أضواء وآراء؛ تعليقات على كتابنا بحوث في علم الأصول‏ - ج1

- السيد محمود الهاشمي الشاهرودي المزيد...
694 /
357

لو عصاه لم تكن الطبيعة الموجودة بعد الوجود الأوّل منهياً عنها، و هذا ممكن و ليس غير معقول و لا محذور فيه كما هو واضح.

فالحاصل المراد بالانحلالية المبحوث عنها في النواهي شمول النهي للطبيعة الثانية المتحققة بعد تحقق الاولى و امّا ما ذكر من أن يكون فرداً واحداً من الكذب محرماً بدلًا فهذا خلف القاعدة العقلية المربوطة بالجهة القادمة من انّ الطبيعة بنحو صرف الوجود لو تعلّق بها نهي فلا يتمثل إلّا بترك تمام أفرادها، فكأنّه وقع خلط هنا بين مدلول القاعدة العقلة و بين انحلالية النهي و كونه نواهٍ عديدة.

و بعبارة اخرى: البدلية بالمعنى المذكور تقييد لمتعلّق النهي بالطبيعة و الفرد الواحد ينفيه الإطلاق في طرفي الأمر و النهي معاً و إنّما يكتفى في طرف الأمر بالفرد الواحد لأنّ ذات الطبيعة بنحو صرف الوجود حينما يتعلّق به الأمر تتحقق بذلك لا أنّ الوحدة مأخوذة في متعلقه و في طرف النهي بالعكس لا ينزجر المكلّف عن ذات الطبيعة إلّا بترك تمام أفرادها.

ص 18 قوله: (و توضيح ذلك: انّ هناك...).

في النفس من هذا التحليل- المتقدم أيضاً في بحث المرة و التكرار- اشكال و قد ينبّه إليه وجدانية انّ الانحلالية في طرف النهي بالمعنى المتقدم شرحه آنفاً أوضح عرفاً و لغة من النكتة المذكورة في تفسيرها بحيث كأنّ ارادة نهي واحد متعلّق بالطبيعة مرة واحدة فيه تقييد لمتعلق النهي بينما النكتة المذكورة هي ظهور تصديقي حالي- على أفضل تقدير- تقتضي ملاحظة شي‏ء زائد على ذات الطبيعة الملحوظة بنحو صرف الوجود و هذا خلاف الوجدان.

و بعبارة اخرى: البدلية بمعنى ملاحظة الطبيعة بنحو صرف الوجود

358

و الانحلالية بمعنى ملاحظتها فانية في كل فرد فرد لحاظان ذهنيان للطبيعة و لا ربط له بمرحلة التطبيق فيكونان أسبق من الإطلاق و مقدمات الحكمة بمعنى نفي أخذ القيد ثبوتاً للسكوت عنه اثباتاً، إذ هما كيفيّتان في لحاظ الطبيعة و تصورها الذهني؛ ففي طرف موضوعات الأحكام و كذلك متعلّق النواهي بل الأمر بالترك و الاجتناب أيضاً تلحظ الطبيعة فانية في تمام أفرادها المقدرة بخلاف لحاظها في متعلق الأمر بالطبيعة أو النهي عن تركها. و لا بدّ من التفتيش عن نكتته الفنية الدقيقة فتأمل جيداً.

ص 22 قوله: (التنبيه الثاني...).

هذا التنبيه الأولى حذفه؛ لأنّه غير صحيح، فإنّه إذا قيل لا توجد أحدهما بحيث كان عنوان الأحد و الواحد منهما تحت النفي أو النهي كان لا محالة دالّاً على انتفائهما معاً، و إنّما قد يستفاد خلافه لأنّ عنوان الأحد أو الواحد يلحظ في طول تعلّق النهي و العدم أي أحد العدمين لا كليهما. فالحاصل النكتة في هذا التنبيه عروض العدم و النفي على عنوان الأحد تارة فيدل على انتفاء تمام الأفراد و العكس اخرى فلا يدلّ؛ و لا ربط لذلك بالمسألة المنطقية المذكورة في مقام التعليل، بل صدور ذلك من سيدنا الشهيد (قدس سره) غريب، لوضوح انّ المنطق الرمزي أو الوضعي أجنبي عن هذه المسألة اللغوية الأدبية، و وضوح انّ هذه العناوين الانتزاعية من حيث هي مفاهيم كالمفاهيم الاخرى. و ما ذكر من البرهان في الذيل أيضاً غير تام، لأنّ انطباق هذه العناوين الانتزاعية على الخصوصية بما هي خصوصية إنّما يصحّ لأنّ الجهة المشتركة في هذا المفهوم الانتزاعي تكون بدرجة من السعة و الابهام و الكلية بحيث تنطبق على النقيضين فكيف بالخصوصية فهذا لا ينافي التجريد، و اللَّه العالم بالحقائق.

359

اجتماع الأمر و النهي‏

ص 28 قوله: (و هذا رغم كونه وجدانياً يمكن البرهنة عليه بأحد بيانين...).

حاصل البيان الأوّل‏: انكار انحلال مبغوضية المركب بلحاظ أجزائه، بأن يكون جزء المركب مبغوضاً ضمناً؛ لأنّ هذه المبغوضية إذا كانت لا تقتضي شيئاً فهو خلف فرض فعلية البغض، و إذا كانت تقتضي اعدام ذلك الجزء كان معناه زيادة اقتضاء البغض الضمني على البغض الاستقلالي، و انّه لا بد من اعدام جميع الأجزاء، و هو غير معقول و خلف المطلب، و إن كانت تقتضي اعدم المجموع فهذا هو المبغوض الاستقلالي لا الضمني.

إن قلت‏: يمكن افتراض انّ البغض الضمني يقتضي اعدام الجزء مشروطاً و مقيداً بفرض تحقق الأجزاء الاخرى للمركب، فهو بغض مشروط، و هذا نظير ما سيأتي قبوله من السيد الشهيد من انّ حب الجامع يستلزم حب الفرد مشروطاً بانتفاء سائر الأفراد.

قلنا: هذا أيضاً غير معقول؛ لاستلزامه فعلية بغض كل الأجزاء حين تحققها جميعاً لتحقق شرط مبغوضيّة جميعها، فيكون أكثر من البغض الاستقلالي المتعلّق بالمجموع، و هذا محال أيضاً، فإنّ تحقّق المبغوض لا يوجب تبدّل المبغوضية من المجموع إلى الجميع.

360

و هذا البيان غير تام، بل الصحيح معقولية البغض الضمني، أي انحلال البغض كالحب بلحاظ اجزاء متعلّقه فيكون كلّ جزء مبغوضاً ضمناً كما في الحب، إلّا أنّ الفرق بينهما انّ الحبّ الضمني للجزء مطلق، بخلاف البغض الضمني للجزء- كما أشرنا- فإنّه مشروط بتحقق سائر الأجزاء، و ما ذكر من اشكال لزوم فعلية بغض كلّ الأجزاء حين تحققها غير صحيح؛ لأنّ تحقق المبغوض يوجب زوال البغض فعلية أو فاعليةً و اقتضاءً على الأقل، فلا يلزم أن يكون اقتضاء المبغوض الضمني أكثر من الاستقلالي، و هذا واضح. بل لا معنى لانكار انحلال البغض المتعلّق بالمركب بلحاظ اجزائه ضمناً، فإنّ هذا الانحلال عقلي بديهي، و انكاره يستلزم التناقض و الخلف؛ لأنّ فرض كون المتعلّق مركباً مساوق مع وجود اجزاء لمعروض البغض، فيكون كل جزء منه أيضاً معروضاً لعرض البغض، و غير هذا خلف و محال.

و الصحيح قبول روح البيان الثاني بتوضيح انّ البغض الضمني حيث انّه مشروط فعليةً أو فاعلية و اقتضاءً بتحقق سائر الأجزاء فلا محالة يكون متعلقه مقيداً أيضاً بسائر الأجزاء لا مطلقاً- لأنّ قيود الحرمة قيود للحرام أيضاً- فلا ينافي تعلّق البغض الضمني بالطبيعة المقيدة مع تعلّق الحب بجامع تلك الطبيعة لتعدد المحبوب و المبغوض بالذات، فإنّ الجامع و الطبيعي في الذهن بنحو صرف الوجود غير الفرد و الحصة المقيدة منه، كما أنّ اقتضاء حب الجامع لا ينافي مع اقتضاء بغض الحصة المقيدة و الفرد، فلا تنافي بينهما لا بلحاظ المعروض و لا بلحاظ الاقتضاء، و منه يعرف انّه لا نحتاج إلى جعل التضاد بين الحب و البغض بالعرض و بلحاظ اقتضائهما لا نفسيهما- كما هو ظاهر البيان الثاني في الكتاب، و لا يبعد صحته أيضاً- و النتيجة إلى هنا انّه لا محذور في تعلّق الحب بالجامع بنحو صرف الوجود و البغض بحصة مقيدة و فرد منه.

361

ص 30 قوله: (وعليه فلا اجتماع للمحبوبية و المبغوضية على مركز واحد...).

ينبغي أوّلًا تحرير محلّ النزاع وجهة البحث و ملاكاته:

أمّا جهة البحث: فلا إشكال في عدم إمكان الأمر بعنوان و النهي عن نفس ذاك العنوان كما في صلّ و لا تصلّ للزوم اجتماع الضدين فيه امّا للتضاد بين نفس الأحكام بما هي ارادة و تصدٍّ من المولوي أو بلحاظ مباديها من الحب و البغض و المصلحة التامة و المفسدة التامة غير المنكسرتين، و التضاد في نفسه محال، من غير ارتباط بمرحلة الامتثال و القدرة عليه و التي هي مرحلة متأخرة عن الحكم و مشروطة بفرض وصول الحكم، و لهذا يكون بين دليليه التعارض لا التزاحم.

و هذا المحذور لا شك في ارتفاعه إذا فرض تعدد العنوان و المعنون و لو فرض تلازمهما في الوجود، حيث قد يرد فيه محذور من ناحية اخرى كعدم القدرة على الامتثال إلّا انّه أجنبي من جهة البحث في باب اجتماع الأمر و النهي و هو لا يوجب التعارض أصلًا كما في التلازم الاتفاقي الذي يدخل في باب التزاحم، و قد يوجبه و لكنه أجنبي عن جهة البحث في المقام، كما في التلازم الدائمي كالضدين الذين لا ثالث لهما.

و أمّا محلّ البحث‏ فهو ثبوت هذا المحذور أو عدم ثبوته إذا فرض تعدد متعلّق الأمر و النهي بأحد النحوين التاليين:

1- أن يتعدَّد العنوان المنطبق على مجمع واحد كما في صلّ و لا تغصب.

2- أن يتحد العنوان و لكن الأمر يتعلّق بالجامع بنحو صرف الوجود و النهي‏

362

يتعلّق بفردٍ منه كما في صلّ و لا تصلّ في الحمام.

و ظاهر كلمات جملة من الأعلام انّ البحث مختص بالمورد الأوّل و انّه بحث صغروي بعد الفراغ كبروياً عن عدم امكان اجتماع الأمر و النهي في معنون واحد إذا كان واحداً أي التركيب بينهما اتحادياً فيبحث عن ان تعدد العنوان هل يوجب تعدد المعنون فيكون كالفعلين المتلازمين فيكون التركيب انضمامياً أم لا يوجب ذلك، فيكون التركيب بينهما اتحادياً فلا يجوز الاجتماع.

و قد اهتم الباحثون المتأخرون على هذا الأساس بتنقيح البحث عن أنواع العناوين الاشتقاقية و الماهوية و الانتزاعية و انّ أيّاً منها يلزم من تعدده تعدد المعنون، و أيّاً منها لا يلزم منه ذلك، و لكن الصحيح انّ هذا وجه واحد و ملاك من ملاكات الجواز و في قباله ملاكان آخران مهمّان:

أحدهما- انّ نفس تعدد العنوان كافٍ للجواز و إن كان التركيب اتحادياً في المعنون.

الثاني- انّ تعلّق الأمر بالجامع بنحو صرف الوجود و البدلية يكفي لجواز الاجتماع مع الحرمة المتعلقة بالفرد حتى مع وحدة العنوان، فضلًا عن تعدّده.

و البحث في هذين الملاكين كبروي- كما هو واضح- و لو تمّ أحد هذين الملاكين فسوف لا يدع مجالًا للحاجة إلى البحث الصغروي عن الملاك الذي ذكره المشهور للجواز و هو تعدّد المعنون، كما أنّ الملاك الثاني من هذين الملاكين أوسع مورداً من الأوّل، حيث يوجب شمول البحث للمسألة الاولى في الكتاب، أي فرض وحدة العنوان كالأمر بالصلاة و النهي عن الصلاة في الحمام، و لهذا جعل السيد الشهيد البحث بالنحو المذكور في المسألة الاولى، فلا بدّ من‏

363

ملاحظة الملاكين المزبورين.

أمّا الملاك الأخير للجواز- و هو الأوّل بحسب ترتيب الكتاب- ففي قباله تقريبات ثلاثة للامتناع.

1- لزوم اجتماع الحرمة الضمنية و الوجوب الاستقلالي في الجامع و هو كالحرمة الاستقلالية و الوجوب الضمني ممتنع اجتماعهما في عنوان واحد و لو مشروطاً بشرط.

و جوابه ما تقدّم من عدم وحدة معروضيهما لا بالذات و لا بالعرض، و عدم التمانع بين اقتضاءيهما، فلا محذور.

2- لزوم التضاد بلحاظ لازم ايجاب الجامع و هو الاباحة و الترخيص في تطبيقه على كلّ فرد حتى الفرد المحرّم، و هو ضد الحرمة فيلزم اجتماع الضدين فيه.

و جوابه ما في الكتاب.

3- ما ذكره السيد الشهيد و اختاره من استلزام حبّ الجامع بنحو صرف الوجود حبّ الفرد أي سريان الحب اليه و لكن مشروطاً بترك الأفراد الاخرى و لو اختياراً، فيلزم التضاد في مبادئ الحكمين و روحهما و لو مشروطاً و هو محال، فإنّ اجتماع الضدين حتى مشروطاً و في حال واحد أيضاً محال، فلا بد و أن يتقيد متعلق الأمر و هو الجامع بغير الفرد المحرم و هو معنى الامتناع.

و فيه: أوّلًا- ما أفاده السيد الشهيد خارج البحث و ذكرناه في الهامش المذكور في ص 39.

364

و حاصله: انكار تقوّم الأمر أو النهي بالمحبوبية و المبغوضية. نعم، لو قيل أنّه ظاهره العرفي إذا كان خطاباً لفظياً، فالامتناع عرفي اثباتي لا ثبوتي (راجع الهامش).

و نضيف عليه انكار الظهور العرفي للأمر و النهي في المحبوبية و المبغوضية أصلًا. نعم، قد يدّعى ظهور دليل حرمة الفرد و الحصة المقيّدة في تقييد الأمر بالجامع بغير ذاك الفرد في نفسه و من غير ناحية الامتناع العقلي، و ذاك بحث آخر.

و ثانياً- انكار السراية المذكورة امّا من أصلها- كما هو الصحيح- فإنّ حب الجامع لا يرجع إلى حب الفرد مشروطاً فإنّ التخيير العقلي لا يرجع إلى التخيير الشرعي حتى في عالم المبادئ فلا وجه لما يتراءى من كلمات المحقق العراقي في المقام، و كأنّه وافقه السيد الشهيد في باب الحب، أو في خصوص مورد يكون فيه الفرد محرماً و مبغوضاً- لوجود مفسدة تامة فيه- فيبقى حب الجامع على حاله، و لا منافاة بينهما، نظير ما يقال في بحث الملازمة بين حب شي‏ء و حب مقدمته من عدم سريان الحب إلى المقدمة المحرمة مع وجود المباحة و اختصاصها بالمباحة.

و مما يمكن الاستشهاد به على عدم سراية الحبّ من الجامع بنحو صرف الوجود إلى فرده أنّ هذا لو تمّ في المحبوب الاستقلالي لا بدّ و أن يقال به في المحبوب الضمني أيضاً؛ لأنّ المحبوب الضمني أيضاً تعلّق الحبّ به مطلق كالاستقلالي، و هذا لازمه انّه لو ورد الأمر بجامع مقيّد بقيد كما إذا قال: (أكرم عالماً عادلًا) و ورد النهي و التحريم على نفس الجامع و لكن مقيداً بقيد مباين مع قيد الواجب، كما إذا قال: (يحرم اكرام العالم الفاسق) لزم الامتناع؛ لسراية

365

حبّ اكرام عالم الضمني من جامع اكرام عالمٍ إلى فرده و هو العالم الفاسق، و هو واضح البطلان. و التفكيك في دعوى السراية بين متعلّق الحبّ الاستقلالي و الضمني مع كونهما معاً مطلقين لا وجه له، فالصحيح عدم السراية فيهما معاً.

و على هذا الأساس لا مجال للكسر و الانكسار في مبغوضية الفرد أيضاً بين مصلحة الجامع المنطبق فيه و مفسدة الفرد، خلافاً لظاهر كلام الاستاذ الشهيد المنقول عنه في الهامش.

و الظاهر أنّ ذلك منه مبني على قبول سراية الحبّ إلى الفرد، فيلزم الكسر و الانكسار فيه، امّا إذا أنكرنا ذلك فلا وجه للكسر و الانكسار لا في الفرد المبغوض و لا الجامع المحبوب؛ لعدم التنافي بين تأثيريهما في الحبّ و البغض لا بلحاظ نفس حبّ الجامع و بغض الفرد، و لا بلحاظ اقتضائهما لفعل الجامع و ترك الفرد، و هذا واضح.

و بهذا يثبت الجواز بالملاك الأوسع الشامل للمسألة الاولى، بحيث يتعقل حرمة الفرد و وجوب الجامع بنحو صرف الوجود، غاية الأمر المكلّف امّا أن يأتي بالجامع بنحو صرف الوجود في غير الفرد المحرم و يترك ذلك الفرد، فيكون ممتثلًا لكليهما، أو يأتي بالجامع في ضمن الفرد المحرم فيكون عاصياً للحرمة و ممتثلًا للوجوب.

ثمّ انّ البيان الذي ذكره المحقق العراقي (قدس سره) في المقام للامتناع في تقريرات بحثه‏ (1) يتألف من مقدمتين:

____________

(1) () نهاية الأفكار 1: 425- 427

366

الاولى- سريان الحب و الارادة من الجامع إلى الأفراد بلحاظ حدها الجامعي المقوّم للأجناس و الفصول العالية المنطبقة عليها دون حدودها الشخصية المقومة لسافلها و جزئيتها لأنّ هذا الحد و الحيثية في الأفراد عين الطبيعي و القدر المشترك.

الثانية- إذا كان في الجامع مصلحة و في الفرد مفسدة فلا محالة يقع بينهما التنافي في مقام التأثير و عروض الأمر و النهي و المحبوبية و المبغوضية حيث انّه بلحاظ الحد الجامعي و الحيثية المشتركة لا يمكن طروّ الصفتين المتضادتين من المحبوبية و المبغوضية للزوم التضاد، و حينئذٍ لو كانت مفسدة النهي أقوى من مصلحة الأمر فقهراً تصير الجهة المشتركة بجميع حدودها بمقتضى المفسدة العالية مبغوضة محضاً لا محبوبة فيمتنع شمول الأمر لها.

نعم، إذا كانت مصلحة الأمر أقوى من المفسدة جاز الاجتماع فيما إذا كان الأمر بنحو صرف الوجود حيث تكون الحيثية و الحد الجامعي في الفرد محبوبة لأقوائية المصلحة و غلبتها للمفسدة فيه و في نفس الوقت يكون الفرد بحدوده السافلة المشخّصة للجامع مبغوضة بالفعل حيث لا تزاحمها المصلحة لكونها في الحد الجامعي و سمّى ذلك بجواز الاجتماع على أساس اختلاف الحدود.

و هذا البيان فيه مواقع للنظر:

الأوّل‏: المقدمة الاولى مبنية على القول بالسراية و الذي قبله السيد الشهيد (قدس سره) أيضاً، و قد عرفت عدم صحته.

إلّا أنّ ظاهر بيان هذا المحقّق أنّ السريان من جهة العينية بين الجامع و الفرد بحدّه الجامعي، و هذا قد تقدّم في بيانات السيد الشهيد (قدس سره) بطلانه، فإنّ الصورة

367

الذهنيّة و المعروض بالذات للجامع غير الفرد، فلا اجتماع على معروض واحد؛ و لهذا لم يقبل هذا الاستدلال السيد الشهيد (قدس سره) و إنّما وافق على السراية من باب رجوع التخيير العقلي إلى الشرعي في عالم المحبوبية و المبغوضية، و ادّعى وجدانية ذلك كما تقدّم، و تقدّم عدم شهادة الوجدان بذلك بل بخلافه.

الثاني‏: ما تقدم أيضاً من انّه لو سلمنا السراية و الكسر و الانكسار بلحاظ عالم الحبّ و البغض، فلا وجه لسقوط الخطاب و الأمر بالجامع؛ لعدم تقوّم الأمر و النهي بالحبّ و البغض في المتعلّق، سواءً كانت المفسدة في الفرد غالبة أم مغلوبة لمصلحة الأمر بلحاظ الفرد.

الثالث‏: لو سلّمنا السراية فلما ذا يفترض في صورة غلبة المصلحة الجواز و بقاء المبغوضية في الفرد بحدودها الشخصية السافلة و المحبوبيّة في الفرد بحدّه الجامعي، فإنّ المفروض كون المفسدة في الفرد بجميع حدودها العالية و السافلة لا خصوص حدودها السافلة التي تعني الخصوصية فإنّها لم تكن فيها المفسدة و إنّما المفسدة في المتخصص، كما انّ ظاهر دليل النهي مبغوضية الفرد أيضاً، كما انّ مقتضى السراية محبوبية الفرد، فلا بد من القول بالامتناع في هذه الصورة أيضاً.

الرابع‏: لو سلّمنا كلّ هذا الطراز من التحليل و قبلنا التفصيل المذكور في كلامه، فنتيجة هذا المسلك عملياً هو القول بالجواز مطلقاً؛ إذ يكون مقتضى القاعد التمسك باطلاق الأمر و النهي في الفرد؛ إذ لا مانع منهما و بهما يستكشف أقوائية مصلحة الجامع و محبوبيته في الحد الجامعي مع بقاء مفسدة الفرد و مبغوضية في حدّه الشخصي من دون تناف و تعارض بينهما.

368

نعم، في خصوص فرض الانحصار في الفرد المحرّم يقع التعارض و التساقط بين الدليلين؛ لعدم امكان امتثالهما معاً، و ذاك خارج عن هذا البحث، كما انّ عدم امكان قصد التقرّب بالفرد المحرّم و بالتالي بطلانه إذا كان عبادياً أيضاً خارج عن هذا البحث.

و أمّا الملاك الثاني- و هو كفاية تعدد العنوان للجواز فقد أفاد السيد الشهيد (قدس سره) ابتداءً بأنّه قد يتوهم كفاية تعدد الوجود الذهني للجواز حتى إذا كان العنوان واحداً بعد المفروغية عن انّ الأحكام بمباديها يستحيل أن تعرض على الخارج و تكون من اعراضه بل هي من أعراض النفس و الصور الذهنية- و هذا ما يبرهن عليه في الكتاب بعدة تقريبات فنية- و معه فيكفي تعدد التصور و الوجود الذهني حتى للعنوان الواحد للجواز لتعدد المعروض و هو الوجود الذهني.

و الجواب: ما أفاده من انّ الوجود الذهني له حيثيتان و لحاظان لحاظه بالحمل الشائع و حقيقته من كونه وجوداً في النفس أو الذهن و هو بهذا اللحاظ متعدد حتى مع وحدة العنوان كلما تعدد التصور و الوجود في الذهن و لحاظه بالحمل الأولي أي لحاظ الصورة المنطبعة و الموجودة بذاك الوجود الذهني- و هذه من مختصات الوجودات الذهنية بهذا المعنى- و هذا واحد مع وحدة العنوان و الأمر و النهي- بل و كل الصفات النفسانية ذات الاضافة- إنّما تتعلّق بالعناوين و الصور الذهنية بهذا اللحاظ لها، أي ان تلك الصفات مضافة إلى الصور الذهنية بالحمل الأولي لا بالحمل الشائع، فمع وحدة الصورة الذهنية بالحمل الأولي يلزم التهافت في الأمر بها و النهي عنها لا محالة، فلا بد من تعدد العنوان.

369

و أمّا كفاية ذلك و عدم الحاجة إلى تعدد المعنون- كما شرطه مشهور المحققين- فقد أثبته السيد الشهيد ببيان انّ الوجه في توهم الحاجة إلى تعدد المعنون ما قد يتراءى من كلماتهم من انّ الأحكام متعلقة بالعناوين بما هي فانية في الخارج و حاكية عن الواقع لا بما هي هي في الذهن فلا محالة لا بد من تعدد الخارج و المعنون.

إلّا أنّ هذا مغالطة يكشف السيد الشهيد (قدس سره) الوجه عنه ببيانين:

أحدهما: أنّ فناء العنوان في المعنون ليس إلّا عبارة اخرى عن لحاظ العنوان بالحمل الأولي و لا يعقل فيه معنى آخر، إذ لو اريد أنّ الذهن يتخذ العنوان قنطرة لجعل الحكم على الخارج فهذا خلف ما تقدم من البراهين و ما هو بديهي من استحالة عروض الحكم على الخارج. و إن اريد أنّ الذهن من خلال العنوان يدرك المعنون فيجعل الحكم عليه فهذا واضح البطلان؛ إذ لا يوجد ادراك آخر للذهن غير نفس العنوان، بل لا يعقل ادراك المعنون إلّا بادراك عنوانه.

إذاً فلا حقيقة للفناء و الحكاية و المرآتية إلّا ما أشرنا إليه من انّ كل عنوان بالحمل الأولي يرى كأنّه الخارج. إلّا أنّ هذا مجرد رؤية و إلّا فالفاني و المفني فيه شي‏ء واحد ليس إلّا، و ليس الخارج إلّا المفني فيه بالعرض لا بالحقيقة. وعليه فمع تعدد العنوان يتعدد المفني فيه لا محالة، فلا اجتماع للضدين على معروض واحد.

الثاني: أنّنا لو سلّمنا سريان الحكم من خلال العنوان إلى محكيه في الخارج مع ذلك لا يلزم تعدد المعنون، لأنّ كلّ عنوان لا يحكي عن الخارج إلّا بمقداره، و لا يمكن أن يحكي الحيثية المحكية بالعنوان الآخر- كما تقدم في بحث الوضع‏

370

العام و الموضوع له الخاص- فالمحكي و المفني فيه الخارجي أيضاً متعدد مع فرض تعدد العنوان، و لا موجب لتوهم سراية الحكمين المتضادين من أحدهما إلى الآخر سواءً كان وجودهما العيني متحداً أو متعدداً، أي سواء كان التركيب بينهما اتحادياً أو انضمامياً، فلا محذور من ناحية المعروض بالذات و بالعرض للحكمين.

و أمّا ما تقدم من الوجهين السابقين للامتناع في المسألة الاولى فهما أيضاً لا يجريان هنا؛ لأنّ الحصة التي يسري اليها الحب من الجامع أو يستلزم الترخيص فيه إنّما هو حصة عنوان الصلاة و هي غير الحصة من عنوان الغصب، فلا سراية للحبّ من متعلقه إلى متعلّق البغض في الفرد المبغوض أيضاً، و النتيجة جواز الاجتماع في مثل (صلّ و لا تغصب) رغم عدم الجواز في مثل (صلّ، و لا تصلّ في الحمام).

ثمّ ذكر تحفظات ثلاثة لهذا الملاك للجواز بعد قبوله:

أحدها- أن لا يكون الواجب عبادياً، و إلّا بطل لعدم امكان قصد التقرب بالمحرم و لو بعنوان آخر إذا كان واصلًا، و هذا بخلاف ما إذا فرض تعدد المعنون.

الثاني- أن لا يكون العنوان المأمور به مشيراً و معرفاً إلى عنوان آخر كما في العناوين الذهنية الاختراعية كعنوان أحد الخصال، فإنّ المأمور به عندئذٍ هو نفس العناوين التفصيلية بنحو التخيير الشرعي فيمتنع النهي عنها.

الثالث- أن لا يكون بين العنوانين مفهوم و جزءٌ عنواني مشترك بل لا بد من تباينهما مفهوماً، و إلّا لزم الاجتماع بلحاظ العنوان المشترك لوحدته. و يقرب من أصل هذا الملاك للجواز في روحه ما رأيته للسيد الامام (قدس سره) في كتابه المطبوع‏

371

بقلمه الشريف أخيراً بعنوان (مناهج الاصول ج 1) و كذلك ما في الدرر للشيخ الحائري (قدس سره) فراجع.

و لنا في المقام تعليقان‏:

أحدهما- على ما أفاده من عدم جريان كلا الوجهين السابقين للامتناع في المسألة الاولى هنا. فإنّ الوجه الذي قبله السيد الشهيد لا يجري هنا؛ لأنّ رجوع التخيير العقلي إلى الشرعي إنّما يكون من خلال نفس العنوان لا العنوان الآخر و لكن الوجه الثاني أي وجه الميرزا (قدس سره) يجري هنا، إذ مقتضى إطلاق الواجب للفرد المتحد مع عنوان الغصب جواز تطبيق الواجب عليه و هو منافٍ مع تحريمه و لو بعنوان آخر كالغصب لا محالة.

نعم، لو أنكرنا أصل الدلالة على الجواز العقلي- كما هو الصحيح- و ان المدلول للاطلاق إنّما هو الجواز الوضعي أو الحيثي أي من حيث كونه حلًا لا بأي عنوان آخر لم يجر هنا.

إلّا أنّ هذا اشكال في أصل هذا الوجه و كبراه. و لعلّه لذلك في الحلقات‏ (1) فصل السيد الشهيد بين الوجهين.

ثانيهما- و هو العمدة- الاشكال في أصل هذا الملاك للجواز، فإنّ ما ذكر فيه من انّ الفنائية و المرآتية لا يراد بها جعل الحكم أو عروضه على الخارج و إن كان صحيحاً كما انّ عدم حكاية العنوان لعنوان آخر أي لغير الحيثية المحكية به مطلب صحيح تام، إلّا أنّ كلّ ذلك لا يكفي لاثبات الجواز و كفاية تعدد العنوان‏

____________

(1) () الحلقات ج 1 ص 401 الثالثة

372

فيه إذا لاحظنا مطلباً يمكن استفادة كونه مصادرة مفروغاً عنها في كلمات المحققين المتأخرين، و حاصله: انّ العنوانين المتعددين إذا كان بحسب نظر الذهن متصادقين، أي مما يمكن أن ينطبق و يصدق أحدهما على الآخر بالحمل الشائع و إن كانا متباينين مفهوماً و بالحمل الأولي فلا يعقل تعلّق الحب بأحدهما مطلقاً و البغض بالآخر كذلك، للزوم التهافت في مورد التصادق بحسب لحاظ الآمر و نظره من امكان تصادقهما في واحد، حيث انّه سوف يرى انّه يحب و يبغض فعلًا واحداً و حركة واحدة، إلّا إذا فرض تعدد المعنون و الفعل في الخارج، و هذا هو الملاك الثالث للجواز الذي سلكوه.

و الحاصل: تعدد العنوان يفيد في أن يلاحظ الجاعل تعدد المفهومين و الملحوظين بالذات لا بالعرض بمعنى محكيّهما في الخارج، و حيث انّ الأمر و النهي و الحبّ و البغض يتعلقان بالعناوين بما هي حاكية عن الخارج فهذا وحده كافٍ لعدم إمكان جعل الأمر و النهي عليهما على اطلاقيهما الشامل لصورة انطباقهما و تصادقهما على فعل واحد خارجي، و البرهان على ذلك امتناع جعل الأمر الشمولي بنحو مطلق الوجود على أحدهما مع النهي عن الآخر جزماً مع قطع النظر عن مسألة القدرة على الامتثال فإذا قلنا باستحالة الأمر بالجامع بنحو صرف الوجود و سرايته إلى الفرد كان الامتناع ثابتاً فيه أيضاً.

نعم، لو كان المقصود عدم سراية الحبّ من الجامع بنحو صرف الوجود إلى ما هو الفرد و المعروض للعنوان المحرّم فهذا صحيح، إلّا أنّه لا يكفي لدفع غائلة الامتناع إذا قبلنا سراية الحب من الجامع إلى الفرد و الحصة الخاصة للعنوان الواجب، فإنّ تلك الحصة في المقام متّحد مع الفرد و الحصة للعنوان المحرّم، فيلزم نفس الاجتماع الموجود في الواجب الشمولي بنحو مطلق الوجود مع‏

373

الحرام، و هو ممتنع بالاتفاق، فمن يقبل تلك السراية، أي سراية الحبّ من الجامع بنحو صرف الوجود إلى الفرد و على أساسه يقول بالامتناع في (صلّ، و لا تصلّ في الحمام) لا بدّ و أن يقبل الامتناع في فرض تعدد العنوان أيضاً مثل (صلّ، و لا تغصب).

و لعلّ هذه هي المصادرة المفروغ عنها في كلمات المحققين و التي جعلتهم يبحثون عن تعدّد المضمون من تعدّد العنوان لاثبات الجواز مع الفراغ عن الامتناع بناءً على وحدة المعنون.

لا يقال: في موارد تعدد العنوان حتى بناءً على سراية الحب من الجامع إلى الفرد يكون معروض الحب و البغض متعدّداً في الفرد، أي تكون حيثية سجودية هذا الفعل غير حيثية غصبيته لأنّهما عنوانان متباينان و إن اتحدا في الوجود، و كل من العنوانين و الحيثيتين تقييديتان في متعلّق الأمر و الحب و النهي و البغض فلا يلزم اجتماع الأمر و النهي و الحبّ و البغض في عالم العروض على محل واحد، و إنّما لا يمكن تفكيكهما في الوجود الواحد، و هذا محذور مربوط بمرحلة القدرة نظير عدم امكان تفكيك الوجودين المتلازمين و المعنونين المتعدّدين خارجاً بناءً على كون التركيب انضمامياً و الذي يسلم فيه بالجواز.

فإنّه يقال: أوّلًا- بالنقض بموارد الواجب الشمولي الانحلالي مع الحرام المتعلّقين بعنوانين في مورد كالعامين من وجه.

و ثانياً- الحلّ، و حاصله: انّ الأمر و النهي لم يتعلقا بالحيثية بل بالمتحيّث، أي بالفعل الذي يكون سجوداً و يكون غصباً، بل عنوان السجود و الغصب اسم للفعل لا للمبدإ و الحيثية، وعليه فيكون الفعل الذي هو سجود محبوباً و مطلوباً،

374

و الفعل الذي هو غصب مبغوضاً و محرماً، فإذا كان الاسمان و العنوانان متصادقين على وجود واحد و فعل واحد بحيث يحمل أحدهما على الآخر في ذلك المورد كان من طلب المحرم عند من يرى هذا التصادق لا محالة، و هو من اجتماع الضدين الممتنع مع قطع النظر عن مسألة القدرة على الامتثال.

و مما ينبّه إلى ذلك ما سيأتي في التحفّظات من انّه إذا كان هناك مفهوم مشترك بين العنوانين أو كان أحد المفهومين انتزاعياً أو اختراعياً ذهنياً مشيراً به إلى الخارج كان من الامتناع، فإنّ هذه الاشارية و المرآتية إلى الخارج محفوظة في تمام المفاهيم حتى الحقيقية، فإذا كان يرى الذهن انطباق المفهومين و تصادقهما خارجاً على شي‏ء واحد كان من الامتناع و تعلّق الحكمين بموضوع واحد من خلال العنوانين، سواء كانا حقيقيين في مصطلح الفلسفة و المنطق أم لا، فإنّ هذه الخصوصية لا توجب فرقاً من ناحية محذور الاجتماع ما لم يؤدّ إلى تعدّد المعنون في الخارج.

فالصحيح أنّ تعدد العنوان وحده لا يكفي لاثبات الجواز، بل لو قيل بسراية الأمر من الجامع بنحو صرف الوجود إلى الفرد أو كان الأمر بنحو مطلق الوجود كان من الامتناع ما لم يثبت تعدد المعنون و كون التركيب في المجمع انضمامياً.

ثمّ انّ الملاك الأوّل للجواز لا يبعد فيه التفصيل عرفاً و إثباتاً بين المسألة الاولى و المسألة الثانية أي بين ما إذا كان النهي عن الفرد بنفس عنوان الأمر كالصلاة و الصلاة في الحمام و بين ما إذا كان بعنوان آخر كالصلاة و الغصب، فإنّه في الأوّل قد يقال بالتعارض عرفاً و اعتبار النهي قيداً في متعلّق الأمر و لو لم يكن النهي ارشادياً، و هذا بخلاف الثاني، أي ما إذا كان النهي متعلّقاً بعنوان آخر.

فتعدد العنوان يوجب ارتفاع ملاك التنافي العرفي.

375

و الوجه في المنافاة العرفية يمكن أن يكون ما ذكره الميرزا من ظهور الأمر في جواز تطبيق الجامع على كلّ فرد فيقال بأنّ هذا الجواز فعلي لا حيثي، و لكن بمقدار نفس العنوان لا العناوين الاخرى.

و إن شئت قلت‏: انّ الجواز الحيثي أيضاً منفي عرفاً بالنهي عن الصلاة في الحمام، فكأنّه قال: لا يجوز تطبيق الصلاة و الاتيان بها ضمن هذا الفرد.

ثمّ انّ المحقق العراقي (قدس سره) تفطن إلى الملاك الأوّل، لكن حاول أن يرده في المقالات ببيان واضح الضعف، و في التقريرات بتفصيل بين كون الأمر بنحو صرف الوجود أو مطلق الوجود، حيث أرجع الأمر بالجامع بنحو صرف الوجود إلى التخيير الشرعي و الأمر بكل فرد مشروطاً بترك غيره و هو ممّا لا يمكن المساعدة عليه، راجع كلامه و تأمل.

كما أنّه ظهر ممّا تقدّم أنّ من يقول بسراية الحبّ و إرادة الجامع بنحو صرف الوجود إلى فرده و لو مشروطاً بترك الأفراد الاخرى و على أساسه يقول بالامتناع في مثل: صلّ و لا تصلّي في الحمام (المسألة الاولى) يحتاج إلى البحث الصغروي الذي طرقه المشهور في موارد تعدد العنوان (المسألة الثانية) و أنّه متى يوجب تعدّد المعنون و متى لا يوجبه.

ص 42 قوله: (و أيّاً ما كان فقد ذكر المحقق الخراساني (قدس سره)...).

أشكل عليه مدرسة الميرزا أنّ هذا دليل إمكان الاتحاد لا ثبوته فقد يكون متعدداً، و الظاهر أنّ دليله على الاتحاد هو صحّة الحمل الشائع الذي ملاكه الاتحاد في الوجود، و ما ذكره لدفع توهم أنّه كيف ينطبق عناوين عديدة مع وحدة الوجود، و اللَّه العالم.

376

ص 42 قوله: (و المحقق النائيني ذكر...).

عبارات الميرزا (قدس سره) و تعبيراته في تقريريه مختلفة، و روح مقصوده انّ العنوانين المنطبقين على فعل المكلّف إذا كانا من قبيل المشتقين فهذا لا يوجب تعدد المعنون و لو كانت النسبة بينهما عموم من وجه، لأنّ صدق المشتق على مصداقه بالذات بلحاظ الذات المأخوذة فيه و الصادقة على الماهيات و المقولات المتعددة، و ليس اختلافها بالحقائق حيثية دخيلة في صدقها، و إنّما تمام الحيثية الدخيلة في الصدق تلبسها بالمبدإ فيكون المبدأ أيضاً حيثية تعليلية لصدقها على الذات.

و أمّا إذا كان العنوانان من قبيل العناوين المبدئية لا الاشتقاقية فالعنوان الحقيقي المبدئي صدقه على مصداقه بالذات إنّما يكون باعتبار أنّ فيه تمام حقيقته و ذاته فتكون تلك الحقيقة حيثية تقييدية في الصدق، و عندئذٍ إذا كان بينهما عموم من وجه أي افتراق من كل جهة لزم أن يكون وجودهما في المجمع بنحو التركيب الانضمامي بين وجودين لا الاتّحادي (و التركيب الانضمامي عند الميرزا أشد من التركيب بين العرض و محله أو الاعراض في محل واحد على ما سيأتي توضيحه) لاستحالة الاتّحاد بينهما، امّا بتعبير لزوم أن يكون لوجود واحد ماهيتان عرضيتان و هو محال، و إنّما يعقل ذلك في الماهيات المتداخلة الطولية، أو بتعبير أنّ كون حيثيّة صدقٍ تقييدية يعني انّ تلك الحيثية تمام حقيقة ذلك العنوان و ذاته، و عندئذٍ لو كان بينهما افتراق مع وحدة الحقيقة لزم الخلف.

أو بتعبير أنّ تلك الحيثية هي جهة الصدق بنحو التقييد فإذا افترقا كان معناه تعددها، فسواء كان جوهراً أو عرضاً أو مقولة انتزاعية اضافية لزم تعددهما في المجمع، أي وجود احدى الجهتين و المقولتين غير الاخرى أو واقعيتها غير

377

الاخرى (بناءً على واقعية الاضافات و امكان الحمل المواطاتي فيها).

و لا ينقض بالجنس و الفصل؛ لأنّ الجنس مما يتقوّم بالفصل و يتحصل به، و هو لا يكون في العامين من وجه. أو بتعبير انّ المبادئ مقولات بسيطة في الخارج لا مركبة من مادة و صورة، و من هنا يكون ما به الاشتراك فيما بينها عين ما به الامتياز، و ليس عنوان الماهية أو المقولة أو الحركة إلّا عنواناً انتزاعياً لها، و حينئذٍ لا يعقل التركيب الاتحادي فيما بينها إذ يلزم أن يكون ما به امتيازها في الجمع غير ما به اشتراكها و هو خلف.

هذه تعابير مختلفة لمطلب الميرزا (قدس سره) روحها واحدة.

و منه ظهر جواب الاشكال عليه من قبل السيد الخوئي في العناوين الانتزاعية فإنّه لا فرق في روح هذا البيان بين المقولات و الماهيات المتأصلة و الانتزاعية إذا قبلنا حمل المواطاة فيها كما نقبل فإنّ التقدم غير المتقدم.

و أمّا الاعتراضان اللذان سجلهما السيد الشهيد (قدس سره) على الميرزا، فالأوّل منهما صحيح، إلّا أنّ الميرزا لعلّه كان يلاحظ مرحلة الاثبات أيضاً، فإنّه من أين نثبت انّ العنوانين عرضيان و ليسا متداخلين و طوليين إذا كانا متساويين في الصدق أو بينهما عموم من وجه.

و أمّا الثاني منهما- و هو انّ عنوان الفعل مأخوذ و مستتر بحسب النظر الاصولي في كل عنوان مأمور به أو منهي عنه فيكون اشتقاقياً بالدقة و إن كان مبدئياً بحسب كلام اللغوي. فهذا من الخلط بين الفعل بمعناه العرفي و الفعل بمعناه المقولي.

و توضيح ذلك‏: انّ عنوان الفعل و الحركة و نحو ذلك عنوان عرفي انتزاعي‏

378

منتزع من مقولات متعددة لأفعال المكلفين، فالنية فعل و السجود فعل و المشي فعل للمكلف و هي من مقولات متعددة متباينة بحيث يستحيل اتحادها في الوجود، بل هي عوارض متعددة على المكلّف الفاعل لها، و قد يكون بينها تركيب انضمامي و اجتماع في مورد، و لكن كل فعل منه غير الآخر في الوجود و الحقيقة و العين. و عنوان الفعل أو الحركة ليس مقولة حقيقية بل عنوان منتزع كعنوان الذات و الشي‏ء يصدق على الأضداد و المتباينات بل الحركة في كل مقولة عين تلك المقولة.

و عندئذٍ يقال: إن كان المدّعى انّ العناوين المبدئية المأمور بها و المنهي عنها كلها من سنخ فعل مقولي واحد للمكلفين فهو واضح البطلان، و إن اريد انّ هذه العناوين كلّها قد اخذ فيها مفهوم الفعل العرفي الانتزاعي و الحيثيات المبدئية حيثيات تعليلية فتكون كالعناوين الاشتقاقية. فهذا بلا موجب، بل خلف فرض مبدئية هذه العناوين و تقييدية جهة الصدق فيها.

و إن اريد انّه لا يمكن أن يتعلّق أمر أو نهي إلّا بعنوان الفعل العرفي غير المقولي فهذا أيضاً واضح البطلان، إذ كما يمكن الأمر به يمكن الأمر بأيّة مقولة اخرى حقيقية قابلة للصدور عن المكلّف، أي يتمكن المكلّف من ايجاده.

و منه يظهر عدم تمامية ما فُرّع عليه من ثبوت الامتناع بناءً على الملاك الثاني للجواز المختار عند سيدنا الشهيد (قدس سره) و هو كفاية تعدد العنوان في الجواز لصدق التحفظ الثالث و هو اشتراك العنوانين في مفهوم واحد، و هو الذات أو الفعل الذي له الاضافة، فيكون من الامتناع، فإنّ هذا غير صحيح، إذ لا اشتراك كذلك بين العناوين المبدئية البسيطة.

379

هذا، مضافاً إلى ما في هامش الكتاب من انّه لا اشتراك بين المشتقات في جزء مفهومي، فإنّ مفهوم الذات مفهوم انتزاعي يشار به إلى الوجود الخارجي، و ليس مفهوماً عنوانياً مشتركاً بين العنوانين، و هذا واضح.

و أمّا مقالة الميرزا (قدس سره) فالاشكال عليه:

أوّلًا- أنّ هذا يؤدي إلى أن يكون العنوانان متباينين في الوجود و الحقيقة غاية الأمر قائمان بموضوع واحد هو المكلف مثلًا لكون كل منهما عارضاً عليه و حينئذٍ لا يصح حمل أحدهما على الآخر كما لا يصحّ حمل أي عرض على آخر و إن اجتمعا في معروض واحد.

و هذا لا اشكال في جوازه و خروجه عن محلّ البحث، نظير النظر إلى الأجنبية و الصلاة أو التكلم في الدار المغصوبة فإنّ التكلّم أو التفكير في الدار المغصوبة ليس غصباً، و هذا بخلاف الصلاة أو السجود فيها، فإنّه بنفسه غصب و تصرّف في مال الغير، لا أنّه فعل و مقولة اخرى مقارنة معه عارضة على المكلّف.

و الحاصل: العنوانان امّا أن يكونا صادقين على مقولة واحدة فهذا لا يمكن في العناوين المبدئية عند الميرزا أو يكونان صادقين على مقولتين عارضتين على المكلّف أو يكونان صادقين على مقولتين احداهما عارضة على الاخرى و لا شقّ رابع. و الأخير غير معقول، لأنّ عروض أحد الأعراض المقولية على الاخرى مستحيل بل لا بد و أن يكون أحدهما جوهراً و لا جوهر في المقام غير المكلّف بحسب الفرض، و لو سلّم امكانه فهو كالثاني خارج عن البحث؛ إذ لا تركيب بينهما و لا يصح حمل أحدهما على الآخر، فهما كالنظر إلى‏

380

الأجنبية و الصلاة. و هذا الاعتراض التفت إليه الميرزا (قدس سره) حيث سلّم بأنّه لا تركيب بين العرض و الموضوع أو الأعراض لموضوع واحد، و حاول الاجابة عليه في كل من تقريريه بما يرجع إلى أحد جوابين:

الأوّل: انّ التركيب و الصدق في المقام إنّما يكون لأجل تشخص كل من الصلاة و الغصب بالآخر و يجري كل منهما بالنسبة إلى الآخر مجرى المشخِّص فتكون الصلاة متشخصة بالغصب و يكون الغصب متشخصاً بالصلاة، و من المعلوم انّ كل طبيعي يوجد في الخارج لا بد أن يكون محفوفاً بمشخصات عديدة من مقولات متعددة و التشخص بذلك يكون في رتبة وجودهما و يكون من المشخص للصلاة هو الفرد الغصبي و بالعكس‏ (1).

و فيه: أنّ تشخص الكلي و الطبيعي لا يكون بالماهيات و المقولات الاخرى بل بالوجود على ما حقق في محلّه.

و لو فرض أنّه بذلك فهذا لا يمكن أن يكون في رتبة وجود الطبيعي إلّا في الجنس و الفصل و لا يعقل في الأعراض كما هو المفروض في المقام، بل وجود العرض المشخص لماهية غير وجود تلك الماهية جزماً، و من هنا لا يصحّ حمل أحدهما على الآخر، فليست العدالة زيداً أو انساناً و ليس زيد أو الإنسان عدالة.

فلا معنى لفرض كون المشخص للصلاة هو الفرد الغصبي و بالعكس إلّا العروض فيرجع لا محالة إلى أحد الفرضين المذكورين و الذي تقدم خروجهما عن محل البحث مع كون الأخير منهما غير معقول في نفسه.

____________

(1) () فوائد الاصول ج الأوّل و الثاني ص 414 (ط- جامعة المدرسين)

381

الثاني: و هذا له تعبيران: أحدهما: انّ التركيب بينهما يجي‏ء من جهة وحدة فعل المكلف بالمعنى العرفي بمعنى وحدة الايجاد للمقولتين حيث انهما يصدران عنه بايجاد واحد.

و التعبير الآخر: انّ الحركة و الفعل العرفي الصادر من المكلّف خارجاً كحركة اليد و وضعها أو الرأس و الرجل و وضعهما واحد و لكن الموجود بها حركتان مقوليتان الحركة الصلاتية و الحركة الغصبية، و هما متعددتان لا محالة بالبرهان المتقدم، فوحدة الفعل العرفي أو الايجاد هو مصحح الحمل و التصادق و هو منشأ التركيب الانضمامي رغم تعدد المقولتين.

و الجواب: امّا بالنسبة إلى التعبير الأوّل، فالايجاد عين الوجود و لا فرق بينهما إلّا بالاعتبار، فإذا كان الوجود متعدداً كان الايجاد كذلك لا محالة، و امّا عن التعبير الثاني فالفعل العرفي إن كان نفس الفعل المقولي الصادر منه استحال أن يكون واحداً مع فرض تعدد الفعل المقولي و ان كان فعلًا آخر مقدمة للفعل المقولي خرج عن محلّ البحث لأنّه خلف صدق الفعل المقولي عليه حقيقة، على انّه يلزم اجتماع الأمر و النهي في المقدمة بناءً على وجوب المقدمة و إن كان موضوعاً و معروضاً لكل من المقولتين العرضيتين و المأمور به و المنهي عنه إنّما هو الاضافة و الخصوصية الصلاتية أو الغصبية في فعل المكلف، فهذا خارج عن البحث أيضاً كما ذكره السيد الشهيد لتعدد المأمور به و المنهي عنه، هذا كلّه في الايراد الأوّل على مقالة الميرزا.

و ثانياً- لو سلّمنا تعدد المعنون بالدقة في موارد صدق العنوانين المبدءين على فعل واحد للمكلف بالبرهان المتقدم منه مع صحّة الحمل و الصدق على الفعل و الحركة الواحدة من المكلّف فهذا لا يكفي لاثبات الجواز؛ لأنّ محذور

382

الامتناع إنّما كان من جهة استحالة انطباق المأمور به و المنهي عنه على فعل واحد من أفعال المكلّفين بحسب نظر الآمر، و هذا محفوظ في المقام و إن استطاع الميرزا (قدس سره) ببرهان عقلي أن يثبت تعدد المعنون واقعاً فيه، فإنّ هذه المداقة لا تنفع بعد أن كان ملاك الاستحالة انّ المولى لا يمكنه أن يأمر بفعل بحسب نظره و ينهى عنه في نفس الوقت، مع حمل أحدهما على الآخر و اتحادهما عرفاً، و ليس هذا من باب الخطأ في التطبيق ليقال بأنّ فهم العرف ليس بحجة فيه، و إنّما من جهة انّ ملاك الاستحالة يكمن في التطابق و التصادق على فعل واحد و حركة واحدة في الخارج، فاننا تارة لا نقبل هذه المصادرة و نكتفي بتعدد العنوان في الجواز إذاً لا موضوع لهذا البحث، و لا حاجة لاثبات تعدد المعنون، بل حتى مع وحدة وجود العنوانين جاز الاجتماع.

و اخرى نقبلها، و من هنا احتجنا إلى اثبات تعدد المعنون، فعندئذٍ يكون الميزان أن لا يرى الآمر العرفي امكان تصادق العنوانين على واحد خارجي.

ثمّ انّ السيد الشهيد (قدس سره) بعد أن اعترض على الميرزا بالمناقشة الثانية و أرجع العناوين المبدئية غير الاشتقاقية إلى العناوين الاشتقاقية بحسب المنظور الاصولي أفاد أنّ النسبة بين هذا الملاك و الملاك الثاني المختار عنده للجواز عموم مطلق، فإنّه في كل العناوين الاشتقاقية الأدبية و الاشتقاقية الاصولية يثبت الامتناع على المسلكين، أي حتى على المسلك الثاني لمجي‏ء التحفظ الثالث المتقدّم فيها، و هذا يشمل جميع العناوين إلّا مثل الجنس و الفصل حيث يكون الفصل مبايناً مع الجنس من دون اشتراك في شي‏ء منهما مفهوماً. و مثل له بالأمر برسم الخط و النهي عن انحنائه، و من الواضح امكانه و جوازه فيكون دليلًا على صحة الملاك الثاني.

383

و نلاحظ على هذا الاستنتاج اموراً:

الأوّل: ما تقدم من انّه لا اشتقاق في العناوين المبدئية أصلًا.

الثاني: ما تقدم من عدم صحّة إجراء التحفظ الثالث على القول به في المقام.

الثالث: عدم صحّة أصل هذا التحفظ- أي الثالث- لأنّ مجرد الاشتراك في جزء مع التغاير و التعدد في قيد العنوان المشترك الموجب لتعدد العنوانين المقيدين و تباينهما أو العموم من وجه بينهما لا يوجب اجتماع الأمر و النهي في عنوان واحد، و ذلك لأنّه لو اريد لزوم اجتماعهما في جزء المفهوم المشترك فهذا واضح البطلان، لأنّ المعروض هو المقيد بما هو مقيد لا ذاته و هما متغايران، بل قد يكونان متباينين في الصدق كما إذا كان القيدان كذلك، فلا وجه لتوهم السراية في الجامع المحبوب ضمناً حتى لو قبلناها في الجامع المحبوب مستقلّاً، فلو قال المولى: (أكرم عالماً، و يحرم اكرام الفاسق)، فأكرم عالماً فاسقاً لم يكن وجه للقول بالامتناع بناءً على المسلك الثاني للجواز، فإنّ الواجب عنوان اكرام العالم بنحو صرف الوجود و هو غير عنوان اكرام الفاسق المحرم، و لا يكون الثاني مرئياً بالأوّل أصلًا، و اشتراكهما في جزء المدلول كالانسان أو الذات و كونه محبوباً ضمنياً لا يوجب سراية الحبّ الضمني إلى الفرد و الحصة المحرّمة، كيف و إلّا وجب الامتناع حتى إذا كان القيدان متباينين، كما إذا قال: (أكرم عالماً عادلًا، و يحرم اكرام العالم الفاسق)، و هذا واضح البطلان كما أشرنا إليه سابقاً.

و المثال الذي في الكتاب ليس بفني؛ لأنّه من تعدد الاكرام بتعدد المكرم، فهو خارج عن البحث موضوعاً، و هو من الواضح كونه من التزاحم، حيث انّ فعل اكرام زيد العالم هناك يلازم مع فعل آخر محرم هو اكرام عمرو الفاسق.

384

نعم، الفعلان يحصلان بسبب واحد، و هو قيام المكلّف لهما، فلو قيل بوجوب مقدمة الواجب و حرمة مقدّمة الحرام لزم الإجماع في السبب و هذا خارج عن البحث.

الرابع: لم نفهم الوجه في عدم كون عناوين الجنس و الفصل الصادقة على أفعال المكلّفين من المشتقات بحسب النظر الاصولي فإنّها أيضاً تتضمن نكتة الاشتقاق المستتر التي استند اليها السيد الشهيد في اثبات الامتناع، فإنّ المراد بالفصل المنهي عنه إذا كان نفس الحيثية و الاضافة، فهذا متعدّد في العناوين المبدئية الاخرى أيضاً، و خارج عن محل البحث و إن كان المراد به الفعل المتحيِّث بتلك الحيثية كان مشتقاً لا محالة.

و المثال الذي جعل جوازه واضحاً إنّما يجوّز لو كان بالنحو الأوّل و الذي تقدم جوازه في تمام العناوين.

و يتلخص من مجموع ما ذكرناه و حققناه انّ الصحيح من الملاكات الثلاثة هو الملاك الأوّل، إذ الثاني و هو تعدد العنوان غير كافٍ للجواز مع تصادق العنوانين على فعل واحد إذا لم نقبل الملاك الأوّل للجواز، و الثالث و هو تعدد المعنون بتعدد العنوان غير تام، فالصحيح في ملاك جواز الاجتماع هو الأوّل و الذي يختص بما إذا كان الأمر بدلياً أي متعلقاً بالطبيعة بنحو صرف الوجود لا مطلق الوجود.

و قد اتضح مما تقدم جواز الاجتماع عقلًا في المسألتين الاولى و الثانية معاً، إلّا انّه قد يقال بالظهور العرفي في التقييد في المسألة الاولى و لو بالنكتة المتقدمة عن الميرزا (قدس سره).

385

ص 50 قوله: (و هكذا يتضح انّ هذه البيانات لم تنجح لتصوير مركز...).

الانصاف انّ هذه مداقات غير عرفية، و إلّا فالعرف يرى انّ من أنحاء التصرف في المكان المتعلّق بالغير هو اشغاله بفعل من الأفعال التي تحتاج إلى مكان خارجي لا يقاعها فيه، و منها الصلاة، فإنّ القيام و القراءة و الركوع و السجود و سائر ما هنالك من الأفعال المحققة للصلاة تقع في مكان مغصوب فتكون بنفسها تصرفاً عرفاً و اشغالًا لملك الغير بعمل فيحرم بدون إذنه، فلا يكون المركز للاجتماع خصوص السجود.

و دعوى: تقوّم السجود بالخصوص من أفعال الصلاة بوضع الثقل على الأرض و عدم كفاية المماسة مع الجبهة و أنّ الغصب من مقولة الأين، أو انّ التصرف في المغصوب إنّما هو الكون فيه أو الاحاطة عليه أو وضع الثقل فيه أو تغييره و تحويره و شي‏ء منها لا يكون من أجزاء الصلاة و أفعالها المأمور بها إلّا في السجود بناءً على أخذ وضع الثقل في مفهومه.

مدفوعة: بأنّ هذا ممّا لا يساعد عليه العرف، بل العرف يرى انطباق النهي على مطلق التصرف في المال المغصوب و انّ نفس الأعمال و الأفعال الصلاتية مصداق عرفي حقيقي لعنوان التصرف لا أنّ كون المكلّف أو وضع ثقله على الأرض أو اشغاله له هو التصرف فقط.

و الشاهد على ذلك تأثر العرف بنوع الفعل الشاغل، فلو أشغله بالعبادة غير ما إذا أشغله بالفساد و الإثم بحيث قد يرضى بأحدهما و لا يرضى بالآخر، و ليس ذلك من باب عدم الرضا بالكون إذا كان فعله شنيعاً، بل يرى العرف أنّ نوع الفعل أيضاً تصرّف في المحلّ و بحاجة إلى إذن به، و أنّه داخل في سلطان المالك و من‏

386

حقّه، لا انّه شرط لاذنه فيما هو من حقه؛ و لهذا قد تختلف قيمته و ثمنه أيضاً، و ليس ذلك من أجل ازدياد قيمة الكون.

و للمحقق العراقي (قدس سره) كلمات في المقام لا تخلو من اشكالات يمكن مراجعتها في تقريرات بحثه و التأمل فيها لكي تظهر.

ص 53 قوله: (ثمّ انّ الصحيح عدم الامتناع عرفاً في كل مورد...).

هذا صحيح إذا لاحظنا نفس القضية التي حكم العقل بعدم الامتناع فيها كما إذا رأى العقل امكان اجتماع الأمر و النهي على عنوان واحد أو على عنوانين مع وحدة المعنون أو امكان اجتماع الحب و البغض كذلك، فإنّ العرف أيضاً سوف يرى امكانهما لعرفية مواردهما و كثرة ابتلاء العرف بذلك، فلو لم يكن محذور عقلي فلما ذا يرى العرف امتناعه مع كونه ممكناً و واقعاً خارجاً، و هذا واضح.

و لكن قد يكون الامتناع العرفي في النتيجة و لكن من جهة اخرى لا من جهة الاختلاف بين العرف و العقل في الكبرى، و هذا ما يمكن تصويره بأحد وجوه:

الأوّل: ما تقدّم عن الميرزا (قدس سره) فلو قلنا انّ خطاب الأمر بالجامع بنحو صرف الوجود ظاهر عرفاً في جواز تطبيقه فعلًا على كل فرد فرد من مصاديق ذلك الجامع و عدم المحذور فيه من ناحية ذلك الجامع لا العناوين الاخرى كان بين الأمر بالجامع و النهي عن حصة منه- المسألة الاولى- تمانع عرفي لا محالة، و إنّما يكون امتناعاً عرفياً لا عقلياً لأنّه لو كان دليل وجوب الجامع لبياً مثلًا لم يكن بينه و بين دليل النهي تمانع و تعارض.

الثاني: ما تقدم في الهامش في الكتاب عن السيد الشهيد (قدس سره) من انّه إذا قلنا

387

بعدم تقوّم الأمر و النهي عند شارعنا على الأقل بالحب و البغض بل بالملاك و المصلحة التامة و المفسدة كذلك غير انّ ظاهر الأمر و النهي عرفاً المحبوبية و المبغوضية و قلنا بامتناع اجتماع الحب و البغض على شي‏ء واحد بعنوان واحد- المسألة الاولى- أو حتى بعنوانين لزم الامتناع العرفي دون العقلي، بمعنى انّه إذا كان الدليلان لفظيين كانا متمانعين متعارضين لا محالة، لأنّ كلا منهما بالدلالة الالتزامية العرفية ينفي المدلول المطابقي- و هو الحكم- في الآخر.

الثالث: أن يرى العرف وحدة المجمع وجوداً في الخارج، لكن يقيم الفلسفة مثلًا برهاناً على تعدد واقع الوجود العيني في الخارج رغم عدم ادراك العرف لتعدده، فإنّ هذا الخطأ العرفي أيضاً يكفي لايقاع التعارض بين اطلاقي دليلي الأمر و النهي إذا كانا لفظيين.

ص 53 قوله: (التنبيه الثالث...).

و يرد على مقالة صاحب القوانين أيضاً: انّ مجرد اختلاف موضوع المسألتين من حيث العموم من وجه أو المطلق لا يكفي لتعدد المسألة إذا كانت حيثية البحث و المحمول فيهما واحداً كما تقدّم مفصّلًا.

ص 54 قوله: (من هنا ذكرت مدرسة المحقق النائيني (قدس سره)...).

الظاهر أنّ مقصودهم من السراية ليس مجرد تعلق النهي بنفس العنوان المأمور به لينقض عليه بالمسألة الاولى- بناءً على الملاك الأوّل للجواز- و إنّما مقصودهم من السراية الاجتماع في الواحد الممتنع لسراية الأمر من الجامع إلى الفرد و لوحدة المعنون، فالحاصل مقصودهم أنّ البحث عن اقتضاء النهي للفساد بعد فرض السراية و ارتفاع الأمر فيبحث في انّه هل يقتضي الفساد أم لا بينما

388

البحث هنا عن أصل السراية المستلزمة لارتفاع الأمر و عدمه.

و الجواب عندئذٍ بأنّ البحث عن الاقتضاء أعم من ذلك، فإنّه يتم حتى على القول بالاجتماع من جهة عدم امكان التقرب بالحرام أو المبغوض، فإنّ هذا أحد أهم براهين اقتضاء النهي للفساد على ما سيأتي فلا طولية و لا تفريع بين المسألتين.

هذا مضافاً إلى انّ هذا معناه البحث عما يترتب على السراية من نتائج و التي احداهما زوال الأمر و الاخرى الفساد، فلا ينبغي جعلهما مسألتين بعد أن كانت النكتة واحدة، فهناك أثران مترتبان يدوران مدار السراية و عدمها فهي مسألة واحدة لا محالة و ليست مسألتين.

و المحقق العراقي أشكل على الميرزا بأنّ البحث في مسألة الاجتماع عن السراية الموجبة للفساد بملاك التزاحم و عدم إمكان التقرب بالمبغوض و لذلك يختص بحال وصول النهي مع فعلية الملاك فيه بينما البحث في المسألة القادمة عن اقتضاء النهي للفساد لا من جهة عدم امكان التقرب، بل من ناحية الكشف عن عدم الملاك في مورد النهي، و لهذا يكون من التعارض لا التزاحم، فليست مسألة الاجتماع حتى على الامتناع محققة لصغرى مسألة اقتضاء النهي للفساد.

و فيه‏: أوّلًا- انّه بناءً على الامتناع يكون تعارض بين الدليلين لا التزاحم بكلا معنييه. نعم لو قيل بعدم تبعية الدلالة الالتزامية للمطابقية في الحجّية قد يمكن اثبات الملاك فيكون من التزاحم الملاكي؛ إلّا أنّ هذا يجري في سائر موارد التعارض أيضاً لو قيل بعدم التبعية على ما سيأتي، و الصحيح هو التبعية فلا موضوع لهذه التفرقة.

389

و ثانياً- انّ من جهات و براهين البحث عن اقتضاء النهي للفساد أيضاً عدم إمكان التقرب بالمبغوض و إن كان فيه ملاك فلا وجه لاخراج ذلك عن بحث الاقتضاء و تخصيصه بما إذا كان من التعارض بلحاظ الملاك.

و محصّل الجواب: انّ التمايز بين المسألتين و الفرق بينهما بتمايز المحمول في المقام مع كون النسبة بينهما عموماً من وجه، أي كون النكتة و الحيثية التعليلية لكل منهما غير نكتة الاخرى و قابلة للانفكاك عنها.

فالمحمول في المقام منافاة النهي للوجوب و الأمر كحكم تكليفي و النكتة فيه السراية و لزوم اجتماع الضدين في واحد.

و المحمول في المسألة القادمة منافاة النهي للصحة كحكم وضعي، و اقتضائه بطلان العمل العبادي، و النكتة فيه عدم تحقق الامتثال لا خطاباً و لا ملاكاً أو عدم إمكانه، فالمراد بعدم تحققه ما يعم عدم إمكانه. و هما نكتتان مختلفتان بينهما عموم من وجه، حيث قد يكون اجتماع و لكن يقال ببطلان العبادة لعدم امكان قصد القربة و قد يقال بعدم الاجتماع و الصحة من جهة احراز الملاك و إمكان قصد التقرّب، فلو كان المحمولان متلازمين بأن تكون الحيثية التعليلية لهما واحدة أو متلازمة لم يكن يناسب جعلهما مسألتين كما لا يخفى.

ص 57 قوله: (و المحقق النائيني (قدس سره) أفاد:...).

الموجود في تقريرات فوائد الاصول المطبوعة بقم ص 416 و في أجود التقريرات ص 344 ج 1 خلاف ذلك تماماً، بل يصرح الميرزا (قدس سره) بأنّه على تقدير القول بتعلق الأوامر بالأفراد بمعنى المشخصات فهذا يؤثر في البحث. نعم لعلّ كلامه ليس مستوعباً لتمام المحتملات، إلّا أنّ ما نسب إليه هنا غير تام.

390

ص 61 قوله: (و أيّاً ما كان فالمستند لهذه الشرطية...).

الظاهر من المقدمتين الثامنة و التاسعة في الكفاية المتعرض فيهما لما في هذا التنبيه انّ الذي يأخذه صاحب الكفاية شرطاً ليس هو احراز الملاكين بل ثبوتهما الواقعي، فإنّه يبيّن ما هو مقتضى الثبوت أوّلًا ثمّ ما هو المستظهر في مقام الاثبات ففي المقام الأوّل يقول (لا يكاد يكون من باب الاجتماع، إلّا إذا كان في كل واحد من متعلقي الايجاب و التحريم مناط حكمه مطلقاً حتى في مورد التصادق و الاجتماع كي يحكم على الجواز بكونه فعلًا محكوماً بالحكمين، و على الامتناع بأنّه محكوم بأقوى المناطين... الخ) و هذا مطلب صحيح بمعنى انّ بحث الاجتماع عبارة اخرى عن انّ كلا المناطين للوجوب و التحريم على تقدير وجودهما- بنحو القضية الشرطية لا الفعلية- هل يمكن أن يؤثرا في ايجاد مقتضاهما أم لا؟ فالبحث عن مانعية النهي عن الأمر ثبوتاً فرع تمامية مقتضاهما و عدم التمانع بين نفس المقتضيين، فالطولية بهذا المقدار مقبول و لا يرد عليه ما في الكتاب في ردّ المستند الأوّل كما لا يخفى، فيكون التقيد و الشرط عدم احراز ارتفاع أحد الملاكين.

و هذا المطلب إنّما يذكره الخراساني مقدمة لمطلب أهم اثباتاً و هو اخراج باب الاجتماع عن باب التعارض و ان دليلي الوجوب و الحرمة إن كانا متنافيين بلحاظ الملاك كما إذا كانا متعلقين بعنوان واحد بينهما عموم من وجه أو عموم و خصوص مطلق- لنكتةٍ ستأتي- كان من التعارض، و امّا إذا لم يحرز ذلك فيهما كما إذا كانا متعلّقين بعنوانين- كما في مسألة الاجتماع- كان من التزاحم الملاكي؛ لامكان اثبات الملاك فيهما و لو بالدلالة الالتزامية بعد سقوط المطابقية.

391

و الحاصل: مقصودهم اخراج باب الاجتماع حتى بناءً على الامتناع عن باب التعارض و ادخاله في باب التزاحم بحسب مصطلحهم الذي هو أوسع من التزاحم الامتثالي الميرزائي و تطبيق أحكام التزاحم فيه، و هو تقديم أقوى المناطين في التأثير في فعلية مقتضاه. و جواب هذا عندئذٍ هو انّ هذا النحو من التزاحم تعارض بحسب الحقيقة على ما سيأتي في بعض الجهات القادمة.

ص 62 قوله: (الجهة الثانية: في طريق اثبات فعلية الملاكين...).

أقول: فعلية الملاك له أثران‏:

أحدهما- الاجتزاء عن المأمور به إذا كان توصلياً بالاتيان به، أو أمكن قصد القربة به، و هذا يختص بما إذا كان الأمر بدلياً لا شمولياً كما لا يخفى.

الثاني- ايقاع التزاحم الملاكي بين ملاك الأمر و ملاك النهي و تطبيق قوانينه من قبيل ترجيح الملاك الأقوى مثلًا و الحكم على طبقه- لو أمكن ذلك- و هذا يختص بما إذا كان الأمر شمولياً أو كان بدلياً و لكن لم يكن مندوحة في البين و إلّا ففي البدلي مع المندوحة يكون ملاك النهي مقدماً و لازم الحفظ مهما كان أضعف من ملاك الأمر لعدم التزاحم و عدم الكسر و الانكسار بينهما، و هذه نكتة مهمة سوف نستفيد منها، كما سيأتي.

ص 62 الهامش...

أقول: ما ورد فيه لا يمكن قبوله؛ لأنّ التعارض المستقر و القرينية على عدم الملاك خارج عن البحث و كذلك التعارض بين النفي و الاثبات لحكم واحد، و إنّما البحث عن التعارض بين الدليلين من جهة دلالة أحدهما على الحرمة و الآخر على الوجوب و كانا شموليين- ليكون خارجاً عن مسألة الاجتماع على‏

392

التحقيق- فإنّه في مثله يكون اثبات الملاك بالدلالة الالتزامية في المجمع مفيداً بلحاظ الأثر الثاني المتقدم أي تقديم أقوى الملاكين و إن لم يكن يعقل فيه الأثر الأوّل، مع انهم لا يلتزمون فيه بذلك بل يحكمون فيه بالتعارض و التساقط.

و ما ذكر في الهامش لا يرجع إلى محصل لأنّ المدلول الالتزامي لدليل الأمر سواء كان بدلياً أو شمولياً واحد، و هو ثبوت الملاك التام بمعنى المقتضي لفعلية الأمر فيه- بدلًا أو شمولياً- لو لا النهي، و امّا الملاك التام بالفعل الباعث على الأمر به و المؤثر بالفعل- فهو مفقود فيهما معاً، و لا موجب لأخذ عنوان المؤثرية في الغرض المطلوب من احراز الملاك، كما انّه لو اريد انّ الموجود في المجمع من ملاك الأمر مساوٍ لما هو ثابت في غيره من حيث الأهمية فهو أيضاً ثابت في الأمرين الشمولي و البدلي بحسب ظاهر الدليل و الجعل الواحد. فإذا كان أحد الملاكين أقوى رتّب أثره لا محالة سواءً كان شمولياً أو كان بدلياً مع فرض عدم المندوحة كما تقدم.

و هكذا يتضح انّ انكار أصل الدلالة الالتزامية على الملاك في مورد التعارض المذكور كما في الهامش في غير محلّه.

نعم، هناك محاولتان لاثبات وقوع التعارض بين الدليلين في مدلوليهما الالتزامي أيضاً:

أحدهما- يختص بموارد التعارض غير مسألة الاجتماع و الآخر عام لجميع الموارد، امّا الأوّل منهما فهو ما ذكره المحقق العراقي (قدس سره) و قد بيّنه السيد الشهيد على ما في الكتاب مع جوابين تامين.

و لا يورد على ثانيهما بما يستفاد من تقريرات بحث العراقي (قدس سره) من انّ النهي‏

393

عن المقيّد المركب من الطبيعة و التقيد يدل على انتفاء الملاك في المركب، و لازم انتفاء الملاك في المركب انتفائه في جزئه، و هو ذات الطبيعة أيضاً، و هو خلف الأمر بها الكاشف عن وجود ملاك فيها فيقع التعارض بينهما بلحاظ الملاك فيه.

فإنّه يقال: بأنّه لا ينافي وجود الملاك في جزء المركب أي ذات الطبيعة بدلًا و بنحو صرف الوجود و إنّما ينافي وجودها فيه تعييناً كما إذا كان شمولياً و هو خارج عن موضوع المناقشة الثانية، فما في الكتاب من إطلاق المناقشة الثانية لما إذا كان الأمر شمولياً غير دقيق.

و أمّا الثاني- فما ذكره بعض الأعلام من الاشكال على أصل اثبات الملاك بالدلالة الالتزامية أو باطلاق المادة من انّ دليل صلّ له مدلولان التزاميان:

أحدهما الملاك في الصلاة، و الآخر عدم وجود ملاك أقوى في تركها.

و إن شئت قلت: انّه إذا كان في ترك الصلاة ملاك فليس بغالب على ملاك الصلاة، و إلّا لم يكن يؤمر بها، و دليل لا تصلّ الذي ينفي وجوب الصلاة بالملازمة يدلنا على انتفاء أحد المدلولين الالتزاميين المذكورين، لأنّنا نعلم اجمالًا (على تقدير صدق لا تصلّ) امّا لا ملاك في الصلاة أو إذا كان فيه ملاك فملاك الترك غالب عليه، فيكون معارضاً مع مجموع الدلالتين الالتزاميتين اللتين احداهما دلالة على أصل الملاك في الصلاة فتسقط الجميع فلا تبقى دلالة على أصل الملاك في الصلاة أيضاً، و قال انّ هذا كما يتم في صلّ و لا تصلّ يتم أيضاً في مثل صلّ و لا تغصب- موارد الاجتماع- و صلّ و أزل- موارد الضدين لو فرض عدم امكان الترتب- لأنّه بعد فرض عدم امكان فعلية الأمرين فلا محالة لا بد من هذا الحساب لدى المولى و الأمر بأحدهما يكون كاشفاً عن فقدان الآخر لملاك أقوى.

394

و هذا بيان يفيد في بحث عدم التبعية بين الدلالتين لاثبات التبعية من جهة سريان التعارض إلى المداليل الالتزامية دائماً.

و فيه: أوّلًا- انّ المدلول الالتزامي الثاني ليس ما ذكر من انّه ليس في النقيض ملاك أقوى، كيف و إلّا أمكن اجتماعهما و عدم تكاذبهما بأن يكونا متساويين، فليس في نقيض كل منهما ملاك أقوى من الآخر، و هذا لا يكفي لفعلية الأمر بأي منهما بل لا بد فيه من أن يكون ملاكه أقوى، و هذا يعني انّ المدلول الالتزامي الثاني انّه لو كان في النقيض ملاك فملاك الأصل أقوى، و حيث يعلم بعدم امكان أقوائية الملاكين في النقيضين أو الضدين فلا محالة يقع التكاذب بينهما؛ لأنّ احداهما كذب لا محالة لاستحالة صدق الشرطين معاً، و هو من العلم الإجمالي بكذب احدى الدلالتين الالتزاميتين المذكورتين على كل حال، فالعلم الإجمالي ثنائي لا ثلاثي الأطراف فلا وجه لادراج الدلالة الالتزامية الاولى لكل منهما على أصل الملاك و ذاته في المعارضة.

و إن شئت قلت: انّ للدليلين مفادين: أحدهما: فعلية ملاكين تامين بالمعنى المتقدم أي لو لا التمانع و التضاد لكان مؤثراً في فعلية الحكم. و الآخر: انتفاء المانع و فعلية التأثير و يعلم اجمالًا كذب أحد المفادين الثانيين في الدليلين على كل حال لاستحالة فعلية التأثيرين في المجمع. و أمّا فعلية الملاكين التاميين بالمعنى المتقدم، فلا موجب لاسراء التعارض اليهما. فليست الشرطية المذكورة إلّا انتزاعاً عن مؤثرية الملاك في كلّ منهما و هي لا يمكن صدقها في الطرفين.

و ثانياً- لو سلمنا صحة هذه المقالة في موارد التعارض فلا نسلمها في مثل صلّ و لا تغصب أي موارد كون الأمر بالجامع بدلياً و بنحو صرف الوجود لما قلناه‏

395

من عدم الكسر و الانكسار فيه، فالنهي لا يدلّ على عدم وجود ملاك غالب للأمر في صرف الوجود أصلًا كما هو واضح، فلا موضوع لهذا الكلام هناك.

نعم، هنا مطلب آخر مهم على هذا الأساس و هو انّ إطلاق الأمر البدلي بناءً على الامتناع ينفي أصل الملاك للنهي، لأنّ وجوده في المجمع بأية درجة كان أي حتى إذا كان مغلوباً لملاك الأمر يستدعي فعلية الحرمة فيه و عدم إطلاق الأمر له، أي تقيده بغيره لعدم الكسر و الانكسار مع وجود البدل و كون الأمر بنحو صرف الوجود، و هذا يعني عكس ما رامته مدرسة المحقق الخراساني من انّه بناءً على الامتناع إذا كان الأمر بدلياً- كما هو الصحيح في مسألة الاجتماع على ضوء ما تقدم- لا يمكن اثبات ملاك النهي في الجمع حتى بالدلالة الالتزامية، لأنّ وجوده فيه منافٍ لا يجتمع مع فعلية الأمر البدلي و اطلاقه للمجمع، فالمدلول المطابقي لدليل الأمر البدلي ينافي و يعارض المدلولين المطابقي و الالتزامي لدليل النهي معاً فتسقط الجميع بالمعارضة و تبقى الدلالة الالتزامية لدليل الأمر على الحجّية بلا معارض و لا مزاحم.

إلّا أنّ هذا لا يمكن جعله اشكالًا على كلام مدرسة الآخوند (قدس سره) في المقام لأنّه بصالحهم من حيث امكان اثبات ملاك الأمر في مورد الاجتماع الذي هو المهم عندهم هنا.

نعم، هو يضر بما فرضوه من التزاحم الملاكي و تطبيق قواعد باب التزاحم من تقديم أقوى المناطين و الملاكين و نحو ذلك.

ثمّ انّ هنا اشكالًا آخر قد ذكره السيد الشهيد (قدس سره) في كتاب التعارض و هو ايقاع المعارضة بين الدلالة الالتزامية و إطلاق المادة الدال على الملاك في المجمع‏

396

- بناءً على قبولهما- و من إطلاق الهيئة لدليل الأمر لما بعد الاتيان بالمجمع إذ يدلّ هذا الإطلاق بالملازمة على عدم وفاء المجمع بالملاك و إلّا فلو كان وافياً به لزم تقيد الوجوب لا محالة بغير من أتى بالمجمع فيسقط الجميع، فلا يبقى ما يثبت الملاك.

و هذا البيان اطلاقه غير تام، لأنّ إطلاق الهيئة هذا فرع ثبوت تقيد المادة بغير الفرد المحرم و هو فرع وجود المقيد أو تقديم دليل النهي، و لا يصحّ في مورد التعارض- كما لعلّه هو محلّ كلام المحقق الاصفهاني- فلا يحرز موضوع إطلاق الهيئة. و لهذا يكون المرجع في موارد التعارض و عدم ترجيح الإطلاق المعارض عند الاتيان بفاقد القيد المشكوك الرجوع إلى الأصل العملي كالبراءة لا إطلاق الهيئة.

نعم، لو قيل بأنّ مفاد الهيئة ايجاب ما هو الحجة من مدلول المادة بالفعل تمّ الإطلاق فيها، إلّا انّه من الواضح عدم صحته، فإنّه إذا فرض تقيد الهيئة بعدم الاتيان بالمادة فهو مقيد امّا بعدم الاتيان بما تصدق عليه المادة أو بما هو المراد منها و المتعلق للهيئة واقعاً أي ما يكون امتثالًا و هو هنا مشكوك و شبهة مصداقية له، إذ لعلّ المجمع امتثال واقعاً مع فرض التعارض بين الأمر و النهي فلا يتمّ التمسك باطلاق الهيئة لكي يعارض به المدلول الالتزامي أو إطلاق المادة بلحاظ الملاك.

و كأنّه أجاب على هذا الكلام السيد الشهيد (قدس سره) في كتاب التعارض بما حاصله: انّ إطلاق خطاب النهي للمجمع بضمه إلى إطلاق الهيئة يثبت انّ متعلّق الأمر غير الحرام و انّ المجمع غير واجد للملاك و معارضة النهي مع إطلاق الأمر،

397

غاية ما يلزم منه أن تكون المعارضة بينهما من جهة محذورين: أحدهما التضاد، و الآخر التكاذب في اثبات الملاك و نفيه.

و بتعبير آخر: انّ إطلاق النهي يعارض إطلاق المادة بلحاظ الوجوب بنحو التضاد، و يعارض المجموع من إطلاق الهيئة و الدلالة على الملاك في المجمع بالعلم الاجمالي بكذب أحدهما، لأنّ لازم إطلاق خطاب النهي للمجمع تقيد متعلّق الأمر ثبوتاً و بالتالي إطلاق الهيئة لمن أتى بالمجمع و هو منافٍ لوجود الملاك فيه، فاطلاق خطاب النهي للمجمع يعارض بمعارضتين عرضيّتين إطلاق مادة الأمر للمجمع بلحاظ الوجوب بالتضاد و مجموع إطلاق الهيئة و الدلالة على الملاك في المجمع بالعلم الاجمالي بكذب أحد الثلاثة، فتسقط الجميع لعرضيّة المعارضتين و اشتراكهما في طرف و هو إطلاق خطاب النهي.

إلّا انّ هذا البيان غير دقيق، و الصحيح الطولية بين المعارضتين، لأنّ الإطلاق في الهيئة لما بعد الاتيان بالمجمع متوقف وجوداً و تحققاً على حجّية إطلاق خطاب النهي و رفعه لاطلاق المادة بلحاظ الوجوب في المجمع، لأنّ إطلاق الهيئة موضوعه عدم تحقق الامتثال، و إطلاق مادة الأمر بلحاظ الوجوب للمجمع يثبت انّه امتثال، و إطلاق خطاب النهي يثبت انّه ليس امتثالًا، فمع التعارض بينهما لا يحرز أصل موضوع الإطلاق في الهيئة لكي يجعل معارضاً مع الدلالة على الملاك في المجمع الفعلية على كل حال، فالمقام من الشك في وجود المعارض، و ليس من قبيل معارضة دليل مع دليل في طرف و هو منضماً إلى اطلاق الهيئة مع دليل آخر في طرف آخر لكي تكون المعارضتان عرضيتين.

و تمام النكتة في ذلك انّ هذا الدليل و هو إطلاق خطاب النهي ليس هو الدال‏

398

على عدم الملاك بالملازمة و لا هو مع إطلاق الهيئة يدلان بمجموعهما على انتفاء الملاك، و إنّما إطلاق خطاب النهي يحقق صغرى القيد المأخوذ لباً في إطلاق الهيئة و هو عدم الامتثال، فيكون حجّية إطلاق الهيئة هي النافية للملاك، فيكون معارضاً مع الدلالة الالتزامية، و هذا فرع احراز موضوع هذه الحجّية و المعارض الآخر نافٍ له فتكون هذه المعارضة متوقفة على عدم المعارضة الاولي، فتدبر جيداً.

هذا مضافاً إلى أنّ هذا البيان خاص بما إذا كان الواجب بدلياً ليتم فيه إطلاق الهيئة بلحاظ الجامع بنحو صرف الوجود المتعلّق للأمر و لا يتم في الواجب الشمولي كما هو واضح.

ص 65 قوله: (و ثانياً- لو تنزلنا...).

العبارة لا تخلو من اجمال، و ما في المجلد السابع ص 148 أوضح، و حاصله: أنّ التقييد لو كان راجعاً إلى المادة- كما هو الصحيح- فلا موضوع للتمسك باطلاقه و هذا هو الجواب الأوّل. و إن كان راجعاً إلى الهيئة كما في موارد العجز أو الاجتماع مع فرض عدم المندوحة و قلنا بعدم تقييد المادة بقيود الهيئة فأيضاً لا يمكن اثبات الملاك، لأنّ المثبت له إطلاق الهيئة و فعلية الوجوب لأنّها الكاشف عن شرائط الاتصاف لا إطلاق المادة، فإنّه ينفي دخل القيد في تحقق الملاك و ايجاده لا أصل اتصاف الفعل به، فلعلّ المولى في هذا الحال لا يريد الفعل المذكور حتى لو تحقق لانتفاء الحاجة إليه في هذا الحال، فلا يمكن اثبات الملاك حتى في فرض عدم المندوحة.

و هذا البيان يمكن الاجابة عليه بأنّ المحقق الاصفهاني لا يقصد اثبات شرائط

399

الاتصاف و ليس بحاجة إليه و إنّما الذي يفيده نفي دخل قيد عدم الاتحاد مع الحرام في تحقق الملاك المحتاج إليه و الذي معناه انّ الملاك المحتاج إليه محفوظ في مورد الاجتماع أو الحصة الصادرة بلا اختيار من الفعل. و إذا ثبت هذا في مورد المندوحة كفى في ثبوته في مورد عدم المندوحة لأنّه يثبت أنّ الملاك المحتاج إليه المولى مطلق و ثابت حتى في حال العجز و عدم المندوحة.

فليس الاشكال عليه إلّا أنّ المادة بعد أن كانت مقيدة لباً و ثبوتاً فلا معنى لاطلاق المادة و لا فرق في ذلك بين الكشف عن التقييد بدليل لفظي أو عقلي.

نعم، قد يكون الدليل اللفظي كاشفاً عرفاً عن دخل القيد في الملاك أيضاً، و أمّا العقلي فلا يكشف عن ذلك، إلّا أنّه لا إطلاق في المادة لنستكشف إطلاق الملاك على كلّ حال.

و يمكن أن نستخلص مما تقدم أنّ الأمر لو كان بدلياً فلا وجه لادراجه في باب التزاحم الملاكي حتى إذا قيل بعدم التبعية بين الدلالتين في الحجّية أو إطلاق المادة، لأنّه مع المندوحة لا تزاحم بين الملاكين؛ إذ ملاك النهي مهما كان ضعيفاً يوجب فعلية خطابه و تقيد الأمر بغير الفرد المحرم بناءً على الامتناع، و هذه النكتة تارة تجعل نكتة عرفية و ملاكاً لتقديم دليل الأمر على النهي كجمع عرفي حيث انّ العرف يرى انّه إذا كان هناك غرض لزومي تعييني- كما في النهي- و آخر لزومي بدلي في الأمر، فالمولى يقيّد أمره بغير الفرد المحرم لا محالة. فسوف يتقيد الأمر بغير الفرد المحرم، و معه يتم إطلاق الهيئة فيعارض تلك الدلالة على الملاك في المجمع.

و إذا ضمّ إلى ذلك عدم احتمال الفرق عرفاً في وجدان الملاك بين فرض‏

400

المندوحة و عدمها سرى التعارض إلى فرض عدم المندوحة أيضاً، فلا يمكن احراز ملاك الأمر في المجمع أصلًا.

و إن فرضنا عدم صحّة الجمع العرفي المذكور كان إطلاق دليل الأمر لمورد الاجتماع نافياً لأصل الملاك في طرف النهي لأنّ تلك النكتة- أعني عدم التزاحم بين الملاك التعييني و الملاك التخييري يوجب سريان التعارض إلى الدالّ على الملاك في دليل النهي لا محالة. و إن كان الدالّ على الملاك في دليل الأمر سليماً عن المعارض إلّا انّه مع ذلك لا يدخل المقام في التزاحم الملاكي، و فرض المندوحة و إن كان منه إلّا انّه مبني على عدم الملازمة العرفية المشار اليها.

و هكذا يتضح انّه لا مجال للتزاحم الملاكي في موارد اجتماع الأمر و النهي و الذي تقدم منّا انّه مخصوص بما إذا كان الأمر بدلياً، سواء كان هناك مندوحة أم لا، فلا تصل النوبة إلى تطبيق المرجحات فيه.

و أمّا فرض كون الأمر شمولياً- و الذي أدخله المشهور في بحث الاجتماع أيضاً- فالتزاحم الملاكي فيه مبني على تمامية أحد التقريبات الثلاثة المتقدمة لاثبات الملاك.

ثمّ انّا نحوّل البحث عن الجهة الثالثة إلى بحوث التعارض كما هو مذكور بتفصيل أكثر في كتاب التعارض.

ص 69 الهامش.

يرد عليه: مضافاً إلى انّ ثبوت الملاك ليس أمراً تحليلياً بل مهم جداً كالخطاب، أنّ هذا لا ربط له بالمقام؛ إذ ليس المراد الجمع الدلالي بين الظهورين‏

401

بالحمل على الملاك لكي يقال بأنّه غير عرفي، و إنّما المراد انّ التكاذب بين الظهورين في المدلول المطابقي مع حجّية المدلول الالتزامي يمنع عن سريان التعارض و الاجمال إلى دليل حجّية السند نظير موارد العامين من وجه. و هناك نكات اخرى مذكورة في بحث التعارض فراجع.

ص 69 قوله: (التنبيه السادس...).

الأولى جعل عنوان التنبيه تخريجات التفصيل المشهور من صحة العمل العبادي كالصلاة في الغصب و الاجتزاء به إذا جي‏ء بمورد الاجتماع جهلًا بالحرمة و البطلان في صورة العلم بالحرمة.

و التخريجات المذكورة جملة منها واضحة الاندفاع لا نكتة مهمة لذكرها، و هي الأوّل و الثاني و السابع و الثامن. و الخمسة الباقية أيضاً ينبغي توزيعها على نكاتها الفنية و هي ثلاث نكات و نضيف اليها نكتة اخرى فتكون أربعة، كما يلي:

النكتة الاولى: ما ذكره في الكفاية بناءً على الامتناع و تغليب جانب النهي من تصحيح العمل في المجمع على أساس الملاك المحرز بمثل الدلالة الالتزامية عليه. فإنّه عندئذٍ تصح العبادة مع الجهل بالحرمة لامكان قصد القربة بخلاف فرض العلم بالحرمة و تنجزها فلا يتأتى قصد القربة حتى لو احرز وجود الملاك فيه.

و هذا قد يوسع و يقال به حتى إذا أنكرنا امكان اثبات الملاك بالدلالة الالتزامية- كما لو بنينا على التبعية- على أساس انّه عندئذٍ يشك في تقيد الوجوب بغير من أتى بالمجمع؛ لاحتمال وجود الملاك فيه الموجب لتحققه مع الجهل بالحرمة فيكون من الشك في أصل التكليف، فتجري البراءة عنه، و هذا

402

مبني على عدم صحة التمسك باطلاق الهيئة عند دوران الأمر بين تقييده و تقييد المادة.

النكتة الثانية: و هي مبنيّة على القول بالجواز و القول بأنّ متعلّق الأمر لا بد و أن يكون الحصة المقدورة عقلًا و شرعاً، فالفرد المتحد مع الحرام لا يكون مقدوراً شرعاً، فلا يمكن شمول الأمر له لا من جهة الامتناع بل من جهة قيد القدرة.

نعم، يمكن شموله له بنحو الترتب إذا كان الترتب ممكناً و لكنه ليس بممكن في المقام عند الميرزا على ما تقدم في محله، فلا يمكن تصحيح العمل به بالأمر كما لا يمكن احراز الملاك بعد سقوط الخطاب.

هذا في صورة تنجز الحرمة، و امّا في صورة عدم تنجزها فالمقدورية الشرعية محفوظة في المجمع كما هو واضح، فيشمله الأمر بلا تعارض- للقول بالجواز بحسب الفرض- و لا تزاحم- لانحفاظ القدرة- و قد نعبر عن هذا بالتزاحم بين الخطابين و الذي لا يكون إلّا مع فرض تنجز الحكمين، و هذه النكتة هي مبنى الوجه الخامس في الكتاب، و جوابه بطلان المبنيين.

النكتة الثالثة: و هي مبتنية على القول بالجواز أيضاً و القول بأنّ المحرم و إن كان مصداقاً للواجب لا يمكن التقرب به لعدم تأتي قصد القربة أو عدم الصلاحية للمقربية على ما سيأتي في بحث اقتضاء النهي للفساد، و هذا يختص بما إذا كانت الحرمة منجزة على المكلّف أيضاً فيثبت التفصيل.

و هذه النكتة تتم إذا قبلنا مبناه على الملاك الأوّل و الثاني للجواز، و امّا بناءً على الملاك الثالث فحيث انّ الفعل متعدد في الخارج فلا يتم فيه، و هنا يأتي بيان الميرزا بالقبح الفاعلي و الايجادي حتى لو قيل باطلاق الأمر و عدم التزاحم أو

403

ثبوت الملاك في المجمع، و يكون الجواب ما في الكتاب، و هذه النكتة مبنى التخريج الرابع و السادس.

النكتة الرابعة: أن يكون مبنى التفصيل الامتناع و تقيد الواجب بغير الفرد المحرم، و لكن مع ذلك يقال بالصحة مع الجهل تمسكاً بحديث لا تعاد بناءً على اطلاقه لذلك على ما نقحناه في مبحث قاعدة لا تعاد.

ص 79 قوله: (التنبيه الثامن:...).

في الكفاية و المحاضرات جعل البحث في مقامات و أقسام ثلاثة، ثالثها ما إذا كان متعلّق النهي عنواناً آخر بينه و بين العبادة عموم من وجه كالصلاة في مواضع التهمة بناءً على انّ الكون فيها مكروه و منهي عنه.

و السيد الشهيد (قدس سره) إنّما حذفه لأنّه لو كان الأمر بدلياً كان كالمقام الأوّل و لو كان شمولياً كان كالثاني، فلا خصوصية و لا بحث زائد فيه ليفرد له مقام ثالث، و لهذا في المحاضرات أيضاً عطف الكلام فيه على المقامين السابقين.

إلّا أنّ هناك نكتتين من الفرق لا بأس بالاشارة اليهما:

إحداهما- انّه لا يمكن في المقام الثالث حمل النهي على الارشاد إلى أقلية الثواب؛ لأنّ متعلقه ليس خصوص العبادة بل أعم و يشمل ما ليس عبادة، و هو هناك دالّ على الحزازة و الكراهة بحسب الفرض، و لا يمكن أن يراد بالنهي الواحد الارشادية و المولوية معاً كما هو واضح.

الثانية- انّه مع تعدد العنوان و القول بأنّه يوجب تعدد المعنون يمكن قصد التقرب في مورد الاجتماع بناءً على الجواز لتعدد الفعل، بينما في المقام الأوّل سوف يأتي الاشكال في ذلك.

404

ص 79 قوله: (امّا القسم الأوّل فالقائلون بجواز الاجتماع...).

على القول بالجواز و عدم سراية الأمر و لا الحب من الجامع إلى الفرد و إن لم يكن محذور التضاد موجوداً و لكن يبقى محذور قصد القربة بالفرد المبغوض و لو بغضاً كراهتياً.

و توضيح ذلك: انّه لعله لا اشكال في عدم امكان التقرب بالفرد المنهي عنه من العبادة إذا كان النهي تحريمياً حتى إذا قلنا بجواز الاجتماع بالملاك المتقدم؛ لأنّ الفعل الواحد إذا كان معصية فكيف يمكن اضافته إلى المولى و التقرب به و إن كان بلحاظ تحقق الجامع به يكون محبوباً و مطلوباً بحدّه الجامعي. إلّا أنّ وحدة الفعل الخارجي يمنع عن امكان اضافته بما هو فعل و حركة واحدة في الخارج إلى المولى مع فرض مبغوضيته اللزومية و وصوله إلى المكلّف و وجود المندوحة، و هذا مبني على افتراض لزوم اضافة الفعل و الوجود الخارجي إلى المولى في قصد القربة المعتبر في العبادة و انّه المستفاد من أدلّة اشتراط قصد القربة. و عندئذٍ يقال بأنّ الكراهة و البغض غير اللزومي في الفرد إذا كان غالباً على المحبوبية لا مغلوباً لها فلا يصح قصد التقرب بالفرد المكروه فلا يقع عبادة فإنّ المبغوض الفعلي لا يمكن اضافته إلى المولى أيضاً و إن كان مبغوضيّته بدرجة غير لزومية، فإذا استظهرنا لزوم اضافة الفعل الخارجي إلى المولى في قصد القربة المعتبر في العبادات بطلت العبادة المكروهة من هذه الناحية فلا محالة لا بد على القول بالجواز من انكار البغض الفعلي في الفرد أيضاً كما هو على القول بالامتناع فنحتاج إلى أحد الأجوبة القادمة.

و يمكن الاجابة على هذا الاشكال بأنّ الكراهة و النهي التنزيهي ليست كالحرمة. و توضيح ذلك: انّ التقرّب بالفرد باعتبار تحقق الجامع المطلوب به‏

405

تمنع عنه الحرمة و المعصية باعتبارها قبيحة و موجبة لاتصاف الفعل بالقبح المانع عن العبادية و حسن الفعل، و هذا بخلاف الكراهة و النهي التنزيهي فإنّه حيث لا توجب مخالفته قبحاً و لا بعداً عن المولى فلا يمنع عن امكان التقرب بالفعل بلحاظ تحقق الجامع المطلوب للمولى به. فتنزيهية النهي تنفع في هذا المقام و إن كانت غير نافعة لدفع غائلة التضاد بناءً على الامتناع و الموجب لارتفاع الأمر- إذا غُلّب جانب النهي- و بطلان العبادة من هذه الناحية.

و لعلّ ما يظهر من مدرسة الميرزا (قدس سره) من القول بالجواز في المقام و الامتناع في الوجوب و الحرمة ناشئ من الخلط بين المطلبين، فراجع و تأمل.

و على هذا الأساس يظهر صحة الكراهة في العبادات بمعناها الحقيقي في هذا القسم بلا حاجة إلى تصرف و تأويل في دليل النهي لا بلحاظ ظهوره في تعلقه بالمتخصص لا الخصوصية و التقيد و لا بلحاظ ظهوره في المولوية و لا بلحاظ ظهوره في المبغوضية الفعلية و الحزازة غير اللزومية.

و لعلّ وجدانية عدم تعامل الفقهاء مع النهي الوارد في العبادات في هذا القسم بعدم تقييد الأمر بها بغير الفرد المنهي عنه ابتداءً و بلا مراجعة اجماع و دليل على صحة العبادة في الفرد المنهي عنه من الخارج بنفسه مؤيد و شاهد على جواز الاجتماع بحسب ارتكازهم، و إلّا فيقال بأنّه إن لم يتم اجماع من الخارج فالمتعين التقييد و تخصيص الأمر بغير الفرد المنهي عنه، لا رفع اليد عن أحد الظهورات الثلاثة الاخرى، فإنّ التقييد أخفّ مئونة و الإطلاق أضعف الظهورات.

اللهم إلّا أن تذكر نكتة عامة في خصوص النواهي في العبادات.

و لعلّ الأنسب جعل البحث في مقامين: تارة في تفسير صحة العبادة المكروهة بعد فرض قيام اجماع أو ضرورة على صحّة العبادات المكروهة،

406

و اخرى: فيما هو مقتضى القاعدة لو ورد نهي كراهتي عن عبادة فهل يخصِّص إطلاق دليل الأمر بدليل النهي على القاعدة أم لا، أي ما هو مقتضى الجمع العرفي بين دليل الأمر بتلك العبادة و دليل النهي الكراهتي عن بعض أفراده؛ لأنّ دليل النهي حتى الكراهتي ظاهر في امور ثلاثة:

1- ظهوره في تعلّقه بالمتخصِّص لا الخصوصية.

2- ظهوره في كونه مولوياً لا إرشاداً إلى أقلّية الثواب أو أفضليّة سائر الأفراد.

3- ظهوره في فعلية المبغوضية و الكراهة في متعلّقه.

فلو جمعنا بين هذه الظهورات الثلاثة و قلنا بامتناع اجتماع الأمر و النهي وقع التعارض بين إطلاق دليل الأمر بتلك العبادة مع دليل النهي الكراهتي عن أفرادها لا محالة، فلو قدّم النهي أو حكم بالتعارض و التساقط كانت العبادة باطلة من جهة انتفاء الأمر. و هذا بخلاف ما إذا قلنا بالجواز و عدم سراية الحبّ و الأمر من الجامع إلى الفرد حتى إذا كان مبغوضاً.

و بهذا يتّضح انّ القائلين بالامتناع لا بدّ لهم في بحث العبادات المكروهة من رفع اليد عن أحد الظهورات المذكورة كما سيأتي شرحه.

إلّا أنّك عرفت فيما سبق انكار ظهور الأمر حتى عرفاً في نشوئه عن محبوبية متعلّقه بالخصوص، فكذلك في المقام ننكر ظهور النهي في فعلية المبغوضية في متعلّقه، و هذا يوجب القول بالجواز و عدم الامتناع بحسب الحقيقة، و بالتالي صحّة العبادة المكروهة على القاعدة؛ لعدم مبغوضيتها و فعلية الأمر بها و امكان التقرّب أيضاً.