أضواء وآراء؛ تعليقات على كتابنا بحوث في علم الأصول‏ - ج1

- السيد محمود الهاشمي الشاهرودي المزيد...
694 /
207

و يرد على التقريب الرابع (و هو للمحقّق الأصفهاني (قدس سره)) أيضاً انّه يوجب التعارض لا التقديم، إلّا أن يكون مقصوده التساقط و الرجوع إلى الأصل في اثبات عدم الاجزاء، فإنّ المهم اسقاط الأمر الاختياري المقتضي لعدم الاجزاء و لو بالمعارضة.

و يمكن اضافة تقريبات اخرى‏:

منها- ما في أجود التقريرات: من انّ الأمر بالاضطراري إذا كان شاملًا و ثابتاً في حقّ من اضطرّ في أوّل الوقت و لو ارتفع عذره في آخره فهو يقتضي الاجزاء لا محالة للاجماع على عدم وجوب صلاتين في وقت واحد، و المفروض انّه جاء بصلاة واجبة فلا تجب الاخرى جزماً.

و فيه: أوّلًا- انّ الإجماع على عدم أكثر من واجباً واحد لو سلّم فنسبته إلى الاطلاقين في دليلي الأمر الاضطراري و الاختياري لمن كان في أوّل الوقت مضطراً و في آخره مختاراً على حدّ واحد فلا موجب لترجيح الإطلاق الأوّل على الثاني بل يقع التعارض بينهما لا محالة.

نعم، قد يثبت الاجزاء بالأصل العملي حيث انّ المهم اسقاط الإطلاق في الأمر الاختياري الموجب لعدم الاجزاء و لو بالمعارضة.

و ثانياً- انّ القائل بعدم الاجزاء أيضاً لا يقول بوجوب أكثر من صلاة واحدة و إنّما يقول بوجوب الجامع بين الصلاة الاختيارية في آخر الوقت فقط أو الاضطراري مع الاختياري، فلا تجب صلاتان في وقت واحد تعييناً، و هذا ليس خلاف الإجماع المذكور لأنّ الإجماع ينفي وجوب صلاتين تعينيين في وقت واحد.

208

و ثالثاً- لو سلّمنا ذلك أيضاً فهذا مخصوص بباب الفرائض اليومية لا غيرها من الواجبات الاختيارية و الاضطرارية.

و منها- ما ذكره المحقق الاصفهاني (قدس سره) في حاشيته على نهاية الدراية المطبوعة أخيراً- و تبعه بعض المعاصرين في تقريرات بحثه- من أنّ دليل الأمر الاضطراري لو كان محققاً للشرط المأخوذ في الأمر الاختياري في حال الاضطرار كان دالّاً على الاجزاء لا محالة بملاك تحقق المأمور به الواقعي حقيقة، كما إذا فرض انّ الشرط في الصلاة هو الطهور، و قد دلّ الدليل على انّ التيمم بالتراب عند عدم وجدان الماء طهور فاطلاق الأمر الاختياري لمن كان مضطراً في أوّل الوقت لا ينافي مفاد دليل الأمر الاضطراري و لا يعارضه في هذه الحالة أصلًا، و هذا و إن لم يكن من أجزاء أمر عن أمر آخر و إنّما هو من باب اجزاء المأمور به عن شخص أمره. إلّا أنّ بحث الاجزاء أعم من ذلك.

و لعلّ ظاهر أدلّة طهورية التيمم و التراب من هذا الباب بأن يكون الشرط في الصلاة الطهارة لا الوضوء أو التيمم، غاية الأمر تتحقق الطهارة مع وجدان الماء بالوضوء لا التيمم، و مع فقدانه بالتيمم فإذا كان دليله مطلقاً شاملًا لمن اضطر في أوّل الوقت فقط كان دالّاً على تحقق الطهارة به ما دام مضطراً و إن فرض زوالها بزوال العذر.

و مثل هذا البيان دعوى انّ دليل الأمر الاضطراري يرفع شرطية الشرط الاختياري في حال الاضطرار لا أصل الأمر بالمشروط.

و الجواب: أوّلًا- انّ المفروض انّ دليل الشرط الاختياري موضوعه مطلق أيضاً يشمل المتمكن الواجد للماء و لو في بعض الوقت فيدلّ لا محالة على‏

209

الشرطية و على انّ الطهارة لا تتحقق إلّا بالغسلات و المسحات مثلًا فيقع التعارض.

فالحاصل‏: المفروض في موضوع هذه المسألة تمامية الإطلاق لدليل الوظيفة الاختيارية لمن صلّى أوّل الوقت بالوظيفة الاضطرارية؛ لأنّه متمكن في الوقت على الشرط الاختياري بالنسبة للواجب و هو صرف الوجود بين الحدّين، فسواء كان مفادهما الأمر بأصل المركب أي الأمر بالمشروط، أو الإرشاد إلى الشرطية، أو إلى تحقق الشرط و هو الطهارة، وقع التعارض بينهما، بلحاظ ذاك المفاد لا محالة ما لم نقدم أحدهما على الآخر بالحكومة و نحوها، فهذه الخصوصيات لا تغيّر المسألة شيئاً ما لم نرجع إلى أحد التقريبات الاخرى.

نعم، تتحقق المعارضة عندئذٍ بين إطلاق دليل مطهرية التيمم للمتعذر في أوّل الوقت و إطلاق دليل مطهرية الغسل أو الوضوء للمتمكن من الماء و لو في آخر الوقت (بعض الوقت) فليس حال هذين الاطلاقين كالاطلاقين للأمرين بالمركب الاضطراري في أوّل الوقت و الاختياري بلحاظ آخر الوقت، حيث يمكن فعليتهما معاً بنحو التخيير بين الأقل و الأكثر، أو الأمر بالجامع و الحصة بلا تعارض، بخلافه هنا حيث انّ الطهور لمن يتمكن في بعض الوقت يكون بالماء، فلا يكون التيمم في حقّه أوّل الوقت محققاً للطهور أصلًا، فتكون النتيجة الاجزاء امّا لكون إطلاق الأمر الاضطراري حينئذٍ مقيداً أو حاكماً على الاختياري أو لكونه معارضاً معه، و بعد التساقط تكون النتيجة الاجزاء بالأصل العملي.

210

نعم، لو فرض ورود دليل على انّ فاقد الماء لا بد و أن يفحص أو ينتظر لو كان يحتمل حصوله عليه و لو في آخر الوقت- كما لا يبعد استفادته من بعض الروايات- كان ذلك مقيداً بحسب الحقيقة لاطلاق الأمر الاضطراري في المقام، و ذاك بحث متروك إلى محلّه من الفقه.

و كذلك لو قلنا بأنّه بناءً على شرطية الطهور عند التعارض يكون مقتضى الأصل الاحتياط و لزوم احراز الشرط، و هو لا يكون إلّا بالفعل الاختياري. إلّا أنّه بلا موجب أيضاً، لما هو محقق في الفقه من انّ الطهور منطبق على نفس الوضوء و التيمم لا انّه حالة مسببة عنهما، فيرجع الشك إلى كون الأمر الضمني متعلقاً بالوضوء تعييناً أو الجامع بينه و بين التيمم حال الاضطرار، و هو من الدوران بين التخيير و التعيين الذي تجري فيه البراءة عن التعيين، و هكذا يتضح انّ منهج البحث يختلف في مثل هذه الأوامر الاضطرارية.

و ثانياً- انّه لا يتمّ في الوظائف الاضطرارية التي ليس لها بدل محقّق لقيد الواجب، بل يكون مرجعها إلى الأمر بالمركب الناقص كالصلاة من جلوس أو من دون سورة و نحوها لما دلّ على انّ الصلاة لا تسقط بحال أو قاعدة الميسور أو نحو ذلك.

و دعوى‏: انّ المأمور به في هذه الموارد أيضاً عنوان واحد و هو الصلاة، و دليل الأمر الاضطراري يدلّ على انّ المركّب الناقص مصداق للصلاة المأمور بها خصوصاً بناءً على امكان الوضع للجامع الصحيح.

مدفوعة: بأنّ هذا لا يوجب التعارض بين إطلاق الأمر الاضطراري و إطلاق الأمر الاختياري؛ إذ بناءً على امكان التخيير بين الأقل و الأكثر أو الأمر بالجامع‏

211

و الحصة يكون كلا الفعلين صحيحين و مصداقين للصلاة المأمور بها، و هذا بخلاف دليل طهورية الماء و التيمم، فإنّ ظاهرهما الطهورية لفعل واجب واحد لا لفعلين، فتدبر جيداً.

و ثالثاً- لا يتمّ هذا البيان حتى في دليل الطهور و بدلية التراب عن الماء؛ لأنّ مفاد أدلّة بدلية التراب عن الماء قضية شرطية هي انّه كلما كانت الصلاة في وقت مأموراً بها بأمر تعييني أو تخييري أو تعييني ثانوي كالاضطرار بسوء الاختيار و لم يكن المكلّف واجداً للماء كان التراب طهوراً له، و هذا لا ينافي عدم الاجزاء؛ إذ لعلّ الأمر بالفعل الاضطراري تخييري بنحو التخيير بين الأقل و الأكثر- بناءً على امكانه أو بنحو الأمر بالجامع و الحصة.

و ليس مفاد دليل مطهرية التراب توسعة الطهور في دليل الواجب المقيّد به بحيث يكون القيد هو جامع الطهور الأعم من الماء أو التراب في حال فقدان الماء ليكون دالًا على الاجزاء بملاك وحدة الأمر بالجامع- و هو الملاك الأوّل من ملاكي الاجزاء- لأنّ لازمه امكان ايقاع الإنسان نفسه في الاضطرار بصبّ الماء مثلًا فيتيمّم و يصلّي من دون أن يكون عاصياً- كما في صلاة التمام و القصر- مع انّه لا إشكال في عدم جوازه و كونه عاصياً. كما لا إشكال في انّه بعد عصيانه و تفويته للصلاة مع الطهور المائي يكون التراب طهوراً له أيضاً كالمضطر لا بسوء الاختيار، و هذا يعني أنّ بدلية التراب بدلية طولية و ليست عرضية، أي في طول سقوط الأمر بالوضوء. و حينئذٍ امّا أن يحمل ذلك على انّ موضوعه فرض سقوط الأمر بالمبدل فلا إطلاق للأمر بالبدل إلّا في حق المستوعب عذره في تمام الوقت؛ لأنّه الفرض الذي يسقط فيه الأمر بالمبدل، و هذا خروج عن الفرض، أو يفرض له إطلاق للمضطر في بعض الوقت و لكنه لا بمعنى توسعة الشرط المبدل‏

212

في عرضه، بل بمعنى انّه كلّما كان أمر أولي أو ثانوي بالصلاة في وقت و زمان و لو بنحو موسّع تخييري و لم يمكن امتثال ذاك الأمر بالطهور المائي كان التيمم طهوراً لذلك الأمر، و مثل هذا الأمر لا يمكن أن يستفاد من اطلاقه لمورد إلّا مشروعية تلك الصلاة و أصل الأمر بها، أمّا انها بنحو التوسعة للأمر الأوّل و جعله على الجامع بين الفعلين أو بنحو أمر آخر بالجامع أو بنحو التخيير بين الأقل و الأكثر كل ذلك محتمل، و مثل هذا الإطلاق لا يستلزم الاجزاء.

و منها- ما في نهاية الدراية من انّ مقتضي إطلاق الأمر الاضطراري من جهتين ارتفاع العذر في الوقت و عدم تقييد الأمر بالتخيير كما هو ظاهر الأمر عند اطلاقه الاجزاء و عدم الاعادة. و جوابه واضح. و قد تفطن له بنفسه في حاشيته على الحاشية فإنّ الظهور في التعيينية في الأمر الاضطراري في أوّل الوقت غير محتمل بل الأوامر الاضطرارية ليست تعيينية في قبال الاختياري داخل الوقت لو كان ممكناً لوضوح امكان ترك الاضطراري إلى الاختياري آخر الوقت، أي هي أوامر موسّعة لا مضيّقة.

ثمّ انّه يمكن أن نقسّم الأوامر الاضطرارية إلى ثلاثة أقسام من حيث ما هو الواقع فقهياً لا على سبيل الحصر العقلي.

1- أن يكون ثبوت الوظيفة الاضطرارية بأدلّة العذر أو رفع التكليف العامة كلا حرج و لا ضرر و انّ اللَّه أولى بالعذر و نحو ذلك بعد ضمها إلى ما يدل على عدم سقوط أصل الواجب بتعذّر قيد من قيود المركبات الواجبة من قبيل قاعدة الميسور أو الصلاة لا تسقط بحال.

و هذا الطريق لثبوت الأمر الاضطراري من الواضح عدم امكان اثبات الاجزاء

213

به، بل يثبت فيه وجوب الاعادة داخل الوقت باطلاق دليل التكليف الاختياري لو فرض إطلاق فيه؛ لأنّ الدليل على الاضطرار فيه مشروط بتعذر الاختياري في تمام الوقت، و إلّا لم يصدق العسر أو الحرج أو العذر أو الضرر بلحاظ ما هو الواجب و هو صرف الوجود، فلا موضوع للأمر الاضطراري مع عدم تعذّر صرف الوجود.

2- أن تكون الوظيفة الاضطرارية ثابتة بما يدلّ على عمل آخر بدلًا عن قيد الاختياري عند تعذره كما في الأمر بالتيمم بدلًا عن الوضوء عند عدم وجدان الماء.

و هذا النحو من الأوامر الاضطرارية لو فرض إطلاق في دليل الأمر الاضطراري فيها لمن كان عذره في أوّل الوقت فقط، و عدم وجود مقيّد له في الأخبار البيانية، فلا يبعد ثبوت الاجزاء به بأحد التقريبات الاستظهارية المتقدمة، و لا أقل من الأولين منهما حيث انّ ظاهر دليل البدلية النظر إلى مقام الاجتزاء عمّا هو الواجب المشتغل به ذمة المكلف فيكون حاكماً على إطلاق الأمر الاختياري لو فرض شموله لآخر الوقت.

3- أن تكون الوظيفة الاضطرارية ثابتة بلسان الأمر و الحثّ ابتداءً على العمل الفاقد لبعض القيود في الواجب الاختياري لمصلحة و نكتة فيها كما في أوامر التقية الواردة في باب الصلاة- لا أدلّة التقية العامة التي هي ظاهرة في مجرد نفي التكليف كأدلّة العذر الاخرى- فإنّ تلك الأوامر ظاهرة في الحثّ و الترغيب و التأكيد ابتداءً على أن يصلّي المؤمن معهم و انّ من صلّى خلفهم كان كمن صلّى خلف رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله و سلم) في الصفّ الأوّل. و مثل هذا اللسان يستفاد منها الاجزاء،

214

فإنّ التقريب الأوّل- و هو الإطلاق المقامي- تام فيها جزماً، مضافاً إلى تمامية التقريب الثاني و هو دعوى النظر إلى الخروج عن عهدة الفريضة و مقام الاجتزاء منها. بل مثل هذا الحثّ و الأمر و الترغيب منافٍ عرفاً مع فرض كونه مجرّد تظاهر بحيث يجب بعد ذلك الاعادة و الذي لعلّه أسوأ نتيجة من عدم الصلاة معهم أصلًا، فمثل هذه الأوامر واضحة الدلالة على الاجزاء و الاكتفاء بالفعل الاضطراري، بل أجدريته و أولويته من الاختياري.

ص 150 قوله: (و قد ذكر صاحب الكفاية (قدس سره) انّ مقتضى الأصل العملي هو الاجزاء...).

حيث انّ السيد الشهيد (قدس سره) يرى جريان البراءة عن التعيين عند الدوران بينه و بين التخيير، كما انّ الاستصحاب التعليقي سوف يأتي عدم صحته، فهو موافق مع صاحب الكفاية في انّ مقتضى الأصل العملي هو الاجزاء و البراءة عن وجوب الفعل الاختياري بعد الاتيان بالاضطراري.

إلّا أنّ هذا على اطلاقه غير تام، بل لا بد له من استثناءين:

1- إذا كان المكلّف في أوّل الوقت قادراً على الفعل الاختياري و لكنه لم يأت به لكون الواجب موسعاً، فعرض عليه الاضطرار في الأثناء فجاء بالاضطراري ثمّ ارتفع عذره قبل خروج الوقت، فإنّه سوف يشك في الاجزاء و عدمه، و هنا مقتضى الأصل عدم الاجزاء؛ لأنّ الفعل الاضطراري كان متعيناً عليه أوّل الوقت و فعلياً، غاية الأمر لو كان تأخير الامتثال منه لتصور انّه يبقى قادراً فهو معذور، إلّا أنّ تكليفه الاختياري تعييني واقعاً؛ و لهذا لو كان يعلم بطروّ العذر كان يجب عليه البدار و يحرم عليه تفويت الاختياري، و هذا معناه أنّ الوظيفة الاختيارية

215

كانت متعيّنة عليه حدوثاً و الشك في سقوطه بالفعل الاضطراري، و عدم سقوطه به فيستصحب بقاؤه، و هذا استصحاب تنجيزي حاكم على البراءة.

لا يقال‏: نحتمل انّ من لا يعلم بأنّه سوف يبتلي بالاضطرار في أثناء الوقت من أوّل الأمر مكلّف بالجامع؛ لأنّ تفويته للفعل الاختياري ليس بسوء الاختيار.

نعم، من يعلم بذلك و مع ذلك لم يصلّ عمداً حتى عرض عليه الاضطرار ففاته الاختياري بسوء الاختيار يكون عاصياً و معاقباً، و هذا يعني فعلية الأمر الاختياري عليه تعييناً في أوّل الوقت، فإذا ارتفع اضطراره بعد ذلك مجدداً و كان قد صلّى مع الاضطرار جرى في حقه الاستصحاب المذكور، فالاشكال لا بدّ من تخصيصه بهذا الفرض فقط، و في هذا الفرض لا يكون احتمال الاجزاء إلّا بملاك التفويت.

فإنّه يقال‏: أوّلًا- التفويت بسوء الاختيار تام و منجز مع الشك أيضاً و احتمال زوال الاختيار، و لا يجدي استصحاب بقاء القدرة و الاختيار كما قلناه في استصحاب الحياة في المستقبل، بل لا بدّ من الاطمئنان بذلك.

و ثانياً- هذا يعني اختصاص التكليف التخييري بالجامع بمن لا يفوّت الفعل الاختياري المتمكّن منه في أوّل الوقت بسوء اختياره، و هو من يعلم خطأً أنّه ليس مضطراً إلى آخر الوقت، و هو غير محتمل فقهياً و هو غير مفيد له؛ لأنّه يعلم انّه مكلّف بالحصة الاختيارية تعييناً، بل فيه محذور اللغوية؛ لأنّه ما لم ينكشف له الخلاف يكون لغواً في حقه.

2- من أوقع نفسه في أوّل الوقت في الاضطرار بسوء الاختيار فصلّى‏

216

اضطراراً ثمّ ارتفع الاضطرار في الوقت، فإنّه ينكشف انّ الأمر الاختياري التعييني كان فعلياً عليه واقعاً، و يحتمل سقوطه بعد الفعل الاضطراري بتفويت الملاك فيستصحب بقاؤه كما لا يخفى.

ص 151 قوله: (و لنا على كلّ من الفرضين كلام...).

ينبغي تغيير تقرير البحث و الاشكال بالنحو التالي‏:

تارة يفرض انّ الأمر الاضطراري له إطلاق شامل للفعل المذكور، و اخرى يفرض عدمه؛ للاجمال أو للتعارض مع إطلاق الأمر الاختياري.

فعلى التقدير الأوّل- و المفروض عدم استفادة الاجزاء منه- يكون الأمر التخييري محرزاً، و إنّما الشك في أمر تعييني آخر بالاختياري أو الدوران بين التخيير بنحو التخيير بين الأقل و الأكثر، أو التخيير بين المتباينين و في كلاهما تجري البراءة حتى عند من يرى الاحتياط في موارد الدوران بين التعيين و التخيير؛ إذ على الأوّل يكون من الشك في تكليف تعيني زائد، و على الثاني يكون من الدوران بين الأقل و الأكثر؛ لأنّ أصل الأمر التخييري معلوم و الشك في كونه بنحو التخيير بين المتباينين أو الأقل و الأكثر، و لا شك انّ الثاني أكثر من الأوّل، فيكون أقل و أكثر.

و أمّا على التقدير الثاني فالحق مع العراقي عندئذٍ؛ لأنّ احتمال عدم الاجزاء و بطلان العمل الاضطراري رأساً وارد بحسب الفرض، فيكون التكليف المعلوم بالاجمال مردداً بين التخيير و التعيين، سواء كان يحتمل وجود أمرين (بالجامع و الحصة) أو التخيير بين الأقل و الأكثر- بناءً على امكانه- أم لا، فإنّ وجود احتمالات غير منجزة لا تشفع و لا تنفع في دفع التنجيز من ناحية احتمال التعيين‏

217

في الأمر الواحد المعلوم بالاجمال على كلّ حال، و هذا واضح.

و لعلّ السيد الشهيد يفترض التقدير الأوّل، و عندئذٍ إن قلنا بامكان الأمر بالجامع و الحصة أو التخيير بين الأقل و الأكثر- بناءً على عدم الاجزاء- لم يتمّ مقالة العراقي؛ لعدم كونه من الدوران بين التعيين و التخيير لاحراز الأمر التخييري و إن قلنا بعدم امكان ذلك- كما هو مبنى السيد الخوئي (قدس سره)- لا بد من فرض التعارض بين الإطلاق الاضطراري و الاختياري لتصل النوبة إلى الأصل العملي، و إلّا كان مقتضى إطلاق الأمر الاضطراري الاجزاء، و بعد التعارض يكون من الدوران بين التعيين و التخيير.

ص 152 (الهامش...).

الاشكال المذكور فيه وارد، فإنّ الوظيفة الاضطرارية في أوّل الوقت ان افترض مشروعيته و تعلّق الأمر به بعنوان الفريضة كما هو مقتضى إطلاق دليله، فهذا لا يتم على مسلك مدرسة المحقق النائيني (قدس سره) إلّا مع الاجزاء- كما تقدم في المنهج العقلي- و إن فرض الشك في ذلك كما إذا فرض عدم الإطلاق في دليل الأمر الاضطراري أو كان فيه إطلاق إلّا انّه لم يكن مفاده أكثر من أصل مشروعيته و لو كعمل مستحب لا ربط له بامتثال الواجب الفريضة نظير الاعادة جماعة مثلًا، فعندئذٍ يتم ما ذكر على المسلك المزبور و لكنه لا يتم ما ذكر على المسلكين الاخريين إذ لا يحرز فيه أصل الأمر بالجامع أو الأمر التخييري بل يكون من الشك في وجود تكليف تخييري- على الاجزاء- أو تكليف تعييني بالاختياري أو تكليفين أحدهما بالجامع و الآخر بالفرد أو تكليف تخييري بين الأقل و الأكثر- على عدم الاجزاء- و هذا الشك حاله حال الشك بين التخيير و التعيين من حيث عدم جريان البراءة عن التعيين بناءً على مسلك صاحب الكفاية كما هو واضح.

218

ثمّ انّه ينبغي تغيير و تصحيح كيفية الاشكال على المحقّق العراقي (قدس سره) بالنحو التالي:

إذا فرض احراز مشروعية الفعل الاضطراري و تعلّق الأمر الموسّع به- بنحو لا يستفاد منه الاجزاء- فمن الواضح عدم كون الشك من الدوران بين التعيين و التخيير، بل الأمر التخييري محرز على كلّ تقدير، و يشك في أمر آخر تعيني بالحصة الاختيارية أو كون التخيير بين الأقل و الأكثر و الذي يكون الفعل الاختياري لازماً فيه، و كلاهما ليسا من الدوران بين التخيير و التعيين، بل الأوّل من الشك في تكليف تعيني زائد، و الثاني من الدوران بين الأقل و الأكثر كما شرحناه سابقاً.

و إذا فرض عدم احراز الأمر بالفعل الاضطراري فهنا شقوق ثلاثة:

1- أن يدور الأمر بين الاجزاء بملاك الوفاء بالملاك و عدمه.

2- أن يدور الأمر بين الاجزاء بملاك التفويت و عدمه.

3- أن يدور الأمر بين الاجزاء بأحد الملاكين و عدمه.

ففي الشقّ الأوّل لا إشكال على العراقي (قدس سره) إلّا من حيث المبنى؛ لأنّه من الدوران بين التعيين و التخيير، و مجرّد احتمال و معقولية الأمر بالجامع و الحصة أو التخيير بين الأقل و الأكثر بناءً على عدم الاجزاء لا يغيّر الموقف؛ لأنّ البراءة عن احتمال تعيين التكليف المعلوم بالاجمال غير جارٍ امّا في نفسه- بناءً على العلية- أو للمعارضة مع البراءة عن أصل التخيير المحتمل و الذي هو طرف للعلم الإجمالي- بناءً على الاقتضاء- و هذا واضح.

219

فالترديد الموجود في الكتاب بين المسالك بلا وجه إلّا إذا اريد فرض العلم بأنّه على تقدير عدم الاجزاء يكون بنحو الأمر بالجامع و الحصة، أو بنحو التخيير بين الأقل و الأكثر، و لكنه بلا وجه؛ إذ يحتمل عدم الملاك في الفعل الاضطراري أصلًا.

و في الشق الثاني- و الذي لعلّه اشكال بنائي من العراقي حتى على القائلين بجريان البراءة عن التعيين حيث أراد ابراز منجّز آخر و هو الملاك اللزومي المحرز و الشك في القدرة على تحصيله- يرد عليه:

أوّلًا- إذا فرض احتمال الأمر بالاضطراري و لو لوجود مصلحة اخرى فيه جابرة للمصلحة اللزومية الفائتة فهذا رجوع إلى الشقّ الأوّل لبّاً و روحاً؛ إذ لا يراد بالملاك إلّا الغرض النهائي بعد الكسر و الانكسار و هو هنا في الجامع.

و ثانياً- إذا فرض احتمال الأمر بالاضطراري بملاك الترخيص في التفويت و رفع الحظر العقلي، فمثل هذا الملاك لا يكون منجزاً لما قيل سابقاً من انّ الملاك الذي يرخص المولى في تفويته لا يكون منجزاً فلو احتمل ذلك في المقام لم يكن الملاك المحرز في الاختياري منجزاً.

و ثالثاً- إذا فرض العلم بعدم رضا الشارع بالتفويت على تقدير مفوتيّة الفعل الاضطراري فهذا معناه عدم احتمال المشروعية أو الأمر بالاضطراري حتى تخييراً و انّ التكليف و الملاك اللزومي في خصوص الحصة الاختيارية غاية الأمر يشك في كونه في خصوص الحصة المقيّدة بعدم سبق الاضطراري أو في مطلق الفعل الاختياري، و هذا من الدوران بين الأقل و الأكثر بلحاظ هذا القيد و الذي يجري فيه البراءة حتى عند المحقّق العراقي و الخراساني 0، و في هذا الفرض‏

220

يكون تنجيز الحصة الاختيارية لمن جاء بالفعل الاضطراري سابقاً ليس من باب الشك في القدرة على تحصيل الملاك اللزومي فيه، كيف و هذا ليس من الشك في الامتثال و لا في القدرة على الامتثال بل من الشك في كون الملاك في الحصة و الفعل المقدور أو في الحصة و الفعل غير المقدور- و هو الاختياري غير المسبوق بالاضطراري- و هذا من الشك في التكليف و مصبه، سواء اريد بالتكليف الخطاب أو الملاك، فلا تتم مقالة العراقي حتى هنا.

و إنّما الوجه في عدم جريان البراءة عن وجوب الحصة الاختيارية لمن جاء بالفعل الاضطراري مع احتمال سقوطه بالتفويت من جهة منجزية العلم الإجمالي بوجوب الاختياري امّا مطلقاً أو مشروطاً و مقيداً بعدم سبق الاضطراري بنحو قيد الواجب، و هذا العلم كسائر موارد الدوران بين الأقل و الأكثر ينجّز الأقل، و هو ذات الفعل الاختياري.

هذا، مضافاً إلى جريان استصحاب بقاء التكليف الأعم من الضمني أو الاستقلالي المتعلّق بذات الفعل الاختياري، و هذا استصحاب منجّز؛ لأنّ متعلقه و هو الفعل الاختياري لم يتحقق، فلا يقاس باستصحاب بقاء وجوب الأقل لمن فعل الأقل و الذي ليس منجزاً؛ لكونه مردداً بين ما يكون ممتثلًا و ساقطاً بالامتثال و ما يكون باقياً- كما ذكرناه في بحث الأقل و الأكثر- و هذا الاستصحاب ينفع للمكلّف الذي كان يقطع ببقاء عذره أو يستصحب بقائه في أوّل الوقت بحيث لم يتشكل له ذلك العلم الإجمالي الدائر بين الأقل و الأكثر، و إن كان ثبوت هذا العلم الإجمالي للفقيه في الشبهة الحكمية- كما هو المفروض في هذا البحث- أيضاً كافياً لتنجيز فتواه بحق المكلّفين مطلقاً، فتدبر جيداً.

221

و امّا الشقّ الثالث فهو ملحق بالشق الأوّل؛ لعدم احراز الملاك التعيني في الحصة الاختيارية، فيكون التكليف خطاباً و ملاكاً دائراً بين التعيين و التخيير.

و بهذا يظهر أنّه إذا أحرزنا عدم الاجزاء بملاك الوفاء بتمام الغرض من الواجب الاختياري كما لعلّه يستظهر مما ثبت في الفقه في الصلاة من عدم جواز إلقاء النفس في الاضطرار بسوء الاختيار و انّه يعاقب على تفويته للاختياري و إن كان مكلفاً بالاضطراري على كل حال فدار الأمر بين عدم الاجزاء أو الاجزاء بملاك التفويت فقط مع عدم رضا المولى به كان مقتضى الأصل العملي عدم الاجزاء أيضاً، للعلم بوجوب الاختياري عليه تعييناً، فيكون منجزاً عليه و إن كان فعل الاضطراري عليه أيضاً جائزاً في حقه كما تقدم، أو لاستصحاب بقاء الوجوب التعيني بعد رفع الاضطرار؛ لأنّه كان ثابتاً عليه في أوّل الوقت، و إنّما يحتمل سقوطه بالاضطراري من أجل التفويت، فهذا أيضاً وجه آخر لعدم الاجزاء و وجوب الاعادة في مثل هذه الموارد.

ص 153 قوله: (الاعتراض الثاني...).

و يرد على الاستصحاب التعليقي المذكور أيضاً أنّه قضية تعليقية ليست هي المجعولة، بل منتزعة بالملازمة عقلًا من خطاب وجوب الاختياري على المختار الذي لم يأت قبله بالفعل الاضطراري في حال الاضطرار.

و إن شئت قلت‏: انّه قضية تعليقية محققة للموضوع و ليست حكمية، فإنّ الاضطرار لو كان مرفوعاً قبل الفعل الاضطراري كان محققاً لموضوع من يجب عليه الاختياري تعينياً- مع قطع النظر عن الجواب الآخر الموجود في الكتاب-

222

أي كان محققاً لعنوان المختار الذي لم يأت بالاضطراري، و مثل هذه القضايا التعليقية كالقضايا التعليقية في الموضوعات لا تكون جارية حتى عند من يقول بجريان الاستصحاب التعليقي.

ص 154 قوله: (أمّا البحث في النقطة الاولى...).

إذا كان القضاء بالأمر الأوّل من باب تعدد المطلوب فلا إشكال في وجوب القضاء لاطلاق الأمر الأوّل المتعلّق بذات الفعل الاختياري ما لم نستفد من دليل الأمر الاضطراري داخل الوقت سقوط القضاء أو تعلّق الأمر الأوّل بالجامع بين الاختياري و الاضطراري و تعلّق الأمر الثاني بايقاع متعلّق الأمر الأوّل في الوقت بنحو تعدد المطلوب.

و إذا كان القضاء بأمر جديد فإن كان موضوعه فوت الفريضة الفعلية على المكلّف في الوقت فلا فوت، و إن كان موضوعه فوت الفريضة الأولية الواقعية فإن استفيد من دليل الأمر الاضطراري في الوقت انّ التكليف الأولي بالجامع بين الفريضتين- و لو في حق غير من أوقع نفسه في الاضطرار- فأيضاً لا فوت، و إلّا فإن كان الأمر بالاختياري فعلياً في الوقت خطاباً أو ملاكاً، كما في حقّ من أوقع نفسه في الاضطرار عمداً صدق الفوت بالنسبة إليه في القضاء، ما لم نستفد من الأمر الاضطراري الاجزاء و إن لم يكن فعلياً كالمستوعب عذره بلا سوء اختيار فأيضاً لا يصدق الفوت بالنسبة للخطاب؛ لأنّ صدقه فرع فعلية الخطاب، و مع العذر لا فعلية له، فلا يصدق الفوت، فلا يجب القضاء.

لا يقال‏: على هذا لا يجب القضاء لذوي الأعذار حتى إذا تركوا الوظيفة الاضطرارية في الوقت، و هو كما ترى.

223

فإنّه يقال‏: يمكن أن يكون الموضوع فوت أحدهما، أي فوت ما كان مكلفاً به في الوقت، و ذوي العذر لو ترك الاضطراري أيضاً صدق في حقّه فوت ما كان مكلّفاً به في الوقت.

ثمّ انّ كلا هذين الاحتمالين مرجعهما إلى فرض واحد- كما في الكتاب- و هو انّ الموضوع هو الفوت أو ترك التكليف الذي يكون فعلياً في الوقت، و هذا الفرض يلزم منه عدم وجوب القضاء على ذوي العذر عن أصل الصلاة كالنائم أو المغمى عليه أو الناسي في تمام الوقت أو فاقد الطهورين بناءً على سقوط الصلاة عنه، مع انّه لا إشكال في وجوب القضاء فيها أيضاً، و من هنا قالوا: انّ الموضوع فوت أو ترك ما هو الفريضة، بقطع النظر عن الأعذار الطارئة. إلّا أنّ هذا لازمه وجوب القضاء على المضطر الممتثل للأمر الاضطراري في الوقت كما في الكتاب.

نعم، لو كان الموضوع فوت أو ترك الغرض فمع احتمال تحققه بالاضطراري لا يمكن التمسك بدليل الأمر بالقضاء؛ لكونه شبهة مصداقية.

و يمكن فرض آخر: و هو أن يكون موضوع القضاء فوت ما هو الفريضة مع قطع النظر عن الأعذار بتمام مراتبه و أركانه، فإذا كانت أركان الفريضة واجبة و أتى بها المكلّف كما في الوظيفة الاضطرارية فليس هذا فوتاً و لا تركاً للفريضة.

و أمّا فوت الملاك اللزومي فإن أحرزنا مع سقوط الخطاب الاختياري وجود ملاك لزومي فيه، لا في الجامع بينه و بين الفعل الاضطراري (و هذا يعني عدم وفاء الاضطراري بتمام الملاك) و قلنا بكفاية فوت بعض الملاك في وجوب‏

224

القضاء ثبت الفوت و وجوب القضاء أيضاً، و إن لم نحرز وجود ملاك لزومي في الاختياري خاصة، و إنّما احتملنا ذلك و احتملنا وفاء الاضطراري به و الذي يعني وجود الملاك في الجامع بينهما، فكما لا يحرز الفوت فلا يمكن التمسك بدليل القضاء؛ لكونه شبهة مصداقية له، كذلك لا يمكن أن يحرز عدم الاتيان به و تركه بالاستصحاب حتى إذا كان الموضوع للقضاء الترك و عدم الاتيان لا الفوت؛ لأنّه لا يحرز وجود ملاك لزومي في الاختياري خاصة لكي يستصحب عدم الاتيان به، فما في الكتاب من جريان هذا الاستصحاب غير تام.

لا يقال‏: إذا أحرزنا انّ القدرة ليست شرطاً للاتصاف- كما هو المفروض- فالغرض اللزومي في الفعل الاختياري الساقط خطابه بالعجز و عدم القدرة عليه ثابت على كل حال أوّلًا و يشك في تحققه بتمامه بالفعل الاضطراري و عدمه فيستصحب عدم تحققه، كما كان قبل الاتيان بالفعل الاضطراري، فينقح موضوع وجوب القضاء.

فإنّه يقال‏: هذا لا يكفي في المقام أيضاً لأنّنا نحتمل بحسب الفرض وفاء الفعل الاضطراري بتمام الغرض، و نحتمل عدم وفائه إلّا ببعض الغرض، و هذا يعني أنّنا نعلم بوجود غرض في الجامع و قد تحقّق، و نشك في وجود غرض زائد في الحصة الاختيارية من أوّل الأمر، و هذا يكون من استصحاب الكلي من القسم الثالث إذا اريد استصحاب بقاء الجامع و كلّي الغرض الذي يكون في الاختياري؛ لأنّ واقعه مردّد بين ما هو مقطوع التحقق و مقطوع الارتفاع و بين ما هو مشكوك الحدوث.

225

ص 154 قوله: (و امّا البحث في النقطة الثانية...).

وجه أوضحية الاجزاء بلحاظ القضاء إذا قلنا به بلحاظ الاعادة فلعدم احتمال كون المصلحة المتبقية في الفعل الاختياري غير قابل للتدارك في داخل الوقت مع امكان تداركه في خارجه كما انّ احتمال الفرق بين الفعل الاضطراري من مكلّف عذره مستوعب عمّن عذره غير مستوعب غير موجود أيضاً، فإذا استفيد الاجزاء في الثاني بلحاظ الاعادة كان لازمه الاجزاء بلحاظ القضاء أيضاً حتى بالنسبة لمن عذره مستوعب فضلًا عن غير المستوعب.

ثمّ انّ الوجه الذي أضفناه في الاجزاء بلحاظ الاعادة يجري هنا حتى إذا لم يتم في المسألة السابقة و هو انّه لو استفيد من دليل الفعل الاضطراري تحقق القيد اللازم في الواجب بالعمل الاضطراري كالتيمم و حصول الطهور به حال الاضطرار أو استفيد سقوط الشرطية لا الأمر بالمشروط فهذا يتم في المقام و يثبت الاجزاء عن القضاء لعدم فوت الواجب الواقعي بل تحققه منه حقيقة بعد ما كان قيد الواجب هو الجامع بين الوظيفتين و لا يقع تعارض بين دليلي تحقق القيد- كالطهور- بالنحو الذي كان في المسألة السابقة؛ لأنّ المفروض استيعاب العذر هنا و شمول دليل الوظيفة الاضطرارية داخل الوقت دون الاختيارية جزماً، و هذا واضح.

و كان ينبغي ذكر هذا الوجه في المسألتين.

اللهم إلّا أن يكون مقصود السيد الشهيد (قدس سره) من التقريب الثاني و هو إطلاق البدلية ما يعم هذا الوجه فإنّ البدلية تارة تكون بلحاظ أصل الواجب الاختياري و الاضطراري و اخرى بلحاظ الشرط و القيد، فتدبر جيداً.

226

ثمّ انّ الإطلاق المقالي هنا لعلّه أوضع منه في الاجزاء بلحاظ الاعادة؛ لأنّ المكلّف المضطر داخل الوقت سوف يرتفع اضطراره في خارج الوقت عادةً، فلو كان يجب عليه القضاء و لا يلتفت إليه عرفاً كان ينبغي على الإمام أن يذكره، فسكوته عنه مع انّه تكليف تابع للأداء و متمم له حتى إذا كان بأمر جديد يوجب انعقاد الإطلاق المقامي على نفيه، و هذا بخلاف المضطر في أوّل الوقت و الذي قد يرتفع عذره في الأثناء.

ثمّ انّ دليل الأمر الاضطراري للمستوعب عذره كالأخص بالنسبة لدليل القضاء؛ لأنّه المتيقن من الأوامر الاضطرارية، فهذا الوجه هنا أيضاً أوضح منه هناك، كما أنّ الوجه الذي ذكره الميرزا (قدس سره) (الوجه الاستلزامي) يمكن تقريره بشكل آخر فني و هو انّ دليل الأمر بالبدل أو دليل نفي العسر و الحرج و العذر مدلوله تقييد جزئية أو شرطية القيد المتعذر في فرض استيعاب العذر، فيدل و لو بضم دليل الأمر بأصل المركب على انّ الفريضة في حقه هو الفعلي الاضطراري فيكون وارداً و رافعاً لموضوع دليل القضاء حتى إذا كان بالأمر الأوّل، فتدبّر جيداً.

ص 160 قوله: (و فيه أوّلًا...).

الورود في المقام معناه جعل الطهارة الواقعية لمشكوك الطهارة و النجاسة- كما احتمله صاحب الحدائق- إذ ليست الطهارة إلّا أمراً اعتبارياً محضاً كالملكية و الزوجية، فلو اعتبرت في مورد حقيقة بحيث تحقق مصداقه وجداناً- الذي هو الورود- كان معناه تخصيص دليل النجاسة الواقعية، فلا يقاس بجعل العلمية و الطريقية بنحو الحكومة الميرزائية التي هي نوع من الورود، فإنّ فيه توسعة لمفهوم العلم لا لواقعه.

227

و لعلّ هذا هو نكتة عدم قبول الميرزا (قدس سره) في المقام ذاك النحو من الحكومة و التي قبلها في باب الطرق و الأمارات لتصحيح قيامها مقام القطع الطريقي و الموضوعي معاً، فتدبر جيداً.

و بهذا يندفع جواب السيد الشهيد على الاشكال الثاني للميرزا و السيد الخوئي (قدس سره)، فراجع و تأمل.

ص 160 قوله: (و ثانياً:...).

الموجود في الهامش يغير إلى ما يلي:

حيث انّ حقيقة الحكم الظاهري انّه حكم مجعول بملاك التزاحم الحفظي بين الأحكام الالزامية الترخيصية المشتبهة و هذا لا يكون إلّا في الأحكام و الآثار المترتبة لا نفس الطهارة و النجاسة كحكم وضعي، و الجعل الظاهري فيه يكون استطراقاً بلحاظ آثاره التكليفية فلا محالة يتعيّن في دليل التنزيل بأي لسان كان أن يلحظ فيه تلك الآثار التكليفية المترتبة على الحكم الوضعي المنزل عليه محفوظة واقعاً و متزاحمة تزاحماً حفظياً إذا كان يراد الجعل الظاهري في مورده، و هذا نظر مناقض لا يجتمع مع فرض ارادة التوسعة الواقعية لآثار المنزل عليه.

فالحاصل: التهافت في كيفية لحاظ الأثر التكليفي المترتب على الطهارة بين فرض ارادة التوسعة الواقعية و فرض ارادة التوسعة و الحكومة الظاهرية لا ينبغي انكاره، فلا يمكن الجمع بينهما معاً في خطاب واحد.

لا يقال: هذا إنّما يلزم إذا اريد الجمع بين اللحاظين في أثر تكليفي واحد كالشرطية مثلًا، فلا يمكن اعمال التوسعتين فيها للتهافت بينهما، و امّا مع فرض‏

228

تعدد الآثار و كون بعضها و هو المترتب على الطهارة كالشرطية ملحوظاً فيه التوسعة الواقعية و بعضها الآخر و هو المترتب على النجاسة كالمانعية و انتفاؤها في مورد الطهارة يكون ملحوظاً فيه التوسعة الظاهرية فلا يلزم اجتماع لحاظين متهافتين في حكم واحد.

فإنّه يقال: المفروض انّ كل أثر يكون مترتباً على الطهارة يراد ترتيبها و توسعتها واقعاً في مورد مشكوك الطهارة و هذا لازمه كون القاعدة حكماً واقعياً صرفاً، فلا موضوع و لا ملاك لاستفادة طهارة ظاهرية منها ليقال بأنّه بالملازمة يفهم انتفاء النجاسة أيضاً للتلازم بينهما حتى في مرحلة الظاهر، فإنّ هذا التلازم فرع كون التوسعة بلحاظ أحكام الطهارة ظاهرية لا واقعية، و أمّا إذا كانت واقعية امّا بجعل الطهارة الواقعية أو تنزيل مشكوك الطهارة و النجاسة منزلة الطاهر الواقعي في آثار الطهارة أي الشرطية، فالأوّل يلزم منه انتفاء النجاسة الواقعية و يكون مفاد القاعدة ما اختاره صاحب الحدائق، و هو خلف المفروض، و الثاني لو فرض انّ له لازماً فلازمه نفي آثار النجاسة الواقعية واقعاً، كما في مورد المنزَّل عليه، و هو الطاهر الواقعي، فلا معنى حينئذٍ لاستفادة الحكم الظاهري من القاعدة إلّا بلحاظ الحكم الوضعي، و هو غير معقول.

و الحاصل: إذا كان الملحوظ في جعل الطهارة على مشكوك النجاسة و الطهارة خصوص الآثار المترتبة على الطهارة و توسعتها واقعاً فلا يستفاد من دليل القاعدة إلّا حكماً واقعياً واحداً حقيقته توسعة الشرطية لا الطهارة الظاهرية، و إذا كان الملحوظ ترتيب تلك الآثار المترتبة عليها بل و على انتفاء النجاسة في موردها ظاهراً فهذا لا يجتمع مع فرض ارادة التوسعة الواقعية؛ للتهافت بينهما، و إن كان الملحوظ ترتيب آثار الطهارة الواقعيّة واقعاً و نفي آثار

229

النجاسة الواقعية ظاهراً من باب الملازمة، فهذا أيضاً غير صحيح؛ لعدم وجه لهذه الملازمة

ص 162 الهامش.

ما ذكر فيه لا يكون صحيحاً على ضوء ما ذكرناه من انّ الورود غير معقول في المقام إلّا بتخصيص النجاسة الواقعية بموارد العلم بها، ففرضية الورود خارجة عن المفروض أساساً؛ و لعلّه لهذا لم يذكرها السيد الشهيد في جوابه و إنّما ذكر أنّه امّا أن نستفيد من دليل القاعدة الطهارة الواقعية و تخصيص النجاسة الواقعية بصورة العلم بها فهذا خارج عن موضوع بحث الاجزاء حينئذٍ تخصّصاً، أو نستفيد منه الطهارة الظاهرية و الذي يعني تنزيل المشكوك منزلة المعلوم، و هذا إذا كانت توسعة واقعية كتنزيل الطواف منزلة الصلاة فهو مضافاً إلى كونه خلاف الظاهر في أمثال المقام- كما في الكتاب- فلا يمكن أن يستفاد منها طهارة ظاهرية لا بلحاظ آثار الطهارة الواقعية لأنّ المفروض التوسعة الواقعية بلحاظها و لا بلحاظ نفي آثار النجاسة؛ لعدم دالّ على ذلك لا مطابقة و لا التزاماً- كما أشرنا- و إن كانت توسعة ظاهرية- كما هو الظاهر- لم يثبت الاجزاء.

ص 164 قوله: (و فيه: انّ المصلحة السلوكية...).

المقصود انّ الأمر الأدائي و إن كان مباناً مع الأمر القضائي و كان مخصوصاً بداخل الوقت و الذي سلوك الامارة أدّى إلى تفويته- خصوصاً إذا كانت سنخ مصلحة مغايرة مع ما يحققه القضاء خارج الوقت- إلّا انّه مع ذلك يكون إطلاق دليل القضاء دالّاً على فعلية الأمر على القضاء في حقه؛ لأنّ موضوعه من فاته الفريضة الواقعية، و هذا محفوظ و صادق على المكلّف الذي سلك الامارة داخل‏

230

الوقت؛ لأنّ فريضته لم يكن بالجامع بل بخصوص العمل الواقعي الذي لم يأت به و قد فاته و عندئذٍ يكون مقتضى التمسك بهذا الإطلاق انّ ما انجبر من المصلحة الفائتة ليس بأكثر من مصلحة الوقت و امّا مصلحة أصل الفعل فتنجبر بالقضاء سواءً كان من سنخها أم من غير سنخها، أي استيفائية- فتكون روحاً و ملاكاً من قبيل ما إذا كان القضاء بالأمر الأوّل- أو تداركية فإنّ المقيد اللبي لا يقتضي أكثر من هذا المقدار كما هو واضح.

و إن شئت قلت‏: انّ قبح التفويت لا يقتضي أكثر من وجود مصلحة سلوكية بالمقدار الذي تفوت من الملاكات الواقعية التي لا يمكن تحصيلها بوجه أصلًا، و هي في المقام بمقدار مصلحة الوقت فقط لا المصلحة الموجودة في العمل الواقعي، فلا موجب لرفع اليد عن إطلاق الأمر الواقعي الأدائي في الوقت، فتثبت فعليته في الوقت إن كان المكلّف معذوراً في تركه و محصّلًا لمقدار من المصلحة فيه بالسلوك و هو مصلحة الوقت فقط، مع احتمال بقاء مصلحة الفعل و لو بالمقدار الذي ينجبر بالقضاء عند فوته في الوقت، و هذا لا يستلزم سقوط الأمر الأدائي و التصويب، أي الأمر بالجامع بين الواقع و الظاهر، بل يكون الأمر بالعكس، فإنّ احتمال ذلك موجب لصحة التمسك باطلاق الأمر الأدائي و فعليته في الوقت، و بتبعه فعلية الأمر القضائي خارج الوقت الذي موضوعه فوت الأداء أو تركه؛ لأنّ هذا هو مقتضى الخطابات الواقعية، و إنّما يرفع اليد عنه بمقدار ما يحرز فيه التفويت بالسلوك، و هذا غير محرز هنا، فالاحتمال بصالح عدم التصويب و عدم الاجزاء.

و هذا هو مقصود السيد الشهيد (قدس سره) من أنّ المقيّد العقلي المذكور لا يقتضي أكثر من ذلك.

231

ص 164 قوله: (و فيه بالامكان فرض التخيير...).

بل يمكن فرضه قيداً للوجوب أيضاً، و مع ذلك يدفع اشكال اللغوية بأنّه فرع عدم امكان تنجز التكليف بالجامع، و هو ممكن بالعلم الإجمالي المنجز، فإنّ المكلّف سوف يعلم- حتى بناءً على كون القيد للوجوب لا للواجب- بأنّه مكلّف في مورد الأمارة بالمؤدّى امّا لكونه الواقع المأمور به أو لكونه موضوعاً للتكليف بالجامع، و هذا المقدار يكفي لدفع اللغوية.

ص 164 قوله: (الثاني: انّ الجامع...).

لا ينبغي أن يكون المقصود عدم تقرّر الجامع المذكور تصوراً في نفسه لكي يقال في جوابه انّه مقرّر لامكان تصوّر الجامع بين حكم واقعي و مؤدّى امارة مخالفة له و انّ غاية الأمر انّه لا يمكن ايجاد أحد طرفيه خارجاً إلّا بعد تعلّق الأمر بالواقع تعينياً، و يقال عندئذٍ بأنّ هذا في نفسه محال من جهة اخرى، و هي امتناع انبثاق الارادة و الأمر عن مصلحة في نفسها أو ما يترتب عليها.

و إنّما المقصود انّه لا يمكن أن يكون هذا الجامع متعلقاً للحكم الواقعي؛ لأنّ تعلّق الحكم الواقعي به و وقوع هذا الجامع متعلّقاً له بنفسه تناقض و تهافت في اللحاظ في عالم الجعل؛ إذ ليس لنا حكمان واقعيان، بل حكم واقعي واحد و هو نفس هذا الأمر المتعلّق امّا بالجامع أو بالواقع التعيني و لا يمكن أن يكون متعلقاً بالجامع؛ لأنّه في معنى الأمر بشي‏ء لا يكون مأموراً بنفس هذا الأمر و هذا تهافت تصوري لحاظي، فهذه استحالة و امتناع في عالم اللحاظ و تعلق الحكم لا عالم امتثال أحد طرفي الجامع خارجاً، و هو المقصود من عدم التقرر، أي عدم تقرر الجامع المتعلّق للأمر الواقعي بما هو متعلّق له و هذا صحيح.

232

كما انّ التعبير في الوجه الثالث بأنّه يلزم من وجوده عدمه أيضاً صحيح بلحاظ علام الفعلية و شمول الجعل للمؤدّى، فإنّ شموله له يستلزم عدم شموله له، فالجواب المذكور في الكتاب بعنوان الجواب الحلّي على الوجه الثالث و الذي هو الجواب أيضاً عن الوجه الثاني غير تام.

فيكون وجه تعلّق الأمر الواقعي بالواقع التعييني لا الجامع رغم كون الملاك فيه لا في خصوص الواقع التعييني امتناع تعلّق الأمر الواقعي بمثل هذا الجامع- بخلاف ما إذا كان الملاك في مطلق مؤدّى الأمارة- و حيث انّه لا بد للمولى من الأمر، فلا محالة يجعله على العدل الذي يمكن تعلّق الأمر به؛ لكونه محققاً لغرض المولى، و ليس فيه المحذور الذي ذكره السيد الشهيد (قدس سره)؛ إذ ليس هذا التعلّق من أجل مصلحة في نفس الارادة بل في المراد و إنّما تعلّق بالمعين لعدم امكان أكثر من ذلك، ففي خصوص المقام لا بد و أن يتعلّق بالمعيّن؛ لأنّه الطريق الوحيد لوصول المولى إلى غرضه بلحاظ كلا شقي الجامع، فتأثير هذا الأمر التعيني في المقام بالخصوص لتحقيق مراد المولى في قوّة الأمر بالجامع من حيث محركيّته للمكلّف نحو ما فيه مراد المولى فيتعين ذلك حتى إذا كان يمكن الأمر بالجامع في نفسه؛ لأنّه يفوّت على المولى غرضه بلحاظ الجامع.

و الصحيح في الاجابة عن الوجه السابع أن يقال بأنّه لو اريد من وجود الملاك في مؤدّى الأمارة المخالفة للواقع الأمارة المخالفة لروح الحكم و هو الملاك و الارادة فهذا الفرض بنفسه مستحيل؛ لاستلزامه التناقض في اللحاظ؛ إذ فرض وجود الملاك الواقعي في مؤدى الأمارة المخالفة مع نفس هذا الملاك تهافت لحاظي، و إن اريد بالأمارة المخالفة للواقع المخالفة مع الحكم بمعنى الجعل و الاعتبار بالخصوص فهذا معقول و ممكن كما ذكرناه، إلّا انّه لا يدفع اشكال‏

233

التصويب بلحاظ روح الحكم و إنّما يدفعه بلحاظ عالم الانشاء و الاعتبار فقط، و هو أيضاً تصويب باطل.

ص 167 قوله: (فإنّه يقال: يمكن اختيار كلا الشقين...).

لا إشكال في عدم التصويب بناءً على الطريقية المحضة و كون المصلحة في نفس الجعل كما هو حال سائر موارد تفويت الواقع بالظاهر. و امّا على السببية و وجود مصلحة في مؤدى الامارة- أو في سلوكها- فقد يقال: انّ مجرد تعيينية المصلحتين المتضادتين لا يكفي لانتفاء التصويب، إذ بعد فرض تساويهما في الأهمية مع التضاد بينهما يقع الكسر و الانكسار بينهما لا محالة فيكون الأمر الشرعي لا محالة تخييرياً بينهما تماماً كما إذا كان المؤدى يستوفي نفس المصلحة الواقعية فكون المصلحة في المؤدّى استيفائية بمعنى انها من سنخ نفس المصلحة الواقعية أو تداركية من غير سنخها لا يؤثر في لزوم التصويب.

و ما ذكر في الكتاب من عدم المحذور في بقاء الأمر بالواقع تعييناً لأنّه من التزاحم لا التعارض لا يكفي لدفع الاشكال، لأنّ إطلاق الأمر بالواقع لحال ثبوت الحكم الظاهري بقيام الامارة لغو، لأنّه صرف عن مصلحة إلى مصلحة اخرى مساوية لها في الأهمية و فعليّة بحسب الفرض و لا يقاس بالمشروط بالقدرة العقلية بالنسبة إلى المشروط بالقدرة الشرعية لأنّ اطلاقه يوجب عدم فوات شي‏ء من الفرضين إذ بفعله يكون قد استوفى أحدهما و ارتفع موضوع الآخر بخلاف المقام، فإنّ المصلحة الظاهرية فعلية على كل حال، فالمكلّف لو احتاط و ترك العمل بالحكم الظاهري كالصلاة في مستصحب الطهارة يكون قد فوّت المصلحة في الحكم الظاهري مع فعليته بفعلية موضوعه.

234

و أوضح منه الشبهة الحكمية كما إذا قام الحكم الظاهري على وجوب الجمعة و كان الواقع وجوب الظهر من حيث لغوية الأمر بهما معاً تعينياً و مطلقاً مع كون الملاك في كلّ منهما مقيداً بوقوعه قبل الآخر. و هذا معناه انّه لا بد من التقييد في إطلاق الحكم الواقعي فيكون تخييرياً.

و الجواب‏: انّ الخطاب و الأمر الواقعي بالظهر مثلًا مقيد بعدم الاتيان بالجمعة التي قامت عليه الأمارة بقاءً؛ إذ لا ملاك فيه بعد الاتيان بالجمعة، و أمّا حدوثاً فاطلاقه لا يلزم منه المطاردة مع الأمر الظاهري بالجمعة لأنّه بوصوله يرتفع موضوع الأمر الظاهري كالمشروط بالقدرة العقلية بالنسبة إلى المشروط بالقدرة الشرعية فيكون الغرض من اطلاقه أن يصل و يرفع موضوع المصلحة الظاهرية، فلا يكون فوات لشي‏ء من المصلحتين تماماً كالمشروط بالقدرة العقلية بالنسبة للمشروط بالقدرة الشرعية، فليس هناك ملاك فعلي في كل من الحصتين المقيدتين بالاتيان به قبل الآخر كما ذكر في الاشكال، فإنّ هذا إنّما يصحّ في المشروطين بالقدرة العقلية لا ما إذا كان أحدهما مشروطاً بالقدرة الشرعية أو بعدم وصول الآخر و تنجّزه.

كما انّ ما ذكر من فعلية المصلحة في الحكم الظاهري عند ثبوته إنّما هو كفعلية مصلحة المشروط بالقدرة الشرعية عند عدم وصول أو تنجّز المشروط بالقدرة العقلية لا يمنع عن إطلاق المشروط بالقدرة العقلية واقعاً؛ لأنّ الغرض من الإطلاق هو الصرف على تقدير الوصول و التنجيز و هو يوجب ارتفاع موضوع المصلحة في الخطاب المشروط بعدم وصول الآخر أو تنجزه أي بالقدرة الشرعية كما هو مذكور في هامش الكتاب، و لعمري هذا واضح لا أدري كيف أوجب توهم هذه المناقشة.

235

ص 167 قوله: (و امّا إذا انكشف خلاف الحكم الظاهري بالتعبد...).

ينبغي أن يقسّم هذا البحث إلى قسمين:

1- أن ينكشف الخلاف للحكم الظاهري مع كونه تاماً و فعلياً في وقته، أي قبل انكشاف الخلاف. كما إذا تبدل تقليد المقلّد بعد موت مقلَّده الأوّل. أو مثال الامارة المذكورة في الكتاب بعد فرض جريان الاستصحاب قبل تحصيل الخبر حقيقة؛ لأنّه كان قد استفرغ وسعه مثلًا، أو كانت الشبهة موضوعية استصحب فيها الطهارة أو أجرى قاعدتها ثمّ قامت بيّنة أو خبر ثقة على النجاسة، أو كان يجري فيه قاعدة الطهارة ثمّ حصل له يقين سابق فجرى فيه استصحاب النجاسة، فإنّه في مثل هذه الموارد يكون انكشاف الخلاف للحكم الظاهري السابق بنحو التخطئة له لا بنحو الكشف عن عدم ثبوته و كونه تخيلياً، و في مثله يجري الوجهان السابقان لاثبات الاجزاء على تقدير تماميتها.

2- أن يكون انكشاف الخلاف بنحو الكشف عن الخطأ في أصل جريان الحكم الظاهري، كما في الأمثلة الاخرى في الكتاب للانكشاف بالأصل، و منه بعض موارد تبدل رأي المجتهد في الشبهة الحكمية حينما يلتفت إلى خطأ في مدرك حكمه الأوّل لاشتباه في السند أو الدلالة أو نحوهما؛ و هذا لا ربط له ببحث اجزاء الحكم الظاهري و إن كان ينبغي البحث في موطنه الفقهي عن وجوب الاعادة أو القضاء فيه أيضاً.

و حيث انّ الصحيح عدم تمامية شي‏ء من البيانين في اجزاء الحكم الظاهري و انّ مقتضى القاعدة عدم الاجزاء من هنا لم يفكك بينهما السيد الشهيد (قدس سره)

236

في مقام الأمثلة.

ثمّ انّ البحث عن الاجزاء و وجوب الاعادة و القضاء إنّما يرد فيما إذا لم يكن دليل الحكم الواقعي من أوّل الأمر قاصراً عن الإطلاق لمورد الحكم الظاهري أو التخيلي- الترك غير العمدي- امّا لعدم الإطلاق فيه أو لوجود مقيد له كما في مثل حديث لا تعاد. و إلّا لم يكن موضوع للبحث عن الاجزاء و الإعادة أو القضاء كما هو واضح، فلا ينبغي جعل ذلك البحث من مصاديق بحث اجزاء الحكم الظاهري، كيف و القصور في أدلّة الشرطية و الجزئية في هذه الموارد لا تختصّ بموارد قيام حكم ظاهري على خلافها، بل يعم موارد الجهل المركّب و النسيان و غيرهما كما هو محقّق في محلّه.

كما انّ البحث عن حصول اجزاء العمل بالاجتهاد الأوّل أو تقليد المجتهد الأوّل و الأدلّة الخاصة التي ذكروها فيه موكول إلى بحث الاجتهاد و التقليد من الفقه، و إن كان البحث الذي ذكره السيد الشهيد في المقام من حيث امكان اثبات الفوت و عدمه في الصور العديدة بالأصل أيضاً بحث فقهي لا اصولي؛ و لعلّ الأولى أن يبحث كبرى عدم اجزاء الحكم الظاهري المتبدّل مطلقاً أو في خصوص باب التقليد أو اختلاف رأي المجتهد و تبدّله في المقام و تذكر أدلّته من قبيل الإجماع و نفي الحرج و سيرة المتشرعة و نحو ذلك كما فعل السيد الخوئي (قدس سره) و غيره هنا.

ص 171 قوله: (الرابعة إذا كان...).

ذكر هنا أنّه لا يجري خصوص الوجه الخامس مما تقدم في الصورة السابقة لاثبات وجوب القضاء؛ لانحلال العلم الإجمالي بوجوب قضاء الأكثر عليه الآن‏

237

أو وجوب الأقل عليه في زمن الفريضة القادم، إذ وجوب الأقل في الزمن القادم معلوم تفصيلًا، فلا يجري فيه الأصل الترخيصي ليكون معارضاً مع الأصل الترخيصي عن وجوب قضاء الأكثر عليه الآن.

و هذا صحيح، و هو يوجب عدم جريان الوجه الثالث من الوجوه المتقدمة أيضاً؛ لأنّ العلم الإجمالي داخل الوقت بأنّه يجب عليه الأقل داخل الوقت أو الأكثر خارج الوقت قضاءً إذا كان عازماً على ترك الأكثر في الوقت أيضاً علم إجمالي منحلّ بنفس البيان، فكان ينبغي استثناؤه.

كما انّ البحث في هذه الصورة لا بدّ و أن يكون عن وجوب القضاء خارج الوقت لمن لم يأت إلّا بالأقل داخل الوقت عمداً، أي الفرض الأوّل من الصورة الثالثة، لا عن وجوب الاعادة؛ إذ لا اشكال فيه داخل الوقت مطلقاً، أي حتى إذا حصل له هذا الشك المنجّز بعد الاتيان بالأقل طبقاً للحكم الظاهري الأوّل؛ لأنّه شك في تحقيق الغرض و سقوطه أو سقوط أمره الذي كان فعلياً في حقه فيجب عليه الخروج عن عهدته بلا حاجة إلى شي‏ء من الوجوه الخمسة، و إنّما نحتاج إلى أحد الوجوه الخمسة بلحاظ وجوب القضاء لو لم يأت بالأكثر داخل الوقت سواء كان التبدّل المذكور حاصلًا له قبل العمل بالأقل أو بعده.

فما في الكتاب في هذه الصورة من قوله (لاثبات الاعادة أو القضاء) سهو؛ لأنّ وجوب الاعادة في الوقت لا يحتاج إلى شي‏ء من تلك الوجوه و المباني، بل لا بد من تخصيص البحث في الصورة الرابعة بالقضاء خارج الوقت لمن لم يأت بالأكثر داخل الوقت، سواء كان التبدّل حاصلًا له في الوقت أو خارجه، فتدبّر.

مقدّمة الواجب‏

ص 180 قوله: (و امّا بلحاظ عالم المجعول...).

يوجد بيان آخر للسيد الخوئي (قدس سره) في المقام لا بأس به و يمكن أن يرجع روحاً إلى ما ذكرناه، حاصله: أنّ المعتبر أمر فرضي انشائي و ليس حقيقياً و أمره بيد المعتبر، فكما يمكنه أن يفرضه و يجعله على أمر مقدّر الوجود مقارن كذلك يمكن أن يجعل على أمر مقدّر الوجود متقدم أو متأخر زماناً، فيكون المجعول منوطاً بتحققه.

ص 181 قوله: (و امّا بلحاظ عالم الملاك...).

و يمكن أن يكون الشرط المتأخر غير دخيل في الاتصاف بل في وجود المصلحة و الفعل و إنّما اخذ شرطاً في الوجوب لكونه غير اختياري كما في اشتراط القدرة على آخر جزء من الواجب التدريجي الوجود فإنّها شرط متأخر لايجاب ذلك الفعل التدريجي من قبل، و هذا واضح.

ص 185

من المناسب البحث في تقسيمات المقدمة عن المقدمة الداخلية أيضاً كما بحثها الاصوليون، و قد بحثوا عنها في عدّة مقامات:

المقام الأوّل‏: في صدق المقدمة على الاجزاء، و هذا بحث لفظي اصطلاحي، فإنّه لو اريد بالمقدمة ما يكون سبباً و علة لايجاد ذي المقدمة فهذا يقتضي التعدد

238

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

239

في الوجود و هو مفقود بين الاجزاء، و المركب الكل؛ لأنّ الكل عين الاجزاء بالأسر، و إن اريد بها التقدم الطبعي أي التوقف في الصدق و التجوهر فهو حاصل في الجزء؛ لتوقف صدق الكل و تحققه على تحقق الجزء و صدقه دون العكس.

المقام الثاني‏: في دخول المقدمة الداخلية في محلّ النزاع، أي وجوبها الغيري أيضاً على القول بوجوب المقدمة. و اختار جملة من المحققين عدم دخولها في محلّ النزاع؛ و ذلك بأحد بيانين و دليلين: أحدهما: برهاني، و الآخر: وجداني.

و لا بدّ و أن يُعلم انّ موضوع البحث في الاجزاء الخارجية للمركبات الاعتبارية أو الصناعية لا الاجزاء التحليلية العقلية للجواهر و الأعراض من الأجناس و الفصول؛ لأنّها بسائط بلحاظ الوجود الخارجي و تركبها تحليلي و اجزائها متحدة في وجود واحد خارجاً.

كما انّه ليس البحث فيما إذا كان المأمور به النفسي أمراً انتزاعياً أو اعتبارياً أو خارجياً متولّداً من الاجزاء المتركبة خارجاً كالطهور بناء على كون الغسل أو الوضوء محصلًا له لا متحداً معه، فإنّ هذا يجعل تلك الأفعال كالغسلات و المسحات مقدمات خارجية لا داخلية كما هو واضح. و البرهان الذي يذكر كمانع عن وجوب المقدمة الداخلية يمكن تقريبه بأحد وجوه:

الأوّل‏: لزوم اجتماع المثلين و هو محال؛ لأنّ الاجزاء واجبة بالوجوب النفسي الضمني، فإذا كانت واجبة أيضاً بالوجوب الغيري لزم اجتماع الوجوبين على معروض و فعل واحد، و هو محال.

و لا يقال‏: بأنّ متعلّق الوجوب الغيري عنوان المقدمة و متعلّق الوجوب النفسي عنوان الفعل الواقعي.

240

لأنّه يقال‏: بأنّ الواجب الغيري معروضه واقع المقدمة و عنوان المقدمية حيثية تعليلية للوجوب، و قد يجاب بأنّ معروض الوجوب النفسي هو الكل و المركب، بينما معروض الوجوب الغيري هو الجزء الملحوظ لا بشرط، و هما لحاظان ذهنيان مختلفان، فلم يلزم الاجتماع.

و فيه‏: الكل ليس إلّا الاجزاء بشرط الانضمام، و هي نفس الاجزاء لا بشرط أي لا فرق بينهما إلّا في حد اللحاظ و التصوّر لا المتصوَّر، فالعنوان واحد فيهما، على أنّه يكفي وحدة المعنونين لامتناع تعدد الوجوب فيه؛ و لهذا يقال بالتأكّد في (أكرم العالم) و (أكرم الهاشمي) بالنسبة إلى العالم الهاشمي.

و الصحيح في جواب الاشكال‏: انّه لا يلزم اجتماع المثلين المحال، أمّا بلحاظ الوجوب بمعنى الاعتبار فلعدم التقابل بين الاعتبارات، على أنّ الوجوب الغيري ليس وجوباً اعتبارياً انشائياً أصلًا كما سيأتي.

و أمّا بلحاظ روح الحكم و مبادئه و هو الارادة و الشوق فللزوم التأكّد، نظير تأكد وجوب اكرام العالم الهاشمي، و تأكّد وجوب صلاة الظهر الواجب نفسياً و غيرياً للعصر بالنسبة إلى الذاكر، و لا محذور فيه أصلًا.

الثاني‏: انّ تعدد الوجوبين يوجب اجتماع المثلين و وحدتهما على سبيل التأكد غير معقول في المقام؛ لأنّ الوجوب الغيري في طول الوجوب النفسي، و مترشح منه، فهما في مرتبتين، فلا يعقل وجوب الاجزاء بالوجوب الغيري.

و اجيب عليه‏ بأنّ المانع عن التأكد إنّما هو الطولية في عمود الزمان لا الرتبية.

و هذا الجواب غير فني؛ لأنّه لو سلّمنا السببية بين الوجوب النفسي و الغيري كما هو مفروض المستشكل كان التأكّد بينهما محالًا؛ لأنّ التأكد يقتضي وحدة

241

الوجود و هو مستحيل بين العلّة و المعلول.

و لكنّ الصحيح في الاجابة أن يقال بأنّ الترشح ليس بمعنى السببية و العلية، بل بمعنى الملازمة في الوجود و لو بوجود علّة مشتركة لهما على ما سيأتي شرحه، وعليه فلا مانع من حصول التأكّد في الارادة و الشوق بوجود ارادة واحدة مؤكّدة.

الثالث‏: لغوية الوجوب الغيري بعد فرض الوجوب النفسي للجزء.

و فيه‏: انّ اللغوية مانع عن الانشاء و الاعتبار و الفعل الاختياري للمولى، و ليس الوجوب الغيري انشائياً اعتبارياً على ما سوف يأتي، بل هو أمر نفساني تكويني، و الذي نعبر عنه بروح الحكم و مبادئه، و هي الارادة و الشوق، فإذا كانت علتها فعلية تحققت لا محالة، سواء كان يترتب عليها أثر أم لا.

و هكذا يتّضح عدم تمامية شي‏ء من الوجوه البرهانية التي ساقوها لاثبات خروج المقدمة الداخلية عن محلّ النزاع.

و أمّا الوجه الوجداني فقد ذكره في الدراسات بنحو ساذج، حاصله: حكم الوجدان بالفرق بين المقدمة الخارجية و الداخلية، و انّ الأولى يترشح عليها الارادة و الشوق الغيري، بخلاف الثانية، سواء في ذلك الارادة التكوينية أو التشريعية.

و هذا الوجدان لا ريب فيه، و يمكن صياغته بصورة برهان حاصله: أنّ الارادة الغيرية إنّما تنقدح في النفس- سواء في التكوينية أو التشريعية- للتوصل إلى المراد النفسي- على ما سوف يأتي في شرح حقيقة الوجوب الغيري- و هذا فرع خروج المقدمة عن متعلّق الارادة النفسية، و إلّا كانت هي المراد النفسي‏

242

المطلوب أصالةً، فلا يعقل ارادة الاجزاء للتوصل بها إلى نفس الاجزاء، و هذا واضح. كما انّه لا يعقل في المقام التأكد في ارادة الاجزاء؛ إذ التأكّد فرع شدّة الملاك النفسي أو تعدده، و هو مفقود في المقام؛ إذ لا يوجد إلّا ملاك نفسي واحد هو منشأ الوجوب النفسي، فمن أين يحصل التأكّد في الارادة الحاصلة منه، و هذا بخلاف صلاة الظهر التي فيها ملاك نفسي و ملاك غيري لملاك نفسي آخر و هو العصر.

و بهذا التحليل يظهر وجه الضعف في كثير مما ذكره الاصوليون في المقام و في أصل منهجة بحثهم.

المقام الثالث‏: في ثمرة القول بالوجوب الغيري للاجزاء، و قد ذكر ذلك المحقّق العراقي مدعياً انّه على القول بالوجوب الغيري للاجزاء لا تجري البراءة في موارد الدوران بين الأقل و الأكثر؛ لعدم انحلال العلم الإجمالي بوجوب التسعة مثلًا نفسياً أو وجوبها غيرياً، و امّا على القول بعدم وجوب الاجزاء إلّا نفسياً جرت البراءة عن وجوب الجزء العاشر المشكوك؛ لانحلال العلم بالوجوب النفسي و تردده بين تعلّقه بالتسعة و العشرة و التسعة واجبة ضمنها على كلّ حال.

و فيه‏: أوّلًا- إنّما يتمّ لو كان القول بوجوب الاجزاء غيرياً مساوقاً لعدم وجوبها النفسي، أمّا على القول بالتأكّد و اجتماع الوجوبين في وجوب واحد مؤكد فالانحلال الحقيقي محفوظ بلحاظ ما تجري عنه البراءة، و هو متعلّق ذات الوجوب النفسي لا حدّه.

و ثانياً- تمامية الانحلال الحكمي على ما قرر في محلّه، حتى إذا لم يتمّ الانحلال الحقيقي.

243

ص 191 قوله: (و التحقيق في تفسير حقيقة الارادة المشروطة...).

يلاحظ على ما ذكره السيد الشهيد بأنّ تصدّي المولى لتحصيل غرضه أيضاً كالوجوب معلّق على تحقق الشرط؛ لأنّه بمقدار الجعل، و هو مشروط و معلّق بحسب الفرض، فالمولى لم يتصدّ لتحصيل الغرض و الفعل مطلقاً، بل مشروطاً و معلّقاً على فرض تحقّق الشرط، و هذا لا محذور فيه؛ لأنّ التصدّي و تحميل المسئولية على المكلّف أيضاً فعل اختياري للمولى، و هو روح الحكم، و يكون بمقدار المجعول و منتزعاً عنه لا أكثر، فلا محذور على هذا الأساس في الواجب المشروط لا بلحاظ مرحلة الجعل و الاعتبار و لا بلحاظ مرحلة الارادة بمعنى التصدّي المولوي لتحصيل الفعل من المكلّف و التي هي روح الحكم، و لا بلحاظ الملاك، و أمّا الارادة بمعنى الشوق المؤكّد الذي هو منشأ التصدّي و الجعل و هو مشترك بين الارادة التكوينية و التشريعية فلا وجه لدعوى وجدانية فعليته قبل تحقق الشرط و العلم به، و إنّما الموجود مجرّد العلم بأنّه إذا تحقّق الشرط ففي الفعل مصلحة أو حسن و انّه يشتاق إليه و يريده، فليس قبل تحقق الشرط إلّا هذا العلم بأنّه إذا تحقّق الشرط فسوف يحتاج إلى الفعل و يشتاق إليه- و لو بعد احرازه أو الاحساس بالحاجة إليه- و هذا بابه باب العلم بالقضية الشرطية التعليقية لا القضية المقيّدة، ففرق بين العلم بالمقيّد أو ارادته و بين العلم بالقضية التعليقية المذكورة، و الذي لا يستلزم العلم بطرفيها، و هذا العلم بالقضية التعليقية و الذي هو علم بالشرطية و الملازمة بحسب الحقيقة كافٍ في تبرير انشاء الجعل المشروط.

فلا حاجة أساساً إلى كلّ هذا التطويل، لوضوح انّ تمام النكتة في ذلك تبرير انشاء الحكم و القضية الحقيقية و جعلها قبل تحقق الشرط و الجعل مقدمة تكوينية

244

لتحقق غرض المولى لا بد في صدوره من المولى من فعلية الارادة، فلو لم تكن فعلية فكيف صدر منه؟

و الجواب‏: انّه يكفي في تبرير ذلك علمه بأنّه عند تحقق الشرط سوف يكون مريداً للفعل أو يكون الفعل محققاً للمصلحة أو حسناً في ذلك الفرض، و هذا العلم كافٍ في انشاء الجعل المشروط أو القضية الحقيقية و التصدّي المشروط، بل لا يعقل فعلية ارادة قبل تحقق الشرط لا بنحو الارادة المتعلّقة بالمقيّد بأخذ الشرط قيداً في المراد للزوم التهافت التي أشار إليه السيّد الشهيد، فإنّ ارادة المقيّد ارادة لقيده لا محالة في مرحلة الارادة و إن لم يوجبه المولى؛ لكونه غير اختياري أو أخذ وجود الاتفاقي قيداً، ففرض كون القيد مما لا تترشّح عليه الارادة تهافت، و لا بنحو الارادة المتعلّقة بالقضية التعليقية قياساً على العلم بالقضية التعليقية كما قيل؛ لأنّ الارادة ليست كالعلم، فإنّ العلم كشف الواقع و التصديق به، و هو يعقل تعلّقه بمفاد الشرطية التي هي الملازمة و النسبة التصادقية بين جملتي الشرط و الجزاء، و هذا بخلاف الارادة فإنّها لا تتعلّق إلّا بالأفعال، و لا بنحو الارادة المتعلّقة بالجامع كما أفاده السيد الشهيد (قدس سره)؛ لعدم الحاجة اليها، بل و عدم وجودها وجداناً.

و كأنّ السيد الشهيد انتهى إلى ذلك لتبرير صدور الجعل للقضية التعليقية الحقيقية، و قد عرفت توجيه ذلك. و الوجدان قاضٍ بعدم تعلّق إرادة في النفس لا في التكوينية و لا في التشريعية المشروطتين بالجامع قبل تحقق الشرط.

و مما يشهد على الوجدان المذكور انّ ارادة الجامع فرع وجود مصلحة واحدة في الجامع أو مصلحتين متساويتين في الأهمية في كل من الفردين لا يمكن الجمع بينهما، و ليس في موارد الارادة المشروطة شي‏ء من هذا القبيل، فأي‏

245

مصلحة في أن لا يكون الإنسان مستطيعاً أو أن لا يجي‏ء زيد في ارادة الحج على تقدير الاستطاعة أو ارادة اكرام زيد على تقدير مجيئه؟

و يمكن أن نصوغ برهاناً على عدم تعلّق الارادة بالجامع بين عدم الشرط و فعل المشروط المقيّد بالشرط في موارد الارادة المشروطة، و حاصله: انّ لازم تعلّق الارادة بالجامع بين أمرين انّه إذا أصبح أحد عدلي الجامع مبغوضاً فسوف يسري الحب المتعلّق بالجامع إلى الفرد و العدل الآخر لا محالة- على ما سيأتي في بحث اجتماع الأمر و النهي- فمن أراد اكرام أحد الشخصين زيد أو عمرو ثمّ عاداه زيد بحيث أبغض اكرامه فسوف ينصب شوقه و ارادته لاكرام أحدهما على عمرو، فيحبّ اكرامه بالخصوص منهما.

و هذا ينتج في المقام أنّ المولى إذا أصبح عدم الشرط مبغوضاً لديه كما إذا كان الشرط لواجب فعل واجب آخر كما إذا قال له: (إذا صلّيت الظهر فتصدّق بدرهم) انقلب الواجب المشروط عنده إلى واجب مطلق بحسب عالم الارادة، أي أصبحت ارادته للصدقة المقيّدة بالصلاة مطلقة لا مشروطة؛ لأنّ ترك الصلاة- أي عدم الشرط- مبغوض له، و هو واضح البطلان، بل تبقى ارادة الصدقة مشروطة حتى مع فرض مبغوضية ترك الشرط.

فالحاصل‏: مبغوضية أو محبوبية فعل الشرط أو تركه لا يؤثر على الارادة المشروطة أصلًا، و هذا برهان على عدم وجود ارادة فعلية متعلّقة بالجامع المذكور.

فالصحيح‏: ما تقدّم من انّه لا محذور في الواجب المشروط لا على مستوى الجعل و لا الارادة و لا التصدّي المولوي و لا الملاك.

246

ثمّ انّك عرفت أنّ روح الحكم ليست ذات الشوق و الارادة التي هي صفة للنفس، بل هي الارادة بمعنى التصدّي المولوي و الذي يكون من مقولة الفعل كهجمة النفس في الارادة التكوينية، و هي مشروطة بتحقق الشرط؛ لأنّها منتزعة من الجعل بلحاظ فعلية مجعوله، فحتّى إذا افترضنا الارادة بما هي صفة للنفس مطلقة أو متعلّقة بالجامع فهي أجنبية عن حقيقة الحكم، و ليست موضوعاً لحكم العقل بالطاعة، فلا حاجة إلى أصل هذا البحث، إلّا إذا اريد تحليل حقيقة الارادة التشريعية أو التكوينية المشروطتين بما هما صفتان في عالم النفس.

ص 198 قوله: (و الجواب: انّه يوجد بحسب الحقيقة قيدان...).

قد يناقش بأنّ أخذ قيد القدرة على الواجب في وقته بنحو الشرط المتأخر مستلزم لأخذ قيد الوقت أيضاً لأنّه و إن كان مبايناً معه عنواناً إلّا انّه أخص منه تحققاً، إذ لا قدرة على الواجب في الوقت إلّا مع فرض تحقق الوقت و حياة المكلف فيه و أخذ الأخص قيداً أخذ للأعم لا محالة. نعم عنوان الوقت أو وجود المكلّف أو سلامته مثلًا في ذلك الوقت لم يؤخذ قيداً إلّا أنّ البحث ليس عن العناوين كما انّه لا أثر مترتب على ذلك بل واقع الوقت و لو من خلال القيد الأخص و هو القدرة على الواجب في الوقت قد اخذ قيداً للوجوب فيكون الواجب مشروطاً بالنتيجة بتحقق الوقت- كما يقول صاحب هذا الاعتراض و هو السيد الخوئي (قدس سره)- فتسميته بالمعلق كقسم من أقسام الواجب المطلق في قبال الواجب المشروط غير صحيح بل هو قسم من الواجب المشروط- و هذا الاعتراض في الواقع اعتراض على صاحب الفصول في تسميته ذلك بالمعلّق و جعله في قبال المشروط، بأنّه قسم منه لا انّه قسم له، و ليس اعتراضاً على أصل امكان تقدم الوجوب و تأخر الواجب، كما في الاعتراضات القادمة.

247

و الجواب: ما في عبارة الكتاب من انّ المقدار الذي يؤخذ هو القدرة على الواجب من غير ناحية الزمان، أي القضية الشرطية و هي انّه لو دخل الوقت كان حياً قادراً و امّا الوقت فيبقى التكليف مطلقاً من ناحيته لأنّه متحقق على كل حال، فلا يؤخذ نفس دخول الوقت و لا القدرة على القيدية من ناحية دخوله قيداً حتى ضمناً بل حتى قيد الحياة و السلامة و القدرة في الوقت بالخصوص ليس شرطاً في التكليف بل الشرط أعم من ذلك.

و توضيح ذلك‏: انّ القدرة على الواجب في الوقت الشرط عقلًا في كل وجوب يكفي فيه القدرة على حفظ القدرة على الواجب في الوقت و لو لم تحفظ فيه لوضوح انّ القدرة على ذلك قدرة على الواجب و يكفي عقلًا لصحة تكليف العبد به بحيث إذا ما لم يحفظ قدرته أو سلامته في الوقت مع تمكنه عليه قبل ذلك كان معاقباً و عاصياً؛ لأنّه عجز نفسه بسوء اختياره، و هذا بخلاف ما إذا اخذت القدرة أو الحياة أو السلامة على الواجب في الوقت قيداً و شرطاً للوجوب فإنّه عندئذٍ يجوز له تعجيز نفسه في الوقت لأنّه بذلك يرفع موضوع الوجوب، فالواجب المعلّق يراد به ما يكون مطلقاً حتى من هذه القدرة أو السلامة في الوقت و ليس مشروطاً به و إنّما الشرط في ايجابه المقدار اللازم من القدرة عقلًا و الذي يكفي فيه القدرة على حفظ الحياة و السلامة و المقدمات قبل الوقت و لو بشرب دواء أو نحو ذلك قبل الوقت يجعله حيّاً قادراً في الوقت، فيتنجز الوجوب و تجب كل تلك المقدمات من قبل بما فيه مقدمة حفظ القدرة و السلامة على الواجب في الوقت.

فكأنّ نظر صاحب الفصول إلى انّ الوجوب قد يكون مشروطاً بالحياة و السلامة و القدرة على الواجب في الوقت بالخصوص فيكون من الواجب‏

248

المشروط و قد يكون مطلقاً من هذه الناحية فلا يكون مشروطاً بها و إن كان مشروطاً بأصل القدرة الجامع بين القدرة في الوقت و القدرة على حفظها فيها قبل الوقت، و هذا و إن كان متوقفاً على تحقق الوقت الاستقبالي؛ لأنّ هذا الجامع لا يتحقق إلّا بتحقق الوقت الاستقبالي في عمود الزمان.

إلّا انّ تحقق الزمان لا يؤخذ شرطاً حتى بنحو الشرط المتأخر بل يكون الوجوب مطلقاً من ناحيته و مشروطاً بالقدرة من ناحية سائر الجهات كحفظ الحياة و السلامة و نحوها فلا يكون الزمان الاستقبالي قيداً للوجوب حتى بنحو الشرط المتأخر لا بعنوانه و لا من خلال أخذ قيد القدرة شرطاً في عموم التكاليف، فتدبر جيداً.

ص 199 قوله: (و كلا التقريبين لهذا الاعتراض غير تام...).

التقريب الأوّل منهما للنهاوندي، و الثاني منهما للأصفهاني 0.

و الأولى في الاجابة على التقريب الأوّل أن يقال: بأنّه لو اريد من الارادة التكوينية الشوق و الحب الذي هو صفة نفسانية فنمنع المقدمة الثانية، و هي عدم تعلّق الشوق التكويني بأمر استقبالي، كيف و قد تقدّم امكان تعلّقه بأمر مستحيل و غير مقدور أيضاً.

و إن اريد بها مقولة الفعل كهجمة النفس أو الاقدام و حركة العضلات فنمنع المقدمة الاولى، فإنّ الارادة التكوينية بمعنى الحركة و الاقدام على العمل غير موجود في التشريعية أصلًا، و إنّما الموجود فيها الشوق النفساني، و الطلب أو الانشاء أو الابراز أو التصدي المولوي بقانون العبودية لتحصيل الفعل من قبل المكلّف، و كلّها أفعال غير متعلقة بالفعل المأمور به أصلًا، فلا مانع من كون‏

249

المأمور به الذي لا بد و أن يصدر من المكلّف استقبالياً، و هذا هو الجمع الفني بين ما في متن الكتاب و ما في الهامش.

ص 201 قوله: (و قد تفطن صاحب الاشكال...).

الموجود في الحاشية على الكفاية نقضان:

أحدهما: النقض بالواجب المنجز التدريجي التحقق كالمركبات، فإنّ الركعة الثانية قبل تحقق الركعة الاولى لا يمكن ايجادها مع انّ وجوبها فعلي، فيلزم انفكاك البعث عن الانبعاث.

و أجاب عليه‏: بالالتزام بتدريجية فعلية الوجوب أيضاً في مثل ذلك.

و فيه‏: وضوح بطلانه؛ لأنّ الوجوب واحد و ليس في البين وجوبات استقلالية متعددة، و الوجوب الواحد ليس له إلّا فعلية واحدة.

الثاني‏: النقض بالواجب المقيّد بقيود أو المتوقف على مقدمات ما لم تتحقق لا يتحقق الواجب، كالصلاة المقيّدة بالطهور قبلها، فلا يمكن أن يكون وجوبها فعلياً.

و أجاب عليه‏:- و لعلّه جواب منه أيضاً على كلا النقضين- في الحاشية على الكفاية (نهاية الدراية) بالفرق بين مورد النقض و بين الواجب المعلّق بأنّ المعلّق قبل زمانه لا امكان وقوعي فيه، بخلاف الصلاة المقيدة أو المتوقفة على مقدمة أو قيد، فإنّه يمكن وقوعها في كل آن و لو بتحقيق القيد أو المقدمة قبل ذلك الآن.

و قد رجع عنه في الحاشية على الحاشية، حيث تفطن إلى عدم الامكان الوقوعي أيضاً في مورد النقض- كما ذكر السيد الشهيد (قدس سره) في الكتاب- فإنّ‏

250

الواجب المقيّد بقيد زماني و إن كان ممكناً في عمود الزمان وقوعاً و لكن وقوعه الآن دفعة واحدة لكونه تدريجياً مستحيل، فغير المتوضي أو من لم يأت بالركعة الاولى يستحيل منه وقوع الركعة الثانية أو الصلاة المقيدة بالطهور في هذا الآن، فلا يمكن أن يكون ايجابه عليه في هذا الآن فعلياً.

و من هنا أجاب على النقض في الحاشية على الحاشية بأنّ الفرق بالامكان الاستعدادي و إن كان صدوره خارجاً بحاجة إلى التدرّج في عمود الزمان بخلاف الواجب المعلّق.

و فيه‏: ما في الكتاب من انّه إذا اريد بالامكان الاستعدادي قابلية الفاعل- أي عدم العجز من ناحيته- فهذا موجود في الواجب المعلّق أيضاً، و إذا اريد منه ما يعمّ قابلية القابل و امكان وقوعه خارجاً فهذا رجوع إلى اشتراط الامكان الوقوعي، و الذي اعترف بعدم ثبوته في مورد النقض أيضاً.

و يمكن أن يجاب على النقضين بجواب ثالث- لعلّه هو مقصوده- و هو انّ اللازم امكان وقوع الشروع في الانبعاث نحو أصل الواجب بقيوده و مقدماته المستلزمة له لا امكان وقوع كل جزء جزء من أجزائه؛ إذ لو لزم ذلك لما صار الوجوب و البعث فعلياً أصلًا ليتحقق الانبعاث و التحريك، فهذا المقدار لا بد من الاكتفاء به في امكان فعلية التكليف و ايجاد الداعي و البعث و التحريك المولوي، و هذا مفقود في موارد الواجب المعلّق دائماً أو غالباً؛ لعدم توقفه على مقدمة أو قيد يستلزم تحصيله قبل الوقت، كما هو واضح.

فالصحيح في الجواب هو الجواب الحلّي من أنّ البحث ليس عن مفهوم البعث و التحريك و الداعي و نحو ذلك، بل عمّا هو موضوع حكم العقل بالاطاعة

251

و امكان فعليته، و لا اشكال في انّه عبارة عن تصدي المولى لتسجيل مراده، و لو كان زمانه استقبالياً على المكلّف من الآن بانشاء أو اخبار، و الذي هو تحريك مولوي و بقانون حق الطاعة للمولى، و ليس تحريكاً تكوينياً، و هذا لا اشكال في كفايته في حكم العقل بلزوم الطاعة، بحيث لو قصّر الآن ففاته الواجب في وقته الاستقبالي كان عاصياً.

ص 202 قوله: (ثلاثة شروط...).

لا يقال: مع كون الشرط مضمون التحقق يمكن للمولى أن يجعل حكمه مطلقاً من ناحيته فيكون من ناحية هذا الشرط القضية خارجية كما ذكرنا في الواجب المعلّق فيكفي الشرط الأوّل حتى إذا كان الشرط و القيد من شرائط الاتصاف.

فإنّه يقال: لا يراد بالحكم مجرد لقلقة الجعل و الاعتبار بل روحه التي هي الارادة من ورائه و هنا يعلم بتقيد الارادة و عدم اطلاقها، لأنّ ما يكون شرطاً للاتصاف بالمصلحة يكون شرطاً للاتصاف بالحب و الارادة أيضاً، و إلّا يلزم ترشّح الحب و الارادة نحو الشرط، و هو واضح البطلان كما تقدم شرحه في الواجب المشروط.

و هذا بخلاف ما إذا كان من قيود الترتب حيث تكون الارادة فعلية فيه حتى بلحاظ قيده في مرحلة الارادة و الشوق؛ لما تقدّم من امكان الشوق نحو غير المقدور، و إنّما التحريك و الجعل المولوي كان يجب تقييده بالمقدور، فإذا كان قيد الترتب غير المقدور محقّق الوجود- كما هو المفروض بحكم الشرط الأوّل من الشروط الثلاثة- أمكن جعل الوجوب من ناحيته مطلقاً، فتدبر جيداً.

252

ثمّ انّ الشرط الثالث قد يقال بعدم لزومه امّا لعدم اشتراط القدرة في التكليف بل في التنجيز أو لكون الشرط المتأخر بلحاظ قيد القدرة بهذا المقدار يقبله حتى القائل باستحالة الشرط المتأخر لوضوح اشتراط بقاء القدرة على الفعل إلى آخر الوقت في وجوبه في أوّله.

إلّا أن يقال انّ مقصود السيد الشهيد بيان شرائط الواجب المعلّق في نفسه لا تخريج المقدمات المفوّتة بالخصوص، و إن كان ذلك من ثمرات القول بالواجب المعلّق. و من هنا لعلّ الأنسب ذكر هذه الشروط الثلاثة في أصل البحث عن الواجب المعلّق و امكانه، خصوصاً مع ملاحظة انّ هذا التنقيح لم يرد في كلام صاحب الفصول الذي هو صاحب نظرية الواجب المعلّق.

بل لعلّ ظاهر كلامه انّ الواجب المعلّق هو ما كان الوجوب فيه حالياً و الواجب مقيداً بقيد استقبالي، سواء كان من قيود الترتب أو الاتصاف.

و أيضاً ما ورد في كلام السيد الخوئي من ارجاع الواجب المعلّق المدّعى من قبل صاحب الفصول إلى الواجب المشروط بالشرط المتأخر فجعله قسماً من الواجب المشروط لا قسماً من الواجب المطلق.

ص 204 (الهامش الأوّل).

غير صحيح بكلا أمريه، و هو واضح لا يحتاج إلى مزيد بيان، فإنّ الاتصاف بالمصلحة غير المنكسرة لا يتوقف على تحقق الوقت خارجاً بل على فرض ثبوته في زمانه، أي انّه من شرائط الترتب لا الاتصاف، و إنّما اخذ شرطاً للوجوب لكونه غير اختياري، هذا بالنسبة إلى الأمر الأوّل.

253

و أمّا الأمر الثاني فأخذ الزمان الاستقبالي شرطاً إنّما كان لدفع التكليف بغير المقدور و استحالة الواجب المعلّق أو للاستظهار من الدليل أو لأي سبب آخر و لم يكن من أجل التحرز عن إطلاق التكليف للحصة غير النهارية من الصوم لكي يشكل عليه باللغوية. كيف و هذا الأمر لو تمّ لأبطل الشرط المتأخر في المقام على كلّ حال فليس هذا اشكالًا مربوطاً بالوجه الثاني من الوجهين كما لا يخفى.

ص 204 قوله: (الجواب الثالث...).

هذا الجواب فيه مخالفة لظاهر دليل الواجب حيث انّه يؤلِّه إلى ايجاب سدِّ أبواب العدم في عرض واحد- كما بيّن في الهامش- فهو إنّما يصار إليه إذا لم يتم وجه آخر من الوجوه السبعة و التي يحفظ فيها على ظهور تعلّق الأمر النفسي بنفس العنوان الوجودي الواجب.

ثمّ إنّ هنا جواباً آخر ذكره المحقق الخراساني (قدس سره) في الكفاية و هو القول بالوجوب النفسي التهيئي للمقدمات المفوّتة قبل الوقت، فالوجوب نفسي و إن كان الغرض و الملاك منه التهيؤ لأداء الفعل الاستقبالي في وقته.

و هذا الجواب امّا أن يرجع إلى ما سيذكره الميرزا (قدس سره) من متمم الجعل في الوجه السادس أو لا يكون صحيحاً.

توضيحه: انّه إذا كان هذا الايجاب النفسي منوطاً بالواجب الآخر لبّاً و روحاً و ملاكاً و إن لم يكن منوطاً به خطاباً فهذا هو متمم الجعل الذي يجعل الخطابين واحداً روحاً و لبّاً و إن تعددا خطاباً و تحريكاً و بعثاً، و إن فرض استقلاله عنه فهذا غير صحيح إذ لا إشكال في انّه إذا لم يكن يجب عليه الواجب النفسي الاستقبالي‏

254

في وقته لم تجب المقدمات المفوّتة.

فهذا الجواب لا بد في توجيهه و تخريجه من ارجاعه إلى الجواب السادس بتقريب الميرزا (قدس سره) لا السيد الخوئي (قدس سره)؛ و لعلّه لهذا لم يذكره السيد الشهيد (قدس سره) مستقلّاً.

ثمّ انّ ما يذكره السيد الشهيد (قدس سره) حلّ لاشكال و شبهة هي انّه كيف تنقدح ارادة نحو المقدمة المفوّتة في الارادة التكوينية قبل فعليتها حيث انّ الزمان الاستقبالي شرط للاتصاف و لأصل الارادة مع اعتراف الوجدان- كما صرّح به الميرزا- بأنّ الفاعل يريد المقدمات المفوّتة في هذه الموارد، و من هنا كبرى وجوب المقدمة المفوّتة شرعاً أو عقلًا على الأقل لا ينبغي التشكيك فيه وجداناً لوجدانية تحرك المولى نحوه لو كانت ارادته تكوينية في الغرض فيتنجز لا محالة في التشريعية.

و إنّما اشكال عقلي مستلزم لانهيار الوجوه المتقدمة كلها إذا فرض عدم امكان جعلها بأن التزمنا خلافاً للوجدان بأنّ المولى لا يمكن أن يتحرك نحو المقدمات في الفرض إذ ما لا يحرّك المولى لو كان مراداً تكوينياً لا ينجز على عبده لا محالة كما قرر في محلّه. فالمسألة واقعها هكذا.

و جواب السيد الشهيد علاج لهذه المشكلة التكوينية، و لهذا لا ينبغي أن يتوهم انّ روح الواجب و الارادة التشريعية سوف تكون بالجامع بل ليس الحكم و الارادة التشريعية إلّا ارادة الجزاء على تقدير الشرط لأنّ التصدي المولوي للتسجيل على ذمة العبد بالجعل و الخطاب ليس بأكثر من ذلك، و امّا الباقي فمجرد ارادة تكوينية بالجامع أو بحب الذات لتصحيح امكان جعل الخطاب المشروط الذي هو فعل تكويني للمولى قبل فعلية الارادة المشروطة- كما تقدم‏

255

في البحث السابق- و أيضاً لتصحيح وجوب شرعي غيري متعلق بالمقدمة المفوّتة قبل الوقت رغم عدم فعلية الوجوب المشروط لأنّ الوجوب الغيري لا يراد به إلّا الارادة الغيرية للمقدمة و هي مترشحة من ارادة فعلية بالجامع.

و قد عرفت في ذاك البحث انّ هذا لا حاجة إليه، بل العلم بأنّه سوف يبتلى بالعطش في المستقبل و حاجته إلى الماء يكفي لأن يتحرّك نحو اعداد و تحصيل المقدمة المفوّتة له قبل الوقت، فالعلم بل الاحتمال كافٍ لهذا المقدار من التحرك في الارادتين معاً.

و دعوى‏: انّه لو لا حبّه لذاته فعلًا و تألمه و انزجاره من ابتلائه بالحاجة من دون امكان رفعها لما أقدم على ذلك، فالعلم لا يكفي بل لا بد من ثبوت الحب الفعلي المذكور.

مدفوعة: بأنّ هذا ليس حباً و ألماً بالفعل، بل ادراكاً بأنّه سوف يتألّم في المستقبل.

و دعوى‏: أنّ ارادة المقدمة المفوّتة قبل الوقت في الارادة التكوينية لا يمكن أن تكون نفسية؛ لوضوح عدم ملاك نفسي فيها فلا بد و أن تكون غيرية و مترشّحة من ارادة نفسية فعلية، و ليست هي إلّا ارادة الجامع.

مدفوعة: بمنع لزوم ذلك، بل نقول في الفاعل المختار المطّلع على المستقبل يكفي علمه بل احتماله بأنّه سوف يريد في وقته الفعل الفلاني المتوقف على مقدمة مفوّتة قبل الوقت في انبثاق ارادة غيرية نحو مقدمته قبل الوقت، و بهذا يعرف انّ المقدمات المفوّتة كغير المفوّتة من حيث تعلّق الوجوب الغيري بها، بلا حاجة إلى خطاب نفسي بعنوان متمّم الجعل كما ذهب إليه الميرزا (قدس سره).

256

فلا حاجة إلى كلّ هذا التطويل، بل ليس بصحيح؛ لما تقدّم من وجدانية عدم تعلّق حبّ له بعدم العطش و لو بنحو أحد عدلي الجامع، بل قد يحب الشرط و يبغض عدمه، فيلزم أن يصبح حبّه نحو الجزاء فعلياً طبقاً لما اعترف به السيد الشهيد (قدس سره) من تحقّق هذا الانقلاب في المقام؛ لكون هذه الأشواق و الارادات غيرية لا نفسية، مع كونه خلاف الوجدان جدّاً.

ثمّ انّ هنا بحثاً مهماً اثباتياً كان ينبغي التعرّض إليه، و هو انّ ثبوت وجوب المقدمات المفوّتة قبل زمان فعلية الوجوب بحاجة إلى دليل في مقام الاثبات، و لا يكفي حتى الوجه الأخير العقلي لاثبات وجوبها قبل الوقت؛ لاحتمال كون القدرة على الواجب في زمان فعلية الوجوب من شرائط الاتصاف، حيث لا يمكن استظهار خلافه من دليل الخطاب، لاشتراط القدرة في الخطابات جميعاً و سقوط الدلالة على الملاك بسقوط الخطاب.

نعم، لو قلنا بكفاية القدرة قبل الوقت في فعلية الخطاب و عدم اشتراط العقل لأكثر من ذلك كان لازمه فعلية الخطاب في الوقت مع العجز؛ لكونه عجزاً بسوء الاختيار. و كذلك لو قبلنا إطلاق المادة بلحاظ الملاك- مبنى الميرزا- أو كون القدرة أساساً قيداً في التنجيز لا الفعلية أو استظهار انّ القدرة عرفاً شرط في الاستيفاء لا الاتصاف.

ص 212 قوله: (الفرض الثاني: أن يعلم...).

في هذا الفرض لا فرق بين علمه بأنّه إذا لم يتعلّم فسوف تفوته فرصة التعلّم في المستقبل أو احتماله ذلك، فإنّه أيضاً منجّز، فإنّ التكليف المنجّز في المستقبل يجب حفظه، و تفويته الاحتمالي مع القدرة على حفظه أيضاً موجب لاستحقاق العقوبة، و هذا كان ينبغي ذكره في الكتاب.