الاجتهاد والتقليد

- السيد رضا الصدر المزيد...
415 /
117

كون الفقيه حائزاً لجميع شرائط الإفتاء عند عمل المستفتي بفتواه؛ و إلا يجب أن يصدق على العامل بفتواه حال طروء النسيان عليه أنّه رجع إلى عامّي، و فساده واضح.

و ثالثاً: أنّ الظاهر من الإرجاع إلى الفقيه هو الإرجاع إلى فقهه و أخذ رأيه، لا الإرجاع إلى شخصه الموصوف بالفقاهة.

و بيان ذلك: أنّ الظهور العرفي للمشتقّات على نحوين:

فقد يطلق المشتقّ و يقصد منه تعريف الموصوف، فيكون له ظهور في التلبّس في الحال كقولك: «أرسل حكيماً، أو جاءني طبيب، أو يزورك عالم».

و قد يطلق و يقصد منه تعريف نفس الصفة، و إنّما جي‏ء بالمشتقّ؛ لقيام الوصف به، كقولك: «اتّبع حكيماً، أو ارجع إلى طبيب، أو أقتد بعالم» فيكون له ظهور في التلبّس في الجملة، و يتناول الظهور لمن انقضى عنه البدء؛ إذ المقصود في مثل هذا الإطلاق اتّباع حكمة الحكيم، و الرجوع إلى طبّ الطبيب، و الاقتداء بعلم العالم.

فإذا اتّبع حكيماً طرأ عليه الجنون حال الاتّباع يصدق عليه أنّه اتّبع حكيماً، أو إذا عمل بإرشاد طبيب حال نسيانه الطبّ، يصدق عليه أنّه رجع إلى الطبيب، و كذلك الحال في صدق الاقتداء بعالم عند نسيانه علمه.

118

تقليد الميّت‏

[التقليد الابتدائي عن الميت‏]

و من الأوصاف التي اشتهر اشتراطها بين الشيعة الإماميّة في المفتي الحياة، فلا يجوز تقليد الميّت عند التمكّن من تقليد الحيّ، و إلا فلا إشكال في جواز تقليده. قد صرّح بذلك صاحب الفصول. إنّ الثمرة العمليّة لهذا البحث تختصّ بصورة اختلاف الحي و الميّت في الفتوى. و إنّما تكون في المسائل التي تقع محلّا لابتلاء العامّي بها في مقام العمل حتّى يكون العمل صحيحاً على قول أحدهما، و فاسداً على قول الآخر، و لا فرق في ذلك أ يعرّف التقليد بنفس العمل بقول الغير، أو يعرّف بالالتزام في العمل على قول الغير؟

نعم، تترتّب الثمرة لهذا النزاع عند موافقة الحيّ و الميّت في الفتوى؛ بناء على تعريف التقليد بالالتزام؛ لأنّ صحّة العمل على هذا القول موقوف على الالتزام الصحيح، و هو موقوف على حجّيّة رأى الميّت. و يمكن أن يجرى عليه حكم من عمل بلا تقليد و اجتهاد إن كان عمله موافقاً لقول من يجوز تقليده من الأحياء.

و أمّا بناء على كون التقليد هو العمل فلا ثمرة عمليّة للبحث عن الجواز و عدمه؛ لكون العمل صحيحاً حتّى على القول بعدم جواز تقليد الميّت، فإنّ المفروض أنّ عمله مطابق لرأي الحي. و يثمر النزاع حينئذ في حجّيّة رأى الميّت من حيث جواز البناء عليه حتّى لا يكون تشريعاً محرّماً.

و إذا قيل بعدم حجّيّة قول الميّت فلا يجوز الالتزام به، فيكون تشريعاً محرّماً، لكنّ‏

119

ذلك أمر أجنبي عن مقام العمل الذي هو محلّ البحث. و كيف كان فقد استدلّ على اعتبار الحياة في المفتي و على عدم جواز تقليد الميّت ابتداء بأُمور

[الاجماع‏]

أوّلها: الإجماع‏ قد حكي عن المحقّق الثاني في شرح الألفيّة أنّه: «لا يجوز الأخذ عن الميّت مع وجود الحي بلا خلاف بين الإماميّة (1)».

و حكي مثل هذه الدعوى عن الشهيد الثاني في المسالك لكنّي لم أجد فيه بالرغم من الفحص عن مظانّه.

و قال صاحب المعالم:

يظهر اتّفاق العلماء على المنع من الرجوع إلى فتوى الميّت مع وجود المجتهد الحي، بل قد حكى الإجماع فيه صريحاً بعض الأصحاب‏ (2).

و حكي عن الفوائد للبهبهاني: «أنّهم أجمعوا على أنّ الفقيه لو مات لا يكون قوله حجّة». (3) و قد اشتهر بين أصحابنا المتأخّرين و المعاصرين تحقّق الإجماع على عدم جواز التقليد الابتدائي عن الميّت، بل كاد أن يكون ذلك أمراً قطعيّاً بينهم، بحيث يكون هو المعتمد عند بعضهم؛ للقول بعدم الجواز، أو هو المانع عند آخر؛ للقول بالجواز.

أقول: ظاهر الإضراب في كلام صاحب المعالم وجود الفرق بين إجماع الأصحاب و بين اتّفاقهم، فالإجماع يكون دليلًا تعبّديّاً يجب متابعته، لكنّ الاتّفاق ليس من الأدلّة، فلا بأس بمخالفته عند مساعدة الدليل، فإنّ المجتهد لا يجوز له التقليد عن غيره.

____________

(1) مقاصد العليّة، ص 28 و 29 و الهامش.

(2) معالم الدين في الأُصول، ص 242.

(3) ملاحظات الفريد على فوائد الوحيد، ص 360. حكاه عنه العلامة الأنصاري في: مجموعة رسائل، ص 59.

120

و لا يخفى أنّه قد يقع الالتباس بين الإجماع و الاتّفاق، فلا تغفل.

نظرة إلى الإجماع‏

إنّ المسألة الإجماعيّة يجب أن تكون محلّا للبحث بين الأصحاب، و مورداً لأنظارهم، و إلا فلا يمكن تحقّق الإجماع فيها.

فإذا لم تكن مسألة مبحوثاً عنها بين القوم فلا سبيل إلى تحصيل الإجماع فيها. و لعلّ البحث عن تقليد الميّت من هذا القبيل، فكيف تصحّ دعوى الإجماع فيها.

و إذا أحببت أن يظهر لك صدق هذا الكلام فعليك بالفحص عن البحث عن هذه المسألة في كتب القوم؛ فإّني لم أجد منها عيناً أو أثراً في كتب قدماء الأصحاب. و إن كان البحث عن أصل مسألة التقليد و عن فروعها موجوداً لديهم.

هذا شيخ الطائفة (قده) قد تعرّض في كتاب العدّة لهذه المسألة، و صرّح باعتبار أوصاف في المفتي، لكنّه لم يعدّ منها الحياة. (1) و هذا علم الهدى (قده) في كتاب الذريعة (2) قد عقد فصلًا في صفة المفتي و المستفتي، و لم يذكر الحياة في الأوصاف المعتبرة في المفتي.

و هذان الكتابان أقدم الكتب في هذا الفنّ، و لعلّ للعدّة تقدّماً زمانياً على الذريعة، كما يظهر من كلام الشيخ في المقدّمة.

و هذا ابن زهرة (قده) مع كثرة اشتهاره بدعوى الإجماعات في المسائل قد تعرّض للبحث عن أحكام المفتي و المستفتي في كتاب الغنية، و قد ادّعى الإجماع على عدم جواز التقليد عن غير الإمامي‏ (3)، لكنّه لم يجعل الحياة شرطاً للمفتي، بل لم يتعرّض لذلك أصلًا.

____________

(1) العدّة، ص 292، صفات المفتي، الطبعة القديمة.

(2) الذريعة، ج 2، ص 796.

(3) غنية النزوع، ضمن الجوامع الفقهية، ص 485.

121

و هذا المحقّق (قده) في المعارج‏ (1) مع بحثه عن مسألة التقليد، و شرائط المفتي لم يجعل منها الحياة، بل لم يتعرّض لذكرها أصلًا.

و هذا العلامة (قده) في المبادئ‏ (2) قد أتى على بحث التقليد، و لكنّه لم يتعرّض لاعتبار صفة الحياة في المفتي.

إنّ احتمال غفلة هؤلاء الأعاظم عن ذكر حكم إجماعي لمسألة مبتلى بها بين الناس بعيد جدّاً، سيّما مع اتّفاق أهل السنّة على الجواز، مع عملهم المستمرّ على ذلك. و من ذلك يحصل الوثوق بأنّ عدم تعرّض هؤلاء لمذهب إجماعي للإماميّة لم يكن عن غفلة منهم.

و أمّا احتمال عدم تعرّضهم لهذا الحكم من جهة كون عدم الجواز مقطوعاً لديهم مندفع بمثله، و هو احتمال كون الجواز مقطوعاً بينهم، مع أنّ سيرتهم في الأبحاث العلميّة هو التعرّض للمسائل الإجماعيّة أيضاً، سيّما إذا كانت الإماميّة تفترق عن غيرهم في المذهب.

و ممّا يوهن دعوى الإجماع على عدم جواز تقليد الميّت سيّما الابتدائي منه أنّ السيد المرتضى لم يذكره في الانتصار (3)، و لم يجعله في زمرة ما انفردت به الإماميّة.

أضف إلى ذلك: أنّ السيّد (قده) قد أفتى في أجوبة المسائل الميافارقيات بجواز العمل بكتابي ابن بابويه و الحلبي و رجّح العمل بهما على العمل بكتاب الشلمغاني.

و يظهر من السؤال عنه (قده) أنّ العمل بهذه الكتب كان أمراً متداولًا بين الطائفة في ذلك العصر، و الحال أنّ جميع أفراد الطائفة في ذلك العصر لم يكونوا مجتهدين بشهادة نفس هذه الأسئلة، و أمثالها التي كانت تأتي لفقهاء ذلك العصر.

مضافاً إلى أنّ تلك الكتب، سيّما كتاب الشلمغاني لم تكن مختصّة بنقل الروايات‏

____________

(1) المعارج، ص 200.

(2) مبادئ الوصول إلى علم الأُصول، ص 246، البحث الخامس.

(3) الانتصار، ص 236، مسائل القضاء و الشهادات.

122

فقط، بل كانت مشتملة على الآراء و الروايات معاً. و يشهد لذلك كلام الشيخ حسين ابن روح (قده) حول كتاب الشلمغاني جواباً عمّا سئل عنه حول كتبه بعد ما ذمّ، و خرجت فيه اللعنة.

فقيل للشيخ: كيف نعمل بكتبه و بيوتنا منها ملأى؟ فقال (قده): أقول فيها ما قاله أبو محمد الحسن بن علي (عليه السلام)، و قد سئل عن كتب بني فضّال، فقالوا: كيف نعمل بكتبهم و بيوتنا منها ملأى؟ فقال (عليه السلام): «خذوا بما رووا و ذروا ما رأوا». (1) ثمّ إنّ العمل بالروايات المرويّة في تلك الكتب كان تقليداً عن مؤلّفيها؛ فإنّه من المظنون أنّ القوم كانوا يعملون بتلك الروايات من غير فحص عن صحّة سندها، و عن معارض لدلالتها، و عن مخصّص لعموماتها، و مقيّد لإطلاقاتها؛ فإنّ السائلين لأمثال هذه المسائل لم يكونوا جميعاً أهلًا لهذه الأبحاث، أو يكونوا ناصبين أنفسهم للاجتهاد.

و ممّا يوهن دعوى الإجماع أنّ حجّيّته عندنا معاشر الإماميّة من باب كونه كاشفاً عن رأي المعصوم (عليه السلام) الذي قد خفي علينا أصله، و ظهر علينا لازمه، و هو اتّباع الفرقة الناجية له، و عملهم به، و اتّفاقهم عليه، فقوامه بأمرين: كون المسألة مبحوثاً عنها بين قدماء الأصحاب، و هم الذين ينتهي عصرهم بزمان الشيخ المفيد (قده)، و اتّفاقهم على قول واحد غير معلوم لدينا مستند ذلك القول.

ثمّ إنّ خفاء رأي المعصوم (عليه السلام) في بعض المسائل الفقهيّة ممكن، لكن خفاؤه و نهيه (عليه السلام) عن تقليد الميّت غير ممكن بحسب العادة، فإنّ القول بالجواز كان محلّ اتّفاق لغير الإماميّة، بل كان عليه العمل عندهم سابقاً و لاحقاً بمرأى من المعصوم (عليه السلام) و مسمع منه و من أصحابه.

فإذا فرض صدور نهي عنه (عليه السلام) في هذا الباب فكيف يمكن اختفاؤه مع كثرة

____________

(1) وسائل الشيعة، ج 27، ص 102، الباب 8 من أبواب وجوب العمل بأحاديث النبيّ، ح 79 و ص 142، الباب 11 من أبواب وجوب الرجوع في القضاء و الفتوى، ح 13.

123

الداوعي على نقله من جهة كثرة الابتلاء به، و قد نقل نهيه (عليه السلام) عن العمل بالقياس و بالرأي، بل تواتر نقله، كما نقل نهيه (عليه السلام) عن تقليد العلماء السوء الذي كان عليه العمل عند غير الإماميّة.

ثمّ إنّه لم يكن هناك داع لإخفاء أصحابه (عليه السلام) نهيه عن تقليد الميّت، و إنّ الخبير يعلم أنّه لم ينقل من أحد من فضلاء الأصحاب بحث في هذه المسألة المبتلى بها المشهور حكمها بين غيرهم مع أحد من العلماء القائلين بالجواز، كما نقل كثيراً بحوثهم مع غيرهم في المذاهب التي كانوا مختلفين فيها في القول.

ثمّ لو كان عدم جواز تقليد الميّت ثابتاً لديهم كيف لم يشر إليه هؤلاء الأكابر في كتبهم المعدّة للبحث عن أحكام التقليد؟ و كيف لم يصرّحوا بإجماع الإماميّة على عدم جواز تقليد الميّت؟ و كيف لم ينسب هذا القول في كتب غير الإماميّة القدماء إلى الإماميّة؟

و ممّا ذكرنا ظهر عدم ثبوت اتّفاق أيضاً بين قدماء الأصحاب على الجواز، و المظنون أنّ البحث عن هذه المسألة قد حدث بين الإماميّة بعد الشيخ الطوسي (قده) و طبقته و تلامذته، و إنّ عدم عثور المتأخّرين على الفتوى بالجواز من سابقيهم صار سبباً لزعمهم الإجماع في المسألة.

ثمّ إنّه على فرض تسليم تحقّق الإجماع في المقام فالمتيقّن منه عدم اعتبار قول الميّت من حيث إمكان تحقّق إجماع على خلافه، بخلاف المجتهد الحي، فإنّه إذا كان مخالفاً مع معاصريه في مسألة فلا يمكن تحقّق الإجماع على خلافه في تلك المسألة. و الشاهد على ذلك كلام العلامة (قده) في المبادئ حيث قال:

«لا قول للميّت، فإنّ الإجماع لا ينعقد مع خلافه حيّاً و ينعقد بعد موته» (1).

و ذلك ممّا لا شكّ فيه، و لا شبهة تعتريه، و لا يبعد أنّ الإجماع القائم على عدم اعتبار قول الميّت من هذه الجهة صار سبباً لتوهّم إطلاق في معقد الإجماع.

____________

(1) مبادئ الوصول إلى علم الأُصول، ص 248.

124

المجوّزون لتقليد الميّت‏

قال صاحب الفصول:

المعروف بين الأصحاب اشتراط الحياة في المفتي، فلا يجوز تقليد الميّت، مع إمكان الرجوع إلى الحي خلافاً لشاذّ قد أجاز الرجوع إليه. (1) و قد صرّح صاحب الكفاية: «أنّ عدم الاشتراط خيرة الأخباريين، و بعض المجتهدين من أصحابنا» (2).

و لعلّ مراده من بعض مجتهدي الأصحاب هو المحقّق القمّي، (قده)، فإنّه قائل بالجواز؛ لصحّة دليل الانسداد عنده؛ و قوله بحجّيّة الظنّ المطلق؛ فإنّه حجّة عنده سواء أحصل من قول مجتهد حي، أو قول مجتهد ميّت.

ثمّ إنّه قد تنظّر بعض في نسبة القول بالجواز إلى الأخباريين، فقال:

إنّ تجويزهم ذلك مبني على تخيّلهم بأنّ الإفتاء هو نقل الرواية بالمعنى، و لا يشترط في جواز العمل بالرواية حياة الراوي. (3) قال:

و هو فاسد؛ لظهور الفرق بين الإفتاء، و نقل الحديث بالمعنى، فإنّ الإفتاء هو الإخبار عن الحكم من مقدّمات نظريّة، و هذا المعنى يمنع الأخباري عن العمل به حال حياة المفتي، فخلافه ليس في محلّ الكلام و إنّما هو في أصل التقليد.؛ (4)

تأسيس الأصل‏

قال صاحب الكفاية تبعاً لصاحب الفصول: «إنّ الأصل يقتضي عدم جواز تقليد

____________

(1) الفصول في علم الأُصول، ج 2، ص 138.

(2) كفاية الأُصول، ج 2، ص 441.

(3) انظر: الفصول في علم الأُصول، ج 2، ص 141.

(4) انظر: الفصول في علم الأُصول، ج 2، ص 141.

125

الميّت ابتداء» (1) أقول: الأصل هنا ما يركن إليه عدم الدليل على حكم لمسألة، و قد مرّ البحث عن مقتضى الأصل في صدر البحث عن أوصاف المفتي.

و يمكن أن يكون مرادهما من الأصل هو حكم العقل بعدم براءة الذمّة عن الاشتغال بالتكليف المعلوم بعد العمل بقول المفتي الميّت، فهو أصل عقلي.

و يمكن أن يكون مرادهما استصحاب بقاء الاشتغال بالتكليف بعد العمل بقول الميّت، فهو أصل شرعي.

و يمكن تقرير الأصل بما اشتهر بينهم، و هو الحكم بعدم حجّيّة كلّ أمارة شكّ في حجّيّتها.

و نقصد من الحكم بعدم الحجّيّة عدم ترتيب آثار التنجيز و التعذير على تلك الأمارة. و لعلّ هذا التقرير أقرب إلى كلام صاحب الكفاية؛ بناء على حمل الجواز في كلامه على الجواز الوضعي و هو المساوق للحجّيّة.

لكن يرد على هذا التقرير بأنّ الحكم بعدم الحجّيّة عند الشكّ فيها مخصوص بالصورة التي لم تكن تلك الأمارة مسبوقة بالحجّيّة، و إلا كان مجرى الأصل هو الحجّيّة، و سيجي‏ء الكلام فيه إن شاء الله تعالى.

و لا يخفى أنّ هذا يرد على التقريرين السابقين أيضاً، فهو وارد على الأصل العقلي، و حاكم على الأصل الشرعي.

و ممّا ذكرنا ظهر الإشكال في تقرير آخر للأصل و هو أصالة عدم جعل الشارع قول الميّت حجّة؛ فإنّه محكوم بأصل شخصي، و هو استصحاب بقاء حجّيّة قوله إلى بعد وفاته.

و للمدقّق الأصفهاني اختيار في تقرير الأصل، فقال:

إنّ العقل مع الدوران بين الاستناد إلى الحي و الاستناد إلى الميّت لا يقتضي إلا بالاستناد إلى‏

____________

(1) كفاية الأُصول، ج 2، ص 441.

126

الحي؛ لليقين معه ببراءة الذمّة دون الاستناد إلى الميّت، فلا محالة يتعيّن تقليد الحي. (1) و فيه أنّ الاستصحاب حاكم بجواز الاستناد إلى الميّت أيضاً، فلا يدور الأمر بين الاستناد إلى الميّت و إلى الحي، فإنّ حكم العقل بتعيّن الاستناد إلى الحي من جهة حصول اليقين معه ببراءة الذمّة مختصّ بمورد لم يكن للشارع إرشاد إلى كفاية الاستناد إلى الميّت كما في المقام، فإنّ اليقين بالبراءة بالاستناد إليه حاصل بسبب حكم الشارع بالاستصحاب.

و قرر الأصل في المستمسك بما يقرب من ذلك و هو:

إنّ العقل عند دوران الأمر بين التعيين و التخيير حاكم بالاحتياط بالرجوع إلى معلوم الحجّيّة، و هو قول الحي، فإنّ جواز الرجوع إلى الميّت غير معلوم. (2) و فيه أوّلًا: أنّه لا يدور الأمر بين التعيين و التخيير بعد ثبوت حجّيّة قول الميّت بالاستصحاب، فاحتمال التعيين مندفع به؛ لأنّ قول الميّت أيضاً معلوم الحجّيّة.

و ثانياً: أنّ الحكم بالاحتياط بالرجوع إلى معلوم الحجّيّة في باب دوران الأمر بين التعيين و التخيير إنّما هو فيما إذا كان التخيير المحتمل من قبيل التخيير الشرعي بأن يكون محتمل التخيير بحسب الطبيعة مبايناً لمحتمل التعيين؛ لرجوع الشكّ حينئذ إلى اتّحاد المتباينين في الأثر، كما لو شكّ في حجّيّة الشهرة عدلًا لخبر الثقة.

و أمّا لو كان من قبيل التخيير العقلي بأن يكون الأمران مصداقين لطبيعة واحدة فيكون التخيير في محلّه؛ لرجوع الشكّ فيه إلى اعتبار أمر زائد على الطبيعة و هو مرفوع بأصالة البراءة، و محلّ البحث من قبيل الثاني؛ لأنّ الشكّ في كون الميّت عدلًا للحي ينشأ من الشكّ في اشتراط الحياة للمفتي.

و بعبارة أُخرى: إنّ الشك في حجّيّة قول الميّت مسبّب عن الشكّ في اشتراط الحياة في المفتي عند الشارع، و حكم الشارع بعدم اشتراطها موجب لارتفاع الشكّ في الحجّيّة،

____________

(1) نهاية الدراية، ج 6، ص 415.

(2) المستمسك، ج 1، ص 22.

127

فتقرّر أنّ الأصل الأوّلي في هذا الباب هو أصل شخصي حاكم بجواز تقليد الميّت.

نظرة إلى أدلّة التقليد

إنّ المعاصرين و من قارب عصرنا بعد تأسيس أصالة عدم الجواز في المسألة ادّعوا: عدم دلالة أدلّة أصل التقليد على جواز تقليد الميّت.

أمّا الآيتان الكريمتان فقد قال صاحب الفصول ب:

عدم صحّة الاستدلال بهما؛ لأنّ أية السؤال ظاهرة في الأحياء من أهل الذكر بقرينة الأمر بالسؤال، و مثلها أية الحذر، فإنّ المفهوم منها وجوب حذر الفرقة عند الإنذار لهم، و ذلك لا يكون إلا حال حياة المنذرين‏ (1).

ول: الإنصاف عدم صحّة هذا الكلام؛ لأنّ الظاهر من أية السؤال و الله أعلم هو الأمر برجوع الجاهل إلى العالم؛ فإنّ السؤال لا موضوعيّة له، بل الأمر به؛ لكونه من طرق رفع الجهل و تحصيل العلم، و أنّ رفع الجهل كما يحصل بالسؤال من العالم و سماع الجواب عنه، كذلك يحصل بسماع حكاية جواب العالم من الراوي عنه، و كذلك يحصل بقراءة كتابة العالم، فكلّ ذلك من مصاديق الرجوع إلى العالم، فإنّ العقل بل و العرف لا يفرّقان في الصورتين الأخيرتين بين كون العالم حيّاً أو ميّتاً.

و هل يستباح القول بأنّ الآية الكريمة لا تتناول صورة السؤال عن عالم توفّي عقيب جوابه بلا فصل؟! و أمّا أية الإنذار فنقول: إنّ الظاهر منها و الله أعلم كون الإنذار مقدّمة سببيّة للحذر، و حصول الحذر كما يمكن بسماع الإنذار من نفس المتفقّه في الدين، كذلك يمكن بالسماع ممّن يحكي إنذاره، أو بقراءة إنذاره المكتوب؛ فإنّ الإنذار كما يمكن بالخطاب و المشافهة، كذلك يمكن بالرسالة و الكتاب، فالنبي الكريمُ كما يكون منذراً في حياته، فهُو منذر في مماته بحكاية إنذاره ممّن روى عنهُ الإنذار،

____________

(1) الفصول في علم الأُصول، ج 2، ص 138.

128

فهُو منذر ما بقي الليل و النهار.

و إليك قوله تعالى‏ إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَ لِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ (1).

ثمّ إنّ الحذر إذا حصل بعد فصل زمان بعيد من الإنذار فهل يستباح لك القول بأنّه لم يحصل من الإنذار؟ فلا دلالة في الآية الكريمة على وجوب الحذر مقارناً لزمان الإنذار، أو كونه واقعاً في زمان حياة المنذر، بل الإطلاق حاكم بعدمه.

و أورد صاحب الكفاية على الاستدلال بالآيتين لجواز تقليد الميّت بعدم إطلاق لهما على تقدير الدلالة؛ لكونهما مسوقين لبيان أصل التشريع.

أقول: قد عرفت في البحث عن أصل التقليد صحّة دلالة الآيتين على جواز التقليد. نعم، دعوى الإطلاق لكلّ منهما لا تخلو من إشكال.

و إن كان إطلاق مفهوم الحذر بالنسبة إلى وقوع الحذر مقارناً للإنذار، أو متأخّراً عنه لا يمكن إنكاره، كما لا سبيل إلى إنكار شمول مفهوم الإنذار للشفاهي منه و الكتبي، و لا سبيل إلى إنكار شمول مفهوم الحذر للحذر الحاصل من الإنذار الكتبي.

و قد مرّ بأنّ القول بعدم شمول الآية لصورة وقوع الإنذار في حياة المنذر، و حصول الحذر بعد وفاته خلاف الإنصاف، و مثله الكلام في أية السؤال. هذا تمام الكلام في دلالة الآيات.

و أمّا البحث عن دلالة أخبار الباب فقد أورد في الكفاية على الاحتجاج بالإطلاقات الواردة فيها لجواز تقليد الميّت:

بأنّها واردة في مقام أصل التشريع، فلا ينعقد لها الإطلاق حتّى يعمّ الميّت، مع إمكان دعوى الانسباق إلى حال الحياة فيها. (2) أقول: أمّا قوله (عليه السلام): «من كان من العلماء صائناً لنفسه، حافظاً لدينه» الحديث‏

____________

(1) الرعد (13) الآية 7.

(2) كفاية الأُصول، ج 2، ص 445.

129

فليس في مقام أصل تشريع التقليد، بل الظاهر أنّه في مقام تعيين المرجع المفتي. و عليك بالنظر إلى ما قبل هذا القول من الحديث حتّى يتبيّن لك صدق كلامنا.

و مثل ذلك الإرجاعات الخاصّة إلى فضلاء صحابتهم، فإنّها ليس بواردة في مقام أصل تشريع التقليد، سيّما ما ورد منها جواباً للسؤال عن معرفة المرجع.

و أمّا دعوى انسباق دلالة الأخبار إلى حال الحياة فقد قرّره بعض الأساطين:

بأنّ عنوان الفقيه، و راوي الحديث، و الناظر في الحلال و الحرام الوارد في الروايات الإمرة بالرجوع إلى هؤلاء لا يصدق على الميّت؛ لأنّ ظاهرها تحقّق هذه العناوين حال الأخذ و الرجوع لا قبلهما، كما هو قضيّة كلّ عنوان أُخذ موضوعاً للحكم مشتقّاً كان أم غير مشتقّ؟

فظاهر قول القائل: «لا تصلّ خلف الفاسق، أو لا تشرب الخمر» هو عدم جواز الصلاة خلف من هو فاسق فعلًا لأمن كان فاسقاً، و حرمة شرب ما هو خمر حين الشرب، لا ما كان خمراً سابقاً. (1) أقول: إنّ ظهور أوصاف العنوانيّة في زمان الحال ممّا لا يمكن إنكاره فقد اخترنا في صناعة المنطق أنّ الحقّ مع الشيخ ابن سيناء حيث قال: «إنّ عقد الوضع في القضايا إنّما يكون بالفعل لا بالإمكان» (2) كما قال به الفيلسوف أبو نصر الفارابي.

و لكن هناك فرق بين الأوصاف العنوانيّة التي تكون لها موضوعيّة للحكم كالفاسق و الخمر، و بين الأوصاف العنوانيّة التي أُخذت طريقاً إلى معنى آخر كالفقيه و الراوي و الناظر عند الأمر بالرجوع إليهم، فإنّ المراد من الإرجاع إلى من كان موصوفاً بهذه الصفات هو الرجوع إلى إرشاده ورائه، لا الرجوع إلى نفسه و شخصه. إنّ العمل برسالة فقيه أو بفتوى مفت رجوع إلى ذلك الفقيه و المفتي و إن لم يكن الفقيه مشاهداً حين العمل بفتواه.

____________

(1) انظر: دروس في فقه الشيعة، ج 1، ص 43.

(2) حاشية ملّا عبد اللّه في المنطق، ص 104

130

فالمقصود من ظهور هذه العناوين في الحال هو أن يكون المرجع عند إصدار الفتوى و استنباط الرأي موصوفاً بتلك الأوصاف العنوانيّة بالفعل، كما أنّ المراد من الفتوى الفعلي هي التي لم يرجع عنها المفتي و لم يتبدل نظره فيها.

ثمّ إنّ بعض المدقّقين من المعاصرين قرّر انصراف الأخبار إلى الأحياء بتقرير آخر و هو:

أنّ أدلّة وجوب الرجوع إلى العلماء مثل قوله (عليه السلام): «و أمّا الحوادث» إلخ، و قوله (عليه السلام) في المقبولة: «فإنّي قد جعلته حاكماً» (1). منصرف إلى الأحياء؛ لأنّ الأموات عند العرف بمنزلة المعدومين. (2) أقول: كون الأموات عند العرف بمنزلة المعدومين من كلّ جهة و حيثيّة ممنوع، فالعلماء الأموات من حيث البحث عن أنظارهم، و من حيث الرجوع إلى آرائهم موجودون عند العرف، كالأحياء منهم.

و الحكماء الميّتون من حيث الاستدلال بأقوالهم، و من حيث الإرشاد بقصصهم موجودون عند العرف، كالأحياء منهم.

و الشعراء الأموات من حيث نقل أشعارهم موجودون عند العرف كالأحياء.

فإذا قيل: كذا قال الأطبّاء، أو الفقهاء يشمل الأموات منهم يقيناً، و لا تجد انصرافاً في هذا الكلام إلى الأحياء.

و مثل ذلك إذا قيل: هذا رأي طبيب، أو شعر شاعر، أو نظر خبير، أو فتوى فقيه، و قصد منه الميّت فهل ترى يحكم العرف بكذب القائل؟ كِ.

فإذا قال الأُستاذ لتلاميذه: احفظوا شعر شاعر مجيد، أو اقرأوا كتاب كاتب بارع، أو ائتوني برأي متخصّص خبير، فحفظ التلاميذ شعر شاعر ميّت، أو قرأوا كتاب كاتب لاحي، أو أتوه برأي من خبير ماض فهل الأُستاذ يرى أنّ التلامذة لم يطيعوا أمره؟! كلا.

____________

(1) وسائل الشيعة، ج 27، ص 138، الباب 11 من أبواب صفات القاضي، ح 1.

(2) انظر: دروس في فقه الشيعة، ج 1، ص 44.

131

فإذا رجع العامّي في مسألة إلى رسالة مفت ميّت حتّى يعلم الحكم فيها فهل يرى العرف أنّه لم يرجع إلى أهل الذكر أو إلى الفقيه؟ كِ. فالانصراف في أمثال هذه الأوصاف إلى الأحياء ممنوع، و إذا توهّم الانصراف فهو بدوي يزول بأدنى تأمّل.

نعم قوله (عليه السلام): «فإنّي قد جعلته حاكماً» منصرف إلى الحي من جهة القرينة و هي القضاوة و الحكومة بين المتخاصمين، و هي لا تأتي إلا من الحي، كما أنّ في نصب أحد لمنصب ظهور في حياته، فظهر الفرق بين نصب القاضي و بين الإرجاع إلى الراوي، و قد وقع الخلط بينهما.

ثمّ قال دام بقاؤه:

إنّه لو شمل الأموات فإطلاق الحجّة عليهم بالفعل. إمّا بلحاظ حجّيّة رأيهم في السابق، و إمّا بلحاظ حجّيّة رأيهم فعلًا، و كلاهما خلاف الظاهر، فتعيّن أن يكون المراد الأحياء بلحاظ حجّيّة رأيهم حال الحياة. (1) أقول: لازم هذا الكلام عدم صدق إطلاق الحجّة على الأئمّة الأحد عشر «، و كذا عدم صحّة إطلاق النبي على جميع الأنبياء عليهم صلوات الله إلا بنحو من العناية و ذلك باطل قطعاً، فاتّصاف الأئمّة «بكونهم حجج الله يراد منه وجوب طاعتهم، و حرمة مخالفتهم، و أنّ أقوالهم منجّزة و معذرّة من غير فرق بين الحي منهم و الميّت.

و هذا هو المراد من الحجّيّة التي جعلوها للمفتي، فيجب على العامّي العمل بفتواه و لا يجوز له مخالفته. نعم، هناك فرق بين فتوى المفتي و بين كلام الإمام إن كان في مقام بيان الحكم الواقعي بأنّ الأُولى تصلح لأن ينكشف خلافها؛ لأنّها علم بشري.

و أمّا الثاني: فلا ينكشف خلافه، بل هو الحاقّ الواقع؛ لأنّه مأخوذ من العلم الربوبي، فظهر أنّ إطلاق الحجّة على الميّت من الفقهاء بلحاظ حجّيّة رأيه فعلًا؛ بناء على شمول الأدلّة للأموات، فصدق الحجّة عليهم تابع لتحقّق الإطلاق لا العكس، كما يظهر من كلامه دام ظلّه.

____________

(1) انظر: دروس في فقه الشيعة، ج 1، ص 44.

132

حجج عدم الجواز

احتجّ صاحب الفصول على عدم جواز تقليد الميّت ابتداء ب:

أنّ التقليد هو الأخذ بقول المفتي و هو إنّما يصدق حقيقة مع ثبوت الرأي حال الأخذ؛ لزوال المقيّد بزوال قيده؛ إذ لا يصدق أخذ مال زيد إلا على أخذ ماله حال الأخذ لا ما كان له قبل ذلك و لذا لا يجوز الأخذ بما رجع عنه المفتي، فإنّ الوجه فيه عدم صدق الأخذ بفتواه حينئذ حقيقة، و ثبوت الرأي عند طروّ الموت ممنوع لوجهين:

أحدهما: أنّ طريق إثباته منحصر في الاستصحاب و هو لا يجري في المقام لتغيّر الموضوع؛ فإنّه كان في حياته لاحقاً له و هو نوع مخصوص أعني كونه إنساناً. و بعد الموت تزول عنه هذه الحقيقة، و تصير حقيقة أُخرى؛ لزوال الحيوانيّة التي كانت من مقوّمات الحقيقة الإنسانيّة عنه، فلا يقصر هذا التغيّر عن المتغيّر من الأصل في سائر أنواع الاستحالة؛ فإذا ثبت تغيّر الموضع فلا سبيل إلى استصحاب وصفه الثابت قبل التغيّر.

و هذه الكلام متّخذ من الوحيد البهبهاني (قده).

ثانيهما: أنّ أكثر معتقدات المجتهد ظنّيّة الظنّ من خواصّ هذه النشأة، يزول بالموت، فيصير إمّا جاهلًا بالحكم بالكلّيّة، أو ينكشف له الواقع، إمّا مطابقاً لظنّه، أو مخالفاً له. (1) أقول: و فيه أوّلًا: أنّ توقّف صدق الأخذ بقول المفتي على ثبوت الرأي حال الأخذ مصادرة، فإنّه نفس الدعوى. و للمجوّز أن يقول بإلغاء هذا القيد، و بكفاية ثبوت رأيه حال الاستنباط، و زمان الاجتهاد ما لم يرجع المجتهد عنه.

نعم، ظاهر الإضافة هو الانصراف إلى زمان الحال، لكنّ الأمر ليس بتابع لذلك، بل هو تابع لما أُريد من مفهوم التقليد، فدعوى كون الرأي المستمرّ مقوّماً لمفهوم التقليد ممنوعة إن أُريد من الاستمرار غير ما يقابل التبدّل.

____________

(1) الفصول في علم الأُصول، ج 2، ص 139.

133

و ثانياً: أنّ العرف و العقلاء لا يرون نسبة الرأي إلى صاحبه كنسبة العرض إلى المعروض، بل نسبة الرأي إلى ذي الرأي عندهم كنسبة الشعر إلى الشاعر، فهم يرون الرأي حادثاً بإيجاد صاحبه، لكنّه باق بنفسه حتّى بعد وفاة صاحب الرأي.

و العقلاء يرتّبون الأثر على الرأي عند موت صاحبه، كما كانوا يرتّبونه عند حياته. فإن كان الرأي عمليّاً يعمل به، كرأي بقراط في الطبّ، أو رأي الكسائي في النحو، و إن كان علميّاً محضاً يبحثون عن صحّته و فساده.

و بعبارة أُخرى: إنّهم يرون للرأي وجوداً في عالم الاعتبار، كسائر الموجودات الاعتباريّة التي يكون وضعها و رفعها بيد من له الاعتبار، و من المعلوم أنّ الموجود الاعتباري ليس بتابع لبقاء جاعله و إن كان لجاعله حقّ رفع ذلك الموجود.

بل التحقيق: أنّ العلل و المعلولات في الأُمور الحقيقيّة عند الناس أيضاً كذلك، فهم يرون المعلول من قبيل البناية و الكتابة، و يرون العلّة من قبيل البنّاء و الكاتب، فالعلّيّة التامّة الحقيقيّة في مصطلح الفلسفي أجنبيّة عن أفكارهم و هي التي تلازم معلولها دائماً، فالمعلول يحدث بحدوثها، و يبقى ببقائها، و يفنى بفنائها.

و أمّا عدم جواز الأخذ بما رجع عنه المفتي من فتياه فليس من جهة زوال الرأي عن ساحة الوجود عند العرف، بل من جهة سقوط الرأي عن الحجّيّة بسبب كشف فساده عند موجده فضلًا عن غيره. و حجّيّة الحجّة مشروطة بعدم كشف خطئها.

و ثالثاً: سلّمنا كون نسبة الرأي إلى صاحبه كنسبة العرض إلى المعروض، لكن معروض الرأي لا يزول بالموت حتّى يزول الرأي.

أمّا على مذهب الفلاسفة فلبقاء النفس بعد بوار الجسد، و اتّحاد الملكات مع النفس.

و أمّا عند غيرهم، فإنّهم يرون ميّت الإنسان إنساناً كما يرون حيّه إنساناً، فالموت عند غير الفيلسوف لا يخرج ميّت الإنسان عن الإنسانيّة، بل الموت و الحياة من الأحوال العارضة للإنسان، مثل الشباب و الهرم.

و يشهد لذلك أنّ الولد يرى أباه الميّت أباه، و الزوج يرى زوجه الميّت زوجه،

134

فدعوى زوال الحيوانيّة عن الميّت حكم حيثي ناشئ من نظر خاصّ لا يصادم ما ذكرنا.

و يرد على الوجه الثاني: أنّ انكشاف الواقع في نشأة غير مضرّ بحجّيّة طريق في هذه النشأة، و إلا يجب عدم حجّيّة جميع الطرق و الآراء؛ لانكشاف حالها في نشأة العلم الربوبي.

فالملاك للحجّيّة عند العقل و الشرع هو أماريّة الإمارة في هذه النشأة، و عدم انكشاف خطئها في هذه النشأة. و من المعلوم أنّ الرأي الصادر عن خبير حي هو الذي ابتنى عليه العلم و العمل عند الشرع و العقل، فالحكم بسقوط اعتباره لدى الشرع يحتاج إلى نصّ مستحكم، فلا يجوز الاعتماد على مثل هذه التخيّلات و الاستحسانات.

ما يمكن الاحتجاج به لمذهب الجواز

سيرة العقلاء

لا ريب في أنّ سيرة العقلاء قائمة منذ وجود عاقل في العالم على الرجوع إلى أهل الخبرة و الأخصّائيين فيما يجهلون به من كلّ علم و صناعة؛ فهم يعملون بأقوال المتخصّصين و آرائهم، و لا يفرّقون في ذلك بين حياة الخبير و مماته، كما أنّ سيرتهم قائمة أيضاً على العمل، و الاحتجاج بإرشادات أهل الأنظار الثاقبة، و العقول الراقية من غير فرق بين كون المرشد حيّاً أو ميّتاً، بل سيرتهم جارية في جميع العصور عند جميع الأُمم على العمل بالقوانين عند وفاة مقنّنيها، و على العمل بالسنن حال موت من سنّها.

و قد مرّ بيان عدم دلالة نصوص الباب على عدم جواز تقليد الميّت، و كذا عرفت عدم وجود إجماع في المقام، فلا نعرف ردعاً من الشرع لتنفيذ هذه السيرة في الأُمور الشرعيّة، بل عدم وصول الردع عن مثل هذه السيرة الجارية في جميع الأُمور و هي التي تكون مورداً لابتلاء جميع الناس كاشف عن إمضائها.

لكن بعض أساطين العصر ادّعى وقوع الردع عن السيرة بنحو التخصيص من طريق‏

135

الكشف العقلي، قال دام ظلّه:

لو جاز تقليد الميّت ابتداء لزم حصر التقليد من زمان الكليني إلى زماننا هذا في واحد للعلم الإجمالي بوجود الخلاف بين فقهاء الإماميّة في المسائل الفرعيّة، و في موارد الخلاف يجب تقليد الأعلم، فلا بدّ من الفحص عن أعلم علماء الإماميّة من الصدر الأوّل إلى يومنا هذا؛ لانحصار الحجّة في قوله، فلا يجوز تقليد غيره، فينحصر المقلّد في شخص واحد، و ذلك ضروري البطلان في مذهب الإماميّة (1).

قال: «فتحصّل من ذلك أنّ السيرة مردوعة بالإضافة إلى التقليد الابتدائي» (2).

أقول: أوّلًا أنّ تقليد الأعلم الذي يقول بوجوبه قد أرسله إرسال المسلّمات، و جعله من الثابتات، و نسبه نسبة ضمنيّة إلى جميع فقهاء الإماميّة من المتقدّمين و المتأخّرين، و بنى عليه دليله، و سيجي‏ء الكلام فيه مفصّلًا، مع أنّها مقدّمة نظريّة و ليست ببديهيّة بل و ليست بمتّفق عليه بين الأصحاب. كيف و قد حكم المحقّق (قده) في الشرائع بجواز تقليد المفضول عند وجود الفاضل‏ (3). و لو كان عدم الجواز مورداً لاتّفاق الأصحاب لأشار إليه المحقّق (قده).

و ثانياً: أنّ حصول العلم بأعلميّة شخص للعامّي في جميع المسائل الفقهيّة المختلفة فيها محلّ تأمّل؛ إذ كثيراً ما يتّفق صرف المفضول طاقته الفكريّة في مسألة واحدة، فيصل إلى مغزاها، و الحال أنّه لم يتّفق ذلك للأفضل، و الشاهد لذلك تصنيف رسالات كثيرة من الفقهاء في آحاد مسائل مختلفة فيها.

ثالثاً: أنّ تحصيل معرفة الأعلم للعامّي صعب جدّاً.

فهل المراد منه من يكون أحذق في إجراء القواعد و الأُصول أو من يكون أضبط لأقوال الفقهاء، و أوسع اطّلاعاً في الأخبار، أو يكون أفهم لمعاني النصوص بحسب الذوق العرفي، أو من هو أدقّ نظراً في البحث عن المسائل، أو يكون أعلم في مقدّمات‏

____________

(1) دروس في فقه الشيعة، ج 1، ص 53.

(2) دروس في فقه الشيعة، ج 1، ص 53.

(3) شرائع الإسلام، ج 4، ص 61، كتاب القضاء.

136

الاجتهاد؟ فيجب أن يكون العامّي مقلّداً في هذا المعنى و ذلك أيضاً يستلزم الدور. نعم، لا ريب في أعلميّة من يكون جامعاً لجميع هذه الأوصاف.

و رابعاً: أنّ تحصيل معرفة الأعلم من الفقهاء الأموات صعب على العالم جدّاً، فلا بأس بدعوى عدم تمكّن العامّي بذلك. و العجب منه دام بقاؤه كيف يريد سلب الحجّيّة عن هذه السيرة المحكمة الجارية عند عقلاء الناس بذلك الزعم التخيّلي سيرة جارية حتّى عند المعصومين بما أنّهم عقلاء، و الحال أنّ الردع عن مثل هذه السيرة محتاج إلى ردع قويّ صريح يتكرّر صدوره منهم، فإنّ السيرة عريقة و محكمة عند جميع العقلاء في جميع أُمورهم. و لو كان مثل هذا الردع صادراً عنهم لبان، و لما كان يخفى حتّى يفتقر إلى التوسّل بمثل ذلك الكلام.

الإطلاقات‏

و ممّا يمكن أن يحتجّ به لجواز تقليد الميّت إطلاقات النصوص الواردة في الباب، فقد عرفت الكلام في الذبّ عمّا أورد عليها، فهي تصلح للاحتجاج، و نضيف هنا أنّه من البديهي شمول الإطلاقات للفقيه الذي رجع إليه العامّي، و سأل عنه الفتوى، فلمّا أراد العمل بقوله توفّي المرجع.

و توضيح ذلك: أنّ الآيات الحاكمة بالرجوع إلى أهل الذكر، أو التحذّر بإنذار المنذر، و الأخبار الحاكمة بتقليد من كان موصوفاً من الفقهاء بصفات، أو الحاكمة بالرجوع إلى رواة الأحاديث، أو إلى الناظرين في الحلال و الحرام؛ إذا افترض ظهورها في أنّ المسئول منه و المنذر و المرجع حي، لكنّ دعوى الإطلاق غير مبتنية على تجريد موضوعات هذه الأدلّة عن الحياة، بل مع تسليم صراحتها في حياة المعنون بتلك الأوصاف العنوانيّة لا ظهور لها في توقّف وجوب التحذّر، و وجوب القبول على حياة المنذر، و المجيب حال التحذّر و القبول.

و يمكن تقرير الإطلاق بوجهين آخرين:

أحدهما: أنّ تلك الأوصاف العنوانيّة بنفس مفاهيمها تشمل الأموات، مثلًا

137

إذا قيل: اتّفق الفقهاء، أو أجمعت العصابة، أو أطبقت العقلاء، أو قال النحاة، أو ذلك حديث الرواة، أو هذه سيرة الباحثين، فلا يشكّ أحد في عدم اختصاص هذه الأوصاف بالأحياء، و في أنّها شاملة للأموات من هؤلاء الموصوفين.

ثانيهما: أنّ شمول هذه الأوصاف للحي عند الاستنباط، و في حال الاجتهاد، و استخراج الحكم من الأدلّة ممّا لا ريب فيه، فالإطلاق شامل له في حال حياته، و الرجوع إلى الميّت باعتبار شمول الإطلاق له بذلك الاعتبار.

الإرجاعات الشخصيّة

و يمكن الاحتجاج على الجواز بالإطلاقات الأحواليّة فيما ورد من الإرجاعات الخاصّة إلى أشخاص معيّنة من فقهاء صحابة الأئمّة المعصومين «فإنّها شاملة لزمان وفاتهم.

قال بعض الأساطين:

أمّا الروايات الواردة في إرجاع السائلين إلى آحاد الرواة، كمحمد بن مسلم، و زرارة، و أضرابهما، كقوله (عليه السلام) لمّا سأله ابن أبي يعفور عمّن يرجع إليه إذا احتاج: «ما يمنعك عن محمّد بن مسلم الثقفي» (1). فالجواب عن الاستدلال بها ظاهر، إذ كيف يمكن دعوى شمول مثل هذه الرواية للميّت. (2) أقول: و هذا الكلام منه دام ظلّه عجيب، فكأنّه زعم أنّ الرجوع إلى ابن مسلم منحصر بالرجوع الشفاهي، و السؤال الحضوري، لازم هذا الزعم أنّ من رجع إلى بعض كتابات ابن مسلم لم يرجع إليه، أو من أخذ فتوى محمّد بن مسلم عمّن رجع إليه فهو لم يرجع إلى محمّد بن مسلم، أو من عرف فتوى محمّد بن مسلم بسماع منه، ثمّ عمل بها بعد وفاته لم يرجع إليه.

____________

(1) وسائل الشيعة، ج 27، ص 144، الباب 11 من أبواب وجوب الرجوع في القضاء و الفتوى، ح 23.

(2) دروس في فقه الشيعة، ج 1، ص 43 و 44.

138

و حلّ الإشكال: أنّ المراد من الإرجاع إلى الفقيه و مثله هو الإرجاع إلى رأيه و فتواه، لا الإرجاع إلى شخصه.

و يشهد لهذا الإطلاق عدم حكاية سؤال عن الإمام عن مرجع آخر عند وفاة من أرجع إليه، مع حدوث مكلّفين جديدين بينهم، سيّما البالغ الذي توفّي المرجع قبل وصوله إلى حدّ البلوغ و لم يكن يقلّده من قبل، فجواز البقاء على تقليد الميّت في ذلك العصر ملازم لجواز التقليد الابتدائي عن الميّت.

ذروا ما رأوا

و يمكن الاحتجاج على الجواز بما رواه الشيخ (قده) في كتاب الغيبة في الصحيح عن عبد الله الكوفي خادم الشيخ حسين بن روح (قده) قال: سئل الشيخ عن كتب ابن أبي العزافر بعد ما ذمّ و خرجت فيه اللعنة فقيل له: فكيف نعمل بكتبه و بيوتنا منها ملأى؟! فقال الشيخ: أقول فيها ما قاله أبو محمّد الحسن بن علي (عليه السلام) و قد سئل عن كتب بني فضّال، فقيل له: كيف نعمل بكتبهم و بيوتنا منها ملأى؟! فقال (عليه السلام): «خذوا بما رووا، و ذروا ما رأوا» (1).

و تقريب الاستدلال به: أنّ السؤال عن الإمام كان عند وفاة بعض بني فضّال قطعاً؛ لأنّ حسن بن علي بن فضّال مات قبل ميلاد الإمام بأكثر من عشر سنين، و يعدّ ابنه علي و هو أصغر إخوته من أصحاب الإمام أبي الحسن الهادي (عليه السلام)، فكان السؤال عن كيفيّة العمل بكتبهم المشتملة على الروايات و الآراء معاً.

و يكشف ذلك عن جواز العمل بكتب الأموات روايةً و رأياً عند السائلين، بل عند المسئول عنه (عليه السلام)؛ إذ لو كان عدم جواز العمل بكتب فقهاء الأموات امرأً مسلّماً عندهم لما كان مورد لهذا السؤال، و لما كان محلّ للجواب بقوله (عليه السلام): «ذروا ما رأوا». فإنّ السائلين كانوا يدّعون آراء ابن فضّال من جهة موته، و يجري هذا التقريب في السؤال‏

____________

(1) الغيبة، ص 389، ح 355.

139

عن العمل بكتب الشلمغاني، فإنّه قتل في زمان حسين بن روح (قده).

سيرة متشرّعة أهل السنّة

و يمكن الاستدلال على جواز تقليد الميّت بالسيرة الجارية عند متشرعة أهل السنة؛ فإنّها قائمة على التقليد الابتدائي في الأحكام الشرعيّة عن الفقهاء الميّتين منذ عصر صحابة الرسولُ إلى زماننا هذا.

فهم كانوا يرجعون إلى علماء الصحابة، و فضلاء التابعين، و إلى غيرهم من الفقهاء بلا امتياز للحي منهم على الميّت.

و من البديهي أنّ هذه السيرة كانت بمرأى من الأئمّة المعصومين «و مسمع منهم، و لم ترو منهم أيّة كلمة تدلّ على تخطئتهم لهذه السيرة القطعيّة المستمرّة؛ إذ لو صدرت منهم كلمة في هذا الباب تخطئة لذاعت و شاعت من جهة كثرة الاهتمام بها، كما بانت، و ظهرت تخطئتهم للفتوى بالقياس و الرأي و الاستحسان.

فإذا ثبت عدم صدور تخطئة منهم «لهذه السيرة فما المانع من القول بكون عدم الصدور يكشف عن إمضائهم «لها، كما يقال بهذا القول في نظائر البحث.

الاستصحاب‏

و ممّا استدلّ به على جواز تقليد الميّت استصحاب جواز تقليده في حال حياته.

أقول: الظاهر أنّ المراد من الجواز معناه الوضعي، و هو الذي بمعنى الحجّيّة لا الجواز بمعناه التكليفي، و هو الذي بمعنى الإباحة.

ثمّ إنّ القوم قالوا: إنّ الاستصحاب تنجيزي لمن أدرك حياة المفتي، واجداً لشرائط التكليف، بناء على كون التقليد هو العمل، و إنّه تعليقي بالنسبة إلى من لم يدرك حياته واجداً لشرائط التكليف.

و قالوا: إنّ استصحاب حجّيّة قول المجتهد تعليقاً معارض باستصحاب عدم حجّيّة قوله، فعلًا من زمان كون العامّي فاقداً لشرائط التكليف، لكن تقرّر في أُصول الفقه‏

140

تقدّم الاستصحاب التعليقي على الفعلي.

و أورد في الكفاية على الاستصحاب ب:

عدم بقاء الموضوع له عرفاً من جهة عدم بقاء الرأي مع الموت؛ فإنّ الرأي متقوّم بالحياة عند العرف و إن لم يكن كذلك واقعاً.

ثمّ قال:

و بقاء الرأي لا بدّ منه؛ لعدم جواز التقليد فيما إذا تبدّل الرأي، أو ارتفع؛ لمرض أو هرم إجماعاً. (1) أقول: هذا الكلام متّخذ من كلام الوحيد، أو صاحب الفصول، و قد مرّ، و مرّت المناقشة فيه فراجع‏ (2).

و نزيدك هنا؛ أنّ المقصود من بقاء الرأي إن كان بقاء وجوده الذهني العارض لنفس المفتي فيجب العمل به عند تبدّل الرأي أيضاً؛ لبقاء وجود الرأي الأوّل في نفس المفتي عند كشف خطئه عليه.

و إن كان المقصود بقاء وجوده في عالم الاعتبار فهو باق و لا ينعدم بوفاة صاحبه، و انتفاؤه عن عالم الاعتبار إنّما يكون بإثبات فساده.

و أمّا المرض، أو الهرم، أو الموت فلا يوجب خروج الرأي عن عالم الاعتبار، و لا يوجب زواله عن النفس و إن كان صاحبه قد يذهل عنه.

ثمّ إنّ ما ادّعاه من الإجماع على عدم جواز التقليد عند حدوث مرض، أو هرم غير ثابت، و عليه إثباته؛ إذ لم نعثر على التصريح بهذا الإجماع في العدّة، و لا في الذريعة، و لا في الغنية، و لا في المعارج، بل لم أعثر على هذا البحث في كتب القدماء، و لم أعثر على حكاية بحثهم عنه؛ فإنّ الإجماع متوقّف على تذكّرهم للمسألة، ثمّ نقله فيها.

____________

(1) كفاية الأُصول، ج 2، ص 441.

(2) مرّ تخريجه في ص 131.

141

و لو كان الإجماع قائماً على ذلك لكانوا مصرّحين به في كتبهم، مع أنّ المسألة للعقل فيها سبيل، فكيف يدّعى فيها الإجماع التعبّدي.

و أورد بعض الأساطين على الاستصحاب بتبدّل الموضوع فيه ببيان آخر و هو:

أنّ المقلّد هو الفقيه الناظر في الحلال و الحرام، و العارف بالأحكام، و لا تصدق هذه العناوين على الميّت، فإنّه غير موصوف بها، فلا تتّحد القضيّة المتيقّنة و المشكوك فيها. (1) و فيه أوّلًا: أنّ تقليد الميّت هو التقليد عنه في زمان حياته لا في زمان وفاته، فالتقليد عن الميّت إنّما يكون تقليداً عن الحي الموصوف بتلك الصفات، و ليس بتقليد للميّت حقيقة و إن يطلق عليه ذلك بحسب اللفظ و التوهّم.

و ذلك هو الذي أوقعهم في اللبس، فمن يقلّد المرجع الذي توفّي فهو لا يقلّده ميّتاً، بل هو مقلّد للحي الموجود في ذلك الزمان، إذن قد تغيّر عنوان البحث عن اشتراط الحياة في المفتي إلى اشتراط بقاء حياته حال الرجوع إليه، و العمل بفتاه.

فظهر أنّ الموضوع للاستصحاب هو الحي، و لا مانع من هذا لاستصحاب؛ لاتّحاد القضيّة المتيقّنة، و المشكوك فيها؛ لرجوع الشكّ في جواز تقليد الميّت إلى الشكّ في أنّ الحياة هل هي معتبرة في المفتي بقاء، كما كانت معتبرة عند الاستنباط، و حال الاجتهاد أم لا؟ فالموضوع لم يتغيّر، و لم يتبدّل حقيقة و لا عرفاً.

و ثانياً: أنّ التقليد هو العمل بقول الفقيه الموصوف بتلك الصفات، و موت القائل لا يغيّر القول عمّا هو عليه، و لا يبدّله إلى قول غير الموصوف بها حتّى يتبدّل موضوع الاستصحاب.

و أورد دام ظلّه على الاستصحاب أيضاً بما اختاره من عدم جريانه في الشبهات الحكميّة الكلّيّة؛ لمعارضته دائماً باستصحاب عدم الجعل. ثمّ قال:

بيان هذا الإجمال: هو أنّ الشكّ في بقاء المتيقّن في الشبهة الحكميّة يلازمه الشكّ في سعة الجعل و ضيقه باعتبار عموم المجعول و خصوصه، فاستصحاب المجعول إلى ظرف‏

____________

(1) دروس في فقه الشيعة، ج 1، ص 50.

142

الشكّ يعارضه استصحاب عدم الجعل في غير المقدار المتيقّن جعله، كما في مسألة استصحاب نجاسة الماء المتغيّر بالنجاسة إذا زال تغيّره بنفسه؛ فإنّ استصحاب نجاسته بعد زوال تغيّره من قبل نفسه يعارضه استصحاب عدم جعل النجاسة للماء أزلًا في الفرض المزبور، و في المقام القدر المتيقّن إنّما هو جعل الحجّيّة لفتوى المجتهد حال حياته، و أمّا جعل الحجّيّة لفتواه بعد موته فهو مشكوك فيه، فيرجع إلى أصالة عدمه، و يعارض بها استصحاب الحجّيّة الثابتة حال حياته. (1) أقول: لازم هذا الكلام القول بعدم جريان استصحاب حكم المخصّص في جميع الصور، و بعدم جريان بعض أحكام الشرائع السابقة، و بعدم جريانه في الشكّ في المقتضي، و بعدم جريانه في الشكّ في رافعيّة الموجود، و بعدم جريانه في اليوم الذي شكّ فيه أنّه من رمضان أو من شوّال، مع أنّ النصّ يدلّ عليها.

ثمّ إنّ كلامه دام ظلّه يشبه أن يكون مأخوذاً ممّا حكي عن الفاضل النراقي من أنّ استصحاب وجوب الجلوس بعد الزوال معارض باستصحاب عدم إيجاب الشارع الجلوس بالنسبة إلى ما بعد الزوال.

قد أُجيب عنه: بأنّ أصالة بقاء نفي الحكم الكلّي إنّما يكون فيما لم يحصل الانتقاض بالوجود في الجملة، فإذا حصل الانتقاض في الجملة، كإيجاب الجلوس إلى الزوال، و لم يكن قبل الزوال، و بعد الزوال قيداً مفرداً للموضوع فلا مجرى لذلك الأصل.

نظرة إلى استصحاب العدم أزلًا

إنّ تحقيق البحث يقتضي عدم جريان الاستصحاب في العدم الأزلي، فإنّ موضوع الاستصحاب يجب أن يؤخذ من العرف لأمن العقل، و لا موضوع لهذا الاستصحاب عرفاً؛ فإنّ الموضوع الذي يتصوّر له أمر عقلي مغفول عنه عند العرف.

و بيان ذلك: أنّ العرف لا يرى مصداقاً لعدم وصف إلا بعد وجود ما يصلح‏

____________

(1) دروس في فقه الشيعة، ج 1، ص 51.

143

لأن يوصف به.

و أمّا عند عدم وجود الموصوف به فلا يرى تحقّقاً لعدم الوصف؛ إذ الذي يراه العرف هو نفس عدم الموصوف فقط، و هو غافل حينئذ عن عدم أوصافه، مثلًا: العرف لا يرى للجهل تحقّقاً إلا بعد وجود الجاهل.

و أمّا عند عدم وجود الإنسان الفاقد للعلم فلا يرى للجهل تحقّقاً أصلًا، و هكذا الحال فيما شابه الجهل من الصفات العدميّة، كالفقر و الأُمّيّة و الجبن، و نحو ذلك؛ فإنّ عدم الموصوف يصحّ أن يكون مصداقاً لعدم الوصف، لكن بالدقّة العقليّة، فإنّه لا ميز في الإعدام.

و أمّا عند العرف فالوصف و عدمه منتفيان عند فقدان الموصوف، و عدم الموصوف عند العرف مصداق لنفسه فقط، و ليس بمصداق لنفسه، و لعدم وصفه، و يشهد لذلك أنّ المتبادر العرفي من القضيّة السالبة هو نفي المحمول بسبب انتفاء الموضوع، و لذا لو أريد من السالبة نفي الموضوع لاحتاج إلى ذكر القرينة.

و لعلّ السر في ذلك: أنّ تقابل الأوصاف و أعدامها عند العرف من قبيل تقابل العدم و الملكة، فالعرف يرى أنّ شرط اتّصاف وصف بالوجود و العدم هو وجود موصوفه، فإذا لم يكن له موصوف في عالم الوجود فلا يرى له عدماً، كما لا يرى له وجوداً.

إذا عرفت ذلك فاصغ لما نتلو عليك: و هو أنّ استصحاب العدم الأزلي ليس له موضوع في الحالة السابقة عند العرف، فلا مجال لجرّها، و إبقائها إلى زمان الشكّ، فإنّ جرّ شي‏ء من الزمان الأوّل إلى الزمان الثاني موقوف على وجوده في الزمان الأوّل.

و قد ثبت في أُصول الفقه أنّ إحراز الموضوع من مقوّمات الاستصحاب بحيث لو شكّ في تحقّق موضوع لما كان سبيل إلى استصحابه، فكيف بصورة العلم بعدم الموضوع، فاليقين السابق منتف في استصحاب العدم الأزلي.

و لا يخفى أنّ لازم ما اختاره دام ظلّه من عدم جريان الاستصحاب في الشبهة الحكميّة أن لا يقول بجواز البقاء على تقليد الميّت إلا بوجود دليل اجتهادي يدلّ بالصراحة على جواز البقاء.

144

و يرد عليه دام ظلّه أنّ لازم هذا القول حرمة البقاء على تقليد الميّت مطلقاً، مع أنّه يقول بوجوب البقاء عند أعلميّة الميّت؛ اعتماداً على سيرة العقلاء، و سيجي‏ء منّا الكلام في أنّ سيرة العقلاء غير قائمة على الرجوع إلى الأعلم حتّى في صورة العلم التفصيلي بمخالفة رأيه مع رأي غيره.

145

البقاء على تقليد الميّت‏

إنّ البحث عن جواز البقاء على تقليد الميّت و عدمه موقوف على القول بعدم جواز التقليد الابتدائي عن الميّت، كما هو المشهور بين أصحابنا المتأخّرين، و موقوف على إمكان رجوع العامّي إلى المجتهد الحي، و موقوف على فرض اختلاف الحي و الميّت في الفتيا في المسائل التي تعمّ بها البلوى، فلو فقد أحد الأُمور الثلاثة لجاز البقاء على تقليد الميّت بلا إشكال.

ما احتجّ به على عدم الجواز

الأوّل: ما ذكره في الكفاية

بأنّه:

إذا لم يجز البقاء على التقليد بعد زوال الرأي بسبب الهرم، أو المرض إجماعاً لم يجز في حال الموت بنحو أولى قطعاً. (1) أقول: يرد عليه أوّلًا: ما عرفت من عدم ثبوت الإجماع على عدم جواز البقاء عند عروض الهرم أو المرض، و على فرض الثبوت فكون الإجماع تعبّديّاً غير معلوم؛ لاحتمال أن يكون ذلك من جهة اعتبارهم بقاء الرأي في جواز العمل به، فزعموا زوال الرأي بسبب الهرم أو المرض. و قد أشبعنا الكلام في إبطال هذا الزعم، فراجع.

____________

(1) كفاية الأُصول، ج 2، ص 445.

146

و ثانياً: أنّ زوال الرأي بسبب عروض الهرم، أو المرض غير صحيح مثل زواله بسبب عروض الموت، و قد عرفت عدم زوال الرأي بسبب الموت عرفاً و عقلًا.

و ثالثاً: أنّ الأولويّة القطعيّة ممنوعة؛ إذ المرجعيّة عند الإماميّة ملازمة للزعامة العامّة، و الهرم أو المريض لا يصلح للزعامة الدينيّة العامّة، فإنّ زعامتهما مضرّة بالإسلام و المسلمين، و من المحتمل أن يكون إجماعهم على عدم الجواز من هذه الجهة، لا بسبب زال الرأي، و لمّا كانت الزعامة مستحيلة للميّت فلا مجال لدعوى الأولويّة أصلًا.

الثاني: أنّ التقليد لا يفيد معرفة الحكم، بل يفيد جواز العمل‏

، فيكون التقليد في كلّ واقعة ابتدائيّاً.

و فيه أوّلًا: أنّ التقليد قد يفيد معرفة الحكم، كما إذا أصاب المرجع في اجتهاده، فالكلّيّة المدّعاة ممنوعة.

و ثانياً: أنّ لفظي الابتداء و البقاء غير واقعين في لسان الدليل حتّى يبحث عن صدق مفهوميهما، فالمعتمد ما قام عليه الدليل.

فإن كان الدليل الدالّ على عدم جواز تقليد الميّت لفظيّاً بحيث يمكن التمسّك بإطلاقه كان لهذا الكلام وقع في الجملة، و قد عرفت عدم وجود دليل لفظي هناك. و إنّ المعوّل عند من لم يجوّز تقليد الميّت إمّا الإجماع، أو عدم دلالة الأدلّة اللفظيّة للتقليد.

ثمّ إنّ المتيقّن من الإجماع على فرض تسليم ثبوته الصورة التي لم يتحقّق سبق تقليد فيها من الحي الذي توفّي بأي معنى من معاني التقليد، فيبقى غيرها تحت أدلّة الجواز. و هذا البيان من إفادات سيّدي الوالد (قده).

ما احتجّ به للقول بالجواز

الأوّل: أنّه لا ريب في أنّ المخاطب بأدلّة وجوب التقليد هو العامّي‏

الذي لم يرجع إلى مفت، فشمول خطاباتها للعامّي الذي رجع إليه، و بقي على تقليده بعد وفاته‏

147

موقوف على صيرورة تقليده البقائي كلا تقليد، و ذلك حكم محتاج إلى دليل، و هو مفقود في المقام.

و إذا شكّ في مثل هذا التقليد فلا تشمله تلك الأدلّة؛ لكون الشبهة مصداقيّة، و حينئذ، إمّا يجب عليه البقاء، أو يجب عليه العدول، أو هو مخيّر بينهما. و لكنّه لا دليل اجتهاديّاً على الأوّل، و الاستصحاب غير جار في جميع الصور، و جريانه في بعض الصور غير مفيد للكلّ، كما لا دليل على الثاني، فتعيّن الثالث بحكم العقل؛ لأنّه يرى البقاء تقليداً.

أقول: للعقل أن يحكم بطريق رابع و هو الاحتياط بالجمع بين القولين: الحي و الميّت.

الثاني: سيرة العقلاء

، فإنّها مستقرّة على البقاء في العمل بإرشادات المتخصّصين و الخبراء، و على عدم رفع اليد عن العمل بإرشاداتهم بسبب حدوث الموت لهم.

و من المعلوم: أنّه لم يصل من الشارع ردع عن اتّباع هذه السيرة في الأُمور الشرعيّة، و يكشف ذلك عن رضاه بتنفيذها فيما يتعلّق به.

الثالث: سيرة المتشرّعة في زمان الحضور

. فإنّه لم يظهر عدولهم عن تقليد الفقيه الذي رجعوا إليه بإرشاد من المعصوم (عليه السلام) بسبب موت ذلك الفقيه، فلو كان العدول عنه بعد وفاته واجباً في الشرع لبان؛ كما بأن أصل تقليدهم عن فقهاء الأصحاب.

و أورد في الكفاية على الاستدلال بهذه السيرة ب:

منع كونها في التقليد الفتوائي من أجل أنّهم كانوا يأخذون الأحكام ممّن ينقلها عنهم «بلا واسطة، أو معها من دون دخل رأي الناقل فيه و هو ليس بتقليد، و لم يعلم حتّى الان حال من تعبّد بقول غيره ورائه أنّه كان قد رجع، أو لم يرجع بعد موته. (1) و فيه أوّلًا: أنّ لازم هذا الكلام أنّ جميع المتشرّعة في ذلك العصر كانوا مجتهدين،

____________

(1) كفاية الأُصول، ج 2، ص 446.

148

و من المعلوم أنّهم لم يكونوا عاملين بالاحتياط قطعاً، و لا أظنّه (قده) يلتزم بذلك.

و إذا ثبت وجود عامّي متشرّع في ذلك العصر كما هو ثابت بضرورة من العقل ثبت جواز البقاء على تقليد الميّت؛ إذ لو كان البقاء محرّماً لكان ذلك أمراً معروفاً بينهم، فكانوا يسألون الإمام عمّا يصنعون بعد وفاة مرجعهم، أو كان الإمام (عليه السلام) يرشدهم ابتداء إلى حلّ هذه المشكلة التي تأتيهم مراراً و مستمراً.

و ثانياً: أنّ الفروع التي يبتلى بها الناس لا تحصى، فإذا سال العامّي راوياً عن حكم مسألة فجوابه عنه بذكر نصّ اجتهاد من الراوي، فإنّه تطبيق الحكم الكلّي على مصداقه، فكأنّ الاجتهاد عنده (قده) منحصر في استخراج حكم المسائل الصعبة العويصة، و الحال أنّ نقل كلام المعصوم بالمعنى اجتهاد من الناقل؛ لأنّه ينقل بحسب فهمه ورائه.

و قد مرّ أنّ الاجتهاد في ذلك العصر لم يكن بصعوبة الاجتهاد في عصرنا، و إن شئت تفصيل ذلك فاصغ لما نتلو عليك:

إنّ سيرة المتشرّعة في ذلك العصر كانت جارية على أمرين: أحدهما: على أخذ الحديث من الصحابي و المشايخ. ثانيهما: على أخذ الفتوى منهم؛ بدليل أمرهم «فضلاء صحابتهم بالإفتاء، كما مرّ في صدر البحث؛ و بدليل قوله (عليه السلام): «خذوا ما رووا، و ذروا ما رأوا». فالتلميذ كان يأخذ من الشيخ الحديث، و العامّي كان يأخذ من الفقيه الحكم، و قد يجتمع الوصفان في كلا الطرفين، فقد يكون التلميذ عامّيّاً، و قد يكون العامّي تلميذاً، كما يكون مشايخ الحديث فقهاء، و الفقهاء مشايخ للحديث.

ثمّ إنّ قوله (قده): «و لم يعلم حتّى الان حال من تعبّد بقول غيره ورائه» إلخ لا يخلو من خفاء، فإنّ عدم العلم في هذا الباب دليل على العلم بالعدم؛ إذ لو كان لبان؛ لأنّ ذلك دليل على عدم رجوعهم إلى الحي بعد وفاة مرجعهم، فلو كانت سيرتهم على العدول إلى الحي لظهرت و بانت.

الرابع: أنّ حرمة البقاء على تقليد الميّت لو كان ثابتاً في الشرع لبان و ظهر

، و ذلك‏

149

بصدور إرشادات من المعصومين (عليهما السلام).

و عدم وصول نهي إلينا منهم (عليهما السلام) في هذا الباب دليل على عدم صدوره، إمّا ابتداء أو جواباً عن سؤال السائل؛ فإنّ المسألة كانت كثيرة الابتلاء بين الناس كما وصل إلينا صدور الذمّ عنهم (عليه السلام) عن تقليد علماء السوء، وصل إلينا نهيهم (عليه السلام) عن الفتوى بالقياس، و الاستحسان، فإنّ البقاء لو كان محرّماً لكان من هذا القبيل ثمّ إنّ التقليد البقائي لو لم يكن أكثر ابتلاء من تقليد علماء السوء، أو من يفتي بالقياس لم يكن أقلّ ابتلاء منه، و الحال أنّ الباحث لا يجد للنهي عن التقليد البقائي في النصوص الواردة عن أهل بيت النبي الكريم (صلّى اللّه عليه و آله)، عيناً و لا أثراً.

أضف إلى ذلك: أنّه لم يرد في إرجاعات المعصومين (عليه السلام) إلى أشخاص فقهاء صحابتهم فرض وفاة من أرجع إليه الإرجاع إلى الحي، و قد صنع ذلك نبيّنا الكريم (صلّى اللّه عليه و آله) في جهاد مؤتة عند بعثه الجيش إليه، فقال: «إن قتل جعفر و هو القائد الأوّل فالقائد زيد بن حارثة، و إن قتل فالقائد عبد الله بن رواحة، و إن قتل فليختاروا أميراً» (1).

مضافاً إلى الإطلاق الأحوالي في مثل قوله (عليه السلام): «العمري و ابنه ثقتان» إلخ. متناول لصورة وفاة الأب، و حياة الابن، و هي كثيرة بحسب العادة.

الخامس: الاستصحاب‏

، فقد يقرّر باستصحاب جواز تقليده بعد الموت.

و أورد عليه في الكفاية ب:

أنّ جواز التقليد إن كان بحكم العقل، فإنّه لا يقتضي أزيد من تنجّز ما أصابه من التكليف، و العذر فيما أخطأ، و إن كان بالنقل فكذلك على ما هو التحقيق من أنّ قضيّة الحجّيّة شرعاً ليست إلا ذلك لا إنشاء أحكام شرعيّة على طبق مؤدّاها فلا مجال لاستصحاب ما قلّده؛ لعدم القطع به سابقاً، إلا على ما تكلّفنا في بعض تنبيهات الاستصحاب. (2)

____________

(1) تاريخ الطبري، ج 3، ص 36 غزوة مؤتة.

(2) كفاية الأُصول، ج 2، ص 444.

150

أقول: و لعلّ المشار إليه في كلامه ما أفاده في التنبيه الثاني من تنبيهات الاستصحاب، فقد أجاب هناك عن نظير هذا الإشكال ب:

أنّ الحكم الواقعي الذي هو مؤدّى الطريق حينئذ محكوم بالبقاء، فتكون الحجّة على ثبوته حجّة على بقائه تعبّداً؛ للملازمة بينه و بين ثبوته الواقعي. (1) و توضيح هذا الكلام: أنّ مقتضى دليل الاستصحاب جعل الملازمة بين ثبوت الحكم في الزمان الأوّل واقعاً و بين ثبوته في الزمان الثاني تعبّداً، فالحكم بالبقاء مرتّب على الثبوت؛ فإذا كان الحكم بالبقاء من لوازم ثبوته السابق فالحجّة على ثبوته السابق حجّة على البقاء؛ لأنّ الحجّة على الملزوم حجّة على لازمه، فلا حاجة إلى تحقيق الثبوت قطعاً.

أقول: و التحقيق جريان الاستصحاب في الحجّيّة، و وجود اليقين بثبوت الحكم السابق، فإنّ الحجّيّة حكم من الأحكام الوضعيّة الشرعيّة. فقد يكون مجعولًا بالمطابقة و الاستقلال، كما في قوله (عليه السلام): «فإنّهم حجّتي عليكم». و قد يكون مجعولًا بالدلالة الالتزاميّة، كما في الإرجاعات الشخصيّة الواردة من المعصومين (عليهما السلام).

ثمّ إنّ التنجيز و التعذير من آثار الحجّة و لوازمها، و لا بأس باستصحابهما أيضاً بنحو الإجمال في مواردهما الواقعيّة؛ لوجود أركان الاستصحاب.

و قرر الإيراد على الاستصحاب في المستمسك بنحو آخر و هو:

أنّ إجراء الاستصحاب في الحجّيّة يتوقّف على كونها متأصّلة في الجعل بحيث يصحّ اعتبارها من مجرّد جعلها، و تترتّب عليها أثارها عقلًا من صحّة اعتذار كلّ من المولى و العبد بها و ليست كذلك، بل هي منتزعة من الحكم الظاهري الراجع إلى الأمر بالواقع على تقدير المصادفة، نظير الأمر بالاحتياط في بعض موارد الشكّ، و إلى الترخيص على تقدير المخالفة؛ فإنّ ذلك هو منشأ صحّة الاعتذار و الاحتجاج، فالحجّيّة نظير الوجوب و الحرمة المنتزعين عن مقام الإرادة و الكراهة، و لا يصحّ اعتبارهما من مجرّد جعلهما،

____________

(1) كفاية الأُصول، ج 2، ص 310.

151

مع قطع النظر عن الإرادة و الكراهة، و على هذا الحال لا مجال لجريان الاستصحاب فيها؛ لعدم كونها أثراً شرعيّاً، و لا موضوعاً لأثر شرعي. (1) أقول: قد عرفت أنفاً أنّ الحجّيّة متأصّلة في الجعل سواء أ كانت مجعولة بالمطابقة أو بالالتزام.

ثمّ إن كان المراد من قوله: «و ليست كذلك، بل هي منتزعة» إلخ أنّ الحجّيّة ليس لها وجود في عالم الاعتبار؛ لكونها منتزعة من الحكم الظاهري فليست بمجعولة من ناحية الشرع، فلا يجوز فيها الاستصحاب، كما يشهد بذلك قوله: «لعدم كونها أثراً شرعيّاً، و لا موضوعاً لأثر شرعي فهو فاسد؛ إذ لا مانع من جعل شي‏ء بجعل منشإ انتزاعه؛ إذ الجعل ليس بمنحصر بالجعل بالاستقلال. كيف و أنحاء الجعل مختلفة فقد يكون الجعل بالاستقلال، و قد يكون بالتبع، كما يكون الجعل بالمطابقة و بالالتزام.

و المراد من مجعوليّة الشي‏ء بجعل منشإ انتزاعه كون منشإ الانتزاع متحيّثاً بحيثيّة ينتزع منه ذلك الحكم، و هذا أحد معاني جعل الحكم شرعاً.

مثلًا: النهي عن جواز التشكيك في رواية الثقة يجعل خبر الثقة متحيّثاً بحيثيّة ينتزع منه الحجّيّة، فيقال: خبر الثقة حجّة، و من المعلوم أنّ تلك الحيثيّة اعتباريّة.

و إن كان مراده أنّ شرط جريان الاستصحاب أن يكون الحكم مجعولًا بالأصالة، و أنّ حجّيّة قول الفقيه ليست بمجعولة بالأصالة فهو أفسد؛ لجريان الاستصحاب في الأحكام المجعولة بالتبع أيضاً.

أضف إلى ذلك أنّ قوله (عليه السلام): «فإنّهم حجّتي عليكم» و قوله (عليه السلام): «فإنّي قد جعلته حاكماً» صريحان في استقلال الحجّيّة في الجعل، و إنّ إرجاع المعصومين «العامّة و الخاصّة تدلّ على جعل الحجّيّة للفقيه مستقِلا، لكنّه بالالتزام.

و ممّا ذكرنا ظهرت كيفيّة جريان الاستصحاب في الحكم الواقعي، فإنّ مجراه نفس تنجّز الحكم الواقعي فيما أصاب رأى الميّت الذي حدث الشكّ في خروجه عن التنجّز

____________

(1) المستمسك، ج 1، ص 15 و 16.

152

بسبب حدوث الموت له، و يجري أيضاً في نفس المعذّريّة عن الواقع فيما أخطأ رأيه.

فوجوب الرجوع إلى الحي على فرض ثبوته مستلزم لخروج الحكم المنجّز الواقعي للعامّي عن التنجّز بسبب مخالفة فتوى الحي لفتوى الميّت؛ و موجب لخروج معذوريّة العامّي عن الواقع فيما أخطأ الميّت في فتواه.

نظرة إلى بعض كلمات القوم‏

قال السيد دام ظلّه في مستمسكه:

إنّ الأدلّة اللفظيّة الدالّة على حجّيّة الفتوى لو تمّت في نفسها فإنّها تدلّ على حجّيّة الفتوى بنحو صرف الوجود الصادق على القليل و الكثر، كأدلّة حجّيّة الخبر، فلا مجال للتمسّك بها مع اختلاف الرأيين؛ لتكاذبهما المانع من شمول الدليل لهما؛ و لا لأحدهما، فلا بدّ من إثبات الحجّة من رأي الميّت، أو الحي من الرجوع إلى دليل آخر من إجماع، أو بناء العقلاء، أو سيرة المتشرّعة، أو الأصل. (1) ثمّ إنّه دام بقاؤه ضعّف الأوّل بعدم الثبوت، و ضعّف الثاني بعدم شموله لصورة الاختلاف، و ضعّف الثالث بأنّ السيرة و إن ادّعى استقرارها في عصر المعصومين على البقاء على تقليد الميّت، كما هو المظنون قويّاً، لكن بلوغه نحواً يصحّ التعويل عليه لا يخلو من إشكال.

ثمّ قال: «فيتعيّن الأخير».

أقول: و في كلامه دام بقاؤه مواقع للنظر:

أحدها: في قوله: «فإنّها تدلّ على حجّيّة الفتوى بنحو صرف الوجود» فإنّ ظاهر هذا الكلام أنّ الدليل اللفظي لحجّيّة الفتوى لا يكون في مقام البيان؛ لكونه في مقام الإهمال و أصل التشريع، فلا إطلاق له حتّى يتناول الرأيين المتكاذبين.

فذلك دعوى بلا دليل، و مناف لتعليله الاتي بقوله: «لتكاذبهما المانع من شمول‏

____________

(1) المستمسك، ج 1، ص 15.

153

الدليل لهما» فإنّ ظاهره وجود المقتضي و الإطلاق لدليل الحجّيّة، لكن عدم الشمول من ناحية وجود المانع، و هو التكاذب.

و الثمرة بين الصورتين تظهر في صورة اختلاف المتكاذبين في القوّة و الضعف؛ إذ بناءً على عدم الإطلاق لدليل الحجّيّة لا يشملهما الدليل؛ و بناءً على وجود الإطلاق له يشمل أقواهما؛ لوجود المرجّح فيه، و التحقيق: أنّ الدليل اللفظي على حجّيّة الخبر من قبيل الثاني، و الإطلاق له محقّق، و يشهد لذلك قوله (عليه السلام): «لا عذر لأحد من موالينا في التشكيك فيما يرويه عنّا ثقاتنا، فقد عرفوا بأنّا نفاوضهم سرّنا، و نحمّلهم إيّاه إليهم» (1)، فهذا النصّ صريح في الإطلاق. و التفصيل في محلّه.

ثانيها: في تشبيه الدليل اللفظي لحجّيّة الفتوى بدليل حجّيّة الخبر، و قد سبقه في ذلك بعض الأكابر، فإنّ القياس مع الفارق؛ لأنّ لسان دليل حجّيّة الخبر إثبات الحجّيّة الفعليّة لخبر الثقة، فهو الظاهر من قوله (عليه السلام): «لا عذر» فيجب العمل بجميع مرويّات الثقات في مسألة واحدة؛ و لذا يقع التعارض بين الخبرين المختلفين في الدلالة.

و أمّا لسان دليل حجّيّة الفتوى فهو إثبات الحجّيّة الشأنيّة لقول المفتي. و فعليّة حجّيّة قوله مشروطة بالسؤال و الرجوع، و من المعلوم أنّ مقتضى الحجّيّة الشأنيّة التي اشترطت فعليّتها بالسؤال و الرجوع هو التخيير بين الحجج الشأنيّة عند تعدّدها في مسألة واحدة.

فالعامّي مخيّر في الرجوع إلى أيّهم، و لا يقع في مخمصة التعارض بين الفتاوى أبداً، و ذلك من معالي أُمور المعصومين (عليهما السلام).

و بعبارة أُخرى: أنّ لسان دليل حجّيّة الفتوى كلسان دليل نفوذ حكم القاضي هو العموم البدلي، و لازمه التخيير في الأخذ بين أفراد العامّ، بخلاف لسان دليل حجّيّة خبر الثقة؛ فإنّه العموم الاستغراقي، و لازمه الأخذ بكلّ واحد من أفراد العامّ.

فالحكم بالتخيير على فرض ثبوته في صورة تعارض الخبرين غير مستفاد من نفس‏

____________

(1) وسائل الشيعة، ج 27، ص 149، الباب 11 من أبواب صفات القاضي، ح 40.

154

دليل حجّيّة الخبر، بل هو مستفاد من دليل آخر، بخلاف تخيير العامّي في الرجوع إلى المفتين، فإنّه مستفاد من نفس دليل حجّيّة الفتوى فانظر إلى أية السؤال، فإنّ ظاهرها العرفي إيجاب السؤال عن أحد أهل الذكر، لاعن جميعهم.

و انظر إلى التوقيع، فإنّ المتبادر العرفي منه وجوب الرجوع إلى أحد الرواة، لا إلى كلّ واحد منهم.

و ذلك فضلًا عمّا ورد بلفظة «أحدكم» أو باسم صريح لشخص معيّن عند الإرجاع إليه، أو فيما أرجع فيه إلى رجلين من الفقهاء، فإنّ ظاهره الإرجاع إلى أيّهما، لا إلى كليهما.

ثالثها: في قوله: «فلا بدّ من إثبات الحجّة من رأي الميّت، أو الحي من الرجوع إلى دليل آخر».

فقد عرفت عدم وجوب الرجوع إلى دليل آخر، فإنّ دليل التقليد اللفظي فضلًا عن دليله اللبّي كاف لإثبات الحجّيّة التخييريّة بين الميّت و الحي.

و كلامه قد نشأ من قياس دليل حجّيّة الفتوى إلى دليل حجّيّة الخبر، و هو قياس مع الباطل، و توهّم فاسد.

رابعها: في قوله: «بأنّ سيرة العقلاء غير شاملة لصورة الاختلاف» فإنّه دعوى بلا دليل، بل هي باطلة، إذ قلّما يتحقّق اتّفاق المقوّمين في قيمة شي‏ء، و كثير ما يتحقّق اختلاف الأطبّاء في معرفة حال مريض، و في طريق علاجه، و ذلك بمرأى من العقلاء و مسمع منهم؛ فدعوى اختصاص سيرتهم بصورة العلم بعدم اختلاف الخبراء في الرأي فاسدة جدّاً.

نعم، شمولها لصورة العلم التفصيلي بالاختلاف غير معلوم. و سيجي‏ء الكلام فيها في البحث عن تقليد الأعلم إن شاء الله تعالى.

خامسها: في قوله: «لكن بلوغه على نحو يصحّ التعويل عليه لا يخلو من إشكال» فإنّ التحقيق صحّة التعويل على سيرة المتشرّعة، إلا في صورة العلم بأنّ عوام المتشرّعة في ذلك العصر لم يكونوا عاملين بالأحكام الدينيّة، و إلا فإن كانوا عاملين بها كما هو

155

المقطوع حيث كانوا يرجعون إلى فقهاء الأصحاب فالتعويل على سيرتهم ممّا لا ريب فيه.

فإذا كانت سيرتهم قائمة على الرجوع إلى الحي بعد وفاة مرجعهم لشاعت و ذاعت، فإنّه من المبتلى به عند الجميع، و عدم الشياع و الاشتهار دليل قطعي على أنّ عملهم كان على البقاء على تقليد الميّت. و خير شاهد على ذلك أنّك لا تجد في الأخبار سؤالًا أُلقي على المعصوم (عليه السلام) بأنّ مرجعنا قد توفّي، فإلى من نرجع بعد وفاته؟

و بهذا البيان ندّعي استقرار سيرتهم على التقليد الابتدائي للميّت؛ إذ لو كانت المتشرّعة يمنعون أولادهم و أحفادهم عند صيرورتهم بالغين عن العمل بفتوى من كانوا يرجعون إليه و هو ميّت لاشتهر المنع قطعاً، و بان يقيناً، و نقل مستفيضاً، فإنّ ذلك المنع غير مخصوص بزمان خاصّ، أو مكان خاصّ، أو أُناس معدودين، و عدم وصول أقصر خبر عن هذا المنع يكشف عن عدم وجوده.

و لذا قلنا: إنّ سيرة المتشرّعة على البقاء على تقليد الميّت ملازمة لسيرتهم على التقليد الابتدائي له.

هذا تمام الكلام في اشتراط وصف الحياة في المفتي بقاء، و قد عرفت عدم دليل عليه، بل الدليل على خلافه، فلا فرق بين الحي و الميّت من حيث المرجعيّة للتقليد، فالأقوى جواز البقاء على تقليد الميّت.

و أمّا البحث عن صورة كون الحي أعلم من الميّت، أو بالعكس، أو صورة تساويهما فسيأتي إن شاء الله تعالى.

هل يختصّ جواز البقاء بما عمل؟

إنّ بعض من ذهب إلى أنّ التقليد هو العمل خصّص جواز البقاء على تقليد الميّت بالمسائل التي عمل فيها المقلّد بفتوى الميّت؛ خوفاً من أنّ القول بجواز البقاء فيما لم يعمل مستلزم للقول بجواز التقليد الابتدائي للميّت.

فلنسأل من هذا القائل أوّلًا: عن الفرق بين الواقعة التي لم يعمل فيها بفتوى الميّت‏

156

أصلًا، و بين التي عمل في مثلها بفتواه، فيجب أن يقول بعدم الجواز فيهما من جهة عدم الفرق بينهما من استلزامها تقليداً ابتدائيّاً للميّت.

مثلًا: لو كان الميّت قائلًا بعدم اشتراط العربيّة في العقود، و عمل المقلّد بهذه الفتوى في حياته فالبقاء عليها بعد موته هو ترتيب الأحكام و الآثار على ذلك العقد بخصوصه.

و أمّا إذا حدث له موضوع جديد بعد وفاة المفتي فإلغاء شرط العربيّة في هذا العقد الجديد ليس ببقاء عليها، سيّما لو كان العقد غير مماثل للعقد السابق بأن يكون عقد بيع، و العقد السابق عقد نكاح مثلًا.

و ثانياً: قد عرفت عدم دليل لفظي على عدم جواز التقليد الابتدائي للميّت حتّى يتوهّم وجود إطلاق له، بل قد عرفت عدم دليل أصلًا على عدم الجواز.

سلّمنا وجود الدليل لكنّه لبّي، و هو الإجماع، و لا إطلاق له، و المتيقّن من معقده العامّي الذي لم يكن مقلّداً عن الميّت في أيّة مسألة من المسائل بأيّ معنى من معاني التقليد؛ فإنّ الدليل قائم على جواز البقاء في غير تلك الصورة و قد مرّ. فالأقوى عدم اعتبار العمل في جواز البقاء.

وظيفة العامّي‏

هذا حسبما يقتضيه البحث العلمي في المقام. و أمّا وظيفة العامّي الذي هو أجنبي عن الحقائق العلميّة؛ بناءً على أن هذه المسألة ليست من المسائل التقليديّة، أو ممّا لا يجب التقليد فيها، فيجب على العامّي العمل بمقتضى عقله؛ خالياً عن العاطفة، فإنّه الحجّة دون سواه.

و نقول إرشاداً إليه: إن أمكنه الاختيار في أصل المسألة بمقتضى عقله فعليه العمل بما اختاره، و إلا فإن كان الميّت ممّن يقول بالتخيير بين البقاء و الرجوع إلى الحي فيجب عليه الرجوع إلى الحي؛ لأنّه المتيقّن في مقام العمل، فلو كان الرجوع إلى الحيّ بحسب الواقع واجباً أو جائزاً فقد تحقّق، و لو كان البقاء بحسب الواقع واجباً أو جائزاً

157

فقد بقي أيضاً، فإنّ المفروض أنّه عمل بقول الميّت في هذه المسألة، و ذلك من غير فرق بين كون الحي قائلًا بوجوب البقاء أو جوازه أو حرمته؛ لأنّه على فرض قوله بوجوب البقاء فقد بقي المقلّد على تقليده، و على فرض قوله بحرمة البقاء فقد عدل إلى الحيّ، فإنّ عمله بقول الميّت في مسألة البقاء غير مضرّ برجوعه إلى الحي، فهو كضمّ الحجر إلى جنب الإنسان.

و إن كان الميّت قائلًا بعدم جواز البقاء يجب الرجوع إلى الحي؛ للقطع الحاصل بعدم حجّيّة قول الميّت، فإنّه على فرض حجّيّة قوله بحسب الواقع فهي مستلزمة لعدم حجّيّة قوله، و لأنّه إذا كان قول الميّت حجّة بحسب الواقع فقد وجب الرجوع إلى الحيّ؛ عملًا بالحجّة. و إن لم يكن قول الميّت بحسب الواقع حجّة فقد وجب الرجوع إلى الحي؛ لانحصار الحجّة بقوله.

و إن كان الميّت قائلًا بوجوب البقاء فإمّا أن يقول الحي بوجوب البقاء أم لا.

فإن كان قائلًا بوجوب البقاء فالبقاء واجب عليه؛ لأنّه المتيقّن في البين؛ و لكون حجّيّة قول الحيّ بحسب الواقع مستلزماً لوجوب البقاء أيضاً، و كذلك الحال في صورة قول الحي بجواز البقاء.

و إن كان قائلًا بحرمة البقاء فإن حصل له الوثوق بصحّة أحد القولين فعليه العمل به، و إلا فالواجب عليه هو الرجوع إلى أحوط القولين في المسائل و العمل به؛ فإنّ ذلك عمل بالمتيقّن الذي يرجى فيه النجاة.

إذا تعدّد المفتي‏

إذا كان المفتي متعدّداً، و كانوا متّفقين في الفتيا في المسائل المبتلى بها للناس فلا خلاف في كون العامّي مخيّراً في الرجوع إلى أيّهم شاء.

و إن اختلفوا في الفتاوى في تلك المسائل، فإذا كانوا متساوين في الفضل فقد يقال بأنّ الأصل الأوّلي حاكم بلزوم الاحتياط؛ لتنجّز الأحكام الواقعيّة على المكلّفين بسبب العلم الإجمالي بوجودها؛ و لكون الشبهة قبل الفحص، فيحكم العقل بلزوم تحصيل‏

158

الموافقة القطعيّة بواسطة العمل بأحوط الأقوال أو الجمع بينها إن كان الاحتياط في الجمع، و إن لم يمكن العمل بالاحتياط فالظاهر هو التخيير.

و أمّا مقتضى الدليل الاجتهادي فهو التخيير مطلقاً حتّى في صورة إمكان الأخذ بالاحتياط.

و لذا لم أعثر على قائل بين القدماء، و لا بين الطبقة الوسطى يقول بوجوب الأخذ بالاحتياط عند اختلاف المفتين المتساوين.

قال المحقّق (قده) في المعارج:

«فإن تساووا في العلم و العدالة جاز استفتاء كلّ منهم، فإن اختلفوا في الفتوى و الحال هذه كان المستفتي مخيّراً في العمل بقول أيّهم شاء» (1) و لنصرف عنان الكلام إلى بيان الأدلّة.

حجج القول بالتخيير

منها: النصوص الواردة في الباب‏

. و تقريب الاستدلال بها: أنّها تدلّ على الحجّيّة الشأنيّة لرأي الفقيه، و من المعلوم أنّ مقتضى الحجج الشأنيّة هو التخيير بمعنى أنّ من يقصد التعويل عليها مخيّر في العمل بأي حجّة منها.

و إليك قوله (عليه السلام): «العمري و ابنه ثقتان». فإنّ المتبادر منه كفاية الرجوع إلى أيّهما، و مثله بقيّة النصوص، فإنّ الإطلاقات الواردة فيها شاملة لصورة اتّفاق المفتين في الفتوى، و لصورة اختلافهم فيها.

و منها: سيرة المتشرّعة

و هي السيرة العمليّة التي تتّصل بزمان المعصومين «فإنّها جارية على تخيير

____________

(1) معارج الأُصول، ص 201.

159

المستفتي في الرجوع إلى أي أحد من المفتين، فهذه السيرة قائمة عند المتشرّعة على الرجوع إلى من يكون قريباً إليهم من المفتين منذ زمان المعصومين (عليه السلام). فهم في كلّ قطر كانوا يرجعون إلى مرجع لهم في الفتوى، كان فضل بن شاذان (قده) مرجعاً لخراسان، و عبد العظيم الحسني (قده) مرجعاً لأهل الري، و غير هما لغيرهما من البلاد ممّن نعرفه و ممن لا نعرفه.

و أمّا احتمال اتّفاق المفتين في ذلك العصر في الفتيا فيدفعه ما حكي من كثرة اختلافهم في المسائل، بحيث كان سبباً لهجرة بعضهم بعضاً، بل ربّما رفع الاختلاف في الرأي بحضرة المعصوم (عليه السلام).

و كفاك شاهداً خبر أبي عليّ بن راشد، و قصّة يونس بن عبد الرحمن، و قد مرّ.

و إليك ما أورده في أُصول الكافي عن علي بن إبراهيم، عن السرّي، قال: «لم يكن ابن أبي عمير يعدل بهشام بن الحكم شيئاً، و كان لا يغبّ إتيانه، ثمّ انقطع عنه و خالفه، و كان سبب ذلك أنّ أبا مالك الحضرمي كان أحد رجال هشام وقع بينه و بين ابن أبي عمير ملاحاة في شي‏ء من الإمامة».

قال ابن أبي عمير: «الدنيا كلّها للإمام على جهة الملك، و إنّه هو أولى بها من الذين هي في أيديهم».

و قال أبو مالك: «ليس كذلك أملاك الناس لهم، إلا ما حكم الله به للإمام من الفي‏ء و الخمس و المغنم، فذلك له، و ذلك أيضاً قد بيّن الله للإمام أين يضعه، و كيف يصنع به» فتراضيا بهشام بن الحكم، و صارا إليه. و حكم هشام لأبي مالك على ابن أبي عمير، فغضب ابن أبي عمير و هجر هشاماً بعد ذلك. (1)

منها: الإجماع‏

ادّعى بعض أصحابنا الإجماع على عدم وجوب الاحتياط.

____________

(1) الكافي، ج 1، ص 409، كتاب الحجّة، باب أنّ الأرض كلّها للإمام (ع)، ح 8.

160

أقول: الاتّفاق في الفتوى على عدم وجوب الاحتياط بين القدماء محقّق؛ إذ لا تجد من أفتى منهم، و من الطبقة الوسطى بوجوب الاحتياط عند اختلاف المفتين.

و منها: سيرة أهل السنّة

فإنّ سيرة المتشرّعة منهم قائمة على رجوع أهالي كلّ ناحية إلى فقيهها، فكان العراقيّون منهم يقلّدون فقيه العراق، و الشاميّون منهم يقلّدون فقيه الشام، و المصريّون منهم يقلّدون فقيه مصر، و الحجازيّون منهم يقلّدون فقيه الحجاز، مع أنّ الاختلاف في الفتيا بين الفقهاء ممّا لا يمكن إنكاره.

و من المعلوم: أنّ هذه السيرة كانت جارية في عصر المعصومين «بمرأى منهم و مسمع، فلو كانت غير مرضيّة لهم لصدر نهي منها عنهم «إلى شيعتهم، و عدم صدور النهي يكشف عن رضاهم بها، و لا يخفى أنّ صدور مثل هذا النهي ملازم للوصول إلينا.

و منها: سيرة العقلاء

فإنّها قائمة على التخيير في الرجوع إلى آحاد الخبراء، حال العلم الإجمالي باختلافهم في الآراء، كما مرّ.

و أمّا سيرتهم في صورة العلم التفصيلي بالاختلاف فهي الاعتماد على الرأي الأوثق عندهم، و ما هو أكثر اطمئناناً لديهم.

فإذا وثقوا بقول خبير يعملون به، فإنّ ملاك العمل عندهم على الوثوق من أي طريق حصل، و بأي دليل ثبت.

ثمّ إنّ بعض الأساطين دام ظلّه ذهب إلى نفي التخيير، و إلى القول بأحوط القولين عند العلم باختلاف المفتين في الفتيا، و احتجّ لمذهبه ب:

أنّ الدليل على التخيير إن كان هو الأخبار الدالّة على حجّيّة الفتوى فإنّها ساقطة في موارد معارضة الفتاوى؛ بناءً على حجّيّة الأمارات من باب الطريقيّة؛ إذ لا يجوز شمولها لكلّ واحد من المتعارضين للتكاذب، و لا لأحدهما المعيّن؛ لكونه ترجيحاً

161

بلا مرجّح، و لا لأحدهما المخيّر بأن يقيّد إطلاق وجوب الأخذ بأحدهما باختياره؛ لكونه مستلزماً لعدم وجوب الأخذ بكلّ منهما إذا لم يختر أحدهما.

و أمّا إن كان دليل التخيير مستفاداً من النصّ الوارد في باب التعارض بين الخبرين فهو ضعيف السند.

و إن كان دليله الإجماع فالإجماع التعبّدي غير ثابت في المقام. و إن كان سيرة المتشرّعة فثبوتها في الجملة و إن كان لا ينكر، لكن لم تثبت سيرة على التخيير حتّى في صورة العلم بالمخالفة.

كيف و بناء العقلاء على التساقط عند التعارض. فلا بدّ أن يكون التخيير بدليل تعبّدي من الشارع، و هو غير واصل إلينا. (1) أقول: و يرد عليه أوّلًا: بالنقض بتخيير المدّعى في الرجوع إلى أحد القضاة عند مساواتهم في الفضل، فإنّه من المسلّمات عند القوم. قال العلامة في القواعد: «و لو تعدّد تخيّر المدّعى لا المنكر في الترافع إلى من شاء إن تساووا» (2).

و من المعلوم: أنّ الرجوع إلى القاضي كما يكون في الشبهة الموضوعيّة، كذلك قد يكون في الشبهة الحكميّة أيضاً.

و العجب منه دام ظلّه أنّه قال بهذا القول في ذلك الباب، حيث لم يعلّق في تعليقته على مسألة 56 من مسائل التقليد من كتاب «العروة الوثقى».

قال السيّد في العروة في تلك المسألة: «في المرافعات اختيار تعيين الحاكم بيد المدّعى، إلا إذا كان مختار المدّعى عليه أعلم» (3).

ثمّ إنّي لم أعثر في باب القضاء على قول من أوجب الرجوع عند تعدّد القضاة، و مساواتهم إلى القاضي الذي يعلم المدّعى بأنّ حكمه أحوط.

و ثانياً: قد عرفت أنّ قياس أخبار الباب إلى الأخبار الواردة في حجّيّة الخبر قياس‏

____________

(1) دروس في فقه الشيعة، ج 1، ص 80.

(2) قواعد الأحكام، ج 2، ص 202.

(3) العروة الوثقى، ج 1، ص 20، المسألة 56.

162

مع الفارق، فإنّ ما يدلّ على حجّيّة الفتوى يدلّ على حجّيّتها الشأنيّة؛ فإذا عمل بها العامّي تصير حجّة فعليّة، و لازم الحجج الشأنيّة تخيير من يريد الاحتجاج بين تلك الحجج.

و أمّا ما يدلّ على حجّيّة الخبر فيدلّ على حجّيّته الفعليّة، و الحكم في الحجّة الفعليّة تعيّن الأخذ بها. و إليك النظر في كلتا الأدلّة حتّى يتبيّن لك صدق هذه الدعوى، و قد مرّ بيانها.

و ثالثاً: سلّمنا وحدة الدلالة بين دليل حجّيّة الخبر، و دليل حجّيّة الفتوى، لكن ما ادّعاه من سقوط دليل الحجّيّة في مورد المعارضة من جهة بطلان الشقوق الثلاثة ليس بمقبول، فإنّ لنا اختيار ثالث الشقوق، و هو وجوب الأخذ بأحدهما المخيّر، لكن لا نقول بما قرّره، بل بتقيّد إطلاق وجوب الأخذ بأحدهما بصورة عدم الأخذ بالآخر، و لا يلزم من ذلك إلا وجوب الأخذ بكلّ منهما عند عدم الأخذ بكلّ منهما، و ذلك ليس بتال فاسد؛ إذ لا يلزم منه التكاذب، و اجتماع البعث و الزجر في مقام العمل.

و رابعاً: قد عرفت ثبوت السيرة من المتشرّعة على التخيير بين الرجوع إلى الفقهاء في زمان الحضور حتّى في صورة العلم بالاختلاف.

و خامساً: قد عرفت قيام سيرة العقلاء على التخيير بين الرجوع إلى أحد الخبراء عند العلم الإجمالي بالخلاف باختلافهم في الأنظار.

و أمّا صورة العلم التفصيلي باختلاف الخبيرين في الرأي فقد عرفت أنّها قائمة على الوثوق و الاطمئنان.

فإنّ رأي الخبير موثوق به عند العقلاء؛ فإذا عورض برأي خبير آخر يضعف الوثوق به، فيفحصون عمّا يقوّي به الوثوق بأحد الرأيين، أو برأي ثالث موثوق به؛ فإذا حصل لهم الوثوق برأي عملوا به.

و لا يخفى أنّ ظاهر كلامه دام ظلّه اتّحاد السيرتين: المتشرّعة، و العقلائيةّ عنده، كأنّه يزعم رجوع سيرة المتشرّعة إلى سيرة العقلاء، و هذا و إن أمكن القول به في بعض السير، لكن لا سبيل إلى القول به هنا؛ لما مرّ.

163

تقليد الأعلم‏

إنّ البحث عن وجوب تقليد الأعلم عند اختلافه مع غيره في الفتوى إنّما يكون في صورة إمكان الرجوع إلى الأعلم، و إلا فجواز الرجوع إلى المفضول محلّ وفاق.

فهل يجب على العامّي في صورة تمكّن الرجوع إلى الأعلم الرجوع إليه؟ أو هو مخيّر بين الرجوع إليه و إلى غيره؟

قال السيّد المرتضى (قده) في الذريعة:

و إن كان بعضهم عنده أعلم من بعض، أو أورع، أو أدين فقد اختلفوا، فمنهم من جعله مخيّراً، و منهم من أوجب أن يستفتي المقدّم في العلم و الدين و هو أولى؛ لأنّ الثقة منها أقرب و أوكد، و الأُصول بذلك كلّها شاهدة. (1) و قال الآمدي من علماء أهل السنّة في كتاب الإحكام:

إذا حدثت للعامّي حادثة، و أراد الاستفتاء عن حكمها، فإن كان في البلد مفت واحد وجب الرجوع إليه و الأخذ بقوله، و إن تعدّد المفتون، فمن الأُصوليّين من ذهب إلى أنّه يجب عليه البحث عن أعيان المفتين، و اتّباع الأورع، و الأعلم، و الأدين. و منهم من ذهب إلى أنّه مخيّر بينهم يأخذ برأي من شاء منهم سواء أ تساووا،

____________

(1) الذريعة إلى أُصول الشريعة، ج 2، ص 801، و أيضا حكاه عنه السيد الحكيم في المستمسك، ج 1، ص 26.

164

أم تفاضلوا، و هو المختار. (1) أقول: ظاهر كلام هذين العلمين أنّ المسألة كانت خلافيّة منذ العصور المتقدّمة. فظهر النظر فيما ذكره بعض الأكابر في المستمسك حيث قال دام ظلّه:

المشهور بين أصحابنا هو الأوّل، و عن ظاهر السيّد من الذريعة كونه من المسلّمات عند الشيعة. (2) و قد مرّ عليك كلام السيّد في الذريعة حيث كان صريحاً بوجود الاختلاف في هذه المسألة، و لم يكن القول بوجوب الرجوع إلى الأعلم محلّ شهرة بين القدماء فضلًا عن كونه من المسلّمات عند الشيعة.

ثمّ إنّ القول بالتخيير قد حكي أيضاً عن جماعة ممّن تأخّر عن الشهيد الثاني، و مال إليه صاحب الفصول‏ (3)، و قوّاه الشيخ فقيه آل ياسين في تعليقته على العروة.

تأسيس الأصل في حكم المسألة

إنّ المناسب قبل الخوض في البحث عن الأدلّة الاجتهاديّة بيان مقتضى الأصل في المقام حتّى يكون هو المعتمد إذا أُعوز الدليل فنقول مستعيناً بالله، و حسن توفيقه:

إنّ الشكّ في حجّيّة فتوى المفضول عند المخالفة لفتوى الأفضل مسبّب عن الشكّ في اشتراط الأفضليّة في المفتي عند التعدّد.

و من المعلوم: أنّ أصالة البراءة العقليّة حاكمة بعدم العقاب على مخالفة فتوى الأفضل، و لا تعارضها البراءة عن العقاب على مخالفة فتوى المفضول؛ للقطع بعدم جريان العقاب على مخالفة فتوى المفضول عند موافقة فتوى الأفضل في مقام العمل.

و أورد عليه المدقّق الإصفهاني ب:

أنّ عدم العقاب عليها بالخصوص لا يجوز الاقتصار على غيرها؛ إذ لا يجوز الاقتصار

____________

(1) الإحكام في أُصول الأحكام، ج 2، ص 241/ 7.

(2) المستمسك، ج 1، ص 26.

(3) الفصول في علم الأُصول، ج 2، ص 142.

165

الأعلى ما يقطع بأنّه معذّر عند الخطإ، و ليس ذلك إلا شأن مقطوع الحجّيّة. (1) أقول: إنّ حكم العقل في مقام الامتثال ما لم يكن للشارع تصرّف في هذا المقام حجّة قطعاً، فيجوز الاقتصار على ما حكم العقل بكونه معذّراً عند الخطإ.

و أورد على حكم الأصل بعض الأساطين ب:

أنّ العقاب في باب الأمارات ليس على نفس مخالفة الأمارة، بل هو على مخالفة الواقع؛ إذ لا شأن للأمارة إلا الطريقيّة، فلا يكون العمل على طبقها واجباً نفسيّاً، سواء في ذلك ذو المزيّة، أو غيرها، فلا عقاب على مخالفتها حتّى يدفع بالأصل عند الشكّ.

فلو خالف الأمارة، و أتى بالواقع اتّفاقاً فلا يكون معاقباً.

نعم، العقاب على مخالفة الأمارة مبتن على القول به في التجرّي، فأصالة البراءة على مخالفة فتوى الأعلم بما هي مخالفة لها، لا معنى لها للقطع بعدم العقاب.

و أمّا البراءة عن مخالفة الواقع لو صادف في فتوى الأعلم فهي غير جارية لتنجّز الواقع بالعلم الإجمالي، أو بنفس الأمارتين، فيكون الأصل في كلّ من الطرفين معارضاً بالأصل في الطرف الآخر. (2) أقول: و لا بأس بهذا الكلام سوى ما في إطلاق ذيله، فإنّ تعارض الأُصول في جميع صور الاختلاف في الفتوى بين الفاضل و المفضول ممنوع؛ إذ في صورة عدم كون فتوى الفاضل حكماً اقتضائيّاً، مثل الوجوب و الحرمة لكان الشكّ في ثبوت التكليف، فلا أصل يعارض الأصل الجاري في طرف فتوى المفضول، و كذلك الحال في عكس هذه الصورة فلا أصل يعارض للأصل الذي يجري في ناحية فتوى الأفضل؛ إذ لأعلم بتكليف فعلي منجّز في هاتين الصورتين، فلا يكون للحكم المعلوم بالإجمال باعثيّة أو زاجريّة على كلّ تقدير.

نعم، يتمّ كلامه فقط في صورة اختلاف الرأيين بين الوجوب و الحرمة، و الاختلاف في مصداق الواجب أو الحرام إذا يعلم بعدم خروج الحكم الواقعي من‏

____________

(1) رسالة الاجتهاد و التقليد، ص 33.

(2) دروس في فقه الشيعة، ج 1، ص 83.

166

بينهما، و عندئذ يقع التعارض بين الأصلين من الجانبين؛ لثبوت الفعليّة على كلّ تقدير للمعلوم بالإجمال.

و من المعلوم: أنّ هذه الصورة من الاختلاف مع ما ذكرنا من الشرط، و هو وجود العلم بعدم خروج الحكم الواقعي من المبيّن، قلّما تقع بين مرجعين، بل لعلّه لم يتّفق عادة، هذا مقتضى الأصل العقلي الجاري في السبب، و قد عرفت الإشكال في جريانه.

و أمّا الأصل الشرعي فهو أصالة البراءة الشرعيّة بأنّ شرط الأفضليّة في المفتي غير معتبر و مرفوع، فإنّه ممّا لا يعلم.

فهذا الأصل حاكم بإلغاء المزيّة عن فتوى الأفضل؛ لأنّ اعتبارها كلفة، و ضيق على المكلّف، نظير ما قالوا في دوران الأمر بين التعيين و التخيير في الظهر و الجمعة فإنّ تعيّن الجمعة ضيق على المكلّف و هو غير معلوم، فهو مرفوع بالأصل.

و أورد عليها بعض الأساطين بمثل ما أورده على أُختها ب:

أنّ المزيّة في الحجّيّة لا عقاب على مخالفتها في نفسها، فلا وجه لقياس الدوران في باب الحجّ على الدوران في المسائل الفرعيّة، مثل الدوران بين الظهر و الجمعة؛ لأنّ الشكّ في المسألة الفرعيّة في أصل ثبوت التكليف المردّد بين المعيّن و المخيّر، و الشكّ في باب الحجّ يكون في سقوطه بعد العلم بثبوته‏ (1).

أقول: المناسب تبديل لفظ العقاب بالمؤاخذة في قوله: «لا عقاب على مخالفتها» فإنّ المرفوع في البراءة الشرعيّة هو المؤاخذة لا العقاب.

و من المعلوم: صحّة المؤاخذة على ترك العمل بحجّة معيّنة؛ لأنّ ثبوت المزيّة لقول الأفضل يوجب تعيّنه. نعم، ما ذكره بقوله: «فلا وجه لقياس الدوران» إلخ فهو مسلّم.

ثمّ إنّه يمكن تقرير إجراء أصالة البراءة في المقام بوجه آخر: و هو أنّ اشتراط الأفضليّة في المرجع موقوف على جعل ثان من ناحية الشارع؛ فإنّ الأفضليّة غير داخلة

____________

(1) كفاية الأُصول، ج 2، ص 438.