أضواء وآراء؛ تعليقات على كتابنا بحوث في علم الأصول‏ - ج1

- السيد محمود الهاشمي الشاهرودي المزيد...
694 /
257

ص 213 قوله: (و اخرى بما عنه أيضاً...).

ظاهر كلام السيد الخوئي في تقريرات الفياض انّ روايات التعلم واردة في موارد احتمال الابتلاء بحيث لا يمكن تخصيصها بمورد العلم أو الاطمئنان بالابتلاء، فلو جرى الاستصحاب في هذه الموارد لم يبق تحت عمومات التعلّم إلّا موارد نادرة فتتقدم عليه لا محالة.

و قد أجاب السيد الشهيد عليه بأنّ الموارد الباقية ليست بالنادرة إذ يبقى تحتها مورد العلم بالوجوب مع الجهل بخصوصيات الواجب و موارد عدم جريان الاستصحاب و الأصل المؤمن للعلم الإجمالي بالابتلاء.

و يمكن أن نضيف مورد العلم بالصغرى و الجهل بالكبرى بناءً على ما هو الصحيح من عدم جريان الاستصحاب و الاصول المؤمنة قبل الفحص في الشبهة الحكمية لقصور في إطلاق أدلّتها لا لمانعية دليل وجوب التعلّم.

إلّا أنّ هذا الجواب و إن كان يدفع هذا الوجه، إلّا انّه لا يتم بناءً على مبنى السيد الشهيد بحق الطاعة و الاحتياط العقلي؛ لأنّ غايته التعارض بنحو العموم من وجه بين دليل الأصل المؤمن الشرعي و دليل وجوب التعلّم- الطريقي- و بعد التساقط يكون المرجع الاحتياط العقلي.

نعم، لو قلنا بأنّ دليل حجّية الأصل المؤمن يكون وارداً على وجوب التعلّم حيث لا يراد به تعلّم خصوص الحكم الواقعي بل الأعم منه و من الحجة و المؤمن الظاهري، أو قلنا بأنّ الاستصحاب المذكور موضوعي حاكم على دليل التعلّم؛ لأنّه ينفي صغرى التكليف، تمَّ هذا الجواب حتى على مسلك حق الطاعة، و يتلخص في انّه إذا كان يبقى لدليل التعلم مورد افتراق معتد به قدم دليل‏

258

الاستصحاب- أو أي أصل مؤمن- بالحكومة و إلّا كان بحكم الأخص و المقيد لاطلاق دليل الاستصحاب، و حيث انّ الأوّل هو الصحيح فلا يتم الوجه الذي ذكره السيد الخوئي (قدس سره).

ص 214 قوله: (و رابعة بما يمكن أن يكون مقصود المحقق النائيني (قدس سره)...).

تارة: يدعى انّ وجوب التعلّم حكم نفسي موضوعه الشك و عدم العلم كما عن المحقق الأردبيلي (قدس سره). فعندئذٍ لا يجري الاستصحاب الموضوعي المذكور إلّا بناءً على المبنى الذي تقدم في ردّ الوجه الثالث المتقدم من قيامه مقام القطع الموضوعي حتى إذا لم يكن له أي أثر طريقي.

و اخرى: يدعى انّه حكم طريقي أي تنجيز أو ايجاب احتياط تجاه الحكم الواقعي المشكوك قبل الفحص و التعلّم- كما هو الصحيح- و لا شك انّ مفاد هذا الحكم عندئذٍ انّ الجهل بالحكم قبل الفحص و التعلّم ليس عذراً، و هذا لا ينفي معذرية الجهل بالموضوع لأنّه خارج عن دائرة التعلّم كما هو واضح، و من هنا تجري البراءة في الشبهة الموضوعية حتى إذا كان حكمه أيضاً مجهولًا قبل الفحص و التعلّم كما تقدّم في الفرضية الرابعة.

و عندئذٍ قد يقال في المقام: انّ المكلّف قبل ابتلائه جاهل بالموضوع بحسب الفرض بمعنى انّه بلحاظ حاله قاطع بعدم فعلية الموضوع و بلحاظ المستقبل جاهل بتحققه فيجري في حقه الأصل الموضوعي المؤمن عنه فهو عذره الآن و عند الابتلاء به يكون غير قادر بحسب الفرض فهو عذره عندئذٍ و لا يحتاج إلى اثبات شي‏ء آخر بعد ثبوت المؤمّن و العذر عليه في الحالتين و لا يحتاج إلى اثبات عنوان عدم الوقوع في المخالفة من ناحية الجهل.

259

و هذا نظير نفي وجوب سائر المقدمات المفوّتة عليه إذا كان يشك في ابتلائه بموضوع التكليف في المستقبل كما إذا شك في انّه سيمرّ على صحراء لا ماء فيه في طريقه أم لا مثلًا فإنّه لا شك في جريان الأصل الموضوعي لنفي وجوب تحصيل المقدمات المفوّتة من قبل و عند الابتلاء و تحقق موضوع التكليف يكون غير قادر و معذوراً لا محالة.

و ملخص جواب السيد (قدس سره) عن الاشكال أنّ مفاد أخبار التعلّم تنجز الواقع بمعنى عدم رضا الشارع بمخالفة التكليف نتيجة ترك التعلّم، و هذا معناه انّ كل تعلّم يحتمل أن يكون مؤثراً في أداء التكليف و امتثاله يكون منجزاً على المكلّف. و المفروض انّ دليل التعلّم مقدم على اطلاقات الاصول العملية بالأخصية أو الحكومة حتى إذا فرض جريان الأصل النافي للابتلاء و عدم كونه مثبتاً، و هذا الاحتمال في المقام موجود بخلاف الفرض الرابع أو سائر المقدمات المفوّتة، لأنّ المكلّف يحتمل ابتلاءه بالواجب بنحو بحيث لا يمكنه تعلم كيفيته عند الابتلاء فيفوته، و هذا الاحتمال منجز بحسب الفرض و الأصل المؤمن من استصحاب استقبالي أو براءة لا يؤمن من ناحية هذا الاحتمال و إنّما يؤمن من ناحية احتمال فوات التكليف واقعاً نتيجة الجهل بالموضوع.

فالحاصل قبل الابتلاء توجد ناحيتان للتنجيز لا بدّ من التأمين عنهما:

احداهما: فوات التكليف واقعاً من ناحية الجهل بتحقق موضوعه، و هذا يؤمن عنه الاستصحاب الاستقبالي أو أي أصل مؤمن آخر يكون جارياً بلحاظه.

و الاخرى: فوات التكليف نتيجة عدم تعلمه بحيث لو كان قد تعلّمه لم يكن‏

260

يفته في وقته، و هذا مشمول لدليل التعلّم بحسب الفرض و خارج عن اطلاقات الاصول المؤمنة، و ليس عنوان فوت التكليف موضوعاً لوجوب التعلّم ليجري استصحاب عدم الفوت في المستقبل، بل الموضوع التكليف المحتمل، و استصحاب العدم الموضوعي الاستقبالي أو أي أصل آخر حتى إذا قيل بقيامه مقام القطع الموضوعي لا يجدي في التأمين عن هذه الناحية، إمّا لكونه مثبتاً أي لا ينفي احتمال فوت التكليف من هذه الناحية إلّا بالملازمة العقلية أو لتقدّم إطلاق أخبار التعلّم عليه بالحكومة أو الأخصّية، أو لأنّ نظر الاصول المؤمّنة إلى التفويت من ناحية الجهل لا من ناحية ترك التعلّم المحتمل أدائه إلى ترك الواجب كما أشرنا إليه، فيجب التعلّم بالخصوص من المقدمات المفوّتة على المكلّف.

نعم، إذا كان يعلم بأنّه سوف يبقى شاكّاً في الصغرى حتى في المستقبل و أنّ الحكم الظاهري الفعلي في حقّه عند زمان الابتلاء أيضاً هو الترخيص الشرعي الجاري في الشبهات الموضوعية مطلقاً، فلا يجب عليه التعلّم عندئذٍ؛ لأنّه من قبيل مورد العلم بعدم ابتلائه بالموضوع مستقبلًا و للعلم بعدم التفويت من هذه الناحية.

و كذلك الحال إذا فرض انّ القدرة على الامتثال حتى من ناحية التعلّم كان من شرائط الاتصاف في وقت الابتلاء، فإنّه أيضاً على القاعدة لا يجب التعلّم من المقدمات المفوّتة.

ص 217 السطر الأخير قوله: (و يتمّ إطلاق الهيئة...).

بيانه الفني: أنّ هذا بحسب الحقيقة بابه باب مقيدية العلم بعدم شمول المادة للحصة الواقعة قبل القيد، و العلم مقيديته تكون بمقداره لا أكثر و لا علم بأكثر

261

من انخرام إطلاق المادة و عدم شمولها للحصة الواقعة قبل تحقق القيام، و امّا إطلاق الهيئة فلا علم على خلافه فيكون مقتضيه تاماً و مانعه و هو العلم بالخلاف مقطوع العدم، و هذا بخلاف الحالة الثالثة و التي يكون المانع واقع القرينة و القيد المتجه إلى الهيئة أو المادة، فإنّه أمر موضوعي محتمل، فيوجب احتماله الاجمال لا محالة، كما هو واضح.

ص 226 قوله: (و قد ذكر المحقّق النائيني (قدس سره)...).

وجهة قياسه بالصورة الثانية من حيث انّ ترك الوضوء معلوم كونه مخالفة و معاقباً عليه، امّا لنفسه أو لأدائه إلى ترك واجب نفسي آخر، فلا تجري البراءة عنه، و يشك في تقيّد الواجب الآخر به فتجري البراءة عنه بلا معارض.

و اشكال السيد الخوئي (قدس سره) عليه أنّه فرق بين الصورتين، فإنّه في الصورة الثانية لم يكن يعلم بوجوب الزيارة فلم يكن إلّا عقوبة واحدة في البين، بينما في المقام على تقدير كون الوضوء واجباً نفسياً يوجد واجبان نفسيّان فتجري البراءة عن وجوب الوضوء النفسي لنفي العقوبة الزائدة فيتعارض مع البراءة عن التقيّد.

ص 226 السطر الأخير قوله: (توضيح ذلك: انّ أصالة البراءة...).

حاصل المرام: انّ الاصول المؤمنة إنّما تجري عن التكليف المشكوك فيما إذا كان يترتب عليه نفي عقوبة محتملة لا ما إذا لم يترتب عليه ذلك امّا لكون العقوبة مقطوعة أو لكونها مقطوعة العدم، و هذا شرط مصحح لجريان أي أصل ترخيصي.

و بناءً عليه نقول: في المقام البراءة عن الوجوب النفسي للوضوء مثلًا لنفي‏

262

عقوبة زائدة إنّما تجري في فرض ترك الصلاة، و امّا في فرض فعلها فلا تجري للقطع بالعقوبة في هذه الحالة على ترك الوضوء امّا لكونه واجباً نفسياً أو لكونه واجباً غيرياً يكون تركه موجباً لترك التقيد و بالتالي العقوبة على مخالفة الواجب النفسي الآخر من ناحية ترك التقيد و لا يحتمل أكثر من عقوبة واحدة في هذه الحالة على ترك الوضوء إذ ليس واجباً نفسياً و غيرياً. ففي هذا التقدير لا مجرى لأصالة البراءة عن الوجوب النفسي المحتمل للوضوء- كما هو في الصورة الثانية- و امّا البراءة عن التقيد فلا تجري إلّا في فرض فعل ذات الصلاة، و إلّا كانت العقوبة من ناحية هذا التكليف معلومة على كل حال لترك ذات الواجب على كل حال، و هذا يعني عدم جريان البراءة عن الطرفين في عرض واحد بحيث يمكن الاستناد اليهما معاً فتجري البراءة عن التقيد في حال الاتيان بالصلاة كما تجري البراءة عن الوجوب النفسي للوضوء لمن ترك الصلاة لنفي عقوبة زائدة على تركه من دون معارض لعدم جريان البراءة عن التقيد لمن يترك أصل الصلاة للعلم بالعقوبة من ناحية التكليف النفسي بها على كل حال.

و هذا نظير ما يقال في الشبهة غير المحصورة من عدم إمكان ارتكاب تمام الأطراف معاً لكثرتها فلا تجري الاصول المؤمنة فيها جميعاً في عرض واحد.

و إن كان بينهما فرق من ناحية انّ الشبهة غير المحصورة لا يمكن فيها المخالفة القطعية أي ارتكاب الأطراف جميعاً امّا الابتلاء بكل طرف في نفسه و ارتكابه فمقدور و فعلي فيكون مجرىً للأصل في نفسه، و من هنا نقض عليه السيد الخوئي بمورد عدم امكان الجمع بين طرفي شبهة محصورة و قال بأنّ المحذور هو الترخيص القطعي في المخالفة لا الترخيص في المخالفة القطعية (1)، بينما

____________

(1) () يراجع بحث الشبهة غير المحصورة

263

هنا عدم الاستناد إلى الأصل في الطرفين معاً لعدم اجتماع جريانهما معاً في فرض واحد فلا يلزم حتى الترخيص القطعي في المخالفة، أي شرط الجريان لكل من الأصلين لا يجتمع مع شرط جريان الآخر ليلزم الترخيص في المخالفة القطعية.

فليس الاشكال من ناحية عدم امكان المخالفة القطعية كما في العلم الإجمالي بحرمة أحد الضدّين ليقال بأنّ ذلك ليس مانعاً عن جريان البراءة في الطرفين و تعارضهما، بل ذاك الاشكال غير متّجه هنا لتحقق المخالفة القطعية للمعلوم بالاجمال حين يترك كلا الواجبين، و لا ينافي ذلك حصول العلم التفصيلي بمخالفة التكليف بالصلاة من غير ناحية التقيّد بالوضوء، فإنّ التكليف المعلوم بالإجمال و المردّد بين وجوب التقيّد النفسي أو وجوب الوضوء النفسي أيضاً يعلم بمخالفته، و هو يكفي في ايقاع المعارضة حتى عند القائلين بأنّ المانع هو الترخيص في وقوع المخالفة القطعية- كالميرزا (قدس سره)- و إنّما الاشكال عدم اجتماع الأصلين الترخيصيين معاً في الجريان ليلزم الترخيص في المخالفة؛ إذ لو أراد المكلّف ترك كليهما جرى الأصل الترخيصي عن وجوب الوضوء النفسي؛ لأنّه له أثر و هو نفي العقاب الزائد، إلّا انّه لا موضوع لجريان الأصل عن التقيّد للعلم بترتب العقوبة من ناحية وجوبه النفسي على كل حال، فلا أثر لجريان البراءة عنه، و إن أراد المكلّف فعل الصلاة و أراد اجراء الأصل المؤمّن عن التقيّد ليستطيع تركه في هذا الحال جرى الأصل عن التقيّد، و لكنه لم يجر عن الوجوب النفسي للوضوء؛ لأنّه في هذه الحالة يعلم بعدم ترتب عقوبة زائدة على تركه و عقوبة واحدة في تركه معلومة تفصيلًا فلا يجتمع الأصلان معاً، و هذا مطلب دقيق حقيق بالتأمل فيه.

264

ص 228 قوله: (الثانية...).

المقصود من قوله: (إذ يمكن حينئذٍ المخالفة القطعية للتكليف النفسي المعلوم بالاجمال على كلّ تقدير...).

أي في زمانه مستقلّاً عن الآخر. و الأولى تغيير التعبير بالقول:

(إذ لا تكون مخالفة الوجوب النفسي مستلزمة للمخالفة القطعية حتى لا يجري الأصل عنه) لوضوح انّ هذا هو سبب الانحلال و جريان الأصل عن التقييد بلا معارض، فإذا فرض تقيد زمان الوجوب النفسي بمقدار أقل من زمان وجوب التقيد- الوجوب الغيري- فلا محالة لا تكون مخالفة الوجوب النفسي المحتمل في الوضوء مساوقة للمخالفة القطعية فيكون جريان البراءة عنه لنفي لزوم الاتيان به في ذلك الوقت الأخص فيعارض البراءة عن التقيد و إن كان ذات الفعل في الوقت الأعم معلوم ترتب العقاب على تركه فيكون في كلّ من طرفي العلم الإجمالي بالوجوب النفسي أو التقيد- الوجوب الغيري- مئونة ثقل زائدة منفية بالأصل المؤمّن فيقع التعارض بينهما.

ثمّ انّه قد يقال بعدم صحة ما في ذيل هذا الاستثناء من جريان الانحلال عكسياً في الصورة الرابعة، إذ يترتب على جريان البراءة عن التقيد امكان الاتيان بالوضوء بعد الصلاة في الوقت الأخص و عدم الالتزام بالاتيان به قبل الصلاة فيكون معارضاً مع الأصل الجاري لنفي الوجوب النفسي في الزمن الأخص.

و إن شئت قلت: حسب التعبير الآخر انّ البراءة عن التقيد بفرض الاتيان بالصلاة دون وضوء ليس مخالفة قطعية للتكليف المعلوم بالاجمال إذا كان‏

265

الاتيان بالصلاة قبل الوضوء في الوقت الخاص فهذه مخالفة لوجوب التقييد المحتمل بلا أن تكون مخالفة قطعية للعلم الإجمالي.

و الجواب: بعين ما تقدم في الصورة الرابعة على اشكال السيد الخوئي (قدس سره) فإنّ الأصلين المذكورين لا يستند اليهما المكلّف في عرض واحد، إذ الاستناد إلى البراءة عن الوجوب النفسي في الزمن الخاص إنّما يكون لمن يريد تركه في ذلك الزمان بالخصوص فيكون تركه للوضوء قبل الصلاة بعد ذلك الوقت مخالفة قطعية حتى لو جاء به بعدها، و هذا يعني انّ المكلّف إنّما ينفي التقيد بالوضوء في الوقت الخاص في فرض الاتيان بالوضوء فيه و إلّا كان مخالفة قطعية في تركه للوضوء في ذلك الوقت مع اتيانه بذات الصلاة فيه فالبراءة عن التقيد في الوقت الخاص إنّما تجري في فرض الاتيان فيه بذات الوضوء و الذي لا مجرى فيه للبراءة عن الوجوب النفسي و في الفرض الذي يجري فيه البراءة عن الوجوب النفسي لا مجرى للأصل عن التقيد.

كما انّه لا بد من فرض انّ القيد أصل فعل الوضوء قبل الصلاة لا حفظه إلى حين الصلاة و إلّا كانت مخالفة التقيّد من دون مخالفة الوجوب النفسي للوضوء ممكنة بالوضوء في الوقت الخاص ثمّ الحدث ثمّ الصلاة من دون وضوء. فلا بد من فرض انّ القيد تحقق ذات الوضوء قبل الصلاة أو كون الواجب النفسي الوضوء غير الملحوق بحدث إلى حين الصلاة، فتدبر جيداً.

ص 231 قوله: (الوجه الثالث- لو لم يكن يترتب ثواب مستقل...).

روح الجواب على كلام السيد الخوئي (قدس سره)- سواء بلحاظ ما يذكره من الحل الذي هو الوجه الثاني أو النقض الذي هو الوجه الثالث- انّ تحقّق الانقياد

266

و التعظيم للمولى بفعل المقدّمة بقصد التوصل إلى ذي المقدمة و المطلوب النفسي مما لا اشكال فيه و هو موجب لحسن الثواب أو استحقاقه.

إلّا أنّ الكلام في انّ انقيادية فعل المقدمة ليست بلحاظ فعل المقدمة بل بلحاظ كونه انقياداً لفعل المطلوب النفسي و شروعاً في التوصل إليه من أجل المولى، فكما أنّ ترك المقدمة بما أنّه مؤدٍّ إلى ترك المطلوب النفسي يكون معصية و قبيحاً كذلك فعل المقدمة أو الجزء بما هو انقياد و اطاعة للمطلوب النفسي يكون حسناً و تعظيماً للمولى، و هذا العنوان- الانقياد بلحاظ المطلوب النفسي- لا يتعدّد بلحاظ تعدد المقدمة وذي المقدمة أو تعدد الاجزاء و تكثّرها، و إنّما هو نفسه عند ما يتحقق المطلوب النفسي بعد فعل المقدمات و الاجزاء، أي ليس كالكلي و الأفراد بل كالكل و الجزء، فلا يكون هناك انقيادان و تعظيمان للمولى، بل تعظيم و انقياد واحد طويل أو قصير، شاق أو سهل، فهو يقتضي إثابة واحدة- و إن اختلف حجمها- و ليس من قبيل اطاعة تكليفين مستقلّين للمولى.

و هذا يشبه ما نقوله في التجري و المعصية و الانقياد و الطاعة، من انّ المعيار في استحقاق العقوبة هو الخروج عن زي الرقية و العبودية، و هي واحدة في التجرّي و المعصية و لا تتعدّد باصابة اعتقاد المكلّف للواقع، و كذلك استحقاق الثواب إنّما هو للانقياد و تعظيم المولى الذي لا يتعدد باصابة اعتقاد المكلّف للواقع.

ففي المقام الشروع في التحرك لتحقيق المطلوب النفسي للمولى انقياد و تعظيم للمولى بلحاظ تحقيق مطلوبه النفسي لا الغيري، و لا الجزء بما هو جزء،

267

و حيث انّ المطلوب النفسي واحد، فالتحرك كلّه من أوّله إلى آخره انقياد و تعظيم واحد لا متعدد، و إن كان متحداً و منطبقاً على المقدمة و الجزء حين الاتيان بهما، و ليست انقيادات متعدّدة، بل يستحيل ذلك لوحدة المطلوب النفسي و عدم تعدّده.

و على هذا الأساس يكون مورد النقض الذي ذكره السيد الخوئي (قدس سره) يشبه الانقياد في مورد الجهل المركب و عدم اصابة اعتقاد المكلّف بما يعتقد وجوبه للواقع من حيث انّه قد تحقق التحرك لأجل امتثال و تحقيق المطلوب النفسي للمولى بفعل المقدمة أو الجزء منه، و إن ظهر في الأثناء عدم امكان الوصول إلى فعل المطلوب النفسي أو الكل، كما إذا ظهر خطأ اعتقاد المكلّف في مورد الاطاعة، إلّا أنّ هذا الثواب ليس هو ثواب فعل المطلوب النفسي، بخلاف الانقياد في موارد الجهل المركب الذي ثوابه نفس ثواب الاطاعة، و هذا روح مقصود السيد الشهيد (قدس سره).

و لكن هذا لعلّه يقبله السيد الخوئي (قدس سره)، فإنّ المهمّ عنده اثبات تحقق الانقياد و التعظيم الموجب للثواب بفعل المقدمة و صدقه عليه، من دون تحقق المطلوب النفسي، و لو كان من جهة كونه انقياداً بلحاظ امتثال المطلوب النفسي بحيث لو كان يتحقق المطلوب النفسي لم يكن انقيادان بل انقياد واحد، فتمام كلامه انطباق و صدق هذا العنوان الذي هو موضوع للثواب على المقدمة و الجزء مع عدم تحقق المطلوب النفسي في الخارج حتى بحسب علم المكلف و اعتقاده، فإنّه يعلم بعدم تحقق المطلوب النفسي بعد، و هذا بخلاف العقاب، فإنّه يكون على ترك ذي المقدمة لا المقدمة.

268

إلّا أنّ هذا التفصيل أيضاً غير تام؛ لأنّ هذا لا يختصّ بالثواب و الانقياد، بل جارٍ في طرف المخالفة و التجرّي أيضاً لمن يترك المقدمة بقصد أو مع العلم بأنّه يوجب ترك الواجب، أو يرتكب مقدمات الحرام من أجل التوصل إلى فعل الحرام ثمّ لا يرتكب الحرام حين الوصول إليه، فإنّه أيضاً يكون متجرياً و فعله قبيحاً عقلًا، و إن كان معفواً عنه شرعاً- كما حقق في مبحث التجرّي- فلا فرق بين العقاب و الثواب على المقدمات من هذه الناحية أيضاً، فما يظهر من السيد الخوئي (قدس سره) من التفرقة في غير محلّه.

و امّا النقض الذي ذكره السيد الشهيد (قدس سره) في ذيل البحث و هو عدم تحقق موضوع الحسن و الثواب المولوي لمن يتراجع بنفسه بعد فعل المقدمات أو الاجزاء عن تحقيق المطلوب النفسي لأنّ ذلك مأخوذ في موضوع حكم العقل بنحو الشرط المتأخر، فمما لا يمكن المساعدة عليه لشهادة الوجدان بالفرق بين هذا المكلّف و من لم يفعل و لم يتحرك نحو تحقيق مطلوب المولى النفسي أصلًا و أساساً تطبيق فكرة الشرط المتأخر بهذا النحو في مدركات العقل العملي التي هي امور واقعية غير واضحة الصحة، و لهذا لو كان قربياً فلا شك في تحقق قصد القربة بذلك و صحة العمل إذا كان عبادياً و لو رجع بعد ذلك عن فعل ذي المقدمة.

فهذا النقض غير وارد و لا حاجة إليه.

ص 232 قوله: (المقام الثاني...).

يناسب أن يبحث قبله في ذيل المقام الأوّل عن الأدلّة الواردة الظاهرة في ترتب الثواب على فعل بعض المقدمات كما ورد في ثواب كل خطوة لمن مشى إلى الحج أو زيارة الإمام الحسين أو أمير المؤمنين (عليهما السلام) أو المجاهد في بعض الآيات.

269

و الجواب عنه في الكفاية بالتفضل تارة و بأنّه من باب أشقية و أحمزية فعل ذي المقدمة، و يمكن الاجابة ثالثاً: باستظهار الثواب على ذلك مستقلّاً لانطباق عنوان راجح نفسي على المقدمة كالتعظيم للشعائر أو الخشوع و الخضوع أو غير ذلك، و لهذا قد رتب هذا الثواب على كيفيةٍ في المقدمة و هو السير لا على أصله و هذا واضح من ألسنة تلك الروايات فراجع.

ص 232 قوله: (المقام الثاني- في امكان التقرب بالأمر الغيري...).

المقصود امكان داعوية و محركية الأمر الغيري مستقلّاً عن محركية الأمر النفسي بذي المقدمة و قصد التوصل بالمقدمة إلى امتثاله.

ص 232 قوله: (الوجه الثاني...).

ما ذكر في الهامش من الاشكال غير وارد، فإنّ المقصود انّ الوجوب الغيري بناءً على تعلّقه بالحصة الموصلة ليس فيه مزيد محركية مولوية، لا بلحاظ المتعلق أي فعل ذات المقدمة وحدها؛ لعدم تعلقه بها بحسب الفرض، و لا بلحاظ تشديد الارادة المولوية كما في موارد وجوبين نفسيين أو وجوب واحد مؤكّد، حيث يمكن للمكلّف أن لا ينبعث من الأمر غير المؤكد و إنّما يحرّكه الأمر المؤكّد أو وجود أمرين مولويين، فإنّ هذا أيضاً غير موجود في المقام حتى عند القائل بوجوب المقدمة، و هذا هو معنى عدم وجود محركية مستقلّة للوجوب الغيري بناءً على اختصاصه بالحصة الموصلة.

لا يقال‏: هذا معناه أنّ الأمر الغيري لا يمكن أن يضيف محركيّة و داعوية جديدة أو زائدة على ما للأمر النفسي من المحركية نحو المقدمة، إلّا أنّه لا ينفي امكان محركيته بدلًا عن الأمر النفسي و في عرضه، أي لا ينفي أصل صلاحيته‏

270

و قابليته للمحركية، و بالتالي للمقربية ما لم نضمّ ما سيأتي في الوجه القادم.

فإنّه يقال‏: بل ينفي ذلك أيضاً؛ لأنّ محركيّة و مقربية الأمر النفسي ثابتة و فعلية، فلو فرض أنّ الوجوب الغيري المترشح منه صالح للمقربية و المحركية مستقلّاً و في نفسه مع قطع النظر عن الأمر النفسي لزم التعدد، و بالتالي اشتداد المحركيّة لا محالة و هو خلف، فالقول بالوجوب الغيري للحصة الموصلة أو عدمه لا يمكن أن يؤثّر شيئاً في عالم المحركيّة المولوية بحكم هذا البرهان.

ص 233 قوله: (الوجه الثالث...).

قد يقال: بأنّ المسألة عكسية بمعنى انّ ترتب الثواب فرع امكان المحركية و الداعوية فكيف جعلت المحركية متوقفة على ترتب الثواب و هل هذا إلّا دور، و لهذا نجد في الحلقات انّ السيد الشهيد جعل ترتب الثواب من آثار امكان المحركية و الداعوية.

و الجواب: انّه لا ترتب في المسألتين بل يمكن أن يقال بترتب الثواب على فعل المقدمة مستقلّاً و لكن إذا جي‏ء بها بقصد قربى و هو قصد التوصل و امتثال الأمر النفسي فقط كما قال السيد الخوئي، فترتب الثواب لا يلازم محركية الأمر الغيري و مقربيته، و كأنّه وقع خلط بينهما. نعم ملاك المسألتين و مبناهما شي‏ء واحد و هو تحديد ما به الانقياد و الطاعة أو المخالفة للمولى أي تشخيص مركز الانقياد و المخالفة فهل هو فعل ذي المقدمة بالخصوص بقصد امتثال الأمر النفسي، أو كل منه و من المقدمة مستقلّاً، و هذا لا ربط له بمقربية الأمر الغيري.

و قد بيّن بنحوين:

أحدهما- انّ ملاك الثواب و العقاب أو الانقياد و العصيان إنّما يكون بقصد

271

امتثال ما فيه الفائدة و المطلوبية للمولى الموضوع للثواب و العقاب الانفعاليين، و هو الواجب النفسي لا الغيري، فلا محركية لغيره.

و إن شئت قلت: المقصود من داعوية الأمر و محركيته الاتيان بمتعلقه من أجل المولى و مضافاً إليه و الاضافة إلى المولى و كون الفعل لأجله و لخاطره إنّما تكون بلحاظ ما هو موضوع انفعاله بما هو مولى فعلًا و تركاً و هو الواجب النفسي لا محالة.

الثاني- انّ معنى المحركية و الداعوية جعل العبد نفسه و ارادته محل المولى بما هو مولى و ارادته و تحركه فهو يقوم بدلًا عن المولى بما يريده، و من الواضح انّ المولى لو كان يتحرك بنفسه كان فعله للمقدمة بتحريك مطلوبية ذي المقدمة لا أمر آخر فتكون ارادة العبد لها من أجل المولى كذلك أيضاً، أي متطابقاً مع ذلك.

ص 236 قوله: (ثمّ انّ صاحب الكفاية...).

هناك أجوبة ثلاثة في تفسير و تحليل قربية الطهارات: أحدها للشيخ و الآخر لصاحب الكفاية و الثالث للميرزا (قدس سره)، و كان ينبغي ذكر موقف الميرزا (قدس سره) كما فعله في الدراسات و المحاضرات، و لا أدري لما ذا حذفه السيد الشهيد (قدس سره)، كما أنّ موقف كل من الشيخ و الميرزا و صاحب الكفاية لو تمّ كان جواباً على الاشكالات الثلاثة معاً لا بعضها كما هو ظاهر الكتاب.

بل الاشكال الأوّل و الثالث اشكال واحد، فالأولى الاقتصار على اشكالين الثاني و الثالث، و ذكر مواقف الأعلام الثلاثة (الشيخ و صاحب الكفاية و الميرزا) و التي هي تصلح لأن تكون جواباً على كليهما، ثمّ التعليق عليها مع ذكر الجواب‏

272

الصحيح من انّ العبادية ناشئة من كونها بما هي عبادة مقدمة (جواب الاشكال الثاني) و من انّ عباديتها تحصل بقصد التوصل لا قصد الأمر الغيري (جواب الاشكال الثالث).

ص 237 قوله: (ثانيهما...).

الظاهر انّه ليس المقصود موارد التزاحم، فإنّه لا يضرّ بالصحّة و ثبوت الأمر الاستحبابي بالطهور بنحو الترتّب و إنّما يقصد تعلّق الكراهة بالطهور أو الأمر الاستحبابي أو الوجوبي لو لا المقدمية بالترك، فلا يعقل فيه الترتب، فلا محالة يرتفع الاستحباب النفسي عن الطهور، بخلاف الوجوب الغيري.

و الاشكال برجوع الاستحباب و صحّة التمسك بدليله بعد ثبوت الوجوب الغيري و عدم امكان احراز الملاك و مبادئ الكراهة أو استحباب الترك المانع عن الاستحباب النفسي للطهور.

جوابه ما ذكر في الكتاب من الجوابين.

و قد يناقش في الجواب الثاني أي فرض عدم الانحصار بدعوى انّه لا نقبل امكان التقرب بالمقدمة المكروهة أو المستحب تركها حتى مع قصد التوصل بها إلى الواجب النفسي، بشهادة انّه لو كان محرماً لم يصح الاتيان به كذلك، فكذلك إذا كان مكروهاً أو تركه مستحبّاً أهم. و الوجه فيه انّه مع عدم الانحصار لا توقف للواجب النفسي على فعل تلك الحصة فيكون المولى قادراً على حفظ كلا غرضيه فلا يكون الاتيان بالمقدمة المكروهة أو المستحب تركها امتثالًا لأوامر المولى حين الشروع في المقدمة بل مخالفة له لأنّه تفويت لغرضه الفعلي القابل للجمع مع الغرض في الواجب النفسي.

273

هذا و لكن الصحيح انّه يمكن اضافتها إلى المولى بلحاظ كونها موصلة و محققة للواجب النفسي و النقض بالمقدمة المحرمة مع المندوحة في غير محله لأنّه هناك تكون الحرمة موجبة لتحقق العصيان، و معه يكون الفعل قبيحاً عقلًا فلا يمكن أن يتصف بالحسن و العبادية أصلًا، بخلاف فرض الكراهة أو استحباب الترك، فتدبر جيداً.

ص 247 قوله: (و ثانياً- بالحلّ بأنّ الأمر الغيري و كذلك الأمر الضمني...).

قد يقال‏: ما ذكر تام في الأمر الضمني فإنّ امتثاله ليس مستقلّاً عن امتثال الأمر الاستقلالي لأنّه أمر واحد له امتثال واحد، فعلى القول بسقوط فعلية الأمر بالامتثال لا يكون له إلّا سقوط واحد كما لا يكون له إلّا فعلية واحدة.

فالحاصل: وحدة الأوامر الضمنية في الفعلية تستلزم وحدتها في السقوط، و هذا لا ربط له بمسألة اشتراط أن لا يكون متعلق الوجوب الضمني حاصلًا في الخارج و إن طلب الحاصل فيها لغو أيضاً كما في الهامش، فإنّ ذلك مسألة اخرى مربوط بلغوية انبساط الأمر على جزء حاصل خارجاً في مقام الجعل، و ليس مربوطاً بمرحلة الفعلية كما لا يخفى بالتأمل.

إلّا أنّ هذا البيان تام في الأوامر الضمنية دون الغيرية لأنّها مستقلة عن الأمر النفسي في التعلّق و الفعلية.

نعم، الصحيح أن يقال انّه بناءً على القول بالمقدمة الموصلة يكون الأمر الغيري المتعلّق بذات المقدمة أمراً ضمنياً غيرياً فلا يسقط إلّا بتحقق امتثال الأمر الغيري المستقل أي الاتيان بالعلة التامة و المقدمة الموصلة، فالاشكال مندفع بأنّ عدم سقوطه لكونه ضمنياً لا لكونه غيرياً.

274

و الجواب‏: انّ نفس ما يقال في الأوامر الضمنية يصحّ في الأوامر الغيرية؛ لكونه تابعة للوجوب النفسي، فحتى إذا فرضنا حيثية التوصل خارجاً عن متعلّق الأمر الضمني بالمقدمة الموصلة- كما هو الصحيح على ما سيأتي- مع ذلك نقول بأنّ الوجوب الغيري لذات المقدمة الموصلة و واقعها أيضاً يكون سقوطها بسقوط الأمر النفسي من خلال امتثاله و تحقق ذي المقدمة خارجاً، و إلّا فما دام الوجوب النفسي فعلياً يكون الوجوب الترشحي الغيري فعلياً أيضاً؛ لكون متعلقه ما يكون مساوقاً مع تحقق ذي المقدمة و الواجب النفسي.

نعم، بناءً على ما هو الصحيح من عدم سقوط فعلية الأمر بالامتثال أصلًا و إنّما الساقط فاعليته لا موضوع لاشكال صاحب الكفاية حيث لا فاعلية للأوامر الغيرية أصلًا، و لا موضوع لاشكال تحصيل الحاصل فيها.

ص 351 قوله: (التصوير الرابع... و لكن لا بعنوان المقدمية العلية...).

المقصود انّ متعلّق الوجوب الغيري مجموع الأجزاء بعناوينها الواقعية التفصيلية المحققة لما يساوق العلّة التامة بحيث يستلزم و لو من باب السلطنة و الاختيار تحقق ذي المقدمة.

لا يقال: تلك الأجزاء و العناوين التفصيلية أيضاً لا بدّ من تقييدها بالايصال و إلّا لزم الإطلاق.

فإنّه يقال: انّ تلك الأجزاء من جملتها ارادة ذي المقدمة و هي مساوقة لتحققه بلا حاجة إلى أخذ قيد الايصال، هذا إذا لم تكن المقدمة سبباً توليدياً كالالقاء في النار، و إلّا فلا موضوع و لا حاجة إلى أخذ الايصال و العلية فيه؛ لأنّ العنوان التفصيلي تحققه مساوق لتحقق الواجب النفسي، إلّا انّ السبب التوليدي‏

275

يكون هو الواجب النفسي لا الغيري.

و قد يناقش هذا التصوير بأنّ هذا يجعل مجموع المقدمات وجوباً غيرياً واحداً لا انّ كل مقدمة لها وجوب غيري مستقل، و ظاهر الأصحاب حتى القائلين بوجوب المقدمة الموصلة الثاني لا الأوّل.

و فيه مضافاً إلى عدم مأخذ للاستظهار المذكور في مثل هذه المسألة العقلية:

انّ القول بالمقدمة الموصلة تستلزم ذلك، لأنّ كل جزء من المقدمة أيضاً مقدمة فهل يقال بوجوبات غيرية لا نهائية، بل لا بد أن يقال بوجوب واحد غيري؛ لأنّ المقدمة الموصلة واحدة لا تتحقق إلّا بتحقق جميعها. نعم، على القول بوجوب مطلق المقدمة يمكن أن يمتثل الواجب الغيري بأشكال مختلفة فيعمل بعض المقدمات دون بعض، و كأنّه وقع خلط بين المطلبين.

و أشكل عليه أيضاً بأنّ المقدمات قبل الارادة ليست جزءاً من العلّة التامة فلا يترتب عليها ذو المقدمة و إنّما الذي يترتب عليها ذو المقدمة إنّما هو الارادة فقط، و القول باختصاص الوجوب الغيري بها معناه خروج المقدمات عن محط الوجوب الغيري، و هذا خلف المقصود، بل المطلوب اثبات وجوب تلك المقدمات، و لهذا أصرّ صاحب الكفاية على انّ الأثر المترتب على المقدمة و الملاك للايجاب الغيري هو التمكن من ذي المقدمة أي الأعداد و القرب منه لكي يريده فيفعله، و هذا الأثر يقتضي ايجاب مطلق المقدمة لأنّه أثر لمطلقها كما هو واضح...

و فيه: أوّلًا- ما تقدم من انّ المراد ليس عنوان العلّة التامة بمعناه المعقولي بل ما يكون تحققه مساوقاً مع تحقق الواجب النفسي، و لا اشكال في كون‏

276

المقدمات مع الارادة كذلك سواء سماه الفيلسوف بالعلة التامة أم لا.

و ثانياً- ما تقدم أيضاً من انّ التمكن و التقرب لا يمكن أن يكون ملاكاً للايجاب الغيري، و لعمري هذه الكلمات ليست إلّا دليل الخبط في أصل فهم البحث السابق، فراجع و تأمل.

ص 255 قوله: (ثمّ انّ صاحب الكفاية...).

و تعبير آخر غير اشكال تحصيل الحاصل و هو انّه على تقدير ترك ذي المقدمة تكون المقدمة محرمة و بالتالي الواجب النفسي ممنوعاً عنه شرعاً و غير مقدور، فلا وجوب له و لا يجب على المكلف تحصيل مقدمات الوجوب بل يمكنه رفع موضوع الوجوب عن نفسه بلا أن يكون آثماً. فهو يترك الواجب النفسي ليرتفع وجوبه بذلك.

ص 256 قوله: (أمّا الجهة الاولى...).

لا تخلو العبائر هنا عن اجمال، و المقصود أنّ الوجوب النفسي لذي المقدمة لا ينافي حرمة المقدمة غير الموصلة و لا يزاحمها لكي ترتفع فهي تكون فعلية على كل حال، و امّا حرمة الحصة الموصلة فلا موضوع لها لأنّ خطاب الحرمة مقيد بعدم الاشتغال بالضد الأهم و مع الايصال يكون الاشتغال بالضد الأهم فلا موضوع للحرمة. و منه يعرف انّه لا إطلاق لمتعلّق الحرمة أيضاً للحصة الموصلة إذا كان الواجب أهم أو مساوياً لأنّ إطلاق المتعلّق فرع إطلاق الحكم، فليس اختصاص الحرمة بالحصة غير الموصلة من باب تقييد متعلق خطاب الحرمة بل من باب تقيدها في نفسه- لأنّ تقييد مفاد الحرمة يؤدي إلى تقيد متعلقها أيضاً- فالتزاحم في خطاب الحرمة مع الواجب الأهم يؤدي إلى تقيد متعلقها و بالتالي‏

277

فعلية الحرمة للحصة غير الموصلة بلا حاجة إلى الترتب؛ لعدم المزاحمة.

و إن شئت قلت‏: بعد أن لم يكن للحرمة إطلاق لغرض الاشتغال بالواجب النفسي الأهم أو المساوي على القاعدة لكونها لغواً كان متعلقها مقيداً بالحصة غير الموصلة، و معه لا وجه لسقوط إطلاق الحرمة و تقييده علاوة على ذلك بنحو الترتب بعدم الاشتغال بالأهم أو المساوي، بل يكفي التقييد في الحرام، و هذا يعني اننا في باب التزاحم بين الواجب و الحرام لا نحتاج إلى الترتب أصلًا، فتدبر جيداً.

هذا إذا كان الواجب أهم أو مساوقاً، و أمّا إذا كان الحرام أهم فالحصة الموصلة أيضاً محرمة- لاطلاق التكليف بالأهم- إلّا أنّ هذا الإطلاق لا ينافي وجوب ذي المقدمة؛ لكونه مشروطاً بترك الأهم- كما هو في سائر موارد التزاحم بناءً على امكان الترتب- فلا منافاة و لا مطاردة بين التكليف الأهم المطلق مع المهم المشروط بعصيان الأهم.

و أمّا الوجوب الغيري للمقدمة الموصلة فأيضاً لا يوجب تنافياً مع الحرمة، و ذلك لأنّه إذا فرض انّ الواجب أهم أو مساوٍ فالحرمة فعلية في خصوص الحصة غير الموصلة، و لا تعمّ الحصة الموصلة، فلا مانع من وجوبها الغيري مطلقاً.

نعم، في فرض مساواة الواجب في الأهمية مع الحرام و احراز ثبوت ملاك الحرمة في الحصة الموصلة يكون إطلاق الوجوب النفسي و الغيري لغواً- كما هو في سائر موارد التزاحم- و هذا معناه أنّ فعل المقدمة- أي عدم الاشتغال بترك الحرام- شرط في الوجوب النفسي، فيكون من مقدمات و شرائط الوجوب النفسي، فلا يترشّح عليه الوجوب الغيري- كما تقدّم في محلّه-.

278

و من هنا قد يقال‏: بأنّه لا محرز لثبوت ملاك الحرمة في الحصة الموصلة حتى في فرض التساوي بعد أن كان دليل الحرمة مقيداً بالحصة غير الموصلة، أي انّ الحرام خصوص الحصة غير الموصلة، فيكون إطلاق دليل الوجوب محكماً و مثبتاً بالملازمة عدم الملاك و الموضوع للحرمة في الحصة الموصلة، و هذا يعني انّ ملاك الحرمة مرتفع بالاشتغال بالواجب النفسي و انّ القدرة فيها شرعية بهذا المعنى، و في مثله لا بأس باطلاق دليل الواجب حتى إذا كان مساوياً؛ لأنّه يحفظ كلا الملاكين.

إلّا أنّ هذا المطلب غير تام؛ لأنّ إطلاق دليل الحرمة أيضاً يقضي عدم تقيّد الحرام بغير الموصلة إذا كان يحتمل ارتفاع ملاك الوجوب النفسي بالاشتغال بامتثال الحرمة و النهي و إن كان مساوياً معه في الأهمية و بالتالي حرمة المقدمة الموصلة أيضاً فيسقط الاطلاقان أو لا وجود لهما من أوّل الأمر؛ لأنّ هذا الإطلاق بحسب الحقيقة مقيد في كل منهما بأن لا يكون الاشتغال بالآخر أيضاً رافعاً لملاك الأوّل، و إلّا كان هذا الإطلاق لغواً أيضاً، فإنّ المشروطين بالقدرة الشرعية كذلك- بحيث يرتفع ملاك كل منهما بفعل الآخر- لا إطلاق لشي‏ء منهما أيضاً لحال الاشتغال بالآخر، و حيث انّ هذا غير محرز في شي‏ء منهما فلا يمكن التمسّك بشي‏ء من الاطلاقين، و تفصيل ذلك في محلّه من بحوث التزاحم.

و إذا فرض أهمية الحرام على الواجب كانت الحرمة فعلية و مطلقة لكلتا الحصتين من المقدمة و لم يكن وجوب للمقدمة أصلًا؛ لأنّ وجوب ذي المقدمة مشروط بفعل الحرام أي المقدمة فتكون من شرائط الوجوب لذي المقدمة؛ فلا يترشّح عليها الوجوب أصلًا.

و هكذا يثبت انّه لا تنافي على القول بالمقدمة الموصلة أو إمكان تخصيص‏

279

الوجوب الغيري بها بين دليل حرمة المقدمة و دليل وجوب ذيها في تمام الصور لا من ناحية الوجوب النفسي لذي المقدمة لامكان الترتب بينه و بين حرمة المقدمة. و بتعبير أدقّ لاختصاص الحرمة بالحصة غير الموصلة في فرض أهمّية الواجب أو مساواته مع الحرام، فلا تضاد و لا تزاحم بينهما و لاشتراط وجوب ذي المقدمة بنحو الترتب بفرض عصيان الحرمة في فرض كونها أهم و متعلقة بالمقدمة مطلقاً، فلا تنافي بينهما كما هو مقرّر في بحث الترتّب.

و لا من ناحية الوجوب الغيري- الذي لا يعقل الترتب بينه و بين الحرمة لكونهما في موضوع واحد- لارتفاع الحرمة عنها- إذا كانت مساوية أو مرجوحة بالنسبة للوجوب النفسي- أو يكون فعل المقدمة من شرائط الوجوب النفسي لذي المقدمة، فلا يترشح وجوب غيري عليها- إذا كانا متساويين أو كانت الحرمة أهم من الوجوب- و هذا يعني انّه في فرض أهمية الوجوب، المقدمة الموصلة واجبة و ليست بمحرمة، و في فرض المساواة ليست واجبة و لا محرمة، و في فرض أهمية الحرمة محرمة و ليست واجبة.

هذا كلّه بناءً على وجوب المقدمة الموصلة، و أمّا على القول بوجوب مطلق المقدمة، فإذا فرض امكان تقييده بالموصلة كان الأمر كما هو على القول بوجوب الموصلة، أي لا وجه لرفع اليد عن الحرمة في غير الموصلة، و أمّا بناءً على عدم امكان التقييد لبراهين الاستحالة المزعومة فلا محالة يقع التعارض و التنافي بين الوجوب النفسي لذي المقدمة المستتبع لوجوب مطلق مقدمته مع الحرمة إذا كان الوجوب أهم، أي مطلقاً و غير مشروط بفعل الغصب لما في الكتاب، و من هنا كان لازمه القول بجواز ارتكاب الغصب بلا انقاذ الغريق؛ لامتناع حرمته مع كونه واجباً غيرياً، و هو التوالي الفاسدة لذاك المبنى.

280

لا يقال‏: الوجوب الغيري الفعلي لمطلق المقدمة و إن كان مانعاً عن فعلية حرمتها حتى في الحصة غير الموصلة، إلّا أنّه على هذا المبنى لصاحب الكفاية أن يقول بثبوت حرمة مشروطة للمقدمة، و هي يمكن أن تجتمع مع الوجوب المطلق- كما في سائر موارد التزاحم- و تصبح الحرمة فعلية عند عصيان الواجب المطلق، فإذا ترك المكلف ذا المقدمة حتى انتهى وقته انكشف حرمة المقدمة التي جاء بها فيكون معاقباً عليها.

فإنّه يقال‏: هذا يعقل إذا كان ترك الواجب النفسي الأهم شرطاً مقدماً أو مقارناً مع فعلية الحرمة، و أمّا إذا كان شرطاً متأخراً كما هو في المقام فلا يعقل؛ لأنّه يلزم اجتماع الوجوب و الحرمة على المقدمة غير الموصلة في الوقت، و هذا واضح.

ثمّ انّ صاحب الحاشية على المعالم- أخو صاحب الفصول- بعد أن اختار استحالة تقييد الوجوب الغيري بالحصة الموصلة اختار انّ الواجب ذات المقدمة من حيث الايصال و من أجله، أي لغرض الايصال، فيكون مهملًا لا إطلاق له لغير الموصلة و إن لم يكن الايصال قيداً في متعلّقه لامتناعه.

و قرره الميرزا (قدس سره) بعد أن وافقه على استحالة التقييد بما تقدم من محاذير الدور و الاستحالة، بأنّ متعلق الوجوب الغيري يبقى مهملًا من حيث الإطلاق و التقييد بالموصلة لأنّه كلما استحال التقييد استحال الإطلاق، و هذا الاهمال من حيث قيود الواجب و الوجوب معاً امّا الأوّل فلاستحالته بحسب الفرض، و امّا الثاني فلأنّ وجوب المقدمة أيضاً لا يمكن تقييده بالايصال و هو فعل الواجب النفسي لاستحالة تقييد وجوب الواجب النفسي بفعله، فيستحيل اطلاقه أيضاً، فيكون مهملًا من حيث الايصال، فكذلك يكون الوجوب الغيري؛ لأنّه تابع للنفسي في‏

281

شرائط الوجوب بمقتضى التبعية و الترشحية (1).

و هذا المقدار من البيان الاشكال على مبانيه واضح، حيث انّه ظهر عدم استحالة التقييد بالموصلة كما انّ الاهمال الثبوتي غير معقول و أنّ التقييد إذا استحال تعيّن الإطلاق لأنّ التقابل بينهما تقابل السلب و الايجاب، و هذا كلّه قد تقدّم.

ثمّ فرّع على ذلك الميرزا (قدس سره) انّه على القول بالاختصاص كما هو مقالة صاحب الفصول تكون المقدمة المحرمة حصتها غير الموصلة محرمة مطلقاً بلا ترتب و حصتها الموصلة واجبة بالوجوب الغيري بلا تزاحم و لا تعارض و لا ترتب، و امّا على مقالة صاحب الحاشية فقد ذكر صاحب الحاشية انّ المقدمة إذا كانت محرمة فسوف يقع التزاحم بين حرمتها و وجوبها فيحكم بحرمتها على تقدير عدم الايصال بنحو الترتب على عصيان الواجب، و عدم الاتيان بالمقدمة الموصلة.

و أشكل عليه الميرزا (قدس سره) بأنّ الترتب لا يعقل بين الخطابين المتعلقين بموضوع واحد، و هما في المقام حرمة المقدمة و وجوبها من حيث الايصال، و إنّما يعقل الترتّب في المقام بناءً على هذه المقالة بين الوجوب النفسي لذي المقدمة و حرمة المقدمة فتحرم المقدمة بنحو الترتب على تقدير عصيان الواجب النفسي الأهم أو المساوي.

و اعترض عليه السيد الخوئي (قدس سره) على ما في تقريرات الوالد (قدس سره)(2) بايرادين:

____________

(1) () أجود التقريرات 1: 350، ط- مؤسسة صاحب الأمر

(2) () دراسات في علم الاصول 1: 341

282

1- انّه مبني على القول بالشرط المتأخر بأن يكون عدم الايصال شرطاً لحرمة المقدمة و الايصال شرطاً لجوازها.

2- انّه يلزم منه أن يكون جواز المقدمة مشروطاً بالايصال أي بفعل ذي المقدمة لأنّ أحد الحكمين الضدين إذا تقيد بشرط تقيد ضده بنقيض ذلك الشرط لا محالة. فيلزم ما تقدم من صاحب الكفاية من أن يكون وجوب ذي المقدمة المشروط بامكان مقدمته شرعاً و عقلًا مشروطاً بفعل الايصال فيكون تحصيلًا للحاصل، و أيضاً يلزم جواز تركه و رفع موضوعه حيث لا يجب تحقيق موضوع الوجوب.

و في تقريرات الفياض جعل الاشكال بنحو آخر حاصله:

انّه لا يعقل الترتب في المقام حتى بين الوجوب النفسي و حرمة المقدمة رغم تعدد متعلقهما؛ لأنّ حرمة المقدمة إذا كانت مشروطة بعصيان الوجوب النفسي لذي المقدمة فبطبيعة الحال يكون وجوبها مشروطاً بعدم عصيانه و اطاعته لاستحالة كون شي‏ء واحد في زمان واحد واجباً و حراماً معاً.

و إن شئت قلت: انّه لا يعقل أن يكون وجوبها مطلقاً و ثابتاً على كل تقدير مع كونها محرمة على تقدير عصيان الأمر بذي المقدمة، كيف فإنّه من اجتماع الوجوب و الحرمة الفعليين في شي‏ء في زمن واحد، فإذا كان وجوب المقدمة مشروطاً بعدم عصيان وجوب الواجب النفسي فعندئذٍ لا بد من النظر إلى انّ وجوب الواجب النفسي أيضاً مشروط بعدم عصيانه و اطاعته أم لا، فعلى الأوّل يلزم طلب الحاصل لأنّ مردّ ذلك إلى انّ وجوب الواجب النفسي مشروط باتيانه و اطاعته و هو مستحيل، و على الثاني يلزم التفكيك بين وجوب المقدمة

283

و وجوب ذيها من حيث الإطلاق و الاشتراط و هو غير ممكن على القول بالملازمة بينهما كما هو المفروض‏ (1).

و كل هذه الكلمات مشوشة من جهات، و توضيح ذلك:

أوّلًا- ما ذكر من انّه على مقالة صاحب الفصول تحرم المقدمة غير الموصلة مطلقاً و تجب الموصلة بلا ترتّب إذا اريد به أنّ الحرمة لا تكون مشروطة بعصيان الواجب النفسي بل فعلية و لكن متعلّقها الحصة غير الموصلة فهذا صحيح، إلّا انّ هذا ليس بمعنى عدم الترتب فإنّ هذا التقييد للحرام بالحصة غير الموصلة هو نتيجة الترتب و كون خطاب الحرمة أيضاً مشروطاً بعدم الاشتغال بالأهم أو المساوي، كما يكون الواجب النفسي أيضاً وجوبه مشروطاً بفعل الحرام إذا كانت الحرمة أهم أو مساوية في الملاك معه- كما تقدم- و امّا عدم كون الحرمة للحصة غير الموصلة مشروطة بل مطلقة- على تقدير أهمية الواجب أو مساواته للحرام- فنكتته انّ قيود الحكم دائماً توجب تقيد المتعلّق لذلك الحكم بها أيضاً، سواءً في ذلك الوجوب أو الحرمة، غاية الأمر في الوجوب لا يمكن أن يكون الوجوب فعلياً و مطلقاً من جهة ذلك القيد؛ إذ يلزم وجوب تحصيل قيده عندئذٍ و هو خلف كونه شرطاً للوجوب، بينما في طرف الحرمة لا مانع من إطلاق الحرمة و كون الحرام الحصة الخاصة أي ارجاع القيد إلى الحرام لا الحرمة، فليس المقام خارجاً عن الترتب روحاً و حقيقةً، و إنّما نتيجة التزاحم بين الحرمة و الوجوب هذا النحو من التقييد، و هو تقييد الحرام لا الحرمة بلا حاجة إلى الترتّب.

____________

(1) () محاضرات في اصول الفقه 2: 424

284

و ثانياً- بناءً على استحالة التقييد و استحالة الإطلاق و بقاء متعلق الوجوب الغيري مهملًا أيضاً لا نحتاج إلى الترتب بل تكون الحصة غير الموصلة محرمة و ذات المقدمة مهملة واجبة بالوجوب الغيري و لا محذور في ذلك؛ لأنّ اختصاص التحريم بغير الموصلة لم يكن فيه محذور و إنّما المحذور في اختصاص الوجوب بالموصلة كما انّ وجوب المهملة لا تنافي حرمة المقيدة و إنّما يكون التنافي لو كان متعلق الوجوب مطلقاً؛ فلا فرق بين المسلكين في المقام، إلّا إذا قيل بأنّ المهملة في قوّة الكلية و هو باطل.

و أمّا بناءً على كلام صاحب الحاشية من انّ الواجب ذات المقدمة لغرض الايصال و من أجله، فإذا لم يرجع هذا إلى التقييد في متعلّق الوجوب و لا الاهمال كان حاله حال مبنى صاحب الكفاية كما هو واضح.

و ثالثاً- ما ذكره السيد الخوئي (قدس سره) من الاشكالات كلّها قابلة للدفع؛ أمّا اشكال لزوم شرط المتأخر فدفعه بأخذ التعقب شرطاً- كما أشار إليه بنفسه أيضاً- أو ما عرفت من امكان أن يكون عدم الايصال قيداً في الحرام بدون ترتّب و لا محذور فيه، و إنّما المحذور في أخذ الايصال قيداً في الواجب الغيري.

و أمّا اشكال صاحب الكفاية على تقدير أخذ الايصال شرطاً متأخراً للجواز فقد عرفت الجواب عليه فيما تقدم من انّه يعقل الأمر بذي المقدمة حتى إذا كان الايصال قيداً و شرطاً للجواز فضلًا عمّا إذا كان قيداً للجائز.

نعم، قد يرد محذور اجتماع الأمر و النهي على الحصة غير الموصلة إذا كان متعلّق الوجوب الغيري مطلقاً، و لكنه خلف مبنى الاهمال، و أمّا ما ذكر في المحاضرات من انّ الوجوب الغيري إذا لم يكن مشروطاً بالايصال لزم اجتماع‏

285

الأمر و النهي في الحصّة غير الموصلة و إن كان مشروطاً به لزم أحد المحذورين المذكورين فغير تامّ:

أوّلًا- لأنّه لا وجه لأخذ عصيان الوجوب النفسي شرطاً في الحرمة بنحو الترتّب، بل يكفي تخصيص الحرمة بالمقدمة غير الموصلة بلا ترتّب مع وجوب المقدمة المهملة التي هي في قوّة الجزئية، أي وجوب الموصلة منها، فإنّه لا تنافي بينهما.

و ثانياً- حتى إذا افترضنا اشتراط الحرمة بنحو الترتب بعصيان الواجب النفسي لم يلزم محذور أيضاً؛ لأنّ قيود الحرمة قيود للحرام أيضاً، أي تمنع عن إطلاق الحرام لفاقد القيد، فلا يكون الحرام أكثر من الحصة غير الموصلة و حرمتها لا تنافي وجوب المقدمة المهملة.

ص 260 الهامش.

ما جاء في الهامش الأوّل ليس بصحيح، و ما ذكر فيه إن صحّ فهو من جهة عدم الملازمة بين حرمة شي‏ء و حرمة علته، كما لا ملازمة بين وجوب شي‏ء و وجوب مقدمته، أمّا إذا قبلنا ذلك فلا فرق بين ما هو علّة للحرام النفسي أو الغيري.

و أمّا ما جاء في الهامش الثاني و ما بعده من الهوامش المربوطة به فقابل للقبول، و اللَّه الهادي للصواب.

ص 263 قوله: (و لذلك ناقش المحقق الاصفهاني (قدس سره)...).

هذا الذي ذكره هذا المحقق (قدس سره) لا يعدو أن يكون مجرد تفسير للمراد من‏

286

الرفع في مصطلح الفلسفة بنحو بحيث يكون الفعل نقيض الترك و الوجود نقيض العدم بمعنى رفعه به بالمعنى المفعولي، و يتمّ عندئذٍ الفرق بين الفعل مع مطلق الترك و الفعل مع الترك الخاص فيكون الأوّل نقيضاً؛ لأنّه مرفوع به دون الثاني حيث انّ الفعل مرفوع بذات الترك دون دخل خصوصية الايصال فيه فيتم كلام صاحب الكفاية.

إلّا انّه يمكن تقريب المطلب بنحو يخرج عن كونه مجرد تفسير للمصطلح بل يكون نكتة ثبوتية فنية للتفرقة بين الفعل مع مطلق الترك و الفعل مع الترك الخاص- أي الموصل للازالة- و حاصله: انّ المراد بالرفع في قولهم نقيض كل شي‏ء رفعه هو العدم و النفي و عندئذٍ يقال انّ الوجود و الفعل نقيضه العدم و الترك و امّا الترك و العدم فنقيضه الفعل و الوجود لا عدم العدم أو ترك الترك لأنّ العدم لا يضاف إلى العدم بل يضاف إلى الماهية، و كذلك الترك بالمعنى المقصود في المقام و إلّا لزم وجود واسطة بين الوجود و العدم في الخارج أو يلزم وجود واجبين قديمين.

نعم، يعقل تصوير مفهوم ذهني محض للعدم و اضافة العدم إليه لكنه مفهوم ذهني لا واقعية له. راجع للتفصيل بحث الضد، برهان الدور، و مناقشة الأصفهاني فيه. وعليه فلا معنى لافتراض أن ينقض عدم شي‏ء عدم عدمه أو ترك فعل ترك تركه، و هذا واضح. فلا محالة يكون نقيض العدم و الترك الوجود و الفعل.

و أمّا الترك و العدم الخاص فحيث انّه اخذ فيه قيد و خصوصية بحيث يكون الملحوظ المقيد بتلك الخصوصية فلا محالة تكون هذه حيثية وجودية و لو اعتباريّة فيكون اضافة العدم إليه معقولًا فيكون نقيضه عدم الترك الخاص أو العدم الخاص لا الفعل، و هذا يعني انّ الواجب لو كان مطلق الترك كان الفعل‏

287

نقيضاً له و إذا كان الترك الخاص كان نقيضه عدم الترك الخاص، و هو ملازم مع الفعل لا نفسه.

نعم، البيان المذكور في ذيل هذا البحث من انّ المهم ملاحظة ملاك الملازمة و اقتضاء الأمر بشي‏ء للنهي عن ضدّه العام و انّ هذا الملاك جارٍ على كلا المبنين مطلب قابل للقبول، بمعنى أنّ الفعل كما يناقض مطلق الترك كذلك يناقض الترك الخاص أي حصة من الترك بمعنى أنّ النفس البشرية إذا أرادت فعل شي‏ء فلا يمكن أن تريد تركه أيضاً، بل كأنّ ارادة الفعل يعني ارادة انتقاله من العدم إلى الوجود، فهو يستبطن الابتعاد عن العدم و بغضه، و هذا كما هو ثابت بلحاظ مطلق تركه كذلك ثابت بلحاظ حصة من تركه فهو يبغض تلك الحصة من الترك أيضاً؛ لأنّ فيها عدم محبوبه على كل حال، و كذلك الأمر حينما يريد الترك الخاص فهو لا يمكن أن يريد الفعل؛ لأنّه مناقض مع الترك و العدم الذي يريده و لو مع خصوصية فيه، إلّا أنّ هذا فرع قبول أصل الملازمة، و سيأتي في مبحث الضد.

ص 266 س 20 قوله: (هذا إذا كانت الدلالة على وجوب المقدمة التزامية لفظية...).

بل حتى إذا كانت لفظية فلا تعارض، لأنّ هذه الدلالة اللفظية بنفس ملاك الملازمة المدعاة عقلًا لا أكثر، غاية الأمر لبداهتها و وضوحها تكون عرفية أيضاً، و المفروض انّ نكتتها لا تقتضي أكثر من كون المقدمة مقتضية للوجوب الغيري بحيث تتقيد بالمباحة مع وجود الحرمة لبعض أفرادها. ففرق بين كون الوجوب للجامع مدلولًا مطابقياً للفظ أو التزامياً قائماً على أساس نكتة مع وضوح نكتة الملازمة، فكما انّ بداهة الملازمة تجعلها عرفية و منشأ لتشكّل‏

288

دلالة التزامية بيّنة لفظية، كذلك بداهة نكتتها، و كون هذه النكتة مقيّدة بما إذا لم تكن المقدمة محرمة و لها أفراد مباحة، و إلّا اقتضت وجوب الجامع بين أفرادها المباحة لا الجامع بينها و بين المحرمة تجعل الدلالة الالتزامية اللفظية أيضاً مقيدة بأن لا تكون بعض الأفراد من المقدمة محرّمة فلا تتشكل دلالة التزامية نافية للحرمة ليكون من التعارض، و لا يقاس بالدلالة المطابقية للأمر النفسي بجامع الصلاة مع النهي عن الغصب. فالتعارض لا يثبت حتى على القول بالدلالة الالتزامية اللفظية، إلّا إذا قيل باستحالة التقييد بجامع الأفراد المباحة، أو بظهور دليل الوجوب في التعرّض للوجوب الفعلي لمقدمة الواجب النفسي و تجويز فعلها ضمن أيّة حصة، و كلاهما بلا موجب، فلا تتم الثمرة لا في هذا الشق و لا الشق الثالث، أي لا في شق عدم الانحصار في المحرمة و لا في شق الانحصار فيها، فتصوير هذه الثمرة بلحاظ وقوع التعارض بين دليل وجوب الواجب النفسي و حرمة المقدمة غير تام على المختار في الشقين معاً.

ثمّ انّ مراد من عبّر عن هذه الثمرة بدخوله على القول بالملازمة في باب الاجتماع- كصاحب الكفاية- هو تحقق التعارض بناءً على الامتناع، فإنّ أحد وجوه وقوع التعارض هو القول بالملازمة و القول بالامتناع مطلقاً أو في خصوص المقام لتعلّق الوجوب الغيري بالمعنون، فلا تغفل.

و منه يظهر ما في كلمات بعض الأعلام من انّ الثمرة بناءً على الدخول في باب الاجتماع صحّة المقدمة بناءً على الجواز أو عدم الملازمة و بطلانها بناءً على الامتناع؛ و لهذا لا بد من فرض الثمرة في خصوص المقدمة العبادية لا التوصلية لسقوط الغرض المقدمي بها و إن كانت محرمة.

فإنّ هذا التحرير للثمرة غير فنّي فإنّه:

289

أوّلًا- لا وجه للتخصيص، بل المقدمة التوصلية أيضاً بناءً على الامتناع تدخل في التعارض، فلو قيل بتقديم جانب الأمر ارتفعت الحرمة عنها، و هي ثمرة فقهية كما هو واضح.

و ثانياً- فساد المقدمة إذا كانت عبادة، بناءً على حرمتها لا ربط له بالقول بالملازمة، بل بناءً على عدمها أيضاً تفسد العبادة إذا كان التركيب اتحادياً؛ لعدم امكان قصد التقرب.

نعم، مع الجهل بالحرمة يتأتى قصد التقرب و يبقى البطلان من جهة عدم شمول الأمر له مع تعلّق النهي به واقعاً و صحة العبادة و اجزائها بحاجة إلى شمول الأمر لها أيضاً.

إلّا أنّ هذه الثمرة أيضاً ترجع إلى مسألة التعارض بين دليل الحرمة و دليل الأمر بذي المقدمة، فالثمرة لا بدّ من تحريرها بلحاظ كبرى التعارض.

ص 268 س 1 قوله: (أو تعلّقهما بالمعنون الواحد...).

الصحيح أن يقال‏: أو تعلّق الوجوب الغيري بالمعنون فإنّه حتى إذا كانت الحرمة حينئذٍ متعلقة بعنوان آخر غير العنوان الواقعي للمقدمة كان من التعارض لا الاجتماع بلحاظ ما سيذكر في جواب (إن قلت) أي يلزم التنافي بلحاظ مقدمة المقدمة، و هو ارادة المقدمة التي هي بضميمة عدم ارادة ذي المقدمة بمثابة العلة التامة لفعل الحرام، و هو الاجتياز غير الموصل في المثال المعروف، فيكون واجباً و حراماً ضمنياً و هو محال.

و كذلك الحال بناءً على امكان التخصيص بالموصلة إذا كانت الدلالة على الوجوب الغيري بالدلالة اللفظية.

290

و الجواب على هذه التفرقة بما في الهامش، فإنّه صحيح، فإنّ حرمة المجموع ليس بمعنى طلب تركهما معاً، بل طلب ترك أحدهما و هو يجتمع مع طلب فعل أحدهما المعيّن كما سيأتي في محلّه.

ص 269 الهامش.

ظاهر الحلقة الثالثة انّه إذا أصبح فعل واجب سبباً و علة تامة لتحقق حرام، فبناءً على عدم الملازمة و امكان الترتّب يقع التزاحم بين الواجب و الحرام كما في سائر الموارد، و أمّا بناءً على الملازمة فإذا كان الواجب أهم كان وجوبه مطلقاً و فعلياً، و الحرمة مشروطة بعدم الاشتغال بالواجب، فإذا لم يشتغل به المكلّف أصبحت الحرمة فعلية أيضاً، فيلزم اجتماع الوجوب و الحرمة في الواجب، فيقع التعارض بين دليليهما.

و كأنّه إنّما خصّص ظهور الثمرة بفرض أهمية الواجب لأنّه لو كان مساوياً أو الحرام أهم فعدم الاشتغال بالواجب معناه امتثال الحرمة و ترك الحرام و هو رافع لموضوع الوجوب، فلا يلزم الاجتماع.

و يمكن افتراض انّ هناك فعلًا واحداً أو فرد من الحرام له علتان تامتان احداهما الواجب أو افتراض انّ الحرام بنحو صرف الوجود و الجامع كما في الافطار العمدي، فإنّه يتحقق بأوّل الوجود، و الفرد الثاني منه بعد الأوّل لا يكون مفطراً، فلو كان حفظ شخص أو قوم من الغرق علّة للارتماس المفطّر كان مصداقاً لما ذكر، بل يمكن افتراض حرمة الجامع بنحو الإطلاق الشمولي الانحلالي أيضاً، فإنّ حرمة الجامع الشامل للحصة الحاصلة بالواجب مشروطة بعدم الاشتغال بالواجب الأهم أو المساوي، و إن كانت حرمة سائر أفراد الحرام‏

291

و حصصه غير مشروطة بذلك، و أثره حفظ كلا الغرضين و عدم تفويت الواجب لمن يريد ارتكاب الحرام بأن يرتكبه بالواجب، فما في الهامش من لزوم عدم الانحلالية غير صحيح.

و لكن نلاحظ على هذه الثمرة أنّها غير تامة لا في فرض أهمية الواجب و لا في فرض تساويهما، و إنّما يتم في فرض أهمية الحرام و إطلاق حرمته، و توضيح ذلك:

أمّا في الفرض الأوّل- و الذي هو المذكور في الحلقة الثالثة- فلأنّ الحرمة سوف تكون مشروطة بعدم الاشتغال بالواجب، و قد ذكرنا انّ قيد الحرمة قيد في الحرام، و انّه في موارد التزاحم بين الحرام و الواجب يتقيّد الحرام بالحصة غير المقرونة مع الاشتغال بالواجب مع بقاء الحرمة على اطلاقها، و ارتفاع الحرمة عن الحصة المقرونة بالواجب الأهم أو المساوي، و بناءً عليه لا تكون الحصة من الحرام المتحققة بالواجب و المقرونة به محرّمة أصلًا لكي يلزم- بناءً على الملازمة- سريان الحرمة منها إلى الواجب. و كذلك الحال في فرض التساوي بين الحرام و الواجب- الفرض الثاني- فلا تعارض بين الخطابين حتى بناءً على الملازمة، فلا تظهر الثمرة في هذين الفرضين.

و أمّا في الفرض الثالث فتظهر فيها الثمرة؛ لأنّ الحرمة فيه مطلقة و غير مقيدة لا بلحاظ نفسها و لا بلحاظ متعلقها، أي الحصة المتولدة منه بالواجب أيضاً تكون محرمة فتسري الحرمة- بناءً على الملازمة- منها إلى الواجب إذا أصبح وجوبه فعلياً بعصيان الحرمة بفعل الحرام بنحو الشرط المتأخر فيلزم بناءً على الملازمة اجتماع الوجوب و الحرمة- و هذا هو روح ما ذكرناه في الهامش-.

292

لا يقال‏: بالامكان النهي عن الجامع حتى مطلقاً و الأمر بفرد منه بنحو الترتّب مشروطاً بعصيان حرمة الجامع- كما يشهد به الوجدان- إذ قد يكون مفسدة أهم في الجامع مع وجود مصلحة في أحد فرديه، فإنّه في مثل ذلك للمولى أن ينهى عن الجامع مطلقاً و يأمر بالفرد مشروطاً لمن يريد ارتكاب الجامع.

و أثره أنّ المكلّف الذي يريد مخالفة النهي على كل حال و لكنه لا يريد مخالفة تكليفين سوف يرتكب الجامع من خلال الفرد الواجب فيحفظ المصلحة الأقل فيه للمولى كما هو في سائر موارد التزاحم.

فإنّه يقال‏: يلزم من ذلك اجتماع الوجوب و الحرمة و الحب و البغض في الفرد؛ لأنّ حرمة الجامع انحلالية فتسري إلى الفرد فيكون مبغوضاً و محبوباً و مطلوباً فعله و تركه في آن واحد، و هذا محال حتى إذا قلنا بعدم سريان الوجوب في صورة العكس من الجامع إلى الفرد المبغوض؛ لكون الواجب بدلياً- كما سيأتي في بحث الاجتماع- فالامتناع هنا مسلّم عند الجميع، و ما يفعله المولى في مورد الغرضين المذكورين إنّما هو تحريم الجامع و تحريم الفرد الآخر- غير الفرد الواجب لو لا الحرمة- بحرمة اخرى نظير الأمر بالجامع و أمر آخر بحصّة منه لملاك زائد فيها على مصلحة الجامع؛ لأنّه بحسب الحقيقة توجد مفسدة فعلية و مبغوضية في الجامع- و لو بعد الكسر و الانكسار مع مصلحة الواجب الأقل- و مفسدة أكثر و مبغوضية أشد في الفرد الآخر، و هذا يقتضي جعل حرمتين كذلك، و تكون نتيجته نفس النتيجة، أي من يمتثل تمام تكاليف المولى سوف لا يرتكب الجامع أصلًا، فلا مخالفة له أصلًا، و من يريد ارتكاب الجامع و لكنه لا يريد مخالفة زائدة أي مخالفة تكليفين فسوف يرتكب الجامع من خلال الفرد الواجب- لو لا النهي- فيحصل المولى على أحد غرضيه.

293

و إن شئت قلت‏: لا يحصل على ضررين بل ضرر واحد، كما في موارد الترتّب؛ لاستلزام محذور امتناع الاجتماع المسلّم عند الكلّ؛ لأنّ النهي و حرمة الجامع يسري قطعاً إلى الفرد لكونه انحلالياً، فلا يمكن أن يجتمع مع الأمر و المحبوبية فيه.

نعم، لو أنكرنا تقوّم الوجوب و الحرمة بالحب و البغض و قلنا انّ روح التكليف من مقولة الفعل الاختياري للمولى، و هو الارادة التشريعية و التصدّي المولوي لتحميل فعل أو ترك على ذمّة المكلّف، سواء كان خلفه حب أو بغض أو لم يكن، و إنّما المهم كون ذلك أفضل بحال المولى و أوفر تحصيلًا لأغراضه، عندئذٍ يمكن أن يقال بأنّ المولى يمكنه أن ينهى عن الجامع، أي يأمر بتركه مطلقاً، و لكن على تقدير ارادة المكلّف للمخالفة و ارتكاب الجامع يأمره في طول فرض عزمه على المخالفة على أن يأتي بالفرد الواجب، فإنّ الوجدان قاضٍ بامكان الجمع بين هذين الجعلين و التصدّيين للمولى، و ليس من قبيل: أن يأمر و ينهى عن فعل واحد في زمن واحد، بل أمره في طول فرض مخالفة المكلّف لنهي المولى بنحو الشرط المتأخر و بنائه على المخالفة وجداناً، فكأنّه يقول: إذا أردت المخالفة للجامع فخالفه من خلال هذا الطريق، و هذا لا استحالة فيه.

إلّا أنّ هذا خلاف مباني المشهور، بل لازمه انكار الملازمة، فإنّه سوف يأتي انّ مدّعيها إنّما يدّعيها بلحاظ مبادئ الحكم من الحب و البغض لا بلحاظ الارادة التشريعية التي هي فعل اختياري للمولى، فهذه الثمرة بناءً على الملازمة تامة و لكن في فرض أهمية الحرام لا أهمّية الواجب أو مساواته للحرام- كما هو مذكور في الهامش-.

و يلحق بنفس المثال ما إذا فرض وقوع واجب علّةً لترك واجب آخر أهم منه‏

294

بناءً على انّ الأمر بالشي‏ء يقتضي النهي عن ضدّه العام، كما إذا كان قد نذر الاغتسال ليلة شهر رمضان و كان اغتساله علّة لمرضه و تركه للصوم في نهار شهر رمضان، فإنّه لا فرق بين كون الحرام المسبب عن الواجب نفسياً أو غيرياً في جميع ما ذكرناه.

فإذا كان واجب علة تامة لترك واجب آخر أهم فعندئذٍ بناءً على عدم الملازمة يكون من باب التزاحم بمعنى انّه يمكن أن يكون الواجب العلّة للحرام مأموراً به أيضاً بنحو الترتب على تركه للواجب الأهم فهو من التزاحم بلا تعارض في البين و امّا على القول بالملازمة فسوف يحرم ترك الواجب الأهم و تسري الحرمة من ترك الواجب الأهم إلى فعل الواجب العلة للترك فلا يمكن الأمر به حتى بنحو الترتب فيقع التعارض بين الجعلين.

و امّا إذا كان الواجب العلة هو الأهم أو المساوي مع الآخر فحرمة ترك الواجب الآخر تكون مشروطة بترك الأهم أو المساوي، و معه لا تسري الحرمة منه إلى فعل الأهم لأنّها مشروطة بتركه فيكون من قبيل شرائط الوجوب التي لا تسري اليها الوجوب الغيري ففي المقام ترك الأهم أو المساوي شرط في حرمة ترك المهم فلا يمكن أن يكون مطلوباً بها حتى على الملازمة كما لا يخفى.

و هذه الثمرة سواءً بالصيغة التي ذكرها الاستاذ (قدس سره) في الحلقة الثالثة أو بالنحو الذي ذكرناه نفس الثمرة التي ذكرها صاحب الكفاية بين القولين في وجوب المقدمة و التي ذكرنا هناك انّه لا فرق بين القولين في ذلك؛ لأنّه إذا توقف كل من الضدين على عدم الآخر كان وجود كل ضد علّة تامة لعدم الآخر، فبناءً على حرمة الضدّ العام تسري الحرمة إلى الضدّ العبادي فيفسد، بل و يقع تعارض بين دليل الواجبين بناءً على الملازمة، بلا فرق بين القولين.

295

فهذه الثمرة نفس تلك الفرضية بعد تعديلها بافتراض وقوع واجب حقيقةً علّة تامة لحرام نفسي أو غيري هو ترك واجب آخر.

ص 283 الهامش.

إجمالًا يمكن أن يقال: الوجدان شاهد على عدم وجوب المقدمة حتى بمعنى الحب و الشوق، و يشهد له ما ذكر في الهامش.

و الظاهر انّ السبب في هذا الالتباس إنّما هو الخلط بين الارادة و الحب و الشوق، فإنّ ما هو وجداني انّ الإنسان إذا أراد شيئاً و توقف على مقدمة و علم بها فسوف يريدها أيضاً للوصول إلى المطلوب النفسي، إلّا انّ الارادة ليست حباً و شوقاً مؤكداً كما قيل، بل عبارة اخرى عن اعمال القدرة كما تقدم في بحث الطلب و الارادة، و في الارادة التشريعية و التكاليف الارادة المولوية ليست إلّا الطلب و هو ما يتصدى لتحصيله من العبد و دفعه إليه بقانون العبودية سواء بصيغة انشائية أو اخبارية، و سواء كان وراءه حب و شوق في نفس المولى تجاه ذلك الفعل أم لا، فإنّ هذا كلّه أجنبي عن حقيقة الحكم و روحه و الطلب بهذا المعنى لا ملازمة بين تحققه تجاه فعل و تحققه تجاه مقدماته كما هو واضح.

و امّا وقوع التعارض و لو في المولى العرفي بين خطاب الأمر بذي المقدمة أو تحريم المقدمة بلحاظ المبادئ بناءً على الملازمة فجوابه ما في الهامش من وجدانية التزاحم بينهما كالضدين، كما إذا فرض توقف واجب أهم على ترك واجب مهم، و هذا يكشف امّا عن عدم الملازمة حتى في عالم الحب و الشوق أو عدم كون الحب و الشوق قوام الحكم و روحه بحيث يمكن للمولى أن يأمر بما هو مبغوض لديه لملاك و مصلحة، و كلاهما صحيح.

مبحث الضد

ص 293 قوله: (الضد الخاص...).

كان الأولى تقديم البحث عن الضد العام أوّلًا- كما فعله السيد الخوئي في الدراسات- لابتناء أدلّة اقتضاء الأمر بشي‏ء للنهي عن ضده الخاص على ثبوت ذلك بالنسبة للضد العام في المرتبة السابقة.

و المراد من الضد مطلق ما لا يجتمع مع المأمور به و يمانع، سواء كان بنحو التناقض و التقابل بالسلب و الايجاب أو لا، و سواء كان مصداقاً للتعريف الفلسفي أو المنطقي للضد أو لا، فالفعلان أو التركان أو الفعل و الترك اللذان لا يجتمعان في زمان واحد داخل في هذا البحث الاصولي و إن لم يكن التقابل بينهما بحسب مصطلح علم آخر تقابل التضاد.

و هذا البحث من أهم أبحاث الاستلزامات العقلية- غير المستقلات- من مسائل علم الاصول و التي يترتب عليها استنباط الحكم الشرعي بالتعارض أو التزاحم بين الأدلّة على ما سيأتي مفصلًا، بل هذا البحث منشأ فتح باب التزاحم في علم الاصول، و فرقه عن باب التعارض و أحكامه و قوانينه و التي لها آثار مهمّة في استنباط الأحكام الفقهية، فالمسألة من امّهات المسائل الاصولية.

و منه يظهر ضعف ما ذكره المحقّق العراقي (قدس سره) على ما في تقريرات بحثه من‏

296

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

297

أنّه يمكن أن تكون مسألة الضد من المبادئ الاحكامية لعلم الاصول الراجعة إلى البحث عن لوازم وجوب الشي‏ء، و أنّه هل من لوازمه حرمة ضدّه أم لا، فإنّه بعد الفراغ عن دلالة الصيغة على الوجوب اقتضت المناسبة البحث عن لوازمه بأنّه هل من لوازم وجوب الشي‏ء هو حرمة ضدّه أم لا؟ أو وجوب مقدّمته أم لا كما تقدّم.

و أمّا احتمال كونها من المسائل الفرعية نظير ما قيل في مقدمة الواجب فبعيد جدّاً (1).

وجه الضعف ظاهر، فإنّ ميزان المسألة الاصولية و ضابطتها وقوع المسألة في طريق استنباط الحكم الشرعي في الشبهة الحكمية، و قد ذكرنا مراراً أنّ الانتهاء إلى التعارض بين الأدلّة و عدمه من أهم موارد الانتهاء إلى استنباط الجعل الشرعي في الشبهات الحكمية، ناهيك عن أبحاث باب التزاحم و مرجحاته و أحكامه المهمّة في الفقه، المستنبطة من مبحث الضد.

و أمّا توهم كون المسألة فرعية فواضح البطلان؛ إذ ليست الملازمة حكماً شرعياً، و كأنّ هذه التعابير من رواسب المنهج القديم، المنسوخ لطرح هذه المسائل الاصولية.

كما أنّ السبب في ادراج البحث عن الاستلزامات العقلية ضمن مباحث الألفاظ من علم الاصول عاملان عامل تاريخي و عامل فنّي.

أمّا العامل التاريخي فلأنّ البحث عن هذه الاستلزامات لم يكن منقّحاً تاريخياً

____________

(1) () نهاية الأفكار 1- 2: 359

298

كما هو اليوم، و إنّما كانت تبحث بشكل آخر، و هو البحث عن دلالة الأمر بشي‏ء على وجوب مقدمته أو حرمة ضدّه بالدلالة الالتزامية، فكأنّ البحث عن دلالة لفظية التزامية للأمر، و لهذا كان يبحث عنه ضمن دلالات الأمر و مباحث الألفاظ.

إلّا أنّ هذا النحو من البحث الاصولي بالتدريج قد نسخ و صار البحث عن كبرى الملازمة الثبوتية بين وجوب شي‏ء و وجوب مقدمته أو حرمة ضده أو امتناع وجوب شي‏ء مع حرمته و لو بعنوان آخر و هكذا، سواء كان الدال على الحكم لفظاً أم لا، و لكن بقي البحث في محلّه من مباحث الألفاظ و هذا هو العامل التاريخي.

و أمّا العامل الفنّي فلأنّ قواعد الاستلزامات العقلية ليست مستقلة، أي تحتاج دائماً إلى ضمّها إلى دليل على الحكم الملزوم لكي يثبت بها حكم شرعي آخر أو ينتفي، و هذا إنّما يظهر أثره و يتحقق في الأدلّة اللفظية، حيث يوجب ضمّها اليها تحقق دلالة التزامية معارضة أو مزاحمة مع دليل حكم آخر.

و أمّا الأدلّة القطعية فلا يعقل التعارض فيما بين دليلين قطعيين و إنّما لا يوجدان، كما أنّ الاصول العملية لا تكون لوازمها حجة؛ و لهذا كان المناسب أن يبحث عن بحث الاستلزامات ضمن مباحث الألفاظ من علم الاصول؛ لكون آثارها و ثمراتها المهمة المفيدة في الفقه، إنّما تظهر في الأدلّة اللفظية عادة.

ص 293 قوله: (و هناك مسلكان لاثبات حرمة الضدّ الخاص...).

قد طبق كل من المسلكين بنحوين، أي تارة من ناحية نفس المأمور به- و هو إزالة النجاسة عن المسجد مثلًا- حيث انّه متوقف أو ملازم بنحو مساوي أو

299

أخصّ مع عدم ضدّه، و اخرى من ناحية نقيض المأمور به و كونه ملازماً أو معلولًا لفعل الضد مع اشكال في تطبيق مسلك الملازمة بالتطبيق الثاني، حيث قد لا يكون عدم المأمور به ملازماً مع فعل الضد إذا كان يوجد ضد ثالث، و الاجابة عليه بأجوبة عديدة- كما هو مذكور في الكتاب-.

و ظاهر السيد الشهيد ابتناء كلا المسلكين و في كلا التطبيقين على القول بحرمة الضد العام للمأمور به- و لو على مستوى مبادئ الحكم من الحب و البغض و الإرادة و الكراهة-.

و لنا هنا كلمات‏:

الأوّل‏: عدم الحاجة إلى مبنى حرمة الضد العام للمأمور به على كلا المسلكين. أمّا على مسلك الملازمة فلأنّ كلّاً من الضدّين مستلزم- بنحو مساوي أو أخص- لعدم ضدّه الآخر، و هذا يكفي لسريان الوجوب بناءً على الملازمة من كل منهما إلى عدم الآخر و من الطرفين فيقع التنافي بينهما، و هو من طلب النقيضين في الطرفين و هو محال ذاتاً، أي لا ينفع فيه الترتب، فيقع التنافي و التعارض بين الأمرين و هو المطلوب من حرمة الضد. و قد صرّح السيد الشهيد (قدس سره) بهذه النكتة في الحلقة الثالثة.

نعم، في فرض الترتّب من الجانبين سوف يكون عدم كل منهما شرطاً في وجوب الآخر، و الوجوب إنّما يمكن أن يسري من أحد المتلازمين إلى ملازمه الآخر فيما إذا لم يكن شرطاً في ايجابه، فإذا كان عدم الضد شرطاً في ايجاب الضد الآخر لم يسر الوجوب منه إلى عدم الضد الآخر حتى إذا قبلنا مسلك السراية فلا يلزم طلب النقيضين.

300

إلّا أنّ هذا الإشكال مشترك الورود في الترتّب من الجانبين، حتى إذا قلنا بحرمة الضد العام للواجب، و حتى على مسلك المقدمية؛ لأنّ مقدمة الواجب سوف تنقلب إلى مقدمة الوجوب، كما أنّ فعل المانع سوف لا يكون علّة للحرام بل رافعاً للحرمة، و سوف نورد هذا الإشكال في بحث الثمرة.

و أمّا على مسلك المقدمية فأيضاً لا نحتاج في التطبيق الأوّل له إلى حرمة الضد العام للواجب؛ لأنّ عدم الصلاة إذا صار واجباً بالوجوب الغيري امتنع الأمر بالصلاة حتى بنحو الترتّب و لو لم تكن محرّمة؛ لأنّه من طلب النقيضين و هو محال، كاجتماع الأمر و النهي- على ما سنشرحه في بحث الضد العام-.

نعم، التطبيق الثاني نحتاج فيه إلى حرمة الضد العام للمأمور به؛ لأنّ الملحوظ فيه كون الصلاة علةً تامة لنقيض الإزالة المحرّم، فلولا القول بحرمته بناءً على حرمة الضد العام لا يلزم محذور؛ إذ الوجوب لا يسري من العلّة إلى المعلول، و إنّما بالعكس، فلا يلزم طلب النقيضين في طرف الإزالة، كما كان في التطبيق الأوّل في طرف الصلاة، و هذا واضح.

الثاني‏: انّنا حتى إذا قبلنا مقدمية عدم الضد لفعل الضد مع ذلك لا يتم التطبيق الأوّل لمسلك المقدمية؛ لأنّ عدم الصلاة بناءً على المقدمية إنّما تجب الحصة الموصلة منه، و هو عدم الصلاة المقرون مع إرادة الإزالة لا مطلق عدم الصلاة، و لا مانع من وجوب عدم الصلاة المقرون مع إرادة الإزالة و وجوب الصلاة؛ لأنّهما ليسا نقيضين بل ضدّان، بل لو قيل بحرمة الضد العام أيضاً لا محذور من ذلك، و ما تقدّم في بحث المقدمة من انّ مجرد كون التقابل بينهما بالسلب و الايجاب يكفي في استلزام البغض ممنوع، كيف و أصل الاستلزام المذكور غير واقعي، فلو فرض قبوله فهو مخصوص بموارد تعلّق المحبوبية بالنقيض مطلقاً

301

لا مقيداً بحصة خاصة منه قابلة للارتفاع مع الآخر. نعم، بناءً على تطبيق المقدمية من طرف علّية الضد- و هو الصلاة- لترك الإزالة المحرّم سوف يقع التنافي و التعارض بين حرمة الصلاة و وجوبها- و لعلّ نظر السيد الشهيد (قدس سره) إلى هذا التطبيق و هو متوقف على القول بحرمة الضد العام-. إلّا أنّ فرض اشتغال المكلّف خارجاً بالضد و هو الصلاة هو فرض عدم إرادة الإزالة، و هو يعني عدم وجود المقتضي لها، و مع عدم المقتضي لا يكون عدم المعلول- و هو الإزالة- علّته وجود المانع- و هو الصلاة- لأنّ المانع إنّما يكون مانعاً عند وجود المقتضي لا عند فقده، فلا تكون الصلاة علّة لترك الإزالة، و هذا جار في تمام موارد التضاد، و هذا يعني عدم وقوع الضد علّة للحرام في موارد التزاحم بين الأضداد.

نعم، هذه النكتة بحسب الحقيقة نكتة عدم المقدّمية و منعها، و أمّا لو فرضت العلية و استناد عدم المعلول لوجود المانع لم يمكن الأمر به حتى بنحو الترتب.

الثالث‏: الوجدان يحكم في الأفعال الاختيارية- التي هي متعلقات التكاليف- بأنّ ارادة المأمور به أو ضده لا يتوقّف على ارادة ترك الآخر- كما هو في موارد التوقف- و انّ اختيار أحد الطريقين أو الفعلين المتضادّين كاختيار أحد الرغيفين و الفعلين المتضادّين من حيث عدم توقف ارادته على ارادة ترك الآخر، و إنّما لا يجتمعان معاً، كما أنّ حبّ الوقوف بعرفة مثلًا لا يستلزم بغض زيارة الحسين (عليه السلام) وجداناً بل يحبّهما معاً و يتمنّى الجمع بينهما، و هذان الوجدانان كافيان للاستغناء عن براهين الامتناع و نفي التعارض بين الأمرين بنحو الترتب، بل الميزان عدم الاحساس الوجداني بالتوقف المذكور في عدم التعارض بينهما؛ لأنّ ملاك التعارض الاحساس باجتماع الحبّ و البغض في الضد، فإذا كان الاحساس به وقع التعارض بناءً على تقوّم الأمر بالحبّ حتى إذا تمّت براهين عدم المقدّمية.

302

ص 298 قوله: (المقام الثاني- في البراهين التي اقيمت...).

يوجد هنا بيان ساذج ذكره في الكفاية و هو قياس التمانع في الضدين بالتمانع بين النقيضين، فكما لا يكون ذلك سبباً لتوقف أحد النقيضين على عدم نقيضه كذلك الضدان.

و الجواب بالفرق، فإنّ الضدين وجوديان فيمكن أن يكون أحدهما متوقفاً على عدم الآخر، كما في الممنوع و المانع بخلاف النقيضين فإنّ رفع أحدهما عين الآخر.

ص 299 الهامش.

جوابه: امّا استحالة ارتفاع الأضداد فهو غير تام وجداناً و برهاناً و ما يذكر من مثال الحركة و السكون من النقيضين لا الضدين، بل لو فرض ذلك لزم وجوب وجود أحد الأضداد دائماً، و هو مستلزم لتعدد واجب الوجود، فإذا كان اجتماع المقتضيين المتساويين ممكناً- مع انّه واقع وجداناً في مثل إرادة شخصين متساويين لفعلين ضدين- كفى ذلك للبرهان المذكور؛ إذ معناه انّه في فرض تحقّق ذلك يكون ذات المقتضي المساوي مانعاً لاستحالة تأثيرهما معاً، أو تأثير أحدهما دون الآخر.

ثمّ إنّ هذه البراهين ترجع إلى إحدى نكات ثلاث أساسية:

1- لزوم الدور أو تقدّم الشي‏ء على نفسه. و إلى هذا يرجع البرهان الثالث و السابع.

2- انّ المانع عن الضد إنّما هو مقتضي الضد المساوي أو الأقوى، فيستحيل أن يكون نفس الضد مانعاً أيضاً. و إليه يرجع البرهان الأوّل و الرابع.

303

3- انّ الضد ممتنع الوجود في رتبة وجود ضده الآخر ذاتاً، فيستحيل أن يكون الثاني مانعاً عنه، فإنّ المانع إنّما يمنع عن المعلول الممكن لا الممتنع.

نعم، لو كانت المانعية غير مقيدة بهذا الفرض و هذه الرتبة كانت ممكنة، و أمّا المقيّدة بذلك فهو غير معقول. و كذلك لو كان الضد واجباً على تقدير عدم الآخر استحال توقفه عليه، و إلى هذا يرجع البرهان الخامس و الثامن.

و أمّا البرهان الثاني و التاسع فهما تفسيران لكلام ورد في الكفاية، و كلاهما غير تامّين، و البرهان السادس لا بدّ و أن يرجع إلى البرهان الأوّل، و إلّا لم يكن تاماً كما هو مبيّن في الكتاب.

و ما نسب إلى الخونساري من توقّف الضد المعدوم على عدم الموجود فقط- و هو يكفي لاثبات حرمة الضد الخاص- لو تمّ- و ليس بتام للزوم استغناء الممكن عن العلة بقاءً- إنّما ينفي النكتة الاولى لا النكتة الثانية و الثالثة.

ص 307 قوله: (و قد نوقش في هذا الاستدلال بمناقشتين...).

قد يقال: انّ المناقشة الاولى لا تختص بالبيان الثالث بل تجري على الأولين أيضاً، أي مناقشة في أصل البرهان السابع بكل تقريباته حيث انها تمنع فعلية التوقف من الطرفين و تدعى انها فعلية من طرف الضد الموجود دون المعدوم فإنّ التوقف فيه شأني فلا دور. و بهذا يكون البرهان الثالث أيضاً مناقشاً فيه فلما ذا فصله السيد (قدس سره).

و الجواب: انّ الصحيح اختصاص المناقشة الاولى أيضاً بالبيان الثالث و عدم جريانها في غيره لأنّ المبرهن عليه في البيان الأوّل استحالة مانعية الضد، و في البيان الثاني استحالة تأثير عدم الضد في نفسه مع قطع النظر عن تحققه في الخارج، و هذا لا يتوقف على أكثر من قبول التوقف من طرف كل من الضدين‏

304

على عدم الآخر في نفسه، و هذا يقبله الخصم حتى إذا ادعى انّ الضد الموجود عند وجوده لا يكون مانعاً عن المعدوم. فيقال: بأنّ الشي‏ء المتوقف على عدم شي‏ء آخر كيف يعقل أن يكون مانعاً عن وجوده، فإنّه تهافت في الرتبة.

و بعبارة اخرى: لنفرض انّ الضد الموجود ليس مانعاً عن المعدوم فلا يكون عدم المعدوم متوقفاً على وجوده ليلزم الدور و إنّما التوقف من طرف واحد و هو الضد الموجود على عدم المعدوم و لكنه يقال مع ذلك انّ هذا التوقف من الطرف الواحد محال أيضاً إذا كان بنحو المانعية- و بنحو آخر أيضاً أي تأثير العدم في الوجود محال أيضاً كما تقدم- لأنّ ذاك الضد المعدوم المانع كيف يعقل مانعيته عن الموجود مع انّ وجوده في طول عدمه فإنّه تهافت في الرتبة؛ لأنّ المانع متقدم على عدم الممنوع.

بل هنا يتم بيان آخر حاصله: انّه هل يكون الممنوع مانعاً عن الموجود في فرض عدمه أو في فرض وجوده؟ لا إشكال في استحالة الأوّل؛ لأنّ المانع إنّما يمنع في فرض الوجود، و الثاني أيضاً خلف لأنّ المفروض انّه عند وجوده لا يكون مانعاً عن المعدوم فيستحيل مانعية الضد المعدوم و الضد الموجود أيضاً ليس مانعاً فلا مانعية في البين.

و من هنا يعرف انّ البيان الأوّل مبني على فرض المانعية و هو مبني على فرض الضد الموجود مانعاً، فلا موضوع للمناقشة فيه.

ثمّ انّ المناسب جعل المناقشة مناقشات:

إحداهما- ما عن الميرزا و جوابه:

الثانية- ما عن صاحب الكفاية من عدم تعلق الارادة الازلية و جوابها:

305

أوّلًا- ما ذكر من انّ الارادة الأزلية قد تتعلق بالمقتضي مع المانع إذ ليست الأشياء توجد بها مباشرة.

و ثانياً- ما يأتي من انّ امتناع تحقّق الضد المعدوم بالغير لا ينافي توقّفه على عدم مانعه الموجود أيضاً و ثبوت الدور في عالم التوقّف فإنّ الدور ممتنع ذاتاً.

و هذا بخلاف مناقشة الميرزا، فإنّه كان يدّعي الامتناع الذاتي لمانعية الضد الموجود؛ و لهذا كان جوابه انّه مستلزم لامتناع مانعية الضد المعدوم أيضاً.

الثالثة- ما ذكره السيد الخوئي في تقريب المناقشة و هو بيان عرفي لا بأس بذكره من انّه في الأفعال الاختيارية للانسان حينما يفعل أحد الضدين لا يكون له ارادة للضد الآخر فلا مقتضي له، و لو فرض الكلام في شخصين و امكان ارادتهما معاً فلا محالة يكون الشرط منتفياً و هو عدم القدرة على الايجاد مع تعلّق الارادة القوية بخلافه من أحدهما.

و الجواب: أوّلًا- الجواب الأصلي الذي ذكرناه.

و ثانياً- الارادة بمعنى الحب و الشوق يمكن تجاه الضدين، و بمعنى اعمال القدرة ليس إلّا عين الفعل و القدرة بمعنى عدم العجز الذي هو الشرط محفوظ في ارادة الشخصين.

ص 318 قوله: (الفرضية الرابعة...).

هنا عدّة تعليقات‏:

الأوّل: انكار أصل الفرضيتين الثالثة و الرابعة، لعدة منبهات وجدانية:

306

منها- انّ لازم ذلك الالتزام بأنّ النهي عن شي‏ء يستلزم وجوب نقيضه على مستوى الحب و البغض الذي هو روح الحكم؛ إذ لا وجه للتفرقة بين الحب و البغض من هذه الناحية، و لازم ذلك التسلسل حيث يلزم من بغض الترك حب الفعل من جديد حباً غيرياً و هكذا، و هذا التسلسل و إن لم يكن محالًا لأنّه- كما تقدّم في بحث المقدمة- تابع لمقدار لحاظ موضوعه، إلّا أنّه نعم المنبّه الوجداني على عدم الاستلزام المدعى، بل القول بالاستلزام المذكور يؤدّي إلى عدم انفكاك محبوب عن مبغوض، و حب عن بغض؛ إذ كل محبوب سوف يكون نقيضه مبغوضاً في نفس الوقت، و كل مبغوض يكون نقيضه محبوباً في نفس الوقت مع وجدانية تباين الحب و انفكاكه عن البغض في عالم النفس و عدم وجود مثل هذا التلازم الدائمي بينهما، بحيث لا يتصوّر محبوب بلا مبغوض في مورده.

و منها- لزوم ذلك في الأوامر و النواهي غير اللزومية أيضاً فالأمر الاستحبابي بشي‏ء يستلزم كراهة نقيضه و كراهة شي‏ء يستلزم استحباب نقيضه، و هو أيضاً خلاف الوجدان. و دعوى الاختصاص بالتكاليف اللزومية بلا وجه.

و منها- قياس الحب و البغض بالحسن و القبح و الكمال و النقص فإنّ الايثار و الاحسان حسن و كمال، و لكن تركه ليس قبيحاً و منقصة، و البخل قبيح و منقصة و لكن عدمه ليس حسناً و كمالًا و إنّما عدم نقص.

فالحاصل فرق بين الحسن و الكمال و القبح و المنقصة، و كذلك الحب و البغض.

و منها- قياس ذلك بحب الأعيان و بغضها فإنّ من يحب شخصاً ليس معناه انّه‏