أضواء وآراء؛ تعليقات على كتابنا بحوث في علم الأصول‏ - ج1

- السيد محمود الهاشمي الشاهرودي المزيد...
694 /
407

ص 80 قوله: (و إنّما يتجه الاشكال بناءً على المسلك القائل بالامتناع...).

أي بناءً على سريان الأمر و لو بمبادئه المقوّمة له، و هي الحب إلى الفرد أي رجوع التخيير العقلي إلى الشرعي و لو بلحاظ المحبوبية و الارادة، فلا يمكن الاجتماع؛، للزوم تعلّق الارادة و الحب مع الكراهة و البغض بالفرد و الحصة و هو محال.

و مجموع ما ذكر من العلاجات عندئذٍ خمسة:

1- ما ذكره صاحب الكفاية من حمل النهي على الإرشاد إلى أفضلية سائر الأفراد.

2- ما ذكره السيد الشهيد (قدس سره) من جعل متعلقه التقيد لا المقيد.

3- ما ذكره أيضاً من رفع اليد عن ظهوره في المبغوضية، فالفرد محبوب و مبغوض، لكن مبغوضيته مغلوبة و مندكة في قبال محبوبية الجامع السارية إلى الفرد.

4- ما ذكره السيد الخوئي (قدس سره) من عدم منافاة النهي التنزيهي لاطلاق الأمر و عدم تقييده به، و هذا الجواب قد عرفت عدم صحته لو قيل بالامتناع و السريان للأمر أو للحب من الجامع إلى الفرد.

5- ما ذكره السيد الخوئي (قدس سره) أيضاً من اجراء الجواب الذي سيذكره الخراساني (قدس سره) في القسم القادم هنا، أي انّ ترك الفرد و الحصة و لو بعنوان وجودي منطبق عليه فيه مصلحة و ملاك للمطلوبية و لا يحتاج هنا إلى امكان التزاحم- كما سيأتي هناك- لأنّ الأمر بالجامع البدلي الموسع بحسب الفرض‏

408

فلا يزاحم طلب ترك الفرد.

و إن شئت قلت: لا تضاد بين فعل الجامع و بين ترك الحصة و الفرد أو فعل العنوان المنطبق في فرض الترك، نعم لو لم يكن مندوحة بأن لم يتمكن من الصلاة في غير الحمام وقع التزاحم عندئذٍ.

و هذه الأجوبة ما عدا الجواب الرابع الذي عرفت ابتنائه على القول بالجواز في المقام، و إن كانت صحيحة في نفسها، إلّا انّه من الواضح انّ فيها تأويلًا للنهي، بحيث لا يصار إليه ابتداءً لمجرد المنافاة بين الأمر بالجامع و النهي عن الفرد، بل المتعين التقييد كما هو في سائر موارد التنافي بين دليل النهي و الأمر.

نعم، لو قام اجماع أو ضرورة على صحة تلك العبادة في مورد النهي كان لا بد من ارتكاب أحد هذه الوجوه- و لعلّ أخفّها عندئذ ما ذكره السيد الشهيد (قدس سره) ثانياً- مع انّا نلاحظ انّ الفقهاء في الفقه يحملون النهي عن أفراد بعض العبادات المأمور بها بنحو البدل على أحد هذه الوجوه ابتداءً و بلا مراجعة اجماع على الصحة و عدم تقيد تلك العبادة بغير ذلك الفرد، و هذا يكشف امّا عمّا ذكرناه من ارتكازية جواز الاجتماع بالملاك الأوّل، أو وجود قرينة عامة على انّ النهي التنزيهي في العبادات لا يراد به الكراهة و المبغوضية غير اللزومية.

و يمكن أن تكون النكتة العامة هي ظهور النواهي المذكورة في انها متعلقة بالعبادة بما هي عبادة أي بعد الفراغ عن وقوعها عبادة لو جاء بها المكلّف مما يعني انحفاظ أمرها و أصل محبوبيتها.

409

ص 82 قوله: (و حاول السيد الاستاذ دفع هذا الاعتراض...).

هذا كلام كلي للسيد الخوئي به يحاول تصحيح الأمرين بالفعل و الترك معاً بنحو الترتب في كل مورد إذا كان أحدهما عبادياً لأنّه بذلك سوف تكون الحالات ثلاثة: الترك و الحصة العبادية من الفعل و الحصة غير العبادية من الفعل أو الفعل و الحصة العبادية من الترك و الحصة غير القربية منه فيمكن الأمر باثنين منها بنحو الترتب و لا يلزم تحصيل الحاصل بل فائدة الأمر الترتبي منع المكلّف من الحالة الثالثة الفاقدة للمصلحتين معاً، و على هذا علّق في حاشيته على العروة في مبحث الصوم انّ من ابتلع في الليل ما يجب تقيؤه في النهار بصحة صومه إذا لم يتقيأ رغم وجوب التقيؤ؛ لامكان الأمر بالامساك عنه بقصد القربة- و هو الصوم- بنحو الترتب.

و هذا الكلام يرد عليه مناقشات عديدة:

احداها- ما ذكره الاستاذ من استحالة مثل هذا الأمر الترتبي لأنّه لا يمكن أن يكون داعياً إلّا لداعوية الأمر و قد تقدم بحث ذلك سابقاً.

الثانية- انّ هذا مبني على القول بجواز تعلق الحبّ حتى إذا كان ضمنياً بشي‏ء و بنقيضه و ضده العام مع انّه قد تقدم في بحث انّ الأمر بشي‏ء يقتضي النهي عن ضده العام انّه كما يستحيل أن يجتمع في نفس المولى حب شي‏ء و بغضه كذلك يستحيل أن يجتمع عنده حب شي‏ء و حب تركه و نقيضه و هذا محذور التضاد و اجتماع الضدين في نفس المولى مع قطع النظر عن مسألة الامتثال فلا يحلّ بالترتب و إلّا لحلّ الامتناع بالترتب.

نعم، هذا المحذور لا يجري فيما إذا كان المطلوبان ضدين لا ثالث لهما

410

بخلاف المناقشة الاولى.

الثالثة- لو فرض انكار السيد الخوئي لعدم إمكان حب شي‏ء و حب نقيضه، فننقض عليه بلزوم هذا المبنى للقول بجواز اجتماع الأمر مع النهي أيضاً في باب العبادات لأنّنا ننكر ظهور النهي في مبغوضية الفعل كما أنكرنا ذلك على الاستاذ في بحث سابق و إنّما غايته ظهوره في مرجوحية الفعل من الترك سواء كان ذلك باعتبار مفسدة و مبغوضية في الفعل أو محبوبية و ملاك أهم في الترك- أي ارجاعه إلى طلب الترك- وعليه فلا موجب للقول بالامتناع فيما إذا كان أحدهما عبادياً من غير فرق بين كون الواجب بنحو صرف الوجود أو مطلق الوجود لامكان الأخذ بدليل الأمر و النهي معاً غاية الأمر يقع بينهما التزاحم و هو ليس من التعارض.

نعم، لو كان النهي واصلًا لما أمكن قصد القربة، بخلاف مورد الجهل بالنهي، و ذاك محذور آخر غير الامتناع الموجب لبطلان العمل حتى في مورد الجهل.

الرابعة- ما سوف نشير إليه من أنّ قصد التقرب بالفعل و هو الصوم في المثال غير معقول، إذ لو اريد قصده في قبال الترك فالمفروض انّه أولى للمولى من الفعل و لو اريد قصده في قبال تركهما معاً فهو محال لاستحالة تركهما معاً و إن اريد قصده في قبال أن لا يقصد فهو محال أيضاً لأنّ القصد لا يمكن أن يكون لغرض في نفسه و إنّما يكون دائماً لغرض في متعلقه و هو المقصود على ما تقدم في موضعه من بحث الواجب المطلق و المشروط.

و هذه المناقشة و إن كانت روحها ما أبرزه الاستاذ في المناقشة الاولى، إلّا انّه أبرزه لابطال الأمر الترتبي و بلحاظه، و نحن أبرزناه بلحاظ قصد التقرب، و لو

411

فرض عدم الحاجة إلى الأمر فهذا كأنّه تطوير و توسعة لتلك المناقشة و ليست نكتة جديدة.

كما أنّ ما ذكره الميرزا على الكفاية غير وارد لوجهين‏:

الأوّل‏: ما أفاده الاستاذ من أنّ مقصود الكفاية التزاحم الملاكي لا الامتثالي.

الثاني‏: انّه لو كان النظر إلى التزاحم الامتثالي فعدم إمكان الترتب لعدم الثالث لا يضرّ بصحة العبادة و لو باعتبار كشف الملاك بالاجماع و الضرورة القائمين على صحة العبادة.

نعم، الاشكال الأساسي على الكفاية إنّما هو عدم إمكان التقرب و لزوم بطلان العمل على الأقل لمن يعلم بالنهي فلا بد من توجيه آخر.

لا يقال‏: مع فرض وجود حالة ثالثة و هي الامساك بلا قصد القربة يكون التقرب بالفعل ممكناً كما في سائر موارد التزاحم و الاتيان بالمهم، و لو فرض عدم الخطاب و الأمر لعدم إمكان الترتب فلا يقاس بما إذا كان في الفعل مفسدة أرجح من مصلحته.

فإنّه يقال‏: حيث انّه لا يمكن التقرب بالفعل الواقع على كل حال فلا يمكن التقرب في المقام إذ لو اريد التقرب بالامساك في قبال تركه فالمفروض انّ مصلحة الترك أقوى و إن اريد التقرب به في قبال تركهما معاً فهو محال بحسب الفرض لأنّ الامساك على تقدير ترك الترك ضروري فلا معنى للتقرب و الاتيان به من أجل المولى.

و بهذا يظهر انّه لا يمكن قربية الفعل أو الترك في موارد رجحان الطرف الآخر

412

حتى لو أحرز الملاك في الحصة القربية، فالمحذور ليس في مرحلة الخطاب و لغوية الأمر فحسب، بل المحذور في عدم إمكان تحقيق الملاك المهم في الحصة القربية، و هذا اشكال آخر يرد على السيد الخوئي.

نعم، لو كان المكلف جاهلًا برجحان الترك تأتّى منه قصد التقرّب بالفعل و كان صحيحاً عندئذٍ، و منه يعرف انّه في موارد الضدين الذين لا ثالث لهما يمكن الأمر بالضد المهم إذا كان الأهم غير منجز و كان المهم عبادياً؛ لأنّ فائدته تحريك المكلف نحو فعل الضد المهم بقصد القربة لكي لا يقع في محذور فعله بلا قصد القربة و يكون الأمر مطلقاً لا مشروطاً بترك الأهم ليكون من اللغو. نعم، يكون مشروطاً بعدم تنجز الأهم، و بذلك يرتفع لزوم التكليف بما لا يطاق و طلب الضدين من المكلف، فتأمل جيداً فإنّ هذا يغفل عنه عادة حيث يقال في الفقه بالتعارض في موارد الضدين الذين لا ثالث لهما مطلقاً.

ص 83 الهامش.

هذا اشكال على كلام الميرزا (قدس سره) مذكور في المحاضرات و الدراسات، و يمكن أن يكون روح مقصود الميرزا- كما قد يظهر من تقرير الفوائد- أنّ المنهي عنه هو حيثية التعبد بمعنى التقيد و الالتزام بهذه العبادة كما كان يفعله بنو اميّة أو عبدة الشمس في الصلاة عند طلوع الشمس فهي المنهي عنها، و عندئذٍ يرجع هذا الكلام بروحه إلى انّ العبادة المأمور بها و إن كان لا بدل لها بلحاظ ذلك الوقت أو اليوم لكن لها بدل بلحاظ حالاتها في ذلك الوقت من الاتيان بها تارة بنحو التقيد و الالتزام و التعبد بها و اخرى بلا هذه الصفة و النهي التنزيهي عن هذه الحصة في الإطلاق الأحوالي البدلي، فيرجع إلى القسم السابق، فيتم فيه‏

413

جواب مدرسة الميرزا المتقدم في ذلك القسم من عدم منافاة النهي التنزيهي مع الأمر.

إلّا أنّ هذا الجواب لا يحتاج عندئذٍ إلى الأمثلة و الكلمات الفقهية و التنظير بباب الوفاء بالنذر، و فرقها عن الوفاء بالاجازة و ما شاكلها من البحوث الفرعية الأجنبية عن النكتة الأصلية التي ذكرناها، كما انّه لعله يكون خلاف ظاهر دليل النهي فقهياً.

ص 85 قوله: (الوجه الأوّل- ما نقله عن السيد الاستاذ...).

الظاهر انّ مقصود الميرزا التمييز بين مثل موارد التزاحم و الذي يكون فيها الأمر المهم مشروطاً و مقيداً بعدم الأمر الأهم فبسقوطه أو عدم تنجزه يكون فعلياً و بين موارد الاجتماع حيث لا يمكن أن يكون الوجوب مقيداً بعدم الحرمة ثبوتاً لأنّه من تقيد أحد الضدين بعدم الآخر و هو محال، بل لا بدّ و أن يكون التقييد بعدم فعلية ملاك النهي و كذلك في طرف النهي و الحرمة، و هذا يعني انّ ملاك النهي و الحرمة في عرض واحد رافع للوجوب و مثبت للحرمة، لا انّه يثبت الحرمة أوّلًا ثمّ يرتفع الوجوب بها كما في موارد التزاحم.

و عندئذٍ يضم إليه مقدمة اخرى و هي انّ الدلالة الالتزامية غير تابعة للمطابقية في الحجّية، فدليل النهي الدالّ على الحرمة و الملاك في صورة الاضطرار و إن سقط عن الحجّية بلحاظ مدلوله المطابقي و هو الحرمة إلّا انّه باقٍ على الحجّية بلحاظ المدلول الالتزامي و هو الملاك، فيدلّ على تقييد الأمر لأنّه لم يكن التقييد له طولياً أي في طول الحرمة؛ لأنّ المقيد للوجوب لم يكن هو ثبوت الحرمة بل ملاكها.

414

و بهذا البيان يظهر كيف انّ الاشكال من قبل السيد الخوئي على المقطع الأوّل و المقدمة الاولى من هذا البيان غير فني، لأنّ الميرزا لا يريد الطولية الاثباتية ليقال له بأنّ الدلالة الالتزامية طولية بالنسبة للمطابقية، فكأنّه حملها على الخلط بين الاثبات و الثبوت و انّه أراد العرضية في الدلالتين، و عندئذٍ يكون الايراد الثاني عليه غير وارد، إذ لا اشكال في عدم التبعية مع فرض العرضية.

و الصحيح عندئذٍ الاشكالان المذكوران من قبل السيد الشهيد.

و ثانيهما واضح. و أمّا أولهما فحاصله: انّ تقيد أحد الحكمين الضدين بعدم الآخر و إن كان غير معقول لعدم الطولية بينهما إلّا انّ هذا لا يعني تقيد كل منهما بعدم ملاك الآخر، بل بعدم الملاك المؤثر في ايجاد الآخر إذ يستحيل أن يكون ملاك كل ضد مقتضياً لايجاد الضد المقتضى له و اعدام الضد الآخر لاستحالة تأثير الوجود في العدم، بل انعدام الآخر بنفس تأثير الملاك الأقوى في ايجاد الضد المقتضى له، فليست هناك عمليتان و الملاك المؤثر في ايجاد الحرمة مع فرض سقوط الحرمة و عدم تحققها منتفٍ قطعاً، فلا محذور في التمسك باطلاق دليل الأمر و الوجوب.

ص 89 قوله: (و الحق مع صاحب الجواهر...).

و هناك منشأ ثالث للقول بالبطلان و هو أنّ الصلاة فيها اعتماد و افتراش أكثر للأرض المغصوبة و إن كان من حيث اشغال الحيّز في الفضاء المغصوب لا زيادة، إلّا أنّ الاعتماد و التماسَّ مع الأرض المغصوبة أيضاً محرم، و الساجد و الجالس أكثر تماساً و اعتماداً على الأرض من الواقف.

و الجواب: عدم كون هذا تصرفاً زائداً عرفاً بلحاظ أنّ الواقف و إن كان أقل‏

415

اعتماداً و تماساً مع الأرض و لكنه بثقل أكثر بخلاف الجالس أو المضطجع فإنّ ثقله في كل نقطة من التماس مع الأرض لعلّه أقل، فبحسب النتيجة لا زيادة في التصرّف.

ص 89 قوله: (الحالة الثالثة...).

هنا كلام للمحقق العراقي (قدس سره) فيما إذا كان الوقت الذي تشغله الصلاة المختارة بدلًا عن الخروج ليس بأكثر من وقت الخروج، حاصله: انّه لا وجه للبطلان بل الحق هو الحكم بالصحة، لأنّ الوقت المذكور و لنفرضه عشرة دقائق لا بد و أن يكون المكلّف في الغصب سواء صرفها في الخروج أو في الصلاة، فتكون حرمتها ساقطة، فلا محذور من ناحية الاجتماع.

نعم، يجب عليه صرفها في الخروج تخلصاً من الغصب الزائد، إلّا أنّ الخروج مضاد للصلاة، فلو عصى الأمر بالخروج و صرفها في الصلاة كانت صحيحة؛ لامكان الأمر الترتبي بها إذا كان مضيقاً، و إطلاق الأمر لها إذا كان موسعاً، فلا وجه للقول بالبطلان في هذه الحالة.

و فيه: انّ حرمة الغصب انحلالية بلحاظ كل زمان زمان و بلحاظ كل نقطة نقطة من الأرض المغصوبة، و من الواضح انّه بعد إلقاء المكلف اضطراراً في الأرض المغصوبة تكون العشرة دقائق من الغصب المستغرقة للخروج مضطراً اليها و لكن بنحو الانحلال، أي انّ حرمة الكون في كل نقطة و كل آن في تلك النقطة من نقاط الغصب المتلاحقة إلى باب الخروج حرمة مستقلة عن الاخرى، و المقدار الاضطراري منها ما يحتاجه و يستلزمه الخروج منها، فأي مقدار زائد من المكث و البقاء فيها كون غصبي زائد محرم، فلا يمكن أن يقع مصداقاً للصلاة.

416

و لا يقال: بأنّ هذا الآن الزائد من الكون في تلك النقطة هو أو الكون في ذلك الآن في النقطة الثانية بالدخول اليها اضطراري أي الجامع بينهما اضطراري، فتكون حرمته ساقطة.

لأنّه يقال: انّ الدخول في النقطة الثانية التالية إلى الخروج لا يكون بدلًا عن الكون الزائد في النقطة الاولى، بل يكون زائداً عليها، لأنّه على كل حال مضطر إليه من أجل الخروج حتى إذا مكث في مكانه الأوّل.

و الحاصل: الكون الخروجي المضطر إليه إنّما هو خصوص الأكوان المتتابعة المستلزمة في مقام العبور من نقاط الغصب إلى أن يخرج، فأي مقدار زائد من المكث في أية نقطة منها يكون هو الكون الغصبي الزائد لأنّ ما بعده من النقاط على حالها من حيث الاضطرار إلى ارتكابها للخروج، فلا يكون المكث الزائد بدلًا عنها حتى إذا كان بمقدارها زماناً، و هذه هي نقطة المغالطة في كلام العراقي (قدس سره).

نعم، لو كان هذا المقدار بدلًا عنها كما إذا دار أمره بين أن يخرج في هذه الدقائق العشر بالعبور إلى خارج الأرض المغصوبة أو يبقى فيها مستقلّاً بذكر أو عمل تكون نتيجته الكون خارج الأرض المغصوبة بانتهاء الدقائق العشر بنحو طي الأرض مثلًا أو بقدرة قادر صحت صلاته عندئذٍ.

إلّا انّ هذا بحسب الحقيقة من مصاديق الحالة الثانية لا الثالثة؛ لأنّ معناه انّه يعلم انّه على كل حال يكون في الدار المغصوبة بمقدار هذه الدقائق العشر سواء خرج أم بقي و اشتغل بذلك الذكر مثلًا، و هذا واضح.

417

ص 90 قوله: (المرحلة الاولى في حكم الخروج...).

الأولى التعرّض إلى ذكر الأقوال الخمسة في المسألة أوّلًا، و ملاحظة مدرك كل قول و لو بعد البحث عن الجهتين الاولى و الثانية في الكتاب، و هي كما يلي:

1- ما ذهب إليه العراقي من انّ الخروج حرام شرعاً و ليس بواجب شرعاً حتى غيرياً و إن كان لازماً عقلًا.

2- ما ذهب إليه المحقق القمي (قدس سره) من انّه حرام شرعي و واجب شرعي.

3- ما ذهب إليه صاحب الفصول من انّه واجب شرعي و ليس بحرام شرعي فعلًا، و إن كان حراماً قبل الدخول و محرماً عقلًا، أي يعاقب عليه.

4- ما ذهب إليه صاحب الكفاية (قدس سره) من انّه ليس بحرام شرعي و لا واجب و إنّما فيه الحرمة عقلًا، أي استحقاق العقوبة عليه و اللزوم العقلي.

5- ما ذهب إليه الميرزا و نسب إلى الشيخ الأعظم من وجوبه الشرعي و عدم حرمته حتى عقلًا، أي انّه لم يكن محرماً حتى قبل الدخول.

ص 90 قوله: (لا بد من الالتزام بأنّ النهي عن الخروج و حرمته يسقط بالدخول...).

وجّه السيد الخوئي عدم الحرمة بأنّه لو كان حراماً لزم التكليف بما لا يطاق؛ لأنّ البقاء أيضاً حرام فإذا حرم الخروج كان تكليفاً بما لا يطاق، لأنّه من تحريم الضدين الذي لا ثالث لهما.

و هذا جوابه واضح، فإنّ الخروج و البقاء ليسا بعنوانيهما حرامين و إنّما الحرام الغصب في الآن الثاني كالآن الأوّل الذي هو آن الدخول. و قد كان اختيارياً

418

بالنسبة إليه بعدم الدخول فلم يكن تكليفاً بما لا يطاق، و من هنا عدل عن هذا التعبير السيد الشهيد (قدس سره) و ذكر بأنّ الحرمة و إن كانت فعلية ملاكاً و روحاً و لكن النهي و الخطاب ساقط بالدخول من أجل لغوية بقائه لعدم إمكان محركية و زاجريته إلّا انّ سقوطه سقوط عصياني كما في سائر موارد التعجيز بسوء الاختيار، و بهذا يختلف هذا القيد للخطاب و النهي عن قيد القدرة الرافع للخطاب من أوّل الأمر عند فقدانه كما لا يخفى، و من هنا يكون روح الحكم و مبادئه فعلية، و العصيان متحققاً لا من جهة مخالفة روح الحكم أي المبغوضية فحسب، بل من جهة تحقق العصيان للخطاب و النهي أيضاً بلحاظ زمان فعليته؛ لأنّه كان تكليفاً فعلياً غير مشروط بارتفاع القدرة بقاءً بالدخول و إن سقط بعده، و هذا يعني انّ التكليف في الواقع بتحقيق ذاك الفعل أو الترك بمجرد تحقق القدرة عليه في أيّ زمان، فلو لم يحققه كان عاصياً لا محالة و إن سقط الخطاب بقاءً.

إلّا أنّ في النفس شيئاً من دعوى سقوط إطلاق الخطاب و النهي أيضاً؛ لأنّ المقيد لهذا الإطلاق إنّما هو الظهور الحالي في كون الخطاب للتحريك و هذا لا يقتضي أكثر من امكان المحركية نحو المطلوب من فعل و ترك لا بقائه إلى حين العمل، ففي جميع موارد التعجيز يكون الخطاب فعلياً أيضاً و ساقطاً بالعصيان على حد سائر موارد العصيان، فلا وجه للتفكيك بين الحرمة و روحها.

و لعلّ مقصود سيدنا الشهيد سقوط محركية النهي لا الحرمة، فالخروج حينما يقع خارجاً يكون حراماً بما هو غصب، بل سيأتي أنّ ما فيه حلّ الاشكال و علاج المسألة سقوط محركيّة الحرمة بعد الدخول، و به يرتفع محذور التضاد، أمّا إذا لم نقبل ذلك و اشترطنا سقوط الحرمة لرفع التضاد، فالسقوط العصياني بعد الدخول لا يدفع محذور التضاد بين الحرمة المطلقة الفعلية للغصب‏

419

الخروجي قبل الدخول و الوجوب المشروط بالدخول؛ لأنّهما متضادان، سواء تحقق الدخول أم لا، و هو كافٍ للامتناع، و هذا واضح.

ثمّ انّه يعقل الأمر بالخروج- لو تم ملاكه نفسياً أو غيرياً، و هذا ما يبحث عنه في الجهة الثانية- مع تحريم الغصب في الزمان الثاني المستلزم لحرمة الغصب الخروجي أيضاً- لكون الحرمة انحلالية- بلا لزوم محذور اجتماع الأمر و النهي، و ذلك بأحد وجوه:

1- أن تكون الحركة الخروجية كالحركة الصلاتية غير الغصب فإنّه عبارة عن اشغال الحيّز و إلقاء الثقل في المكان المغصوب و الخروج حركات في الإنسان الغاصب فهي ملازمة مع اشغال الحيّز و الغصب و ليست نفسها فيجوز الأمر بها، و لا يلزم منه التكليف بالتفكيك بين المتلازمين، لأنّ المفروض انّ الأمر بالخروج مشروط بالدخول و تحقق الغصب و لو بسوء اختياره كما هو واضح.

2- لو افترضنا انّ الخروج منطبق على نفس الحركة الغصبية مع ذلك نقول بأنّه يمكن الأمر به مشروطاً بالدخول و تحقق أصل الغصب إذا كان على وزان الأمر بالجامع و النهي عن الخصوصية لا المتخصِّص، فالنهي متعلق بجامع الغصب حتى الخروجي و لكنه لو تحقق الجامع و لو عصياناً يمكن للمولى أن يأمر بالخصوصية أي بايجاد التخصّص و التقيد- أي لا تغصب و إذا أردت أن تغصب فاجعله غصباً خروجياً- و حيث انّه أمر مشروط بتحقق الجامع لا الفرد المأمور به فلا يلزم منه محذور تحصيل الحاصل كما لا يلزم محذور اجتماع الأمر و النهي حتى على مستوى الحب و البغض لتعدد مصبّهما عنواناً و معنوناً أو عنواناً فقط، و كفاية ذلك في الجواز أو لكون المحرّم من الفرد حيثية الجامع المنطبق فيه، و حيث انّه شرط في الوجوب فلا يترشّح عليه الوجوب، و إنّما يتعلّق‏

420

بالخصوصية فقط.

3- لو تنزلنا و فرضنا انّ الوجوب للمتخصّص أي الفرد المحرّم إلّا انّه لا مانع من اجتماع الوجوب و الحرمة، أي تعلّقه بالغصب الخروجي المحرّم؛ لأنّه وجوب مشروط بالدخول، و الدخول يوجب سقوط محركيّة الحرمة، و قد تقدّم أنّ التضاد بين الحرمة و الوجوب- و كذلك الحب و البغض- إنّما يكون بلحاظ اقتضائهما و محركيّتهما المتعاكسة، فإذا كانت الحرمة ساقطة بعد الدخول من حيث المحركيّة فلا محذور في تعلّق الوجوب المشروط بالخروج المحرّم بمثل هذه الحرمة التي لا محركيّة لها بعد الدخول، و أمّا محركيّتها قبل الدخول فليست مضادة مع الوجوب؛ لأنّه مشروط بالدخول فلا محركيّة له قبل الدخول، و هذه هي فذلكة الموقف في هذه المسألة الفنيّة.

و ظاهر الأقوال الخمسة المتقدمة الفراغ عن وحدة متعلق الحرمة و الوجوب على تقدير القول بأي منهما، أي انّ الخروج بما هو غصب خروجي يكون حراماً و واجباً أو أحدهما أو لا حراماً و لا واجباً، فالوجه الأوّل و الثاني يكون بحسب الحقيقة قولًا و مبنى سادساً غير الأقوال الخمسة، و ينتج نتيجة قول المحقق القمي (قدس سره). كما انّه لو قبلنا الوجه الثالث أيضاً تم مقالة المحقق القمي (قدس سره).

و القول بعدم مقتضٍ للوجوب الغيري امّا مطلقاً أو في خصوص المقام يؤدي إلى قبول قول المحقق العراقي (قدس سره)، و القول به مع القول بسقوط النهي و الحرمة بملاك اللغوية يثبت مقالة صاحب الكفاية، و القول بالأخير دون الأوّل يثبت مقالة صاحب الفصول، و القول بعدم مقتضٍ للحرمة مع ثبوت مقتضي الوجوب يثبت مقالة الشيخ و الميرزا 0.

421

ثمّ إنّ مدرسة الميرزا و المحقق الاصفهاني اعترضا على المبنى القائل بحرمة الخروج قبل الدخول و سقوطه بالدخول و ارتفاع حرمته بعد الدخول كل منهما بنحو، فالأوّل أشكل عليه بلزوم الجهل كما هو مبين في الكتاب في الجهة الثالثة، و الثاني أشكل عليه بلزوم التضاد و اجتماع الأمر و النهي في موضوع واحد، لأنّ الميزان ليس بوحدة زمان التعلق بل بوحدة زمان المتعلّق و هو هنا واحد.

و الغريب أنّ هؤلاء الأعلام بعد ذلك ناقشوا في صغرى مقدمية الخروج لواجب أو كونه مصداقاً للواجب النفسي و هو التخلية و تخليص مال الغير مما يعني انّه لو كان مصداقاً لذلك لكان فيه مقتضي الوجوب و المحبوبية، بل صرّح في المحاضرات امكان أن تكون هناك مصلحة نفسية أو غيرية في الفعل المضطر إليه بسوء الاختيار مشروطاً بفعل تلك المقدمة بسوء الاختيار كالدخول إلى دار يترتب عليه لزوم حفظ حياته بشرب الخمر مثلًا، فإنّ فرض معقولية ذلك مساوق مع تحقق التضاد أو الجهل مما يعني انّ هذه الشبهة لها جواب لا محالة.

و إن شئت قلت: انّ القول بوجود مقتضٍ للوجوب الشرعي النفسي أو الغيري في الخروج مشروطاً بالدخول يستلزم عند من يرى استحالة مقالة صاحب الفصول من باب لزوم الجهل أو التضاد اختيار قول الميرزا بعدم الحرمة من أوّل الأمر لاستحالة حرمته عندئذ و لو قبل الدخول على هذا المبنى؛ و لعلّه لهذا اختار الشيخ و الميرزا 0 عدم الحرمة و الوجوب المشروط من أوّل الأمر، و بهذا لا يكون مصداقاً لقاعدة الاضطرار بالاختيار أيضاً لعدم موضوع للحرمة بالنسبة للخروج من أوّل الأمر.

و الصحيح بطلان هذا الاعتراض، فإنّه لا مانع من تعلّق الحرمة بالخروج قبل‏

422

الدخول و الوجوب الشرعي به مشروطاً بالدخول؛ لأنّ مرجعه إلى انّه يريد تركه بترك الدخول و لا يريد تركه بعد الدخول بالبقاء في المغصوب فلترك الغصب الخروجي بابان أحدهما الوجوب المولوي و من هنا حرّمه حرمة مطلقة لأنّه يحقق غرض المولى و هو عدم تحقق المفسدة بترك الدخول و لا تفوته مصلحة لأنّ المصلحة في الخروج بعد الدخول لو فرضت مشروطة بالدخول، فبعدمه يرتفع موضوع المصلحة فلا تفويت لشي‏ء.

و الباب الآخر ليس مطلوباً بل عدمه مطلوب للمولى لما فيه من تحصيل المصلحة المشروطة بعد فعليتها بتحقق شرطه.

فهذا التحريم روحه الأمر بترك الغصب الخروجي بترك الدخول و بكون ترك الدخول من باب قيد الواجب لا الوجوب فلو لم يتركه كان عاصياً لفعلية الأمر و الخطاب في حقه، و هذا لا ينافي الأمر به مشروطاً بالدخول، لأنّ هذا الأمر ليس أمراً بفعله مطلقاً بل أمر به مشروطاً بالدخول، و هو ليس منافياً مع النهي لأنّه يمنع عن تحقق الترك المقرون بالدخول لا الترك المقرون بعدم الدخول الذي هو المأمور به و المطلوب من النهي، فلا تنافي بين الأمر المشروط و التحريم قبل الدخول من حيث المحركية.

لا يقال: هذا تأويل للنهي فإذا اريد الحفاظ على ظاهره لزم الاجتماع مع الأمر على فعل واحد.

فإنّه يقال: هذا ليس تأويلًا بل بيان لعدم التنافي بين النهي المطلق قبل الدخول و الأمر المشروط بالدخول من حيث المحركية فيرتفع محذور التضاد؛ لأنّ التضاد بين الأمر و النهي إنّما يكون بلحاظ محركيتهما، و الوجدان خير شاهد على ذلك.

423

و بعبارة اخرى: كما تقدم في بحث الأمر بالجامع و النهي عن فرده- بناءً على سراية الحب من الجامع إلى الفرد- عدم التنافي بينهما في مقام المحركية المولوية كذلك في المقام لا منافاة بين تحريم مطلق الغصب حتى الخروجي مطلقاً و ايجاب فرد منه بعد تحقق الدخول المساوق مع تحقق جامع الغصب في الآن الثاني من حيث المحركية، بل لكون الأمر و الوجوب في المقام مشروطاً بالدخول، و فرض الدخول هو فرض سقوط محركية النهي، فلا تنافي بين النهي و الأمر من حيث المحركية جزماً.

إن قلت: هذا لا ينفي لزوم محذور التضاد بلحاظ مبادئ الأمر و النهي من المحبوبية و المبغوضية.

قلنا: يمكن الاجابة عليه: أوّلًا- بما ذكرناه و تقدّم عن الاستاذ الشهيد (قدس سره) سابقاً أيضاً من انّ التضاد بين الحب و البغض إنّما يكون بلحاظ التضاد بين اقتضائهما لا نفسيهما و لا محركية للحرمة بعد الدخول بحسب الفرض.

و ثانياً- يكفي أن يكون ملاك التحريم انّ المولى يريد تركه المقرون بترك الدخول مطلقاً و هو لا ينافي ارادة فعله بعد الدخول و هكذا يتضح انّه يعقل النهي عن فعل مطلقاً و الأمر بفرد منه مشروطاً بارتكاب جامع ذلك الحرام. و هذه نكتة كبروية كلية فإنّه كما يعقل الأمر بالجامع و النهي عن فرده جمعاً بين المصلحة المتحققة في الجامع و المفسدة المتحققة في الفرد و نتيجته انّه لو جاء بالجامع ضمن ذلك الفرد يكون ممتثلًا و عاصياً، كذلك يعقل النهي عن جامع- و هو انحلالي- و الأمر بفرد منه مشروطاً بارادة ارتكاب ذلك الجامع المحرم جمعاً لدفع المفسدة الغالبة و جلب المصلحة المغلوبة على تقدير ارادة الحرام برغم انّ ذلك الفرد يقع مبغوضاً في الموردين لغلبة المفسدة فيه؛ لأنّ الأمر لا يشترط فيه‏

424

أن يكون ناشئاً عن محبوبية متعلّقه دائماً- كما تقدّم- و إن كان قد يدّعى ظهوره العرفي في ذلك، و هو خارج عن المنظور إليه في هذا البحث كما هو واضح.

ثمّ انّ الميرزا (قدس سره) استدل على عدم كون المقام داخلًا في كبرى قاعدة الاضطرار بالاختيار لا ينافي الاختيار بوجوه أربعة حملت جميعاً في المحاضرات على انّه من الخلط و الاشتباه بين كيفية تطبيق هذه القاعدة في باب المحرمات و كيفية تطبيقها في باب الواجبات. و الظاهر وقوع التباس في تقرير مطلب الميرزا (قدس سره).

و الصحيح أنّ الوجوه الأربعة التي يذكرها واحد منها و هو الوجه الثالث قد يرجع إلى ما ذكر فإنّه قد ذكر فيه: أنّ مورد القاعدة و ما نحن فيه متعاكسان فإنّ ايجاد المقدمة فيما نحن فيه أعني الدخول في الغصب يوجب سلب القدرة و سقوط الخطاب بترك الخروج و في مورد القاعدة يوجب تحقق القدرة على المكلف به فكيف يمكن دخول المقام تحت القاعدة.

فإنّ هذا التقرير جوابه ما افيد من انّ المطلوب في المحرمات هو الترك فكما يكون ترك مقدمة الواجب كالحج موجباً لامتناع امتثاله بسوء الاختيار و هو لا ينافي الاختيار خطاباً و عقاباً أو عقاباً فقط كذلك يكون فعل سبب الحرام و هو الدخول في المقام موجباً لامتناع امتثال الحرمة و هو ترك الغصب الخروجي بسوء الاختيار و هو لا ينافي الاختيار و الميزان ملاحظة الامتناع و القدرة بالنسبة إلى الامتثال في البابين.

و أمّا سائر الوجوه التي ذكرها فهي لا ترتبط بهذا الخلط بل ترمي إلى رفع الخلط الذي وقع فيه المحققون في منهجة هذا البحث من حيث كون حرام واحد

425

مضطراً إليه و واجباً في نفس الوقت، و توضيح ذلك أنّ الوجوه الثلاثة الاخرى للميرزا ينبغي تحريرها كالتالي:

الوجه الأوّل‏: انّ موضوع القاعدة ما إذا عرض الامتناع و الاضطرار على متعلق التكليف بسوء اختيار المكلف و عمله كما إذا ترك المسير إلى الحج فامتنع عليه الحج و في المقام و إن كان الدخول بسوء اختيار المكلف إلّا أنّ خروجه من الدار ليس ممتنعاً عليه بالدخول بل هو متمكن من فعله و تركه بالبداهة فلا يكون موضوعاً لتلك القاعدة.

و قد اعترض عليه في المحاضرات بأنّه ممتنع شرعاً بعد تسليم انّه ليس بممتنع عقلًا و الممتنع الشرعي كالممتنع عقلًا وجه الامتناع الشرعي ما تقدم منه من انّ البقاء حيث انّه محرم على الداخل فيكون ترك الخروج ممتنعاً عليه شرعاً.

و يرد عليه‏: أوّلًا- ما اتضح مما تقدم من أنّ المراد لو كان حرمة عنوان البقاء بما هو بقاء و مكث أو مشي في الغصب مثلًا فهذه العناوين ليست بمحرمة و إنّما المحرم هو الغصب الجامع بين المكث و المشي و الخروج و إن كان المراد حرمة البقاء بما هو غصب فجامع الغصب نسبته إلى كل من البقاء و الخروج في الآن الثاني على حد واحداً فلا معنى لملاحظة هذا الجامع بلحاظ أحد فرديه و هو المشي فيحكم بحرمته ثمّ يقال بأنّ فرده الآخر و هو الخروج يكون تركه ممتنعاً شرعاً أو فعله مضطراً إليه شرعاً أو فعله مضطراً إليه شرعاً فلما ذا لا يعكس و يقال لأنّ الخروج غصب فيكون محرماً شرعاً و معه يكون البقاء مضطراً إليه شرعاً فلا يحرم، و دعوى انّه بعد ما جاز ارتكاب الجامع ضمن فرد واحد لا أكثر من جهة الاضطرار يتعين أن يكون هو الغصب الخروجي مدفوعة: بأنّه خلط بين‏

426

الاضطرار إلى الجامع و جواز الجامع، فالجامع المضطر إليه و هو الغصب سواء تحقق بفرد الخروج أو البقاء كان محرماً عقلًا أو شرعاً و عقلًا من دون أن يوجب أن يكون كل من فردية مضطراً إليه عقلًا أو شرعاً.

و لعلّ هذا من الواضحات، و إنّما الصحيح أن يقال أنّ جامع الغصب بأي فرد تحقق تركه ممتنع عقلًا و امّا كل من خصوصيتي الخروج أو المكث أي الفردين فليس تركه ممتنعاً فما ذكره الميرزا من انّ الخروج ليس اضطرارياً فلا يكون موضوعاً لقاعدة الامتناع حتى الشرعي صحيح. و لكن يكون جواب كلامه أنّ هذا الفرد من الغصب و هو الخروج بما هو فرد و إن كان اختيارياً إلّا أنّ جامع الغصب المنطبق عليه يكون اضطرارياً، و الحرمة ثابتة لعنوان الغصب فبلحاظ ما هو حرام و هو الغصب المنطبق على الخروج- لكون الحرمة انحلالية دائماً- يكون الخروج موضوعاً للقاعدة لا محالة، و هذا لا ينافي مع كون الخروج بما هو فرد و خروج خارجاً عن موضوع القاعدة فيمكن أن يكون فيه مقتضي الوجوب عقلًا أو شرعاً مع قطع النظر عن محذور الامتناع.

و ثانياً- عدم صحة قياس الممتنع الشرعي على الممتنع العقلي في هذه القاعدة أعني قاعدة انّ الاضطرار بالاختيار لا ينافي الاختيار و لعمري هذا الكلام لم يكن ينبغي صدوره من مثله.

توضيح ذلك‏: انّ المراد من هذه القاعدة اثبات فعلية التكليف امّا خطاباً و عقاباً أو عقاباً فقط في موارد تحقق المخالفة من المكلّف اضطراراً رغم كونه اضطرارياً و لا يعقل من المكلف الامتثال فيه فيراد بهذه القاعدة توسعة التكليف و لو عقاباً على الأقل حتى لموارد العجز و الاضطرار إذا كان بسوء الاختيار،

427

و هذا يختص بالاضطرار التكويني لا الشرعي فإنّه في الاضطرار الشرعي إلى ترك شي‏ء لوجوب ضده مثلًا حتى إذا كان لا بسوء الاختيار يعقل فعلية التكليف و المحركية، و لهذا يعقل الأمر بالضد المهم بنحو الترتب رغم انّه مكلف شرعاً بفعل الأهم و لهذا لو تركها كان معاقباً على ترك المهم أيضاً رغم انّه كان ممتنعاً عليه شرعاً.

نعم، لا يعاقب عليه لو تركه بفعل الأهم إذا لم يكن التزاحم بسوء اختياره و يعاقب عليه إذا كان بسوء اختياره، و الظاهر انّ هذا مقصود المحاضرات، إلّا انّه من الواضح انّ هذا من الامتناع و الاضطرار التكويني لا الشرعي؛ لأنّ امتناع أحد الضدين على تقدير الاتيان بالآخر ممتنع عقلًا لا شرعاً و هو غير حاصل في المقام، فإنّ المراد اثبات الامتناع الشرعي أو الاضطرار إلى الخروج بنفس تحريم البقاء لا بامتثاله.

الوجه الثاني‏: انّ موضوع القاعدة ما إذا كان ملاك التكليف فعلياً على كلّ حال و غير مشروط بفعل المكلّف أو تركه للمقدمة و إلّا لم يكن تفويتاً لغرض فعلي بل رفع لموضوعه فلا يكون من سوء الاختيار أصلًا، و في المقام الأمر كذلك حيث يكون الدخول محققاً لملاك و مصلحة في الخروج غالبة على مفسدة الغصب فلا يكون ملاك الحرمة فعلياً للخروج بعد الدخول.

و واضح انّ هذا البيان أيضاً لا ربط له بما اعترض به على الوجوه الأربعة في المحاضرات جميعاً من انّه خلط بين باب الواجبات و المحرمات.

و الجواب الصحيح‏: انّه لو اريد مشروطية ملاك وجوب الخروج على القول به بالدخول فهذا صحيح إلّا أنّ تطبيق القاعدة لم يكن بلحاظ الوجوب بل بلحاظ

428

الحرمة و إن اريد انّ ملاك الحرمة و مفسدتها ترتفع بالدخول فهو ممنوع بل يكون الملاك فعلياً غاية الأمر باعتبار الكسر و الانكسار على القول بالوجوب يقال بعدم تأثيره في الحرمة إلّا أنّ ذلك لا ينافي انطباق القاعدة لأنّ المكلّف كان بامكانه أن يتجنب مفسدة الغصب الخروجي بترك الدخول، فمهما تكون المفسدة مغلوبة و ضعيفة في نفسها لا تزاحم مصلحة الوجوب المشروط فيكون تفويتها من المكلف بالاضطرار غير منافٍ مع الاختيار عقاباً أو عقاباً و خطاباً- لو فرض عدم محذور الاجتماع-.

الوجه الثالث‏: انّ الخروج واجب بحكم العقل على الأقل و هو يكشف عن كونه مقدوراً و من المعلوم انّ كلما يكون واجباً و لو بحكم العقل لا يدخل في كبرى القاعدة لأنّ موضوعها الفعل الممتنع بينما موضوع حكم العقل بالوجوب هو الفعل المقدور فيستحيل انطباقهما على مورد واحد.

و هذا بحسب الروح يرجع إلى إشكال التهافت الذي أثرناه في صدر البحث بين فرض اضطرارية الخروج الموجب لسقوط حرمته مثلًا و وجوبه و يكون الجواب ما ذكرناه من أنّ المضطر إليه هو الغصب المحرم الجامع بين الخروج و البقاء و المشي، و أمّا الواجب المبحوث عنه فهو الخروج بما هو خروج أي فرد من الغصب بعد الدخول، و اضطرارية الغصب الجامع لا تستلزم اضطرارية الفرد الذي يمكن أن يقع ذلك الجامع ضمنه أو ضمن فرد آخر، كما هو واضح.

و هكذا يتضح في هذه النقطة أنّ الخروج من حيث هو غصب موضوع لقاعدة الامتناع بالاختيار، و من حيث هو خروج و حركة خاصة في الغصب ليس اضطراراً، و أنّ الصحيح انّ هذا لا يوجب سقوط الخطاب من أوّل الأمر فضلًا عن‏

429

العقاب كسائر موارد العصيان، و إنّما يوجب سقوط محركية الحرمة بعد الدخول؛ و لهذا لا يمتنع اجتماعهما مع الوجوب المشروط بالدخول كما لا يلزم الجهل، فكلا الاشكالين مندفعان.

ثمّ انّ المستظهر من كلمات الميرزا في المقام انّه يدعي عدم انطباق قاعدة (الاضطرار بالاختيار لا ينافي الاختيار) في المقام لا بلحاظ الغصب الخروجي، و لا بلحاظ الغصب بالبقاء أو غيره من التصرفات و لا بلحاظ جامع الغصب، امّا بلحاظ الغصب الخروجي فلأنّ الاضطرار إلى الجامع ليس اضطراراً إلى الفرد و أمّا بلحاظ الفردين الآخرين فلأنّ الاضطرار إلى الجامع بين الخروج الواجب بحكم العقل أو الشرع و بين المكث في الغصب أو المشي فيه المحرمين جزماً- لعدم ضرورة تقتضيهما- ليس اضطراراً إلى الحرام فإنّه كالاضطرار إلى جامع شرب الماء النجس أو الطاهر فإنّه ليس من الاضطرار إلى النجس و الحرام.

و هذا الكلام من الغرائب، فإنّ البحث عن مقتضي كون الغصب الخروجي حراماً و لو عقلًا و عقاباً فقط باعتباره غصباً و حرمة الجامع انحلالية دائماً فافتراض أنّ الخروج واجب في المرتبة السابقة، ثمّ اضافة الاضطرار إلى الجامع بين الواجب و الحرام؛ و دعوى انّه ليس اضطراراً إلى الحرام أشبه بالتلاعب بالألفاظ إذ المفروض انّ الغصب كما ينطبق على المشي أو المكث في دار الغير ينطبق على الخروج أيضاً فيكون المكلف مضطراً إلى الغصب فإذا تحقق ضمن أي واحد من أفراده كان حراماً و لو بلحاظ العقوبة و كان مورداً لقاعدة الاضطرار بالاختيار لا ينافي الاضطرار سواءً كان مقتضي الوجوب شرعاً أو عقلًا ثابتاً في الخروج أم لم يكن فثبوت الوجوب للخروج لا ينافي الاضطرار إلى جامع الغصب الحرام المنطبق فيه لكون الحرمة انحلالية.

430

ثمّ كيف طبق عنوان الغصب المحرم على الفردين الآخرين و التزم بفعلية الحرمة فيهما دون هذا الفرد مع انّ الحرام عنوان الغصب لا المشخصات الفردية و نسبة الجامع و الغصب إلى الأفراد الثلاثة على حد واحد، و كأنّه وقع خلط عندهم بين اضطرارية جامع الغصب المنطبق حتى على الخروج و بين وجود مقتضي الوجوب فيه بما هو فرد مع وضوح انّ ثبوت مقتضي الوجوب للخروج على تقدير القول به لا يعني عدم انطباق القاعدة بلحاظ جامع الغصب المتحد معه بوجه أصلًا. نعم، لو قيل بأنّ الغصب الخروجي باعتباره رداً للمال إلى صاحبه أو تخلية ليس حراماً من أوّل الأمر و لو كان بسوء اختياره تخصيصاً لأدلّة حرمة الغصب فلا موضوع عندئذٍ لقاعدة الاضطرار إلى الحرام في المقام كما هو واضح.

و يمكن جعل هذا وجهاً آخر للميرزا (قدس سره).

و لكنه لا وجه لذلك، فإنّه إذا اريد بذلك دعوى تخصيص في أدلّة الغصب فهو غير تام و إذا اريد استفادة ذلك من نفس وجوب ردّ المال إلى صاحبه- بناءً على قبوله كوجوب شرعي نفسي و دعوى انطباق ذلك على نفس الخروج- فهذا لا يستلزم التخصيص بل يستلزم اجتماع مقتض الأمر و النهي في المقام و الذي هو محل بحثنا، و لا بد من الجمع بينهما بعد تمامية مقتضيهما معاً.

ثمّ انّ للمحقق الاصفهاني (قدس سره) اشكالًا آخر على مقالة الفصول، أعني فعلية الوجوب شرعاً بعد الخروج مع سقوط الحرمة قبل الدخول، و حاصله عدم جدوى تعدد زمان التكليفين في رفع التضاد بينهما لأنّ ملاك التضاد وحدة متعلقيهما بحسب لحاظ المولى و في المقام الوجود الشخصي الواحد للغصب الخروجي يقع متعلقاً للحرمة و الوجوب في لحاظ المولى و لا يمر الزمان على الفعل الشخصي مرتين، فهذا الخروج وحداني الزمان متعلّق للوجوب و الحرمة،

431

و سبق زمان تحقق التحريم على زمان تحقق الايجاب لا يجدي في رفع التضاد من حيث المتعلق.

فالحاصل: من يقول بالتضاد بين الوجوب و الحرمة لا يقول به من حيث قيامهما بالمولى في زمان واحد أو قيامهما خارجاً بالوجود الخارجي، بل يقول به من حيث قيامهما بعنوانين ملحوظين فانيين في المعنون الواحد و هو حاصل في المقام بين الحرمة قبل الدخول و الوجوب بعد الدخول، و إن فرض سقوط الحرمة بعد الدخول.

و هذا الايراد تام، بمعنى انّه لا بدّ في مقام دفع محذور الامتناع و التضاد من سلوك أحد الطرق الثلاثة التي ذكرناها، و أمّا ما ذكره صاحب الفصول من اختلاف الزمان و حرمة الغصب الخروجي قبل الدخول ثمّ سقوطها بعد الدخول لا يرفع المحذور؛ لأنّه قبل الدخول كان محرّماً مطلقاً أي لم يكن الغصب المقيّد بعدم الدخول محرماً بل مطلقه كان محرماً، و هذا لا يجتمع مع محبوبيته و لو مشروطاً بالدخول، و لهذا ذكر الميرزا انّ هذا التبدّل يستلزم الجهل.

و بهذا يعرف انّ الالتزام بسقوط الحرمة عن الغصب الخروجي بعد الدخول مع كونه محرماً قبل الدخول لا يجدي في دفع محذور التضاد، و إنّما اللازم الالتزام بأحد الامور و العلاجات الثلاثة المتقدّم شرحها لدفع اشكال التضاد.

ص 94 قوله: (و امّا البحث عن الكبرى...).

الانصاف انّه مع الانحصار لو قلنا بالملازمة بين حب شي‏ء و حب مقدمته لا محالة تسري المحبوبية الغيرية إلى المقدمة فلا يقاس بمورد المقدمة المحرمة مع عدم الانحصار.

432

ص 99 قوله: (فعلى الأوّل يتعين على المكلف...).

الصحيح لزوم الصلاة مع السجود إذا لم يلزم منه مكث زائد، و ذلك بأحد تقريبين:

1- انّ الدليل على بقاء الأمر بالصلاة عند تعجيز المكلف نفسه عن الواجب بقيوده إنّما هو الإجماع على انّ الصلاة لا تسقط بحال و إلّا كان مقتضى القاعدة سقوط الأمر، فإذا ثبت بالاجماع فعلية الأمر بالصلاة أمكن التمسك باطلاق أدلّة الجزئية لتمام الاجزاء و القيود المعتبرة لأنّه لا محذور في اطلاقها و الأمر بها في هذا الحال بحسب ما تقدّم ما لم يلزم غصباً زائداً محرماً بحرمة فعلية قابلة للتحريك، و هذا نفس البيان الذي سيذكره السيد الشهيد (قدس سره) في الشق الثالث في هذه الفرضية فلا أدري لما ذا فرّق بينهما.

2- انّه بناءً على ما تقدم من عدم التنافي بين النهي عن الغصب و الأمر بفرد منه على تقدير عصيان الجامع و تحققه بالاضطرار بسوء الاختيار- و الذي هو فرض سقوط محركية النهي عن جامع الغصب على ما تقدم شرحه- يمكن التمسك باطلاق أصل الأمر بالصلاة للصلاة الاختيارية إذا لم يلزم منه مكث زائد بلا حاجة إلى الإجماع على انّ الصلاة لا تسقط بحال؛ لأنّ هذه الحصة من الصلاة المتحدة مع الغصب لا مانع من إطلاق الأمر و شموله له بحسب الفرض.

لا يقال: المفروض تقيد متعلّق الأمر بغير الفرد المحرم و المبغوض و هذا الفرد منه لكونه بسوء الاختيار و إلّا لم يكن امتناع، و لهذا نحتاج إلى أمر آخر كما في التقريب السابق.

433

فإنّه يقال: حيث انّ المقيّد المذكور عقلي و هو الامتناع فيقدر بقدره لا أكثر و هو ما إذا كان حين تحقيق المأمور به النهي المتعلق به فعلياً خطاباً و محركيةً لا ما إذا كان ساقطاً قبل ذلك امّا خطاباً و محركيةً أو محركيةً على الأقل، فإنّ المفروض انّ هذا قد فرغنا عن امكانه فيما سبق فيكون تقيد متعلق الأمر بناءً على الامتناع ما لا يكون حراماً بالفعل حين الاتيان به حرمة محرّكه، و هذا باطلاقه يمكن أن يشمل المقام و لا يكون الأمر بهذا الجامع منافياً مع حرمة الغصب كما لا يخفى.

و الحاصل‏ بناءً على امكان الأمر بالفرد المحرم- كالخروج إلى الصلاة في المغصوب- مشروطاً بسقوط النهي عنه بالاضطرار و لو بسوء الاختيار يعقل التمسك بنفس دليل الأمر الأوّل لاثبات الوجوب في هذا الحال لارتفاع المحذور، فلا نحتاج إلى دليل ثانوي.

و هذا الوجه تام أيضاً لو لم نستظهر من دليل الأمر الأوّل بالصلاة عرفاً فعلية المحبوبية و من النهي فعلية المبغوضية، و قد عرفت عدم صحّة مثل هذه الاستفادة في محلّه.

و السيد الشهيد لأنّه قبل الاستظهار المذكور احتاج إلى أمر جديد لأنّ النهي يقيد الأمر عندئذٍ بغير المغصوب لا غير الحرام.

ص 99 قوله: (و قد ذكر جملة من المحققين هنا بأنّ هذا الدليل بنفسه يدل على عدم مبغوضيتها...).

هذا كلام السيد الخوئي (قدس سره) في المحاضرات، و هذا على مبناهم من امتناع‏

434

الأمر بالخروج مع حرمته و لو الساقطة قبل الدخول متعين إذ لولاه يلزم الاجتماع.

و إن شئت قلت: انّ الأمر الثاني المستكشف من الإجماع على انّ الصلاة لا تسقط بحال كالأمر الأوّل لا يمكن أن يجتمع مع النهي و الحرمة الفعلية و لو بمبادئها أي المبغوضية، فلا بد من الالتزام بارتفاعها إذا قيل بفعلية الأمر.

و من الواضح انّ لازم ذلك ارتفاع المبغوضية من أوّل الأمر فتكون الصلاة في الغصب بسوء الاختيار مشمولًا للأمر الأوّل و لم يكن عليه عقاب أصلًا لا من حيث كونه غصباً لعدم حرمته و لا من حيث كونه تعجيزاً لعدم كونه منهياً عنه من أوّل الأمر، و هذا من لوازم ذلك المبنى أيضاً.

ص 101 قوله: (و امّا إذا قلنا بوجوب الخروج نفسياً...).

الظاهر من هذه العبارة انّ السجود و لو لم يلزم منه مكث زائد يكون باطلًا على هذا التقدير؛ لأنّ التصرّف السجودي في الغصب ليس دخيلًا في الخروج و لا ملازماً معه لكي تكون هذه الأكوان غير محرمة لأنّها ملازمة مع الخروج.

و من هنا يفصّل بين مبنى اتحاد السجود مع الغصب بالخصوص و اتحاد تمام الصلاة معه.

و الجواب: انّ المفروض انّ الجامع بين وضع الثقل بالسجود أو بأي نحو آخر حين الخروج- الذي لا يكون أحدهما اضطرارياً في حقه- جائز له؛ لأنّه لازم‏

435

الكون الخروجي المباح له، و لهذا لو سجد لا للصلاة حال الخروج من دون مكث زائد كان جائزاً أيضاً، فلا فرق بين الفرضين على هذا المبنى- أي مبنى الميرزا- أيضاً كما لم يكن يصح الفرق بين الفرضين على مبنى الحرمة لما عرفت من المناقشتين.

نعم، ما ذكر من كون الأمر الأوّل فعلياً على مبنى الميرزا يصح إذا كانت الصلاة حال الخروج اختيارية على ما سنذكره بعد قليل.

فالصحيح انّه على جميع التقادير كلما لم يلزم من الصلاة الاختيارية غصب و مكث زائد كان هو الواجب على جميع الفروض الثلاثة في الفرضية الاولى، و إلّا فلا تجب إلّا الصلاة الاضطرارية، و لو جاء بالاختيارية تبطل على القول بالامتناع، بخلاف القول بالجواز- المبنى الأوّل- فالفرق منحصر بذلك.

و من غير فرق في ذلك بين مبنى حرمة الخروج و لو ملاكاً و عقاباً و مبنى الميرزا و الشيخ بينهما بعدم حرمته من أوّل الأمر، و كان الأولى أن يجعل الفرق نظرياً لا عملياً، فيفصّل بين امكان الصلاة الاختيارية حال الخروج بلا استلزام مكث زائد و عدمه.

فعلى الأوّل تثبت الصحة بالأمر الأوّل على مبنى الميرزا و مبنانا.

و على مبنى السيد الشهيد من ظهور الأمر الأوّل في المحبوبية لكونه لفظياً يثبت ذلك أيضاً بالأمر الثاني بعد سقوط الأمر الأوّل بالعصيان و التمسك باطلاق أدلّة الجزئية، و في فرض عدم إمكان الصلاة الاختيارية من دون مكث زائد تجب الاضطرارية بالأمر الثاني على كل حال و تبطل الاختيارية إلّا على القول بالجواز.

436

ص 101 قوله: (و إنّما يختلف هذا القول عن المختار في انّ الصلاة حال الخروج...).

ظهر مما تقدم عدم صحة هذا الفرق- بناءً على ما هو المختار عندنا من انكار ظهور الأمر في المحبوبية الفعلية- حيث انّه يصحّ التمسك باطلاق دليل الأمر الأوّل على كل حال بلا حاجة إلى دليل خاص إذا كانت الصلاة الاختيارية لا تستلزم مكثاً زائداً حتى إذا كان الخروج محرماً و مبغوضاً لفرض سقوط حرمته و امكان شمول الأمر له. كما انّه إذا كانت الصلاة حال الخروج بنحو لا يلزم منه مكث زائد اضطرارية فلا يمكن اثبات صحّته بالأمر الأوّل على كل حال أي حتى إذا قلنا بعدم حرمة الخروج، لأنّ الأمر الأوّل كان يقتضي الوظيفة الاختيارية و التي كانت مقدورة على المكلف، و إنّما عجّز نفسه عنها بسوء اختياره، فالانتقال إلى الاضطرارية بعد سقوطها عصياناً بحاجة إلى الدليل الخاص.

نعم، على مختار السيد الشهيد من استظهار المحبوبية لدليل الأمر اللفظي يتمّ الفرق بين المبنيين في خصوص ما إذا كانت الصلاة اختيارية حال الخروج لأنّ القيد للواجب سوف يكون عدم المبغوضية لا عدم الحرمة، و المفروض فعلية المبغوضية.

ص 101 قوله: (و أمّا لو لم يتمكن من صلاة أكمل و أحسن...).

اتضح مما سبق من أنّ الأمر الأوّل- و إن كان لفظياً- و الذي هو أمر بالوظيفة الاختيارية يشمل الصلاة الاختيارية حال الخروج إذا لم يلزم منه مكث زائد، و معه يتعين ذلك فيما إذا كان ممكناً حال الخروج سواء كانت صلاته خارج‏

437

الغصب اختيارية أو اضطرارية.

و امّا إذا كانت وظيفته حال الخروج الصلاة الاضطرارية أي بالايماء إلى السجود أو الركوع للزوم مكث زائد في الركوع و السجود الاختياريين، فإن كانت الصلاة خارج الغصب اختيارية أو أكمل فلا إشكال في تعينه و بطلان الاضطرارية، و إلّا فبناءً على القول بالجواز لا يتعيّن عليه الصلاة الاختيارية في الغصب بالخصوص لكنه لو فعله كان صحيحاً بخلافه على الامتناع.

و هل تصحّ منه الاضطرارية لو صلاها حال الخروج أو تجب الصلاة الاضطرارية خارج الغصب؟

الصحيح أيضاً صحة الصلاة الاضطرارية حال الخروج؛ لأنّ المفروض انّ الصلاة خارج الغصب ليس أحسن حالًا منه، أي انّ السجود و الركوع فيها أيضاً بالايماء لضيق الوقت، فدليل الصلاة لا تسقط بحال من اجماع أو نحوه شامل له و لو بأن يأتي بالصلاة الاضطرارية خارج الغصب، و ليس خروجه شرطاً للايجاب و شمول الإجماع له بدليل انّه لو لم يخرج كان عاصياً للأمر المذكور جزماً، فإذا كان الوجوب فعلياً في حقه أمكن التمسك باطلاق أدلّة الجزئية و الشرطية لشمول الصلاة حال الخروج لامكان شمول الأمر لها بحسب الفرض إذا كانت متساوية مع الصلاة خارج الغصب فتكون مجزية، و إذا كانت اضطراراً تعين و وجب، و هذا يعني انّ الصلاة حال الخروج إذا كانت أقل اضطراراً تعين و إذا كانت كالصلاة خارج الغصب صحّ و أجزأ و إذا كانت أكثر اضطراراً لم تصحّ.

و التفصيلات المذكورة في المقام من قبل السيد الشهيد كأنّه مبتنية على‏

438

ما يستظهره من الأوامر و النواهي اللفظية من الظهور في نشوئهما عن المحبوبية و المبغوضية الفعلية، و عندئذٍ لا يمكن شمول الأمر للفرد المحرم في المقام، و إن كانت حرمته ساقطة سابقاً بالدخول للاضطرار؛ لأنّه سقوط عصياني لا ينافي فعلية المبغوضية، فتكون منافية مع شمول الأمر، فنحتاج إلى أمر جديد.

و الحاصل على مبنى السيد الشهيد تتقيد الصلاة الواجبة بغير المبغوض لا غير المحرّم حرمة فعلية، و المفروض ثبوت المبغوضية في المقام بمقتضى إطلاق دليل النهي الساقط قبل الدخول. فلا يمكن أن يشمله الأمر الأوّل بل يكون سقوطه بالعصيان لا محالة، و امّا الأمر الثاني فحيث انّه بالاجماع الذي هو الدليل اللبي فيقال بعدم شموله للمورد الذي يتمكن المكلف من الصلاة خارج الدار المغصوبة و لو كانت اضطرارية و كانت الصلاة حال الخروج اختيارية فلا اجماع على صحة الصلاة منه في الغصب.

إلّا أنّ هذا الكلام غير فني- حتى إذا قبلنا الاستظهار المذكور- لأنّنا لسنا بحاجة إلى اثبات صحة الصلاة داخل الغصب بالاجماع لكي يناقش في شموله لمن له القدرة على الصلاة خارج الوقت. و إنّما نثبت ذلك باطلاق أدلّة الجزئية و الشرطية و التي لا محذور في اطلاقها للمقام و إنّما المحذور في شمول الأمر الظاهر عرفاً في المحبوبية- كما تقدم من الاستاذ نفسه التمسك به في المبنى الثالث من الفرضية الاولى- و امّا الإجماع فنثبت به فعلية أصل الأمر بالصلاة و عدم سقوطه عن هذا المكلّف و هو هنا فعلي بحسب الفرض.

لا يقال: هذا مبني على أن يكون الوجوب فعلياً عليه حال كونه في الغصب،

439

و امّا إذا قلنا بأنّه يصبح فعلياً عليه عند الخروج فلا يمكن التمسك باطلاق أدلّة الجزئية و الشرطية لاثبات صحة الصلاة حال الخروج، و حيث انّ دليل الوجوب لبي فلا يمكن اثبات ذلك، فالقدر المتيقن ثبوت الوجوب عليه بعد الخروج.

فإنّه يقال: مضافاً إلى وضوح انّ الإجماع المذكور ناظر إلى قيود المتعلق و أجزائه لا قيود الوجوب و شرائطه فهي باقية على حالها من حيث عدم تقيد الوجوب بقيد زائد على ما هو قيد في الوظيفة الاختيارية و هو الوقت و الشروط العامة.

أقول: مضافاً إلى امكان دعوى الجزم بهذا، لا إشكال في انّ المكلّف لو كان قادراً من صلاة أكمل خارج الدار المغصوبة بحيث يكون اتيان مثلها في الدار المغصوبة تستلزم مكثاً زائداً مبطلًا للصلاة فلم يفعل بل تأخر في الدار المغصوبة أكثر كان عاصياً، و هذا يعني انّ وجوب الصلاة التي يتمكن منها خارج الأرض المغصوبة فعلي في حقه من أوّل الأمر لا بعد الخروج.

و النتيجة في الفرضية الثانية انّه على فرض عدم استلزام الصلاة الاختيارية حال الخروج لمكث زائد وجبت و صحت على مبنى الميرزا و مبنانا في باب الأوامر اللفظية بنفس الأمر الأوّل فلا تتعيّن الصلاة بعد الخروج حتى إذا كانت اختيارية، و على مبنى السيد الشهيد من استظهار المحبوبية في الأوامر اللفظية يجب الانتظار إلى ما بعد الخروج و تبطل الصلاة داخل الغصب.

و على فرض كون الصلاة حال الخروج اضطرارية، فإن كانت في خارج الغصب اختيارية، أو أحسن حالًا أي اختيارية بمقدار أكثر مما في الغصب، تعيّن ذلك أيضاً و لم تصحّ الاضطرارية داخل الغصب؛ لامكان الاختيارية الأكثر.

440

و إلّا بأن كانا متساويين أو الصلاة حال الخروج أكثر اختيارية، وجب الانتظار على أساس كلام السيد الشهيد في الكتاب، و قد عرفت اشكاله، و الصحيح تعين الصلاة حال الخروج إذا كانت أكثر اختيارية و امكان الصلاة حاله إذا كانا متساويين تمسكاً باطلاق أدلّة الجزئية حتى على مبنى استظهار السيد الشهيد من الأوامر اللفظية.

ثمّ انّه يناسب أن يعقد تنبيهاً أو تتميماً يبحث فيه عن حكم الشك في جواز الاجتماع فنقول: تارة يكون الشك في كبرى جواز الاجتماع و اخرى يكون الشك في صغراه بعد فرض الامتناع كبروياً أي الشك في ثبوت الحرمة و عدمها في مورد الاجتماع لتعارض إطلاق دليله مع دليل الوجوب و عدم ثبوت المرجح، امّا الشك بالنحو الأوّل فالصحيح فيه التمسك باطلاق كل من دليل الوجوب و الحرمة و إثبات الاجتزاء بالمجمع إلّا إذا كان الواجب عبادياً فيبطل من ناحية انتفاء قصد القربة أو حسن العمل و هو يختص بما إذا كان النهي واصلًا للمكلف.

و مجرد احتمال الامتناع و الاستحالة لا يمنع عن صحة التمسك باطلاق الحكم و حجيته كما ذكر الشيخ في جواب شبهة ابن قبة في جعل الحكم الظاهري بل صحة التمسك هنا أوضح منه هناك، لأنّ المحذور المحتمل و هو الامتناع على تقدير ثبوته يختص بالامر و النهي بوجوديهما الواقعيين، و أمّا حجّية إطلاق دليل الأمر و الاجتزاء به في مورد الحرمة الواقعية فغير ممتنع جزماً.

و أمّا الشك بالنحو الثاني فقد ذكر المحقق الخراساني انّه يرجع فيه إلى أصالة البراءة عن الحرمة فتصح العبادة لانتفاء المانع.

441

و ناقش فيه المحاضرات بأنّ البراءة رفع ظاهري فلا يثبت الصحة واقعاً.

نعم، يثبته ظاهراً حيث يرجع إلى الشك في مانعية هذا المكان فتجري البراءة عنها لكونها انحلالية بناءً على جريانها في المركبات الارتباطية.

و فيه: انّ هذا يتمّ فيما إذا كان الشك في موضوع الحرمة بنحو الشبهة الموضوعية لغصبية المكان، و أمّا في الشبهة الحكمية و الشك في حرمة الغصب الصلاتي للتعارض بين إطلاقي الأمر و النهي و الذي هو موضوع بحثهما فيكون المرجع إطلاق هيئة الأمر المتعلق بالصلاة في غير الغصب بعد سقوط اطلاقه في مورد الاجتماع و هو يقتضي الاتيان بالصلاة في المكان غير المغصوب.

نعم، لو قيل بأنّ دليل الحرمة يقيد متعلق الأمر بغير الفرد المحرم بعنوان المحرم كان من الشبهة المصداقية للمانع فتجري عنه البراءة، إلّا أنّه كما ترى واضح البطلان فإنّ دليل حرمة الغصب يقيد دليل الأمر بالصلاة بغير الغصب أي واقع الحرام لا عنوان الحرام الأمر المنتزع في طول ثبوت الحرمة و تمامية التقييد، بل هو غير معقول لاستحالة أخذ عدم أحد الضدين في موضوع الآخر، على ما حقق في محلّه.

و الحاصل‏ إذا كان القيد عنوان الحرمة، و الشبهة مصداقية- و إن كان هذا باطلًا- فأصالة الاباحة و الحل تثبت الحلية و تثبت القيد كأصالة الطهارة فلا حاجة إلى أصالة البراءة عن المانعية الزائدة المشكوكة فيكون الحق مع صاحب الكفاية في عدم الحاجة إلى جريان الأصل في الأقل و الأكثر و لا يكون مثبتاً و إن كان القيد واقع الحرام لم تجر البراءة عن المانعية الزائدة لأنّ مقتضى إطلاق الهيئة لزوم الاتيان بالواجب في غير مورد الاجتماع فتدبر جيداً.

اقتضاء النهي للفساد

ص 107 قوله: (الكلام في اقتضاء النهي للفساد يقع في مسألتين...).

ينبغي تقديم امور:

الأمر الأوّل- انّ البحث في هذه المسألة عن الملازمة بين النهي عن العبادة أو المعاملة و بين فسادهما فيكون موضوع المسألة ما يتصور فيه الفساد و الصحة، و الصحة في العبادة تعني الاجزاء و عدم الاعادة و القضاء، و في المعاملة تعني النفوذ و ترتب الأثر الوضعي المطلوب عليها، و يكون محمول المسألة الملازمة بين النهي و الفساد.

و أمّا البحث عن انّ الصحة و الفساد- بالمعنى المتقدّم- هل هما مجعولان شرعيّان أو أمران واقعيان منزعان عقلًا أو يفصل بين الصحة و الفساد في العبادة فهما واقعيان و في المعاملة فهما مجعولان شرعيان فهذا غير مرتبط بما هو المهم و المقصود في هذه المسألة.

و قد اختار في المحاضرات القول الأخير أعني التفصيل بين العبادات و المعاملات بدعوى انّ صحة المعاملة تعني حكم الشارع بترتب الأثر عليها و فسادها تعني عدم حكمه بذلك فتكون نسبة المعاملة إلى الحكم الوضعي الشرعي نسبة الموضوع إلى الحكم فتكون الصحة فيها مجعولًا شرعياً، و هذا بخلاف العبادة، فإنّ صحتها و فسادها تعني مطابقتها للمأمور به و عدمها فيكونان‏

442

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

443

وصفين للعبادة في مرحلة ما بعد الجعل أي في مرحلة الامتثال و الانطباق الخارجي التي هي مرحلة حكم العقل و انتزاعه فلا تتصف العبادة بالصحة و الفساد في مقام الجعل و التشريع لتكون الصحة مجعولًا شرعياً.

و هذا الكلام غير تام؛ لأنّه من الواضح انّ مفهوم الصحة ليس هو المجعول الشرعي لا في باب العبادة و لا المعاملة، و إنّما المجعول في العبادة هو الأمر و في المعاملة هو الحكم الوضعي بالملكية أو الزوجية أو غيرها، و الصحة و الفساد فيهما معاً ينتزعان عقلًا في طول الجعل الشرعي بلحاظ ترتّب ذاك المجعول الشرعي و عدمه، فإذا كانت العبادة أو المعاملة مشمولة لاطلاق ذلك الجعل من تكليف أو وضع كانت صحيحة، و إلّا كانت فاسدة، فمعنى الصحة و الفساد في المقامين واحد، كما انّهما منتزعان من شمول الجعل الشرعي و عدم شموله للمعاملة أو العبادة كما أفاده المشهور. و أمّا القضاء و الإعادة فهما حكمان شرعيان آخران رتّبهما الشارع في موارد خاصة على بعض العبادات دون بعض، فليسا من لوازم الفساد و لا دخل لهما في مفهومه و لا منشأ انتزاعه.

الأمر الثاني- انّ المراد بالنهي هنا النهي التكليفي لا الإرشادي إلى المانعية و البطلان، فإنّه خارج عن موضوع البحث و لا كلام في استفادة البطلان منه و إن كان ربما يقع بحث صغروي فيه يأتي في تنبيهات المسألة. كما انّ البحث عن اقتضاء النهي التكليفي للفساد بحث كبروي فما عن المحقق العراقي من انّ البحث صغروي لا وجه له.

و هل يختصّ هذا البحث بالنهي التحريمي أو يعمّ التنزيهي أيضاً؟

الصحيح هو التفصيل بين ملاكات الاقتضاء، فإنّه لو كان المبنى للاقتضاء

444

الامتناع و ارتفاع المحبوبية و الأمر بالمبغوضية و الكراهة فهذا يعمّ النهي التنزيهي أيضاً و إن كان المبنى للاقتضاء عدم إمكان التقرب و نحوه فهو يختص بالتحريمي.

و من هنا كان الأفضل منهجياً ما صنعه الاستاذ من طرح البحث بلحاظ النهي التحريمي أوّلًا ثمّ البحث عن النهي التنزيهي ضمن التنبيهات.

الأمر الثالث- انّ هذه المسألة اصولية؛ لأنّها من العناصر المشتركة في الاستنباط الفقهي حيث لا تختص نتيجتها بباب دون باب و يستنبط منها حكم شرعي كلي بنحو التوسيط- و لو بلحاظ التعارض كما تقدم في مسألة الاجتماع- و تكون مربوطة بالشارع و هي المعالم الثلاثة الرئيسية للقاعدة الاصولية و هي مسألة عقلية؛ لأنّها بحث عن الاستلزام العقلي أي الملازمة بين النهي و الفساد سواءً افيد باللفظ أو بغيره، و هذا واضح أيضاً.

و بعد توضيح هذه المقدمات الثلاث ندخل في صميم البحث ضمن مسألتين:

المسألة الاولى- اقتضاء النهي لفساد العبادة:

و قبل الشروع في بيان البراهين و الملاكات لاقتضاء النهي فساد العبادة ينبغي التأكيد على مقدمتين:

المقدّمة الاولى- ما جاء في الكتاب (ص 107) من أقسام النهي التحريمي الخمسة من حيث كونه نفسياً خطاباً و ملاكاً أو خطاباً فقط أو لا خطاباً و لا ملاكاً أو كون المصلحة في نفس جعل النهي بأحد معنيين أحدهما غير معقول في نفسه.

المقدّمة الثانية- ما ذكر في الكتاب أيضاً (ص 109) من انّ الفساد قد يكون‏

445

بملاك الامتناع و القصور في العبادة، أي عدم وجدانها للملاك، و قد يكون بملاك قصور قدرة المكلّف على الاتيان بها صحيحة جامعة لشرائطها؛ لانتفاء شرط قصد القربة و نحوه بسبب تعلّق النهي، و هذا يعني أنّ هناك نكتتين و ملاكين للبطلان و تختلف النكتتان في النتائج و الآثار أهمها أنّ النكتة الاولى واقعية تؤدي إلى بطلان العبادة حتى إذا لم يصل النهي عنها إلى المكلّف بخلاف الثانية.

و بعد ذلك نستعرض البراهين السبعة على الاقتضاء ملاحظين في كل واحد منها ما يقتضيه من البطلان الواقعي و بالنكتة الاولى أو البطلان بالنكتة الثانية المنتفية مع الجهل بالنهي كما انّه نلاحظ جريان كل برهان منها على جميع الأقسام المتقدمة للنهي التحريمي أو اختصاصه ببعضها دون بعض.

و أمّا البراهين فهي سبعة:

البرهان الأوّل‏: يبتني على فرض منافاة المفسدة مع المصلحة، و هو لو تمّ فيتم في كل واجب حتى غير العبادي و يثبت القصور الذاتي و البطلان حتى مع الجهل، و لكنه لا يتمّ إلّا في القسم الأوّل من النهي.

البرهان الثاني‏: يبتني على عدم إمكان التقرب بمعنى عدم صلاحية التقرّب بالمفسدة العالية، لأنّ المولى يتأذى، و هذا يتم في غير القسم الرابع و الثالث من النهي و هو يثبت القصور من ناحية قصد التقرّب فتختصّ بالعبادات.

و يردّه انّ الميزان التقرّب العقلي و هو يحصل بالمصلحة و لو المغلوبة.

البرهان الثالث‏: انّ التقرب الفعلي لا يكون إلّا بالأمر أو الحب لا بالملاك و المصلحة إمّا لعدم معقوليته ثبوتاً إذ لا يرجع إلى المولى أو لاشتراط قصد الأمر اثباتاً، و هذا يتم حتى في الرابع إذا قلنا بالامتناع كما هو مبنى القائل بالرابع،

446

و لكنه يختص بالعبادات.

و فيه‏: كفاية اهتمام المولى بالملاك للتقرّب ثبوتاً، و عدم الدليل على لزوم الأكثر منه اثباتاً في التقرب.

البرهان الرابع‏: عدم إمكان احراز الملاك مع النهي فتجري أصالة الاشتغال، و هذا يتمّ في كلّ واجب، لأنّه يثبت القصور الذاتي ظاهراً و في تمام أقسام النهي بناءً على امتناع اجتماعها مع الأمر.

و فيه‏: انّه إذا كان لدليل الأمر إطلاق بلحاظ مدلول الهيئة فهو يوجب البطلان واقعاً و بدليل اجتهادي لا ظاهراً و إن لم يكن كذلك فتجري البراءة لكونه من الشك في التكليف كما انّه مبني على الامتناع.

و أفاد السيّد الشهيد بأنّ البراهين الثلاثة السابقة أيضاً مبنية على القول بالامتناع إذ على القول بالجواز بأي ملاك من الملاكات الثلاثة له تثبت مصلحة الأمر فينتفي البرهان الأوّل، و لا بد و انّ كون المصلحة غير مندكة و غير مغلوبة فينتفي البرهان الثاني، و مع فعلية الأمر يمكن قصده فينتفي البرهان الثالث و تستكشف المصلحة و تحرز فينتفي البرهان الرابع.

و هذا الكلام سديد فيما عدا البرهان الثاني فإنّه قد تقدم انّه لا يلزم من فعلية الأمر و جواز الاجتماع بالملاك الأوّل عدم اندكاك ملاك الأمر و غلبة المفسدة عليه بل يمكن أن تكون غالبة و مع ذلك يبقى الأمر على الجامع لعدم المزاحمة بين اقتضائهما، نعم بناءً على تعدد المعنون ينتفي هذا البرهان أيضاً.

البرهان الخامس‏: و يرتكز على عدم امكان التقرب بالمبغوض لأنّ حال المولى عند الترك أحسن فلا يمكن الاتيان بالمبغوض لأجله. و هذا يختص‏

447

بالتعبّديات المشروطة بقصد التقرب كما انّه يعمّ أقسام النهي عدا الرابع كما انّه يتم حتى على القول بالجواز بالملاك الأوّل كما انّه يختص بصورة العلم بالنهي؛ لأنّ المنظور هنا القرب العقلي المنوط بحالة المكلّف و عدم إمكان تقربه.

و فيه‏: ما أفاده السيد الشهيد (قدس سره) من انّ المقربية و المبعدية ليست بالعمل الخارجي، بل بالدواعي النفسانية المحركة نحو العمل، فهي سبب البعد و القرب بالعمل، و لهذا يتحقق حتى لو تخيل وقوع الفعل و لم يقع فعل خارجاً أصلًا، أو كان فعلًا مبغوضاً للمولى واقعاً، فكلما تعقلنا داع مولوي محرك كان القرب و كلما كان هناك داع مبعِّد عن المولى و حقّه كان البعد، فلو أمكن وجود داعيين الهي و شيطاني تحقق البعد و القرب؛ لأنّه يمكن اجتماع الداعيين و يكون من باب تعدد الداعي الذي كل منهما مستقل في الداعوية.

و هذا ممكن إذا كانت المصلحة و مطلوب المولى في الجامع و المفسدة في الفرد، لا ما إذا كانت المصلحة أيضاً في الفرد أو الحصة من الجامع الموجودة فيه بالخصوص، كما هو مشروح في الكتاب.

لا يقال‏: إن اريد من هذا البرهان عدم إمكان التقرب بالمبغوض واقعاً رجع إلى البرهان الثاني، و إن اريد عدم تأتي قصد التقرب و الداعي للمكلف إذا كان عالماً بالنهي لكون الفعل عندئذٍ معصيةً و قبيحاً فهذا يرجع إلى البرهان القادم، و هو فرع أن تكون المبغوضية صالحة للتنجز فلا يتم في النهي الغيري، و هذا ما هو مذكور في هامش الكتاب.

فإنّه يقال‏: الملحوظ في هذا البرهان انّ علم العبد بالمبغوضية للمولى يمنع عن إمكان اضافة الفعل إليه بملاك انّه يكون أسوأ حالًا من تركه بلحاظ أغراضه‏

448

المعلومة و المنكشفة للمكلّف لا من ناحية القبح العقلي. بينما في البرهان السادس و السابع الملحوظ قبح الفعل لكونه معصية فلا يصح للمقربية العقلية لكون الفعل قبيحاً، و هاتان نكتتان مستقلتان.

و جواب الأوّل إمكان الاضافة مع كون المصلحة في الجامع لأنّ حال المولى بلحاظ تحقق الجامع أحسن من عدمه. و جواب الثاني انّ المبعد و المقرب العقلي ليس هو الفعل الخارجي، بل هو مع الداعي النفساني لتحقيقه، فإذا أمكن تعدد الداعي في الفعل الواحد و هو الحصة بلحاظ جهتين فيها كان الفعل الواحد مبعداً من جهة و مقرباً من جهة اخرى فلا محذور كما سيأتي بيانه.

البرهان السادس‏: و يرتكز على عدم إمكان التقرب بالمعصية فيتم حتى في القسم الرابع من النهي لكونه معصية بحسب الفرض. إلّا أنّه لا يتم في الغيري، و قد غفل عن الإشارة إلى ذلك في الكتاب.

و قد أبطله الاستاذ بما تقدم من أنّ سبب القرب و البعد هو الداعي لا الفعل الخارجي ليقال بلزوم اتحاد المبعد و المقرب و هو محال و الداعي متعدد كلما تعدد الأمر و النهي في الفرد بنحو جاز اجتماعهما فيكون له داعي امتثال الجامع المنطبق فيه لأنّ حال المولى عند تحققه أحسن من عدم ايجاده، و لهذا كان يحققه حتى لو لم يكن له الداعي الآخر و هذا داع الهي، و يكون له في نفس الوقت داعي تحقق الحصة و الفرد المحرم و هو داع شيطاني؛ نعم لو كان متعلق المصلحة و الأمر الحصة أيضاً لم يمكن اجتماع الداعيين إلّا انّه في مثله لا يمكن اجتماع الأمر و النهي أيضاً، و هذا يعني انّه كلما جاز الاجتماع و لو بالملاك الأوّل للجواز بأن كان الأمر متعلقاً بصرف الوجود و الجامع و النهي متعلقاً بالفرد

449

و الحصة جاز تعدد الداعيين الرحماني و الشيطاني فيكون الابتعاد بلحاظ أحدهما و الاقتراب بلحاظ الآخر.

و هذا الذي أفاده الاستاذ صحيح إذا فسرنا العبادية بمجموع أمرين:

1- ايقاع متعلق الأمر خارجاً- تحقق الامتثال-.

2- أن يكون للمكلف حين ايقاعه داعٍ الهي أي أن يكون دافعه امتثال الأمر المتعلق بما ينطبق على ما حققه خارجاً.

فإنّ كلا هذين الأمرين في المقام متحقق رغم وجود الداعي الشيطاني و العصيان بما حققه بناءً على الاجتماع.

و أمّا إذا قلنا بأنّ العبادية صفة للفعل المأمور به أي أن يكون ما يحقّقه تعبداً و خضوعاً و قرباً للمولى- نظير ما يقال في باب التشريع من انّه صفة لنفس الفعل الواقع خارجاً بنية التشريع لا مجرد النية- فمن الواضح أنّ التعبد و التقرب بهذا المعنى الخارجي ليس صفة للداعي وحده لكي يقال بتعدده في المقام بناءً على الجواز، بل صفة للعمل و الفعل الصادر من المكلف خارجاً و هو فعل واحد و ايجاد واحد لا فعلين، فإذا كان هذا الايجاد الواحد و لو من ناحية واحدة معصية و قبيحاً فلا يتّصف بكونه انقياداً و تقرباً عملياً للمولى؛ لأنّ اتصاف الفعل الخارجي بكونه قبيحاً يكفي فيه أن يكون كذلك من جهة واحدة لا من جميع الجهات، و هذا غير ما يأتي في البرهان السابع من أنّه يشترط أن لا يكون إلى جانب الداعي الالهي داعٍ شيطاني.

البرهان السابع‏: و يرتكز على مبنى فقهي و هو اشتراط أن لا يكون إلى جانب الداعي الرحماني داع شيطاني، أي الخلوص من داعٍ شيطاني، فإنّ اللَّه لا يطاع‏

450

من حيث يعصى، و يدعى انّ هذا داخل في معقد الإجماع على اشتراط القربية في العبادات و هذا يختص كالسابق بفرض وصول النهي و كونه نفسياً، و يثبت البطلان بملاك عدم إمكان التقرب لا القصور الذاتي، و هو يتم حتى على القول بجواز الاجتماع بالملاك الأوّل و الثاني دون الثالث.

إلّا أنّ هذا البطلان و الفساد بنكتة فقهية خاصة بالعبادات و ليست بنكتة اصولية. و الظاهر من الاستاذ الموافقة عليها.

و قد تلخص من مجموع ما تقدم: اننا تارة نبني على امتناع اجتماع الأمر و النهي، و اخرى نبني على الجواز بالملاك الثالث- الجواز الميرزائي- و ثالثة نبني على الجواز بالملاك المختار من إمكان الأمر بصرف الوجود و النهي عن الفرد.

فعلى الأوّل يلزم من ثبوت النهي بطلان العبادة المتعلق بها النهي للقصور الذاتي حيث يرتفع الأمر عن الفرد المنهي عنه لا محالة، و معه لا محرز للملاك أيضاً فتبطل العبادة واقعاً تمسكاً باطلاق الهيئة في دليل الأمر المقتضي للاعادة أو القضاء، و هذا هو البرهان الرابع الأعم من البراهين الاخرى؛ لأنّه يثبت البطلان الواقعي- بمعنى عدم الاجتزاء به و لزوم الاعادة مع الامكان و القضاء خارج الوقت إذا كان فيه قضاء- حتى في صورة الجهل بالنهي، كما انّه يثبته حتى في الواجبات التوصلية.

كما أنّ هذا يتم في تمام الأقسام الخمسة للنهي إذا كان التضاد بين الأمر و النهي الموجب للامتناع بلحاظ نفس الأمر و النهي و أمّا إذا كان بلحاظ مبادئهما أي المحبوبية و المبغوضية فهو لا يتم في القسم الرابع من النهي لعدم المبغوضية في‏

451

متعلقه ليمتنع اجتماعه مع محبوبية الأمر فيه.

و على الثاني لا تبطل العبادة إذا كان متعلق النهي عنواناً آخر بينه و بينها العموم من وجه- لأنّ هذا هو مورد الجواز الميرزائي- في جميع الأقسام للنهي و لا يتم عندئذٍ شي‏ء من البراهين السبعة المتقدمة أيضاً؛ لأنّه يكون من قبيل النظر إلى الأجنبية حين الصلاة.

و على الثالث تبطل العبادة بالبرهان السادس أو السابع و هو يوجب البطلان في حال العلم بالنهي و تنجزه لأنّه بملاك عدم إمكان التقرب لا القصور الذاتي فتكون العبادة في صورة عدم تنجز النهي صحيحة واقعاً لاطلاق الأمر و تحقق القربة كما انّه يتم في الأقسام الخمسة للنهي عدا الثالث و هو النهي الغيري لعدم منجزيته أو مبعديته.

ص 121 قوله: (إذاً فالمبغوضية الفعلية لهذا الفرد...).

يمكن أن يناقش في ذلك بأنّ الكراهة و المبغوضية غير اللزومية قد تكون ناشئة عن مفسدة لو كانت وحدها كانت لزومية، و لكنه للكسر و الانكسار مع مصلحة الواجب المقدار الباقي منها غير لزومي فأوجبت الكراهة بناءً على الامتناع و السراية إلى الفرد، فهي تجتمع مع انحفاظ ذات مصلحة الواجب في الفرد، فلا يكون النهي كاشفاً عن عدمها فيه.

و الجواب: انّ المفسدة في الفرد لو كانت لزومية كانت موجبة لحرمة الفرد قطعاً لا كراهته لامكان الجمع بينها و بين المصلحة اللزومية في الجامع، و ذلك بالآمر بالجامع ضمن فرد آخر بناءً على الامتناع، نعم يمكن جعل هذا منبهاً على عدم سراية الحب من الجامع البدلي إلى الفرد المبغوض و عدم وقوع الكسر

452

و الانكسار بين ملاك النهي في الفرد و ملاك الأمر في الجامع البدلي و هو مبنى الجواز بالملاك الأوّل كما تقدّم في محلّه.

و منه يعرف انّ ما في الهامش في المقام غير تام؛ لأنّه خلف فرض السراية و الامتناع.

ص 122 قوله: (التنبيه الثاني...).

ينبغي التفصيل في ردّ كلام الميرزا كالتالي‏:

تارة يقصد بطلان العبادة باعتبار مانعية الجزء المحرّم، و اخرى يراد بطلان العبادة من ناحية عدم إمكان التقرب بالمركب الذي وقع ضمنه الحب المحرم و كلاهما باطل.

أمّا الأوّل فلوضوح أنّ حرمة الجزء لا تستلزم مانعيته، و تقيد المركب بعدمه إذا جي‏ء بالجزء غير المحرم في مقام التدارك، و ما ذكره الميرزا هنا من الحيثيات الفقهية كلزوم القران أو الزيادة مضافاً إلى انها نكات فقهية لا اصولية، و مختصة بباب الصلاة لا كل عبادة غير تامة في نفسها، و تفصيلها في الفقه.

و أمّا الثاني فلأنّ التقرب إنّما يكون بالأجزاء المحققة للمركب العبادي و ليس منها الجزء المنهي عنه، و مجرد اقترانه معها لا يمنع عن التقرب بها، هذا إذا فرض عبادية المركب بما هو مركب المساوق مع عبادية تمام أجزائه، و إلّا كانت العبادية لخصوص الأجزاء العبادية، و لا مجال لتوهم عدم إمكانها لمجرد اقترانها بفعل محرم، فحاله حال النظر إلى الأجنبية ضمن الصلاة- بل لو فرض الجزء المنهي عنه توصلياً و قيل بالجواز صحّ التقرب بالمركب المشتمل عليه أيضاً؛ لأنّ المقصود من التقرب بالمركب بما هو مركب عندئذٍ هو قصد التقرب بتمام‏

453

المركب و هي حيثية اخرى غير الجزء المأتي به المحرم.

و أمّا الشرط إذا تعلّق به النهي فقد ذكر السيد الشهيد انّه إذا كان عبادياً كالوضوء يبطل، و إلّا فلا يبطل.

و الصحيح‏: انّه لا بد من التفصيل بين عبادية الشرط بمعنى اشتراط قصد القربة فيه فهذا لا يمنع من التمسك باطلاق الشرطية في موارد الجهل بالنهي و حصول قصد القربة و التوصّل بالشرط إلى الواجب النفسي لعدم لزوم الاجتماع؛ إذ الأمر بالتقيد لا القيد، و هذا هو المقصود ممّا ذكرناه في هامش الكتاب و بين ما إذا كان بمعنى أنّ ما يكون عبادة في نفسه شرط في الصلاة فاطلاق الشرطية لا يثبت العبادية عندئذٍ لعدم الأمر بالشرط بعد فرض تعلّق الحرمة به بناءً على الامتناع.

و المحققون أضافوا النهي عن الوصف و بحثوا فيه كالنهي عن الجهر في القراءة و حاله حال النهي عن الشرط بل أحسن منه لعدم الأمر به، لأنّ الوصف غير الموصوف فيعقل النهي عنه مع الأمر بذات الموصوف حتى على القول بالامتناع و لا يدخل في باب الاجتماع. نعم، قد يدخل في باب التزاحم إذا كان الوصف ملازماً مع الموصوف. كما انّه إذا فرض الوصف متحداً خارجاً مع الموصوف بحيث يرى عرفاً فعلًا و عملًا واحداً و اشترط التقرب العملي في ذلك الفعل فإذا تعلّق به النهي و التحريم قد يبطل العمل من ناحية القربة، و قد حذف السيد (قدس سره) في الدورة الثانية هذا القسم و هو الأولى.

ص 123 قوله: (فنقول: لو افترضنا انّ المكلّف كان يعلم...).

ظاهر العبارة أنّ من يعلم بعدم الأمر لا يمكنه الاتيان بالعمل مع قصد التشريع،

454

إلّا انّ هذا غير صحيح، فإنّ التشريع المحرّم في حق العالم بالعدم معقول أيضاً، بل أشدّ حرمة؛ لأنّه افتراء أشد على اللَّه سبحانه و تعالى من التشريع في مورد الشك و احتمال الأمر.

و كأنّ المقصود بيان أنّ العمل تارة يبطل لعدم تأتي قصد القربة فيه كمن يعلم بعدم الأمر، و اخرى يبطل مع امكان قصد التقرّب به؛ لاحتمال الأمر و امكان قصده رجاءً، إلّا أنّ المكلّف يقصد الأمر بنحو الجزم و اليقين و يسنده إلى الشارع فيكون تشريعاً فيبطل العمل من جهة الحرمة التشريعية و مانعيتها عن صحّة العبادة بأحد الوجوه الثلاثة المذكورة.

و هنا وجه رابع غير الوجوه الثلاثة، و حاصله: أنّه إذا سلّمنا عدم حرمة التشريع و عدم قبحه العقلي مع ذلك لم يكن الفعل المأتي به بقصد الأمر الجزمي التشريعي عبادة صحيحاً لأنّ هذا ليس قصداً قربياً، أي ليست اضافة حقيقية للمولى و من أجله، و إنّما اضافة صورية إذ المراد بنية القربة أن يكون داعيه أمر المولى و من يعلم انّه يدعي عليه أمراً لا يعلم بثبوته- و المفروض انّه لا يقصد الرجاء- فهو ليس داعيه امتثال أمر المولى إلّا اسماً و صورةً لا واقعاً و حقيقة.

فالحاصل الداعي المولوي المعقول إنّما هو قصد الرجاء فإذا لم يكن متحققاً منه فلا يعقل في حقه داعٍ الهي آخر إلّا صورة فتبطل العبادة لعدم الداعي القربي، الحقيقي لا لمانعية قصد التشريع و حرمته.

ثمّ إنّ هنا تنبيهاً آخر ذكره السيد الشهيد في دورته السابقة و حذفها في هذه الدورة و هو موجود في الكفاية، حاصله: انّ النهي التحريمي الذاتي في العبادة إن اريد به النهي عن ذات العبادة أي العمل فهو معقول و موجب لبطلانها بأحد البيانين و البرهانين من البراهين المتقدمة، إلّا انّه غير ملتزم به فقهياً عادة في‏

455

موارد ثبوت الحرمة الذاتية كصوم العيدين مثلًا. و إن اريد به النهي عن العبادة بما هي عبادة فهذا ممتنع و يمكن أن يذكر في وجه الامتناع عدة تقريبات:

الأوّل: ما ذكره في الكفاية من انّ تعلّق النهي و الحرمة الذاتية بالعبادة بما هي عبادة مستلزم لاجتماع حرمتين و هو من اجتماع المثلين لأنّ العبادة إذا كانت منهياً عنها فلا أمر بها فلا يعقل التعبد بها إلّا بقصد التشريع و هو محرم في نفسه بحرمة التشريع فلو كان محرماً بحرمة ذاتية أيضاً لزم اجتماع المثلين و هو محال.

الثاني: ما ذكره المحقق النائيني انّ فرض العبادية يلازم فرض المقربية، كما انّ فرض النهي الذاتي يلازم فرض المبعدية و يمتنع أن يكون شي‏ء واحد مقرباً و مبعداً، و هذا يعني انّه يستحيل تعلّق النهي التحريمي بالعبادة بما هي عبادة للزوم التضاد أو التناقض.

الثالث: قد يذكر من انّ تعلّق النهي بالعبادة بما هي عبادة يوجب امتناع تحقق المتعلّق لامتناع التعبد و التقرّب بعد فرض تعلّق النهي و الحرمة، و معه يمتنع النهي أيضاً لاستحالة أن يكون محركاً و زاجراً بعد أن أصبح متعلقه ممتنعاً خارجاً، فلو اريد أن يكون مانعاً عن فعل العبادة فالمفروض امتناعه، و إن اريد أن يكون مانعاً و زاجراً عن غيرها فهو محال أيضاً؛ لأنّ التكليف يحرك نحو متعلقه لا غيره مع انّه غير مقصود في المقام، و لعلّه لهذه النكتة ذهب أبو حنيفة على ما نسب إليه من انّ النهي في العبادة يقتضي صحّتها.

الرابع: قد يذكر أيضاً من انّ التعبد و التقرب كلما أمكن كان حسناً ذاتاً فلا يعقل النهي عنه شرعاً، فإنّه كالأمر بالمعصية ممتنع؛ لأنّ حسن الطاعة و الانقياد كقبح المعصية حكم عقلي تنجيزي لا يعقل الردع و المنع عنه شرعاً.

456

و يمكن الجواب عن هذه الاشكالات بوجوه‏:

الأوّل: ما ذكره الكثيرون- من أنّ المراد تعلّق النهي التحريمي بما هو عبادة لو لا النهي و المقصود أنّ البحث عن اقتضاء النهي التحريمي للفساد مرجعه إلى انّه لو تعلّق نهي تحريمي بعبادة بالمقدار الممكن و المعقول لتعلقه به و لو بتعلقه بذات العبادة- فهذا يوجب فسادها و عدم وقوعها صحيحة بأحد الوجهين المتقدمين من ارتفاع الأمر و عدم امكان قصد القربة.

فالتنافي بين النهي التحريمي و الأمر أو بين النهي و المقربية مستفاد من نفس هذا البحث، فليس البحث لغواً. و امّا هل ثبت ذلك في مورد من الفقه و يمكن الالتزام به في بعض النواهي عن العبادات بحملها على النهي التحريمي بذات العمل أو لا بدّ من حملها على الارشادية فذاك بحث فقهي غير ضائر بالبحث الاصولي، فإنّ تمام هدف البحث الاصولي اثبات هذه الملازمة و الممانعة بين النهي التحريمي و لو عن ذات العبادة و الصحة و تسميته بالاقتضاء و انّ النهي هو الذي دلّ على الفساد لأنّه لو لا النهي كان صحيحاً لفعلية الأمر تمسكاً باطلاق دليله و إمكان قصد القربة فليس النهي متعلقاً بفعل لم يكن متعلقاً للأمر و لا عبادة ليقال بأنّه لغو، فارتفاع عباديته في طول تعلق النهي، و كفى بذلك أثراً في البحث الاصولي.

و ثانياً: يمكن افتراض تعلّق النهي التحريمي بالفعل المأتي به بقصد الأمر، و ما ذكره صاحب الكفاية من لزوم اجتماع المثلين لأنّ قصد الأمر عندئذٍ تشريع محرم ممنوع حتى إذا قيل بحرمة الفعل المأتي به تشريعاً شرعاً.

إذ مضافاً إلى عدم توقف ذلك على قصد التشريع في تمام الصور كما إذا لم يصل إليه التحريم فإنّه يمكنه قصد الأمر و لو الاحتمالي رجاءً.