الاجتهاد والتقليد

- السيد رضا الصدر المزيد...
415 /
67

و استدلّ على عدم لزوم الإعادة أو القضاء بالإجماع، و بأنّ الحكم بفساد المأتي به مستلزم للعسر و الحرج المنفيّين في الشرع. و لا يخفى عموميّة الاحتجاج الثاني، و على فرض تماميّته يتناول المسائل الأربع. و لكن للنظر في كلا الدليلين مجال.

أمّا الإجماع فأصل ثبوته محل تأمّل؛ إذ لم أعثر على البحث عن هذه المسألة في كتب القدماء؛ فإنّها من المسائل المستحدثة التي لم تكن مبحوثاً عنها عندهم.

سلّمنا أصل ثبوت الإجماع، لكن تعبّديّته غير ثابت، فإنّ من المحتمل اعتماد المجمعين على دليل في المقام، كاستلزام العسر و نحوه.

سلّمنا ذلك، لكنّ المتيقّن منه ما إذا كان الخلل من ناحية غير الأركان.

و أمّا العسر و الحرج فهما و إن كانا منفيّين في الشرع، لكنّهما يقدّران بقدرهما، فالمنفي بهما ما إذا لزم أحدهما من ترتيب آثار الفساد.

و أمّا في الصورة التي لم يلزم من الحكم بالانتقاض عسر و لا حرج فلا يدلان على نفي آثار الفساد.

و يمكن أن يحتجّ لترتيب آثار الصحّة على جميع ما وقع فاسداً بحسب الاجتهاد الفعلي، و كذا لترتيب آثار الطهارة على ما ظهرت نجاسته فعلًا بقوله:

«رفع عن أُمّتي تسعة» و عدّ منها: «ما لا يعلمون» (1).

و ما رواه في الكافي عن عبد الأعلى بن أعين: قال سألت أبا عبد الله (عليه السلام) من لم يعرف شيئاً هل عليه شي‏ء؟ قال (عليه السلام): «لا» (2).

بيان الاحتجاج به أنّ ما لا يعلم اعتباره و اشتراطه و حكمه فهو مرفوع، و المراد من رفعه هو الرفع الواقعي بمعنى أنّ الشرط الذي لم يعلم فهو غير مشترط، و الحكم الذي لم يعلم فهو غير معتبر.

فإن قلت: رفع المجهول محدود بعدم العلم به، و بحصول العلم به ارتفع رفعه.

____________

(1) بحار الأنوار، ج 2، ص 280، ح 47.

(2) الكافي، ج 1، ص 164، كتاب التوحيد، باب حجج الله على خلقه، ح 2.

68

قلت: إنّ عدم العلم لم يجعل في النصّ قيداً للرفع، كما إذا قيل: رفع ما لم يعلموا، بل جعل «ما لا يعلم» وصفاً عنوانيّاً للمجهول، فهو مرفوع بلا قيد، و إطلاق الرفع حاكم. نعم، ذلك في الأعمال المتجدّدة غير مرفوع؛ لخروجه عن عنوان «ما لا يعلم» و دخوله تحت وصف «ما يعلم».

و أمّا البحث الجزئي فنقول: أمّا حكم إعادة الصلاة الواجدة للخلل في الوقت، فقوله (عليه السلام): «لا تعاد الصلاة إلا من خمسة» (1) إلخ حاكم بعدم لزوم الإعادة إن كانت الصلاة فاقدة لغير الجزء الركني، و الشرط الركني. كما يحكم بوجوب إعادتها إن كانت فاقدة للركن شرطاً كان أو جزءاً. فيقيّد به إطلاق حديث الرفع بدعوى أنّ قوله (عليه السلام): «لا تعاد» إلخ من قبيل الخاصّ بالنسبة إلى حديث الرفع من جهة كونه كالناظر إلى صورة الجهل. و سيجي‏ء البحث عن قوله (عليه السلام): «لا تعاد» إلخ.

ثمّ إنّ قوله (عليه السلام) في باب الحجّ: «من أدرك أحد الموقفين فقد أدرك الحجّ، و من فاته الموقفان فقد فاته الحجّ» (2) من قبيل قوله (عليه السلام): «لا تعاد» في باب الصلاة، فنحكم بصحّة حجّ من أدرك أحد الموقفين: الوقوف بعرفات، و الوقوف بالمشعر. إن كان الخلل واقعاً في بعض المناسك، كما نحكم بفساد حجّه إن فاته الوقوفان، و النسبة بينه و بين حديث الرفع هي النسبة بين الحديث و بين قاعدة «لا تعاد».

ثمّ إنّ قوله (عليه السلام): «لا تعاد» إن كان شاملًا للقضاء كما هو الظاهر، فإنّ المقصود الظاهر من الإعادة استئناف العمل، لا الإعادة الاصطلاحيّة يعلم حكم القضاء. و إن أبيت عن ذلك، و قلت باختصاصه استئناف العمل في الوقت فنقول: إنّ وجوب القضاء قد ترتّب على الفوت، و الفوت غير ثابت؛ و ذلك لأنّ الفوت عبارة عن عدم صدور فعل لدى اقتضاء صدوره فهو متقوّم بأمرين، فأصالة عدم صدور الصلاة في وقتها غير جارية؛ لعدم الأثر لما عرفت أنّ الأثر مترتّب على مجموع الأمرين،

____________

(1) وسائل الشيعة، ج 6، ص 91، الباب 29 من أبواب القراءة في الصلاة، ح 5.

(2) وسائل الشيعة، ج 11، ص 53، الباب 18 من أبواب وجوب الحجّ، ح 5.

69

لا أحدهما، مع أنّ اقتضاء وجود الفعل مستصحب العدم أيضاً.

و قال المدقّق الأصفهاني:

و أمّا القضاء فحيث أنّه مترتّب على الفوت المساوق لذهاب شي‏ء من المكلّف مع ترتّب حصوله منه لكونه فرضاً فعليّاً، أو ذا ملاك لزومي فهو عنوان ثبوتي، فلا ينتزع من عدم الفعل في الوقت؛ لأنّ المفاهيم الثبوتيّة يستحيل انتزاعها من العدم و العدمي، فاستصحاب عدمه في الوقت المضروب له يلازم الفوت، لا أنّه عينه، فيكون الأصل مثبتاً بالنسبة إليه. (1) و فيه أنّ الفوت ليس بعنوان ثبوتي محض، بل هو عنوان مركّب من النفي و الثبوت، مع صحّة انتزاع بعض العناوين الثبوتيّة عرفاً من العدم، فإنّ الأُمّي منتزع من «لا كاتب» و الجاهل منتزع من «لا عالم».

و أما الحال في المسألة الثالثة، فإن قلنا بجريان قاعدة الطهارة في الشبهة الحكميّة فبيان الاحتجاج بها بمثل ما مرّ في بيان الاحتجاج بحديث الرفع، و إلا فلم نعثر على دليل خاصّ مثبت لانتقاض الحكم بالطهارة أو لبقائه.

و أمّا الكلام في المسألة الرابعة فقد قيل: إنّ الأحكام الوضعيّة من حيث أنّها أُمور اعتباريّة و ليست بأُمور حقيقيّة فحقيقتها نفس اعتبارها، فحقيقة الملكيّة، أو الزوجيّة هي نفس اعتبار كلّ منهما، فلا كشف خلاف فيها.

و فيه: أنّ هذا الكلام صحيح كبرويّاً، لكنّ الكلام في الصغرى و هو أنّ الشارع هل اعتبر الملكيّة، أو الزوجيّة، أو توهّم اعتبار الشارع لكلّ منهما؟ و بعبارة أُخرى: هل الشارع حكم بترتّب الأثر على العقد الفاقد للشرط عند الجهل باعتبار الشرط أم لا؟

____________

(1) بحوث في الأُصول، الاجتهاد و التقليد، ص 10.

70

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

71

التقْليد

72

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

73

البحث عن التقليد

إنّ البحث عن التقليد قد يقع في مفهومه بحسب اللغة، و قد يقع في مفهومه بحسب الاصطلاح. و المعنى الاصطلاحي للتقليد متّخذ من معناه اللغوي، فالواجب أوّلًا البحث عن الأصل، ثمّ البحث عن الفرع.

التقليد عند أهل اللغة

قال الفيّومي في المصباح: «قلّدت المرأة تقليداً: جعلت القلادة في عنقها، و منه تقليد الهدي، و هو أن يعلّق بعنق البعير قطعة من جلد ليعلم أنّه هدي فيكفّ الناس عنه، و تقليد العامل توليته كأنّه جعل قلادة في عنقه» (1).

و قال العلائلي في المرجع: «تقليد: تطويق العنق بحبل و مثله، و تعليق القلادة فيه، و شرعيّاً: الاتّباع من غير نظر و تأمّل في الدليل، و الانقياد من غير تثبّت».

أقول: المعنى الأخير ليس بمعنى شرعي للتقليد، بل هو معنى عرفي متّخذ من معناه الشرعي، و يشهد لذلك كلام صاحب أقرب الموارد حيث قال: «قلّده في كذا: تبعه من غير نظر و تأمّل» (2). فالمعنى الشرعي كالنواة لذلك المفهوم العرفي الوسيع؛ لكونه اتّباع الغير في الأحكام من غير نظر و تأمّل.

____________

(1) المصباح المنير، ج 2، ص 197، «قلّد».

(2) أقرب الموارد، ج 2، ص 1029، «قلّد».

74

التقليد بحسب الاصطلاح‏

إنّ المعرّفين للتقليد على طائفتين:

إحداهما: من جعل التقليد أمراً سابقاً على العمل بفتوى المفتي.

فقد عرّفه في العروة الوثقى ب: «أنّه الالتزام بالعمل بقول مجتهد معيّن و إن لم يعمل» (1).

و قال صاحب الفصول: «أنّه الأخذ بفتوى الغير» (2).

و أضاف قيداً عليه صاحب الكفاية، فعرّفه ب: «الأخذ بفتوى الغير للعمل» (3).

و من ذلك يظهر النظر فيما ذكره دام ظلّه في المستمسك من: «أنّ الأخذ في هذه التعريفات بمعنى العمل» (4).

فإنّ ما ادّعاه من المعنى للأخذ يناسب التعريف الذي اختاره صاحب الكفاية، و هو واضح.

ثانيتهما: من جعل التقليد نفس العمل.

قال العلامة (قده) في النهاية: «إنّ التقليد هو العمل بقول الغير من غير حجّة معلومة» (5) و قال صاحب المعالم: «إنّه العمل بقول الغير من غير حجّة» (6). و تبعهما في ذلك كثير من المعاصرين.

لكن المدقّق الأصفهاني في تعليقته على كفاية الأُصول، و في رسالته في الاجتهاد و التقليد بدّل الدالّ الحرفي من هذا التعريف بدالّ اسمي.

____________

(1) العروة الوثقى، ج 1، ص 4 المسألة 8.

(2) الفصول في علم الأُصول، ح 2، ص 132.

(3) كفاية الأُصول، ج 2، ص 434.

(4) المستمسك، ج 1، ص 12.

(5) نهاية الأحكام، ج 1، ص 398.

(6) معالم الدين في الأُصول، ص 236.

75

فقال (قده): «إنّه العمل استناداً إلى رأي الغير».

و قال: «إنّ مفهومه اللغوي أوفق بالعمل من الأخذ للعمل» (1).

أقول: لأنّ مفهومه اللغوي عمل خارجي و هو تعليق القلادة، و ليس بمقدّمة للعمل الخارجي، فلا يوافق مع الأخذ، مضافاً إلى أنّ المقلّد يجعل عمله كالقلادة في رقبة المفتي. و أمّا أخذ الرسالة فليس بجعل شي‏ء في عنق صاحبها حتّى يصير ذا قلادة.

و قال السيّد في المستمسك: «إنّه العمل اعتماداً على رأي الغير» (2).

أقول: و لعلّه أخذه من الشيخ الحائري اليزدي حيث عرّفه في تعليقته على العروة ب: «أنّه متابعة المجتهد في العمل بأن يكون معتمداً على رأيه في العمل».

و قال سيّدي الوالد (قده) في تعليقته على العروة: «أنّه تطبيق العمل على رأي الغير». و تبعه في ذلك بعض المعاصرين في تعليقته على العروة الوثقى. هذه عصارة آرائهم في تعريف التقليد.

التقليد هو العمل‏

و التحقيق مع الطائفة الثانية في قولهم: «إنّ التقليد هو العمل»: فإنّ الطائفة الأولى قد خلطوا بين التقليد و بين بعض مقدّماته، و يدلّ على ذلك أُمور:

أحدها: أنّ التقليد صفة عارضة لما فيه التقليد، فإن كان معروض هذه الصفة من مقولة الكلام فالتقليد من سنخ الكلام، و إن كان معروضها من سنخ الكتابة فالتقليد من سنخها، و إن كان معروضها أمراً قلبيّاً اعتقاديّاً فالتقليد أمر قلبي اعتقادي، و إن كان معروضها عملًا خارجيّاً فالتقليد عمل خارجي.

فقد تبيّن أنّ التقليد في العمل بالأحكام الشرعية أمر من مقولة العمل؛ لعروضه عليه، و وجوده بوجوده، و لا يخفى أنّه لا يجوز سبق الصفة على الموصوف بحسب‏

____________

(1) نهاية الدراية، ج 6، ص 396.

(2) المستمسك، ج 1، ص 12.

76

الوجود؛ فظهر فساد ما ذكره في الكفاية: من «أنّ التقليد سابق على العمل، فلا يجوز تعريفه بالعمل» (1).

وجه الفساد: أنّ التقليد كيفيّة اعتباريّة خاصّة عارضة للعمل بالأحكام الشرعيّة، فلا يجوز عقلًا سبقها عليه، بل هي مقارنة له في الوجود.

ثانيها: أنّ الالتزام و عقد القلب من الأفعال القلبيّة، و لا يجوز عروضه على الأفعال الخارجيّة، فكيف يوصف به العمل الذي هو فعل خارجي؟ لأنّ السنخيّة بين الصفة و الموصوف، و العارض و المعروض شرط في الاتّصاف أو العروض، و إلا فالاتّصاف أو العروض مستحيل.

أضف إلى ذلك: أنّ مجرّد أخذ الفتوى للعمل، أو عقد القلب على العمل بها و نحو ذلك لا يعدّ اتّباعاً في الأفعال الخارجيّة عند العقلاء ما لم يصدر أعمالًا مطابقة لها؛ نعم، هذه من مقدّماته، كالعزم و القصد.

و الشاهد على ذلك سيرة العقلاء التي هي من أُصول أدلّة التقليد، فإنّ من التزم باتّباع طبيب في علاج مرضه، أو من عقد في قلبه اتّباع مقوّم في تقويم جوهرة له فهما لا يعدّان متابعين للطبيب و للمقوّم عند العقلاء ما داما غير عاملين بقوليهما، فالالتزام، و عقد القلب، و أمثالهما من مقدّمات الاتّباع لا نفسه.

ثالثها: أنّه من اللوازم العقليّة لحجّيّة قول المفتي للمقلّد المعذّريّة و هي غير متحقّقة إلا بالعمل؛ إذ لا يصحّ الاعتذار له بصرف عقد قلبه للعمل بقول فقيه، أو بأخذ فتواه من دون أن يصدر عنه عمل مطابق لها.

رابعها: أنّ الظاهر من قوله تعالى في أية النفر لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ‏ هو الحذر العملي الخارجي، لا الحذر القلبي القصدي.

و كذا الظاهر من الكلام المروي عن الإمام العسكري (عليه السلام): «فللعوام أن يقلّدوه» (2).

____________

(1) كفاية الأُصول، ج 2، ص 434 و 435.

(2) وسائل الشيعة، ج 27، ص 131، الباب 10 من أبواب صفات القاضي، ح 20؛ الاحتجاج، ج 2، ص 511، ح 337.

77

إنّ العوامّ يأتون بعباداتهم و معاملاتهم على طبق قول العالم الموصوف بتلك الصفات، فلا ظهور له في صرف الالتزام القلبي للعمل، أو في أخذ فتواه فقط و إن لم يكن عاملًا به أصلًا.

خامسها: أنّ الظاهر من قوله (عليه السلام): «فارجعوا إلى رواة أحاديثنا» (1). و كذا الظاهر من أقوال الأئمّة «، عند إرجاعهم بعض أصحابهم إلى علماء صحابتهم هو عمل المأمور بقول المرجع، و ذلك هو الحال عند العقلاء في الإرجاع إلى الأخصّائيّين.

سادسها: صحيحة أبي عبيدة الحذّاء عن أبي جعفر (عليه السلام): «من أفتى الناس بغير علم و لا هدى من الله لعنته ملائكة الرحمة و العذاب، و لحقه وزر من عمل بفتياه» (2).

فالظاهر منها أنّ المراد بقوله (عليه السلام): «من عمل بفتياه» من يقلّد ذلك المفتي؛ إذن فالتقليد هو العمل دون غيره.

حجج من قال: إنّ التقليد سابق على العمل:

منها: ما ذكره في الفصول:

أنّه لا يعتبر في ثبوت التقليد وقوع العمل بمقتضاه؛ لأنّ العمل مسبوق بالعلم فلا يكون سابقاً عليه، و لئلا يلزم الدور في العبادات من حيث إنّ وقوعها يتوقّف على قصد القربة و هو موقوف على العلم بكونها عبادة، فلو توقّف العلم بكونها عبادة على وقوعها لكان دوراً. (3) أقول: إنّ الوجهين مبنيّان على أصل مطوي في كلامه، و هو أنّ العلم بعباديّة العبادة للعامّي يحصل من التقليد، لكنّه أصل باطل؛ لأنّ هذا العلم للعامّي يحصل من تعلّم قول المفتي، و هذا ليس بتقليد، بل هو من مقدّمات التقليد، و أنّ التقليد هو العمل على طبق هذا العلم، فلا يكون سابقاً عليه، بل هو متأخّر عنه تأخّر ذي المقدّمة

____________

(1) وسائل الشيعة، ج 27، ص 140، الباب 11 من أبواب صفات القاضي، ح 9.

(2) وسائل الشيعة، ج 27، ص 20، الباب 4 من أبواب صفات القاضي، ح 1.

(3) الفصول في علم الأُصول، ج 2، ص 132.

78

عن مقدّمته.

و منها: أنّ مشروعيّة العمل متوقّفة على التقليد، فيجب تأخّر العمل عنه، فلو كان التقليد عنواناً منتزعاً من العمل لكان دوراً؛ لتأخّر الأمر الانتزاعي عن منشإ انتزاعه.

أقول: و لعلّ ما ذكره في الكفاية من: «لزوم سبق التقليد على العمل، و إلا كان بلا تقليد» (1) ناظر إلى صغرى هذه الحجّة.

و الجواب أوّلًا: أنّ توقّف مشروعيّة عمل العامّي على التقليد غير مستلزم لتأخّر العمل عنه؛ لكفاية المقارنة الوجوديّة بينهما، و بها تتحقّق المشروعيّة، فلا يلزم سبق التقليد على العمل.

____________

(1) كفاية الأُصول، ج 2، ص 435.

79

و ثانياً: أنّ الأمر الانتزاعي و إن كان متأخّراً بحسب الانتزاع عن منشإ انتزاعه، لكنّه بما له من الوجود في الخارج مقارن وجوداً مع منشإ انتزاعه، و ليس بمتأخّر عنه، و إنّ تأخّره عن منشإ انتزاعه كتأخّر الوصف عن الموصوف ليس بتأخّر وجودي، بل هو تأخّر آخر قد ثبت في محلّه.

و منها: أنّ كلّ مكلّف لا بدّ و أن يستند في فعله الشرعي إلى حجّة، فمستند المجتهد اجتهاده، و مستند المقلّد تقليده، و الحجّة يجب أن تكون سابقة على ما يتوقّف عليها. أو يقال: كما أنّ اجتهاد المجتهد سابق على عمله كذلك تقليد المقلّد سابق على عمله؛ لكونهما متقابلين.

و الجواب: أنّ الحجّة ليست من العلل الوجوديّة لفعل المكلّف مجتهداً كان أو مقلّداً حتّى يجب سبقها على فعله بحسب الوجود، بل الحجّة سبب للاكتفاء بذلك الفعل في مقام الامتثال. إذا تبيّن ذلك فيكفي المقارنة الوجوديّة بين الفعل و الحجّة، فإنّ اللازم في المقام وجود الحجّة، سواء أ كانت متقدّمة على الفعل أم مقارنة.

و أمّا قياس التقليد على الاجتهاد من جهة التقابل فيجاب عنه نقضاً بالاحتياط، فإنّه أحد المتقابلين للاجتهاد و ليس بسابق على العمل.

و جوابه الحلّي إنّك قد عرفت معنى التقابل بين هذه الثلاثة، فلا يجري عليه حكم التقابل بين الضدّين الحقيقيّين، بل قال المدقّق الأصفهاني:

لا تقابل بين الاجتهاد و التقليد حتّى يكون سبق الأوّل على العمل موجباً لسبق الثاني عليه، بل التقابل بين عمل المجتهد و عمل المقلّد، فالعمل المستند إلى ما حصّله من المدرك عمل المجتهد، و العمل المستند إلى رأي الغير على عمل المقلّد. (1) الاستناد في العمل كلّ من قال بمساوقة التقليد للعمل فقد قيّده بكون العمل مستنداً إلى رأي المفتي و إن اختلفت عباراتهم، و ذلك هو الأنسب لمعناه اللغوي، فكأنّ العامّي يجعل قلادة أعماله على عنق من يقلّده.

ففي صحيح ابن الحجّاج، كان أبو عبد الله (عليه السلام) قاعداً في حلقة ربيعة الرأي، فجاء أعرابي، فسأل ربيعة عن مسألة فأجابه، فلمّا سكت قال له الأعرابي: أ هو في عنقك؟ فسكت عنه ربيعة و لم يردّ عليه شيئاً، فأعاد عليه المسألة فأجابه بمثل ذلك، فقال له الأعرابي: أ هو في عنقك؟ فسكت ربيعة، فقال له أبو عبد الله (عليه السلام): «هو في عنقه» قال: «أو لم يقل: و كلّ مفت ضامن» (2).

و يشكل اعتبار الاستناد في مفهوم التقليد المصطلح بينهم؛ إذ هم قائلون بتحقّق التقليد و لو لم يكن العمل مستنداً.

فقد حكموا ببطلان عمل العامّي إذا لم يكن مقلّداً و لا محتاطاً؛ و حكموا أيضاً بصحّة عمله إذا كان مطابقاً لفتوى المجتهد الذي يجوز تقليده، مع أنّ هذا العامّي لم يكن مقلّداً له بحسب القصد، و الاستناد غير موجود في عمله، و ذلك يكشف عن كون مجرّد مطابقة عمل العامّي مع فتوى المجتهد كافياً في تحقّق التقليد.

و يمكن أن يقال: إنّ مجرّد مطابقة العمل مع قول المفتي لا يعدّ تقليداً عنه، فإذا

____________

(1) بحوث في الأُصول، الاجتهاد و التقليد، ص 14؛ نهاية الدراية، ج 6، ص 397.

(2) وسائل الشيعة، ج 27، ص 220، الباب 8 من أبواب آداب القاضي، ح 2.

80

لم تكن المطابقة مقصودة في العمل فهو ليس بمتّبع للمفتي عند العقلاء.

و أمّا حكمهم بصحّة عمل العامّي الذي لم يقلّد إن كان عمله مطابقاً لفتوى مجتهد يجوز تقليده فليس من باب تحقّق التقليد منه، و لعلّه من باب مطابقة عمله للحجّة التي هي بمنزلة الواقع، فكما أنّهم لا يحكمون بفساد أعماله إذا وقعت مطابقة للواقع و إن لم يكن هناك تقليد، فكذلك لا يحكمون بفسادها إذا وقعت مطابقة للحجّة.

و يمكن أن يقال: إنّ الاستناد جهة تعليليّة للتقليد، فهو من قبيل العلّة له و خارج عن حقيقته، فالصواب تعريف التقليد ب «تطبيق العمل مع رأي الغير» فكما أنّ تقليد فعل الغير تطبيق الفعل لفعله، كذلك تقليد رأي الغير تطبيق العمل لرأيه.

التقليد عند العقل‏

الأصل الأوّلي: العقل يرى أنّ الاتّباع و الانقياد لكلّ أحد قبيح، و أنّه يخطّئ من يميل مع كلّ ريح، و يراه مستحقّاً للوم، فإنّ البشر أجلّ شأناً، و أشرف مقاماً من أن يكون مثل النبات الفاقد للعقل و الإرادة، فالاتّباع الأعمى غير مستحسن عند جميع العقلاء، و أنّ حسن الاتّباع عند العقل موقوف على صحّة الاحتجاج بكلام من يتّبع، و الحجّيّة غير ثابتة لكلّ كلام، فإن حجّيّة كثير من الأقوال مقطوع العدم، فالأصل الأوّلي الحاكم به العقل عدم جواز التقليد.

و يدلّ على هذا الأصل أنّ الشكّ في حجّيّة قول يلازم الحكم بعدم حجّيّته؛ إذا الحجّيّة من الأوصاف التي وجودها في مقام الثبوت تابع لوجودها في مقام الإثبات، فما لم يكن لها وجود بحسب الإذعان ليس لها وجود بحسب الواقع، فوجودها الخارجي تابع لوجودها الذهني، فالاتّباع لكلّ قول مشروط بالاعتراف بحجّيّة ذلك القول.

أضف إلى ذلك: أنّ قول الغير في كثير من الأوقات لا يفيد الوثوق؛ و ما لا يفيد الوثوق لا يجوز عليه الاعتماد عند العقلاء، فإنّ الحجّة عندهم هو الوثوق دون غيره.

فتبيّن أنّ التقليد من حيث هو تقليد مذموم عند العقل، و لا يخضع له العاقل.

الأصل الثانوي: إذا كان للتقليد جهة عقلائيّة فيخرج عن كونه مذموماً عند العقلاء،

81

فإنّه ليس بتقليد أعمى؛ لأنّ الجهة المرجّحة التي يخضع لها العقل تخرجه عن دائرة الذمّ و القبح، و تدخله في إطار المدح و الحسن. و الجهة المرجّحة معرفة من يتبع، بمورد الاتّباع.

و يرشدك إلى ذلك سيرة العقلاء في جميع أُمورهم، و شؤونهم مرّ الدهور و الأعوام؛ فإنّهم عند جهلهم بشي‏ء يتّبعون العارف به، فإنّ دربهم لتحصيل المعرفة بقيم الأشياء هو الرجوع إلى المقوّم العارف بالقيم، و لمعرفة صحيح الأشياء عن سقيمها هو الرجوع إلى المتخصّص، و في علاج مرضاهم هو الرجوع إلى الطبيب، كما يرجعون لمعرفة معاني الألفاظ إلى أهل اللسان، أو أئمّة اللغة.

بل يمكن أن يقال: إنّ رجوع الجاهل إلى العالم من العقل الفطري لكلّ إنسان، فمن البديهي أنّ من لا يعرف الطريق يسأل العارف به.

نظرة إلى السيرة

و من البديهي أنّ هذه السيرة غير مختصّة بصورة حصول اليقين من قول، العالم، بل هي جارية بينهم حتّى في الصورة التي لا يحصل لهم اليقين من قوله، كما أنّها جارية لديهم في صورة تمكّنهم من معرفة حال المجهول بالبحث عنه، و صرف الجهل في سبيل معرفته، فهم يرجعون إلى العالم إذا لم يقصدوا البحث عن معرفته بأنفسهم.

و أيضاً إنّ هذه السيرة جارية لديهم في صورة تمكّنهم من الاحتياط، فإنّ الرجوع إلى العارف لا يختصّ بالصورة التي لم يمكن فيها الاحتياط.

إجراء السيرة في الأُمور الشرعيّة

و لا نريد من تقليد العامّي بالأحكام الشرعيّة عن المجتهد إلا إجراء هذه السيرة العقلائيّة في كيفيّة إطاعة الأحكام الإلهيّة، فإنّ العقل هو الحاكم في مقام امتثال أوامره تعالى و نواهيه.

و لو كان للشرع طريق خاصّ لامتثال أحكامه لوجب الإخبار به، و إلا لزم لغويّة

82

التشريع من جهة عدم معرفة البشر به، فإذا لم يخبر عن ذلك فهو كاشف عن اتّكال امتثال أحكامه إلى ما يعرفه العقل البشري.

مضافاً إلى أنّ تلك السيرة العقلائيّة لمّا كانت تبدأ من ابتداء العصر البشري، و تكون جارية مدى القرون و الأحقاب، و تنتهي بانتهاء الحياة البشريّة فلا محالة كانت بمرأى من النبي الكريمُ، و أوصيائه الطيّبين «؛ إذ كان المسلمون يعملون بهذه السيرة في امتثالهم لأحكام الله تعالى، فلو كان ذلك غير مرضي لهم لمنعوهم و أرشدوهم، و لو صدر منع عنهم «أجمعين لبان و وصل إلينا، فإنّ مثل هذا المنع عن مثل هذه السيرة ليس ممّا يخفى؛ إذن فعدم وصول ردع من ناحيتهم عن تنفيذ هذه السيرة للعمل بالأحكام الشرعيّة كاشف عن رضى الله تعالى بذلك. مضافاً إلى ما سيجي‏ء من إرشادات الكتاب و السنّة لإجرائها في الشرع.

و ممّا يدلّ عقلًا على جواز رجوع الجاهل بالأحكام الشرعيّة إلى العالم ما ذكره المدقّق الأصفهاني في تعليقته على كفاية الأُصول حيث قال:

بعد ثبوت التكليف في زمان الغيبة، و عدم كون العباد مهملًا فيه، فالعقل حاكم بأنّ عدم التعرّض لامتثاله جرأة و عصيان موجب لاستحقاق فاعله العقاب، و بعد عدم إيجاب الاحتياط لاستلزامه العسر و الحرج، و عدم معرفة طريقه، فتعرّض العامّي للامتثال إنّما يتحقّق بالتقليد دون غيره؛ لعدم اعتبار ظنّه عند العقلاء (1).

و قريب منه ما ذكره في رسالته في الاجتهاد و التقليد.

أقول: و نضيف إليه أنّ العامّي غير متمكّن تمكّناً فعليّاً من تحصيل الحجّة من الطرق المعتبرة في الشرع لمعرفة الأحكام؛ إذن فالحجّة للعامّي منحصرة بقول الفقيه.

هل جواز التقليد بديهي؟

إنّ صاحب الكفاية (قده) قد ادّعى بديهيّة جواز التقليد و قال:

____________

(1) نهاية الدراية، ج 6، ص 399.

83

إنّه حكم جبلّي فطري لا يحتاج إلى دليل، و إلا لزم سدّ باب العلم على العامّي مطلقاً غالباً؛ لعجزه عن معرفة ما دلّ عليه الكتاب و السنّة. و لا يجوز التقليد فيه أيضاً، و إلا لدار أو تسلسل. (1) أقول: و في كلامه مواقع للنظر: أحدها: في دعوى بديهيّته. فإنّه لو كان جواز التقليد في الأحكام الشرعيّة أمراً بديهيّاً لم يختلف فيه اثنان، و الحال أنّه قد وقع الاختلاف فيه، و إليك ما حكي عن الشهيد في ذكراه، قال (قده):

خالف فيه بعض قدماء الأصحاب، و فقهاء حلب، فأوجبوا على العوامّ الاستدلال، و اكتفوا فيه بمعرفته الإجماع و النصوص الظاهرة، و أنّ الأصل في المنافع الإباحة، و في المضارّ الحرمة، مع فقد نصّ قاطع في متنه و دلالته، و النصوص محصورة.

ثمّ قال (قده):

و يدفعه إجماع السلف و الخلف على الاستفتاء من غير نكير و لا تعرّض لدليل‏ (2).

و إليك ما يحكيه صاحب الفصول: قال (قده):

شرذمة أوجبوا على العامّي الرجوع إلى عارف عدل يذكر له مدرك الحكم من الكتاب و السنّة، فإن ساعد لغته على معرفة مدلولهما، و إلا ترجم له معانيها بالمرادف من لغته. و إن كانت الأدلّة متعارضة ذكر له المتعارضين و نبّهه على طريق الجمع، و بعد تعذّره يذكر أخبار العلاج، و إذا احتاج إلى معرفة الراوي ذكر له حاله.

ثم قال صاحب الفصول: «و وضوح فساده يغني عن البيان» (3).

أقول: بل هو كرّ على ما فرّ؛ لأنّ الرجوع إلى عارف عدل كي يذكر له مدرك الحكم تقليد عنه، و الرجوع إليه في ترجمته الألفاظ بالمرادف من لغته تقليد عنه، و الرجوع إليه لمعرفة طريق الجمع الدلالي بين المتعارضين تقليد له، و كذا في معرفة حال الراوي.

و كأنّ هؤلاء الشرذمة زعموا أنّ عدد المسلمين لا يزيد على آحاد معدودة فارغين،

____________

(1) كفاية الأُصول، ج 2، ص 435.

(2) ذكرى الشيعة، ص 2 و 3.

(3) الفصول في علم الأُصول، ج 2، ص 133.

84

ليس لهم شغل سوى ذلك، كما أنّ هذا القول ملازم للقول بإنكار أنّ الدين الإسلامي دين لمجتمع عالمي في جميع الأزمان في مشارق الأرض و مغاربها، برّاً و بحراً.

ثمّ إنّ المقصود من هذه الحكاية أنّه لو كان جواز التقليد بديهيّاً لما احتاج القوم إلى إثبات عدم جوازه في أُصول الدين بذكر الأدلّة، فإنّ الحكم بعدم الجواز النظري لا يقاوم الحكم بالجواز البديهي.

و لو كان جواز التقليد بديهيّاً لما احتاج القوم إلى إثباته في الفروع بالدليل. و لما احتاجت نفسه الشريفة إلى الاحتجاج له بقوله: «و إلا لزم سدّ باب التقليد على العامّي».

ثانيها في قوله: «أنّه حكم جبلّي فطري» فإنّ الحكم الفطري هو الذي ينشأ من الغريزة، و جواز التقليد في الأحكام لم ينشأ من الغريزة، و لا من اقتضاءات الفطرة. نعم، يمكن أن يقال: إنّ أصل رجوع الجاهل إلى العالم فطري، فإنّ حبّ البحث عن المجهول من فطريّات الإنسان.

ثالثها: في قوله: «لدار أو تسلسل» فإنّه لو قيل بأنّ جواز التقليد في الأحكام موقوف على تقليد العقلاء في أُمورهم، و ذلك لا يتوقّف على جواز تقليد العامّي في الأحكام الشرعيّة و لو قيل بأنّ جواز التقليد في الأحكام موقوف على سيرة العقلاء في أُمورهم؛ و ذلك لا يتوقّف على جواز تقليد العامّي في الأحكام الشرعيّة فلا دور، و إنّ جواز تقليد العقلاء ممّا يحكم به العقل السليم، فلا تسلسل.

التقليد عند الشرع‏

الأصل الأوّلي: لمّا كانت أُصول الشريعة الإسلاميّة و فروعها غير خارجة عن إطار حكم العقل فأنت لا تجد أمراً جوّزه الإسلام و يحكم باستحالته العقل، أو أمر به الإسلام و يراه العقل قبيحاً، أو نهى عنه الإسلام يراه العقل حسناً، أو قال الإسلام باعتباره و العقل يحكم بلغويّته؛ فالأصل الأوّلي العقلي في التقليد بعينه هو الأصل الأوّلي الشرعي فيه. و إليك الإرشادات الواردة في الشرع‏

85

قال الله تعالى‏ وَ إِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلى‏ ما أَنْزَلَ اللَّهُ، وَ إِلَى الرَّسُولِ قالُوا حَسْبُنا ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا، أَ وَ لَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَ لا يَهْتَدُونَ‏ (1).

و قال تعالى‏ وَ إِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَ وَ لَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَ لا يَهْتَدُونَ‏ (2).

تحكم هاتان الآيتان الكريمتان بحرمة اتّباع آباء الجهلة؛ فإنّه من التقليد الأعمى القبيح، فالقران الكريم يوبّخ قوماً يتّبعون آباءهم الذين لا يعلمون شيئاً و لا يهتدون.

إنّ جهّال البشريّة يجعلون آباءهم أصناماً، و يجعلون أنفسهم عبّاداً لأصنام صنعوها بأيديهم، لكن عقلاء البشريّة يأبون عن ذلك غاية الإباء، و يرون المتّبع لأهواء إبائه الجهلة أحمق، فإنّ الرجل من جهة كونه أباً لا صلاحيّة له للاتّباع، و الجاهل الذي لا يعرف الطريق كيف يقدر على إراءته.

و قال تعالى‏ وَ ما يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً (3) و قال تعالى‏ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَ إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً (4). و قال تعالى‏ ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّباعَ الظَّنِ‏ (5). و قال تعالى‏ وَ لا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ‏ (6).

تفيد هذه الآيات الكريمة عدم جواز اتّباع الظنّ؛ فإنّه لا حجّيّة له، فاتّباع الظنّ تقليد أعمى، و الذي يجب أن يتّبع هو العلم دون سواه، فثوب الحجّيّة هو لباس العلم أعني الوثوق، و اتّباع العلم تقليد مستحسن عند العقل و النقل.

الأصل الثانوي: إن الرجوع إلى العالم و اتّباعه و التقليد عنه حسن راجح لازم.

قال الله تعالى:

____________

(1) المائدة (5) الآية 104.

(2) البقرة (2) الآية 170.

(3) يونس (10) الآية 36.

(4) النجم (53) الآية 28.

(5) النساء (4) الآية 157.

(6) الإسراء (17) الآية 36.

86

فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَ لِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ‏ (1). و قال تعالى أيضاً فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ* (2).

و تقريب الاستدلال بالآية الأولى التي قد سمّيت عندهم بآية النفر: أن المأمور به فيها هو الإنذار، و المقصود من الإنذار بيان الأحكام الشرعيّة بشهادة نفس الآية؛ فإنّ الظاهر منها كون الإنذار نتيجة التفقّه في الدين. فذكر اللازم و أريد الملزوم.

و اعلم أنّ بيان الأحكام قد يكون بحكاية قول النبيّ و ذلك هو الرواية و التحديث، و قد يكون بحكاية ما استفيد من قوله أو فعله أو تقريرهُ و ذلك هو الإفتاء، و الإخبار عن التفقّه و الاجتهاد.

ثمّ اعلم أنّ كلمة «لعلّ» الواقعة في الآية على الحذر مفيدة للتوقّع. و لمّا كان التوقّع غير لائق بمقامه تعالى فإنّ الشكّ مأخوذ في مفهوم التوقّع، فكلمة «لعلّ» تفيد أنّ الحذر مطلوب له تعالى.

و من المعلوم أنّ الحذر فعل اختياري، و قد جعل في الآية الكريمة غاية للإنذار الواجب، فيكون الحذر واجباً بالأولويّة القطعيّة؛ لظهور أنّ وجوب المغيّا قد نشأ من وجوب الغاية.

و «الحذر» في العرف و اللغة بمعنى التحرّز عن الشي‏ء، فهو من الأفعال الخارجيّة، و ليس بأمر نفساني، كما يشهد بذلك قولهم: الغراب حذر.

«فالحذر» في الآية الكريمة جعل كناية عن العمل بما أخبر به النافرون، و هم الرواة أو المجتهدون. و العمل بخبر المجتهد هو التقليد عنه، ففي الآية دلالة على أنّ التقليد هو العمل.

و لا يخفى أنّ اختلاف التفقّه و الاجتهاد سهولة في صدر الإسلام و صعوبة في هذه الأزمنة لا يوجب صرف ظهور الآية عن معنى عامّ إلى معنى خاصّ، و هو الدلالة على‏

____________

(1) التوبة (9) الآية 122.

(2) النحل (16) الآية 43.

87

حجّيّة الخبر؛ لأنّ اختلاف مصاديق العامّ في بعض الأحوال و الميزات لا يوجب صرف ظهوره إلى بعضها، مع أنّ جملة «التفقّه في الدين» أظهر في الدلالة على الاجتهاد من نقل الحديث.

و أمّا تقريب الاستدلال بالآية الثانية التي قد سمّيت عندهم بآية الذكر: هو أنّ المخاطب بالأمر بالسؤال «من لا يعلم» فيصير المراد من أهل الذكر «هم الذين يعلمون» بقرينة المقابلة، كما أنّ ظاهر الآية أنّ الأمر بالسؤال للإرشاد إلى طريق تحصيل العلم، فالعلم الحاصل من السؤال قد يكون مطلوباً بنفسه و قد يكون مطلوباً للعمل به، فالآية الكريمة دالّة على قانون كلّي عليه تجري سيرة العقلاء و هي رجوع الجاهل إلى العالم؛ فقد أُمر الجاهل بالسؤال عن العالم كي يطّلع على أُصول الدين و فروعه.

و أورد في الكفاية على الاستدلال بهذه الآية ب: «قوّة احتمال الإرجاع لتحصيل العلم لا للأخذ تعبّداً (1)» و ب: «أنّ المسئول فيها هم علماء أهل الكتاب، كما هو ظاهرها، أو أهل بيت العصمة، كما فسّر به الأخبار (2)».

لكن كلا إيراديه غير وارد فإنّه يجاب عن الأوّل منهما بأنّ لرجوع الجاهل إلى العالم موردين:

أحدهما: لتحصيل المعرفة من جهة كون المعرفة مطلوبة لنفسها.

و ثانيهما: لتحصيل المعرفة من جهة كون المعرفة طريقاً للعمل بها.

فإنّ الآية الشريفة تشير و الله اعلم إلى تنفيذ السيرة العقلائيّة فيما يتعلّق بمعالم الدين من أُصوله و فروعه، فلا وجه لدعوى اختصاص دلالتها بالأُصول فقط.

و الجواب عن الثاني: أنّه لا شكّ في أنّ أهل بيت العصمة من أشرف مصاديق أهل الذكر و أفضلها، لكن ذلك لا يوجب حصر الظهور بهم، كما أنّ علماء أهل الكتاب أيضاً من مصاديق أهل الذكر بلا شكّ، فالعموم متناول للجميع، و المورد

____________

(1) كفاية الأُصول، ج 2، ص 435 (نقل بالمعنى).

(2) كفاية الأُصول، ج 2، ص 435 و 436 (نقل بالمعنى).

88

لا يوجب تخصيص العامّ به، و حصر الكلّي عليه.

و استدلّ لجواز التقليد عند الشرع بالإجماع، قال المحقّق (قده) في المعارج:

اتّفق علماء الأعصار على الإذن للعوامّ للعمل بفتوى العلماء من غير تناكر، و قد ثبت أنّ إجماع كل عصر حجّة (1).

أقول: إنّ المسألة ممّا للعقل إليها سبيل، و لواضح النقل عليها دليل، فكون هذا الإجماع شرعيّاً تعبّديّاً محلّ تأمّل.

و اعلم أنّ سيرة الصحابة و التابعين كانت على ذلك، فكان العوامّ منهم يرجعون إلى فقهائهم، كما كان الفقهاء منهم يرشدون العوامّ إلى الأحكام الشرعيّة.

و هل كان ذلك إجماعاً من الصحابة من باب أنّهم صحابة النبيّ فيكون إجماعاً تعبّديّاً كاشفاً عن إرشاد النبيّ بذلك أم كان ذلك اتّفاقاً منهم من حيث إنّهم عقلاء، فيخرج عن كونه دليلًا شرعيّاً و يدخل في سيرة العقلاء.

و من أدلّة جواز التقليد شرعاً سنّة الرسولُ الواصلة إلينا من طريق العترة الطاهرة الذين هم أحد الثقلين و هي طوائف من النصوص:

الطائفة الأُولى: ما يفيد تقرير الأئمّة المعصومين «للتقليد المتداول بين المسلمين و هو رجوع العامّي منهم بالأحكام إلى علمائهم، مثل مرفوعة إبراهيم بن هاشم قال: سألت امرأة أبا عبد الله (عليه السلام) فقالت: إنّي كنت أقعد من نفاسي عشرين يوماً حتّى أفتوني بثمانية عشر يوماً. فقال (عليه السلام): «و لم أفتوك بثمانية عشر يوماً؟ (2)» فقال رجل: للحديث الذي روي عن رسول اللهُ قال لأسماء بنت عميس حين نفست بمحمّد بن أبي بكر، فقال أبو عبد الله (عليه السلام): «إنّ أسماء سألت رسول اللهُ و قد أتى بها ثمانية عشر يوماً (3)» و لو سألته قبل ذلك لأمرها أن تغتسل و تفعل ما تفعله المستحاضة.

و مثلها الخبر الوارد في امرأة محمّد بن مسلم عن حمران بن أعين، قال: قالت‏

____________

(1) معارج الأُصول، ص 197.

(2) وسائل الشيعة، ج 2، ص 384، الباب 3 من أبواب النفاس، ح 7.

(3) وسائل الشيعة، ج 2، ص 384، الباب 3 من أبواب النفاس، ح 7.

89

امرأة محمَّد بن مسلم و كانت ولوداً: أقرئ أبا جعفر السلام و أخبره: أنّي كنت أقعد في نفاسي أربعين يوماً، و إنّ أصحابنا ضيّقوا علي فجعلوها ثمانية عشر يوماً؟ فقال أبو جعفر (عليه السلام): «من أفتاها بثمانية عشر يوماً (1)»؟! قلت: للرواية التي رووها في أسماء بنت عميس، الحديث.

و تقريب الاستدلال بالخبرين: أنّ الإمام (عليه السلام) قرّر أصل تقليد المرأتين عن بعض و إن كان خطّأ فتوى ذلك البعض.

و مثل الخبرين الخبر الوارد عن العبد الصالح (عليه السلام) قلت: إنّ أُناساً من أصحابنا قد لقوا أباك و جدّك، و سمعوا منهما الحديث، فربّما كان الشي‏ء يبتلى به بعض أصحابنا و ليس في ذلك شي‏ء بعينه، و عندهم ما يشبهه أ يسعهم أن يأخذوا بالقياس؟ فقال (عليه السلام): «لا» (2).

يظهر من السؤال الوارد فيه أنّ عمل أصحابنا في ذلك العصر كان على الرجوع إلى علمائهم الذين لقوا الإمامين الصادقين»، و سمعوا منهما الحديث، و يظهر من الجواب تقرير الإمام (عليه السلام) لعملهم، و النهي عن الفتوى بالقياس.

و مثله خبر علي بن أسباط قال: قلت للرضا (عليه السلام): يحدث الأمر لا أجد بدّاً من معرفته، و ليس في البلد الذي أنا فيه أحد أستفتيه من مواليك؟

فقال (عليه السلام): «ائت فقيه البلد فاستفته عن أمرك، فإذا أفتاك بشي‏ء فخذ بخلافه، فإنّ الحقّ فيه» (3).

و ظاهر هذا الحديث أنّ سيرة أصحابنا الإماميّة في عصر الحضور كانت مستمرّة على الاستفتاء من فقهاء موالي أهل البيت (عليه السلام) و قد أمضاها الإمام.

الطائفة الثانية: النصوص التي يظهر منها أنّ الإفتاء من فضلاء صحابتهم للعوامّ‏

____________

(1) وسائل الشيعة، ج 2، ص 386، الباب 3 من أبواب النفاس، ح 11.

(2) بحار الأنوار، ج 2، ص 304، ح 48.

(3) وسائل الشيعة، ج 27، ص 115، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، ح 22.

90

كان متداولًا في عصرهم، مثل خبر حمزة بن حمران قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول:

«من استأكل بعلمه افتقر» فقلت جعلت فداك: إنّ في شيعتك و مواليك قوماً يتحمّلون علومكم، و يبثّونها في شيعتكم، فلا يعدمون منهم البرّ و الصلة و الإكرام؟

فقال (عليه السلام): «ليس أولائك بمستأكلين، إنّما المستأكل بعلمه الذي يفتي بغير علم و لا هدى من الله عزّ و جلّ ليبطل به الحقوق طمعاً في حكّام الدنيا» (1) و سؤال حمزة يشهد أن بثّ علوم أهل البيت بواسطة علماء صحابتهم كان متداولًا في تلك العصور، و من المعلوم أنّ علومهم متناول لجميع أنواع العلوم الإسلاميّة، فيشمل الإفتاء بالأحكام، و لم يكن منحصراً بنقل الحديث.

الطائفة الثالثة: النصوص الواردة بعنوان عامّ لتعريف المفتي جواباً عن سؤال من يطلب معرفته، مثل ما رواه الكشّي بسنده عن أحمد بن حاتم بن ماهويه. قال: كتبت إليه يعني أبا الحسن الثالث (عليه السلام) أسأله عمّن أخذ معالم ديني؟ و كتب أخوه أيضاً بذلك. فكتب (عليه السلام) إليهما: «فهمت ما ذكرتما، فاصمدا في دينكما على كلّ مسنّ في حبّنا، و كلّ كثير القدم في أمرنا، فإنّهما كافوكما إن شاء الله» (2).

بيان: المسنّ في حبّهم و كثير القدم في أمرهم «هو الذي تفقّه عندهم.

الطائفة الرابعة: النصوص الواردة في بيان وظيفة الإماميّة في عصر الغيبة و هي بلسان عامّ، مثل التوقيع المبارك: «و أمّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة أحاديثنا؛ فإنّهم حجّتي عليكم، و أنا حجّة الله عليهم» (3).

بيان: الحوادث جمع حادثة: هي الواقعة الجديدة التي يجهل حكمها بسبب حدوثها جديداً، و عدم وقوعها في عصر الحضور.

____________

(1) وسائل الشيعة، ج 27، ص 141، الباب 11 من أبواب صفات القاضي، ح 12.

(2) وسائل الشيعة، ج 27، ص 151، الباب 11 من أبواب صفات القاضي، ح 45.

(3) مرّ الحديث في ص 73، تحت رقم 2 من هذا الكتاب.

91

و الرجوع فيها إلى الرواة لمعرفة حكمها عبارة عن الاستفتاء عنهم؛ فإنّهم المفتون.

ثمّ إنّ التوقيع في مقام بيان الطريق لرفع الاحتياج في أمر الدين، و الاحتياج إلى الفتوى أكثر من الاحتياج إلى القضاء.

مضافاً إلى أنّ التعليل و هو قوله (عليه السلام): «أنّهم حجّتي عليكم» عامّ يتناول لجميع ما يرجع إلى الإمام (عليه السلام) في أمر الدين، فهو (عليه السلام) حجّة الله تعالى و هؤلاء حججه.

الطائفة الخامسة: النصوص الدالّة على أمر الإمام بعض فقهاء صحابته بالإفتاء للناس، مثل قول أبي جعفر (عليه السلام) لأبان بن تغلب: «اجلس في مسجد المدينة و أفت الناس؛ فإنّي أُحبّ أن يرى في شيعتي مثلك» (1).

بيان: الإفتاء مقدّمة للعمل، فإذا لم يكن عمل فلا يفيد الإفتاء و يكون الأمر بها لغواً. و أمر الإمام (عليه السلام) لأبان بالإفتاء يخبرنا عن وجود العامل بفتاوى أبان. فما أورد على الاستدلال به بأنّ إظهار الفتوى لا يدلّ على جواز أخذه و اتّباعه غير وارد؛ فإنّ الإفتاء بحكم إنّما يكون مقدّمة للعمل به و اتّباعه، و يشهد بذلك قوله (عليه السلام) في صحيحة الحذّاء: «و لحقه وزر من عمل بفتياه» (2) و قد مرّت، فإنّ المفروض فيها ملازمة العمل للفتوى.

أضف إلى ذلك: أنّ مفهوم الإفتاء يغاير مفهوم إظهار الحقّ؛ إذ النسبة بين المفهومين عموم و خصوص من وجه، و من هذا الباب خبر معاذ بن مسلم النحوي عن الصادق (عليه السلام) أنّه قال لي أبو عبد الله: «بلغني أنّك تقعد في الجامع فتفتي الناس» قلت: نعم، و أردت أن أسألك عن ذلك قبل أن أخرج: إنّي أقعد في المسجد فيجيئني الرجل فيسألني عن الشي‏ء فإذا عرفته بالخلاف لكم أخبرته بما يفعلون، و يجيئني الرجل أعرفه بمودّتكم و حبّكم فأخبره بما جاء عنكم، و يجيئني الرجل لا أعرفه و لا أدري من هو فأقول: جاء عن فلان كذا، و جاء عن فلان كذا، فأدخل قولكم فيما بين ذلك،

____________

(1) وسائل الشيعة، ج 30، ص 291 باب الهمزة في أصول الرجال.

(2) وسائل الشيعة، ج 27، ص 20، الباب 4 من أبواب صفات القاضي، ح 1.

92

فقال (عليه السلام) لي: «اصنع كذا فإنّي كذا أصنع» (1).

بيان: ظاهر هذا الخبر أنّ معاذاً كان يفتي بما جاء عنهم «، كما أنّ قوله: «فيسألني عن الشي‏ء» له ظهور في الاستفتاء.

الطائفة السادسة: النصوص الدالّة بحسب المفهوم على جواز الإفتاء طبقاً لأُصول المذهب.

مثل ما ورد من النهي عن الإفتاء بغير علم و لا هدى، كصحيحة الحذّاء التي مرّت، و مثل ما ورد من النهي عن الفتوى بالقياس و الرأي. كما قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «من نصب نفسه للقياس لم يزل دهره في التباس، و من دان الله بالرأي لم يزل دهره في ارتماس‏ (2).

و مثل ما ورد في تحريم الفتوى بغير علم بالناسخ، و المنسوخ، و المحكم، و المتشابه، فعن النبي: «من عمل بالمقاييس فقد هلك و أهلك، و من أفتى الناس و هو لا يعلم الناسخ من المنسوخ، و المحكم من المتشابه فقد هلك و أهلك» (3) بيان: يظهر من هذا النصّ أنّ شرط جواز الإفتاء هو الاجتهاد.

الطائفة السابعة: النصوص الواردة في الإرجاع إلى أشخاص فقهاء أصحابهم «، مثل قول أبي الحسن الهادي (عليه السلام) في جواب سؤال أحمد بن إسحاق: من أُعامل؟ أو عمّن أخذ؟ و قول من أقبل؟ فقال (عليه السلام): «العمري ثقتي فما أدّى إليك عنّي فعنّي يؤدّي، و ما قال لك عنّي، فعنّي يقول، فاسمع له و أطع» (4) رواه الكليني في أُصول الكافي.

و مثل هذا السؤال سأله أحمد عن أبي محمّد العسكري (عليه السلام) فقال (عليه السلام):

«العمري و ابنه ثقتان، فما أديا إليك عنّي فعنّي يؤدّيان، و ما قالا لك عنّي فعنّي‏

____________

(1) وسائل الشيعة، ج 27، ص 148، الباب 11 من أبواب صفات القاضي، ح 36.

(2) وسائل الشيعة، ج 27، ص 41، الباب 6 من أبواب صفات القاضي، ح 11.

(3) بحار الأنوار، ج 47، ص 50، ح 79.

(4) وسائل الشيعة، ج 27، ص 138، الباب 11 من أبواب صفات القاضي، ح 4؛ الكافي، ج 1، ص 265، ح 1.

93

يقولان، فاسمع لهما و أطعمها، فإنّهما الثقتان المأمونان» (1). رواه الكليني في الأُصول.

بيان: ظاهر السؤال عن الإمام الهادي (عليه السلام) بالعبائر الثلاث طلب المعرفة عمّن يصلح للإفتاء. و كذا جواب الإمامين ظاهر في الإرشاد إلى تعريف المفتي. و إليك أمرهما (عليه السلام) بالاستماع و الإطاعة، فإنّه أجنبي عن التحديث.

و من الباب خبر شعيب العقرقوفي قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): ربّما احتجنا أن نسأل عن الشي‏ء فمن نسأل؟ قال (عليه السلام): «عليك بالأسدي» (2) يعني أبا بصير.

بيان: ظاهر السؤال أنّ المحتاج إليه حكم الشي‏ء، فالجواب إرجاع إلى المفتي.

و من الباب خبر عبد الله بن أبي يعفور قال قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): إنّي ليست كلّ ساعة ألقاك و يمكن القدوم، و يجي‏ء الرجل من أصحابنا فيسألني و ليس عندي كلّ ما يسألني عنه؟ قال (عليه السلام): «فما يمنعك من محمّد بن مسلم الثقفي، فإنّه قد سمع أبي و كان عنده مرضيّاً وجيهاً» (3).

بيان: ظاهر السؤال بل صريحه طلب الحكم، فإنّ ابن أبي يعفور لا يطلب من الإمام الحديث حين يلقاه.

و مثله خبر يونس بن يعقوب قال: كنّا عند أبي عبد الله (عليه السلام) فقال (عليه السلام): «أ ما لكم من مفزع؟! أ ما لكم من مستراح تستريحون إليه؟! ما يمنعكم من الحرث بن المغيرة البصري» (4).

بيان: المفزع و المستراح هو المنصوب الذي يرجع إليه في جميع الاحتياجات الدينيّة.

____________

(1) وسائل الشيعة، ج 27، ص 138، الباب 11 من أبواب صفات القاضي، ح 4؛ الكافي، ج 1، ص 265، ح 1.

(2) وسائل الشيعة، ج 27، ص 142، الباب 11 من أبواب صفات القاضي، ح 15.

(3) وسائل الشيعة، ج 27، ص 144، الباب 11 من أبواب وجوب الرجوع في القضاء و الفتوى، ح 23؛ رجال الكشّي، ج 1، ص 163 الرقم 273.

(4) وسائل الشيعة، ج 27، ص 145، الباب 11 من أبواب صفات القاضي، ح 24.

94

و مثله خبر عليّ بن المسيّب قال قلت للرضا (عليه السلام): شقّتي بعيدة، و لست أصل إليك في كلّ وقت، فعمّن أخذ معالم ديني؟ فقال (عليه السلام): «من زكريّا بن آدم المأمون على الدين و الدنيا» (1) قال ابن المسيّب: فلمّا انصرفت قدمت على زكريّا بن آدم فسألته عمّا احتجت إليه.

بيان: ظاهر هذا الخبر أنّ الإمام قد نصب زكريّا بن آدم مقام نفسه، فابن آدم مفت أيضاً و ليس بناقل الحديث وحده، و إنّ قول الراوي: «لمّا انصرفت» ظاهر في السؤال عن الحكم، و أجنبي من السؤال عن الحديث.

و مثله خبر عبد العزيز بن المهتدي و كان وكيل الرضا (عليه السلام) و خاصّته سألت الرضا (عليه السلام)، فقلت: إنّي لا ألقاك في كلّ وقت، فممّن أخذ معالم ديني؟ قال (عليه السلام): «خذ عن يونس بن عبد الرحمن» (2).

أقول: و هو يونس آل يقطين، كما نسبه إليهم في حديث آخر.

و مثله خبر أبي علي بن راشد عن أبي جعفر الثاني (عليه السلام) قال قلت جعلت فداك قد اختلف أصحابنا فأُصلّي خلف أصحاب هشام بن الحكم؟ قال (عليه السلام): «عليك بعلي بن حديد» قلت فأخذ بقوله؟ فقال: «نعم» (3). فلقيت علي بن حديد فقلت له: تصلّي خلف أصحاب هشام بن الحكم؟ قال: لا.

بيان: و هذا النصّ صريح في الإرجاع إلى الفتوى.

و مثله قول أبي محمّد العسكري (عليه السلام) في فضل بن شاذان: «أغبط أهل خراسان بمكان فضل بن شاذان، و كونه بين أظهرهم» (4).

الطائفة الثامنة: ما حكي عن التفسير المنسوب إلى أبي محمّد العسكري (عليه السلام): «و أمّا من كان من العلماء صائناً لنفسه، حافظاً لدينه، مخالفاً لهواه، مطيعاً لأمر مولاه،

____________

(1) وسائل الشيعة، ج 27، ص 146، الباب 11 من أبواب صفات القاضي، ح 27.

(2) وسائل الشيعة، ج 27، ص 148، الباب 11 من أبواب صفات القاضي، ح 34.

(3) رجال الكشّي، ص 279، الرقم 499. في ترجمة هشام بن الحكم.

(4) وسائل الشيعة، ج 27، ص 101، الباب 8 من أبواب صفات القاضي، ح 77.

95

فللعوامّ أن يقلّدوه» (1).

قال شيخنا الأنصاري في رسائله: «هذا الخبر الشريف لائح منه آثار الصدق».

أقول: فعلى هذا لا يلتفت إلى ما أورد عليه بضعف السند.

و ما رواه عيسى بن عبد الله العلوي عن أبيه، عن آبائه، عن علي (عليه السلام) قال: قال رسول الله: «اللهم ارحم خلفائي ثلاثاً. قيل: يا رسول اللهُ من خلفاؤك؟ قال: الذين يبلّغون حديثي و سنّتي ثم يعلّمونها أُمّتي» (2).

بيان: تعليم السنّة المحمّديّة لأُمّة محمدُ هو الإفتاء.

و ما رواه عبد السلام بن صالح الهروي قال: سمعت الرضا (عليه السلام) يقول: «رحم الله عبداً أحيا أمرنا» فقلت: و كيف يحيي أمركم؟ قال (عليه السلام): «يتعلّم علومنا و يعلّمها الناس» (3) الحديث.

بحث و تحقيق‏

قال صاحب الكفاية:

إنّ هذه الأخبار على اختلاف مضامينها، و تعدّد أسانيدها لا يبعد دعوى القطع بصدور بعضها، فيكون دليلًا قاطعاً على جواز التقليد، و إن لم يكن كلّ واحد منها بحجّة، فتكون مخصّصاً لما دلّ على عدم جواز اتّباع غير العلم، و الذمّ على التقليد من الآيات و الروايات. (4) أقول: و في كلامه مواقع للنظر:

أمّا أوّلًا: فإنّ الحجّة في هذه الأخبار موجودة، بل هي فيها أكثر من واحد، فإنّ‏

____________

(1) وسائل الشيعة، ج 27، ص 91، الباب 8 من أبواب صفات القاضي، ح 50؛ تفسير العسكري؛ ص 300، ح 143.

(2) بحار الأنوار، ج 2، ص 144، ح 3.

(3) وسائل الشيعة، ج 27، ص 92، الباب 8 من أبواب صفات القاضي، ح 52.

(4) كفاية الأُصول، ج 2، ص 436.

96

خبر الإرجاع إلى العمرى و إلى ابنه صحيح، و خبر الأمر بالإفتاء لأبان بن تغلب صحيح و مستفيض، و خبر إرجاع ابن أبي يعفور إلى محمّد بن مسلم صحيح، و خبر الإرجاع إلى زكريا ابن آدم صحيح. فيما أذكر. و إنّ ما ورد في النهي عن الفتوى بالقياس و الرأي و بغير علم تكون الحجّة فيها كثيرة مع أنّ الطائفتين متواترتان.

و أمّا ثانياً: فإنّ الخروج من الأصل الأوّلي العقلي و الشرعي الحاكم بعدم جواز التقليد كان بالتخصّص كما عرفت، لا بالتخصيص، كما صرّح به؛ فإنّ التقليد المذموم عقلًا المنهي عنه شرعاً هو التقليد الأعمى الذي لم ينشأ عن أمر عقلائي، و ليس فيه جهة راجحة عند العقل، مثل كون من يقلّد عنه موصوفاً بالعلم و التقوى و الفضل.

و ممّا احتجّ لجواز التقليد شرعاً سيرة المتشرّعة الإماميّة، كما قال الشيخ أبو جعفر الطوسي (قده) في العدّة:

إنّي وجدت عامّة الطائفة من عهد أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى زماننا هذا يرجعون إلى علمائها، و يستفتونهم في الأحكام و العبادات و يفتيهم العلماء فيها، و يسوّغون لهم العمل بما يفتون به. و ما سمعنا أحداً منهم قال لمستفت: لا يجوز لك الاستفتاء و لا العمل به. بلى ينبغي أن تنظر كما نظرت و تعلم كما علمت. و لا أنكر عليه العمل بما يفتونهم. و قد كان منهم الخلق العظيم عاصروا الأئمّة «، و لم يحك عن واحد من الأئمّة «النكير على هؤلاء، و لا إيجاب القول بخلافه، بل كانوا يصوّبونهم في ذلك، فمن خالف في ذلك كان مخالفاً لما هو المعلوم خلافه. (1) أقول: ما ذكره حقّ لا ريب فيه، و هل هذه السيرة إلا سيرتهم بما أنّهم متشرّعة، فتكون دليلًا شرعيّاً آخر على جواز التقليد، أم هي سيرتهم بما أنّهم عقلاء؟ و قد مرّت الإشارة إليها.

و لا يخفى أنّ هذه السيرة جارية بين جميع متشرّعة المسلمين فإنّهم يرجعون إلى‏

____________

(1) العدّة، ص 294، الطبعة القديمة.

97

الفقهاء لمعرفة الأحكام الدينيّة و للعمل بها، فلا اختصاص لها بمتشرّعة الإماميّة، بل لا يبعد دعوى عدم اختصاصها بالمسلمين أيضاً؛ فإنّها جارية في جميع الملل التي لهم أحكام دينيّة، فعوامّهم يرجعون إلى علماء دينهم في المسائل الدينيّة، و هذه تشهد بأنّها ليست بأمر تعبّدي شرعي، بل هي السيرة العقلائيّة القائمة على رجوع الجاهل إلى العالم.

نظرة إلى بعض كلمات القوم‏

احتجّ صاحب الفصول على جواز التقليد بأُمور ثلاثة:

أحدها: القطع ببقاء التكليف بالأحكام و انسداد طريق تحصيلها في حقّ غير المجتهد.

ثانيها: جريان طريقة السلف عليه من غير نكير.

ثالثها: أنّ أمر الكلّ بالاجتهاد حرج على الأنام، و إلزام بما فيه اختلال النظام. (1) أقول: و يرد على الأوّل: بأنّ القطع ببقاء التكليف حال انسداد طريق تحصيلها في حقّ غير المجتهد لا يوجب تعيّن التقليد؛ فإنّ احتمال العمل بالاحتياط بعد باق و غير مندفع، فالصواب تكميل هذا الدليل بما حكيناه عن بعض المدقّقين في البحث عن التقليد عند العقل.

و يرد على الثاني: بأنّ ما أشار إليه من جريان طريقة السلف ليس إلا سيرة المتشرّعة، و قد مرّ البحث عنها.

و يرد على الثالث: بأنّ كون الاجتهاد حرجيّا على كلّ واحد من المسلمين ممنوع؛ لاختلاف ذلك باختلاف الأشخاص، و اختلاف الأحوال في الأشخاص، فيقدّر الحكم الحرجي بقدره.

و يمكن إتمام الدليل بأنّ الاجتهاد و العمل بالاحتياط حرجي على المجتمع، بل و على كثير من الناس، و قد يكون بعض غير متمكّن عن الإتيان بكلّ واحد من الأمرين‏

____________

(1) الفصول في علم الأُصول، ج 2، ص 132.

98

و ذلك يدلّ على جواز التقليد في الجملة.

و اعلم أنّ المقصود من الجواز المعنى الأعمّ، فيجتمع هذا الجواز مع وجوب التقليد.

التقليد الواجب‏

لا ريب في وجوب التقليد في الجملة في الأحكام الشرعيّة على العامّي. فهل وجوبه نفسي أو مقدّمي؟ مولوي أو إرشادي؟ قال المدقّق الأصفهاني:

إنّ وجوب التقليد نفسي؛ لأنّ التقليد هو العمل استناداً إلى الفتوى، فليس التقليد إلا عين الصلاة الواجبة واقعاً على تقدير الموافقة، و غيرها على تقدير المخالفة.

ثمّ قال (قده):

و المراد بوجوبه النفسي انبعاث وجوبه عن نفس مصلحة الواقع الباعثة على الإيجاب الواقعي، فهو إيصال للواقع بعنوان آخر. (1) و فيه أوّلًا: أنّه يلزم من هذا الكلام صيرورة التقليد محكوماً بالأحكام الخمسة، فإنّ التقليد جار في جميع متعلّقاتها، و ليس إلا نفس العمل بتلك الأحكام.

و ثانياً: أنّه يلزم من جريانه في الأحكام الوضعيّة صيرورة التقليد محكوماً بكلّ واحد من تلك الأحكام.

و ثالثاً: انظر إلى قوله: «فهو إيصال إلى الواقع» و إلى قوله: «فليس التقليد إلا عين الصلاة الواجبة واقعاً» تجد تهافتاً و تناقضاً بينهما، فقد حكم في الأوّل بأنّه إيصال إلى الواقع و في الثاني بأنّه نفس الواقع.

فالتحقيق: أنّ التقليد في الأعمال الشرعيّة مختلف عنها اعتباراً و متّحد معها خارجاً، فإنّه كيفيّة اعتباريّة عارضة للعمل الشرعي، فالعمل الشرعي مع التقليد لا يتميّز عن العمل الشرعي بلا تقليد في الخارج.

و قد حكي عن شيخنا العلامة الأنصاري:

____________

(1) بحوث في الأُصول، الاجتهاد و التقليد، ص 19.

99

أنّ وجوب التقليد مقدّمي لا نفسي و لا شرطي؛ لأنّه مقدّمة للامتثال الظاهري للأحكام الواقعيّة، و لا يناط به الواقع لو حصل بالاحتياط. (1) أقول: بل التقليد مقدّمة للعلم بالامتثال الظاهري للأحكام الواقعيّة، و ليس بمقدّمة لنفس الامتثال. فالحقّ أنّ وجوب التقليد إرشادي لا مصلحة فيه إلا الوصول إلى مصلحة نفس المرشد إليه. و سيجي‏ء البحث عنه أيضاً، كما سيجي‏ء أنّ الوجوب تخييري.

الاستناد إلى فتوى المفتي في التقليد

هل يجب على العامّي في أعماله الشرعيّة الاستناد إلى فتوى من رجع إليه أم لا؟

و الجواب عن هذا السؤال يتمثّل في صور نعرضها عليك.

الصورة الأُولى: إن كان ما أتى به من العمل الشرعي مطابقاً للواقع و قد تمشّى منه قصد القربة فلا يلزم في هذه الصورة الاستناد لوقوع العمل صحيحاً، و أنّه لا يلزم في صحّة العبادة أكثر من هذين الأمرين: مطابقة العمل للواقع، و وجود قصد القربة فيه، فإذا اعتبرنا الاستناد فلا بدّ من دليل خاصّ يدلّ عليه و هو مفقود في المقام.

الصورة الثانية: إذا كان عمله العبادي مخالفاً للواقع حال كونه مطابقاً لفتوى المفتي فاللازم حينئذ وجود العلم بالحجّة و هي فتوى المفتي؛ كي يكون العامّي مأموناً من العقاب فيما أتى به من العمل المخالف للواقع.

و هل يكفي في هذه الصورة نفس مطابقة العمل لفتوى المفتي حال وجود العلم بالفتوى، أو يعتبر في عمله الاستناد مضافاً إلى ذلك؟

نجيب عن هذا السؤال، بأنّه لا يعتبر في عمله الاستناد؛ لإطلاق حجّيّة الحجّة و عدم تقيّدها بالاستناد.

نعم، قد عرفت اعتبار العلم بالفتوى؛ لاشتراط حجّيّة الحجّة بالوصول،

____________

(1) مجموعة رسائل، رسالة الاجتهاد و التقليد، ص 47.

100

فما لم تصل الحجّة لا حجّيّة لها، و لا يخفى أنّ وصول الحجّة عبارة عن العلم بها. و قد مرّ عليك أن الحجّيّة من الأُمور التي يكون وجودها الواقعي تابعاً لوجودها العلمي. هذا كلّه حكم العمل المخالف للواقع في صورة وحدة المفتي.

و أمّا الحال في صورة تعدّد المفتي فنقول: إن كان المجتهدون متّفقين في الفتيا فحال هذه الصورة حال وحدة المفتي. و إذا قيل باعتبار الاستناد في هذه الصورة. فالتحقيق كفاية الاستناد إلى الجميع أو إلى الجامع، أو إلى أحدهما المعين؛ لإطلاق الحجّة. و أمّا الاستناد إلى المجموع فقد قال بعض: إنّه لا مصحّح له؛ لمنافاته مع حجّيّة كلّ واحدة منها بالاستقلال.

أقول: لازم كلامه دام ظلّه عدم صحّة الاستدلال بالنصوص المتواترة إجمالًا، و العلم بصدور أخصّها مضموناً جهة تعليليّة للاستدلال بمجموعها.

و نقول في حلّ الإشكال: إنّ استقلال الحجّة عبارة عن عدم اشتراط حجّيّتها بشي‏ء بأن تكون لا بشرط في الحجّيّة؛ فلا يضرّ الاستناد بمجموع الحجّتين المستقلّتين؛ فإنّ الحجّيّة المستقلّة تجاه الحجّيّة التخييريّة و هي التي تكون حجّيّتها مشروطة بعدم انضمام عدلها إليها، فالأقوى جواز الاستناد إلى المجموع، و إذا كان المفتون مختلفين في الفتيا، فالاستناد لازم؛ لأنّ الحجة التخييريّة مقيّدة بالاختيار.

و اعلم أنّ جميع هذه الصور مفروض فيها علم العامّي باتّفاق المفتين في الفتوى أو باختلافهم؛ و أمّا في صورة شكّ العامّي في ذلك فالأقوى اعتبار الاستناد؛ للشكّ في إطلاق الحجّة، أو في تقيّدها بالاختيار؛ إذ على فرض الاتّفاق فالحجّة مطلقة، و على فرض الاختلاف فهي مشروطة بالاختيار، فيجب الأخذ بالمتيقّن؛ إذ لا حجّيّة لمشكوك الحجّيّة. كما مرّ.

101

أوصاف المفتي‏

اتّفق العقل و النقل على اعتبار وصفين في المفتي:

أحدهما: الاجتهاد فعلًا، فلا يكفي مجرّد حصول الملكة؛ لأنّ صدق مفاهيم العالم و الراوي و أهل الذكر و نحوها من العناوين الواردة في الشرع متقوّم بالاجتهاد الفعلي؛ و لعدم صدق المتخصّص و الخبير و نحوهما من العناوين عند العقلاء على من لم يتّخذ رأياً بالفعل، فمن لم يحصل له الاجتهاد الفعلي لا يجوز التقليد عنه.

ثانيهما: الوثوق بخبره عن رأيه؛ لأنّ حجّيّة الخبر شرعاً و عقلًا موقوفة على الوثوق به، و العقلاء لا يعتمدون على خبر من لا يحصل الوثوق بقوله.

ثمّ إنّ القوم قالوا باعتبار أوصاف أُخر في المفتي، زائدة على هذين الوصفين، فالحري في البحث أن ننظر أوّلًا إلى مقتضى الأُصول الجارية، فنقول: إنّ الأصل الأوّلي حاكم باعتبار كلّ وصف في المفتي عند الشكّ في اعتباره شرعاً؛ فإنّ رأي المفتي الفاقد لذلك الوصف مشكوك في حجّيّته؛ لاحتمال اعتبار ذلك الوصف فيه لدى الشرع، و الشكّ في الحجّيّة ملازم للحكم بعدمها و قد مرّ وجهه.

على أنّه كيف يصحّ الاحتجاج عند العقلاء بأمر لم يثبت صحّة الاحتجاج به؟! و هناك وجه آخر مختصّ بصورة تعدّد المفتي بأن يكون أحدهما واجداً لذلك الوصف و الآخر فاقداً له.

و بيانه: أنّه يدور الأمر بين التعيين و التخيير في الحجّة، و المعيّنة منهما معلومة،

102

الحجّيّة، و غير المعيّنة منهما مشكوكة الحجّيّة فلتسقط.

و توضيح ذلك: أنّه لا ريب في حجّيّة قول المفتي الواجد للوصف، سواء أ كان ذلك الوصف معتبراً في المفتي أو غير معتبر؛ إذ بناء على الاعتبار يصير قوله حجّة معيّنة، و بناء على عدم الاعتبار يصير قوله حجّة مخيّرة.

و أمّا المفتي الفاقد لذلك الوصف فقوله حجّة إن كان ذلك الوصف غير معتبر في الشرع، و ليس بحجّة إن كان الوصف معتبراً، و العامّي يكون مخيّراً بين الرجوع إلى أيّهما في صورة عدم الاعتبار، و لا يكون مخيّراً في صورة الاعتبار؛ لأنّ الرجوع إلى الواحد قد تعيّن. هذا بحسب الحاقّ الواقع، و أمّا بحسب الظاهر فيصير قول الفاقد مشكوكاً حجّيّته.

ثمّ إنّ استصحاب عدم جواز تقليده حاكم أيضاً بعدم الجواز؛ فإنّه قبل حدوث الاجتهاد الفعلي له لم يكن جائز التقليد، فيحكم بذلك عند حدوث الاجتهاد حال عدم اتّصافه بذلك الوصف. هذا كلّه بحسب اقتضاء الأصل الأوّلي.

و أمّا البحث بمقتضى الأصل الثانوي المقدّم على الأصل الأوّلي فنقول: إنّ الأصل الثانوي حاكم بعدم اعتبار كلّ وصف قد شكّ في اعتباره في المفتي؛ إذا كانت السيرة العقلائيّة قائمة على عدم اعتباره في الخبراء و المتخصّصين؛ فإذاً كانت الإطلاقات الواردة في لسان الشرع صالحة للصدق على المفتي بدون ذلك الوصف.

نعم، لو كان الصدق مشكوكاً فلا يجوز تقليد مثله؛ لبقائه تحت الأصل الأوّلي؛ لعدم خروجه عنه. و ذلك من غير فرق بين كون الشبهة مفهوميّة أو مصداقيّة. فليجر عنان الكلام إلى البحث عن أشخاص الأوصاف، و إلى النظر إلى الأدلّة الخاصّة التي ذكروها لاشتراط كلّ واحد منها في المفتي.

البلوغ‏

من الأوصاف التي ذكروا اشتراطها في المفتي البلوغ، و ظاهر كلام شيخنا العلامة الأنصاري كونه من المسلّمات. و يجب التنبيه على أنّ مورد البحث هو غير البالغ الذي‏

103

يحصل الوثوق بصحّة اجتهاده، و إلا فلا يكون موصوفاً بالوصفين الأوّلين.

قال صاحب الفصول:

لا عبرة بفتوى الصبي؛ لعدم شمول الأدلّة له؛ و لأنّه لا تقبل روايته، فلا تقبل فتواه بطريق أولى‏ (1).

أقول: لعلّ مراده (قده) من «عدم شمول الأدلّة» انصرافها عن الصبيّ. و التحقيق عدم انصرافها عن الصبيّ بالمعنى الذي ذكرنا.

فكيف لا تشمل عناوين: «الراوي و أهل الذكر» و نحوهما لمثل هذا الصبيّ، مع أنّ سيرة العقلاء قائمة على الرجوع إلى الصبيان الخبراء؛ إذا كانوا موثوقين في آرائهم و أخبارهم.

أمّا عدم قبول روايات الصبيّ فهو ممنوع إن كانت تفيد الوثوق، و إن لم تفد الوثوق فعدم قبولها مشترك مع خبر البالغ غير الموثوق به.

ثمّ إنّه لم يثبت إجماع على عدم جواز تقليد الصبي، و على فرض تسليم ثبوته فهو غير تعبّدي؛ فإنّ المسألة ممّا للعقل و النقل فيها سبيل، على أنّ المتيقّن منه هو الصبيّ الذي لم يوثق باجتهاده لصباوته.

و أمّا قوله (عليه السلام) في رواية أبي خديجة: «انظروا إلى رجل منكم» الحديث. فغير مفيد لتقييد الإطلاقات؛ لاحتمال كون التعبير بالرجل من باب المثال، أو كونه وارداً مورد الغالب، مع أنّها واردة في باب القضاء لا في باب الإفتاء، و اشتراط وصف في القاضي لا يوجب اشتراطه في المفتي؛ لأنّ قبول حكم القاضي قد يحتاج إلى وجود وصف فيه، فإنّ الرجوع إليه في حال النزاع و التخاصم و اشتداد ثورة الغضب، و الرجوع إلى المفتي في حال الانقياد و التسليم، و لم يدلّ إجماع على اتّحاد القاضي و المفتي في جميع الأوصاف.

و أمّا قوله (عليه السلام) في التفسير المنسوب إليه: «صائناً لنفسه، حافظاً لدينه، مخالفاً

____________

(1) الفصول في علم الأُصول، ج 2، ص 137.

104

لهواه، مطيعاً لأمر مولاه» (1) فإنّه و إن كان المتبادر منه المفروض في الكلام كون المفتي بالغاً مكلّفاً، لكنّه لا دافع لاحتمال وروده مورد الغالب، فإنّ جلّ المفتين مكلّفون.

و احتجّ لاشتراط البلوغ في المفتي بقوله (عليه السلام): إنّ عمد الصبي خطأ» (2).

و تقريب الاستدلال به أوّلًا: أنّ المستفاد به إلغاء آثار أفعال الصبيّ و أقواله، و منها: آراؤه و فتاواه، و لا حجّيّة للرأي الصادر عنه.

و يرد عليه: أنّ ظاهر لفظ العمد اختصاصه بما يصلح أن يوصف به، كالقول و الفعل، فهو منصرف عمّا لا يصلح لأن يوصف به كالعلم.

و ثانياً: أنّ المقسم بين العمد و الخطإ في الرواية ليس بمطلق الأفعال، بل المقسم هو الفعل الذي يختلف حكمه الشرعي حال صدوره خطأ عن حال صدوره عمداً كالجنايات، فإنّ حكم القتل خطأ مثلًا «أنّ الدية على العاقلة» فيدلّ الحديث أنّ دية قتل الصبيّ على العاقلة، كما يدلّ على ذلك نصّ، فلا إطلاق له حتّى يشمل جميع ما للصبي من الأقوال و الآراء و العلوم.

ثمّ إنّ البلوغ على فرض تسليم اشتراطه في المفتي هل هو وصف للمرجع، أو هو وصف لزمان الاجتهاد؟ و لعلّ الأوّل أظهر بدعوى دلالة قوله (عليه السلام): «فاصمدا في دينكما عل كل مسنّ في حبّنا، و كلّ كثير القدم في أمرنا» (3) لكن احتمال جعل الوصفين طريقاً إلى حصول الوثوق بتشيّعه، و بمعرفته لعلومهم «لا دافع له.

العقل‏

و من الأوصاف التي قالوا باشتراطها في المفتي العقل. قيل: و عليه إجماع السلف و الخلف.

____________

(1) وسائل الشيعة، ج 27، ص 131، الباب 10 من أبواب صفات القاضي، ح 20؛ تفسير العسكري، ص 300، ح 143.

(2) وسائل الشيعة، ج 29، ص 89، الباب 35 من أبواب القصاص، ح 2.

(3) وسائل الشيعة، ج 27، ص 151، الباب 11 من أبواب صفات القاضي ح 45،

105

و تحقيق البحث فيه أن يقال: إنّ للجنون درجات و مراتب. و المجنون الذي يصحّ منه الاستنباط، و يقتدر على الاجتهاد، و يتمكّن من بيان آرائه و فتياه خارج عن متيقّن معقد الإجماع، لكن لا يبعد دعوى انصراف الأدلّة اللفظيّة عن مثله.

و أمّا المجنون الأدواري فالظاهر كونه مشمولًا للإطلاقات، و خارجاً عن متيقّن معقد الإجماع المدّعى؛ و لعلّه لذلك حكي القول بجواز تقليده عن صاحبي الإشارات و المفاتيح. (1) ثمّ إنّ العقل المعتبر في المفتي هل هو العقل في حال الاستنباط أم العقل في حال العمل بفتواه؟

و الأوّل أقرب؛ لقيام سيرة العقلاء على الرجوع إلى رأي الخبير عند جنونه إذا كان استنباطه في حال إفاقته، و لا بأس بجريان استصحاب جواز العمل بمثل هذه الفتوى بعد عروض الجنون، كما أنّ المتيقّن من الإجماع على عدم جواز تقليد المجنون هو الجنون في حال الاستنباط.

و قال بعض الأساطين:

لا ريب في اعتبار العقل حال العمل بفتواه فضلًا عن حال الاستنباط؛ لظهور الأدلّة اللفظيّة في أنّ المرجع هو الفقيه لا رأيه، و لا يصدق الفقيه و العالم على المجنون، فلا اعتبار برأيه السابق قبل طروء الجنون عليه‏ (2).

أقول: و هذا الكلام لا يخلو من ضعف؛ لأنّ الظاهر من الإرجاع إلى الفقيه أنّ المراد من الفقيه من يكون صالحاً لأخذ الفتوى منه.

و أمّا عمل المستفتي بقوله فهو أجنبي عن ذلك، و غير مقوّم لصلاحيّة الفقيه لأن يصير مرجعاً، فإنّ المعتبر في المرجع هو الصلاحيّة، لا الفعليّة.

و أمّا ظهور الأدلّة في كون المرجع هو الفقيه لا رأيه، و دعوى انصرافها عن المجنون‏

____________

(1) مفاتيح الأُصول، ص 611، سطر 5.

(2) دروس في فقه الشيعة، ج 1، ص 120.

106

فذلك غير مانع عن العمل برأيه في حال الجنون إذا كان ذلك الرأي مستنبطاً حال الإفاقة؛ فإنّ الانصراف مفيد لاشتراط العقل في حال الاستنباط، لا حال العمل بفتواه؛ لما عرفت من أنّ عمل المستفتي بفتوى المفتي أجنبي عن صدق لفظ على المفتي، و أجنبي عن انصرافه عنه، و إلا يلزمه دام ظلّه أن يقول بصحّة العمل بفتواه حال الإفاقة؛ إن كانت الفتوى مستنبطة في حال الجنون. و بمثل ذلك يرد على من اعتبر الفعليّة في معنى المرجع دون الصلاحيّة.

الرجولة

قيل باشتراط الرجولة في المفتي، لكنّ الإطلاقات و سيرة العقلاء حاكمتان بعدم اشتراطها فيه، و ليس هناك ما يصلح لتقيّد الإطلاقات، و للردع عن السيرة.

أمّا قوله (عليه السلام): «فانظرا إلى رجل منكم» (1). فلا يصلح للتقيّد و لا للردع؛ لما عرفت في البحث عن اشتراط البلوغ، و لعلّه لذلك قال بعض المحقّقين بجواز تقليد الأُنثى و الخنثى.

و يشهد لعدم اشتراط الرجولة في المفتي صحيحة عبد الرحمن بن الحجّاج عن أبى عبد الله (عليه السلام) في حديث قال، قلت له: إنّ معنا صبيّاً مولوداً فكيف نصنع به؟

فقال (عليه السلام): «مر أُمّه «تلقى حميدة فتسألها كيف تصنع بصبيانها» (2)، فأتتها فسألتها كيف تصنع؟ فقالت: إذا كان يوم التروية فأحرموا عنه و جرّدوه و غسّلوه، كما يجرّد المحرم، و قفوا به المواقف، فإذا كان يوم النحر فارموا عنه، و احلقوا رأسه، ثمّ زوروا به البيت، و مري الجارية أن تطوف به بالبيت، و بين الصفا و المروة.

فإنّ الظاهر منها الإرجاع إلى حميدة لأخذ الحكم لا لأخذ الحديث، كما أنّها لم ترو حديثاً لزوجة ابن الحجّاج، بل أخبرتها بالحكم، و بما يجب أن تصنعه في حجّ ولدها،

____________

(1) وسائل الشيعة، ج 27، ص 13، الباب 1 من أبواب صفات القاضي، ح 5.

(2) وسائل الشيعة، ج 11، ص 286، الباب 17 من أبواب أقسام الحجّ، ح 1.

107

و الإخبار بالحكم عن مثلها ليس إلا الإفتاء.

و يشهد لعدم اعتبار الرجولة في المفتي اتّفاق أهل السنّة على جواز تقليد المرأة فإنّهم يعدّون عائشة أُمّ المؤمنين من المفتين. و هذا الاتّفاق كان بمرأى من الأئمّة الطاهرين جميعاً، و لم يصدر عنهم تخطئة له، و لو صدر لوصل، و ذلك يكشف عن إمضائهم له.

الحرّيّة

قد حكي عن جماعة منهم الشهيد الثاني اعتبار وصف الحرّيّة في المفتي‏ (1)، لكنّ الإطلاقات و السيرة العقلائيّة حاكمتان بعدم اعتبارها فيه.

الإسلام‏

و يعتبر في المفتي الإسلام عند الإماميّة. قال صاحب الفصول:

للأصل، و لعدم ما يدلّ على حجّيّة نظر الكافر من جهة اختصاص بعض الأدلّة بالمؤمن، و انصراف إطلاق البواقي إليه‏ (2).

أقول: السيرة العقلائيّة قائمة على حجّيّة نظر الكافر، و أمّا انصراف الأدلّة اللفظيّة إلى المؤمن، فإن كان مفيداً للحصر به فهو رادع عن السيرة و إجرائها في الأُمور الشرعيّة، و إلا فلم يكن مفيداً للحصر به بأن كان بمنزلة السكوت عن المنصرف عنه فلا يصير رادعاً عنها.

نعم، مبغوضيّة أُسوة الكافر للمسلم في الإسلام فتصير رادعاً للسيرة، إلا أن يقال بأنّ أُسوة الكافر مبغوضة في كفره، و أمّا في أعماله الحسنة و أفعاله الطيّبة و آرائه العلميّة فذلك غير معلوم.

____________

(1) مسالك الأفهام، ج 2، ص 283.

(2) الفصول في علم الأُصول، ج 2، ص 137.

108

الإيمان‏

و من الأوصاف التي قالوا باعتبارها في المفتي الإيمان، و المقصود من الإيمان الاعتقاد بإمامة الأئمّة الاثني عشر «، و قد حكي عليه إجماع الخلف و السلف.

و ادّعى صاحب الغنية: «الإجماع على عدم جواز الاستفتاء من غير الإمامي‏ (1)» و احتجّوا على اعتبار الإيمان في المفتي بقول أبي الحسن (عليه السلام) فيما كتبه لعليّ ابن سويد: «لا تأخذنّ معالم دينك عن غير شيعتنا، فإنّك إن تعدّيتهم أخذت دينك من الخائنين الذين خانوا الله تعالى و رسولهُ، و خانوا أماناتهم، إنّهم ائتمنوا على كتاب اللّه فحرّفوه و بدّلوه» (2). و بهذا المضمون قد ورد غير واحد من النصوص.

و يمكن الاحتجاج بقوله (عليه السلام): «أ ما لكم من مفزع؟! أ ما لكم من مستراح تستريحون إليه؟! ما يمنعكم من الحرث بن مغيرة البصري‏ (3)».

و تقريب الاحتجاج به: أنّ من عرّفه الإمام (عليه السلام) مصداقاً للمفزع و المستراح من يكون مثل الحرث بن مغيرة، و هو الفقيه الإمامي دون غيره، كما يمكن الاحتجاج بالنصوص الدالّة على عدم الرجوع إلى غيره في القضاء.

أقول: أمّا الإجماع فبعد تسليم تعبّديّته يكون المتيقّن منه غير الإمامي الذي يستنبط الحكم على خلاف مذهب أهل البيت و طريقة العترة الطاهرة «.

و أمّا مكاتبة ابن سويد فالمستفاد من التعليل الوارد فيها أنّ عدم جواز أخذ الفتوى عن غير الشيعة من جهة الخيانة لله و لرسوله، و تحريف كتاب الله و تبديله. فلو لم يكن كذلك بأن كان اجتهاده على مذهب أهل البيت فأين التحريف لكتاب الله و التبديل؟ فإنّ الظاهر منها أنّ للتحريف و التبديل دخلًا في اجتهادهم، و لذلك نقول: لا يجوز تقليد

____________

(1) غنية النزوع ضمن الجوامع الفقهيّة، ص 486.

(2) وسائل الشيعة، ج 27، ص 150، الباب 11 من أبواب صفات القاضي، ح 42.

(3) وسائل الشيعة، ج 27، ص 145، الباب 11 من أبواب صفات القاضي، ح 24.

109

المفتي الإمامي الذي لم يستنبط على طبق مذهب أهل البيت.

و مثل هذه المكاتبة قوله (عليه السلام) في مكاتبة ابني حاتم: «فاصمدا في دينكما على كلّ مسنّ في حبّنا، و كلّ كثير القدم في أمرنا (1)».

فإنّ الاعتبار بطول المقام في حبّهم، و بكثرة القدم في أمرهم، إنّما كان من جهة المعرفة بمذهبهم، و الاطلاع على أُصوله و فروعه.

و من هذا القبيل خبر الحرث، فإنّهم «لا يرخّصون الرجوع إلى غير مذهبهم.

و من هذا الباب النصوص الحاكمة في باب القضاء، فإنّه لا بأس بدعوى دلالتها على عدم جواز الرجوع إلى غير القاضي الإمامي من جهة أنّه لا يقضي على طبق موازين القضاء في مذهب أهل البيت «.

و أمّا إذا كان قضاؤه مطابقاً لموازين القضاء في مذهب أهل البيت فالنصوص ساكتة عن هذه الصورة. مضافاً إلى ما مرّ من أنّ إجراء جميع ما يعتبر في القاضي على المفتي محتاج إلى دليل.

و ممّا ذكرنا ظهر عدم صحّة الاستدلال على إيمان المفتي بقوله (عليه السلام): «فإنّ الرشد في خلافهم» و أمثاله من النصوص، بل قد يكون مثل هذا النصّ شاهداً لما ذكرناه.

و احتجّ بعض الأساطين لاشتراط وصف الإيمان في المفتي: «بفقدان المخالف لوصف العدالة» (2).

أقول: الإيمان من الأُمور القلبيّة و العدالة حسبما عرّفها في تعليقته على العروة من صفات الأفعال الخارجيّة قال دام ظلّه: «إنّها الاستقامة في جادّة الشرع، و عدم الانحراف عنها يميناً و شمالًا» (3)؛. فالحكم بنفي صفة قلبيّة بدعوى فقدان وصف للفعل الخارجي ليس بصحيح.

____________

(1) وسائل الشيعة، ج 27، ص 151، الباب 11 من أبواب صفات القاضي، ح 45.

(2) دروس في فقه الشيعة، ج 1، ص 122.

(3) تعليقة على العروة (للسيّد الخوئي)، ج 1، ص 21.

110

مضافاً إلى المناقشة في أصل الدعوى، فإنّ فقدان العدالة في جميع غير الإماميّين من الطوائف الإسلاميّة، سيّما غير المقصّرين منهم ممنوع.

ثمّ إنّ سيرة العقلاء قائمة على جواز الرجوع إلى فقيه غير إمامي؛ إذا أفتى بمذهب أهل البيت، و لم يصل من الشارع ردع عن هذه السيرة، بل الإطلاقات الواردة في الباب مثل الراوي لحديثهم، و العارف بأحكامهم، و مثل أهل الذكر، تعمّ الفقيه غير الإمامي، بل قد جاء في النصّ: أنّ عنوان أهل الذكر شامل لغير المسلم أيضاً من علماء أهل الكتاب، فهو عنوان عامّ شامل لكلّ من له معرفة بالحقّ و الدين و المذهب.

و ممّا يدلّ على جواز الرجوع إلى فقيه غير إمامي إجماع الطائفة على العمل بالأحاديث الموثّقة، و المقصود من الخبر الموثّق في اصطلاحهم أن يكون الراوي له عادلًا غير إمامي، فإذا كان قوله حجّة في حكاية ألفاظهم «فهو حجّة في حكاية معاني ألفاظهم؛ فإنّ العقل لا يرى ميزة في حكاية اللفظ دون المعنى، و العقلاء لا يرون فرقاً في حكاية اللفظ الشامل للحكم و بين حكاية نفس الحكم.

مضافاً إلى أنّ النقل بالمعنى في الأخبار الموثّقة ليس بقليل، و الشاهد موثّقات عمّار الساباطي، فلا بأس بدعوى دخول النقل بالمعنى في معقد الإجماع.

العدالة

من الأوصاف التي قالوا باعتبارها في المفتي العدالة؛ فلا يجوز تقليد الفاسق.

و تحقيق البحث فيها أنّ الإطلاقات الواردة في الباب حاكمة بعدم اعتبار هذا الوصف في المفتي زائداً على الوثوق باجتهاده، و على الوثوق بقوله. و سيرة العقلاء حاكمة بعدم اعتبار وصف العدالة في أهل الخبرة و التخصّص.

نعم، المعتبر عند العقلاء الوثوق بخبرويّة الخبير، و بعدم تعمّده الكذب إذا أخبر عن رأيه. فالواجب هو الفحص عن مقيّد للإطلاقات حتّى يكون رادعاً عن تنفيذ السيرة في المقام، فنقول: المقيّد: إمّا لفظي أو لبّي.

أمّا المقيّد اللفظي فهو عبارة عن العلل المنصوصة الواردة في باب الإرجاعات إلى‏

111

فقهاء الصحابة، كقول الإمام الصادق (عليه السلام) في الإرجاع إلى الثقفي: «فإنّه سمع أبي، و كان عنده مرضيّاً وجيهاً» (1) و كقول الإمام العسكري (عليه السلام) في الإرجاع إلى العمرى و ابنه: «فإنّهما الثقتان المأمونان» (2) و مثلهما الوصف المذكور المصرّح به في قول الإمام الرضا (عليه السلام) في الإرجاع إلى زكريّا بن آدم: «المأمون على الدين و الدنيا» (3).

و تقريب الاستدلال بها: أنّ المرضي عند الإمام و الوجيه و الثقة و المأمون على الدين و الدنيا لا يكون إلا عدلًا، فهذا الوصف هو السبب للإرجاع، فالإرجاع يدور مداره.

و من المقيّد اللفظي مفهوم الشرط لقوله (عليه السلام): «أمّا من كان من العلماء صائناً لنفسه، حافظاً لدينه، مخالفاً لهواه، مطيعاً لأمر مولاه فللعوام أن يقلّدوه» (4).

و يشهد للمفهوم المنطوق الوارد في ذيله بلسان التعليل: «لأنّ الفسقة يتحمّلون عنّا فيحرّفونه بأسره لجهلهم، و يضعون الأشياء على غير وجهها؛ لقلّة معرفتهم، و آخرون يتعمّدون الكذب علينا» (5).

فإن قلت: ظاهر قوله (عليه السلام): «فللعوامّ أنّ يقلّدوه» وجوب التقليد عن الموصوف بتلك الصفات، فيفيد مفهومه نفي وجوب التقيّد عن غير الموصوف بتلك الصفات، فلا يدلّ على المنع عن تقليده.

قلت: بل ظاهره جواز تقليده؛ لوقوع الجملة الشرطيّة عقيب النهي عن تقليد من ذكر قبلًا، فيفيد مفهومها عدم الجواز.

ثمّ إنّ بعضهم قد احتمل أن تكون أية «النبإ» مقيّداً لفظيّاً للإطلاقات؛ بناء على شمول «النبإ» للفتوى.

____________

(1) وسائل الشيعة، ج 27، ص 144، الباب 11 من أبواب وجوب الرجوع في القضاء و الفتوى، ح 23.

(2) وسائل الشيعة، ج 27، ص 138، الباب 11 أبواب صفات القاضي، ح 4.

(3) وسائل الشيعة، ج 27، ص 146، الباب 11 من أبواب صفات القاضي، ح 27.

(4) وسائل الشيعة، ج 27، ص 91، الباب 8 من أبواب صفات القاضي، ح 50.

(5) الفصول في علم الأُصول، ج 2، ص 137 و 138.

112

أقول: عدم شمول «النبإ» للفتوى غير مانع عن تقييد الإطلاقات بالآية؛ فإنّ تعليل الأمر بالتبيّن عن خبر الفاسق، و هو الإصابة بالجهالة في فتوى الفاسق موجود أيضاً، لكنّ الذي يصدّنا عن القول به أنّ المفروض في البحث تحقّق التبيّن، و حصول الوثوق بفتوى الفاسق.

و ذكر صاحب الفصول مقيّداً آخر هو:

أنّ الفاسق ظالم؛ لقوله تعالى: و الفاسقون هم الظالمون، و التعويل عليه في الفتوى ركون إليه و هو محرّم؛ لقوله تعالى‏ وَ لا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا (1).

أقول: يرد عليه بالنقض: بجواز التعويل على خبر الفاسق الذي حصل التبيّن عنه، و بجواز التعويل على الخبر الضعيف الذي عمل به المشهور، و بجواز التعويل على الخبر الموثّق؛ فإنّ الظلم الاعتقادي فوق الظلم الجوارحي، و بجواز التعلّم عند الفاسق.

و بالحلّ: أنّ ظاهر الركون منصرف عن الركون العلمي بشهادة النصوص الواردة، كما أنّ المتبادر من الظلم هو الظلم الجوارحي. و تنزيل الفاسق منزلة الظالم في الآية الأُولى ليس في جميع الآثار. فتبيّن أنّ ما تقدّم من الأدلّة يصلح لتقييد الإطلاقات، و للمنع عن إجراء السيرة العقلائيّة في المقام.

و أمّا المقيّد اللبّي: فقد ادّعي الإجماع على اشتراط وصف العدالة في المفتي. قال السيد في المستمسك:

إنّ جواز تقليد الفاسق المأمون خلاف المتسالم عليه بين الأصحاب، و خلاف المرتكز في أذهان المتشرّعة، بل المرتكز عندهم قدح المعصية على نحو لا يجدي عندهم التوبة. (2) أقول: تعبّديّة الإجماع محلّ نظر؛ لاحتمال اعتماد المجمعين على ما ورد من المقيّدات اللفظيّة، و أمّا تسالم الأصحاب فلا حجّيّة له ما لم يصل إلى حدّ الإجمال،

____________

(1) هود (11) الآية 113.

(2) المستمسك، ج 1، ص 42.

113

مع أنّه قد ينشأ التسالم من الاحتياط بعدم الوثوق بمقدار البحث عن الأدلّة.

و أمّا المرتكز في أذهان المتشرّعة فلا عبرة به؛ لاحتمال كونه ناشئاً من تسالم المفتين فليس بوجه آخر، على أنّه قد يرتكز في أذهانهم ما ينشأ من الخلقيّات، و تشتبه عليهم الخلقيات، و العادات بسنن الشرع، و يشهد لذلك ما ذكره من عدم إجداء التوبة و الندم عندهم، مع كونه خلاف صريح للقران، و الضرورة من الدين.

و قال بعض الأساطين:

إنّ دعوى القطع بأنّ الشارع لا يرضى بأن يكون زمام أُمور الدين بيد من هو خارج عن جادّة الشرع بارتكابه المعاصي دعوى صحيحة؛ فإنّ منصب الإفتاء منصب رفيع دون منصب الإمامة، فكيف يمكن أن يتصدّاه من هو في مقام التمرّد و الطغيان على الله؟ (1).

طهارة المولد

و من الأوصاف التي قالوا باعتبارها في المفتي طهارة المولد.

قال السيد في المستمسك:

طهارة المولد داخلة في الإيمان، بناء على كفر المتولّد من الزنى. و أمّا بناء على خلافه فلا دليل على اعتبارها غير الأصل المحكوم ببناء العقلاء. نعم، عن الروضة دعوى الإجماع عليه فهو المعتمد. (2) أقول: لم أعثر على القول بالكفر الظاهري للمتولّد من الزنى، بل و على ما يدلّ على ذلك من النصّ، و على فرض تسليم ثبوته فهي داخلة في اعتبار الإسلام لا الإيمان.

و أمّا الإجماع فثبوته محلّ تأمّل؛ لعدم العلم بكون المسألة مبحوثاً عنها عند القدماء.

و قال بعض الأساطين:

إنّ الصحيح في الاستدلال على اشتراط طهارة المولد في المفتي فحوى ما دلّ على اعتبارها في إمام الجماعة، و على عدم قبول شهادة ولد الزنى؛ فإنّ منصب الإفتاء أهمّ‏

____________

(1) دروس في فقه الشيعة، ج 1، ص 124.

(2) المستمسك، ج 1، ص 45.

114

من الإمامة للجماعة و شهادة الشاهد. (1) أقول: يلزم من هذا الكلام أن لا يكون المفتي أغلف و لا محدوداً؛ لاشتراطهما في إمام الجماعة. و أن يكون أصبح وجهاً من المفتين عند تعدّدهم و مساواتهم في الفضل و اختلافهم في الفتيا.

فالتحقيق: أنّ قياس من يكون رأيه قدوة إلى من تكون صلاته قدوة قياس مع الفارق، و الحكم بالأولويّة ممنوع؛ للفرق الواضح بين الفعل العبادي الخارجي و بين الفعل القلبي غير العبادي.

نعم، لو قام دليل شرعي على اتّحاد المفتي، و إمام الجماعة في الأوصاف لكان لما ذكره دام ظلّه وجه.

و أمّا فحوى اعتبار طيب المولد في الشاهد فلازمها اعتباره في الراوي؛ فإنّه يخبر عن كلام الإمام، و لازمها عدم حجّيّة قول المفتي في غير ما قطع به؛ إذا المعتبر في الشاهد هو الشهادة عن علم، و لا تسمع شهادته فيما ظنّ به.

و التحقيق: أنّ إسراء أحكام باب القضاء إلى باب الإفتاء محتاج إلى دليل من الشرع؛ لاحتمال احتياج باب القضاء إلى قيود، و اعتبارات أكثر، كما مرّ. و الذي يهوّن الخطب عدم وجود ثمرة عمليّة لهذا البحث؛ لإجراء أصالة الصحّة في نكاح والديه؛ و عدم إمكان حصول العلم عادة بصدور الزنى منهما.

عدم الإقبال على الدنيا

قال السيّد في العروة: «و من أوصاف المفتي أن لا يكون مقبلًا على الدنيا، و طالباً لها، و مكبّاً عليها، و مجدّاً في تحصيلها» (2). احتجّ لذلك بقوله (عليه السلام): «من كان من العلماء صائناً لنفسه» (3) الحديث.

____________

(1) دروس في فقه الشيعة، ج 1، ص 132.

(2) العروة الوثقى، ج 1، ص 10 المسألة 22.

(3) وسائل الشيعة، ج 27، ص 91، الباب 8 من أبواب صفات القاضي، ح 50.

115

أقول: لعلّ محطّ نظره (قده) في الاحتجاج قوله (عليه السلام): «مخالفاً لهواه» و إلا فبقيّة الجمل أجنبيّة عن مدّعاه.

و يرد عليه: أنّ الجملات الأربع في الخبر بمعنى واحد، و كلّ واحدة من اللاحقة مفسّرة للسابقة؛ لكونها عطفاً تفسيرياً لها، مع أنّ الإقبال على الدنيا يجتمع مع الاجتناب عن المحرّم الذي هو المخالفة للهوى، فالرواية لا تدلّ على أكثر من اعتبار العدالة.

الضبط

و من الأوصاف التي ذكرت في الفصول: «أن يكون المفتي ضابطاً، فلا عبرة بفتوى من يكثر السهو عليه، إلا مع الأمن منه فيما يرجع إليه» قال: «و وجهه واضح ممّا مرّ في خبر الواحد» (1).

و جعل (قده) في ذلك الباب الضبط وصفاً سادساً للراوي، و قال:

إنّ من لا ضبط له لا وثوق بخبره؛ لاحتمال الزيادة في روايته، و النقصان؛ و التغيير احتمالًا مساوياً لعدمها أو قريباً منه، فلا يبقى تعويل على خبره‏ (2).

أقول: إن أراد من الضبط ما يتوقّف عليه الاجتهاد و الوثوق بقوله فذلك ممّا لا ريب فيه، لكنّ الكلام ليس فيما يتوقّف عليه الاجتهاد، و إلا يجب أن يعتبر في المفتي الفهم و نحوه. فالبحث عن الأوصاف المعتبرة في المفتي إنّما يكون بعد الفراغ من صحّة اجتهاده و من الوثوق بقوله.

و إن أراد من الضبط زائداً على ما يتوقّف عليه الاجتهاد، كما هو ظاهر سرده في أوصاف المفتي فما ادّعاه من الدليل غير دالّ. و الإطلاقات و السيرة حاكمة بعدم اعتباره.

الاجتهاد المطلق‏

و من الأوصاف التي صرّحوا باعتبارها في المفتي كونه مجتهداً مطلقاً، فلا يجوز

____________

(1) الفصول في علم الأُصول، ج 2، ص 138.

(2) الفصول في علم الأُصول، ج 2، ص 138.

116

تقليد المتجزّي في الاجتهاد، لكنّك قد عرفت عند البحث عن الاجتهاد جواز التقليد عن المتجزّئ؛ فإنّ إطلاقات الباب شاملة له، و السيرة العقلائيّة حاكمة بجواز تقليده.

و نزيدك هنا دليلًا و هو مفهوم ما دلّ على عدم جواز الفتوى بغير علم، و مفهوم ما دلّ على عدم جواز الفتوى بالرأي، أو بالقياس، أو بالاستحسان؛ فإنّ هذه المفهومات حاكمة بجواز الفتوى عن علم، و جواز الفتوى بغير الرأي، و القياس، و الاستحسان. و هو الذي لا يخرج عن نطاق الكتاب و السنة، و من المعلوم أنّ فتوى عن العلم، و غير خارج عن نطاق الكتاب و السنّة جائزة بحكم هذه المفاهيم. و لا يخفى أنّ جواز الإفتاء ملازم لجواز الاستفتاء.

هذا كلّه بناء على القول بتحقّق الإطلاق كما هو التحقيق، و إلا بناء على القول بعدمه فاستفادة الجواز منها صعب. اللهمّ إلا أن يقال بأنّها تدلّ على إمضاء سيرتهم الشرعيّة في اجتهاداتهم من الكتاب و السنّة، و الردع عن سيرتهم في اجتهاداتهم بالرأي، أو بالقياس، أو بالاستحسان.

طرؤ النسيان على المفتي‏

إذا طرأ النسيان على المفتي لكبر أو مرض فهل يجوز تقليده أم لا؟ أم هل يجوز البقاء على تقليده؟ السيرة العقلائيّة حاكمة بجواز التقليد عنه مطلقاً، سواء أ كان التقليد عنه ابتدائيّاً أم بقائيّاً، كما أنّ الاستصحاب حاكم بذلك أيضاً.

و قال بعض الأساطين ب:

عدم الجواز؛ لظهور الأدلّة اللفظيّة في أنّ المرجع هو الفقيه لا رأيه، و لا يصدق الفقيه و العالم على الناسي؛ فلا اعتبار برأيه السابق قبل طروء النسيان عليه‏ (1).

أقول أوّلًا: هذا الكلام مناف لقوله بجواز البقاء على تقليد الميّت و وجوبه.

و ثانياً: أنّ ظهور الأدلّة في كون المرجع هو الفقيه لا رأيه لا يوجب ظهورها في‏

____________

(1) دروس في فقه الشيعة، ج 1، ص 169.