الاجتهاد والتقليد

- السيد رضا الصدر المزيد...
415 /
167

في مفهوم المرجعيّة، بل دخولها في نفس هذا المفهوم مستحيل؛ لأنّها من الأوصاف الإضافيّة، و وصف المرجع ليس منها.

فإذا فرض اعتبار وصف الأفضليّة فيه فإنّما يكون معتبراً عند لحاظ تعدّد المفتين، و اختلافهم في الفتيا، و ذلك إنّما يكون بجعل آخر و لحاظ ثان، غير جعل أصل المرجعيّة للفقيه، فالجعل الثاني مشكوك مرفوع بالبراءة؛ إذ تصحّ المؤاخذة عن ترك العمل بقول الأفضل. هذا تمام الكلام في جريان الأصل في السبب.

و أمّا الكلام في إجرائه في المسبّب فنقول: إنّ إجراء الأصل في المسبّب، و هو الشكّ في حجّيّة فتوى المفضول عند المخالفة لفتوى الأفضل إنّما يكون بعد الفراغ عن القول بوجوب الاحتياط على العامّي إمّا للإجماع، أو للسيرة العمليّة من المتشرّعة القائمة على عدم العمل بالاحتياط، و إمّا من جهة ترك الاستفصال في أجوبة طائفة من نصوص التقليد، أو من جهة إطلاق طائفة أُخرى منها.

ثمّ إنّ الأصل الجاري في المسبّب أصل اشتغالي على خلاف الأصل الجاري في السبب، فإنّ الشكّ في هذا المقام يكون في سقوط التكليف المعلوم بالإجمال عند العمل بفتوى المفضول فيما إذا كان متعلّق رأي كلّ من الفاضل و المفضول حكماً اقتضائيّاً.

و قد اعتمد في الكفاية على هذا الأصل و قال ب: «عدم جواز الرجوع إلى المفضول، و بوجوب الرجوع إلى الأفضل‏ (1)».

و فيه أنّه لا تصل النوبة إلى إجراء الأصل في المسبّب بعد جريان الأصل في السبب؛ لزوال الشكّ في المسبّب تعبّداً، فالأصل الجاري في المسبّب محكوم؛ للأصل الجاري في السبب.

و اعلم أنّ لبيان الأصل الجاري في المسبّب وجوهاً نختار ما هو الموجود في كلام الجميع.

و هو دخول المقام في باب دوران الأمر بين التعيين و التخيير في الحجّة، فما يحتمل‏

____________

(1) كفاية الأصول، ج 2، ص 438

168

كونه مخيّراً يصير مشكوك الحجّيّة، و ما يحتمل كونه معيّناً يصير مقطوع الحجّيّة، و العقل حاكم بوجوب العمل به و هو فتوى الأفضل، و يحكم بعدم جواز العمل بمشكوك الحجّيّة، و هو فتوى المفضول.

أمّا عدم جواز العمل بمشكوك الحجّيّة فلأنّه ليس بحجّة؛ لأنّ الحجّيّة من العناوين التي يكون ثبوتها تابعاً لإثباتها، و إن شئت قلت: وجودها الواقعي تابع لوجودها العلمي، فما لم تكن الحجّيّة معلومة لا يجوز الاحتجاج بها، فالشكّ في حجّيّة أمارة ملازم للحكم بعدم حجّيّتها.

و بعبارة أُخرى: أنّ صحّة الاحتجاج بالحجّة ليس من لوازم ذات الحجّة، بل هي من لوازم الحجّة المعلومة؛ فإنّها الحجّة الواقعيّة دون غيرها.

و بتقريب آخر: إنّه بعد ما ثبت أنّ المراد من الحجّة التخييريّة هو اشتراط حجّيّة كلّ من الأمارتين بالأخذ بها، فالشكّ يحدث في حجّيّة فتوى المفضول إذا أخذ بها بخلاف العكس؛ إذ لو أخذ بفتوى الأفضل يقطع بحجّيّتها؛ لكونها حجّة على كلّ تقدير.

و بتعبير آخر: إنّ فتوى الأفضل حجّة، سواء كانت حجّيّتها الفعليّة مشروطة بالأخذ، أو غير مشروطة به حتّى تكون حجّيّتها مطلقة، بخلاف فتوى المفضول.

أقول: إنّ كلّيّة هذا الحكم العقلي ممنوع بمعنى سقوط فتوى المفضول عن الحجّيّة في جميع صور الاختلاف مع فتوى الفاضل؛ لأنّ العقل لا يحكم بوجوب الأخذ برأي الأفضل عند مخالفته للاحتياط، و لا يحكم بعدم جواز الأخذ برأي المفضول عند موافقته للاحتياط.

كما أنّ العقل لا يحكم بكلا الحكمين عند تطابق رأي المفضول مع رأي من هو أفضل من الأفضل من فقهاء الأموات. و لا يحكم بهما عند تطابق رأي المفضول مع رأي المشهور، قديماً و حديثاً. و لا يحكم بهما عند تفرّد الأفضل برأي في عصره، و موافقة رأي المفضول مع رأي جمّ من المفضولين المعاصرين لهما، أو مع تأييد بعض القرائن له.

ففي جميع هذه الصور يصير رأي الأفضل مشكوك الحجّيّة أيضاً، و يخرج عن كونه مقطوع الحجّيّة، بل احتمال ثبوت الحجّيّة لرأي المفضول في جميع هذه الصور أقوى‏

169

عند العقل من احتمال ثبوتها لرأي الأفضل.

و عندئذ إمّا أن يحكم العقل بسقوط كلا الرأيين و لزوم العمل بالاحتياط، أو يحكم بالتخيير، أو بترجيح فتوى المفضول، أو بالذي حصل الوثوق به.

ثمّ اعلم أنّ هذا الأصل العقلي الاشتغالي الذي قرّروه قد يكون محكوماً لأصل شرعي.

قال في المستمسك:

لا يطّرد العمل بهذا الأصل مع سبق تقليد المفضول؛ لعدم وجود الأفضل ثمّ تجدّد وجوده، فإنّ استصحاب بقاء الأحكام الظاهريّة وارد على الأصل المذكور؛ إذا كانت الأحكام غير اقتضائيّة، و كذا إذا كانت اقتضائيّة من جهة الإشكال في جريان استصحابها؛ لأنّه من الاستصحاب التعليقي بالإضافة إلى الوقائع المتجدّدة المعارض بالاستصحاب التنجيزي؛ و بعد التساقط يرجع إلى الأصل العقلي المقتضي للتخيير (1).

أقول: و نضيف إلى كلامه دام ظلّه الاستصحاب في الصور التي كان الأعلم في الزمن السابق غير جائز التقليد من جهة فقده لبعض الأوصاف، ثمّ صار واجداً له و موصوفاً به.

ثمّ إنّ القدر المسلّم من هذا الحكم العقلي في دوران الأمر بين التعيين و التخيير فيما إذا كان العدلان متباينين، و أمّا إذا كانا متساويين بحسب الحقيقة و يكون لأحدهما مزيّة على الآخر، كما في المقام فهو محلّ تأمّل؛ فإنّ كلا الرأيين مشتركين في الطريقيّة و إن كانا متباينين بحسب الإراءة.

حجج القول بوجوب تقليد الأعلم‏

أحدها: الإجماع‏

، و قد حكي دعواه عن المحقّق الثاني‏ (2) (قده).

____________

(1) المستمسك، ج 1، ص 28.

(2) انظر: معجم فقه الجواهر، ج 2، ص 95 (تقليد).

170

أقول: وقوع الإجماع في مثل هذه المسألة ممنوع، و الدليل على ذلك كلمات القوم، منها صريح كلام السيّد في الذريعة حيث قال:

و إن كان بعضهم عنده أعلم من بعض أو أورع أو أدين فقد اختلفوا، فمنهم من جعله مخيّراً، و منهم من أوجب أن يستفتي المقدّم في العلم و الدين. (1) ثمّ إنّ عدم تعرّض الشيخ في العدّة لشرط الأفضليّة عند ذكر شرائط المفتي و أوصافه، و كذا عدم تعرّض ابن زهرة لهذا الوصف في الغنية في أوصاف المفتي يرشداننا أيضاً إلى عدم تحقّق إجماع في الباب.

و لو كان اشتراط وصف الأفضليّة في المفتي إجماعياً لتعرّض له هؤلاء، و ادّعوا عليه الإجماع، سيّما ابن زهرة الذي اشتهر بكثرة دعواه للإجماع.

أضف إلى ذلك، أنّ كلام صاحب المعالم (قده) يفيد عدم وقوع إجماع في المقام حيث قال مشيراً إلى اعتبار وصف الأفضليّة: «و هو قول الأصحاب الذين وصل إلينا كلامهم» (2).

ثمّ قال: «و يحكى عن بعض الناس القول بالتخيير هنا» (3).

و لعلّه لذلك منع في الفصول وقوع الإجماع، فقال: «لا سيّما بعد تصريح جماعه بالجواز» (4).

نعم، أوّلًا: يحتمل وقوع الاتّفاق فيه في عصر المحقّق الثاني من معاصريه، و ممّن قارب عصره.

و ثانياً: سلّمنا وقوع الإجماع، لكن يمكن المنع عن تعبّديّته؛ لاحتمال اعتماد المجمعين على مثل ما ذكره علم الهدى؛ دليلًا لمذهبه من وجوب تقليد الأعلم.

و يشهد لذلك كلام صاحب المعالم بعد حكايته قول الأصحاب الذين وصل إليه‏

____________

(1) الذريعة إلى أُصول الشريعة، ج 2، ص 801.

(2) معالم الدين في الأُصول، ص 240 و 241.

(3) معالم الدين في الأُصول، ص 240 و 241.

(4) الفصول في علم الأُصول، ج 2، ص 142.

171

كلامهم حيث قال: «و حجّتهم عليه أنّ الثقة بقول الأعلم أقرب، و أوكد» (1).

ثمّ إنّ بعض الأساطين.

«منع عن تحقّق الإجماع صغرويّاً؛ لمخالفة جملة من المتأخّرين في ذلك، و كبرويّاً؛ لاحتمال استناد المجمعين إلى سائر الوجوه» (2).

أقول: منع الصغرى بما ذكره غير سديد، فإنّ مخالفة جملة من المتأخّرين غير مضرّ بتحقّق الإجماع؛ إذ المقوّم له هو إجماع القدماء من جهة اتّصال زمانهم بزمان المعصومين (عليه السلام).

ثانيها: بناء العقلاء

، فإنّ مقتضاها الرجوع إلى الأفضل عند التعارض بين آراء الخبراء.

قال في المستمسك: «و التشكيك في ثبوت بناء العقلاء يندفع بأقلّ تأمل» (3).

و قال بعض الأساطين:

إنّ عمدة أدلّة القائلين بوجوب تقليد الأعلم إذا اختلف مع غيره هو بناء العقلاء و لم يثبت من الشرع ردع عن العمل بها في الأحكام الشرعيّة، و عليه فلا ينبغي الشكّ في لزوم الأخذ بفتوى الأعلم إذا كانت موافقة للاحتياط.

و إن كانت مخالفة له فالظاهر التخيير بينه و بين غيره؛ لبناء العقلاء على الرجوع إليه و إن كان رأيه مخالفاً للاحتياط. و أمّا جواز العمل بفتوى غيره فهو من باب الاحتياط لا الحجّيّة. فلا يصحّ إسناد الحكم الذي أفتى به إلى الله تعالى. (4) انتهى مع تحرير منّا.

أقول: لا ريب في عدم ثبوت بناء للعقلاء في الرجوع إلى الأفضل في صورة العلم التفضيلي باختلافه في الرأي مع غيره. و يكفيك لهذه الدعوى شاهدان يقومان‏

____________

(1) معالم الدين في الأُصول، ص 241.

(2) دروس في فقه الشيعة، ج 1، ص 79.

(3) المستمسك، ج 1، ص 28.

(4) دروس في فقه الشيعة، ج 1، ص 79.

172

مقام البيّنة:

أحدهما: إذا أفتى الطبيب الأفضل بلزوم عمل جراحي لمريض؛ قائلًا: إن لم يؤت بهذا العمل وقع المريض في حفرة الموت.

و أفتى الطبيب المفضول بخلافه؛ قائلًا: إنّه في هذا العمل خطر عظيم يسبّب هلاك المريض، فهل ترى أنّ العقلاء يعملون في هذا الظرف برأي الأفضل طاعة عمياء؟! و كذلك الكلام في عكس هذه الصورة.

ثانيهما: إذا قصدوا معرفة قيمة دار، أو جوهرة فقوّمها المقوّم الأفضل بثمن قليل، و قوّمها غيره بثمن كثير أضعاف ذلك الثمن، فهل ترى أنّ العقلاء في هذه الصورة يعملون بقول الأفضل بلا تأمّل و تردّد؟! و كذلك الكلام في عكس هذه الصورة.

و من قبيل هذين الشاهدين تجد شهوداً أُخرى من سيرة العقلاء عند اختلاف الخبراء. و إن كنت طالباً لمعرفة سيرة العقلاء في مثل هذه الأحوال، و هي صور العلم التفصيلي باختلاف الخبراء في الرأي عند ابتلائهم به فاصغ لما نتلو عليك:

إنّ سيرة العقلاء في هذا الأمر هو التعويل على الوثوق و الاطمئنان بأي رأي حصل، و من أي طريق حصل، فالرأي الموثوق به هو الذي يعملون به و إن كان صادراً من المفضول، و مخالفاً للاحتياط.

و إذا لم يحصل لهم وثوق برأي فعملهم على الاحتياط، سواء أ كان أحد الرأيين موافقاً للاحتياط، أو كان كلا الرأيين مخالفاً له؛ فإنّ ذلك أيضاً مصداق لذلك الكلّي، و هو التعويل على الوثوق.

فإذا لم يكن الاحتياط فالعمل عندهم على أقوى الاحتمالين، أو على التخيير عند تساويهما.

و اعلم أنّ العقلاء ليس لهم طريق تعبّدي محض بمعنى أنّهم يعملون بخبر لا يفيد الوثوق.

و أمّا عملهم بقول أهل الخبرة فمن جهة إفادته الوثوق عندهم.

فإذا تعارض رأي الأفضل مع رأي غيره تزحزح الوثوق الذي يحصل من‏

173

كلّ منهما، لو كان غير معارض فلا عمل لهم إلا بالوثوق.

هذا حال سيرتهم في صورة العلم الإجمالي باختلافهم في الرأي، فهي قائمة على التخيير في العمل بأي الآراء، فإنّه من البديهي أنّهم لا يرجعون إلى أهل الخبرة في صورة علمهم بعدم اختلاف الخبر في الرأي فقط، بل هذه الصورة قليلة الوجود جدّاً.

فالرجوع إليهم، إمّا في صورة الشكّ في الاختلاف، أو في صورة العلم الإجمالي به، و هذه هي الأكثر وقوعاً، و الشاهد هو الوجدان.

ثالثها: مقبولة عمر بن حنظلة

. و مورد الاستدلال فيها قوله (عليه السلام) جواباً عن سؤال الراوي فإنّ كان كلّ رجل يختار رجلًا من أصحابنا، فرضيا أن يكونا ناظرين في حقّهما، فاختلفا فيما حكما، و كلاهما اختلفا في حديثكم؟

فأجاب (عليه السلام): «الحكم ما حكم به أعدلهما، و أفقههما، و أصدقهما في الحديث، و أورعهما، و لا يلتفت إلى ما حكم به الآخر (1) الحديث.

و مثلها ما أجابه (عليه السلام) في خبر داود بن حصين جواباً عن سؤاله: فاختلف العدلان بينهما عن قول أيّهما يمضي الحكم؟

فكان جوابه (عليه السلام): «ينظر إلى أفقههما، و أعلمهما بأحاديثنا، و أورعهما، فينفذ حكمه» (2). الحديث.

و مثلها أيضاً خبر موسى بن أكيل فيه أجاب المعصوم (عليه السلام) عن السؤال في صورة اختلاف الحكمين في الحكم:

«ينظر إلى أعدلهما، و أفقههما في دين الله، فيمضي حكمه» (3). الحديث.

و قد ذكروا وجهين لتقريب الاستدلال بالمقبولة:

الأوّل: أنّ صدر المقبولة دالّ على أنّ منشأ الاختلاف في الحكم إنّما هو الاختلاف»

____________

(1) وسائل الشيعة، ج 27، ص 106، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، ح 1.

(2) وسائل الشيعة، ج 27، ص 113، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، ح 20.

(3) وسائل الشيعة، ج 27، ص 123، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، ح 45.

174

في الأحاديث الواردة عنهم «، و كذا ذيلها الحاكم بملاحظة المرجّحات في الرواية، فهي صريحة في أنّ الشبهة التي اختلفا فيها كانت حكميّة لا بدّ من رفعها بمراجعة النصّ.

الثاني: أنّ الفتوى ملحقة بالحكم من جهة عدم القائل بالفرق بين الحكم و الفتوى، فيتمّ بالإجماع المركّب.

أقول: ينبغي التكلّم أوّلا: في فقه الحديث.

فنقول: لا سبيل إلى حمل مقبولة عمر بن حنظلة على باب القضاء؛ لفرض تعدّد القاضي فيها؛ و لاختيار كلّ واحد من المتخاصمين قاضياً.

فالقاضي في الإسلام لا يكون في مرافعة إلا واحداً، كما أنّه في الإسلام ليس تعيين القاضي بيد المتخاصمين معاً، بل هو حقّ المدّعى في الدرجة الأُولى، و لا سبيل إلى حملها على أخذ الفتوى؛ لظهور قوله: «فتحا كما إلى السلطان، أو إلى القضاة» في غير باب أخذ الفتوى.

فإنّ دأب أصحابنا (رضوان الله عليهم) في طلب الفتوى لم يكن بالرجوع إلى السلطان، بل كان الرجوع إلى المعصوم (عليه السلام)، أو إلى فقهاء صحابته. و إنّه ليس من وظائف المستفتي عند تعارض أقوال المفتين الرجوع إلى مرجّحات النصوص، سيّما مع عدم اقتدار كثير من المستفتين على ذلك.

على أنّه لا يجب على المستفتي عند اختلاف المفتين الرجوع إلى أصدق المفتين في الحديث أو أعدلهم أو أورعهم. فتعيّن حمل المقبولة على قاضي التحكيم الذي كان مختصّاً بزمان الحضور ظاهراً، و يشهد لذلك قوله (عليه السلام) في ذيلها: «فارجه حتّى تلقى إمامك» (1). و بهذا البيان ظهر الحال في الخبرين الآخرين.

و أنت بعد الإحاطة بما تلونا عليك يظهر لك النظر في أوّل الوجهين من تقريب الاستدلال بالمقبولة، فإنّه على فرض خلوّ هذا الوجه من الخلل يجب الرجوع عند اختلاف المفتين إلى الأصدق و الأعدل و الأورع، و لم يقل أحد بوجوب الرجوع‏

____________

(1) وسائل الشيعة، ج 27، ص 107، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، ح 1.

175

إلى الأصدق.

و هل قال أحد بوجوب الرجوع إلى الأعمل، أو الأورع؟ لا أذكره الان.

و يجب الرجوع أيضاً إلى بقيّة المرجّحات المذكورة في المقبولة عند فرض مساواة المفتين في الصفات المذكورة. و الحال أنّ ذلك ليس من وظائف المستفتي قطعاً. فالشبهة و إن فرضت كونها حكميّة، لكن إزالتها بهذه الكيفيّة ليست من وظائف المستفتين بالقطع و اليقين، و من هذا الكلام ظهر النظر في ثاني الوجهين.

و نزيدك تزييفاً له أنّ عدم القول بالفصل غير مفيد للاحتجاج، فإنّ المفيد له نفي الفصل، و هو غير ثابت في المقام، فإنّي لم أعثر على التصريح بنفي الفصل في كلام القدماء.

قال المدقّق الأصفهاني:

و الإجماع على الملازمة بين لزوم الرجوع إلى الأفضل و لزوم الترافع عنده غير مسلّم، و عهدته على مدّعيه.

و على فرض ثبوته لا دلالة للمقبولة على لزوم الترافع عند الأفضل حتّى يجب تقليده بالإجماع على الملازمة. (1) ثمّ إنّ التحقيق ثبوت انفراد القاضي عن المفتي في بعض الأحكام ثبوتاً قطعيّاً مثلًا: يجوز ترافع المجتهدين إلى ثالث و لا يجوز تقليد المجتهد عن غيره، و لا يجوز الحكم من مجتهد بخلاف حكم القاضي، و يجوز الإفتاء بخلاف فتوى المفتي.

و يمكن أن يقال: إنّ في القاضي ميزة تسبّب اشتراط بعض الصفات فيه، و هذه الميزة غير موجودة في المفتي، و هي أنّ مورد حكم القاضي هو حال الطغيان، و اشتداد الخصومة، و الشحناء، فالمترافعان كلّ يحارب الآخر، و كلّ منهما يبغض من يؤيّد منافسة بخلاف مورد الفتوى، فإنّه حال التسليم لأمر الله تعالى، و الانقياد إليه تعالى، فإنّ الاستفتاء لا يكون إلا عند ذلك.

____________

(1) وسائل الشيعة، ج 27، ص 107، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، ح 1.

176

فترجيح حكم أحد الحكمين على ما حكم به الآخر بمزايا و صفات غير مستلزم لترجيح فتوى أحد المفتين على فتوى المفتي الآخر؛ لأنّ فصل الخصومة و رفع التنازع إنّما يتحقّق بمزيّة واقعيّة لحاكم على مثله.

و لعلّه من هنا لم يحكم الإمام (عليه السلام) بالتخيير بعد فرض مساواة الحكمين في جميع الصفات؛ إذ النزاع و الخصومة غير ممكن الارتفاع بالتخيير بحسب العادة، بل قال (عليه السلام): «فارجه حتّى تلقى إمامك».

و أورد بعض الأساطين على الاستدلال بالمقبولة بضعف السند.

«إذ لم ينصّ الأصحاب على توثيق ابن حنظلة، كما لم ينصّوا بجرحه» (1).

أقول: بل المحقّق التستري في قاموس الرجال أثبت وثاقته حيث قال:

تدلّ على اعتبار خبر ابن حنظلة رواية الكافي عن يزيد بن خليفة عن أبي عبد الله (عليه السلام): أنّ عمر بن حنظلة أتانا عنك بوقت فقال (عليه السلام): «إذن لا يكذب علينا».

و رواية التهذيب عنه، قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): القنوت يوم الجمعة؟ فقال (عليه السلام): «أنت رسولي إليهم».

و رواية البصائر عنه، قلت لأبي جعفر (عليه السلام): أظنّ أنّ لي عندك منزلة؟

قال (عليه السلام): «أجل».

و رواية العوالم عن أعلام الديلمي عن كتاب الحسين بن سعيد:

أنّ أبا عبد الله (عليه السلام) قال له: «يا أبا صخر أنتم و الله على ديني، و دين آبائي».

و رواية الروضة عنه، قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام):

«لا تحملوا على شيعتنا، و ارفقوا بهم، فإنّ الناس، لا يحملون ما تحملون».

و قبول الأصحاب رواياته.

ثم قال دام ظلّه:

«و مستند خيار الرؤية «منحصر بروايته‏ (2)» انتهى كلامه.

____________

(1) دروس في فقه الشيعة، ج 1، ص 80.

(2) قاموس الرجال، ج 7، ص 183.

177

و قال العلامة التبريزي في تعليقته على الرسائل، و هي المسمّاة بأوثق الوسائل:

وصف المقبولة في البحار بالصحّة، و وصفها في الوافية بالموثّقة، و ليس في السند من يوجب القدح فيه إلا رجلان:

أحدهما: داود بن حصين، و قد وثّقه النجاشي، و قال: «كوفي ثقة» (1). و عن الشيخ محمّد بن صاحب المعالم أنّه إذا قال: «جش» ثقة، و لم يتعرّض لفساد المذهب، فظاهره أنّه عدل إمامي؛ لأنّ ديدنه التعرّض للفساد.

فعدمه ظاهر في عدم ظفره، و هو ظاهر في عدمه؛ لبعد وجوده مع عدم ظفره؛ لشدّة بذل جهده، و زيادة معرفته، و عليه جماعة من المحقّقين.

و قال الشيخ في رجاله في أصحاب الكاظم (عليه السلام): «إنّه واقفي».

فمن وصف الرواية بالصحّة نظر إلى توثيق النجاشي، و لا يعارضه قول الشيخ؛ لكون «جش» أثبت، و أضبط، كما قيل.

و من وصفها بالتوثيق جمع بين الوقف و الثقة، و إلى عدم ثبوت كون مراد «جش» هو التعديل، و إلى تقدّم الجرح على التعديل.

و ثانيهما: عمر بن حنظلة، و لم يذكره أصحاب الرجال بمدح و لا ذمّ، إلا الشهيد الثاني في شرح بداية الدراية حيث قال:

«إنّ عمر بن حنظلة، لم ينصّ الأصحاب عليه بجرح و لا تعديل، و لكن حقّق توثيقه من محلّ آخر».

و قال والده المحقّق الشيخ حسن: «فيه ما هو غير خفيّ على من راجع كتب الرجال».

و كيف كان فلا تأمّل في قبول الرواية، لقبول الأصحاب لها، مضافاً إلى رواية المشايخ الثلاثة في كتبهم. (2) انتهى.

أقول: إنّ قبول الأصحاب رواية رأو لم يوصف بجرح كالمعدّل له، و يقرّ به من حدّ

____________

(1) رجال النجاشي، ج 2، ص 367، الرقم 419.

(2) أوثق الوسائل في شرح الرسائل، ص 627.

178

الوسط إلى طرف الوثاقة.

و قد صرّحوا في باب العدالة بأنّ الشهادة الفعليّة بعدالة أحد تقوم مقام الشهادة القوليّة، مضافاً إلى أنّ الحديث صحيح في اصطلاح القدماء، فإنّ الوثوق بصدوره حاصل من رواية المشايخ الثلاثة، و من اشتهاره بين الأصحاب، و من تلقّيهم له بالقبول، و من عملهم به في باب التعارض. و ممّا نقلناه من أئمّة علم الرجال.

رابعها: ما عن أمير المؤمنين (عليه السلام) في عهده للأشتر: «اختر للحكم أفضل رعيّتك»

(1). بناءً على شمول الحكم للإفتاء، مضافاً إلى ما ورد من الذمّ على من يتصدّى للقضاء و في المصر من هو أفضل منه.

و فيه أنّ نصب القاضي في الإسلام بيد الحكومة بخلاف تعيين المفتي، فإنّه ليس للحاكم تعيينه، بل تعيينه باختيار المستفتي، و قد عرفت أنّ إجراء كلّ وصف معتبر في القاضي على المفتي لا دليل عليه، بل الدليل على خلافه.

فالأفضليّة في مقام الحكومة، و فصل الخصومة و هي مؤثّرة في حسم مادّة النزاع غير مستلزمة للقول باشتراطها في مقام الفتوى، مع أنّه إذا لم يقبل الأفضل منصب القضاء فعندئذ يجوز للأمير نصب غيره، و لا أظنّ القائل بوجوب تقليد الأعلم أن يلتزم بأنّ الشرط في وجوب تقليد الأعلم هو رضائه الأعلم بذلك.

ثمّ إنّ احتمال كون الأمر في قوله (عليه السلام): «و اختر» للإرشاد غير بعيد، بل هو قوي؛ إذ سياق العهد يشهد بإرشاديّة الأوامر فيه.

و لا يعدّ خافياً على أحد أنّ المراد من الأفضل في هذا العهد المبارك ليس هو الأعلم، كما توهّمه المستدلّ، فإنّ الأمير (عليه السلام) قد بيّن المقصود من الأفضل عقيب هذه الجملة، و كأنّ المستدلّ لم يره، و إليك كلامه (عليه السلام):

«ثمّ اختر للحكم بين الناس أفضل رعيّتك في نفسك ممّن لا تضيق به الأُمور،

____________

(1) وسائل الشيعة، ج 27، ص 159، الباب 12 من أبواب صفات القاضي، ح 18.

179

و لا تمحّكه الخصوم، و لا يتمادى في الزلّة، و لا يحصر من الفي‏ء إلى الحقّ إذا عرفه، و لا تشرف نفسه على الطمع، و لا يكتفي بأدنى فهم دون أقصاه، و أوقفهم في الشبهات، و أخذهم بالحجج، و أقلّهم تبرّماً بمراجعة الخصم، و أصبرهم على تكشّف الأُمور، و أصرمهم عند اتّضاح الحكم ممّن لا يزدهيه إطراء، و لا يستميله إغراء» (1).

و من هذا الكلام ظهر النظر في صحّة الاستدلال بما ورد من الذمّ على من يتصدّى للقضاء، و في المصر من هو أفضل منه، مع أنّ الذمّ غير دالّ على حرمة التصدّي، كما لا يدلّ على وجوب التصدّي للأفضل.

ثمّ إن كان المراد من المصر جميع الأقطار الإسلاميّة فلم يقل أحد بذلك في القاضي، بل هو خلاف سيرة المتشرّعة القطعيّة.

و إن كان المراد نفس البلد الذي يسكنه الأفضل فالدليل غير دالّ على المدّعى؛ لأنّ المقصود إثبات وجوب الرجوع إلى الأفضل في جميع الأقطار.

أضف إلى ذلك أنّه يمكن أن يجعل ذلك دليلًا على جواز تقليد المفضول؛ إذا كان في المصر من هو أفضل منه، فإنّ عدم ورود ما يشبه ذلك حول المفتي، و عدم وصول ذمّ على من يتصدّى للإفتاء، و في المصر من هو أفضل منه.

و كذا عدم ورود ذمّ على المستفتي عن مفت يكون في المصر من هو أفضل منه، و ورود مثل هذا الذمّ حول القضاء و القاضي يكشف عن عدم اعتبار الأفضليّة في المفتي عندهم عليهم صلوات الله تعالى.

خامسها: أنّ قول الأفضل أقرب إلى الواقع‏

؛ إذ المقصود هو الوصول إليه. أمّا كونه أقرب إلى الواقع فلاطّلاعه على مزايا و خصوصيات يجهلها الآخر، فيكون احتمال الخطإ فيه أقلّ بالقياس إلى المفضول. و أمّا الثاني فلمنع التصويب.

و فيها أوّلًا: أنّها على فرض تسليم خلوّها من الخلل تقتضي وجوب الرجوع إلى أحوط القولين في كلّ مسألة.

____________

(1) وسائل الشيعة، ج 27، ص 159، الباب 12 من أبواب صفات القاضي، ح 18.

180

و ثانياً: أنّ أفضليّة مفت غير ملازمة لأقربيّة رأيه إلى الواقع، فإنّ الاطّلاع على مزايا و خصوصيّات قد يبعّد العالم بها عن الواقع من جهة تطرّق كثرة الاحتمالات في ذهنه و غير ذلك، فالخطأ في الرأي في الأفضل قد لا يكون أقلّ من الخطإ في رأي غيره. و لعلّه لذلك قال المحقّق القمّي: «من شرائط الاجتهاد أن لا يكون المجتهد جربزيّاً».

م رأي الأفضل أوثق من حيث الاحتجاج، فيدخل في الحجّة الاتية، و إن خلط المدقّق الأصفهاني بين الحجّتين‏ (1).

سادسها: أنّ الثقة بقول الأفضل أشدّ

، و قد عرفت احتجاج السيّد بهذه الحجّة في الذريعة (2)، و تبعه في ذلك جمع، كما ظهر من كلام صاحب المعالم. (3) و يرد عليها بمنع الصغرى، فإنّ شدّة الوثوق برأيه قد تنتفي، كما إذا كان رأي المفضول موافقاً لرأي من هو أفضل منه من علماء الأموات، و كما إذا كان رأيه موافقاً لرأي المشهور، أو للاحتياط، أو لرأي جمع من المفضولين الأحياء، سيّما إذا كان الأفضل متفرّداً في عصره بهذا الرأي.

فإن قلت: إنّ فتوى الأفضل أوثق بحسب نفسه.

قلت: إنّ العقل لا يرى تفاوتاً في حجّيّة الوثوق بين كونه حاصلًا من نفس الطريق، أو بأمر خارج عنه محفوفاً به، و لذا لم يفرّق بين المرجّحات الداخليّة و الخارجيّة.

قال المدقّق الأصفهاني في رسالته في الاجتهاد و التقليد:

إنّ الفتوى إذا كانت حجّة شرعاً أو عقلًا لأجل إفادة الظنّ، و إنّها أقرب إلى الواقع من غيرها فلا محالة ليس لأجل مطلق الظنّ بحكم الله تعالى، و لذا لا يجوز للعامّي العمل بظنّه، بل لأجل أنّه خصوص ظنّ حاصل من فتوى من يستند إلى الحجّة القاطعة للعذر، فالحجّة شرعاً أو عقلًا هو الظنّ الحاصل من الفتوى، لا الظنّ بما أفتى به المجتهد،

____________

(1) بحوث في الأُصول، الاجتهاد و التقليد، ص 52.

(2) الذريعة إلى أُصول الشريعة، ج 2، ص 801.

(3) معالم الدين في الأُصول، ص 241240.

181

و إن لم يحصل من فتوى المجتهد، و عليه فالفرق بين الأقربيّة الداخليّة و الخارجيّة في كمال المتانة. (1) و فيه أنّ المرجّحات المذكورة كلّها داخليّة، و ليست بخارجيّة، فإنّ المفروض أنّ الظنّ الحاصل منها ظنّ حاصل من فتوى من المستند إلى الحجّة القاطعة للعذر، و ليس بظنّ حاصل من غيره.

و أمّا اشتراط حصول الظنّ من المرجّح أن يكون من نفس فتوى ذلك المفتي، فهو دعوى بلا دليل، بل العقل مخطّئ لها.

ثمّ قال طاب ثراه:

أنّ مطابقة فتوى المفضول لفتوى جملة من الأحياء لا تفيد ظنّاً أقوى؛ إذ المطابقة لتوافق مداركهم، و تقارب أفهامهم، و أنظارهم، فالمدرك واحد، و الأنظار المتعدّدة في قوّة نظر واحد.

و لا يكشف توافق آرائهم على الاستنباط من مدرك واحد، أو مدارك متفرّقة عن أقوائيّة مدركهم من مدرك فتوى الأفضل، و إلا لزم الخلف. لفرض أقوائيّة نظر الأفضل من غيره في مرحلة الاستنباط بجميع جهاته. (2) و فيه أنّ قوله: «إنّ مطابقة فتوى المفضول» إلخ غير صحيح لإفادة ذلك ظنّاً أقوى، و لو كان من جهة توافق مداركهم، و تقارب أفهامهم، و أنظارهم؛ لأنّ احتمال الخطإ في رأي جملة من الخبراء اتّفقوا عليه أضعف بحسب العادة من احتماله في رأي من هو أفضل منهم، إذا تفرّد برأي.

فقوله: «الأنظار المتعدّدة في قوّة نظر واحد» غير سليم، و هذا حكم العقل، و هو غير موقوف على كون مدرك رأيهم أقوى من مدرك رأي الأفضل.

و أمّا احتمال عثور الأفضل على دليل لم يعثر عليه المفضول فهو مندفع بمثله في‏

____________

(1) بحوث في الأُصول، الاجتهاد و التقليد، ص 53؛ نهاية الدراية، ج 6، ص 412.

(2) نهاية الدراية، ج 6، ص 412.

182

صورة تعدّد المفضولين؛ لطروء هذا الاحتمال فيهم أيضاً.

و يرد عليها بمنع الكبرى؛ إذ كون الأوثقيّة عند العقل مقتضياً لوجوب الرجوع إلى الأوثق، و لترك الموثوق به أوّل الكلام، فهو دعوى تحتاج إلى دليل.

و بعبارة أُخرى: العقل حاكم بطرد اللاحجّة، و وجوب الأخذ بالحجّة إذا دار الأمر بينهما، و أمّا حكمه إلزاماً بطرد الحجّة بأقوى حجّيّة عند الدوران بينهما فهو غير ثابت. نعم هو يرى الترجيح، لكنّه بنحو اللزوم غير معلوم.

سابعها: إنّ المراد من الأعلم من هو أكثر إحاطة بالمدارك الشرعيّة و العقليّة للأحكام‏

، فيكون أقوى نظراً في تحصيل الحكم من مداركه، فتكون النسبة بينه و بين العالم نسبة العالم إلى الجاهل من جهة غفلة العالم عن الإحاطة ببعض الجهات التي أحاط بها الأعلم.

و يرد عليها أوّلا: أنّ العقلاء لا يعترفون بوحدة النسبة التي تكون بين العالم و الجاهل مع النسبة التي تكون بين الأفضل و الفاضل، فإنّ سيرتهم قائمة على الرجوع إلى العالم في قبال الجاهل، و لا يعتدّون بقول الجاهل أصلًا، و ليست سيرتهم بالرجوع إلى الأفضل، و طرد قول الفاضل مطلقاً.

و ثانياً: أنّ الحكم على عالم بأنّه جاهل، و على موجود بأنّه معدوم، و على حجّة بأنّها لا حجّة يحتاج إلى تنزيل من جانب الشرع، و دليل تعبّدي في المقام، فكيف يعطى المتلبّس بالمبدإ حكم من لم يتلبّس به أصلًا؟! أم كيف يصحّ سلب العناوين الواردة في النصوص عنه بمجرّد اختلاف رأيه مع رأي من هو أفضل منه. و هل ذلك صار سبباً لخروجه عن تحت عنوان العارف أو الفقيه أو الراوي، أو من يعلم شيئاً من قضايانا؟

و ثالثاً: أنّ قول المفضول حجّة عقلًا و شرعاً عند عدم المعارضة، بخلاف قول الجاهل، فإنّه لا حجّيّة فيه أصلًا، بل لا يصلح قوله للاتّصاف بالحجّيّة عند الشرع، و عند العقل، فقياس قول المفضول بقول الجاهل قياس مع الفارق.

و هل يصحّ الحكم على الجميل بأنّه قبيح عند وجود الأجمل؟! إنّ لازم هذا الكلام‏

183

عدم جواز تقليد المفضول مطلقاً حتّى في صورة مطابقة رأيه لرأي الأفضل، و بالجملة إعطاء الحجّتين المتعارضتين حكم تعارض الحجّة و اللاحجّة، كما ترى.

و رابعاً: ما أورد عليه بعض الأساطين ب:

أنّه يمكن أن يكون ملاك الحجّيّة هو الإحاطة بمقدار من الجهات الموجب لصدق عنوان الفقيه و المجتهد و العالم، فجواز تقليد العالم إنّما هو باعتبار إحاطته بهذا المقدار و إن كان جاهلًا بالمقدار الزائد الملغى اعتباره في ملاك الحجّيّة، فإنّ عنوان العالم و الجاهل من الأُمور الإضافيّة. (1) و خامساً: أنّ لازم هذا الكلام صدق العناوين الواردة في النصوص في صورة موافقة رأيه لرأي الأفضل، و عدم صدقها عليه في صورة مخالفة رأيه.

ثامنها: أنّ العدول عن الأفضل إلى المفضول عدول عن أقوى الأمارتين إلى أضعفهما

، و هو غير جائز.

و يرد عليها أوّلًا: أنّ هذه مصادرة في القول، فإنّ قول الأفضل يكون أقوى الأمارتين شرعاً أوّل المرحلة، و كذا عدم جواز العدول مطلقاً عن أقوى الأمارتين أوّل المرحلة.

و ثانياً: أنّ هذه الحجّة عبارة أُخرى عن خامس الحجج، أو سادسها، و قد عرفت الكلام فيهما.

هذا تمام الكلام في الأدلّة التي استدلّ بها، أو يمكن الاستدلال بها على وجوب تقليد الأعلم، و قد عرفت ما في جميعها من الإشكال.

حجج القول بالتخيير

إنّ ما يمكن أن يحتجّ به للقول بجواز تقليد المفضول عند مخالفة رأيه لرأي الأفضل أُمور:

الحجّة الأُولى: عموم قوله (عليه السلام): «فاصمدا في دينكما على كلّ مسنّ في حبّنا

،

____________

(1) دروس في فقه الشيعة، ج 1، ص 82.

184

و كلّ كثير القدم في أمرنا، فإنّهما كافوكما إن شاء الله».

و بيان الاستدلال به: أنّ المقصود من الكلّيّتين شخص واحد و هو الفقيه، فإنّ الفقاهة كما تحصل لكثير السنّ في حبّهم كذلك تحصل لكثير القدم في أمرهم و إن لم يكن مسنّاً.

و من المعلوم: أنّ العموم الاستغراقي كما يدلّ على التخيير بين المتّفقين في الفتوى كذلك يدلّ على التخيير بين المختلفين في الفتوى، و كما يدلّ على التخيير بين المتساوين في الفضل كذلك يدلّ على المتفاضلين في العلم، سيّما إذا علمنا قلّة وجود المتساوين من جميع الجهات بحسب العادة.

و أمّا سند الحديث فقد قال المحقّق التستري في القاموس:

إنّ الحديث رواه الكشّي في ديباجة كتابه في مقام مدح الرواة، و الخبر ليس بضعيف بمعنى بعض رواته مطعوناً فيه، و إنّما بعضهم مهمل، و هو كالممدوح في الحجّيّة كما حقّقناه في المقدّمة! (1) أقول: ذكر الكشّي هذا الحديث في مقدّمة كتابه و هو كتاب وضعه للبحث عن الصحّة و الضعف في أسناد الأخبار، و عن مدح راوٍ و ذمّه كاشف عن وثوقه بصدوره و صحّته عنده، (2) فإنّه من البعيد الاحتجاج بحديث غير موثوق الصدور في مقدّمة مثل هذا الكتاب، كما أنّ سكوت الشيخ في اختياره عن التصريح بضعفه يدلّ على ذلك.

الحجّة الثانية: إطلاقات أدلّة التقليد اللفظيّة

. و أورد عليها في الكفاية بوجهين: الوجه الأوّل: ما أشار إليه بقوله: «بعد الغضّ عن نهوضها على مشروعيّة أصله». (3) و بيان كلامه حسبما قرّره بعض أساطين المدقّقين من تلامذته في تعليقته القيّمة:

____________

(1) قاموس الرجال، ج 2، ص 564، الرقم 1361.

(2) رجال الكشي، الديباجة، ص 4، الرقم 7.

(3) كفاية الأُصول، ج 2، ص 439.

185

أنّ مورد الإطلاق هو الرواية دون الفتوى حتّى أنّ الرواية الموجودة فيها مادّة الإفتاء و الاستفتاء غير ظاهرة في الفتوى المصطلح عليها المتقوّمة بإعمال الرأي و النظر.

مع أنّ الإفتاء في الصدر الأوّل في مقام نشر الأحكام كان بنقل الروايات؛ لا بإظهار الرأي و النظر بجعل الرواية المحكيّة مستنداً لرأيه، و عليه فالإطلاقات غير متكفّلة لحال الفتوى حتّى يتمسّك بإطلاقها. (1) و فيه، أنّ دعوى اختصاص دلالة النصوص بالروايات عجيبة! فإنّ ما دلّ منها على النهي عن الفتوى بغير علم، أو على النهي عن الفتوى بالرأي، أو بالقياس صريح في الفتوى الاصطلاحي.

و كذا قول أبي جعفر (عليه السلام) لأبان: «اجلس في مسجد المدينة، و أفت الناس، فإنّي أُحبّ أن يرى في شيعتي مثلك». (2) ظاهر في الفتوى المصطلح، و إلا فإن كان مقصود المعصوم (عليه السلام) التحديث لكان قائلًا له: اجلس في مسجد المدينة و حدّث عنّا، كما أنّ ظاهر قوله (عليه السلام) في صحيحة الحذّاء: «و لحقه وزر من عمل بفتياه». (3) و قوله (عليه السلام) في مرفوعة إبراهيم بن هاشم: «لم أفتوك بثمانية عشر يوماً»؟ (4) هو الفتوى بالمعنى المصطلح المخالف للتحديث، فمادّة الإفتاء و الاستفتاء في أمثال هذه النصوص ظاهرة في الفتوى المصطلح عليه.

و أمّا كون الإفتاء عند قدماء الأصحاب بلسان نقل الرواية فلا ينافي شمول الإطلاق للفتوى؛ لأنّ بيان الفتوى كما يكون بذكر نفس الحكم كذلك يكون بذكر مستنده إتقاناً في الجواب، و إشارة إلى أنّ دليل الفتوى هو النصّ، لا الرأي أو القياس و نحو ذلك.

و قد اعترف صاحب الكفاية في ابتداء البحث عن التقليد «بدلالة بعض الأخبار

____________

(1) نهاية الدراية، ج 6، ص 408.

(2) وسائل الشيعة، ج 30، ص 291، باب الهمزة أحوال الرجال.

(3) وسائل الشيعة، ج 27، ص 20، الباب 4 من أبواب صفات القاضي، ح 1.

(4) وسائل الشيعة، ج 2، ص 384 385، الباب 3 من أبواب النفاس، ح 7.

186

عليه بالمطابقة، أو بالملازمة» (1) أضف إلى ذلك، أنّ وقوع الفتوى في بعض النصوص في قبال الحديث، كقوله (عليه السلام): «خذوا ما رووا، و ذروا ما رأوا». دليل على أنّ كلا الأمرين كانا معمولين، و متداولين بين الأصحاب في عصر الحضور.

الوجه الثاني: ما صرّح بقوله: «إنّ الإطلاقات إنّما تكون بصدد بيان أصل جواز الأخذ بقول العالم، لا في كلّ حال من غير تعرّض أصلًا لصورة معارضته بقول الفاضل». (2) أقول: تقرير كلامه الموجز أنّه يعتبر في الإطلاق كون المتكلّم في مقام بيان تمام المراد، و لا يكون في مقام أصل التشريع حتّى يكون كلامه مهملًا، و مجملًا، لا إطلاق فيه.

و ذلك هو الحال في الأخبار الدالّة على التقليد، فإنّ المتكلّم فيها في مقام أصل تشريع التقليد في الشرع، و ليس في مقام بيان جميع أحكام التقليد حتّى يكون عدم ذكره قيداً يدلّ على عدم اعتبار ذلك القيد.

فلا إطلاق فيها حتّى يكون شاملًا لصورة تعارض آراء المفتين، و يكون الإطلاق دليلًا على عدم اعتبار الأفضليّة في المفتي عند التعارض.

و يرد عليه أوّلًا: أنّه إذا لم يكن إطلاق لقوله (عليه السلام): «فارجعوا إلى رواة أحاديثنا، فإنّهم حجّتي عليكم» فيجب أن لا يكون لقوله (عليه السلام): «و أنا حجّة الله» إطلاق. أ فترى أنّه (قده) و من يقول بقوله يلتزم بذلك؟! و ثانياً: إن تمّت دعوى عدم الإطلاق لأخبار التقليد فيجب أن لا تدلّ على التخيير بين المتّفقين في الفتوى، و كذا بين المتساوين في الفضل.

و قد عرفت هناك تماميّة دلالتها على التخيير بين المتساوين المختلفين في الفتوى، فضلًا عن المتّفقين فيها.

____________

(1) كفاية الأُصول، ج 2، ص 436.

(2) كفاية الأُصول، ج 2، ص 436.

187

و عرفت أيضاً، أنّ دلالة النصوص على التخيير من حاقّ دلالتها، و إنّ شمول النصوص لجميع المجتهدين إنّما يكون بالإطلاق.

و ثالثاً: أنّ الأسئلة الواردة في النصوص، مثل سؤال أحمد بن إسحاق: من أعامل؟ أو عمّن أخذ؟ و قول من أقبل؟ و نحوه تدلّ على أنّ أصل جواز التقليد، و مشروعيّته كان أمراً مفروغاً منه بين السائل و المجيب، فالسؤال إنّما وقع لطلب معرفة من يرجع إليه.

مضافاً إلى ذلك، أنّ بعض الأقوال الابتدائيّة الصادرة عنهم «يدلّ على أنّ مشروعيّة التقليد و جوازه كان أمراً قد قضى، و إنّما المعصوم في مقام تعريف من يجب الرجوع إليه في التقليد.

و إليك قول أبي الحسن الهادي (عليه السلام): «إذا أشكل إليك شي‏ء من أمر دينك بناحيتك فاسأل عنه عبد العظيم بن عبد الله الحسني، و أقرئه منّي السلام». (1) و مثل ذلك بقيّة ما ورد في هذا الباب.

فتبيّن صحّة الاحتجاج بترك الاستفصال الوارد في النصوص، و بالإطلاقات الواردة فيها، و لعلّه لذلك قال المدقّق الأصفهاني في تعليقته على الكفاية:

إنّ شمول هذه الأخبار لصورة التفاوت، و الاختلاف في الفتوى ممّا لا وجه لإنكاره؛ لكثرة التفاوت في الفضيلة، و شيوع الاختلاف في الفتوى، بل لا بدّ من القول بشمولها لصورة الاختلاف، و إلا لم يكن دليل على حجّيّة شي‏ء من المتعارضين. (2) و نحن نقول تأييداً لكلامه (قده):

إنّ أسئلة الرواة في باب الأخبار العلاجيّة عن حكم الخبرين المتعارضين كاشفة عن شمول دليل حجّيّة الخبر بإطلاقه للمتعارضين، فإنّه لو لم يكن شاملًا لهما لم يكن محلّا لهذه الأسئلة، فإنّ المفروض عدم حجّيّتهما.

و لو فرض عدم شمول أدلّة التقليد اللفظيّة لصورة اختلاف المجتهدين في الفتوى‏

____________

(1) مستدرك وسائل الشيعة، ح 17، ص 321، أبواب صفات القاضي، ح 32.

(2) نهاية الدراية، ج 6، ص 406.

188

فلا سبيل لدعوى إحراز قيام السنّة اللفظيّة على جواز التقليد؛ لندرة وجود مجتهدين متّفقين في الفتيا في جميع المسائل المبتلى بها. نعم، إنّ لدعوى عدم الإطلاق فيما دلّ على جواز التقليد بالمفهوم، ثمّ إنّه استدلّ بعضهم لجواز تقليد المفضول عند وجود الأفضل بإطلاق آيتي النفر و السؤال، بتقريب أنّ حملهما على صورة تساوي النافرين في الفضيلة حمل على فرد نادر.

و أورد عليه في المستمسك:

أنّ ندرة تساوى النافرين و المسؤولين مسلّمة، لكنّها غير كافية، إلا مع ندرة الاتّفاق في الفتوى و هي ممنوعة.

ثمّ قال دام بقاؤه:

بل ما لم يحرز الاختلاف لا تصلح الآيتان دليلًا على جواز الرجوع إلى غير الأعلم. (1) أقول: إنّ ندرة الاتّفاق في الفتوى مسلّمة أيضاً؛ فإنّ وجود مجتهدين متّفقين في الفتوى في جميع المسائل المبتلى بها في زمان واحد بعيد جدّاً، بل لو وقع ذلك لكان اجتهاد أحدهما مورداً لسوء الظنّ، و محلًا للتعجّب.

كيف و كلّ نفس مختلفة عن الأُخرى في قوى الفهم و الحافظة و سرعة الانتقال و بطئه، و سرعة حصول الوثوق و بطئه.

و كذا استحضار النظائر، و الذوق العرفي، و أحوال الاستنباط مختلفة في النفوس. مع أنّ وجود الاختلاف في الفتوى في الجملة بين النافرين، و المسؤولين كاف لإثبات المطلوب، و ذلك ممّا لا يجوز نفيه بحسب العادة. هذا بالنسبة إلى مجتهدين معاصرين فضلًا عن مجتهدين غير معاصرين.

و أمّا قوله دام ظلّه: «ما لم يحرز الاختلاف لا تصلح الآيتان دليلًا» إلخ فلا يخلو من خفاء؛ فإنّ إحراز الاختلاف في الفتوى بين فقهاء أصحاب الأئمّة المعصومين «سهل يسير، فإنّ كثيراً ما وقع الاختلاف في الفتوى بينهم في مسائل حتّى اشتهرت عدّة منهم‏

____________

(1) المستمسك، ج 1، ص 27.

189

بفتاوٍ خاصّة، و قد مرّت الإشارة إلى ذلك قبلًا.

و نزيدك هنا: أنّ الدليل المحرز كثرة وقوع الاختلاف في الفتوى بينهم، و أنّ النسبة بين الفروع التي كان حكمها مشهوراً عند قدماء الأصحاب، أو محلّا لإجماعهم؛ و الفروع التي لم يكن حكمها كذلك نسبة الآحاد إلى العشرات، بل إلى المئات.

فراجع نهاية الشيخ، و مراسم سلار، و الكافي لأبي الصلاح، و مقنعة المفيد، و مهذّب ابن البرّاج، حتّى ترى صحّة ما قلناه، بل نظرة إجماليّة إلى كتاب مختلف الشيعة للعِمة الحلّي تثبت ما ذكرناه.

تنبيه: قال المدقّق الأصفهاني في تقريب الاستدلال بإطلاقات الباب:

إنّ شمولها لصورة التفاوت في الفضيلة، و الاختلاف في الفتوى ممّا لا ينبغي إنكاره؛ لكثرة الاختلاف في الفتوى، و وضوح التفاوت بين العلماء، و إلا لم يكن دليل على حجّيّة أحد المتعارضين، سواء كانا متفاوتين في الفضل أم لا، و شمولها لصورة التعارض إنّما يستلزم محذوراً إذا كانت حجّيّة كلّ منهما تعيينيّة فعليّة، لا تخييريّة، و لو بحكم العقل. و مفاد الأدلة و إن كانت حجّيّة كلّ فتوى تعييناً لا تخييراً. إلا أنّ المعارضة و عدم إمكان الامتثال يمنع عن فعليّة حجّيّتها التعيينيّة لا التخييريّة. (1) أقول: هذا الكلام قد نشأ من قياس دليل حجّيّة الفتوى بدليل حجّيّة الخبر، و لذا قال: «إنّ التخيير في صورة المعارضة جاء من ناحية أمر خارج من دلالة نصوص الحجّيّة» و هو حكم العقل؛ بناء على حجّيّة الطرق من باب الموضوعيّة؛ لدخولها في باب التزاحم، أو النصوص العلاجيّة؛ بناء على حجّيّة الطرق من باب الطريقيّة؛ فإنّ مقتضى حكم العقل سقوط المتعارضين عن الحجّيّة.

لكنّ التحقيق خلاف ذلك؛ فإنّ لسان دليل حجّيّة الفتوى مغاير للسان دليل حجّيّة الخبر؛ إنّ دليل حجّيّة الفتوى بنفسه دالّ على التخيير بين المفتين إذا تعدّدوا.

فانظر إلى أية الذكر الحاكمة بوجوب السؤال عن أهل الذكر لدى الجهل، فإنّ‏

____________

(1) نهاية الدراية، ج 6، ص 407.

190

المتبادر منها أنّ الجاهل مختار في السؤال من أي واحد من أهل الذكر إذا كانوا متعدّدين، فالآية بنفسها دالّة على التخيير.

ثمّ انظر إلى نصوص الباب تجد صدق ما قلناه، فقوله (عليه السلام): «فارجعوا إلى رواة أحاديثنا» ظاهر في أنّ من قصد الرجوع له الخيار في تعيين المرجع، و كذا سائر النصوص، فظهر الفساد في قوله (قده): «و مفاد الأدلّة و إن كانت حجّيّة كلّ فتى تعييناً».

لما عرفت من أنّ مفادها حجّيّة كلّ فتوى تخييراً و إنّ توهّم التعيين قد نشأ من قياس حجّيّة الفتوى بحجّيّة الخبر و توهّم اتّحاد لساني دليلي الحجّيّة. و كلّ واحد من التوهّمين باطل؛ فإنّ الخبر حجّة إلزاميّة، و الفتوى حجّة إرشاديّة، و أين إحداهما عن الأُخرى؟

و إن شئت التفصيل فاصغ لما نتلو عليك:

إنّ الحجّة عبارة عمّا يصحّ الاحتجاج بها عند العقلاء في مقام الجواب عن السؤال ب «لماذا».

فإذا قيل: لماذا اتّخذت هذا الرأي؟ و لماذا لم تتّخذ هذا الرأي؟ يسمّى الجواب المقنع لكلّ واحد من السؤالين بالحجّة.

و إذا قيل: لماذا فعلت؟ أو لماذا لم تفعل؟ فالجواب المقنع ما يصدّقه العقل، و هو الذي يسمّى بالحجّة.

ثمّ إنّ الحجّة تنقسم إلى عقليّة و شرعيّة: الحجّيّة العقليّة هي التي يصحّ التعويل عليها عن كلّ سؤال ب «لماذا» فهي الحجّة العامّة. و الحجّة الشرعيّة هي التي يصحّ الاحتجاج بها في الأُمور الشرعيّة.

و بعبارة أُخرى: ما يصحّ تعويل الفقيه عليها في فتياه، و ما يصحّ التعويل عليها في العمل بالأحكام الشرعيّة هي حجّة شرعيّة، فهي حجّة خاصّة، فإنّ كلّ حجّة شرعيّة عقليّة أيضاً. فإنّ الحاكم بصحّة الحجّة هو العقل دون سواه.

و تنقسم الحجّة إلى حجّة إلزاميّة، و إلى حجّة إرشاديّة: فالحجّة الإلزاميّة ما يجب‏

191

عند العقل التعويل عليه، و الإلزام ممّا يقتضيه نفس الحجّة، و الحجّة الإرشاديّة ما يجوز التعويل عليه، و الإرشاد من خواصّها. و يجمع الحجّتين ما يصحّ التعويل عليه عند العقل.

فالحجج الإلزاميّة العقليّة كالبراهين الدالّة على المبدإ، و على المعاد، و على التوحيد، و على النبوّة و نحو ذلك.

و الحجج الإرشاديّة العقليّة كإخبار العالم، و رأي المتخصّص، و قول الخبير. و الحجّة الإرشادية تصير إلزاميّة عند الرجوع إليها و التعويل عليها.

ثمّ إنّ الحجج الإلزاميّة الشرعيّة كالأنبياء و أوصيائهم، فإنّهم حجج الله على العباد، فيجب الأخذ بأقوالهم و أفعالهم، و لذا قال (عليه السلام): «أمّا ما رواه زرارة عن أبي جعفر فلا يجوز لي ردّه» (1) و قال (عليه السلام): لا عذر لأحد من موالينا في التشكيك فيما يؤدّيه عنّا ثقاتنا قد عرفوا بأنّا نفاوضهم سرّنا، و نحمّلهم إيّاه إليهم، و عرّفنا ما يكون من ذلك إن شاء الله» (2).

و لمّا كانت حجّيّة خبر الثّقة إلزاميّة وقع من يعوّل عليه في المشكلة عند تعارض الخبرين، فإنّ التعويل على المتعارضين ليس بجائز عند العقل، و لذا وقع السؤال عن حلّها عن المعصوم (عليه السلام)، فتفضّل (عليه السلام) بالجواب.

و الحجّة الإرشادية الشرعيّة و هي التي يجوز التعويل عليها في الشرع. هي: الفقهاء، و أهل الذكر، و رواة الأحاديث، و الناظرون في الحلال و الحرام. فيجوز الأخذ بآرائهم و أقوالهم و فتاواهم.

فإذا أخذ برأي فقيه، أو رجع إلى قول مجتهد تصير حجّة إلزاميّة له. و إذا رجع عنه إلى آخر يصير قول من رجع إليه حجّة إلزاميّة، و يعود قول من رجع عنه إلى حجّة إرشاديّة.

____________

(1) وسائل الشيعة، ج 27، ص 143، الباب 11 من أبواب صفات القاضي، ح 17.

(2) وسائل الشيعة، ج 27، ص 149، الباب 11 من أبواب صفات القاضي، ح 40.

192

و من المعلوم: عدم وقوع المعارضة بين الحجج الإرشاديّة؛ لعدم وجوب الأخذ بكلّ منها، و لذلك لم يقع سؤال عن المعصوم (عليه السلام) عن حكم اختلاف فقيهين في الفتوى مع كثرة اختلاف فقهائنا في الفتيا، كما مرّ.

عود إلى ذكر حجج القول بالتخيير في تقليد الأعلم.

الحجّة الثالثة: ما رواه الكشّي بسنده عن جميل بن درّاج‏

، قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول:

«بَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ‏ بالجنّة: بريد بن معاوية العجلي، و أبا بصير ليث بن البختري المرادي، و محمّد بن مسلم، و زرارة، أربعة نجباء، أمناء الله على حلاله و حرامه، لولا هؤلاء انقطعت آثار النبوّة و اندرست» (1).

و ما رواه بسنده عن سليمان بن خالد، قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: «ما أجد أحداً أحيا ذكرنا و أحاديث أبي إلا زرارة، و أبا بصير ليث المرادي، و محمّد بن مسلم، و بريد بن معاوية العجلي، و لو لا هؤلاء ما كان أحد يستنبط، هؤلاء حفّاظ الدين، و أمناء أبي على حلال الله و حرامه، و هم السابقون إلينا في الدنيا و الآخرة» (2).

و تقريب الاستدلال بهما: أنّ ظاهر قوله (عليه السلام): «هؤلاء حفّاظ الدين، و أمناء أبي على حلال الله و حرامه». هو الإرجاع إلى كلّ واحد من الأربعة على سبيل التخيير، و من المعلوم بعد تساوي العلماء الأربعة في الفضيلة، بل ربّما يكون من المستحيلات العاديّة.

و إنّ إطلاق قوله (عليه السلام) متناول لصورتي اتّفاق هؤلاء الأربعة في الفتيا، و اختلافهم فيها، بل اتّفاقهم في جميع الفتاوى في جميع المسائل ممّا لا يقبله فاضل، و لعلّه مناف لاجتهاد كلّ واحد منهم الذي به صرّح النصّ.

و لا يخفى ما في قوله (عليه السلام): «ما كان أحد يستنبط» من الدلالة على الاجتهاد. و من‏

____________

(1) وسائل الشيعة، ج 27، ص 142، الباب 11 من أبواب صفات القاضي، ح 14.

(2) وسائل الشيعة، ج 27، ص 144، الباب 11 من أبواب صفات القاضي، ح 21.

193

الباب قوله (عليه السلام): «العمري و ابنه ثقتان» إلخ. فاحتمال أفضليّة الأب قوي جدّاً.

الحجّة الرابعة: عموم التعليلات الواردة في النصوص‏

عند الإرجاعات العموميّة العامّة، أو الخاصّة بالنسبة إلى فضلاء صحابتهم كقوله (عليه السلام): «فإنّه الثقة المأمون» و قوله (عليه السلام): «فإنّه سمع أبي و كان عنده مرضيّاً وجيهاً» و قوله (عليه السلام): «فإنّهم حجّتي عليكم».

الحجّة الخامسة: ديدن الأئمّة المعصومين «كان إرجاع الشيعة في كلّ ناحية إلى الفقيه الذي كان قريباً منهم‏

، و يشهد لذلك كلام علي بن أسباط: «و ليس في البلد الذي أنا فيه أحد أستفتيه من مواليك».

فالإمام الهادي (عليه السلام) أرجع أهل الري إلى عبد العظيم الحسني، و الإمام الصادق (عليه السلام) أرجع شعيب العقرقوفي إلى الأسدي يعني أبا بصير، و أرجع ابن أبي يعفور إلى محمّد بن مسلم الثقفي، و أرجع يونس بن يعقوب إلى الحارث بن المغيرة. و أرجعوا «آخرين إلى فقهاء آخرين.

و المستفاد من جميع ذلك كفاية الوصول إلى رتبة الفقاهة في المرجع، و عدم اشتراط وصف الأفضليّة عندهم «فيه، و إلا لكان ديدنهم «إرجاع الشيعة في كلّ عصر إلى الأوحدي من صحابتهم الذي هو أفضلهم.

الحجّة السادسة: سيرة المتشرّعة الإماميّة منذ عصر المعصومين إلى زمان الشيخ الأنصاري‏

. فإنّها جارية على أخذ المستفتين الفتيا من الفقيه الذي يقرب إليهم بحسب المكان عند احتمال أفضليّة فقيه آخر الذي يسكن بعيداً عنهم، و الشاهد على ذلك قول علي ابن أسباط.

و أمّا احتمال عدم علمهم بالاختلاف في الفتوى في جميع المسائل، أو عدم علمهم بالتفاضل بين الفقهاء، فالاطمئنان على خلافه، و قد مرّ إثباته.

و أورد على الاحتجاج بها في الكفاية بأنّ:

دعوى السيرة على الأخذ بفتوى أحد المتخالفين في الفتوى من دون فحص عن أعلميّته،

194

مع العدم بأعلميّة أحدهما ممنوعة. (1) أقول: لا ريب في أنّ سيرتهم في عصر المعصومين عند الاستفتاء لم تكن قائمة على الفحص عن الأعلم؛ إذ لو كانت السيرة قائمة على ذلك لبانت، فإنّ مثل هذه السيرة ليس ممّا تخفى، مع تكرّر موارده في أزمنة متعدّدة، و أمكنة متعدّدة حال كون موردها ممّا يبتلى به العامّة، مع أنّه لا ريب في وجود العلم الإجمالي باختلاف المفتين في الفتاوى، فإنّ اتّفاقهم في جميع الفتاوى بعيد عادة.

و قد مرّ أنّ نسبة المسائل التي تكون أحكامها مورداً لاتّفاقهم إلى المسائل التي ليست كذلك، كنسبة الآحاد إلى المئات.

قال في المستمسك:

إنّ مجرّد قيام السيرة على الرجوع إلى المختلفين في الفضيلة لا يجدي في جواز الرجوع إليهم مع الاختلاف في الفتوى، و لم تثبت سيرة على ذلك، و العلم بوجود الخلاف و إن كان محقّقاً، لكن ثبوت السيرة على الرجوع إلى المفضول غير معلوم، بل بعيد جدّاً فيما هو محلّ الكلام أعني صورة الاختلاف المعلوم، و إمكان الرجوع إلى الأعلم. (2) أقول: يمكن إثبات اتّصاف السيرة بالوصفين:

أحدهما: قيامها على الرجوع إلى المفضول عند العلم بالاختلاف.

و ثانيهما: قيامها على الرجوع إلى المفضول عند إمكان الرجوع إلى الأفضل.

و ذلك لأنّ العلم بالاختلاف في الفتوى كما أشرنا إليه كان محقّقاً، و الذي لم يكن متحقّقاً هو العلم بعدم الاختلاف في الفتوى، مع أنّ صرف عدم قيام السيرة على الفحص عن الأعلم عند قصد الرجوع كاف في إثبات المطلوب، فلا يحتاج في الاستدلال بها إلى إحراز قيام السيرة على الرجوع إلى المفضول.

و أمّا إمكان الرجوع إلى الأعلم في ذلك العصر فلا يحرز إلا بعد كون‏

____________

(1) كفاية الأُصول، ج 2، ص 439.

(2) المستمسك، ج 1، ص 27.

195

وجوب تقليد الأعلم أمراً ثابتاً مسلّماً عند المتشرّعة في ذلك الزمان حتّى تحدث منه أسئلة عن الإمام، أو عن بعض أفاضل الصحابة حول هذا الوجوب، و ليس فليس.

ثمّ إنّ إمكان الرجوع إلى الأعلم في ذلك الزمان مثل إمكان الرجوع إلى الإمام أو إلى غير الأعلم، إذا لم يكن الرجوع إلى الإمام مستحيلًا، و كذا لم يكن الرجوع إلى غير الأعلم محالًا، فلم يكن الرجوع إلى الأعلم مستحيلًا.

كان الرجوع إلى الإمام أو الفقيه في ذلك العصر إمّا بالأخذ منه شفاهاً إن كان قريباً، و إمّا بالمكاتبة إن كان بعيداً. مضافاً إلى أنّ الأسفار العلميّة كانت معمولة في ذلك العصر.

و إن كان مراده من إمكان الرجوع إلى الأعلم معرفته فهي أيضاً كانت ممكنة في ذلك العصر، و لم تكن من المستحيلات العاديّة، فقد كانت المعرفة تحصل بسؤال شفاهي، أو كتبي عن الإمام؛ و أنّ سؤال رجل واحد حول ذلك عن الإمام كان كافياً لرجوع قوم، بل أقوام، كما كان سيرتهم ذلك في السؤال عن نفس المرجع و معرفته، مضافاً إلى أنّ معرفة الأعلم لم يكن موقوفاً على السؤال عن الإمام فقد كان تحصيلها ممكناً بالسؤال من فضلاء الصحابة أيضاً.

و يمكن أن يقال: إنّ الاحتجاج بسيرة المتشرّعة غير موقوف على حصول العلم بقيامها على الرجوع إلى المفضول؛ لكفاية عدم قيامها على الرجوع إلى الأفضل، فإنّ الرجوع إلى الأفضل لو كان لبان؛ إذ ليس من الأُمور التي تخفى من جهة كثرة الابتلاء به، كما لم تخف السيرة على أصل الرجوع و أصل التقليد.

الحجّة السابعة: سيرة أهل السنّة

، فإنّها كانت قائمة في عصر المعصومين على التخيير بين الرجوع إلى أي واحد من فقهائهم، و لم تكن قائمة على الرجوع إلى أفضلهم، و من المعلوم أنّ هذه السيرة كانت بمرأى من المعصومين «، و مسمع منهم.

فلو كانت غير مرضيّة لهم لأخبروا شيعتهم بذلك و بأنّهم خاطئين في سيرتهم كما أخبروا بعدم صحّة اجتهادهم بالرأي و بالقياس، فعدم وصول تخطئة منهم لهذه السيرة كاشف عن إمضائهم لها. فهذه السيرة في الأُمور الشرعيّة نظير سيرة العقلاء في‏

196

الأُمور العاديّة.

الحجّة الثامنة: إجماع صحابة الرسولُ‏

. قال الشهيد الثاني (قده) في المسالك في شرح قول المصنّف: «و هل يجوز العدول إلى المفضول؟ فيه تردّد، و الوجه الجواز» (1).

قال الشهيد:

لاشتراك الجميع في الأهليّة، و لما اشتهر من أنّ الصحابة كانوا يفتون مع اشتهارهم بالاختلاف في الأفضليّة، و مع تكرّر الإفتاء لم ينكر عليهم أحد من الصحابة، فيكون إجماعاً منهم على جواز تقليد المفضول مع وجود الأفضل. (2)

الحجّة التاسعة: الإطلاق الأحوالي في إرجاعات المعصومين «إلى فضلاء صحابتهم حاكم‏

بجواز الرجوع إلى ذلك الشخص، سواء أ كان غيره أفضل منه أم لا. و سواء أ كان مختلفاً معه في الفتوى أم لا.

قال في المستمسك:

إنّ الإرجاع على نحو الخصوص كالإرجاع إلى نحو العموم إنّما يقتضي الحجّيّة في الجملة، و لا يشمل صورة الاختلاف، و إلا تعارض مع ما دلّ على الإرجاع إلى غيره بالخصوص. (3) أقول: قد عرفت أنّ الإرجاعات الواردة من المعصومين «سواء أ كانت على نحو العموم، أو على نحو الخصوص إنّما تفيد الحجّيّة الإرشاديّة؛ و لا تعارض في جعل حجج إرشاديّة متعدّدة بعنوان عامّ أو بعنوان خاصّ؛ لأنّ من لوازم الحجّة الإرشاديّة تخيير من له الحجّة في الرجوع إلى أي الحجج، و هذا التوهّم نشأ من قياس حجّيّة الفتوى بحجّيّة خبر الثقة.

____________

(1) مسالك الإفهام، ج 2، ص 353.

(2) ذكرى الشيعة، ص 2، سطر 18.

(3) المستمسك، ج 1، ص 28.

197

الحجّة العاشرة: لو كان تقليد المفضول حراماً عند الشرع لوردت من ناحية الشرع إلى ذلك إشارة

أو دلالة، كما وردت لبيان حرمة تقليد من لا يصلح للإفتاء؛ و عدم الورود أية عدم الوجود.

و لو كان تقليد المفضول حراماً عند الشرع لحكم الشرع بوجوب الفحص لمعرفة الأفضل و عدم وصول أمر منه بالفحص حجّة على عدم الحرمة.

و استدلّ على جواز تقليد المفضول بوجوه لا تخلو من ضعف:

منها: أنّ في وجوب الرجوع إلى الأعلم عسراً.

و فيه أوّلًا: أنّ مفروض الكلام فيما إذا لم يوجب العسر.

و ثانياً: أنّ سيرة متشرّعة المعاصرين، و من قارب عصرنا على ذلك، و لم نشاهد من ذلك عسراً عليهم.

و منها: أنّ وجوب الرجوع إلى الأفضل مستلزم لوجوب الرجوع إلى الأئمّة «، و ذلك خلاف السيرة.

و فيه: أنّ محلّ البحث العلماء العارفون بأقوال الأئمّة المعصومين و أفعالهم و تقاريرهم «، و إلا فلو كان البحث عامّاً لوجب التقليد عن الله عزّ و جلّ بلا واسطة، فالأئمّة «خارجون عن البحث موضوعاً، و الدليل ساقط من أصله.

و منها: استصحاب جواز تقليد غير الأعلم فيما لو تجدّدت أعلميّة أحدهما بعد تساويهما في الفضل، و الاستصحاب وارد على قاعدة الاشتغال، و يتمّ في غير هذه الصورة بعدم القول بالفصل.

و فيه أوّلًا: أنّ ذلك يفيد لمن حكم بوجوب تقليد الأعلم؛ استناداً إلى قاعدة الاشتغال، و لا يفيد لمن حكم به؛ اعتماداً على الدليل الاجتهادي.

و ثانياً: أنّه معارض باستصحاب عدم جواز تقليد المفضول إذا حدث له الاجتهاد عند سبق تقليد الأفضل.

و ثالثاً: أنّ تعدّي الحكم من مورد إلى مورد آخر بسبب عدم القول بالفصل يختصّ بما إذا كان ثبوته في المورد الأوّل بدليل اجتهادي لا بالأصل، فإذا كان ثابتاً بالأصل‏

198

فالمورد الثاني محكوم بالأصل الجاري فيه، لا بالأصل الجاري في غيره.

و رابعاً: أنّ المعتبر في ذلك الباب هو عدم الفصل بمعنى نفيه، لا عدم القول بالفصل، و إلا فكلّ قول ثالث حدث في مسألة يعدّ قولًا بالفصل، و الحال أنّ مثل ذلك لم يعدّ حرفاً للإجماع المركّب، و أنّ نفي الفصل غير موجود في المقام، فالإجماع المركّب غير حاصل.

[فرعان‏]

وظيفة العامّي‏

هذا تمام الكلام في البحث عن أصل هذه المسألة.

و لننقل البحث إلى وظيفة العامّي؛ تبعاً للقوم و إن كان قليل الجدوى. و نقصد من العامّي في هذا المقام من لم يجتهد في مسألة البحث عن تقليد الأعلم، أنّ الواجب عليه العمل على مقتضى عقله.

فإن كان عقله حاكماً بوجوب الاحتياط، و بالعمل بأحوط الأقوال من جهة علمه باشتغال ذمّته بتكاليف معلومة بالإجماع، و من جهة وجوب تحصيل براءة الذمّة عنها فليعمل على طبقه.

و إن كان حاكماً بوجوب الرجوع إلى الأفضل، أو كان حاكماً بالتخيير بينه و بين الرجوع إلى المفضول فهو الوظيفة له.

فإنّ التقليد في هذه المسألة غير واجب من جهة أنّها ليست من المسائل التقليديّة؛ فإنّ وجوب التقليد فيها مستلزم للدور أو الخلف.

قال في الكفاية:

إذا علم المقلّد اختلاف الأحياء في الفتوى مع اختلافهم في العلم فلا بدّ من الرجوع إلى الأفضل إذا احتمل تعيّنه؛ للقطع بحجّيّته، و الشكّ في حجّيّة غيره. (1) و قال تلميذه المدقّق الأصفهاني:

____________

(1) كفاية الأُصول، ج 2، ص 438.

199

توضيحه: أنّ الحجّة العقلائية عبارة عن تنجيز الواقع، و المعذّريّة ظنّ الخطإ. و فتوى الأفضل منجّزة و معذّرة قطعاً؛ لأنّها حجّة إمّا تعييناً، أو تخييراً دون فتوى المفضول؛ إذ ليس فيها إلا احتمال الحجّيّة تخييراً، فيجوز، الاقتصار على فتوى الأفضل في الخروج عن تبعة الواقع و إن أخطأت، و لا يجوز الاقتصار على فتوى المفضول. (1) أقول: إنّ هذا الكلام غير تامّ إلا بعد انسداد احتمال لزوم الاحتياط بالعمل بأحوط الأقوال، و سدّه موقوف على اجتهاد في الجملة، فيخرج عن كونه عامّيّاً.

و الحال هذه إذا استند العامّي إلى بناء العقلاء. فإنّ ذلك اجتهاد منه أيضاً في هذه المسألة، فالاجتهاد في أمثال هذه المسائل يتحقّق بالاعتماد على بناء العقلاء و سيرتهم، فلا يكون عامّيّاً في المسألة و هو خلف الفرض.

ثمّ قال في الكفاية:

و لا وجه لرجوعه إلى الغير في تقليده، إلا على نحو دائر.

نعم لا بأس برجوعه إليه إذا استقلّ عقله بالتساوي، و جواز الرجوع إليه أيضاً، أو جوّز له الأفضل بعد رجوعه إليه، هذا حال العاجز عن الاجتهاد في تعيين ما هو قضيّة الأدلّة في هذه المسألة. (2) و يرد على قوله: «أو جوّز له الأفضل بعد رجوعه إليه» أنّه لا يجوز له الرجوع إلى الأفضل إلا بعد علمه بعدم وجوب الاحتياط، كي يصحّ له جواز الرجوع إلى الأفضل، و قد قلنا: إنّه لا سبيل إلى الحكم بعدم وجوب الاحتياط، إلا باجتهاد في ذلك.

و إذا حصل له هذا الاجتهاد فلا يجوز له التقليد؛ لصيرورته مجتهداً في هذه المسألة. هذا كلّه على ما سلكه القوم.

و لا يكاد ينقضي تعجّبي من هؤلاء الأساطين، فإنّهم عند البحث عن وظيفة العامّي‏

____________

(1) بحوث في الأُصول، الاجتهاد و التقليد، ص 45 و 46.

(2) كفاية الأُصول، ج 2، ص 438.

200

و عن مقتضى عقله يأتون بأدلّة لم يصلوا أنفسهم إليها إلا بعد أن قضوا أعمارهم في تحصيل العلوم العقليّة منها و النقليّة.

و من المعلوم: أنّ العالم لا يستطيع أن يتفكّر مثل الجاهل، سيّما في الأُمور الشرعيّة، و أنّ الخوض في المسائل الدقيقة، و تعميق النظر فيها يجعل المدقّق خارجاً عن الذوق العرفي.

العدول عن الحيّ إلى الحيّ‏

إنّ في جواز العدول عن مفت حي إلى مفت حي آخر قولين:

حكي الجواز عن المحقّق و الشهيد الثانيين (قدس سرهما) في الجعفريّة (1)، و المقاصد العليّة (2)؛ تبعاً للمحكي عن العلامة في النهاية (3)، و اختاره المدقّق الأصفهاني‏ (4).

و حكي عدم الجواز عن التهذيب و شرحه، و الذكرى‏ (5)، و عن العلامة الأنصاري في رسالة الاجتهاد و التقليد (6).

و الأقوى هو القول بالجواز؛ لأنّ إطلاق أدلّة التقليد اللفظيّة حاكم بذلك، فكما دلّ على تخيير العامّي في الرجوع الابتدائي إلى أيّ مفت من المفتين، كما عرفت.

فإنّ لسانها إثبات حجّيّة إرشاديّة لقول المفتي، و مقتضاها التخيير بين الأخذ بها أو بمثلها، فكذلك يدلّ على تخييره استمراراً في الرجوع إلى أيّ مفت، فإنّ لازم الحجّيّة الإرشاديّة رفع اليد عنها، و الأخذ بالأُخرى.

____________

(1) رسائل المحقق الكركي، ج 1، ص 80، الجعفريّة، ص 20.

(2) المقاصد العليّة، ص 29.

(3) نهاية الأحكام، ج 1، ص 398.

(4) نهاية الدراية، ج 6، ص 409 و مابعدها.

(5) ذكرى الشيعة، ص 3.

(6) مجموعة رسائل رسالة الاجتهاد و التقليد، ص 77.

201

و بعبارة أُخرى: إنّ لسان دليل وجوب التقليد هو الحكم بوجوب الاستمرار عليه في كلّ واقعة متجدّدة، و لا يكفي مجرّد الرجوع إلى المفتي في واقعة واحدة، و إنّ هذا الحكم بوجوب التقليد في الواقعة الأُولى لم يكن تعييناً، فكذلك وجوبه في جميع الوقائع؛ لاتّحاد الدلالة و اتّحاد الحكم.

ثمّ إنّ سيرة العقلاء قائمة على ذلك، فالمريض الذي عدل عن طبيبه إلى طبيب آخر غير مؤاخذ عندهم، هذا في الواقعة الواحدة، فكيف في الوقائع المتعدّدة. هذا كلّه على ما سلكناه في هذا الباب.

و أمّا على ما سلكه القوم من قياس حجّيّة الفتوى بحجّيّة الخبر فاصغ لما يتلو عليك المدقّق الأصفهاني في رسالته في هذا الباب، قال:

إنّ حجّيّة الفتوى إمّا من باب الطريقيّة، أو من باب الموضوعيّة، فإن كان من باب الطريقيّة فهي منجّزة للواقع على تقدير الإصابة، و معذّرة عنه عند الخطإ.

و مع فرض التعارض لا معنى لمنجّزيّة كلّ منهما؛ لعدم احتمال الإصابة في كليهما، لكن لا مانع من معذّريّة كلّ منهما، بل لا بدّ من القول به هنا؛ للإجماع و غيره على عدم تساقط الفتويين، و الرجوع إلى غير فتوى المجتهد، مع فرض انحصار الطريق للمقلّد في اتّباع فتوى المجتهد، كما نقول بعدم التساقط في الخبرين المتعارضين للأخبار العلاجيّة الإمرة بالأخذ بأحدهما تعييناً تارة و تخييراً أُخرى، بل إنّ هذا المعنى بعد فرض معقوليّته لا مانع من استفادته من نفس دليل الحجّيّة؛ لأنّ التعارض يمنع عن تصديق دليل الحجّيّة من حيث منجّزيّة الطريقين للواقع، حيث لا واقع في الاثنين.

و لكن لا مانع عن تصديقه من حيث معذّريّة كلّ منهما؛ فإنّ صفة المعذّريّة لكلّ منهما تخييراً بمعنى القناعة عن الواقع بموافقة أحدهما.

و عليه فإن كان معنى حجّيّة كلّ من الفتويين، كون كلّ منهما معذّرة مع دوران عقاب الواقع مدار مخالفتهما معاً؛ فإذا شكّ بعد العمل بإحدى الفتويين في تعيّن ما أخذ به عليه، أم كلّ منهما على ما كانت عليه من المنجّزيّة، و المعذّريّة شرعاً، كان مقتضى‏

202

الاستصحاب بقاءها على تلك الصفة المجعولة شرعاً.

و إن كانت حجّيّة الفتوى من باب الموضوعيّة بجعل الحكم المماثل على طبق كلّ من الفتويين فحال الحكمين حال الواجبين المتزاحمين، فإنّ فرض تخيير من قبل الشارع مولويّاً لا إرشاديّاً إلى ما حكم به العقل فالصحيح منه جعل الحكم المماثل على كلّ منهما بنحو التخيير.

و إن لم يكن تخيير من الشارع فلا مجال لاستصحاب التخيير العقلي.

لكن استصحاب الحكم المأخوذ غير مانع عن ثبوت الآخر؛ لأنّ حكم العقل بالتخيير بين تطبيق العمل بين هذا و ذاك لا يوجب تصرّفاً في الحكم الشرعي، فكلّ منهما ثابت نحو ثبوت لا ينافي ثبوت الآخر على الفرض. (1) انتهى بتلخيص و تحرير.

و أورد تلميذه الجليل على شقّ الطريقيّة من هذا الكلام، فقال:

إنّ المستصحب قد يكون حجّيّة الفتوى المختارة، و قد يكون الحكم الفرعي الذي أفتى به المجتهد الأوّل، كوجوب القصر، و على كلا التقديرين فالمعارضة ثابتة.

أمّا الأوّل: فلما حقّقنا من أنّ المعقول من الحجّيّة التخييريّة هو جعل الطريقيّة لكلّ من المتعارضين منوطاً بالالتزام به بحيث يكون الالتزام بالعمل على طبقها محقّقاً لموضوع الحجّيّة الفعليّة في المختار.

و لا معنى لأن يكون المجعول الشرعي على الطريقيّة هو التنجيز و التعذير؛ لأنّهما من الأحكام العقليّة بمعنى استحقاق العقوبة على مخالفة الواقع و عدمه، فالمجعول الشرعي على الطريقيّة هو إحراز الواقع تعبّداً، و يلزمه عقلًا التعذير و التنجيز، و لا معنى لجعل الطريقيّة للجامع، و لا لأحدهما المبهم، بل الطريق كلّ واحد منهما بشرط اختيار المكلّف له.

فإذا اختار أحدهما يكون هو الحجّة الفعليّة في حقّه. و يتنجّز عليه الحكم الذي يؤدّي إليه المختار.

____________

(1) بحوث في الأُصول، الاجتهاد و التقليد، ص 148.

203

و عليه فلا يعقل بقاء الفتوى المختارة على الحجّيّة الفعليّة مع بقاء الأُخرى على الحجّيّة التخييريّة؛ فبعد رفع اليد عن الالتزام بالأُولى، و الالتزام بالثانية يشكّ في بقاء الحجّيّة الفعليّة للأُولى، فاستصحابها يكون معارضاً لاستصحاب الحجّيّة التخييريّة للثانية. (1) أقول: و في كلامه دام ظلّه مواقع للأنظار.

أحدها: في قوله: «إنّ المعقول من الحجّيّة التخييريّة هو جعل الطريقيّة.» فإنّه غير معقول؛ إذ الطريقيّة ذاتيّة لكلّ طريق، و الذاتيّات غير قابلة للجعل من جهة كون جعلها تحصيلًا للحاصل.

فالمعقول من الحجّيّة التخييريّة هو جعل الحجّيّة الشأنيّة للطريق، فتكون فعليّة الحجّيّة له منوطة بالالتزام به، فالالتزام بالحجّة الشأنيّة و يجعلها حجّة فعليّة؛ لأنّ فعليّتها موقوفة على الالتزام بها، و تدور مداره.

ثانيها: في قوله: «لأنّها من الأحكام العقليّة هما من لوازم الحجّيّة؛ فإذا كانت الحجّيّة مجعولة شرعاً، كما في قوله (عليه السلام): «فإنّهم حجّتي عليكم» فلا بأس من ترتيب هذين الأثرين عليها.

ثالثها: في قوله: «فالمجعول الشرعي على الطريقيّة هو إحراز الواقع تعبّداً» فإنّ ذلك عبارة أُخرى عن التعذير اللازم للحجّيّة، و ليس بشي‏ء غيره.

رابعها: في قوله: «و عليه فلا يعقل بقاء الفتوى المختارة على الحجّيّة الفعليّة مع» إلخ. فإنّ في ذلك خلط بين الفعليّة المطلقة و الفعليّة المشروطة؛ لأنّ منافاة الحجّيّة الفعليّة مع الحجّيّة التخييريّة المعارضة لها إنّما تتحقّق في صورة كون الفعليّة مطلقة، و أمّا إذا كانت مشروطة بالتزام المكلّف بها فلا منافاة بينهما؛ لأنّ الفتوى المختارة حجّة فعليّة بمعنى كونها منجّزة، أو معذّرة ما دام الالتزام بها باقياً، و غير المختارة حجّة شأنيّة بمعنى صيرورتها منجّزة أو معذّرة إن حصل الالتزام بها.

فإذا زال الالتزام بهذه الحجّة الفعليّة فهي تعود شأنيّة؛ لفقدان المشروط بفقد

____________

(1) دروس في فقه الشيعة، ج 1، ص 66.

204

شرطه، كما أنّ الالتزام بإحدى الحجّتين الشأنيّتين لا يوجب سقوط الأُخرى عن الحجّيّة الشأنيّة، و على فرض حدوث الشكّ في السقوط فالاستصحاب حاكم ببقائها، و لا معارضة بينه و بين استصحاب بقاء الحجّيّة الفعليّة المشروطة بالالتزام إن حدث الشكّ في إبقائها.

ثمّ قال دام ظلّه.

و أمّا الثاني: هو أن يكون المستصحب الحكم الفرعي الذي أدّت إليه الفتوى المختارة كوجوب القصر، فاستصحابه ينافي الحجّيّة التخييريّة أيضاً (1) لأنّ مضمون الفتوى هو وجوب صلاة القصر تعييناً و قد تنجّز على المكلّف، بسبب اختياره الفتوى التي تؤدّي إليه.

فوجوب القصر تعييناً معلوم للمكلّف تعبّداً فبقاؤه بالاستصحاب مناف لبقاء الفتوى الثانية على الحجّيّة التخييريّة؛.

أقول: إنّ تنجّز وجوب القصر عليه كان مشروطاً بالتزامه بتلك الفتوى، و بترك الالتزام بها يزول التنجّز عن ذلك الوجوب، فوجوب صلاة القصر عليه تعييناً لم يكن بمطلق، بل كان دائراً مدار الالتزام بتلك الفتوى، و وجوب القصر التعييني المشروط في مرتبة التنجّز للقصر لا ينافي وجوب الإتمام عليه في مرتبة الشأنيّة؛ إذ المسألة الفرعيّة هنا تابعة للمسألة الأُصوليّة، فلا يزيد الفرع على الأصل، و إنّ النتيجة تابعة لأخصّ المقدّمتين.

و اعلم أنّ القائل بعدم جواز العدول احتجّ بوجوه لا تخل من خلل في أنفسها، و على فرض خلوّها من الخلل فهي محجوجة بما ذكرنا من الدليل الاجتهادي على الجواز.

منها: استصحاب الحكم المختار.

و الخلل فيه أنّ تنجّز الحكم المختار عليه كان مشروطاً بالالتزام به، و استصحاب‏

____________

(1) دروس في فقه الشيعة، ج 1، ص 67.

205

مثل هذا الحكم لا يوجب حرمة العدول إلى غيره، و وجوب الالتزام به، و هذا الاستصحاب غير معارض لاستصحاب الحكم الشأني الذي أفتى به الفقيه الأخر.

و منها: قاعدة الاشتغال من جهة دوران الأمر بين التعيين و التخيير. و بيانها في المسألة الأُصوليّة أنّ حجّيّة قول الفقيه الأوّل معلومة، و حجّيّة قول الفقيه الثاني مشكوكة فيها، فهي ساقطة عن الحجّيّة؛ إذ الشكّ فيها ملازم للحكم بعدمها.

إمّا معلوميّة حجّيّة قول الفقيه الأوّل فلأنّه الحجّة المعيّنة على فرض عدم جواز العدول؛ و أنّه الحجّة المخيّرة على فرض جواز العدول.

و أمّا صيرورة قول الثاني مشكوكة فيها فلعدم حجّيّتها على فرض تعيّن الحجّيّة لقول الأوّل.

و في المسألة الفرعيّة نقول: إنّه نفرض رأي الفقيه الأوّل وجوب القصر في مسألة، و رأي الفقيه الثاني وجوب التمام في نفس تلك المسألة. فالمقلّد يعلم بعدم عقاب عليه عند البقاء على وجوب القصر، لكنّ في العدول عنه إلى التمام احتمال العقاب موجود. و الخلل في هذا الوجه يظهر بأدنى تأمّل.

أمّا في المسألة الأُصوليّة فلأنّ احتمال تعيّن حجّة للحجّيّة قد يكون لصفة خاصّة بها بحيث لا يشترك معها عدلها، فالاحتمال في هذه الصورة متمكّن، و قد لا يكون كذلك؛ فالاحتمال ملغى عند العقلاء، و مقامنا من قبيل الثاني؛ فإنّ احتمال تعيّن قول الأوّل في الحجّيّة قد جاء من ناحية الشرع، و هذا مشترك بينها و بين عدلها، و ليس بشي‏ء يختصّ بها.

أوّلًا: فإنّهما مثلان على فرض وجود إطلاق في الباب، و على فرض عدم وجوده و ثانياً: أنّ هذا الوجه لا ينهض في مقابل استصحاب التخيير.

و أورد بعض الأساطين ب:

أنّ الاستصحاب غير جار في جميع الصور، فإذا كان تقليد المجتهد الأوّل متعيّناً ثمّ وجد

206

مثله فيشكّ في حدوث التخيير لا في بقائه. (1) أقول: و لا بأس بهذا الكلام إن لم يكن خروجاً عمّا يبتنى عليه البحث فإنّه مبتن على فرض ثبوت التخيير البدوي، فوقع البحث عن استمراره.

و أمّا بيان الخلل في المسألة الفرعيّة: فإنّ احتمال العقاب في العدول إلى التمام قد نشأ من احتمال تعيّن البقاء على القصر؛ إذ في صورة انتفاء احتمال تعيّن البقاء يعلم بعدم العقاب أيضاً على العدول إلى التمام. و لم أعثر على وجه عقلي؛ أو شرعي لاحتمال تعيّن البقاء، و مثل هذا الاحتمال لا يعبأ به عند العقلاء. مضافاً إلى إجراء استصحاب تعليقي في العمل بالتمام، فيدفع به احتمال العقاب.

و منها: استلزام العدول؛ للعلم بمخالفة قطعيّة للتكيف الواقعي، مثلًا إذا أتى بالظهر قصراً تقليداً لفتوى الأوّل في مورد، و أتى بالعصر تماماً تقليداً لفتوى الثاني في ذلك المورد، فيعلم بفساد إحدى الصلاتين.

قال بعض الأساطين:

لا إجمال في متعلّق البطلان، بل يعلم تفصيلًا ببطلان العصر إمّا لعدم الترتيب؛ لاحتمال فساد الظهر و إمّا لأنّه قصر أيضاً كالظهر.

قال:

و هذا جار في كلّ عملين مترتّبين إذا قلّد في أحدهما مجتهداً ثمّ عدل إلى مجتهد آخر في الثاني. (2) أقول: هذا خلط بين الشرط الواقعي و الشرط الذكري؛ فإنّ ترتّب العصر على الظهر شرط ذكرى، و ليس بواقعي، فلو كان المقلّد متذكّراً للشرط عند الدخول في العصر لم يجز له الدخول فيها بقصد التمام؛ إمّا لعدم الإتيان بالظهر؛ أو لوجوب العصر عليه قصراً.

____________

(1) دروس في فقه الشيعة، ج 1، ص 72.

(2) دروس في فقه الشيعة، ج 1، ص 72.

207

ثمّ لا يخفى ما في إطلاق عبارته، و هذا جار في كلّ عملين مترتّبين، فإنّه يجب التقييد بكونهما مثلين.

و بيان الخلل في هذا الوجه أوّلًا: أنّه منقوض بجميع موارد وجوب العدول أو جوازها، و منقوض بصورة تبدّل رأي المجتهد، و سيجي‏ء فصل القول في جميع هذه الموارد.

و ثانياً: أنّ الدليل أخصّ من المدّعى، و عدم الفصل غير جار كما مرّ.

و ثالثاً: أنّ البحث يصير من صغريات البحث عن إجزاء الحكم الظاهري.

و منها: أنّ العدول يستلزم إمّا التبعيض في المسألة الكلّيّة و لا دليل على صحّة هذا التقليد، أو يستلزم نقض الأعمال السابقة إذا قلّد الثاني في المسألة الكليّة.

قال المدقّق الأصفهاني:

و أمّا الشقّ الأوّل فالوجه في صحّته و متانته: أنّ رأي المجتهد متعلّق بالحكم الكلّي لكلّي الواقعة، و هو الذي يجب الالتزام به، أو الاستناد إليه في مقام العمل، و ليس له رأي متعلّق بالجزئي حتّى يقلّد فيه. (1) أقول: لنا اختيار الشقّ الأوّل؛ إذ لا مانع من القول به عقلًا و نقلًا. قوله: «لا دليل على مثل هذا التقليد» باطل؛ إذ الدليل ما ذكرنا من الأدلّة في صدر البحث.

و أمّا تعلّق رأي المجتهد بالحكم الكلّي لكلّي الواقعة فغير ضائر؛ لانحلال رأيه الكلّي إلى آراء جزئيّة في موارد جزئيّة.

و أمّا الشق الثاني فراجع إلى الوجه السابق.

و لا يخفى أنّ القول بوجوب الأخذ بأحوط القولين كما ذهب إليه بعض الأساطين من قبيل القول بالتوقّف في المسألة، و مرجعه إلى القول بعدم الجواز.

____________

(1) بحوث في الأُصول، الاجتهاد و التقليد، ص 160.

208

التقليد في أُصول الدين‏

قال صاحب الفصول (قده):

اختلفوا في التقليد في أُصول الدين، فقيل بتحريمه و وجوب النظر، و قيل بجوازه، و قيل بوجوبه و تحريم النظر. (1) أقول: إنّ المراد بالتقليد هنا معناه العرفي الذي يقرب من معناه الشرعي، و هو اتّباع الغير من غير طلب حجّة لقوله.

و لمّا كان الاعتقاد بأُصول الدين من أفعال القلب و الجوانح فالتقليد فيها عبارة عن عقد القلب بها الذي يحصل من قول الغير، لأمن الحجّة و الدليل.

و قد مرّ في أوائل البحث: أنّ التقليد في كلّ شي‏ء إنّما يكون من سنخ ذلك الشي‏ء، فالتقليد في الأقوال من مقولة القول، و في الأفعال من مقولة الفعل، و في العقائد من مقولة أوصاف النفس، إذا تبيّن ذلك فنقول: الأقوى هو القول الثاني. فلا يكون التقليد في أُصول الدين حراماً، و لا يكون واجباً و إن قيل: إنّ القول بتحريمه مشتهر بين أصحابنا الإماميّة.

لنا الأوّل: إنّ نبيّنا الكريمُ كان يقبل إسلام كلّ من أقرّ بالشهادتين، و يحكم بأنّه مسلم.

فكان يكتفي في إسلام كلّ أحد بمجرّد إقراره بهما، و لم يكن من دأبه المبارك أن يكلّف كلّ من يدخل الإسلام بالاستدلال و النظر في الحجج، بل كان يأمرهم بتعلّم الفروع و الأحكام الإسلاميّة.

و هذا خير شاهد على عدم وجوب النظر في الحجج المثبتة لأُصول الدين على كلّ مسلم، فلو كان النظر واجباً على القوم لكان رسول اللهُ يكلّف كلّ من أسلم على يده بذلك.

____________

(1) الفصول في علم الأُصول، ج 2، ص 133.

209

الثاني: قوله تعالى في سورة الحجرات:

قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا، قُلْ: لَمْ تُؤْمِنُوا، وَ لكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا، وَ لَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ‏ (1). الآية.

و تقريب الاستدلال بها: أنّه تعالى أمرهم بالإقرار بالإسلام حال كونه تعالى ينفي الإيمان عن قلوبهم، و إطلاقه متناول لصورة إسلامهم من دون نظر دليل و ذلك ليس بقليل.

الثالث: سيرة المسلمين عامّة على عدم الفحص، و النظر في أُصول الدين ما لم يقعوا في خطر الضلال، أو في معرض المناظرة مع غيرهم، و من المعلوم أنّ سيرة كثير من الفقهاء على ذلك.

نعم، سيرة علماء الكلام هو البحث عن الحجج لأُصول الدين، و ذلك شاهد لما قلناه؛ لأنّ الذي يخصّ بهم ذلك، و لا يعدّ خافياً على أحد أنّ الذي يكون مضرّاً هو الشكّ و الريب في صحّة أُصول العقائد؛ فإنّه ملازم لفقدان عقد القلب، فالمطلوب من كلّ مسلم هو الوثوق، و عقد القلب بصحّة أُصول الدين سواء أ كان حاصلًا من الاستدلال و النظر، أو من التقليد.

و قد استدلّ لهذا القول بأنّه لو وجب النظر لدار؛ فإنّ وجوب النظر إنما يثبت بالشرع، و ثبوت الشرع يتوقّف على وجوب النظر.

و فيه أنّ ثبوت الشرع يتوقّف على وجوب النظر عقلًا لا شرعاً.

حجج من قال بحرمة التقليد

الأولى: أنّ الله تعالى قد ذمّ الكفّار في تقليدهم آباءهم في مواضع عديدة من كتابه‏

، كقوله تعالى‏ ما يَعْبُدُونَ إِلَّا كَما يَعْبُدُ آباؤُهُمْ‏ (2).

____________

(1) الحجرات (49) الآية 14.

(2) هود (11) الآية 109.

210

و قوله تعالى حكاية عنهم في غير موضع‏ إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى‏ أُمَّةٍ* (1).

فلو كان التعويل على التقليد مرضيّاً سديداً لما وجّه تعالى الذمّ إليهم، و لكان لهم المعارضة بجوازه في الإسلام.

و الجواب أنّ أمثال هذه الآيات لم يعلم ورودها في ذمّ أصل التقليد، فلدعوى ورودها في ذمّ تقليد خاصّ مجال، و هو التقليد التعصّبي الأعمى، و هو التقليد عن الإباء.

فإنّ الأب بما أنّه أب لا يصلح عند العقل و النقل لأن يصير مقلّداً و مرجعاً؛ فإنّ التقليد يجب عمّن يكون أهلًا لذلك، كالعقلاء و العلماء البحّاثين الذين يبحثون وراء الحقيقة، و ليس لهم تمايل بأي طرف، لا يريدون إلا الوصول إلى الواقع.

فالآية الكريمة تذمّ تقليد من لا أهليّة له للتقليد عنه، أمّا الذمّ عن أصل التقليد فهي ساكتة عنه.

الثانية: أنّ الاعتقاد الحاصل من التقليد في عرضة الزوال‏

، و صاحبه غير مأمون على زواله، فيجب تثبيته بالنظر.

و فيه أوّلًا: أنّ الاعتقاد الحاصل بالنظر قد يكون أيضاً كذلك، فإنّه قد يزول بخدشة في الاحتجاج، أو بإشكال في الاستدلال.

و ثانياً: أنّ محلّ الكلام هو صحّة الاعتقاد الحاصل بالتقليد ما دام ثابتاً لم يزل، فالحجّة أجنبيّة عن البحث.

الثالثة: الأخبار الدالّة على أنّ الإيمان ما استقر في القلب‏

من التصديق بالشهادتين، وجه الدلالة أنّ الاستقرار لا يتحقّق إلا بالدليل.

و الجواب: أنّ الاعتقاد الحاصل من التقليد يستقرّ أيضاً في القلب.

قوله: «إنّ الاستقرار لا يتحقّق إلا بالدليل».

و إن أراد من الدليل ما يشمل لقول المرجع، فالدليل للإيمان الحاصل من التقليد

____________

(1) الزخرف (43) الآية 22.

211

موجود أيضاً، و إن أراد منه ما يقابل هذا المعنى فهو دعوى بلا دليل، بل هو مصادرة واضحة، مع أنّ لازم هذا القول خروج أكثر المسلمين عن الإسلام.

الرابعة: الإجماع‏

و في المعالم: «و هو قول جمهور علماء الإسلام‏ (1)».

و فيه أوّلًا: أنّ المسألة خلافيّة كما عرفت، فدعوى الإجماع فيها كما ترى.

و ثانياً: كيف يصحّ دعوى الإجماع على أمر تكون سيرة عامّة المسلمين، و علمائهم على خلافه؛ فإنّ العلماء يعاملون معاملة الإسلام مع كلّ من يظهر الإسلام من غير فحص عن إسلامه من أنّه تقليدي أو استدلالي.

و ثالثاً: سلّمنا تحقّق الإجماع، لكن تعبّديّته محلّ منع؛ لاحتمال استناد المجمعين على ما ذكر من الأدلّة العقليّة أو النقليّة.

حجج القول بحرمة النظر

الأولى: قولهُ: «عليكم بدين العجائز (2)»

. فإنّ العجائز إنّما يدلّلن دينهنّ بالتقليد.

و الجواب: أنّ الاستدلال في مثل هذا البحث الدقيق العلمي بهذا الحديث المجهول سنداً عجيب.

مع أنّه يمكن أن يكون المراد من دينهنّ هو الدين الموثوق الذي لا يشوبه شكّ؛ فإنّ العجوز قلّما يحدث لها الشكّ في دينها.

و أجيب عنها: بأنّ هذا الكلام قول سفيان الثوري، حيث أثبت منزلة بين الإيمان و الكفر، فقالت عجوز في ردّه: قال الله تعالى‏ هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كافِرٌ وَ مِنْكُمْ مُؤْمِنٌ‏ (3). الآية. فقال سفيان: عليكم بدين العجائز.

____________

(1) معالم الدين في الأُصول، ص 237.

(2) الفصول في علم الأُصول، ج 2، ص 135.

(3) التغابن (64) الآية 2.

212

الثانية: أنّه أي النظر بدعة في الدين‏

؛ إذ لم يعهد عن الصحابة، و إلا لنقل إلينا؛ لتعدّد الدواعي على نقله.

و الجواب: أنّ عدم تعاهد الصحابة على شي‏ء غير مضرّ، بل المضرّ هو تعاهدهم على ترك شي‏ء حال التفاتهم إليه و لم يكن ذلك؛ إذ لو كان لبان.

الثالثة: أنّ النظر في الأُصول مظنّة للوقوع في الشبهة

، و الخروج من الدين؛ لكثرة الشبهات التي تتطرّق إليه.

أقول: بل النظر في الأُصول خالياً عن الانحياز إلى أي صوب مظنّة للخروج عن جميع الشبهات، و ما أبعد البين من هذه الحجّة إلى الحجّة الثانية للقول بوجوب النظر!.

الرابعة: قولهُ: «إذا ذكر القدر فأمسكوا»

. (1) و الجواب: بناء على فرض تسليم صحّة الرواية أنّه يقتصر على القدر، و أين القدر من العقائد الأُصوليّة، و المعارف الحقّة الإسلاميّة؟

و ثالثاً: يمكن أن يكون الأمر بالإمساك متعلّقاً بالبحث عن كيفيّة القدر، فالبحث عن أصل القدر و إثباته غير ممنوع.

____________

(1) بحار الأنوار، ج 58، ص 277، ح 74.

213

مسائل‏

214

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

215

مسائل‏ هذه المسائل هي التي ذكرها الفقيه الأكبر المرحوم السيّد محمّد كاظم اليزدي طاب ثراه في مدخل رسالته الفقهيّة الكبيرة المسمّاة بالعروة الوثقى‏ (1)، و قد جعلتها تكملة للبحث عن الاجتهاد و التقليد، فإنّها فروع لذينك الأصلين.

إنّ البحث الوافي عنهما مقتض للنظر إلى هذه المسائل و للفحص عمّا يبتنى عليها من قواعد و مدارك و حجج.

سيّما إذا عرفنا بأنّ الفروع المذكورة في العروة صارت مطرحاً لأنظار فقهائنا المعاصرين و الله الموفّق و المعين.

____________

(1) العروة الوثقى، ص 2، في التقليد.

216

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}