أضواء وآراء؛ تعليقات على كتابنا بحوث في علم الأصول‏ - ج1

- السيد محمود الهاشمي الشاهرودي المزيد...
694 /
307

لو لم يحضر يكون ذلك مبغوضاً لديه كما إذا حضره من يبغضه و إنّما لم يحضر محبوبه فلا يلتذ و لا ينشرح لا انّه يتنفر و ينزجر.

و منها- و هو منبه تحليلي حلّي انّ صفة الحب يعني نحو انشراح و انبساط في النفس من شي‏ء يلائمها أو ينسجم معها مع مقتضياتها و فطرتها و على العكس المبغض صفة نفسانية تعني الانقباض و النفرة و الانزجار مما فيه حزازة و ايلام و ايذاء لها، و هما صفتان وجوديتان متضادتان لكل منهما ملاكه و علته المؤثرة.

و من الواضح وجداناً انّ عدم الملاك لأحدهما يوجب انتفاء تلك الصفة لا حصول الصفة الاخرى المضادة، إذ ليسا من قبيل الضدين اللذين لا ثالث لهما، بل يعقل لهما الثالث و هو عدم تحقق شي‏ء منهما، و معه لا موجب لافتراض أن يكون في النفس بغض و كراهية و انزجار من ملاحظة نقيض العنوان الذي يرى فيه الانشراح و الحب و الملاءمة مع النفس.

الثاني‏: انّنا و إن لم نقبل الملازمة بين حب شي‏ء و بغض نقيضه، إلّا أنّ هناك مطلباً آخر نقبله، و هو ينتج نفس النتيجة المطلوبة من هذا الاستلزام.

و حاصله: دعوى وجدانية عدم امكان تعلّق الحب و البغض بالنقيضين، أي انّ النفس إذا اشتاقت و أحبّت الفعل فمن المستحيل لها أن تحب نقيضه و تركه في نفس الوقت، و كذلك في طرف البغض، بحيث لو فرض وجود ملاك و مصلحة في الفعل و مصلحة اخرى في الترك وقع بينهما الكسر و الانكسار تماماً، من قبيل المصلحة و المفسدة في الفعل الواحد، و الذي يوجب الكسر و الانكسار بينهما، لا تعلّق الحب و البغض به لامتناعه، فكذلك في النقيضين فليس النقيضان كالضدين الوجوديين و الذي يمكن تعلّق الحب بهما معاً، غاية الأمر لا يمكن التحرك نحوهما معاً في الارادة التكوينية و الأمر بهما معاً مطلقاً في الارادة

308

التشريعة، نظير حبّ أمر غير مقدور يتمنّاه الإنسان و لكن لا يمكنه أن يتحرّك نحوه أو يأمر به عبده.

و يمكن اقامة صورة برهان على ما ذكرناه حاصله: أنّ تعلّق الحب بشي‏ء يقتضي في عالم اللحاظ ايجاده، فكأنّ الشوق و الحب متعلّق بخروجه من كتم العدم إلى الوجوب، و تعلّق البغض به أو تعلّق الحب بنقيضه عكس ذلك في عالم اللحاظ، و نفس أيّ حبّ عدم وجوده، و هذان اللحاظان متهافتان لا يمكن اجتماعهما معاً كذلك في الصفات ذات الاضافة، فهو نظير العلم بوجود شي‏ء و عدمه الذي يستحيل تحقّقه في النفس.

فإذا كان هذا وجدانياً كفى ذلك فيما هو المهمّ في المقام، و هو وقوع التنافي و التعارض بين الأمر بأحد الضدين مع الأمر بضده الآخر- بناءً على مقدمية ترك كل ضدّ بفعل الآخر- حيث يكون ترك الصلاة في وقت الازالة محبوباً بالحب الغيري، و هو لا يمكن أن يجتمع مع محبوبية فعل الصلاة و الأمر به، كامتناع اجتماع المبغوضية و المحبوبية فيها بناءً على الاستلزام المدّعى في المقام عند السيد الشهيد (قدس سره) و جملة من الأعلام، فيقع التعارض بين دليل الأمرين، و لا يكون بينهما تزاحم؛ لامتناع اجتماع مبادئ الحكمين الضدين حتى بنحو الترتّب كما هو محقّق في محلّه.

و هكذا يتضح أنّنا إذا قبلنا تقوّم الحكم الشرعي بالمحبوبية و المبغوضية و كونهما من مباديه بل روحه- كما يدّعيه المحقّق العراقي (قدس سره)- فلا نحتاج في بحث الضد العام إلى اثبات استلزام حب شي‏ء لبغض نقيضه، بل يكفينا قبول امتناع تعلّق الحب بالنقيضين و الفعل و الترك معاً.

الثالث‏: انّ حقيقة الحكم إن اريد به ما يبرزه الآمر فقد يكون اعتباراً قانونياً،

309

و قد يكون الحب و الارادة و قد يكون مجرد الغرض اللزومي و الملاك. و إن اريد به نفس الابراز و الدلالة فقد يكون بصيغة الأمر و الانشاء و قد يكون بجملة خبرية. إلّا انّ هذه الخصوصية لا تكون دخيلة في موضوع حكم العقل بوجوب الطاعة، و إنّما موضوع حكم العقل بلزوم الطاعة و قبح المخالفة هو الارادة اللزومية المتعلقة بالفعل أو الترك أي تصدّي المولى لتحصيله من عبده لزوماً بحيث لا يرضى بخلافه. و هذا من مقولة الفعل المولوي- كما في الهامش- و ليس وجود العناصر المتقدمة ثبوتاً أو اثباتاً دخيلًا فيه و في موضوعيته لحكم العقل، و إن كان قد يكون ظاهراً عرفاً في ثبوت بعضها في نفس المولى العرفي.

و من الواضح أنّه لا يوجد إلّا تصدٍ و إرادة واحدة في موارد الوجوب لا ارادتان و تصديان بل يستحيل ذلك في الأفعال الاختيارية المباشرية.

و المنبه على ما نقول مضافاً إلى وجدانية كون الحكم من مقولة الفعل انّه لو فرض كون آمر و مولى لا تتحقق في نفسه صفة الحب و البغض أصلًا- كما قد يقال بذلك في حق الواجب تعالى- فإنّه مع ذلك إذا أمر عبده كان واجب الاطاعة عقلًا.

نعم، هنا لا يعقل الأمر بالفعل و الأمر بضده العام- الترك- فيكون بينهما تعارض على كل حال، بالنكتة التي ذكرناها من امتناع تعلّق الحب و البغض بالنقيضين معاً، فإنّ ذاك التهافت ثابت في الأمر بهما أيضاً.

إلّا أنّ هذا كما هو واضح لا يجري في الضد الخاص، فيمكن للمولى أن يأمر به أيضاً على نحو الترتب لكي لا يفوته كلا الغرضين، حتى إذا كان مبغوضاً- كما هو كذلك بناءً على الاستلزام و مقدمية أحد الواجبين لترك الآخر- فيكون من قبيل موارد دفع الأفسد بالفاسد و دفع أشدّ الضررين بارتكاب أخفّهما، و لا يمنع‏

310

ثبوت المبغوضية عن إمكان التقرّب به إذا كان مأموراً به شرعاً؛ لأنّ ملاك التقرّب بتحقيق ما يتصدّى المولى لتحصيله بحسب أغراضه لا بالمبغوضية و المحبوبية المجردتين عن التصدّي المولوي و المخالفتين معه.

ثمّ انّا إذا لم نقبل ما ذكرناه فلا يجدي نفي مانعية أحد الضدين للضد الآخر، و أنّ المانع مقتضيه لا نفس الضد في اخراج الأمر بالضد عن التعارض- بناءً على الاستلزام في الضد العام أو النكتة التي ذكرناها- فينهار باب التزاحم و ينتفي في الفقه.

و الوجه في ذلك: انّ المقتضي للضد المهم- و لنفرضه ارادة الصلاة مثلًا في وقت الازالة- سوف يكون مانعاً عن تحقق الواجب الأهم و هو الازالة فيكون محرماً لا محالة- بناءً على وجوب المقدمة- و معه يستحيل الأمر بالصلاة و لو بنحو الترتب لأنّ الأمر بها يستلزم وجوب هذه الارادة و محبوبيتها الغيريّة؛ لكونها علّتها الموصلة و هو خلف حرمتها أي مبغوضيتها الغيريّة، فيلزم الاجتماع المحال.

و بهذا يعرف عدم الحاجة إلى اثبات عدم التمانع بين الضدين، بل تكفي مانعية مقتضي أحد الضدين المساوي أو الأقوى في وقوع التعارض و عدم امكان التزاحم.

بل يمكن افتراض توقف فعل الأهم على ترك الواجب المهم في بعض الموارد، كما إذا كان اشتغاله بالصلاة موجباً لضعفه و عدم قدرته على الإزالة، فهل يحكم في مثل هذه الموارد بالتعارض و عدم جريان التزاحم بين الواجبين؟

لا أظنّ التزام أحد بذلك، و سوف يأتي مزيد تنقيح لهذا البحث.

311

ص 319 قوله: (ثمرة مسألة الضد...).

الثمرتان ثمرة واحدة في فرعين فقهيين، و كلتاهما تطبيقان للثمرة الكلية التامة في الأوامر التعبدية و التوصّلية، و هي وقوع التزاحم بين الأمر بكل من الضدين بناءً على عدم الاقتضاء و وقوع التعارض بينهما بناءً على الاقتضاء؛ للزوم اجتماع الأمر و النهي في الضد. فما في كلمات الاصوليين من جعل الثمرة في الفرعين فقط في غير محلّه، بل لا بدّ في بحث الثمرة البحث عن وقوع التعارض و عدمه بين دليلي الأمر بالضدين، بناءً على الاقتضاء و عدمه.

و الصحيح: انّه لا يقع تعارض بين الأمرين على كلّ حال، و ذلك:

أوّلًا- لعدم الاقتضاء كما تقدّم.

و ثانياً- لو قيل بالاقتضاء فإنّما هو على مستوى الحب و البغض لا الارادة التشريعية التي هي من مقولة الفعل و هي المحركية و التصدي المولوي لطلب الفعل أو الترك و هو روح الحكم و قوامه.

و ثالثاً- لو قيل بالاستلزام بلحاظ المحركية و التصدّي المولوي أيضاً فلا ينبغي الشك في أنّه نهي غيري لا نفسي، و الحكم الغيري ليست له محركية أصلًا، و لو كانت فليست بأكثر من محركية الحكم النفسي التابع له، فإذا كانت محركية الأمر النفسي بالضد الأهم غير مناقض مع الأمر بضده المهم على نحو الترتب لم يكن تنافٍ بين مثل هذا النهي الغيري و الأمر الترتبي بالضد المهم؛ لأنّ التنافي بين الأمر و النهي إنّما هو بلحاظ اقتضائهما و محركيّتهما على ما سيأتي في بحث الاجتماع، و المفروض عدم التضاد بينهما، كما أنّ النهي الغيري ليس في مخالفته عصيان و قبح أو تمرّد على المولى لكي ينافي قصد القربة إذا كان الضد عبادياً.

312

ثمّ انّ الأولى- كما ذكرنا سابقاً- عقد مسألتين:

احداهما- اقتضاء الأمر بشي‏ء للنهي عن ضده.

الثانية- امكان الأمر بالضدين.

فما في الكتاب و غيره من جعل بحث الترتب و التزاحم من ثمرات بحث مسألة الاقتضاء ليس مناسباً.

ص 322 قوله: (و على ضوء هذين الأمرين يمكن أن يجاب...).

هذا الجواب قد لا يقبله المحقّق النائيني (قدس سره)؛ لأنّ الإطلاق إذا كان ممتنعاً يسقط، لا أنّه يكشف عن أخذ قيد زائد لا دالّ عليه في الكلام.

نعم، لو ورد دليل خاص على الواجب المعلّق في مورد كشفنا بدلالة الاقتضاء ذلك. و في المقام القول بفعلية الوجوب في الآن الأوّل على الطبيعة و الجامع يستلزم الواجب المعلّق؛ لأنّ الوجوب حينئذٍ مشروط بالقدرة على أفراده المستقبلية بنحو الشرط المتأخر حتى إذا كان المتعلّق مطلقاً، و المفروض استحالته عند الميرزا (قدس سره)، و لا دافع لهذا الاشكال إلّا الالتزام بامكان الشرط المتأخر، أو القول بكفاية القدرة في ظرف العمل على صحّة التكليف به قبل ذلك، فليست شرطية القدرة كشرطية سائر قيود الواجب كالزمان المتأخر في الواجب المعلّق، فلو كان المتعلّق مقيداً بالحصص الاستقبالية من العمل كان من الواجب المعلّق و المشروط بشرط متأخر استقبالي و هو الزمان، و أمّا إذا كان الواجب مطلقاً من حيث قيد الزمان إلّا أنّ القدرة عليه تحصل متأخراً فلا محذور في فعلية التكليف به من قبل، كيف و القدرة على أكثر الواجبات الزمانية تكون تدريجية لا دفعيّة، فمثل هذا ليس من الشرط المتأخر عند الميرزا (قدس سره).

313

ص 325 قوله: (الثالثة- انّ القائلين...).

هذا الجواب غير تام؛ لأنّه بناءً على عدم امكان الأمر الترتبي يكون تعارض بين خطاب الأهم و الأمر بالمهم فيكون سقوطه بالمقيد المنفصل بناءً على تقديم خطاب الأهم و لا يجدي كون القدرة مقيداً لبياً متصلًا.

نعم، يصحّ ذلك على القول بامكان الترتب و عدم التعارض و هو مغاير مع مبنى هذا الجواب، إذ لا حاجة معه إلى قصد الملاك بل هو رجوع إلى الجواب الثاني.

ص 327 الهامش.

ما ورد في الهامش رقم (2) تام، فإنّ النهي أو البغض الغيري كما لا ينافي الأمر بالضد المهم- كما شرحناه سابقاً- لا ينافي المقربية أيضاً؛ لأنّ مخالفته ليس تمرداً و لا قبيحاً عقلًا، كما أنّ عدم المحبوبية فعلًا للملاك من جهة البغض الغيري لا يمنع وجداناً عن إمكان اضافته إلى المولى.

و بالنسبة لما ورد في الهامش رقم (3) لا ينبغي الشك في وجدانية امكان الترتب و الأمر بالواجب المهم حتى إذا وقع اتفاقاً تركه مقدمة لفعل واجب أهم في سلسلة علله، فإنّه لا شك في أنّه سوف يريده المولى على تقدير ترك الأهم لكي لا يفوت عليه كلا الملاكين- بناءً على امكان الترتب- و هذا الوجدان على حدّ وجدانية امكان الترتب بين الضدين بل وجدانية حب الضدين الأهم و المهم في المقام أوضح من الأمر الترتّبي؛ لأنّ الحب يتعلق بغير الممكن أيضاً فلا ينبغي الشك في انّ المولى يحب في المقام كلا الواجبين و الملاكين بحيث لو كان الجمع ممكناً لأمر بهما مطلقاً.

و هذا الوجدان في قباله ما يذكره السيد الشهيد من برهان استحالة اجتماع‏

314

الضدين أعني الأمر و النهي حتى الغيريين؛ و ذلك بلحاظ امتناع اجتماع مبادئهما، و هو الحب و البغض في موضوع واحد بناءً على وجدانية الملازمة أي قبول الحب الغيري للمقدمة.

و عندئذٍ لا بد من وجه للجمع بين هذين الوجدانين. و يمكن أن يذكر في المقام بعض الوجوه:

1- أن ننكر ما تقدم من السيد الشهيد (قدس سره) من انّ الترك الموصول نقيض الفعل فنقول: بأنّ الواجب الغيري إنّما هو ترك المهم الموصول إلى الأهم و هو لا يقتضي بغض الفعل، فيمكن أن يكون الفعل محبوباً بل و مأموراً به مشروطاً بترك الأهم.

إلّا انّ هذا لا يكفي؛ لأنّ الواجب المهم بنفسه أو بمقتضيه علة تامة لنقيض الأهم في المقام، فبناءً على مبغوضية نقيض الواجب يقع التنافي و التعارض بين الخطابين على كلّ حال؛ للزوم اجتماع الحب و البغض في المهم أو في مقتضيه و لا يجري فيه الترتّب كما أشرنا سابقاً.

2- أن نقول بأنّ الملازمة بمستوى الاقتضاء لا أكثر بحيث إذا فرض وجود ملاك نفسي في نقيض المقدمة فلا يترشح حب غيري نحوها نظير ما قلناه في المقدمة المحرمة مع وجود المباحة.

إلّا أنّ هذا معناه انكار أصل الملازمة هنا، إذ لا تبقى مقدمة محبوبة في البين، مع انّه لا اشكال في شدة محبوبية فعل الأهم المستلزم بناءً على الملازمة حب ترك المهم و لو الموصل، أو قل لبغض فعل المهم أو مقتضيه لكونه علة تامة للحرام الغيري.

315

3- أن يقال بأنّ الحب الغيري يختلف عن الحب النفسي من حيث أنّ المحبوب النفسي محبوب على كل حال بخلاف المحبوب الغيري فإنّ محبوبيته حيث انها غيرية أي من أجل التوصل إلى تحقيق المحبوب النفسي لا أكثر، فلا محالة لا يكون المحبوب إلّا عنوان التوصل و لا يكون مبغوض إلّا عدم الوصول إلى الواجب النفسي الأهم، و هذا النحو من البغض لا ينافي محبوبية الضد أو الواجب المهم في نفسه. إلّا أنّ هذا أيضاً يرجع بالدقة إلى انكار البغض الغيري لعلّة الحرام، و هو مساوق مع انكار الملازمة.

و هكذا يتضح انّ وجدانية قبول التزاحم في هذه الموارد لا يمكن تفسيره إلّا بالالتزام بعدم الملازمة بين حبّ شي‏ء و حبّ مقدماته و بغض نقيضه- كما هو مختار السيد الخوئي (قدس سره)- أو عدم تقوّم الحكم بمبدإ المحبوبية و المبغوضية و تقوّمه بنفس التصدّي المولوي لتحصيل فعل أو ترك من المكلّف، و هو فعل اختياري للمولى كالجعل، سواء كان من جهة محبوبية ذلك أو كونه أنفع بأغراضه و لو من باب دفع الضرر و المبغوض الأشد أو الأكثر بالأقل، و هذا وجداني لا ينبغي التردّد فيه، بل لو تصدّى المولى لترك الضد و النهي عنه أيضاً فهو نهي من أجل فعل الأهم لا لذاته، أي تصدٍّ غيري لا نفسي، و هو لا ينافي الأمر بالضد بنحو الترتّب؛ لأنّ التنافي بين الأمر و النهي بلحاظ محركيّتهما، و لا محركيّة للحكم الغيري أكثر من محركيّة الحكم النفسي المترشّح منه، و المفروض عدم منافاته مع الأمر الترتّبي بضده.

فالحاصل: لا امتناع حتى على تقدير قبول الاقتضاء في أن يكون الضد مأموراً به بنحو الترتب لأنّ هذا الأمر لا يتنافى مع النهي الغيري عنه لا من ناحية المبادئ؛ لعدم تقوّم الحكم بالحبّ و البغض، و لا من ناحية محركية الأمر و النهي‏

316

لأنّه نهي غيري لا محركية له و لو فرض وجودها، فهي محركيّة كمحركيّة الأمر بالأهم لا أكثر، فإذا لم يكن الأمر بالأهم منافياً مع الأمر بالمهم لكون هذا الأخير مشروطاً بفرض ترك الأهم فكذلك النهي.

و لو لم نقبل كلّ ذلك و قلنا بتقوّم الحكم بالحبّ و البغض لزم التعارض بين الأمر الترتبي بالمهم مع الأمر المطلق بالأهم على كلّ حال؛ للزوم اجتماع الحب و البغض في المهم- إذا كان مانعاً عن الأهم بنفسه- أو مقتضيه و هو محال حتى بنحو مشروط. و بهذا يعرف أنّ سقوط الأمر بالضدّ أو وقوع التعارض بين دليلي الأمر بالضدين إنّما يترتب بناءً على القول بالاقتضاء فيما إذا قلنا بالنهي النفسي عن الضد- و لا قائل به- أو قلنا بأنّ قوام الحكم التكليفي و روحه بالحب و البغض- و قد عرفت عدم صحّته- فلا أثر و لا ثمرة للبحث عن مسألة الاقتضاء، و اللَّه الهادي للصواب.

ص 331 قوله: (ثانيهما: أن لا يكون الأمر بالشي‏ء مقتضياً للنهي عن ضده).

اتضح مما سبق عدم لزوم هذا الشرط، لأنّ النهي الغيري لا يكون مانعاً عن صحّة الأمر الترتبي؛ لأنّه لا محركيّة له أكثر من محركية التكليف النفسي المترشّح منه، و لا تضادّ بين الأمر و النهي إلّا بلحاظ محركيّتهما لا بلحاظ الحبّ و البغض؛ لعدم كونهما قواماً للحكم.

نعم، من يرى تقوّم الحكم بالحبّ و البغض يلزمه هذا الشرط في إمكان الترتب، إلّا انّه حينئذٍ لا بدّ له من انكار الحبّ و البغض الغيري للمقدّمة و الضد العام للواجب، و لا يكفي منع التمانع بين الضدين بالبراهين المتقدّمة كما هو ظاهر جملة من الأعلام و منهم السيد الشهيد (قدس سره)؛ لأنّه لا يدفع التضاد بلحاظ مقتضي الضد الواجب فيحصل التعارض بين الأمرين كما شرحنا ذلك فيما سبق.

317

ص 332 قوله: (الجهة الثانية...).

يتعرض في هذه الجهة إلى مقدار التقييد اللازم في الخطاب المزاحم بخطاب آخر أهم أو مساوٍ على كلا القولين من استحالة الترتب و امكانه، فهذا هو عنوان هذه الجهة.

فيقال: على القول بامكان الترتب يتقيد التكليف بعدم امتثال الضد الواجب المساوي أو الأهم، و هذا التقييد سوف نثبته على القاعدة بنفس قيد القدرة العقليّة المأخوذ في كل خطاب، بلا حاجة إلى دليل من الخارج، و بلا تعارض بين اطلاقي الخطابين أصلًا.

و بهذا يكون الخطاب الأهم أو المساوي وارداً على الآخر بامتثاله، و الورود ليس من التعارض، و قد شرح السيد الشهيد أقسام الورود، و هذا واضح.

و امّا على القول باستحالة الترتب فهذا المقدار لا ينفع بل لا بد من تقييد أكثر لاطلاق الخطاب المزاحم بالأهم أو المساوي، و هنا مطلبان ذكر السيد الشهيد أحدهما:

1- في مقدار التقييد فهل يقيد بعدم واقع الخطاب الآخر الأهم مثلًا كما في موارد الاجتماع بناءً على الامتناع أو يقيد بعدم تنجزه و إن كان ثابتاً واقعاً.

2- انّ هذا التقييد هل يمكن تخريجه على القاعدة بنفس قيد القدرة المأخوذة لبّاً في كلّ خطاب فيكون الخطابان في موارد التزاحم من ورود أحد الخطابين على الآخر و لكن بتنجزه لا بامتثاله، فيرتفع التعارض من البين حتى بناءً على امتناع الترتّب أم لا.

318

أمّا البحث الأوّل و الذي تعرض له السيد الشهيد فقد أفاد ما محصله: انّ التنافي هنا ليس في المبادئ بل في مقتضيات الحكم أي التحريك، حيث لا يمكن التحريك نحو الجمع بين الضدين لكونه غير مقدور و حينئذٍ إن لم تكن القدرة قيداً في التكليف أصلًا. فلا موضوع لهذا البحث حيث يبقى الخطابان على اطلاقيهما، و لهذا جعلنا ذلك شرطاً في البحث عن الترتب، و إن كان قيداً للخطاب فإن كان بحكم العقل من باب قبح الالجاء في المخالفة و العصيان أو اللغوية فهذا من الواضح انّه يكفي فيه التقييد بعدم تنجز الآخر، حيث لا عصيان في فرض عدم التنجز فلا إلجاء كما لا لغويّة.

و إن كان من باب مقيدية الظهور في التحريك و البعث الذي هو غرض تكويني للمولى من وراء الجعل و الخطاب فهذا الغرض لو اريد به التحريك الفعلي المطلق- الاحتمالان الأوّل و الثاني- فهو غير معقول نحو الضدين، إلّا انّ هذا غير محتمل؛ للزوم عدم توجّه المولى إلى أنّ العاصي و الجاهل لا يتحركان بالفعل من الخطاب، أو تخصيص الخطاب بالمطيع و العالم، فلا بد و أن يكون المقصود من داعي التحريك للمولى التحريك الاقتضائي اللولائي، أي لو وصل إليه و تنجز عليه و كان مطيعاً لمولاه لتحرك، و صدق القضية الشرطية لا تستلزم صدق طرفيها- و هذا هو المراد من الاحتمال الثالث- و هذا النحو من التحريك لا ينافي التحريك نحو الضدين إذا كان أحدهما غير منجز عليه، و هذا يعني انّه يكفي تقييد الخطاب المزاحم بعدم تنجز الآخر لا عدم واقعه.

و قد ذكر السيد الشهيد هنا نحواً خامساً لداعي الانبعاث و هو انبعاث كل مكلف حسب درجة انقياده، فإذا كان ينقاد من احتمال التكليف غير المنجز مع ذلك كان المولى من غرضه بعثه و تحريكه، و هذا المعنى لا يمكن أن يكون نحو

319

الضدين و ان لم يتنجز أحدهما عليه إذا كان بنحو من الاحتمال الذي يتحرك منه المكلف لأنّه يلزم منه التحريك نحو الضدين و هو غير ممكن.

إلّا انّ هذا الداعي للانبعاث مضافاً إلى انّه غير صحيح في الخطابات المجعولة بنحو القضايا الحقيقية أي على جميع المكلفين بنحو واحد لا يمنع عن إطلاق الخطاب المهم لحال عدم تنجز الأهم غير الواصل، لأنّ أصل وجود الخطاب الأهم مشكوك للمكلف بحسب الفرض، فلا لغوية في أن يريد المولى تحصيل الخطاب و الملاك المعلوم فعليته في قبال ما يكون مشكوكاً أصل ثبوته و إن كان أهم على تقدير وجوده.

و إن شئت قلت: انّ المكلّف في فرض عدم وصول الأهم إليه و وصول المهم لا يتحرك إلّا نحو المهم، ففعلية المهم في هذا الحال أيضاً لا تنافي محركية الأهم الاقتضائي اللولائي. هذا كلّه في البحث الأوّل.

و أمّا البحث الثاني فقد يقال: إذا أمكن تقييد الخطاب المهم بعدم تنجز الأهم بنحو يكون من الورود بالتنجز و أمكن تخريج ذلك من خلال تفسير قيد القدرة بالنحو المتقدم فيخرج التزاحم عن باب التعارض حتى على القول باستحالة الترتب لأنّه بوصول الأهم أو تنجزه ترتفع القدرة- بعد تعميمها لما يشمل المانع الشرعي و اعتبار الأهم مانعاً شرعياً فيكون عدمه لا محالة مأخوذاً قيداً لبياً في الخطاب كما سيأتي ذلك على الترتب أيضاً، و به نرفع التعارض بناء عليه- و مع عدم تنجزه لا مانع من إطلاق خطابه فلا تعارض على القاعدة فلما ذا جعل عدم التعارض من ثمرات القول بامكان الترتب، فيكون الصحيح في البحث في الجهة الاولى جعل الثمرة ما فعلته مدرسة المحقق النائيني من صحة الضد العبادي‏

320

و الاجتزاء به أو الأعم منه و من التوصلي بناءً على الترتب لا المعارضة بين الخطابين.

و الجواب: أوّلًا- انّ هذا لا يتم في الخطابين المتساويين فلا محالة يقع التعارض بين اطلاقيهما إذ لو كان قيد القدرة بمعنى عدم تنجز الأهم لزم فعلية الخطابين المتساويين عند وصولهما معاً فيلزم طلب الجمع بين الضدين و إن كان القيد عدم وصول الأهم أو المساوي يلزم ارتفاعهما معاً.

و إن شئت قلت: يلزم الدور و انّ كلا منهما يكون مشروطاً بعدم الآخر و تنجزه و هو في نفسه محال فيلزم التعارض لا محالة، و هذا بخلافه على القول بالترتب.

و ثانياً- لا يصحّ أصل هذا الكلام حتى في الخطابين الأهم و المهم؛ لأنّ التقييد بعدم القدرة الشرعية أي عدم المانع الشرعي، و هو الأمر بالضد الأهم قيد زائد بحاجة إلى مقيّد خاص، و إلّا فاطلاق كل خطاب ينفيه، و هذا بخلاف التقييد بالقدرة العقلية التكوينية، فإنّ الخطاب لا يمكن أن ينفيه، بل بالعكس كل خطاب مقيّد لبّاً به.

و يترتّب على ذلك أنّه بناءً على إمكان الترتّب يكون إطلاق كل خطاب بالضد منافياً مع إطلاق الخطاب الآخر لحال الاشتغال بالآخر لا مع أصله- أي حتى إذا لم يشتغل به- فامّا أن يحكم بتساقط الاطلاقين معاً بالتعارض- كما سيأتي عن المحقّق النائيني (قدس سره)- فيثبت الترتّب من الجانبين أو يحكم بسقوط إطلاق خصوص الخطاب المهم أو غير محتمل الأهمية للقطع بسقوطه دون إطلاق الأهم و محتمل الأهمية فيؤخذ به، أو يقال من أوّل الأمر بأنّ المقيّد اللبّي بالدقة

321

عدم الاشتغال بالضد المساوي أو الأهم أو محتمل الأهمية فلا إطلاق فيما لا يكون أهم و لا محتمل الأهمية- كما هو الصحيح و المبيّن في باب التزاحم من كتاب التعارض- فلا تعارض في البين أصلًا.

و هذا لا يتمّ إذا قلنا بامتناع الترتّب فإنّه سوف يقع تعارض بين أصل الخطابين عند وصولهما معاً؛ إذ سوف يكون كل من الخطابين حتى لو فرض أحدهما أهم على تقدير ثبوته نافياً لأصل الخطاب الآخر بالملازمة؛ لأنّ التقييد بعدم المانع الشرعي تقييد زائد منفي باطلاق نفس الخطاب، فيقع التعارض بينهما لا محالة، و هذا واضح.

ص 344 قوله: (و إن كان ذلك من أجل ما يقال من انّ الامتثال علة لسقوط الأمر و الطلب...).

و الجواب عليه:

أوّلًا- بما سيأتي في الكتاب من انّ سقوط الأمر في طوله و طول العصيان زماناً.

و ثانياً- انّ الامتثال ليس مسقطاً للأمر أساساً على المبنى الصحيح من انّ تحصيل المحبوب ليس مسقطاً للحب و إنّما تنتهي فاعليته.

ص 349 قوله: (و إذا كان الفعل الأهم مما يعقل صدوره بلا اختيار...).

لا بد من اضافة جملة هنا و هي (و تكون الحصة غير الاختيارية منه واجدة للملاك الأهم أيضاً) و إلّا لم يكن وجه لتقييد الأمر بالمهم بالقيد الزائد كما هو واضح.

322

ص 349 قوله: (نعم بناءً على انّ ملاك امكان الترتب...).

و الظاهر من المحاضرات انّ هذا هو الملاك عند الميرزا لامكان الترتب.

ثمّ انّه كان ينبغي البحث الصغروي أيضاً، أي انّ المأخوذ قيداً بناءً على الترتب هل هو العزم على العصيان أو العصيان أو ترك الأهم؟ و الصحيح هو الأخير- بناءً على نكتة امكان الترتب- إذ لا موجب لأخذ أكثر من ذلك بعد أن كان القيد اللبي هو القدرة، فإنّها محفوظة بنفس ترك الضد الآخر و عدم الاشتغال به و العناوين الاخرى امّا فيه تقييد زائد أو فيه أخذ عنوان زائد.

ص 359 قوله: (الجهة السادسة...).

يمكن بيان الاشكال في امكان الترتب بأحد نحوين:

الأوّل: انّ ذلك يستلزم طلب الجمع بين الضدين و لو في حال واحد و هو من طلب غير المقدور.

و فيه: انّه لا يلزم ذلك؛ لأنّه لو اريد الأمر بالجمع بين الضدين، فمن الواضح عدم الأمر به و إنّما بكل منهما بخصوصه و هو في نفسه مقدور و إن اريد انّه يلزم من الجمع بين الطلبين و الأمرين بالضدين ذلك بحسب النتيجة قلنا انّه لا يلزم لأنّ الأمر بأحدهما- على الأقل- مشروط بترك الآخر مما يعني انّ طلبه في فرض عدم تحقيق الآخر لا للجمع بينهما، و لهذا لو فرض امكان الجمع بينهما لم يكن المطلوب إلّا أحدهما و هو الأهم لا كليهما، فليس هذا من طلب الجمع بل من الجمع في الطلب.

و هذا هو الوجه الذي لعله يشير إليه الميرزا في مقدمته الخامسة و الذي أجاب‏

323

عليه السيد الشهيد بأنّه كوجه وجداني مقبول، و امّا كبرهان فيمكن للخصم أن يقول بأنّ فعلية الأمر بالضدين في حال عصيان الأهم يستلزم طلب الجمع في هذا الحال لا محالة.

و ما ذكر من انّه لو أمكن الجمع بينهما لم يقعا معاً على صفة الوجوب. جوابه انّه لا يقع ذلك؛ لأنّ أحدهما مقيد بعدم الآخر و لو من جهة تقييد مدلول الهيئة- كما ذكر في الكتاب- فلا يمكن فرض الجمع بينه و بين المطلوب بالطلب الآخر إلّا بفرض امكان اجتماع النقيضين، و مع فرضه يكون موضوع الأمر الثاني متحققاً أيضاً فيكونان معاً مطلوبين.

إلّا انّ الانصاف انّ هذا الجواب جدلي لأنّه يمكن أن يقال بأنّ القيد المذكور و إن كان مأخوذاً بالنتيجة في متعلّق المهم إلّا انّه ليس به أمر و إنّما الأمر بذات المهم، و امّا تقييده فيستحيل أن يترشح عليه الأمر لأنّه مأخوذ قيداً في الوجوب فما هو المأمور به في الأمرين بالضدين أي ما وقع تحت الطلب منهما ذات الضدين، و هذان الطلبان لا يلزم من الجمع بينهما طلب الجمع بين الضدين بدليل انّه لو جمع بينهما لم يكن الواجب إلّا أحدهما و هو الأهم، فالحاصل الاشكال لم يكن هو لزوم طلب الجمع بين النقيضين بل الضدين في حال تحقق شرط فعلية الأمر الترتبي، و هذا لا يلزم بالبرهان المذكور.

الثاني: لزوم المطاردة بين الأمرين من حيث التأثير و التحريك و الفاعلية حيث انّ الأمرين يصبحان فعليين في حال تحقق شرط الأمر الترتبي فيكون كل منهما مقتضياً من حيث المحركية ما يمانع مع محركية الآخر؛ إذ صرف المكلف لقدرته في أي واحد منهما يستلزم طرد الآخر فيقع التطارد بينهما في التأثير.

324

و هذا الاشكال هو الذي تصدى المحقق النائيني (قدس سره) الاجابة عليه بما في المقدمة الثانية و الرابعة من نفي المطاردة، و يمكن بيانهما بأحد أنحاء:

1- ما في الكتاب في الجهة السابعة البيان الأوّل.

و قد يناقش فيه‏: بأنّ الأمر الأهم و إن كانت محركيته الفعلية غير موجودة حين تركه فلا مانع فعلي خارجي عن محركية الأمر بالمهم إلّا انّ اقتضاء التحريك التشريعي و المولوي محفوظ في هذا الحال للأهم بحسب الفرض فيلزم التطارد بين الأمرين الشرعيين في المحركية التشريعية المولوية.

و الجواب: انّ اقتضاء التحريك إنّما يكون ممتنعاً إذا كان منتهياً إلى محركيتين فعليتين متمانعتين، فإذا لم يكن كذلك فلا محذور في تحقق مقتضيهما التشريعيين لا محالة، و هذا واضح.

2- انّ محركية الأمر بالأهم لا يمكن أن تمنع عن محركية الأمر بالمهم؛ لأنّها إنّما تمنع عنها من خلال التحريك نحو فعل الأهم المستتبع لترك المهم لا مستقلّاً، و مثل هذه المحركية يستحيل أن تكون مانعة عن محركية المهم؛ لأنّها بتحققها يرتفع موضوع الأمر بالمهم و كل أمر على تقدير محركيته يستلزم ارتفاع موضوع الأمر الآخر يستحيل أن يكون مانعاً عنه في التأثير و المحركية فالتأثير الذي لو وقع و تحقق لا يقع موضوع الأمر الآخر يستحيل أن يكون مانعاً عن تأثيره.

و امّا عدم مانعية الأمر بالمهم عن تأثير الأمر بالأهم فواضح بما في الكتاب من التعبير بلزوم الدور، أو بتعبير آخر: انّ الحكم لا يدعو نحو

325

تحقيق موضوعه. و هذا البيان معناه عدم التمانع بين المقتضيين للأمرين.

3- ما يمكن جعله بياناً فنياً لما رامه الميرزا (قدس سره) من دفع المطاردة بلحاظ المقتضيين و حاصله: انّ مقتضى الأمر بالأهم ليس مطلق عدم المهم بل عدمه المستلزم لوجود الأهم أي عدم المهم المقيّد بتحقق الأهم، و الأمر بالمهم لا يقتضي هدم هذه الحصة من عدم المهم و إنّما يقتضي هدم عدم المهم على تقدير عدم فعل الأهم لما تقدم من انّ قيود الهيئة مأخوذة في المادة لا محالة.

و لا يرد ما في الكتاب‏ (1) من انّ الأمر بالأهم بالاطلاق أو الحفظ الذاتي يكون ثابتاً في تقدير عدم الأهم أيضاً فيكون هادماً للمهم في هذا الحال أيضاً؛ لأنّ الأهم و إن كان فعلياً في هذا الحال إلّا انّ متعلقه هو فعل الأهم و ما يستلزم من فعله من عدم المهم و ليس متعلقاً بعدم المهم ابتداءً.

و إن شئت قلت: انّ هذا الاقتضاء من باب المدلول الالتزامي لمقتضى الأهم- بالفتح- و ما هو مدلول التزامي له إنّما هو عدم المهم المقيد به لا مطلقاً فبمقدار ما يقتضيه فعل الأهم من انهدام في المهم يكون مقتضياً للهدم و هو لا يقتضي أكثر من هدم المهم المقيّد هذا الهدم بهذا التقدير بنحو قيد الواجب لا الوجوب، و هذه الحصة من عدم المهم لا يقتضي خلافه الأمر بالمهم أصلًا، لأنّه أمر بالمهم على تقدير ترك الأهم لأنّ قيود الهيئة ترجع إلى المادة أيضاً فيكون مقتضاه هدم عدم المهم في هذا التقدير بنحو قيد الواجب.

____________

(1) () ص 358

326

فالحاصل: هناك حصتان من عدم المهم:

احداهما- عدم المهم المقيّد بفعل الأهم و هذا هو الذي يقتضيه الأمر الأهم و لا ينافيه و لا يمنع عن تحققه الأمر بالمهم؛ لأنّه مقيد وجوباً و واجباً بترك الأهم.

الثانية- عدم المهم المقيد بترك الأهم و هذا هو الذي يقتضي الأمر بالمهم هدمه و خلافه و لا يقتضي الأمر الأهم تحقيقه لأنّه يقتضي ترك المهم بمقدار ما يستتبعه فعل الأهم لا أكثر.

و الظاهر انّ هذا البيان تام لا غبار عليه أيضاً.

4- ما ذكر في الكتاب بعنوان البيان الثاني و لا يرد عليه ما في الهامش امّا لانكار وجود ارادتين و إنّما ارادة واحدة و مقدار التنجيز و التسجيل منه في الذمة يكون مشروطاً، أو لو فرض انقداح ارادة اخرى مشروطة تعينية إلّا انّه من الواضح انّ محركية هذه الارادة التعينية المشروطة ليست أكثر من محركية الأمر التخييري بالجامع بين عدم الشرط أو فعل الجزاء على تقدير الشرط، أي الأمر التخييري بأحد الضدين، و لا إشكال في عدم المطاردة بينه و بين الأمر بأحدهما المعيّن أيضاً إذا كان أهم ملاكاً مما في الجامع.

فالحاصل: لا نحتاج إلى ارجاع الارادة المشروطة إلى ارادة الجامع بين عدم الشرط و فعل الجزاء على تقدير الشرط، بل يكفي كون محركيّة الارادة و الوجوب المشروط بشرط اختياري- كما في موارد الترتب- ليس بأكثر من تحريك المكلّف نحو الجامع المذكور، فتكون محركية الأمر الترتبي كمحركية

327

الأمر بالجامع بين الضدين، فإذا كان ذاك غير مطارد و لا مزاحم للأمر التعيني بأحدهما مطلقاً فكذلك الأمر الترتبي، و لعمري هذا واضح جداً.

5- وجدانية امكان الترتب و يمكن اقامة منبهات عليها نذكر فيما يلي ثلاثة منها:

1- ما هو واقع في العرف من الأمر بدفع الضرر الأهم و إلّا فالضرر الأقل عند دوران الأمر بينهما بحيث لا يمكن دفعهما معاً.

2- وضوح امكان التخيير الشرعي في كل مورد يعقل فيه التخيير العقلي مع وضوح صحّة الأمر بأحد الضدين بنحو التخيير العقلي بأن يقال افعل أحدهما فيصح الأمر بكل منهما مشروطاً بترك الآخر- بناءً على رجوع التخيير الشرعي إلى ذلك- و ليس هو إلّا الترتب من الجانبين و معه يصح الترتب من جانب واحد أيضاً إذا قيل بالتلازم بينهما في المحذور و نكتة الامتناع.

3- وقوع ذلك في الشرع فيما إذا نذر أن يزور الحسين (عليه السلام) في عرفة إذا لم يحج، و أن يحج إذا لم يزر الحسين (عليه السلام) في عرفة، فإنّه لا إشكال في عدم بطلان شي‏ء من النذرين بل صحتهما، و كذلك إذا نذر الزيارة على تقدير عدم الحج ثمّ استطاع فوجب عليه الحج، فإنّه لا شكّ في وجوب الوفاء بنذره إذا لم يحج و لو عصياناً.

و لا يرد هنا ما أوردناه في الكتاب على الأمثلة التي ذكروها في مقام النقض على القائلين بالامتناع لوجود التضاد الذاتي بين الفعلين هنا، فيمكن سرد مثل هذه الأمثلة الفقهية كمنبهات وجدانية.

328

ص 370 س 13 قوله: (إلّا أنّ أصل هذا الاشكال إنّما جاء...).

هذا المقطع كان من الهامش ادرج في المتن اشتباهاً و قد جعلناه في الهامش في الطبعة الجديدة و أجبنا عليه بأنّ إطلاق الخطاب الأولي للعالم بوجوب التمام أيضاً محال للزوم أخذ العلم بالحكم في موضوع شخصه، بل و لعدم محركية هذا الأمر الثابت بهذا الإطلاق في حقه؛ لأنّه يرى نفسه موضوعاً لغيره.

إلّا انّ هذا الاشكال يمكن دفعه بوجهين:

1- امّا اشكال أخذ العلم في موضوعه فجوابه ما تقدم مراراً من امكان أخذ العلم بالجعل في موضوع فعلية المجعول، و ظاهر الأدلّة في المقام ذلك أيضاً حيث ورد انّه من لم تقرأ عليه آية القصر وظيفته التمام.

و امّا اشكال عدم المحركية لكونه دائماً يرى نفسه موضوعاً لاطلاق خطاب التمام لمورد عدم وجوب القصر عليه واقعاً و انّه لو لم يكن له دليل على ذلك تشكل له علم اجمالي و تنجز عليه القصر فخرج عن موضوع الحكم بالتمام فقهياً.

فهذا الاشكال أيضاً يمكن دفعه بأنّه يكفي انّه يكون موجباً لشدة المحركية وسعتها الواقعية إذ سوف يعلم بأنّه يكون عليه التمام واقعاً على كل حال، امّا لصدق ما دلّ مثلًا على وجوب التمام على من عمله في السفر دون القصر، و امّا- لو فرض خطأه في هذا الفهم أو عدم صدور تلك الرواية- لأنّ من كان مثله فالتمام صحيح منه واقعاً- لو لم يأت بالقصر لعدم تنجزه عليه- بحكم الروايات‏

329

الدالّة على الاجزاء أي يحصل له علم بأنّه داخل في أحد اطلاقي جعل وجوب التمام، و هذا كافٍ في المحركية اللازمة للخطابات و لا يشترط امكان وصوله التفصيلي.

2- انّ الإطلاق المذكور لو سلمنا انّه لا يكون قابلًا للوصول إلى المكلف لتحريكه، إلّا انّ هذا المقدار لا يكفي؛ للغويته و اسقاطه ما دام يترتب عليه فائدة مهمة و هو الاجتزاء بما فعله المكلف و عدم لزوم الاعادة و القضاء عليه.

نعم، لو كان أصل الخطاب كذلك أمكن أن يقال انّه خلاف الظهور التصديقي الحالي في داعي التحريك و البعث إلّا انّ هذا الظهور ليس بلحاظ كل جزء جزء من إطلاق الخطاب، و إنّما هو بلحاظ أصله.

ثمّ انّ الاستاذ (قدس سره) ذكر هذا الاشكال و موافقته عليه أيضاً في آخر بحث وجوب الفحص في جريان الاصول العملية راجع ج 5 ص 428.

حالات خاصّة للأمر

ص 380 س 8 قوله: (لا اشكال في صحة الجعل و جوازه في الأوّل إذ هذا مطابق مع ما هو الغرض من الجعل...).

كأنّ نكتة البحث عن الصحة و العدم هو الاستهجان الناشئ من لغوية الجعل مع العلم بانتفاء الفعلية لعدم تحقق موضوعه و عندئذٍ يقال بأنّ الاستهجان و اللغوية لا يكون في الموردين المذكورين، و إن كان الغرض المولوي عندئذٍ في الموردين إنّما هو في عدم تحقق الشرط باختيار المكلف لا تحقيق المأمور به على تقدير تحقق الشرط بالخصوص كما هو ظاهر الأمر به.

و حاصل هذا الفصل انّ الأمر مع العلم بانتفاء شرطه لو اريد به شرط الأمر أي الجعل و مبادئه فهو مستحيل لأنّه من وجود المعلول بلا بعض أجزاء علته و هو محال. و إن اريد به شرط المجعول فإن كان انتفاؤه من باب الضرورة و عدم امكان التحقق و لو في طول الجعل فأيضاً لا يصح الجعل للغويته، و الغرض الآخر في نفس الجعل لا يكون مصححاً للجعل فإنّ المصحح له ينحصر فيما فيه تحريك و اطاعة للمكلف أي أثر تحريكي عليه. و إن كان عدم التحقق باختيار المكلّف فعندئذٍ قد ترتفع اللغوية من البين إذا فرض سنخ أمر كان يترتب عليه منع المكلف عن تحقيق الشرط كالكفارة على المحرم- المورد الأوّل- أو التعبد بتركه كالمورد الثاني و امّا إذا لم يكن يترتب على الأمر ذلك كما إذا لم يكن في الأمر صعوبة رادعة للمكلف فاللغوية باقية على حالها كلما علم بذلك سواء في‏

330

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

331

القضايا الخارجية أو الحقيقية، و هذا واضح. و لا يترتب على هذه المسألة ثمرة أصلًا و إنّما ذكرت لوجودها في كتب الاصول القديمة.

ص 386 قوله: (و الجواب على هذا الاشكال...).

هذا الجواب مبني على أن يراد بالاباحة بالمعنى الأخص مجرد عدم الأحكام الأربعة الاخرى حيث يكون دليل الوجوب بل أي حكم من الأحكام الأربعة بالمطابقة نفياً للاباحة بالمعنى المذكور و امّا انتفاء الأحكام الثلاثة الاخرى فيكون مدلولًا التزامياً لدليل الوجوب، فإذا ضم اليها مدلول الدليل الناسخ النافي للوجوب ثبت الاباحة بالمعنى المتقدم أي انتفاء الأحكام الأربعة.

إلّا أنّ هذا المعنى للاباحة ليس مقصوداً لكونه مقطوع العدم لأنّ هذا إن اريد به السالبة بانتفاء الموضوع كما إذا لم يجعل شي‏ء من الأحكام فهذا المدلول مقطوع العدم للعلم بجعل شرعي لكل واقعة في الشريعة و إن اريد به انتفاء الأحكام الأربعة مع وجود تشريع في الواقعة المستلزم للاباحة بالمعنى الأخص بمعنى جعلها أي جعل تساوي الطرفين و جواز الفعل و الترك بلا رجحان و الذي هو حكم وجودي و الذي هو الاباحة بالمعنى الأخص بعد ثبوت التشريع و نزوله على النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) في كل واقعة، فهذا المعنى منفي بدلالة التزامية رابعة لدليل الوجوب المنسوخ لا المطابقية فتكون معارضة مع هذه الدلالات الأربع لا محالة.

فالحاصل‏ لو اريد نفي الأحكام الأربعة فقط بلا اثبات الاباحة بالمعنى الأخص الذي هو حكم وجودي فهذا مقطوع البطلان بعد نزول التشريع لكل واقعة و إن اريد اثبات ذلك و لو بالملازمة بمجموع هذه الدلالات الأربع فهذا معارض مع دلالة التزامية رابعة لدليل الوجوب المنسوخ على نفيه، و هذا واضح.

332

على انّ القائل باثبات الجواز من الواضح انّه لا يريد اثبات الاباحة بالمعنى الأخص بعد نسخ الوجوب لوضوح انّه لا يمكن اثباته بدليل الوجوب فإنّه كان دالّاً على نفيه لا على ثبوته و إنّما يقصد اثبات الجواز بالمعنى الأعم أي نفي الحرمة الذي كان ثابتاً قبل نسخ الوجوب أيضاً.

ص 386 قوله: (التقريب الثاني- مبني على القول بحجية الدلالة التضمنية...).

الايراد على هذا التقريب لا ينحصر بمنع المبنى و هو تركب الوجوب، بل يرد عليه أيضاً بأنّ مجرد تركب المعنى لا يكفي ما لم تكن الدلالة متركبة أي دلالات تضمنية عديدة، فلو قال مثلًا: رأيت سريراً، ثمّ علم بأنّه لم ير سريراً كاملًا و لكنه يحتمل أن يكون قد رأى خشبة مثلًا التي هي جزء من السرير فهل يقال بأنّ الخطاب يبقى حجة عليه؟ كلا جزماً.

و منه يعرف انّه لا يمكن تصحيح هذا التقريب حتى لو جعلنا روح الحكم و حقيقته الارادة و الحب- كما هو مبنى السيد الشهيد (قدس سره)- و قلنا بأنّ الوجوب في هذه المرحلة هو الارادة و الحب الشديد و أنّ زوال مرتبته لا ينافي بقاء ذاته، فإنّ هذا التركيب الثبوتي لا يكفي لاثبات أصل الطلب و الحب اثباتاً من دليل الوجوب بعد نسخه لعدم التكثر في الدلالة اثباتاً.

و لعلّ هذا هو المقصود من لزوم كون الدلالة التضمنية تصديقية لا تحليلية و إن كان ظاهر التحليلية هو الكلي و الفرد لا اجزاء المعنى المركب الواحد.

و امّا الاشكال الثالث للسيد الخوئي فحاصل الجواب عليه كما في آخر ص 388 انّ الدلالة التضمنية إنّما يمكن الأخذ بها لو لم تدخل في المعارضة،

333

و بناءً على عدم امكان بقاء الجنس كالجواز أو ذات الارادة بعد زوال النوع- و هذا يعني انّ الجواز مع الوجوب غير الجواز مع الاستحباب أو الاباحة أو الكراهة- تدخل الدلالة على الجواز التضمنية في المعارضة أيضاً، أي تكون منفية بالدليل الناسخ. نعم، تبقى الدلالة التصورية التضمنية لا التصديقية و هي لا تكون حجة.

إلّا أنّ هذا الجواب لا يتم إذا فرضنا تكثّر الدلالات التضمنية اثباتاً؛ لأنّ معناه انّ كل دلالة تضمنية تصورية تكون بإزائها دلالة تصديقية مستقلة عن الاخرى، على ما سيأتي في وجه حجّية الدلالة التضمنية بعد سقوط المطابقية.

فالحاصل النكتة وجود دلالات تضمنية تصديقية مستقلة، و هذه لو كانت- و لو كان لازمها ثبوت فرد آخر من الجنس غير ما كان ثابتاً مع النوع المنسوخ- كانت حجة، فلا ربط بين المسألتين فإنّ هذه اثباتية اصولية و تلك فلسفية ثبوتية.

ثمّ انّ هنا مطلباً آخر يمكن أن يقال‏، و حاصله‏: انّ التقريبات المذكورة إنّما تتم لو قبل مبناها بناءً على انّ النسخ تخصيص في الأزمان كما هو المشهور، و امّا إذا تعقلنا النسخ الحقيقي على مستوى الجعل و الانشاء بأن يكون الجعل الأوّل مطلقاً غير مقيد زماناً إلّا انّ الشارع يلغيها بقاءً، فعندئذٍ لا يكون الدليل الناسخ معارضاً أصلًا لدلالات الدليل المنسوخ و إنّما يلغي مدلوله مع الاعتراف باطلاق الجعل المفاد به واقعاً، و عندئذٍ لا يكون للدليل المنسوخ نظر إلى الحكم المجعول بعد فرض نسخ الحكم المنسوخ؛ لأنّه خارج عن مفاده، فما هو المجعول من الحكم على تقدير نسخ ذلك الحكم خارج عن مداليل الدليل المنسوخ حتى التزاماً فضلًا عن المدلول المطابقي له أو الالتزامي، و معه فلا موضوع للتقريبات المتقدمة.

كيفيّات تعلّق الأمر

ص 398 قوله: (القسم الخامس:...).

الفرق بين هذا القسم و القسم الرابع انّه في الرابع يكون الطبيعة المشار بها إلى واقع معين في الخارج متعلقاً للحب بخلاف القسم الخامس الذي يكون فيه الطبيعة بالحمل الأولي متعلقاً و الطبيعة بالحمل الأولي يبقى كلياً، و هذا واضح.

ص 402 قوله: (و قد استبعد الميرزا (قدس سره)...).

للميرزا اشكال آخر كالعقلي و هو احتياج تعلّق الطلب بشي‏ء إلى تقدير (أو) بمقدار أفراده العرضية و الطولية مع عدم تناهيها غالباً.

و هذا الاشكال يمكن ارجاعه إلى اشكال صحيح من انّ أي عنوان يؤخذ فإن كان جامعاً بدلياً بين الأفراد قابلًا للانطباق على كل واحد منها كان من التخيير العقلي لا محالة، و امّا التخيير الشرعي فلا يمكن إلّا بافتراض ملاحظة كل فرد فرد مستقلّاً مع العطف بينها بأو و هذا غير ممكن من خلال عنوان واحد خصوصاً في ما تكون أفراده غير متناهية.

و أمّا ما في الكتاب من الاشكال المضاف فهو تام إذا فرضنا عدم امكان الإشارة إلى الوجود العيني من خلال مفهوم ذهني قبل وجوده و إلّا لم يتم على ما سنبيّنه فيما يأتي.

334

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

335

ص 402 قوله: (الصياغة الثانية- ما أفاده الميرزا (قدس سره)...).

قد أشكل على هذه الصياغة السيد الخوئي بأنّ التشخص بالوجود لا بالصفات و العوارض الاخرى و التي كل واحدة منها طبيعة مستقلة تشخصها بوجودها المباين مع وجود الجوهر، و هذا واضح.

إلّا انّه ليس اشكالًا على الميرزا لأنّ الميرزا يقبل بطلان عروض الوجود على الماهية الشخصية، و هذا اشكال على مبنى عروض الوجود على الماهية الشخصية بحسب الحقيقة و انّ قولهم الشي‏ء ما لم يتشخص لم يوجد لا يراد به التشخص الوجودي بل التشخص العلِّي، فالصحيح في الاشكال على الميرزا ما ذكره السيد الشهيد (قدس سره).

ص 404 قوله: (الصياغة الرابعة...).

يمكن الاشكال فيها بأنّ فرض كون متعلّق الأمر المركب من مجموع الطبائع- الجوهر و الأعراض- بعيد غايته حتى لو قبلنا انّ مفهوم الفرد- كمفهوم- زيد كذلك في عالم الذهن و المفهوم. على انّ أصل هذا التحليل لمفهوم الجزئي حتى بلحاظ عالم الذهن غير تام بل الجزئية في المفاهيم تنشأ من الاشارة و الإشارة الفعلية و إن كانت في طول الوجود العيني، إلّا أنّ الذهن يمكنه أن يجرد الإشارة أيضاً عن وجود المشار إليه بالفعل فيتصور المفهوم الجزئي مجرداً عن وجوده في الخارج و لنسميه بالاشارة الشأنية أو التعليقية.

و بهذا يمكن أن يطوّر الصياغة الرابعة إلى أنّ المراد بتعلّق الأوامر بالأفراد تعلقها من خلال الطبيعي إلى ما يمكن أن يتحقق من المصاديق و جزئيات الطبيعي في الخارج أي يشار به إلى تلك المصاديق الفرضية التقديرية

336

التعليقية فلا يكون في طول الوجود ليلزم طلب الحاصل و لا يكون في نفس الوقت متعلّق الأمر الطبيعة بل واقع كل فرد بخصوصيته و تشخّصه، و هذا يترتب عليه تعلّق الأمر و سريانه إلى الفرد فيفيد في بحث اجتماع الأمر و النهي للقول بالامتناع.

ص 409 قوله: (النظرية الثانية...).

عبارة الكفاية فيها مطالب اخرى زائدة مربوطة بقانون الواحد لا يصدر منه إلّا الواحد و تطبيقه على باب الأعراض و الواحد النوعي و قد تصدى السيد الخوئي (قدس سره) للتعليق عليه، إلّا انّ هذه امور خارجة عن حقيقة البحث الاصولي، فمن هنا حذفها السيد الشهيد، كما انّ ظاهر عبارة الكفاية أنّ الوجوب التخييري سنخ وجوب يتعلّق بكل عنوان من البدائل بنحو يجب و يجوز ترك أحدها إلى بدل لا مطلقاً.

و هذا قد فسّره السيد الشهيد بالوجوب المشروط، و إلّا فعبارته ليست صريحة في ارادة هذا المعنى بل هو يشبه كلام المحقق الاصفهاني القادم. إلّا انّه على ما سيأتي في التعليق على نظرية المحقق الاصفهاني بناءً على كون الوجوب مجعولًا شرعياً لا محالة يكون الترخيص المذكور تقييداً في جعل الوجوب امّا من حيث المتعلق فيرجع إلى ايجاب الجامع و لو الانتزاعي أو من حيث الايجاب فيرجع إلى الايجاب المشروط، و إلّا كان من التناقض.

ثمّ انّه قد يقال بأنّ الايجاب المشروط بعدم فعل الآخر إن كان بنحو الشرط المقارن فهو يوجب فعلية الوجوب حتى إذا جاء بالآخر بعد الآن الأوّل و إن كان بنحو الواجب المشروط بالشرط المتأخر ابتنى على امكان الشرط المتأخر

337

و يلزم أن يكون الاتيان بهما معاً موجباً لعدم وجوب شي‏ء منهما و هو واضح البطلان.

و الجواب: انّ هذا الاشكال في الصياغة فيمكن أن يجعل الشرط عدم الاتيان بأحدهما منفرداً، كما انّ مشكلة الشرط المتأخر تقدم حلها.

ص 414 قوله: (فكان ينبغي أن يجعل هذه الاعتراضات كلها اعتراضاً واحداً...).

و في المحاضرات اشكال آخر حذفه السيد الشهيد حاصله: انّ فرض وجود مصلحة في التسهيل معناه مزاحمة ذلك مع المصلحة الملزمة في كليهما فلا يكون في البين إلّا مصلحة واحدة مطلوبة بعد الكسر و الانكسار لا مصلحتان لزوميتان فلا يمكن أن يكون في البين إلّا وجوب واحد لا وجوبان.

و هذا الاشكال صحيح إذا كان النظر إلى عالم روح الحكم و مبادئه بمعنى انّه لا يمكن أن يكون هناك عقابان و معصيتان لو تركهما معاً، بخلاف فرضية التضاد بين الملاكين إذا فرض انّ ترك أحدهما من شرائط الاتصاف.

نعم، على مستوى عالم الجعل و الانشاء يمكن أن يقال: حيث انّ مصلحة التسهيل في الجامع لا في ترك أحدهما المعين كان الترخيص بدلياً و الالزام تعينياً.

إلّا انّ الميزان ملاحظة عالم الروح و هو يرجع إلى ايجاب الجامع- النظريّة الخامسة- لا إلى كلام صاحب الكفاية- النظرية الثانية- فما في الكتاب من رجوع كلامه إلى كلام صاحب الكفاية في غير محلّه.

338

ص 416 قوله: (و هكذا يتضح انّ تصوير الواجب التخييري لا ينحصر...).

ظهر انّه على مستوى الانشاء بناءً على كون الوجوب مجعولًا شرعياً لا محالة يكون الترخيص البدلي مناقضاً مع الايجابين التعينيين المطلقين في الطرفين، فلا بدّ من تقييد امّا لمتعلّق الجعلين- التقييد بأو- و الذي مرجعه إلى ايجاب الجامع الحقيقي أو الانتزاعي بينهما أو تقييد الايجاب بما إذا لم يفعل الآخر، فيكون من الواجبين المشروطين.

هذا تحليل الواجب التخييري بلحاظ عالم الجعل و الانشاء، و امّا بلحاظ عالم روح الحكم و مبادئه، فيتصور بنحوين أيضاً:

1- أن يكون هناك غرض الزامي واحد في الجامع الحقيقي أو الانتزاعي و يلحق به فرضية المحقق الاصفهاني لأنّ المصلحة غير المنكسرة في الجامع لا أكثر أي مصلحة واحدة ملزمة لا أكثر.

2- أن يكون هناك غرضان إلزاميان بينهما تضاد بحيث لا يمكن ايجادهما معاً، و هنا توجد ارادتان و شوقان تعينيان، و عندئذٍ إن فرض انّ ترك أحدهما من شرائط الاتصاف أي القدرة عليه من شرائط الاتصاف و العجز عنه رافع للحاجة إليه فلا محالة لا بد و أن يجعل المولى جعلين مشروطين و لا يصح جعل الجامع، و ذلك لكي يكون فرض تركهما معاً فيه مخالفتان و عقوبتان بخلاف ما إذا جعل ايجاب واحد على الجامع.

و إن فرض انّ القدرة ليست من شرائط الاتصاف كان المولى مخيراً في مقام الانشاء بين جعل ايجاب واحد على الجامع أو ايجابين مشروطين؛ لأنّهما بحكم الايجاب الواحد من حيث النتيجة.

339

و من هذا ظهر ثمرة اخرى بين الصيغتين هي انّه على تقدير استفادة وجوبين مشروطين يكون تركهما معاً فيه مخالفتان و عصيانان و بالتالي فيه عقوبتان إلّا إذا احرز أنّ الشرط من شرائط الوجود لا الاتصاف و إلّا فمقتضى احتمال ذلك و فعلية كلا الوجوبين تحقق مخالفتين و عصيانين بخلافه على تقدير وحدة الوجوب أي ايجاب الجامع.

لا يقال: مع فرض الشك في تفويت غرضين لزوميين للمولى تجري البراءة عن العقوبة الزائدة.

فإنّه يقال: البراءة إنّما تجري عن التكليف و الوجوب و المفروض تعددهما و فعليتهما فيكون في تركهما مخالفتان لتكليفين فعليين يحتمل امكان تحصيل ملاكيهما معاً أي عدم تفويت شي‏ء منهما، و هذا كاف لحكم العقل بتنجزهما معاً.

ص 418 قوله: (و قد أوضح المحقق الاصفهاني هذا الجواب...).

قال هذا المحقق: لا يخفى انّ حلّ الاشكال تارة يكون بلحاظ فردية الأكثر كالأقل للطبيعة، و اخرى بلحاظ ترتب الغرض على الأقل بشرط لا و على الأكثر، فإن كان بلحاظ فردية الأكثر كالأقل للطبيعة كما يومي إليه التنظير برسم الخط فلا محالة يبتني على التشكيك في الماهية أو في وجودها و الأكثر حينئذٍ فرد للطبيعة كالأقل.

ثمّ بدأ ببيان بعض الاشكالات و الاجابة عليها... إلى أن قال:

و أمّا توهم عدم اجداء التشكيك للزوم استناد الفرض إلى الجامع بين الأقل‏

340

و الأكثر لا اليهما بما هما أقل و أكثر لتباينهما امّا من حيث مرتبة الماهية أو من حيث مرتبة الوجود خصوصاً على مسلكه (قدس سره).

فمدفوع: بأنّ الحق جريان التشكيك في وجودات تلك المقولات لا في ماهياتها، فلا محذور لا من حيث انّ الوجود بسيط يكون ما به الافتراق فيه عين ما به الاشتراك فلا يلزم من استناد الغرض الواحد سنخاً إلى مرتبتين من وجود مقولة واحدة استناده إلى المتباينين بل لأنّه لا ينافي التخيير العقلي لاندراج المرتبتين تحت طبيعة واحدة و هو ملاك التخيير العقلي، و إلّا فالاختلاف في المراتب ملاك اختلاف الآثار و الأحكام، فالمرتبة من حيث انها مرتبة لا دخل لها في الغرض بل من حيث اندراجها تحت الجامع. بخلاف ما إذا كان التشكيك في الماهية فإنّ مبناه على انّ ماهية واحدة تارة ضعيفة و اخرى شديدة من دون جامع بينهما، فالأقل بحده و إن كان فرد الجامع كالأكثر إلّا انّه فرد الجامع الضعيف و الأكثر فرد الجامع الشديد من دون جامع آخر يجمعهما فالتخيير شرعي حينئذٍ. (انتهى كلامه رفع مقامه).

و منه يظهر انّ القول بالتشكيك الخاص في الوجود هو مبنى تصوير التخيير العقلي بين الأقل و الأكثر لا أصل التخيير أي أن يكون الغرض واحداً في الجامع فإنّه لا يمكن أن يكون الغرض الواحد صادراً من ماهيتين مختلفتين و لو من حيث الشدة و الضعف- بناءً على التشكيك الماهوي-.

و امّا إذا كان هناك غرضان مختلفان فيتصور التخيير الشرعي بينهما، و لكنه يكون من التخيير بين متباينين بالدقة؛ لأنّ كل ماهية غير الاخرى في المرتبة.

341

و نلاحظ هنا:

أوّلًا- انّ هذا بالدقة و إن كان من الاختلاف في الماهية بحسب المرتبة و هو من التخيير الشرعي و بين متباينين لكنه من التخيير العقلي عرفاً لأنّ كلّاً من الفردين نسبته إلى الطبيعة و العنوان واحد، فبلحاظ عالم الخطاب و الجعل يكون التخيير العقلي ممكناً هنا أيضاً و لا يتعين على الشارع أن يجعل خطابين.

هذا لو قبلنا أصل قاعدة عدم امكان صدور الغرض الواحد من الكثير بالنوع الذي هو مسلك صاحب الكفاية في باب الأحكام و أغراضها الشرعية.

و ثانياً- الاشكال على أصل الجواب الأوّل الذي صوّره صاحب الكفاية للتخيير بين الأقل و الأكثر، فإنّه يرد عليه: انّ الأقل لو لم يؤخذ بشرط لا عن الزائد أي عدم انضمامه إلى ما يتقوم به وجود الأكثر فلا محالة بمجرد تحققه و قبل تحقق حده الوجودي يسقط الأمر فلا يقع حده أي الزيادة التي يتقوم بها الأكثر على صفة الوجوب لا محالة و إن اخذ ذلك رجع إلى الجواب الثاني و كان من التخيير بين المتباينين لا الأقل و الأكثر.

و هذا الاشكال أورده المحقق الاصفهاني نفسه في صدر البحث‏ (1)، و الغريب ما في الكتاب في ص 420 س 2 ما ظاهره اندفاع هذا الاشكال و انّه مختار المحقق الاصفهاني في شرحه و توضيحه لكلام استاذه؛ و أيّاً ما كان فهذا الذي ذكر من انّ الأكثر وجود واحد مستقل لا وجودات عديدة صحيح إلّا انّه لا ينافي تحقق أصل وجود الطبيعة ضمن ذات الأقل حينما شرع في رسم الخط

____________

(1) () راجع كلامه في نهاية الدراية: ج 2، ص 274، ط- آل البيت‏

342

و قبل أن ينتهي، فإنّ دعوى عدم تحقق ذات طبيعة الخط بعد في الخارج واضح البطلان و السخف و إن فرض أنّ شخص الوجود الحاصل بالخط يبقى عند تحقق حده و انّه ليس هناك وجودان في الخارج. و الحاصل الامتثال يتحقق بأصل وجود الطبيعة في الخارج لا بوجودها الاستقلالي إذا كان الغرض مترتباً على ذاتها.

اللهم إلّا أن يقال بأنّ الامتثال أيضاً لا يستقل و يتشخص إلّا بتحقق الوجود الواحد فيكون امتثالًا واحداً لا أنّ قسماً منه امتثال و قسم منه و هو حده و ما يتقوم به الأكثر ليس امتثالًا.

و إن شئت قلت: انّ وجود الغرض كوجود الطبيعة المحققة له لا يتحقق فرد منه في الخارج إلّا بتحقق وجود الطبيعة فإذا كان وجودها واحداً كان وجود الغرض واحداً أيضاً فالتخيير عقلي لا محالة.

ص 420 قوله: (و هذا الايراد لو تمّ بأن افترضنا...).

بل هنا جواب أولى و هو انّ الحدّ و الخصوصية ليس فيه زيادة عنوانية و مفهومية ليلزم اللغوية و طلب الحاصل بل تعلّق الأمر بذات الجامع و الطبيعة- طبيعي الخط- بنفسه يقتضي التخيير العقلي بين الأقل و الأكثر.

و بعبارة اخرى: طلب ايجاد ذات الطبيعة يقتضي بنفسه التخيير بين الأقل و الأكثر عقلًا؛ لأنّ الأكثر بحده وجود و ايجاد واحد و امتثال واحد للطبيعة لا أكثر، فليست الاستقلالية في الوجود فيها مئونة و قيد اضافي لمتعلق الأمر لكي يقال بأنّه ايجاب ضمني لغو لكونه تحصيلًا للحاصل.

343

ص 420 قوله: (و هكذا اتضح... سواءً افترض أمر واحد بالجامع أو أمران مشروطان...).

لا معنى لهذا التعميم هنا إذ المقصود في الوجه الأوّل تصوير التخيير العقلي أي فردية الأكثر كالأقل للطبيعة على حدّ واحد، و امّا التخيير الشرعي و وجود أمرين مشروطين فهو فرع وجود عنوانين و هنا لا يوجد إلّا عنوان واحد و هو الطبيعة، و امّا الفردان بما هما فردان فهما متباينان و ليسا أقل و أكثر كما هو واضح.

و الظاهر انّ هذه العبارة من سهو التقرير فإنّه يناسب ذيل الجواب الثاني الذي هو من التخيير الشرعي بين الأقل و الأكثر لا العقلي.

ص 422 قوله: (كما انّه إذا افترضنا فرضية الأمرين التعينين المشروطين...).

و لكن على هذا التقدير يرد اشكالان آخران:

أحدهما: انّه في فرض تركهما معاً يكون كلا الأمرين أي الأمر بالأقل و بالأكثر فعليين و هو من التكليف بالضدين فيكون محالًا، و هذا بخلاف ما تقدم في الواجب التخييري الشرعي بناءً على هذه الفرضية حيث لم يكن تضاد بين الواجبين و العدلين بل بين الغرضين فيهما.

و فيه: انّ هذا لا محذور فيه بناءً على امكان الترتب. نعم، يرد هذا الاشكال بناءً على استحالته كما هو مسلك صاحب الكفاية الذي هو صاحب هذا الجواب و أمّا بناءً على امكانه فلا تطارد بينهما لأنّ كل واحد منهما يرفع بامتثاله موضوع فعلية الآخر فهو من الترتب من الجانبين.

344

الثاني: انّه في هذا الفرض يلزم اجتماع الأمر و النهي و الذي لا يشفع له امكان الترتب لأنّه سوف يكون فعل الزيادة و تركها معاً مطلوبين، أي يلزم أن يكون ذات الأقل مطلوباً على كلّ حال و يطلب فعل الزيادة و تركها، و هذا بنفسه محال لاستحالة تعلق الطلب بالنقيضين أو قل لاستلزام طلب الفعل حرمة النقيض فيلزم اجتماع الأمر و النهي فيه، و لا ينفع في دفعه امكان الترتب كما هو واضح.

و هذا الاشكال لا دافع له إلّا باخراج الوجوبين المشروطين بحسب المبادئ و عالم الثبوت لا الانشاء عن الوجوبين المشروطين إلى وجوب أحدهما لا محالة أي وجوب ذات الأقل و أحد القيدين و الحدين حتى إذا كان هناك غرضان متباينان تعيينيان لا يمكن الجمع بينهما للتضاد بين الأقل بحده و الأكثر.

نعم، إذا أنكرنا تقوّم الحكم بالارادة و الحب و الشوق و كفاية الغرض في المبادئ للانشاء و الجعل أو كان الحب متعلقاً بالغرضين و هما ضدان لا نقيضان و لم يشترط في روح الحكم و قوامه تعلقه بالفعل المأمور به لم يرد هذا الاشكال أيضاً، إلّا أنّ ذلك خلاف مسلك السيد الشهيد (قدس سره).

ص 424 قوله: (الاتجاه الأوّل- ما حققناه نحن في تفسير...).

و يلاحظ عليه:

أوّلًا- انّه خلاف ظاهر الدليل في الواجبات الكفائية بل في مطلق الواجبات حيث انّ ظاهره أخذ الانتساب إلى الفاعل تحت الطلب و قد اعترف السيد الشهيد (قدس سره) بهذا الظهور في الخطابات فهذا الاتجاه يستلزم تأويلًا في الخطابات إلّا ما يعلم منها انّه كذلك من الخارج بحيث لا يرضى الشارع بتركه بأي شكل، و لعلّ ذلك يثبت في بعض الواجبات العينية أيضاً.

345

ثانياً- انّ لازمه تحقيق الامتثال ممن دفع غيره و رغّبه في القيام بالفعل بحيث بصدور الفعل منه يصدق تحقق الامتثال من قبلهما، و هذا أكثر مما هو مفروض في الواجب الكفائي، و كذلك لازمه انّه إذا كان مكلّف عاجزاً عن العمل بنفسه و لكنه كان يمكنه أن يدفع غيره لأن يعمل وجب عليه ذلك بحيث لو لم يعمل كان عاصياً، و هذا أيضاً أكثر من حقيقة الوجوب الكفائي.

و كأنّ هذا نوع من الواجب الكفائي و هو ايجاب فعل واحد بلا أخذ اضافته إلى شخص معين منهم على المجموع و جعله في عهدتهم بحيث يجب عليهم النتيجة سواءً بأن يتصدى واحد له أو أكثر أو يقوم المجموع به بأن يقوم كل واحد ببعض العمل أو بعض المقدمات و النوع الآخر من الواجب الكفائي ما يكون فيه أفعال عديدة بعدد المكلّفين أي اضافة الفعل إلى كل مكلّف يكون تحت الطلب و الأمر إلّا أنّ الواجب أحدها من أحدهم، فلو فرض انّ الأوّل داخل في الواجب الكفائي- و لا مشاحة في الاصطلاح- فلا ينبغي الاشكال بأنّ الواجب الكفائي أعم من ذلك بحيث يكون الفرض الثاني أيضاً منه فيكون التفسير المذكور أخص من المدعى بحيث نحتاج في هذا النحو من الواجب الكفائي إلى تفسير آخر لا محالة و هو الاتجاه الثاني القادم.

ص 425 س 5 قوله: (و فيه:...).

و يمكن جواب آخر حاصله: انّ وحدة الملاك لا تنافي تعدد الخطاب بلحاظ المكلفين إذا كان تحصيله من كل واحد على حدّ سواء و إنّما تنافي تعدد الحكم بلحاظ المكلّف به كما هو واضح.

346

ص 425 س 19 قوله: (كان الآخر قد جاء بالواجب و لكن لا مطلقاً...).

حاصل الاشكال انّه يلزم إطلاق وجوب العمل على من يكون مقدماً على العمل على تقدير فعل الآخر، و لا شك في عدم الوجوب عليه بحيث لو ترك العمل لم يكن عاصياً، بل مثل هذا الإطلاق فيه محذور تحصيل للحاصل.

و قد يقال: انّ هذا اشكال في الصياغة فيمكن حلّه بافتراض انّ الشرط عدم اتيان الآخر بالعمل وحده بنحو القضية التعليقية أي لو لم يأت هذا لم يكن العمل متحققاً من الآخر وحده و هذه القضية غير صادقة في المقام على الأوّل فلا وجوب عليه و إن كان صادقاً في حق الآخر و لا محذور فيه بل هو مطابق مع الغرض و التحريك المولوي إذ لو لم يأت لم يتحقق الامتثال حتى من الأوّل لأنّ اتيانه تعليقي بحسب الفرض.

و قد يناقش فيه: بأنّ هذا يلزم منه عدم اتصاف شي‏ء منهما بالوجوب و الامتثال إذا كان كل منهما قد جاء بالعمل لنفسه و اتفقا معاً؛ لأنّه سوف لا تصدق القضية الشرطية المذكورة في حق شي‏ء منهما و هو خلاف الخصيصة المتقدمة للواجب الكفائي.

فالحاصل‏: إذا كان القيد عدم الاتيان بالعمل وحده بنحو القضية التعليقية رجع الاشكال فيما إذا جاءا معاً به كل منهما لنفسه حيث ينتفي الوجوب عنهما معاً و إن كان بنحو القضية الفعلية الصادقة في مورد اتيانهما معاً لزم الاشكال في مورد تعليق اتيان أحدهما على الآخر بالنحو المذكور في المتن.

و الجواب: إن اريد بهذا الاشكال انّ إطلاق الوجوب للمكلف الخاص الذي يجعل عمله معلقاً على عمل الآخر لغو فهذا جوابه:

347

أوّلًا- لا لغوية فيه بل حاله حال من يأتي بالعمل في نفسه مع الآخر من حيث انّه مكلف بالعمل في هذا الفرض لأنّ الوجوب فعلي عليهما إلى ما قبل تحقق العمل منها خارجاً و المفروض انّه تحقق الواجب بعمليهما فيكون كلاهما امتثالًا.

بل لا موجب لاخراج هذا المكلف عن الوجوب بدليل انّه لو لم يفعل الأوّل فلم يفعل الثاني كانا معاً معاقبين و عاصيين كما هو مقتضى خصائص الوجوب الكفائي، فلا فرق بين هذا و بين من يأتي بالعمل لنفسه فيقترن مع الآخر.

و ثانياً- بالامكان جعل القيد بنحو يخرج هذا المكلّف- لو اريد اخراجه- أيضاً و ذلك بأن يكون الشرط عدم اتيان الأوّل أو على تقدير اتيانه لا أن يكون اتيان الثاني معلقاً على اتيانه، فالشرط للايجاب تحقق أحد الأمرين و كلاهما منتفٍ في حقه بخلاف من يأتي بالعمل لنفسه.

و إن اريد- كما هو المظنون- انّ اشتراط الايجاب على كل مكلف بعدم اتيان الآخر بالعمل وحده مستلزم لاطلاق الوجوب و شموله كل مكلف في صورتين و حالتين:

احداهما: أن لا يأتي الآخر بالعمل أصلًا.

و الاخرى: أن يأتي به و يأتي المكلف الأوّل به أيضاً و إطلاق الوجوب للحالة الثانية لغو، لأنّه أكثر من اقتضاء الواجب الكفائي و غرضه، بل فيه اشكال تحصيل الحاصل لأنّ معناه انّه لو أتى به يكون مكلفاً به، ففي طول اتيانه به يكون مكلفاً باتيانه و ينكشف انّه كان واجباً عليه، و هذا تحصيل للحاصل. و هذا الاشكال لا يختص بمن يأتي بالعمل معلقاً على اتيان الآخر.

ففيه: مع انّ روح هذا الاشكال مشترك جارٍ في الواجب التخييري أيضاً

348

بلحاظ المتعلق، انّه في فرض فعلهما معاً حيث انّ الغرض يتحقق بفعلهما معاً فلا وجه لجعل الايجاب على أحدهما دون الآخر فلا منافاة بين وحدة الغرض و كفائيته و كون الوجوب عليهما معاً في هذه الحالة.

كما انّه ليس تحصيلًا للحاصل لأنّ الايجاب عليه ليس مشروطاً بفعله بل بعدم تحقق الفعل و الغرض من الآخر منفرداً، و هذا لا يتوقف على فعله إلّا إذا كان الآخر قد جاء به في نفس الزمان أيضاً فليس الشرط إلّا الجامع و هو غير مستلزم لتحقق الفعل، و التعليق على الجامع ليس تعليقاً على ما يلازم أحد شقيه و فرديه كما هو واضح. و هكذا يتضح صحّة تصوير الوجوب المشروط بترك الآخرين في الواجب الكفائي كما كان في الواجب التخييري.

ص 426 قوله: (الاتجاه الرابع...).

هذا الاتجاه خلاف ظاهر الوجوب و الأمر أيضاً و ليس تعبيراً عرفياً عنه جزماً.

ص 426 الهامش قوله: (فإنّه يقال: نختار الأوّل...).

أي انّ الفعل متصف بالمطلوبية المجامع مع الترخيص في الترك فيهما معاً غاية الأمر حيث انّ الترخيصين مشروطان فلا يلزم منهما الترخيص في تركهما فلا محذور.

و يمكن اختيار الثاني أيضاً، و الجواب بأنّ فعل الأمر شرط للترخيص بنحو قيد الواجب لا الوجوب أي الترك المقرون بفعل الآخر مرخص فيه و الترخيص فعلي من أوّل الأمر، و هذا واضح الصحة و المعقولية.

349

ص 427 س 3 قوله: (و هكذا يتضح...).

هذا بلحاظ عالم الانشاء و الجعل، و امّا بلحاظ عالم الحب و الملاك فحاله حال الواجب التخييري من حيث انّه قد يكون هناك غرض واحد في جامع الفعل بنحو صرف الوجود، و قد يكون أغراض عديدة فيما بينها تضاد في الوجود أو في الترتب و على الثاني سوف يكون تركهم جميعاً فيه تفويت لأغراض عديدة على المولى لا غرضاً واحداً فإذا كان فعل واحد منهم رافعاً لأصل الحاجة و الاتصاف بالغرضية كان العقاب عليهم أشد من الفرض الأوّل، لأنّ كل واحد يكون قد فوّت على المولى أكثر من ملاك و غرض.

ثمّ انّه يترتب فروق و آثار بين التفسيرات المذكورة أشرنا إلى بعضها و نشير إلى غيره أيضاً:

منها- انّه إذا شك في فعل الغير و عدمه فعلى الاتجاه الذي اختاره السيد الشهيد (قدس سره) يجب على المكلّف العمل لأنّه من الشك في الامتثال. بينما على الاتجاه المختار يكون من الشك في التكليف- مع قطع النظر عن الاستصحاب-.

و منها- إذا شك في كون الواجب عينياً أو كفائياً فعلى مبنى السيد الشهيد يكون الشك في أخذ قيد المباشرة و انّ الذي جعل عليه هل هو خصوص فعله أو الأعم منه و فعل غيره فيكون من الشك الدائر بين الأقل و الأكثر، و على المختار يكون من الشك في التكليف و انّه عند اتيان الغير به هل عليه تكليف بالصلاة مثلًا أم لا و هو من الشك في التكليف.

ثمّ إنّ في الكفاية و كلمات المحقق العراقي ترسيماً آخر للوجوب التخييري أو الكفائي بالوجوب الناقص المتعلّق بفعل كل واحد من المكلّفين بنحو

350

لا يقتضي إلّا المنع عن بعض أنحاء تروكه و هو تركه في حال ترك بقية المكلفين.

و هذا لا نفهمه ما لم يرجع إلى أحد التحليلات و التفسيرات المذكورة في الكتاب أو تأويل الأمر و تحويله إلى النهي عن الترك في حال ترك الآخرين.

ص 433 قوله: (امّا الصورة الاولى فهي خارجة...).

هذا صحيح من حيث انّ متعلق دليل التقييد ليس هو نفس مدلول دليل الأمر إلّا انّه مع ذلك يمكن فرض اجمال دليل الوقت من حيث كونه تقييداً لنفس الوجوب أو بياناً لوجوب آخر ففي فرض الشك يتمسك باطلاق دليل الوجوب المنفصل لاتيانه خارج الوقت و بالتالي اثبات تعدد الوجوب، فكان الأولى ذكره.

و مثله الصورة الثانية، فإنّ دليل الأمر و إن لم يكن دالّاً على مراتب الوجوب و لكن لو أجمل دليل الوقت المنفصل و دار بين كونه تقييداً للمرتبة الأكيدة من الوجوب لا أصله و بين كونه تقييداً للوجوب صحّ التمسك باطلاقه لاثباته خارج الوقت و بالتالي اثبات الصورة الثانية.

ص 434 قوله: (و الصحيح عدم تماميته أيضاً كسابقه...).

حاصل ما يستفاد من هذا الاشكال أنّ ظاهر دليل الوجوب انّه جعل واحد لا جعلان مستقلان، و عندئذٍ إذا كان القيد راجعاً إلى المتعلّق في بعض الحالات كالوقت لمن كان قادراً عليه بحيث يكون الواجب داخل الوقت هو المقيد و خارجه ذات المطلق فهذا يستلزم تعدد الجعل إذ لا جامع بينهما إلّا المطلق و هو خلف.

و إن شئت قلت: المقيد و المطلق متناقضان من حيث أخذ القيد مع الجامع في الأوّل و عدمه في الثاني فلا يمكن اجتماعهما في جعل واحد في طرف المتعلق‏

351

و بلحاظ حالاته فلا بد من وجود جعلين لافادتهما و هو خلف الظهور المذكور و خلاف فرض رجوع القيد إلى نفس مدلول دليل الوجوب لا غيره. و ما ثبت في مثل وجوب الجهر على خصوص الرجال أو الثنائية في السفر و الرباعية في الحضر يرجع إلى الأمر بالجامع بينهما مع تقيد كل شق بموضوعه من كونه في النساء مثلًا أو كونه في السفر أو الحضر، و هذا لا يمكن في المقام بالنحو المطلوب و الذي هو وجوب المقيد في الوقت على كل مكلف و وجوب ذات الفعل خارجه.

نعم، يمكن أن يكون التكليف بالجامع بين المقيد أو ذات المطلق لمن لم يكن قادراً على الوقت من أوّل الأمر كمن لا يكون قادراً على الواجب في الوقت أصلًا. إلّا انّ هذا أقل من التبعية المطلوبة.

و هذا الكلام يلزم منه انّه في غير المقام أيضاً يجب أن لا يتمسك باطلاق دليل الواجب، فمثلًا لو كان الدليل على شرطية الطمأنينة في الصلاة أو القيام لبياً قدره المتيقن القادر لا العاجز، فلا يمكن اثبات وجوب الصلاة على الذي يعجز عنها بعد أن كان قادراً عليها و لم يصلّ باطلاق الأمر بسائر الأجزاء أو بالصلاة، مع انّ الظاهر اثباته به سواء في باب الصلاة التي لا تسقط بحال أو في غيره من الأبواب و الواجبات.

و التحقيق عدم صحة هذا الاشكال، و ذلك:

أوّلًا- لأنّه استشكال من حيث الصياغة فيمكن تصوير الجعل الواحد في المقام بتحويل الواجب إلى ايجاب المقدور من المقيد و المطلق في كل آن على كل مكلّف، فإذا كان في الوقت فالمقدور إنّما هو المقيد فيجب عليه، فإذا لم‏

352

يفعله و لو عصياناً كان له بعد الوقت مقدور آخر واجب عليه أيضاً فيجب عليه بنفس الجعل. فالحاصل كل من ذات الفعل و الفعل في الوقت إذا أصبح مقدوراً للمكلّف كان واجباً في حقه، و هذا في الوقت يكون المقيد بالوقت فيجب و في خارجه يصدق على ذات الفعل فيجب عليه لمن لم يأت به في الوقت و هو خطاب و جعل واحد غاية الأمر أصبح المقدور منهما موضوعاً للايجاب بنحو الشمول لا بنحو صرف الوجود و لا ضير فيه بعد كونه جعلًا واحداً قام الدليل عليه.

و ثانياً- لا ملزم لأصل هذا الكلام، فإنّ دليل التقييد بقيد تارة يرجع إلى تمام مدلول دليل الواجب فيكون مقيداً لتمامه أو في تمام الحالات، و اخرى يرجع إلى قطعة من مدلوله فقط فيقيده لا أكثر و يبقى الباقي على اطلاقه و إن استلزم تعدد الجعل ثبوتاً كما إذا افترضنا انّ وجوب الصلاة الجهرية على الرجال مجعولة بجعل و وجوب مطلق الصلاة الأعم من الجهرية و الاخفاتية مجعول على النساء بجعل آخر غاية الأمر استكشفناهما من مجموع المطلق و المقيد؛ إذ لا اشكال في عرفية مثل هذا التقييد و عدم توقفه على تصوير ذاك الجامع الكذائي البعيد عن ذهن الإنسان العرفي فكذلك في المقام إطلاق الايجاب للطبيعة في داخل الوقت- و هو حال القدرة على القيد- جزء من مدلول الأمر يمكن رجوع القيد إليه بالخصوص و إن استلزم استكشاف تعدد الجعل ثبوتاً، فإنّ هذا الظهور أعني الظهور في وحدة الجعل طولي أي في طول عدم وجود ما يدلّ على تعدده اثباتاً فيصلح دليل التقييد للكشف عن ذلك و ليس هذا خلفاً؛ لأنّ المفروض رجوع القيد إلى نفس ما هو مدلول دليل الواجب، غاية الأمر إلى قطعه من مفاده و اطلاقه، فالميزان وحدة المفاد و عدم تغيّره لا وحدة الجعل و عدم تعدده.

353

تعليقات على الجزء الثالث (بحوث النواهي)

دلالات صيغة النهي‏

اجتماع الأمر و النهي‏

اقتضاء النهي للفساد

المفاهيم‏

العام و الخاص‏

المطلق و المقيّد

المجمل و المبيّن‏

354

دلالات صيغة النهي‏

ص 12 قوله: (أقول ما نسبه إلى المعترضين بهذا المقدار من البيان لا يكون برهاناً على ردّ مقالة السابقين...).

و في أجود التقريرات أضاف نقضاً حاصله أنّه في بعض الواجبات يكون المطلوب الترك كالصوم مع انّه يعد منها لا من المحرمات.

و يمكن الإجابة عليه أيضاً بأنّ المطلوب في الصوم ليس ترك الطبيعة بل مجموع التروك المتصلة من الفجر إلى المغرب و هو أمر وجودي.

و إن شئت قلت: انّ مفهوم الصوم و الامساك الذي هو أمر وجودي و فعل من الأفعال ينتزع و يتحقق من مجموع التروك المذكورة، فما هو متعلق الأمر و الطلب في باب الصوم عنوان وجودي لا محالة و إن كان تحققه من مجموعة تروك بقصد خاص. فالنقض غير وارد.

ثمّ إنّ بعضهم ادّعى قيام برهان على انّ المنشأ في باب النواهي لا بد و أن يكون هو البعث نحو الترك مستدلّاً عليه بقوله: انّ التكليف إنّما هو لجعل الداعي و للتحريك نحو المتعلّق بحيث يصدر عن ارادة المكلف؛ و من الواضح انّ ما يقصد اعمال الارادة فيه في باب النهي هو الترك و عدم الفعل و لا نظر إلى اعمال الارادة في الفعل كما لا يخفى جداً، و هذا يقتضي أن يكون المولى في مقام‏

355

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

356

تحريك المكلف نحو ما يتعلّق به اختياره و هو الترك و يكون في مقام جعل ما يكون سبباً لاعمال ارادة المكلّف في الترك‏ (1).

و يلاحظ عليه‏:

أوّلًا- انّ ما يقال من انّ التكليف لجعل الداعي و التحريك مربوط بباب الغرض التكويني للآمر من أمره و ليس مربوطاً بالمنشإ في الجمل الانشائية و الذي لا بدّ و أن يكون مربوطاً بما هو مدلول اللفظ وضعاً و لغة و هذا خلط واضح.

و ثانياً- انّ العبارة المذكورة مجرّد تعبير فيمكن أن يقال انّ التكليف يكون لجعل الداعي و التحريك في الأوامر و للمنع و الزجر في النواهي. بل لا يشترط في امتثال الحرام ارادة الترك بل يكفي عدم إرادة الفعل و اختياره في تحقق امتثال الحرام.

ص 16 قوله: (و هذا الكلام فيه عدّة مواضع للنظر نقتصر فيه على نكتتين ...).

كلتا النكتتين اثباتيتان قابلتان للمناقشة و عدم القبول من قبل السيّد الخوئي (قدس سره) و كان الأولى الاشكال على مطلبه في المقام باشكال ثبوتي هو الأساس، و حاصله: انّ ما ذكره في متعلقات النواهي من القرينة العقلية على نفي البدلية غير صحيح؛ إذ ليس المراد بالاطلاق البدلي هنا أن يكون الحرام أحد أفراد الكذب مثلًا بدلًا ليقال بأنّ مقتضى طبع المطلب أن يترك الإنسان كذباً واحداً على الأقل و انّه ضروري التحقق و إنّما المراد بالبدلية في متعلّق النهي أن يكون النهي واحداً أي متعلّقاً بالطبيعة بنحو صرف الوجود مرة واحدة بحيث‏

____________

(1) () منتقى الاصول 3: 6