحيح الأمر الضمني بقصد الأمر، و لا نحتاج إلى أكثر من ذلك.

171

و إن شئت قلت‏: حفظ محركية الأمر الاستقلالي بلحاظ تعلقه بذات الفعل كافٍ أيضاً في الأوامر الضمنية، و لا يشترط في معقوليتها و صحّتها و انشائها أن تكون لها صلاحية الداعوية نحو خصوص متعلقها إذا كان في انشائها و أخذها ضمن الأمر الاستقلالي حفظ غرض المولى و لو من ناحية استلزام ذلك بقاء الأمر الاستقلالي بالمركب و عدم سقوطه و حفظ الداعوية فيه.

نعم، هذا لازمه توصلية الأمر الضمني بقصد الأمر، بل عدم امكان تعبديته بلحاظ متعلقه و لا محذور فيه، و مجرّد امكان الوصول إلى نفس المحركية و الداعوية بالأمر بذات الفعل مع الإرشاد إلى عدم سقوطه بالاتيان بالفعل بقصد غير الهي لا يجعل الأمر الضمني بقصد الأمر ممتنعاً أو لغواً، فإنّ هذا أيضاً طريق آخر لحفظ غرض المولى و ايجاد الداعي المولوي- بلحاظ الأمر الاستقلالي بالمركب- نحوه كيف و إلّا لزم لغوية جعل سائر الأوامر أيضاً لامكان الاستغناء عنها بالاخبار عن الملاك و المحبوبية، و الوجدان خير شاهد على صحّة الأمر بهذا القيد كسائر القيود، و اللَّه الهادي للصواب.

ص 92 قوله: نعم هنا اشكالان آخران على هذه الصياغة... الخ.

الواقع الاشكالان يرجعان إلى اشكال واحد على تقدير و اشكالان على تقدير آخر؛ و ذلك لأنّ المهملة امّا أن يقال بأنّها في قوّة المطلقة فهناك اشكال واحد، أو في قوّة الجزئية فهناك اشكالان.

أمّا على التقدير الأوّل: فالاشكال هو رجوع هذا إلى صياغة صاحب الكفاية فيرد عليه ما أوردناه لا ما ذكره في الكفاية.

توضيح ذلك: انّه في الكفاية اورد على تعدد الأمر أي أمر بذات الفعل و أمر

172

آخر بالاتيان به مع قصد أمره بأنّ الأمر الأوّل امّا أن يسقط لو جي‏ء بذات الفعل بلا قصد القربة أم يبقى، فإن قيل بالسقوط لزم سقوط الأمر الثاني المتمم للجعل و هو خلف التعبدية و لزوم الاعادة، و إن قيل بعدم السقوط و بقائه فليس ذلك إلّا من جهة بقاء غرض الأمر، و هذا وحده كاف في لزوم الاعادة فعلًا بلا حاجة إلى أمر ثانٍ متمم فإنّه لغو عندئذٍ.

و أجابوا عنه بأنّ بقاء الأمر الأوّل إنّما يكون بمتمم الجعل، و الأمر الثاني بحيث لولاه لم يكن وجه للاحتياط بل تجري البراءة عن احتمال دخل قصد الأمر في الغرض و الذي يلزم على المولى بيانه و لو بأمر آخر، على انّه لو فرض انّ العقل كان يحكم بالاحتياط فهذا لا يوجب لغوية الأمر الثاني الذي يكون محركاً مولوياً و مبيّناً لكون الغرض مقيداً متعيناً.

و الصحيح ما ذكرناه من انّ عدم سقوط الأمر و لو من جهة بقاء الغرض في نفسه يستحيل إذ هو تحصيل الحاصل، فلا معنى لبقاء شخص الأمر المنطبق على ما حققه المكلّف خارجاً- سواء اريد بالسقوط سقوط الفعلية أو الفاعلية كما هو واضح- نعم المعقول سقوط الأمر و تجدد أمر آخر بالطبيعة غير ما حقّقه المكلّف، و هذا هو التفسير المتعين بناءً على استحالة أخذ قصد الأمر في متعلّق الأمر الواحد.

و أمّا على التقدير الثاني، أي كون المهملة في قوّة الجزئية و المقيدة فهنا اشكالان هما المذكوران في الكتاب.

و قد يناقش فيهما معاً:

أمّا في الأوّل منهما- فبأنّ المهملة و إن كانت في قوّة الجزئية إلّا انّ ذلك‏

173

من باب الاجمال و الأخذ بالقدر المتيقن، فللمولى أن يبيّن كون الغرض و الأمر و لو المتمم متعلقاً بالمقيّد تعييناً على أنّه قد يفرض جريان البراءة و الأصل المؤمن عن القيد و لو في مورد عدم تمامية الإطلاق في مدلول الصيغة و الوجوب فيكون المتمم من أجل المنع عن ذلك.

و أمّا في الثاني منهما- فلأنّ الأمر الأوّل إذا كان مهملًا من حيث المتعلّق بلحاظ قيد قصد الأمر كان مهملًا من حيث الموضوع أيضاً، لأنّ الاستحالة عند الميرزا من ناحية أخذ الأمر أو وصوله في موضوع الأمر الأوّل بحسب الحقيقة فيكون الإطلاق من ناحيته أيضاً مستحيلًا، و إنّما المتيقن ثبوت الحكم و الوجوب في حق العالم بالأمر الأوّل من دون أخذه في موضوعه ليلزم المحذور.

و إن شئت قلت: انّ المتعلّق المهمل الذي هو في قوّة القضية المقيدة إنّما يستحيل الأمر به إذا كان الأمر به مطلقاً من حيث الموضوع، حيث يلزم التكليف بغير المقدور، أو مقيداً بفرض وصوله أو فعليته حيث يلزم منه الدور، و امّا إذا كان وجوبه و الأمر به مهملًا من هذه الناحية أيضاً، فلا برهان على الاستحالة و الاهمال في المتعلّق ملازم مع الاهمال في الموضوع لا محالة و يرتفع بالمتمم.

و الجواب على كلا الاشكالين‏ بما تقدّم في محلّه من انّ اجمال متعلّق الأمر و عدم اطلاقه يوجب تمامية إطلاق الأمر و مدلول الصيغة، فتكون النتيجة الأمر بالمقيّد و فيه محذور الدور، كما انّه لا يحتاج إلى أمر آخر لو كان ممكناً؛ لأنّه أمر بالمقيّد بقصد الأمر، فأيّ حاجة إلى أمر آخر، و هذا واضح.

174

ص 93 قوله: (و أمّا الصياغة الثالثة لتعدّد الأمر...).

ما ذكر إنّما يلزم لو كان الأمر متعلقاً بالممكن و المقدور من ذات الفعل و قصد الأمر بنحو الإطلاق الشمولي الانحلالي- أي مطلق الوجود- و أمّا إذا كان مأخوذاً بنحو العموم المجموعي أي مجموع المقدور منهما له أمر واحد، فلا يلزم تعدد الأمر بل أمر واحد، كما انّه يندفع بذلك الدور؛ إذ لا يلزم أخذ الوصول في موضوعه بل أخذ القدرة و ما هو المقدور و الفعل مقدور، يعلم بتعلق الأمر به، امّا أمر ضمني أو استقلالي، و هذا لا يتوقف على مقدورية قصد الأمر لكي يلزم أخذ وصول الأمر في موضوعه و بوصوله يكون قصد القربة مقدوراً أيضاً.

نعم، يرد عليه الاشكالان الثالث و الرابع، كما يرد اشكال لزوم تغاير أمر من لا يقدر على قصد الأمر و لو لجهله المركب عن أمر من يقدر عليه و لعلّ هذا هو مقصود السيد الشهيد (قدس سره) من الاشكال.

ص 95 الهامش...

يمكن الاجابة عليه امّا على كيفية تعدد المجعول و تجدده فبأن يقال: انّ المولى ينصب قرينة على انّ أمره بذات الفعل يتجدد كلما لم يأت بقصد القربة بالطبيعة ضمن فرد آخر، و امّا على النقض بعدم العصيان فبأنّ العصيان يلزم من ناحية تفويت الغرض المعلوم اهتمام المولى به بأوامره المتجددة اضطراراً.

إلّا أنّ هذا معناه انّ بيان الغرض و دخل قصد الأمر فيه يكفي كالأمر به للمحركية و المنجزية عقلًا، و معه فأي حاجة إلى تجديد الأمر بالطبيعة، بل يبيّن المولى دخل قصد الأمر في غرضه و بقاء الغرض ما لم يأت بذلك و سقوط الأمر المتعلّق بذات الفعل لا يقدح بامكان الامتثال و الإعادة بلحاظ بقاء الغرض في‏

175

أصل الفعل.

هذا مضافاً إلى أنّ مسألة الأمر بهذا المعنى يكون بحثاً لفظياً صياغياً، إذ لو كان اخبار المولى عن ذلك ممكناً و مؤثراً في المنجزية و المحركية فلا نريد بروح الأمر إلّا ذلك، و هل يكون الاشكال في الصياغة القانونية الاعتبارية أو اللفظية عن هذا الاهتمام المولوي المتعقّل و الممكن بحسب الفرض؛ و لعمري البحث هنا غريب جداً عندي.

بل هذا التصوير من أردأ الوجوه، و ذلك:

أوّلًا- لما في الكتاب من لزوم تعلّق الأمر بأوسع مما فيه الملاك و الغرض و الحب و الارادة المولوية، و هذا بنفسه محذور، و ما في جواب الكتاب غير وافٍ؛ لأنّ ما ذكر من كفاية الوفاء بالملاك في طول المحركية و داعوية الأمر غير كافٍ؛ لأنّ فرض التحرك بداع دنيوي أيضاً سوف يكون مشمولًا لاطلاق متعلّق الأمر، مع انّه غير واجد للملاك.

نعم، قد يوجّه ذلك بأنّه بناءً على امتناع أخذ قصد الأمر في المتعلق يكون هذا المقدار هو الممكن جعله من الأمر نظير تكليف الامّي بالاتيان بما في الرفّ من الكتاب إلى أن يحصل الكتاب المطلوب.

و ثانياً- التجدد في الأمر بمعنى الانشاء و الاعتبار مشروط بتعقل جعل كذلك، و من الواضح انّ تجدد الجعل غير معقول، و تجدد المجعول بمعنى انحلاله إلى مجعولات عديدة أيضاً لا توجد له صيغة معقولة إلّا بأن يقول مثلًا يجب تكرار الفعل ما دام لم يأت بقصد القربة، فيكون عدم الاتيان بقصد الأمر شرطاً للوجوب.

176

و من الواضح انّ هذا مضافاً إلى سخفه خلاف المقصود؛ إذ لازمه وجوب التكرار و العقوبة على عدمه، كما انّه إذا كرّر الفعل في تمام الوقت بلا قربة كان مطيعاً و هو خلف، و أمّا ما ذكر من انّه ينصب قرينة على تجدد الأمر كلّما لم يأت بقصد القربة مضافاً إلى انّه لا يدفع الاشكال الذي ذكرناه الآن لا معنى له على مستوى عالم الجعل و الاعتبار، فإنّه لا بد و أن يرجع إلى صياغة معقولة لتجدد الجعل أو المجعول، فإنّ الأمر بمعنى الانشاء و الاعتبار لا يتجدد بمجرد نصب قرينة كهذا ما لم يرجع إلى ما ذكرناه من تكرر الجعل أو انحلال المجعول.

نعم، يعقل اعتبار بقاء الأمر الأوّل و عدم سقوطه أو تجدّده اعتباراً ما لم يأت بقصد القربة، إلّا أنّ هذا اعتبار البقاء و التجدد لا واقعه، أو قل بقاء اعتباري للأمر المجعول و ليس بقاءً حقيقياً له، و لا منجزية له إلّا بملاحظة روح الأمر و ملاكه، و الذي هو تصوير آخر بحسب الفرض و ليس بحاجة إلى هذا التطويل و لا إلى مجعول اعتباري أصلًا كما هو واضح.

فمبنى صاحب الكفاية مع التعديل الذي صنعه السيد الشهيد (قدس سره) لا يمكن المساعدة عليه بوجه. بل كلّ هذا البحث لا موجب له، فإنّه بعد أن كان تعلّق مبادئ الحكم و روحه بما فيها الارادة و الحب و الشوق بالمقيّد ممكناً و معقولًا، و بعد أن كان وصول ذلك للمكلّف و انكشافه له موجباً لقدرته على تحقيق الفعل بقصد قربي و إلهيّ فأيّ محذور في أن يكشف المولى عن ارادته هذا بالأمر بالمقيّد بقصد القربة أو الأمر؟ فإنّ الأمر الاثباتي إذا جعلناه كاشفاً عن نفس الارادة لا أكثر فالأمر واضح، و إذا جعلناه كاشفاً عن الاعتبار و الانشاء الذي هو مجرّد صياغة قانونية فأيضاً لا محذور فيه؛ لأنّ الاعتبار سهل المئونة، و جعل مثل هذا الاعتبار ليس فيه محذور الاستحالة الذاتية في نفس عالم الجعل- بعد

177

أن أجبنا عن الوجه الأوّل من وجوه الاستحالة- و إنّما المحاذير المذكورة ترجع إلى اللغوية و عدم المحركيّة الراجع إلى اللغوية أيضاً، و من الواضح عدم اللغوية في الجعل المذكور، بل فيه تمام الفائدة و هو دفع المكلّف نحو ايجاد المقيّد و عدم الاكتفاء بذات الفعل كما هو الحال في سائر قيود الواجب، فلا حاجة إلى كلّ هذه التمحّلات و التعسّفات، و اللَّه الهادي للصواب.

ص 100 الهامش.

لا يرد شي‏ء من الاشكالين المذكورين، فلا بد من حذفهما.

أمّا الأوّل‏: فلأنّه لا وجه لتخصيص الاستحالة بعملية التقييد، كيف و أصل الاستحالة المبرزة من قبل الميرزا في التقييد بقصد الأمر راجع إلى الأمر لا عملية التقييد بما هو تقييد في عالم اللحاظ و التصوّر، و هذا واضح.

و أمّا الثاني‏: فلأنّ إطلاق الأمر الثاني للحصة غير القربية بمعنى شموله لها مهملًا من حيث شمول الحصة القربية أيضاً مستحيل لأنّه في قوّة الجزئية عند صاحب هذا المبنى، فيكون فيه محذور التقييد.

و إنّما يمكن هذا الإطلاق إذا كان الجعل مطلقاً من حيث الحصة القربية أيضاً و هو خلف، فكلا الجوابين غير تامين.

نعم، يمكن جعل الأمر الثاني مقيداً بالحصة القربية فيدور الأمر بين الاهمال و التقييد- بناءً على امكان الاهمال المفهومي- فيقال بأنّ عدم ذكر القيد يكون نفياً لارادة التقييد، و حيث يمتنع الاهمال الثبوتي أو خلاف الظاهر فيستكشف و لو بدلالة الاقتضاء الإطلاق و شمول الحكم للحصة غير القربية أيضاً، أو يقال بأنّ دلالة الأمر على تعلقه بالحصة القربية من متعلقه لا نحتاج فيه إلى الإطلاق،

178

بل هو القدر المتيقن من مدلول الأمر و في طوله يكون الإطلاق للحصة غير القربية ممكناً أيضاً؛ إذ لا يلزم منه الاهمال الذي يكون في قوّة الجزئية ممتنعاً.

و لعلّ روح الاشكال الثاني في الهامش راجع إلى هذا المعنى.

ص 102 قوله: (و هكذا اتضح انّه على مسلك صاحب الكفاية لا يتمّ الإطلاق اللفظي...).

يمكن أن يقال: انّه على هذا المسلك أيضاً يتم الإطلاق اللفظي عرفاً لا دقة، بدعوى انّ التعبير العرفي لبيان دخل قصد الأمر في الغرض و الملاك بالجملة الخبرية إنّما هو التقييد و أخذه في المتعلق أو الأمر الارشادي به، فمع عدمه يستكشف عدمه كما يقال بذلك على مسلك متمم الجعل أو تجدد الأمر، فكل هذا البحث الدقي أجنبي عن المدلول العرفي للخطابات.

ص 106 قوله: (الأوّل- عدم الجزم بالسقوط...).

امّا بدعوى حكومة الأصل السببي و هو البراءة عن الأكثر على الشك في السقوط، أو بتقريب أنّ الشك في السقوط الناشئ من تردد التكليف و دورانه بين ما يسقط و ما لا يسقط لا يكون مجرىً للاشتغال العقلي، و هذا البيان لا يجري هنا؛ لعدم الدوران في التكليف و إنّما الشك في سقوطه مع العلم به تفصيلًا كموارد الشك في الامتثال، حيث يكون الواجب فيه معلوماً تفصيلًا لا مردداً، و الجواب ما في الكتاب.

ص 106 قوله: (الثاني...).

و قد يذكر هنا جواب آخر: و هو انّه لا فرق بين احتمال أصل وجود غرض مولوي أو تكليف نفسي محتمل على تقدير وجوده لا يمكن للمولى بيانه، و بين‏

179

احتمال دخل شي‏ء ضمناً في غرض المولى أو تكليفه و لا يمكنه بيانه، فكما يجري في الأوّل البراءة كذلك في الثاني.

و لكنه ليس بصحيح امّا البراءة العقلية فمن الواضح عدم جريانها في مورد قصور المولى عن بيان مطلبه و غرضه حتى إذا قيل بأصل البراءة العقلية، و امّا أدلّة البراءة الشرعية فأيضاً لا إطلاق لها لمثل هذه الفرضية خصوصاً بملاحظة ما ورد في بعض أدلّتها من التعبير بقوله (عليه السلام): «حتى يرد فيه نهي» أو «حتى نبعث رسولًا» أو «حتى تعرف انّه حرام» مما يعني امكان تبيين المولى لغرضه و لكنه لم يصل إلى المكلّف.

فهذا الجواب غير تام، و إنّما ينحصر الجواب بما في الكتاب.

ص 106 قوله: (الثالث...).

حاصله‏: أنّ البراءة الشرعية إذا جرت عن الأكثر المشكوك فكما تنفي التبعية و العقاب و التنجّز عن التكليف تنفي ذلك عن روحه و مباديه من الغرض و الارادة؛ إذ لا معنى لرفع التنجيز عن التكليف بما هو انشاء.

فتؤمّن البراءة الشرعية عن احتمال دخل القيد في الغرض أيضاً، و هذا بخلاف المقام حيث لا مجرى للبراءة الشرعية فيه، و البراءة العقلية غير جارية بحسب الفرض.

و هذا الجواب قد أجاب عليه السيد الشهيد بجوابين كما في الكتاب.

و نضيف جواباً ثالثاً حاصله‏: جريان البراءة الشرعية هنا أيضاً عن التكليف المتعلّق بالفعل، بنحو لا يسقط بالاتيان به بلا قصد القربة، فإنّ المقام بالدقّة أيضاً فيه علم إجمالي بأحد تكليفين، لكلّ منهما تشخّص و لكن من غير

180

ناحية المتعلّق، بل من ناحية نوع الوجوب و كونه يسقط باتيان متعلقه- إذا كان توصلياً- أو لا يسقط- إذا كان تعبدياً-.

و إن شئت قلت‏: من ناحية المنشأ و كيفية غرضه الموجب لتنوعه من حيث سقوطه باتيان متعلقه و عدم سقوطه به ما لم يأتِ بشي‏ء زائد عليه. و هذا العلم الإجمالي دائر بين أحد تكليفين متعلقين كلاهما بالفعل، و لكنهما مختلفان من حيث نوع الحكم و منشئه، و هما متباينان و ليسا دائرين بين الأقل و الأكثر، إلّا انّه علم اجمالي منحلّ حكماً؛ لعدم جريان البراءة عن النوع التوصلي؛ إذ ليس فيه مئونة زائدة على أصل لزوم الاتيان بالفعل المعلوم تفصيلًا عدم جواز تركه لكونه معصيةً على كل تقدير، بخلاف البراءة عن النوع التعبدي.

و بهذا يعرف انّ ما ذكر في الكلام الأوّل من عدم جريان الوجهين الأوّل و الثاني للاحتياط في المقام أيضاً غير تام؛ إذ المقام أيضاً فيه علم اجمالي، بل هو أقرب للاحتياط منه هناك؛ لأنّه علم اجمالي بين متباينين ليس فيه شبهة الانحلال الحقيقي، بخلاف العلم بين الأقل و الأكثر.

كما أنّ الوجه الثاني أيضاً يتم هنا إذا أرجعناه إلى نكتة تعلق العلم بالواقع لا الجامع و تنجيزه لكلا طرفيه المحتملين- مقالة العراقي- كما أنّه يظهر عدم صحة ما ذكر في الفرق الأوّل من عدم وجود الأصل السببي الحاكم على أصالة الاشتغال في الشك في السقوط في المقام، فإنّ الشك في السقوط بالاتيان بمتعلقه ناشئ عن الشك في نوع الوجوب و كونه مما يسقط أم لا يسقط، فإذا جرت البراءة عنه كانت حاكمة على الأصل الجاري في الشك في السقوط- مع قطع النظر عن اشكال المثبتية-.

181

كما انّ الفرق الثاني أيضاً غير تام، فاننا إذا افترضنا امكان بقاء الأمر و عدم سقوطه بشخصه مع الاتيان بمتعلقه إذا كان القيد دخيلًا في الغرض أصبح التصدّي لتحصيله بالانشاء أيضاً ممكناً، و ذلك من خلال جعل أمر لا يسقط باتيان متعلقه مع تبيين ذلك، فإنّ هذا بحسب الحقيقة مزيد أمر و تصدٍّ انشائي لا اخباري.

فالوجوه الثلاثة للفرق كلّها غير تامة موضوعاً فضلًا عن الأجوبة المبينة في الكتاب.

نعم، يبقى وجه واحد للفرق و هو مبني على مسلك صاحب الكفاية (قدس سره) من جريان البراءة في الجزئية و الشرطية لا الأمر بالأكثر فإنّه إن تمّ ذلك هناك- و لا يتم- لم يجر هنا، و هذا واضح، و هو مقصود صاحب الكفاية من الفرق.

ثمّ إنّ هنا بيانات لاثبات انّ الأصل في الأوامر أو الواجبات منها التعبدية كقاعدة ثانوية ثابتة بأدلة خاصة من بعض آيات أو روايات و هي باعتبار وضوح عدم تماميتها لم يتعرّض لها السيد الشهيد (قدس سره) و حذفها.

ص 111 قوله: (الجهة الخامسة...).

لا وجه لتقييد العنوان بالوجوبات، فإنّ الأمر الأعم من الوجوبي و الاستحبابي ينقسم إلى النفسي و التعييني و العيني؛ و لعلّه من جهة ظهور الأمر في الوجوب من دون قرينة أو كون المهم في الفقه الوجوب.

ثمّ انّ اثبات النفسية قد تكون باستظهار ذلك من مفاد الأمر ابتداءً و بالمطابقة- و هذا ما تكفله الوجهان الأخيران في الكتاب- و قد يكون من جهة لزوم ذلك من إطلاق في مفاد هيئة الأمر أو مادته كما في التقريبات الثلاثة الاولى في الكتاب.

182

لا يقال: انّ مقتضى الإطلاق نفي القيد و بالتالي ارادة الجامع و الطبيعة بلا قيد من الخطاب و هو يقتضي التوسعة و أن يكون الأمر دالًا على الجامع الأعم من النفسي أو الغيري لا التضييق، فإنّ هذا إنّما يكون إذا لم يكن إطلاق في مدلول الهيئة أو المادة يقتضي سعة الوجوب أو الواجب المستلزم لكون الأمر خصوص النفسي لا الأعم، فالتوسعة في جهة اخرى اقتضت التضييق بالملازمة، أو يكون ظهور في نفس خطاب الأمر يقتضي بمقتضى أصالة التطابق ارادة خصوص النفسي أو يعرف عدم ارادة الجامع بين الوجوبين لامتناع انشائه و لزوم وجود قيد في المنشأ كما في المقام على ما يأتي في التقريب الرابع و الخامس.

و بهذا يعرف انّ الإطلاق و السكوت عن القيد من جهة قد يقتضي التضييق في جهة اخرى، و هذه من مصاديق اقتضاء الإطلاق للتضييق لا التوسعة كما انّ من مصاديقها الانصراف المدّعى في بعض المطلقات. و تفصيل ذلك في محلّه.

ص 112 قوله: (الثالث:...).

و يلاحظ عليه‏: مضافاً إلى ابتنائه على مسلك اختصاص الوجوب الغيري بالحصة الموصلة فلا يتم على مسلك مثل صاحب الكفاية القائل بوجوب مطلق المقدمة انّه لا يتمّ فيما إذا كان الأمر المشكوك مقيداً بفعل ذلك الواجب و احتمل كونه واجباً غيرياً له أو بنحو الواجب في واجب الذي هو واجب نفسي لا غيري فإنّه عندئذٍ لا يكون إطلاق في متعلّق الأمر للحصة غير المقرونة بذلك الواجب لكي نثبت به بالملازمة النفسيّة.

و بهذا يظهر أنّه باجراء الإطلاق و مقدمات الحكمة في مدلول الصيغة أو المادة

183

لا يمكن اثبات النفسيّة في تمام الحالات و الموارد، و انّ التقريبات الثلاثة الاولى للاطلاق- و هي ظاهر الكفاية و المشهور- لا تتم في تمام الحالات، و من هنا احتيج إلى اثبات النفسية بأحد التقريبين الرابع أو الخامس بنحو الدلالة المطابقية، أي بالنظر إلى ذات الأمر المنشأ و خصوصيته من حيث هو أمر لا بلحاظ اطلاقه الأحوالي لصيغته أو مادّته، نظير ما تقدّم في اثبات الوجوب من إطلاق الطلب و الأمر، لكون الاستحباب قيده و حدّه عدمي، بخلاف الطلب الوجوبي، فيكون مقتضى السكوت أو أصالة التطابق ارادة الوجوب لا الاستحباب ما لم ينصب قرينة عليه.

إلّا أنّ كلا هذين التقريبين- لو تمّا من حيث نفسيهما- فإنّما يتمّان في مورد يرجع فيه القيد الوجودي و العدمي إلى نفس الطلب، و مفاد الأمر لا شي‏ء خارج عنه، و في المقام كون الطلب الغيري ترشحياً ناشئاً عن أمر و طلب آخر أو غير ناشئ منه لا يرجع إلى خصوصية في مفاد الأمر و الطلب نفسه، بل إلى منشئه و ملاكه و هو أمر أجنبي عن مفاد الأمر، و لا يكون إطلاق الأمر متكفلًا للكشف عنه بوجه أصلًا. فلا يصح قياس المقام بالأمر الاستحبابي و الوجوبي اللذان يرجعان إلى شدة و ضعف نفس الأمر و لو عرفاً، فهذان التقريبان أيضاً لا يمكن المساعدة عليهما.

و أمّا ما جاء في بعض الكلمات من أنّ الغيرية و التعيينية و العينية كالوجوب يثبت بحكم العقل أو العقلاء فهو كما ترى لا يرجع إلى محصَّل.

و الصحيح أن يقال‏: حيث انّ الأمر أو الارادة الغيرية على القول به ليست له محركيّة أصلًا- كما سيأتي في محله- و حيث انّ الأوامر الشرعية ظاهرة في التحريك المولوي نحو متعلقاتها فهذا الظهور يناسب الأمر النفسي لا الغيري؛

184

و لعلّ هذا مقصود السيد الشهيد (قدس سره) من التقريب الخامس. و نفس هذه النكتة هي السبب في حمل الأوامر الغيرية على الإرشاد إلى الشرطية و القيدية، فتدبر جيداً.

ص 117 قوله: (و هذا الكلام بهذا المقدار...).

المقصود انّ ظاهر كلام السيد الخوئي- كما في المحاضرات- انّه على جميع المباني لا ظهور في الأمر عقيب الحظر أو توهمه في ارادة الوجوب، و هذه العبارة معناه انّ الظهور التصديقي الكاشف عن المراد غير موجود، و من هنا أشكل عليه السيد الشهيد (قدس سره) بأنّ مجرد احتمال عدم إرادة الوجوب تصديقاً و عدم الظهور فيه لا يمنع عن التمسك بأصالة الحقيقة في المدلول الاستعمالي، و أصالة الجدّ في المدلول الجدّي؛ لعدم قصور في حجيتها إلّا في مورد يعلم بالمراد الجدّي، و مجرد عدم الظهور لا يعني العلم بعدم إرادة الوجوب جدّاً، و هذا واضح.

إلّا انّه من القريب أن يكون مقصود السيد الخوئي (قدس سره) من عدم الظهور عدم الظهور الاستعمالي لا الجدّي من قبيل موارد احتفاف الكلام بالقرينة على المجاز في مرحلة المدلول التصوري أو الاستعمالي و عدم تمامية مقدمات الحكمة.

ص 117 قوله: (و التحقيق: انّ الأمر...).

امّا على تقدير الوضع للوجوب فلأنّ نفس مقام توهم الحظر يصلح أن يكون قرينة معتمدة مؤثرة في عدم استقرار الظهور في ارادة المعنى الحقيقي، امّا على مستوى المدلول التصوري بناءً على ما تقدم منّا في نظرية المجاز من إمكان تصوير القرينة في هذه المرحلة أيضاً، و هذا معناه انّ مقتضى القرينة في انسباق‏

185

صورة المعنى المجازي أقوى أو مساوٍ لاقتضاء انسباق المعنى الحقيقي الوضعي من اللفظ. أو على مستوى المدلول التصديقي الاستعمالي، فلا يكون ظاهراً في ارادة الوجوب بل و لا الطلب.

إلّا انّ هذا المسلك بنفسه غير محتمل لما تقدم من عدم الاحساس بالعناية و المجازية في استعمال الصيغة في هذه الموارد، و ما تقدّم من انّ أصل الدلالة على الوجوب ليس وضعياً بل اطلاقي أو ما يشبهه أي بلحاظ المدلول التصديقي لا التصوري الاستعمالي للأمر.

و امّا على المسلك الآخر فبما هو مذكور في الكتاب.

ص 121 قوله: (الجهة السابعة...).

الفرق بين هذا البحث و بحث تعلّق الأوامر بالطبيعة أو الأفراد واضح؛ إذ البحث هنا عن كون مقتضى الأمر التعدد أو كفاية المرة بمعنى الدفعة أو الفرد بينما البحث هناك بعد الفراغ عن التعدد أو المرة في انّ ما هو متعلّق الأمر ذات الطبيعة أو انّ الخصائص الفردية أيضاً داخلة تحت الأمر، أي البحث هناك عن سريان الأمر إلى الفرد من الطبيعة و عدمها- سواءً كان اللازم فرد واحد أو تمام الأفراد- و لهذا يكون ذاك بحثاً ثبوتياً عن سريان وجوب الطبيعة سواء ثبت وجوبه بالدليل اللفظي أو اللبّي، بخلاف البحث هنا فإنّه بحث اثباتي دلالي عن مقدار الواجب.

و منه يعرف بطلان ما في الفصول من انّ البحث هنا فرع اختيار تعلّق الأمر بالأفراد في تلك المسألة.

كما انّ الثمرة لمسألتنا لزوم التكرار و عدمه في مقام الامتثال، بينما الثمرة

186

لتلك المسألة امتناع اجتماع الأمر و النهي و نحو ذلك من الثمرات.

نعم، البحث عن الانحلالية بمعنى الشمولية أو البدلية في المتعلّق يمكن أن يكون مربوطاً بمسألتنا، فإنّ القول بالمرة أو التكرار تارة يكون على أساس دعوى الدلالة اللفظية الوضعية على لزوم التكرار أو المرة، و اخرى على أساس الدلالة الاطلاقية، و مقتضى اجراء مقدمات الحكمة في المتعلّق كما صنعه السيد الشهيد، فما عن السيد الخوئي من انّ البحث عن المرة و التكرار أجنبي عن مسألة الانحلال في غير محلّه.

ثمّ انّ عدم انحلالية الطبيعة في متعلقات الأوامر قد تفسر بنكتة اثباتية من قبيل لزوم تكرار المتعلق و الواجبات و دوام الاتيان بها، و هو متعسر أو غير ذلك.

إلّا أنّ هذا لا يفي بتفسير الفرق بين الطبيعة الواقعة موضوعاً للأوامر و التي يكون الأمر بلحاظها انحلالياً كما في (أكرم العالم) و بين الطبيعة الواقعة متعلقاً للأمر.

من هنا تصدّى السيد الشهيد ببيان نكتة ثبوتية للانحلال العقلي الراجع إلى عالم التطبيق و انطباق الطبيعة بتحقق أفرادها بلحاظ الموضوع المأخوذ مفروغاً عنه و مقدّر الوجود، بخلاف المحمول و المتعلّق للأمر أو النهي كما هو مذكور في الكتاب.

و هناك انحلال آخر يرجع إلى تعدد الجعل و وحدته في انشاء المولى من خلال ما يدلّ عليه كأدوات العموم كما إذا قال: (أكرمه بكل اكرام) أو نكات نوعية كما في انحلالية النهي بلحاظ الأفراد الطولية في عمود الزمان، و هذا انحلال بملاك اثباتي يرجع إلى لحاظ المولى للكثرة و التعدد و الانحلال في جعله.

187

و قد يناقش في ذلك تارة: بأنّ لازم ما ذكر من النكتة الثبوتية العقلية عدم امكان الانحلالية في المتعلقات حتى مع القرينة؛ لأنّه خلف لحاظها بما هي مفاهيم يراد ايجادها أو الإخبار عن وجودها في الخارج، فكيف يعقل فيها الانحلال و التكثّر ثبوتاً.

و اخرى‏: بالنقض بمثل‏ «أحلّ اللَّهُ البَيع»، أو قولنا: (البيع جائز) فإنّه لا إشكال في انحلالية الجواز و الحلية بلحاظ كل بيع، بخلاف جملة (البيع واجب) و هكذا (اكرام العالم جائز) و (اكرام العالم واجب) فإنّ الأوّل انحلالي بخلاف الثاني مع انّ مقام الترخيص و جعل الحلية كجعل الوجوب لا بد و أن يلحظ المتعلق فيه كمفهوم غير مفروض الوجود، و إلّا كان جعل الحكم له لغواً و تحصيلًا للحاصل.

و الجواب‏: امّا عن الأوّل‏: فبما في الكتب بعنوان (ثالثاً) فإنّ الممتنع تحقق الانحلال العقلي بلحاظ مرحلة انطباق الطبيعة على وجودها الخارجي لا الانحلال في مقام الجعل و تعدد الحكم، فإنّه يمكن من خلال ملاحظة الأفراد المتعددة من الطبيعة مفهوماً و الأمر بايجادها، فإنّ هذا ليس بممتنع و لكنه بحاجة إلى لحاظ الأفراد المتكثرة للطبيعة و وجود ما يدلّ عليه كأدوات العموم و نحوها.

و منه يعرف انّه بلحاظ انحلال الموضوعات يوجد انحلالان بحسب الحقيقة:

أحدهما: عقلي لا يحتاج إلى أكثر من لحاظ الطبيعة بنحو مفروغاً عن وجودها و مقدر الوجود. و الآخر: عرفي فيما إذا لوحظت أفراد الطبيعة متكثرة.

و أمّا عن الثاني‏: فبأنّ الجواز أيضاً مضاف إلى الطبيعة بنحو صرف الوجود، إلّا أنّ جواز الطبيعة بنحو صرف الوجود يستلزم جواز كل فرد من أفراده العرضية عقلًا، و بالنسبة لأفرادها الطولية توجد نكتة اثباتية نظير ما في انحلال النهي إلى‏

188

نواهي بلحاظ أفراد الطبيعة الطولية.

ثمّ انّه كان ينبغي التعرّض للأصل العملي أيضاً عند الشك و إن كان من الواضح جريان البراءة عن الأكثر من المرة لكونه من الشك في التكليف الزائد الاستقلالي- إذا كان بنحو الانحلال و الشمولية- أو الارتباطي- إذا كان بنحو المجموعية بأن كان مجموع الأفراد المتكررة تكليفاً واحداً-.

نعم، لو اريد من المرّة شرطية المرّة بنحو بشرط لا عن التكرار و علم بأنّ الواجب امّا كذلك أي الطبيعة المقيدة بالمرّة أو الطبيعة المقيدة بالتكرار كان من العلم الاجمالي الدائر بين محذورين بلحاظ هذا القيد، و حيث لا يمكن الموافقة القطعية و لكن يمكن المخالفة القطعية بأن لا يأتي بالواجب أصلًا اقتصر على المخالفة الاحتمالية دون القطعية.

ثمّ إنّه إذا كان الواجب المردد ضمنياً كالتسبيحات في الأخيرتين من الصلاة وجب الاحتياط بتكرار العمل (المركّب) مرتين، و هذا كلّه واضح.

ص 127 قوله: (و هل يمكن تبديل الامتثال من فرد بفرد آخر...).

لا بدّ من البحث في مسألتين:

إحداهما- انّه هل يمكن جعل الفرد الثاني مع الفرد الأوّل امتثالًا فيما إذا كان الواجب هو الطبيعة بنحو صرف الوجود- كما في الفردين العرضيين- أي الامتثال عقيب الامتثال أم لا يمكن.

الثانية- انّه إذا فرض عدم امكان ذلك أو فرض أخذ قيد الوحدة مثلًا في المأمور به بأن كان المطلوب فرداً واحداً لا أكثر اتجه البحث عن امكان تبديل الامتثال بالامتثال حينئذٍ.

189

أمّا المسألة الاولى: فظاهر كلمات المحققين و منهم السيد الاستاذ (قدس سره) عدم امكانه لسقوط الوجوب بالفرد الأوّل، فعلية أو فاعلية، فلا يمكن أن يتصف الفرد الثاني الطولي في عمود الزمان بصفة الوجوب و الامتثال، و هذا بخلاف الفردين العرضيين في الزمان.

إلّا انّ هذا الاستدلال لا يمكن المساعدة عليه، لأنّ سقوط الوجوب إن كان بمعنى عدم الالزام و المحركية و الرفع للمكلف نحو تحقيق فرد آخر فهو مسلم إلّا انّه لا يلازم سقوطه بمعنى عدم دخول الفرد الآخر لو أراد أن يحققه المكلّف مع الفرد الأوّل تحت العنوان المأمور به إذا كان عنواناً صالحاً للانطباق عليهما معاً كما إذا كان المأمور به الطبيعي المتحقق ضمن القليل و الكثير، نظير ما إذا أمره برسم طبيعي خط أعم من قصير أو طويل فإنّه إذا رسم الخط و قبل أن ينهيه يمكنه أن يقف على المسافة القصيرة أو يمده إلى المسافة الطويلة فيكون كلّه امتثالًا رغم انّ الزيادة لم يكن ملزماً بها و واجبة عليه بحيث كان يمكنه رفع اليد عنها، و كذا إذا أمره بالماء الأعم من القليل و الكثير، و مجرد كون الفرد المتحقق واحداً من حيث حدّه و أمده في هذين المثالين بخلاف الفرد و الفردين في المقام لا يمكن أن يكون مفرقاً بعد فرض أنّ الميزان و المعيار امكان انطباق العنوان المأخوذ في المأمور به خارجاً، و المفروض انطباقه إذا كان المأخوذ هو الطبيعي بنحو صرف الوجود بلا أخذ قيد الوحدة المصداقية و الفردية فيه، فكما ينطبق الجامع المذكور على الفردين العرضيين معاً بلحاظ وجود الطبيعي بهما معاً كذلك الحال في الفردين الطوليين في زمان معيّن كالطبيعي بين الحدين الزمانيين.

فالحاصل المعيار في المسألة الاولى إمكان انطباق العنوان المأمور به لا سقوط الأمر أو محركيته.

190

و دعوى: لزوم وجود الأمر لكي ينطبق و المفروض سقوطه بالفرد الأوّل.

مدفوعة: بأنّ سقوطه فرع أن لا ينطبق المأمور به على المجموع، و إلّا كان يسقط به لا بالأوّل فقط.

و دعوى: انّ أخذ الطبيعي بنحو صرف الوجود يوجب انطباقه على أوّل الوجود فقط دون الوجود الثاني حتى مع ضمّه إلى الأوّل.

مدفوعة: بأنّه ليس كذلك؛ إذ لا اشكال في امكان لحاظ الطبيعة بين الحدّين بنحو صرف الوجود بحيث ينطبق على الأفراد المتعددة المتحققة فيهما انطباقاً واحداً كما كان ينطبق على الفرد الواحد لو كان موجوداً وحده بين الحدين.

و يشهد على صحة ما نقول قياس المقام بمورد الارادة التكوينية فيما إذا كان مراد الإنسان و مطلوبه التكويني في الأعم من فرد واحد أو أكثر في عمود الزمان بحيث يكون نسبتهما إلى طلبه و ارادته على حدّ واحد و انكار امكان هذا مكابرة واضحة، فإذا صحّ ذلك في المراد التكويني صحّ في التشريعي أيضاً.

و على هذا الأساس لا يصحّ ما جاء في كلمات المحققين من عدم إمكان الامتثال عقيب الامتثال إذا اريد منه جعل المجموع امتثالًا واحداً. نعم لو اريد جعل كل من الفردين الطوليين امتثالًا مستقلّاً فهو ممتنع لتوقفه على تعدد الأمر و هو خلف.

كما يظهر امكان التخيير بين الأقل و الأكثر بلا رجوعهما إلى المتباينين إذا اريد به التخيير العقلي؛ و ذلك بأخذ عنوان في المأمور به ينطبق على مجموع الفردين حين انضمام الفرد الثاني و لا ينطبق على الفرد الأوّل إلّا حين الانفراد، بل‏

191

و يمكن التخيير الشرعي أيضاً إذا كان الأقل ضمن الأكثر جزء العلّة لتحقق غرض المولى إذ أي مانع من التخيير الشرعي حينئذٍ.

نعم، هذا ملاكاً راجع إلى التخيير العقلي، و لكنه بحسب الخطاب تخيير شرعي، و لا محذور فيه. و ما يقال من انّ لازمه تعلّق الأمر الضمني الزائد بأحد النقيضين و هو لغو. جوابه انّه يكفي لدفع لغوية جعله امكان جعل المجموع امتثالًا لكون الغرض متحققاً به لا بالأقل ضمن الأكثر، و هذا واضح.

هذا، و لكن التحقيق انّ هذا و إن كان ممكناً ثبوتاً، إلّا انّه خلاف ظاهر الأمر اثباتاً، بحيث يحتاج إلى قرينة و دال عليه؛ لأنّ ظاهر الأمر كما تقدم ملاحظة متعلقه بنحو صرف الوجود في مقام ايجاب ايجاد الطبيعة في الخارج، و ايجاد الطبيعة بنحو صرف الوجود يتحقق بالوجود الأوّل- و لو كان ضمن فردين- لا الوجودين الطوليين في عمود الزمان، فلا يكون الايجاد للفرد الثاني الطولي ايجاداً للطبيعة بنحو صرف الوجود؛ لأنّها موجودة بحسب الفرض بالوجود الأوّل، إلّا إذا اضيف الايجاد إلى مجموع الوجودين أو الوجودات الطولية بين الحدّين، و هذا غير ذات الطبيعة الملحوظة بنحو صرف الوجود في متعلّق الأمر، فيكون بحاجة إلى دالّ عليه كما إذا صرّح بذلك و انّ المأمور به عنوان عام ينطبق على الفرد و الأفراد الطولية على حدّ واحد، و لا بد من فرض أنّ ذلك العنوان بتحققه ثانياً يهدم مصداقية الفرد الأوّل لوحده لذلك العنوان.

و لعلّ هذا يجعله الشهيد الصدر (قدس سره) من هدم الامتثال، إلّا أنّه لا مشاحّة في الاصطلاح، و المقصود امكان تحقق الامتثال بفردين طوليين كالعرضيين.

192

و امّا المسألة الثانية: فبلحاظ الأمر لا يعقل تبديل الامتثال لسقوط شخص الأمر كما ذكره السيد الشهيد، و المعيار فيه ملاحظة الأمر لا الغرض و لكن بلحاظ روح الأمر و الغرض المولي منه لو فرض احرازه و احراز انّه لا يترتب على امتثال الأمر ترتب المعلول على علته و انّه يبقى مجال لاتيان فرد آخر يتحقق به غرض المولى من أمره، فلا مانع من الالتزام بامكان تبديل الامتثال رغم أنّ تحقيق الغرض خارج عن عهدة العبد و تسميته بالامتثال ليس بلحاظ الأمر لسقوطه بل بلحاظ الغرض و روح الأمر، نظير الامتثال بفعل يحقق الغرض و لكنه ليس مأموراً به لسبب من الأسباب، فكما يعقل تحقق الامتثال بلحاظ روح الحكم و غرضه بما ليس مأموراً به كذلك يمكن تبديل الامتثال بلحاظ روح الحكم لو فرض احراز انّ الغرض من وراء الأمر سنخ غرض لا يتحقق فوراً، و بمجرّد امتثال الأمر- رغم تحقق امتثال الأمر و ارتفاع عهدة المكلّف تجاه المولى بذلك و سقوط أمره- و لكن الغرض يحتاج إلى ضمّ أمر آخر إليه، فما دام لم ينضم ذلك الأمر يمكن تبديل الامتثال بتقديم فرد آخر ينضم إليه ذاك الأمر.

نعم، في مثل هذه الموارد المولى سوف يجعل أمره امّا على عنوان جامع قابل للانطباق على مجموع الفردين- إذا كانا معاً محققين للغرض و قد سمّيناه بالامتثال عقيب الامتثال- أو على عنوان ينطبق على الفرد الأخير الذي ليس بعده فرد- إذا كان أحدهما فقط يحقق الغرض و قد سمّاه السيد الشهيد (قدس سره) بهدم الامتثال الأوّل و رفع شرطه المتأخر و الذي يكون معقولًا في الواجب لرجوعه إلى التحصيص بالحصة الخاصة- و يمكن جعل الأمر على الفرد الواحد مع تقييده بما يختاره و يعيّنه المكلّف للامتثال- و هو أيضاً من هدم الامتثال- و هذا هو مقصود السيد الشهيد من الاشكال على صاحب الكفاية (قدس سره).

193

و الواقع أنّه بالدقة كما لا يعقل تبديل الامتثال بالامتثال لا يعقل هدم الامتثال بالامتثال، و إنّما المعقول المنع عن تحقق الامتثال بالفرد الأوّل؛ لاشتراط قيد و شرط متأخر فيه، فيتحقق بالفرد الثاني، فلم يتحقق امتثال بالفرد الأوّل بعد ليصدق بالدقة التبديل أو الهدم للامتثال، بل هو مراعى على تحقق شرطه المتأخر، فإذا لم يتحقق انكشف عدم كونه امتثالًا من أوّل الأمر، و يتحقق الامتثال بالفرد الثاني و إن كان لو لا تحققه لكان الفرد الأوّل امتثالًا لتحقق شرطه المتأخر بذلك. إلّا أنّ الظاهر انّ مقصود القائل بتبديل الامتثال هذا المعنى و إن كان في العنوان مسامحة كما هو كذلك في عنوان هدم الامتثال.

و يتلخّص من مجموع المسألتين انّ الامتثال بعد الامتثال بأنّ يكون مجموع الفردين أو الأفراد الطولية امتثالًا معقول ثبوتاً، و ذلك فيما إذا كان الفرد الأوّل ضمن الفردين أو الأفراد غير محقق لعنوان الواجب، و إنّما يتحقق بالمجموع و إن كان محققاً له إذا كان وحده فيعقل الأمر بذلك العنوان، و يكون من التخيير العقلي بين الفردين الأقل أي الفرد الواحد بشرط لا عن الزيادة أو الأكثر كما يعقل التخيير الشرعي بينهما بلا محذور اللغوية كما تقدم شرحه.

و أمّا تبديل الامتثال بفرد آخر أو هدمه و جعل الفرد الثاني وحده امتثالًا فهذا لا يعقل إلّا بمعنى الكشف عن بطلان الفرد الأوّل بانتفاء قيده و شرطه المتأخر و تحقق الامتثال بالفرد الثاني، و إن كان لو لا الفرد الثاني لكان الفرد الأوّل صحيحاً و امتثالًا، و هذا لا فرق فيه بين الامتثال بلحاظ عالم الأمر و الخطاب الشرعي أو عالم الغرض و الملاك، فإنّ الملاك و الغرض أيضاً مقيّد بأن لا يلحقه فرد آخر يكون به تحقق الملاك و الغرض المولوي، و هذا كلّه واضح.

194

ص 132

(ملاحظة: الظاهر أنّ الجهة الثامنة من البحث ساقطة في هذا الموضع‏، و هو البحث عن دلالة الأمر على الفور أو التراخي‏. فنستدركه هنا و نقول):

الجهة الثامنة: في دلالة الأمر على الفور أو التراخي أو عدم دلالته على شي‏ء منهما، و البحث حول ذلك يقع في امور:

الأمر الأوّل‏: في صور الفور و التراخي، فإنّه ثبوتاً يمكن أن يقيّد المأمور به بالفور أو التراخي أو يطلق من ناحيتهما، كما أنّه على الفور يمكن أن يكون على نحو وحدة المطلوب، بحيث يسقط التكليف نهائياً إذا لم يأت به فوراً، و يمكن أن يكون على نحو تعدّد المطلوب امّا برجوعه إلى وجوبين أحدهما متعلّق بذات الفعل، و الآخر بالاتيان به فوراً أو فوراً ففوراً أو رجوعه إلى واجبات عديدة بعدد آنات امكان وقوع الفعل فيها، و يكون كل واجب متأخر منها مشروطاً بترك المتقدّم، فالوجوب ينحلّ إلى وجوبات عديدة بعدد الأفراد الطولية، إلّا أنّ لازم هذا أنّه لو تركها جميعاً يكون عاصياً لأوامر عديدة.

الأمر الثاني‏: فيما تقتضيه صيغة الأمر، و لا ينبغي الاشكال في عدم اقتضائها الفور بالخصوص و لا التراخي بالخصوص؛ لأنّها لا تدلّ إلّا على الوجوب بالمعنى الحرفي، و هي النسبة الإرسالية، و متعلّقها أيضاً لا يدلّ إلّا على الطبيعة الجامعة بين الأفراد الطولية و العرضية و شي‏ء منهما لا يقتضيان الفورية أو التراخي بالخصوص، و لهذا لا نشعر بعناية و لا مجازية فيما إذا صرّح بعدم فوريّة الأمر أو فوريته.

195

و هذا معناه عدم أخذ الفورية و لا التأخير و التراخي قيداً في الأمر، إلّا أنّ نتيجة الإطلاق من ناحية كلا القيدين جواز التراخي و كون الواجب موسّعاً.

و لو فرض إجمال الأمر و عدم الإطلاق فيه كان المرجع الأصل العملي، و هو أصالة البراءة المقتضية نفي وجوب كل من القيدين، فيثبت جواز التراخي أيضاً.

و قد يقرّب دلالة الأمر على الفور بأنّ الارسال و البعث التشريعي موازٍ عرفاً و ارتكازاً للانبعاث التكويني، فكما يكون التحرّك و الانبعاث التكويني في الإرادة التكوينية فورية فكذلك يناسب أن يكون البعث و الارسال التشريعي الذي هو مدلول الأمر كذلك، فتتشكل دلالة التزامية أو اطلاقية عرفية بملاك التطابق بين الارادة التكوينية و التشريعية تقتضي الفورية.

و فيه‏: أنّ التحرّك التكويني في الإرادة التكوينية ليست من باب الفورية و بملاكها، بل من باب خارجية الحركة و جزئيّتها، و هذا غير موجود في التحريك التشريعي و الأمر؛ لأنّه متعلّق بحسب الفرض بمدلول المادة الدالّة على طبيعي الفعل في عمود الزمان، و هذا واضح.

الأمر الثالث‏: في استفادة الفور بدليل آخر، حيث ادّعي استفادة ذلك في الأوامر الشرعية من آية الأمر بالمسارعة إلى المغفرة و استباق الخيرات أو المغفرة (1)؛ لصدق المغفرة و الخير على الأوامر الشرعية قطعاً، و ظهور

____________

(1) () قال تعالى: «وَ سَارِعُوا إِلَى‏ مَغْفِرَةٍ مِن رَبِّكُمْ»، آل عمران: 133.

و قوله تعالى: «فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ»، البقرة: 148، المائدة: 48.

و قوله تعالى: «سابِقُوا إِلَى‏ مَغْفِرَةٍ مِن رَبِّكُمْ...»، الحديد: 21

196

المسارعة و الاستباق في الفورية، فتكون هذه دلالة عامة على فورية الأوامر الشرعية إلّا ما خرج منها بالدليل.

و اجيب على هذا الاستدلال بوجوه‏:

1- انّها من قبيل الأوامر بالاطاعة لا بد و أن تحمل على الإرشاد إلى حكم العقل بحسن المسارعة إلى المغفرة و الخيرات، كما نحمل الأمر بالاطاعة على الإرشاد إلى حكم العقل بحسن الاطاعة أو وجوبها.

و فيه‏: أوّلًا- لا يحكم العقل بحسن المسارعة و الفورية إذا كان أمر المولى و رغبته إلى الأفراد الطولية على حدّ سواء.

و ثانياً- لو فرض ذلك فلا وجه لحمل الأمر الشرعي بذلك على الارشادية؛ إذ لو كان منشأه مجرّد تحسين العقل ذلك فهذا لا يوجبه، فإنّه ما أكثر ما يحسّنه العقل و يأمر به الشرع مولوياً خصوصاً و انّ هذا التحسين العقلي ليس على نحو اللزوم عقلًا، فيعقل الأمر الوجوبي به شرعاً، و إن كان منشأه ما يقال في مثل الأمر بالاطاعة من لزوم ارشاديته و إلّا لزم التسلسل أو اللغوية و تحصيل الحاصل. فمن الواضح أنّ هذا غير موجود هنا؛ لأنّ هذا المحذور لا يلزم في المقام؛ لأنّ هذا حُسن آخر في عنوان المسارعة، غير أصل الاطاعة للمولى كما لا يخفى.

2- انّها محمولة على الاستحباب، و إلّا يلزم تخصيص تمام المستحبات و أكثر الواجبات منها، و هو تخصيص الأكثر المستهجن، و قد وافق على ذلك السيد الخوئي (قدس سره)(1).

____________

(1) () محاضرات في اصول الفقه 2: 216 (ط- النجف الأشرف)

197

و فيه‏: انّه لا يتمّ على مبناه في كون دلالة الأمر على الوجوب بحكم العقل حينما لا يرد ترخيص في الترك؛ لأنّه بناءً على ذلك لا يلزم تغيير أو تخصيص في دليل الأمر بالمسارعة أصلًا؛ إذ الحكم المحمول عليها ليس إلّا أصل الطلب الجامع بين الاستحباب و الوجوب، و هو محفوظ حتى في المستحبات.

3- ما ذكره المحقّق العراقي في مقالاته‏ (1) من أنّ ظاهر الأمر بالمسارعة إلى الخير و المغفرة كون المادة التي تتعلّق بها قابلة للاسراع فيها و التراخي عنها، فيؤمر بالمسارعة فيها و عدم تأجيلها، و هذا لا يكون إلّا مع استحباب الفورية، و أمّا إذا كان الواجب فوريّاً سقط الخير عن الخيرية على تقدير التأجيل.

و فيه‏: أنّ هذا إنّما يلزم إذا قيل بالوجوب الشرطي للفورية، أي بنحو المطلوب المقيّد، بحيث يسقط أصل الواجب بالتأجيل، و هذا لا موجب له، فإنّه يمكن أن يكون بنحو تعدد المطلوب أو المطلوبات العديدة كما تقدّم في الأمر الأوّل.

نعم، لو كان النظر إلى تمام الواجبات و الأوامر حتى الأمر بالمسارعة لزم ذلك في خصوص الأمر بالمسارعة، إلّا أنّ هذا الخطاب لا يكون ناظراً إلى نفسه بل إلى سائر الأوامر و لو بلحاظ هذه النكتة، فهي توجب سقوط اطلاقها لنفسها فقط لا أكثر، بل سيأتي عدم سقوط هذا الإطلاق أيضاً.

4- انّ الآيتين ليستا ناظرتين إلى مسألة الفورية و التراخي أصلًا، بل آية الأمر بالاستباق ناظر إلى تشويق الناس و ترغيبهم إلى التسابق و التنافس، نظير قوله‏

____________

(1) () المقالات: 258

198

تعالى: «وَفِي ذلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ‏» (1)، و من الواضح انّ هذا الاستباق و التنافس استحبابي لا وجوبي؛ لأنّه لا يمكن فيه سبقة الجميع، بل لا محالة يسبق بعض و يتأخر الآخرون، بل كون الاستباق ملحوظاً بالنظر إلى الآخرين لا اتيان الواجب في نفسه قرينة أيضاً على ارادة التشويق و الترغيب لا ايجاب الفورية في الأعمال في نفسها، سواء كان آخرون في البين أم لم يكونوا.

و كذلك الأمر بالمسارعة إلى المغفرة من اللَّه تعالى و التي يشتاق إليها كلّ انسان بطبعه.

هذا، مضافاً إلى أنّ المغفرة إنّما تكون بالتوبة عن الذنوب و المعاصي المرتكبة، و هي واجبة فوراً ففوراً عقلًا، و الأمر الشرعي بها لا يناسب إلّا أن يكون إرشاداً إلى ذاك الحكم العقلي لا ايجاب شرعي مولوي آخر ليلزم من ترك الفورية تراكم ذنوب و معاصي اخرى على العبد، فإنّ هذا لا يناسب سياق امتنانية الآية و الدعوة إلى غفران اللَّه سبحانه و تعالى.

الأمر الرابع‏: بناءً على وجوب الفورية فهل يسقط الواجب رأساً بترك الفورية أو يبقى ذات الفعل واجباً موسعاً، أو يجب الاتيان به فوراً ففوراً؟ وجوه ثلاثة، كل منها معقول ثبوتاً و محتمل في نفسه كما ذكرنا تصوير ذلك في الأمر الأوّل.

و أمّا اثباتاً فإذا قلنا بالفورية على أساس استفادة تقييد المادة و لو باقتضاء الأمر بها تقييدها بالحصة الفورية، فالظاهر عندئذٍ الاحتمال الأوّل؛ لأنّ كل أمر ظاهر في انّه وجوب واحد متعلّق بمتعلّقه، فإذا كان المتعلّق مقيداً بالحصة الفورية سقط الوجوب لا محالة بانتفاء القيد و فواته.

____________

(1) () المطفّفين: 26

199

و إذا قلنا باستفادة الفورية بالدلالة الالتزامية أو الاطلاقية العرفية على أساس المناسبة بين الارادتين التشريعية و التكوينية فلعلّ هذه الدلالة العرفية على القول بها تكون على نحو الاحتمال الثالث، أي الاتيان بالمأمور به فوراً كلما كان أصل الأمر باقياً، و حيث انّ الأمر بالجامع يقتضي بقائه فيكون نتيجة الجمع بين الدلالتين هو الاحتمال الثالث، أي الاتيان به فوراً ففوراً.

و أمّا إذا قلنا باستفادة الفورية من آية الأمر بالاستباق و المسارعة فأيضاً لا وجه للقول بسقوط الأمر بأصل الفعل بترك الفورية؛ لأنّ تلك الآيات لا تدلّ على الوجوب الشرطي للمسارعة و الفورية- كما ذكرنا آنفاً- بل هو واجب آخر، فيكون الواجب الأوّل باقياً بمقتضى إطلاق المادة فيه.

أمّا هل تجب الفورية بقاءً أيضاً و الذي يعني انّ الواجب لا بد من الاتيان به فوراً ففوراً أو يصبح واجباً موسّعاً؟ ظاهر المحقّق العراقي (قدس سره) في أحد تقريري بحثه‏ (1) الثاني، و في الآخر الأوّل‏ (2).

و حاصل ما ذكره في التقرير الأوّل: انّ الأمر بالواجب لا يقتضي إلّا كون الواجب موسّعاً، و عنوان المسارعة امّا يفرض انها لا تصدق إلّا على الفرد الأوّل من الفورية أو يفرض انّها تصدق على مصاديق طولية عديدة لاتيان الواجب في عمود الزمان ما عدا الفرد الأخير، فإن فرضنا الأوّل كانت النتيجة سقوط هذا الواجب و بقاء الواجب الموسّع على سعته، و إن فرضنا الثاني كانت النتيجة عدم وجوب الفور من أوّل الأمر؛ إذ المسارعة المأمور بها بالأمر الثاني ليست‏

____________

(1) () بدائع الأفكار 1: 253 (ط- النجف الأشرف)

(2) () نهاية الأفكار 1- 2: 219 (ط- جامعة المدرسين)

200

منحصرة في الفرد الأوّل منها، و الأمر بها أمر بجامع المسارعة و هذا خلف، فلا بد و أن تكون المسارعة ملحوظة بالنحو الأوّل المنحصر في الاتيان بالواجب ضمن الفرد الأوّل من عمود الزمان، و قد فاته بترك الفورية، فلا يبقى إلّا الأمر بأصل الواجب الموسّع.

و يرد عليه‏:

أوّلًا- انّ الأمر بالمسارعة على التقدير الثاني ينحل إلى أوامر عديدة بعدد الأفراد الطولية للمسارعة في الاتيان بالواجب في آنات الزمان؛ إذ يكون بلحاظ كل واحد منها خير جديد فتجب المسارعة إليه، و هذا نظير الانحلال المدّعى في بحث حجّية خبر الواحد بالنسبة للأخبار مع الواسطة في القضايا الحقيقية.

و ثانياً- انّ عنوان المسارعة انطباقها على الفرد الثاني الطولي إنّما يكون في طول عدم الاتيان بالفرد الأسبق منه و فواته من المكلّف، و ليست هذه الأفراد الطولية في عرض واحد مسارعة واحدة لكي يقال انّ مقتضى الإطلاق في متعلّق الأمر بالمسارعة البدلية فيها و الاكتفاء بواحدٍ منها، بل مثل هذا المفهوم ينتزع طولياً في كلّ فرد متأخر عند فوات الفرد المتقدّم، و هذه الخصوصية تجعل الأمر به أيضاً منحلا إلى أوامر طولية، و هو معنى استفادة الأمر بالمسارعة فوراً ففوراً. و إن شئت قلت‏: انّ كلّ فرد من الواجب الموسّع في عمود الزمان خير مستقل بنفسه، فيشمله الأمر بالمسارعة إليه، فما دام لم يسقط الواجب بامتثال فردٍ من تلك الأفراد الطولية يكون كل فرد من تلك الأفراد في عمود الزمان خيراً مشمولًا لإطلاق الأمر بالمسارعة، و هذا مساوق مع الوجوب فوراً ففوراً.

201

الاجزاء

ص 135 قوله: (الفصل الثالث- في الاجزاء...).

البحث عن الاجزاء لا بد و أن يحرّر على أنّه بحث عن دلالات الأمر الاضطراري و الظاهري و أنّه هل يقتضي الاجزاء عن الأمر الاختياري أو الواقعي عند امتثالهما أم لا يقتضي ذلك، و بذلك يتضح وجه ذكر بحث الاجزاء ضمن مبحث الأوامر من مسائل علم الاصول، و على هذا الأساس يكون موضوع المسألة و محلّ النزاع فيه ما إذا كان الأمر الاضطراري أو الظاهري فعلياً و شاملًا للمكلّف حين اتيانه بالعمل الاضطراري أو الظاهري لكي يعقل البحث عن اجزائهما ففرض عدم إطلاق الأمر الاضطراري و اختصاصه بالمستوعب عذره لتمام الوقت- في الاجزاء بلحاظ الاعادة لا القضاء- و كذلك فرض العلم الوجداني غير المطابق للواقع أو موارد جريان الأصل العقلي دون الشرعي- كالبراءة العقلية على القول بها- ثم انكشاف الخلاف كلّها خارجة عن بحث الاجزاء موضوعاً.

و قد يحرّر بحث الاجزاء بنحو آخر أوسع و هو اجزاء الفعل المأتي به بعنوان الوظيفة العملية في مقام الخروج عن عهدة التكليف الواقعي و الاختياري فيعم اجزاء الفعل المأتي به بالقطع بكونه مطابقاً للواقع أيضاً أو بقاعدة قبح العقاب بلا بيان، و كذلك موارد توهم الأمر الاضطراري، كمن يتصور استمرار عذره إلى آخر الوقت ثمّ ينكشف ارتفاعه في الأثناء، أو حتى من أوّل الأمر فتدخل كل‏

202

تلك الفروض في مبحث الاجزاء فيبحث عن الاجزاء و عدمه تارة في فرض إطلاق دليل الأمر الاختياري و الواقعي، و اخرى في فرض عدم اطلاقه و ما يقتضيه الأصل العملي.

إلّا أنّ هذا البحث لعلّه واضح الحكم، فإنّه مع فرض الإطلاق للأمر الواقعي و الاختياري كما هو المفروض و عدم فعلية أمر ظاهري و لا اضطراري من الواضح و البديهي عدم الاجزاء و عدم موجب له. كما انّه مع فرض عدم إطلاق للأمر الاختياري في حق من صدر منه فعل اضطراري و لو لم يكن مأموراً به، و كذلك عدم إطلاق الأمر الواقعي- و إن كان هذا مستلزماً للتصويب الباطل- من الواضح جريان الأصل العملي المؤمن فيه عن الأمر الواقعي أو الاختياري المشكوك بحيث لا يستحق البحث.

كما انّ الأنسب جعل أصل البحث عن اقتضاءات إطلاق الأمر الاضطراري و كذلك الظاهري من حيث الاجزاء و عدمه، فإنّه المناسب مع مبحث الأوامر، كما انّ نكات الاجزاء الثبوتية تكمن في دلالات الأمر الشرعي و اقتضاءاته، فمن مجموع ما ذكر أرى انّ الأجدر تحرير البحث بالنحو الأوّل و إن كان بالنحو الثاني البحث أوسع.

ثمّ إنّ إطلاق الأمر الاضطراري أو الظاهري في نفسه لا ينافي إطلاق الأمر الاختياري بعد رفع الاضطرار أو الواقعي مع الظاهري فيجتمعان بلا محذور، و هذا واضح.

و القول بالاجزاء مبتنٍ امّا على افتراض عدم اطلاقهما- أي الأمر الاختياري أو الواقعي- في حق من صدر منه الفعل الاضطراري أو الظاهري، أو اثبات‏

203

التنافي بين فعليتهما و فعلية الأمر الاضطراري أو الظاهري بحيث لا بد من تقييد اطلاقهما أو التعارض و التساقط و الرجوع إلى الأصل المقتضي للاجزاء فمنهج البحث انّ الأمر الاضطراري أو الظاهري في نفسه لا يقتضي الاجزاء و لا يستلزمه ما لم يضمّ إليه عناية و ضميمة برهان و استلزام عقلي أو استظهاري أو شرعي يقتضي التنافي بين الأمرين و الاطلاقين، أو يفترض قصور إطلاق الأمر الاختياري أو الواقعي في حق من صدر منه الامتثال بالفعل الاضطراري أو الوظيفة الظاهرية.

كما أنّ بحث الاجزاء لا يتوقف على افتراض وجود امرين استقلالين بمركبين أحدهما الفعل الاختياري و الآخر الفعل الاضطراري أو الظاهري، بل يعم ما إذا كان هناك اطلاقان أحدهما في دليل القيد المتعذر و الآخر في دليل بدله أو ما يدلّ على جواز تركه و كذلك في القيد المشكوك، بحيث تكون النتيجة تعلّق أمر واحد استقلالي بالجامع بينهما، فبعض الاشكالات و التعبيرات في جملة من التقريرات اشكالات لفظية لا دخل لها بأصل المطلب و روحه، فراجع و تأمل.

ص 141 قوله: (ينكشف انّه لا أمر اضطراري واقعاً ليبحث عن اجزائه...).

و لكن يمكن البحث عن اجزاء الفعل الاضطراري فيه على مستوى الأصل العملي لو فرض عدم الإطلاق في دليل الأمر الاختياري أيضاً، فلا ينبغي اخراج هذا الفرض نهائياً عن بحث الاجزاء.

إلّا أنّ هذا ليس مقصود الكتاب أيضاً، بل مقصوده عدم مقتضي البحث عندئذٍ عن الاجزاء بلحاظ الأصل اللفظي، امّا بحث الاجزاء بلحاظ الأصل العملي فهو مطلق متّجه على كلا فرضي إطلاق الأمر الاضطراري و عدمه كما سوف يأتي.

204

ص 143 قوله: (و ثانياً- انّه من الجائز ثبوتاً...).

ما ذكرناه في الهامش لا غبار عليه إذا فرضنا وحدة الغرض من الفريضة و ارتباطية مراتبه حيث لا يصحّ عندئذٍ الأمر بالجامع، لأنّ لازمه صحة الاتيان به ضمن الفرد الاضطراري وحده بدون الاختياري اختياراً لوفائه بغرض لزومي سواءً جاء بالاختياري بعده أم لا. و هذا قد يقال انّه غير محتمل فقهياً و إثباتاً.

و إن شئت قلت: على تقدير لزوم الاتيان بالاختياري آخر الوقت يعلم بأنّ الفعل الاضطراري في أوّل الوقت لا يكون وحده صحيحاً و مأموراً به و محققاً لجزء من الفريضة، فإنّ هذا غير محتمل اثباتاً لمكان الارتباطية و وحدة الفريضة، بل امّا ليس فيه ملاك أصلًا أو إذا كان فيه ملاك فهو في فرض فعل الاختياري آخر الوقت معه، و هذا يعني انّ الأمر بالجامع تخييري بين الفردين بنحو الأقل و الأكثر و هو محال.

هذا مضافاً إلى ما في ذيل الهامش من مخالفته لظاهر الأمر الاضطراري فإنّه و إن لم يكن تعينياً في قبال الاختياري آخر الوقت إلّا انّه على هذا التصوير يلزم أن يكون أمره مستقلّاً عن الأمر بالحصة الاختيارية لأنّ الأمر بالجامع مستقل عن الأمر بالحصة و ليس بدلًا عنه فلا يعقل الأمر التخييري به و بالحصة بنحو يكون عدلًا و طرفاً لها لا أمراً آخر مستقلّاً إلّا بنحو التخيير بين المتباينين و هو يقتضي الاجزاء أو التخيير بين الأقل و الأكثر و هو ممتنع بحسب هذا المنهج.

ص 143 قوله: (الثاني- انّ غاية...).

لأنّ النسبة بين أدلّة الأمر الاختياري و الاضطراري عموم من وجه؛ لعدم شمول دليل الاختياري للعذر المستوعب امّا لفظاً كما في مثل الأمر بالطهور

205

المائي لواجد الماء و غير المريض، أو لبّاً لأخذ قيد القدرة في كل خطاب عقلًا بمثابة القرينة و القيد المتّصل، و عدم شمول الاضطراري للمختار في تمام الوقت، فالاشكال بأنّ دليل الأمر الاضطراري كالأخص عرفاً غير صحيح ما لم نرجع إلى احدى النكات الاستظهارية.

نعم، يمكن أن يقال في دفع هذا الاشكال عن السيد الخوئي (قدس سره) بأنّ مقصوده اسقاط إطلاق الأمر الاختياري بعد رفع العذر في الوقت المقتضي لعدم الاجزاء و لو بالتعارض، و بعده يرجع إلى الأصل العملي المقتضي للاجزاء.

فالحاصل‏: المهم هو التخلّص عن الإطلاق المقتضي للاجزاء بوجه استلزامي عقلي، و هذا حاصل بالمنهج الذي سلكه السيد الخوئي (قدس سره).

ص 143 قوله: (الثالث...).

التخيير بين الأقل و الأكثر تارة يقال بعدم امكانه لأنّه بتحقيق ذات الأقل يتحقق الامتثال فيسقط الأمر فلا يقع الزائد امتثالًا.

و اخرى يقال بعدم إمكانه لأنّه يلزم منه لغوية الأمر الضمني بالزائد لأنّه أمر بالجامع بين شيئين أحدهما قهري التحقق فيكون من تحصيل الحاصل.

و المحذور الأوّل هو الذي يندفع بأخذ طرفي التخيير الأقل بحدّه، أي بشرط لا عن الزيادة و الأكثر بحدّه، أي بشرط الزيادة حيث يكونان من المتباينين لا محالة فلا يكون ذات الأقل ضمن الأكثر امتثالًا.

إلّا أنّ هذا المحذور في المقام غير موجود من أساسه لأنّه إنّما يكون إذا كان الأقل متحققاً قبل الأكثر كما في مثال التسبيحة الواحدة و الأكثر، و امّا إذا كان‏

206

بالعكس كما في المقام و مثال العتق للرقبة الكافرة حيث يكون الأقل هو الاختياري آخر الوقت أي بعد الفعل الاضطراري فلا موضوع لهذا الاشكال فيه.

إذ تكون الزيادة متحققة قبل تحقيق الأقل الذي به يتحقق الامتثال فيكون الامتثال متحققاً بالأكثر لا محالة.

و إن شئت قلت: انّ الامتثال بذات الأقل ضمن الأكثر لا يعقل في هذه الفرضية لكي يسقط به الأمر فلا تقع الزيادة امتثالًا بل دائماً يتحقق الامتثال بالأقل بحده أو بالأكثر، و لعلّه لهذا تصوّر السيد الخوئي بوجدانه إمكان التخيير في مثال عتق الرقبة الكافرة أو الأعم المؤمنة أو عتق المؤمنة ابتداءً إلّا انّه جعله خلاف الظاهر.

و امّا المحذور الثاني فجوابه ما ذكرناه في الهامش لص 144 فإنّه متين.

ص 144 قوله: (امّا المنهج الاستظهاري...).

و يرد على التقريب الثاني أيضاً: انّ إطلاق البدلية بلحاظ الملاكات غير عرفي. نعم، لو اريد من هذا التقريب الحكومة بمعنى تحقيق الشرط و هو الطهور فذاك رجوع إلى تقريب آخر سنذكره.

كما يرد على التقريب الثالث (و هو للمحقّق العراقي (قدس سره)) أيضاً: أنّ الظهور الوضعي المزعوم فيه في طول إطلاق الأمر الاضطراري لغير مستوعب العذر فتكون النتيجة تابعة لأخسّ المقدمتين.

على انّ الأمر الاضطراري لا اشكال في كونه موسعاً و تخييراً في مورد الكلام على كل حال؛ إذ لا يحتمل عدم جواز تأخير الصلاة إلى آخر الوقت و الاتيان بالاختياري فيه، فأصل هذا التقريب لا أساس له.